نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

من معرفة المصادر

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب،


تم تصدير هذا الكتاب آليا بواسطة المكتبة الشاملة (اضغط هنا للانتقال إلى صفحة المكتبة الشاملة على الإنترنت)

الكتاب : نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب المؤلف : أحمد بن المقري التلمساني المحقق : إحسان عباس الناشر : دار صادر- بيروت - لبنان ص.ب 10 الطبعة : الجزء : 1 - الطبعة : 0 ، 1900 الجزء : 2 - الطبعة : 1 ، 1997 الجزء : 3 - الطبعة : 1 ، 1997 الجزء : 4 - الطبعة : 1 ، 1997 الجزء : 5 - الطبعة : 1 ، 1997 الجزء : 6 الطبعة الأولى 1968 طبعة جديدة 1997 الجزء : 7 - الطبعة : 0 ، 1900 عدد الأجزاء : 8 مصدر الكتاب : موقع الوراق http://www.alwarraq.com [ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ] جمعت نكهته في ثغره عبقاً في نسق يسبي الحدق وبدت خجلته في خده شفقاً في فلق تحت غسق وقال: وعشية لبست ملاء شقيق تزهى بلون للخدود أنيق أبقت بها الشمس المنيرة مثل ما أبقى الحياء بوجني معشوق لو أستطيع شربتها كلفاً بها وعدلت فيها عن كؤوس رحيق وقال في مسامرة كتاب زعماء: لله ليلتنا التي استخذى بها فلق الصباح لسدفة الإظلام طرأت علي مع النجوم بأنجم من فتية بيض الوجوه كرام إن حوربوا فزعوا إلى بيض الظبى أو خوطبوا فزعوا إلى الأقلام فترى البلاغة إن نظرت إليهم والبأس بين يراعة وحسام وقال: ومجدين في السرى قد تعاطوا غفوات الهوى بغير كؤوس جنحوا وانحنوا على العيس حتى خلتهم يعتبون أيدي العيس نبذوا الغمض وهو حلو إلى أن وجدوه سلافة في الرؤوس وقال: وحبب يوم السبت عندي أنني ينادمني فيه الذي أنا أحببت ومن أعجب الأشياء أني مسلم حنيف ولكن خير أيامي السبت ولنقتصر من نساء الأندلس على هذا المقدار، ونعد غلى ما كنا فيه من جلب كلام بلغاء الأندلس ذوي الأقدار، فنقول: (4/300) ________________________________________ 681 - قال الخفاجي رحمه الله تعالى (1) : وهاتفة في البان تملي غرامها علينا وتتلو من صبابتها صحفا عجبت لها تشكو الفراق جهالة وقد جاوبت من كل ناحية إلفا ويشجي قلوب العاشقين أنينها وما فهموا مما تغنت به حرفا ولو صدقت فيما تقول فيه من الأسى لما لبست طوقاً ولا خضبت كفا 682 - وقال الأستاذ أبو محمد ابن صارة: متى تلتقي عيناي بدر مكارم تود الثريا أنها من مواطئه ولما أهل المدلجون بذكره وفاح تراب البيد مسكاً لواطئه عرفنا بحسن الذكر حسن صنيعه كما عرف الوادي بخضرة شاطئه وقال يتغزل: يا من تعرض دونه شحط النوى فاستشرفت لحديثه أسماعي إني لمن يحظى بقربك حاسد ونواظري يحسدن فيك رقاعي لم تطوك الأيام عني إنما نقلتك من عيني إلى أضلاعي 683 - مقطعات لابن العطار وقال الأديب أبو القاسم ابن العطار (2) : عبرنا سماء الجو والنهر مشرق وليس لنا إلا الحباب النجوم وقد ألبسته الأيك برد ظلالها وللشمس في تلك البرود رقوم __________ (1) ديوان ابن خفاجة: 370 (عن النفح). (2) القلائد: 285. (4/301) ________________________________________ وله أيضاً (1) : لله بهجة نزهة ضربت به ... فوق الغدير رواقها الأنشام (2) فمع الأصيل النهر درع سابغ ومع الضحى يلتاح فيه حسام وقال أيضاً (3) : هبت الريح بالعشي فحاكت زرداً للغدير ناهيك جنه وانجلى البدر بعد هدء (4) فحاكت ... كفه للقتال منه أسنه وقال أيضاً (5) : لله حسن حديقة بسطت لنا منها النفوس سوالف ومعاطف تختال في حلل الربيع وحليه ومن الربيع قلائد ومطارف وله (6) : وسنان ما إن يزال عارضه يعطف قلبي بعطفة اللام أسلمني للهوى فوا حزني أن بزني عفتي وإسلامي لحاظه أسهم، وحاجبه قوس، وإنسان عينه رامي 684 - وارتجل أبو جعفر ابن خاتمة رحمه الله تعالى لما بات في قرية بيش: __________ (1) القلائد، والمغرب 1: 254. (2) الأنشام - بالشين - نوع من الشجر. (3) القلائد: 285. (4) م: هذا. (5) القلائد: 286. (6) القلائد: 288 والثالث في المغرب. (4/302) ________________________________________ لله منزلنا بقرية بيش كاد الهوى فيها ادكاراً بي يشي رحنا إليها والبطاح كأنها صحف مذهبة بإبريز العشي فأجازه الوزير ابن جزي بقوله: في فتية هزت حميا الأنس من أعطافهم فالكل منها منتشي يأتي علاهم بالصحيح، ولفظهم بالمنتقى، وجمالهم بالمدهش 685 - وقال السلطان أبو الحجاج النصري مرتجلاً أيام مقامه بظاهر جبل الفتح سنة 815: ولم يتركوا أوطانهم بمرادهم ولكن لأحوال أشابت مفارقي أقام بها ليل التهاني تقلباً وقد سكنت جهلاً نفوس الخلائق فعوضتها ليل الصبابة بالسرى وأنس التلاقي بالحبيب المفارق ولم يثنني طرف من النور ناعس ولا معطف للبان وسط الحدائق ولا منهض الأشبال في عقر غيرهم ولا ملعب الغزلان فوق النمارق وعاطيتها صبح الدياجي مدامة تميل بها الركبان فوق الأيانق إذا ما قطعنا بالمطي تنوفة دلجنا لأخرى بالجياد السوابق بحيث التقى موسى مع الخضر آية عسى ترجع العقبى كموسى وطارق وله: من عاذري من غزال زانه حور قد هام لما بدا في حسنه البشر ألحاظه كسيوف الهند ماضية لها بقلبي وإن سالمتها أثر 686 - وقال القاضي أبو القاسم ابن حاتم: شكوت بما دهاك وكان سراً لمن ليست مودته صحيحه فتلك مصيبة عادت ثلاثاً لصحبتها الشماتة والفضيحه (4/303) ________________________________________ 687 - وقال الفقيه محمد بن سعيد الأندلسي مخاطباً للفقيه الفخار: خفف علينا قليلاً أيها المعلم فربما كان فينا من به ألم لا يستطيع نهوضاًمن ألمه وإن تمادى قليلاً خانت القدم كفى وصية مولانا وسيدنا محمد فاسمعوا ما قال والتزموا 688 - وقال ابن جبير اليحصبي فيمن أهدى إليه تفاحاً: خليل لم يزل قلبي قديماً يميل بفرط صاغية إليه أتاني مقبلاً والبشر يبدي وسائل برة كرمت لديه وجاء بعرف تفاح ذكي فقلت أتى الخليل بسيبويه فأهدى من جناه بكل شكل يلوح جمال مهديها عليه 689 - وقال قاضي مالقة سيدي إبراهيم البدوي: قطعت يأسي فصنت نفسي عن الوقوف لذي وجاهه قصدت ربي فكان حسبي ألبسني فضله وجاهه فال يرى ينثني عناني مدى حياتي إلا تجاهه 690 - وقال ابن خليل السكوني في فهرسته: شاهدت بجامع العدبس بإشبيلية ربعة مصحف في أسفار ينحى به لنحو خطوط الكوفة إلا أنه أحسن خطاً وأبينه وأبرعه وأتقنه، فقال لي الشيخ الأستاذ أبو الحسن ابن الطفيل بن عظيمة: هذا خط ابن مقلة، وأنشد: خط ابن مقلة من أرعاه مقلته ودت جوارحه لو أنها مقل ثم قسنا حروفه بالضابط فوجدنا أنواعها تتماثل في القدر والوضع، فالألفات على قدر واحد، واللامات كذلك، والكافات والواوات وغيرها بهذه النسبة، انتهى. (4/304) ________________________________________ قلت: رأيت بالمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام مصحفاً بخط ياقوت المستعصمي بهذه المثابة، وهو من الأوقاف الرستمية، ورأيت بالحجرة الشريفة على صاحبها الصلاة والسلام مصحفاً مكتوباً في آخره ما صورته: كتبته بقلم واحد فقط ما قط قط إلا مرة فقط، انتهى. رجع: 691 - وقال ابن عبدون رحمه الله تعالى: أذهبن من فرق الفراق نفوسا ونثرن من در الدموع تفيسا فتبعتها نظر الشجي فحدقت رقباؤها نحوي عيوناً شوسا وحللن عقد الصبر إذ ودعنني فحللن أفلاك الخدور شموسا حلته إذ حلته حتى خلته عرشاً لها وحسبتها بلقيسا فازور جانبها وكان جوابها: لو كنت تهوانا صحبت العيسا وهي طويلة. قلت: ما أظن لسان الدين نسج قصيدته من هذا البحر والروي إلا على منوال هذه، وإن كان الحافظ التنسي قال: إنه نسجها على قصيدة أبي تمام حسبما ذكرنا ذلك في محله، فليراجع. 692 - وقال أبو عبد الله ابن المناصف قاضي بلنسية ومرسية رحمه الله تعالى: ألزمت نفسي خمولا عن رتبة الأعلام لا يخسف البدر إلا ظهوره في تمام وتذكرت به قول غيره: ليس الخمول بعار على امرئ ذي جلال فليلة القدر تخفى وتلك خير الليالي (4/305) ________________________________________ 693 - وقال الوزير ابن عمار، وقد كتب له أبو المطرف ابن الدباغ شافعاً لغلام طر له عذار: أتاني كتابك مستشفعاً بوجه أبي الحسن من رده ومن قبل فضي ختم الكتاب قرأت الشفاعة في خده 694 - وقال القاضي الأديب، والفيلسوف الأريب، أبو الوليد الوقشي قاضي طليطلة (1) : برح بي أن علوم الورى قسمان ما إن فيهما من مزيد حقيقة يعجز تحصيلها وباطل تحصيله لا يفيد 695 - وقال أبو عبد الله ابن الصفار وهو من بيت القضاء والعلم بقرطبة: لا تحسب الناس سواء متى ما اشتبهوا فالناس أطوار زانظر إلى الأحجار، في بعضها ماء، وبعض ضمنه نار وهذا مثل قول غيره (2) : الناس كالأرض ومنها هم من خشن الطبع ومن لين مرو تشكى الرجل منه الوجى وإثمد يجعل في الأعين ومن نظم ابن الصفار المذكور: إذا نويت انقطاعاً فاعمل حساب الرجوع 696 - وقال أبو مروان الجزيري: ومن العجائب والعجائب جمة أن يلهج الأعمى بعيب الأعور __________ (1) انظر ما تقدم ص: 137. (2) الحصري (التكملة: 434). (4/306) ________________________________________ 697 - وقال حسان بن المصيصي كاتب بن عباد ملك قلطبة: لا تأمنن من العدو لبعده إن امرأ القيس اشتكى الطماحا 698 - وقال الشيخ الأكبر سيدي محيي الدين بن عربي في كتابه الإسفار عن نتائج الأسفار: أنشدني الكاتب أبو عمرو ابن مهيب بإشبيلية أبياتاً عملها في حمود بن إبراهيم بن أبي بكر الهرغي، وكان أجمل أهل زمانه، رآه عندنا زائراً وقد خط عذاره، فقلت: يا أبا عمرو، ما تنظر إلى حسن هذا الوجه فعمل الأبيات في ذلك، وهي: وقالوا العذار جناح الهوى إذا ما استوى طار عن وكره وليس كذاك فخبرهم قياماً بعذري أو عذره إذا كمل الحسن في وجنة فخاتمه ويك من شعره قال بعضهم: رأيت آخر الكتاب المذكور بعد فراغه شعراً نسبه إليه، وهو: يا جاضراً بجماله في خاطري ومحجباً بجلاله عن ناظري إن غبت عن عيني فإنك نورها وضمير سرك سائر في سائري ومن العجائب أنني أبداً إلى رؤياك ذو شوق مديد وافر وع أنني ما كنت قط بمجلس إلا وكنت كنادمي ومسامري 699 - وأنشد في الإحاطة لعبد الله الجذامي: أيا سيدي أشكو لمجدك أنني صددت مراراً عن مثولي بساحتك شكاة اشتياق أنت حقاً طبيبها وما راحتي إلا بتقبيل راحتك قال: وهو عبد الله بن عبد الله بن أحمد بن محمد الجذامي، فاضل ملازم (4/307) ________________________________________ للقراءة، عاكف على الخير، مشارك في العربية، خاطب للرياسة الأدبية، اختص بالأمير أبي علي المنصور ابن السلطان أيام مقامه بالأندلس، ومما خاطبه به معتذراً: أيا سيدي ...... البيتين انتهى. 700 - وقال في ترجمة عبد الله بن أحمد المالقي قاضي غرناطة، وكان فقيهاً بارع الأدب: إنه كتب إلى أبي نصر صاحب القلائد والمطمح أثناء رسالة بقوله: تفتحت الكتابة عن نسيم نسيم المسك في خلق كريم أبا نصر رسمت لها رسوماً تخال رسومها وضح النجوم وقد كانت عفت فأنرت منها سراجاً لاح في الليل البهيم فتحت من الصناعة كل باب فصارت في طريق مستقيم فكتاب الزمان ولست منهم إذا راموا مرامك في هموم فما قس بأبدع منك لفظاً ولا سحبان مثلك في العلوم 701 - وقال الذهبي، وقد جرى ذكر محمد بن الحسن المذحجي الأندلسي ابن الكتاني: إنه أديب شاعر متفنن ذو تصانيف، حمل عنه ابن حزم، ومن شعره: ألا قد هجرنا الهجر واتصل الوصل وبانت ليالي البين واجتمع الشمل فسعدي نديمي، والمدامة ريقها، ووجنتها روضي، وتقبيلها النقل 702 - وقال العلامة محمد بن عبد الرحمن الغرناطي: الشعب ثم قبيلة وعمارة بطن وفخذ والفصيلة تابعه (4/308) ________________________________________ فالشعب مجتمع القبيلة كلها ثم القبيلة للعمارة جامعه والبطن تجمعه العمائر فاعلمن والفخذ تجمعه البطون الواسعه والفخذ يجمع للفصائل هاكها جاءت على نسق لها متتابعه فخزيمة شعب، وإن كنانة لقبيلة منها الفصائل شائعه وقريشها تسمى العمارة يا فتى وقصي بطن للأعادي قامعه ذا هاشم فخذ وذا عباسها أثر الفصيلة لا تناط بسابعه وكتبت هذه الأبيات وإن لم تشتمل على البلاغة لما فيها من الفائدة، ولأن بعض الناس سألني فيها لغرابتها، والأعمال بالنيات. 703 - ولما دخل أبو محمد الكلاعي الجياني على القاضي ابن رشد قام له فأنشده أبو محمد بديهة: قام لي السيد الهمام قاضي قضاةالورى الإمام فقلت قم بي، ولا تقم لي فقلما يؤكل القيام 704 - وقال أبو عبد الرحمن ابن جحاف البلنسي: لئن كان الزمان أراد حطي وحاربني بأنياب وظفر كفاني أن تصافيني المعالي وإن عاديتني يا أم دفر فما اعتز اللئيم وإن تسامى ولا هان الكريم بغير وفر 705 - وقال أبو محمد ابن برطله (1) : ألا إنما سيف الفتى صنو نفسه فنافس بأوفى ذمة وإخاء يزينك مرأى أو يعينك حاجة فيحسن حالي شدة ورخاء __________ (1) زاد في م: وقد سبق ذكره. (4/309) ________________________________________ وقال أيضاً (1) : أنفسي صبراً لا يروعك حادث بإرتاجه واستشعري عاجل الفتح فرب اشتداد في الخطوب لفرجة ... كما انشق ليل طال عن فلق الصبح (2) وقال أيضاً: متى يدنو لوعدكم انتجاز ويبعد من حقيقته المجاز أيجمل أن يؤمكم رجائي فيوقف لا يرد ولا يجاز وجدكم كفيل بالأماني ومطلوبي قريب مستجاز إذا ما أمكنت فرص المساعي فعجز أن يطاولها انتهاز وها أنا قد هززتكم حساماً ويحسن للمهندة اهتزاز فما الإنصاف أن ينضى كهام ويودع غمده العضب الجراز كما نعم العراق بعذب بحر ويشقى بالظما البرح الحجاز فأعيى الناس في المقدار (3) حكم ... تجاذبه خمول واعتزاز 706 - وأنشد الشيخ أبو بكر ابن حبيش لابن وضاح البيت المشهور، وهو: أسرى وأسير في الآفاق من قمر ومن نسيم ومن طيف ومن مثل __________ (1) م: وقوله وقد أجاد وأبلغ في الموعظة. (2) زاد في م بعد هذه المقطوعة مقطوعتين لابن برطله وهما قوله: وأمر كأن المصطلين بحره ... وإن لم تكن نار وقوف على الجمر صبرت له حتى تناءى وإنما ... تفرج أيام الكريهة بالصبر وقوله: نفسي تنازعني فقلت لها اصبري ... موت يريحك أو صعود المنبر ما قد قضي سيكون فاصطبري له ... ولك الأمان من الذي لم يقدر (3) م: المقدور. (4/310) ________________________________________ وابن حبيش المذكور هو أبو بكر محمد بن الحسن بن يوسف (1) بن حبيش - بفتح الحاء - وقد عرف به تلميذه ابن الفهري في رحلته، فقال بعد كلام: أما النظم فبيده عنانه، وأما النثر فإن مال إليه توكف له بنانه (2) ، مع تواضع زائد، على صلة مخبره عائد، لقيته بمنزله ليوم أو يومين من مقدمي على تونس، فتلقى بكل فن يونس، وصادفته بحالة مرض، من وثء (3) في رجله عرض، وعنده جملة من العواد، من الصدور الأمجاد، فأدنى وقرب، وسهل ورحب، وتفاوض أولئك الصدور، في فنون من الأدب كأنها الشذور، إلى أن خاضوا في الأحاجي، واستضاءوا بأنوار أفكارهم في تلك الدياجي، فخضت معهم في الحديث، وأنشدتهم بيتين كنت صنعتهما وأنا حديث، لقصة بلغتني عن أبي الحسن سهل بن مالك، وهي أنه كان يسائل أصحابه وهو في المكتب ويقول لهم: أخرجوا اسمي، فكل ينطق على تقديره، فيقول لهم: إنكم لم تصيبوه مع أنه سهل، فنظمت هذا المعنى فقلت: وما اسم فكه سهل يسير يكون مصغراً نجماً يسير مصحفه له في العين حسن وقلبي عند صاحبه أسير وكان الشيخ أبو بكر على فراشه، فزحف مع ما به من ألم، إلى محبرة وطرس وقلم، وكتب البيتين بخطه، وقال للحاضرين: ارووا هذين البيتين عن قائلهما. ومن شيوخ ابن حبيش المذكور أبو عبد الله ابن عسكر المالقي، كتب له ولأخيه أبي الحسين بخطه إجازة جميع ما يجوز له، وعنه، وضمن آخرها هذه الأبيات: __________ (1) م: يونس؛ قلت وصوابه محمد بن الحسن بن يوسف بن الحسن بن يونس كما أورده ابن رشيد في ملء العيبة (1736 من نسخة الاسكوريال). (2) ابن رشيد: عنانه. (3) ابن رشيد: من ألم، وفي هامش الرحلة: وثء. (4/311) ________________________________________ أجبتكما لكن مقراً بأنني أقصر فيما رمتما عن مداكما فإنكما بدران في العلم أشرقا فسلم إذعاناً وقسراً عداكما فسيروا على حكم الوداد فإنني أجود بنفسي أن تكون فداكما قال ابن رشيد: وقد جمع صاحبنا أبو العباس الأشعري لابن حبيش فهرسة جامعة، ولما وقف عليها ابن حبيش كتب في أولها ما نصه: الحمد لله حق حمده، أحسن هذا الفاضل فيما صنع أحسن الله إليه، وبالغ فيما جمع بلغ الله تعالى به أشرف المراتب لديه، غير أني أقول واحدة، ما سريرتي لها بجاحدة (1) ، وأصرح بمقال، لا يسعني كتمه بحال: والله ما أنا للإجازة بأهل، ولا مرامها لدي بسهل، إذ من شرط المجيز أن يعد فيمن كمل، ويعد العلم والعمل، اللهم غفراً، كيف ينيل من عدم وفراً، أو يجيز من أصبح صدره من المعارف قفراً، وصحيفته من الصالحات صفراً، وكيف يرتسم في ديوان الجلة، من يتسم بالأفعال المخلة، ومتى يقترن الشبه بالإبريز، أو يوصف السكيت بالتبريز، ومن ضعف النهى، مجانسة الأقمار بالسها، ومن أعظم التوبيخ، تشييخ من لا يصلح للتشييخ، وإن هذا المجموع ليروق ويعجب، ولكنه جمع لمن لا يستوجب، وإن القراءة قد تحصلت، ولكن القواعد ما تأصلت، وإن القارئ علم، ولكن المقروء عليه عدم، ولقد شكرت لهذا السري ما جلب، وكتبت مسعفاً له بما طلب، وقرنت إلى دره هذا المخشلب، قلت وحليي عطل، ونطقي خطل، مكره أخاك (2) لا بطل، والله سبحانه وتعالى ينفع بما أخلص له عند الاعتقاد، ويسمح للبهرج عند النتقاد، كتبه العبد المذنب [المستغفر] (3) محمد بن الحسن بن يوسف بن حبيش اللخمي حامداً الله تعالى __________ (1) ابن رشيد: جاحدة. (2) ابن رشيد: أخوك. (3) زيادة من رحلة ابن رشيد. (4/312) ________________________________________ ومصلياً على نبيه الكريم المصطفى وعلى آله أعلام الطهارة والهدى ومسلماً تسليماً. وكتب أيضاً رحمه الله تعالى في جواب استجازة: المسؤول مبذول، إن شاء الله تعالى على التنجيز، ولكن شروط الإجازة موجودة في المجاز معدومة في المجيز، والله تعالى يصفح بكرمه ومنه، ويشكر كل فاضل على تحصيل ظنه، وهو المسؤول سبحانه أن يحفظ بعنايته مهجاتهم، ويرفع بالعلم والعمل درجاتهم، ويمتعهم بالكمال الرائق المعجب، ويقر بالنجيبين عين المنجب، وكتبه ابن حبيش، انتهى. 707 - وقال الوزير الكاتب أبو بكر ابن القبطرنة يستجدي بازياً من المنصور بن الأفطس صاحب بطليوس: يا أيها الملك الذي آباؤه شم الأنوف من الطراز الأول حليت بالنعم الجسام جسيمة عنقي فحل يدي كذاك بأجدل وامنن به ضافي الجناح كأنما حذيت قوائمه بريح شمأل متلفتاً والطل ينثر برده منه على مثل اليماني المحمل أغدو به عجباً أصرف في يدي ريحاً وآخذ مطلقاً بمكبل 708 - وأدخلت على المعتمد يوماً باكورة نرجس، فكتب إلى ابن عمار يستدعيه: قد زارنا النرجس الذكي وآن من يومنا العشي ونحن في مجلس أنيق وقد ظمئنا وفي ري ولي خليل غدا سميي يا ليته ساعد السمي فأجابه ابن عمار: لبيك لبيك من مناد له الندى الرحب والندي (4/313) ________________________________________ ها أنا بالباب عبد قن قبلته وجهك السني شرفه والداه باسم شرفته أنت والنبي واصطبح المعتمد يوم غيم مع أم الربيع، واحتجب عن الندماء، فكتب إليه ابن عمار: تجهم وجه الأفق واعتلت النفس لأن لم تلح للعين أنت ولا الشمس فإن كان هذا منكما من توافق وضمكما أنس فيهنيكما الأنس فأجابه المعتمد بقوله: خليلي قولا هل علي ملامة إذا لم أغب إلا لتحضرني الشمس وأهدي بأكواس المدام كواكباً إذا أبصرتها العين هشت لها النفس سلام سلام أنتما الأنس كله وإن غبتما أم الربيع هي الأنس واستدعى جماعة من إخوان ابن عمار منه شراباً في موضع هو فيه مفقود، فبعث لهم به وبرمانتين وتفاحتين، وكتب لهم مع ذلك: خذاهما مثلما استدعيتماهما عروساً لا تزف إلى اللئام ودونكما بها ثديي فتاة أضفت إليهما خدي غلام 709 - وشرب ذو الوزارتين القائد أبو عيسى ابن لبون مع الوزراء والكتاب ببطحاء لورقة عند أخيه، وابن اليسع غائب، فكتب إليه: لو كنت تشهد يا هذا عشيتنا والمزن يسكن أحياناً وينحدر والأرض مصفرة بالمزن طافية أبصرت دراً عليه التبر ينتثر 710 - وقال الحجاري من القصيدة المشهورة: عليك أحالني الذكر الجميل (4/314) ________________________________________ في وصف زيه البدوي المستثقل وما في طيه: ومثلني بدن فيه خمر يخف به ومنظره ثقيل ولما انصرف (1) عن ابن سعيد إلى ابن هود عذله ابن سعيد على تحوله عنه، فقال: النفس تواقة، وما لي بغير التغرب طاقة، ثم قال: يقولون لي ماذا الملال تقيم في محل فعند الأنس تذهب راحلا فقلت لهم مثل الحمام إذا شدا على غصن أمسى بآخر نازلا 711 - وقد رأيت أن أكفر ما تقدم ذكره من الهزل الذي أتينا به على سبيل الإحماض بما لا بد منه من الحكم والمواعظ وما يناسبها، فنقول: 1 - قال أبو العباس ابن خليل: فهموا إشارات الحبيب فهاموا وأقام أمرهم الرشاد فقاموا وتوسموا بمدامع منهلة تحت الدياجي والأنام نيام وتلوا من الذكر الحكيم جوامعاً جمعت لها الألباب والأفهام يا صاح لو أبصرت ليلهم وقد صفت القلوب وصفت الأقدام لرأيت نور هداية قد حفهم فسرى السرور وأشرق الإظلام فهم العبيد الخادمون مليكهم نعم العبيد وأفلح الخدام سلموا من الآفات لما استسلموا فعليهم حتى الممات سلام 2 - وقال العالم الكبير الشهير صاحب التآليف أبو محمد عبد الحق الإشبيلي رحمه الله تعالى: قالوا صف الموت يا هذا وشدته فقلت وامتد مني عندها الصوت __________ (1) م: انصرف المذكور. (4/315) ________________________________________ يكفيكم (1) منه أن الناس إن وصفوا ... أمراً يروعهم قالوا هو الموت 3 - وقال الخطيب الأستاذ أبو عبد الله محمد بن صالح الكناني الشاطبي نزيل بجاية: جعلت كتاب ربي لي بضاعه فكيف أخاف فقراً أو إضاعه وأعددت القناعة رأس مال وهل شيء أعز من القناعه 4 - وقال القاضي الكبير الأستاذ الشهير أبو العباس أحمد بن الغماز البلنسي نزيل إفريقية: هو الموت فاحذر أن يجيئك بغتة وأنت على سوء من الفعل عاكف وإياك أن تمضي من الدهر ساعة ولا لحظة إلا وقلبك واجف وبادر بأعمال تسرك أن ترى إذا نشرت يوم الحساب الصحائف ولا تيأسن من رحمة الله إنه لرب العباد بالعباد لطائف وقال رحمه الله تعالى: أما آن للنفس أن تخشعا أما آن للقلب أن يقلعا أليس الثمانون قد أقبلت فلم تبق في لذة مطمعا تقضى الزمان ولا مطمع لما قد مضى منه أن يرجعا تقضى الزمان فواحسرتي لما فات منه وما ضيعا ويا ويلتاه لذي شيبة يطيع هوى النفس فيما دعا وبعداً وسحقاً له إذ غدا ... يسمع وعظاً ولن يسمعا (2) __________ (1) م ق: يكفيهم. (2) زاد في م بعد هذا المقطوعتين التاليتين لابن الغماز، وله أيضاً وهو غريب في معناه: أيا صاحب الهم إن الهم منفرج ... كم من أمور شداد فرج الله اليأس يقطع أحياناً بصاحبه ... لا تيأسن فإن الفاتح الله الله حسبك فيما عذت منه به ... وأين يأمنهم من حسبه الله إذا قضى الله فاستسلم لقدرته ... ما لأمرئ حيلة فيما قضى الله سلم إلى الله فيما شاء وأرض به ... فالخير أجمع فيما يصنع الله وقال عفا الله عنه وأجاد في قوله ونصحه: صن النفس وأحملها على ما يزينها ... تعش سالماً والقول منك جميل وإن قل رزق اليوم فأصبر إلى غد ... عسى نائبات الدهر عنك تزول يعز غني النفس إن قل ماله ... ويفنى فقير النفس وهو ذليل وما أكثر الأحباب حين تعدهم ... ولكنهم في النائبات قليل (4/316) ________________________________________ 5 - وقال الأستاذ الزاهد أبو إسحاق الإلبيري الغرناطي رحمه الله تعالى (1) : كل امرئ فيما يدين يدان سبحان من لم يخل منه مكان يا عامر الدنيا ليسكنها وما هي بالتي يبقى بها سكان تفنى وتبقى الأرض بعدك مثلما يبقى المناخ وترحل الركبان أأسر في الدنيا بكل زيادة ... وزيادتي فيها هي النقصان (2) وقال أيضاً رحمه الله تعالى (3) : وذي غنى أوهمته همته أن الغنى عنه غير منفصل __________ (1) ديوان الإلبيري (القطعة: 35 في الملحق - نقلاً عن النفح). (2) زاد هنا في م للإبيري قوله: وقال عفا الله عنه مبتهلاً إلى مولاه: أتيتك راجياً يا ذا الجلال ... ففرج ما ترى من سوء حالي عصيتك سيدي ويلي بجهلي ... وعيب الذنب لم يخطر ببالي إلى من يشتكي المملوك إلا ... إلى مولاه يا مولي الموالي لعمري ليت أمي لم تلدني ... ولم أغضبك في ظلم الليالي فها أنا عبدك العاصي فقير ... إلى رحماك فاقبل لي سؤالي فإن عاقبت يا ربي تعاقب ... محقاً بالعذاب وبالنكال وإن تعف فعفوك قد أراني ... لأفعالي وأوزاري الثقال (3) زاد في م: في تيه الغنى بغناه وهو كلا شيء في عقباه؛ والقطعة رقم 34 في ديوانه نقلاً عن النفح. (4/317) ________________________________________ يجر أذيال عجبه بطراً واختال للكبرياء في الحلل بزته أيدي الخطوب بزته فاعتاض بعد الجديد بالسمل فلا تثق بالغنى فآفته ال فقر وصرف الزمان ذو دول كفى بنيل الكفاف عنه غنى فكن به فيه غير محتفل وقال رحمه الله تعالى (1) : لا شيء أخسر صفقة من عالم لعبت به الدنيا مع الجهال فغدا يفرق دينه أيدي سبا ويديله حرصاً لجمع المال لا خير في كسب الحرام وقلما يرجى الخلاص لكاسب الحلال فخذ الكفاف ولا تكن ذا فضلة فالفضل تسأل عنه أي سؤال وقال رحمه الله تعالى (2) : الشيب نبه ذا النهى فتنبها ونهى الجهول فما استفاق ولا انتهى فإلى متى أهو وأخدع بالمنى والشيخ أقبح ما يكون إذا لها ما حسنه إلا التقى لا أن يرى صباً بألحاظ الجآذر والمها أنى يقاتل وهو مفلول الشبا كابي الجواد إذا استقل تأوها محق الزمان هلاله فكأنما أبقى له منه على قدر السها فغدا حسيراً يشتهي أن يشتهى ولكم جرى طلق الجموح كما اشتهى إن أن أواه وأجهش بالبكا لذنوبه ضحك الجهول وقهقها ليست تنبهه العظات ومثله في سنه قد آن أن يتنهنها فقد اللدات وزال غياً بعدهم هلا تيقظ بعدهم وتنبها يا ويحه ما باله لا ينتهي عن غيه والعمر منه قد انتهى __________ (1) في م: عفا الله عنه في علماء السوء؛ والقطعة رقم: 5 في ديوانه. (2) زاد في م: في المشيب إن حل أوانه؛ والقطعة رقم: 8 في ديوانه. (4/318) ________________________________________ 6 - وقال الأستاذ ولي الله سيدي أبو العباس ابن العريف: من لم يشافه عالماً بأصوله فيقينه في المشكلات ظنون من أنكر الأشياء دون تيقن وتثبت فمعاند مفتون الكتب تذكرة لمن هو عالم وصوابها بمحالها معجون والفكر غواص عليها مخرج والق فيها لؤلؤ مكنون 7 - وقال أبو القاسم ابن الأبرش: أيأسوني لما تعاظم ذنبي أتراهم هم الغفور الرحيم فذروني وما تعاظم منه ... إنما يغفر العظيم العظيم (1) 8 - وقال أبو العباس ابن صقر الغرناطي أو المري، وأصله من سرقسطة (2) : أرض العدو بظاهر متصنع إن كنت مضطراً إلى استرضائه كم من فتى ألقى بوجه باسم وجوانحي تنقد من بغضائه 9 - وقال الكاتب الشهير الشهيد أبو عبد الله محمد بن الأبار القضاعي البلنسي رحمه الله تعالى من أبيات: __________ (1) زاد في م: وقال وقد أحسن ظنه بالمولى تعالى سبحانه: إذا ما بت من ترب فراشي ... وبت مجاور الرب العظيم فهنوني صحابي ثم قولوا ... لك البشرى قدمت على كريم وقال غيره وأظنه من المشارقة: قدمت على الكريم بغير زاد ... من الحسنات بالقلب السليم وحمل الزاد أقبح كل شيء ... إذا كان القدوم على كريم (2) هو أحمد بن عبد الرحمن بن صقر الأنصاري أصله من سرقسطة، وخرج منها أبوه فسكن بلنسية ثم انتقل غلى المرية وبها ولد ابنه سنة 492 وتوفي بمراكش سنة 569؛ انظر التحفة: 49 والوافي 7 الورقة: 22. (4/319) ________________________________________ يا شقيق النفس أوصيك وإن شق في الإخلاص ما تنتهجه لا تبت في كمد من كبد رب ضيق عاد رحباً مخرجه وبلطف الله أصبح واثقاً كل كرب فعليه فرجه ولابن الأبار المذكور ترجمة طويلة استوفيت منها ما أمكنني في أزهار الرياض في أخبار عياض وما يناسبها مما يحصل به للنفس ارتياح وللعقل ارتياض. قال الغبريني في " عنوان الدراية " (1) : لو لم يكن له من الشعر إلا قصيدته السينية التي رفعها للأمير أبي زكريا رحمه الله تعالى يستنجده ويستصرخه لنصرة الأندلس لكان فيها كفاية، وإن كان قد نقدها ناقد، وطعن عليه فيها طاعن، ولكن كما قال أبو العلاء المعري: تكلم بالقول المضلل حاسد وكل كلام الحاسدين هراء ولو لم يكن له من التآليف إلا كتابه المسمى ب " معادن (2) اللجين في مراثي الحسين " لكفاه في ارتفاع درجته، وعلو منصبه وسمو رتبته. ثم قال: توفي بتونس ضحوة يوم الثلاثاء الموفي عشرين لمحرم سنة658 ومولده لآخر شهر ربيع سنة595 ببلنسية، رحمه الله تعالى وسامحه،انتهى. وقال ابن علوان: إنه يتصل سنده به من طرق، منها من طريق الرواية أبي عبد الله محمد بن جابر القيسي الوادي آشي عن الشيخ المقرئ المحدث المتبحر أبي عبد الله محمد بن حيان الأوسي الأندلسي نزيل تونس عنه، ومن طريق والدي صاحب عنواو الدراية عن الخطيب أبي عبد الله ابن صالح عنه،انتهى. قلت: وسندي إليه عن العم عن التنسي عن أبيه عن ابن مرزوق عن جده __________ (1) عنوان الدراية: 185. (2) الغبريني: بكتاب. (4/320) ________________________________________ الخطيب عن ابن جابر الوادي آشي به كما مر. 10 - وقال ابن عبد ربه: بادر إلى التوبة الخلصاء مجتهداً والموت ويحك لم يمدد إليك يدا وارقب من الله وعداً ليس يخلفه لا بد لله من إنجاز ما وعدا 11 - وقال الصدر أبو العلاء ابن قاسم القيسي: يا واقف الباب في رزق يؤمله لا تقطنن فإن الله فاتحه إن قدر الله رزقاً أنت طالبه لا تيأسن فإن الله مانحه 12 - وقال الأعمى التطيلي (1) : تنافس الناس في الدنيا وقد علموا أن سوف تقتلهم لذاتها بددا قل للمحدث عن لقمان أو لبد لم يترك الدهر لقماناً ولا لبدا وللذي همه البنيان يرفعه ... إن الردى لم يغادر في الثرى أحدا (2) ما لابن آدم لا تفنى مطامعه (3) ... يرجو غداً وعسى أن لا يعيش غدا وقال أبو العباس التطيلي (4) : والناس كالناس إلا أن تجربهم وللبصيرة حكم ليس للبصر كالأيك مشتبهات في منابتها وإنما يقع التفضيل في الثمر 13 - وقال القاضي أبو العباس ابن الغماز البلنسي: __________ (1) زاد في م: وقد سبق ذكره مراراً؛ والقطعة في ديوان الأعمى: 27. (2) الديوان: في الشرى أسداً. (3) الديوان: مطالبه. (4) م: وقال الفقيه العالم أبو العباس التطيلي؛ قلت: وهذا يوهم أنه شخص آخر غير الأعمى التطيلي، وهو نفسه والبيتان في ديوانه: 48. (4/321) ________________________________________ من كان يعلم لا محالة أنه لا بد أن يؤدي وإن طال المدى هلا استعد لمشهد يجزي به من قد أعد من اهتدى ومن اعتدى وقال أيضاً (1) : هو الموت فاحذر أن يجيئك بغتة وأنت على سوء من الفعل عاكف وإياك أن تمضي من الدهر ساعة ولا لحظة إلا وقلبك واجف فبادر بأعمال تسرك أن ترى إذا نشرت يوم الحساب الصحائف ولا تيأسن من رحمة الله إنه لرب العباد بالعباد لطائف 14 - ولما اسوزر باديس صاحب غرناطة اليهودي الشهير بابن نغدلة (2) ، وأعضل داؤه المسلمين، قال زاهد إلبيرة وغرناطة أبو إسحاق الإلبيري قصيدته النونية المشهورة التي منها في إغراء صنهاجة باليهود (3) : ألا قل لصنهاجة أجمعين بدور الزمان وأسد العرين مقالة ذي مقة مشفق صحيح النصيحة دنيا ودين لقد زل سيدكم زلة أقر بها أعين الشامتين تخير كاتبه كافراً ولو شاء كان من المؤمنين فعز اليهود به وانتموا وسادوا وتاهوا على المسلمين وهي قصيدة طويلة، فثارت إذ ذاك صنهاجة على اليهود، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وفيهم الوزير المذكور - وعادة أهل الأندلس أن الوزير هو الكاتب - فأراح الله البلاد والعباد، ببركة هذا الشيخ الذي نور الحق على كلامه باد. __________ (1) م: وقال رحمه الله أيضاً في الموت وأهواله؛ وقد مرت الأبيات ص: 316. (2) هذا وجه من وجوه كتابة هذا الاسم، وكثيراً ما يرد: النغراله والنغريله. (3) انظر ديوان الإلبيري: 151 وما بعدها. (4/322) ________________________________________ 15 - وقال أبو الطاهر الجياني المشهور بابن أبي ركب - بفتح الراء وسكون الكاف (1) - : يقول الناس في مثل تذكر غائباً تره فما لي لا أرى وطني (2) ... ولا أنسى تذكره وكان أبو الطاهر هذا في جملة من الطلبة، فمر بهم رجل معه محبرة آبنوس تأنق في حليتها واحتفل في عملها، فأراهم إياها، وقال: أريد أن أقصد بها بعض الأكابر، وأريد أن تتموا احتفالي بأن تصنعوا لي بينكم أبيات شعر أقدمها معها، فأطرق الجماعة، وقال أبو طاهر: وافتك من عدد العلا زنجية في حلة من حلية تتبختر صفراء سوداء الحلي كأنها ليل تطرزه نجوم تزهر فلم يغب الرجل عنهم إلا يسيراً، وإذا به قد عاد إليهم، وفي يده قلم نحاس مذهب، فقال لهم: وهذا مما أعددته للدفع مع هذه المحبرة، فتفضلوا بإكمال الصنيعة عندي بذكره، فبدر أبو الطاهر وقال: حملت بأصفر من نجار حليها تخفيه أحياناً وحيناً يظهر خرسان إلا حين يرضع ثديها فتراه ينطق ما يشاء ويذكر قال ابن الأبار في تحفة القادم: وحضر يوماً في جماعة من أصحابه وفيهم أبو عبد الله ابن زرقون في عقب شعبان في مكان، فلما تملأوا من الطعام قال أبو الطاهر لابن زرقون: أجز يا أبا عبد الله، وأنشد: حمدت لشعبان المبارك شبعة تسهل عندي الجوع في رمضان __________ (1) مر البيتان ص: 113، 160 والأبيات والترجمة عن تحفة القادم: 22 بإيجاز. (2) التحفة: سكني. (4/323) ________________________________________ كما حمد الصب المتيم زورة تحمل فيها الهجر طول زمان فقال: دعوها بشعبانية ولو أنهم دعوها بشبعانية لكفاني 16 - وقال أبو عبد الله ابن خميس الجزائري: تحفظ من لسانك، ليس شيء أحق بطول سجن من لسان وكن للصمت ملتزماً إذا ما أردت سلامة في ذا الزمان وقال أيضاً (1) : كن حلس بيتك مهما فتنة ظهرت تخلص بدينك وافعل دائماً حسنا وإن ظلمت فلا تحقد على أحد إن الضغائن فاعلم تنشئ الفتن وقال: بدا لي أن خير الناس عيشاً من آمنه الإله من الأنام فليس لخائف عيش لذيذ ولو ملك مع الشآم وله (2) : جانب (3) جميع الناس تسلم منهم ... إن السلامة في مجانبة الورى وإذا رأيت من إمرئ يوماً أذى لا تجزه أبداً بما منه ترى وله (4) : __________ (1) م: وقال وقد أجاد ونصح بموعظته. (2) م: وقال في مجانبة الناس والعفو عمن ظلمك. (3) دوزي: سالم. (4) م: وله في تأديب الصغار والحسد. (4/324) ________________________________________ من أدب ابناً له صغيراً قرت به عينه كبيرا وأرغم الأنف من عدو يحسد نعماءه كثيرا 17 - وقال أبو محمد (1) ابن هرون القرطبي: بيد الإله مفاتح الرزق الذي أبوابه مفتوحة لم تغلق عجباً لذي فقر يكلف مثله في الوقت شيئاً عنده لم يخلق وقال أيضاً (2) : لعمرك ما الإنسان يرزق نفسه ولكنما الرب الكيريم يسخره وما بيد المخلوق في الرزق حيلة تقدمه عن وقته أو تؤخره 18 - وقال الأديب الأستاذ أبو محمد ابن صارة رحمه الله تعالى: يا من يصيخ إلى داعي السفاة وقد نادى به الناعيان الشيب والكبر إن كنت لا تمسع الذكرى ففيما ثوى في رأسك الواعيان السمع والبصر ليس الأصم ولا الأعمى سوى رجل لم يهده الهاديان العين والأثر لا الدهر يبقى ولا الدنيا ولا الفلك ال أعلى ولا النيران الشمس والقمر ليرحلن عن الدنيا وإن كره فراقهما الثاويان البدو والحضر وقال رحمه الله تعالى في ابنة ماتت له: ألا يا موت كنت بنا رؤوفاً فجددت الحياة لنا بزوره حماد لفعلك المشكور لما كفيت مؤونة وسترت عوره فأنكحنا الضريح بلا صداق وجهزنا الفتاة بغير شوره __________ (1) م: وقال محمد. (2) م: وقال رحمه الله في الرزق وتسخيره. (4/325) ________________________________________ 19 - وأنشد أبو عبد الله ابن الحاج البكري الغرناطي: يا غادياً في غفلة ورائحاً إلى متى تستحسن القبائحا وكم إلى كم لا تخاف موقفاً يستنطق الله به الجوارحا يا عجباً منك وكنت مبصراً كيف تجنبت الطريق الواضحا كيف تكون حين تقرا في غد صحيفة قد ملئت فضائحا أم كيف ترضى أن تكون خاسراً يوم يفوز من يكون رابحا وممن روى عنه هذه الأبيات الكاتب الرئيس أبو الحسن ابن الجياب، وتوفي ابن الحاج المذكور سنة 715 رحمه الله تعالى. 20 - وقال حافظ الأندلس ومحدثها أبو الربيع سليمان بن موسى بن سالم الكلاعي رحمه الله تعالى: إلهي مضت للعمر سبعون حجة ولي حركات بعدها وسكون فيا ليت شعري أين أو كيف أو متى يكون الذي لا بد أن سيكون والصواب أنهما لغيره كما ذكرته في غير هذا الموضع، وبالجملة فهما من كلام الأندلسيين، وإن لم يحقق ناظمهما بالتعيين (1) . 21 - وقال أبو بكر يحيى التطيلي رحمه الله تعالى: إليك بسطت الكف في فحمة الدجى نداء غريق في الذنوب عريق رجاك ضميري كيف تخلص جملتي وكم من فريق شافع لفريق 22 - وحكي أن بعض المغاربة كتب إلى الملك الكامل بن العادل بن أيوب رقعة في ورقة بيضاء، إن قرئت في ضوء السراج كانت فضية، وإن قرئت في __________ (1) انظر ص: 117 وكذلك نسبهما لأبي بكر ابن منخل الشلبي في التكملة: 496 وإنما أنشدهما أبو الربيع وقال لتلميذه إنه رآهما في ديوان ابن منخل. (4/326) ________________________________________ الشمس كانت زهبية، وإن قرئت في الظل كانت حبراً أسود، وفيها هذه الأبيات: لئن صدني البحر عن موطني وعيني بأشواقها زاهره فقد زخرف الله لي مكة بأنوار كعبته الزاهره وزخرف لي بالنبي يثربا وبالملك الكامل القاهره فقال الملك الكامل قل: وطيب لي بالنبي طيبة وبالملك الكامل القاهره وأظن أن المغربي أندلسي لقوله: لئن صدني البحر عن موطني، فلذلك أدخلته في أخبار الأندلسيين ولست على تحقيق ويقين، والله أعلم. 23 - وأنشد ابن الوليد المعروف بابن الخليع قال: أنشدنا أبو عمر ابن عبد البر النمري الحافظ: تذكرت من يبكي علي مداوماً فلم ألف إلى العلم بالدين والخبر علوم كتاب الله والسنن التي أتت عن رسول الله مع صحة الأثر وعلم الألى من ناقديه وفهم ما له اختلفوا في العلم بالرأي والنظر وأنشد له أيضاً: مقالة ذي نصح وذات فوائد إذا من ذوي الألباب كان استماعها عليكم بآثار النبي فإنه من افضل أعمال الرشاد اتباعها 24 - وقال أبو الحسن عبد الملك بن عياش الكاتب الأزدي اليابري، وسكن أبوه قرطبة (1) : عصيت هوى نفسب صغيراً وعندما رمتني الليالي بالمشيب وبالكبر __________ (1) الذيل والتكملة 5: 28. (4/327) ________________________________________ أطعت الهوى، عكس القضية ليتني خلقت كبيراً وانتقلت إلى الصغر وقيل: إن ابنه أبا الحسن علي بن عبد الملك قال بيتاً مفرداً في معنى ذلك، وهو: هنيئاً له إذ لم يكن كابنه الذي ... أطاع الهوى في حالتيه وما اعتبر (1) وقيل: إن هذا البيت رابع أربعة أبيات (2) . 25 - وقال أبو إسحاق ابن خفاجة لما اجتمع به أبو العرب (3) وسأله عن حاله وقد بلغ في عمره إحدى وثمانين سنة، فأنشده لنفسه: أي عيش أو غذاء أو سنه لابن إحدى وثمانين سنه قلص الشيب به ظل امرئ طالم جر صباه رسنه تارة تسطو به سيئة تسخن العين وأخرى حسنه 26 - وقال أبو محمد عبدالوهاب بن محمد القيسي المالقي: الموت حصاد بلا منجل يسطو على القاطن والمنجلي لا يقبل العذر على حالة ما كان من مشكل أو من جلي 27 - وقال الشيخ عبد الحق الإشبيلي الأزدي صاحب كتاب العاقبة __________ (1) الذيل: وما ائتمر؛ وعن ابن الأبار: وما اعتذر. (2) قلت: أورد في الذيل والتكملة ثلاثة أبيات قبله وهي: أبي قال قولا سار في البدو والحضر ... وخلف في الباقين ذكراً وقد غبر وأسلف إحساناً أوان اقتباله ... وخاف من التقصير في حيز الكبر لذلك ما وإلى أنينا وزفرة ... وأصبح يهوى أن يعاد إلى الصغر هنيئاً له........ ... ......... (البيت). (3) هو أبو العرب عبد الوهاب التجيبي والأبيات في بغية الملتمس ص: 203 والمعجم: 61 والديوان: 355. (4/328) ________________________________________ والإحكام وغيرهما: إن في الموت والمعاد لشغلاً وإدكاراً لذي النهى وبلاغا فاغتنم خطتين قبل المنايا صحة الجسم يا أخي والفراغا 28 - وقال أبو الفضل عبد المنعم بن عمر بن عبد الله بن حسان الغساني من أهل جليانة من عمل وادي آش (1) : ألا إنما الدنيا بحار تلاطمت فما أكثر الغرقى على الجنبات وأكثر من صاحبت يغرق إلفه وقل فتى ينجى من الغمرات وكان المذكور من أهل العلم والأدب، رحل وحج وتجول في البلاد، ونزل القاهرة المعزية، وكان أحد السياحين في الأرض، وله تآليف منها جامع أنماط الوسائل في القريض والخطب والرسائل وأكثره من نظمه ونثره، رحمه الله تعالى. 29 - وقال عبد العليم بن عبد الملك بن حبيب القضاعي الطرطوشي: وما الناس ألا كالصحائف غيرت وألسنهم إلا كمثل التراجم إذا اشتجر الخصمان في فطنة الفتى فمقوله في ذاك أعدل حاكم 30 - وقال أبو الحكم عبد المحسن البلنسي: من كان للدهر للدهر خدناً في تصرفه أبدت له صفحة الدهر الأعاجيبا من كان خلواً من الآداب سربله مر الليالي على الأيام تأديبا 31 - وقال أبو حاتم عمر بن محمد بن فرج من أهل ميرتلة، مدينة بغرب الأندلس، يمدح شهاب الأندلس، يمدح شهاب القضاعي (2) : __________ (1) مرا في ج 2: 614. (2) م: يمدح بها شهاب القضاعي المشهور وهي. (4/329) ________________________________________ شهب السماء ضياؤها مستور عنا إذا أفلت توارى النور فانزع هديت إلى شهاب نوره متألق آماله تبصير تشفي جواهره القلوب من العمى ولطالما انشرحت بهن صدور فإذا أتى فيه حدبث محمد خذ في الصلاة عليه يا مغرور وترحمن على القضاعي الذي وضع الشهاب فسعيه مشكور 32 - وقال الأستاذ أبو محمد غانم بن وليد المخزومي المالقي: ثلاثة يجهل مقدارها الأمن والصحة والقوت فلا تثق بالمال من غيرها ... لو أنه در وياقوت (1) وتذكرت بهذا قول الآخر: إذا القوت تأتى ل ك والصحة والأمن وأصبحت أخا حزن فلا فارقك الحزن وكل ذلك أصله الحديث النبوي [على صاحبه أفضل الصلاة وأزكى التسليم فإنه قال] (2) : " من أصبح آمناً في سربه، معافى في بدنه، معه قوت يومه، فكأنما سيقت له الدنيا بحذافيرها " . وأخبرنا شيخنا القصار أبو عبد الله محمد بن قاسم القيسي مفتي مدينة فاس وخطيبها سنة عشر وألف، قال: حدثنا شيخنا أبو عبد الله محمد بن أبي الفضل التونسي نزيل فاس الشهير بخروف [قال] حدثنا الإمام سيدي فرج الشريف __________ (1) زاد في م هنا المقطوعة الآتية: وقال آخر: قميص من القطن من حله ... وشربة ماء قراح وقوت ينال بها المرء ما يبتغي ... وهذا كثير على من يموت وتذكرت بالأخرى... إلخ. (2) زيادة من م. (4/330) ________________________________________ الطحطاوي، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم يقول " من أصبح آمناً في سربه..... الحديث " . رجع وقال الأستاذ العارف بالله سيدي أبو العباس أحمد بن العريف الأندلسي دفين مراكش، وقد زرت قبره سنة 1010 (1) : إذا نزلت بساحتك الرزايا فلا تجزع لها جزع الصبي فإن لكل نازلة عزاء بما قد كان من فقد النبي وقال رحمه الله تعالى: شدوا الرحال وقد نالوا المنى بمنى وكلهم بأليم الشوق قد باحا راحت ركائبهم تندى روائحها طيباً بما طاب ذاك الوفد أشباحا نسيم قبر النبي المصطفى لهم راح إذا سكروا من أجله فاحا يا راحلين إلى المختار من مضر زرتم جسوماً وزرنا نحن أرواحا إنا أقمنا على شوق وعن قدر ومن أقام على عذر كمن راحا 34 - وقال (2) أبو محمد المحاربي: داء الزمان وأهله داء يعز له العلاج أطلعت في ظلمائه رأياً كما سطع السراج لمعاشر أعيا ثقا في من قناتهم اعوجاج كالدر ما لم تختبر فإذا اختبرت فهم زجاج __________ (1) القطعة في التحفة: 17 والوافي 8 الورقة: 50. (2) م: وقال الأديب. (4/331) ________________________________________ 35 - وقال أبو عبد الله غربيب الثقفي القرطبي (1) : يهددني بمخلوق ضعيف يهاب من المنية ما أهاب له أجل ولي أجل وكل سيبلغ حيث يبلغه الكتاب وما يدري لعل الموت منه ... قريب أينا قبل (2) المصاب وله (3) : أيها الآمل ما ليس له طالما غر جهولاً أمله رب من بات يمني نفسه خانه دون مناه أجله وفتى بكر في حاجاته عاجلاً أعقب ريثاً عجله قل لمن مثل في أشعاره يذهب المرء ويبقى مثله نافس المحسن في إحسانه فسيكفيك مسيئاً عمله قال ابن الأبار: وهذا البيت الأخير في برنامج الطبني. 36 - وقال أبو الحسين سليمان بن الطراوة النحوي المالقي (4) : وقائلة أتصبو للغواني وقد أضحى بمفرقك النهار فقلت لها حثثت على التصابي أحق الخيل بالركض المعار 37 - وقال الحافظ أبو الربيع ابن سالم: إذا برمت نفسي بحال أحلتها على أمل ناء فقرت به النفس __________ (1) غربيب بن عبد الله الطليطلي من قدامى الشعراء وكان أهل بلده يشاورونه في أمورهم؛ انظر الجذوة: 307 (وبغية الملتمس رقم: 1281) والمغرب 2: 23 والقطعة الأولى في المصادر المذكورة. (2) قبل: رواية الجذوة، وفي الأصول: أينا منه. (3) م: وله أيضاً في طول الأمل وما الأمل إلا غرور. (4) انظر أخبار وتراجم أندلسية (السلفي): 17. (4/332) ________________________________________ وأنزل أرجاء الرجاء ركائبي إذا رام إلماماً بساحتي اليأس وإن أوحشتني من أماني نبوة فلي في الرضى بالله والقدر الأنس 38 - وقال أبو الحسن سلام بن عبد الله بن سلام الباهلي الإشبيلي (1) مما أنشده لنفسه في كتابه الذي سماه الذخائر والأعلاق في أدب النفوس ومكارم الأخلاق: إذا تم عقل المرء تمت فضائله وقامت على الإحسان منه دلائله فلا تنكر الأبصار ما هو فاعله ولا تنكر الأسماع ما هو قائله وكان أبو المذكور من وزراء المعتمد بن عباد، رحم الله تعالى الجميع. 39 - وقال أبو بكر الزبيدي اللغوي: اترك الهم إذا ما طرقك وكل الأمر إلى من خلقك وإذا أمل قوم أحداً فإلى ربك فامدد عنقك 40 - وقال القاضي أبو الوليد هشام بن محمد القيسي الشلبي المعروف بابن الطلاء: فاوضت القاضي أبا عبد الله ابن شبرين (2) ما يحذر من فتنة النظر إلى الوجوه الحسان، فقلت: لا تنظرن إلى ذي رونق أبداً واحذر عقوبة ما يأتي به النظر فكم صريع رأيناه صريع هوى زو نظرة قادها يوماً له القدر فأجابني في المعنى الذي انتحيته: __________ (1) سلام - بتخفيف اللام - كان شيخاً جليلاً أديباً شاعراً وله خطب بارعة ومقامات سبع، وقد أودع كتابه المذكور جملة وافرة من شعره؛ توفي بشلب سنة 544 (الذيل والتكملة 4: 48). (2) زاد في م: العالم الفقيه المحدث، فسألته ما يحدث وما... الخ. (4/333) ________________________________________ إذا نظرت فلا تولع بتقليب فربما نظرة عادت بتعذيب ورب هنا للتكثير. 41 - وقال الأستاذ ابن حطوط الله: أتدري أنك الخطاء حقاً وأنك بالذي تأتي رهين وتغتاب الألى فعلوا وقالوا وذاك الظن والإفك المبين قال في " الإحاطة " (1) : أبو محمد عبد الله بن سليمان بن داود بن عمر بن حطوط الله الأنصاري الحارثي، كان فقيهاً جليلاً أصولياً كاتباً أديباً شاعراً متفنناً في العلوم ورعاً ديناً حافظاً ثبتاً فاضلاً، درس كتاب سيبويه ومستصفى أبي حامد الغزالي، وكان، رحمه الله تعالى، مشهوراً بالعقل والفضل، معظماً عند الملوك، معلوم القدر لديهم، يخطب في مجالس الأمراء والمحافل الجمهورية، مقدماً في ذلك بلاغة وفصاحة إلى أبعد مضمار، ولي قضاء إشبيلية وقرطبة ومرسية وسبتة وسلا وميورقة، فتظاهر بالعدل، وعرف بما أبطن من الدين والفضل، وكان من العلماء العاملين، مجانباً لأهل البدع والأهواء،بارع الخط، حسن التقييد، وسمع الحديث، فحصل له سماع لم يشاركه فيه أحد من أهل الغرب، وسمع على الجهابذة كابن بشكوال ةغيره، وقرأ أكثر من ستين تأليفاً بين كبار وصغار، منها الصحيحان، وأكثر عن ابن حبيش وابن الفخار والسهيلي وغيرهم، ومولده في محرم سنة 541، ومات بغرناطة سحر يوم الخميس ثاني ربيع الأول سنة612، ونقل منها في تابوته الذي ألحد فيه يوم السبت تاسع عشر شعبان من السنة المذكورة إلى مالقة فدفن بها، رحمه الله تعالى، انتهى، وبعضه بالمعنى مختصراً. __________ (1) الإحاطة، الورقة: 219. (4/334) ________________________________________ وللمذكور ترجمة واسعة جداً، وألمعت بما ذكرت على وجه التبرك بذكره، رحمه الله تعالى ورضي عنه. 42 - وقال أبو المتوكل الهيثم بن أحمد السكوني الإشبيلي (1) : يجفى الفقير ويغشى الناس قاطبة باب الغني، كذا حكم المقادير وإنما الناس أمثال الفراش فهم يرون حيث مصابيح الدنانير وقال تلميذه ابن الأبار: أنشدني بعض أصحابنا عنه هذين البيتين، ولم أسمعهما منه، انتهى. قلت: وبهذا تعرف وهم من نسب البيتين إلى عبد المهيمن الحضرمي، فإن هذا كان قبل أن يخلق والد عبد المهيمن الحضرمي، وقد أنشدهما الجلاب الفهري في روح الشعر وروح الشحر. 43 - وقال أبو محمد القاسم بن الفتح الحجاري المعروف بابن افريولة: ركابي بأرجاء الرجاء مناخة ورائدها علمي بأنك لي رب وأنك علام بما أنا قائل كما أنت علام بما أضمر القلب لئن آدها ذنب تولت بعبئه لقد قرعت باباً به يغفر الذنب وقال أيضاً (2) : عجباً لحبر قد تيقن أنه سيرى اقتراف يديه في ميزانه ثم امتطى ظهر المعاصي جهرة لم يثنه التأنيب عن عصيانه أنى عصى ولكل جزء نعمة من نفسه وزمانه ومكانه 44 - وقال الشاعر الكبير الشهير أبو بكر يحيى بن عبد الجليل بن مجبر الفهري: __________ (1) انظر ما تقدم ج 3: 379. (2) م: ومما ينسب إليه أيضاً قوله. (4/335) ________________________________________ إن الشدائد قد تغشى الكريم لأن تبين فضل سجاياه وتوضحه كمبرد القين إذ يعلو الحديد به وليس يأكله إلا ليصلحه وقال (1) : لا تغبط المجدب في عمله وإن رأيت الخصب في حاله إن الذي ضيع من نفسه فوق الذي ثمر من ماله 45 - وقال أبو الحجاج يوسف بن أحمد الأنصاري المنصفي البلنسي (2) : قال لي النفس أتاك الردى وأنت في بحر الخطايا مقيم هلا اتخذت الزاد قلت أقصري هل يحمل الزاد لدار الكريم وكان المنصفي المذكور صالحاً، وله رحلة حج فيها، ومال إلى علم التصوف، رحمه الله تعالى، وله فيه أشعار حملت عنه. 46 - وقال أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن الصائغ القرشي الأموي الأندلسي (3) مخمساً أبيات عز الدين بن جماعة قاضي القضاة رحمه الله تعالى: هم الأبي على مقدار منصبه وبسط راحته في طي منصبه ما أنت والدهر تشكو من تقلبه يا مبتلى بقضاء قد بليت به عليك بالصبر واحذر يا أخي جزعك صبراً فللصبر في حرب العدا عدد ذر العدو يمته الغيظ والحسد ولا يكن لك إلا الله معتمد واعلم بأن جميع الخلق لو قصدوا أذاك لم يقدروا والله قد رفعك __________ (1) م: ومن نكته العجيبة قوله. (2) انظر ما تقدم ج 3: 595. (3) ترجم له الصفدي (الوافي 3: 375)، وكان ممن لقيه بالقاهرة، ولقبه محب الدين وله كنية أخرى هي " أبو البقاء " . (4/336) ________________________________________ أعلاك في رتب غر معظمة بالعرف معروفة بالعلم معلمة ومن يناويك في بهماء مظلمة فاصرف هواك وجانب كل مظلمة واصحب فديتك من بالنصح قد نفعك قد اجتلبت من الأيام تبصرة وقد كفاك الهدى والذكر تذكرة فاشكر وقدم مع الإخلاص معذرة واسأل إلهك في الإسحار مغفرة منه وكن معه حتى يكون معك وتوفي المذكور بالقاهرة في الطاعون العام سنة 749. 47 - وقال أبو عبد الله الحميدي (1) : الناس نبت وأرباب القلوب لهم روض وأهل الحديث الماء والزهر من كان قول رسول الله حاكمه فلا شهود له إلا الألى ذكروا وقال أيضاً: من لم يكن للعلم عند فنائه أرج فإن بقاءه كفنائه بالعلم يحيا المرء طول حياته فإذا انقضى أحياه حسن ثنائه وقال أيضاً: دين الفقيه حديث يستضيء به عند الحجاج وإلا كان في الظلم إن تأوه ذو مذهب في قفر مشكلة لاح الحديث له في الوقت كالعلم ولما تعرض بعض من لا يبالي بما ارتكب إلى أصحاب الحديث بقوله: أرى الخير في الدنيا يقل كثيره وينقص نقصاً والحديث يزيد __________ (1) م: محمد الحميدي الأندلسي. (4/337) ________________________________________ فلو كان خيراً كان كالخير كله ولكن شيطان الحديث مريد ولابن معين في الرجال مقالة سيسأل عنها والمليك شهيد فإن يك حقاً قوله فهي غيبة وإن يك زوراً فالقصاص شديد أجابه الإمام أبو عبد الله الحميدي بقصيدة طويلة، منها: وإني إلى إبطال قولك قاصد ولي من شهادات النصوص جنود إذا لم يكن خيراً كلام نبينا لديك فإن الخير منك بعيد وأقبح شيء أن جعلت لما أتى عن الله شيطاناً وذاك شديد وما زلت في ذكر الزيادة معجباً بها تبدئ التلبيس ثم تعيد كلام رسول الله وحي ومن يرم زيادة شيء فهو فيه عنيد ومنها (1) في ابن معين: وما هو إلا واحد من جماعة وكلهم فيما حكوه شهود فإن صد عن حكم الشهادة جاهل فإن كتاب الله فيه عتيد ولولا رواة الدين ضاع وأصبحت معالمه في اللآخرين تبيد هم حفظوا الآثار من كل شبهة وغيرهم عما اقتنوه رقود وهم هاجروا في جمعها وتبادروا إلى كل أفق والمرام كؤود وقاموا بتعديل الرواة وجرحهم فدام صحيح النقل وهو جديد بتبليغهم صحت معالم ديننا حدود تحروا حفظها وعهود وصح لأهل النقل منها احتجاجهم فلم يبق إلا عاند وحقود وحسبهم أن الصحابة بلغوا وعنهم رووا لا يستطاع جحود فمن حاد عن هذا اليقين فمارق مريد لإظهار الشكوك مريد __________ (1) م: ومن هذه القصيدة. (4/338) ________________________________________ ولكن إذا جاء الهدى ودليله فليس لموجود الضلال وجود وإن رام أعداه الديانة كيدها فكيدهم بالمخزيات مكيد 48 - وقال أبو بكر محمد بن محرز الزهري البلنسي (1) ، والتزم الراء في كل كلمة: اشكر لربك وانتظر في إثر عسر الأمر يسرا واصبر لربك وادخر في ستر ضر الفقر أجرا فالدهر يعثر بالورى والصبر بالأحرار أحرى والوفر أظهر معشرا والفقر بالأخيار يغرى وقال أيضاً: اقنع بما أوتيته تنل الغنى وإذا دهتك ملمة فتصبر واعلم بأن الرزق مقسوم فلو رمنا زيادة ذرة لم نقدر والله أرحم بالعباد فلا تسل بشراً تعش عيش الكرام وتؤجر وإذا سخطت لضر حالك مرة ورأيت نفسك قد عدت فاستبصر وانظر إلى من كان دونك تدكر لعظيم نعمته عليك فتشكر 49 - وقال الحافظ أبو محمد ابن حزم: أنشدني والدي أحمد بن سعيد ابن حزم (2) : إذا شئت أن تحيا غنياً فلا تكن على حالة إلا رضيت بدونها 50 - وقال القاضي أبو العباس أحمد بن الغماز البلنسي نزيل تونس: وقالوا أما تخشى ذنوباً أتيتها ولم تك ذا جهل فتعذر بالجهل __________ (1) ترجمته في التحفة: 143. (2) الجذوة: 118. (4/339) ________________________________________ فقلت لهم هبني كما قد ذكرتم تجاوزت في قولي وأسرفت في فعلي أما في رضى مولى الموالي وصفحه رجاء ومسلاة لمقترف مثلي وأنشد رحمه الله تعالى لنفسه في اليوم الذي مات فيه، وهو آخر ما سمع منه ليلة عاشوراء سنة 693: أدعوك يا رب مضطراً على ثقة بما وعدت كما المضطر يدعوكا دارك بعفوك عبداً لم يزل أبداً في كل حال من الأحوال يرجوكا طالت حياتي ولما أتخذ عملاً إلا محبة أقوام أحبوكا 51 - وقال ابن الزقاق، ويقال إنها مكتوبة على قبره (1) : أإخواننا والموت قد حال دوننا وللموت حكم نافذ في الخلائق سبقتكم للموت والعمرطية وأعلم أن الكل لا بد لاحقي بعيشكم أو باضطجاعي في الثرى ألم نك في صفو من العيش رائق فمن مر بي فليمض لي مترحماً ولا يك منسياً وفاء الأصادق 52 - وقال الخطيب (2) أبو عبد الله محمد بن صالح الكتاني الشاطبي، ومولده سنة614 (3) : أرى العمر يفنى والرجاء طويل وليس إلى قرب الحبيب سبيل حباه إله الخلق أحسن سيرة فما الصبر عن ذاك الجمال جميل متى يشتفي قلبي بلثم ترابه ويسمح دهر بالمزار بخيل دللت عليه في أوائل أسطري فذاك نبي مصطفى ورسول __________ (1) ديوانه: 205. (2) زاد في م: الجليل الصالح الفقيه. (3) م: الشاطبي الأندلسي ومولده بشاطبة... الخ. (4/340) ________________________________________ 53 - وقال أيمن بن محمد الغرناطي نزيل طيبة على ساكنها الصلاة والسلام: أرى حجرات قد أحاطت عراصها ببحر محيط حصره غير ممكن بحار المعالي والمعاني وإن طمت لدى لجة تفنى وعن هوله تني محمد المحمود في كل موطن أبو القاسم المختار من خير معدن نبي إذا أبصرت غرة وجهه تيقنت أن العز عز المهيمن لك الله من بدر إذا الشمس قابلت محياه قالت إن ذا طالع سني وله (1) : كل القلوب مطيعة لك في الهوى جانب فديتك من تشاء ووال الحسن وال، والقلوب رعية وعلى الرعية أن تطيع الوالي وقال أيضاً (2) : ألا أيها الباكي على ما يفوته من الحظ في الدنيا جهلت وما تدري على فوت حظ من جوار محمد حقيق بأن تبكي إلى آخر العمر ستدري إذا قمنا وقد رفع اللوا وأحمدها ديناً إلى موقف الحشر من الفائز المغبوط في يوم عرضه أجار النبي المصطفى أم أخو الوفر وله: فررت من الدنيا إلى ساكن الحمى فرار محب لائذ بحبيب لجأت إلى هذا الجناب، وإنما لجأت إلى سامي العماد رحيب وناديت مولاي الذي عنده الغنى نداء عليل في الزمان غريب __________ (1) م: ومن عجيب قوله ورقيق تغزله قوله. (2) م: وقال أيضاً يفخر بسيدنا محمد (ص). (4/341) ________________________________________ أمولاي إني قد أتيتك لائذاً وأنت طبيبي يا أجل طبيب فقال لك البشرى ظفرت من الرضى بأوفر حظ مجزل ونصيب تناومت في أطلال ليل شبيبتي فأدركني بالفجر صبح مشيبي 54 - وقال أبو بكر الزبيدي اللغوي: لو لم تكن نار ولا جنة للمرء إلا أنه يقبر لكان فيه واعظ زاجر ناه لمن يسمع أو يبصر ولقد صدق رحمه الله تعالى ورضي عنه. 55 - ولبعض فقهاء طلبيرة: رأيت الانقباض أجل شيء وأدعى في الأمور إلى السلامه فهذا الخلق سالمهم ودعهم فرؤيتهم تؤول إلى الندامه ولا تغنى بشيء غير شيء يقود إلى خلاصك يوم القيامه 56 - وأمر الكاتب أبو بكر ابن مغاور بكتب هذه الأبيات على قبره، وهي له (1) : أيها الواقف اعتباراً بقبري استمع فيه قول عظمي الرميم أودعوني بطن الضريح وخافوا من ذنوب كلومها بأديمي قلت لا تجزعوا علي فإني حسن الظن بالرؤوف الرحيم ودعوني بما اكتسبت رهيناً غلق الرهن عند مولى كريم 57 - وقال (2) الخطيب ابن صفوان: __________ (1) مرت ثلاثة من هذه الأبيات في ج 3: 331. (2) م: وقال العالم العلامة. (4/342) ________________________________________ رأيتك يدنيني إليك تباعدي فأبعدت نفسي لابتغائي في القرب هربت له منه إليه فلم يكن بي البعد في قربي فصح به قربي فيا رب هل نعمى على العبد بالرضى ينال بها فوزاً من القرب بالقرب وقال الوادي آشي: وهذا النظم معناه جليل، وتكرار القرب وإن قبح عند تاعروضي فهو المحب جميل، وهم القوم يسلم لهم في الأفعال والأقوال، وترتجى بركتهم في كل الأحوال، انتهى. 58 - وقال بعض قدماء الأندلس: سئمت الحياة على حبها وحق لذي السقم أن سأما فلا عيش إلا لذي صحة تكون له للتقى سلما وذيله آخر منهم بقوله: ولا داء إلا لمن لم يزل يقارب في دينه مأثما فلست تعالج جرح الهوى هديت بمثل التقى مرهما 59 - وقال أبو جعفر أحمد (1) السياسي القيسي المري: إذا ما جنى يوماً عليك جناية ظلوم يدق السمر بأساً ويقصف فلا تنتقم يوماً عليه بما جنى وكل أمره للدهر فالدهر منصف وقال أيضاً (2) : ليس حلم الضعيف حلماً، ولكن حلم من لو يشاء صال اقتدارا __________ (1) أحمد: سقطت من ق؛ ولعل السياسي أن تكون " البياسي " . (2) م: وله أيضاً في الحلم والتجاوز عن سيئات من زل إن هفا. (4/343) ________________________________________ من تغاضى عن السفيه بحلم أصبح الناس دونه أنصارا من يزوج كريمة الهمة العل يا علواً فقد أجاد الخيارا ستريه عند الولاد بنيها ال علم والحلم والأناة كبارا 60 - وقال الخطيب الصالح أبو إسحاق ابن أبي العاصي: اعمل بعلمك تؤت علماً إنما جدوى علوم المرء نهج الأقوم وإذا الفتى قد نال علماً ثم لم يعمل به فكأنه لم يعلم وقال موطئاً غلى البيت الأخير: أمولاي أنت العفو الكريم لبذل النوال وللمعذره علي ذنوب وتصحيفها ومن عندك الجود والمغفره 61 - وقال الخطيب المتصوف الشهير أبو جعفر أحمد بن الزيات من بلش مالقة: يقال خصال أهل العلم ألف ومن جمع الخصال الألف سادا ويجمعها الصلاح فمن تعدى مذاهبه فقد جمع الفسادا وقال أيضاً: إن شئت فوزاً بمطلوب الكرام غداً فاسلك من العمل المرضي منهاجا واغلب هوى النفس لا يغررك خادعه فكل شيء يحط القدر منها جا 62 - وقال الأديب الكبير الشهير أبو محمد عبد الله بن محمد بن صارة البكري الشنتريني رحمه الله تعالى (1) : __________ (1) انظر أيضاً ما تقدم ص: 117 (4/344) ________________________________________ بنوا الدنيا بجهل عظموها فجلت عندهم وهي الحقيره يهارش بعضهم بعضاً عليها مهارشة الكلاب على العقيره وقال: أي عذر يكون لا أي عذر لابن سبعين مولع بالصبابه وهو ماء لم تبق منه الليالي في إناء الحياة إلا صبابه وقال أيضاً: ولقد طلبت رضى البرية جاهداً فإذا رضاهم غاية لا تدرك وأرى القناعة للفتى كنز له والبر أفضل ما بخ يتمسك 63 - وقال أبو محمد ابن صاحب الصلاة الداني، ويعرف بعبدون (1) : وعجل شيبي أن ذا الفضل مبتلى بدهر غدا ذو النقص فيه مؤملا ومن نكد الدنيا على المرء أن يرى بها الحر يشقى واللئيم ممولا متى ينعم المعتر عيناً إذا اعتفى جواداً مقلاً أو غنياً مبخلا 64 - وقال أبو الحكم عبيد الله الأموي مولاهم الأندلسي: إذا كان إصلاحي لجسمي واجباً فإصلاح نفسي لا محالة أوجب وإن كان ما يفنى إلى النفس معجباً فإن الذي يبقى إلى العقل أعجب 65 - وقال الفقيه الزاهد أبو إسحاق إبراهيم ابن مسعود الإلبيري رحمه الله تعالى: لله أكياس جفو أوطانهم فالأرض أجمعها لهم أوكطان __________ (1) انظر التكملة: 69. (4/345) ________________________________________ جالت عقولهم مجال تفكر وجلالة فبدا لها الكتمان ركبت بحار الفهم في فلك النهى وجرى بها الإخلاص والإيمان فرست بهم لما انتهوا بجفونهم ... مرسى لهم فيه غنى وأمان (1) 66 - وقال أبو جعفر ابن خاتمة رحمه الله تعالى: يا من يغيث الورى من بعدما قنطوا ارحم عباداً أكف الفقر قد بسطوا عودتهم بسط أرزاق بلا سبب سوى جميل رجاء نحوه انبسطوا وعدت بالفضل في ورد وفي صدر بالجود إن أقسطوا والحلم إن قسطوا عوارف ارتبطت شم الأنوف لها وكل صعب بقيد الجود يرتبط يا من تعرف بالمعروف فاعترفت بجم إنعامه الأطراف والوسط وعالماً بخفيات الأمور فلا وهم يجوز عليه لا ولا غلط عبد فقير بباب الجود منكسر من شأنه أن يوافي حين ينضغط مهما أتى يمد الكف أخجله قبائح وخطايا أمرها فرط يا واسعاً ضاق خطو الخلق عن نعم منه إذا خطبوا في شكرها خبطوا وناشراً بيد الإجمال رحمته فليس يلحق منه مسرفاً قنط ارحم عباداً بضنك العيش قد قنعوا فأينما سقطوا بين الورى لقطوا إذا توزعت الدنيا فما لهم غير الدجنة لحف والثرى بسط لكنهم من ذرا علياك في نمط سام رفيع الذرى ما فوقه نمط ومن يكن بالذي يهواه مجتمعاً فما يبالي أقام الحي أم شحطوا __________ (1) زاد في م أبياتاً قال: وقال الشيخ ابو بكر ابن مغاور (م: مفاوز) وقيل إنها لابن لبال: ودعتها ومدامعي ... تنهل بالدمع الطليق فبكت وأذرت أدمعاً ... في صفحة الخد الأنيق ومصت تعض بنانها ... بين التلهف والشهيق فرأيت دراً ساقطاً ... من نرجسين على شقيق ورأيت مبيض اللجين ... يعض محمر العقيق (4/346) ________________________________________ نحن العبيد وأنت الملك ليس سوى وكل شيء يرجى بعد ذا شطط وقال رحمه الله تعالى: ملاك الأمر تقوى الله فاجعل تقاه عدة لصلاح أمرك وبادرنحو طاعته بعزم فما تدري متى يمضي بعمرك وقال أيضاً (1) : إذا كنت تعلم أن الأمور بحكم الإله كما قد قضى ففيم التفكر والحكم ماض ولا رد للحكم مهما مضى فخل الوجود كما شاءه مدبره وابغ منه الرضى وقال (2) : إذا ما الدهر نابك منه خطب وشد عليك من حنق عقاله فكل لله أمرك لا تفكر ففكرك فيه خبط في حباله وقال (3) : عدوك داره ما اسطعت حتى يعود لديك كالخل الشفيق فما في الأرض أردى من عدو وما في الأرض أجدى من صديق وقال (4) : إن أعرضت دنياك عنك بوجهها وغدت ومنها في رضاك نزاع فاحذر بنيها واحتتفظ من شرهم إن النبين لأمهم أتباع __________ (1) م: في تفويض الأمر إلى الله والإتكال عليه. (2) م: وقال في معناه في توكيل الأمر إلى الله تعالى. (3) م: في مداراة العدو ومكايدته. (4) م: وقد أبلغ في النصيحة وأجاد إلى الغاية. (4/347) ________________________________________ وقال (1) : يا مجيب المضطر عند الدعاء منك دائي وفي يديك دوائي جذبتني الدنيا إليها بضبعي ودعتني لمحنتي وشقائي يا إلهي وأنت تعلم حالي لا تذرني شماتة الأعداء 67 - وقال الحافظ الكبير الشهير أبو عبد الله الحميدي صاحب الجمع بين الصحيحين رحمه الله تعالى (1) : كتاب الله عز وجل قولي وما صحت به الآثار ديني وما اتفق الجميع عليه بدءاً تكن منها على عين اليقين وقال: طريق الزهد أفضل ما طريق وتقوى الله بادية الحقوق فثق بالله يكفك، واستعنه يعنك، وذر بنيات الطريق 68 - وقال أبو بكر مالك بن جبير رحمه الله تعالى: رحلت وإنني من غير زاد وما قدمت شيئاً للمعاد ولكني وثقت بجود ربي وهل يشقى المقل مع الجواد وتوفي المذكور بأريولة - أعادها الله تعالى إلى الإسلام - سنة 561. 69 - وقال ابن جبير اليحصبي وهو الكتب أبو عبد الله محمد: كلما رمت أن أقدم خيراً لمعادي ورمت أني أتوب __________ (1) م: في التضرع إليه تعالى والابتهال إليه. (1) م: في التضرع إليه تعالى والابتهال إليه. (4/348) ________________________________________ صرفتني بواعث النفس قسراً ... فتقاعست والذنوب ذنوب رب قلب قلبي لعزمة خير ... لمتاب ففي يديك القلوب ولتعلم أن كلام أهل الأندلس بحر لا ساحل له، ويرحم الله تعالى لسان الدين بن الخطيب حيث قال في صدر الإحاطة: وهذا الغرض الذي وضعنا له هذا التأليف يطلبنا فيه ما قصدنا به من المباهاة والافتخار بالإكثار، واستيعاب النظام والنثار، ويحملنا فيه خوف السآمة على الاختصار والاقتصار، وكفى بهذا جلاء في الأعذار، والله تعالى مقيل العثار، وساتر العيب المثار، بفضله، انتهى. 70 - ولنختم هذا الباب بقول أبي زكريا يحيى بن سعد بن مسعود القلني: عفوك اللهم عنا ... خير شيء نتمنا رب إنا قد جهلنا ... في الذي قد كان منا وخطينا وخلطنا ... ولهونا ومجنا إن نكن رب أسأنا ... ما أسأنا بك ظنا وذيلته بقولي: فأنلنا الختم بالحس ... نى وإنعاماً ومنا آمين (1) . __________ (1) إلى هنا انتهت النسخة: م. (4/349) ________________________________________ الباب الثامن في ذكر تغلب العدو الكافر على الجزيرة بعد صرفه وجوه الكيد إليها وتضريبه بين ملوكها ورؤسائها بمكره، واستعماله في أمرها حيل فكره، حتى استولى - دمره الله تعالى - عليها، ومحا منها التوحيد واسمه، وكتب على مشاهدها ومعاهدها وسمه، وقرر مذهب التثليث، والرأي الخبيث، لديها، واستغاث أهلها استغاثة أضرابها بالنظم والنثر، أهل ذلك العصر، من سائر الأقطار، حين تعذرت بحصصارها، مع قلة حماتها وأنصارها، المآرب والأوطار، وجاءها الأعداء من خلفها ومن بين يديها، أعاد الله تعالى إليها كلمة الإسلام، وأقام فيها شريعة سيد الانما، عليه أفضل الصلاة والسلام، ورفع يد الكفر عنها وعما حواليها، آمين. ظهور بلاي وخلفائه قال غير واحد من المؤلفين: أول من جمع فل النصارى بالأندلس - بعد غلبة العرب لهم - علج يقال له بلاي (1) ، من أهل أشتوريش من جليقية، كان رهينة عن طاعة أهل بلده، فهرب من قرطبة أيام الحر بن عبد الرحمن الثقفي، الثاني من أمراء العرب بالأندلس، وذلك في السنة السادسة من افتتاحها، وهي سنة ثمان وتسعين من الهجرة، وثار النصارى معه على نائب الحر بن عبد الرحمن، فطردوه وملكوا البلاد، وبقي الملك فيهم إلى الآنن وكان عدة من ملك منهم إلى آخر أيام الناصر لدين الله اثنين وعشرين ملكاً، انتهى. وقال عيسى ابن أحمد الرازي: في أيام عنبسة ابن سحيم الكلبي قام بأرض __________ (1) انظر ما تقدم عن بلاي ج 3: 17. (4/350) ________________________________________ جليقية علج خبيث يقال له بلاي من وقعة أخذ النصارى بالأندلس، وجد الفرنج في مدافعة المسلمين عما بقي بأيديهم، وقد كانوا لا يطمعون في ذلك، ولقد استولى المسلمون بالأندلس على النصرانية وأجلوهم، وافتتحوا بلادهم، حتى بلغوا أريولة من أرض الفرنجة، وافتتحوا بلبونة من جليقية، ولم يبق إلا الصخرة فإنه لاذ بها ملك يقال له بلاي، فدخلها في ثلاثمائة رجل، ولم يزل المسلمون يقاتلونه حتى مات أصحابه جوعاً، وبقي في ثلاثين رجلاً وعشر نسوة، ولا طعام لهم إلا العسل يشتارونه من خروق بالصخرة فيتقوتون به، حتى أعيا المسلمين أمرهم، واحتقروا بهم، وقالوا: ثلاثون علجاً ما عسى أن يجيء منهم فبلغ أمرهم بعد ذلك من القوة والمثرة ما لا خفاء به، وفي سنة مائة وثلاث وثلاثين، هلك بلاي المذكور، وملك ابنه فافله (1) بعده، وكان ملك بلاي تسع عشرة سنة، وابنه سنتين، فملك بعدهما أذفونش بن بيطر (2) جد بني أذفونش هؤلاء اللذين اتصل ملكهم إلى اليوم، فأخذوا ما كان المسلمون أخذوه من بلادهم، انتهى باختصار. وقال المسعودي بعد ذكره غزوة سمورة أيام الناصر، ما صورته (3) : وأخذ ما كان بأيدي المسلمين من ثغور الأندلس مما يلي الفرنجة ومدينة أربونة (4) ، خرجت عن أيدي المسلمين سنة ثلاثمائة وثلاين مع غيرها مما كان بأيديهم من المدن والحصون، وبقي ثغر المسلمين في هذا الوقت وهو سنة 336 (5) من شرق الأندلس طرطوشة، وعلى سائر بحر الروم مما يلي طرطوشة آخذاً في الشمال إفراغه على نهر عظيم ثم لاردة، انتهى. __________ (1) (Fafila). (2) (Alphonso) ابن (pedro)؛ وكان أذفونش هذا قد تزوج ابنة بلاي واسمها أرمنسندا (Ermensida) (فجر الأندلس: 344). (3) مروج الذهب 1: 162. (4) المروج: وآخر ما كان... مدينة أربونة. (5) المروج: وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة. (4/351) ________________________________________ الاستيلاء على طليطلة ومن أول ما استرد الإفرنج من مدن الأندلس العظيمة مدينة طليطلة من يد ابن ذي النون سنة 475، وفي ذلك يقول عبد الله بن فرج اليحصبي المشهور بابن العسال: يا أهل أندلس حثوا مطيكم فما المقام بها إلا من الغلط الثوب ينسل من أطرافه وأرى ثوب الجزيرة منسولاً من الوسط ونحن بين عدو لا يفارقنا كيف الحياة مع الحيات في سفط ويروى صدر البيت الثالث هكذا: ومن جاور الشر لا يأمن بوائقه كيف الحياة مع الحيات في سفط وتروى الأبيات هكذا: حثوا رواحلكم يا أهل أندلس فما المقام بها إلا من الغلط السلك ينثر من أطرافه، وأرى سلك الجزيرة منثوراً من الوسط من جاور الشر لا يأمن عواقبه كيف الحياة مع الحيات في سفط وقال آخر: يا أهل أندلس ردوا المعار فما في العرف عارية إلا مردات ألم تروا بيدق الكفار فرزنه وشاهنا آخر الأبيات شهمات وقال بعض المؤرخين: أخذ الأذفونش طليطلة من صاحبها القادر بالله بن المأمون يحيى بن ذي النون بعد أن حاصرها سبع سنين، وكان أخذه لها في منتصف محرم سنة478؛ انتهى. وفيه بعض مخالفة لما قبله في وقت أخذها، وسيأتي قريباً بعض ما يؤيده. (4/352) ________________________________________ قال: وهي مدينة حصينة قديمة أزلية من بناء العمالقة، على ضفة النهر الكبير، ولها قصبة حصينة في غاية المنعة، ولها قنطرة واحدة عجيبة البنيان على قوس واحد والماء يدخل تحته بعنف وشدة جرى، ومع آخر النهر ناعورة ارتفاعها في الجو تسعون ذراعاً، وهي تصعد الماء إلى أعلى القنطرة، ويجري الماء على ظهرها فيدخل المدينة، وطليطلة هذه دار مملكة الروم، وبها كان البيت المغلق الذي كانوا يتحامون فتحه حتى فتحه لذريق فوجد فيه صورة العرب؛ انتهى. وقد تقدم شيء من هذا فيما مر من هذا الكتاب (1) . وقد حكى ابن بدرون في شرح العبدونية (2) أن المأمون يحيى بن ذي النون صاحب طليطلة بنى بها قصراً تأنق في بنائه، وأنفق فيه مالاً كثيراً، وصنع فيه بحيرة، وبنى في وسطها قبة، وسيق الماء إلى رأس القبة على تدبير أحكمه المهندسون، فكان الماء ينزل من أعلى القبة حواليها محيطاً بها متصلاً بعضه ببعض، فكانت القبة في غلالة من ماء سكب لا يفتر، والمأمون بن ذي النون قاعد فيها لا يمسه من الماء شيء، ولو شاء أن يوقد فيها الشمع لفعل، فبينما هو فيها إذ سمع منشداً ينشد: أتبني بناء الخالدين، وإنما بقاؤك فيها، لو علمت، قليل لقد كان في ظل الأراك كفاية لمن كل يوم يعتريه رحيل فلم يلبث بعد هذا إلا يسيراً حتى قضى نحبه، انتهى. وقال ابن خلكان (3) : إن طليطلة أخذت يوم الثلاثاء مستهل صفر سنة 478 بعد حصار شديد، انتهى. __________ (1) انظر ما تقدم ج 1: 161، 206. (2) البسامة: 271. (3) وفيات الأعيان 4: 118. (4/353) ________________________________________ وقال ابن غلقمة: إن طليطلة أخذت يوم الأربعاء لعشر خلون من المحرم سنة478، وكانت وقعة الزلاقة في السنة بعدها، انتهى. وقعة الزلاقة نقلاً عن الروض المعطار وغيره ورأيت هنا أن أذكر وقعة الزلاقة التي نشأت عن أخذ طليطلة وما يتبع ذلك من كلام صاحب الروض المعطار وغيره فنقول (1) : إنه لما ملك يوسف بن تاشفين اللمتوني المغرب، وبنى مدينتي تلمسان ومراكش الجديدة، وأطاعته البربر مع شكيمتها الشديدة، وتمهدت له الأقطار الطويلة المديدة، تاقت نفسه إلى العبور لجزيرة الأندلس، فهم بذلك، وأخذ في إنشاء المراكب والسفن ليعبر فيها، فلما علم بذلك ملوك الأندلس كرهوا إلمامه بجزيرتهم، وأعدوا له العدة والعدد، وصعبت عليهم مدافعته، وكرهوا أن يكونوا بين عدوين الفرنج من شمالهم والمسلمين من جنوبهم، وكانت الفرنج تشتد وطأتها (2) عليهم، وتغير تنهب، وربما يقع بينهم صلح على شيء معلوم كل سنة يأخذونه من المسلمين، والفرنج ترهب ملك المغرب يوسف بن تاشفين، إذ كان له اسم كبير وصيت عظيم، لنفاذ أمره وسرعة تملكه بلاد المغرب، وانتقال الأمر إليه في أسرع وقت، مع ما ظهر لأبطال الملثمين ومشايخ صنهاجة في المعارك من ضربات السيوف ورعب في قلوب المنتدبين لقتاله، وكان ملوك الأندلس يفيئون إلى ظله، ويحذرونه خوفاً على ملكهم، مهما عبر إليهم وعاين بلادهم، فلما رأوا ما دلهم على عبوره إليهم وعلموا ذلك، راسل بعضهم بعضاً يستنجدون آراءهم في أمره، وكان مفزعهم في ذلك إلى المعتمد بن عباد، لأنه أشجع القوم، وأكبرهم مملكة، فوقع اتفاقهم __________ (1) أكثر هذا النص منقول عن ابن خلكان 6: 112 وما بعدها. (2) ق ص: تشتد وطاستها. (4/354) ________________________________________ على مكاتبته لما تحققوا أنه يقصدهم يسألونه الإعراض عنهم، وأنهم تحت طاعته، فكتب عنهم كاتب من أهل الأندلس كتاباً، وهو: أما بعد فإنك إن أعرضت عنا نسبت إلى كرم، ولم تنسب إلى عجز، وإن أجبنا داعيك نسبنا إلى عقل، ولم ننسب إلى وهن، وقد اخترنا لأنفسنا أجمل نسبتينا، فاختر لنفسك أكرم نسبتيك، فإنك بالمحل الذي لا يجب أن تسبق فيه إلى مكرمة، وإن في استباقك ذوي البيوت ما شئت من دوام لأمرك وثبوت، والسلام. فلما وصله الكتاب مع تحف وهدايا، وكان يوسف بن تاشفين لا يعرف باللسان العربي، لكنه ذكي الطبع، يجيد فهم المقاصد، وكان له كاتب يعرف اللغتين العربية والمرابطية، فقال له: أيها الملك، هذا الكتاب من ملوك الأندلس يعظمونك فيه، ويعرفونك أنهم أهل دعوتك، وتحت طاعتك، ويلتمسون منك أن لا تجعلهم في منزلة الأعادي، فإنهم مسلمون وذوو بيوتات، فلا تغير بهم، وكفى بهم من وراءهم من الأعداء الكفار، وبلدهم ضيق لا يحتمل العساكر، فأعرض عنهم إعراضك عمن أطاعك من أهل الغرب، فقال يوسف ابن تاشفين لكاتبه: فما ترى أنت فقال: أيها الملك اعلم أن تاج الملك وبهجته شاهده الذي لا يرد، فإنه خليق بما حصل في يده من الملك والمال أن يعفو إذا استعفي، وأن يهب إذا استوهب، وكلما وهب جليلاً جزيلاً كان لقدره أعظم، فإذا عظم قدره تأصل ملكه، وإذا تأصل ملكه تشرف الناس بطاعته، وإذا كانت طاعته شرفاً جاءه الناس، ولم يتجشم المشقة إليهم، وكان وارث الملك من غير إهلاك لآخرته، واعلم أن بعض الملوك الحكماء الأكابر البصراء بطريق تحصيل الملك قال: من جاد ساد، ومن ساد قاد، ومن قاد ملك البلاد، فلما ألقى الكاتب هذا الكلام على السلطان يوسف بلغته فهمه وعلم صحته، فقال للكاتب: أجب القوم، واكتب بما يجب في ذلك، واقرأ علي كتابك، فكتب الكاتب: بسم الله الرحمن الرحيم، من يوسف بن تاشفين، سلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، تحية من سالمكم وسلم عليكم، وإنكم مما في أيديكم من الملك في أوسع إباحة، مخصوصين منا بأكرم إيثار (4/355) ________________________________________ وسماحة، فاستديموا وفاءنا بوفائكم، واستصلحوا إخاءنا بإصلاح إخائكم، والله ولي التوفيق لنا ولكم، والسلام. فلما فرغ من كتابه قرأه على يوسف بن تاشفين بلسانه، فاستحسنه، وقرن به ما يصلح لهم من التحف ودرق اللمط التي لا توجد إلا ببلاده، وأنفذ ذلك إليهم، فلما وصلهم ذلك وقرأوا كتابه فرحوا به، وعظموه، وسروا بولايته، وتقوت نفوسهم على دفع الفرنج عنهم، وأزمعوا إن رأوا من الفرنج ما يريبهم أنهم يرسلون إلى يوسف بن تاشفين ليعبر إليهم، أو يمدهم بإعانة منه. وكان ملك الإفرنج الأذفونش لما وقعت الفتنة بالأندلس وثار الخلاف، وكان كل من حاز بلداً وتقوى فيه ملكه وادعى الملك وصار مثل ملوك الطوائف، فطمع فيهم الأذفونش بسبب ذلك، وأخذ كثيراً من ثغورهم، فقوي شأنه، وعظم سلطانه، وكثرت عساكره، وأخذ طليطلة من صاحبها القادر بالله بن المأمون يحيى بن ذي النون بعد أن حاصرها سبع سنين، وكان أخذه لها في نتصف محرم سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، فزاد لعنه الله تعالىبملكه طليطلة قوة إلى قوته، وأخذ يجوس من خلال الديار، ويستفتح المعاقل والحصون. قال ابن الأثير في " الكامل " (1) : وكان المعتمد بن عباد أعظم ملوك الأندلس ومتملك أكثر بلادها (2) ، مثل قرطبة وإشبيلية، وكان - مع ذلك - يؤدي الضريبة إلى الأذفونش كل سنة، فلما تملك الأذفونش طليطلة أرسل إليه المعتمد الضريبة المعتادة (3) ، فلم يقبلها منه، وأرسل إليه يهدده ويتوعده بالمسير إلى قرطبة ليفتحها، إلا أن يسلم إليه جميع الحصون المنيعة (4) ، ويبقى السهل للمسلمين، وكان الرسول في جمع كثير نحو خمسمائة فارس، فانزله المعتمد، وفرق أصحابه على قواد __________ (1) الكامل 10: 142 (ط. صادر). (2) ابن الأثير: وكان يملك أكثر البلاد. (3) ابن الأثير: على عادته. (4) ابن الأثير: الحصون التي بالجبل. (4/356) ________________________________________ عسكره، ثم أمر قواده أن يقتل كل منهم من عنده من الكفرة، وأحضر الرسول وصفعه (1) حتى خرجت عيناه، وسلم من الجماعة ثلاثة نفر، فعادوا إلى الأذفونش وأخبروه الخبر، وكان متوجهاً إلى قرطبة ليحاصرها، فرجع إلى طليطلة ليجمع آلات الحصار، ويكثر العدد والعدة، انتهى. وقال الفقيه أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن المنعم الحميري في كتابه الروض المعطار في ذكر المدن والأقطار ما ملخصه (2) : إنه لما اشتغل المعتمد بغزو ابن صمادح صاحب المرية حتى تأخر الوقت الذي كان يدفع فيه الضريبة للأذفونش وأرسلها إليه بعد ذلك، استشاط الطاغية غضباً وتشطط، وطلب بعض الحصون زيادة على الضريبة، وأمعن في التجني، وسأل في دخول امرأته القمجيطة (3) إلى جامع قرطبة لتلد فيه، إذ كانت حاملاً، لما أشار عليه بذلك القسيسون والأساقفة لمكان كنيسة كانت في الجانب الغربي منه معظمة عندهم عمل عليها المسلمون الجامع الأعظم، وسأل أن تنزل امرأته المذكورة بالمدينة الزهراء غربي مدينة قرطبة - وهي (4) التي أنشأ بناءها الناصر لدين الله، وأمعن في بنائها، وأغرب في حسنها، وجلب إليها الرخام الملون والمرمر الصافي والحوض المشهور من البلاد والأقطار، وكان يثيب على السارية بكذا وكذا غير الثمن وأجرة الحمل، وأنفق فيها الأموال العظيمة، واشتغل بها، وكان يباشر الصناع بنفسه، حتى تخلف عن حضور الجمعة ثلاث مرات متواليات، وحضر في الرابعة، وكان الخطيب يومئذ الفقيه الزاهد منذر بن سعيد البلوطي، فعلض به في الخطبة، ووبخه على رؤوس الملأ، وقصته في ذلك مشهورة، وبناء الزهراء أيضاً من أغرب مباني الإسلام، فمن أراد الوقوف على ذلك فعليه بتاريخ ابن حيان - . __________ (1) في بعض أصول ابن الأثير: وضغطه. (2) الروض: 84 - 95. (3) الروض: القمطيجة. (4) وهي.... ابن حيان: استطراد من المقري ليس في الروض المعطار. (4/357) ________________________________________ ولنرجع إلى الأذفونش فإن الأطباء والقسوس لما أشاروا أن تكون المرأة المذكورة ساكنة بالزهراء، وتتردد إلى الجامع المذكور حتى تكون ولادتها بين طيب نسيم الزهراء وفضيلة موضع الكنيسة من الجامع المذكور، وكان السفير في ذلك يهودياً كان وزير الأذفونش، فامتنع ابن عباد من ذلك، فراجعه، فأباه وأيأسه من ذلك، فراجعه اليهودي في ذلك، وأغلظ له في القول، وواجهه (1) بما لم يحتمله ابن عباد، فأخذ ابن عباد محبرة كانت بين يديه وضرب بها رأس اليهودي، فأنزل دماغه في حلقه، وأمر به فصلب منكوساً بقرطبة، واستفتى لما سكن غضبه الفقهاء عن حكم ما فعله باليهودي، فبادر الفقيه محمد بن الطلاع بالرخصة في ذلك لتعدي الرسول حدود الرسالة إلى ما استوجب به القتل، إذ ليس له في ذلك، وقال للفقهاء: إنما بادرت بالفتوى خوفاً أن سكسل الرجل عما عزم عليه من منابذة العدو، وعسى الله أن يجعل في عزيمته للمسلمين فرجاً. وبلغ الأذفونش ما صنعه ابن عباد، فأقسم بآلهته ليغزونه بإشبيلية، ويحاصره في قصره، فجرد جيشين جعل على أحدهما كلباً من مساعير كلابه وأمره أن يسير على كورة باجة من غرب الأندلس ويغير على تلك التخوم والجهات، ثم يمر على لبلة إلى إشبيلية، وجعل موعده إياه طريانة للاجتماع معه، ثم زحف الأذفونش بنفسه في جيش آخر عرمرم، فسلك طريقاً غير الطريق التي سلكها الآخر، وكلاهما عاث في البلاد وخرب ودمر، حتى اجتمعا لموعدهما بضفة النهر الأعظم قبالة قصر ابن عباد، وفي أيام مقامه هنالك كتب إلى ابن عباد زارياً عليه: كثر بطول مقامي في مجلسي الذبان، واشتد علي الحر، فأتحفني من قصرك بمروحة أروح بها على نفسي، وأطرد بها الذباب عن وجهي، فوقع له ابن عباد بخط يده في ظهر الرقعة: قرأت كتابك، وفهمت خيلاءك وإعجابك، وسأنظر لك في مراوح من الجلود اللمطية تروح منك لا تروح عليك، إن شاء الله __________ (1) الروض: وشافهه. (4/358) ________________________________________ تعالى. فلما وصلت الأذفونش رسالة بن عباد، وقرئت عليه، وعلم مقتضاها، أطرق إطراق من لم يخطر له ذلك ببال. وفشا في الأندلس توقيع ابن عباد، وما أظهر من العزيمة على جواز يوسف بن تاشفين، والاستظهار به على العدو، فاستبشر الناس، وفرحوا بذلك، وفتحت لهم أبواب الآمال. وأما ملوك طوائف الأندلس فلما تحققوا عزم ابن عباد وانفراده برأيه في ذلك، اهتموا منه، ومنهم من كاتبه، ومنهم من كلمه مواجهة، وحذروه عاقبة ذلك، وقالوا له: الملك عقيم، والسيفان لا يجتمعان في غمد واحد، فأجابهم ابن عباد بكلمته السائرة مثلاً: رعي الجمال خير من رعي الخنازير، ومعناه أن كونه مأكولاً ليوسف بن تاشفين أسيراً له يرعى جماله في الصحراء خير من كونه ممزقاً للأذفونش أسيراً له يرعى خنازيره في قشتالة. وقال لعذاله ولوامه: يا قوم إني من أمري على حالتين: حالة يقين، وحالة شك، ولا بد لي من إحداهما، أما حالة الشك فإني إن استندت لإلى ابن تاشفين أو إلى الأذفونش ففي الممكن أن يفي لي ويبقى على وفائه، ويمكن أن لا يفعل، فهذه حالة الشك، وأما حالة اليقين فإني إن استندت إلى ابن تاشفين فأنا أرضي الله ، وإن استندت إلى الأذفونش أسخطت الله تعالى، فإذا كانت حالة الشك فيها عارضة، فلأي شيء أدع ما يرضي الله وآتي ما يسخطه فحينئذ قصر أصحابه عن لومه. ولما اعتزم أمر صاحب بطليوس المتوكل عمر بن محمد وعبد الله بن حبوس الصنهاجي صاحب غرناطة أن يبعث إليه كل منهما قاضي حضرته، ففعلا، واستحضر قاضي الجماعة بقرطبة أبا بكر عبيد الله بن أدهم، وكان أعقل أهل زمانه، فلما اجتمع عنده القضاة بإشبيلية أضاف إليهم وزيره أبا بكر ابن زيدون، وعرفهم أربعتهم أنهم رسله إلى يوسف بن تاشفين، وأسند إلى القضاة ما يليق بهم من وعظ يوسف بن تاشفين وترغيبه في الجهاد، وأسند إلى وزيره ما لا بد منه في تلك السفارة من إبرام العقود السلطانية، وكان يوسف بن تاشفين لا تزال (4/359) ________________________________________ تفد عليه وفود ثغور الأندلس مستعطفين، مجهشين بالبكاء، ناشدين الله والإسلام، مستنجدين بفقهاء حضرته ووزراء دولته، فيسمع إليهم، ويصغي لقولهم، وترق نفسه لهم. فما عبرت رسل ابن عباد البحر إلا ورسل يوسف بالمرصاد، ولما انتهت الرسل إلى ابن تاشفين أقبل عليهم، وأكرم مثواهم، واتصل ذلك بابن عباد، فوجه من إشبيلية أسطولاً نحو صاحب سبتة، فانتظمت في سلك يوسف، ثم جرت بينه وبين الرسل مراوضات، ثم انصرفت إلى مرسلها، ثم عبر يوسف البحر عبوراً سهلاً، حتى أتى الجزيرة الخضراء، فتحوا له، وخرج إليه أهلها بما عندهم من الأقوات والضيافات، وأقاموا له سوقاً جلبوا إليه ما عندهم من سائر المرافق، وأذنوا للغزاة في دخول البلد والتصرف فيه، فامتلأت المساجد والرحبات بالمطوعين، وتواصوا بهم خيراً، هذا مساق صاحب الروض المعطار. وأما ابن الأثير (1) فإنه لما ذكر وقعة الزلاقة ذكر ما تقدم من فعل المعتمد بالأرسال وقتلهم، وتخوف أكابر الأندلس من الأذفونش، وأنه اجتمع منهم رؤساء، وساروا إلى القاضي عبيد الله (2) بن محمد بن أدهم وقالوا له: ألا تنظر إلى ما فيه المسلمون من الصغار والذلة وإعطائهم الجزية، بعد أن كانوا يأخذونها، وقالوا: قد غلب على البلاد الفرنج، ولم يبق إلا القليل، وإن طال هذا الأمر عادت نصرانية كما كانت أولاً، وقد رأينا رأياً نعرضه عليك،قال: وماهو قالوا: نكتب إلى عرب إفريقية، ونبذل لهم إذا وصلوا إلينا شطر أموالنا، ونخرج معهم مجاهدين في سبيل الله، فقال لهم: إنا نخشى إن وصلوا إلينا أن يخربوا بلادنا كما فعلوا بإفريقية، ويتركوا الإفرنج ويبدأوا بنا، والمرابطون أصلح منهم، وأقرب إلينا، فقالوا له: فكاتب أمير المسلمين، واسأله العبور إلينا أو إعانتنا بما تيسر من الجند، فبينما هم في ذلك يتراوضون إذ قدم عليهم المعتمد بن عباد __________ (1) الكامل 10: 151 وقد أورده ابن خلكان أيضاً 4: 119. (2) في ابن الأثير: عبد الله؛ راجع الصلة: 293. (4/360) ________________________________________ قرطبة، فعرض عليه القاضي ابن أدهم ما كانوا فيه، فقال له ابن عباد: أنت رسولي إليه في ذلك، فامتنع، وإنما أراد أن يبرئ نفسه من ذلك، فألح عليه المعتمد، فسار إلى أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، فوجده بسبتة، وأبلغه الرسالة وأعلمه بما فيه المسلمون من الخوف من الأذفونش، ففي الحال أمر بعبور العساكر إلى الأندلس، وأرسل إلى مراكش في طلب من بقي من العساكر، فأقبلت إليه يتلو بعضها بعضاً، فلما تكاملت عنده عبر البحر، واجتمع بالمعتمد بن عباد بإشبيلية، وكان المعتمد قد جمع عساكره أيضاً، وخرج من أهل قرطبة عسكر كثير، وقصده المطوعة من سائر بلاد الأندلس، ووصلت الأخبار إلى الأذفونش فجمع عساكره، وحشد جنوده، وسار من طليطلة، وكتب إلى أمير المسلمين يوسف بن تاشفين كتاباً كتبه له بعض غواة أدباء المسلمين يغلظ له في القول، ويصف ما معه من القوة والعدد والعدد، وبالغ في ذلك، فلما وصله وقرأه يوسف أمر كاتبه أبا بكر ابن القصيرة أن يجيبه، وكان كاتباً مفلقاً، فكتب وأجاد، فلما قرأه على أمير المسلمين قال: هذا كتاب طويل، أحضر كتاب الأذفونش واكتب في ظهره: الذي يكون ستراه وأرسله إليه، فلما وقف عليه الأذفونش ارتاع له، وعلم أنه بلي برجل لا طاقة له به. وذكر ابن خلكان (1) أن يوسف بن تاشفين أمر بعبور الجمال فعبر منها ما أغص الجزيرة، وارتفع رغاؤها إلى عنان السماء ، ولم يكن أهل الجزيرة رأوا جملاً قط ولا خيلهم، فصارت الخيل تجمح من رؤية الجمال ومن رغائها، وكان ليوسف في عبور الجمال رأي مصيب، فكان يحدق بها عسكره، ويحضرها للحرب، فكانت خيل الفرنج تجمح منها، وقدم يوسف بين يديه كتاباً للأذفونش يعرض عليه فيه الدخول في الإسلام أو الجزية أو الحرب، كما هي السنة، ومن جملة ما في الكتاب: بلغنا يا أذفونش أنك دعوت إلى الاجتماع بنا، وتمنيت أن __________ (1) وفيات الأعيان 6: 115. (4/361) ________________________________________ تكون لك سفن تعبر بها البحر إلينا، فقد عبرنا إليك، وقد جمع الله تعالى في هذه الساحة بيننا وبينك، وسترى عاقبة دعائك " وما دعاء الكافرين إلا في ضلال " انتهى بمعناه، وأكثره بلفظه. ولنرجع إلى كلام صاحب " الروض المعطار " (1) فإنه أقعد بتاريخ الأندلس، إذ هو منهم، وصاحب البيت أدرى بالذي فيه (2) ، قال رحمه الله تعالى: فلما عبر يوسف وجميع جيوشه إلى الجزيرة الخضراء انزعج إلى إشبيلية على أحسن الهيئات، جيشاً بعد جيش، وأميراً بعد أمير، وقبيلاً بعد قبيل، وبعث المعتمد ابنه إلى لقاء يوسف، وأمر عمال البلاد بجلب الأقوات والضيافات، ورأى يوسف من ذلك ما سره ونشطه، وتواردت الجيوش مع أمرائها على إشبيلية، وخرج المعتمد إلى لقاء يوسف من إشبيلية في مائة فارس وجوه أصحابه، فلما أتى محلة يوسف ركض نحو القوم، وركضوا نحوه، فبرز إليه يوسف وحده، والتقيا منفردين، وتصافحا وتعانقا، وأظهر كل منهما لصاحبه المودة والخلوص، وشكرا نعم الله تعالى، وتواصيا بالصبر والرحمة، وبشرا أنفسهما بما استقبلاه من غزو أهل الكفر، وتضرعا إلى الله تعالى في أن يجعل ذلك خالصاً لوجهه، مقرباً إليه، وافترقا، فعاد يوسف لمحلته، وابن عباد إلى جهته، وألحق ابن عباد ما كان أعده من هدايا وتحف وضيافات أوسع بها على محلة يوسف بن تاشفين، وباتوا تلك الليلة، فلما أصبحوا وصلوا الصبح ركب الجميع، وأشار ابن عباد على يوسف بالتقدم نحو إشبيلية، ففعل، ورأى الناس من عزة سلطانه ما سرهم، ولم يبق من ملوك الطوائف بالأندلس إلا من بادر أو أعان وخرج أو أخرج، وكذلك فعل الصحراويون مع يوسف، كل صقع من أصقاعه رابطوا وصابروا (3) . وكان الأذفونش لما تحقق الحركة والحرب استنفر جميع أهل بلاده __________ (1) الروض: 87. (2) بالذي فيه: سقطت من ق. (3) في الأصول: وكابروا. (4/362) ________________________________________ وراءها ورفع القسيسون والرهبان والأساقفة صلبانهم، ونشروا أناجيلهم، فاجتمع له من الجلالقة والإفرنجة ما لا يحصى عدده، وجواسيس كل فريق تتردد بين الجميع، وبعث الأذفونش إلى ابن عباد: إن صاحبكم يوسف قد تعنى من بلاده، وخاض البحور، وأنل أكفيه العناء فيما بقي، ولا أكلفكم تعباً، أمضي إليكم وألقاكم في بلادكم رفقاً بكم وتوفيراً عليكم، وقال لخاصته وأهل مشورته: إني رأيت أني إن مكنتهم من الدخول إلى بلادي، فناجزوني فيها وبين جدرها، وربما كانت الدائرة علي، يستحكمون البلاد، ويحصدون من فيها غداة واحدة، ولكني أجعل يومهم معي في حوز بلادهم، فإن كانت علي اكتفوا بما نالوه، ولم يجعلوا الدروب وراءهم إلا بعد أهبة أخرى فيكون في ذلك صون لبلادي، وجبر لمكاسري، وإن كانت الدائرة عليهم كان مني فيهم وفي بلادهم ما خفت أنا أن يكون في وفي بلادي إذا ناجزوني في وسطها، ثم برز بالمختار من جنوده، وأنجاد جموعه على باب دربه، وترك بيقة جموعه خلفه، وقال حين نظر إلى ما اختاره منهم: بهؤلاء أقاتل الجن والإنس وملائكة السماء، فالمقلل يقول: المختارون أربعون ألف ذراع، ولكل واحد أتباع. وأما النصارى فيعجبون ممن يزعم ذلك، ويرون أنهم أكثر من ذلك كله. واتفق الكل أن عدد المسلمين أقل من الكفرة، ورأى الأذفونش في نومه كأنه راكب فيل يضرب نقيرة طبل، فهالته الرؤيا، وسأل عنها القسوس والرهبان فلم يجبه أحد، فدس يهودياً عمن يعلم تأويلها من المسلمين، فدل على معبر، فقصها عليه، ونسبها لنفسه، فقال له المعبر: كذبت، ما هذه الرؤيا لك، ولا أعبرها لك إلا إن صدقتني بصاحب الرؤيا، فقال له: اكتم علي، الرؤيا للأذفونش، فقال المعبر: صدقت ولا يراها غيره، والرؤيا تدل على بلاء عظيم، ومصيبة فادحة فيه وفي عسكره، وتفسيرها قوله تعالى " ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل " وأما ضربه النقيرة فتأويلها " فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير " فانصرف اليهودي وذكر للأذفونش (4/363) ________________________________________ ما وافق خاطره. ثم خرج الأذفونش ووقف على الدروب، ومال بجيوشه إلى الجهة الغربية من بلاد الأندلس، وتقدم السلطان يوسف فقصده، وتأخر ابن عباد لبعض مهماته، ثم انزعج يقفو أثره بجيش فيه حماة الثغور، ورؤساء الأندلس، وجعل ابنه عبد الله على مقدمته، وسار وهو ينشد لنفسه متفائلاً مكملاً البيت المشهور: لا بد من فرج قريب يأتيك بالعجب العجيب غزو عليك مبارك سيعود بالفتح القريب لله سعدك إنه نكس على دين الصليب لا بد من يوم يكو ... ن له أخاً يوم القليب (1) ووافت الجيوش كلها بطليوس، فأناخوا بظاهرها، وخرج إليهم صاحبها المتوكل عمر بن محمد بن الأفطس، فلقيهم بما يجب من الضيافات والأقوات وبذل المجهود، وجاءهم الخبر بشخوص الأذفونش، ولما ازدلف بعضهم إلى بعض أذكى المعتمد عيونه في محلات الصحراويين خوفاً عليهم من مكايد الأذفونش، إذ هم غرباء لا علم لهم بالبلاد، وجعل يتولى ذلك بنفسه، حتى قيل: إن الرجل من الصحراويين لا يخرج على طرف المحلة لقضاء أمر أو حاجة إلا ويجد ابن عباد بنفسه مطيفاً بالمحلة، بعد ترتيب الخيل والرجال على أبواب المحلات، وقد تقدم كتاب السلطان يوسف إلى الأذفونش يدعوه إلى إحدى الثلاث المأمور بها شرعاً، فامتلأ الكافر غيظاً، وعتا وطغى، وراجعه بما يدل على شقائه، وقامت الأساقفة والرهبان فرفعوا (2) صلبانهم، ونشروا أناجيلهم وتبايعوا على الموت، ووعظ يوسف وابن عباد أصحابهما، وقام الفقهاء والصالحون مقام الوعظ، وحضوهم على الصبر والثبات، وحذروهم من الفشل والفرار، __________ (1) يوم القليب يعني معركة بدر. (2) ق: ونصبوا. (4/364) ________________________________________ وجاءت الطلائع تخبر أن العدو مشرف عليهم صبيحة يومهم، وهو يوم الأربعاء، فأصبح المسلمون وقد أخذوا مصافهم، فكع الأذفونش، ورجع إلى إعمال المكر والخديعة، فعاد الناس إلى محلاتهم، وباتوا ليلتهم، ثم أصبح يوم الخميس فبعث الأذفونش إلى ابن عباد يقول: غداً هو الجمعة، وهو عيدكم، والأحد عيدنا، فليكن لقاؤنا بينهما، وهو السبت، فعرف المعتمد بذلك السلطان يوسف، وأعلمه أنها حيلة منه وخديعة، وإنما قصد الفتك بنا يوم الجمعة، فليكن الناس على استعداد له يوم الجمعة كل النهار، وبات الناس ليلتهم على أهبة واحتراس. وبعد مضي جزء من الليل انتبه الفقيه الناسك أبو العباس أحمد ابن رميلة القرطبي - واكن في محلة ابن عباد - فرحاً مسروراً يقول: إنه رأى النبي، صلى الله عليه وسلم، في تلك الليلة في النوم فبشره بالفتح والموت على الشهادة في صبيحة تلك الليلة، فتأهب ودعا وتضرع ودهن رأسه وتطيب، وانتهى ذلك إلى ابن عباد، فبعث إلى يوسف يخبره بها تحقيقاً لما توقعه من غدر الكافر بالله تعالى. ثم جاء بالليل فارسان من طلائع المعتمد يخبران أنهما أشرفا على محلة الأذفونش وسمعا ضوضاء الجيوش واضطراب الأسلحة، ثم تلاحق بقية الطلائع متحققين بتحرك الأذفونش، ثم جاءت الجواسيس من داخل محلتهم تقول: استرقنا السمع فسمعنا الأذفونش يقول لأصحابه: ابن المعتمد مسعر هذه الحروب، وهؤلاء الصحراويون وإن كانوا أهل حفاظ وذوي بصائر في الحروب فهم غير عارفين بهذه البلاد، وإنما قادهم ابن عباد، فاقصدوه واهجموا عليه، واصبروا فإن انكشف لكم هان عليكم الصحراويون بعده، ولا أرى ابن عباد يصبر لكم إن صدقتموه الحملة، فعند ذلك بعث ابن عباد الكاتب أبا بكر ابن القصيرة إلى السلطان يوسف يعرفه بإقبال الأذفونش، ويستحث نصرته، فمضى ابن القصيرة يطوي المحلات حتى جاء يوسف بن تاشفين، فعرفه بجلية الأمر، فقال له: قل له إني سأقرب منه إن شاء الله تعالى، وأمر يوسف بعض قواده أن يمضي (4/365) ________________________________________ بكتيبة رسمها له حتى يدخل محلة النصارى فيضرمها ناراً ما دام الأذفونش مشتغلاً مع ابن عباد. وانصرف ابن القصيرة إلى المعتمد، فلم يصله إلا وقد غشيته جنود الطاغية، فصدم ابن عباد صدمة قطعت آماله، ومال الأذفونش عليه بجموعه، وأحاطوا به من كل جهة، فهاجت الحرب، وحمي الوطيس، واستحر القتل في أصحاب ابن عباد، وصبر ابن عباد صبراً لم يعهد مثله لأحد، واتبطأ السلطان يوسف وهو يلاحظ طريقه، وعضته الحرب، واشتد عليه وعلى من معه البلاء، وأبطأ عليه الصحراويون وساءت الظنون، وانكشف بعض أصحاب ابن عباد وفيهم ابنه عبد الله، وأثخن ابن عباد جراحات، وضرب على رأسه ضربة فلقت هامته حتى وصلت إلى صدغه وجرحت يمنى يده، وطعن في أحد جانبيه، وعقرت تحته ثلاثة أفراس كلما هلك واحد قدم له آخر، وهو يقاسي حياض الموت، ويضرب يميناً وشمالاً، وتذكر في تلك الحالة ابناً له صغيراً كان مغرماً به تركه في إشبيلية عليلاً، وكنيته أبو هاشم، فقال: أبا هاشم هشمتني الشفار فلله صبري لذاك الأوار ذكرت شخيصك تحت العجاج فلم يثنني ذكره للفرار ثم كان أول من وافى ابن عباد من قواد ابن تاشفين داود بن عائشة، وكان بطلاً شجاعاً شهماً، فنفس بمجيئه عن ابن عباد، ثم أقبل يوسف بعد ذلك، وطبوله تصعد أصواتها إلى الجو، فلما أبصره الأذفونش وجه حملته إليه، وقصده بمعظم جنوده، فبادر إليهم السلطان يوسف، وصدمهم بجمعه، فردهم إلى مركزهم، وانتظم به شمل ابن عباد، واستنشق ريح الظفر، وتياشر بالنصر، ثم صدقوا جميعاً الحملة، فتزلزلت الأرض بحوافر خيولهم، وأظلم النهار بالعجاج والغبار، وخاضت الخيل في الدماء، وصبر الفريقان صبراً عظيماً، ثم تراجع ابن عباد إلى يوسف، وحمل معه حملة جاء معها النصر، وتراجع (4/366) ________________________________________ المنهزمون من أصحاب ابن عباد حين علموا بالتحام الفئتين، وصدقوا الحملة، فانكشف الطاغية، ومر هارباً منهزماً وقد طعن في إحدى ركبتيه طعنة بقي يخمع بها بقية عمره. وعلى سياق ابن خلكان (1) أن ابن تاشفين نزل على أقل من فرسخ من عسكر العدو في يوم الأربعاء، وكان الموعد في المناجزة في يوم السبت، فغدر الأذفونش ومكر، فلما كان سحر يوم الجمعة منتصف رجب أقبلت طلائع ابن عباد، والروم في أثرها، والناس على طمأنينة، فبادر ابن عباد للركوب، وبث الخبر في العساكر فماجت بأهلها، ووقع البهت، ورجفت الأرض، وصار الناس فوضى على غير تعبية ولا أهبة، ودهمتهم خيل العدو، فأحاطت بابن عباد، وحطمت ما تعرض لها، وتركت الأرض حصيداً خلفها، وجرح ابن عباد جرحاً أشواه (2) ، وفر رؤساء الأندلس وتركوا محلاتهم وأسلموها، وظنوا أنه وهي لا يرقع، ونازلة لا تدفع، زظن الأذفونش أن السلطان يوسف في المنهزمين ولم يعلم أن العاقبة للمتقين، فركب أمير المسلمين، وأحدق به أنجاد (3) خيله ورجله من صنهاجة رؤساء القبائل، وقصدوا محلة الأذفونش فاقتحموها ودخلوها، وفتكوا فيها، وقتلوا، وضربت الطبول، وزعقت البوقات، فاهتزت الأرض، وتجاوبت الجبال والآفاق، وتراجع الروم إلى محلاتهم بعد أن علموا أن أمير المسلمين فيها، فصدموا أمير المسلمين، فأفرج (4) لهم عنها، ثم كر عليهم فأخرجهم منها، ثم كروا عليه فخرج لهم عنها، ولم تزل الكرات بينهم تتوالى إلى أن أمر أمير المسلمين حشمه السودان فترجل منهم زهاء أربعة آلاف، __________ (1) انظر ابن خلكان 6: 116 وهو ينقل عن كتاب " تذكر العاقل وتنبيه الغافل " للبياسي. (2) في الأصول: أساءه. (3) في الأصول: جياد. (4) في الأصول: فخرج. (4/367) ________________________________________ ودخلوا المعترك بدرق اللمط وسيوف الهند ومزاريق الران (1) ، فطعنوا الخيل فرمحت بفرسانها، وأجمحت (2) عن أقرانها، وتلاحق الأذفونش بأسود نقدت مزاريقه، فأهوى ليضربه بالسيف، فلصق به الأسود، وقبض على عنانه، وانتضى خنجراً كان متمنطقاً به، فأثبته في فخذه، فهتك حلق درعه، ونفذ من فخذه مع بداد سرجه، وكان وقت الزوال، وهبت ريح النصر، فأنزل الله سكينته على المسلمين، ونصر دينه القويم، وصدقوا الحملة على الأذفونش وأصحابه، فأخرجوهم عن محلتهم، فولوا ظهورهم وأعطوا أعناقهم، والسيوف تصفعهم والرماح تطعنهم، إلى أن لحقوا ربوة لجأوا إليها واعتصموا بها، وأحدقت بهم الخيل، فلما أظلم الليل انساب الأذفونش وأصحابه من الربوة، وأفلتوا بعدما تشبثت (3) بهم أظفار المنية، واستولى المسلمون على ما كان في محلتهم من الآلات والسلاح والمضارب والأواني وغير ذلك، وأمر ابن عباد بضم رؤوس قتلى المشركين، فاجتمع من ذلك تل عظيم، انتهى، وبعضه بالمعنى. رجع إلى كلام صاحب الروض المعطار قال (4) : ولجأ الأذفونش إلى تل كان يلي محلته في نحو خمسمائة فارس كل واحد منهم مكلوم، وأباد القتل والأسر من عداهم من أصحابهم، وعمل المسلمون من رؤوسهم مآذن (5) يؤذنون عليها، والمخذول ينظر إلى موضع الوقيعة ومكان الهزيمة فلا يرى إلا نكالاً محيطاً به وبأصحابه، وأقبل ابن عباد على السلطان يوسف وصافحه وهنأه وشكره وأثنى عليه، وشكر يوسف صبر ابن عباد ومقامه وحسن __________ (1) في الأصول: الزان. (2) ق ص: وأجمحت، ابن خلكان: وأحجمت. (3) ابن خلكان: نشبت. (4) الروض: 93. (5) الروض: صوامع. (4/368) ________________________________________ بلائه وجميل صبره، وسأله عن حاله عندما أسلمته رجاله بانهزامهم عنه، فقال له: هم هؤلاء قد حضروا بين يديك فليخبروك. وكتب ابن عباد إلى ابنه بإشبيلية كتاباً مضمونه: كتابي هذا من المحلة المنصورة يوم الجمعة الموفي عشرين من رجب، وقد أعز الله الدين، ونصر المسلمين، وفتح لهم الفتح المبين، وهزم الكفرة والمشركين، وأذاقهم العذاب الأليم، والخطب الجسيم ، فالحمد لله على ما يسره وسناه من هذه المسرة العظيمة، والنعمة الجسيمة، في تشتيت شمل الأذفونش والاحتواء على جميع عساكره، أصلاه الله نكال الجحيم، ولا أعدمه الوبال العظيم المليم، بعد إتيان النهب على محلاته، واستئصال القتل في جميع أبطاله وحماته، حتى اتخذ المسلمون من هاماتهم صوامع يؤذنون عليها، فلله الحمد على جميل صنعه، ولم يصبني والحمد لله إلا جراحات يسيرة آلمت لكنها فرجت بعد ذلك، فلله الحمد والمنة، والسلام. واستشهد في ذلك اليوم جماعة من الفضلاء والعلماء وأعيان الناس، مثل ابن رميلة صاحب الرؤية المذكورة، وقاضي مراكش أبي مروان عبد الملك المصمودي، وغيرهما، رحمهما الله تعالى. وحكي أن موضع المعترك كان على اتساعه ما كان فيه موضع قدم، إلا على ميت أو دم، وأقامت العساكر بالموضع أربعة أيام، حتى جمعت الغنائم، واستؤذن في ذلك السلطان يوسف، فعف عنها، وآثر بها ملوك الأندلس، وعرفهم أن مقصده الجهاد والأجر العظيم، وما عند الله في ذلك من الثواب المقيم، فلما رأت ملوك الأندلس إيثار يوسف لهم بالغنائم استكرموه، وأحبوه وشكروا له ذلك. ولما بلغ الأذفونش إلى بلاده وسأل عن أبطاله وشجعانه وأصحابهم ففقدهم ولم يسمع إلا نواح الثكلى عليهم، اهتم ولم يأكل ولم يشرب حتى هلك هماً وغما، وراح إلى أمه الهاوية، ولم يخلف إلا بنتاً واحدو جعل الأمر إليها، فتحصنت بطليلة. ورحل المعتمد إلى إشبيلية ومعه السلطان يوسف بن تاشفين، فأقام السلطان (4/369) ________________________________________ يوسف بن تاشفين بظاهر لإشبيلية ثلاثة أيام، وردت عليه من المغرب أخباراً تقتضي العزم فسافر وذهب معه ابن عباد يوماً وليلة، فحلف ابن تاشفين وعزم عليه في الرجوع، وكانت جراحاته تورمت عليه، فسير معه ولده عبد الله إلى أن وصل البحر، وعبر إلى المغرب. ولما رجع ابن عباد إلى إشبيلية جلس للناس، وهنئ بالفتح، وقرأت القراء، وقام على رأسه الشعراء، فأنشدوه، قال عبد الجليل بن وهبون: حضرت ذلك اليوم، وأعددت قصيدة أنشدها بين يديه، فقرأ القارئ " إلا تنصروه فقد نصره الله " فقلت: بعداً لي ولشعري، والله ما أبقت لي هذه الآية معنى أحضره وأقوم به. ولما عزم السلطان (1) يوسف بن تاشفين إلى بلاده ترك الأمير سير بن أبي بكر أحد قواده المشاهير، وترك معه جيشاً برسم غزو الفرنج، فاستراح الأمير المذكور اياماً قلائل، ودخل بلاد الأذفونش، واطلق الغارة ونهى وسبى، وفتح الحصون المنيعة والمعاقل الصعبة العويصة، وتوغل في البلاد، وحصل أموالاً وذخائر عظيمة، ورتب رجالاً وفرساناً في جميع ما أخذه، وأرسل للسلطان يوسف جميع ما حصله، وكتب له يعرفه أن الجيوش بالثغور مقيمة على مكابدة العدو وملاومة الحرب والقتال فيس أضيق العيش وانكده، وملوك الأندلس في بلادهم وأهليهم في أرغد العيش وأطيبه، وسأله مرسومه، فكتب إليه أن يأمرهم بالنقلة والرحيل إلى أرض العدوة، فمن فعل فذاك، ومن أبى فحاصره وقاتله، ولا تنفس عليه، ولتبدأ بمن والى الثغور، ولا تتعرض للمعتمد بن عباد، إلا بعد استيلائك على البلاد، وكل بلد أخذته فول فيه أمراً من عساكرك، فأول من ابتدأ به من ملوك الأندلس بنو هود، وكانوا بروطة - بضم الراء المهملة، وبعدها واو ساكنة، وطاء مهملة مفتوحة، وبعدها هاء ساكنة، وهي قلعة منيعة من __________ (1) عاد إلى النقل عن ابن خلكان بإيجاز. (4/370) ________________________________________ عاصمات الذرا، ومائها ينبع من أعلاها، وفيها من الأقوات والذخائر المختلفات ما لا تفنيه الأزمان - فحاصرها فلم يقدر عليها ورحل عنها، وجند أجناداً على هيئة الفرنج وزيهم، وأمرهم أن يقصدوها ويغيروا عليها، وكمن هو وأصحابه بقرب منها، فلما رآهم أهل القلعة استضعفوهم، فنزلوا إليهم، ومعهم صاحب القلعة، فخرج عليه سير المذكور، وقبضه باليد، وتسلم الحصن. ثم نازل بني ضاهر بشرق الأندلس، فأسلموا له البلاد، ولحقوا ببر العدوة. ثم نازل بني صمادح بالمرية، ولها قلعة حصينة، فحاصرهم وضيق بهم، ولما علم ابن صمادح الغلب أسف ومات غبناً، فأخذ القلعة واستولى على المرية وجميع أعمالها. ثم قصد بطليوس، وكان بها المتوكل عمر بن محمد بن الأفطس المتقدم ذكره، فحاصره وأخذه واستولى على جميع أعماله وماله، ولم يبق له إلا المعتمد بن عباد، فكتب للسلطان يوسف يعرفه بما فعل، ويسأله مرسومه في ابن عباد، فكتب إليه يأمره انه يعرض عليه النقلة لبر العدوة بجميع الأهل والعشيرة، فإن رضي، وإلا فحاصره وخذه وأرسل به كسائر أصحابه، فواجهه وعرفه بما رسم به السلطان يوسف، وسأله الجواب، فلم يجب بنفي ولا إثبات، ثم إنه نازل إشبيلية وحاصره بها وألح عليه فأقام الحصار شهراً، ودخل البلد قهراً، واستخرجه من قصره، فحمل وجميع أهله وولده إلى العدوة فأنزل بأغمات، وأقام بها إلى أن مات، رحمه الله تعالى وعفا عنه. وأما ابن الأثير ففي كلامه تقديم وتأخير وبعض خلاف لما مر. وأخبار المعتمد بن عباد، وما رآه من الملك والعز على كل حاضر وباد، وما قاساه في الأسر من الضيق والعسر وسوء العيش أمر عجيب، يتعظ به العاقل الأريب، وأما ما مدحته به الشعراء وأجوبته لهم في حالي يسره وعسرهن وملكه وأسره، وطيه ونشره، وتجهمه وبشره، فهو كثير، وفي كتب التواريخ منه نظم ونثير، وقد قدمنا منه في هذا الكتاب ما يبعث الاعتبار ويثير، وخصوصاً في الباب السابع من هذا التأليف الذي هو عند المنصف أثير، وفي المعتمد وأبيه (4/371) ________________________________________ المعتضد يقول بعض الشعراء (1) : من بني منذر وذاك انتساب زاد في فخرهم بنوا عباد فتية لم تلد سواها المعالي والمعالي قليلة الأولاد وقال ابن القطاع في كتابه " لمح الملح " (2) في حق المعتمد: إنه أندى ملوك الأندلس راحة، وأرحبهم ساحة، وأعظمهم ثماداً، وأرفعهم عماداً، ولذلك كانت حضرته ملقى الرحال (3) ، وموسم الشعراء، وقبلة الآمال، ومألف الفضلاء، حتى إنه لم يجتم بباب أحد من الملوك من أعيان الشعراء، وأفاضل الأدباء، ما كان يجتمع ببابه، وتشتمل عليه حاشيتا جنابه. وقال ابن بسام في " الذخيرة " (4) : للمعتمد شعر، كما انشق الكمام عن الزهر، لو صار مثله ممن جعل الشعر صناعة، واتخذه بضاعة، لكان رائقاً معجباً، ونادراً مستغرباً، [فمن ذلك قوله] (5) : أكثرت هجرك غير أنك ربما عطفتك أحياناً على أمور فكأنما زمن التهاجر بيننا ليل، وساعات الوصال بدور وقال: وهذا المعنى ينظر إلى قول بعضهم من أبيات: أسفر ضوء الصبح عن وجهه فقام ذاك الخال فيه بلال كأنما الخال على خده ساعات هجر في زمان الوصال __________ (1) ابن خلكان 4: 112. (2) نقل العمري في المسالك قطعة موجزة من هذا الكتاب؛ وهذا النص قد نقله المقري عن ابن خلكان 4: 115. (3) ق ص: الرجال. (4) لا يزال المقري يتابع نص ابن خلكان ص: 115. (5) زيادة من ابن خلكان. (4/372) ________________________________________ وعزم على إرسال حظاياه من قرطبة إلى إشبيلية فخرج معهن يشيعهن فسايرهن من أول الليل إلى الصبح، فودعهن ورجع، وأنشد أبيتاً منها: سليرتهم والليل عقد ثوبه حتى تبدى للنواظر معلما وفقفت ثم مودعاً وتسلمت مني يد الإصباح تلك الأنجما وهذا المعنى في نهاية الحسن، ثم ذكر من كلامه جملة. عود وانعطاف: ولما جاء أمير المسلمين يوسف بن تاشفين إلى ناحية غرناطة (1) - بعدما حصر بعض حصون الفرنج، فلم يقدر عليه - خرج غلى لقائه صاحب غرناطة عبد الله بن بلكين، فسلم عليه، ثم عاد إلى بلده ليخرج له التقادم، فغدر به ودخل البلد، وأخرج عبد الله، ودخل قصره فوجد فيه من الذخائر والأموال ما لا يحد ولا يحصى، ثم رجع إلى مراكش وقد أعجبه حسن بلاد الأندلس وبهجتها، وما بها من المباني والبساتين والمطاعم وسائر الأصناف التي لا توجد في بلاد العدوة، إذ هي بلاد بربر وأجلاف عربان، فجعل خواص يوسف يعظمون عنده بلاد الأندلس ويحسنون له أخذها، ويوغرون قلبه على المعتمد بأشياء نقلوها عنه، فتغير على المعتمد وقصد مشارفة الأندلس. وحكى ابن خلدون أن علماء الأندلس أفتوا ابن تاشفين بجواز خلع المعتمد وغيره من ملوك الطوائف، وبقتاله إن امتنعوا، فجهز يوسف العساكر إلى الأندلس، وحاصر سير بن أبي بكر أحد عظماء دولة يوسف إشبيلية وبها المعتمد، فكان من دفاعه وشدة ثباته ما هو معلوم، ثم أخذ أسيراً، وصار طرف الملك بعه حسيراً. __________ (1) لم يكن هذا في الجواز الأول ليوسف. (4/373) ________________________________________ وفي وصف ذلك يقول صاحب القلائد بعد كلام (1) : ثم جمع هو وأهله وحملتهم الجواري المنشآت، وضمتهم جوانحها كأنهم أموات، بعدما ضاق عنهم القصر، وراق منهم المصر (2) ، والناس قد حشروا (3) بضفتي الوادي، يبكون بدموع كالغوادي، فساروا والنوح يحدوهم،والبوح باللوعة لا يعدوهم، انتهى. ولما فرغ أمير المؤمنين يوسف بن تاشفين (4) من أمر غزوة الزلاقة المتقدم ذكرها ورجع تكرم له ابن عباد، وسأله أن ينزل عنده، فعلاج إلى بلاده إذ أجابه إلى ما طلب، فلما انتهى ابن تاشفين إلى إشبيلية مدينة المعتمد - وهي من أحسن المدن وأجلها منظراً - أمعن يوسف النظر فيها وفي محلها، وهي على نهر عظيم مستبحر تجري فيه السفن بالبضائع جالبة من بر المغرب وحاملة إليه، وفي غربيها رستاق عظيم مسيرة عشرين فرسخاً يشتمل على آلاف من الضياع كلها تين وعنب وزيتون، وهذا هو المسمى بشرف إشبيلية، وتمتاز بلاد المغرب كلها بهذه الأصناف منه، وفي جانب المدينة قصور المعتمد وأبيه المعتضد في غاية الحسن والبهاء، وفيها أنواع ما يحتاج إليه من المطعوم والمشروب والملبوس والمشروف وغير ذلك، فأنزل المعتمد يوسف بن تاشفين في أحدها، وتولى من إكرامه وخدمته ما أوسع شكر ابن تاشفين له، وكان مع ابن تاشفين أصحاب له ينبهونه على حسن تلك الحال وتأملها، وما هي عليه من النعمة والإتراف، ويغرونه بإتخاذ مثلها، ويقولون له: إن فائدة الملك قطع العيش فيه بالتنعم واللذة، كما هو المعتمد وأصحابه، وكان ابن تاشفين داهية (5) عاقلاً مقتصداً __________ (1) القلائد: 23. (2) القلائد: العصر. (3) ق: حشدوا. (4) عاد لمتابعة ابن خلكان 6: 118 وما بعدها. (5) داهية: سقطت من ق. (4/374) ________________________________________ في أموره، غير متطاول ولا مبذر، غير سالك نهج الترف والتأنق في اللذة والنعيم، إذ ذهب صدر عمره في بلاده بالصحراء في شظف العيش، فأنكر على من أغراه بذلك الإسراف، وقال له: الذي يلوح لي من أمر هذا الرجل - يعني المعتمد - أنه مضيع لما في يده من الملك، لأن هذه الأموال الكثيرة التي تصرف في هذه الأحوال لا بد أن يكون لها أرباب لا يمكن أخذ هذا القدر منهم على وجه العدل أبداً، فأخذه بالظلم وإخراجه في هذه الترهات من أفحش استهتار، ومن كانت همته في هذا الحد من التصرف فيما لا يعدو الأجوفين متى تستنجد (1) همته في ضبط بلاده وحفظها، وصون رعينه والتوقير لمصالحها ولعمري لقد صدق في كل ذلك. ثم إن يوسف بن تاشفين سأل عن أحوال المعتمد في لذاته: هل تختلف فتنقص عما عليه في بعض الأوقات فقيل له: بل كل زمانه على هذا فقال: أفكل أصحابه وأنصاره على عدوه ومنجديه على الملك ينال حظاً من ذلك فقالوا: لا، قال: فكيف ترون رضاهم عنه فقالوا: لا رضى لهم عنه، فأطرق وسكت، وأقام عند المعتمد على تلك الحال أياماً. وفي أثنائها (2) استأذن رجل على المعتمد ودخل وهو ذو هيئة رثة، وكان من أهل البصائر، فلما مثل بين يديه قال: أصلحك الله أيها السلطان، وإن من أوجب الواجبات شكر النعمة، وإن من شكر النعمة إهداء النصائح، وإني رجل من رعيتك حالي في دولتك إلى الاختلال، أقرب منها إلى الاعتدال، ولكنني مع ذلك مستوجب لك من النصيحة ما للملك على رعيته، فمن ذلك خبر وقع في أذني من بعض أصحاب ضيفك هذا يوسف بن تاشفين يدل على أنهم يرون أنفسهم وملكهم،أحق بهذه النعمة منك، وقد رأيت رأياً، فإن آثرت الإصغاء __________ (1) في الأصول: تستجد؛ وفي دوزي: يستجد همة. (2) ابن خلكان: وفي بعض تلك الأيام. (4/375) ________________________________________ إليه قلته، فقال المعتمد له: قله، فقال له: رأيت أن هذا الرجل الذي أطلعته على ملكك مستأسد على الملوك، قد حطم على زناتة ببر العدوة، وأخذ الملك من أيديهم، ولم يبق على واحد منهم، ولا يؤمن أن يطمح إلى الطمع في ملكك، بل في ملك جزيرة الأندلس كلها، لما قد عاينه من هناءة (1) عيشك، وإنه لمتخيل في مثل حالك سائر ملوك الأندلس (2) ، وإن له من الولد والأقارب وغيرهم من يود له الحلول لما أنت فيه من خصب الجناب، وقد أردى الأذفونش وجيشه واستأصل شأفتهم، وأعدمك منه أقوى ناصر عليه لو احتجت إليه، فقد كان لك منه أقوى عضد وأوقى مجن، وبعد فإنه إن فات الأمر في الأذفونش فلا يفتك الحزم فيما هو ممكن اليوم، فقال له المعتمد: وما هو الحزن اليوم فقال: أن تجمع أمرك على قبض ضيفك هذا واعتقاله في قصرك، وتجزم أنك لا تطلقه حتى يأمر كل من بجزيرة الأندلس من عسكره أن يرجع من حيث جاء، حتى لا يبقى منهم أحد بالجزيرة طفل فمن فوقه، ثم تتفق أنت وملوك الجزيرة على حراسة هذا البحر من سفينة تجري فيه له، ثم بعد ذلك تستحلفه بأغلظ الأيمان ألا يضمر في نفسه عوداً إلى هذه الجزيرة إلا باتفاق منكم ومنه، وتأخذ منه على ذلك رهائن فإنه يعطيك من ذلك ما تشاء، فنفسه أعز عليه من جميع ما يلتمس منه، فعند ذلك يقتنع هذا الرجل ببلاده التي لا تصلح إلا له، وتكون قد استرحت بعدما استرحت من الأذفونش، وتقيم في موضعك على غير حال، ويرتفع ذكرك عند ملوك الجزيرة ويتسع ملكك وينسب هذا الاتفاق لك إلى سعادة وحزم وتهابك الملوك، ثم اعمل بعد هذا ما يقتضيه حزمك في مجاورة من عاملته هذه المعاملة، واعلم أنه قد تهيأ لك من هذا أمر سماوي تتفانى الأمم وتجري بحار الدم دون حصولمثله، فلما سمع المعتمد كلام __________ (1) ابن خلكان: بلهنية. (2) في الأصول: وإني لمتخيل في مثل ذلك لسائر... الخ. (4/376) ________________________________________ الرجل استصوبه، وجعل يفكر بانتهاز الفرصة. وكان للمعتمد ندماء قد انهمكوا معه في اللذات، فقال أحدهم لهذا الرجل الناصح: ما كان المعتمد على الله - وهو إمام أهل المكرمات - ممن يعامل بالحيف، ويغدر بالضيف، فقال الرجل: إنما الغدر أخذ الحق من يد صاحبه، لا دفع الرجل عن نفسه المحذور إذا ضاق به، فقال ذلك النديم: ضيم مع وفاء، خير من حزم مع جفاء. ثم إن ذلك الناصح استدرك الأمر وتلافاه، فشكر له المعتمد، ووصله بصلة. واتصل هذا الخبر بيوسف فأصبح غادياً، فقدم له المعتمد الهدايا السنية والتحف الفاخرة، فقبلها ثم رحل. انتهى خبر وقعة الزلاقة وما يتبعه ملخصاً من كتب التاريخ. ولما انقرض بالأندلس ملك ملوك الطوائف بني عباد وبنيهم ذي النون وبني الأفطس وبني صمادح وغيرهم انتضمت في سلك اللمتونيين، وكانت لهم فيها وقعات بالأعداء مشهورة في كتب التواريخ. دخول الأندلس في طاعة الموحدين ولما مات يوسف بن تاشفين سنة خمسمائة قام بالملك بعده ابنه أمير المسلمين علي بن يوسف، وسلك سنن أبيه، وإن قصر عنه في بعض الأمور، ودفع العدو عن الأندلس مدة، إلى أن قيد الله تعالى للثورة عليه محمد بن تومرت الملقب بالمهدي الذي أسس دولة الموحدين، فلم يزل يسعى في هدم بنيان لمتونة إلى أن مات ولم يملك حضرة سلطنتهم مراكش، ولكنه ملك كثيرالً من البلاد، فاستخلف عبد المؤمن بن علي، فكان من استيلاءه على مملكة اللمتونيين ما هو معروف، ثم جاز إلى الأندلس وملك كثيراً منها، ثم أخرج الإفرنج من مهدية إفريقية، وملك بلاد إفريقية وضخم ملكه، وتسمى بأمير المسلمين. (4/377) ________________________________________ عبد المؤمن بن علي ولما كانت سنة 545 سار الأذفونش صاحب طليطلة وبلاد الجلالقة إلى قرطبة ومعه أربعون ألف فارس فحاصرها، وكان أهلها في غلاء شديد، فبلغ الخبر عبد المؤمن، فجهزإليهم جيشاً يحتوي على اثني عشر ألف فارس، فلما أشرفوا على الأذفونش رحل عنها، وكان فيها القائد أبو الغمر السائب، فسلمها إلى صاحب جيش عبد المؤمن يحيى بن ميمون فبات فيها، فلما أصبح رأى الفرنج عادوا إلى مكانهم، ونزلوا في المكان الذي كانوا فيه، فلما عاين ذلك رتب هنالك ناساً، وعاد إلى عبد المؤمن، ثم رحل الفرنج إلى ديارهم. وفي السنة بعدها دخل جيش عبد المؤمن إلى الأندلس في عشرين ألفاً عليهم الهنتاتي، فصار إليه صاحب غرناطة ميمون وابن همشك وغيرهما، فدخلوا تحت طاعة الموحدين، وحرصوا على قصد ابن مردنيش ملك شرق الأندلس، وبلغ ذلك ابن مردنيش، فخاف وأرسل إلى صاحب برشلونة من الإفرنج يستنجده، فتجهز إليه في عشرة آلاف من الإفرنج عليهم فارس، وسار صاحب جيش عبد المؤمن إلى أن قارب ابن مردنيش، فبلغه أمر البرشلوني الإفرنجي فرجع، ونازل مدينة المرية وهي بأيدي الروم فحاصرها، فاشتد الغلاء في عسكره فرجع إلى إشبيلية فأقام فيها، وسار عبد المؤمن إلى سبتة فجهز الأساطيل وجمع العساكر. ثم سار عبد المؤمن سنة574 (1) إلى المهدية فملكها، وملك إفريقية، وضخم ملكه كما قدمناه. يوسف بن عبد المؤمن ولما مات بويع بعده ولده يوسف بن عبد المؤمن، ولما تمهدت له الأمور، __________ (1) انظر المعجب: 298 حيث جعل سير عبد المؤمن للمهدية سنة 543. (4/378) ________________________________________ واستقرت قواعد ملكه، دخل إلى جزيرة الأندلس لكشف مصالح دولته (1) وتفقد أحوالها، وكان ذلك سنة ست وستين وخمسمائة، وفي صحبته مائة ألف فارس من الموحدين والعرب، فنزل بحضرة إشبيلية، وخاف ملك شرق الأندلس - مرسية وما انضاف إليها - الأمير الشهير أبو عبد الله محمد بن سعد المعروف بابن مردنيش، وحمل على قلب ابن مردنيش، فمرض مرضاً شديداً ومات، وقيل: إنه سم، ولما مات جاء أولاده وأهله إلى أمير المؤمنين يوسف بن عبد المؤمن وهو بإشبيلية، فدخلوا تحت حكمه وسلموا لأحكامه البلاد، فصاهرهم وأحسن إليهم وأصبحوا عنده في أعز مكان ، ثم شرع في استرجاع البلاد التي استولى عليها الإفرنج، فاتسعت مملكته بالأندلس، وصارت سراياه تغير إلى باب طليطلة، وقيل: إنه حاصرها، فاجتمع الفرنج كافة عليه، واشتد الغلاء في عسكره، فرجع عنها إلى مراكش حضرة ملكه، ثم ذهب إلى إفريقية فمهدها، ثم رجع إلى حضرته مراكش، ثم جاز البحر إلى الأندلس سنة ثمانين وخمسمائة ومعه جمع كثيف، وقصد غربي بلادها، فحاصر مدينة شترين، وهي من أعظم بلاد العدو، وبقي محاصراً لها شهراً، فأصابه المرض فمات في السنة المذكورة، وحمل في تابوت إلى إشبيلية، وقيل: أصابه سهم من قبل الإفرنج، والله سبحانه وتعالى أعلم بحقيقة الحال. وفي ابنه السيد أبي إسحاق يقول مطرف التجيبي رحمه الله تعالى: سعد كما شاء العلا والفخار تصرف الليل به والنهار ما دانت الأرض لكم عنوة وإنما دانت لأمر كبار مهدتموها فصفا عيشها ... واتصل الأمن (2) ، فنعم القرار __________ (1) تفصيل هذه الأحداث في ابن عذاري 3: 88 (ط. المغرب). (2) ق ص: الابن. (4/379) ________________________________________ ومنها: فالشاة لا يختلها ذئبها وإن أقامت معه في وجار يعقوب المنصور ولما مات يوسف قام بالأمر بعده ابنه الشهير أمير المؤمنين يعقوب المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن، فقام بالأمر أحسن قيام، ولما مات يوسف المذكور رثاه أديب الأندلس أبو بكر يحيى بن مجبر بقصيدة طويلة أجاد فيها، وأولها: جل الأسى فأسل دم الأجفان ماء الشؤون لغير هذا الشان ويعقوب المنصور هو الذي أظهر أبهة ملك الموحدين، ورفع راية الجهاد، ونصب ميزان العدل، وبسط الأحكام الشرعية، وأظهر الدين وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وأقام الحدود على القريب والبعيد، وله في ذلك أخبار، وفيه يقول الأديب أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الكانمي الأسود الشاعر المشهور: أزال حجابه عني وعيني تراه من المهابة في حجاب وقربني تفضله ولكن بعدت مهابة عند اقترابي وكثرت الفتوحات في أيامه، وأول ما نظر فيه عند صيرورة الأمر إليه بلاد الأندلس، فنظر في شأنها ورتب مصالحها، وقرر المقاتلين في مراكزهم، ورجع إلى كرسي مملكته مراكش المحروسة. وفي سنة586 بلغه أن الإفرنج ملكوا مدينة شلب وهي من غرب الأندلس، فتوجه إليها بنفسه وحاصرها وأخذها، وأنفذ في الوقت جيشاً من الموحدين والعرب، ففتح أربع مدن مما بأيدي الإفرنج من البلاد التي كانوا أخذوها من المسلمين قبل ذلك بأربعين سنة، وخافه صاحب طليطله، وسأله الهدنة والصلح، فهادنه خمس سنين وعاد إلى مراكش. (4/380) ________________________________________ وأنشد القائد أبو بكر بن وزير الشلبي (1) وهو من أمراء كتائب إشبيلية قصيدة يخاطب بها يعقوب المنصور فيما جرى في وقعة مع الفرنجكان الشلبي المذكور مقدماً فيها: ولما تلاقينا جرى الطعن بيننا فمنا ومنهم طائحون عديد وجال غرار الهند فينا وفيهم فمنا ومنهم قائم وحصيد فلا صدر إلا فيه صدر مثقف وحول الوريد للحسام ورود صبرنا ولا كهف سوى البيض والقنا ... كلانا على حر الجلاد (2) جليد ولكن شددنا شدة فتبلدوا ومن يتبلد لا يزال يحيد فولوا وللسمر الطوال بهامهم ركوع وللبيض الرقاق سجود رجع إلى أخبار المنصور بعد هدنة الإفرنج: ولما انقضت مدة الهدنة، ولم يبق منها إلا القليل، خرج طائفة من الإفرنج في جيش كثيف إلى بلاد المسلمين فنهبوا وسعوا وعاثوا عيثاً فظيعاً، فانتهى الخبر إليه، فتجهز لقصدهم في جيوش موفرة وعساكر مكتبة، واحتفل في ذلك، وجاز إلى الأندلس سنة 591، فعلم به الإفرنج، فجمعوا جمعاً كثيراً من أقاصي بلادهم وأدانيها، وأقبلوا نحوه، وقيل: إنه لما أراد الجواز من مدينة سلا مرض مرضاً شديداً، ويأس منه أطباؤه، فعاث الأذفونش في بلاد المسلمين بالأندلس، وانتهز الفرصة، وتفرقت جيوش المسلمين بسبب مرض السلطان، فأرسل __________ (1) زدنا ما بين معقفين اعتماداً على ما سيورده المقري فيما بعد عند حديثه عن سقوط المرية؛ وقد أورد ابن الأبار نسبه على نحو آخر (الحلة 2: 271) فقال أبو بكر محمد بن سيدراي بن عبد الوهاب ابن وزير القيسي، وأورد الأبيات الدالية التي أوردها المقري، وقال فيه: ولي قصر الفتح المنسوب إلى أبي دانس عند استرجاعه من أيدي الروم في جمادى الأولى سنة سبع وثمانين وخمسمائة؛ وتوفي في صدر المائة السابعة بعد حصوره بموقعة العقاب. (2) الحلة: الطعان. (4/381) ________________________________________ الأذفونش يتهدد ويتوعد ويرعد ويبرق، ويطلب بعض الحصون المتاخمة له من بلاد الأندلس، وخلاصة اللأمر أن المنصور توجه بعد ذلك إلى لقاء النصارى، وتزاحف الفريقان، فكان المصاف شمالي قرطبة على قرب قلعة رباح في يوم الخميس تاسع شعبان سنة 591، فكانت بينهم وقعة عظيمة استشهد فيها جمع كبير من المسلمين. وحكي أن يعقوب المنصور جعل مكانه تحت الأعلام السلطانية الشيخ أبا يحيى ابن أبي حفص عم السلطان أبي زكريا الحفصي الذي ملك بعد ذلك إفريقية، وخطب له ببعض الأندلس، فقصد الإفرنج الأعلام ظناً أن السلطان تحتها، فأثروا في المسلمين أثراً قبيحاً، فلم يرعهم إلا والسلطان يعقوب قد أشرف عليهم بعد كسر شوكتهم، فهزمهم شر هزيمة، وهرب الأذفونش في طائفة يسيرة، وهذه وقعة الأرك الشهيرة الذكر. وحكي أن الذي حصل لبيت المال من دروع الإفرنج ستون ألفاً، وأما الدواب على اختلاف أنواعها فلم يحصر لها عدد، ولم يسمع بعد وقعة الزلاقة بمثل وقعة الأرك هذه، وربما صرح بعض المؤرخين بأنها أعظم من وقعة الزلاقة. وقيل: إن فل الإفرنج هربوا إلى قلعة رباح فتحصنوا بها، فحاصرها السلطان يعقوب حتى أخذها، وكانت قبل للمسلمين، فأخذها العدو، فردت في هذه المرة، ثم حاصر طليطلة وقاتلها أشد قتال وقطع أشجارها وشن الغارات على أرجائها، وأخذ من أعمالها حصوناً وقتل رجالها وسبى حريمها وخرب منازلها وهدم أسوارها وترك الإفرنج في أسوأ حال، ولم يبرز إليه أحد من المقاتلة، ثم رجع إلى إشبيلية، وأقام إلى سنة 593، فعاد إلى بلاد الفرنج، وفعل فيها الأفاعيل، فلم يقدر العدو على لقائه، وضاقت على الإفرنج الأرض بما رحبت، فطلبوا الصلح فأجابهم إليه، لما بلغه من ثورة الميرقي عليه بإفريقية مع قراقوش مملوك بني أيوب سلاطين مصر والشام. ثم توفي السلطان يعقوب سنة 595. وما يقال إنه ساح في الأرض (4/382) ________________________________________ وتخلى عن الملك ووصل إلى الشام، ودفن بالبقاع لا أصل فيه، وإن حكى ابن خلكان بعضه. وممن صرح ببطلان هذا القول الشريف الغرناطي في شرح مقصورة حازم، وقال: إن ذلك من هذيان العامة، لولوعهم بالسلطان المذكور. محمد الناصر ووقعة العقاب وولي بعده ولده محمد الناصر المشؤوم على المسلمين، وعلى جزيرة الأندلس بالخصوص، فإنه جمع جمعاً اشتملت على ستمائة ألف مقاتل فيما حكاه صاحب " الذخيرة السنية في تاريخ الدولة المرينية " (1) ودخله الإعجاب بكثرة من معه من الجيوش، فصاف الإفرنج، فكانت عليه وعلى المسلمين وقعة العقاب المشهورة التي خلا بسببها أكثر المغرب، واستولى الإفرنج على أكثر الأندلس بعدها، ولم ينج من الستمائة ألف مقاتل غير عدد يسير جداً لم يبلغ الألف فيما قيل، وهذه الوقعة هي الطامة على الأندلس بل والمغرب جميعاً، وما ذاك إلا لسوء التدبير، فإن رجال الأندلس العارفين بقتال الإفرنج استخف بهم الناصر ووزيره، فشنق بعضهم، ففسدت النيات، فكان ذلك من بخت الإفرنج، والله غالب على أمره، وكانت وقعة العقاب هذه المشؤومة سنة 609، ولم تقم بعدها للمسلمين قائمة تحمد. نهاية الموحدين ولما مات الناصر سنة عشرين وستمائة ولي بعده ابنه يوسف المستنصر، وكان مولعاً بالراحة، فضعفت الدولة في أيامه، وتوفي سنة 620. __________ (1) الذخيرة السنية: 41. (4/383) ________________________________________ فتولى عم أبيه عبد الواحد بن يوسف بن عبد المؤمن، فلم يحسن التدبير، وكان إذ ذاك بالأندلس العادل بن المنصور، فرأى أنه أحق بالأمر، فاستولى على ما بقي في أيدي المسلمين من الأندلس بغير كلفة، ولما خلع عبد الواحد وخنق بمراكش ثارت الإفرنج على العادل بالأندلس، وتصاف معهم، فانهزم ومن معه المسلمين هزيمة شنعاء، فكانت الأندلس قرحاً على قرح، فهرب العادل، وهرب البحر يروم مراكش، وترك بإشبيلية أخاه أبا العلا إدريس، ودخل العادل مراكش بعد خطوب، ثم قبض عليه الموحدون، وقدموا يحيى بن الناصر صغير السن غير مجرب للأمور، فادعى حينئذ الخلافة أبو العلاء إدريس بإشبيلية، وبايعه أهل الأندلس، ثم بايعه أهل مراكش وهو مقيم بالأندلس، فثار على أبي العلاء بالأندلس الأمير المتوكل محمد بن يوسف الجذامي، ودعا إلى بني عباس، فمال الناس إليه، ورجعوا عن أبي العلاء، فخرج عن الأندلس - أعني أبا العلاء - وترك ما وراء البحر لابن هود. ولم يزل أبو العلاء يتحارب مع يحيى بن الناصر إلى أن قتل يحيى، وصفا الأمر لأبي العلاء بالمغرب، دون الأندلس، ثم مات سنة 630. وبويع ابنه الرشيد، وبايعه بعض أهل الأندلس، ثم توفي سنة640. وولي بعده أخوه السعيد، وقتل على حصن بينه وبين تلمسان سنة 646. وولي بعده المرتضى عمر بن إبراهيم بن يوسف بن علد المؤمن، وفي سنة 665 دخل عليه الواثق المعروف بأبي دبوس ففر، ثم قبض وسيق إلى الواثق فقتله، ثم قتل الواثق بنو مرين سنة 668، وبه انقرضت دواة بني عبد المؤمن، وكانت من أعظم الدول الإسلامية، فاستولى بنو مرين على المغرب. ظهور ابن هود وابن الأحمر وأما المتوكل بن هود فملك معظم الأندلس، ثم كثرت عليه الخوارج قريب موته، وقتله غدراً وزيره ابن الرميمي بالمرية، واغتنم الإفرنج الفرصة بافتراق (4/384) ________________________________________ الكلمة، فاستولوا على كثير مما بقي بأيدي المسلمين من البلاد والحصون. ثم آل الأمر إلى أن ملك بنو الأحمر، وخطب بعض أهل الأندلس لأبي زكريا الحفصي صاحب إفيرقية، وقد سبق الكلام على أكثر المذكور هنا، وأعدناه لتناسق الحديث، ولما في بعض من زيادة الفائدة على البعض الآخر، وذلك لا يخفى على المتأمل، وقد بسطنا في الباب الثالث أحوال ابن هود وابن الأحمر وغيرهما، رحم الله تعالى الجميع. الدولة المرينية ثم استفحل ملك يعقوب بن عبد الحق صاحب المغرب وحضرة ملك فاس، فانتصر به الأندلس على الإفرنج الذين تكالبوا عليهم، فاجتاز إلى الأندلس وهزم الإفرنج أشد هزيمة، حتى قال بعضهم: ما نصر المسلمون من العقاب حتى دخل يعقوب المريني وفتك في بعض غزواته بملك من النصارى يقال له ذوننه، ويقال: إنه قتل من جيشه أربعين ألفاً وهزمهم أشد هزيمة، ثم تتابعت غزواته بالأندلس وجوازه للجهاد، وكان له من بلاد الأندلس رندة والجزيرة الخضراء وطريف وجبل طارق وغير ذلك، وأعز الله تعالى به الدين بعد تمرد الفرنج المعتدين. ولما مات ولي بعده ابنه يوسف بن يعقوب، ففر إليه الأذفونش ملك النصارى لائذاً به وقبل يده، ورهن عند تاجه، فأعانه على استرجاع ملكه. ولم يزل ملوك بني مرين يعينون أهل الأندلس بالمال والرجال، وتركوا منهم حصة معتبرة من أقارب السلطان بالأندلس غزاة، فكانت لهم وقائع في العدو مذكورة، ومواقف مشكورة، وكان عند ابن الأحمر منهم جماعة بغرناطة، وعليهم رئيس من بيت ملك بني مرين يسمونه شيخ الغزاة. ولما أفضى الملك إلى السلطان الكبير الشهير أبي الحسن المريني، وخلص له المغرب وبعض بلاد الأندلس (4/385) ________________________________________ أمر بإنشاء الأساطيل الكثيرة برسم الجهاد بالأندلس، واهتم بذلك غاية الاهتمام، فقضى الله تعالى أن استولى الإفرنج على كثير من تلك المراكب بعد أخذهم الجزيرة الخضراء، وكان الإفرنج جمعوا جموعاً كثيرة برسم الاستيلاء على ما بقي للمسلمين بالأندلس، فاستنفر أهل الأندلس السلطان أبا الحسن المذكور، فجاء بنفسه إلى سبتة فرضة المجاز ومحل أساطيل المسلمين، فإذا الإفرنج جاءوا بالسفن التي لا تحصى ومنعوه العبور وإغاثة أهل الأندلس حتى استولوا على الجزيرة الخضراء، وأنكوه في مراكبه أعظم نكاية، ولله الأمر. وق أفصح عن ذلك كتاب صدر من السلطان أبي الحسن المذكور إلى سلطان مصر والشام والحجاز الملك الصالح ابن الملك الناصر محمد ابن الملك المنصور قلاوون الصالحي الألفي، رحم الله الجميع. رسالة من أبي الحسن المريني إلى الملك الصالح 745 للهجرة وهذه نسخة الكتاب المذكور الذي خاطب به أمير المسمين السلطان أبو الحسن المريني المذكور ملك المغرب رحمه الله تعالى السلطان الملك الصالح ابن السلطان الملك الشهير الكبير الناصر محمد بن قلاوون، ووصل إلى مصر في النصف - وقيل في العشر الأواخر - من شعبان المكرم سنة 745 بعد البسملة والصلاة: من عبد الله أمير المسلمين، المجاهد في سبيل الله رب العالمين، المنصور بفضل الله المتوكل عليه، المعتمد في جميع أموره لديه، سلطان البرين، حامي العدوتين، مؤثر المرابطة والثاغرة، مؤازر حزب الإسلام حق المؤازرة، ناصر الإسلام، مظاهر دين الملك العلام، ابن مولانا أمير المسلمين، المجاهد في سبيل رب العالمين، فخر السلاطين، حامي حوزة الدين، ملك البرين، إمام العدوتين، ممهد البلاد، مبدد شمل الأعاد، مجند الجنود، المنصور الرايات والبنود، محط الرحال، مبلغ الآمال، أبي سعيد ابن مولانا أمير المسلمين، المجاهد في سبيل رب العالمين، حسنة الأيام، حسام الإسلام، أبي الأملاك، شجا أهل العناد والإشراك، مانع البلاد، رافع علم الجهاد (4/386) ________________________________________ مدوخ أقطار الكفار، مصرخ من ناداه للانتصار، القائم لله بإعلاء دين الحق، أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق، أخلص الله لوجهه جهاده، ويسر في قهر عداة الدين مراده. إلى محل ولدنا الذي طلع في أفق العلاء بدراً تماً، وصدع بأنواع الفخار فجلا ظلاماً وظلماً، وجمع شمل المملكة الناصرية فأعلى منها علماً، وأحيا لها رسماً، حائط الحرمين، القائم بحفظ القبلتين، باسط الأمان، قابض كف العدوان، الجزيل النوال، الكفيل تأمينه بحياطة النفوس والأموال، قطب المجد وسماكه، حب الحمد وملاكه، السلطان الجليل، الرفيع الأصيل، الحافل العادل، الفاضل الكامل، الشهير الخطير، الأضخم الأفخم، المعان المؤزر، المؤيد المظفر، الملك الصالح أبو الوليد إسماعيل، ابن محل أخينا الشهير علاؤه، المستطير في الآفاق ثناؤه، زين الأيام والليال، كمال عين إنسان المجد وإنسان عين الكمال، وارث الدول، النافث بصحيح رأيه في عقود أهل الملل والنحل، حامي القبلتين بعدله وحسامه، النامي في حفظ الحرمين أجر اضطلاعه بذلك وقيامه، هازم أحزاب المعاندين وجيوشها، هادم الكنائس والبيع فهي خاوية على عروشها، السلطان الأجل، الهمام الأحفل، الأفخم الأضخم، الفاضل العادل، الشهير الكبير، الرفيع الخطير، المجاهد المرابط، المقسط عدله في الجائز والقاسط، والمؤيد المظفر، المنعم المقدس المطهر، زين السلاطين، ناصر الدنيا والدين، أبي المعالي محمد، ابن الملك الأرضي، الهمام الأمضى، والد السلاطين الأخيار، عاقد لواء النصر في قهر الأرمن والفرنج والتتار، ومحيي رسوم الجهاد، معلي كلمة الإسلام في البلاد، جمال الأيام، ثمال الأعلام، فاتح الأقالم، صالح ملوك عصره المتقادم، الإمام المؤيد، المنصور المسدد، قسيم أمير المؤمنين فيما تقلد، الملك المنصور سيف الدنيا والدين قلاوون، مكن الله له تمكين أوليائه، ونمى دولته التي أطعلها السعد شمساً في سمائه، وأحسن إيزاعه للشكر أن جعله وارث آبائه. (4/387) ________________________________________ سلام كريم يفاوح زهر الربى مسراه، وينافح نسيم الصبا مجراه، يصحبه رضوان يدوم ما دامت تقل الفلك حركاته، ويتولاه روح وريحان تحييه به رحمة الله وبركاته. أما بعد حمد الله مالك الملك، جاعل العاقبة للتقوى صدعاً باليقين ودفعاً للشك، وخاذل من أسر في النفاق النجوى فأصر على الدخن والإفك، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسوله الذي محا بأنوار الهدى ظلم الشرك، ونبيه الذي ختم به الأنبياء وهو واسطة ذلك السلك، ودحا به حجة الحق فمادت بالكفرة محمولة الأفلاك وماجت بهم حاملة الفلك، والرضى عن آله وصحبه الذين سلكوا سبيل هداه فسلك في قلوبهم أجمل السلك، وملكوا أعنة هواهم فلزموا من محجة الصواب أنجح السلك، وصابروا في جهاد الأعداء فزاد خلوصهم مع الابتلاء والذهب يزيد خلوصاً على السبك، والدعاء لأولياء الإسلام، وحماته الأعلام، بنصر لمضائه في العدا أعظم الفتك، ويسر بقضائه درك آمال الظهور وأحفل بذلك الدرك، فكتبناه إليكم - كتب الله لكم رسوخ القدم وسبوغ النعم - من حضرتنا بمدينة فاس المحروسة، وصنع الله سبحانه يعرف مذاهب الألطاف، ويكيف مواهب تلهج الألسنة في القصور عن شكرها بالاعتراف، ويصرف من أمره العظيم، وقضائه المتلقى بالتسليم، ما يتكون بين النون والكاف، ومكانكم العتيد سلطانه، وسلطانكم المجيد مكانه، وولاءكم الصحيح برهانه، وعلاؤكم الفسيح في مجال الجلالة ميدانه. وإلى هذا زاد الله سلطانكم تمكيناً، وأفاد مقامكم تحصيناً وتحسيناً، وسلك بكم من سنن من خلفتموه سبيلاً مبيناً، فلا خفاء بما كانت عقدته أيدي التقوى، ومهدته الرسائل التي على الصفاء تطوى، بيننا وبين والدكم نعم الله روحه وقدسه، وبقربه مع الأبرار في عليين آنسه، من مواخاة أحكمت منها العهود تالية الكتب والفاتحة، وحفظ عليها محكم الإخلاص معوذاتها المحبة والنية الصالحة، فانعقدت على التقوى والرضوان، واعتضدت بتعارف الأرواح عند تنازح الأبدان، حتى استحكمت وصلة الولاء، والتأمت كلحمة النسب لحمة (4/388) ________________________________________ الإخاء، فما كان إلا وشيكاً من الزمان، ولا عجب قصر زمن الوصلة أن يشكوه الخلان، ورد وارد رنق المشارب، وحقق قول " ومن يسأل الركبان عن كل غائب " (1) ، أنبأ باستئثار الله تعالى بنفسه الزكية، وإكنان درته السنية، وانقلابه إلى ما أعد له من المنازل الرضوانية، بجليل ما وقر لفقده في الصدور، وعظيم ما تأثرت له النفوس لوقوع ذلك في الصدور، حناناً للإسلام بتلك الأقطار، وإشفاقاً من أن يعتور قاصدي بيت الله الحرام من جراء الفتن عارض الإضرار، ومساهمة في مصاب الملك الكريم، والولي الحميم، ثم عميت الأخبار، وطويت طي السجل الآثار، فلم نر مخبراً صدقاً، ولا معلماً بمن استقر له ذلكم الملك حقاً. وفي أثناء ذلك أحفزنا للحركة عن حضرتنا استصراخ أهل الأندلس وسلطانها، وتواتر الأخبار بأن النصارى أجمعوا على خراب أوطانها، ونحن أثناء ذلكم الشان، نستخبر الوارد (2) من تلكم البلدان، عما أجلى عنه ليل الفتن بتلكم الأوطان، فبعد لأي وقعنا منها على الخبير، وجاءنا بوقاية حرم الله بكم البشير، وتعرفنا أن الملك استقر منكم في نصابه، وتداركه الله تعالى منكم بفاتح الخير من أبوابه، فأطفأ بكم نار الفتنة وأخمدها، وأبرأ من أدواء النفاق ما أعل البلاد وأفسدها، فقام سبيل الحج سابلاً، وتعبد طريقه لمن جاء قاصداً وقافلاً، ولما احتفت بهذا الخبر القرائن، وتواتر بنقل الحاضر له والمعاين، أثار حفظ الاعتقاد البواعث، والود الصحيح تجره حقاً الموارث، فأصدرنا لكم هذه المخاطبة المتفننة الأطوار، الجامعة بين الخبر والاستخبار، الملبسة من العزاء والهناء ثوبي الشعار والدثار، ومثل ذلكم الملك رضوان الله عليه من تجل المصائب لفقدانه، وتحل عرى الاصطبار بموته ولات حين أوانه، لكن الصبر أجمل ما ارتداه ذو عقل حصين، والأجر أولى ما اقتناه ذو دين متين، ومثلكم من لا يخف وقاره، ولا يشف عن ظهور الجزع الحادث اصطباره، ومن خلفكم فما مات ذكره، ومن __________ (1) تمامه: فلا بد أن يلقى بشيراً وناعياً. (2) ق: نستجير الوارد. (4/389) ________________________________________ قمتم بأمره فما زال بل زاد فخره، وقد طالت والحمد لله العيشة الراضية بالحقب، وطاب بين مبداه ومحتضره هنيئاً بما من الأجر اكتسب، وصار حميداً إلى خير المنقاب، ووفد من كرم الله على أفضل ما منح موقناً ووهب، فقد ارتضاكم الله بعده لحياطة أرضه المقدسة، وحماية زوار بيته مقيلة أو معرسة. ونحن بعد بسط هذه التعزية، نهنيكم بما خولكم الله أجمل والإظهار، فاستقبلوا دولة ألقى العز عليها رواقه، وعقد الظهور عليها نطاقه، وأعطاها أمان الزمان عقده وميثاقه، ونحن على ما عاهدنا عليه الملك الناصر رضوان الله عليه من عهود موثقة، وموالاة محققة، وثناء كمائمه عن أذكى من الزهر غب القطر مفتقة. ولم يغب عنكم ما كان من بعثنا المصحفين الأكرمين اللذين خطتهما منا اليمين، وأوت بهما الرغبة من الحرمين الشريفين إلى قرار مكين، وإنه كان لوالدكم الملك الناصر تولاه الله برضوانه، وأورده موارد إحسانه، في ذلكم من الفعل الجميل، والصنع الجليل، ما ناسب مكانه الرفيع، وشاكله فضله من البر الذي لايضيع، حتى طبق فعله الآفاق ذكراً، وطوق أعناق الوراد والقصاد براً، وكان من أجمل ما به تحفى وأتحف، وأعظم ما بعرفه إلى رضى الملك العلام في ذلك تعرف، إذنه للمتوجهين إذ ذاك الوقف مع اختلاف الجديدين، فجرت أحوال القراء فيهما بذلك الخراج المستقاد، ريثما يصلحهم من خراج ما وقفناه عليهم بهذه البلاد، على ما رسمه رحمة الله عليه من عناية بهم متصلة، واحترام في تلك الأوقاف فوائدها به متوفرة متحصلة، وقد أمرنا مؤدي هذا لكمالكم، وموفده على جلالكم، كاتبنا الأسنى الفقيه الأجل، الأحظى الأكمل، أبا المجد، ابن كاتبنا الشيخ الفقيه الأجل الحاج الأتقى، الأضرى الأفضل، الأحظى الاأكمل، المرحوم أبي عبد الله ابن أبي ندين حفظ الله عليه رتبته، ويسر في قصد (4/390) ________________________________________ البيت الحرام بغيته، بأن يتفقد أحوال تلك الأوقاف، ويتعرف تصرف الناظر عليها وما فعله من سداد وإسراف، وأن يتخير لها من يرضى لذلك، ويحمد تصرفه فيما هنالك، وخاطبنا سلطانكم في هذا الشأن، جرياً على الود الثابت الأركان، وإعلاماً بما لوالدكم رحمه الله تعالى في ذلك من الأفعال الحسان، وكمالكم يقضي تخليد ذلكم البر الجميل، وتجديد عمل ذلكم الملك الجليل، وتشييد ما اشتمل عليه من الشكر الأصيل، والأجر الجزيل، والتقدم بالإذن السلطاني في إعانة هذا الوافد بهذا الكتاب، على ما يتوخاه في ذلك الشأن من طرق الصواب، وثنائنا عليكم الثناء الذي يفاوح زهر الربى، ويطارح نغم حمام الأيك مطربا. وبحسب المصافاة، ومقتضى الموالاة، نشرح لكم المتزايدات، بهذه الجهات، وننبئكم بموجب إبطاء إنفاذ هذا الخطاب على ذلكم الجناب: وذلك أنه لما وصلنا من الأندلس الصريخ، ونادى مناد للجهاد عزماً لمثل نداءه يصيخ، أنبئنا أن الكفار قد جمعوا أحزابهم من كل صوب، وحتم عليهم باباهم اللعين التناصر من كل أوب، وأن تقصد طوائفهم البلاد الأندلسية بإيجافها، وتنقص بالمنازلة أرضها من أطرافها، ليمحوا كلمة الإسلام منها، ويقلصوا ظل الإيمان نعنها، فقدمنا من يشتغل بالأساطيل من القواد، وسرنا على إثرهم إلى سبتة منتهى المغرب الأقصى وباب الجهاد، فما وصلناها إلا وقد أخذ أخذه العدو الكفور، وسدت أجفان الطواغيت على التعاون مجاز العبور، وأتوا من أجفانهم بما لا يحصى عدداً، وأرصدوها بمجمع البحر حيث المجاز إلى دفع العدا، وتقلصوا عن الانبساط في البلاد، واجتمعوا إلى الجزيرة الخضراء أعادها الله بكل من جمعوه من الأعاد لكنا مع انسداد تلك الاسبيل، وعدم أمور نستعين بها في ذلكم العمل الجليل، حاولنا امداد تلكم البلاد بحسب الجهد، وأصرخناهم بمن أمكن من الجند، وجهزنا أجفاناً مختلسين فرصة الإجازة، تتردد على خطر بمن جهز للجهاد جهازه، وأمرنا بصاحب الأندلس من المال، بما يجهز به حركته (4/391) ________________________________________ لمداناة محلة حزب الضلال، وأجرينا له ولجيشه العطاء الجزل مشاهرة، وأرضخنا لهم في النوال ما نرجو به ثواب الآخرة، وجعلت أجفاننا تتردد في ميناء السواحل، وتلج أبواب الخوف العاجل، لإحراز الأمن الآجل، مشحونة بالعدد الموفورة، والأبطال المشهورة، والخيل المسومة، والأقوات المقومة، فمن ناج حارب دونه الأجل وشهيد مضى لما عند الله عز وجل، وما زالت الأجفان تتردد على ذلك الخطر، حتى تلف منها سبع وستون قطعة غزوية أجرها عند الله يدخر، ثم لم نقنع بهذا العمل في الامداد، فبعثنا أحد أولادنا أسعدهم الله تعالى مساهمة به لأهل تلك البلاد، فلقي من هول البحر وارتجاجه، وإلحاح العدو ولجاجه، ما به الأمثال تضرب، وبمثله يتحدث ويستغرب، ولما خلص بتلك العدوة بمن أبقته الشدائد، نزل بإزاء الكافر الجاحد، حتى كان منه بفرسخن أو أدنى، وقد ضرب بعطن يصابح العدو ويماسيه بحرب بها يمنى. وقد كان من مدننا بالجزيرة جيش شريت شرارته، وقويت في الحرب بدارته، يبلون البلاء الأصدق، ولا يبالون بالعدو وهم منه كالبشامة البيضاء في البعير الأورق، إلا أن المطاولة بحصرها في البحر مدة ثلاثة أعوام ونصف، ومنازلتها في البر نحو عامين معقودتاً عليها الصف بالصف، أدى إلى فناء الأقوات بالبلد، حتى لم يبق لأهله قوت نصف شهر مع انقطاع المدد، وبه من الخلق يربي على عشرة آلاف دون الحرم والولد، فكتب إلينا سلطان الأندلس يرغب في الإذن له عقد الصلح، ووقع الاتفاق على أنه لاستخلاص المسلمين من وجوه النحج، فأذنا له فيه الإذن العام، إذ في إصراخه وإصراخ من بقطره من المسلمين توخينا ذلك المرام، هنالك دعي النصارى إلى السلم فاستجابوا، وقد كانوا علموا فناء القوت وما استرابوا، فتم الصلح إلى عشر سنين، وخرج من بها من فرسان وأهل وبنين، ولم يرزأوا مالاً ولا عدة، ولا لقوا في خروجهم غير النزوع عن أول أرض مس الجلد ترابها شدة، ووصلوا إلينا فأجزلنا لهم العطاء، وأسليناهم عما جرى بالحباء، فمن خيل تزيد على الألف (4/392) ________________________________________ عتاقها، وخلع تربي على عشرة آلاف أطواقها وأموال عمت الغني والفقير، ورعاية شملت الجميع بالعيش النضير، وكف الله ضر الطواغيت عما عداها، وما انقلبوا بغير مدرة عفا رسمها وصم صداها، وقد كان من لطف الله حين قضى بأخذ هذا الثغر، أن قدر لنا (1) فتح جبل طارق من أيدي الكفر، وهو المطل على هذه المدرة، والفرصة منها إن شاء الله متيسرة، حتى (2) يفرق عقد الكفار، ويفرج بهذه الجهة منهم مجاورو هذه الأقطار، فلولا إجلابهم من كل جانب، وكونهم سدوا مسلك العبور بما لجميعهم من الأجفان والمراكب، لما بالينا بإصعاقهم، ولحللنا بعون الله عقد اتفاقهم، ولكن للموانع أحكام، ولا راد لما جرت به الأقلام، وقد أمرنا لذلك الثغر بمزيد المدد، وتخيرنا له ولسائر تلك البلاد العدد والعدد، وعدنا لحضرتنا فاس لتستريح الجيوش من وعثاء السفر، وترتبط الجياد وتنتخب العدد لوقت الظهور المنتظر، وتكون على أهبة الجهاد، وعلى مرقبة الفرصة عند تمكنها في الأعاد. وعند عودنا من تلك المحاولة، تيسر الركب الحجازي موجهاً إلى هنالكم رواحله، فأصدرنا إليكم هذا الخطاب، إصدار الود الخالص والحب اللباب، وعندنا لكم ما عند أحنى الآباء، واعتقادنا فيكم في ذات الله لا يخشى جديده من البلاء، وما لكم من غرض بهذه الأنحاء، فموفى قصده على أكمل الأهواء، موالى تتميمه على أجمل الآراء، والبلاد باتحاد الود متحدة، والقلوب والأيدي على مرضاة الله، عز وجل، منعقدة (3) ، جعل الله ذلكم خالصاً لرب العباد، مدخوراً ليوم التناد، مسطوراً في الأعمال الصالحة يوم المعاد، بمنه وفضله، وهو سبحانه وتعالى يصل إليكم سعداً تتفاخر به سعود الكواكب، __________ (1) ص: قدم؛ ق: قد ولينا. (2) ص: حين. (3) ق ص: معتضدة. (4/393) ________________________________________ وتتضافر على الانقياد له صدور المواكب، وتتقاصر عن نيل مجده متطاولات المناكب، والسلام والأتم يخصكم كثثيراً أثيراً ورحمة الله وبركاته، وكتب في يوم الخميس السادس والعشرين لشهر صفر المبارك من عام خمسة وأربعين وسبعمائة، وصورة العلامة (1) ، وكتب في التاريخ المؤرخ. جواب الملك الصالح من إنشاء الصفدي ونسخة الجواب عن ذلك من إنشاء خليل الصفدي شارح لامية العجم في سادس شهر رمضان سنة خمس وأربعين وسبعمائة، بعد البسملة، في قطع النصف بقلم الثل؛ عبد الله ووليه، صورة العلامة، ولده اسماعيل بن محمد السلطان الملك الصالح السيد العالم العادل المؤيد المجاهد المرابط المثاغر المظفر المنصور عماد الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، محيي العدل في العالمين، منصف المظلومين من الظالمين، وارث الملك، ملك العرب والعجم والترك، فاتح الأقطار، واهب الممالك والأمصار، إسكندر الزمان، مملك أصحاب المنابر والأسرة والتخوت والتيجان، ظل الله في أرضه، القائم بسنته وفرضه، مالك البحرين، خادم الحرمين الشريفين، سيد الملوك والسلاطين، جامع كلمة الموحدين، ولي أمير المؤمنين، أبو الفداء إسماعيل ابن السلطان الشهيد السعيد الملك الناصر ناصر الدنيا والدين أبي الفتح محمد ابن السلطان الشهيد السعيد الملك المنصور سيف الدنيا والدين قلاوون، خلد الله تعالى سلطانه، وجعل الملائكة أنصاره وأعوانه، يخص المقام العالي الملك الأجل الكبير المجاهد المؤيد المرابط المثاغر المعظم المكرم المظفر المعمر الأسعد الأصعد الأوحد الأمجد الأنجد، السني السري المنصور أبا الحسن علي ابن أمير المسلمين أبي سعيد ابن أمير المسلمين أبي يوسف __________ (1) في هامش أصول دوزي أن العلامة هكذا. (4/394) ________________________________________ يعقوب بن عبد الحق، أمده الله بالظفر، وقرن عزمه بالتأييد، في الآصال والبكر. سلام وشت البروق وشائعه،وادخرت الكواكب ودائعه، واستوعب الزمان ماضيه ومستقبله ومضارعه، وثناء اتخذ النفحات المسكية صلائعه، ونبه للتغريد في الروض سواجعه، وجلى في كأسه من الشفق المحمر مدامه ومن النجوم فواقعه، بعد حمد الله على نعم أدت لنا الأمانة في عودة سلطنة والدنا الموروثة، وأجلستنا على سرير مملكة زرابيها بين النجوم مبثوثة، وأحسنت بنا الخلف عن سلف عهوده في الأعناق غير منكورة ولا منكوثة، وصلاته على سيدنا محمد عبده وسوله، وعلى آله وصحبه الذين بلغ بجهادهم في الكفرة غاية أمله وسوله، صلاة تحط بالرضوان سيولها، وتجر بالغفران ذيولها، ما ترسل أصحاب، وتواصل أحباب، ويوضح للعلم الكريم، ورود كتابكم العظيم، وخاطبكم على الدر النظيم، تفاخر الحمائل سطوره،ويصبغ خد الورد بالخجل منثوره، ويحكي الرياض اليانعة فالألفات غصونه والهمزات عليها طيوره، ويخلع على الآفاق حلل الأيام والليالي فالطرس صاحبه والنقس د يجوره، لفظه يطرب، ومعناه يعرب فيغرب، وبلاغته تدل على أنه آية لآن شمس بينها طلعت من المغرب، فاتخذنا سطوره ريحاناً، ورجعنا ألفاظه ألحاناً، ولرجعنا إلى الجد فشبهنا ألفاته بظلال الرماح، وورقه بصقال الصفاح، وحروفه المفرقة بأفواه الجراح، وسطوره المنتظمة بالفرسان المزدحمة في يوم الكفاح، وانتهينا إلى ما أودعتموه من اللفظ المسجوع، والمعنى الذي يطرب طائره المسموع، والبلاغة التي فضح المتطبع بيانها المطبوع. فأما العزاء بأخيكم الوالد قدس الله روحه وسقى عهده، وأحسن لسلفه خلفنا بعده، فلنا برسول الله أسوة حسنة، ولولا الوثوق بأنه عدة الشهداء ما رأى القلب قراره ولا الطرف وسنه، عاش سعيداً يملك الأرض، ومات (4/395) ________________________________________ شهيداً يفوز بالجنة يوم العرض، قد خلد الله ذكره يسير ميسر الشمس (1) في الآفاق، ويوقف على نضارة حدائقه نظرات الأحداق، وورثنا منه حسن الإخاء لكم، والوفاء بعهود مودة تشبه في اللطف شمائلكم، وأما الهناء بوارثة ملكه، والانخراط مع الملوك في سلكه، فقد شكرنا لكم منحى هذه المنحه، وقابلناها بثناء يعطر النسيم في كل نفحة، ووقفنا عليها حمداً جعل الود علينا إيراده (2) وعلى أنفاس سرحة الروض شرحه، وتحققنا به حسن ودكم الجميل، وكريم إخائكم الذي لا يميد طود رسوخه ولا يميل. وأما ما ذكر تموه من أمر المصحفين الشريفين اللذين وقفتموهما على الحرمين المنيفين، وأنكم جهزتم كاتبكم الفقيه الأجل الأسنى الأسمي أبا المجد ابن كاتبكم أبي عبد الله ابن أبي مدين أعزه الله تعالى لتفقد أحوالهما، والنظر في أمر أوقافهما، فقد وصل المذكور بمن معه في حرز السلامة وأكرمنا نزلهم، وسهلنا بالترحيب سبلهم، وجمعنا على بذل الإحسان إليهم شملهم، وحضر المذكور بأيدينا وقربناه، وسمعنا كلامه وخاطبناه، وأمرنا في أمر المصحفين الشريفين بما أشرتم، ورسمنا لنوابنا في نواحي أوقافهما بما ذكرتم، وهذا الوقف المبرور جار على أحسن عادة ألفها، وأثبت قاعدة عرفها، مرعي الجوانب، محمي المنازل والمضارب، آمن من إزالة رسمه، أو إزالة حكمه، بدره أبداً في مطالع تمه، وزهره دائماً يرقص في كمه، لا يزداد إلا تخليداً، ولا إطلاق ثبوته إلا تقييداً، ولا عنق اجتهاده إلا تقليداً، جرياً على عادة أوقاف ممالكنا، وقاعدة تصرفاتنا في مسالكنا، وله مزيد الرعاية، وإفادة الحماية، ووفادة العناية. وأما ما وصفتموه من أمر الجزيرة الخضراء وما لاقاه أهلها، ومني به من __________ (1) ص: السمر. (2) ص: أيراده. (4/396) ________________________________________ الكفار حزنها وسهلها، فإن شق علينا سماعه الذي أنكى أهل الإيمان، وعدد به ذنوب الزمان، كل قلب بأنامل الخفقان، وطالما فزتم بالظفر، ورزقتم النصر على عدوكم فجر ذيل الهزيمة وفر، ولكن الحروب سجال، وكل زمان لدوائه دولة ولرجائه رجال، ولو أمكنت المساعدة لطارت بنا إليكم عقبان الجياد المسومة، وسالت على عدوكم أباطحهم بقسينا المعوجة وسهامنا المقومة، وكحلنا عيون النجوم بمراود الرماح، وجعلنا ليل العجاج (1) ممزقاً ببروق الصفاح، واتخذنا رؤوسهم لصوالج القوائم كرات، وفرجنا مضايق الحرب بتوالي الكرات، وعطفنا إليهم الأعنة، وخضنا جداول السيوف ودسنا شوك الأسنة، وفلقنا الصخرات بالصرخات، وأسلنا العبرات بالرعبات، ولكن أين الغية من هذا المدى المتطاول وأين الثريا من يد المتناول وما لنا غير إمدادكم بجنود الدعاء الذي نرفعه نحن ورعايانا، والتوجه الصادق الذي تعرفه ملائكة القبول من سجايانا. وأما ما فقدتموه من الأجفان التي طرقها طيف التلاف، وأم حر فنائها الفناء وطاف به بعد الإلطاف، فقد روع هذا الخبر قلب الإسلام، ونوع له الحزن على اختلاف الإصباح والإظلام، وهذه الدار ما يخلو صفوها من كدر القدر، وطالما أنامت بالأمن أول الليل وخاطبت بالخطب في السحر، ولكن في بقائكم ما يسلس من خطب العطب، ومع سلامة نفسكم الكريمة فلأمر هين لأن الدر يفدى بالذهب. وأما ما رأيتموه من الصلح فرأي عقده مبارك، وأمر فيه فارط عزم وإن كان فيتدارك، والأمر يجيء كما يحب لا كما نحب، والحروب يزورها نصرها تارة ويغيب، ومع اليوم غدا، وقد يرد الله الردى، ويعيد الظفر بالعدا. وأما عودكم إلى فاس المحروسة طلباً لإراحة من عندكم من الجنود، __________ (1) ق ص: الليل العجاج. (4/397) ________________________________________ وتجهيزاً لمن يصل من عندكم إلى الحجاز الشريف من الوفود، فهذا أمر ضروري التدبير سروري التثمير، لأن النفوس تمل وثير المهاد، فكيف ملازمة صهوات الجياد، وتسأم من مجالسة الشرب، فكيف بممارسة الحرب، وتعرض عن دوام اللذة، فكيف بمباشرة المنايا الفذة، وهذا جبل طارق الذي فتح الله به عليكم، وساق هدي هديته إليكم، لعله يكون سبباً إلى ارتجاع ما شرد، وحسماً لها الطاغية الذي مرد، ورداً لهذا التنازل الذي قدم ورد الصبر لما ورد، فعادة الألطاف الإلهية بكم معروفة، وعزماتكم إلى جهات الجهاد مصرفة، وقد تفاءلنا لكم من هذا الجبل بأنه طارق خير من الرحمن يطرق، وجبل يعصم من سهم يمر من قسي الكفار ويمرق. وأما ما منحتموه من الخيل العتاق، والملابس التي تطلع بدور الوجوه مشارق الأطواق، والأموال زكت عند الله تعالى ونمت على الإنفاق، فعلى الله عز وجل خلفها، ولكم في منازل الدنيا والآخرة شرفها، وإليكم تساق هدايا أثنيتها وتحفكم تحفها، وإذا وصل وفدكم الحاج، وأنار له بوجه إقبالنا عليهم ليلهم الداج، كانوا مقيمين تحت ظل إكرامنا، وشمول إسعافنا لهم وإنعامنا، يتخولون تحفاً أنتم سببها، ويتناولون طرفاً في كؤوس الاعتناء بهم تنضد حببها، وإذا كان أوان الرحيل إلى الحج فسحنا لهم الطريق، وسهلنا لهم الرفيق، وبلغناهم بحول الله تعالى مناهم من منى، وسولهم ممن إذا زاروا حجرته الشريفة حازوا الراحة من العنا، وفازوا بالغنى، وإذا عادوا عاملناهم بكل جميل ينسيهم مشقة ذلك الدرب، ويخيل إليهم أن لا مسافة لمسافر بين الشرق والغرب، وغمرناهم بالإحسان في العود إليكم، وأمرناهم بما ينهونه شفاهاً لديكم، وعناية الله تعالى تحوط ذاتكم، وتوفر لأخذ الثأر حماتكم، وتخصكم بتأييد تنزلون روضة الأنضر، وتجنون به النصر اليانع من ورق الحديد الأخضر، وتتحفكم بسعد لا يبلى قشبيه، وعز لا يمحو شبابه مشيبه، وتحيته المباركة تغاديكم وتراوحكم، وتفاوحكم أنفاسها المعنبرة وتنافحكم، بمنه وكرمه؛ انتهى. (4/398) ________________________________________ إجازة من الصفدي رواية الرسالتين ورأيت بخط منشئ هذا الجواب الصلاح الصفدي رحمه الله تعالى إثر ذكره ما نصه: أما بعد حمد الله تعالى على نعمائه، وصلاته على سيدنا محمد عبده ورسوله خاتم أنبياءه، فقد قرأ الشيخ الإمام العالم العامل العلامة المفيد القدوة عز الدين أبو يعلى حمزة ابن الرئيس الكبير الفاضل القاضي قطب الدين موسى بن أحمد ابن شيخ السلامية الأحمدي (1) - أمتع الله بفوائده - الكتاب الوارد من سلطان المغرب الملك المجاهد المرابط أبي الحسن المريني، صاحب مراكش تغمده الله تعالى برحمته والجواب عنه عن السلطان الشهيد الملك الصالح عماد الدين إسماعيل ابن السلطان الشهيد الملك الناصر محمد قدس الله تعالى روحهما من إنشائي، وأنا أسمع ذلك جميعاً من أولهما إلى آخرهما، قراءة أطربت السمع لفصاحتها، وأمالت العطف لرجاحتها: وأخجلت ورق الحمى باللوى إن صدحت في ذروة الغصن تكاد من لطف ومن رقة تدخل في الأذن بلا إذن وذلك في مجلس واحد في ذي القعدة سنة 756، بالجامع الأموي بدمشق المحروسة، فإن رأى رواية ذلك عني فله علو الرأي في تشريفي بذلك، وكتبه خليل ابن أبيك الشافعي عفا الله عنه؛ انتهى. أبو الحسن يكتب ثلاثة مصاحف وكان السلطان أبو الحسن المريني المذكور كتب ثلاثة مصاحف شريفة بخطه، وأرسلها إلى المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، وأوقف عليها أوقافأً جليلة، كتب توقيعه سلطان مصر والشام من إنشاء الأديب الشهير جمال الدين ابن نباتة المصري، ونص ما يتعلق به الغرض منه هنا قوله: وهو __________ (1) دوزي: الحنبلي. (4/399) ________________________________________ الذي مد يمينه بالسيف والقلم فكتب في أصحابها، وسطر الختمات الشريفة فأيد الله حزبه بما سطر من أحزابها، واتصلت أخبار ملائكة النصر بلوائه تغدو وتروح، وكثرت فتوحه لأملياء الغرب فقالت أوقاف الشرق لا بد للفقراء من فتوح، ثم وصلت ختمات شريفة كتبها بقلمه المجيد المجدي، وخط سطورها بالعربي وطالما خط في صفوف الأعداء بالهندي، ورتب عليها أوقافاً تجري أقلام الحسنات في إطلاقها وطلقها، وحبس أملاكاً شامية تحدث بنعم الأملاك التي سرت من مغرب الأرض إلى مشرقها، والله تعالى يمتع من وقف هذه الختمات بما سطر له في أكرم الصحائف، وينفع الجالس من ولاة الأمور في تقريرها ويتقبل من الواقف؛ انتهى. قلت: وقد رأيت أحد المصاحف المذكورة، وهو الذي ببيت المقدس، وربعته في غاية الصنع. نبذة من أخبار أبي الحسن وقال بعض المشارفة في حق السلطان أبي الحسن، ما صورته: ملك أضاء المغرب بأنوار هلاله، وجرت إلى المشرق أنواء نواله، وطابت نسماته، واشتهرت عزماته، كان حسن الكتابة، كثير الإنابة، ذا بلاغة وبراعة، وشهامة وشجاعة، كتب بخطه ثلاثة مصاحف ووقفها على المساجد الثلاثة، أقام في الملك عشر سنين وسبعة أيام، ثم صرف بولده أبي عنان بعد حروب يطول شرحها، انتهى من كتاب نزهة الأنام. ولما ذكر الإمام الخطيب أبو عبد الله ابن مرزوق في كتابه المسند الصحيح الحسن من أخبار السلطان أبي الحسن أمر الربعة التي أرسلها السلطان أبو الحسن بخطه قال ما ملخصه: وأرسل معها للسلطان الملك الناصر بن قلاوون صاحب الديار المصرية من أحجار الياقوت العظيم القدر والثمن ثمانمائة وخمسة وعشرين، ومن الزمرد مائة وثمانية وعشرين، ومن الزبرجد مائة وثمانية وعشرين (4/400) ________________________________________ ومن الجوهر النفيس الملوكي ثلاثمائة وأربعة وستين، وأرسل حللاً كثيرة منها مذهبة ثلاثة عشر، ومن الإناق عشرين مذهبة، ومن الخلادي ستة وأربعين، ومن القنوع ستة وعشرين مذهبة، ومن المحررات المختمة ثمانمائة، ومن الرصان عشرين شقة، والأكسية المحررة أربعة وعشرين، والبرانس المحررة ثمانية عشر، والمشففات (1) مائة وخمسين، وأحارم الصوف المحررة عشرين، ومن شقق الملف الرفيع ستة عشر، ومن الفضالي المنوعة والفرش والمخاد المنبوق والحلل ثمانمائة، وأوجه اللحف المذهبة عشرين، وحائطان حلة وحنابل مائة واثني عشر كلها حرير (2) ، وفرش جلد مخروز بالذهب والفضة، ومن السيوف المحلاة بالذهب المنظم بالجوهر عشرة، والسروج عشرة بركب ذهب ومهاميز ذهب كذلك، وثلاث ركب فضة، وست مزججة ومذهبة، ومضمتان من ذهب مما يليق بالملوك، وشاشية حرير مطوقة بذهب مكلل بالجوهر، ومن لزمات الفضة عشرة، وسرج مخروزة بالفضة عشرة، وعشر علامات معششة مذهبة، وعشر رايات مذهبة، وعشر براقع مذهبة، وعشر أمثلة (3) مرقومة، وثلاثين جلد أشرك (4) ، وأربعة ألاف درقة لمط منها مائتان بنهود الذهب وثمانية عشر بنهود الفضة، وخباء قبة كبيرة من مائة بنيقه (5) لها أربعة أبواب، وقبة أخرى مضربة من ست وثلاثين بنيقة مبطنة بحلة مذهبة، وهي حرير أبيض ومرابطها حرير ملون وعمودها عاج وأبنوس وأكبارها من فضة مذهبة، ومن البزاة الأحرار المنتقاة أربعة وثلاثين (6) ، ومن عتاق الخيل العراب ثلاثمائة وخمسة وثلاثين، ومن البغال الذكور والإناث مائة وعشرين، ومن الجمال سبعمائة، وتوجهت مع هذه الهدية أمم برسم الحج مع الربعة المكرمة، وأعطى الحرة أم أخته أم __________ (1) ص: والمشققات. (2) قد شرح دوزي أكثر هذه الألفاظ في ملحق المعاجم ولكنه استمد معانيها من النص نفسه. (3) ص: أشلة. (4) ص: وثلاث زجلوا شركي. (5) دوزي: نبيقة. (6) هذا العدد والأعداد التالية وردت بصورة الرفع في ص. (4/401) ________________________________________ ولد أبيه مريم آلاف وخمسمائة ذهباً، ولقاضي الركب ثلاثمائة وكسوة، ولقائد الركب أربعمائة وكساوى متعددة وبغلات، وللرسول المعين للهدية ألفاً، ولشيخ الركب أحمد بن يوسف بن أبي محمد صالح خمسمائة، ولجماعة الضعفاء من الحجاج ستمائة، وبرسم العطاء للعرب ثلاثة آلاف وثمانمائة، ولشراء ربع ستة عشر ألفاً وخمسمائة ذهباً؛ انتهى. وذكر في الكتاب المذكور أن السلطان أبا الحسن الموصوف أهدى هدايا غير هذه لكثير من الملوك، ومنها لصاحب الأندلس صلة وصدقة في مرات، ومنها لملوك النصارى بعد هداياهم، ومنها لسلاطين السودان كصاحب مالي، ومنها لصاحب إفريقية، ومنها لصاحب تلمسان؛ انتهى. وقال مؤرخ مصر المقريزي في كتاب السلوك في سنة 738 ما نصه: وفي ثاني عشرين من رمضان قدمت الحرة من عند السلطان أبي الحسن علي بن عثمان بن يعقوب المريني صاحب فاس تريد الحج، ومعها هدية جليلة إلى الغاية، نزل لحملها من الإصطبل السلطاني ثلاثون قطاراً من بغال النقل سوى الجمال، كان من جملتها أربعمائة فرس منها مائة حجرة ومائة فحل ومائتا بغل، وجميعها بسرج ولجم مسقطة بالذهب والفضة، وبعضها سرجها وركبها كلها ذهب، وكذلك لجمها، وعدتها اثنان وأربعون رأساً، منها سرجان من ذهب مرصع بجوهر، وفيها اثنان وثلاثون بازاً، وفيها سيف قرابه ذهب مرصع، وحياصته ذهب مرصع، وفيها مائة كساء، وغير ذلك من القماش العال، وكان قد خرج المهمندار إلى لقائهم، وأنزلهم بالقرافة قريب مسجد الفتح، وهم جمع كبير جداً، وكان يوم طلوع الهدية من الأيام المذكورة، ففرق السلطان الهدية على الأمراء بأسرهم على قدر مراتبهم، حتى نفدت كلها سوى الجواهر واللؤلؤ فإنه اختص به، فقدرت قيمة هذه الهدية بما يزيد على مائة ألف دينار، ثم نقلت الحرة إلى الميدان بمن معها ، ورتب لها من الغنم والدجاج والسكر والحلوى والفاكهة في كل يوم بكرة وعشية ماعمهم وفضل عنهم، فكان (4/402) ________________________________________ مرتبهم كل يوم عدة ثلاثين رأساً من الغنم، ونصف إردب أرز، وقنطار حب رمان، وربع قنطار سكر، وثماني فانوسيات شمع، وتوابل الطعام، وحمل إليها برسم النفقة مبلغ خمسة وأربعين ألف درهم، وأجرة حمل أثقالهم مبلغ ستين ألف درهم، ثم خلع على جميع من قدم مع الحرة، فكانت عدة الخلع مائتين وعشرين خلعة على قدر طبقاتهم، حتى خلع على الرجال الذين قادوا الخيول، وحمل إلى الحرة من الكسوة ما يجل قدره، وقيل لها أن تملي ما تحتاج إليه ولا يعوزها شيء، وإنما تريد عناية السلطان بإكرامها وإكرام من معها حيث كانوا، فتقدم السلطان إلى النشو وإلى الأمير أحمد أقبغا بتجهيزها اللائق بها، فقاما بذلك، واستخدما لها السقائين والضوية، وهيئا كل ما تحتاج إليه في سفرها من أصناف الحلاوات والسكر والدقيق والبقسماط، وطلبا الحمالة لحمل جهازها وازودتهان وندب السلطان للسفر معها جمال الدين متولي الجيزة، وأمره أن يرحل بها في مركب لها بمفردها قدام المحمل، ويمتثل كل ما تأمر به، وكتب لأميري مكة والمدينة بخدمتها أتم خدمة. وقال في سنة خمس وأربعين وسبعمائة ما نصه: وفي نصف شعبان قدمت الحرة أخت صاحب المغرب في جماعة كثيرة، وعلى يدها كتاب السلطان أبي الحسن يتضمن السلام، وأن يدعو له الخطباء يوم الجمعة وخطبها ومشايخ الصلاح وأهل الخير بالنصر على عدوهم، ويكتب إلى أهل الحرمين بذلك، وذلك أن في السنة الخالية كانت بينه وبين الفرنج وقعة عظيمة قتل فيها ولده، ونصره الله تعالى بمنه على العدو، وقتل كثيراً منهم، وملكوا منهم الجزيرة الخضراء، فعمر الفرنج مائتي شيني، وجمعوا طوائفهم، وقصدوا المسلمين، وأوقعوا بهم على حين غفلة، فاستشهد عالم كثير، ونجا أبو الحسن في طائفة من ألزامه بعد شدائد، وملك الفرنج الجزيرة، وأسروا وسبوا وغنموا شيئاً يجل وصفه، ثم مضوا إلى جهة غرناطة، ونصبوا عليها مائة منجنيق حتى صالحهم أهلها على قطيعة يقومون بها، وتهادنوا مدة عشر سنين، انتهى كلامه. (4/403) ________________________________________ وقد تقدم نص هذا الكتاب الموجه من السلطان أبي الحسن فليراجع قريباً. وقال ابن مرزوق في المسند الصحيح الحسن بعد كلام ما ملخصه: وكان يعني السلطان أبا الحسن مجتهداً في الجهاد بنفسه وحرمه، وجاز للأندلس برسم ذلك بنفسه، وأظهر آثاره الجميلة، ومنها ارتجاع جبل الفتح ليد المسلمين بعد أن أنفق عليه الأموال، وصرف إليه الجنود والحشود إذ كان من عمالته هو والجزيرة ورندة، ونازلته جيوشه مع ولده وخواصه وضيقوا به إلى أن استرجعوه ليد المسلمين، وأنفق على بنائه (1) أحمال المال، واعتنى بتحصينه، وبنى حصنه وأبراجه وسوره وجامعه ودوره ومخازنه، ولما كاد يتم ذلك نازله العدو براً وبحراً، فصبر المسلمون صبر الكرام، فخيب الله تعالى أمل العدو، وعاد خاسراً (2) ، والمنة لله، فرأى أن يحصن سفح الجبل بسور يحيط به من جميع جهاته حتى لا يطمع عدو في منازلته، ولا يجد سبيلاً للتضييق عند محاصرته، ورأى الناس ذلك من المحال، فأنفق الأموال، وأنصف العمال، فأحاط بمجموعه إحاطة الهالة بالهلال، وأما بناؤه للمحاسن (3) والطوالع فأمر غير مجهول؛ انتهى. رسائل للسان الدين ابن الخطيب 1 - رسالة إلى أحد سلاطين بني مرين وقد رأيت أن أذكر هنا بعض إنشاء لسان الدين ابن الخطيب في شأن ما يتعلق بجبل الفتح وغيره من بلاد الأندلس، وحال العدو الكافر، وما ينخرط في هذا السلك: فمن ذلك على لسان سلطانه يخاطب أحد السلاطين من أولاد السلطان أبي الحسن المريني، ونصه: المقام الذي يصرخ وينجد، ويتهم في الفضل وينجد، ويسعف __________ (1) ص: وأنفقوا فيه. (2) ص: ورجعوا خاسرين. (3) ص: للمحارس. (4/404) ________________________________________ ويسعد، ويبرق في سبيل الله ويرعد، فيأخذ الكفر من عزماته المقيم المقعد، حتى ينجز من نصر الله تعالى الموعد، مقام محل أخينا الذي حسن الظن بمجده جميل، وحد الكفر بسعده كليل، وللإسلام فيه رجاء وتأميل، ليس للقلوب عنه مميل، السلطان الكذا ابن السلطان الكذا، أبقاه الله تعالى وعزمه الماضي لصولة الكفر قامعاً، وتدبيره الناجح لشمل الإسلام جامعاً، وملكه الموفق لنداء الله مطيعاً سامعاً، معظم مقداره، وملتزم إجلاله وإكباره، المعتد في الله بكرم شيمته وطيب نجاره، المستظهر على عدو الله بإسراعه إلى تدمير الكافر وبداره. سلام كريم عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد حمد الله مجيب دعوة السائل، ومتقبل الوسائل، ومتيح النعم الجلائل، مربح (1) من عامله في هذا الوجود الزائف الزائل، والأيام القلائل، بالمتاع الدائم الطائل، والنعيم غير الحائل، ومقيم أود الإسلام المائل، بأولي المكارم من أوليائه والفضائل، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسوله المنقذ من الغوائل، المنجي من الروع الهائل، الصادع بدعوة الحق الصائل، بين العشائر والفصائل، الذي ختم به وبرسالته ديوان الرسل والرسائل، وجعله في الأواخر شرف الأوائل، فحبه كنز العائل، والصلاة عليه زكاة القائل، والرضى عن آله وصحبه وعترته وحزبه تيجان الأحياء والقبائل، المتميزين بكر السجايا وطيب الشمائل، والدعاء لمقام أخوتكم في البكر والأصائل، بالسعد الصادق المخايل، والصنع الذي تتبرج مواهبه تبرج العقائل، والنصر الذي تهز له الصعاد الملد عكف المترانح المتخايل، فإنا كتبناه إليكم كتب الله لكم عزاً يانع الخمائل، ونصراً يكفن للكتائب المدونة في الجهاد ومرضاة رب العباد بسرد المسائل وإقناع السائل، ومن حمراء غرناطة، حرسها الله تعالى، ولا زائد بفضل الله سبحانه إلا استبصار في التوكل على من بيده الأمور، وتسبب مشروع تتعلق به بإذن الله تعالى أحكام القدر __________ (1) ص: مريح. (4/405) ________________________________________ المقدور، ورجاء فيما وعد به من الظهور، يتضاعف على توالي الأيام وترادف الشهور، والحمد لله كثيراً كما هو أهله، فلا فضل إلا فضله، ومقامكم المعروف محله الكفيل بالإرواء نهله وعله، وإلى هذا وصل الله تعالى سعدكم، وحرس مجدكم، ووالى النعم عندنا وعندكم (1) ، فإننا في هذه الأيام، أهمنا من أمر الإسلام، ما رنق بالشراب ونغص الطعام، وذاد المنام، لما تحققنا من عمل الكفر على مكايدته، وسعي الضلال - والله الواقي - في استئصال بقيته، وعقد النوادي للاستشارة في شأنه، وشروع الحيل في هد أركانه، ومن يؤمل من المسلمين لدفع الردى وكشف البلوى وبث الشكوى، وأهله - حاطهم الله تعالى وتولاهم، وتمم عوائد لطفه الذي أولاهم، فهو مولاهم - في غفلة ساهون، وعن المغبة فيه لاهون، قد شغلتهم دنياهم عن دينهم، وعاجلهم عن آجلهم، وطول الأمل، عن نافع العمل، إلا من نور الله تعالى قلبه بنور الإيمان وتململ بمناصحة الله تعالى والإسلام تململ السليم، واستدل بالشاهد على الغائب، وصرف الكفر إى مطالب (2) الأمم النوائب، فلما رأينا أن الدولة المرينية التي هي على مر الأيام شجا العدا، ومتوعد من يكيد الهدى، وفئة الإسلام التي إليها يتحيز، وكهفه الذي إليه يلجأ، قد أذن الله تعالى في صلاح أمورها، ولم شعثها، وإقامة صغاها، بأن صرف الله تعالى عنها هنات الغدر (3) ، وأراحها من مس الضر، ورد قوسها إلى يد باريها، وصير حقها إلى وارثها، وأقام لرعي مصالحها من حسن الظن بحسبه ودينه، ورجي الخير من ثمرات نصحه، ومن لم يعلم إلا الخير من سعيه (4) والسداد من سيرته، ومن لا يستريب المسلمون بصحة عقده، واستقامة قصده، أردنا أن نخرج لكم عن العهدة في هذا __________ (1) وعندكم: سقطت من ص. (2) ص: معاطب. (3) ص: العدو. (4) من سعيه: سقطت من ق. (4/406) ________________________________________ الدين الحنيف الذي وسمت دعوته وجوه أحبابكم شملهم الله تعالى بالعافية، وتشبثت به أنفس من صار إلى الله تعالى من السلف تغمدهم الله بالرحمة والمغفرة، وفي هذا القطر الذي بلاده ما بين مكفول يجب رعيه طبعاً وشرعاً، وجار يلزم حقه ديناً ودنيا وحمية وفضلا، وعلى الحالين فعليكم بعد الله المعول، وفيكم والمؤمل، فأرعونا أسماعكم المباركة نقص عليكم ما فيه رضى الله، والمنجاة من نكيره، والفخر والأجر وحفظ النعم، والخلف بالذرية بهذا وعدت الكتب المنزلة، والرسل المرسلة: وهو أن هذا القطر الذي تعددت فيه المحارب والمنابر، والراكع والساجد، والذاكر والعابد، والعالم واللفيف، والأرملة والضعيف، قد انقطع عنه ارفاد الإسلام، وشحت الأيدي به منذ أعوام، وسلم إلى عبدة الأصنام، وقوبلت ضرائره بالأعذار، والمواعيد المستغرقة للأعمار، وإن عرضت شواغل وفتن، وشواغب وإحن، فقد كانت بحيث لا يقطع السبب بجملته، ولا يذهب المعروف بكليته: ولا بد من شكوى إلى ذي مروءة ... يواسيك أو يسليك أو يتوجع (1) ولو كانت الأشغاب تقطع المعروف وتصرف عن الواجب لم يفتح المقدس والدكم جبل الفتح وهو منازل أخاه بسجلماسة، ولا أمده ولده السلطان أبو عنان وهو بمراكش، وبالأمس بعثنا إلى الجبل وشمانة في جملة ما أهمنا مبلغ جهد وسداد من عوز، وقد فضلت عن ضرائرنا، أموال فرضت من أجل الله على عباده، وطعام سمحنا به على الاحتياج إليه في سبيل جهاده، فلم يسهم المتغلب منها الجانب الله بحبه، ولا أقطعه منها ذرة مستخفاً به جل وعلا، متهاوناً بنكيره الذي هو أحق أن يخشى، فضاععت الأمور واختلت الثغور، وتشذبت الحامية، وتبددت العدد، وخلت المخازن، وهلكت بها الجرذان، وعظمت __________ (1) ص ق: يتفجع. (4/407) ________________________________________ بها حسرة الإسلام، أضعاف ما عظمت حبرته أيام ما كانت تكفلها همم الملوك، الكرام والخلفاء العظام، والوزراء والنصحاء، والأشياخ الأمجاد، قدس الله تعالى أرواحهم، وضاعف أنوارهم، ولا كالحسرة في الجبل باب الأندلس، وركاب الجهاد وحسنة بني مرين ومآثر آل يعقوب وكرامة الله للسلطان المقدس أبي الحسن والد الملوك وكبير الخلفاء والمجاهدين والدكم الذي ترد على قبره (1) مع الساعات والأنفاس وفود الرحمة، وهدايا الزلفة، وريحان الجنة، فلولا أنكم على علم من أحواله لشرحنا المجمل، وشكلنا المهمل، إنما هو اليوم شبح ماثل، وطلل بائد، لولا أن الله تعالى شغل العدا عنه بفتنة لم يصرف وجهه إلا إليه، ولا حوم طيره إلا عليه، ولكان بصدد أن يتخذه الصليب داراً، وأن يقر به عيناً، والعدوة فضلاً عن الأندلس، قد أوسعها شراً، وأرهق ما يجاوره عسراً، نسألأ الله تعالى بنور وجهه أن لا يسود الوجوه بالفجع فيه، ولا يسمع المسلمين الثكلة، وما دونه فهو - وإن أنعش بالتعليل عليه ووقع بالجهد خلقه - لحم على وضم، إلا أن يصل الله تعالى وقايته، ويوالي دفاعه وعصمته، لا إله إلا هو الولي النصير، ومازلنا نشكو إلى غير المصمت، ونمد اليد إلى المدبر عن الله المعرض، ونخطب له زكاة الأموال من المباني الضخمة، والخزائن الثرة، والأهراء الطامية، والحظ التافه من المفترض برسمه، فتمضي الأيام لا تزيد الضرائر فيها إلا ضيقاً، ولا الأحوال إلا شدة، ولا الثغر إلا ضعة، ولا نعلم أن نظراً وقع له ولا فكراً أعمل فيه إلا ما كان من تسخير رعيته الضعيفة، وبلالة مجباه السخيفة، في بناء قصر بمنت ميور من جباله: شاده مرمراً أوجلله كل ... ساً فللطير في ذراه وكور (2) جلب إليه الزليج (3) ، واختلفت فيه الأوضاع في رأس نيق، لأمل نزوة، __________ (1) زاد في ص: منه بعد لفظة قبره. (2) البيت لعدي بن زيد العبادي. (3) ص: الأزليج. (4/408) ________________________________________ وسوء فكرة، فلما تم أقطع الهجران، فهو اليوم ممتنع البوم وحظ الخراب، فلا حول ولا قوة إلا بالله، حتى جاء أمر الله خالي الصحيفة من البر، صفر اليد من العمل الصالح، نعوذ بالله من نكيره، ونسأله الإلهام والسداد، والتوفيق والرشاد، وقد بذلنا جهدنا قولاً وفعلاً، وموعظة ونصحاً، واستدعينا لتلك الجهة صدقة المسلمين محمولة على أكتاد العباد الضعفاء الذين كانت صدقات فاتحيه رضي الله تعالى عنهم ترفدهم، ونوافله تتعهدهم، فما حرك ذلك الجؤوار حلوباً، ولا استدعى مطلوباً، ولا رفداً مجلوباً، فإلى متى تنضى ركاب الصبر وقد بلغ الغاية، واستنفذ البلالة، بعد أن أعاد الله تعالى العهد، وجبر المال، وأصلح السعي، وأجرى ينابيع الخير، وأنشق رياح الإقالة، وجملة ما نريد أن نقرره فهو لباب الجامع، والقصد الشامل، والداعي والباعث، أن صاحب قشتالة لما عاد إلى ملكه، ورجع إلى قطره، جرت بيننا وبينه المراسلة التي أسفرت بعدم رضاه عن كدحنا لنصره، ومظاهرتنا إياه على أمره، وإن كنا قد بلغنا جهداً، وأبعدنا وسعاً، وأجلت عن شروط ثقيلة لم نقبلها، وأغراض صعبة لم نكملها، ونحن نتحقق أنه إما أن تهيج حفيظته، وتثور إحنته، فيكشف وجه المطالبة مستكثراً بالأمة التي داس بها أهل قشتالة، فراجع أمره غلاباً، وحقه ابتزازاً واستلاباً، أو يصرفها ويهادن المسلمين بخلال ما لا يدع جهة من جهات دينه الغريب إلا عقد معها صلحاً، وأخذ عليها بإعانتها إياه عهداً، ثم تفرغ إلى شفاء غليله، وبلوغ جهده، ولا شك أنها تجيبه صرفاً لبأسه عن نحورها، ومقارضة كما وقع باطريرة من مضيق صدورها، ومؤسف جمهورها، وكل من له دين ما فهو يحرص على التقرب إلى من دانه به وكلفه وظائف تكليف، رجاء لوعده وخوفاً من وعيده، وبالله ندفع ما لا نطيق من جموع تداعت من الجزر ووراء البحور والبر المتصل الذي لا تقطعه الرفاق، ولا تحصي ذرعه الحذاق، وقد أصبحنا بدار غربة، ومحل روعة، ومفترس نبوة، ومظنة فتنة، والإسلام عدده قليل، ومنتجعه في هذه البقعة جديب، وعهده بالإرفاد والإمداد (4/409) ________________________________________ من المسلمين بعيد " ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا - إلى آخر السورة " . (البقرة: 286). وإذا تداعت أمم الكفر نصرة لدينها المكذوب، وحمية لصليبها المنصوب، فمن يستدعى لنصر دين الله وحفظ أمانة نبيه إلا أهل ذلك الوطن حيث المآذن بذكر الله تعالى تملأ الآفاق، وكلمة الإسلام قد عمت الربى والوهاد، إنما الإسلام غريق قد تشبث بأهدابكم، يناشدكم الله في بقية الرمق، وقبل الرمي تراش السهام، وهذا أوان الاعتناء، واختيار الحماة، وإعداد الأقوات، قبل أن يضيق المجال، وتمنع الموانع، وقد وجهنا هذا الوفد المبارك للحضور بين يديكم مقرراً الضرورة، منهياً الرغبة، مذكراً بما يقرب عند الله، مذكراً لذمام الإسلام، جالباً على من ورائهم بحول الله تعالى من المسلمين البشرى التي تشرح الصدور، وتسني الآمال، وتستدعي الدعاء والثناء، فالمؤمن كثير بأخيه، ويد الله مع الجماعة، والمسلمون يد على من سواهم، والمؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً، والتعاون على البر والتقوى مشروع، وفي الذكر الحكيم مذكور، وحق الجار مشهور، وما كان جبريل يوصي به في الصحيح مكتوب وكما راع المسلمين اجتماع كلمة الكفر، فنرجو أن يروع الكفر من العز بالله، وشد الحيازيم في سبيل الله، ونفير النفرة لدين الله، والشعور في حماية الثغور وعمرانها، وإزاحة عللها، وجلب الأقوات إليها، وإنشاء الأساطيل، وجبر ما تلف من عدة البحر، أمور تدل على ما ورائها، وتخبر بمشيئة الله تعالى عما بعدها " وما تفعلوا من خير يعلمه الله، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى " ومن خطب على رضي الله تعالى عنه: أما بعد، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، فمن تركه رهبة ألبسه الله تعالى سيما الخسف، ووسمه بالصغار، وما بعد الدنيا إلا الآخرة، وما بعد الآخرة إلا إحدى داري البقاء، أفي الله شك " ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون " . (الحشر: 9). (4/410) ________________________________________ والاعتناء بالجبل عنوان هذا الكتاب، ومقدمة هذا الباب، والغفلة عنه منذ أعوام قد صيرتنا لا نقنع باليسير، وقد أبرمته المواعيد، وغير رسومه الانتظار، ومن المنقول " ارحموا السائل ولو جاء على فرس " ، والإسراف في الخير أرجح في هذا المحل من عكسه، وكان بعض الأجواد يقول وقد أقتر: اللهم هب لي الكثير، فإن حالي لا تقوم على القليل، وعسى أن يكون النظر له بنسبة الغفلة عنه، والمتعاض له مكافئاً للإزراء به، وخلو البحر يغتنم لإمداده وإرفاده، قبل أن يثوب نظر الكفر إلى قطع المدد وسد البحر، ومن ضيع الحزم ندم، ولا عذر لمن علم، والله عز وجل يطلع من قبلكم على ما فيه شفاء الصدور، وجبر القلوب، وشعب الصدوع، وما نقص مال من صدقة، وطعام الواحد كاف لاثنين، والدين دينكم، والبلاد بلادكم، ومحل رباطكم وجهادكم، وسوق حسناتكم، " فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره " وقد قلدنا العهد الحفيظ علينا، المصروف العناية بفضل الله تعالى إلينا، والله المستعان، وعليه التكلان؛ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ انتهى. وفي اعتقادي أن هذا المكتوب للسلطان أبي فارس عبد العزيز ابن السلطان أبي الحسن المريني، وأن المراد بالمتغلب الوزير عمر بن عبد الله الذي ظفر به أبو فارس المذكور واستقل بالملك بعد محو أثره، حسبما ذكرناه في غير هذا المحل؛ والله سبحانه أعلم. 2 - رسالة أخرى في استنهاض السلطان المريني ومن إنشاء لسان الدين على لسان سلطانه في استنهاض عزم صاحب فاس السلطان المريني لنصرة الأندلس، ما نصه: المقام الذي يؤثر حظ الله إذا اختلفت الحظوظ وتعددت المقاصد، ويشرع الأدنى منه إذا تفاضلت المشارع وتمايزت (4/411) ________________________________________ الموارد، وتشمل عادة حلمه وفضله الشارد، ويسع وارف ظله الصادر والوارد، والغائب والشاهد، ويعيد من نصر الله للإسلام العوائد، ويسد الذرائع ويدر الفوائد، مقام محل أخينا الذي حسنت في الملك سيره، وتعاضد في الفضل خبره وخبره، ودلت شواهد مداركه للحقوق، وتغمده للعقوق، على أن الله تعالى لا يهمله ولا يذره، فسلك فخره متسقة درره، ووجه ملكه شادخة غرره، السلطان الكذا ابن السلطان الكذا أبقاه الله رفيعاً علاؤه، هامية لديه منن الله تعالى وآلاؤه، مزدانة بكواكب السعد سماؤه، محروسة بعز النصر أرجاؤه، مكملاً من فضل الله تعالى في نصر الإسلام، وكبت عبدة الأصنام، أمله ورجاؤه، معظم قدره الذي يحق له التعظيم، وموقر سلطانه الذي له الحسب الأصيل والمجد الصميم، الداعي إلى الله تعالى باتصال سعادته حتى ينتصف من عدو الإسلام الغريم، ويتاح على يد سلطانه الفتح الجسيم، فلان؛ سلام كريم، طيب عميم، ورحمة الله تعالى وبركاته. أما بعد حمد الله الذي لا يضيع أجر من أحسن عملا، ولا يخيب من أخلص الرغبة إليه أملا، وموفي من ترك له حقه أجره المكتوب متمماً مكملا، وجاعل الجنة لمن اتقاه حق تقاته نزلا، ملك الموت الذي جل وعلا، وجبار الجبابرة الذي لا يجدون على قدره محيصاً ولا من دونه موثلا، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد الذي أنزل الله تعالى عليه الكتاب مفصلا، وأوضح طريق الرشد وكان مغفلا، وفتح باب السعادة ولولاه كان مقفلا، والرضى على آله وأصحابه، وعترته وأحزابه، الذي ساهموه فيما مر وما حلا، وخلفوه من بعد بالسير التي راقت مجتلى، ورفعوا عماد دينه فاستقام لا يعرف ميلا، وكانوا في الحلم والعفو مثلا، والدعاء لمقامكم الأسمى بالنصر الذي يلقى نصه صريحاً لا متأولا، والصنع الذي يبهر حاللاً ومستقبلا، والعز الذي يرسو جبلا، والسعد الذي لا يبلغ أمداً ولا أجلا، فإنا كتبناه إليكم أصحب الله تعالى ركابكم حليف التوفيق حلاً ومرتحلا، وعرفكم عوارف (4/412) ________________________________________ اليمن الذي يثير جدلا، ويدعوا وافد الفتح المبين فيرد (1) مستعجلا، من حمراء غرناطة حرسها الله تعالى سلطانه، ومهد أوطانه، إلا الخير الذي نسأل بعده تحسين العقبى، وتوالي عادة الرحمى، والحمد لله على التي هي أزكى، وسدل جناح الستر الأضفى، وصلة اللطائف التي هي أكفل وأكفى، وأبر وأوفى، ومقامكم عندنا العدة التي بها نصول ونرهب، والعمدة التي نطيل في ذكرها، ونسهب، وقد أوفدنا عليكم كل ما زاد لدينا، أو فتح الله تعالى به علينا، ونحن مهما شد المخنق بكم نستنصر، أو تراخى ففي ودكم نستبصر، أو فتح الله تعالى فأبوابكم نهني ونبشر، وقررنا عندكم أن العدو في هذه الأيام توقف عن بلاد المسلمين فلم تصل منه إليها سرية، ولا بطشت له يد جرية، ولا اقترعت من تلقائه ثنية، ولا ندري المكيدة تدبر، أم آراء تنقض بحول الله وتتبر، أو لشاغل في الباطن لا يظهر، وبعد ذلك وردت على بابنا من بعض كبارهم، وزعماء أقطارهم، مخاطبات يندبون فيها إلى جنوحها للسلم في سبيل النصح، لأياد سلفت منا لهم قررها، ووسائل ذكرها، فلم يخف عنا أنه أمر دبر بليل، وخيبة تحت ذيل، فظهر لنا أن نسبر الغور، ونستفسر الأمر، فوجهنا إليه - على عادتنا مع سلفه - لنعتبر ما لديه، وننظر إلى بواطن أمره، ونبحث عن زيد قومه وعمره، فتأتى ذلك وجر مفاوضة في الصلح أعدنا (2) لأجلها الرسالة، واستشعرنا البسالة ووازنا الأحوال واختبرنا، واعتززنا في الشروط ما قدرنا، ونحن نرتقب ما يخلق الله تعالى من مهادنة تحصل بها الأقوات المهيأة للانتساف، وتسكن (3) ما ساء البلاد المسلمة من هذا الإرجاف، __________ (1) ق ص: ويرد. (2) ق: أعددنا. (3) ص: وتسكين. (4/413) ________________________________________ ونفرغ (1) الوقت لمطاردة هذه الآمال العجاف، أو حرب يبلغ الاستبصار فيه غايته، حتى يظهر الله تعالى في نصر الفئة القليلة آيته، ولم نجعل سبب الاعتزاز فيما أدرنا، وشموخ الأنف فيما أصدرنا، إلا ما أشعنا من عزمكم على نصرة الإسلام، وارتقاب خفوق الأعلام، والخفوف إلى دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن الأرض حمية لله تعالى قد اهتزت، والنفرة (2) قد غلبت للنفوس واستفزت، واستظهرنا بكتبكم التي تضمنت ضرب المواعد، وشمرت عن السواعد، وأن الخيل قد أطلقت إلى الجهاد في سبيل الله الأعنة، والثنايا سدتها بروق الأسنة، وفرض الجهاد قد قام به المسلمون، والأموال قد سمح بها المؤمنون، وهذه الأمور التي تمشت بقريبها أو بعيدها أحوال الإسلام، والأماني المعدة لتزجية الأيام، ثم اتصل بنا الخبر الكارث، بما كان من حور العزائم المؤمنة بعد كورها، وتسويف مواعد النصرة، بعد استشعار فورها، وأن الحركة معملة إلى مراكش الجهة التي في يديكم زمامها، وإليكم وإن تراخى الطول ترجع أحكامها، والقطر الذي لا يفوتكم مع الغفلة، ولا يعجزكم عن الصولة، ولا يطلبكم إن تركتموه، ولا يمنعكم إن طرقتموه أو عركتموه، فسقط في الأيدي الممدودة، واختلفت المواعد المحدودة، وخسئت الأبصار المرتقبة، ورجفت المعاقل الأشبة، وساءت الظنون، وذرفت العيون، وأكذب الفضلاء الخبر، ونفوا أن يعتبر، وقالوا: هذا لا يمكن حيث الدين الحنيف، والملك المنيف، والعلماء الذين أخذ الله تعالى ميثاقهم، وحمل النصيحة أعناقهم، هذا المفترض الذي يبعد، والقائم الذي يقعد، يأباه الله تعالى والإسلام، وتأباه العلماء والأعلام، وتأباه المآذن والمنابر، وتأباه الهمم والأكابر، فبادرنا نستطلع طلع هذا النبأ الذي إن كان باطلاً فهو الظن، ولله المن، وإن كان خلافه لرأي ترجح، وتنفق بقرب الملك وتبجح، فنحن نوفد كل من __________ (1) ق: ونقرع. (2) ص: والنعرة. (4/414) ________________________________________ يقدم إلى الله تعالى بهذا القطر في شفاعة، ويمد إليه كف ضراعة، ومن يوسم بصلاح وعبادة، ويقصد في الدين بث (1) إفادة، يتطارحون عليكم في نقض ما أبرم، ونسخ ما أحكم، فعنكم تجنون به على من استنصركم عكس ما قصد، وتحلون عليه ما عقد، وهب لعذر يقبل في عدم الإعانة، وضرورة الاستعانة والاستكانة، أي عذر يقبل في الاطراح، والإعراض الصراح كأن الدين غير واحد (2) ، كأن هذا القطر لكلمة الإسلام جاحد، وكأن ذمام الإسلام غير جامع، كأن الله غير راء ولا سامع، فنحن نسألكم بالله الذي تساءلون به والأرحام، ونأنف لكم (3) من هذا الإحجام، ونتطارح عليكم أن تتركوا حظكم في أهل تلك الجهة حتى يحكم الله بيننا وبين العدو الذي يتكالب علينا بإدباركم، بعدما تضاءل لاستنفاركم، ولا نكلفكم غير اقتراب داركم، وما سامكم المسلمون بها شططاً، وما حملوكم إلا قصداً وسطا، وما ذهبتم إليه لا يفوت، ولا يبعد وقد تجاوزت البيوت، إنما الفائت من وراءكم، من حديث تأنف من سماعه أوداؤكم، ودين يشمت به أعداؤكم، فأسعفوا بالشفاعة فيمن بتلك الجهة المراكشية قصدنا، وحاشا إحسانكم أن يرضى فيه ردنا، وأنتم بعد بالخيار فيما يجريه الله على يديكم من قدرة، أو يلهمكم إليه من نصرة، وجوابكم مرتقب بما يليق بكم، ويجمل بحسبكم، والله سبحانه يصل سعدكم، ويحرس مجدكم، والسلام الكريم عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. 3 - رسالة على لسان يوسف بن نصر إلى سلطان فاس ومن إنشاء لسان الدين أيضاً في مخاطبة سلطان فاس والمغرب على لسان __________ (1) ص: ببث. (2) كأن... واحد: سقطت من ص. (3) لكم: سقطت من ق. (4/415) ________________________________________ سلطان غرناطة فيما يقرب من الأنحاء السابقة، ما نصه: المقام الذي أقمار سعده في انتظام واتساق، وجياد عزه إلى الغاية القصوى ذات استباق، والقلوب على حبه ذات اتفاق، وعناية الله تعالى عليه مديدة الرواق، وأياديه الجمة في الأعناق، ألزم من الأطواق، وأحاديث مجده سمر النوادي وحديث الرفاق، مقام محل أبينا الذي شان قلوبنا الاهتمام بشأنه، وأعظم مطلوبنا من الله تعالى ساعدة سلطانه، السلطان الكذا ابن السلطان الكذا ابن السلطان الكذا، أبقاه الله تعالى والصنائع الإلهية تحيط ببابه، والألطاف الخفية تعرس في جنابه، والنصر العزيز يحف بركابه، وأسباب التوفيق متصلة بأسبابه، والقلوب الشجية لفراقه، مسرورة بإيابه، معظم سلطانه الذي له الحقوق المحتومة، والفواصل المشهورة المعلومة، والمكارم المسطورة المرسومة، والمفاخر المنسوقة المنظومة، الداعي إلى الله تعالى في وقاية ذاته المعصومة، وحفظها على هذه الأمة المرحومة، الأمير عبد الله يوسف ابن أمير المسلمين أبي الوليد إسماعيل ابن فرج بن نصر، سلام كريم، طيب بر عميم، كما سطعن في غيهب الشدة أنوار الفرج، وهبت نواسم ألطاف الله عاطرة الأرج، يخص مقامكم الأعلى، ورحمة الله تعالى وبركاته. أما بعد حمد الله جالي الظلم بعد اعتكارها، ومقيل الأيام من عثارها، ومزين سماء الملك بشموسها المحتجبة، وأقمارها، ومريح القلوب من وحشة أفكارها، ومنشئ سحاب الرحمة على هذه الأمة بعد افتقارها، وشدة اضطرابها واضطرارها، ومتداركها باللطف الكفيل بتمهيد أوطانها وتسيير أوطارها، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسوله صفوة النبوة ومختارها، ولباب مجدها السامي ونجارها (1) ، نبي الملاحم وخائض تيارها، ومذهب رسوم الفتن ومطفئ نارها، الذي لم ترعه الشدائد باضطراب بحورها، حتى بلغت __________ (1) ص: وفخارها. (4/416) ________________________________________ كلمة الله ما شاءت من سطوع أنوارها، ووضوح آثارها، والرضى عن آله وأصحابه الذين تمسكوا بعهده على إحلاء الحوادث وإمرارها، وباعوا نفوسهم في إعلاء دعوته الحنيفية وإظهارها، والدعاء لمقامكم الأعلى باتصال السعادة واستمرارها، وانسحاب العناية الإلهية وإسدال أستارها، حتى تقف الأيام ببابكم موقف اعتذارها، وتعرض على مثابتكم ذنوبها راغبة في اغتفارها، فإنا كتبناه إليكم - كتب الله تعالى لكم أوفى ما كتب لصالحي الملوك من مواهب إسعاده، وعرفكم عوارف الآلاء في إصدار أمركم الرفيع وإيراده، وأجرى الفلك الدوار بحكم مراده، وجعل العاقبة الحسنى كما وعد به في محكم كتابه المبين للصالحين من عباده - من حمراء غرناطة حرسها الله تعالى، وليس بفضل الله الذي عليه في الشدائد الاعتماد، وإلى كنف فضله الاستناد، ثم ببركة من خلالها، وتخبر سيماها بطلوع السعود واستقبالها، وتدل مخايل يمنها على حسن مآلها، لله الحمد على نعمه التي نرغب في كمالها، ونستدر عذب زلالها، وعندنا من الاستبشار باتساق أمركم وانتظامه، والسرور بسعادة أيامه، والدعاء إلى الله تعالى في إظهاره وإتمامه، ما لا تفي العبارة بأحكامه، ولا تتعاطى (1) حصر أحكامه، وإلى هذا أيد الله تعالى أمركم وعلاه (2) ، وصان سلطانكم وتولاه، فقد علم الحاضر والغائب، وخلص الخلوص الذي لا تغيره الشوائب، ما عندنا من الحب الذي وضحت منه المذاهب، وأننا لما اتصل بنا ما جرت به الأحكام من الأمور التي صحبت مقامكم فيها العناية من الله والعصمة، وجعل على العباد والبلاد الوقاية والنعمة، لا يستقر بقلوبنا القرار، ولا تتأتى بأوطاننا الأوطار، تشوفاً لما تتيحه (3) لكم الأقدار، ويبرزه من سعادتكم الليل والنهار، __________ (1) ص ق: يتعاطى. (2) ق: وعلاكم. (3) ص ق: تشوقاً لما تنتجه. (4/417) ________________________________________ ورجاؤنا في استئناف سعادتكم يشتد على الأوقات ويقوى، علماً بان العاقبة للتقوى، وفي هذه الأيام عميت الأنباء، وتكالبت في البر والبحر الأعداء، واختلفت الفصول والأهواء، وعاقت الوارد الأنواء، وعلى ذلك من فضل الله الرجاء، ولو كنا نجد للاتصال بكم سبباً، أو نلفي لإعانتكم مذ خباً ملا شغلنا البعد الذي بيننا اعترض، والعدو بساحتنا في هذه الأيام ربض، وكان خديمكم الذي رفع من الوفاء راية خافقة، واقتنى منه في سوق الكساد بضاعة نافقة، الشيخ الأجل الأوفى، الأود الأخلص الأصفى، أبو محمد ابن أحبانا (1) سنى الله مأموله، وبلغه من سعادة أمركم سؤلهن وقد ورد على بابنا، وتحيز إلى اللحاق بجنابنا، ليتيسر له من جهتنا القدوم، ويتأتى له بإعانتنا الغرض المروم، فبينما نحن ننظر في تتميم غرضه، وإعانته على الوفاء الذي قام بمفترضهن إذ اتصل بنا خبر قرقورتين من الأجفان التي استعنتم بها على الحركة، والعزيمة (2) المقترنة بالبركة، حطت إحداها بمرسى المنكب والأخرى بمرسى المرية، في كنف العناية الإلهية، فتلقينا (3) من الواصلين فيها الأنباء المحققة بعد التباسها، والأخبار التي يغني نصها عن قياسها، وتعرفنا ما كان من عزمكم على السفر، وحركتكم المعروفة باليمن والظفر، وأنكم استخرتم الله تعالى في اللحاق بالأوطان التي يؤمن قدومكم خائفها، ويؤلف طوائفها، ويسكن راجفها، ويصلح أحوالها، ويسكن أهوالها، وأنكم سبقتم حركتها بعشرة أيام مستظهرين بالعزم المبرور، والسعد الموفور، واليمن الرائق السفور، والأسطول المنصور، فلا تسألوا عن انبعاث الآمال بعد سكونها، ونهوض طيور الرجاء من وكونها، واستبشار الأمة المحمدية منكم بقرة عيونها، وتحقق ظنونها، وارتياح البلاد إلى دعوتكم التي ألبستها ملابس العدل والإحسان، وقلدتها قلائد السير الحسان، وما منها إلا من باح بما يخفيه من وجدهن وجهر __________ (1) ص: أجانا. (2) ق ص: والعزمة. (3) ص: تلقينا. (4/418) ________________________________________ بشكر الله تعالى وحمده، وابتهل إليه في تيسير غرض مقامكم الشهير وتتميم قصده، واستئناس نور سعده، وكم مطل الانتظار بديون آمالها، والمطاولة من اعتلالها.طاولة من اعتلالها. وأما نحن فلا تسألوا عمن استشعر دنو حبيبه، بعد طول مغيبه، إنما بلغنا هذا الخبر بادرنا إلى إنجاز ما بذلنا لخديمكم المذكور من الوعد، واغتنمنا ميقات هذا السعد، ليصل سببه بأسبابكم، ويسرع لحاقه بجنابكم، فعنده خدم نرجو أن يسير الله تعالى أسبابها، ويفتح بنيتكم الصالحة أبوابها، وقد شاهد من امتعاضنا لذلك المقام الذي ندين له بالتشييع الكريم الوداد، ونصل له على بعد المزار ونزوح الأقطار سبب الاعتداء، ما يغني عن القلم والمداد، وقد ألقينا إليه من ذلك كله ما يلقيه إلى مقامكم الرفيع المعتمد، وكتبنا إلى من بالسواحل من ولاتنا نحد لهم ما يكون عليه عملهم في بر من يرد عليهم من جهة أبوتكم الكريمة، ذات الحقوق العظيمة والأيادي الحديثة والقديمة، وهم يعملون في ذلك بحسب المراد ، وعلى شاكلة جميل الاعتقاد، ويعلم الله تعالى أننا لو لم تعق العوائق الكبيرة، والموانع الكثيرة، والأعداء الذين دهيت (1) بهم في الوقت هذه الجزيرة، ما قدمنا عملاً على اللحاق بكم، والاتصال بسببكم، حتى نوفي لأبوتكم الكريمة حقها، ونوضح من المسرة طرقها، لكن الأعذار واضحة وضوح المثل السائر، والله العلم بالسرائر، وغلى الله تعالى نبتهل في أن يوضح لكم من التيسير طريقاً، ويجعل السعد لكم مصاحباً ورفيقاً، ولا يعدمكم عناية منه وتوفيقاً، ويتم سرورنا عن قريب بتعرف أنبائكم السارة، وسعودكم الدارة، فذلك منه سبحانه غاية آمالنا، وقيه إعمال ضراعتنا وسؤالنا، هذا ما عندنا باردتا لإعلامكم به أسرع البدار، والله تعالى يوفد علينا أكرم الأخبار، بسعادة ملككم السامي المقدار، وييسر ما له من الأوطار، ويصل سعدكم، __________ (1) ص: ذهبت. (4/419) ________________________________________ ويحرس مجدكم، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، انتهى. وكان طاغية النصارى الملعون لكثرة ما مارس من أمور ملوك الأندلس وسلاطين فاس كثيراً ما يدس لأقارب الملوك القيام على صاحب الأمر، ويزين له الثورة، ويعده بالإمداد بالمال والعدة، وقصده بذلك كله توهين المسلمين، وإفساد تدبيرهم، ونسخ الدول بعضها ببعض، لما له في ذلك من المصلحة، حتى بلغ أبعده الله تعالى من أمله الغاية. 4 - رسالة إلى السلطان المريني في الاعتذار عن فرار أبي الفضل المريني من غرناطة ومن إنشاء لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى، عن سلطان الأندلس إلى سلطان فاس المريني، يعتذر عن فرار الأمير أبي الفضل المريني الذي كان معتقلاً بغرناطة، فتحيل الطاغية في أمره حتى خرج طالباً للملك، ما نصه: المقام الذي شهد اللي والنهار بأصالة سعادته، وجرى الفلك الدوار بحكم إرادته، وتعود الظفر بما يناؤه فاطرد والحمد لله جريان عادته، فوليه متحقق لإفادته، وعدوه مرتقب لإبادته، وحلل الصنائع الإلهية تضفو على أعطاف مجادته، مقام محل أخينا الذي سهم سعده صائب، وأمل من كاده خاسر خائب، وسير الفلك المدار في مرضاته دائب، وصنائع الله تعالى له تصحبها الألطاف العجائب، فسيان شاهد منه في عصمة وغائب، السلطان الكذا ابن السلطان الكذا ابن السلطان الكذا، أبقاه الله تعالى مسدد السهم، ماضي العزم، تجل سعوده عن تصور الوهم، ولا زال مرهوب الحد ممتثل الرسم، موفور الحظ من نعمة الله تعالى عند تعدد القسم، فائزاً بفلج الخصام عند لدد الخصم، معظم قدره، وملتزم بره، المبتهج بما يسببه الله تعالى له من إعزاز نصرهن وإظهار أمره، فلان: سلام كريم، طيب بر عميم، يخص مقامكم الأعلى، ومثابتكم الفضلى، التي حازت في الفخر الأمد البعيد، وفازت من التأييد والنصر بالحظ السعيد، ورحمة الله تعالى وبركاته. (4/420) ________________________________________ أما بعد حمد الله الذي فسح لملككم الرفيع في العز مدى، وعرف عوارفه آلائه وعوائد النصر على أعدائه يوماً وغدا، وحرس سماء علائه بشهب من قدره وقضائه " فمن يستمع الآن يجد له شهباًُ رصدا " وجعل نجح أعماله وحسن مآله قياسا مطردا، فرب مريد ضره ضر نفسه وهاد إليه أهدى وما هدى، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد نبيه ورسوله الذي ملأ الكون نوراً وهدى، وأحيا مراسم الحق وقد صارت طرائق قددا، أعلى الأنام يدا، وأرفهم محتدا، الذي بجاهه نلبس أثواب السعادة جددا، ونظفر بالنعيم الذي لا ينقط أبدا، والرضى عن آله وأصحابه الذين رفعوا لسماء سنته عمدا، وأوضحوا من سبيل اتباعه مقصدا، وتقبلوا شيمه الطاهرة ركعاً وسجدا، سيوفاً على من اعتدى ونجوماً لمن اهتدى، وعلت فروع ملته صعدا، وأصبح بناؤها مديداً مخلدان والدعاء لمقامكم الأسمى بالنصر الذي يتوالى مثنى وموحدا، كما جمع لملككم ما تفرق من الألقاب على توالي الأحقاب، فجعل سيفكم سفاحاً وعلمكم منصوراً ورأيكم رشيداً وعزمكم مؤيدان فإنا كتبناه إليكم - كتب الله تعالى لكم صنعاً يشرح للإسلام خلدا، ونصراً يقيم للدين الحنيف أودا، وعزماً يملأ أفئدة الكفر كمدا، وجعلكم ممن هيأ له من أمره رشدا، ويسر لكم العاقبة الحسنى كما وعد في كتابه العزيز والله أصدق موعدا - من حمراء غرناطة حرسها الله ولا زائد بفضل الله سبحانه إلا استطلاع سعودكم في آفاق العناية، واعتقاد جميل صنع الله في البداية والنهاية، والعلم بأن ملككم تحدى من الظهور على أعدائه بآية وأجرى جياد السعد في ميدان لا يحد بغاية، وخرق حجاب المعتاد بما لم يظهر إلا لأصحاب الكرامة والولاية، ونحن على ما علمتم من السرور بما يهز لملككم المنصور عطفا، ويسدل عليه من العصمة سجفان نقاسمه الارتياح لمواقع نعم الله تعالى نصفاً ونصفا، ونعقد بين أنباء مسرته وبين الشكر لله حلفا، ونعد التشييع له مما يقربنا إلى الله زلفى، ونؤمل (4/421) ________________________________________ من إمداده ونرتقب من جهاده وقتاً يكفل به الدين و يكفى، وتروى غلل النفوس وتشفى. وإلى هذا وصل الله سعدكم، ووالى نصركم وعضدكم، فإنا من لدن صدر عن أخيكم أبي الفضل ما صدر من الانقياد لخدع الآمال، والاعتزاز بموارد الآل، وقال رأيه في اقتحام الأهوال، وتورط في هفو حار فيها حيرة أهل الكلام في الأحوال، وناصب من أمركم السعيد جبلاً قضى الله له بالاستقرار والاستقبال، ومن ذا يزاحم الأطواد ويزحزح الجبال وأخلف الظن منا في وفائهن وأضمر عملاً استأثر عنا بإخفائهن واستعان من عدو الدين بمعين قلما يري لمن استنصر به زند، ولا خفق لمن تولاه بالنصر بند، وإن الطاغية أعانه وأنجده ورأى أنه سهم على المسلمين سدده، وغضب للفتنة جرده، فسخر له الفلك، وأمل أن يستخدمه بسبب ذلك الملك، فأورده الهلك والظلم الحلك، علمنا أن طرف سعادته كاب، وسحاب آماله غير ذات انسكاب، وقدم غرته لم يستقر من السداد في غرز ركاب، فغن نجاح أعمال النفوس، مرتبط بنياتها، وغايات الأمور تظهر في بداياتها، وعوائد الله تعالى فيمن نازع قدرته لا تجهل، ومن غالب أمر الله خاب منه المعول. فبينما نحن نرتقب خسار تلك الصفقة المعقودة، وخمود تلك الشعلة الموقودة، وصلنا كتابكم يشرح الصدور ويشرح الأخبار، ويهدي طرف المسرات على أكف الاستبشار، ويعرب بلسان حال المسارعة والابتدار، عن الود الواضح وضوح النهار، والتحقق بخلوصنا الذي يعلمه عالم الأسرار، فأعاد في الإفادة وأبدى، وأسدى من الفضائل الجلائل ما أسدى فعلم منه مآل (1) من رام أن يقدح زند الشتات من بعد الالتئام، ويثير عجاجة المنازعة من بعد ركود القتام، هيهات تلك قلادة الله تعالى التي ما كان يتركها بغير نظام، ولم يدر __________ (1) ص: مثال. (4/422) ________________________________________ أنكم نصبتم له من الحزم حبالة لا يفلتها قنيص، وسددتم له من السعد سهماً ما له عنه من محيص، بما كان من إرسال جوارح الأسطول السعيد في مطاره، حائلاً بينه وبين أوطاره (1) ، فما كان إلا التسمية والإرسال، ثم الإمساك والقتال، ثم الاقتيات والاستعمال، فيا له من زجر استنطق لسان الوجود فجدله (2) ، واستنصر البحر فخذله، وصارع القدر فجدله (3) لما جد له، وإن خدامكم استولوا على ما كان فيه من مؤمل (4) غاية بعيدة، ومنتسب إلى نصبة غير سعيدة، وشانئ غمرته من الكفار، خدام الماء وأولياء النار، تحكمت فيهم أطراف العوالي وصدور الشفار، وتحصل منهم من تخطاه الحمام في قبضة الإسار، فعجبنا من تيسير هذا المرام، وإخماد الله لهذا الضرام، وقلنا: تكييف لا يحصل في الأوهام، وتسديد لا تستطيع إصابته السهام، كلما قدح الخلاف زنداً أطفأ سعدكم شعلته، أو أظهر الشتات ألماً أبرأ يمن طائركم علته، وما ذاك إلا لنية صدقت معاملتها في جنب الله تعالى وصحت، واسترسلت بركتها وسحت، وجهاد نذرتموه إذا فرغت شواغلكم وتمت، واهتمام بالإسلام يكفيه الخطوب التي أهمت، فنحن نهنيكم بمنح الله ومننه، ونسأله أن يلبسكم من عنايته أوقى جننه، فأملنا أن تطرد آمالكم، وتنجح في مرضاة الله أعمالكم، فمقامكم هو العمدة التي يدفع العدو بسلاحها وتنبلج ظلمات صفاحها، وكيف لا نهنيكم بصنع على جهتنا يعود، وبآفاقنا تطلع منه السعود، فتيقنوا ما عندنا من الاعتقاد الذي رسومه قد استقلت واكتفت، وديمه بساحة الود قد وكفت، والله عز وجل يجعل لكم الفتوح عادة، ولا يعدمكم عناية وسعادة، وهو سبحانه يعلي مقامكم، وينصر أعلامكم، ويهني الإسلام أيامكم، والسلام الكريم __________ (1) ص: أوكاره. (2) ق: فحدله. (3) ق: فخذله. (4) ص: مذموماً. (4/423) ________________________________________ يخصكم، ورحمة الله وبركاته؛ انتهى. وكان سلطان الأندلس في الأزمان المتأخرة كثيراً ما يشم أرج الفرج في سلم الكفار ومهادنتهم، حيث لم يقدر في الغالب على مقاومتهم، ولذلك لما قتل السلطان أبو الحجاج الذي كان لسان الدين كاتبه ووزيره، وقام بالأمر بعده ابنه محمد الغني بالله الذي ألقى مقاليده للسان الدين - أكد أمر السلم، وانتظر ما يبرمه القضاء الجزم، والقدر الحتم. 5 - رسالة عن لسان الغني بالله إلى أبي عنان من إنشاء لسان الدين في ذلك على لسان الغني مخاطباً لسلطان فاس والمغرب أبي عنان ما صورته: المقام الذي يغني عن كل مفقود بوجوده، ويهز إلى جميل العوائد أعطاف بأسه وجوده، ونستضيء عند إظلام الخطوب بنور سعوده، ونرث من الاعتماد عليه أسنى ذخر يرثه الولد عن آبائه وجدوده مقام محل أبينا الذي رعي الأذمة شانه، وصلة الرعي سجية انفرد بها سلطانه، ومواعد النصر ينجزها زمانه، والقول والفعل في ذات الله تعالى تكفلت بهما يده الكريمة ولسانه، وتطابق فيهما إسراره وإعلانه، السلطان الكذا ابن السلطان الكذا ابن السلطان الكذا، أبقاه الله تعالى محروساً من غير الأيام جنابه، موصولة بالوقاية الإلهية أسبابه، مسدولاً عن ذاته الكريمة ستر الله تعالى وحجابه، مصروفاً عنه من صرف القدر ما يعجز عن رده بوابه، ولا زال ملجأ تنفق لديه الوسائل التي تدخرها لأولادها أولياؤه وأحبابه، ويسطر في صحف الفخر ثوابه، وتشتمل على مكارم الدين والدنيا أثوابه وتتكفل بنصر الإسلام وجبر القلوب عند طوارق الأيام كتائبه وكتابه، معظم ما عظم من حقه السائر من إجلاله وشكر خلاله على لاحب طرقه، المستضيء في ظلمة الخطب بنور أفقه، الأمير عبد الله محمد ابن أمير (4/424) ________________________________________ المسلمين أبي الحجاج ابن أمير المسلمين أبي الوليد ابن فرج بن نصر: سلام كريم، طيب بر عميم، يخص مقامكم الأعلى، ورحمة الله تعالى وبركاته. أما بعد حمد الله الذي لا راد لأمره ولا معارض لفعله، مصرف الأمر بحكمته وقدرته وعدله، الملك الحق الذي بيده ملاك الأمر كله، مقدر الآجال والأعمار فلا يتأخر شيء عن ميقاته ولا يبرح عن محله، جاعل الدنيا مناخ قلعة لا يغتبط العاقل بمائه ولا بظله، وسبيل رحلة فما أكثب ظعنه من حله، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد صفوة خلقه وخيرة أنبيائه وسيد رسله، الذي نعتصم بسببه الأقوى ونتمسك بحبله، ونمد يد الافتقار إلى فضلهن ونجاهد في سبيله من كذب به أو حاد عن سبله، ونصل إليه ابتغاء مرضاته ومن أجله، والرضى على آله وأحزابه وأنصاره وأهله، المستولين من ميدان الكمال على خصله، والدعاء لمقامكم الأعلى بعز نصره ومضاء فضله، فإنا كتبناه إليكم - كتب الله تعالى لكم وقاية لا تطرق الخطوب حماها، وعصمة ترجع عنها سهام النوائب كلما فوقها الدهر ورماها، وعناية لا تغير الحوادث اسمها ولا مسماها، وعزاً يزاحم أجرام الكواكب منتماها - من حمراء غرناطة حرسها الله تعالى ونعم الله سبحانه تتواتر لدينا دفعاً ونفعاً، وألطافه نتعرفها وتراً وشفعاً، ومقامكم الأبوي هو المستند الأقوى، والمورد الذي ترده آمال الإسلام فتروى، وتهوي إيه أفئدتهم فتجد ما تهوى، ومثابتكم العدة التي تأسست مبانيها على البر والتقوى. وإلى هذا وصل الله تعالى سعدكم، وأبقى مجدكم، فإننا لما نعلم من مساهمة مجدكم التي تقتضيها كرام الطباع وطباع الكرم، وتدعو إليها ذمم الرعي ورعي الذمم، نعرفكم بعد الدعاء لملككم بدفاع الله تعالى عن ارتقائه، وإمتاع المسلمين ببقائه، بما كان من وفاة مولانا الوالد نفعه الله تعالى بالشهادة التي ألبسه حلتها، والشهادة التي في أعماله الزكية كتبها، والدرحة العالية التي حتمها له وأوجبها، وبما تصير إلينا من أمره، وضم بنا من نشرهن وسدل على من (4/425) ________________________________________ خلفه من ستره، وإنها لعبرة لمن ألقى السمع، وموعظة تهز الجمع وترسل الدمع، وحادثة أجمل الله سبحانه فيها الدفع، وشرح مجملها وإن أخرس اللسان هولها، وأسلم العبارة قوتها وحولها، أنه رضي الله تعالى عنه لما برز لإقامة سنة هذا العيد، مستشعراً شعار كلمة التوحيد، مظهراً سمة الخضوع للمولى الذي تضرع بين يديه رقاب العبيد، آمناً بين قومه وأهله، متسربلاً في حلل نعم الله تعالى وفضله، قرير العين باكتمال عزه واجتماع شمله، قد احترس بأقصى استطاعته، واستظهر بخلصان طاعته، والأجل المكتوب قد حضر، والإرادة الإلهية قد أنفذت القضاء والقدر، وسجد بعد الركعة الثانية من صلاته، أتاه أمر الله لميقاته، على حين الشباب غض جلبابه، والسلاح زاخر عبابه، والدين بهذا القطر قد أينع بالأمن جنابه، وأمر من يقول للشيء كن فيكون قد بلغ كتابه، ولم يرعه وقد اطمأنت بذكر الله تعالى القلوب، وخلصت الرغبات إلى فضله المطلوب، إلا شقي قيضه الله لسعادته غير معروف ولا منسوب، وخبيث لم يكن بمعتبر ولا محسوب، تخلل الصفوف المعقودة، إلى طاعة الله المحشودة، لا تدل العين عليه شارة ولا بزة، ولا تحمل على الحذر من مثله أنفة ولا عزة، وإنما هو خبيث ممرور، وكلب عقور، وحية سمها وحي محذور، وآلة مصرفة لينفذ بها قدر مقدور، فلما طعنه وأثبته، وأعلق به شرك الحين فما أفلتهن قبض عليه من الخلصان الأولياء، من خبر ضميره، وأحكم تقريره، فلم يجب عند الاستفهام جواباً يعقل، ولا عثر منه على شيء عنه ينقل، لطفاً من الله أفاد براءة الذمم، وتعاوته للحين أيدي التمزيق، وأتبع شلوه بالتحريق، واحتمل مولانا الوالد العزيز رحمه الله تعالى إلى القصر وبه دماء لم يلبث بعد الفتكة العمرية إلا أيسر من اليسير، وتخلف الملك ينظر من الطرف الحسير، وينهض بالجناح الكسير، وقد عاد جمع السلامة إلى التكسير، إلا أن الله تعالى تدارك هذا القطر الغريب بان أقامنا مقامه (4/426) ________________________________________ لوقته وحينه، ورفع بناء عماد ملكه ولم شعث دينه، وكان جميع من حضر المشهد من شريف الناس ومشروفهم، وأعلامهم ولفيفهم، قد جمعه ذلك الميقات، وحضر الأولياء الثقات، فلم تختلف علينا كلمة، ولا شذت منهم عن بيعتنا نفس مسلمة، ولا أخيف بري، ولا حذر جري، ولا فري فري، ولا وقع لبس، ولا استوحشت نفس، ولا نبض للفتنة عرق، ولا أغفل للدين حق، فاستند النقل إلى نصه، ولم يعدم من فقيدنا غير شخصه، وبادرنا إلى مخاطبة البلاد نمدها ونسكنها، ونقرر الطاعة في النفوس ونمكنها، وأمرنا الناس بها بكف الأيدي، ورفع التعدي، والعمل من حفظ شروط المسالمة المعقودة بما يجدي، ومن شره منهم للفرار (1) ، عاجلناه بالإنكار، وصرفنا على النصارى ما أوصاه مصحباً بالاعتذار، وخاطبنا صاحب قشتالة نرى ما عنده في صلة السلم إلى أمدها من الأخبار، واتصلت بنا البيعات من جميع الأقطار، وعفى على حزن المسلمين بوالدنا ما ظهر عليهم بولايتنا من الاستبشار، واستبقوا تطير بهم أجنحة الابتدار، جعلنا الله تعالى ممن قابل الحوادث بالاعتبار، وكان على حذر من تصاريف الأقدار، واختلاف الليل والنهار، وأعاننا على إقامة دينه في هذا الوطن الغريب المنقط بين العدو الطاغي والبحر الزخار، وألهمنا من شكره لما يتكفل بالمزيد من نعمه، ولا قطع عنا عوائد كرمه. وإن فقدنا والدنا فأنتم لنا من بعده الوالد، الذي تكرم منه العوائد، والحب يتوارث كما ورد في الأخبار التي صحت (2) منها الشواهد، ومن أعد مثلكم لبنيه، فقد تيسرت من بعد الممات أمانيه، وتأسست قواعد ملكه وتشيدت مبانيه، فالاعتقاد الجميل موصول، والفرع لها في التشيع إليكم أصول، وفي تقرير فخركم محصول، وأنتم ردء المسلمين بهذه البلاد المسلمة الذي يعينهم __________ (1) ص: للغوار. (2) ق ص: وضحت. (4/427) ________________________________________ بإرفاده، وينصرهم بإنجاده، ويعامل الله تعالى فيها بصدق جهاده. وعندما استقر هذا الأمر الذي تبعت المحنة فيه المحنة، وراقت من فضل الله تعالى ولطفه فيه الصفحة، وأخذنا البيعة من أهل حضرتنا بعد استدعاء خواصهم وأعيانهم، وتزاحمت على رقها المنشور خطوط أيمانهم، وتأصلت قواعد ألفاظها ومعانيها في قلوبهم وآذانهم، وضمنوا الوفاء بما عاهدوا الله عليه وقد خبر سلفنا والحمد لله وفاء ضمانهم، بادرنا تعريف مقامكم الذي نعلم مساهمته فيما ساء وسر وأحلى وأمر، عملاً بمقتضى الخلوص الذي ثبت واستقر، والحب الذي ما مال يوماً ولا ازور، وما أحق تعريف مقامكم بوقوع هذا الأمر المحذور، وانجلاء ليله عن صنع الصبح البادي السفور وإن كنا قد خاطبنا من خدامكم من يبادر إعلامكم بالأمور، إلا أنه أمر له ما بعده، وحادث يأخذ حده، ونبعث إلى بابكم من شاهد الحال ما بين وقوعها إلى استقرارها رأي العيان وتولى تسديد الأمور بأعماله الكريمة ومقاصده الحسان، ليكون أبلغ في البر وأشرح للصدر وأوعب للبيان، فوجهنا إليكم وزير أمرنا، وكاتب سرنا، الكذا أبا فلان، وألقينا إليه من تقرير تعويلنا على ذلك المقام الأسنى، واستنادنا من التشييع إليه إلى الركن الوثيق المبنى، ما نرجو أن يكون له فيه المقام الأعنى، والثمرة العذبة المنى، فلاهتمامه بهذا الغرض الأكيد الذي هو أساس بنائنا، وقامع أعدائنا، آثرنا توجيهه على توفر الاحتياج له، ومدار الحال عليه، والمرغوب من أبوتكم المؤملة أن يتلقاه قبولها بما يليق بالملك العالي، والخلافة السامية المعالي، والله عز وجل يديم أيامكم لصلة الفضل (1) المتوالي، ويحفظ مجدكم من غير الأيام والليالي، وهو سبحانه يصل سعدكم، ويحرس مجدكم، ويوالي نصركم وعضدكم، والسلام الكريم يخصكم، ورحمة الله وبركاته؛ انتهى. __________ (1) ق: فضله. (4/428) ________________________________________ وقوله في هذه الرسالة " فوجهنا إليكم وزير أمرنا - إلى آخره " هو لسان الدين رحمه الله تعالى، إذ هو كان الوزير إذ ذاك والسفير في هذه القضية، ومن صفحات هذا الكلام يتضح لك ما نال لسان الدين رحمه الله تعالى من الرياسة والجاه ونفوذ الكلمة بالأندلس وبالمغرب رحمه الله تعالى، وقد أكرمه السلطان أبو عنان في هذه الوفادة وغيرها غاية الإكرام، وكان المقصود الأعظم من هذه الوفادة استعانة سلطان الأندلس الغني بالله بالسلطان أبي عنان على طاغية النصارى، كما ألمعنا بذلك في الباب الثاني من القسم الثاني الذي يتعلق بلسان الدين، وكان السلطان أبو عنان ابن السلطان أبي الحسن معتنياً بالأندلس غاية الاعتناء، وخصوصاً بجبل الفتح، حتى أنه بلغ من اهتمامه به أن أمر عليه ولده أبا بكر السعيد، وهو الذي تولى الملك بعده. 6 - رسالة عن الغني إلى الأمير السعيد ومن إنشاء لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى على لسان سلطانه ما خاطب به الأمير السعيد المذكور إذ قلده والده جبل الفتح، وهو: الإمارة التي أشرق في سماء الملك شهابها، واتصلت بأسباب العز أسبابها، واشتملت على الفضل والطهارة أثوابها، وأجيلت قداح المفاخر فكان إلى جهة الله تعالى انتدابها، إمارة محل أخينا الذي تأسس على مرضاة الله تعالى أصيل فخره، واتسم بالمرابط المجاهد على اقتبال سنه وجدة عمره، وبدأ بفضل الجهاد صحيفة أجره، وافتتح بالرباط والصلاح ديوان نهيه وأمره، لما يسره من سعادة نصبته وحباه من عز نصره، الأمير الأجل الأعز الأرفع الأسنى الأطهر الأظهر الأمنع الأصعد الأسمى الموفق الأرضى، محل أخينا العزيز علينا، المهداة أنباء مأمول جواره إلينا، أبي بكر السعيد ابن محل والدنا الذي مقاصده للإسلام وأهله على مرضاة الله تعالى جارية، وعزائمه على نصر الملة الحنيفية (4/429) ________________________________________ متبارية، السلطان الكذا أبو عنان ابن السلطان الكذا أبي الحسن ابن السلطان الكذا أبي سعيد ابن السلطان يعقوب ابن عبد الحق، أبقاه الله تعالى سديدة آراؤه ناجحة أعماله، ميسرة أغراضه من فضل الله تعالى متتمة آماله، رحيباً في السعد مجاله، يكنفه من السر تعالى ومحل أبينا غمام وارفة ظلاله، هامر نوله، حتى يرضي الله تعالى مصاعه بين يديه ومصاله، وتمضي في الأعداء أمام رايته المنصورة نصاله، أخوه المسرور بقربه، المنطوي على مضمر حبه، أمير المسلمين محمد بن أمير المسلمين أبي الحجاج ابن أمير المسلمين أبي الو ليد ابن فرج ابن نصر:سلام كريم، طيب بر عميم، يخص أخوتكم الفضى، وإمارتكم التي آثار فضلها بحول الله تتلى، ورحمة الله تعالى وبركاته. أما بعد حمد الله على ما يكفيك من ألطافه المشرقة الأنوار، ويسره لهذه الأوطان بنصرته من الأوطار، فكلما دجت به شدة طلع الفرج عليها طلوع النهار، وكلما اضطرب منها جانب أعاده بفضل الله تعالى من أقامه لذلك واختاره إلى حال السكون والقرار، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسوله المصطفى المختار، الذي أكد عليه جبريل صلوات الله عليه حق الجوار، حتى كاد يلحقه بالوسائل والقرب الكبار، الذي وصانا بالالتئام، واتصال اليد في نصرة الإسلام، فنحن نقابل بساطه بالبدار، ونجري على نهجه الواضح الآثار، ونرتجي باتباعه الجمع بين سعادة هذه الدار وتلك الدار، والرضى عن آله وأصحابه، وأنصاره وأحزابه، أكرم الآل والأصحاب والأحزاب والأنصار، الذين كانوا كما أخبرنا الله تعالى عنهم على لسان الصادق الأخبار، رحماء بينهم أشداء على الكفار، والدعاء لإمارتكم السعيدة السعيدية بالتوفيق الذي تجري به الأمور على حسب الاختيار، والعز المنيع الذمار، والسعد القويم المدار، والوقاية التي يأمن بها أهلها من السرار، فإنا كتبناه إليكم - كتب الله تعالى لكم أسنى ما كتب للأمراء الأرضياء الأخيار، ومتعكم من بقاء والدكم بالعدة العظمى والسيرة الرحمى والجلال الرفيع المقدار - من حمراء (4/430) ________________________________________ غرناطة حرسها الله تعالى، ولا زائد بفضل الله تعالى سبحانه ثم ببركة سيدنا ومولانا محمد رسوله صلى الله عليه وسلم الذي أوضح برهانه إلا ألطاف باهرة، وعناية من الله تعالى باطنة وظاهرة، وبشارة بالقبول واردة وبالشكر صادرة، والله تعالى يصل لدينا نعمه، ويوالي فضله وكرمه. وإلى هذا فإننا اتصل بنا في هذه الأيام ما كان من عناية والدكم محل أبينا أبقاه الله تعالى بهذه البلاد المستندة إلى تأميل مجده، وإقطاعها الغاية التي لا فرقها من حسن نظره وجميل قصده، وتعينكم إلى المقام بجبل الفتح إبلاغاً في اجتهاده الديني وجده، فقلنا: هذا خبر إن صدق مخبره، وتحصل منتظره، فهو فخر تجددت أثوابه، واعتناء تفتحت أبوابه، وعمل عند الله ثوابه، فإن الأندلس - عصمها الله تعالى - وإن أنجدته عدده وأمواله، ونجحت في نصرها مقاصده الكريمة وأعماله، لا تدري موقع النظر لها من نفسه، وزيادة يومه في العناية على أمسه، حتى يسمح لها بولده، ويخصها بقرة عينه وفلذة كبده، فلما ورد منه (1) الخبر الذي راقت منه الحبر، ووضحت من سعادته الغرر، بإجازتكم البحر، واختياركم في حال الشبيبة الفخر، وصدق مخيلة الدين فيكم، واستقراركم في الثغر الشهير الذي افتتحه سيف جدكم واستنفذه سعد أبيكم، سررنا بقرب المزار، ودنو الديار، وقابلنا صنع الله تعالى بالاستبشار، ووثقنا وإن لم نزل على ثقة من عناية الله تعالى وعناية محل والدنا بهذه الأقطار، وحمدنا الله تعالى على هذه الآلاء المشرقة، والنعم المغدقة، والصنائع المتألقة، بادرنا نهنيء إخوتكم أولاً بما سيره الله تعالى لكم من سلامة المجاز، ثم بما منحكم الله تعالى من فضل الاختصاص بهذا الغرض والامتياز، فإمارتكم الإمارة التي أخذت بأسباب السماء، وركبت إلى الجهاد في سبيل الله تعالى جيال الخيل والماء، واصبحي على حال الشبيبة شجاً في حلوق الأعداء، ونحن أحق بهذا __________ (1) منه: زيادة من ق. (4/431) ________________________________________ الهناء، ولكنها عادة الود وسنة الإخاء، فالله عز وجل يجعله مقدماً ميمون الطائر، متهلل البشائر، تتهلل بصنع الله بعده وجوه القبائل والعشائر، ويجري خبر سعادتكم مجرى المثل السائر، ويشكر محل والدنا فيما كان من اختياره، ومزيد إيثاره، ويجازيه جزاء من سمح في ذاته بمظنة ادخاره، ومذ رأينا أن هذا الغرض لا يجتزي فيه بالكتابة، دون الاستنابة، وجهنا لكم من يقوم بحقه، ويجري من تقرير ما لدينا على أوضح طرقه، وهو القائد الكذا، ومجدكم يصغي لما يلقيه، ويقابل بالقبول ما من ذلك يؤديه، والله تعالى يصل سعدكم، ويحرس مجدكم، والسلام؛ انتهى. وكان الطاغية الملعون أيام السلطان أبي عنان رحمه الله تعالى نازل جبل الفتح ثم كفى الله تعالى شره في ذلك التاريخ. 7 - من أبي الحجاج إلى أبي عنان ومن إنشاء لسان الدين على لسان سلطانه أبي الحجاج يخاطب أبا عنان سلطان فاس والمغرب وذلك بما نصه: المقام الذي رمى له الملك الأصيل بأفلاذه، وأدى منه الإسلام إلى ملجئه الأحمى وملاذه، وكفلت السعود بإمضاء أمره المطاع وإنفاذه، وشأى حلبة (1) الكرم فكان وحيد آحاده وفذ أفذاذه، وابتدع غرائب الجود فقال لسان الوجود: نعمت البدعة هذه، مقام محل أخينا الذي أركان مجده راسية راسخة، وغرر عزه بادية باذخة، وأعلام فخره سامية شامخة، وآيات سعده محكمة ناسخة، السلطان الكذا ابن السلطان الكذا، أبقاه الله تعالى يجري بسعده الفلك، ويجلى بنور هديه الحلك، ويسطر حسنات ملكه الملك، ويشهد بفضل بأسه __________ (1) ص: حلية. (4/432) ________________________________________ ونداه النادي والمعترك . معظم حقوقه التي تأكد فرضها، المثني على مكارمه التي أعيا الأوصاف البليغة بعضها، أمير المسلمين عبد الله يوسف ابن أمير المسلمين أبي الوليد إسماعيل بن فرج بن نصر: سلام كريم، طيب بر عميم، يخص أخوتكم الفضلى، ورحمة الله وبركاته. أما بعد حمد الله الذي هيأ لملة الإسلام، بمظاهرة ملككم المنصور الأعلام، إظهاراً وإعزازاً، وجعل لها العاقبة الحسنى بيمن مقامكم الأسنى تصديقاً لدعوة الحق وإنجازاً، وسهل لها بسعدكم كل صعب المرام وقد سامتها صروف الأيام لياً وإعوازاً، وأتاح لها منكم ولياً يسوم أعداءها استلاباً وابتزازاً، ويسكن آمالها وقد استشعرت انحفازاً، حمداً يكون على حلل النعم العميمة والآلاء الكريمة طرازاً، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسوله الذي بهرت آياته وضوحاً وإعجازاً، واستحقت الكمال صفاته حقيقة لا مجازاً، ونبيه الذي بين للخلق أحكام دينه الحق امتناعاً وجوازاً، ويسر لهم وقد ضلوا في مفاوز الشك مفازاً، والرضى عن آله وأصحابه المستولين على ميادين فضائل الدنيا والدين اختصاصاً بها وامتيازاً، فكانوا غيوثاً إن وجدوا محلاً وليوثاً إن شهدوا برازاً، والدعاء لمقام أخوتكم الأسمى بنصرٍ على أعدائه تبدي له الجياد الجرد ارتياحاً والرماح الملد اهتزازاً، وعز يطأ من أكناف البسيطة وأرجائها المحيطة سهلاً وعزازاً، ويمن يشمل من بلاد الإيمان أقطاراً نازحة ويعم أحوازاً، وسعد تجول في ميدان ذكره المذاع أطراف ألسنة اليراع إسهاباً وإيجازا، وفخر يجوب جيوب الأقطار جوب المثل السيار عراقاً وحجازاً، ولا زالت كتائب سعده تنتهز فرص الدهر انتهازا، وتوسع مملكات (1) الكفر انتهاباً واحتيازاً، فإنا كتبناه إلى مقامكم - كتب الله تعالى لكم سعداً ثابت المراكز، وعزاً لا تلين قناته في يد الغامز، وثناء لا يثني عنان سراه عرض المفاوز، وصنعاً رحيب الجوانب __________ (1) ق ص: ملكات. (4/433) ________________________________________ رغيب الحوائز - من حمراء غرناطة حرسها الله تعالى وفضله، عز وجل، قد أدال العسر يسراً وأحال القبض بسطا، وقرب نوازح الآمال بعد أن تناءت ديارها شحطا، وراض مركب الدهر الذي كان لا يلين لمن استمطى، وقرب غريم الرجاء في هذه الأرجاء وكان مشتطا، والتوكل عليه سبحانه وتعالى قد أحكم منه اليقين والاستبصار المبين ربطا، ومشروط المزيد من نعمه قد لزم من الشكر شرطا، ومقامكم هو عدة الإسلام إذا جد حفاظه، وظله الظليل إذا لفح للكفر شواظه، وملجؤه الذي تنام في كنف أمنه أيقاظه، ووزره الذي إلى نصره تمد أيديه وتشير ألحاظه، ففي أرجاء ثنائه تسرح معانيه وألفاظه، ولخطب تمجيده وتحميده يقول قسه وتحتفل عكاظه، وتشيعنا إلى ذلك الجناب الكريم طويل عريض، ومقدمات ودنا إياه لا يعترضها نقيض، وأفلاك تعظيمنا له ليس لأوجها الرفيع حضيض، وأنوار اعتقادنا الجميل فيه يشف سواد الحبر عن أوجهها البيض. وإلى هذا - ألبسكم الله تعالى ثوب السعادة المعادة فضفاضاً، كما صرف ببركته إيالتكم الكريمةعلى ربوع الإسلام وجوه الليالي والأيام وقد ازوروت إعراضاً وبسطت آمالها وقد استشعرت انقباضاً - فإننا ورد علينا كتابكم الذي كرم أنحاء وأغراضاً، وجالت البلاغة من طرسه الفصيح المقال رياضاً، ووردت الأفكار من معانيه الغرائب وألفاظه المزرية بدرر النحور والترائب بحوراً صافيةً وحياضاً، فاجتلينا منه حلة من حلل الورد سابغة، وحجة من حجج المجد بالغة، وشمساً في فلك السعد بازغة، الذي بين المقاصد الكريمة وشرحها، وجلا الفضائل العميمة وأوضحها، فما أكرم شيم ذلك الجلال وأسمحها، وأفضل خلال ذلك الكمال وأرجحها، حثثتم فيه على إحكام السلم التي تحوط الأنفس والحريم بسياج، ويداوى القطر العليل منها بأنجع علاج، والحال ذات احتياج، وساحة الجبل عصمه الله تعالى ميدان هياج، ومتبوأ أعلاج، ومظنة اختلاف الظنون الموحشة واختلاج، فحضر لدينا محتمله وزيركم الشيخ (4/434) ________________________________________ الأجل الأعظم الموقر الأسمى الخاصة الأحظى أبو علي ابن الشيخ الوزير الأجل الحافل الفاضل المجاهد (1) الكامل أبي عبد الله ابن محلى والشيخ الفقيه الأستاذ الأعرف الفاضل الكامل أبو عبد الله ابن الشيخ الفقيه الأجلالعارف الفاضل الصالح المبارك المبرور المرحوم أبي عبد الله الفشتالي، وصل الله سبحانه سعادتهما، وحرس مجادتهما، حالين من مراتب ترفيعنا أعلى محل الإعزاز، وواردين على أحلى القبول الذي لا تشاب حقيقته بالمجاز، عملاً بما يجب علينا لمن يصل إلينا من تلك الأنحاء الكريمة والأحواز، فتلقينا ما اشتملت عليه الإحالة السلطانية من الود الذي كرم مفهوماً ونصاً، والبر الذي ذهب من مذاهب الفضل والكمال الأمد الأقصى، وقد كان سبقهما صنع الله جل جلاله بما أخلف الظنون، وشرح الصدور وأقر العيون، فلم يصلا إلينا إلا وقد أهلك الله تعالى الطاغية، ومزق أحزابه الباغية، نعمة منه سبحانه وتعالى ومنة ملأت الصدور انشراحاً، وعمت الأرجاء أفراحاً، وعنواناً على سعد مقامكم الذي راق غرراً في المكرمات وأوضاحاً، ومد يده إلى سهام المواهب الإلهية فحاز أعلاها قداحاً، فتشوفت (2) نفوس المسلمين إلى ما كانت تؤمله من فضل الله تعالى وترجوه، وبدت في القضية التي أشرتم بأعمالها الوجوه، وانبعثت الآمال بما آلت إليه هذه الحال انبعاثاً، والتاثت أمور العدو قصمته الله تعالى التياثاً، وانتقض غزله من بعد قوته بفضل الله تعالى أنكاثاً، واحتملت المسألة التي تفضلتم بعرضها وأشرم إلى فرضها مأخذاً وأبحاثاً، فألقينا في هذه الحال إلى رسوليكم أعزهما الله تعالى ما يلقيانه إلى مقامكم الأعلى، ومثابتكم الفضلى، وما يتزيد عندنا من الأمور فركائب التعريف بها إليكم محثوثة، وجزئياتها بين يدي مقامكم الرفيع مبثوثة، وقد اضطربت أحوال الكفر وفالت آراؤه، واستحكم بالشتات داؤه، وارتجت بزلزال الفتن __________ (1) ق: الماجد. (2) ق: فتشوقت. (4/435) ________________________________________ أرجاؤه، وتيسرت آمال الإسلام بفضل الله تعالى ورجاؤه، وما هو إلا السعد يذلل لكم صعب العدو ويروضه، والله سبحانه يهيئ لكم فضل الجهاد حتى تقضى بكم فروضه. وأما الذي لكم عندنا من الخلوص الصافية شرائعه، والثناء الذي هو الروض تأرج ذائعه، فأوضح من فلق الصبح إذا أشرقت طلائعه، جعله الله تعالى في ذاته، ووسيلةً إلى مرضاته؛ ورسولاكم يشرحان لكم الحال بجزئياته، ويقرران ما عندنا من الود الذي سطع نور آياته، وهو سبحانه وتعالى يصل لكم سعداً سامي المراتب والمراقي، ويجمع لكم بعد بعد المدى وتمهيد دين الهدى بين نعيم الدنيا والنعيم الباقي، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ انتهى. 8 - رسالة عن يوسف النصري وأبين من هذا في القضية كتابٌ آخر من إنشاء لسان الدين رحمه الله تعالى صورته: من أمير المسلمين عبد الله يوسف ابن أمير المسلمين أبي الوليد إسماعيل بن فرج بن نصر، إلى محل أخينا الذي نثني على مجادته أكرم الثناء، ونجدد له ما سلف بين الأسلاف الكرام من الولاء، ونتحفه من سعادة الإسلام وأهله بالأخبار السارة والأنباء، السلطان الكذا ابن السلطان الكذا ابن السلطان الكذا، أبقاه الله تعالى رفيع المقدار، كريم المآثر والآثار، وعرفه من عوارف فضله كل مشرق الأنوار، كفيل بالحسنى وعقبى الدار: سلام كريم، بر عميم، يخص جلالكم الأرفع، ورحمة الله وبركاته. أما بعد حمد الله على عميم آلائه، وجزيل نعمائه، ميسر الصعب بعد إبائه، والكفيل بتقريب الفرج وإدنائه، له الحمد والشكر ملء أرضه وسمائه، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد خاتم رسله الكرام وأنبيائه، الهادي إلى سبيل الرشاد وسوائه، مطلع نور الخلق يجلو ظلم الشك بضيائه، والرضى (4/436) ________________________________________ عن آله وأصحابه وأنصاره وأحزابه وخلفائه، السائرين في الدنيا والآخرة تحت لوائه، الباذلين نفوسفهم في إظهار دينه القويم وإعلائه، والدعاء لمقامكم بتيسير أمله من فضل الله سبحانه ورجائه، واختصاصه بأوفر الحظوظ من اعتنائه، فإنا كتبناه إليكم - كتبكم الله تعالى فيمن ارتضى قوله وعمله من أوليائه، وعرفكم عوارف السعادة المعادة في نهاية كل أمر وابتدائه - من حمراء غرناطة، حرسها الله تعالى، ولا زائد بفضل الله سبحانه ثم ببركة سيدنا ومولانا محمد رسوله الكريم الذي أوضح برهانه، وعظم أمره ورفع شانه، ثم بما عندنا من الود الكريم وتجديد العهد القديم لمقامكم أعلى الله تعالى سلطانه، إلا الخير الهامي السحاب، واليسر المتين الأسباب، واليمن المفتح الأبواب، والسعد الجديد الأثواب، ومقامكم معتمد بترفيع الجناب، متعهد بالود الخالص والاعتقاد اللباب، معلوم له من فضل الدين وأصالة الأحساب. وإلى هذا وصل الله تعالى سعدكم مديد الأطناب، ثاقب الشهاب، وأطلع عليكم وجوه البشائر سافرة النقاب، فإنه قد كان بلغكم ما آلت الحال إليه بطاغية قشتالة الذي كلب على هذه الأقطار الغربية من وراء البحار، وما ساماها من الإرهاق والأضرار، وأنه جرى في ميدان الإملاء والاغترار، ومحص المسلمون على يده بالوقائع العظيمة الكبار، وأنه نكث العهد الذي عقده، وحل الميثاق الذي أكده، وحمله الطمع الفاضح على أن أجلب على بلاد المسلمين بخيله ورجله، ودهمها بتيار سيله وقطع ليله، وأمل أن يستولي على جبل الفتح الذي يدعى منه فتحها، وطلع للملة المحمد ية صبحها، فضيقه حصاراً، واتخذه داراً، وعندما عظم الإشفاق، وأظلمت الآفاق، ظهر فينا لقدرة الله تعالى الصنع العجيب، ونزل الفرج القريب، وقبل الدعاء السميع المجيب، وطرق الطاغية، جندٌ من جنود الله تعالى أخذه أخذةً رابية، ولم يبق له من باقية، فهلك على الجبل حتف أنفه، وغالته غوائل حتفه، فتفرقت جموعه وأحزابه، وانقطعت أسبابه، وتعجل لنار الله تعالى مآبه، وأصبحت البلاد (4/437) ________________________________________ مستبشرة، ورحمة الله منتشرة، ورأينا أن هذه البشارة التي يأخذ منها كل مسلم بالنصيب الموفور، ويشارك فيما جلبته من السرور، أنتم أولى من نتحفه بطيب رياها، ونطلع عليه جميل محياها، لما تقرر عندنا من دينكم المتين، وفضلكم المبين، وعملكم من المساهمة على شاكلة صالحي السلاطين، فما ذلك إلا فضل نيتكم للمسلمين في هذه البلاد، وأثر ما عندكم من جميل الاعتقاد. وقد ورد رسولنا إليكم القائد أبو عبد الله محمد بن أبي الفتح، أعزه الله تعالى، مقرراً ما لديكم من الود الراسخ القواعد، والخلوص الصافي الموارد، الواضح الشواهد، وأثنى على مكارمكم الأصيلة، وألقى ما عندكم من المذاهب الجميلة، فقابلنا ذلك بالشكر الذي يتصل سببه، ويتضح مذهبه، وسألنا الله أن يجعله وداً في ذاته، ووسيلة إلى مرضاته، وتعرفنا ما كان من تفضلكم بالطريدة المفتوحة المؤخر، وما صدر عن الرئيس المعروف بالناظر من خدام دار الصنعة بالمرية من قبح محاولته، وسوء معاملته، فأمرنا بقطع جرايته وثقافه بمطمورة القصبة جزاء لجنايته، ولولا أننا توقفنا أن يكون عظيم عقابه مما لا يقع من مقامكم بوفقه، لمشهور عفافه ورفقه، لجعلناه نكالاً لأمثاله، وعبرة لأشكاله، وقد وجهنا جفناً سفرياً لإيساق الخيل التي ذكرتم، وإيصال ما إليه من ذلك أشرتم، ويكمل القصد إن شاء الله تعالى تحت لحظ اعتنائكم، وفضل ولائكم. هذا ما تزيد عندنا عرفناكم به، عملاً على شاكلة الود الجميل، والولاء الكريم الجملة والتفصيل، فعرفونا بما يتزيد عندكم يكن من جملة أعمالكم الفاضلة، ومكارمكم الحافلة، والله تعالى يصل سعدكم، ويحرس مجدكم، والسلام الكريم عليكم ورحمة الله وبركاته؛ انتهى. 9 - رسالة في حاجة الأندلس إلى بر العدوة ومن إنشاء لسان الدين فيما يتعلق بالأندلس وانقطاعها، وأنها لا غنى لها عن العدوة وغير ذلك، ما صورته: (4/438) ________________________________________ المقام الذي بنور سعادته تنجلي الغماء وتتصل النعماء، من نيته قد حصل منها لجانب الله تعالى الانتماء، واتفقت منه المسميات والأسماء، مقام محل أبينا الذي تتفيأ هذه الجزيرة الغربية أفياء نيته الصالحة وعمله، وتثق بحسن العاقبة اعتماداً على وعد الله تعالى المنزل على خيرة رسله، وتجتني ثمار النجح من أفنان آرائه المتألقة تألق الصبح حالي ريثه وعجله، وتتعرف حالي المورود والمكروه عارفة الخير والخيرة من قبله، أبقاه الله تعالى يحسم الأدواء كلما استشرت، ويحلي موارد العافية كلما أمرت، ويعفي على آثار الأطماع الكاذبة مهما خدعت بخلبها وغرت، ويضمن سعده عودة الأمور إلى أفضل ما عليه استقرت، معظم مقامه الذي هو بالتعظيم حقيق، وموقر ملكه الذي لا يلتبس منه في الفخر والعز طريق، ولا يختلف في فضله العميم ومجده الكريم فريق. أما بعد حمد الله المثيب المعاقب، الكفيل لأهل التقوى بحسن العواقب، المشيد بالعمل الصالح إلى أرفع المراقي والمراقب، يهدي من يشاء ويضل من يشاء فبقضائه وقدره اختلاف المسالك والمذاهب، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسوله الحاشر العاقب، ونبيه الكريم الرؤوف الرحيم ذي المفاخر السامية والمناقب، والرضى عن آله وأصحابه وأنصاره وأحزابه الذين ظاهروه في حياته بإعمال السمر العوالي والبيض القواضب، وخلفوه في أمتهبخلوص الضمائر عند شوب الشوائب، فكانوا في سماء ملته كالنجوم النجوم الثواقب، والدعاء لمقامكم الأسمى بالسعادة المعادة في الشاهد من الزمن والغائب، والنصر الذي يقضي بعز الكتائب، والصنع الذي تطلع من ثناياه غرر الصنائع العجائب، من حمراء غرناطة حرسها الله تعالى ولا زائد بفضل الله سبحانه ثم بما عندنا من الاعتداد بمقامكم أعلى الله تعالى سلطانه، وشمل بالتمهيد أوطانه، إلا تشيع ثابت ويزيد، وإخلاص ما عليه في ميدان الاستطاعة مزيد، وتعظيم أشرف منه جيد، وثناء راق فوق رياضه تحميد وتمجيد. وإلى هذا وصل الله تعالى سعدكم، وحرس الطاهر الكريم مجدكم، فقد (4/439) ________________________________________ وصلنا كتابكم الذي هو على الخلوص والاعتقاد عنوان، وفي الاحتجاج على الرضى والقبول برهان، تنطق بالفضل فصوله، وتشير إلى كرم العقد فروعه الزكية وأصوله، ويحق أن ينسب إلى ذلك الفخر الأصيل محصوله، عرفتمونا بما ذهب إليه عيسى بن الحسين من الخلاف الذي ارتكبه، وسبيل الصواب الذي انتكبه، وتنبهون (1) على ما حده الحق في مثل ذلك وأوجبه، حتى لا يصل أحد من جهتنا سببه، ولا يظاهره مهما ندبه، ولا يسعف في الإيواء طلبه، فاستوفينا ما استدعاه ذلك البيان الصريح وجلبه، وخطه القلم الفصيح وكتبه، وليعلم مقامكم وهو من أصالة النظر غني عن الإعلام، ولكن لا بد من الاستراحة بالكلام، والتنفس بنفثات الأقلام، أننا إنما نجري أمورنا مع هذا العدو الكافر الذي رمينا بجواره، وبلينا والحمد لله بمصادمة تياره، على تعداد أقطاره، واتساع براريه وبحاره، بأن تكون الأمة المحمدية بالعدوتين تحت وفاق، وأسواق النفاق غير ذات نفاق، والجماهير تحت عهد لله تعالى وميثاق، فمهما تعرفنا أن اثنين اختلف منهما بالعدوتين عقد، ووقع بينهما في قبول الطاعة رد، ساءنا واقعه، وعظمت لدينا مواقعه، وسألنا أن يتدارك الخرق راقعه، لما نتوقعه من التشاغل عن نصرنا، وتفرغ العدو إلى ضرنا، فكيف إذا وقعت الفتنة في صقعنا وقطرنا، إنما هي شعلة في بعض بيوتنا وقعت، وحادثة إلى جهتنا أشرعت (2) ، وإن كان لسوانا لفظها فلنا معناها، وعلى وطننا يعود جناها، فنحن أحرص الناس على إطفائها وإخمادها، وأسعى في إصلاح فسادها، والمثابرة على كفها واستشهادها، وما الظن بدارٍ فسد بابها، وآمالٍ رثت أسبابها، وجزيرة لا تستقيم أحوال من بها إلا بالسكون، وسلم العدو المغرور المفتون، حتى تقضى من بإعانتكم الديون، وإن اضطرابها إنما هو داء __________ (1) ق: وتنبهونا. (2) ق: أسرعت؛ ص: شرعت. (4/440) ________________________________________ نستنصر من رأيكم فيه بطبيب، وهدف خطب نرميه من عزمكم بسهم مصيب، وأمر نضرع في تداركه إلى سميع للدعاء مجيب، ونحن في يد أمام يدكم، ومقصدنا فيه تبع لقصدكم، وتصرفنا على حد إشارتكم جار، وعزمنا إلى منتهى مرضاتكم متبار، وعقدنا في مشايعة أمركم متوار. وقد كنا لأول اتصال هذا الخبر، القبيح العين والأثر، بادرنا تعريفكم بجميع ما اتصل بنا في شأنه، ولم نطو عنكم شيئاً من إسراه ولا إعلانه، وبعثنا رسولنا إلى بابكم العلي نعتد بسلطانه، ونرتجي تمهيد هذا الوطن بتمهيد أوطانه، وبادرنا بالمخاطبة من وجبت مخاطبته من أهل مربلة وأسطبونة نثبت بصائرهم ي الطاعة ونقويها، ونعدهم بتوجيه من يحفظ جهاتهم ويحميها، وعجلنا إلى بعضها مدداً من الرماة والسلاح ليكون ذلك عدة فيها، وعلمنا ما أوجب الله تعالى من الأعمال التي يزلف بها ويرتضيها، وكيف لا نظاهر أمركم الذي هو العدة المذخورة، والفئة الناصرة المنصورة، والباطل سراب يخدع، والحق إليه يرجع، والبغي يردي ويصرع، وكم تقدم في الدهر منتز شذ عن الطاعة، وخرج عن الجماعة ومخالف على الدول، في العصور الأول، بهرج الحق زائفه، ورجمت شهب الأسنة طائفه، وأخذت عليه الضيقة وهاده وتنائفه، فتقلص ظله ونبا به محله، وكما قال يذهب الباطل أهله، لا سيما وسعادة ملككم قد وطئت المسالك ومهدتها، وقهرت الأعداء وتعبدتها، وأطفأت جداول سيوفكم النار التي أوقدتها، وكأن بالأمور إذا أعلمتم فيها رأيكم السديد وقد عادت إلى خير أحوالها، والبلاد بيمن تدبيركم قد شفي ما ظهر من اعتلالها، وعلى كل حال فإنما نحن على تكميل مرضاتكم مبادرون، وفي أغراضكم الدينية واردون وصادرون، ولإشارتكم التي تضمن الخير والخيرة منتظرون، عندنا من ذلك عقائد لا يحتمل نصها التأويل، ولا يقبل صحيحها التعليل، فلتكن أبوتكم من ذلك على أوضح سبيل، فشمس النهار لا تحتاج إلى دليل، والله تعالى يثني لكم عوائد الصنع الجميل، حتى لا يدع عزمكم (4/441) ________________________________________ مغصوباً إلا رده، ولا ثلماُ في ثغر الدين إلا سده، ولا هدفاً متعاصياً إلا هده، ولا عرقاً من الخلاف إلا جده، وهو سبحانه يبقي ملككم ويصل سعده ويعلي أمره ويحرس مجده، والسلام الكريم يخصكم ورحمة الله وبركاته، انتهى. 10 - رسالة عن أبي الحجاج إلى الرعايا ومن إنشائه رحمه الله تعالى من جملة رسالة على لسان سلطانه أبي الحجاج يخاطب الرعايا، ما نص محل الحاجة منه: وإلى هذا فقد علمتم ما كانت الحال آلت إليه من ضيقة البلاد والعباد بهذا الطاغية الذي جرى في ميدان الأمل جري الجموح، ودارت عليه خمرة النخوة والخيلاء مع الغبوق والصبوح، حتى طمح بسكر اغتراره، ومحص المسلمون على يده بالوقائع التي تجاوز منتهى مقداره، وتوجهت إلى استئصال الكلمة مطامع أفكاره، ووثق بأنه يطفئ نور الله بناره، ونازل جبل الفتح فشد مخنق حصاره، وأدار أشياعه في البر والبحر دور السوار على أسواره، وانتهز الفرصة بانقطاع الأسباب وانبهام الأبواب، والأمور التي لم تجر للمسلمين بالعدوتين على مألوف الحساب، وتكالب التثليث على التوحيد، وساءت الظنون في هذا القطر الوحيد، المنقطع بين الأمة الكافرة والبحور الزاخرة والمرام البعيد، وإننا صابرنا بالله تعالى سيله، واستضأنا بنور التوكل عليه في جنح هذا الخطب ودجنة ليله، ولجأنا إلى من بيده نواصي الخلائق، واعتقلنا من حبله المتين بأوثق العلائق، وفسحنا مجال الأمل في ذلك الميدان المتضايق، وأخلصنا لله مقيل العثار ومؤوي أولي الاضطرار قلوبنا، ورفعنا إليه أمرنا ووقفنا عليه مطلوبنا، ولم نقصر مع ذلك في إبرام العزم، واستشعار الحزم، وإمداد الثغور بأقصى الإمكان، وبعث الجيوش إلى ما يلينا من بلاد على الأحيان، فرحم الله تعالى انقطاعنا إلى كرمه، والتجاءنا إلى حرمه، فجلى بفضله (4/442) ________________________________________ سبحانه ظلم الشدة، ومد على الحريم والأطفال ظلال رحمته الممتدة، وعرفنا عوارف الصنع الذي قدم به العهد على طول المدة، ورماه بجيش من جيوش قدرته أغنى عن إيجاف الركاب، واحتشاد الأحزاب، وأظهر فينا قدرة ملكه عند انقطاع الأسباب، واستخلاص العباد والبلاد من بين الظفر والناب، فقد كان جعجع على الحق بأباطيله، وسد المجاز بأساطيله، ورمى الجزيرة الأندلسية بشؤبوب شره، وصيرها فريسة بين غربان بحره وعقبان بره، فلم يخلص إلى المسلمين من إخوانهم مرقبة إلا على الخطر الشديد، والإفلات من يد العدو العنيد، مع توفر العزائم والحمد لله على العمل الحميد، والسعي فيما يعود على الدين بالتأييد. وبينما شفقتنا على جبل الفتح تقيم وتقعد، وكلب الأعداء عليه يبرق ويرعد، واليأس والرجاء خصمان هذا يقرب وهذا يبعد، إذ طلع علينا البشير بانفراج الأزمة، وحل تلك العزمة، وموت شاه تلك الرقعة، وإبقاء الله تعالى على تلك البقعة، وأنه سبحانه أخذ الطاغية أكمل ما كان اغتراراً، وأعظم أنصاراً، وزلزل أرض عزه وقد أصابت قراراً، وأن شهاب سعده قد أصبح آفلاً، وعلم كبره انقلب سافلاً، وأن من بيده ملكوت السموات والأرض طرقه بحتفه، وأهلكه برغم أنفه، وأن محلته عاجلها التباب والتبار، وعاثت في منازلها النار، وتمخض عن سوء عاقبتها الليل والنهار، وأن حماتها يخربون بيوتهم بأيديهم، وينادي بشتات الشمل لسان مناديهم، وتلاحق الفرسان من جبل الفتح المعقل الذي عليه من عناية الله تعالى رواق مضروب، والرباط الذي من حاربه فهو المحروب، فأخبرت بانفراج الضيق، وارتفاع العائق لها عن الطريق، وبرء الداء الذي أشرق بالريق، وأن النصارى دمرها الله تعالى جدت في ارتحالها، وأسرعت بجبفة طاغيتها إلى سوء مآلها وحالها، وسمحت للنار والنهب بأسلابها وأموالها، فبهرنا هذا الصنع الإلهي الذي مهد الأقطار بعد رجفانها، وأنام العيون بعد سهاد أجفانها، وسألنا الله تعالى أن يعيننا على (4/443) ________________________________________ شكر هذه النعمة التي إن سلطت عليها قوى البشر فضحتها، ورجحتها، ورأينا سر اللطائف الخفية كيف سريانه في الوجود، وشاهدنا بالعيان أنوار اللطائف الإلهية والجود، وقلنا: إنما هو الفتح الأول شفيع بثان، وقواعد الدين الحنيف أيدت من صنع الله تعالى ببنيان، اللهم لك الحمد على نعمك الباطنة والظاهرة، ومننك الوافرة، إنك ولينا في الدنيا والآخرة؛ انتهى. 11 - رسالة توضح ضيق حال الأندلس ومن إنشاء لسان الدين رحمه الله تعالى من أخرى مما يتعلق بضيق حال المسلمين بالأندلس ما صورته: وإن تشوفتم إلى أحوال هذا القطر ومن به من المسلمين، بمقتضى الدين المتين والفضل المبين، فاعلموا أننا في هذه الأيام ندافع من العدو تياراً، ونكابر بحراً زخاراً، ونتوقع - إلا إن وقى الله تعالى - خطوباً كباراً، ونمد اليد إلى الله تعالى انتصاراً، ونلجأ إليه اضطراراً، ونستمد دعاء المسلمين بكل قطر استعداداً به واستظهاراً، ونستشير من خواطر الفضلاء ما يحفظ أخطاراً، وينشئ ريح روح الله طيبة معطاراً، فإن القومس الأعظم قيوم دين النصرانية الذي يأمرها فتطيع، ومخالفته لا تستطيع، رمى هذه الأمة الغريبة المنقطعة منهم بجراد لا يسد طريقها، ولا يحصى فريقها، التفت على أخي صاحب قشتالة وعزمها أن تملكه بدله، وتبلغه أمله، ويكون الكل يداً واحدة على المسلمين، ومناصبة هذا الدين، واستئصال شأفة المؤمنين، وهي شدة ليس لأهل هذا الوطن بها عهد، ولا عرفها نجد ولا وهد، وقد اقتحموا الحدود القريبة، والله تعالى ولي هذه الأمة الغريبة، وقد جعلنا مقاليد أمورنا بيد من يقوي الضعيف، ويدرأ الخطب المخيف، ورجونا أن نكون ممن قال الله تعالى فيهم " الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل (4/444) ________________________________________ " وهو سبحانه المرجو في حسن العقبى والمآل، ونصر فئة الهدي على فئة الضلال، وما قل من كان الحق كنزه، ولا ذل من استمد من الله عزه " قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين " ودعاء من قبلكم من المسلمين مدد موفور، والله سبحانه على كل حال محمود مشكور؛ انتهى. 12 - من رسالة طويلة ومن أخرى طويلة من جملتها ما صورته: وقد اتصل بنا الخبر الذي يوجب نصح الإسلام، ورعي الجوار والذمام، وما جعل الله تعالى للمأموم على الإمام، إيقاظكم من مراقدكم المستغرقة، وجمع أهوائكم المتفرقة، وتهييئكم إلى مصادمة الشدائد المرعدة المبرقة، وهو أن كبير دين النصرانية الذي إليه ينقادون، وفي مرضاته يصادقون ويعادون، وعند رؤية صليبه يكبرون ويسجدون، لما رأى الفتن قد أكلتهم خضماً وقضماً، وأوسعتهم هضماً، فلم تبق عصباً ولا عظماً، ونثرت ما كان نظماً، أعمل نظره فيما يجمع منهم ما افترق، ويرفع ما طرق، ويرفو ما مزق الشتات وخرق، فرمى الإسلام بأمة عددها القطر المنثال، وأمرهم وشأنهم الامتثال، أن يدمثوا لمن ارتضاه من أمته الطاعة، ويجمعوا في ملته الجماعة، ويطلع الكل على هذه الفئة القليلة الغريبة بغتة كقيام الساعة، وأقطعهم - قطع الله تعالى بهم - العباد والبلاد، والطارف والتلاد، وسوغهم الحريم والأولاد، وبالله تعالى نستدفع ما لا نطيقه، ومنه نسأل عادة الفرج فما سدت طرقه، إلا أنا رأينا غفلة الناس مؤذنة البوار، وأشفقنا للدين المنقطع من وراء البحار، وقد أصبح مضغة في لهوات الكفار، وأردنا أن نهزكم بالموعظة التي تكحل البصائر بميل الاستبصار، فإن جبر الله تعالى الخواطر بالضراعة إليه والانكسار، ونسخ الإعسار بالإيسار، وأنجد اليمين بأختها اليسار، وإلا فقد تعين في الدنيا والآخرة حظ الخسار، فإن من ظهر عليه عدو دين الله تعالى وهو من الله مصروف (4/445) ________________________________________ وبالباطل مشغوف، وبغير العرف معروف، وعلى الحطام المسلوب عنه ملهوف، فقد تله الشيطان للجبين، وقد خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين، ومن نفذ فيه أو له قدر الله عن أداء الواجب وبذل المجهود، وأفرد بالعبودية وجه الواحد الأحد المعبود، ووطن النفس على الشهادة المبوئة دار الخلود، العائدة بالحياة الدائمة والوجود، أو الظهور على عدوه المحشور إليه المحشود، صبراً على المقام المحمود، وبيعاً من الله تعالى تكون الملائكة فيه الشهود، حتى تعين يد الله في ذلك البناء المهدود، والسواد الأعظم الممدود، كان على أمريه بالخيار المردود " قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين " انتهى. ضياع المدن الأندلسية وقال صاحب مناهج الفكر بعد وصفه لجزيرة الأندلس وأقطارها، ما صورته: ولم تزل هذه الجزيرة منتظمة لمالكها في سلك الانقياد والوفاق، إلى ن طما بمترفيها سيل العناد والنفاق، فامتاز كل رئيس منهم بصقع كان مسقط راسه، وجعله معقلاً يعتصم فيه من المخاوف بأفراسه، فصار كل منهم يشن الغارة على جاره، ويحاربه في عقر داره، إلى أن ضعفوا عن لقاء عدو في الدين يعادي، ويراوح معاقلهم بالعيث ويغادي، حتى لم يبق في أيديهم منها إلا ما هو في ضمان هدنة مقدرة، وإتاوة في كل عام على الكبير والصغير مقررة، كان ذلك في الكتاب مسطوراً، وقدراً في سابق علم الله مقدوراً، انتهى. وهذا قاله قبل أن يستولي العدو على جميعها، والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. (4/446) ________________________________________ [طليطلة 478] ولنرجع إلى ما كنا بصدده من أخذ النصارى قواعد الأندلس فنقول: قد قدمنا أوائل هذا الباب أن طليطلة أعادها الله تعالى من أول ما أخذ الكفار من المدن العظام بالأندلس، قال ابن بسام (1) : لما توالت على أهل طليطلة الفتن المظلمة، والحوادث المصطلمة، وترادف عليهم البلاء والجلاء، واستباح الفرنج لعنهم الله تعالى أموالهم وأرواحهم، كان من أعجب ما جرى من النوادر الدالة على الخذلان أن الحنطة كانت تقيم عندهم مخزونة خمسين سنة لا تتغير، ولا يؤثر فيها طول المدة بما يمنع من أكلها، فلما كانت السنة التي استولى عليها العدو فيها لم ترفع الغلة من الأندر حتى أسرع فيها الفساد، فعلم الناس أن ذلك بمشيئة الله تعالى لأمر أراده، من شمول البلوى، وعموم الضراء، فاستولى العدو على طليطلة، وأنزل من بها على حكمه، وخرج اين ذي النون منها على أقبح صورة، وأفظع سيرة، ورآه الناس وبيده إصطرلاب يأخذ به وقتاً يرحل فيه، فتعجب منه المسلمون، وضحك عليه الكافرون، وبسط الكافر العدل على أهل المدينة، وحبب التنصر إلى عامة طغامها، فوجد المسلمون من ذلك ما لا يطاق حمله، وشرع في تغيير الجامع كنيسة في ربيع الأول سنة ست وتسعين وأربعمائة. ومما جرى في ذلك (2) اليوم أن الشيخ الأستاذ المغامي رحمه الله تعالى صار إلى الجامع، وصلى فيه، وأمر مريداً له بالقراءة، ووافاه الفرنج لعنهم الله تعالى وتكاثروا لتغيير القبلة، فما جسر أحد منهم على إزعاج الشيخ ولا معارضته، وعصمه الله تعالى منهم، إلى أن أكمل القراءة وسجد سجدة، ورفع رأسه، وبكى على الجامع بكاء شديداً، وخرج ولم يعرض أحد له بمكروه. وقيل لملك __________ (1) انظر الذخيرة 1/4: 127 ويبدو أن المقري ينقل بالمعنى. (2) المصدر السابق: 190. (4/447) ________________________________________ النصارى: ينبغي أن تلبس التاج كمن كان قبلك في هذا الملك، فقال: حتى نأخذ قرطبتهم، وأعد لذلك ناقوساً تأنق فيه وفيما رصع به من الجواهر، فأكذبه الله وأزعجه. وورد أمير المسلمين وناصر الدين يوسف بن تاشفين، فما قصر فيما أثر من إذلال المشركين، وإرغام الكافرين، واستدراك أمور المسلمين؛ انتهى ملخصاً، وقد مر مطولاً. وقعة بطرنة 456 وكانت قبلها وقعة بطرنة (1) سنة ست وخمسين وأربعمائة، وذلك أن الفرنج - خذلهم الله تعالى - انتدبت منهم قطعة كثيفة، ونزلت على بلنسية في السنة المذكورة، وأهلها جاهلون بالحرب، مغترون بأمر الطعن والضرب، مقبلون على اللذات من الأكل والشرب، وأظهر الفرنج الندم على منازلتها، والضعف عن مقاومة من فيها، وخدعوهم بذلك فانخدعوا، وأطعموهم فطمعوا، وكمنوا في عدة أماكن جماعة من الفرسان، وخرج أهل البلد بثياب زينتهم، وخرج معهم أميرهم عبد العزيز بن أبي عامر، فاستدرجهم العدو - لعنهم الله تعالى - ثم عطفوا عليهم فاستأصلوهم بالقتل والأسر، وما نجا منهم إلا من حصنه أجله، وخلص الأمير بنفسه، ومما حفظ عنه أنه أنشد لما أعياه الأمر: خليلي ليس الرأي في صدر واحد أشيرا علي اليوم ما تريان وفي أهل بلنسية يقول بعض الشعراء حين خرجوا في ثياب الزينة والترفه: لبسوا الحديد إلى الوغى ولبستم حلل الحرير عليكم ألوانا ما كان أقبحهم وأحسنكم بها لو لم تكن ببطرنة ما كانا __________ (1) (Paterna): راجع خبر هذه الوقعة في ابن عذاري 3: 252 وهو ينقل عن ابن بسام. (4/448) ________________________________________ قال ابن بسام: وهكذا جرى لأهل طليطلة، فإن العدو - خذله الله تعالى - استظهر عليهم، وقتل جماهيرهم، وكان من جملة ما غنمه الفرنج من أهلها لما خرجوا إليهم في ثياب الترفه ألف غفارة خارجاً عما سواها. بربشتر وقال ابن حيان (1) : وكان تغلب العدو - خذله الله تعالى - على بربشتر قصبة بلد برطانية، وهي تقرب من سرقسطة، سنة ست وخمسين وأربعمائة، وذلك أن جيش الأردمليس (2) نازلها وحاصرها، وقصر يوسف بن سليمان بن هود في حمايتها، ووكل أهلها إلى نفوسهم، فأقام العدو عليها أربعين يوماً، ووقع فيما بين أهلها تنازع في القوت لقلته، واتصل ذلك بالعدو، فشدد القتال عليها والحصر لها حتى دخل المدينة الأولى في خمسة آلاف مدرع، فدهش الناس، وتحصنوا بالمدينة الداخلة، وجرت بينهم حروب شديدة قتل فيها خمسمائة إفرنجي، ثم اتفق أن القناة التي كان الماء يجري فيها من النهر إلى المدينة تحت الأرض في سرب موزون (3) انهارت وفسدت، ووقعت فيها صخرة عظيمة سدت السرب بأسره، فانقطع الماء عن المدينة، ويئس من بها من الحياة، فلاذوا بطلب الأمان على أنفسهم خاصة دون مال وعيال، فأعطاعهم العدو الأمان، فلما خرجوا نكث بهم وغدر، وقتل الجميع إلا القائد ابن الطويل والقاضي ابن عيسى في نفر من الوجوه، وحصل للعدو من الأموال والأمتعة ما لا يحصى، حتى إن الذي خص بعض مقدمي العدو لحصنه - وهو قائد خيل رومة - نحو ألف وخمسمائة جارية أبكاراً، ومن أوقار الأمتعة والحلى __________ (1) انظر الذخيرة(3: 58) في الخير عن بربشتر نقلاً عن ابن خلكان. (2) في الذخيرة: جيش الأردمانيين (Nordmanni). (3) الذخيرة: بتقدير موزون. (4/449) ________________________________________ والكسوة خمسمائة جمل، وقدر من قتل وأسر بمائة ألف نفس، وقيل: خمسون ألف نفس، ومن النوادر ما جرى على هذه المدينة لما فسدت القناة وانقطعت المياه أن المرأة كانت تقف على السور وتنادي من يقرب منها أن يعطيها جرعة ماء لنفسها أو ولدها فيقول لها: أعطيني ما معك، فتعطيه ما معها من كسوة وحلي وغيره. قال: وكان السبب في قتلهم أنه خاف من يصل لنجدتهم وشاهد من كثرتهم ما هاله، فشرع في القتل لعنة الله عليه تعالى، حتى قتل منهم نيفاً وستة آلاف قتيل، ثم نادى الملك بتأمين من بقي وأمر أن يخرجوا فازدحموا في الباب إلى أن مات منهم خلق عظيم، ونزلوا من الأسوار في الحبال للخشية من الازدحام في الأبواب ومبادرة إلى شرب الماء، وكان قد تحيز في وسط المدينة قدر سبعمائة نفس من الوجوه وحاروا في نفوسهم، وانتظروا ما ينزل بهم، فلما خلت ممن أسر وقتل وأخرج من الأبواب والأسوار وهلك في الزحمة نودي في تلك البقية بأن يبادر كل منهم إلى داره بأهله،وله الأمان، وأرهقوا وأزعجوا، فلما حصل كل واحد بمن معه من أهله في منزلهم اقتسم الإفرنج لعنهم الله تعالى بأمر الملك، وأخذ كل واحد داراً بمن فيها من أهلها، نعوذ بالله تعالى. وكان من أهل المدينة جماعة قد عاذوا برؤوس الجبال، وتحصنوا بمواضع منيعة، وكادوا يهلكون من العطش، فأمنهم الملك على نفوسهم، وبرزوا في صور الهلكى من العطش، فأطلق سبيلهم، فبينما هم في الطريق إذ لقيتهم خيل الكفر ممن لم يشهد الحادثة، فقتلوهم إلا القليل ممن نجا بأجله. قال: وكان الفرنج لعنهم الله تعالى، لما استولوا على أهل المدينة يفتضون البكر بحضرة أبيها، والثيب بعين زوجها وأهلها، وجرى من هذه الأحوال ما لم يشهد المسلمون مثله قط فيما مضى من الزمان، ومن لم يرض منهم أن يفعل ذلك في خادم أو ذات مهنة أو وخش أعطاعهن خوله وغلمانه يعيثون فيهن عيثة، وبلغ الكفرة منهم يومئذ ما لا تلحقه الصفة على الحقيقة، ولما عزم ملك الروم (4/450) ________________________________________ على القفول إلى بلده تخير من بنات المسلمين الجواري الأبكار والثياب ذوات الجمال، ومن صبيانهم الحسان ألوفاً عدة حملهم معه ليهديهم إلى من فوقه، وترك من رابطة خيله ببربشتر ألفاً وخمسمائة، ومن الرجالة ألفين، انتهى. قال ابن حيان: وأختم هذه الأخبار الموقظة لقلوب أولي الألباب بنادرة منها يكتفى باعتبارها عما سواها، وهي أن بعض تجار اليهود جاء بربشتر بعد الحادثة ملتمساً فدية بنات بعض الوجوه ممن نجا من أهلها حصلن في سهم قومس من الرابطة فيها كان يعرفه، قال: فهديت إلى منزله فيها، واستأذنت عليه، فوجدته جالساً مكان رب الدار، مستوياً على فراشه، رافلاً في نفيس ثيابه، والمجلس والسرير كما تخلفهما ربهما يوم محنته لم يغير شيئاً من رياشهما وزينتهما، ووصائفه مضمومات الشعور، قائمات على رأسه، ساعيات في خدمته، فرحب بي، وسألني قصدي، فعرفته وجهه، وأشرت إلى وفور ما أبذله في بعض اللواتي على رأسه وفيهن كانت حاجتي، فتبسم وقال بلسانه: ما أسرع ما طمعت فيمن عرضناه لك! أعرض عمن هنا وتعرض لمن شئت ممن صيرته لحصني من سبيي وأسراي أقاربك فيمن شئت منهن، فقلت له: أما الدخول إلى الحصن فلا رأي لي فيه، وبقربك أنست، وفي كنفك اطمأننت، فسمني ببعض من هنا فإني أصير إلى رغبتك، فقال: وما عندك قلت: العين الكثير الطيب والبز الرفيع الغريب، فقال: كأنك تشهيني ما ليس عندي، يا مجة (1) ، ينادي بعض أولئك الوصائف، يريد بهجة فغيره بعجمته، قومي فاعرضي عليه ما في ذلك الصندوق، فقامت إليه وأقبلت ببدر الدنانير وأكياس الدراهم وأسفاط الحلى، فكشف وجعل بين يدي العلج حتى كادت تواري شخصه، ثم قال لها: أدني إلينا من تلك التخوت، فأدنت منه عدة من قطع الوشي والخز والديباج الفاخر مما حار له ناظري وبهت، __________ (1) الذخيرة: يا مجة. (4/451) ________________________________________ واسترذلت ما عندي، ثم قال لي: لقد كثر هذا عندي حتى ما ألذ به، ثم حلف بإلهه أنه لو لم يكن عنده شيء من هذا ثم بذل له بأجمعه في ثمن تلك ما سخت بها يدي، فهي ابنة صاحب المنزل، وله حسب في قومه، اصطفيتها لمزيد جمالها لولادتي حسبما كان قومها يصنعون بنسائنا نحن أيام دولتهم، وقد رد لنا الكرة عليهم، فصرنا فيما تراه، وأزيدك بأن تلك الخودة الناعمة، وأشار إلى جارية أخرى قائمة إلى ناحية أخرى، مغنية والدها التي كانت تشدو له على نشواته، إلى أن أيقظناه من نوماته، يا فلانة - يناديها بلكنته - خذي عودك تغني زائرنا بشجوك، قال: فأخذت العود، وقعدت تسويه، وإني لأتأمل دمعها يقطر على خدها، فتسار قالعلج مسحه، واندفعت تغني بشعر ما فهمته أنا فضلاً عن العلج، فصار من الغريب أن حث شربه هو عليه، وأظهر الطرب منه، فلما يئست ما عنده قمت منطلقاً عنه، وارتدت لتجارتي سواه، واطلعت لكثرة ما لدى القوم من السبي والمغنم على ما طال عجبي به، فهذا فيه مقنع لمن تدبره، وتذكر لمن تذكره. قال ابن حيان: قد أشفينا بشرح هذه الحادثة الفادحة مصائب جليلة مؤذنة بوشك القلعة طالما حذر أسلافنا لحاقها بما احتملوه عمن قبلهم من أثارة، ولا شك عند ذمي الألباب أن ذلك مما دهانا من داء التقاطع وقد أمرنا بالتواصل والألفة، فأصبحنا من استشعار ذلك والتمادي عليه على شفا جرف يؤدي إلى الهلكة لا محالة، انتهى ببعض اختصار. وذكر بعده كلاماً في ذم أهل ذلك الزمان من أهل الأندلس، وأنهم يعللون أنفسهم بالباطل، وأن من أدل الدلائل على جهلهم اغترارهم بزمانهم، وبعدهم عن طاعة خالقهم، ورفضهم وصية نبيهم، وغفلتهم عن سد ثغورهم، حتى أطل عدوهم الساعي لإطفاء نورهم، يجوس خلال ديارهم، ويستقري بسائط بقاعهم، ويقطع كل يوم طرفاً، ويبيد أمة، ومن لدينا وحوالينا من أهل كلمتنا صموت عن ذكرهم، لهاة عن بثهم، ما إن سمع عندنا بمسجد من (4/452) ________________________________________ مساجدنا أو محفل من محافلنا، مذكر لهم أو داع، فضلاً عن نفر إليهم أو ماش لهم، حتى كأنهم ليسوا منا أو كان بثقهم ليس بمفض إلينا، وقد بخلنا عليهم بالدعاء بخلنا عليهم بالغناء، عجائب فاتت التقدير، وعرضت للتغيير، ولله عاقبة الأمور، وإليه المصير. ولقد صدق رحمه الله تعالى، فإن البثق سرى إليهم جميعاً كما ستراه، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقال قبله: إن بربشتر هذه تناسختها قرون المسلمين منذ ثلاثمائة وثلاث وستين سنة، من عهد الفتوح الإسلامية بجزيرة الأندلس، فرسخ فيها الإيمان، وتدورس القرآن، إلى أن طرق الناعي بها قرطبتنا صدر رمضان من العام، فصك الأسماع، وأطار الأفئدة، وزلزل أرض الأندلس قاطبة، وصير لكل شغلاً يشغل الناس في التحدث به، والتساؤل عنه، والتصور لحلول مثله، أياماً لم يفارقوا فيها لم يفارقوا فيها عادتهم من استبعاد الوجل، والاغترار بالأمل، والاستناد إلى أمراء الفرقة الهمل، الذين هم منهم ما بين فشل ووكل، يصدونهم عن سواء السبيل، ويلبسون عليهم وضوح الدليل، ولم تزل آفة الناس منذ خلقوا في صنفين هم كالملح فيهم الأمراء والفقهاء بصلاحهم يصلحون وبفسادهم يفسدون، فقد خص الله تعالى هذا القرن الذي نحن فيه من اعوجاج صنفيهم لدينا بما لا كفاية له ولا مخلص منه، فالأمراء القاسطون قد نكبوا عن نهج الطريق ذياداً عن الجماعة، وجرياً إلى الفرقة، والفقهاء أئمتهم صموت عنهم صدوف عما أكده الله تعالى عليهم من التبيين لهم، قد أصبحوا ما بين آكل من حلوائهم، وخابط في أهوائهم، وبين مستشعر مخافتهم، آخذ في التقية في صدقهم، وأولئك هم الأقلون فيهم، فما القول في أرض فسد ملحها الذي هو المصلح لجميع أغذيتها، وما هي إلا مشفية من بوارها، ولقد طما العجب من أفعال هؤلاء الأمراء، لم يكن عندهم لهذه الحادثة إلا الفزع لحفر الخنادق، وتعلة الأسوار، وشد الأركان، وتوثيق البنيان، كاشفين لعدوهم عن السوأة (4/453) ________________________________________ السوأى من إلقائهم يومئذ بأيديهم إليه - أمور قبيحات الصور، مؤذنات الصدور بأعجاز الغير: أمور لو تدبرها حكيم إذاً لنهى وهيب ما استطاعا استرجاع بربشتر ثم قال ابن حيان: فلما كان عقب جمادى الأولى سنة 457 ساع الخبر بقرطبة برجوع المسلمين إليها، وذلك أن أحمد المقتدر بن هود المفرط فيها، والمتهم على أهلها، لانحرافهم إلى أخيه، صمد لها مع إمداد لحليفه عباد، وسعى لإصمات سوء المقالة عنه، وقد كتب الله تعالى عليه منها ما لا يمحوه إلا عفوه، فتأهب لقصد بربشتر في جموع من المسلمين، فجالدوا الكفار بها جلاداً ارتاب منه كل جبان، وأعز الله سبحانه أهل الحفيظة الشجعان، وحمي الوطيس بينهم إلى أن نصر الله تعالى أولياءه، وخذل أعداءه، وولوا الأدبار مقتحمين أبواب المدينة، فاقتحمها المسلمون عليهم، وملكوهم أجمعين، إلا من فر من مكان الوقعة، ولم يدخل المدينة، فأجيل السيف في الكافرين، واستؤصلوا أجمعين، إلا من استرق من أصاغرهم، وفدي من أعاظمهم، وسبوا جميع من كان فيها من عيالهم وأبناءهم، وملكوا المدينة بقدرة الخالق البارئ، وأصيب على منحة النصر المتاح طائفة من حماة المسلمين الجادين في نصر الدين، نحو الخمسين، كتب الله تعالى لهم شهادتهم، وقتل فيه من أعداء الله الكافرين نحو ألف فارس وخمسة آلاف راجل، فغسلها المسلمون من رجس الشرك، وجلوها من صدإ الإفك، انتهى. وليت طليطلة البائسة استرجعت كهذه، ومع هذا فقد غلب العدو بعد على الكل، والله سبحانه المرجو في الإدالة. (4/454) ________________________________________ تطيلة وطرسونة وقال ابن اليسع: أخذ العدو مدينة تطلية وأختها طرسونة سنة أربع وعشرين وخمسمائة. بلنسية والقنبيطور ولما صار أمر بلنسية إلى الفقيه القاضي أبي أحمد ابن جحاف قاضيها صيرها لأمير المسلمين يوسف بن تاشفين، فحصره بها القادر بن ذي النون الذي مكن الأذفونش من طليطلة، فهجم عليه القاضي في لمة من المرابطين، وقتله، ودفع ابن جحاف لما لم يعهد من تدبير السلطان، ورجعت عنه طائفة الملثمين الذين كان يعتد بهم، وجعل يستصرخ إلى أمير المسلمين فيبطئ عليه، وفي أثناء ذلك أنهض يوسف بن أحمد بن هود صاحب سرقسطة ردريق الطاغية للاستيلاء على بلنسية، فدخلها، وعاهده القاضي ابن جحاف، واشترط عليه إحضار ذخيرة كانت للقادر بن ذي النون، فأقسم عليه أنها ليست عنده، فاشترط عليه أنه إن وجدها عنده قتله، فاتفق أنه وجدها عنده، فأحرقه بالنار، وعاث في بلنسية (1) ، وفيها يقول ابن خفاجة حينئذ: عاثت بساحتك الظبا يا دار ومحا محاسنك البلى والنار فإذا تردد في جنابك ناظر طال اعتبار فيك واستعبار أرض تقاذفت الخطوب بأهلها وتمخضت بخرابها الأقدار كتبت يد الحدثان في عرصاتها لا أنت أنت ولا الديار ديار وكان استيلاء القنبيطور - لعنه الله تعالى - عليها سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وقيل: في التي قبلها، وبه جزم ابن الأبار قائلاً: فتم حصار القنبيطور إياها __________ (1) راجع الخبر عن حادثة بلنسية في ابن عذاري 4: 31 - 42 والذخيرة (3: 30 - 33). (4/455) ________________________________________ عشرين شهراً، وذكر أنه دخلها صلحاً، وقال غيره: إنه دخلها عنوة، وعاث فيها، وممن أحرق فيها الأديب أبو جعفر ابن البني (1) الشاعر المشهور رحمه الله تعالى وعفا عنه، فوجه أمير المؤمنين يوسف بن تاشفين الأمير أبا محمد مزدلي ففتحها الله تعالى على يديه سنة خمس وتسعين وأربعمائة، وتوالى عليها أمراء الملثمين، ثم صارت ليحيى بن غانية الملثم حين ولي جميع شرق الأندلس، فقدم عليها أخاه عبد الله بن غانية، ولما ثارت الفتنة في المائة السادسة أخرجه منها مروان بن عبد العزيز، إلى أن قام عليه جيش بلنسية سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، وبايعوا لابن عياض ملك شرق الأندلس، ففر مروان إلى المرية، ثم رجعت بلنسية إلى أبي عبد الله ابن مردنيش ملك شرق الأندلس بعد ابن عياض، وقدم عليه (2) أخاه أبا الحجاج يوسف بن سعد بن مردنيش، إلى أن رجع أبو الحجاج إلى جهة بني عبد المؤمن، إلى أن ولي عليها السيد أبو زيد عبد الرحمن ابن السيد أبي عبد الله ابن أبي حفص ابن أمير المسلمين عبد المؤمن بن علي، فلما ثار العادل بمرسية تمنع واعتز، وأظهر طاعة في باطنها معصية، ودام على ذلك مع أبي العلاء المأمون، وكان قائد الأعنة المشار إليه في الدفاع عن بلنسية الأمير زيان بن أبي الحملات ابن أبي الحجاج ابن مردنيش، فأخرجه من بلنسية، وملكه، وفر السيد إلى النصارى. نهاية بلنسية ولم يزل أمر بلنسية يضعف باستيلاء العدو على أعمالها إلى أن حصرها ملك برشلونة النصراني، فاستغاث زيان بصاحب إفريقية أبي زكريا ابن أبي حفص، __________ (1) دوزي: أبو جعفر البتي وكذلك كتب في التكملة المطبوعة؛ ولكن سجع ابن سعيد يدل على أن بنه بالنون " كتاب المنه في حل قرية بنه " وهي من قرى بلنسية؛ وقد سبق أن أشرت إلى أن البني الذي حرقه القنبيطور هو غير البني الذي ترجم له صاحب القلائد. (2) عليه: سقطت من ص. (4/456) ________________________________________ وأوفد عليه في هذه الرسالة كاتبه الشهير أبا عبد الله ابن الأبار القضاعي صاحب كتاب التكملة وإعتاب الكتاب وغيرهما، فقام بين يدي السلطان منشداً قصيدته السينية الفريدة التي فضحت من باراها، وكبا دونها من جاراها، وهي (1) : أدرك بخيلك خيل الله أندلسا إن السبيل إلى منجاتها درسا وهب لها من عزيز النصر ما التمست فلم يزل منك عز النصر ملتمسا وحاش مما تعانيه حشاشتها فطالما ذاقت البلوى صباح مسا يا للجزيرة أضحى أهلها جزراً للحادثات وأمسى جدها تعسا في كل شارقة إلمام بائقة يعود مأتمها عند العدا عرسا وكل غاربة إجحاف نائبة تثني الأمان حذاراً والسرور أسى تقاسم الروم لا نالت مقاسمهم إلا عقائلها المحجوبة الأنسا وفي بلنسية منها وقرطبة ما ينسف النفس أو ما ينزف النفسا مدائن حلها الإشراك مبتسماً جذلان، وارتحل الإيمان مبتئسا وصيرتها العوادي العائثات بها يستوحش الطرفمنها ضعف ما أنسا فمن دساكر كانت دونها حرسا ومن كنائس كانت قبلها كنسا يا للمساجد عادت للعدا بيعاً وللنداء غدا أثناءها جرسا لهفي عليها إلى استرجاع فائتها مدارساً للمثاني أصبحت درسا وأربعاً نمنمت أيدي الربيع لها ما شئت من خلع موشية وكسا كانت حدائق للأحداق مونقة فصوح النضر من أدواحها وعسا وحال ما حولها من منظر عجب يستجلس الركب أو يستركب الجلسا سرعان ما عاث جيش الكفر واحربا عيث الدبا في مغانيها التي كبسا __________ (1) أورد ابن خلدون (6: 283) هذه القصيدة، وانظر أزهار الرياض 2: 207. (4/457) ________________________________________ وابتز بزتها مما تحيفها تحيف الأسد الضاري لما افترسا فأين عيش جنيناه بها خضراً وأين عصر جليناه بها سلسا محا محاسنها طاغ أتيح له ما نام عن هضمها حيناً ولا نعسا ورج أرجاءها لما أحاط بها فغادر الشم من أعلامها خنسا خلا له الجو فامتدت يداه إلى إدراك ما لم تطأ رجلاه مختلسا وأكثر الزعم بالتثليث منفرداً ولو رأى راية التوحيد ما نبسا صل حبلها أيها المولى الرحيم فما أبقى المراس لها حبلاً ولامرسا وأحي ما طمست منها العداة كما أحييت من دعوة المهدي ما طمسا أيام صرت لنصر الحق مستبقاً وبت من نور ذاك الهدي مقتبسا وقمت فيها بأمر الله منتصراً كالصارم اهتز أو كالعارض انبجسا تمحو الذي كتب التجسيم من ظلم والصبح ماحية أنواره الغلسا وتقتضي الملك الجبار مهجته يوم الوغى جهرة لا ترقب الخلسا هذي رسائلها تدعوك من كثب وأنت أفضل مرجو لمن يئسا وافتك جارية بالنجح راجية منك الأمير الرضى والسيد الندسا خاضت خضارة (1) يعليها ويخفضها ... عبابه فتعاني اللين والشرسا وربما سبحت والريح عاتية كما طلبت بأقصى شده الفرسا تؤم يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص مقبلة من تربه القدسا ملك تقلدت الأملاك طاعته ديناً ودنيا فغشاها الرضى لبسا من كل غاد على يمناه مستلماً وكل صاد إلى نعماه ملتمسا مؤيد لو رمى نجماً لأثبته ولو دعا أفقاً لبى وما احتبسا تالله إن الذي ترجى السعود له ما جال في خلد يوماً ولا هجسا إمارة يحمل المقدار رايتها ودولة عزها يستصحب القعسا __________ (1) خضارة: البحر. (4/458) ________________________________________ يبدي النهار بها من ضوئه شنباً ويطلع الليل من ظلمائه لعسا ماضي العزيمة والأيام قد نكلت طلق المحيا ووجه الدهر قد عبسا كأنه البدر والعلياء هالته تحف من حوله شهب القنا حرسا تدبيره وسع الدنيا وما وسعت وعرف معروفه واسى الورى وأسا قامت على العدل والإحسان دولته وأنشرت من وجود الجود ما رمسا مبارك هديه باد سكينته ما قام إلا إلى حسنى وما جلسا قد نوره الله بالتقوى بصيرته فما يبالي طروق الخطب ملتبسا برى العصاة وراش الطائعين فقل في الليث مفترساً والغيث مرتجسا ولم يغادر على سهل ولا جبل ... حياً لقاحاً (1) إذا وافيته بخسا فرب أصيد لا تلفي به صيداً ورب أشوس لا تلقى له شوسا إلى الملائك ينمى والملوك معاً في نبعة أثمرت للمجد ما غرسا من ساطع النور صاغ الله جوهره وصان صيقله أن يقرب الدنسا له الثرى والثريا خطتان فلا أعز من خطتيه ما سما ورسا حسب الذي باع في الأخطار يركبها إليه محياه أن البيع ما وكساد إن السعيد امرؤ ألقى بحضرته عصاه محتزماً بالعدل محترسا فظل يوطن من أرجائها حرماً وبات يوقد من أضوائها قبسا بشرى لعبد إلى الباب الكريم حدا ... آماله ومن العذب (2) المعين حسا كأنما يمتطي واليمن يصحبه من البحار طريقاً نحوه يبسا فاستقبل السعد وضاحاً أسرته من صفحة فاض منها النور وانعكسا وقبل الجود طفاحاً غواربه من راحة غاص فيها البحر وانغمسا يا أيها الملك المنصور أنت لها علياء توسع أعداء الهدى تعسا وقد تواترت الأنباء أنك من يحيي بقتل ملوك الصفر أندلسا __________ (1) الحي اللقاح: الذين لا يدينون للملوك. (2) ق: العد؛ والعد: البئر القديمة الغزيرة الماء. (4/459) ________________________________________ طهر بلادك منهم إنهم نجس ... ولا طهارة مل لم تغسل (1) النجسا وأوطئ الفيلق الجرار أرضهم حتى يطأطئ رأساً كل من رأسا وانصر عبيداً بأقصى شرقها شرقت ... عيونهم أدمعاً تهمي زكا وخسا (2) هم شيعة الأمر وهي الدار قد نهكت داء متى لم تباشر حسمه انتكسا فاملأ هنيئاً لك التأييد ساحتها جرداً سلاهب أو خطية دعسا واضرب لها موعداً بالفتح ترقبه لعل يوم الأعادي قد أتى وعسى فبادر السلطان بإعانتهم (3) ، وشحن الأساطيل بالمدد إليهم، من المال والأقوات والكسى، فوجدهم في هوة الحصار، إلى أن تغلب الطاغية على بلنسية، ورجع ابن الأبار بأهله إلى تونس، وكان تغلب العدو على بلنسية صلحاً يوم الثلاثاء السابع عشر لصفر من سنة ست وثلاثين وستمائة، فهزت هذه القصيدة من الملك عطف ارتياح، وحركت من جنانه أخفض جناح، ولشغفه بها وحسن موقعها منه أمر شعراء حضرته بمجاوبتها، فجاوبها غير واحد، وحال العدو بين بلنسية وبينه، وتعاهد أهلها مع النصراني على أن يسلمهم في أنفسهم، وذلك سنة سبع وثلاثين وستمائة، أعادها الله تعالى للإسلام. كتندة - 514 وقد كانت وقعة كتندة (4) على المسلمين قبل هذا التاريخ بمدة، وكتندة - ويقال قتندة بالقاف - من حيز دورقة من عمل سرقسطة من الثغر، وكانت __________ (1) قال المقري في الأزهار: " نغسل النجسا " هكذا ثبت بالنون كما رايته في بعض النسخ العتيقة وهو أصوب مما وقع بخط بعضهم بالتاء، لأن مثله لا يصلح للمخاطبات السلطانية، ولم يشتهر عند أكثر الناس إلا بالتاء، والصواب ما قدمته أنه بالنون، والله أعلم. (2) الزكا: الزوج، والخسا: الفرد. (3) انظر ابن عذاري 3: 344 - 345 (ط. المغرب). (4) في الخبر عن وقعة كتندة راجع معجم أصحاب الصدفي (7 - 8) ومعجم ياقوت (قتندة). (4/460) ________________________________________ الهزيمة على المسلمين جبرهم الله تعالى، قتل فيها من المطوعة نحو من عشرين قتيلاً، ولم يقتل فيها من العسكر أحد، وكان على المسلمين الأمير إبراهيم بن يوسف بن تاشفين الذي ألف الفتح باسمه قلائد العقيان وكانت سنة أربع عشرة وخمسمائة، وممن حضرها الشيخ أبو علي الصدفي السابق الذكر، وقرينه في الفضل أبو عبد الله ابن الفراء خرجا غازيين، فكانا ممن فقد فيها. وقال غير واحد: إن العسكر انصرف مفلولاً إلى بلنسية، وإن القاضي أبا بكر ابن العربي كان ممن حضرها، وسئل مخلصه منها عن حاله، فقال: حال من ترك الخباء والعباء، بمعنى أنه ذهب جميع ما لديه. لوشة - 622 ودخل العدو لوشة سنة اثنتين وعشرين وستمائة (1) ، مع السيد أبي محمد البياسي في الفتنة التي كانت بينه وبين العادل، فعاثوا فيها أشد العيث، ثم ردها المسلمون إلى أن أخذت بعد ذلك كما يأتي. المرية - 542 ودخل العدو مدينة المرية يوم الجمعة السابع عشر من جمادى الأولى سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، عنوة، وحكى أبو زكريا الجعيدي (2) عن أبي عبد الله بن سعاد الشاطبي المعمر أن أبا مروان ابن ورد أتاه في النوم شيخ عظيم الهيئة فرمى يديه في عضديه من خلفه، وهزه هزاً عنيفاً حتى أرعبه، وقال له قل: __________ (1) سنة 623 عند ابن عذاري (3: 249). (2) الجعيدي هو يحيى بن زكريا بن علي بن يوسف الأنصاري البلنسي، توفي سنة 619 (التكملة رقم: 2063). وفي ص: الحميدي، وهو خطأ. (4/461) ________________________________________ ألا أيها المغرور ويحك لاتنم فلله في ذا الخلق أمر قد انبهم فلا بد أن يرزوا بأمر يسوءهم فقد أحدثوا جرماً على حاكم الأمم قال: وكان هذا في سنة أربعين وخمسمائة، فلم يمض إلا يسير حتى تغلب الروم على المرية في سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، بعد تلك الرؤيا بعامين أو نحوهما، وهو مما حكاه ابن الأبار الحافظ في كتاب التكملة له. ترجمة الرشاطي وفي وقعة المرية هذه استشهد الرشاطي الإمام المشهور (1) ، وهو أبو محمد عبد الله بن علي بن عبد الله بن علي بن خلف بن أحمد بن عمر، اللخمي الرشاطي، المريي، وكانت له عناية كبيرة بالحديث والرجال والرواة والتواريخ، وهو صاحب كتاب اقتباس الأنوار والتماس الأزهار في أنساب الصحابة ورواة الآثار أخذه الناس عنه، وأحسن فيه، وجمع وما قصر، وهو على أسلوب كتاب أبي سعد ابن السمعاني الحافظ المسمى الأنساب، وولد الرشاطي سنة 466 بقرية من أعمال مرسية يقال لها أوريواله - بفتح (2) الهمزة، وسكون الواو، وكسر الراء، وضم المثناة التحتية، وبعد الألف لام مفتوحة، وبعدها هاء - وتوفي شهيداً بالمرية عند تغلب العدو عليها صبيحة الجمعة العشرين من جمادى الأولىسنة 542. والرشاطي - بضم الراء، وفتح الشين الخففة - وذكر هو أن أحد أجداده كان في جسمه شامة كبيرة، وكانت حاضنته عجمية، فإذا لاعبته قالت: رشاطة (3) ، وكثر ذلك منها، فقيل له: الرشاطي؛ انتهى ملخصاً من وفيات الأعيان وبعضه بالمعنى. __________ (1) سقطت ترجمة الرشاطي من التكملة وهي وارد في معجم أصحاب الصدفي (رقم: 200) وابن خلكان 2: 291 - 292 وعنه ينقل المقري؛ وتذكرة الحفاظ: 1307. (2) ابن خلكان: بضم. (3) يعني Roseta. (4/462) ________________________________________ استرداد المرية وضياعها نهائياً وبعد أخذ النصارى المرية هذه المرة رجعت إلى المسلمين، واستنقذها الله تعالى على يد الموحدين، وبقيت بأيدي أهل الإسلام سنين، وكان أول الولاة عليها حين استولى عليها أمير المسلمين عبد المؤمن بن علي رجلاً يقال له يوسف بن مخلوف، فثار عليه أهل المرية وقتلوه وقدموا على أنفسهم الرميمي، فأخذها النصارى منه عنوة كما ذكرنا، وأحصي عدد من سبي من أبكارها فكان أربعة عشر ألفاً. وقال ابن حبيش (1) آخر الحفاظ بالأندلس: كنت في وقعة المرية لما وقع الاستيلاء عليها أعادها الله تعالى للإسلام، فتقدمت إلى زعيم الروم السليطين، وهو ابن بنت الأذفونش، وقلت له: إني أحفظ نسبك منك إلى هرقل، فقال لي: قل، فذكرته له، فقال لي: اخرج أنت وأهلك ومن معك طلقاء بلا شيء. وابن حبيش شيخ ابن دحية وابن حوط الله وأبي الربيع الكلاعي، رجمهم الله تعالى. ولما أخذت المرية أقبل إليها السيدان أبو حفص وأبو سعيد ابنا أمير المؤمنين فحصرا النصارى بها، وزحف إليهما أبو عبد الله ابن مردنيش ملك شرق الأندلس محارباً لهما، فكانا يقاتلان النصارى والمسلمين داخلاً وخارجاً، ثم رأى ابن مردنيش العار على نفسه في قتالهم مع كونهم يقاتلون النصارى، فارتحل، فقال النصارى: ما رحل ابن مردنيش إلا وقد جاءهم مدد، فاصطلحوا، ودخل الموحدون المدينة، وقد خربت وضعفت، إلى أن أحيا رمقها الرئيس أبو العباس أحمد بن كمال، وذلك أن أخته أخذت سبية في دخلة عبد المؤمن __________ (1) يعني أبا القاسم الإمام الحافظ عد الرحمن بن الأنصاري نزيل مرسية، وحبيش هو خاله نسب إليه، ولد بالمرية سنة 504 وتوفي سنة 584 وقد ترجم له كل من ابن الأبار (رقم: 1617) وابن الزبير (انظر تذكرة الحفاظ: 1353). (4/463) ________________________________________ لبجانة، فاحتلت بقصره واعتنت بأخيها، فولاه بلده، فصلح به حالها، وكان جواداً حسن المحاولة كثير الرفق، واشتهر من ولاتها في مدة بني عبد المؤمن في المائة السابعة الأمير أبو عمران ابن أبي حفص عم ملك إفريقية أبي زكريا. ولما كانت سنة خمس وعشرين وستمائة وثارت الأندلس على مأمون بني عبد المؤمن بسبب قيام ابن هود بمرسية قام في المرية بدعوة ابن هود أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي يحيى ابن الرميمي، وجده أبو يحيى هو الذي أخذها النصارى من يده، ولما قام بدعوة ابن هود وفد عليه بمرسية وولاه وزارته، وصرف إليه سياسته، وآل أمره معه إلى أن أغراه بأن يحصن قلعة مرية، ويجعلها له عدة،وهو يبغي ذلك عدة لنفسه، وترك ابن هود فيها جارية تعلق ابن الرميمي بها، واجتمع معها، فبلغ ذلك ابن هود، فبادر إلى المرية، وهو مضمر الإيقاع بابن الرميمي، فتغدى به قبل أن يتعشى به، وأخرج من قصره ميتاً، ووجهه في تابوت إلى مرسية في البحر، واستبد ابن الرميمي بملك المرية، ثم ثار عليه ولده، وآل الأمر بعد أحوال إلى أن تملكها ابن الأحمر صاحب غرناطة، وبقيت في يد أولاده بعده إلى أن أخذها العدو الكافر عندما طوي بساط بلاد الأندلس كما سننبه عليه، والله غالب على أمره. شعر في العقاب وما أحسن قول أبي إسحاق إبراهيم بن الدباغ الإشبيلي في هزيمة العقاب بإشبيلية: وقائلة أراك تطيل فكراً كأنك قد وقفت إلى الحساب فقلت لها أفكر في عقاب غدا سبباً لمعركة العقاب فما في أرض أندلس مقام وقد دخل البلا من كل باب (4/464) ________________________________________ ابن وزير وقول القائد أبي بكر ابن الأمير ملك شلب أبي محمد عبد الله (1) بن وزير يخاطب منصور بني عبد المؤمن وقد التقى هو وأصحابه مع جماعة من الفرنج فتناصفوا، ثم كان الظفر للمسلمين: ولما تلاقينا جرى الطعن بيننا فمنا ومنهم طائحون عديد وجال غرار الهند فينا وفيهم فمنا ومنهم قائم وحصيد فلا صدر إلا فيه صدر مثقف وحول الوريد للحسام ورود صبرنا ولا كهف سوى البيض والقنا كلانا على حر الجلاد جليد ولكن شددنا شدة فتبلدوا ومن يتبلد لا يزال يحيد فولوا وللسمر الطوال بهامهم ركوع وللبيض الرقاق سجود وكان المذكور من فرسان الأندلس، وكان ابنه الفاضل أبو محمد غير مقصر عنه فروسية وقدراً وأدباً وشعراً، وولاه ناصر بني عبد المؤمن مدينة قصر أبي دانس في الجهة الغربية، وقتله ابن هود بإشبيلية، وزعم أنه يروم القيام عليه، ومن شعره قوله في ابن عمرو صاحب أعمال إشبيلية: لا تيأسن من الخلافة بعدما ولي ابن عمرو خطة الأشراف تباً لدهر هذه أفعاله يضع النوافج في يدي كناف ضياع ماردة رجع - ودخل العدو كورة ماردة من محمد بن هود سنة ست وعشرين __________ (1) قد قدمت التعليق على هذا الاسم، وهو أبو بكر ابن أبي محمد سيداري بن عبد الوهاب بن وزير القيسي؛ ومن بني وزير عبد الله بن وزير الذي كان يدافع عن حصن أبي دانس لما كان البرتغاليون يحاولون الاستيلاء عليه سنة 614. (4/465) ________________________________________ وستمائة، وكانت مفتتح المصائب على يده، أعادها الله تعالى للإسلام، وهي قاعدة بلاد الجوف في مدة العرب والعجم، والحضرة المستجدة بعدها هي مدينة بطليوس، وبين ماردة وقرطبة خمسة أيام. المظفر وابنه المتوكل وملك بطليوس وماردة وما إليها المظفر بن المنصور بن الأفطس مشهور، وهو من رجال القلائد والذخيرة وهو أديب ملوك عصره بلا مدافع ولا منازع، وله التصنيف الرائق، والتأليف الفائق، المترجم بالتذكر المظفري خمسون مجلداً اشمل على فنون وعلوم من مغاز وسير ومثل وأخبار وجميع علوم الأدب، وقال يوماً: والله ما يمنعني من إظهار الشعر إلا كوني لا أقول مثل قول أبي العشائر ابن حمدان (1) : أقرأت منه ما تخط يد الوغى والبيض تشكل والأسنة تنقط وقول أبي فراس ابن عمه (2) : وجررنا العوالي في مقام (3) ... تحدث عنه ربات الحجال كأن الخيل تعلم من عليها ففي بعض على بعض تعالى فأين هذا من قولي: أنفت من المدام لأن عقلي أعز علي من أنس المدام ولم أرتح إلى روض وزهر ولكن للحمائل والحسام __________ (1) يتيمة الدهر 1: 210. (2) ديوان أبي فراس: 284. (3) الديوان: وعدت أجر رمحي عن مقام. (4/466) ________________________________________ إذا لم أملك الشهوات قهراً ... فلم أبغي الشفوف على الأنام (1) وله رحمه الله تعالى: يا لحظه زد فتوراً تزد علي اقتدارا فالحظ كالسيف أمضا ه ما يرق غرارا وابنه المتوكل من رجال القلائد والمسهب وكان في حضرة بطليوس كالمعتمد بن عباد بإشبيلية، قد أناخت الآمال بحضرتهما، وشدت رحال الآداب إلى ساحتهما، يتردد أهل الفضائل بينهما كتردد النواسم بين جنتين، وينظر الأدب منهما عن مقلتين، والمعتمد أشعر، والمتوكل أكتب. شعر لأبي عبد الله الفازازي رجع - وقال الفاضل الكاتب أبو عبد الله محمد الفازازي، وقيل: إنها وجدت برقعة في جيبه يوم موته: الروم تضرب في البلاد وتغنم والجور يأخذ ما بقي والمغرم والمال يورد كله قشتالة والجند تسقط والرعية تسلم وذوو التعين ليس فيهم مسلم إلا معين في الفساد مسلم أسفي على تلك البلاد وأهلها الله يلطف بالجميع ويرحم وقيل: إن هذه الأبيات رفعت إلى سلطان بلده، فلما وقف عليها قال بعدما بكى: صدق رحمه الله تعالى، ولو كان حياً ضربت عنقه. __________ (1) سقط البيت من ص. (4/467) ________________________________________ ترجمة أبي زيد الفازازي وهذا الفازازي أخو الشاعر الشهير الكاتب الكبير أبي زيد عبد الرحمن الفازازي (1) صاحب الأمداح في سيد الوجود صلى الله عليه وسلم، وهو كما قال فيه بعضهم: صاحب القلم الأعلى، والقدح المعلى، أبرع من ألف وصنف، وأبدع من قرط وشنف، فقد طاع القلم لبنانه، والنظم والنثر لبيانه، كان نسيج وحده رواية وأخباراً، ووحيد نسجه روية وابتكاراً، وفريد وقته خبراً وإخباراً،وصدر عصره إيرادا وإصدرًا، صاحب فهوم، ورافع ألوية علوم، أما الأدب فلا يسبق فيه مضماره، ولا يشق غباره، إن شاء إنشاء أنشى ووشى، سائل الطبع، عذب النبع، له في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، بدائع قد خضع لها البنيان وسلم، أعظم تلك المعجزات نظماً ونثراً، وأوجز في تحبير تلك الآيات البينات فجلا سحراً، ورفع للقوافي راية استظهاراً تخير فيه الأظهر، فعجم وعشر وشفع وأوتر، وأما الأصول فهي من فروعه، في متفرق منظومه ومنثور مجموعه، واما النسب، فإلى حفظه انتسب، وأما الأيام والدول، ففي تاريخه الأواخر والأول، وقد سبك من هذه العلوم في منثوره وموزونه، ما يشهد بإضافتها إلى فنونه، وله سماع في الحديث ورواية، وفهم بقوانينه ودراية، سمع من أبي الوليد بن عبد الرحمن بن بقي القاضي،ومن أبي الحسن جابر بن أحمد القرشي التاريخي، وهو آخر من حدث عنه، ومن أبي عبد الله التجيبي كثيراً وهو أول من سمع عنه في حياة الحافظ أبي الطاهر السلفي إذ قدم عليهم تلمسان، وأجازه الحافظ السهلي وابن خلف __________ (1) هو عبد الرحمن بن يخلفتن بن أحمد اليجنشي الفازازي، ولد بقرطبة ونشأ بها ثم سكن تلمسان، وكان عالماً بالحديث متصرفاً في فنونه، كاتباً شاعراً مجوداً، مشاركاً في أصول الفقه، ذا معرفة بعلم الكلام، تجول ببلاد العدوة والأندلس كثيراً، وغلب عليه شعر الزهد والتصوف (التكملة رقم: 1641). (4/468) ________________________________________ الحافظ وغيرهما، وولد بعد الخمسين والخمسمائة، وتوفي في مراكش سنة 637، رحمه الله تعالى،انتهى ملخصاً. سقوط ميورقة عن ابن عميرة رجع - ولما ثارت الأندلس على طائفة عبد المؤمن كان الوالي بجزيرة ميورقة أبو يحيى ابن أبي عمران التينمللي (1) فأخذها الفرنج منه، كذا قال ابن سعيد، وقال ابن الأبار:إنها أخذت يوم الاثنين الرابع عشر من صفر سنة سبع وعشرين وستمائة. وقال المخزومي في تاريخ ميورقة (2) : إن سبب أخذها من المسلمين أن أميرها محمد بن علي بن موسى كان في الدولة الماضية أحد أعيانها، ووليها سنة ست وستمائة، واحتاج إلى الخشب المجلوب من اليابسة، فأنفذ طريدة بحرية وقطعة حربية، فعلم بها والي طرطوشة، فجهز إليها من أخذها، فعظم ذلك على الوالي، وحدث نفسه بالغزو لبلاد الروم، وكان ذلك رأياً مشؤوماً، ووقع بينه وبين الروم، وفي آخر ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين وستمائة بلغه أن مسطحاً من برشلونة (3) ظهر على يابسة، ومركباً آخر من طرطوشة انضم إليه، فبعث ولده في عدة قطع إليه حتى نزل مرسى يابسة، ووجد فيه لأهل جنوة مركباً كبيراً، فأخذه وسار حتى وصل إلى المسطح، فقاتله وأخذه، وظن أنه غاب الملوك، وغاب عنه أنه أشأم من عاقر الناقة (4) ، وأن الروم لما بلغهم الخبر __________ (1) ق: التيفلي. (2) هو أبو المطرف ابن عميرة المخزومي، وقد ألف كتاباً في كائنة ميورقة قال فيه ابن عبد الملك: إنه نحا فيه منحى العماد في الفتح القمي، فالمقري هنا يلخص وينقل بتصرف. (انظر كتاب " أبو المطرف ابن عميرة " للأستاذ بن شريفة 287 - 291). (3) ص: برجلونة. (4) هو قدار الذي يضرب به المثل في الشؤم. (4/469) ________________________________________ قالوا لملكهم وهو من ذرية أذفونش: كيف يرضى الملك بهذا الأمر ونحن نقاتل بنفوسنا وأموالنا فأخذ عليهم العهد بذلك، وجمع عشرين ألفاً من أهل البلاد، وجهز في البحر ستة عشر ألفاً، وشرط عليهم حمل السلاح، وفي سنة ست وعشرين وستمائة اشتهر أمر هذه الغزوة فاستعد لها الوالي، وميز نيفاً على ألف فارس من فرسان الحضر والرعية مثلهم، ومن الرجالة ثمانية عشر ألفاً، وذلك في شهر ربيع الأول من السنة، ومن سوء الاتفاق أن الوالي أمر صاحب شرطته أن يأتيه بأربعة من كبراء المصر، فساقهم وضرب أعناقهم، وكان فيهم ابنا خاله، وخالهما أبو حفص ابن سيري ذو المكانة الوجيهة، فاجتمعت الرعية إلى ابن سيري، فأخبره بما نزل، وعزوه فيمن قتل وقالوا: هذا أمر لا يطاق، ونحن كل يوم إلى الموت نساق، وعاهدوه على طلب الثأر، وأصبح الوالي يوم الجمعة منتصف شوال، والناس من خوفه في أهوال، ومن أمر العدو في إهمال، فأمر صاحب شرطته بإحضار خمسين من أهل الوجاهة والنعمة فأحضرهم، وإذا بفارس على هيئة النذير دخل إلى الوالي، وأخبره بأن الروم قد أقبلت، وأنه عد فوق الأربعين من القلوع، وما فرغ من إعلامه حتى ورد آخر من جانب آخر وقال: إن أسطول العدو قد تظاهر، وقال: إنه عد سبعين شراعاً، فصح الأمر عنده، فسمح لهم بالصفح والعفو، وعرفهم بخبر العدو، وأمرهم بالتجهز، فخرجوا إلى دورهم، كأنما نشروا من قبورهم، ثم ورد الخبر بأن العدو قرب من البلد، فإنهم عدوا مائة وخمسين قلعاً، ولما عبر وقصد المرسى أخرج الوالي جماعة تمنعهم النزول، فباتوا على المرسى في الرجل والخيل، وفي الثامن عشر من شوال وهو يوم الاثنين وقع المصاف، وانهزم المسلمون، وارتحل النصارى إلى المدينة، ونزلوا منها على الحريبة الحزينة من جهة باب الكحل، ولم يزل الأمر في شدة وقد أشرفوا على أخذ البلد، ولما رأى ابن سيري (1) أن العدو قد استولى على البلد خرج __________ (1) ق: ابن شيري. (4/470) ________________________________________ إلى البادية، ولما كان يوم الجمعة الحادي عشر من صفر قاتلوا البلد قتالاً شديداً، ولما كان يوم الأحد لأخذ البلد، وأخذ منه أربعة وعشرون ألفاً قتلوا على دم واحد، وأخذ الوالي وعذب، وعاش بعد ذلك خمسة وأربعين يوماً، ومات تحت العذاب، وأما ابن سيري فإنه صعد إلى الجبل، وهو منيع لا ينال ون تحصن فيه، وجمع عنده ستة عشر ألف مقاتل، وما زال يقاتل إلى أن قتل يوم الجمعة، عاشر ربيع الآخر سنة 628، وجده من آل جبلة بن الأيهم الغساني، وأما الحصون فأخذت في آخر رجب سنة 628، وفي شهر شعبان لحق من نجا من المسلمين إلى بلاد الإسلام، انتهى ما ذكره ابن عميرة المخزومي ملخصاً. وكان بميورقة جماعة أعلام وشعراء، ومن شعر ابن عبد الولي الميورقي (1) : هل أمان من لحظك الفتان وقوام يميل كالخيزران مهجتي منك في جحيم ، ولكن جفوني قد متعت في جناني فتنتني لواحظ ساحرات لست أخشى من فتنة الشيطان سعيد بن حكم في ميورقة ولما استولى النصارى على ميورقة في التاريخ المتقدم سار بجزيرة منورقة، وهي قريبة منها، الجواد العادل العالم أبو عثمان سعيد بن حكم القرشي، وكان وليها من قبل الوالي أبي يحيى المقتول، وتصالح مع النصارى على ضريبة معلومة، واشترط أن لا يدخل جزيرته أحد من النصارى، وضبطها أحسن ضبط، قال أبو الحسن علي بن سعيد: أخبرني أحد من اجتمع به أنه لقي منه براً حبب إليه الإقامة في تلك الجزيرة المنقطعة، وذكر أنه ركب معه فنظر إلى حمالة سيف __________ (1) ترجمته وشعره في المغرب 2: 468. (4/471) ________________________________________ ضيقة وقد أثرت في عنقه، فأمر له بإحسان وغنباز، وكتب معه: حمالة السيف توهي جيد حاملها لا سيما يوم إسراع وإنجاز وخير ما استعمل الإنسان يومئذ لحسم علتها إلباس غنباز والغنباز عند أهل المغرب صنف من الملبوس غليظ يستر العنق. وأصل أبي عثمان من مدينة طبيرة من غرب الأندلس، وقد ألفت باسمه التآليف المشهورة بالمغرب ككتاب روح الشحر وروح الشعر وغيره، وأخذ العدو منورقة بعد مدة. سقوط عدة مدن وأخذ العدو جزيرة شقر صلحاً سنة 639 في آخرها. وأخذ العدو - دمره الله تعالى - مدينة سرقسطة يوم الأربعاء لأربع خلون من رمضان سنة اثني عشرة وخمسمائة. وكان استيلاء الإفرنج على شرق الأندلس شاطبة وغيرها وإجلاءهم من يشاركهم من المسلمين فيما تغلبوا عليه منها في شهر رمضان سنة خمس وأربعين وستمائة. وكان استيلاء العدو - دمره الله تعالى - على مدينة قرطبة يوم الأحد الثالث والعشرين لشوال من سنة ست وثلاثين وستمائة. وكان تملك العدو مرسية صلحاً ظهر يوم الخميس العاشر من شوال، قدم أحمد بن محمد بن هود ولد والي مرسية بجماعة من وجوه النصارى فملكهم إياها صلحاً، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وحصر العدو إشبيلية سنة خمس وأربعين وستمائة. وفي يوم الاثنين الخامس من شعبان للسنة بعدها ملكها الطاغية صاحب قشتالة صلحاً بعد منازلتها حولاً كاملاً وخمسة أشهر أو نحوها. وقال ابن الأبار في ترجمة أبي علي الشلوبين من التكملة (4/472) ________________________________________ ما صورته: وتوفي بين يدي منازلة الروم إشبيلية ليلة الخميس منتصف صفر سنة خمس وأربعين وستمائة، وفي العام القابل ملكها الروم. موقعة أنيشة - 634 ترجمة أبي الربيع ابن سالم وكانت وقعة أنيجة (1) التي قتل بها الحافظ أبو الربيع الكلاعي رحمه الله تعالى يوم الخميس لعشر بقين من ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وستمائة، ولم يزل رحمه الله تعالى متقدماً أمام الصفوف زحفاً إلى الكفار مقبلاً على العدو ينادي بالمنهزمين: أعن الجنة تفرون حتى قتل صابراً محتسباً برد الله تعالى مضجعه، وكان دائماً يقول: إن منتهى عمره سبعون سنة لرؤيا رآها في صغره، فكان كذلك، ورثاه تلميذه الحافظ أبو عبد الله ابن الأبار بقصيدته الميمية الشهيرة التي أولها (2) : ألما بأشلاء العلا والمكارم تقد بأطراف القنا والصوارم وعوجا عليها مأرباً وحفاوة (3) ... مصارع خصت بالطلى والجماجم نحيي وجوهاً في الجنان وجيهة [بما لقيت حمراً وجوه الملاحم] [وأجساد إيمان كساها نجيعها] (4) ... مجاسد من نسج الظبي واللهاذم وهي طويلة. ومن شعر الحافظ أبي الربيع المذكور (5) : __________ (1) انظر الروض المعطار: (أنيشة). (2) أوردها ابن عبد الملك في الذيل 4: 90 - 95. (3) الأصول: ومفازة. (4) صوبناه عن الذيل بزيادة ما بين معقفين. (5) الذيل والتكملة 4: 88. (4/473) ________________________________________ تولت ليال للغواية جون ووافى صباح للرشاد مبين ركاب شباب أزمعت عنك رحلة وجيش مشيب جهزته منون ولا أكذب الرحمن فيما أجنه وكيف ولا يخفى عليه جنين ومن لم يخل أن الرياء يشينه فمن مذهبي أن الرياء يشين لقد ريع قلبي للشباب وفقده كما ريع بالعلق الفقيد ضنين وآلمني وخط المشيب بلمتي فخطت بقلبي للشجون فنون وليل شبابي كان أنضر منظراً وآنق مهما لاحظته عيون فآهاً على عيش تكدر صفوه وأنس خلا منه صفا وحجون ويا ويح فودي أو فؤادي كلما تزيد شيبي كيف بعد يكون حرام على قلبي سكون بغرة (1) ... وكيف مع الشيب الممض سكون وقالوا شباب المرء شعبة جنة فما لي عراني للمشيب جنون وقالوا شجاك الشيب حدثان ما أتى ولم يعلموا أن الحديث شجون وقوله (2) : أمولى الموالي ليس غيرك مولى ... وما أحد يا رب منك بذا (3) أولى تبارك وجه وجهت نحوه المنى فأوزعها شكراً وأوسعها طولا وما هو إلا وجهك الدائم الذي أقل حلى عليائه يخرس القولا تبرأت من حولي إليك وقوتي فكن قوتي في مطلبي وكن الحولا وهب لي من الرضا ما لي سوى ذاك مبتغى ولو لقيت نفسي على نيله الهولا وكان - رحمه الله تعالى - حافظاً للحديث، ومبرزاً في نقده تام المعرفة __________ (1) الذيل: يفره. (2) الذيل: 87. (3) ق: بنا. (4/474) ________________________________________ بطرقه، ضابطاً لأحكام أسانيده، ذاكراً لرجاله، ريان من الأدب، خطب ببلنسية، واستقضى، وكان مع ذلك من أولي الحزم والبسالة والإقدام والجزالة، حضر الغزوات وباشر القتال بنفسه وأبلى بلاء حسناً، وروى عن أبي القاسم ابن حبيش وطبقته، وصنف كتباً منها مصباح الظلم في الحديث، والأربعون عن أربعين شيخاً لأربعين من الصحابة، والأربعون السباعية والسباعيات من حديث الصدفي، وحلية الأمالي في الموافقات والعوالي و " تحفة الوراد ونجعة الرواد " (1) والمسلسلات والإنشادات وكتاب الاكتفاء في مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومغازي الثلاثة الخلفاء، وميدان السابقين وحلبة الصادقين المصدقين في غرض كتاب الاستيعاب، ولم يكمله، والمعجم فيمن وافقت كنيته [كنية] زوجه من الصحابة، والإعلام بأخبار البخاري الإمام والمعجم في مشيخة أبي القاسم ابن حبيش، و " برنامج رواياته " (2) وجنى الرطب في سني الخطب ونكتة الأمثال ونفثة السحر الحلال، و " جهد النصيح (3) في معارضة المعري في خطبة الفصيح " ، والامتثال لمثال المبهج في ابتداع الحكم واختراع الأمثال ومفاوضة القلب العليل ومنابذة الأمل الطويل بطريقة المعري في ملقى السيل، ومجاز فتيا اللحن للاحن الممتحن مائة مسألة ملغزة، ونتيجة الحب الصميم وزكاة المنثور والمنظوم في مثال النعل النبوية على لابسها أفضل الصلاة والسلام، قال ابن رشيد: لو قال وزكاة النثير والنظيم لكان أحسن، وله كتاب الصحف المنشرة في القطع المعشرة وديوان رسائل سفر، وديوان شعره سفر (4) ، وكتب إلى الأديب الشهير أبي بحر صفوان بن إدريس المرسي عقب انفصاله من __________ (1) سماه ابن عبد الملك: تحفة الرواد في العوالي والاضداد. (2) الذيل: مروياته. (3) الذيل: وجهد النصيح وحظ المنيح. (4) الذيل: سفير. (4/475) ________________________________________ بلنسية سنة 587: أحن إلى نجد ومن حل في نجد وماذا يغني حنيني أو يجدي وقد أوطنوها وادعين وخلفوا محبهم رهن الصبابة والوجد تبين بالبين اشتياقي إليهم ... ووجدي فساوى ما أجن الذي أبدي (1) وضاقت علي الأرض حتى كأنها وشاح على بخصر أو سوار على زند إلى الله أشكو مما ألاقي من الجوى وبعض الذي لاقيته من جوى يردي فراق أخلاء وصد أحبة كأن صروف الدهر كانت على وعد فيا سرحتي نجد،نداء متيم له أبداً شوق إلى سرحتي نجد ظمئت فهل طل يبرد لوعتي ضحيت فهل ظل يسكن من وجدي ويا زمناً قد بان غير مذمم لعل لأنس قد تصرم من رد ليالي نجني الأنس من شجر المنى ونقطف زهر الوصل من شجر الصلد وسقياً لإخوان بأكناف حاجز كرام السجايا لا يحولون عن عهد وكم لي بنجد من سري ممجد ولا كابن إدريس أخي البشر والمجد أخو همة كالزهر في بعد نيلها وذو خلق كالزهر غب الحيا العد تجمعت الأضداد فيه حميدة فمن خلق سبط ومن حسب جعد أيا راحلاً أودى بصبري رحيله وفلل من عزمي وثلم من حدي أتعلم ما يلقى الفؤاد لبعدكم ألا مذ نأيتم ما يعيد ولا يبدي فيا ليت شعري هل تعود لنا المنى وعيش كما نمنمت حاشيتي برد عسى الله أن يدني السرور بقربكم فيبدو، ومنا الشمل منتظم العقد ابن العربي ومعركة 527 وقال القاضي أبو بكر ابن العربي في " أحكام القرآن " (2) عند تفسير __________ (1) ق: وما أبدي. (2) انظر أحكام القرآن ج 2: 943. (4/476) ________________________________________ قوله تعالى انفروا خفافاً وثقالاً ما صورته: ولقد نزل بنا العدو - قصمه الله تعالى - سنة سبع وعشرين وخمسمائة، فجاس ديارنا، وأسر جيرتنا، وتوسط بلادنا في عدد حدد الناس عدده فكان كثيراً، وإن لم يبلغ ما حددوه، فقلت للوالي والمولى عليه: هذا عدو الله قد في الششرك والشبكة، فلتكن عندكم بركة، ولتكن منكم إلى نصرة الدين المتعينة عليكم حركة، فليخرج عليه جميع الناس حتى لا يبقى منهم أحد في جميع الأقطار، فيحاط به، فإنه هالك لا محالة إن يسركم الله له، فغلبت الذنوب، ورجفت بالعاصي القلوب، وصار كل أحد من الناس ثعلباً يأوي إلى وجاره، وإن رأى المكيدة بجاره، فإن لله وإنا إليه راجعون، وحسبنا الله ونعم الوكيل، عنوان على النهايات. قصيدة الوقشي في مدح أبي يعقوب وقال أبو جعفر الوقشي البلنسي (1) نزيل مالقة يمدح أمير المؤمنين يوسف ابن أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي: أبت غير ماء بالنخيل ورودا وهامت به عذب الجمام برودا وقالت لحاديها أثم زيادة على العشر في وردي له فأزيدا غلبتك ما هذا القنوع وما أنا عهدتك لا تثنين عنه وريدا أنوناً إذا ما كنت منه قريبة وضباً إذا ما كان عنك بعيداً ردي حضرة الملك الظليل رواقه لعمري ففيها تحمدين ورودا بحيث إمام الدين يوسع فضله جميع البرايا مبدئاً ومعيدا __________ (1) البلنسي: سقطت من ق؛ وقد كان أبو جعفر الوقشي وزيراً لابن همشك، وهو ممدوح الرصافي البلنسي. (4/477) ________________________________________ أعاد إليها الأنس بعد شروده وأحيا لنا ما كان منه أبيدا ولين أيام الزمان بعدله وكانت حديداً في الخطوب حديدا فلا ليلة إلا يروقك حسنها ولا يوم إلا عاد يفضل عيدا ومنها يصف حال الأندلس ويبعث على الجهاد: ألا ليت شعري هل يمد لي المدى فأبصر شمل المشركين طريدا وهل بعد يقضى بالنصارى بنصرة تغادرهم للمرهفات حصيدا ويغزو أبو يعقوب في شنت ياقب يعيد عميد الكافرين عميدا ويلقي على إفرنجهم عبء كلكل فيتركهم فوق الصعيد هجودا يغادرهم جرحى وقتلى مبرحاً ركوعاً على وجه الفلا وسجودا ويفتك من أيدي الطغاة نواعماً تبدلن من نظم الحجول قيودا وأقبلن في خشن المسوح وطالما سحبن من الوشي الرقيق برودا وغبر منهن التراب ترائباً وخدد منهن الهجير خدودا فحق لدمعي أن يفيض لأزرق تملكها دعج المدامع سودا ويا لهف نفسي من معاصم طفلة تجاور بالقد الأليم نهودا ويا أسفاً ما إن يزال مردداً على شمل أعياد أعيد بديدا وآهاً تمد الصوت منتحباً على خلو ديار لو يكون مفيدا وقال في آخرها، وهو مما استحسنه الناس: حملت من نظامي قلادة يلقبها أهل الكلام قصيدا غدت يوم إنشاء القريض وحيدة كما قصدت في المعلوات وحيدا ولما تمهدت الأندلس اعبد المؤمن وبنيه كان لهم فيها وقائع مع عدو الدين، واجتاز إليها عبد المؤمن.ثم لما ولي بعده ملكه ابنه يوسف دخل الأندلس سنة 566، وفي صحبته مائة ألف فارس من العرب الموحدين، فنزل في إشبيلية (4/478) ________________________________________ فخافه الأمير أبو عبد الله محمد بن سعد بن مردنيش صاحب شرق الأندلس: مرسية وأعمالها وما انضاف إليها، فحمل على قلبه فمرض ومات، وشرع السلطان يوسف في استرجاع بلاد المسلمين من أيدي الفرنج، فاتسعت مملكته في الأندلس، وأغارت سراياه على طليطلة إذ هي قاعدة ملكهم، ثم إنه حاصرها فاجتمعت الفرنج عليه، واشتد الغلاء في عسكره، فرحل عنها وعاد إلى حضرة ملكه مراكش المحروسة. قصيدة في استنهاض الحفصي بعد سقوط بلنسية ولم يزال أهل الأندلس بعد ظهور النصارى - دمرهم الله تعالى - على كثير منها يستنهضون عزائم الملوك والسوقة لأخذ الثأر، بالنظم والنثار، فلم ينفعهم ذلك حتى اتسع الخرق، وأعضل الداء أهل الغرب والشرق، فمن القصائد الموجهة في ذلك قول بعضهم لما أخذت بلنسية يخاطب إفريقية أبا زكريا ابن عبد الواحد بن أبي حفص: نادتك أندلس فلب نداءها واجعل طواغيت الصليب فداءها صرخت بدعوتك العلية فاحبها من عاطفتك ما يقي حوباءها واشدد بجلبك جرد خيلك أزرها تردد على أعقابها أرزاءها هي دارك القصوى أوت لإيالة ضمنت لها مع نصرها إيواءها وبها عبيدك لا بقاء لهم سوى سبل الضراعة يسلكون سواءها خلعت قلوبهم هناك عزاءها لما رأت أبصارهم ما سواها دفعوا لأبكار الخطوب وعونها فهم الغداة يصابرون عناءها وتنكرت لهم الليالي فاقتضت سراءها وقضتهم ضراءها تلك الجزيرة لا بقاء لها إذا لم يضمن الفتح القريب بقاءها رش أيها المولى الرحيم جناها واعقد بأرشية النجاة رشاءها (4/479) ________________________________________ أشفى على طرف الحياة ذماؤها فاستبق للدين الحنيف ذماءها حاشاك أن تفنى حشاشها وقد قصرت عليك نداءها ورجاءها طافت بطائفة الهدى آمالها ترجو بيحيى المرتضى إحياءها واستشرفت أمصارها لإمارة عقدت لنصر المستضام لواءها يا حسرتي لعقائل معقولة سئم الهدى نحو الضلال هداءها إيه بلنسية وفي ذكراك ما يمري الشؤون دماءها لا ماءها كيف السبيل إلى احتلال معاهد شب الأعاجم دونها هيجاءها وإلى ربى وأباطح لم تعر من حلل الربيع مصيفها وشتاءها طاب المعرس والمقيل خلالها وتطلعت غرر المنى أثناءها بأبي مدارس كالطول دوارس نسخت نواقيس الصليب نداءها ومصانع كسف الضلال صباحها فيخاله الرائي إليه مساءها راحت بها الورقاء تسمع شدوها وغدت ترجع نوحها وبكاءها عجباً لأهل النار حلوا جنة منها تمد عليهم أفياءها أملت لهم فتعجلوا ما أملوا أيامهم لا سوغوا إملاءها بعداً لنفس أبصرت إسلامها فتوكفت عن حزبها إسلاءها أما العلوج فقد أحالوا حالها فمن المطيق علاجها وشفاءها أهدى إليها بالمكاره جارح للكفر كره ماؤه وهواؤه وكفى أسى أن الفواجع جمة فمتى يقاوم أسوها أسواءها هيهات في نظر الإمارة كف ما تخشاه، ليت الشكر كان كفاءها مولاي هاك معادة أنباءها لتنيل منك سعادة أبناءها جرد ظباك لمحو لآثار العدا تقتل ضراغمها وتسب ظباءها واستدع طائفة الإمام لغزوها تسبق إلى أمثالها استدعاءها لا غرو أن يعزي الظهور لملة لم يبرحوا دون الورى ظهراءها إن الأعاجم للأعارب نهبة مهما أمرت بغزوها أحياءها (4/480) ________________________________________ تالله لو دبت لها دبابوها لطوت عليها أرضها وسماءها ولو استقلت عوفها لقتالها لاستقبلت بالمقربات عفاءها أرسل جوارحها تجئك بصيدها صيداً وناد لطحنها أرحاءها هبوا لها يا معشر التوحيد قد آن الهبوب وأحرزوا علياءها إن الحفائظ من خلالكم التي لا يرهب الداعي بهن خلاءها هي نكتة المحيا فحيهلا بها تجدوا سناها في غد وسناءها أولوا الجزيرة مصرة إن العدى تبغي على أقطارها استيلاء نقصت بأهل الشرك من أطرافها فاستحفظوا بالمؤمنين نماءها حاشاكم أن تضمروا إلغاءها في أزمة أو تضمروا إقصاءها خوضوا إليها بحرها يصبح لكم رهواً وجوبوا نحوها بيداءها وافى الصريخ مثوباً يدعو لها فلتجملوا قصد الثواب ثواءها دار الجهاد فلا تفتكم ساحة ساوت بها أحياؤها شهداءها هذي رسائلها تناجي بالتي وقفت عليها ريثها ونجاءها ولربما أنهت سوالب للنهى من كائنات حملت أنهاءها وفدت على الدار العزيزة تجتني آلاءها أو تجتلي آراءها مستسقيات من غيوث غياثها ما وقعه يتقدم استسقاءها قد أمنت في سبلها أهواءها إذا سوغت في ظلها أهواءها وبحسبها أن الأمير المرتضى مترقب بفتوحها آناءها في الله ما ينويه من إدراكها بكلاءة ليفدي أبي أكلاءها بشرى لأندلس تحب لقاؤه ويحب في ذات الله لقاءها صدق الرواة المخبرون بأنه يشفي ضناها أو يعيد رواءها إن دوخ العرب الصعاب مقادة وأبى عليها أن تطيع إباءها فكأن بفيلقه العرمرم فالقاً هام الأعاجم ناسفاً أرجاءها أنذرهم بالبطشة الكبرى فقد نذرت صوارمه الرقاق دماءها (4/481) ________________________________________ لا يعدم الزمن انتصار مؤيد تتسوغ الدنيا به سراءها ملك أمد النيرين بنوره وأفاده لألاؤه لألاءها خضعت جبابرة الملوك لعزه ونضت بكف صغارها خيلاءها أبقى أبو حفص إمارته له فسما إليها حاملاً أعباءها سل دعوة المهدي عن آثارها تنبيك أن ظباها قمن إزاءها فغزا عداه واسترق رقابها وحمى حماها واسترد بهاءها قبضت يداه على البسيطة قبضة قادت له في قده أمراءها فعلى المشارق والمغارب ميسم لهداه شرف وسمه أسماءها تطمو بتونسها بحار جيوشه فيزور زاخر موجها زوراءها وسع الزمان فضاق عنه جلالة والأرض طراً ضنكها وفضاءها ما أزمع الإيغال في أكنافها إلا تصيد عزمه زعماءها دانت له الدنيا وشم ملوكها فاحتل من رتب العلا شماءها ردت سعادته على أدراجها ليل الزمان ونهنهت غلواءها إن يعتم الدول العزيزة بأسه فالآن يولي جوده إعطاءها تقع الجلائل وهو راس راسخ فيها يوقع للسعود جلاءها كالطود في عصف الرياح وقصفها لا رهوها يخشى ولا هوجاءها سامي الذوائب في أعز ذؤابة أعلت على قمم النجوم بناءها بركت بكل محلة بركاته شفعاً يبادر بذلها شفعاءها كالغيث صب على البسيطة صوبه فسقى عمائرها وجاد قواءها ينميه عبد الواحد الأراضي إلى عليا فتمنح بأسها وسخاءها في نبعة كرمت وطابت مغرساً وسمت وطالت نضرة نظراءها ظهرت لمحتدها السماء وجاوزت لسرادقات فخارها جوزاءها فئة كرام لا تكف عن الوغى حتى تصرع حولها أكفاءها وتكب في النار القرى فوق الذرى من عزة ألويها وكباءها (4/482) ________________________________________ قد خلقوا الأيام طيب خلائق فثنت إليهم حمدها وثناءها ينضون في طلب النفائس أنفساً حبسوا على إحرازها إمضاءها وإذا انتضوا يوم الكريهة بيضهم أبصرت فيهم قطعها ومضاءها لا عذر عند المكرمات لهم متى لم تستبن لعفاتهم عذراءها قوم الأمير فمن يقوم بما لهم من صالحات أفحمت شعراءها صفحاً جميلاً أيها الملك الرضي عن محكمات لم نطق إحصاءها تقف القوافي دونهن حسيرة لا عيها تخفي ولا إعياءها فلعل علياكم تسامح راجياً إصغاءها ومؤملاً إغضاءها في رثاء طليطلة ومن ذلك قول بعضهم يندب طليطلة أعادها الله تعالى للإسلام: لثكلك كيف تبتسم الثغور سروراً بعدما سبيت ثغور أما وأبي مصاب هد منه ثبير الدين فاتصل الثبور لقد قصمت ظهور حين قالوا أمير الكافرين له ظهور ترى في الدهر مسروراً بعيش مضى عنا لطيته السرور أليس بها أبي النفس شهم يدير على الدوائر إذ تدور لقد خضعت رقاب كن غلباً وزال عتوها ومضى النفور وهان على عزيز القوم ذل وسامح في الحريم فتى غيور طليطلة أباح الكفر منها حماها، إن ذا نبأ كبير فليس مثالها إيوان كسرى ولا منها الحورنق والسدير محصنة محسنة بعيد تناولها ومطلبها عسير ألم تك معقلاً للدين صعباً فذلله كما شاء القدير وأخرج أهلها منها جميعاً فصاروا حيث شاء بهم مصير (4/483) ________________________________________ وكانت دار إيمان وعلم معالمها التي طمست تنير فعادت دار كفر مصطفاة قد اضطربت بأهليها الأمور مساجدها كنائس، أي قلب على هذا يقر ولا يطير فيا أسفاه يا أسفاه حزناً يكرر ما تكررت الدهور وينشر كل حسن ليس يطوى إلى يوم يكون به النشور أديلت قاصرات الطرف كانت مصونات مساكنها القصور وأدركها فتور في انتظار لسرب في لواحظه فتور وكان بنا وبالقينات (1) أولى ... لو انضمت على الكل القبور لقد سخنت بحالتهن عين وكيف يصح مغلوب قرير لئن غبنا عن الإخوان إنا بأحزان وأشجان حضور نذور كان للأيام فيهم بمهلكهم فقد وفت النذور فإن قلنا العقوبة أدركتهم وجاءهم من الله النكير فإنا مثلهم وأشد منهم نجور وكيف يسلم من يجور أنأمن أن يحل بنا انتقام وفينا الفسق أجمع والفجور وأكل للحرام ولا اضطرار إليه فيسهل الأمر العسير ولكن جرأة في عقر دار كذلك يفعل الكلب العقور يزول الستر عن قوم إذا ما على العصيان أرخيت الستور يطول علي ليلي، رب خطب يطول لهوله الليل القصير خذوا ثأر الديانة وانصروها فقد حامت على القتلى النسور ولا تهنوا وسلوا كل عضب تهاب مضارباً له النحور وموتوا كلكم فالموت أولى بكم من أن تجاروا أو تجوروا أصبراً بعد سبي وامتحان يلام عليها القلب الصبور __________ (1) ص: وبالفتيات. (4/484) ________________________________________ فأم الثكل مذكار ولود وأم الصقر مقلات نزور نخور إذا دهينا بالرزايا وليس بمعجب بقر يخور ونجبن وليس نزأر، لو شجعنا ولم نجبن لكان لنا زئير لقد ساءت بنا الأخبار حتى أمات المخبرين بها الخبير أتتنا الكتب فيها كل شر وبسرنا بأنحسنا البشير وقيل تجمعوا لفراق شمل طليطلة تملكها الكفور فقل في خطة فيها صغار يشيب لكربها الطفل الصغير لقد صم السميع فلم يعول على نبإ كما عمي البصير تجاذبنا الأعادي باصطناع فينجذب المخول والفقير فباق في الديانة تحت خزي تثبطه الشويهة والبعير وآخر مارق هانت عليه مصائب دينه فله السعير كفى حزناً بأن الناس قالوا إلى أين التحول والمسير أنترك دورنا ونفر عنها وليس لنا وراء البحر دور ولا ثم الضياع تروق حسناً نباكرها فيعجبنا البكور وظل وارف وخرير ماء فلا قر هناك ولا حرور ويؤكل من فواكهها الطري ويشرب من جداولها نمير يؤدى مغرم في كل شهر ويؤخذ كل صائفة عشور فهم أحمى لحوزتنا وأولى بنا وهم الموالي والعشير لقد ذهب اليقين فلا يقين وغر القوم بالله الغرور فلا دين ولا دنيا ولكن غرور بالمعيشة ما غرور رضوا بالرق يا لله ماذا رآه وما أشار به مشير مضى الإسلام فابك دماً عليه فما ينفي الجوى الدمع الغزير ونح واندب رفاقاً في فلاة حيارى لا تحط ولا تسير ولا تجنح إلى سلم وحارب عسى أن يجبر العظم الكسير (4/485) ________________________________________ أنعمى عن مراشدنا جميعاً وما إن منهم إلا بصير ونلقى واحداً ويفر جمع كما عن قانص فرت حمير ولو أنا ثبتنا كان خيراً ولكن ما لنا كرم وخير إذا ما لم يكن صبر جميل فليس بنافع عدد كثير ألا رجل له رأي أصيل به مما نحاذر نستجير يكر إذا السيوف تناولته وأين بنا إذا ولت كرور ويطعن بالقنا الخطار حتى يقول الرمح ما هذا الخطير عظيم أن يكون الناس طراً بأندلس قتيل أو أسير أذكر بالقراع الليث حرصاً على أن يقرع البيض الذكور يبادر خرقها قبل اتساع لخطب منه تنخسف البدور يوسع للذي يلقاه صدراً فقد ضاقت بما تلقى صدور تنغصت الحياة فلا حياة وودع جيرة إذ لا مجير فليل فيه هم مستكن ويوم فيه شر مستطير ونرجو أن يتيح الله نصراً عليهم، إنه نعم النصير نونية الرندي وشيء من شعره ومن مشهور ما قيل في ذلك قول الأديب الشهير أبي البقاء صالح بن شريف الرندي رحمه الله تعالى (1) : __________ (1) هو صالح بن أبي الحسن يزيد بن صالح بن موسى بن أبي القاسم ابن علي بن شريف يكنى بأبي الطيب وأبي البقاء؛ كان فقيهاً حافظاً متفنناً في النثر والنظم؛ وله مقامات ومختصر في الفرائض وكتاب اسمه الوافي (أو الكافي) في نظم القوافي (منه عدة مخطوطات، إحداها بالرباط رقم ك: 1730) انظر ترجمته في الذيل والتكملة 4: 137 ومسالك الأبصار 11: 480 والإحاطة (المخطوطة المغربية: 179 ونسخة الإسكوريال رقم: 1683 ومجلة معهد الدراسات الإسلامية 6: 211). (4/486) ________________________________________ لكل شيء إذا ما تم نقصان فلا يغر بطيب العيش إنسان هي الأمور كما شاهدتها دول من سره زمن ساءته أزمان وهذه الدار لا تبقي على أحد ولا يدوم على حال لها شان يمزق الدهر حتماً كل سابغة إذا نبت مشرفيات وخرصان وينتضي كل سيف للفناء ولو كان ابن ذي يزن والغمد غمدان أين الملوك ذوو التيجان من يمن وأين منهم أكاليل وتيجان وأين ما شاده شداد في إرم وأين ما ساسه في الفرس ساسان وأين ما حازه قارون من ذهب وأين عاد وشداد وقحطان أتى على الكل أمر لا مرد له حتى قضوا فكأن القوم ما كانوا وصار ما كان من ملك ومن ملك كما حكى عن خيال الطيف وسنان دار الزمان على دارا وقاتله وأم كسرى فما آواه إيوان كأنما الصعب لم يسهل له سبب يوماً ولا ملك الدنيا سليمان فجائع الدهر أنواع منوعة وللزمان مسرات وأحزان وللحوادث سلوان يسهلها وما لما حل بالإسلام سلوان دهى الجزيرة أمر لا عزاء له هوى له أحد وانهد ثهلان أصابها العين في الإسلام فامتحنت حتى خلت منه أقطار وبلدان فاسأل بلنسية ما شأن مرسية وأين شاطبة أم أين جيان وأين قرطبة دار العلوم، فكم من عالم قد سما فيها له شان وأين حمص وما تحويه من نزه ونهرها العذب فياض وملآن قواعد كن أركان البلاد فما عسى البقاء إذا لم تبق أركان تبكي الحنيفية البيضاء من أسف كما بكى لفراق الإلف هيمان على ديار من الإسلام خالية قد أقفرت ولها بالكفر عمران حيث المساجد قد صارت كنائس ما فيهن إلا نواقيس وصلبان حتى المحاريب تبكي وهي جامدة حتى المنابر ترثي وهي عيدان (4/487) ________________________________________ يا غافلاً وله في الدهر موعظة إن كنت في سنة فالدهر يقظان وماشياً مرحاً يلهيه موطنه أبعد حمص تغر المرء أوطان تلك المصيبة أنست ما تقدمها وما لها مع طول الدهر نسيان يا راكبين عتاق الخيل ضامرة كأنها في مجال السبق عقبان وحاملين سيوف الهند مرهفة كأنها في ظلام النقع نيران وراتعين وراء البحر في دعة لهم بأوطانهم عز وسلطان أعندكم نبأ من أهل أندلس فقد سرى بحديث القوم ركبان كم يستغيث بنا المستضعفون وهم قتلى وأسرى فما يهتز إنسان ماذا التقاطع في الإسلام بينكم وأنتم يا عباد الله إخوان ألا نفوس أبيات لها همم أما على الخير أنصار وأعوان يا من لذلة قوم بعد عزهم أحال حالهم كفر وطغيان بالأمس كانوا ملوكاً في منازلهم واليوم هم في بلاد الكفر عبدان فلو تراهم حيارى لا دليل لهم عليهم من ثياب الذل ألوان ولو رأيت بكاهم عند بيعهم لهالك الأمر واستهوتك أحزان يا رب أم وطفل حيل بينهما كما تفرق أرواح وأبدان وطفلة مثل حسن الشمس إذ طلعت كأنما هي ياقوت ومرجان يقودها العلج للمكروه مكرهة والعين باكية والقلب حيران لمثل هذا يذوب القلب من كمد إن كان في القلب إسلام وإيمان انتهت القصيدة الفريدة، ويوجد بأيدي الناس زيادات فيها ذكر غرناطة وبسطة وغيرهما مما أخذ من البلاد بعد موت صالح بن شريف، وما اعتمدته منها نقلته من خط من يوثق به على ما كتبته، ومن له أدنى ذوق علم أن ما يزيدون فيها من الأبيات ليست تقاربها في البلاغة، وغالب ظني أن تلك الزيادة لما أخذت غرناطة وجميع بلاد الأندلس إذ كان أهلها يستنهضون همم الملوك (4/488) ________________________________________ بالمشرق والمغرب، فكأن بعضهم لما أعجبته قصيدة صالح بن شريف زاد فيها تلك الزيادات، وقد بينت ذلك في " أزهار الرياض " (1) فليراجع. وصالح بن شريف الرندي صاحب القصيدة من أشهر أدباء الأندلس، ومن بديع نظمه قوله (2) : سلم على الحي بذات العرار وحي من أجل الحبيب الديار وخل من لام على حبهم فما على العشاق في الذل عار ولا تقصر في اغتنام المنى فما ليالي الأنس إلا قصار وإنما العيش لمن رامه نفس تدارى وكؤوس تدار وروحه الراح وريحانه في طيبه بالوصل أو بالعقار لا صبر للشيء على ضده والخمر والهم كماء ونار مدامة مدنية للمنى في رقة الدمع ولون النضار مما أبو ريق أباريقها تنافست فيها النفوس الكبار معلتي والبرء من علتي ما أطيب الخمرة لولا الخمار ما أحسن النار التي شكلها كالماء لو كف شرار الشرار وبي وإن عذبت في حبه ببعده على اقتراب المزار ظبي غرير نام عن لوعتي ولا أذوق النوم إلا غرار ذو وجنة كأنها روضة قد بهر الورد بها والبهار رجعت للصبوة في حبه وطاعة اللهو وخلع العذار يا قوم قولوا بذمام الهوى أهكذا يفعل حب الصغار وليلة نبهت أجفانها والفجر قد فجر نهر النهار والليل كالمهزوم يوم الوغى والشهب مثل الشهب عند الفرار __________ (1) أزهار الرياض 1: 47. (2) بعضها في الإحاطة: 186. (4/489) ________________________________________ كأنما استخفى السها خيفة وطولب النجم بثار فثار لذاك ما شابت نواصي الدجى وطارح النسر أخاه فطار وفي الثريا قمر سافر عن غرة غير منها السفار كأن عنقوداً تثنى به (1) ... إذ صار كالعرجون عند السرار كأنها تسبك ديناره وكفها يفتل منه السوار كأنما الظلماء مظلومة تحكم الفجر عليها فجار كأنما الصبح لمشتاقه عز غنى من بعد ذل افتقار كأنما الشمس وقد أشرقت وجه أبي عبد الإله استنار محمد محمد كاسمه شخص له في كل معنى يشار أما المعالي فهو قطب لها والقطب لا شك عليه المدار مؤثل المجد صريح العلا مهذب الطبع كريم النجار تزهى به لخم وساداتها وتنتمي قيس له في الفخار يفيض من جود يديه على عافيه ما منه تحار البحار اليمن من يمناه حكم جرى واليسر من شيمة تلك اليسار أخ صفا منه لنا واحد فالدهر مما قد جنى في اعتذار فإن شكرنا فضله مرة فقد سكرنا من نداه مرار ونحن منه في جوار العلا تدور للسعد بنا منه دار الحافظ الله وأسماؤه لذلك الجار وذاك الجوار رسالة ابن عميرة إلى ابن الأبار في سقوط بلنسية رجع - وقد رأيت أن أثبت هنا رسالة خاطب بها الكاتب البارع القاضي أبو المطرف ابن عميرة المخزومي الشيخ أبا عبد الله ابن الأبار، يذكر له __________ (1) الإحاطة: بها ماثل. (4/490) ________________________________________ أخذ العدو مدينة بلنسية وهي (1) : ألا فيئة للدهر تدنو بمن نأى وبقيا يرى منها خلاف الذي رأى ويا من عذيري منه، يغدر من أوى ... إليه ولا يدري سوى خلف من وأى (2) ذخائر ما في البر والبحر صيده فلا لؤلؤاً أبقى عليه ولا وأى أيها الأخ الذي دهش ناظري لكتابه، بعد أن أدهش خاطري من إغبابه، وسرني من بشره إيماض، بعد أن ساءني من جهته إعراض، جرت على ذكره الصلة فقوم قدح نبعتها، وروى أكناف تلعتها، وأحدث ذكراً من عهدنا الماضي فنقط وجه عروسه، وشعشع خمر كؤوسه، وسقى بماء الشبيبة ثراه، وأبرز مثل مرآة الغريبة مرآه، فبورك فيه أحوذياً وصل رحمه، وكسا منظره من البهجة ما كان حرمه، وحيا الله تعالى منه ولياً على سالف عهدي تمادى، وبشعار ودي نادى، وبين الإحسان شيمته،وأبان والبيان لا تنجاب عنه ديمته، ولا تغلو بغير قلمه قيمته، واعتذر عن كلمة تمنى تبديلها، ودعوة ذكر وجوم النادي لها، ثم أرسلها ترجف بوادرها من خيفة، وتوغر بوغم (3) صدر قلم وصحيفة، وتنذر من ريحانه قريش أن تمنعه عرفها، وتحدق إليه طرفها، واتقى غارة على غرة، من الناجي برأس طمرة، ولم يأمن هجران المهاجر بعد وصله، وعكر عكرمة المغطي بحلمه على أبي جهله، وعند ذكر كتيبة خالد أجحم، وذكر يوم أحاطت به فارس فاستلحم، فاعتذر عما قال، وأضمر الحذر إلا أن يقال، فمهلاً أيها الموفي على علمه، النافث بسحر قلمه، أتظن منزلتك في البلاغة ومهيعها لاحب، ومنزعها بالعقول لاعب، تسفل وقد ترفعت، أو تخفى وإن تلفعت، عرفناك يا سودة، وشهرت حلة __________ (1) ورد بعض هذه الرسالة في الروض المعطار: 48. (2) وأي: وعد. (3) في الأصول: رغم؛ والوغم: الحقد والترة. (4/491) ________________________________________ عطارد الملاحة والجودة، فلم حين تهيب الأخ الأوحد من قصي غطاريفها، ولو استثار من حفائظها تالدها وطريفها، لم يذكر يد قومه عند أبيها، وقد رام خطة أشرف على تأبيها، حين أهاب بكم لمهمه، ودعا منكم أخاه لأمه، ولولا ذلك لما خلا له وجه الكعبة، ولا خلص من تلك المضايق الصعبة، وبأن أعرتموه نجدتكم الموصوفة، غلب على ما كان بأيدي صوفة، فكيف نجحد اليد عند عمنا، أو نشحذ أسنة الألسنة لذمنا، أو كيف نلقاكم بجدنا، وأبوكم أبو بكر معدنا، وما تيامنكم إلى سبأ بن يشجب (1) ، وإن أطلنا فيه التعجب، بالذي يقطع أرحامنا، ويمنع اشتباكنا والتحامنا، بعد أن شددنا فعالنا بفعالكم، ورأينا أقدامنا في نعالكم، ولو شئتم توعدتم بأسود سؤددكم عند الإقدام، وإلحاح إلحافكم في ضرب الهام، لكن نقول إن قومنا لكرام، ولو شاءوا كان لنا منهم شرة وعرام. وأعود من حيث بدأ الأخ الذي أبثه شوقي، وأتطعم حلاوة عشرته باقية في حاسة ذوقي، طارحني (2) حديث مورد جف، وقطين خف، فيا لله لأتراب درجوا، وأصحاب عن الأوطان خرجوا، قصت الأجنحة وقيل طيروا، وإنما هو القتل أو الأسر أو تسيروا، فتفرقوا أيدي سبا، وانتشروا ملء الوهاد والربى، ففي كل جانب عويل وزفرة، وبكل صدر غليل وحسرة، ولكل عين عبرة، لا ترقأ من أجلها عبرة، داء خامر بلادنا حين أتاها، وما زال بها حتى سجى على موتاها، وشجا ليومها الأطول كهلها وفتاها، وأنذر بها في القوم بحران أنيجة (3) ، يوم أثاروا أسدها المهيجة، فكانت تلك الحطمة طل الشؤبوب، وباكورة البلاء المصبوب، أثكلتنا إخواناً أبكانا نعيهم، ولله أحوذيهم __________ (1) بعد أن ألمع مآثر مخزوم وذكر بعض رجالها، عاد يتحدث عن قضاعة ومواقفها، ثم تحولها بنسبها إلى يمن. (2) من هنا في الروض المعطار. (3) يريد أن البحران (أي المرض) الذي أصاب أنيجة كان إنذاراً بما بعده من سقوط بلنسية. (4/492) ________________________________________ وألمعيهم، ذاك أبو ربيعنا (1) ، وشيخ جميعنا، سعد بشهادة يومه، ولم ير ما يسوءه في أهله وقومه، وبعد ذلك أخذ من الأم بالمخنق، وهي بلنسية ذات الحسن والبهجة والرونق، وما لبث أن أخرس من مسجدها لسان الأذان، وأخرج من جسدها روح الإيمان، فبرح الخفاء، وقيل: على آثار من ذهب العفاء، وانعطفت النوائب مفردة ومركبة كما تعطف الفاء، فأودت الخفة والحصافة، وذهب الجسر والرصافة، ومزقت الحلة والثملة، وأوحشت الجرف والرملة، ونزلت بالحارة وقعة الحرة، وحصلت الكنيسة (2) من جآذرها وظبائها على طول الحسرة، فأين تلك الخمائل ونضرتها، والجداول وخضرتها، والأندية وأرجها، والأودية ومنعرجها، والنواسم وهبوب مبتلها، والأصائل وشحوب معتلها، دار ضاحكت الشمس بحرها وبحيرتها، وأزهار ترى من أدمع الطل في أعينها ترددها وحيرتها، ثم زحفت كتيبة الكفر بزرقها وشقرها، حتى أحاطت بجزيرة شقرها، فآهاً لمسقط الرأس هوى نجمه، ولفادح الخطب سرى كلمه، ويا لجنة أجرى الله تعالى النهر تحتها، وروضة أجاد أبو إسحاق (3) نعتها، وإنما كانت داره التي فيها دب، وعلى أوصاف محاسنها أكب، وفيها أتته منيته كما شاء وأحب، ولم تعدم بعده محبين قشيبهم إليها ساقوه، ودمعهم عليها أراقوه، وقد أثبت من النظم ما يليق بهذا الموضع، وإن لم يكن له ذلك الموقع: أقلوا ملامي أو فقولوا وأكثروا ملومكم عما به ليس يقصر وهل غير صب ماتني عبراته إذا صعدت أنفاسه تتحدر يحن وما يجدي عليه حنينه إلى أربع معروفها متنكر __________ (1) هو أبو الربيع ابن سالم شيخ ابن الأبار الذي استشهد في أنيجة مقبلاً غير مدبر وهو يحض الناس على القتال، وقد طعن في السن. (2) يعدد أبو المطرف هنا المعالم البارزة في بلنسية. (3) يعني ابن خفاجة وهو بلدي أبي المطرف فهما من جزيرة شقر. (4/493) ________________________________________ ويندب عهداً بالمشقر فاللوى وأين اللوى منه وأين المشقر تغير ذاك العهد بعدي وأهله ومن ذا على الأيام لا يتغير وأقفر رسم الدار إلا بقية لسائلها عن مثل حالي تخبر فلم تبق إلا زفرة إثر زفرة ضلوعي لها تنقد أو تتفطر وإلا اشتياق لا يزال يهزني فلا غاية تدنو ولا هو يفتر أقول لساري البرق في جنح ليلة كلانا بها قد بات يبكي ويسهر تعرض مجتازاً فكان مذكراً بعهد اللوى والشيء بالشيء يذكر أتأوي لقلب مثل قلبك خافق ودمع سفوح مثل قطرك يقطر وتحمل أنفاساً كومضك نارها إذا رفعت تبدو لمن يتنور يقر بعيني أن أعاين من نأى لما أبصرته منك عيناي تبصر وأن يتراءاك الخليط الذين هم بقلبي وإن غابوا عن العين حضر كفى حزناً أنا كأهل محصب بكل طريق قد نفرنا وننفر وأن كلينا من مشوق وشائق بنار اغتراب في حشاه تسعر ألا ليت شعري والأماني ضلة وقولي ألا ليت شعري تحير هل النهر عقد للجزيرة مثلما عهدنا وهل حصباؤه وهي جوهر وهل للصبا ذيل عليه تجره فيزور عليه موجه المتكسر وتلك المغاني هل عليها طلاوة بما راق منها أو بما رق تسحر ملاعب أفراس الصبابة والصبا تروح إليها تارة وتبكر وقبلي ذاك النهر كانت معاهد بها العيش مطلول الخميلة أخضر بحيث بياض الصبح أزار جيبه تطيب وأردان النسيم تعطر ليال بماء الورد ينضح ثوبها وطيب هواء فيه مسك وعنبر وبالجبل الأدنى هناك خطى لنا إلى اللهو لا تكبو ولا تتعثر جناب بأعلاه بهار ونرجس فأبيض مفتر الثنايا وأصفر وموردنا في قلب قلت كمقلة حذاراً علينا من قذى العين تستر (4/494) ________________________________________ وكم قد هبطنا القاع نذعر وحشه ويا حسنه مستقبلاً حين يذعر نقود إليه طائعاً كل جارح له منخر رحب وخصر مضمر إذا ما رميناه به عبثت به مؤللة الأطراف عنهن تكشر تضم لأروى النيق حزان سهلها وقد فقدت فيها مهاة وجؤذر كذاك إلى أن صاح بالقوم صائح وأنذر بالبين المشتت منذر وفرقهم أيدي سبا وأصابهم على غرة منهم قضاء مقدر ونعود إلى حيث كنا من تبدد شمل الجيرة، وطي بساط الجزيرة: أما شاطبة فكانت من قصبتها شوساء الطرف، وببطحائها عروساً في نهاية الظرف، فتخلى عن الذروة من أخلاها، وقيل الكافر: شأنك وأعلاها، فقبل أن تضع الحرب أوزارها، كشط عنها إزارها، فاستحل الحرمة أو تأولها، وما انتظر أقصر المدة ولا أطولها، وأما تدمير فجاد عودها على الهصر، وأمكنت عدوها من القصر، فداجى الكفر الإيمان، وناجى الناقوس الأذان، وما وراءها من الأصقاع التي باض الكفر فيها وفرخ، وأنزل بها ما أنسى التاريخ ومن أرخ، فوصفكم على الحادثة فيها أتى، وفي ضمان القدرة الانتصاف من عدو عثا وعتا، وإنا لنرجوها كرة تفك البلاد من أسرها، وتجبرها بعد كسرها، وإن كانت الدولة العامرية منعت بالقراع ذمارها، ورفعت على اليفاع نارها، فهذه العمرية بتلك المنقبة أخلق، والعدو لها أهيب ومنها أفرق، وما يستوي نسب مع البقل نبت، وبالمستفيض من النقل ما ثبت، وآخر علت سماؤه على اللمس، ورسا ركنه في الإسلام رسو قواعده الخمس، وكان كما قال أبو حنيفة في خبر المسح: جاءنا مثل الشمس، والأيام العمرية هي أم الوقائع المحكية، ومن شاء عدها من اليرموكية إلى الأركية، وهذه الأيام الزاهرة هي زبدة حلاوتها، وسجدة تلاوتها، وإمامتها العظمى أيدها الله تعالى، تمهل الكافر مدة إملائه، ثم تشفي الإسلام من دائه، وتطهر الأرض بنجس دمائه، بفضل الله تعالى، المرجو (4/495) ________________________________________ زيادة نعمه قبلها وآلائه. راجعت سيدي مؤدياً ما يجب أداؤه، ومقتدياً وما كل أحد يحسن اقتداؤه، وإنما ناضلت ثعلباً (1) ، وعهدي بالنضال قديم، وناظرت جدلياً، وما عندي للمقال تقديم، وأطعته في الجواب ولقريحتي يعلم الله تعالى نكول، ورويتي لولا حق المسألة بطير الحوادث المرسلة عصف مأكول، أتم الله تعالى عليه آلاءه، وحفظ مودته وولاءهن ومتع بخلته الكريمة أخلاءه، بمنه، والسلام؛ انتهت الرسالة. ورأيت في رحلة ابن رشيد لما ذكر أبا المطرف ما صورته: وأما الكتابة فقد كان حامل لوائها، كما قال بعض أصحابنا: ألان الله تعالى له الكلام، كما ألان الحديد لداود عليه السلام، وأخبرني شيخنا أبو بكر أن شيخه أبا المطرف رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم، فأعطاه حزمة أقلام، وقال: استعن بهذه على كتابتك، أو كما قال صلى الله عليه وسلم؛ انتهى. رسالة ابن الأبار التي أجاب أبو المطرف عنها وبعد كتبي لهذه الرسالة رأيت أن أذكر رسالة الحافظ ابن الأبار التي هذه جواب عنها، وهي من غرض ما نحن فيه فلنقتبس نور البلاغة منها، وهي: سيدي وإن وجم لها النادي، وجمجم بها المنادي، ذلك لصغرها عن كبره في المعارف الأعلام، وصدرها يوغر صدور الصحائف والأقلام، وأعيذ ريحانة قريش، أن تروح من حفيظتها في جيش، قد هابتها مغاوير كل حي، وأجابتها الغطاريف من قصي، تدلف بين يديها كتيبة خالد، وتحلف لا قدحت نار الهيجاء بزند صالد، أو تنصف من غامطها، وتقذف به وسط غطامطها (2) ، __________ (1) أي من بني ثعل وهم مضرب المثل في رمي السهام. (2) الغطامط: الموج المرتفع. (4/496) ________________________________________ لا جرم أني من جريمتي حذر، وعما وضحت به قيمتي للمجد معتذر، إلا أن يصوح من الروض نبته وجناته، ويصرح بالقبول حلمه وأناته، الحديث عن القديم شجون، والشأن بتقاضي الغريم شؤون، فلا غرو أن أطارحه إياه، وأفاتحه الأمل في لقياه، ومن لي بمقالة مستقلة، أو إخالة غير مخلة، أبت البلاغة إلا عمادها، وعلى ذلك فاستنبئ عمادها: درجت اللدات والأتراب، وخرجت الروم بنا إلى حيث الأعراب، أيام دفعنا لأعظم الأخطار، وفجعنا بالأوطان والأوطار، فإلام نداري برح الألم، وحتام نساري النجم في الظلم، جمع أوصاب ما له من انفضاض، ومضض اغتراب شذ عن ابن مضاض (1) ، فلو سمع الأول بهذا الحادث، ما ضرب المثل بالحارث، يا لله من جلاء ليس به يدان، وثناء قلما يسفر عن تدان، وعد الجد العاثر لقاءه فأنجز، ورام الجلد الصابر انقضاءه فأعجز، هؤلاء الخوان، مكثهم لا يمتع به أوان، وبينهم كنبت الأرض ألوان، بين هائم بالسرى، ونائم في الثرى، من كل صنديد بطل، أو منطيق غير ذي خطإ ولا خطل، قامت عليه النوادب، لما قعدت النوائب، وهجمت بيوتها لمنعاه الجماجم والذوائب، وأما الأوطان المحبب عهدها بحكم الشباب، المشبب فيها بمحاسن الأحباب، فقد ودعنا معاهدها وداع الأبد، وأخنى عليها الذي أخنى على لبد، أسلمها الإسلام، وانتظمها الانتثار والاصطلام، حين وقعت أنسرها الطائرة، وطلعت أنحسها الغائرة، فغلب على الجذل الحزن، وذهب مع المسكن السكن: كزعزع الريح صك الدوح عاصفها فلم يدع من جنى فيها ولا غصن واهاً وآهاً يموت الصبر بينهما موت المحامد بين البخل والجبن أين بلنسية ومغانيها، وأغاريد ورقها وأغانيها، أين حلى رصافتها __________ (1) يريد الحارث بن مضاض الجرهمي وله في تفرق جرهم قصيدة باكية؛ ولكن أين تفرق قومه مما حل ببلنسية (4/497) ________________________________________ وجسرها، ومنزلا عطائها ونصرها أين أفياؤها تندى غضارة، وذكاؤها تبدو من خضارة أين جداولها الطفاحة وخمائلها أين جنائبها النفاحة وشمائلها شد ما عطل من قلائد أزهارها نحرها، وخلعت شعشعانية ضحاها بحيرتها وبحرها، فأية حلية لا حيلة في صرفها مع صرف الزمان، وهل كانت حتى بانت إلا رونق الحق وبشاشة الإيمان، ثم لم يلبث داء عقرها، أن دب إلى جزيرة شقرها، فأمر عذبها النمير، وذوى غصنها النضير، وخرست حمائم أدواحها، وركدت نواسم أرواحها، ومع ذلك اقتحمت من الأيام دانية، فنزحت قطوفها وهي دانية، ويا لشاطبة وبطحائها، من حيف الأيام وإنحائها، وا لهفاه ثم لهفاه على تدمير وتلاعها، وجيان وقلاعها، وقرطبة ونواديها، وحمص وواديها، كلها رعي كلؤها، ودهي بالتفريق والتمزيق ملؤها، عض الحصار أكثرها، وطمس الكفر عينها وأثرها، وتلك إلبيرة بصدد البوار، ورية في مثل حلقة السوار، ولا مرية في المرية وخفضها على الجوار، إلى بنيات، لواحق بالأمهات، ونواطق بهاك لأول هاتف بهات. ما هذا النفخ بالمعمور أهو نفخ في الصور أم النفر عارياً من الحج المبرور وما لأندلس أصيبت بأشرافها، ونقصت من أطرافها قوض عن صوامعها الأذان، وصمت بالنواقيس فيها الآذان، أجنت ما لم تجن الأصقاع أعقت الحق فحاق بها الإيقاع كلا بل دانت للسنة، وكانت من البدع في أحصن جنة: هذه المروانية مع اشتداد أركانها، وامتداد سلطانها، ألقت حب آل النبوة في حبات القلوب، وألوت ما ظفرت من خلعه ولا قلعه بمطلوب، إلى المرابطة بأقاصي الثغور، والمحافظة على معالي الأمور، والركون إلى الهضبة المنيعة، والروض المريعة، من معاداة الشيعة، وموالاة الشريعة، فليت شعري بم استوثق تمحيصها ولم تعلق بعموم البلوى تخصيصها اللهم غفراً طالما ضر ضجر، ومن الأنباء ما فيه مزدجر، جرى بما لم نقدره المقدور، فما عسى أن ينفث به المصدور وربنا الحكيم العليم، فحسبنا (4/498) ________________________________________ التفويض له والتسليم، ويا عجباً لبني الأصفر أنسيت مرج الصفر، ورميها يوم اليرموك بكل أغلب غضنفر دع ذا فالعهد به بعيد، ومن اتعظ بغيره فهو سعيد، هلا تذكرت العامرية وغزواتها، وهابت العمرية وهبواتها، أما الجزيرة بخيلها محدقة، وبأحاديث فتحها مصدقة، هذا الوقت المرتقب، والزمان الذي زجيت له الشهور والحقب، وهذه الإمامة أيدها الله تعالى هي المنقذة من أسرها، والمنفذة لسلطانهم مراسم نصرها، فيتاح الأخذ بالثار، ويزاح عن الجنة أهل النار، ويعلم الكافر لمن عقبى الدار. حاورت سيدي بمثار الفاجي الفاجع، وحاولت برء الجوى من جوابه بالعلاج الناجع، وبودي لو تقع في الأرجاء مصاقبة، فترفع من الأرزاء معاقبة، أليس لدبه أسو المكلوم، وتدارك المظلوم وبيديه أزمة المنثور والمنظوم: خيال يختر( ) في إقناع إياد، وصوغ ما لم يخطر على قلب زيد ولا بخاطر زياد، بست الجبال الطوامح فما بست وأبو فتحها (1) ، وغيضت البحار الطوافح فمن يعبأ بالركايا ومتحها، أين أبو الفضل ابن العميد من العماد الفاضل، وصمصامة عمرو من قلمه الفاصل هذا مدرهها الذي فعل الأفاعيل، وأحمدها (2) الذي سما على إبراهيم وإسماعيل (3) ، وهما إماما الصناعة، وهماما البراعة واليراعة، بهما فخر من نطق بالضاد، وبسببها حسدت الحروف الصاد، لكن دفعهم بالراح، وأعرى مدرعهم من المراح، وشرف دونهم ضعيف القصب على صم الرماح، أبقاه الله تعالى وبيانه صادق الأنواء، وزمانه كاذب الأسواء، ولا زال مكانه مجاوزاً ذؤابة الجوزاء، وإحسانه مكافأ بأحسن الجزاء، والسلام. __________ (1) يشير إلى أبي الفتح البستي؛ وفي الأصول: " لما " . (2) أحدهما: هو أحمد بن عميرة المخزومي، يريد أنه تفوق في النثر على أولئك الأعلام. (3) إبراهيم هو الصابي أبو إسحاق، وإسماعيل هو الصاحب بن عباد. (4/499) ________________________________________ فصول من درر السمط لابن الأبار وقد عرفت بابن الأبار في " أزهار الرياض " بما لا مزيد عليه، غير أني رأيت هنا أن أذكر فصولاً مجموعة من كلامه في كتابه المسمى ب " درر السمط في خبر البسط " . قال رحمه الله تعالى (1) : رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت، فروع النبوة والرسالة، وينابيع السماحة والبسالة، صفوة آل أبي طالب، وسراة (2) بني لؤي بن غالب الذين حباهم (3) الروح الأمين، وحلاهم الكتاب المبين، فقل في قوم شرعوا الدين القيم، ومنعوا اليتيم أن يقهر والأيم،ما قد من أديم آدم أطيب من أبيهم طينة،ولا أخذت الأرض أجمل من مساعيهم زينة، لولاهم ما عبد الرحمن، ولا عهد الإيمان، وعقد الأمان، ذؤابة غير أشابة، فضلهم ما شأنه نقص ولا شايه، سرارة محلتهم سر المطلوب، وقرارة محبتهم حبات القلوب،أذهب الله عنهم الرجس، وشرف بخلقهم الجنس، فإن تميزوا فبشريعتهم البيضاء، أو تحيزوا فلعشيرتهم الحمراء،من كل يعسوب الكتيبة، منسوب لنجيب ونجيبة، نجاره الكرم، وداره الحرم، نمته العرانين من هاشم إلى النسب الأصرح الأوضح (4) ، إلى نبعة فرعها في السماء ومغرسها سرة الأبطح، أولئك السادة أحيي وأفدي، والشهادة بحبهم أوفي وأودي، ومن يكتمها فإنه آثم قلبه . فصل (5) - ما كانت خديجة لتأتي بخداج (6) ، ولا الزهراء لتلد إلا أزاهر __________ (1) درر السمط: الورقة الأولى. (2) الدرر: وسرارة. (3) الدرر: حياهم. (4) الأوضح: سقطت من الدرر. (5) الدرر: 15. (6) الخداج: الناقص. (4/500) ________________________________________ كالسراج، مثل النحلة لا تأكل إلا طيباً، ولا تضع إلا طيباً، خلدت بنت خويلد ليزكو عقبها من الحاشر العاقب (1) ، ويسمو مرقبها على النجم الثاقب، لم تخد بمثلها المهارى، ولم يلد له عيرها من المهارى، آمت من بعولتها قبلة، لتصل السعادة بحبلها حبله، ملاك العمل خواتمه، رب ربات حجال، أنفذ من فحول رجال: وما التأنيث لاسم الشمس عيبٌ ... ولا التذكير فخرٌ للهلال (2) هذه خديجة من أخيها حزام أحزم، ولشعار الصدق من شعارات القص ألزم، ركنت إلى الركن الشديد، وسددت للهدى كما هديت للتسديد، يوم نبىء خاتم الأنبياء، وأنبىء بالنور المنزل عليه والضياء. فصل (3) - وكان قبيل المبعث، وبين يدي لم الشعث، يثابر على كل حسنى وحسنة، ويجاور شهراً من كل سنة، يتحرى حراء بالتعهد، ويزجي تلك المدة في التعبد، وذلك الشهر المقصور على التبرر، المقدور فيه رفع التضرر، شهر رمضان، المنزل (4) فيه القرآن، فبيناه، لاينام قلبه وإن نامت عيناه، جاءه الملك مبشراً بالنجح، وقد كان لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح،فغمره بالكلاءة، وأمره بالقراءة، وكلما تحبس له غطه ثم أرسله، وإذا أراد الله بعبد خيراً عسله: تريدين إدراك المعالي رخيصة ولا بدّ دون الشهد من إبر النحل كذلك حتى عاذ بالأرق من الفرق، وقد علق فاتحة العلق، فلا يجري __________ (1) الحاشر العاقب من أسماء الرسول (ص). (2) من قصيدة المتنبي في رثاء أم سيف الدولة. (3) الدرر: 18. (4) الدرر: الذي أنزل. (4/501) ________________________________________ غيرها على لسانه، وكأنما كتب في جنانه. فصل (1) - ولما أصبح يؤم الأهل، وتوسط الجبل يريد السهل، وقد قضى الأجل،وما نضا الوجل،نوجي بما في الكتاب المسطور، ونودي كما نودي موسى من جانب الطور،فعرض له في طريقه،ما شغله عن فريقه، فرفع رأسه متأملاً، فأبصر الملك في صورة رجل متمثلاً يشرفه بالنداء، ويعرفه بالاجتباء، وإنما عضد خبر الليلة بعيان اليوم، وأري في اليقظة مصداق ما أسمع في النوم، ليحق الله الحق بكلماته، وعلى ما ورد في الأثر، وسرد رواة السير، فذلك اليوم كان عيد فطرنا الآن وغير بدع ولا بعيد، أن يبدأ الوحي بعيد كما ختم بعيد " اليوم أكملت لكم دينكم " المائدة:3 فبهت عليه السلام لما سمعه وراءه، وثبت لا يتقدم أمامه ولا يرجع وراءه: وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متقدمٌ عنه ولا متأخر (2) ثم جعل في الخوف والرجاء (3) ، لايقلب وجهه في السماء، إلا تعرض له في تلك الصورة، وعرض عليه ما أعطاه الله سبحانه من السورة، فيقف موقف التوكل، ويمسك حتى عن التأمل (4) : تتوق إليك النفس ثم أردها حياء، ومثلي بالحياء حقيق أذود سوام (5) الطرف عنك، وما له ... إلى أحد إلا إليك طريق فصل (6) - وفطنت خديجة لاحتباسه، فأمعنت في التماسه، تزوجوا الودود __________ (1) الدرر: 20. (2) البيت مغير القافية وصوابه " متأخر عنه ولا متقدم " وهو لأبي الشيص الخواعي. (الأغاني 15: 336 والشعر والشعراء: 722). (3) الدرر: بين الرجاء والخوف. (4) الشعر للمجنون (ديوانه: 207). (5) الديوان: أرد سواء. (6) الدرر: 24. (4/502) ________________________________________ الولود، ولفورها بل لفوزها بعثت في طلبه رسلها، وانبعثت تأخذ عليه شعاب مكة وسبلها: إن المحب إذا لم يستزر زارا طال عليها الأمد، فطار إليها الكمد، والمحب حقيقة، من لايفيق فيقة، بالنفس النفيسة سماحه وجوده، وفي وجود المحبوب الأشرف وجوده (1) : كأن بلاد الله ما لم تكن بها وإن كان فيها الخلق طراً بلا نقع أقضي نهاري بالحديث وبالمنى ويجمعني والهم بالليل حامع نهاري نهار الناس حتى إذا دجا لي الليل هزتني إليك المضاجع لقد ثبتت في القلب منك محبة كما ثبتت في الراحتين الأصابع فصل (2) - وبعد لأي ما ورد عليها، وقعد مضيفاً إليها، فطفقت بحكم الإجلال تمسح أركانه، وتفسح مجال السؤال عما خلف له مكانه، فباح لها بالسر المغيب، وقد لاح وسم الكرامة على الطيب المطيب، فعلمت أنه الصادق المصدوق، وحكمت بأنه السابق لا المسبوق، اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله، وما زالت حتى أزالت ما به من الغمة، وقالت: إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة: إني تفرست فيك الخير أعرفه والله يعلم أن ما خانني البصر أنت النبي ومن يحرم شفاعته يوم الحساب فقد أزرى به القدر لا ترهب فسوف تبهر،وسيبدو أمر الله تعالى ويظهر، أنت الذي سجعت به الكهان، ونزلت له من صوامعها الرهبان، وسارت بخبر كرامته الركبان، أنت الذي ما حملت أخف منه حامل، ودرت ببركته الشاة فإذا هي حافل: __________ (1) ينسب الشعر للمجنون (ديوانه: 185) كما ينسب لابن الدمينة (ديوانه: 88). (2) الدرر: 26. (4/503) ________________________________________ وأنت لما ولدت أشرقت ال أرض وضاءت بنورك الأفق فنحن في ذلك الضياء وفي النو ر وسبل الرشاد تخترق فصل (1) - وما لبثت أن غلقت أبوابها، وجمعت عليها أثوابها، وانطلقت إلى ورقة بن نوفل، تطلبه بتفسير ذلك المجمل، وكان يرجع إلى عقل حصيف، ويبحث عمن يبعث بالدين الحنيف،فاستبشر به ناموسا، وأخبر أنه الذي كان يأتي موسى، فازدادت إيماناً، وأقامت على ذلك زماناً، ثم رأت أن خبر الواحد قد يلحقه التنفيذ، ودرت أن المجتهد لايجوز له التقليد، طلب العلم فريضة على كل مسلم، فرجعت أدراجها في ارتياد الإقناع، وألقي في روعها إلقاء الخمار والقناع، فهناك وضح لها البرهان، وصح لها (2) أن الآتي ملك لا شيطان: تدلى عليه الروح من عند ربه ينزل من جو السماء ويرفع نشاوره فيما نريد وقصدنا إذا ما اشتهى أنا نطيع ونسمع فصل (3) - سبقت لها من الله تعالى الحسنى، فصنعت حسناً وقالت حسنا، ومن يؤمن بالله يهد قلبه، ما فتر الوحي بعدها، ولا مطل الحق الحي وعدها، وعد الله لا يخلف الله وعده، دانت لحي ذي الإسلام (4) ، فحياها الملك بالسلام من الملك السلام، من كان لله كان الله له، أغنت غناء الأبطال، فغناها (5) لسان الحال: هل تذكرين فدتك النفس مجلسنا يوم التقينا فلم أنطق من الحصر __________ (1) الدرر: 30. (2) الدرر: لديها. (3) الدرر: 32. (4) الدرر: دانت بالحق دين الإسلام. (5) الدرر: فغنتها. (4/504) ________________________________________ لا أرفع الطرف حولي من مراقبة بقياً علي، وبعض الحزم في الحذر يسرت لاحتمال الأذى والنصب، فبشرت ببيت في الجنة من قصب، هل أمنت (1) إذ آمنت من الرعب،حتى غنيت عن الشبع بما في الشعب: لا تحسب المجد تمراً أنت آكله ... لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا (2) واهاً لها احتملت عض الحصار، وما أطاقت فقد المختار: يطول اليوم لا ألقاك فيه ... وشهر (3) نلتقي فيه قصير (4) والحبيب سمع المحب وبصره، وله طول محياه وقصره: أنت كل الناس عندي فإذا غبت عن عيني لم ألق أحد مكثت للرياسة (5) مواسية وآسية، فثلثت في بحبوحة الجنة مريم وآسية، ثم ربعت البتول فبرعت، نطقت بذلك الآثار وصدعت، خير نساء العالمين أربع . فصل (6) - إلى البتول سير بالشرف التالد، وسيق الفخر بالأم الكريمة والوالد، حلت في الجيل الجيل، وتحلت بالمجد الأثيل، ثم تولت إلى الظل الظليل: وليس يصح في الأفهام شيء إذا احتاج النهار إلى دليل وأبيها إن أم أبيها، لاتجد لها شبيها، نثرة النبي، وطلة الوصي، وذات __________ (1) الدرر: ما أمنت. (2) الشعر في أمالي القالي (1: 112) لبعض العرب. (3) الدرر: وحول. (4) البيت لجميل بثينة في ديوانه: 99 وأمالي القالي 1: 202 والزهرة: 60 وروايته: يطول اليوم إن شحطت نواها، وحلو... الخ. (5) الدرر: للرسالة. (6) الدرر: 37. (4/505) ________________________________________ الشرف المستولي على الأمد القصي، كل ولد الرسول درج في حياته، وحملت هي ما حملت من آياته، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، لا فرع للشجرة المباركة من سواها، فهل جدوى أوفر من جدواها، والله أعلم حيث يجعل رسالاته، حفت بالتطهير والتكريم، وزفت إلى الكفؤ الكريم، فوردا صفو العارفة والمنة، وولدا سيدي شباب أهل الجنة، عرضت من الأمتعة الفاخرة، بسيدي الدنيا (1) والآخرة، ما أثقلنحوها طهراً، ولا بذل غير درعه مهراً، كان صفر اليدين من البيضاء والصفراء، وبحالة لا حيلة معها في إهداء الحلة السيراء، فصاهره الشارع وخالله، وقال في بعض صعلوك لا مال له، نرفع درجات من نشاء. فصل: أتنهب الأيام أفلاذ أحمد ... وأفلاذ من عاداهم تتعدد (2) ويضحى ويظما أحمد وبناته وبنت زياد وردها لا يصرد أفي دينه في أمنه في بلاده ... تضيق عليهم فسحة تتورد (3) وما الدين إلا دين جدهم الذي به أصدروا في العالمين وأوردوا انتهى ما سنح لي ذكره من " دررالسمط " وهو كتاب غاية في بابه، ولم أورد منه غير ما ذكرته، لأن في الباقي ما تشم منه رائحة التشيع، والله سبحانه يسامحه بمنه وكرمه. رجع إلى ما كنا بسبيله، فنقول: قد ذكرنا في الباب الثاني رسالة أبي المطرف ابن عميرة إلى أبي جعفر ابن أمية (4) ، وهي مشتملة على التلهف على الجزيرة الأندلسية، حين أخذ العدو بلنسية، وظهرت له مخايل الاستيلاء على ما بقي __________ (1) الدرر: بسيد في الدنيا. (2) صرح باسمه في الدرر - وهو معاوية - ولعل المقري كنى عنه تقوى وورعاً. (3) في الأصول: تتودد، وصوبناه عن الدرر. (4) انظر الجزء الأول من النفح ص: 305. (4/506) ________________________________________ من الأندلس، فراجعها فيما سبق، وإن كان التناسب التام في ذكرها هنا فالمناسبة هناك حاصلة أيضاً، والله سبحانه الموفق. وذكرنا هنالك أيضاً جملة غيرها من كلامه - رحمه الله تعالى - تتعلق بهذا المعنى وغيره، فلتراجع ثمة. نهاية الأندلس كما يصورها كتاب " جنة الرضى " لابن عاصم ورأيت أن أثبت هنا ما رأيته بخط الأديب الكاتب الحافظ المؤرخ أبي عبد الله محمد بن الحداد الوادي آشي نزيل تلمسان رحمه الله تعالى ما صورته (1) : حدثني الفقيه العدل سيدي حسن ابن القائد الزعيم الأفضل سيدي إبراهيم العراف أنه حضر مرة لإنزال الطلسم المعروف بفروج الرواح من العلية بالقصبة القديمة من غرناطة بسبب البناء والإصلاح، وأنه عاينه من سبعة معادن مكتوباً فيه: إيوان غرناطة الغراء معتبرٌ طلسمهبولاة الحال دوار وفارس روحه ريحٌ تدبره من الجماد، ولكن فيه أسرار فسوف يبقى قليلاً ثم تطرقه دهياء يخرب منها الملك والدار وقد صدق قائل هذه الأبيات، فإنه طرقت الدهياء ذلك القطر الذي ليس له في الحسن مثال، ونسل الخطب إليه من كل حدب وانثال، وكل ذلك من اختلاف رؤسائه وكبرائه، ومقدميه وقضاته وأمرائه ووزرائه، فكل يروم الرياسة لنفسه، ويجر نارها لقرصه، والنصارى - لعنهم الله تعالى - يضربون بينهم بالخداع والمكر والكيد، ويضربون عمراً منهم بزيد، حتى تمكنوا من أخذ البلاد، والاستيلاء على الطارف والتلاد. قال الرائس القاضي العلامة الكاتب الوزير أبو يحيى ابن عاصم رحمه الله تعالى في كتابه " جنة الرضى في التسليم __________ (1) انظر هذا الخبر والشعر عن الطلسم في أزهار الرياض 3: 314. (4/507) ________________________________________ لما قدر الله تعالى وقضى " ما صورة محل الحاجة منه (1) : ومن استقرأ التواريخ المنصوصة، علم أن النصارى - دمرهم الله تعالى - لم يدركوا في المسلمين ثاراً، ولم يرحضوا عن أنفسهم عاراً، ولم يخربوا من الجزيرة منازل ودياراً، ولم يستولوا عليها بلاداً جامعة وأمصاراً، إلا بعد تمكينهم لأسباب الخلاف، واجتهادهم في وقوع الافتراق بين المسلمين والاختلاف، وتضريبهم بالمكر والخديعة بين ملوك الجزيرة، وتحريشهم بالكيد والخلابة بين حماتها في الفتن المبيرة، ومهما كانت الكلمة مؤتلفة، والآراء لا مفترقة ولا مختلفة، والعلماء بمعاناة اتفاق القلوب إلى الله مزدلفة، فالحرب إذ ذاك سجال، ولله تعالى في إقامة الجهاد في سبيله رجال، وللممانعة في غرض المدافعة ميدان رحب ومجال، وروية وارتجال. إلى أن قال: وتطاولت الأيام ما بين مهادنة ومقاطعة، ومضاربة ومقارعة، ومنازلة ومنازعة، وموافقة وممانعة، ومحاربة وموادعة، ولا أمل للطاغية إلا في التمرس بالإسلام والمسلمين، وإعمال الحيلة على المؤمنين، وإضمار المكيدة للموحدين، واستبطان الخديعة للمجاهدين، وهو يظهر أنه ساعٍ للوطن في العاقبة الحسنى، وأنه منطوٍ لأهله على المقصد الأسنى، ومهتم بمراعاة أمورهم، وناظر بنظر المصلحة لخاصتهم وجمهورهم، وهو يسر حسواً في ارتغائه، ويعمل الحيلة في التماس هلك الوطن وابتغائه، فتباً لعقول تقبل مثل هذا المحال، وتصدق هذا الكذب بوجهٍ أو بحال، وليت المغرور لو يقبل هذا لو فكر في نفسه، وعرض هذا المسموع على مدركات حسه، وراجع أوليات عقله وتجريبات حدسه، وقاس عدوه التي لا ترجى مودته على أبناء جنسه، فأنا أناشده الله عل بات قط بمصالح النصارى وسلطانهم مهتماً، وأصبح من خطبٍ طرقهم مغتماً، ونظر لهم نظر المفكر في العاقبة الحسنة، أو قصد لخم قصد المدبر __________ (1) من هنا يشترك النفح مع أزهار الرياض 1: 50 - 55 في النقل عن كتاب ابن عاصم. (4/508) ________________________________________ في المعيشة المستحسنة، أو خطر على قلبه أن يحفظ في سبيل القربة أربابهم وصلبانهم، أو عمر ضميره من تمكين عزمهم بما ترضاه أحبارهم ورهبانهم، فإن لم يكن ممن يدين بدينهم الخبيث، ولم يشرب قبله حب التثليث، ويكون صادق اللهجة، منصفاً عند قيام الحجة، فسيعترف أن ذلك لم يخطر له قط على خاطر ولا مر له ببال، وأن عكس ذلك هو الذي كان به ذا اغتباط وبفعله ذا اهتبال، وإن نسب لذلك المعنى فهو عليه أثقل من الجبال، وأشد على قلبه من وقع النبال، هذا وعقده التوحيد، وصلاته التحميد، وملته الغراء، وشريعته البيضاء، ودينه الحنيف القويم، ونبيه الرؤوف الرحيم، وكتابه القرآن الحكيم، ومطلوبه بالهداية الصراط المستقيم، فكيف نعتقد هذه المريبة الكبرى، والمنقبة الشهرى، لمن عقده التثليث، ودينه المليث، ومعبوده الصليب، وتسميته التصليب، وملته المنسوخة، وقضيته المفسوخة، وختانه التغطيس، وغافر ذنبه القسيس، وربه عيسى المسيح، ونظره ليس البين ولا الصحيح، وأن ذلك الرب قد ضرج بالدماء، وسقي الخل عوض الماء، وأن اليهود قتلته مصلوباً، وأدركته مطلوباً، وقهرته مغلوباً، وأنه جزع من الموت وخاف، إلى سوى ذلك مما يناسب هذه الأقاويل السخاف، فكيف يرجى من هؤلاء الكفرة، من الخير مقدار الذرة، أو يطمع منهم في جلب المنفعة أو دفع المضرة اللهم احفظ علينا العقل والدين، واسلك بنا سبيل المهتدين. ثم قال بعد كلام ما صورته: كانت خزانة هذه الدار النصرية مشتملة على كل نفيسة من الياقوت، ويتيمة من الجوهر، وفريدة من الزمرد، وثمينة من الفيروزج، وعلى كل واقٍ من الدروع، وحامٍ من العدة، وماضٍ من الأسلحة، وفاخر من الآلة، ونادر من الأمتعة، فمن عقود فذة، وسلوك جمة، وأقراط تفضل على قرطي مارية نفاسةً فائقة وحسناً رائقاً، ومن سيوف شواذ في الإبداع غرائب في الإعجاب، منسوبات الصفائح في الطبع، خالصات الحلى من التبر، ومن دروع مقدرة السرد متلاحمة النسج، واقية للناس في يوم (4/509) ________________________________________ الحرب، مشهورة النسبة إلى داوود نبي الله، ومن جواشن سابغة اللبسة، ذهبية الحلية، هندية الضرب، ديباجية الثوب، ومن بياضات عسجدية الطرق، جوهرية التنضيد، وزبرجدية التقسيم، ياقوتية المركز، ومن نطاق لجينية الصوغ، عريضة الشكل، مزججة الصفح، ومن درق لمطية، مصمتة المسام، لينة المجسة، معروفة المنعة، صافية الأديم، ومن قسي ناصعة الصبغة، هلالية الخلقة، منعطفة الجوانب، زارية بالحواجب، إلى آلات فاخرة من أتوار (1) نحاسية، ومنابر بلورية، وطيافير (2) دمشقية، وسبحات زجاجية، وصحاف صينية، وأكواب عراقية، وأقداح طباشيرية، وسوى ذلك مما لا يحيط به الوصف، ولا يستوفيه العد، وكل ذلك التهبه شواظ الفتنة، والتقمه تيار الخلاف والفرقة، فرزئت الدار منه بما يتعذر إتيان الدهور بمثله، وتقصر ديار الملوك المؤثلة النعمة عن بعضه فضلاً عن كله؛ انتهى كلامه رحمه الله تعالى (3) . ولما أخذت قواعد الأندلس مثل قرطبة وإشبيلية وطليطلة ومرسية وغيرها انحاز أهل الإسلام إلى غرناطة والمرية ومالقة ونحوها، وضاق الملك بعد اتساعه، وصار تنين العدو يلتقم كل وقت بلداً أو حصناً، ويهصر من دوح تلك البلاد غصناً، وملك هذا النزر اليسير الباقي من الجزيرة ملوك بني الأحمر، فلم يزالوا مع العدو في تعب وممارسة كما ذكره ابن عاصم قريباً، وربما أثخنوا في الكفار كما علم في أخبارهم، وانتصروا بملوك فاس بني مرين، في بعض الأحايين. ولما قصد ملوك الإفرنج السبعة في المائة الثامنة غرناطة ليأخذوها اتفق أهلها على أن يبعثوا لصاحب المغرب من بني مرين يستنجدونه، وعينوا للرسالة الشيخ __________ (1) ص ق: أتاور؛ والأتوار: الآتية، والمفرد تور. (2) الطيافير: أطباق مستديرة عميقة قاعها مستو وحافاتها مرتفعة. (3) إلى هنا وقف النقل في أزهار الرياض. (4/510) ________________________________________ أبا إسحاق ابن أبي العاصي والشيخ أبا عبد الله الطنجالي والشيخ ابن الزيات البلشي نفع الله تعالى بهم؛ ثم بعد سفرهم نازل الإفرنج غرناطة بخمسة وثلاثين ألف فارس ونحو مائة ألف راجل مقاتل، ولم يوافقهم سلطان المغرب، فقضى الله تعالى ببركة المشايخ الثلاثة أن كسر النصارى في الساعة التي كسر خواطرهم فيها صاحب المغرب، وظهرت في ذلك كرامة لسيدي أبي عبد الله الطنجالي رحمه الله تعالى. ثم إن بني الأحمر ملوك الأندلس الباقية بعد استيلاء الكفار على الجل كانوا في جهاد وجلاد في غالب أوقاتهم، ولم يزل ذلك شأنهم حتى أدرك دولتهم الهرم الذي يلحق الدول، فلما كان زمان السلطان أبي الحسن علي بن سعد النصري الغالبي الأحمري، واجتمعت الكلمة عليه بعد أن كان أخوه أبو عبد الله محمد بن سعد المدعو بالزغل قد بويع بمالقة، بعد أن جاء به القواد من عند النصارى وبقي بمالقة برهة من الزمن، ثم ذهب إلى أخيه، وبقي من بمالقة من اقواد والؤساء فوضى، وآل الحال إلى أن قامت مالقة بدعوة السلطان أبي الحسن، وانقضت الفتنة. واستقل السلطان أبو الحسن بملك ما بقي بيد المسلمين من بلاد الأندلس، وجاهد المشركين، وافتتح عدة أماكن، ولاحت له بارقة الكرة على العدو الكافر، وخافوه، وطلبوا هدنته، وكثرت جيوشه، فأجمع على عرضها كلها بين يديه، وأعد لذلك مجلساً أقيم له بناؤه خارج الحمراء قلعة غرناطة، وكان ابتداء هذا العرض يوم الثلاثاء تاسع عشر ذي الحجة عام اثنين وثمانين وثمانمائة، ولم تزل الجنود تعرض عليه كل يوم إلى الثاني والعشرين من محرم السنة التي تليها، وهو يوم ختام العرض، وكان معظم المتنزهين والمتفرجين بالسبيكة وما قارب ذلك، فبعث الله تعالى سيلاً عارماً على وادي حدره بحجارة وماء غزير كأفواه القرب، عقاباً من الله سبحانه وتأديباً لهم لمجاهرتهم بالفسق والمنكر، واحتمل الوادي ما على حافتيه من المدينة من حوانيت ودور ومعاصر وفنادق وأسواق وقناطر وحدائق، وبلغ تيار السيل إلى رحبة الجامع الأعظم (4/511) ________________________________________ ولم يسمع بمثل هذا السيل في تلك البلاد. وكان بين رؤساء الإفرنج في ذلك الوقت اختلاف، فبعضهم استقل بملك قرطبة، وبعض بإشبيلية، وبعض بشريش، وعل ذلك كان صاحب غرناطة السلطان أبو الحسن قد استرسل في اللذات، وركن إلى الراحات، وأضاع الأجناد، وأسند الأمر إلى بعض وزرائه، واحتجب عن الناس، ورفض الجهاد والنظر في الملك، ليقضي الله تعالى ما شاء، وكثرت المغارم والمظالم، فأنكر الخاصة والعامة ذلك منه، وكان أيضاً قد قتل كبار القواد وهو يظن أن النصارى لا يغزون بعد البلاد، ولا تنقضي بينهم الفتنة ولا ينقطع الفساد. وافق أن صاحب قشتالة تغلب على بلادها بعد حروب، وانقاد له رؤساء الشرك المخالفون، ووجدت النصارى السبيل إلى الإفساد، والطريق إلى الاستيلاء على البلاد، وذلك أنه كان للسلطان أبي الحسن ولدان محمد ويوسف وهما من بنت عمه السلطان أبي عبد الله الأيسر، وكان قد اصطفى على أمهما رومية كان لها منه بعض ذرية، وكانت حظية عنده مقدمة في كل قضية، فخيف أن يقدم أولاد الرومية، على أولاد بنت عمه السنية، وحدث بين خدام الدولة التنافر والتعصب، لميل بعضهم إلى أولاد الحرة، وبعض إلى أولاد الرومية، وكان النصارى أيام الفتنة بينهم هادنوا السلطان لأمدٍ حددوه وضربوه، ولما تم أمد الصلح وافق وقته هذا الشأن بين أولياء الدولة بسبب الأولاد، وتشكى الناس مع ذلك بالوزير والعمال لسوء ما عاملوا به الناس من الحيف والجور، فلم يصغ غليهم، وكثر الخلاف واشتد الخطب، وطلب الناس تأخير الوزير، وتفاقم المر، وصح عند النصارى - لعنهم الله تعالى - ضعف الدولة واختلاف القلوب فبادروا إلى الحامة (1) فأخذوها غدراً آخر أيام الصلح على يد صاحب قادس سنة سبع وثمانين وثمانمائة، وغدوا للقلعة، وتحصنوا بها، ثم شرعوا في أخذ البلد، فملأوا الطرق خيلاً ورجالاً، وبذلوا السيف فيمن ظهر من المسلمين، ونهبوا __________ (1) ص ق: الحمة. (4/512) ________________________________________ الحريم، والناس في غفلة نيام من غير استعداد كالسكارى، فقتل من قضى الله تعالى بتمام أجله، وهرب البعض وترك أولاده وحريمه، واحتوى العدو على البلد بما فيه، وخرج العامة والخاصة من أهل غرناطة عندما بلغهم العلم، وكان النصارى عشرة آلاف بين ماشٍ وفارس، وكانوا عازمين على الخروج بما غنموه، وإذا بالسرعان من أهل غرناطة وصلوا، فرجع العدو إلى البلد، فحاصرهم المسلون، وشددوا في ذلك، ثم تكاثر المسلمون خيلاً ورجالاً من جميع بلاد الأندلس، ونازلوا الحامة، وطمعوا في منع الماء عن العدو، وتبين للعامة أن الجند لمينصحوا، فأطلقوا ألسنتهم بأقبح الكلام فيهم وفي الوزير، وبينما هم كذلك إذا بالنذير جاء أن النصاى أقبلوا في جمع عظيم لإغاثة من بالحامة من النصارى، فأقلع جند المسلمين من الحامة، وقصدوا ملاقاة الواردين من بلاد العدو، ولما علم بهم العدو ولوا الأدبار من غير ملاقاة محتجين بقتلهم، وكان رئيسهم صاحب قرطبة. ثم إن صاحب إشبيلية جمع جنداً عظيماً من جيش النصارى الفرسان والرجالة، وأتى لنصره من في الحامة من النصارى، وعندما صح هذا عند العسكر اجتمعوا، وأشاعوا عند الناس أنهم خرجوا بغير زاد ولا استعداد، والصلاح الرجوع إلى غرناطة، ليستعد الناس ويأخذوا ما يحتاج إليه الحصار من العدة والعدد، فعندما أقلع المسلمون عنها دخلتها النصارى الواردون، وتشاوروا في إخلائها أو سكناها، واتفقوا على الإقامة بها، وحصنوها، وجعلوا فيها جميع ما يحتاج إليه، وانصرف صاحب إشبيلية، وترك أجناده، وفرق فيهم الأموال، ثم عاد المسلمون لحصارها، وضيقوا عليها، وطمعوا فيها من جهة موضع كان النصارى في غفلة عنه، ودخل على النصارى جملة وافرة من المسلمين، وخاب السعد بذلك بأن شعر بهم النصارى، فعادوا عليهم، وتردى بعضهم من أعلى الجبل، وقتل أكثرهم، وكانوا من أهل بسطة ووادي آش، فانقطع أمل الناس من الحامة، ووقع الإياس من ردها. (4/513) ________________________________________ وفي جمادى الأولى من السنة تواترت الأخبار أن صاحب قشتالة أتى في جنود لا تحصى ولا تحصر، فاجتمع الناس بغرناطة، وتكلموا في ذلك، وإذا به قصد لوشة ونازلها قصداً أن يضيفها إلى الحامة، وجاء بالعدة والعدد، وأغارت على النصارى جملة من المسلمين، فقتلوا من لحقوه، وأخذوا جملة من المافع الكبار، ثم جاءت جماعة أخرى من أهل غرناطة، وناوشوا النصارى، فألجؤوهم إلى الخروج عن الخيام، وأخذوها وغيرها، فهرب النصارى، وتركوا طعاماً كثيراً وآلة ثقيلة، وذلك في السابع والعشرين من جمادى الأولى من السنة المذكورة. وفي هذا اليوم بعينه هرب الأميران أبو عبد الله محمد وأبو الحجاج يوسف خوفاً من أبيهما أن يفتك بهما بإشارة حظيته الرومية ثريا، واستقرا بوادي آش، وقامت بدعوتهما، ثم بايعتهما تلك المرية وبسطة وغرناطة، وهرب أبوهما السلطان أبو الحسن إلى مالقة. وفي صفر سنة ثمان وثمانين وثمانمائة اجتمع جميه رؤساء النصارى، وقصدوا قرى مالقة وبلش، في نحو الثمانية آلاف، وفيهم صاحب إشبيلية وصاحب شريش وصاحب إستجة وصاحب أنتقيرة وغيرهم، فلم يتمكنوا من أخذ حصن، ونشبوا في أوعار ومضايق وخنادق وجبال، واجتمع عليهم أهل بلش ومالقة، وصار المسلمون ينالون منهم في كل محل، حتى بلغوا مالقة، ففر كبيرهم، ومن بقي أسر أو قتل، وكان السلطان أبو الحسن في ذلك الوقت قد تحرك لنواحي المنكب، وبقي أخوه أبو عبد الله بمالقة ومعه بعض الجند، وقتل من النصارى في هذه الوقعة نحو ثلاثة آلاف، وأسر نحو ألفين، ومن جملتها خال السلطان وصاحب إشبيلية وصاحب شريش وصاحب أنتقيرة وغيرهم، وهم نحو الثلاثين من الأكابر، وغنم المسلمون غنيمة وافرة من الأنفس والأموال والعدة والذهب والفضة، وبعقب ذلك سافر أهل مالقة لبلاد النصارى، فكسوا هنالك كسرة شنيعة قتل فيها أكثر قواد غرب الأندلس. (4/514) ________________________________________ ولما استقر السلطان أبو عبد الله ابن السلطان أبي الحسن بغرناطة وطاعت له البلاد غير مالقة والغربية تحرك السلطان أبو الحسن على المنكب ونواحيها، وأتى ابنه السلطان أبو عبد الله في جند غرناطة والجهة الشرقية، والتقوا في موضع يعرف بالدب، فكسر السلطان أبو عبد الله. ولما سمع السلطان أبو عبد الله صاحب غرناطة بأن عمه بمالقة غنم من النصارى أعمل السفر للغزو بأهل بلاده من غرناطة والشرقية، وذلك في ربيع الأول من السنة، إلى أن بلغ نواحي لشانة، وقتل وأسر وغنم، فتجمعت عليه النصارى من جميع تلك النواحي ومعه كبير قبرة، وحالوا بين المسلمين وبلادهم في جبال وأوعار، فانكسر الجند، وأسر من الناس كثير وقتل آخرون، وكان في جملة من أسر السلطان أبو عبد الله، ولم يعرف، ثم علم به صاحب لشانة، وأراد صاحب قبرة أن يأخذ منه، فهرب به ليلاً، وبلغه إلى صاحب قشتالة، ونال بذلك عنده رفعة على جميع القواد، وتفاءل به، فقلما توجه لجهةٍ أو بعث سريةً إلا وبعثه فيها. ولما أسر السلطان أبو عبد الله اجتمع كبراء غرناطة وأعيان الأندلس، وذهبوا به لغرناطة، وبايعوه، مع أنه كان أصابه مثل الصرع إلى أن ذهب بصره، وأصابه ضرر، ولما تعذر أمره قدم أخاه أبا عبد الله، وخلع له نفسه، ونزل بالمنكب، فأقام بها إلى أن مات، واستقل أخوه أبو عبد الله المعروف بالزغل بالملك بعده. وأما عبد الله ابن السلطان أبي الحسن فهو في أسر العدو. وفي شهر ربيع الآخر من سنة تسعين وثمانمائة خرج العدو في قوة إلى نواحي مالقة، بعد أن كان في السنة قبلها استولى على حصون، فاستولى هذه السنة على بعض الحصون، وقصد ذكوان، فهد أسوارها، وكان جملة من أهل الغربية ورندة، ودخل ألف مدرع ذكوان عنوة، فأظفر الله تعالى بهم أهل ذكوان، فقتلوهم جميعاً، ثم طلبوا الأمان وخرجوا. (4/515) ________________________________________ ثم انتقل في جمادى الأولى إلى رندة وحاصرها، وكان أهلها خرجوا إلى نصرة ذكوان وسواها، فحاصر رندة وهد أسوارها، وخرج أهلها على الأمان، وطاعت له جميع تلك البلاد، ولم يبق بغربي مالقة إلا من دخل في طاعة الكافر وتحت ذمته، وضيق بمالقة، وفرق حصصه على بعض الحصون ليحاصروا مالقة، وعاد إلى بلاده. وفي تاسع عشر شعبان من العام سافر صاحب غرناطة لتحصين بعض البلاد، وبينما هو كذلك إذا بالخبر جاءه أن محلة العدو خارجة لذلك الحصن. وفي صبيحة الثاني والعشرين من شعبان أصبحت جنود النصارى على الحصن، كانوا قد سروا إليه ليلاً، وأصبحوا عند الفجر مع جند المسلمين، فقاتلهم المسلمون من غير تعبية، فاختل نظام المسلمين، ووصل النصارى إلى خباء السلطان، ثم التحم القتال واشتد، وقوى الله تعالى المسلمين فهزموا النصارى شر هزيمة، وقتل منهم خلائق، وقصر المسلمون خوفاً من محلة السلطان النصارى إذ كانت قادمة في أثر هذه، ولما رجعت إليهم الفلول رجعوا القهقرى، واستولى المسلمون على غنائم كثيرة وآلات، وجعلوا ذلك كله بالحصن، ولم يحدث شيء بعد إلى رمضان، فتوجه الكافر إلى حصن قنبيل ونازله وهد أسواره، ولم رأى المسلمون أن الحصن قد دخل طلبوا الأمان، وخرجوا بأموالهم وأولادهم مؤمنين، وفر الناس من تلك المواضع مع البراجلة هاربين، واستولى العدو على عدة حصون مثل مشاقر وحصن اللوز، وضيق العدو بجميع بلاد المسلمين، ولم يتوجه إلى ناحية إلا استأصلها، ولا قصد جهة إلا أطاعته وحصلها، ثم إن العدو دبر الحيلة مع ما هو عليه من القوة، فبعث إلى السلطان أبي عبد الله الذي تحت أسره وكساه ووعده بكل ما يتمناه، وصرفه لشرقي بسطة، وأعطاه المال والرجال، ووعده أن من دخل تحت حكمه من المسلمين وبايعه من أهل البلاد فإنه في الهدنة والصلح والعهد والميثاق الواقع بين السلطانين، وخرج لبلش فأطاعه أهلها، ودخلت بلش في طاعته، ونودي بالصلح في الأسواق، وصرخت (4/516) ________________________________________ به في تلك البلاد الشياطين، وسرى هذا الأمر حتى بلغ أرض البيازين من غرناطة، وكانوا من التعصب وحمية الجاهلية والجهل بالمقام الذي لا يخفى، وتبعهم بعض المفسدين المحبين في تفريق كلمة المسلمين، وممن مال إلى الصلح عامة غرناطة لضعف الدولة، ووسوس للناس شياطين الفتنة وسماسرتها بتقبيحٍ وتحسينٍ، إلى أن قام ربض البيازين بدعوة السلطان الذي كان مأسوراً عند المشركين، ووقعت فتنة عظيمة في غرناطة نفسها بين المسلمين لما أراده الله تعالى من استيلاء العدو على تلك الأقطار، ورجموا البيازين بالحجارة من القلعة، وعظم الخطب، وكانت الثورة ثالث شهر ربيع الأول عام أحد وتسعين وثمانمائة، ودامت الفتنة إلى منتصف جمادى الأولى من العام، وبلغ الخبر أن السلطان الذي قاموا بدعوته قدم على روشة ودخلها على وجه رجاء الصلح بينه وبين عمه الزغل صاحب قلعة غرناطة، بأن العم يكون له الملك، وابن أخيه تحت إيالته بلوش أو بأي المواضع أحد، ويكونون يداً واحدة على عدو الدين، وبينهم في هذا إذا بصاحب قشتالة قد خرج بجند عظيم ومحلة قوية وعدد وعدد، ونازل لوشة حيث السلطان أبو عبد الله الذي كان أسيراً، وضيق بها الحصار، وكان قد دخلها جماعة من أهل البيازين بنية الجهاد ولمعاضدة وليهم، وخاف أهل غرناطة وسواها من أن يكون ذلك حيلة، فلم يأت لنصرته غيرالبيازين، واشتد عليهم الحصار، وكثرت الأقاويل، وصرحت الألسن بأن ذلك باتفاق بين السلطان المأسور وصاحب قشتالة، ودخل على أهل لوشة في ربضهم، وخافوا من الاستئصال، فطلبوا الأمان في أموالهم وأنفسهم وأهليهم، فوفى لهم صاحب قشتالة بذلك، وأخذ البلد في السادس والعشرين لجمادى الأولى سنة إحدى وتسعين وثمانمائة. وهي - أعني لوشة - كانت بلد سلف الوزير لسان الدين ابن الخطيب، كما ذكرناه مستوفى في غير هذا الموضع، وهاجر أهل لوشة إلى غرناطة، وبقي السلطان أبو عبد الله الذي كان مأسوراً مع النصراني في لوشة، فصرح عند ذلك أهل غرناطة بأنه ما جاء للوشة إلا ليدخل إليها العدو الكافر (4/517) ________________________________________ ويجعلها فداء له، وقيل: إن سرح له حينئذٍ ابنه إذ كان مرهوناً في الفداء، وكثر القيل والقال بينهم وبين أهل البيازين، فظهر بذلك ما كان كامناً بالقلوب، ثم رجع صاحب قشتالة إلى بلاده ومعه السلطان المذكور. وفي نصف جمادى الثانية خرج إلى إلبيرة فهد بعض الأسوار، وتوعد الناس، فأعطاه أهله الحصن على الأمان، فخرجوا وقدموا على غرناطة، ثم فعل بحصن المتلين (1) مثل ذلك، وقاتلوا قتالاً شديداً، ولما ضاقوا ذرعاً أعطوه بالمقادة على الأمان، فخرجوا إلى غرناطة وأطاع أهل قلنبيرة من غير قتال، فخرجوا إلى غرناطة ثم وصل العدو إلى منتفريد، فرمى عليهم بالمحروقات وغيرها وأحرق دارالعدة، وطلبوا الأمان، وخرجوا إلى غرناطة، وانتقل للصخرة فأخذها، وحصن هذه الحصون كلها، وشحنها بالرجال والعدة، ورتب فيها الخيل لمحاصرة غرناطة، ثم عاد الكافر لبلاده، وتعاهد مع السلطان الذي في أسره بأن من دخل في حكمه وتحت أمره فهو في الأمان التام، وأشاعوا أن ذلك بسبب فتنة وقعة بينه وبين صاحب إفرنسية، فخرج لبلش وأطاعته، ثم بعث لمن والاه من البلاد أنه أتى بصلح صحيح وعقد وثيق،وأن من دخل تحت أمره أمن من حركة النصارى عليه، وأن معه وثائق بخطوط السلاطين، فلم يقبل الناس ذلك، إلا القليل منهم مثل أهل البيازين، فلهجوا بهذا الصلح وأقاموا على صفحته الدلائل، وتكلموا في أهل غرناطة بالكلام القبيح، مع تمكن الفتنة والعداوة في القلوب، فبعث له أهل البيازين أنه إذا قدم بهذه الحجج لتلك الجهات اتبعه الناس، وقاموا بدعوته من غير التباس، فأتى على حين غفلة، ولم يكن يظن اتيانه بنفسه، فأتى البيازين ودخلها ونادى في أسواقها بالصلح التام الصحيح، فلم يقبل ذلك منه أهل غرناطة، وقالوا: ما بعهد لوشة من قدم، ودخل ربض البيازين سادس شوال سنة إحدى وتسعين وثمانمائة، وعمه بالحمراء، __________ (1) هذا ما ثبت في ص؛ وفي ق: الملتين، وفي دوزي: المثلين. (4/518) ________________________________________ انتقل للقلعة، واشتد أمر الفتنة، ثم إن صاحب قشتالة أمد صاحب البيازين بالرجال والعدة والمال والقمح والبارود وغيرها، واشتد أمره بذلك، وعظمت أسباب الفتنة، وفشا في الناس القتل والنهب، ولم يزل الأمر كذلك إلى السابع والعشرين من محرم سنة اثنين وتسعين وثمانمائة، فعزم أهل غرناطة مع سلطانهم على الدخول على البيازين عنوةً، وتكلم أهل العلم في من النتصر بالنصارى ووجوب مدافعته، ومن أطاعه عصى الله ورسوله، فدخلوا على أهل البيازين دخول فشل، ثم إن صاحب غرناطة بعث إلى الأجناد والقواد من أهل بصرة ووادي آش والمرية والمنكب وبلش ومالقة وجميع الأقطار، وتجمعوا بغرناطة، وتعاهدوا، وتحالفوا على أن يدهم واحدة على أعداء الدين، ونصرة من قصده العدو من المسلمين، وخاف صاحب البيازين فبعث لصاحب قشتالة في ذلك فخرج لمحلته قاصداً نواحي بلش، وكان صاحب البيازين بعث وزيره إلى ناحية مالقة وإلى حصن المنشأة يذكر ويخوف، ومعه نسخة من عقود الصلح، فقامت مالقة وحصن المنشأة بعوته، ودخلوا في إيالته خوفاً من صاحب قشتالة وصولته، وطمعاً في الصلح وصحته، ثم اجتمع كبار مالقة مع أهل بلش وذكروا لهم سبب دخولهم في هذه الدعوة، والسبب الحالمل لهم على ذلك، فلم يرجع أهل بلش عما عاهدوا عليه أهل غرناطة وسائر الأندلس من العهود والمواثيق، وخرج صاحب قشتالة قاصداً بلش مالقة، ونزل عليها في ربيع الثاني سنة اثنتين وتسعين وثمانمائة وحاصرها، ولما صح عند صاحب غرناطة ذلك اجتمع بالناس، فأشاروا بالمسير لإغاثة بلش للعهد الذي عقدوه، وأتى أهل وادي آش وغيرها وحشود البشرات، وخرج صاحب غرناطة منها في الرابع والعشرين لربيع الثاني من السنة، ووصل بلش، فوجد العدو نازلاً عليها براً وبحراً، فنزل بجبلٍ هنالك، وكسر لغط الناس، وحملوا على النصارى من غير تعبية، وحين حركتهم بالحملة بلغ السلطان الزغل أن غرناطة بايعت صاحب البيازين، فالتقوا مع النصارى فشلين وقبل الالتحام انهزموا، وتببد جموعهم مع كون (4/519) ________________________________________ النصارى خائفين وجلين منهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فرجعوا منهزمين، وقد شاع عند الخواص ثورة غرناطة على السلطان، فقصدوا وادي آش، وعاد النصارى إلى بلش بعد أن كانوا رتبوا جيوشهم للقاء السلطان وأهل غرناطة، فلما عادوا إلى بلش دخلوا عنوة ربضها، وضيقوا بها، وكانت ثورة غرناطة، خامس جمادى الأولى. ولما رأى أهل بلش تكالب العدو عليهم وإدبار جيوش المسلمين عنهم طلبوا الأمان، فخرجوا يوم الجمعة عاشر جمادى الأولى من السنة، وأطاعت النصارى جميع البلاد التي بشرقي مالقة وحصن قمارش. ثم انتقل العدو إلى حصار مالقة، وكان أهل مالقة قد دخلوا في الصلح وأطاعوا صاحب البيازين، وأتى إليها النصارى بالميرة، ولما نزل بلش بعثوا هدية لصاحب قشتالة مع قائدهم وزير صاحب البيازين وقائد شريش الذي كان مأسوراً عندهم، فلم يلتفت إليهم صاحب قشتالة لقيام جبل فاره وهو حصن مالقة بدعوة صاحب وادي آش، وارتحل صاحب قشتالة إلى مالقة ونازلها براً وبحراً، وقاتله أهلها قتالاً عظيماً بمدافعهم وعدتهم وخيلهم ورجلهم، وطال الحصار حتى أداروا على مالقة من البر الخنادق والسور والأجفان من البحر، ومنع الداخل إليها، ولم يدخلها غير جماعة من المرابطين حال الحصار، وحاربوا حرباً شديداً، وقربوا المدافع ودخلوا الأرباض، وضيقوا عليهم بالحصار إلى أن فني ما عندهم من الطعام (1) فأكلوا المواشي والخيل والحمير، وبعثوا الكتب للعدوتين وهم طامعون في الإغاثة فلم يأت إليهم أحد، وأثر فيهم الجوع، وفشا في أهل نجدتهم القتل، ولم يظهروا مع ذلك هلعاً ولا ضعفاً، إلى أن ضعف حالهم، ويئسوا من ناصر أو مغيث من البر والبحر، فتكلموا مع النصارى في الأمان كما وقع ممن سواهم، فعوتبوا على ما صدر منهم وما وقع من الجفاء، وقيل لهم __________ (1) من الطعام: سقطت من ص. (4/520) ________________________________________ لما تحقق العدو التجاءهم: تؤمنون من الموت، وتعطون مفتاح القلعة والحصن، والسلطان ما يعاملكم إلا بالخير إذا فعلتم، وهذا خداع من الكفار، فلما تمكن العدو منهم أخذهم أسرى، وذلك أواخر شعبان سنة اثنتين وتسعين وثمانمائة، ولم يبق في تلك النواحي موضع إلا وملكه النصارى. وفي عام ثلاثة وتسعين وثمانمائة خرج العدو الكافر إلى الشرقية وبلش التي كانت في الصلح، فاستولى عليها، واحتجوا بالصلح، فلم يلتفت إليهم، وأخذ تلك البلاد كلها صلحاً، ثم رجع لبلاده. وفي عام أربعة وتسعين وثمانمائة خرج لبعض حصون بسطة فأخذها بعد حرب، واستولى على ما هنالك من الحصون، ثم نازل بسطة، وكان صاحب وادي آِ لما تعين العدو بمحلته بعث جميع جنده وقواده، وحشد أهل نجدة تلك البلاد من وادي آش والمرية والمنكب والبشرات، فلما نزل العدو بسطة أتت الحشود المذكورة ودخلوها ووقعت بين المسلمين والنصارى حروب عظيمة حتى تقهقر العدو عن قرب بسطة، ولم يقدر على منع الداخل والخارج، وبقي الأمر كذلك رجباً وشعبان ورمضان ومحلات المسلمين نازلة خارج البلد، ثم إن العدو شد الحصاروجد في القتال، وقرب المدافع والآلات من الأسوار حتى منع الداخل والخارج بعض منعٍ، واشتد الحال في ذي القعدة وذي الحجة وقل الطعام، وفي آخر ذي الحجة اختبروا الطعام في خفية فلم يجدوا إلا القليل، وكانوا طامعين في إقلاع العدو عند دخول فصل الشتاء، وإذا بالعدو بنى وعزم على الإقامة، وقوي اليأس على المسلمين، فتكلموا في الصلح على ما فعل غيرهم من الأماكن، وظن العدو أن الطعام لم يبق منه شيء، وأن ذلك هو الملجئ لهم للكلام، وفهموا عنه ذلك، فاحتالوا في إظهار جميع أنواع الطعام بالأسواق، وأبدوا للعدو القوة مع كونهم في غاية الضعف، والحرب خدعة، فدخل بعض كبار النصارى للتكلم معهم وهو عين ليرى ما عليه البلد وما صفة الناس، وعند تحققهم بقاء الطعام والقوة أعطوهم الأمان على أنفسهم دون من أعانهم من أهل (4/521) ________________________________________ وادي آش والمنكب والمرية والبشرات، فإن دفعوا هؤلاء عنهم صح لهم الأمان، وإلا فلا، فلم يوافق أهل البلد على هذا، وطال الكلام، وخاف أهل البلد من كشف الستر، فاتفقوا أن تكون العقدة على بسطة ووادي آش والمرية والمنكب والبشرات، ففعلوا ذلك، ودخل جميع هؤلاء في طاعة العدو على شروط شرطوها وأمور أظهروها بعضها للناس وبعضها مكتوم، وقبض الخواص مالاً، وحصلت لهم فوائد. وفي يوم الجمعة عاشر محرم سنة خمس وتسعين وثمانمائة دخل النصارى قلعة بسطة وملكوها، ولم يعلم العوام كيفية ما وقع عليه الشرط والالتزام، وقالوا لهم: من بقي بموضعه فهو آمن، ومن انصرف خرج بماله وسلاحه سالماً، ثم أخرج العدو المسلمين من البلد، وأسكنهم بالربض خوف الثورة، ثم ارتحل العدو للمرية، وأطاعته جميع تلك البلاد، ونزل صاحب وادي آش للمرية ليلقاه بها، فلقيه وأخذ الحصون والقلاع والبروج، وبايع له السلطان أبو عبد الله على أن يبقى تحت طاعته في البلاد التي تحت حكمه كما أحب، فوعده بذلك، وانصرف معه إلى وادي آش، ومكنه من قلعتها أوائل صفر من العام المذكور، وأطاعته جميع البلاد، ولم يبق غير غرناطة وقراها، وجميع ما كان في حكم صاحب وادي آش صار للنصارى في طرفة عين، وجعل في كل قلعة قائداً نصرانياً، وكان قائد من المسلمين أصحاب هذه البلاد دفع لهم الكفار مالاً من عند صاحب قشتالة إكراماً منه لهم بزعمهم، فتباً لعقولهم، وما ذلك منه إلا توفير لرجاله وعدته ودفع بالتي هي أحسن، ثم أخذ برج الملاحة وغيره، وبناه وحصنه، وشحن الجميع بالرجال والذخيرة، وأظهر الصحبة والصلح مع صاحب وادي آش، وأباح الكلام بالسوء في حق صاحب غرناطة مكراً منه وخداعاً ودهاء، ثم بعث في السنة نفسها رسلاً لصاحب غرناطة أن يمكنه من الحمراء كما مكنه عمه من القلاع والحصون، ويكون تحت إيالته، ويعطيه مالاً جزيلاً على ذلك، وأي بلاء شاء من الأندلس يكون فيها تحت حكمه، قالوا: (4/522) ________________________________________ وأطعمه صاحب غرناطة في ذلك، فخرج العدو في محلاته لقبض الحمراء والاستيلاء على غرناطة، وهذا في سر بين السلطانين، فجمع صاحب غرناطة الأعيان والكبراء والأجناد والفقهاء والخاصة والعامة وأخبرهم بما طلب منه العدو وأن عمه أفسد عليه الصلح الذي كان بينه وبين صاحب قشتالة بدخوله تحت حكمه، وليس لنا إلا إحدى خصلتين: الدخول تحته، أو القتال، فاتفق الرأي على الجهاد والوفاء بما عقده من صلح، وخرج بمحلته. ثم إن صاحب قشتالة نزل على مرج غرناطة، وطلب من أهل غرناطة الدخول في طاعته، وإلا أفسد عليهم زروعهم، فأعلنوا بالمخالفة، فأفسد الزرع، وذلك في رجب سنة خمس وتسعين وثمانمائة، ووقعت بين المسلمين والعدو حروب كثيرة، ثم ارتحل العدو عند الإياس منهم ذلك الوقت، وهدم بعض حصون، وأصلح برج همدان والملاحة، وشحنهما بما ينبغي، ثم رجع إلى بلاده، وعند انصرافه نزل صاحب غرناطة بمن معه إلى بعض الحصون التي في يد النصارى ففتحها عنوة، وقتل من فيها من النصارى، وأسكنها المسلمين، ورجع لغرناطة، ثم أعمل الرحلة إلى البشرات في رجب المذكور، فأخذ بعض القرى، وهرب من بها من النصارى والمرتدين أصحابهم، ثم أتى حصن أندرش فتمكن منه، وأطاعته البشرات، وقامت دعوة الإسلام بها، وخرجوا عن ذمة النصارى، وهنالك عمه أبو عبد الله محمد بن سعد بجملة وافرة، فقصدهم في شعبان من غرناطة، واستقر عمه بالمرية، وأطاعت صاحب غرناطة جميع البشرات إلى برجة، ثم تحرك عمه مع النصارى إلى أندرش فأخذها لرمضان، ورج صاحب غرناطة لقرية همدان، وكان برجها العظيم مشحوناً بالرجال والعدة والطعام، فحاصره أهل غرناطة، ونصبوا عليه أنواعاً من الحرب، ومات فيه خلق كثير منهم،ونقبوا البرج الأول والثاني والثالث، وألجؤوهم للبرج الكبير، وهو القلعة، فنقبوها ثم أسروا من كان بها، وهو ثمانون ومائة، واحتووا على ما هنالك من عدة وآلات حرب. (4/523) ________________________________________ وفي آخر رمضان خرج صاحب غرناطة بقصد المنكب، فلما وصل حصن شلوبننية نزله، وأخذه عنوة بعد حصارة، وامتنعت القلعة، وجاءتهم الأمداد من مالقة بحراً فلم تقدر على شيء، وضيقوا بالقلعة،فوصلهم الخبر أن صاحب قشتالة خرج بمحلته لمرج غرناطة، فارتحل صاحب غرناطة عن قلعة شلوبانية،وجاء غرناطة ثالث شوال، وبعد وصولهم غرناطة وصل العدو إلى المرج ومعه المرتدون والمدجنون، وبعد ثمانية أيام ارتحل العدو لبلاده بعد هدم برج الملاحة وإخلائه وبرج آخر، وتوجه إلى وادي آش، فأخرج المسلمين منها، ولم يبق بها مسلم في المدينة ولا الربض، وهدم قلعة أندرش، وحاف على البلاد، ولما رأى ذلك السلطان الزغل وهو أبو عبد الله محمد بن سعد عم سلطان غرناطة بادر بالجواز لبر العدوة فجاز لوهران، ثم لتلمسان، واستقر بها، وبها نسله إلى الآن يعرفون ببني سلطان الأندلس، ودخل صاحب قشتالة لأقاصي مملكته بسبب فتنة بينه وبين الإفرنج ثم تحرك صاحب غرناطة على برشانة وحاصرها وأخذها، وأسر من كان بها من النصارى وأرادت فتيانه (1) القيام على النصارى، فجاء صاحب وادي آش ففتك فيهم. وفي ذي القعدة من السنة رفع صاحب غرناطة من الند وخلت تلك الأوطان من الانس. وفي ثاني عشري جمادى الآخرة سنة ست وتسعين وثمانمائة خرج العدو بمحلاته إلى مرج غرناطة، وأفسد الزرع، ودوخ الأرض، وهدم القرى، وأمر ببناء موضع بالسور والحفير، وأحكم بناءه، وكانوا يذكرون أنه عزم على الانصراف فإذا به صرف الهمة إلى الحصار والإقامة، وصار يضيق على غرناطة كل يوم، ودام القتال سبعة أشهر، واشتد الحصار بالمسلمين، غبر أن النصارى على بعد، والطريق بين غرناطة والبشرات متصلة بالمرافق والطعام من ناحية __________ (1) ق ص: ر فنيانه. (4/524) ________________________________________ جبل شلير،إلى أن تمكن فصل الشتاء، وكلب البرد، ونزل الثلج، فانسد باب المرافق، وقطع الجالب، وقل الطعام، واشتد الغلاء،وعظم البلاء،واستولى العدو على أكثر الأماكن خارج البلد، ومنع المسلمين من الحرث والسبب، وضاق الحال، وبان الاختلال، وعظم الخطب، وذلك أول عام سبعة وتسعين وثمانمائة، وطمع العدو في الاستيلاء على غرناطة بسبب الجوع والغلاء دون الحرب، ففر ناس كثيرون من الجوع إلى البشرات، ثم اشتد الأمر في شهر صفر من السنة، وقل الطعام، ثم تفاقم الخطب، فاجتمع ناس مع من يشار إليه من أهل العلم، وقالوا: انظروا في أنفسكم وتكلموا مع سلطانكم، فأحضر السلطان أهل الدولة وأرباب المشورة، وتكلموا في هذا المعنى، وأن العدو يزداد مدده كل يوم، ونحن لا مدد لنا، وكان ظننا أنه يقلع عنا في فصل الشتاء، فخاب الظن، وبنى وأسس، وأقام، وقرب منا، فانظروا لأنفسكم وأولادكم، فاتفق الرأي على ارتكاب أخف الضررين، وشاع أن الكلام وقع بين النصارى ورؤساء الأجناد قبل ذلك في إسلام البلد خوفاً على نفوسهم وعلى الناس، ثم عددوا مطالب وشروطاً أرادوها، وزادوا أشياء على ما كان في صلح وادي آش:منها أن صاحب رومة يوافق على الالتزام والوفاء بالشرط إذا أمكنوه من حمراء غرناطة والمعاقل والحصون، ويحلف على عادة النصارى في العهود، وتكلم الناس في ذلك، وذكروا أن رؤساء أجناد المسلمين لما خرجوا للكلام في ذلك امتن عليهم النصارى بمال جزيل وذخائر، ثم عقدت بينهم الوثائق على شروط قرئت على أهل غرناطة، فانقادوا إليها، ووافقوا عليها، وكتبوا البيعة لصاحب قشتالة، فقبلها منهم، ونزل سلطان غرناطة من الحمراء. وفي ثاني ربيع الأول من السنة - أعني سنة سبع وتسعين وثمانمائة - استولى النصارى على الحمراء ودخلوها بعد أن استوثقوا من أهل غرناطة بنحو خمسمائة من الأعيان رهناً خوف الغدر، وكانت الشروط سبعة وستين منها: تأمين الصغير والكبير في النفس والأهل والمال وإبقاء الناس في أماكنهم ودورهم ورباعهم (4/525) ________________________________________ وعقارهم، ومنها إقامة شريعتهم على ما كانت ولا يحكم أحد عليهم إلا بشريعتهم، وأن تبقى المساجد كما كانت والأوقاف كذلك، وأن لايدخل النصارى دار مسلم ولا يغصبوا أحداً، وأ، لايولى على المسلمين إلا مسلم أو يهودي ممن يتولى عليهم من قيل سلطانهم قبل، وأن يفتك جميع من أسر في غرناطة من حيث كانوا، وخصوصاً أعياناً نص عليهم، ومن هرب من أسارى المسلمين ودخل غرناطة لا سبيل عليه لمالكه ولا سواه، والسلطان يدفع ثمنه لمالكه، ومن أراد الجواز للعدوة لا يمنع، ويجوزون في مدة عينت في مراكب السلطان لا يلزمهم إلا الكراء ثم بعذ تلك المدة يعطون عشر مالهم والكراء (1) ، وأن لايؤخذ أحد بذنب غيره، وأن لا يقهر من أسلم على الرجوع للنصارى ودينهم، وأن من تنصر من المسلمين يوقف أياماً حتى يظهر حاله ويحضر له حاكم من المسلمين وآخر من النصارى، فإن أبى الرجوع إلى الإسلام تمادى على ما أراد، ولا يعاتب على من قتل نصرانياً أيام الحرب، ولا يؤخذ منه ما سلب من النصارى أيام العداوة، ولا يكلف المسلم بضيافة أجناد النصارى (2) ولا يسفر لجهة من الجهات، ولا يزيدون على المغارم المعتادة، وترفع عنهم جميع المظالم والمغارم المحدثة، ولا يطلع نصراني للسور، ولا يتطلع على دور المسلمين، ولا يدخل مسجداً من مساجدهم، ويسير المسلم في بلاد النصارى آمناً في نفسه وماله، ولا يجعل علامة كما يجعل اليهود وأهل الدجن، ولا يمنع مؤذن ولا مصلٍ ولا صائم ولا غيره من أمور دينه، ومن ضحك منه يعاقب، ويتركون من المغارم سنين معلومة، وأن يوافق على كل الشروط صاحب رومة ويضع خط يده، وأمثال هذا مما تركنا ذكره.م بعذ تلك المدة يعطون عشر مالهم والكراء، وأن لايؤخذ أحد بذنب غيره، وأن لا يقهر من أسلم على الرجوع للنصارى ودينهم، وأن من تنصر من المسلمين يوقف أياماً حتى يظهر حاله ويحضر له حاكم من المسلمين وآخر من النصارى، فإن أبى الرجوع إلى الإسلام تمادى على ما أراد، ولا يعاتب على من قتل نصرانياً أيام الحرب، ولا يؤخذ منه ما سلب من النصارى أيام العداوة، ولا يكلف المسلم بضيافة أجناد النصارى ولا يسفر لجهة من الجهات، ولا يزيدون على المغارم المعتادة، وترفع عنهم جميع المظالم والمغارم المحدثة، ولا يطلع نصراني للسور، ولا يتطلع على دور المسلمين، ولا يدخل مسجداً من مساجدهم، ويسير المسلم في بلاد النصارى آمناً في نفسه وماله، ولا يجعل علامة كما يجعل اليهود وأهل الدجن، ولا يمنع مؤذن ولا مصلٍ ولا صائم ولا غيره من أمور دينه، ومن ضحك منه يعاقب، ويتركون من المغارم سنين معلومة، وأن يوافق على كل الشروط صاحب رومة ويضع خط يده، وأمثال هذا مما تركنا ذكره. وبعد انبرام ذلك ودخول النصارى للحمراء والمدينةة جعلوا قائداً بالحمراء وحكاماً ومقدمين بالبلد، ولما علم ذلك أهل البشرات دخلوا في هذا الصلح، وشملهم حكمه على هذه الشروط، ثم أمر العدو الكافر ببناء ما يحتاج إليه في __________ (1) ثم... والكراء: سقطت من ص. (2) أيام... النصارى: سقطت من ص. (4/526) ________________________________________ الحمراء وتحصينها، وتجديد بناء قصورها وإصلاح سورها، وصار الطاغية يختلف إلى الحمراء نهاراً ويبيت بمحلته ليلاً إلى أن اطمأن من خوف الغدر، فدخل المدينة، وتطوف بها، وأحاط خبراً بما يرومه، ثم أمر سلطان المسلمين أن ينتقل لسكنى البشرات وأنها تكون له وسكناه بأندرش، فانصرف إليها وأخرج الأجناد منها، ثم احتال في ارتحاله لبر العدوة، وأظهر أن ذلك طلبه منه المذكور، فكتب لصاحب المرية أنه ساعة وصول كتابي هذا لا سبيل لأحد أن يمنع مولاي أبا عبد الله من السفر حيث أراد من بر العدوة، ومن وقف على هذا الكتاب فليصرفه ويقف معه وفاء بما عهد له، فصرف في الحين بنص هذا الكتاب، وركب البحر، ونزل بمليلة، واستوطن فاساً، وكان قبل طلب الجواز لناحية مراكش، فلم يسعف بذلك وحين جوازه لبر العدوة لقي شدة وغلاء ووباء. ثم إن النصارى نكثوا العهد، ونقضوا الشروط عروة عروة، إلى أن آل الحال لحملهم المسلمين على التنصر سنة أربع وتسعمائة، بعد أمور وأسباب أعظمها وأقواها عليهم أنهم قالوا: إن القسيسين كتبوا على جميع من كان أسلم من النصارى أن يرجعوا قهراً للكفر، ففعلوا ذلك، وتكلم الناس ولا جهد لهم ولا قوة، ثم تعدوا إلى أمر آخر، وهو أن يقولوا للرجل المسلم: إن جدك كان نصرانياً فأسلم فترجع نصرانياً، ولما فحش هذا الأمر قام أهل البيازين على الحكام وقتلوهم، وهذا كان السبب للتنصر، قالوا: لأن الحكم خرج من السلطان أن من قام على الحاكم فليس إلا الموت إلا أن يتنصر فينجو من الموت، وبالجملة فإنهم تنصروا عن آخرهم وبادية وحاضرة، وامتنع قوم من التنصر، واعتزلوا الناس، فلم ينفعهم ذلك، وامتنعت قرى وأماكن كذلك منها بلفيق وأندرش وغيرهما، فجمع لهم العدو الجموع، واستأصلهم عن آخرهم قتلاً وسبياً، إلا ما كان من جبل بللنقة فإن الله تعالى أعانهم على عدوهم، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة مات فيها صاحب قرطبة، وأخرجوا على الأمان إلى فاس بعيالهم وما خف من مالهم دون الذخائر، ثم بعد هذا كله كان من أظهر التنصر من المسلمين (4/527) ________________________________________ يعبد الله في خفية ويصلي، فشدد عليهم النصارى في البحث، حتى إنهم أحرقوا منهم كثيراً بسبب ذلك، ومنعوهم من حمل السكين الصغيرة فضلاً عن غيرها من الحديد، وقاموا في بعض الجبال على النصارى مراراً ولم يقيض الله لهم ناصراً، إلى أن كان إخراج النصارى إياهم بهذا العصر القريب أعوام سبعة عشر وألف، فخرجت ألوف بفاس، وألوف أخر بتلمسان من وهران، وجمهورهم خرج بتونس، فتسلط عليهم الأعراب ومن لا يخشى الله تعالى في الطرقات، ونهبوا أموالهم ،وهذا ببلاد تلمسان وفاس، ونجا القليل من هذه المعرة، وأما الذين خرجوا بنواحي تونس فسلم أكثرهم، وهم لهذا العهد عمروا قراها الخالية وبلادها، وكذلك بتطاوين وسلا ومتيجة (1) الجزائر. ولما استخدم سلطان المغرب الأقصى منهم عسكراً جراراً وسكنوا سلا كان منهم من الجهاد في البحر ما هو مشهور الآن، وحصنوا قلعة سلا، وبنوا بها القصور والدور والحمامات وهم الآن بهذا الحال، ووصل جماعة إلى القسطنطينية العظمى وإلى مصر والشام وغيرها من بلاد الإسلام، وهم لهذا العهد على ما وصف، والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. والسلطان المذكور الذي أخذت على يده غرناطة هو أبو عبد الله محمد الذي انقرضت بدولته مملكة الإسلام بالأندلس، ومحيت رسومها، ابن السلطان أبي الحسن ابن السلطان سعد ابن الأمير علي ابن السلطان يوسف ابن السلطان محمد الغني بالله، واسطة عقدهم، ومشيد مبانيهم الأنيقة، وسلطان دولتهم على الحقيقة، وهو المخلوع الوافد على الأصقاع المرينية بفاس، العائد منها لملكه في أرفع الصنائع الحمانية العاطرة الأنفاس، وهوسلطان لسان الدين ابن الخطيب، وقد ذكرنا جملة من أخباره في غبر هذا الموضع، ابن السلطان أبي الحجاج يوسف ابن السلطان اسماعيل قاتل سلطان النصارى دون بطره بمرج غرناطة ابنفرج " __________ (1) ق ص: وقيجة. (4/528) ________________________________________ [ابن اسماعيل] بن يوسف بن نصر بن قيس، الأنصاري، الخزرجي، رحمهم الله تعالى جميعاً. وانتهى السلطان المذكور بعد نزوله بمليلة إلى مدينة فاس بأهله وأولاده معتذراً عما أسلفه، متلهفاً على ما خلفه،وبنى بفاس بعض قصور على طريق بنيان الأندلس، رأيتها ودخلتها، وتوفي رحمه الله تعالى بفاس عام أربعين وتسعمائة، ودفن بإزاء المصلى خارج باب الشريعة وخلف ولدين اسم أحدهما يوسف والآخر أحمد وعقب هذا السلطان بفاس إلى الآن، وعهدي بذريته بفاس سنة 1027،يأخذون من أوقاف الفقراء والمساكين، ويعدون من جملة الشحاذين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. رسالة المخلوع أبي عبد الله إلى الشيخ الوطاسي وقد رأيت أن أذكر هنا الرسالة التي كتب بها المخلوع المذكور إلى سلطان فاس الشيخ الوطاسي (1) ، وهي من إنشاء الكاتب المجيد البارع البليغ أبي عبد الله محمد بن عبد الله العربي العقيلي رحمه الله تعالى وسماها ب " الروض العاطر الأنفاس في التوسل إلى المولى الإمام سلطان فاس " ونصها بعد الافتتاح: مولى الملوك ملوك العرب والعجم رعياً لما مثله يرعى من الذّمم بك استجرنا ونعم الجار أنت لمن جار الزّمان عليه جور منتقم حتى غدا ملكه بالرغم مستلباً وأفظع الخطب ما يأتي على الرغم حكمٌ من الله حتمٌ لا مردّ له وهل مردٌّ لحكمٍ منه منحتم وهي الليالي وقاك الله صولتها تصول حتى على الآساد في الأجم كنّا ملوكاً لنا في أرضنا دولٌ نمنا بها تحت أفنانٍ من النعم __________ (1) وردت هذه الرسالة في أزهار الرياض 1: 72 - 102. (4/529) ________________________________________ فأيقظتنا سهام للردى صيب يرمى بأفجع حتف من بهن رمي فلا تنم تحت ظلّ الملك نومتنا وأيّ ملكٍ بظلّ الملك لك ينم يبكي عليه الذي قد كان يعرفه بأدمعٍ مزجت أمواهها بدم كذلك الدّهر لم يبرح كما زعموا يشمّ بوّ الصّغار الأنف ذا الشمم وصل أواصر قد كانت لنا اشتبكت فالملك بين ملوك الأرض كالرحم وابسط لنا الخلق المرجوّ باسطه واعطف ولا تنحرف واعذر ولا تلم لا تأخذنّا بأقوال الوشاة ولم ... نذنب ولو كثرت أقوال ذي الوخم (1) فما أطقنا دفاعاً للقضاء، ولا أرادت آنفسنا ما حلّ من نقم ولا ركوباً بإزعاجٍ لسابحةٍ في زاخر بأكفّ الموج ملتطم والمرء ما لم يعنه الله أضيع من طفلٍ تشكّى بفقد الأم في اليتم وكل ما كان غير الله يحرسه فإنّ محروسه لحمٌ على وضم كن كالسموأل إذ سار الهمام له ... في جحفلٍ كسواد اللّيل مرتكم فلم يبح أدرع الكندي وهو يرى أن ابنه البر قد أشفى على الرجم أو كالمعلّى مع الضليل الأروع إذ أجاره من أعاريب ومن عجم وصار يشكره شكراً يكافئ ما أسدى إليه من الآلاء والنّعم ولا تعاتب على أشياء قد قدرت وخطّ مسطورها في اللوح بالقلم " وعدّ عمّا مضى إذ لا ارتجاع له " (3) ... وعدّ أحرارنا في جملة الخدم إيهٍ حنانيك يا ابن الأكرمين على ... " ضيفٍ ألمّ بفاسٍ غير محتشم " (4) __________ (1) من قول كعب بن زهير: لا تأخذني بأقوال الوشاة فلم ... أذنب وإن كثرت فيّ الأقاويل (3) مضمن من الشعر القديم. (4) اقتبس صدر بيت المتنبي، وعجزه " السيف أحسن فعلاً منه باللمم " . (4/530) ________________________________________ فأنت أنت ولولا أنت ما نهضت بنا إليها خطا الوخّادة الرّسم رحماك يا راحماً ينمى إلى رحما في النفس والأهل والأتباع والحشم فكم مواقف صدقٍ في الجهاد لنا والخيل عالكة الأشداق للّجم والسيف يخضب بالمحمرّ من علق ما ابيضّ من سبلٍ واسودّ من لمم ولا ترى صدر عضب غير منقصف ولا ترى متن لدن غير منحطم حتى دهينا بدهيا لا اقتدار لها سوى على الصون للأطفال والحرم فقال من لم يشاهدها فربّتما يخال جامحها يقتاد بالخطم هيهات لو زبنته الحرب كان بها ... أعيى يداً من يدٍ جالت على رحم (1) تالله ما أضمرت غشّاً ضمائرنا ولا طوت صحّةً منها على سقم لكن طلبنا من الأمر الذي طلبت ولاتنا قبلنا في الأعصر الدّهم فخاننا عنده الجدّ الخؤون، ومن تقعد به نكبات الدهر لم يقم فاسودّ ما اخضرّ من عيشٍ دهته عداً بالأسمر اللّدن أو بالأبيض الخذم وشتت البين شملاً كان منتظماً والبين أقطع للموصول من جلم فربّ مبنى شديد قد أناخ به ركب البلا فقرته أدمع الديم قمنا لديه أصيلاناً نسائله ... أعيا جواباً وما بالربع من إرم (2) وما ظننّا بأن نبقى إلى زمن نرى به غرر الأحباب كالحمم لكن رضىً بالقضا الجاري وإن طويت منّا الضلوع على برحٍ من الألم لبّيك يا من دعانا نحو حضرته دعاء إبراهم الحجّاج للحرم واعط الأمان الذي رصّت قواعده على أساس وفاء غير منهدم خليفة الله وافاك العبيد فكن في كلّ فضلٍ وطولٍ عند ظنهم وبين أسلافنا ما قد علمت به من اعتقاد بحكم الإرث مقتسم __________ (1) يشير إلى قولهم " أذل من يد في رحم " . (2) من قول النابغة: وقفت فيها أصيلاناً أسائلها ... عيت جواباً وما بالربع من أحد (4/531) ________________________________________ وأنت منهم كأصلٍ مطلع غصناً أو كالشراك الذي قد قدّ من أدم وقد خطوت خطاهم في مآثرهم فلم يذموا إذن فيها ولم تذم وصيت مولى الورى الشيخ الإمام غدا في الناس أشهر من نارٍ على علم سلالة الأمراء الجلّة الكبرا ء العلية الظهراء القادة البهم بنو مرين ليوثٌ في عرين ابوا رؤيا قرينٍ لهم في البأس والكرم النازلين من البيضاء وسط حمىً أحمى من الأبلق السامي ومن إرم والجائسين بدهم الخيل كل ذرا والداعسين بسمر الخط كل كمي يريك فارسهم إن هزّ عامله في مارقٍ بلظى الهيجاء مضطرم ليثاً على أجدلٍ عارٍ من آجنحةٍ يسطو بأرقم لدّاغ بغير فم في اللاّم يدغم من عسّاله ألفاً ولم نجد ألفاً أصلاً بمدّغم أهل الحفيظة يوم الروع يحفظهم من عصمة الله ما يربي على العصم يا من تطير شرارٌ منه محرقةٌ لكلّ مدّرعٍ بالحزم محتزم هم بطائفة التثليث قد فتكوا كمثل ما يفتك السرحان بالغنم وإن يلثمهم يوم الوغى رهجٌ أنسوك ما ذكروه عن ذوي اللثم تضيء آراؤهم في كلّ معضلةٍ إضاءة السّرج في داجٍ من الظّلم هذا ولو من حياءٍ ذاب محتشمٌ لذاب منهم حياءً كلّ محتشم طابت مدائحهم إذ طابت آنفسهم فاشتقّت النسمات آسماً من النسم لله درّهم والسّحب باخلة بدرّهن على الأنعام والنعم بحيث آلافق يرى من لون حمرته كالشيب يخضب بالحنّاء والكتم هناك تنهلّ أيديهم بصوب حياً يحيي بالاجداث ما فيها من الرّمم وأنّ بيتي زيادٍ (1) طالما ذكرا ... إذ ألمّت أحاديث بذكرهم أحلام عادٍ وأجسامٌ مطهّرةٌ من لمعقّة والآفات والأثم __________ (1) زياد: النابغة الذبياني. (4/532) ________________________________________ يرون حقاًعليهم حفظ جارهم فلم يضر نازلٌفيهم ولم يضم فروعه بالدواهي لا يراع، ولا يغمّ منها بما يعرو من الغمم هم البحار سماحاً غير أنّ بها ما قد أناف على الأطواد من همم وليس يسلم من حتفٍ محاربهم حتى يكون إليهم ملقي السّلم كم فيهم من أميرٍ أوحد ندسٍ يقرطس الغرض المقصود بالفهم ولا كبسط أبي حسون (1) من حسنت ... أمداحه حسن ما فيه من الشيم هذاكم ابن أبي ذكرى الهمام فقل في أصله المنتقى من مجده العمم خليفة الله حقّاً في خليقته كنائب ناب في حكمٍ عن الحكم مهما تنر قسماتٌ منه نيرةٌ تنل بنازله ما جلّ من نعم فوجهه بدجىً أو كفّه بجدىً أبهى من الزهر أو أندى من الديم وفضله وله الفضل المبين جرى كجري آلامثال في الأقطار والأمم وجوده المتوالي للبريّة ما وجوده بينها طرّاً بمنهدم إذا ابتغت نعماً منه العفاة له لم يسمعوا كلمةً منه سوى نعم وإن يعبّس زمانٌ في وجوههم لم يبصروا غير وجهٍ منه مبتسم وجه تبين سمات المكرمات به كما تبين سمات الصدق في الكلم وراحةٌ لم تزل في كلّ آونةٍ في نيلها راحة الشاكي من العدم لله ما التزمته من نوافله أيّام لا فرض مفروضٍ بملتزم أنسى الخلائف في حلمٍ وفي شرفٍ وفي سخاءٍ وفي علمٍ وفي فهم فجاز معتمداً منهم ومعتضداً وامتاز عن واثقٍ منهم ومعتصم وناصر الدين في الإقبال فاق، وفي محبّة العلم أزرى بابنه الحكم أفعال أعدائه معتلّةٌ أبداً متى يرم جذمها بالحذف تنجزم __________ (1) أبو حسون: هو أبو الحسن علي بن محمد الشيخ بن أبي زكريا يحيى بن زيان الوطاسي ويعرف بابن حسون الباذسي، بويع بفاس أول مرة سنة 932. (4/533) ________________________________________ فويل أهل القلى من حيّة ذكرٍ للمتلئبّ المهام المجر ملتقم راموا عداوة من إن شاء غادرهم من الأحاديث عن عادٍ وعن إرم فسوف يأكلهم من جيشه لجبٌ بكلّ قرمٍ إلى لحمانهم قرم وإنّ آلاعراب إذ ساروا لغايته لسائرون إلى لقمٍ على لقم وهم كما قاله ماضٍ " أرى قدمي بسعيه نحو حتفي قد أراق دمي " فقل إذاً للمناوي الناو لان أذىً يا غرّ غرك ما أبصرت في الحلم له صوارم لو ناجتك ألسنها لبشّرتك بعمرٍ منك منصرم وأنّ روحك عن قربٍ سيقبضه قبض المسلّم ما قد حاز من سلم فهو الذي ما له ندٌّ يشابهه من كلّ متّصفٍ بالدهي متّسم يدبّر الأمر تدبيراً يخلّصه ممّا عسى أن يرى فيه من الوهم ويبصر الغيب لحظ الذهن منه إذا تعمى عن آدراكه ألحاظ كلّ عمي وينعم النّظر المفضي بناظره لصوب وجه صواب واضح اللقم ذو منطقٍ لم تزل تجلو نتائجه عن مبطل بخصام المبطل الخصم ومسمعٍ ليس يصغي للوشاة فلم ينفق لديه الذي عنهم إليه نمي فعقله لا توازيه العقول، وهل يوازن الطود ما قد طال من أكم إيهٍ جميع الورى من بدو آو حضر نداء مرتبط بالنّصر مرتسم شدوا وجدّوا ولا تعنوا ولا تهنوا قد لفّها الليل بالسّوّاقة الحطم هذا الإمام المريني السعيد له سعدٌ يؤيده في كل مصطدم قد أقسمت أنّه المنصور ألسنةٌ من نخبة الأوليا مبرورة القسم فشيّعوه ووالوه تروا عجباً وتظفروا معه بالأجر والغنم والحمد لله إذ أبقى خلافته كهفاً لنا من يخيّم فيه لم يرم حرز حريزٌ وعزٌّ قائمٌ وندىً غمرٌ دراكٌ بلا منّ ولا سأم دامت ودام لها سعدٌ يساعدها في كلّ مبتدإ منه ومختتم فالله عزّ اسمه قد زانها بحلىً من غرّ أمداحه كالدّرّ في النّظم (4/534) ________________________________________ الواهب الألف بعد الألف من ذهبٍ كالجمر يلمع في مستوقد الضّرم والفاعل الفعل لم يهمم به أحدٌ والقائل القول فيه حكمة الحكم ذاكم هو الشيخ فاعجب أنّه هرمٌ جوداً وحاشاه أن يعزى إلى هرم وحسبنا أن أيدينا به اعتصمت من حبله بوثيقٍ غير منفصم فما مخالفه يوماً بمضطهدٍ ولا مؤالفه يوماً بمهتضم ولا موافيه في جهدٍ بمطّرحٍ ولا مصافيه في ودٍّ بمتّهم ولا محيّا محيّيه بمنكسفٍ ولا رجاء مرجّيه بمنخرم وما تكرّمه سرّاً بمنكشفٍ ولا تنكّره جهراً بمكتتم وليس لامح مرآه بمكتئبٍ وليس راضع جدواه بمنفطم ولا مقبّل يمناه الكريمة في محلّ ممتهنٍ بل دست محترم وما وسيلتنا العظمى إليه سوى ما ليس ينكر ما فيها من العظم وإنما هي وما أدراك ما هي من وسيلةٍ ردّها أدهى من الوخم نبيّنا المصطفى الهادي بخير هدىً محمّدٌ خير خلق الله كلّهم داعي الورى من أولي خيم وأهل قرى إلى طريق رشادٍ لاحبٍ أمم عليه منّا صلاة الله ما ذكرت ... " أمن تذكّر جيرانٍ بذي سلم " (1) وما تشفّع فيها بالشّفيع له دخيل حرمته العلياء في الحرم ربنا ظلمكنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين، ربنا عليك توكلنا، وإليك أنبنا، وإليك المصير، ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم، نعم المولى ونعم النصير. أما بعد حمد الله الذي لا يحمد على السراء والضراء سواه، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد الذي طلع طلوع الفجر بل البدر فلاح، يدعو إلى سبيل __________ (1) صدر قصيدة البوصيري المشهورة في مدح الرسول (ص). (4/535) ________________________________________ كل فلاح، أولي قلوب غافلة ونفوس سواه، والرضى عن آله وأصحابه وعترته الأكرمين وأحزابه الذين تلقوا بالقبول ما أورده عليهم من أوامر ونواه، وعزروه ونصروه في حال قربه ونواه، فيما مولانا الذي أولانا من النعم ما أولانا لا حط الله تعالى لكم من العزة رواقاً، ولا أذوى لدوحة دولتكم أغصاناً ولا أوراقاً، ولا زالت مخضرة العود، مبتسمةً عن زهرات البشائر متحفة بثمرات السعود، ممطورة بسحائب البركات المتداركات دون بروق ولا رعود، هذا مقام العائذ بمقامكم، المتعلق بأسباب ذمامكم، المترجي لعواطف قلوبكم وعوارف إنعامكم، المقبل الأرض تحت أقدامكم، المتلجلج اللسان عند محاولة مفاتحة كلامكم، وما الذي يقول من وجهه خجل، وفؤاده وجل، وقضيته المقضية عن لتنصل والاعتذار تجل، بيد أني أقول لكم ما أقوله لربي واجترائي عليه أكثر، واحترامي إليه أكبر: اللهم لا بريء (1) فأعتذر، ولا قوي فأنتصر، لكني مستقيل، مستنيل مستعتب مستغفر " وما أبرّئ نفسي، إنّ النّفس لأمّارةٌ بالسّوء " ، هذا على طريق التنزل والإنصاف، بما تقتضيه الحال ممن يتحيز إلى حيز الإنصاف، وأما على جهة التحقيق، فأقول ما قالته الأم ابنة الصديق (2) : " والله إني لأعلم أني إن أقررت بما يقوله الناس والله يعلم أني منه بريئة لأقول ما لم يكن، ولئن أنكرت ما تقولون لا تصدقوني، فأقول ما قاله أبو يوسف: صبر جميل والله المستعان على ما تصفون " . على أني لا أنكر عيوبي فأنا معدن العيوب، ولا أجحد ذنوبي فأنا جبل الذنوب، إلى الله أشكو عجري وبجري، وسقطاتي وغلطاتي، نعم كل شيء ولا ما يوله المتقول، المشنع المهول، الناطق بفم الشيطان المسول، ومن أمثالهم " سبني واصدق، ولا تفتر ولا تخلق " ، أفمثلي كان يفعل أمثالها، ويحتمل من الأوزار أحمالها ويهلك نفسه ويحبط أعمالها، عياذاً بالله __________ (1) ص ق: لا بريكة. (2) انظر إمتاع الأسماع: 209 مع اختلاف في النص. (4/536) ________________________________________ من خسران الدين، وإيثار الجاحدين والمعتدين، قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين، وايم الله لو علمت شعرة في فودي تميل إلى تلك الجهة لقطعتها، بل لقطفت ما تحت عمامتي من هامتي وقطعتها، غير أن الرعاع في كل وقت وأوان، للملك أعداء وعليه أحزاب وأعوان، كان أحمق أو أجهل من أبي ثروان (1) ، أو أعقل أو أعلم من أشج بني مروان (2) ، رب متهم بري ومسربلٍ بسربال وهو منه عري، وفي الأحاديث صحيح وسقيم، ومن التراكيب المنطقية منتج وعقيم، ولكن ثم ميزان عقل، تعتب ربه أوزان النقل، وعلى الراجح الاعتماد، ثم إشاعة الأحماد، المتصل المتماد، وللمرجوح الاطراح، ثم التزام (3) الصراح، بعد النفض من الراح، وأكثر ما تسمعه الكذب، وطبع جمهور الخلق إلا من عصمه الله تعالى إليه منجذب، ولقد قذفنا من الأباطيل بأحجار، ورمينا بما لا يرمى به الكفار، فضلاً عن الفجار، وجرى من الأمر المنقول على لسان زيد وعمر ما لديكم منه حفظ الجار، وإذا عظم الإنكاء، فعلى تكاءة التجلد الاتكاء، أكثر المكثرون، وجهد في تعثيرنا المتعثرون، ورمونا عن قوس واحدة، ونظمونا في سلك الملاحدة، أكفراً أيضاً كفراً، غفراً (4) اللهم غفراً، أعد نظراً يا عبد قيس، فليس الأمر على ما خيل لك ليس، وهل زدنا على أن طلبنا حقنا، ممن رام محقه ومحقنا، فطاردنا في سبيله عداة كانوا لنا غائظين، فانفتق علينا فتقٌ لم يمكنا له رتق، وما كنا للغيب حافظين. وبعد فاسأل أهل الحل والعقد، والتمييز والنقد، فعند جهينتهم تلقى الخبر يقينا، وقد رضينا بحكمهم يؤثمنا فيوبقنا أو يبرئنا فيقينا، إيه يا من اشرأب إلى ملامنا، وقدح حتى في إسلامنا، رويداً رويداً، فقد وجدت قوةً وأيداً، ويحك إنما طال لسانك علينا، وامتد بالسوء __________ (1) هو هبنقة القيسي مضرب المثل في الحمق. (2) هو عمر بن عبد العزيز. (3) ق ص: الزم. (4) ص ق: غداً. (4/537) ________________________________________ إلينا لأن الزمان لنا مصغر ولك مكبر، والأمر عليك مقبل وعنا مدبر، كما قال كاتب الحجاج الموبر، وعلى الجملة فهبنا صرنا إلى تسليم مقالك جدلاً، وذهبنا فأقررنا بالخطإ في كل ورد وصدر، فلله در القائل (1) : " إن كنت أخطأت فما أخطأ القدر " ... وكأنا بمعتسف إذا وصل إلى هنا، وعدم إنصافه يعلمه إلهنا، قد ازور متجانفاً، ثم افتر متهانفاً، وجعل يتمثل بقولهم: إذا عيروا قالوا مقادير قدرت، وبقولهم: المرء يعجزه المحال، فيعارض الحق بالباطل، والحالي بالعاطل، ومنزع بقول القائل: رب مسمع هائل، وليس تحته [من] طائل، وقد فرغنا أول أمس من جوابه، وتركنا الضغن يلصق حرارة (2) الجوى به. وسنلم الآن بما يوسعه تسكيتاً، ويقطعه تبكيتاً، فنقول له: ناشدناك الله تعالى، هل اتفق لك قط وعرض، خروج أمر ما عن القصد منك فيه والغرض مع اجتهادك أثناءه في إصدارك وإيرادك، في وقوعه على وفق اقتراحك ومرادك، أو جميع ما تزاوله بإدارتك، ل يقع إلا مطابقاً لإرادتك، أو كل ما تقصده وتنويه، تحرزه كما تشاء وتحويه فلا بد أن يقر اضطراراً، بأن مطلوبه يشذ عنه مراراً، بل كثيراً ما يفلت صيده من أشراكه. ويطلبه فيعجز عن إدراكه، فنقول: ومسألتنا من هذا القبيل، أيها النبيه النبيل، ثم نسرد له من الأحاديث النبوية ما شينا، مما يسايرنا في غرضنا ويماشينا، كقوله صلى الله عليه وسلم " كل شيء بقضاء وقدر، حتى العجز والكيس " وقوله أيضاً " لو اجتمع أهل السموات والأرض على أن ينفعوك بشيء لم يقضه الله لك لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يقضه الله لك لم يقدروا عليه " أو كما قال، صلى الله عليه وسلم، __________ (1) هو أبو العتاهية (ديوانه: 449) وقبله: هي المقادير فلمني أو فذر ... تجري المقادير على غرز الإبر (2) ص: حزازة. (4/538) ________________________________________ فأخلق أن يلوذ بأكناف الإحجام، ويزم على نفثة فيه كأنما ألجم بلجام، حينئذٍ نقول له والحق قد أبان وجهه وجلاه، وقهره بحجته وعلاه: ليس لك من الأمر شيء قل إن الأمر كله لله، وفي محاجة آدم وموسى ما يقطع لسان الخصم، ويرخص عن أثواب أعراضنا ما عسى أن يعلق بها من درن الوصم، وكيفما كانت الحال، وإن ساء الرأي والانتحال، ووقعنا في أوجال وأوحال، فثل عرشنا، وطويت فرشنا، ونكس لوانا، وملك مثوانا، فنحن أمثل من سوانا، وفي الشر خيار، ويد اللطائف تكسر من صولة الأغيار، فحتى الآن لم نفقد من اللطيف تعالى لطفاً، ولا عدمنا أدوات أدعية تعطف بلا مهلة على جملتنا المقطوعة جمل النعم الموصولة عطفاً، وإلا فتلك بغداد دار السلام، ومتبوأ الإسلام، المحفوف بفرسان السيوف والأقلام، مثابة الخلافة العباسية، ومقر العلماء والفضلاء أولي السير الأويسية (1) ، والعقول الإياسية (2) ، قد نوزلت بالجيوش ونزلت، وزوولتت بالزحوف وزلزلت، وتحيف جوانبها الجيف، ودخلها كفار التتار عنوة بالسيف، ولا تسل إذ ذاك عن كيف، أيام تجلت عروس المنية كاشفة عن ساقها مبدية، وجرت الدماء في الشوارع والطرق كالأنهار والأودية، وقيد الأئمة والقضاة تحت ظلال السيوف المنتضاة بالعمائم في رقابهم والأردية، وللنجيع سيول، تخوضها الخيول، فتخضبها إلى أرساغها، وتهم ظماؤها بوردها فتنكل عن تجرعها ومساغها، فطاح عاصمها ومستعصمها، وراح ولم يعد ظالمها ومتظلمها، وخربت مساجدها وديارها، واصطلم بالحسام أشرارها وخيارها، فلم يبق من جمهور أهلها عين تطرف، حسبما عرفت أو حسبما تعرف، فلا تك متشككاً متوقفاً، فحديث تلك الواقعة الشنعاء أشهر عند المؤرخين من قفا، فأين تلك الجحافل، والآراء المدارة في المحافل حين أراد الله تعالى __________ (1) نسبة إلى أويس القرني الزاهد. (2) نسبة إلى غياس بن معاوية القاضي الذي يضرب به المثل في الزكانة. (4/539) ________________________________________ بإدالة الكفر، لم تجد ولا قلامة ظفر، فمن سلمت له نفسه التي هي رأس ماله، وعياله وأطفاله اللذان هما من أعظم آماله، وكل أو جل أو أقل (1) رياشه، وأسباب معاشه الكفيلة بانتهاضه وانتعاشه، ثم وجد مع ذلك سبيلاً إلى الخلاص، في حال مياسرة ومساهلة دون تعصب واعتياص، بعد أن ظن كل الظن أن لا محيد ولا مناص، فما أحقه حينئذٍ وأولاه، أن يحمد خالقه ورازقه ومولاه، على ما أسداه غليه من رفده وخيره، ومعافاته مما ابتلي به كثير من غيره، ويرضى بكل إيراد وإصدار، تتصرف فيهما الأحكام الإلهية والأقدار، فالدهر غدار، والدنيا دار مشحونة بالأكدار، والقضاء لا يرد، ولا يصد، ولا يغالب، ولا يطالب، والدائرات تدور، ولا بد من نقص وكمال للبدور، والعبد مطيع لا مطاع، وليس يطاع إلا المستطاع، وللخالق القدير جلت قدرته في خليقته علم غيبٍ للأذهان عن مداه انقطاع. ومالي والتكلف لما لا أحتاج إليه من هذا القول، بين يدي ذي الجلالةالمجادة والفضل والطول فله من العقل الأرجح، ومن الخلق الأسجح، ما لا تلتاط معه تهمتي بصفره (2) ، ولا تنفق عنده وشاية الواشي لا عد من نفره، ولا فاز قدحه بظفره، والمولى يعلم أن الدنيا تلعب باللاعب، وتجر براحتها إلى المتاعب، وقديماً للأكياس من الناس خدعت، وانحرفت عن وصالهم أعقل ما كانوا وقطعت، وفعلت بهم ما فعلت بيسار الكواعب تلك التي جبت وجدعت، ولئن رهصت وهصرت، فقد نبهت وبصرت، ولئن قرعت وأمعضت، لقد ارشدت ووعظت، ويا ويلنا من تنكرها لنا بمرة، ورميها لنا في غمرةٍ أي غمرة، أيام قلبت لنا ظهر المجن، وغيم أفقها المصحي وادجن، فسرعان ما عاينا حبالها منيتة، ورأينا منه مالم نحتسب كما تقوم الساعة بغتة، فمن استعاذ من شيء __________ (1) ق ص: أعقل. (2) يريد: لا تعلق بقلبه. (4/540) ________________________________________ فليستعذ مما صرنا إليه من الحور بعد الكور، والانحطاط من النجد إلى الغور: فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقةٌ تتنصّف (1) فأفٍّ لدنيا لا يدوم نعيمها تقلّب تاراتٍ بنا وتصرّف وأبيها لقد أرهقتنا إرهاقاً، وجرعتنا من صاب الأوصاب كأساً دهاقاً، ولم نفزع إلى غير بابكم المنيع الجناب، المنفتح حين سدت الأبواب، ولك نلبس غير لباس نعمائكم حين خلعنا ما ألبسنا الملك من الأثواب، وإلى أمه يلجأ الطفل لجأ اللهفان، وعند الشدائد تمتاز السيوف في الأجفان من الأجفان، ووجه الله تعالى يبقى وكلّ من عليها فانٍ، وإلى هنا ينتهي القائل ثم يقول: حسبي هذا وكفان. ولا ريب في اشتمال العلم الكريم، على ما تعارفته الملوك بينها في الحديث والقديم، من الأخذ باليد عند زلة القدم، وقرع الأسنان وعض البنان من الندم، ديناً تدينت حتى مع اختلاف الأديان، وعادة اطردت فيهم على تعاقب الأزمان والأحيان. ولقد عرض علينا صاحب قشتالة مواضع معتبرة خير فيها، وأعطى من أمانه المؤكد فيه خطه بأيمانه ما يقنع النفوس ويكفيها، فلم نر ونحن من سلالة الأحمر، مجاورة الصفر، ولا سوغ لنا الإيمان الإقامة بين ظهراني الكفر، ما وجدنا عن ذلك مندوحة ولو شاسعة، وأمنا من المطالب المشاغب حمة شرٍ لنا لاسعة، وادكرنا أي ادكار، قول الله تعالى المنكر لذلك غاية الإنكار " ألم تكن أرض الله واسعة " وقول الرسول، عليه الصلاة والسلام، المبالغ في ذلك بأبلغ الكلام " أنا بريء من مؤمن مع كافر لا تتراءى ناراهما " (2) وقول الشاعر الحاث على __________ (1) ورد البيتان في قصة حرقة بنت النعمان تخاطب فروة بن إياس بن قبيصة (المحاسن والأضداد: 115). (2) نص الحديث: أنا بريء من كل مسلم مع شرك، قيل: لم يا رسول الله قال: لا تراءى ناراهما. (4/541) ________________________________________ حث المطية، المتثاقلة عن السير في طريق منجاتها البطية: وما أنا والتلدّد نحو نجد ... وقد غصّت تهامة بالرجال ووصلت أيضاً من الشرق إلينا، كتبٌ كريمة المقاصد لدينا، تستدعي الانحياز إلى تلك الجنبات، وتتضمن ما لا مزيد عليه من الرغبات، فلم نختر إلا دارنا التي كانت دار آبائنا من قبلنا، ولم نرتض الإنضواء إلا لمن بحبله وصل حبلنا، وبريش نبله ريش نبلنا، إدلالاً على محل إخاء متوارث لا عن كلالة، وامتثالاً لوصاة أجداد لأنظارهم وأقدارهم أصالة وجلالة، إذ قد روينا عمن سلف من أسلافنا، في الإيصاء لمن يخلف بعدهم من أخلافنا، أن لا يبتغوا إذا دهمهم داهم بالحضرة المرينية بدلاً، ولا يجدوا عن طريقها في التوجه إلى فريقها (1) معدلاً، فاخترقنا إلى الرياض الأريضة الفجاج، وركبنا إلى البحر الفرات ظهر البحر الأجاج، فلا غرو أن نرد منه على ما يقر العين، ويشفي النفس الشاكية من ألم البين، ومن توصل هذا التوصل، وتوسل بمثل ذلك التوسل، تطارحاً على سدة أمير المؤمنين، المحارب للمحاربين، والمؤمن للمستأمنين، فهو الخليق الحقيق بأن يسوغ أصفى مشاربه، ويبلغ أوفى مآربه، على توالي الأيام والشهور والسنين، ويخلص من الثبور إلى الحبور، ويخرج من الظلمات إلى النور، خروج الجنين، ولعل شعاع سعادته يفيض علينا، ونفحة قبول إقباله تسري إلينا، فتخامرنا أريحية تحملنا على أن نبادر، لإنشاد قول الشريف الرضي في الخليفة القادر (2) : عطفاً أمير المؤمنين فإنّنا ... في دوحة العلياء لا نتفرّق ما بيننا يوم الفخار تفاوتٌ ... أبداً، كلانا في المعالي معرق إلاّ الخلافة ميّزتك، فإنّني ... أنا عاطلٌ منها وأنت مطوّق __________ (1) ص: أفريقيا. (2) ديوان الرضي 2: 42. (4/542) ________________________________________ لا بل الأحرى بنا والأحجى، والأنجح لسعينا والأرجى، أن نعدل عن هذا المنهاج، ويقوم وافدنا بين يدي علاه مقام الخاضع المتواضع الضعيف المحتاج، وينشد ما قال في الشيرازي ابن حجاج (1) : الناس يفدونك اضطراراً ... منهم، وأفديك باختياري وبعضهم في جوار بعضٍ ... وأنت حتى أموت جاري فعش لخبزي وعش لمائي ... وعش لداري وأهل داري ونستوهب من الوهاب تعالى جلت أسماؤه، وتعاظمت نعماؤه، رحمةً تجعل في يد الهداية أعنتها، وعصمةً تكون في مواقف المخاوف جنتنا، وقبولاً يعطف علينا نوافر القلوب، وصنعاً يسني لنا كل مرغوب ومطلوب، ونسأله وطالما بلغ السائل سؤالاً ومأمولاً، متاباً صادقاً على موضوع الندم محمولاً، ثم عزاءً حسناً وصبراً جميلاً، عن أرض أورثها من شاء من عباده معقباً لهم ومديلاً، وسادلاً عليهم من ستور الإملاء الطويلة سدولاً " سنة الله التي قد خلت من قيل ولن تجد لسنة الله تبديلاً " فليطر طائر الوسواس المرفرف مطيراً، كان ذلك في الكتاب مسطوراً، لم نستطع عن مورده صدوراً، وكان أمر الله قدراً مقدوراً. ألا وإن لله سبحانه، في مقامكم العلي الذي أيده وأعانه، سراص من النصر يترجم عنه لسان من النصل، وترجع فروع البشائر الصادقة، بالفتوحات المتلاحقة، من قاعدته المتأصلة، إلى أصل، فبمثله يجب اللياذ، والعياذ، ولشبهه يحق الالتجاء، والارتجاء، ولأمر ما آثرناه واخترناه، بعد أن استرشدنا الله سبحانه واستخرناه، ومنه جل جلاله نرغب أن يخير لنا ولجميع المسلمين ويأوينا من حمايته ووقايته إلى معقل منيع وجناب رفيع أمين، آمين آمين، ونرجو أن يكون ربنا، الذي هو في جميع الأمور حسبنا، قد خار لنا حيث أرشدنا وهدانا، __________ (1) من أبيات لابن حجاج في أبي الفضل الشيرازي (اليتيمة 3: 47). (4/543) ________________________________________ وساقنا توفيقه وحدانا، إلى الإستجارة بملك حفي، كريم وفي، أعز جاراً من أبي داوود، وأحمى أنفاً من الحارث بن عباد، يشهد بذلك الداني والقاصي والحاضر والباد، إن أغاث ملهوفاً فما الأسود ابن قنان يذكر، وإن أنعش حشاشة هالكٍ فما كعب بنم مامة (1) على فعله وحده يشكر، جليسه كجليس القعقاع ابن شور (2) ، ووذاكره كمذاكر سفيان المنتسب من الرباب إلى ثور (3) ، إلى التحلي بأمهات الفضائل، التي أضدادها أمهات الرذائل، وهي الثلاث: الحكمة والعدل والعفة التي تشملها الثلاثة الأقوال والأفعال والشمائل، وينشأ منها ما شئت من عزم وحزم، وعلم وحلم، وتيقظ وتحفظ، واتقاء وارتقاء، وصول وطول، وسماح ونائل، فبنور حلاه المشرق، يفتخر المغرب على المشرق، وبمحتده السامي خطره في الأخطار، وبيته الذي ذكره في النباهة والنجابة قد طار، يباهي جميع ملوك الجهات والأقطار، وكيف لا وهو الرفيع المنتمى والنجار، الراضع من الطهارة صفو ألبان، الناشئ من السراوة وسط أحجار، في ضئضئ المجد وبحبوح الكرم، وسراوة أسرة المملكة التي أكنافها حرم، وذؤابة الشرف التي مجاذبتها لم ترم، من معشر أي معشر بخلوا إن وهبوا ما دون أعمارهم، وجبنوا إن لم يحموا سوى ذمارهم، بنو مرين، وما أدراك ما بنو مرين: سمّ العداة وآفة الجزر (4) ... النازلون بكلّ معتركٍ ... والطيبون معاقد الأزر لهم من الهفوات انتفاء، وعندهم من السير النبوية اكتفاء، انتسبوا إلى بر __________ (1) مضرب المثل في الإيثار لأنه آثر صاحبه النمري على نفسه بالماء ومات ظمأً. (2) يضرب به المثل في حسن المجالسة، قال الشاعر: وكنت جليس قعقاع بن شور ... ولا يشقى بقعقاع جليس (3) يريد سفيان الثوري، والرباب مجموعة قبائل فيها ثور وعوف وضبة. (4) صدر هذا البيت من شعر الخرنق " لا يبعدن قومي الذين هم " . (4/544) ________________________________________ ابن قيس، فخرجوا في البر عن القيس (1) ، ما لهم القديم المعروف، قد نفد في سبيل المعروف، وحديثهم الذي نقلته رجال الزحوف، من طرق القنا والسيوف، على الحسن من المقاصد موقوف، تحمد من صغيرهم وكبيرهم ولدنهم، فلله آباء أنجبوهم وأمهات ولدنهم: شمّ الأنوف من الطراز الأوّل (2) ... إليهم في الشدائد الاستناد وعليهم في الأزمات المعول، ولهم في الوفاء والصفاء والاحتفاء والعناية والحماية والرعاية الخطو الواسع والباع الأطول، كأنما عناهم بقوله جرول (3) : أولئك قومٌ إن بنوا أحسنوا البنا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدّوا وإن كانت النّعماء فيهم جزوا بها ... وإن أنعموا لا كدّروها ولا كدّوا وتعذلني أبناء سعدٍ عليهم ... وما قلت إلاّ بالتي علمت سعد وبقوله الوثيق مبناه، البليغ معناه (4) : قومٌ إذا عقدوا عقداً لجارهم ... شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا (5) يزيحون عن النزيل كل نازح قاصم، وليس له منهم عائب ولا واصم، فهم أحق بما قاله في منقر قيس بن عاصم (5) : __________ (1) القيس: المقايسة. (2) عجز بيت لحسان، وصدره " بيض الوجوه كريمة أحسابهم " . (3) ديوان الحطيئة: 41. (4) ديوان الحطيئة: 16. (5) العناج: حبل يجعل في أسفل الدلو تشد به العراقي، والكرب عقد مثني يشد على العراقي، والمعنى: إذا عقدوا أوفوا لمن عقدوا وكان عقدهم وثيقاً. (5) العناج: حبل يجعل في أسفل الدلو تشد به العراقي، والكرب عقد مثني يشد على العراقي، والمعنى: إذا عقدوا أوفوا لمن عقدوا وكان عقدهم وثيقاً. (4/545) ________________________________________ لا يفطنون لعيب جارهم ... وهم لحفظ جوارهم فطن حلاهم هذه الغريزة التي ليست باستكراه ولا جعل، وأمير المؤمنين دام نصره قسيمهم فيها حذو النعل بالنعل، ثم هو عليهم وعلى من سواهم بالأوصاف الملوكية مستعل، ارفض مزنهم منه عن غيث ملثٍ يمحو آثار اللزبة، وانشق غيلهم منه عن ليث ضارٍ متقبض على براثنه للوثبة، فقل لسكان الفلا: لا تغرنكم أعدادكم وأمدادكم، فلا يبالي السرحان المواشي سواء مشى إليها النقرى أو الجفلى (1) ، بل يصدمهم صدمة تحطم منهم كل عرنين، ثم يبتلع بعد أشلائهم المعفرة ابتلاع التنين، فهو كما عرفوه، وعهدوه وألفوه، أخو المنايا، وابن جلا وطلاع الثنايا، مجتمع أشده، قد احتنكت سنه وبان رشده، جاد مجد، محتزم بحزام الحزم مشمر عن ساعد الجد: لا يشرب الماء إلا من قليب دم ... ولا يبيت له جار على وجل (2) أسدي القلب آدمي الرواء، لابس جلد النمر يزوي العناد والنواء (3) : وليس بشاوي (4) عليه دمامة ... إذا ما سعى يسعى بقوس وأسهم ولكنه يسعى عليه مفاضة دلاص كأعيان الجراد المنظم فالنجاء النجاء سامعين له طائعين، والوحى الوحى (5) لاحقين به خاضعين، قبل أن تساقوا إليه مقرنين في الأصفاد، ويعيا الفداء بنفائس النفوس والأموال على الفاد، حينئذ يعض ذو الجهل والفدامة، على يديه حسرة وندامة، إذا رأى __________ (1) النقري: الدعوة الخاصة، والجفلى: العامة، يعني وحده أو مع جماعة. (2) البيت لأبي سعيد المخزومي (أمالي القالي 1: 259). (3) انظر اللسان (شوه - عين). (4) الشاوي: صاحب الشاء. (5) في ق ص: والوجل الوجل. (4/546) ________________________________________ أبطال الجنود، تحت خوافق الرايات والبنود، قد لفحتهم نار ليست بذات خمود، وأخذتهم صاعقة مثل صاعقة الذين من قبلهم عاد وثمود، زعقات تؤز الكتائب أزاً، وهزاً محققاً للخيل بعد المد المشبع للأعنة همزاً (1) ، وسلاً للهندية سلاً وهزاً للخطية هزاً، حتى يقول النسر للذئب: " هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً " ، ثق خليفة الله بذاك، في كل من رام أذى رعيتك أو أذاك، فتلك عادة الله سبحانه وتعالى في ذوي الشقاق والنفاق، الذين يشقون عصا المسلمين ويقطعون طريق الرفاق، وينصبون حبائل البغي والفساد في جميع النواحي والآفاق، فلم يجعلهم الله عز وجل من الآمنين، أنى وكيف وقد أفسدوا وخانوا وهو سبحانه لا يصلح عمل المفسدين، ولا يهدي كيد الخائنين، وها نحن قد وجهنا إلى كعبة مجدكم وجوه صلوات التقديس والتعظيم، بعدما زينا معاطفها باستعطافكم بدر سناء أبهى من در العقد النظيم، منتظمين في سلك أوليائكم، متشرفين بخدمة عليائكم، ولا فقد عزة ولا عدمها، من قصد مثابتكم العزيزة وخدمها، وإن المترامى على سنائكم، لجدير بحرمتكم واعتنائكم، وكل ملهوف تبوأ من كنفكم حصناً حصيناً، عاش بقية عمره محروساً من الضيم مصوناً، وقد قيل في بعض الكلام: من قعدت به نكاية الأيام، أقامته إغاثة الكرام، ومولانا أيده الله تعالى ولي ما يزفه إلينا من مكرمة بكر، ويصنعه لنا من صنيع حافل يخلد في صحائف حسن الذكر، ويروي معنعن حديث حمده، وشكره طرس عن قلم عن بنان عن لسان عن فكر، وغيره من ينام عن ذلك فيوقظ، ويسترسل مع الغفلة حتى يذكر ويوعظ، وما عهد منذ وجد إلا سريعاً إلى داعي الندى والتكرم، بريئاً من الضجر بالمطال والتبرم، حافظاً للجار الذي أوصى النبي، صلى الله عليه وسلم، بحفظه، مستفرغاً وسعه في رعيه المستمر ولحظه، آخذاً من حسن الثناء في جميع الأوقات والآناء بحظه: __________ (1) ص: وعمزاً. (4/547) ________________________________________ فهو من دوحة السنا فرع عز ... ليس يحتاج مجتنيه لهز كفه في الأمحال أغزر وبل ... وذراه في الخوف أمنع حرز حلمه يسفر اسمه لك عنه ... فتفهم يا مدعي الفهم لغزي لا تسله شيئاً ولا تستنله ... نظرة منه فيك تغني وتجزي فنداه هو الفرات الذي قد ... عام فيه الأنام عوم الأوز وحماه هو المنيع الذي تر ... جع عنهالخطوب مرجع عجز فدعوا ذهنه يزاول قولي ... فهو أدرى بما تضمن رمزي دام يحيا بكل صنع ومل ... ويعافى من كل بؤس ورجز وكأنا به قد عمل على شاكلة جلاله، من مد ظلاله، وتمهيد حلاله، وتلقى ورودنا بحسن تهلله واستهلاله، وتأنيسنا بجميل قبوله وإقباله، وإيرادنا على حوض كوثره المترع بزلاله، والله سبحانه يسعد مقامه العلي ويسعدنا به في حله وارتحاله، ومآله وحاله، ويؤيد جنده المظفر ويؤيدنا بتأييده على نزال عدوه واستنزاله، وهز الذوابل لإطفاء ذباله، وهو سبحانه وتعالى المسؤول أن يريه قرة العين في نفسه وأهله وخدامه وأمواله، وأنظاره وأعماله، وكافن شؤونه وأحواله، وأحق ما نصل بالسلام وأولى، على المقام الجليل مقام الخليفة المولى، أزكى الصلاة والسلام على خاتمة أنبياءه وأرساله، سيدنا ومولانا محمد، صلى الله عليه وسلم وعلى جميع أصحابه وآله، صلاة وسلاماً دائمين أبداً موصولين بدوام الأبد واتصاله، ضامنين لمجددهما ومرددهما صلاح فاسد أعماله، وبلوغ غاية آماله، وذلك بمشيئة الله تعالى وإذنه وفضله وإفضاله، انتهى. [ترجمة محمد العربي كاتب الرسالة نقلاً عن الوادي آشي] وكاتب هذه الرسالة على لسان السلطان المخلوع، قال الوادي آشي في حقه (1) : __________ (1) انظر تعريفاً بالفقيه أبي عبد الله محمد بن عبد الله العقيلي العربي صاحب هذه الرسالة في أزهار الرياض 1: 103. (4/548) ________________________________________ إنه إمام الصناعة، وفارس حلبة القرطاس واليراعة، وواسطة عقد البلاغة والبراعة الذي قطف الكمال لما نور، ورتب محاسن البديع في درر فقره وطور، وغرف من بحر عجاج، واقتطف من خاطر وهاج، أبو عبد الله محمد بن عبد الله العربي العقيلي، وما أحسن قوله فيمن قد ظفر به المسلمون: ألا رب مغرور تنصر ضلة ... فحاق به شؤم الضلال وشره فإن يرتفع عند النصارى بالابتدا ... فكم عندنا من حرف حبل يجره وقال الوادي آشي أيضاً في موضع آخر ما نصه: ولشاعر العصر، ومالك زمامي النظم والنثر، والفقيه العالم المتقن المتفنن العارف الأوحد النبيه النبل، سيدي محمد العربي وصلى الله تعالى رفعة قدره، وحرس من غير الأيام أشعة بدره (1) : الحب في جمهور أنواره ... فأين الإخوان والأحباب وأين أين الإجتماعات، قد ... تهيأت لهن الأسباب وأين بنت الجبن مهما بدت ... طارت إليها شوقاً الباب وأين الألبان لأكوابها ... في برم الأرز تسكاب واللحم بالبسباس قد ألفت ... لطبخه في القدر الأحطاب والعود ذو دندنة يطبي ... آثارها للطاري دبداب وملح الأصوات قد طورحت ... وجاء معبدٌ وزرياب (2) وفض للهو ختام ولم ... يسد في وجه الهوى باب وقيل للوقار قم قبل أن ... تسلب عنك الآن الاثواب وكلّ إنسانٍ وما يشتهي ... ليس على مناه حجاب __________ (1) قد تقرأ القصيدة معربة بشيء من التعسف، ولكني اعتقد أنها قد تعد من الشعر الملحون. (2) سقط هذا البيت من ص. (4/549) ________________________________________ مسترسلاً ليس له عذل ... كلا ولا عليه رقاب في راحة خلعت أرسانها ... لمثلها تعصر الأعناب فكل بستان قد استأسدت ... فيه النواوير والاعشاب وأطلع التراب أدواحه ... كأنها العرب الاتراب لما تحلت بحلى زهرها ... داخلها بالحسن الاعجاب عرائس ليس لها في سوى ... ماية أو ينية خطاب أيام تبدي ثمرات بدا ... في جنباتهن الارطاب كأنه في العيتن يافوت أو ... كأنه في الفم جلاب هيهات هيهات أمان لها ... خلب برق لك خلاب ما حوت الرؤوس أمثالها ... فكيف تحويهن الأذناب قد عاق عن ذلك دهر به ... تعدم الأفراح والأطراب يروم الإنسان غلاباً له ... والدهر للإنسان غلاب وقال رحمه الله تعالى لما نزل النصارى لمحاصرة غرناطة: بالطبل في كل يوم ... وبالنفير نراع وليس من بعد هذا ... وذاك إلا القراع يا رب جبرك يرجو ... من هيض منه الذراع لا تسلبني صبراً ... منه لقلب ادراع وله رحمه الله تعالى في الموشحات اليد الطولى، فمن ذلك قوله: بدر أهل الزمان ... الرفيع القدر لا تزل في أمان ... من كسوف البدر (4/550) ________________________________________ هل يصح الأمان ... من شبيه البدر وهو مثل الزمان ... منتم للغدر لم يغر الأغر ... غير غمر جاهل عيشه الحلو مر ... وهو فيه ناهل والصبا الغض مر ... وهو عنه ذاهل مرشف البهرمان ... فوق ثغر الدرر مطمع للأمان ... باقتراب الدر وعارض رحمه الله تعالى بهاتين الموشحتين الموشحة المشهورة: ضاحك عن جمان ... سافر عن بدر ضاق عنه الزمان ... وحواه صدري وممن عارض هذه الموشحة ابن أرقم إذ قال: مبسم البهرمان ... في المحيا الدري صاد قلبي وبان ... وأنا لم أدري والإنصاف أن معارضة العربي أحسن من هذه. وله أيضاً معارضتان غير ماتقدم: الأولى قوله: بان لي ثم بان ... ذا خدود حمر ينثني مثل بان ... في ثياب خضر والثانية قوله: هل لمرآك ثان ... في ثناه الدري أو لحوباه ثان ... عن هواها العذري (4/551) ________________________________________ يا مليحاً جلا ... عن محيا جميل همت فيه ولا ... هيمان جميل مل قليلاً إلى ... من إليك يميل عاشق فيك فان ... كاتم للسر لك منه مكان ... في صميم الصدر ومن نظم العربي المذكور لما عرض عليه السلطان رياسة كتابه من قصيدة: أوجه سعدى انحط عنه اللثام ... أم بدر أفق فض عنه الغمام أم أنا في حالي لا عقل لي ... أم حلم قد لاح لي في المنام يا لك مرأى من رأى حسنه ... هيج للقلب غراماً فهام كأنما أقبس نور البها ... من وجه مولانا الإمام الهمام ابن أبي الحسن الأسرى الذي ... قد كان للأملاك مسك الختام ضرغام قد (1) أنجب شبهاً له ... في صدق بأس ومضاء اعتزام حام وسام فأفاعيله ... تنقلها أبناء سام وحام دام له النصر الذي جاءه ... والسيف من طلى أعاديه دام فيا أمير المؤمنين الذي ... له بعروة اليقين اعتصام أبشر بجد مقبل لم يؤل ... إلى انصراف لا ولا لانصرام وعزة لم يفض بنيانها ... إلى انهداد لا ولا لانهدام لله منك ملك جنده ... زهر النجوم (2) وهو بدر التمام ومنها: يطرب من مادحه مثلما ... يطرب قلب الصب سجع الحمام __________ (1) قد: سقطت من ق ص. (2) ق: الدراري. (4/552) ________________________________________ فيفعل الشعر بأعطافه ... ما ليس تفعل بهن المدام وإن حكى في حسنه يوسفاً ... فمدحه يشبه زهر الكمام ومنها: فداره ليست ببغدادهم ... مع أنها تدعى بدار السلام ومنها: أسأله الإعفاء من كل ما ... أعجز عن حمل له والتزام ومنها: مستشفعاً له بخير الورى ... محمد عليه أزكى السلام ومنها: وكل إنسان وما اختاره ... ورب ذي عذر قد أضحى يلام وآخرها: فالحمد لله على أن غدا ... للشمل بعد الانصداع التئام ولنختم هذه الترجمة بقوله (1) : جز بالبساتين والرياض فما ... أبهج مرئيها (2) وأحلاه واعجب بها للنبات ولتك في ... أسفله ناظراً وأعلاه وقدس الله عند ذاك وقل ... سبحانه لا إله إلا هو سبحان وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين والحمد لله رب العالمين. انتهى المجلد الرابع __________ (1) الأبيات في أزهار الرياض 1: 103. (2) ق: مرآها. (4/553) ________________________________________ القسم الثاني في التعريف بلسان الدين ابن الخطيب، وذكر أنبائه التي يروق سماعها ويتأرج نفحها ويطيب، وما يناسبها من أحوال العلماء الأفراد، والأعلام الذين اقتضى ذكرهم شجون الكلام والاستطراد، وفيه أيضاً من الأبواب ثمانية، موصلة إلى جنات أدبٍ قطوفها دانية، وكل غصن منها رطيب (5/5) ________________________________________ فراغ (5/6) ________________________________________ بسم الله الرحمن الرحيم الباب الأول في أولية لسان الدين وذكر أسلافه، الذين ورث عنهم المجد وارتضع در أخلافه، وما يناسب ذلك مما لا يعدل المنصف إلى خلافه أقول: هو الوزير، الشهير الكبير، لسان الدين الطائر الصيت في المغرب والمشرق المزري عرف الثناء عليه بالعنبر والعبير، المثل المضروب في الكتابة والشعر والطب ومعرفة العلوم على اختلاف أنواعها ومصنفاته تخبر عن ذلك ولا ينبئك مثل خبير، علم الرؤساء الأعلام، الوزير الشهير الذي خدمته السيوف والأقلام، وغني بمشهور ذكره عن مسطور التعريف والإعلام، واعترف له بالفضل أصحاب العقول الراجحة والأحلام. قال سليل السلاطين الأمير العلامة إسماعيل بن يوسف ابن السلطان القائم بأمر الله محمد بن الأحمر نزيل فاس رحمه الله في كتابه المسمى بفرائد الجمان فيمن نظمني وإياه الزمان في حق المذكور ما نصه (1) : ذو الوزارتين، الفقيه الكاتب أبو عبد الله ابن محمد الرئيس الفقيه الكاتب المنتزي ببلده لوشة عبد الله ابن الفقيه الكاتب القائد سعيد بن عبد الله، ابن الفقيه الصالح ولي الله الخطيب سعيد، السلماني اللوشي المعروف بابن الخطيب. __________ (1) هذا نص ما أورده أيضا في كتابه نثير فرائد الجمان: 242؛ وانظر أزهار الرياض 1: 186. (5/7) ________________________________________ وقال القاضي ابن خلدون المغربي المالكي رحمه الله في تاريخه الكبير (1) ، عندما أجرى ذكر لسان الدين، ما نصه: أصل هذا الرجل من لوشة، على مرحلة من غرناطة في الشمال من البسيط الذي في ساحتها المسمى بالمرج، وعلى وادي شنحيل - ويقال شنيل - المخترق (2) في ذلك البسيط من الجنوب إلى الشمال، كان له بها سلك معدود في وزرائها (3) ، وانتقل أبوه عبد الله إلى غرناطة، واستخدم لملوك بني الأحمر، واستعمل على مخازن الطعام؛ انتهى. وقال غيره (4) : إن بيتهم يعرف قديماً ببني الوزير، وحديثاً ببني الخطيب، وسعيد جده الأعلى أول من تلقب بالخطيب، وكان من أهل العلم والدين والخير، وكذلك سعيد جده الأقرب كان على خلال حميدة من خط وتلاوة وفقه وحساب وأدب، خيراً صدراً، توفي عام ثلاثة وثمانين وستمائة، وأبوه عبد الله كان من أهل العلم بالأدب والطب، وقرأ على أبي الحسن البلوطي وأبي جعفر ابن الزبير وغيرهما وأجازه طائفة من أهل المشرق، وتوفي بطريف عام أحد وأربعين وسبعمائة شهيداً يوم الاثنين السابع من جمادى الأولى من العام المذكور مفقوداً ثابت الجأش (5) ، شكر الله فعله. قلت: وما ذكره هؤلاء أكثره مأخوذ من كلامه عند تعريفه رحمه الله بنفسه آخر الإحاطة، ولنذكر ملخصه إذ صاحب البيت أدرى بالذي فيه، مع ما فيه من الزيادة على ما سبق، وهي تتم للطالب أمله وتوفيه. قال رحمه الله (6) : يقول مؤلف هذا الديوان تغمد الله خطله في ساعات (7) __________ (1) تاريخ ابن خلدون 7: 332. (2) ابن خلدون: المنحرف. (3) ابن خلدون: كان له بها سلف معدودون في وزارتها. (4) انظر أزهار الرياض 1: 186. (5) ق: معقود الجأش. (6) الإحاطة: الورقة 398. (7) الإحاطة: ساعة. (5/8) ________________________________________ أضاعها، وشهوة من شهوات اللسان أطاعها، وأوقات للاشتغال بما لا يعنيه استبدل بها اللهو لما باعها: أما بعد حمد الله الذي يغفر الخطية، ويحث من النفس اللجوج المطية، فتحرك ركائبها البطية، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد مسير السبل الخير الوطية (1) ، والرضى عن آله وصحبه منتهى الفضل ومناخ الطية (2) ، فإنني لما فرغت من تأليف هذا الكتاب الذي حمل عليه فضل النشاط، مع الالتزام لمراعاة السياسة (3) السلطانية والارتباط، والتفت إليه فراقني منه صوان درر، ومطلع غرر، قد تخلدت مآثرهم مع ذهاب أعيانهم، وانتشرت مفاخرهم بعد انطواء زمانهم، نافستهم في اقتحام تلك الأبواب، ولباس تلك الأثواب (4) ، وقنعت باجتماع الشمل بهم ولو في الكتاب، وحرصت على أن أنال منهم قرباً، وأخذت أعقابهم أدباً وحباً (5) ، وكما قيل: ساقي القوم آخرهم شرباً، فأجريت نفسي مجراهم في التعريف، وحذوت بها حذوهم في بابي النسب والتصريف بقصد التشريف (6) ، والله سبحانه لا يعدمني وإياهم واقفاً يترحم، وركاب الاستغفار بمنكبه يزحم، عندما ارتفعت (7) وظائف الأعمال، وانقطعت من التكسبات حبال الآمال، ولم يبق إلا رحمة الله التي تنتاش النفوس وتخلصها وتعينها بميسم السعادة وتخصصها، جعلنا الله ممن حسن ذكره، ووقف على التماس ما لديه فكره، بمنه. محمد بن عبد الله بن سعيد بن عبد الله بن سعيد بن علي بن أحمد السلماني، قرطبي الأصل، ثم طليطليه، ثم لوشيه، ثم غرناطيه (8) ، يكنى أبا عبد الله، __________ (1) الإحاطة: الباهرة الوطية. (2) الإحاطة: المطية. (3) الإحاطة: الآداب. (4) ولباس... الأثواب: سقطت من ق. (5) الإحاطة: وأخذت من أعقابهم أدبا. (6) الإحاطة: بقصد التعريف. (7) الإحاطة: عند كتب. (8) ثم لوشيه، ثم غرناطيه: سقطت من الإحاطة. (5/9) ________________________________________ ويلقب من الألقاب المشرقية بلسان الدين. أوليتي: يعرف بيتنا في القديم بوزير (1) ، ثم حديثاً بلوشة ببني الخطيب، انتقلوا مع أعلام الجالية القرطبية كيحيى بن يحيى الليثي وأمثاله عند وقعة الربض الشهيرة، إلى طليطلة، ثم تسربوا (2) محومين على وطنهم قبل استيلاء الطاغية عليه، فاستقر منهم بالموسطة الأندلسية جملة من النبهاء تضمن منهم ذكر خلق، كعبد الرحمن قاضي كورة باغه، وسعيد المستوطن بلوشة الخطيب بها، المقرون اسمه بالتسويد عند أهلها، جارياً مجرى التسمية بالمركب في تاريخ الغافقي وغيره، وسكن عقبهم بها، وسكن بعضهم منتقرير مملكين إياها مختطين جبل التحصن والمنعة فنسبوا إليها. وكان سعيد هذا من أهل العلم والخير والصلاح والدين والفضل وزكاء الطعمة (3) ، أوقفني الوزير (4) أبو الحكم ابن محمد المنتقريري - وهو بقية هذا البيت وإخباريه - على جدار برج ببعض ربى أملاكنا بلوشة تطؤه الطريق (5) المارة من غرناطة إلى إشبيلية، وقال: كان جدك يذيع بهذا المكان فصولاً من العلم، ويجهر بتلاوة القرآن، فيستوقف الرفاق المدلجة الحنين إلى نغمته، والخشوع إلى صدقه (6) ، فتعرس رحالها لصق جداره، وتريح ظهرها موهناً إلى أن يأتي على ورده. وتوفي وقد أصيب بأهله وحرمه عندما تغلب العدو على بلده عنوة في خبر طويل. وقفت على مكتوبات من المتوكل على الله محمد بن يوسف بن هود أمير المسلمين بالأندلس في غرض إعانته والشفاعة إلى الملكة زوج سلطان قشتالة بما يدل على نباهته قديماً __________ (1) الإحاطة: ببني وزير. (2) الإحاطة: تحرفوا. (3) الإحاطة: النعمة. (4) الإحاطة: الشيخ المسن الوزير. (5) الإحاطة: في وسط الطريق المارة. (6) الإحاطة: لحنين نغمته ولخشوع صدقه. (5/10) ________________________________________ ويفيد إثارة عبرة، واستقالة عثرة. وتخلف ولده عبد الله جارياً مجراه في التجلد والتمعش من حر النشب، والتزيي بالانقباض، والتحلي بالنزاهة، إلى أن توفي وتخلف ولده سعيداً جدنا الأقرب، وكان صدراً خيراً مستولياً على خلال حميدة، من خط وتلاوة وفقه وحساب وأدب، نافس جيرته بني الطنجالي الهاشميين، وتحول إلى غر ناطة عندما شعر بعملهم على الثورة، واستطلاعهم على النزوة التي خضدت الشوكة، واستأصلت منهم الشأفة، وصاهر بها الأعيان من بني أضحى بن عبد اللطيف الهمداني أشراف جند حمص الداخلين إلى الجزيرة في طليعة (1) بلج بن بشر القشيري، ولحقه من جراء منافسيه لما جاهروا السلطان بالخلعان اعتقال أعتبه السلطان بعده، وأحظاه على تفئته، وولاه الأعمال النبيهة والخطط الرفيعة. حدثني من أثق به قال: عزم السلطان على أن يقعد جدك أستاذاً لولده، فأنفت من ذلك أم الولد إشفاقاً عليه من فظاظة كانت فيه، ثم صاهر القواد من بني الجعدالة على أم أبي، ومتت إلى زوج السلطان ببنوة الخؤولة (2) ، فنبه القدر، وانفسحت الخطوة، وانثال على البيت الرؤساء والقرابة، وكان - على قوة شكيمته وصلابة مكسره - مؤثراً للخمول، محباً في الخير، حدثني أبي عن أمه قالت: قلما تهنأنا نحن وأبوك (3) طعاماً حافلاً لإيثاره به من كان يكمن بمسجد جواره من أهل الحاجة وأحلاف الضرورة، يهجم علينا منهم بكل وارد، ويجعل يده مع يده (4) ، ويشركه في أكيلته (5) ، ملتذاً بموقعها من فؤاده. وتوفي في ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانين وستمائة، صهرته الشمس مستسقياً في بعض المحول، __________ (1) في ص ق: طلعة، وأثبتناه رواية الإحاطة، والمشهور: طالعة. (2) الإحاطة: ومتت على أم السلطان ببني الأخوة. (3) الإحاطة: مع أبيك. (4) مع يده: سقطت من ق والإحاطة. (5) الإحاطة: ويشاركه في أكلته. (5/11) ________________________________________ وقد استغرق في ضراعته، فدلت الحتف على نفسه. وتخلف والدي نابتاً في الترف نبت العليق يكنفه رعي أم تجر ذيل نعمة وتحنو منه على واحد تحذر عليه النسيم إذا سرى، ففاته لترفه حظ كبير من الاجتهاد؛ وعلى ذلك فقرأ على الخطيب أبي الحسن البلوطي (1) والمقرئ أبي عبد الله ابن مسمغور (2) وأبي جعفر ابن الزبير (3) خاتمة الجلة، وكان يفضله. وانتقل إلى لوشة بلد سلفه مخصوصاً بلقب الوزارة إلى أن قصدها السلطان أبو الوليد متخطياً إلى الحضرة هاوياً إلى الملك البيضة، فعضد أمره، وأدخله بلده، لدواع يطول استقصاؤها، ولما تم له الأمر صحب ركابه إلى دار ملكه مستأثراً بشقص (4) عريض من دنياه، وكان من رجال الكمال، طلق الوجه، مع الظرف، وتضمن كتاب التاج المحلى والإحاطة رائقاً من شعره، وفقد في الكائنة العظمى بطريف يوم الاثنين سابع جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، ثابت الجأش، غير جزوع ولا هيابة. حدثني الخطيب بالمسجد الجامع من غرناطة الفقيه أبو عبد الله ابن اللوشي قال: كبا بأخيك الطرف، وقد غشي العدو، وجنحت إلى إردافه، فانحدر إليه والدك، وصرفني، وقال: أنا أولى به، فكان آخر العهد بهما؛ انتهى. ومما رثي به والد لسان الدين وأخوه ما ذكره في الإحاطة في ترجمة أبي محمد عبد الله الأزدي إذ قال ما نصه (5) : ومما كتب إلي فيما أصابني بطريف: خطب ألم فأذهب الأخ والأبا رغماً لأنف شاء ذلك أو أبى قدر جرى في الخلق لا يجد امرؤ عما به جرت المقادر مهربا إما جزعت له فعذر بين قضت الدواهي أن تحل له الحبا __________ (1) الإحاطة: الملوكي. (2) ق ص: سمعون. (3) وقع بدله في الإحاطة: وأبي إسحاق ابن زروال. (4) الشقص: الحصة والنصيب. (5) ترجم لعبد الله الأزدي في الإحاطة الورقة: 218؛ ولكن الشعر لم يرد في هذه النسخة. (5/12) ________________________________________ لا كان يومهما الكريه فكم وكم ... فيه المجلي والمصلي قد كبا يوم لوى ليانه لم يبق لل ... إسلام حد مهند إلا نبا وتجمعت فيه الضلال فقابلت ... فيه الهدى فتفرقت أيدي سبا آهاً لعز المحتدين صرامة ... لأذل عز المهتدين وأذهبا دهم المصاب فعم إلا أنه ... فيما يخصك ما أمر وأصعبا يا ابن الخطيب خطاب مكترث لما ... قد ألزم البث الألد وأوجبا قاسمتك الشجو المقاسمة التي ... صارت بخالص ما محضتك مذهبا لم لا وأنت لدي سابق حلبة ... تزهى بمن في السابقين تأدبا لا عاد يوم نال منك ولا أتت ... سنة به ما الليل أبدى كوكبا يهني الشهيدين الشهادة إنها ... سبب يزيد من الإله تقربا وردا على دار النعيم وحورها ... كلفاً ببرهما يزدن ترحبا فاستغن بالرحمن عمن قد ثوى ... من حزب خير من ارتضى ومن اجتبى فأجبته بقولي: أهلاً بمقدمك السني ومرحبا ... فلقد حباني الله منك بما حبا وافيت والدنيا علي كأنها ... سم الخياط وطرف صبري قد كبا والدهر قد كشف القناع ولم يدع ... لي عدة للروع إلا أذهبا صرف العنان إلي غير مدافع ... عني، وأثبت دون نصرتي الشبا (1) خطب تأوبني يضيق لهوله ... رحب الفضا وتهي لموقعه الربى لو كان بالورق الصوادح في الدجى (2) ... ما بي لعاق الورق عن أن تندبا فأنرت من ظلماء همي ما دجا ... وقدحت من زند اصطباري ما خبا __________ (1) اضطرب ترتيب هذه الأبيات الأربعة في ق. (2) الدجى: سقطت من ق ص. (5/13) ________________________________________ فكأنني لعب الهجير بمهجتي ... وبعثت لي من نفحها نفس الصبا (1) لا كان يومك يا طريف فطالما ... أطلعت للآمال برقاً خلبا ورميت دين الله منك بفادح ... عم البسيط مشرقاً ومغربا وخصصتني بالزرء والثكل الذي ... أوهى القوى مني وهد المنكبا لا حسن للدنيا لدي ولا أرى ... للعيش بعد أبي وصنوي مأربا لولا التعلل بالرحيل وأننا ... ننضي من الأعمار فيها مركبا فإذا ركضنا للشبيبة أدهماً ... حال المشيب به فأصبح أشهبا والملتقى كثب وفي ورد الردى ... نهل الورى من شاء ذلك أو أبى لجريت طوع الحزن دون نهاية ... وذهبت من خلع التصبر مذهبا والصبر أولى ما استكان له الفتى ... رغماً، وحق العبد أن يتأدبا (2) وإذا اعتمدت الله يوماً مفزعاً ... لم تلف منه سوى إليه المهربا [واقعة طريف] وواقعة طريف هذه استشهد فيها جماعة من الأكابر وغيرهم، وكان سببها أن سلطان فاس أمير المسلمين أبا الحسن علي بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق المريني أجاز البحر إلى جزيرة الأندلس برسم الجهاد ونصرة أهلها على عدوهم، حسبما جرت بذلك عادة سلفه وغيرهم من ملوك العدوة، وشمر عن ساعد الاجتهاد، وجر من الجيوش الإسلامية نحو ستين ألفاً، وجاء إليه أهل الأندلس بقصد الإمداد، وسلطانهم ابن الأحمر ومن معه من الأجناد، فقضى الله الذي لا مرد لما قدره، أن صارت تلك الجموع مكسرة، ورجع السلطان أبو الحسن مفلولاً، وأضحى حسام الهزيمة عليه وعلى من معه مسلولاً، ونجا برأس طمرة __________ (1) ق: وبعثت لي نفس الصبابة والصبا. (2) ق: يتأوبا. (5/14) ________________________________________ ولجام (1) ، ولا تسل كيف، وقتل جمع من أهل الإسلام، ولمة وافرة من الأعلام، وأمضى فيهم حكمه السيف، وأسر ابن السلطان وحريمه وخدمه، ونهبت (2) ذخائره، واستولت على الجميع أيدي الكفر والحيف، واشرأب العدو الكافر لأخذ ما بقي من الجزيرة ذات الظل الوريف، وثبتت قدمه إذ ذاك في بلد طريف، وبالجملة فهذه الواقعة من الدواهي المعضلة الداء، والأرزاء التي تضعضع لها ركن الدين بالمغرب، وقرت بذلك عيون الأعداء، ولولا خشية الخروج عن المقصود لأوردت قصتها الطويلة، وسردت منها ما يحق لسامعه أن يكثر بكاءه وعويله، وقد ألم بها الولي قاضي القضاة ابن خلدون المغربي في كتاب " العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر " (3) فليراجعه من أراده في المجلد الثامن من هذا التاريخ الجامع، فإنه ذكر حين ساق هذه الكائنة ما يخرس الألسن ويصم المسامع، ولله الأمر من قبل ومن بعد. [واقعة الربض] وقول لسان الدين رحمه الله في أولية سلفه إنهم انتقلوا مع أعلام الجالية القرطبية - إلى آخره، أشار بذلك إلى واقعة الربض الشهيرة التي ذكرها ابن حيان في تاريخه الكبير المسمى بالمقتبس في تاريخ الأندلس وقص أمرها غير واحد كابن الفرضي وابن خلدون، وملخصها أن أهل ربض قرطبة ثاروا على الأمير الحكم الأموي، وفيهم علماء أكابر مثل يحيى بن يحيى الليثي صاحب إمامنا مالك رضي الله عنه وغيره، فكانت النصرة للحكم، فلما ظفر وقتل من __________ (1) من قول حسان بن ثابت: ترك الأحبة أن يقالت دونهم ... ونجا برأس طمرة ولجام (2) ق: وأخذت، وفي ص بياض. (3) انظر تاريخ ابن خلدون 7: 261. (5/15) ________________________________________ شاء أجلى من بقي إلى البلاد، وبعضهم إلى جزيرة إقريطش ببحر الإسكندرية، وفي قصتهم طول، وليس هذا محلها. [والد لسان الدين] وقال لسان الدين رحمه الله أيضاً في حق والده ما حاصله (1) : عبد الله بن سعيد ابن عبد الله بن سعيد بن أحمد بن علي السلماني أبو محمد، غرناطي الولادة والاستيطان، لوشي الأصل، طليطليه قرطبيه. وقال في الإكليل: إن طال الكلام، وجمحت الأقلام، كنت كما قيل: مادح نفسه يقرئك السلام، وإن أجحمت، فما سديت في الثناء ولا ألحمت، وأضعت الحقوق، وخفت ومعاذ الله العقوق، وهذا ولو أني زجرت طير البيان من أوكاره، وجئت بعون الإحسان وأبكاره، لما قضيت حقه بعد، ولا قلت إلا بالتي علمت سعد (2) ، فقد كان رحمه الله ذمر عزم، ورجل رخاء وأزم، تروق أنوار خلاله الباهرة، وتضيء مجالس الملوك من صورتيه الباطنة والظاهرة، ذكاء يتوقد، وطلاقة يحسد نورها الفرقد، وكانت له في الأدب فريضة، وفي النادرة العذبة منادح (3) عريضة، تكلمت يوماً بين يديه في مسائل من الطب وأنشدته أبياتاً من شعري ورقاعاً من إنشائي فتهلل، وما برح أن ارتجل (4) : الطب والشعر والكتابه ... سماتنا في بني النجابه هن ثلاث مبلغات ... مراتباً بعضها الحجابه __________ (1) ترجمة والده في الإحاطة: الورقة 200. (2) عجز بيت للحطيئة، وصدره: وتعذلني افناء سعد عليهم ... (3) في ص ق: منادم، والتصويب عن الإحاطة. (4) وردت هذه المقطعات في الإحاطة: الورقة 203 وما بعدها. (5/16) ________________________________________ ووقع لي يوماً بخطه على ظهر أبيات بعثتها إليه أعرض عليه نمطها: وردت كما صدر (1) النسيم بسحرة ... عن روضة جاد الغمام رباها وكأنما هاروت أودع سحره ... فيها وآثرها به وحباها مصقولة الألفاظ يبهر حسنها ... فبمثلها افتخر البليغ وباهى فقررت عيناً عند رؤية حسنها ... إني أبوك، وكنت أنت أباها ومن نظمه قوله: وقالوا: قد دنا فاصبر ستشفى ... فترياق الهوى بعد الديار فقلت: هبوا بأن الحق هذا ... بقلبي يمموا فبم اصطباري وقال: عليك بالصمت فكم ناطق ... كلامه أدى إلى كلمه إن لسان المرء أهدى إلى ... غرته والله من خصمه يرى صغير الجرم مستضعفاً ... وجرمه أكبر من جرمه وقال: أنا بالدهر يا بني خبير ... فإذا شئت علمه فتعالا كم مليك قد ارتعى منه روضاً ... لم يدافع عنه الردى ما ارتعى لا كل شيء تراه يفنى، ويبقى ... ربنا الله ذو الجلال تعالى مولده بغرناطة في جمادى الأولى عام اثنين وسبعين وستمائة، وفقد يوم الوقيعة الكبرى بظاهر طريف، يوم الاثنين سابع جمادى الأولى عام واحد وأربعين وسبعمائة، ورثيته بقصيدة أولها (2) : __________ (1) الإحاطة: كما ورد. (2) راجع الإحاطة: الورقة 203. (5/17) ________________________________________ سهام المنايا لا تطيش ولا تخطي ... وللدهر كف تسترد الذي تعطي وإنا وإن كنا على ثبج الدنا ... فلا بد يوماً أن نحل على الشط تساوى على ورد الردى كل وارد ... فلم يغن رب السيف عن ربة القرط وسيان ذل الفقر أو عزة الغنى ... ومن أسرع السير الحثيث ومن يبطي وهي طويلة. قال: ورثاه شيخنا أبو زكريا ابن هذيل بقصيدة يقول فيها: إذا أنا لم أرث الصديق فما عذري ... إذا قلت أبياتاً حساناً من الشعر ولو كان شعري لم يكن غير ندبة ... وأجريت دمعي لليراع عن الحبر لما كنت أقضي حق صحبته التي ... توخيتها عوناً على نوب الدهر رماني عبد الله يوم وداعه ... بداهية دهياء قاصمة الظهر قطعت رجائي حين صح حديثه ... فإن يوف لي دمعي فقد (1) خانني صبري وهل مؤنس كابن الخطيب لوحشتي ... أبث له همي وأودعه سري ومنها: تولى وأخبار الجلالة بعده ... مؤرجة الأنباء طيبة النشر رضينا بترك الصبر من بعد بعده ... على قدر ما في الصبر من عظم الأجر أتى بفتيت المسك فوق جبينه ... نجيعاً يفوق المسك في موقف الحشر لقد لقي الكفار منها بعزمة ... لها لقيته الحور بالبر والبشر تجلت عروساً جنة الخلد في الوغى ... تقول لأهل الفوز: لا يغلكم مهري فكان من القوم الذين تبادروا ... إلى العالم الأعلى مع الرفقة الغر تعالوا بنا نسقي الأباطح والربى ... بقطر دموع غالبات على القطر __________ (1) الإحاطة: فإن لم يوف الدمع قد. (5/18) ________________________________________ ألا لا تلم عيني لسكب دموعها ... فما سكبت إلا على الماجد الحر ومنها: أإخواننا جدوا فكم (1) جد غيركم ... وسيروا على خف من الحوب والوزر على سفر انتم لدار تأخرت ... وما الفوز في الأخرى سوى خفة الظهر وما العيش إلا يقظة مثل نومة ... وما العمر إلا كالخيال الذي يسري على الحق أنتم قادمون فشمروا ... فليس لمخذول هنالك من عذر وهي طويلة، تجاوز الله عنا وعنهم أجمعين؛ انتهى ما لخصته من كلام لسان الدين رحمه الله. [ترجمة أبي بكر بن عاصم] قلت: على منوال كلامه في تحلية أبيه النبيه نسج الوزير الكاتب الشهير القاضي أبو يحيى ابن عاصم القيسي الأندلسي رحمه الله في وصف أبيه القاضي أبي بكر ابن عاصم (2) صاحب التحفة في علم القضاء، وهو محمد بن محمد بن محمد بن عاصم الأندلسي الغرناطي، قاضي الجماعة، الرئيس أبو بكر، ونص المحتاج إليه في هذا المحل من كلام ولده قوله رحمه الله: إن بسطت القول، أو عددت الطول، وأحكمت الأوصاف، وتوخيت الإنصاف، أنفدت الطروس، وكنت كما يقول الناس في المثل من مدح العروس، وإن أضربت عن ذلك صفحاً فلبئسما صنعت، ولشر ما أمسكت المعروف ومنعت، ولكم من حقوق الأبوة __________ (1) ص ق: جدواكم. (2) كان من أكابر فقهاء غرناطة؛ تولى قضاءها سنة 888؛ وله مؤلفات عديدة، منها شرحه على تحفة والده في الأحكام، وكتابه جنة الرضى، وكتاب الروض الأريض (انظر ترجمته في أزهار الرياض 1: 145) وسيورد المقري نقولا كثيرة عنه. (5/19) ________________________________________ أضعت، ومن ثدي للمعقة رضعت (1) ، ومن شيطان لغمصة الحق أطعت، ولم أرد إلا الإصلاح ما استطعت، وإن توسطت واقتصرت، وأوجزت واختصرت، فلا الحق نصرت، ولا أفنان البلاغة هصرت، ولا سبيل الرشد أبصرت، ولا عن هوى الحسدة أقصرت، هذا ولو أني أجهدت ألسنة البلاغة فجهدت، وأيقظت عيون الإجادة فسهدت، واستعرت مواقف عكاظ على ما عهدت، لما قررت من الفضل إلا ما به الأعداء قد شهدت، ولا استقصيت من المجد إلا ما أوصت به الفئة الشانئة لخلفها الأبتر وعهدت، فقد كان - رحمه الله - علم الكمال، ورجل الحقيقة، وقاراً لا يخف راسيه، ولا يعرى كاسيه، وسكوناً لا يطرق جانبه، ولا يرهب غالبه، وحلماً لا تزل حصاته، ولا تهمل وصاته، وانقباضاً لا يتعدى رسمه، ولا يتجاوز حكمه، ونزاهة لا ترخص قيمتها، ولا تلين عزيمتها، وديانة لا تحسر أذيالها، ولا يشف سربالها، وإدراكاً لا يفل نصله، ولا يدرك خصله، وذهناً لا يخبو نوره، ولا ينبو مطروره، وفهماً لا يخفى فلقه، ولا يهزم فيلقه، ولا يلحق بحره، ولا يعطل نحره، وتحصيلاً لا يفلت قنيصه، ولا يسام حريصه، بل لا يحل عقاله، ولا يصدأ صقاله، وطلباً لا تتحد فنونه، ولا تتعين عيونه، بل لا تحصر معارفه، ولا تقصر مصارفه، يقوم أتم قيام على النحو على طريقة متأخري النحاة، جمعاً بين القياس والسماع، وتوجيه الأقوال البصرية، واستحضار الشواهد الشعرية، واستظهار (2) اللغات والأعربة، واستبصار في مذاهب المعربة، محلياً أجياد تلك الأعاريب، من علمي البديع والبيان بجواهر أسلاك، ومجلياً في آفاق تلك الأساليب، من فوائد هذين الفنين زواهر أفلاك، إلى ما يتعلق بذلك من قافية للعروض وميزان، وما للشعر من بحور وأوزان، تضلع بالقراءات أكمل اضطلاع، مع التحقيق والاطلاع، __________ (1) ولكم... رضعت: سقطت من ص. (2) ق: واستظهارا. (5/20) ________________________________________ فيقنع ابن الباذش في إقناعه، ويشرح لابن شريح ما أشكل في أوضاعه، ويقصر عن رتبته الداني، ويحوز صدر المنصة من حرز الأماني، ويشارك في المنطق وأصول الفقه والعدد والفرائض والأحكام مشاركة حسنة، ويتقدم في الأدب نظماً ونثراً وكتباً وشعراً، إلى براعة الخط، وإحكام الرسم، وإتقان بعض الصنائع العملية، كتفسير الكتب، وتنزيل الذهب، وغيرهما. نشأ بالحضرة العلية لا يغيب عن حلقات المشيخة، ولا يريم عن مظان الاستفادة، ولا يفتر عن المطالعة والتقييد، ولا يسأم من المناظرة والتحصيل، مع المحافظة التي لا تنخرم ولا تنكسر، والمفاوضة في الأدب ونظم القريض والفكاهة التي لا تقدح في وقار، انتهى ملخصاً. وقد أطال في تعريفه بأوراق عدة، ثم قال: مولده في الربع الثالث من يوم الخميس ثاني عشر جمادى الأولى من عام ستين وسبعمائة كما نقلته من خط ابنه، ثم قال: وله مسائل متعددة في فنون شتى ضمنها كل سديد من البحث وصحيح النظر، وأما كتبه فالدر النفيس، والياقوت الثمين، والروض الأنف، والزهر النضير، نصاعة لفظ، وأصالة غرض، وسهولة تركيب، ومتانة أسلوب، انتهى. ثم ذكر مشيخته وأطال، ثم سرد تآليفه: الأرجوزة المسماة ب " تحفة الحكام " ، والأرجوزة المسماة ب " مهيع الوصول في علم الأصول " أصول الفقه، والأرجوزة الصغرى المسماة ب " مرتقى الوصول للأصول " كذلك، والأرجوزة المسماة ب " نيل المنى في اختصار الموافقات " ، والقصيدة المسماة ب " إيضاح المعاني في القراءات الثماني " ، والقصيدة المسماة ب " الأمل المرقوب في قراءة يعقوب " ، والقصيدة المسماة ب " كنز المفاوض في علم الفرائض " ، والأرجوزة المسماة ب " الموجز في النحو " ، حاذى بها رجز ابن مالك في غرض البسط له والمحاذاة لقصده، والكتاب المسمى ب " الحدائق " في أغراض شتى من الآداب والحكايات. توفي بين العصر والمغرب يوم الخميس حادي عشر شوال عام تسعة وعشرين (5/21) ________________________________________ وثمانمائة؛ انتهى كلام الوزير ابن عاصم، وإنما ذكرته لأن أهل الأندلس يقولون في حقه: إنه ابن الخطيب الثاني، ولولا خوف الإطالة لذكرت بعض إنشائه ونظمه، فإنه في الذروة العليا، وقد ذكرت جملة من ذلك في أزهار الرياض في أخبار عياض وما يناسبها مما يحصل به للنفس ارتياح وللعقل ارتياض. ولنرجع إلى الترجمة المقصودة، فنقول: والسلماني نسبة إلى سلمان - بإسكان اللام على الصحيح - قال ابن الأثير: والمحدثون يفتحون اللام، وسلمان: حي من مراد من عرب اليمن القحطانيين، دخل الأندلس منهم جماعة من الشام وسلف لسان الدين رحمه الله تعالى ينتسبون إليهم كما سبق في كلامه، وهو مشهور إلى الآن بالمغرب بابن الخطيب السلماني، ولذلك خاطبه شيخه شيخ الكتاب الرئيس أبو الحسن ابن الجياب حين حل مالقة بقوله (1) : أيا كتابي إذا ما جئت مالقة ... دار المكارم من مثنى ووحدان فلا تسلم على ربع لذي سلم ... بها وسلم على ربع لسلمان فأجابه لسان الدين رحم الله تعالى الجميع بقوله: يا ليت شعري هل يقضى تألفنا ... ويثني الشوق عن غاياته الثاني أو هل يحن على نفسي معذبها ... أو هل يرق لقلبي قلبي الثاني [عبد العزيز الفشتالي ونونيته] وعلى ذكر نسبة ابن الخطيب لسلمان فقد تذكرت هنا بيتاً أنشدنيه لنفسه صاحبنا الوزير الشهير الكبير البليغ صاحب القلم الأعلى سيدي أبو فارس عبد العزيز الفشتالي (2) - صب الله تعالى عليه شآبيب رحماه - من قصيدة نونية مدح __________ (1) انظر أزهار الرياض 1: 313. (2) عبد العزيز بن محمد القشتالي كان كاتب أسرار الدولة المنصورية، ترجم له المؤلف في كتابه روضة الآس: 112 - 163. (5/22) ________________________________________ بها سيد الوجود، صلى الله عليه وسلم، وتخلص إلى مدح مولانا السلطان المنصور بالله أبي العباس أحمد الحسني أمير المؤمنين صاحب المغرب رحمه الله تعالى، وهو: أولئك فخري إن فخرت على الورى ... ونافس بيتي في الولا بيت سلمان وأراد - كما أخبرني - بيت سلمان القبيلة التي منها لسان الملة والدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى، أشار إلى ولاء الكتابة للخلافة، كما كان لسان الدين السلماني رحمه الله تعالى كذلك، وفيه مع ذلك تورية بسلمان الفارسي رضي الله عنه وأرضاه. وقد رأيت أن أسرد هنا هذه القصيدة الفريدة، لبلاغتها التي بذت شعراء " اليتيمة " و " الخريدة " ، ولأن شجون الحديث الذي جر إليها، شوقني إلى معاهدي المغربية التي أكثر البكاء عليها، بحضرة المنصور بالله الإمام، سقى الله تعالى عهادها صوب الغمام، حيث الشباب غض يانع، والمؤمل لم يحجبه مانع، والسلطان عارف بالحقوق، والزمان وهو أبو الورى لم يشب بره بالعقوق، والليالي مسالمة غير رامية من البين بنبال، والغربة الجالية للكربة لم تخطر ببال، ورؤساء الدولة الحسنية السنية ساعون فيما يوافق الغرض ويلائم، والأيام ثغورها بواسم، وأوقاتها أعياد ومواسم، وأفراح وولائم، فلله فيها عيش ما نسيناه، وعز طالما اقتبسنا نور الهدى من طورسيناه: مضى ما مضى من حلو عيش ومره ... كأن لم يكن إلا كأضغاث أحلام وهذا نص القصيدة (1) : هم سلبوني الصبر والصبر من شاني ... وهم حرموا من لذة الغمض أجفاني وهم أخفروا في مهجتي ذمم الهوى ... فلم يثنهم عن سفكها حبي الجاني __________ (1) انظر هذه القصيدة في روضة الآس: 120. (5/23) ________________________________________ لئن أترعوا من قهوة البين أكؤسي ... فشوقهم أضحى سميري وندماني وإن غادرتني بالعراء حمولهم ... لقى إن قلبي جاهد إثر أظعاني قف العيس واسأل ربعهم أية مضوا ... أللجزع ساروا مدلجين أم البان وهل باكروا بالسفح من جانب اللوى ... ملاعب آرام هناك وغزلان وأين استقلوا: هل بهضب تهامة ... أناخوا المطايا أم على كثبان نعمان وهل سال في بطن المسيل تشوقاً ... نفوس ترامت للحمى قبل جثمان وإذ زجروها بالعشي فهل ثنى ... أزمتها الحادي إلى شعب بوان وهل عرسوا في دير عبدون أم سروا ... يؤم بهم رهبانهم دير نجران سروا والدجى صبغ المطارف فانثنى ... بأحداجهم شتى صفات وألوان وأدلج في الأسحار بيض قبابهم ... فلحن نجوماً في معارج كثبان لك الله من ركب يرى الأرض خطوة ... إذا زمها بدناً نواعم أبدان أرحها مطايا قد تمشى بها الهوى ... تمشي الحميا في مفاصل نشوان ويمم بها الوادي المقدس بالحمى ... به الماء صداً والكلا نبت سعدان وأهد حلول الحجر منه تحية ... تفاوح عرفاً ذاكي الرند والبان لقد نفحت من شيح يثرب نفحة ... فهاجت مع الأسحار شوقي وأشجاني وفتت منها الشرق في الغرب مسكة ... سحبت بها في أرض دارين أرداني وأذكرني نجداً وطيب عراره ... نسيم الصبا من نحو طيبة حياني أحن إلى تلك المعاهد، إنها ... معاهد راحاتي وروحي وريحاني وأهفو مع الأشواق للوطن الذي ... به صح لي أنسي الهني وسلواني وأصبو إلى أعلام مكة شائقاً (1) ... إذا لاح برق من شمام وثهلان أهيل الحمى ديني على الدهر زورة ... أحث بها شوقاً لكم عزمي الواني متى يشتفي جفني القريح بلحظة ... تزج بها في نوركم عين إنساني __________ (1) روشة الآس: شيقا. (5/24) ________________________________________ ومن لي بأن يدنو لقاكم تعطفاً ... ودهري عني دائماً عطفه ثاني سقى عهدهم (1) بالخيف عهد تمده ... سوافح دمع من شؤوني هتان وأنعم في شط العقيق أراكة ... بأفيائها ظل المنى والهوى داني وحيا ربوعاً بين مروة والصفا ... تحية مشتاق بها الدهر حيران ربوعاً بها تتلو الملائكة العلا ... أفانين وحي بين ذكر وقرآن وأول أرض باكرت عرصاتها ... وطرزت البطحا سحائب إيمان وعرس فيها للنبوة موكب ... هو البحر طام (2) فوق هضب وغيطان وأدى بها الروح الأمين رسالة ... أفادت بها البشرى مدائح عنوان هنالك فض ختمها (3) أشرف الورى ... وفخر نزار من معد بن عدنان محمد خير العالمين بأسرها ... وسيد أهل الأرض مِ الإنس والجان ومن بشرت في بعثه قبل كونه ... نوامس كهان وأخبار رهبان وحكمة (4) هذا الكون لولاه ما سمت ... سماء ولا غاضت طوافح طوفان ولا زخرفت من جنة الخلد أربع ... تسبح فيها أدم حور وولدان (5) ولا طلعت شمس الهدى غب دجية ... تجهم من ديجورها ليل كفران ولا أحدقت بالمذنبين شفاعة ... يذود بها عنهم زباني نيران له معجزات أخرست كل جاحد ... وسلت على المرتاب صارم برهان له انشق قرص البدر شقين وارتوى ... بماء همى من كفه كل ظمآن وأنطقت الأصنام نطقاً تبرأت ... إلى الله فيه من زخارف ميان دعا سرحة عجما فلبت وأقبلت ... تجر ذيول الزهر ما بين أفنان __________ (1) روضة الآس: عهدكم. (2) روضة الآس: سال. (3) ق ص: ختمه. (4) روضة الآس: وعلة. (5) روضة الآس: تسبح فيها الحور مع جمع ولدان. (5/25) ________________________________________ وضاءت قصور الشام من نوره الذي ... على كل أفق نازح القطر أو داني وقد بهج الأنوا بدعوته التي ... كست أوجه الغبراء بهجة نيسان وإن كتاب الله اعظم آية ... بها افتضح المرتاب (1) وابتأس الشاني وعدى على شأو البليغ بيانه ... فهيهات منه سجع قس وسحبان نبي الهدى من أطلع الحق أنجماً ... محا نورها أسداف إفك وبهتان لعزتها ذل الأكاسرة الألى ... هم سلبوا تيجانها آل ساسان وأحرز للدين الحنيفي بالظبى ... تراث الملوك الصيد من عهد (2) يونان ونقع من سمر القنا السم قيصراً (3) ... فجرعه منه مجاجة ثعبان وأضحت ربوع الكفر والشك (4) بلقعاً ... يناغي الصدى فيهن هاتف شيطان وأصبحت السمحا ترف نضارة ... ووجه الهدى بادي الصباحة للراني (5) أيا خير أهل الأرض بيتاً ومحتداً ... وأكرم كل الخلق: عجم وعربان فمن للقوافي أن تحيط بوصفكم ... ولو ساجلت سبقاً مدائح حسان إليك بعثناها أماني أجدبت ... لتسقى بمزن من أياديك هتان أجرني إذا أبدى الحساب جرائمي ... وأثقلت الأوزار كفة ميزاني فأنت الذي لولا وسائل عزه ... لما فتحت أبواب عفو وغفران عليك سلام الله ما هبت الصبا ... وماست على كثبانها خلد قضبان وحمل في جيب الجنوب تحية ... يفوح بمسراها شذا كل توقان إلى العمرين صاحبيك كليهما ... وتلوهما في الفضل صهرك عثمان وحيا علياً عرفها وأريجها ... ووالى على سبطيك أوفر رضوان __________ (1) روضة الآس: الميان. (2) روضة الآس: ولد. (3) روضة الآس: سم قيصر. (4) روضة الآس: والشرك. (5) الراني: الناظر. (5/26) ________________________________________ إليك رسول الله صممت عزمة ... إذا أزمعت فالشحط والقرب سيان وخاطبت مني القلب وهو مقلب ... على جمرة الأشواق فيك فلباني فيا ليت شعري هل أزم قلائصي ... إليك بدراً أو أقلقل كيراني (1) وأطوي أديم الأرض نحوك راحلاً ... نواجي المهارى في صحاصح قيعان يرنحها فرط الحنين إلى الحمى ... إذا غرد الحادي بهن وغناني وهل تمحون عني خطايا اقترفتها ... خطاً لي في تلك البقاع وأوطان وماذا عسى يثني عناني وإن لي ... بآلك جاهاً صهوة العز أمطاني إذا ند عن زوارك البأس (2) والعنا ... فجود ابنك المنصور أحمد أغناني عمادي الذي أوطا السماكين أخمصاً ... وأوفى على السبع الطباق فأدناني متوج أملاك الزمان وإن سطا ... أحل سيوفاً (3) في معاقد تيجان وقاري أسود الغاب بالصيد مثلها ... إذا اضطرب الخطي من فوق جدران (4) هزبر إذا زار البلاد زئيره ... تضاءل في أخياسها أسد خفان وإن أطلعت غيم القتام جيوشه ... وأرزم (5) في مركومه رعد نيران صببن على أرض العداة صواعقاً ... أسلن عليهم بحر خسف ورجفان كتائب لو يعلون رضوى لصدعت ... صفاه الجياد الجرد تعدو بعقبان عديد الحصى من كل أروع معلم ... وكل كمي بالرديني طعان إذا جن ليل الحرب عنهم طلى العدا ... هدتهم إلى أوداجها شهب خرصان من اللاء جرعن العدا غصص الردى ... وعفرن في وجه (6) الثرى وجه بستان وفتحن أقطار البلاد فأصبحت ... تؤدي الخراج الجزل أملاك سودان __________ (1) ق ص: كيزاني؛ والكيران: جمع كور يعني رحاله. (2) ق ص: اليأس. (3) روضة الآس: السيوف. (4) ق ص: خدران. (5) ق ص: وأزرم. (6) روضة الآس: عفر. (5/27) ________________________________________ إمام البرايا من علي نجاره ... ومن عترة سادوا الورى، آل زيدان دعائم إيمان وأركان سؤدد ... ذوو همم قد عرست فوق كيوان هم العلويين الذين وجوههم ... بدور إذا ما أحلكت شهب أزمان وهم آل بيت شيد الله سمكه ... على هضبة العلياء ثابت أركان وفيهم فشا الذكر الحكيم وصرحت ... بفضلهم آيات ذكر (1) وفرقان فروع ابن عم المصطفى ووصيه ... فناهيك من فخرين: قربى وقربان ودوحة مجد معشب الروض بالعلا ... يجود بأمواه الرسالة ريان بمجدهم الأعلى الصريح تشرفت ... معد على العرباء عاد وقحطان أولئك فخري إن فخرت على الورى ... ونافس بيتي في الولا بيت سلمان إذا اقتسم المداح فضل فخارهم ... فقسمي بالمنصور ظاهر رجحان إمام له في جبهة الدهر ميسم ... ومن عزه في مفرق الملك تاجان سما فوق هامات النجوم بهمة ... يحوم بها فوق السموات نسران وأطلع في أفق المعالي خلافة ... عليها وشاح من علاه وسمطان إذا ما احتبى فوق الأسرة وارتدى ... على كبرياء الملك نخوة السلطان توسمت لقمان الحجى وهو ناطق ... وشاهدت كسرى العدل في صدر إيوان وإن هزه حر الثناء تدفقت ... أنامله عرفاً تدفق خلجان أيا ناظر الإسلام شم بارق المنى ... وباكر لروض في ذرا المجد فينان قضى الله في علياك أن تملك الدنا ... وتفتحها ما بين سوس وسودان وأنك تطوي الأرض غير مدافع ... فمن أرض سودان إلى أرض بغدان وتملؤها عدلاً يرف لواؤه ... على الهرمين أو على رأس غمدان فكم هنأت أرض العراق بك العلا ... ووافت بك البشرى لأطراف عمان فلو شارفت شرق البلاد سيوفكم ... أتاك استلاباً تاج كسرى وخاقان __________ (1) روضة الآس: آي الكتاب. (5/28) ________________________________________ ولو نشر الأملاك دهرك أصبحت ... عيالاً على علياك أبناء مروان وشايعك السفاح يقتاد طائعاً ... برايته السوداء أهل خراسان فما المجد إلا ما رفعت سماكه ... على عمدي سمر الطوال ومران وهاتيك أبكار القوافي جلبتها (1) ... تغار لهن الحور في دار رضوان أتتك أمير المؤمنين كأنها ... لطائم مسك أو خمائل بستان (2) تعاظمن حسناً أن يقال شبيهها ... فرائد در أو قلائد عقيان فلا زلت للدنيا تحوط جهاتها ... وللدين تحميه بملك سليمان ولا زلت بالنصر العزيز مؤزراً ... تقاد لك الأملاك في زي عبدان [نونية أبي الفتح التونسي] انتهت القصيدة في تغزلها شرح الحال، وإعراب عما في ضمير الغربة والارتحال، ولنعززها بأختها في البحر والروي، قصيدة القاضي الشهير الذكر، الأديب الذي سلبت النهى كواعب شعره إذ أبرزها من خدود الفكر، الشيخ الإمام سيدي أبو الفتح محمد بن عبد السلام، المغربي التونسي نزيل دمشق الشام، صب الله على ضريحه سجال الرحمة والإنعام، فإنها نفث مصدور غريب، وبث معذور أريب، فارق مثلي أوطانه وما سلاها، وقرأ آيات الشجو وتلاها، وتمنى أن يجود له الدهر برؤية مجتلاها، وهي قوله رحمه الله وأنشأها بدمشق عام واحد وخمسين وتسعمائة: سلوا البارق النجدي عن سحب أجفاني ... وعما بقلبي من لواعج نيران ولا تسألوا غير الصبا عن صبابتي ... وشدة أشواقي إليكم وأشجاني فما لي سواها من رسول إليكم ... سريع السرى في سيره ليس بالواني __________ (1) روضة الآس: جلوتها. (2) بعد هذا البيت في روضة الآس: ومنها ختاما. (5/29) ________________________________________ فيا طال بالأسحار ما قد تكلفت ... بإنعاش محزون وإيقاظ وسنان وتنفيس كرب عن كئيب متيم ... يحن إلى أهل ويصبو لأوطان فلله ما أذكى شذا نسمة الصبا ... صباحاً إذا مرت على الرند والبان وسارت مسير الشمس وهناً فأصبحت ... من الشرق نحو الغرب تجري بحسبان وقد وقفت بالشام وقفة حامل ... نوافج مسك من ظباء خراسان لترتاض في تلك الرياض هنيئة ... وتزداد من أزهارها طيب أردان وما غربت حتى تضاعفت نشرها ... بواسطتي روح هناك وريحان فكم نحوكم حملتها من رسالة ... مدونة في شرح حالي ووجداني وناشدتها بالله إلا تفضلت ... بتبليغ أحبابي السلام وجيراني تحية مشتاق إلى ذلك الحمى ... وسكانه والنازحين بأظعان سقى الله هاتيك الديار وأهلها ... سحائب تحكي صوب مدمعي القاني وحيا ربوع الحي من خير بلدة ... تخيرها قدماً رآها بإنسان لها الفخر والفضل المبين بما حوت ... من الأنس والحسن المنوط بإحسان لقد حل منها آل حفص ملوكها ... مراتب تسمو فوق هامة كيوان وسادوا بها كل الملوك وشيدوا ... بها من مباني العز أفخر بنيان وكان لهم فيها بهاء وبهجة ... وحسن نظام لا يعاب بنقصان وكان لهم فيها عساكر جمة ... تصول بأسياف وتسطو بمران جيوش وفرسان يضيق بها الفضا ... ويحجم عنها الفرس من آل ساسان وكان لأهليها المفاخر والعلا ... وكان بها حصنا أمان وإيمان وكان على الدنيا جمال بحسنها ... وحسن بنيها من ملوك وأعيان وكانت لطلاب المعارف قبلة ... لما في حماها من أئمة عرفان وكان لأهل العلم فيها وجاهة ... وجاه وعز مجده ليس بالفاني وكان بواديها المقدس فتية ... تقدس باريها بذكر وقرآن (5/30) ________________________________________ ومن أدباء النظم والنثر معشر ... تفوق بناديها بلاغة سحبان وكانت على الأعداء في حومة الوغى ... تطول بأبطال، وتسطو بشجعان وما برحت فيها محاسن جمة ... وفي كل نوع أهل حذق وإتقان إلى أن رمتها الحادثات بأسهم ... وسلت عليها سيف بغي وعدوان فما لبثت تلك المحاسن أن عفت ... وأقفر ربع الأنس من بعد سكان وشتت ذاك الشمل من بعد جمعه ... كما انتثرت يوماً قلائد عقيان فأعظم برزء خص خير مدينة ... وخير أناس بين عجم وعربان لعمري لقد كادت عليها قلوبنا ... تضرم من خطب عراها بنيران وقد عمنا غم بعظم مصابها ... وإن خصني منه المضر بجثماني وما بقيت فيما علمناه بلدة ... من الشرق إلا ألبست ثوب أحزان فصبراً أخي صبراً على المحنة التي ... رمتك بها الأقدار ما بين إخوان فما الدهر إلا هكذا فاصطبر له: ... رزية مال أو تفرق خلان أأحبابنا إن فرق الدهر بيننا ... وطال مغيبي عنكم منذ أزمان فإني على حفظ الوداد وحقكم ... مقيم، وما هجر الأحبة من شاني ووالله والله العظيم ألية ... على صدقها قامت شواهد برهان لقد زاد وجدي واشتياقي إليكم ... وبرح بي طول البعاد وأضناني فلا تحسبوا أني تسليت بعدكم ... بشيء من الدنيا وزخرفها الفاني ولا أنني يوماً تناسيت عهدكم ... بحال، ولا أن التكاثر ألهاني ولا راقني روض، ولا هش مسمعي ... لنغمة أطيار ورنة عيدان ولا حل في فكري سواكم بخلوة ... ولا جلوة ما بين حور وولدان ولا اختلجت يوماً ضمائر مهجتي ... لغيركم في سر سري وإعلاني ولو لم أسل النفس بالقرب واللقا ... لأدرج جسمي في مقاطع أكفاني (5/31) ________________________________________ فما أنا في عودي إليكم بآيس ... فما اليأس إلا من علامة كفران عليكم سلام الله في كل ساعة ... تحية صب لا يدين بسلوان مدى الدهر ما ناحت مطوقة وما ... تعاقب بين الخافقين الجديدان [نونية ابن الخطيب] ولصاحب الترجمة لسان الدين ابن الخطيب قصيدة طنانة بهذا الوزن والقافية، مدح بها السلطان أبا سالم المريني حين فتح تلمسان، وقد رأيت إيرادها في هذا الباب، لما اشتمل عليه آخرها من شرح أمر الاغتراب، الذي حير الألباب، وللمناسبة أسباب، لا تخفى على من له فكر مصيب، وكل غريب للغريب نسيب، وهي (1) : أطاع لساني في مديحك إحساني ... وقد لهجت نفسي بفتح تلمسان فأطلعتها تفتر عن شنب المنى ... وتسفر عن وجه من السعد حياني (2) كما ابتسم النوار عن أدمع الحيا ... وجف بخد الورد عارض نيسان كما صفقت ريح الشمال شمولها ... فبان ارتياح السكر في غصن البان تهنيك بالفتح الذي معجزاته ... خوارق لم تذخر سواك لإنسان خففت إليها والجفون ثقيلة ... كما خف شثن الكف من أسد خفان وقدت إلى الأعداء فيها مبادراً ... ليوث رجال في مناكب عقبان تمد بنود النصر منهم ظلالها ... على كل مطعام العشيات مطعان جحاجحة (3) غر الوجوه كأنما ... عمائمهم غيها معاقد تيجان أمدك فيها الله بالملإ العلا ... فجيشك، مهما حقق الأمر، جيشان __________ (1) مطلعها وبعض أسطر من الرسالة التالية في أزهار الرياض 1: 286. (2) ق ص: حنان. (3) الجحاجحة: السادة. (5/32) ________________________________________ لقد جُليت منك البلاد لخاطب ... لقد جنيت منك الغصون إلى جاني لقد كست الإسلام بيعتك الرضى ... وكانت على أهليه بيعة رضوان ولله من ملك سعيد ونصبة ... قضى المشتري فيها بعزلة كيوان وسجل حكم العدل بين بيوتها ... وقوفاً مع المشهور من رأي يونان فلم تخش سهم القوس صفحة بدرها ... ولم تشك فيها الشمس من بخس ميزان ولم يعترض مبتزها قطع قاطع ... ولا نازعت نوبهرها كف عدوان (1) تولى اختيار الله حسن اختيارها ... فلم يحتج الفرغان فيها لفرغان ولا صرفت فيها دقائق نسبة ... ولو خفقت فيها طوالع بلدان وجوه القضايا في كمالك شأنها ... وجوب إذا خصت سواك بإمكان ومن قاس منك الجود بالبحر والحيا ... فقد قاس تمويهاً قياس سفسطاني وطاعتك العظمى بشارة رحمة ... وعصيانك المحذور نزغة شيطان وحبك عنوان السعادة والرضى ... ويعرف مقدار الكتاب بعنوان ودين الهدى جسم وذاتك روحه ... وكم وصلة ما بين روح وجثمان تضن بك الدنيا ويحرسك العلا ... كأنك منها بين لحظ وأجفان بنيت على أساس أسلافك العلا ... فلا هدم المبنى ولا عدم الباني وصاحت بك العليا فلم تك غافلاً ... ونادت بك الدنيا فلم تك بالواني ولم تك في خوض البحار بهائب ... ولم تك في نيل الفخار بكسلان لقد هز منك العزم لما انتضيته ... ذوائب رضوى أو مناكب ثهلان ولله عينا من رآها محلة ... هي الحشر لا تحصى بعد وحسبان وتنور عزم فار في إثر دعوة ... يعم الأقاصي والأداني بطوفان عجائب أقطار، ومألف شارد ... وأفلاذ آفاق، وموعد ركبان إذا ما سرحت اللحظ في عرصاتها ... تبلد منك الذهن في العالم الثاني جنى حان والنصر العزيز اهتصاره ... إذا انتظمت بالقلب منها جناحان __________ (1) المبتز: الكوكب الذي له حظوظ كثيرة؛ والنوبهر: تاسع البروج. (5/33) ________________________________________ فمن سحب لاحت بها شهب القنا ... ومن كثب بيض بدت فوق كثبان مضارب في البطحاء بيض قبابها ... كما قلبت للعين أزهار سوسان وما إن رأى الراءون في الدهر قبلها ... قرارة عز في مدينة كتان تفوت التفات الطرف حال اقتبالها ... كأنك قد سخرت جن سليمان فقد أطرقت من خوفها كل بيعة ... وطأطأ من إجلالها كل إيوان وقد ذعرت خولان بين بيوتها ... غداة بدت منها البيوت بخولان فلو رميت مصر بها وصعيدها ... لأضحت خلاء بلقعاً بعد عمران ولو يممت سيف بن ذي يزن ... لما تقرر ذاك السيف في غمد غمدان تراع بها الأوثان في أرض رومة ... إذا خيمت شرقاً على طرق أوثان وتجفل إجفال النعامى ببرقة ... ليوث الشرى ما بين ترك وعربان وعرضاً كيوم العرض أذهل هوله ... عياني، وأعياني تعدد أعيان وجيشاً كقطع الليل للخيل تحته ... إذا صهلت مفتنة رجع ألحان فيومض من بيض الظبى ببوارق ... ويقذف من سمر الرماح بشهبان ويمطر من ودق السهام بحاصب ... سحائبه من كل عوجاء مرنان وجرداً إذا ما ضمرت يوم غاية ... تعجبت من ريح تقاد بأرسان تسابق ظلمان الفلاة بمثلها ... وتذعر غزلان الرمال بغزلان ودون مهب العزم منك قواضب ... أبى النصر يوماً أن تلم بأجفان نظرت إليها والنجيع لباسها ... فقلت: سيوف أم شقائق نعمان تفتح ورداً خدها حين جردت ... ولا ينكر الأقوام خجلة عريان كأن الوغى نادت بها لوليمة ... قد احتفلت أوضاعها منذ زمان فإن طعمت بالنصر كان وضوءها ... نجيعاً ووافاها الغبار بأشنان لقد خلصت لله منك سجية ... جزاك على الإحسان منك بإحسان فسيفك للفتح المبين مصاحب ... وعزمك والنصر المؤزر إلفان فرح واغد للرحمن تحت كلاءة ... وسرحان في غاب العدا كل سرحان (5/34) ________________________________________ ودم والمنى تدني إليك قطافها ... ميسر أوطار ممهد أوطان وكن واثقاً بالله مستنصراً به ... فسلطانه يعلو على كل سلطان كفاك العدا كاف لملكك كافل ... فضدك نضو ميت بين أكفان رضى الوالد المولى أبيك عرفته ... وقد أنكر المعروف من بعد عرفان فكم دعوة أولاك عند انتقاله ... إلى العالم الباقي من العالم الفاني فعرفت في السراء نعمة منعم ... وألحفت في الضراء رحمة رحمان عجبت لمن يبغي الفخار بدعوة ... مجردة من غير تحقيق برهان وسنة إبراهيم في الفخر قد أتت ... بكل صحيح عن علي وعثمان ومن مثل إبراهيم في ثبت موقف ... إذا ما التقى في موقف الحرب صفان إذا هم لم يلفت بلحظة هائب ... وإن من لم ينفث بلفظة منان فصاحة قس في سماحة حاتم ... وإقدام عمرو تحت حكمة لقمان شمائل ميمون النقيبة أروع ... له قصبات السبق في كل ميدان محبته فرض على كل مسلم ... وطاعته في الله عقدة إيمان هنيئاً أمير المسلمين بنعمة ... حبيت بها من مطلق الجود منان لزينت أجياد المنابر بالتي ... أتاح لها الرحمن في آل زيان قلائد فتح هن لكن قدرها ... ترفع أن يدعى قلائد عقيان أمولاي، حبي في علاك وسيلتي ... ولطفك بي دأباً بمدحك أغراني أياديك لا أنسى على بعد المدى ... نعوذ بك اللهم من شر نسيان فلا جحد ما خولتني من سجيتي ... ولا كفر نعماك العميمة من شاني ومهما تعجلت الحقوق لأهلها ... فإنك مولاي الحقيق وسلطاني وركني الذي لما نبا بي منزلي ... أجاب ندائي بالقبول وأواني وعالج أيامي وكانت مريضة ... بحكمة من لم ينتظر يوم بحران فأمنني الدهر الذي قد أخافني ... وجدد لي السعد الذي كان أبلاني (5/35) ________________________________________ وخولني الفضل الذي هو أهله ... وشيكاً وأعطاني فأفعم أعطاني (1) تخونني صرف الحوادث فانثنى ... يقبل أرداني، ومن بعد أرداني وأزعجني من منشئي ومبوئي ... ومعهد أحبابي ومألف جيراني بلادي التي فيها عقدت تمائمي ... وجم (2) بها وفري وجل بها شاني تحدثني عنها الشمال فتنثني ... وقد عرفت مني شمائل نشوان وآمل أن لا أستفيق من الكرى ... إذا الحلم (3) أوطاني بها ترب أوطاني تلون إخواني علي وقد جنت ... علي خطوب جمة ذات ألوان وما كنت أدري قبل أن يتنكروا ... بأن خواني كان مجمع خواني وكانت، وقد حم القضاء، صنائعي ... علي بما لا أرتضي شر أعواني فلولاك بعد الله يا ملك العلا ... وقد فت ما ألفيت من يتلافاني تداركت مني بالشفاعة منعماً ... بريئاً رماه الدهر في موقف الجاني فإن عرف الأقوام حقك وفقوا ... وإن جهلوا باءوا بصفقة خسران وإن خلطوا عرفاً بنكر وقصروا ... وزنت بقسطاس قويم وميزان وحرمة هذا اللحد يأبى كمالها ... هضيمة رد أو حطيطة نقصان وقد نمت عن أمري ونبهت همة ... تحدق من علو إلى صرح هامان إذا دانت الله النفوس وأملت ... إقالة ذنب أو إنالة غفران فمولاك يا مولاي قبلة وجهتي ... وعهدة إسراري وحجة إعلاني وقفت على مثواه نفسي قائماً ... بترديد ذكر أو تلاوة قرآن ولو كنت أدري فوقها من وسيلة ... إلى ملكك الأرضى لشمرت أرداني وأبلغت نفسي جهدها غير أنني ... طلابي ما بعد النهاية أعياني قرأت كتاب الحمد فيك لعاصم ... فصح أدائي واقتدائي وإتقاني __________ (1) الأعطان: جمع عطن، يعني الساحة، وأفعم: ملأ. (2) جم: كثر وطال. (3) ص: الحكم. (5/36) ________________________________________ فدونكها من بحر فكري لؤلؤاً ... يفصل من حسن النظام بمرجان وكان رسول الله بالشعر يعتني ... وكم حجة في شعر كعب وحسان ووالله ما وفيت قدرك حقه ... ولكنه وسعي ومبلغ إمكاني [رسالة لسان الدين إلى أبي سالم] وكتب لسان الدين رحمه الله قبل هذه القصيدة نثرا ًمن إنشائه يخاطب به السلطان أبا سالم المذكور، وذلك أنه ورد على لسان الدين وهو بشالة سلا كتاب السلطان المذكور بفتح تلمسان، وكان وروده يوم الخميس سابع عشر شعبان عام واحد وستين وسبعمائة، ونص ما كتب به لسان الدين: مولاي فتاح الأقطار والأمصار، فائدة الأزمان والأعصار، أثير هبات الله الآمنة من الاعتصار، قدوة أولي الأيدي والأبصار، ناصر الحق عند قعود الأنصار، مستصرخ الملك الغريب من وراء البحار، مصداق دعاء الأب (1) المولى في الأصائل والأسحار، أبقاكم الله سبحانه لا تقف إيالتكم عند حد، ولا تحصى فتوحات الله تعالى عليكم بعد، ولا تفيق أعداؤكم من كد، ميسراً على مقامكم ما عسر على كل أب كريم وجد، عبدكم الذي خلص إبريز عبوديته لملك ملككم المنصور، المعترف لأدنى رحمة من رحماتكم بالعجز عن شكرها والقصور، الداعي إلى الله سبحانه أن يقصر عليكم سعادة العصور، ويذلل بعز طاعتكم أنف الأسد الهصور، ويبقي الملك في عقبكم وعقب عقبكم إلى يوم ينفخ فيه الصور، فلان من الضريح المقدس بشالة، وهو الذي تعددت على المسلمين حقوقه، وسطع نوره وتلألأ شروقه، وبلغ مجده السماء لما سبقت فروعه ووشجت عروقه، وعظم ببيوتكم فخره فما فوق البسيطة فخر يفوقه، حيث الجلال قد رست هضابه، والملك قد كسيت بأستار الكعبة الشريفة قبابه، والبيت العتيق قد ألحفت الملاحف الإمامية أثوابه، والقرآن العزيز ترتل أحزابه. __________ (1) في الأصول: الأدب؛ والمعنى أنه صدق فيه دعاء أبيه أبي الحسن. (5/37) ________________________________________ والعمل الصالح يرتفع إلى الله ثوابه، والمستجير يخفي بالهيبة سؤاله فيجهر بنعرة العز جوابه، وقد تفيأ من أوراق الذكر الحكيم حديقة، وخميلة أنيقة، وحط بجودي الجود نفساً في طوفان العز غريقة، والتحف رفرف الهيبة التي لا تهتدي النفس فيها إلا بهداية الله تعالى طريقة، واعتز بعزة الله وقد توسط جيش الحرمة المرينية حقيقة، إذ جعل المولى المقدس المرحوم أبا الحسن مقدمة وأباه وجده سيقة، يرى بركم بهذا اللحد الكريم قد طنب عليه من الرضى فسطاطاً، وأعلق به يد العناية المرينية اهتماماً واغتباطاً، وحرر له أحكام الحرمة نصاً جلياً واستنباطاً، وضمن له حسن العقبى التزاماً واشتراطاً، وقد عقد البصر بطريقة رحمتكم المنتظرة المرتقبة، ومد اليد إلى لطائف شفاعتكم التي تتكفل بعتق المال كما تكفلت بعتق الرقبة، وشرع في المراح بميدان نعمتكم بعد اقتحام هذه العقبة، لما شنفت الأذن البشرى التي لم يبق طائر إلا سجع بها وصدح، ولا شهاب دجنة إلا اقتبس من نورها واقتدح، ولا صدر إلا انشرح، ولا غصن عطف إلا مرح، بشرى الفتح القريب، وخبر النصر الصحيح الحسن الغريب، فتح تلمسان الذي قلد المنابر عقود الابتهاج، ووهب الإسلام منيحة النصر غنية عن الانتهاج، وألحف الخلق ظلاً ممدوداً، وفتح باب الحج وكان مسدوداً، وأقر عيون أولياء الله الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً، وأضرع بسيف الحق جباهاً أبية وخدوداً، وملككم حق أبيكم الذي أهان عليه الأموال، وخاض من دونه الأهوال، وأخلص فيه الضراعة والسؤال، من غير كد يغمز عطف المسرة، ولا جهد يكدر صفو النعم الثرة، ولا حصر ينفض به المنجنيق ذؤابته، ويظهر بتكرار الركوع إنابته. فالحمد لله الذي أقال العثار، ونظم بدعوتكم الانتثار، وجعل ملككم يجدد الآثار، ويأخذ الثار، والعبد يهنئ مولاه، بما أنعم الله تعالى به عليه وأولاه، فإذا أجال العبيد قداح السرور فللعبد المعلى والرقيب، وإذا استهموا حظوظ الجذل فلي القسم الوافر والنصيب، وإذا اقتسموا فريضة شكر الله فلي الحظ (5/38) ________________________________________ والتعصيب، لتضاعف أسباب العبودية قبلي، وترادف النعم التي عجز عنها قولي وعملي، وتقاصر في ابتغاء مكافأتها وجدي وإن تطاول أملي، فمقامكم المقام الذي نفس الكربة، وآنس الغربة، ورعى الوسيلة والقربة، وأنعش الأرماق، وفك الوثاق، وأدر الأرزاق، وأخذ على الدهر بالاستقالة العهد والميثاق. وإن لم يباشر العبد اليد العالية بهذا الهناء، ويمثل بين يدي الخلافة العظيمة السنا والسناء، ويمد بسبب اليد إلى تلك السماء، فقد باشر به اليد التي يحن مولاي لتذكر تقبيلها، ويكمل فروض المجد بتوفية حقوقها الأبوية وتكميلها، ووقفت بين يدي ملك الملوك الذي أجال عليها القداح، ووصل في طلب وصالها بالمساء الصباح، وكان فتحه إياها أبا عذرة الافتتاح، وقلت: يهنيك يا مولاي رد ضالتك المنشودة، وجبر لقطعتك المعرفة المشهودة، ورد أمتك المودودة، فقد استحقها وارثك الأرضى، وسيفك الأمضى، وقاضي دينك، وقرة عينك، مستنقذ دارك من يد غاصبها، وراد رتبتك إلى مناصبها، وعامر المثوى الكريم، وساتر الأهل والحريم. مولاي: هذه تلمسان قد طاعت، وأخبار الفتح على ولدك الحبيب إليك قد شاعت، والأمم إلى هنائه قد تداعت، وعدوك وعدوه قد شردته المخافة، وانضاف إلى عرب الصحراء فخفضته الإضافة، وعن قريب تتحكم فيه يد احتكامه، وتسلمه السلامة إلى حمامه، فلتطب يا مولاي نفسك، وليستبشر رمسك، فقد نمت بركتك وزكا غرسك، نسأل الله أن يورد على ضريحك من أنباء نصره ما تفتح له أبواب السماء قبولا، ويترادف إليك مدداً موصولاً، وعدداً آخرته خير لك من الأولى، ويعرفه بركة رضاك ظعناً وحلولا، ويضفي عليك منه ستراً مسدولا. ولم يقنع العبد بخدمة النثر، حتى أجهد القريحة التي ركضها الدهر فأنضاها، واستشفها الحادث الجلل فتقضاها، فلفق من خدمة المنظوم ما يتغمد حلمكم تقصيره، ويكون إغضاؤكم إذا لقي معرة العتب وليه ونصيره، وإحالة مولاي (5/39) ________________________________________ على الله في نفسي جبرها، ووسيلة عرفها مجده فما أنكرها، وحرمة بضريح مولاي والده شكرها، ويطلع العبد منه على كمال أمله، ونجح عمله، وتسويغ مقترحه وتتميم جذله: أطاع لساني في مديحك إحساني ... إلى آخر القصيدة التي تقدمت. [نونية الفقيه عمر الزجال] وحيث اقتضت المناسبة جلب هذه النونيات فلنضف إليها قصيدة أديب الأندلس الفقيه عمر صاحب الأزجال، إذ هو من فرسان هذا المجال، وقد وطأ لها بنثر، وجعل الجميع مقامة ساسانية، سماها " تسريح النصال إلى مقاتل الفصال " ونصها (1) : يا عماد السالكين، ومحط (2) المستفيدين والمتبركين، وثمال الضعفاء والمساكين المتروكين، في طريقك يتنافس المتنافس، وعلى أعطافك تزهى العباءات وتروق الدلافس (3) ، وبكتابك تحيا جوامد الأفهام، وبمذبتك تشرد ذباب الأوهام، وفي زنبيلك يسد التالد والطارف، وبعصاك يهش على بدائع المعارف، الله الله في سالك، ضاقت عليه المسالك، وشاد، رمي بإبعاد، أدركته متاعب الحرفة، وأقيم من صف أهل الصفة (4) ، فلا يجد نشاطا، على ما يتعاطى، ولا يلقى اغتباطا، إن حل زاوية أو نزل رباطا، أقصي عن أهل القرب والتخصيص، وابتلي بمثل حالة برصيص (5) ، فأحيل عليك، وتوقفت إقالته على __________ (1) قارن بأزهار الرياض 1: 117. (2) الأزهار: ومحط رحال. (3) الدلافس: جمع دلفاس، وقد مر من قبل " دفاس " - وكلاهما صحيح - وهو نوع من الثياب. (4) أهل الصفة: قوم من فقراء المهاجرين كانوا يأوون إلى صفة المسجد في عهد الرسول لأنه لا مأوى لهم غيرها. (5) برصيص أو برصيصا: من عباد بني إسرائيل ثم فتنه الشيطان. (5/40) ________________________________________ توبة بين يديك، فكاتبك استدعاء، واستوهب منك هداية ودعاء، ليسير على ما سويت، ويتحمل عنك أشتات ما رويت، فيلقى الأكفاء الظرفاء عزيزاً، ويباهي بك كل من خاطبك مستجيزاً، فاصرف إلي محيا الرضى، وعد من إيناسك للعهد الذي مضى، ولا تلقني معرضاً ولا معرضا، وأصخ لي سمعك كما قدر الله تعالى وقضى: تعال نجددها طريقة ساسان (1) ... نعض عليها ما توالى الجديدان ونصرف إليها من مثار عزائم ... ونحلف عليها من مؤكد أيمان ونعقد على حكم الوفاء هواءنا ... لنأمن من أقول زور وبهتان ونقسم على أن لا نصدق واشياً ... يروح ويغدو بين أثم وعدوان يطوف حوالينا ليفسد بيننا ... بمنطق إنسان وخدعة شيطان على أننا من عالم كلما بدا ... تعوذ منه عالم الإنس والجان وحاشاك أن تلفى عن الصلح معرضاً ... إلى الصلح آلت حرب عبس وذبيان وإني أهمتني شؤون كثيرة ... وصلحك أولى ما أقدم من شاني فأنت إمامي إن كلفت بمذهب ... وأنت دليلي إن صدعت ببرهان سأرعاك في أهل العباءات كلما ... رأيتك في أهل الطيالس ترعاني ويا لابسي تلك العباءات إنها ... لباس إمام في الطريقة دهقان تفرقت الألوان منها إشارة ... بأنك تأتي من حلاك بألوان ويا بأبي الفصال شيخ طريقة ... خلوب لألباب لعوب بأذهان إذا جاء في الثوب المحبر خلته ... زنيبيرة قد مد منها جناحان فما تأمن الأبدان آفة لسعها ... وإن أقبلت في سابغات وأبدان سأدعوك في حالات كيدي وكديتي ... بشيخي ساسان وعمي هامان __________ (1) طريقة ساسان: أي طريقة أهل الكدية. (5/41) ________________________________________ فإن كان في الأنساب منا تباين ... فما تنكر الآداب أنا نسيبان ألا فادع لي في جنح ليلك دعوة ... لتنجح آمالي ويرجح ميزاني لك الطائر الميمون في كل وجهة ... سريت إليها غير نكس ولا واني فكم من فقير بائس قد عرفته ... فرفت عليه نعمة ذات أفنان وكم من رفيع الجاه واليت أنسه ... فعاش قرير العين مرتفع الشان فلو كنت للفتح بن خاقان صاحباً ... لما خانه المقدور في ليلة الخان (1) ولو كنت للصابي صديقاً ملاطفاً ... لما قبلت فيه مقالة بهتان (2) ولو كنت من عبد الحميد مقرباً ... لما هزم السفاح أشياع مروان ولو كنت قد أرسلتها دعوة على ... أبي مسلم ما حاز أرض خراسان ولو كنت في يوم الغبيط مراسلاً ... لبسطام لم تهزم به آل شيبان (3) ولو كنت في حرب الأمين لطاهر ... لما هام في يوم اللقاء ابن ماهان (4) ولو كنت في مغزى أبي يوسف لما ... رماه بغدر عبده في تلمسان (5) ولو أن كسرى يزدجرد عرفته ... لما لاح مقتولاً على يد طحان (6) ولو أن لذريقاً وطئت بساطه ... لما أثرت فيه مكيدة اليان (7) وفيما مضى في فاس أوضح شاهد ... غني لدينا عن بيان وتبيان ولما اعتنى منك السعيد بكاتب ... رأى ما ابتغى من عز ملك وسلطان فلا تنسني من أهل ودك إنني ... أخاف الليالي أن تطول فتنساني __________ (1) الفتح بن خاقان صاحب القلائد والمطمح وجد مقتولا بخان في مدينة مراكش. (2) أبو إسحاق الصابي سجنه عضد الدولة. (3) يوم الغبيط بين تميم وشيبان أسر فيه بسطام بن قيس. (4) علي بن عيسى بن ماهان قائد جيش الأمين. (5) يوسف بن يعقوب المريني غزا تلمسان وحاصرها وقتله في أثناء ذلك عبده سعادة. (6) آخر ملوك الفرس، هرب من وجه العرب إلى بلخ فقتله هناك طحان. (7) اليان هو يليان الذي كاد للذريق وحرض العرب وساعدهم على دخول الأندلس. (5/42) ________________________________________ ولا خير إن تجعل كفاء قصيدتي ... كفاء ابن دراج على مدح خيران (1) فجد بدنانير ولا تكن التي ... ألم بها الكندي في شعب بوان (2) فجودك فينا الغيث في رمل عالج ... وفضلك فينا الخبز في دار عثمان (3) وما زلت من قبل السؤال مقابلاً ... مرادي بإحساب وقصدي بإحسان ولا تنس أياماً تقضت كريمة ... بزاوية المحروق أو دار همدان (4) وتأليفنا فيها لقبض إتاوة ... وإغرام مسنون وقسمة حلوان وقد جلس الطرقون (5) بالبعد مطرقاً ... يقول نصيبي أو أبوح بكتمان عريفي يلحاني إذا ما أتيته ... ولم أنصرف عنكم بواجب ألحان وقد جمعت تلك الطريقة عندنا ... أئمة حساب وأعلام كهان إذا استنزلوا الأرواح باسم تبادرت ... طوائف ميمون وأشياع برقان (6) وإن بخروا عند الحلول تأرجت ... مباخرهم عن زعفران ولوبان (7) وإن فتحوا الدارات (8) في رد آبق ... ثنت عزمه أوهام خوف وخذلان فيحسب أن الأرض حيث ارتمت به ... ركائبه سرعان رجل وركبان وقد عاشرتنا أسرة كيموية ... أقامت لدينا في مكان وإمكان فلله من أعيان قوم تألفوا ... على عقد سحر أو على قلب أعيان __________ (1) مدح ابن دراج خيران الصقلبي صاحب المرية بقصيدته " لك الخير قد أوفى بعهدك خيران " (ديوانه: 86) والظاهر أنه لم يجزل جائزته عليها. (2) أي يريد دنانير حقيقية لا التي تحدث عنها المتنبي حين وصف أشعة الشمس بين الشجر في شعب بوان وشبهها بالدنانير. (3) يشير إلى قول الشاعر (النفح 3: 580): الماء في دار عثمان له ثمن ... والخبز شيء له شان من الشان (4) زاوية المحروق ودار همدان موضعان بفاس. (5) الطرقون: كلمة مغربية معناها من بيده قبض ضرائب اللهو والأعراس وما أشبه. (6) ميمون وبرقان من الجن. (7) اللوبان عند المغاربة ما يعرف عند المشارقة باسم " اللبان " . (8) الدارات: حلقات يعقدها شيوخ المشعوذين لكشف السر عند حدوث سرقة أو إباق أو نحو ذلك. (5/43) ________________________________________ ونحن على ما يغفر الله إنما ... نروح ونغدو من رباط إلى خان (1) مع الصبح نضفيها عباءة صفة ... وبالليل نلويها زنانير رهبان أتذكر في سفح العقاب مبيتكم ... ثمانين شخصاً من إناث وذكران لديكم من الألوان ما لم يجئ به ... طهور ابن ذنون ولا عرس بوران (2) وكم شائق منكم إلى عقد تكة ... وكم هائم فيكم على حل هميان (3) فأطفأت قنديل المكان تعمداً ... وأومأت فانقضوا كأمثال عقبان وناديت في القوم الركوب فأسرعوا ... فريق لنسوان، وقوم لذكران فأقسم بالأيمان لولا تعففي ... عن السوء لانحلت عقيدة إيماني فعد للذي كنا عليه فإن لي ... على الغير إن صاحبته حقد غيران فمن يوم إذ صيرت ودي جانباً ... وأعرضت عني ما تناطح عنزان ولا روت الكتاب بعد نفارنا ... محاورةً من ثعلبان لسرحان وما هو قصدي منك إلا إجازة ... تخولني التفضيل ما بين خلاني وإنك إن سخرت لي وأجزتني ... لنعم ولي صان ودي وجازاني ولم لا ترويني وأنت أجل من ... سقاني من قبل الرحيق فرواني ألا فأجزني يا إمام بكل ما ... رويت لمدغليس أو لابن قزمان ولا تنس للدباغ نظماً عرفته ... فإنكما في ذلك النظم سيان ومزدوجات ينسبون نظامها ... إلى ابن شجاع (4) في مديح ابن بطان وألمم بشيء من خرافات عنتر ... وألمع ببعض من حكايات سوسان __________ (1) الأزهار: حان - بالحاء المهملة - . (2) الإعذار الذنوني الذي قام به المأمون بن ذي النون، في الأندلس، وعرس بوران بنت الحسن بن سهل التي تزوجها المأمون العباسي، في المشرق، كلاهما مضرب المثل في البذخ والإسراف. (3) حذف المقري في أزهار الرياض هذا البيت واثنين معه لأن الشاعر أقذع فيها. (4) ق ص: سجاع. (5/44) ________________________________________ وإن كنت طالعت اليتيمة واسني ... بلامية في الفحش من نظم واساني (1) أجزني بكشف الدك (2) أرضى وسيلة ... وخير جليس في بساط ودكان وناولني المصباح فهو لغربتي ... ميسر أغراضي ورائد سلواني وألحق به شمس المعارف (3) إنني ... أسائل عن إسناده كل إنسان وقد كنت قبل اليوم عرفتني به ... ولكنني أنسيته بعد عرفان ولا بد يا أستاذ من أن تجيزني ... ببدء ابن سبعين (4) وفصل ابن رضوان وكتب ابن أحلى كيف كانت فإنها ... لوزن دقيق القوم أكرم ميزان ولا تنس ديوان الصبابة (5) والصفا ... لإخوان صدق في الصفا خير إخوان وزهر رياض في صفوف أضاحك ... وجبذ كساء في مكايد نسوان كذاك فناولني كتاب حبائب ... وزدني تعريفاً بها وببرجان (6) ولي أمل في أن أروى رسالة ... مضمنة أخبار حي بن يقظان وحبس علي الكوز والكاس والعصا ... فإنك مثر من عصي وكيزان وصير لي الدلفاس أرفع لبسة ... فقد جل قدري عن حرير وكتان وقد رق طبعي واعترتني خشية ... تكاد بها روحي تفارق جثماني وخل مفاتيح الطريقة في يدي ... وسوغ لهم حكمي مزيدي ونقصاني فإني لم أخدمك إلا بنية ... وإني لم أتبعك إلا بإحسان __________ (1) الواساني أبو القاسم الحسين بن الحسين وله قصيدة لامية مقذعة في اليتيمة 1: 351 يهجو بها المنشا ابن إبراهيم القزاز. (2) اسم كتاب لابن شهيد الشاعر؛ وفي الفهرست (312) كتاب الخفة والدك وهو من كتب الشعبذة والطلسمات. (3) شمس المعارف للبوني ( - 622). (4) يريد بدء العارف لابن سبعين. (5) اسم كتاب لابن حجلة التلمساني. (6) هكذا في الأصل، وفي الفهرست لابن النديم (314) كتاب " بردان وحباحب " لأبي حسان، وهما كتابان صغير وكبير، من الكتب المؤلفة في الباه. (5/45) ________________________________________ فكن لي بالأسرار أفصح معلن ... فإني قد أخلصت سري وإعلاني وليس قصدي - علم الله - بجلب هذه القصيدة ما فيها من المجون، بل ما فيها من التلميحات التي يرغب في مثلها أهل الأدب والحديث شجون، على أن أمثال هؤلاء الأعلام، لا يقصدون بمثل هذا الكلام، إلا مجرد الإحماض، فينبغي أن ينظر كلامهم الواقف عليه بعين الإغضاء عن النقض والإغماض، ولا يبادر بالاعتراض، من لم يعلم بالأصول برهان القطع والافتراض، والله سبحانه المسؤول في التجاوز عن الزلات، والنجاة من الأمور المضلات، فعفوه سبحانه وراء جميع ذلك، والله تعالى المطلع على أسرار الضمائر، والخبير بما هنالك، لا رب غيره، ولا خير إلا خيره. [نونية ابن زمرك] وحيث ذكرنا هذه القصائد النونية التي اتفق فيها البحر والروي، وجرت من البلاغة على النهج السوي، فلا بأس أن نعززها بقصيدة الرئيس الوزير أبي عبد الله ابن زمرك - سامحه الله تعالى - وهي قصيدة ميلادية أنشدها سلطان الأندلس عام خمسة وستين وسبعمائة، ونجعلها مكفرة لما مر في قصيدة الفقيه عمر من المجون، ومبلغة للناظرين في هذا التأليف ما يرجون، والحديث شجون، وهي قوله (1) : لعل الصبا إن صافحت روض نعمان ... تؤدي أمان القلب عن ظبية البان وماذا عن الأرواح وهي طليقة ... لو احتملت أنفاسها حاجة العاني وما حال من يستودع الريح سره ... ويطلبها، وهي النموم، بكتمان وكالطيف أستقريه في سنة الكرى ... وهل تنقع الأحلام غلة ظمآن __________ (1) انظر القصيدة في أزهار الرياض 2: 42. (5/46) ________________________________________ أسائل عن نجد ومرمى صبابتي ... ملاعب غزلان الصريم بنعمان وأبدي إذا ريح الشمال تنفست ... شمائل مرتاح المعاطف نشوان عرفت بهذا الحب لم أدر سلوة ... وإني لمسلوب الفؤاد لسلوان فيا صاحبي نجواي والحب غاية ... فمن سابق جلى مداه ومن واني وراءكما ما اللوم يثني مقادتي ... فإني عن شأن الملامة في شان وإني وإن كنت الأبي قياده ... ليأمرني حب الحسان وينهاني وما زلت أرعى العهد فيمن يضيعه ... وأذكر إلفي ما حييت وينساني فلا تنكرا ما سامني مضض الهوى ... فمن قبل ما أودى بقيس وغيلان لي الله إما أومض البرق في الدجى ... أقلب تحت الليل مقلة وسنان وإن سل من غمد الغمام حسامه ... برى كبدي الشوق الملم وأضناني تراءى بأعلام الثنية باسماً ... فأذكرني العهد القديم وأبكاني أسامر نجم الأفق حتى كأننا ... وقد سدل الليل الرواق حليفان ومما أناجي الأفق أعديه بالجوى ... فأرعى له سرح النجوم ويرعاني ويرسل صوب القطر من فيض أدمعي ... ويقدح زند البرق من نار أشجاني وضاعف وجدي رسم دار عهدتها ... مطالع شهب أو مراتع غزلان على حين شرب الوصل غير مصرد ... وصفو الليالي لم يكدر بهجران لئن أنكرت عيني الطلول فإنها ... تمت إلى قلبي بذكر وعرفان ولم أر مثل الدمع في عرصاتها ... سقى تربها حين استهل وأظماني ومما شجاني أن سرى الركب موهناً ... تقاد به هوج الرياح بأرسان غوارب في بحر السراب تخالها ... وقد سبحت فيه مواخر غربان على كل نضو مثله فكأنما ... رمى منهما صدر المفازة سهمان ومن زاجر كوماء مخطفة الحشا ... توسد منها فوق عوجاء مرنان نشاوى غرام يستميل رؤوسهم ... من النوم والشوق المبرح سكران أجابوا نداء البين طوع غرامهم ... وقد تبلغ الأوطار فرقة أوطان (5/47) ________________________________________ يؤمون من قبر الشفيع مثابة ... تطلع منها جنة ذات أفنان إذا نزلوا من طيبة بجواره ... فأكرم مولى ضم أكرم ضيفان بحيث علا الإيمان وامتد ظله ... وزان حلى التوحيد تعطيل أوثان مطالع آيات، مثابة رحمة ... معاهد أملاك، مظاهر إيمان هنالك تصفو للقبول موارد ... يسقون منها فضل عفو وغفران هناك تؤدى للسلام أمانة ... يحييهم عنها بروح وريحان يناجون عن قرب شفيعهم الذي ... يؤمله القاصي من الخلق والداني لئن بلغوا دوني وخلفت إنه ... قضاء جرى من مالك الأرض ديان وكم عزمة مليت نفسي صدقها ... وقد عرفت مني مواعد ليان إلى الله نشكوها نفوساً أبية ... تحيد عن الباقي وتغتر بالفاني ألا ليت شعري هل تساعدني المنى ... فأترك أهلي في رضاه وجيراني وأقضي لبانات الفؤاد بأن أرى ... أعفر خدي في ثراه وأجفاني إليك رسول الله دعوة نازح ... خفوق الحشا رهن المطامع هيمان غريب بأقصى الغرب قيد خطوه ... شباب تقضى في مراح وخسران يجد اشتياقاً للعقيق وبانه ... ويصبو إليها ما استجد الجديدان وإن أومض البرق الحجازي موهناً ... يردد في الظلماء أنة لهفان فيا مولي الرحمى، ويا مذهب العمى ... ويا منجي الغرقى، ويا منقذ العاني بسطت يد المحتاج يا خير راحم ... وذنبي ألجاني إلى موقف الجاني وسيلتي العظمى شفاعتك التي ... يلوذ بها موسى وعيسى بن عمران فأنت حبيب الله خاتم رسله ... وأكرم مخصوص بزلفى ورضوان وحسبك أن سماك أسماه العلا ... وذاك كمال لا يشاب بنقصان وأنت لهذا الكون علة كونه ... ولولاك ما امتاز الوجود بأكوان ولولاك للأفلاك لم تجل نيراً ... ولا قلدت لباتهن بشهبان خلاصة صفو المجد من آل هاشم ... ونكتة سر الفخر من آل عدنان (5/48) ________________________________________ وسيد هذا الخلق من نسل آدم ... وأكرم مبعوث إلى الإنس والجان وكم آية أطلعت في أفق الهدى ... يبين صباح الرشد منها ليقظان وما الشمس يجلوها النهار لمبصر ... بأجلى ظهوراً أو بأوضح برهان وأكرم بآيات تحديتنا بها ... ولا مثل آيات لمحكم فرقان وماذا عسى يثني البليغ وقد أتى ... ثناؤك في وحي كريم (1) وقرآن فصلى عليك الله ما انسكب الحيا ... وما سجعت ورقاء في غصن البان وأيد مولانا ابن نصر فإنه ... لأشرف من ينمى لملك وسلطان أقام كما يرضيك مولدك الذي ... به سفر الإسلام عن وجه جذلان سمي رسول الله ناصر دينه ... معظمه في حال سر وإعلان ووارث سر المجد من آل خزرج ... وأكرم من تنمي قبائل قحطان ومرسلها ملء الفضاء كتائباً ... تدين لها غلب الملوك بإذعان حدائق خضر والدروع غدائر ... وما أنبتت إلا ذوابل مران تجاوب فيها الصاهلات وترتمي ... جوانبها بالأسد من فوق عقبان فمن كل خوار العنان قد ارتمى ... به كل مطعام العشيات مطعان وموردها ظمأى الكعوب ذوابلاً ... ومصدرها من كل أملد ريان ولله منها والربوع مواحل ... غمام ندى كفت بها المحل كفان إذا أخلف الناس الغمام وأمحلوا ... فإن نداه والغمام لسيان إمام أعاد الملك بعد ذهابه ... إعادة لا نابي الحسام ولا واني فغادر أطلال الضلال دوارساً ... وجدد للإسلام أرفع بنيان وشيدها، والمجد يشهد، دولة ... محافلها تزهى بيمن وإيمان وراق من الثغر الغريب ابتسامه ... وهز له الإسلام أعطاف مزدان لك الخير ما أسنى شمائلك التي ... يقصر عن إدراكها كل إنسان __________ (1) الأزهار: قديم. (5/49) ________________________________________ ذكاء إياس في سماحة حاتم ... وإقدام عمرو في بلاغة سحبان أمولاي ما أسنى مناقبك التي ... هي الشهب لا تحصى بعد وحسبان فلا زلت يا غوث البلاد وأهلها ... مبلغ أوطار ممهد أوطان ولابن زمرك المذكور ترجمة نأتي بها في هذا التأليف إن شاء الله تعالى في محلها، وهو من تلامذة لسان الدين، ومن عداد خدامه، فحين نبا به الزمان، وتعوض الخوف بعد الأمان، كان أحد الساعين في قتله كما سنذكره، وصرح بذمه وهجوه بعد أن كان ممن يشكره، وهكذا عادة بني الدنيا يدورون معها حيث دارت، ويسيرون حيث سارت، ويشربون من الكأس التي أدارت، وقد تولى المذكور الوزارة عوضاً عن ابن الخطيب، وصدح طير عزه على فنن من الإقبال رطيب، ثم آل الأمر به إلى القتل، كما سعى في قتل لسان الدين، وكان الجزاء له من جنس عمله، والمرء يدان بما كان به يدين، وعفو الله سبحانه مرجو للجميع في الآخرة، وهو سبحانه وتعالى المسؤول أن ينيلنا وإياهم المراتب الفاخرة، فإنه لا يتعاظمه ذنب، وليس للكل غيره من رب. رجع إلى ما كنا بسبيله - وأما لوشة التي ينسب إليها لسان الدين فقد تقدم من كلام ابن خلدون أنها على مرحلة من حضرة غرناطة في الشمال من البسيط الذي في ساحتها المسمى بالمرج، وقد أجرى ذكرها لسان الدين في الإحاطة وقال: إنها بنت الحضرة، يعني غرناطة، وقال ذلك في ترجمة ابن مرج الكحل، ولنذكر الترجمة بكمالها تتميماً للغرض فنقول: [ترجمة ابن مرج الكحل] قال رحمه الله ما نصه (1) : محمد بن إدريس بن علي بن إبراهيم بن القاسم، من __________ (1) ترجمة ابن مرج الكحل منقولة نصا عن الإحاطة 2: 252. (5/50) ________________________________________ أهل جزيرة شقر، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن مرج الكحل. حاله: كان شاعراً مفلقاً غزلاً بارع التوليد رقيق الغزل، وقال الأستاذ أبو جعفر: شاعر مطبوع حسن الكتابة ذاكر للأدب متصرف فيه، قال ابن عبد الملك: وكانت بينه وبين طائفة من أدباء عصره مخاطبات ظهرت فيها إجادته، وكان مبتذل اللباس، على هيئة أهل البادية، ويقال: إنه كان أمياً. من أخذ عنه: روى عنه أبو جعفر ابن عثمان الوارد، وأبو الربيع ابن سالم، وأبو عبد الله ابن الأبار، وابن عسكر، وابن أبي البقاء، وأبو محمد ابن عبد الرحمن ابن برطله، وأبو الحسن الرعيني. شعره ودخوله غرناطة: قال في عشية بنهر الغنداق من خارج بلدنا لوشة بنت الحضرة، والمحسوب من دخلها أنه دخل إلبيرة - وقد قيل: إن نهر الغنداق من أحواز برجة، وهذا الخلاف داع لذكره (1) - : عرج بمنعرج الكثيب الأعفر ... بين الفرات وبين شط الكوثر ولتغتبقها قهوة ذهبية ... من راحتي أحوى المراشف أحور وعشية كم كنت أرقب وقتها ... سمحت بها الأيام بعد تعذر فلنا بهذا ما لنا في روضة ... تهدي لناشقها شميم العنبر والدهر من ندم يسفه رأيه ... فيما مضى فيه بغير تكدر والورق تشدو والأراكة تنثني ... والشمس ترفل في قميص أصفر والروض بين مفضض ومذهب ... والزهر بين مدرهم ومدنر والنهر مرقوم الأباطح والربى ... بمصندل من زهره ومعصفر وكأنه وكأن خضرة شطه ... سيف يسل على بساط أخضر وكأنما ذاك الحباب فرنده ... مهما طفا في صفحة كالجوهر __________ (1) انظر هذه القصيدة أيضا في أزهار الرياض 2: 315. (5/51) ________________________________________ وكأنه، وجهاته محفوفة ... بالآس والنعمان، خد معذر نهر يهيم بحسنه من لم يهم ... ويجيد فيه الشعر من لم يشعر ما اصفر وجه الشمس عند غروبها ... إلا لفرقة حسن ذاك المنظر ولا خفاء ببراعة هذا الشعر (1) ، وقال منها: أرأت جفونك مثله من منظر ... ظل وشمس مثل خد معذر وجداول كأرقم حصباؤها ... كبطونها وحبابها كالأظهر وهذا تتميم عجيب لما يسبق إليه، ثم قال منها: وقرارة كالعشر بين خميلة ... سالت مذانبها بها كالأسطر فكأنها مشكولة بمصندل ... من يانع الأزهار أو بمعصفر أمل بلغناه بهضب حديقة ... قد طرزته يد الغمام الممطر فكأنه والزهر تاج فوقه ... ملك تجلى في بساط أخضر راق النواظر منه رائق منظر ... يصف النضارة عن جنان الكوثر كم قاد خاطر خاطر مستوفز ... وكم استفز جماله من مبصر لو لاح لي فيما تقادم لم أقل ... عرج بمنعرج الكثيب الأعفر قال أبو الحسن الرعيني: وأنشدني لنفسه (2) : وعشية كانت قنيصة فتية ... ألفوا من الأدب الصريح شيوخا فكأنما العنقاء قد نصبوا لها ... من الانحناء إلى الوقوع فخوخا شملتهم آدابهم فتجاذبوا ... سر السرور محدثاً ومصيخا والورق تقرأ سورة الطرب التي ... ينسيك منها ناسخ منسوخا __________ (1) الإحاطة: النظم. (2) لا يزال النقل عن الإحاطة مستمرا، وانظر أيضا برنامج الرعيني. (5/52) ________________________________________ والنهر قد صفحت به نارنجة ... فتيممت من كان فيه منيخا فتخالهم خلل السماء كواكباً ... قد قارنت بسعودها المريخا خرق العوائد في السرور نهارهم ... فجعلت أبياتي لها تاريخا ومن أبياته في البديهة قوله: وعندي من مراشفها حديث ... يخبر أن ريقتها مدام وفي أجفانها السكرى دليل ... وما ذقنا ولا زعم الهمام تعالى الله ما أجرى دموعي ... إذا عنت لمقلتي الخيام وأشجاني إذا لاحت بروق ... وأطربني إذا غنت حمام ومن قصيدة: عذيري من الآمال خابت قصودها ... ونالت جزيل الحظ منها الأخابث وقالوا: ذكرنا بالغنى، فأجبتهم ... خمولاً وما ذكر مع البخل ماكث يهون علينا أن يبيد أثاثنا ... وتبقى علينا المكرمات الأثائث وما ضر أصلاً طيباً عدم الغنى ... إذا لم يغيره من الدهر حادث وله يتشوق إلى عمرو بن أبي (1) غياث: أيا عمرو متى تقضي الليالي ... بلقياكم وهن قصصن ريشي أبت نفسي هوى إلا شريشاً ... ويا بعد الجزيرة من شريش وله من قصيدة: طفل المساء وللنسيم تضوع ... والأنس يجمع شملنا ويجمع والزهر يضحك من بكاء غمامة ... ريعت لشيم سيوف برق تلمع __________ (1) أبي: سقطت من ق. (5/53) ________________________________________ والنهر من طرب يصفق موجه ... والغصن يرقص والحمامة تسجع فانعم أبا عمران واله بروضة ... حسن المصيف بها وطاب المربع يا شادن البان الذي دون النقا ... حيث التقى وادي الحمى والأجرع الشمس يغرب نورها ولربما ... كسفت ونورك كل حين يسطع إن غاب نور الشمس لسنا نتقي ... بسناك ليل تفرق يتطلع أفلت فناب سناك عن إشراقها ... وجلا من الظلماء ما يتوقع فأمنت يا موسى الغروب ولم أقل ... " فوددت يا موسى لو أنك يوشع " (1) وقال: ألا بشروا بالصبح من كان باكياً ... أضر به الليل الطويل مع البكا ففي الصبح للصب المتيم راحة ... إذا الليل أجرى دمعه وإذا شكا ولا عجب أن يمسك الصبح عبرتي ... فلم يزل الكافور للدم ممسكاً ومن بديع مقطوعاته قوله: مثل الرزق الذي تطلبه ... مثل الظل الذي يمشي معك أنت لا تدركه متبعاً ... فإذا وليت عنه تبعك وقال: دخلتم فأفسدتم قلوباً بملكها ... فأنتم على ما جاء في سورة النمل (2) وبالجود والإحسان لم تتخلقوا ... فأنتم على ما جاء في سورة النحل (3) __________ (1) من قول الرصافي البلنسي؛ وسيورده المقري: سقطت ولم تملك يمينك ردها ... فودتت يا موسى لو أنك يوشع (2) إشارة إلى الآية الكريمة " إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها " . (3) إشارة إلى الآية الكريمة " أينما يوجهه لا يأت بخير " . (5/54) ________________________________________ وقال أبو بكر محمد بن محمد بن جهور: رأيت لابن مرج الكحل مرجاً أحمر قد أجهد نفسه في خدمته، فلم ينجب، فقلت: يا مرج كحل ومن هذي المروج له ... ما كان أحوج هذا المرج للكحل ما حمرة الأرض من طيب ومن كرم ... فلا تكن طمعاً في رزقها العجل فإن من شأنها إخلاف آملها ... فما تفارقها كيفية الخجل فقال مجيباً: يا قائلاً إذ رأى مرجي وحمرته ... ما كان أحوج هذا المرج للكحل هو احمرار دماء الروم سيلها ... بالبيض من مر من آبائي الأول أحببته أن حكى من قد فتنت به ... في حمرة الخد أو إخلافه أملي وفاته: توفي ببلده يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول عام أربعة وثلاثين وستمائة، ودفن في اليوم بعده. انتهى ما في الإحاطة في شأن ابن مرج الكحل. وكتب أبو الحسن علي بن لسان الدين على أول ترجمته ما نصه: شاعر جليل القدر، من مشايخ شعراء الأندلس، من أهل بلنسية، وسكن جزيرة شقر. وكتب على قوله والنهر مرقوم الأباطح ما صورته: لم يصف أحد النهر بأرق ديباجة ولا أظرف من هذا الإمام، رحمة الله عليه، انتهى كلام ابن لسان الدين. [رائية شمس الدين الكوفي] قلت: وما رأيت رائية تقرب من التي لابن مرج الكحل السابقة التي أولها (5/55) ________________________________________ " عرج بمنعرج الكثيب الأعفر " إلا رائية شمس الدين الكوفي الواعظ، وهي قوله: روح الزمان هو الربيع فبكر ... وانهض إلى اللذات غير منكر هذا الربيع يبيع من لذاته ... أصناف ما تهوى، فأين المشتري فافرح به فلفرحة بقدومه ... رفل الشقائق في القباء الأحمر والكون مبتهج وخفاق الصبا ... يحيي القلوب بنشره المتعطر والغيم يبكي، والأقاحي باسم ... لبكائه كتبسم المستبشر والسرو إن عبث النسيم فهز أع ... طاف الغصون يميس ميس موقر وكأنما القداح فستق فضة ... يهدي إليك أريج مسك أذفر وكأنما المنثور في أثوابه ... ألوان ياقوت أنيق المنظر وترى البهار كعاشق متخوف ... متشوق باد بوجه أصفر وكأنما النارنج في أوراقه ال ... قنديل، والأوراق شبه مسحر وكأنما الخشخاش قوم جاءهم ... خبر يسرهم بطيب المخبر فثنوا ملابسهم لفرط سرورهم ... كي يخلعوا فرحاً بقول المخبر فتعلقت أذيالها بأكفهم ... وتعلقت أزياقها بالمنحر والطل من فوق الرياض كأنه ... درر نثرن على بساط أخضر وترى الربى بالنور بين متوج ... ومدملج، ومخلخل، ومسور ورياضها بالزهر بين مقرطق ... ومطوق، وممنطق، ومزنر والورد بين مضعف، ومشنف ... ومكتف، وملطف لم يهصر والزهر بين مفضض، ومذهب ... ومرصع، ومدرهم، ومدنر والنثر بين مطيب، وممسك ... ومعطر، ومصندل، ومعنبر والورق بين مرجع وموجع ... ومفجع ومسجع في منبر ومغرد، ومردد، ومعدد ... ومبدد في الخد ماء المحجر (5/56) ________________________________________ ولكن قصيدة ابن مرج الكحل أعذب مذاقاً، وكل منهما لم يقصر، رحمهما الله تعالى، فلقد أجادا فيما قالاه إلى الغاية، وليس الخبر كالعيان. [عود إلى ابن مرج الكحل] ومن نظم ابن مرج الكحل قوله (1) : الشمس يغرب نورها، ولربما ... كسفت ونورك كل حين يسطع أفلت فناب سناك عن إشراقها ... وجلا من الظلماء ما يتوقع فأمنت يا موسى الغروب ولم أقل ... فوددت يا موسى لو أنك يوشع ولمح بهذه الأبيات إلى قول الرصافي الأندلسي البلنسي يخاطب من اسمه موسى بقصيدة أولها (2) : ما مثل موضعك ابن رزق موضع ... زهر يرف وجدول يتدفع ومنها: وعشية لبست ثياب شحوبها ... والجو بالغيم الرقيق مقنع بلغت بنا أمد السرور تألفاً ... والليل نحو فراقنا يتطلع فابلل بها ريق الغبوق فقد أتى ... من دون قرص الشمس ما يتوقع سقطت ولم يملك نديمك ردها ... فوددت يا موسى لو أنك يوشع قلت: ومن نثر ابن مرج الكحل المذكور ما كتبه إلى أديب الأندلس أبي بحر صفوان بن إدريس مراجعاً له بعد نظم، ونص الجميع: __________ (1) مرت الأبيات ص: 54. (2) ديوان الرصافي: 104. (5/57) ________________________________________ يا من تبوأ في العلياء منزلة ... جداه قد أسساها أي تأسيس لم يتركا في العلا حظاً لملتمس ... سيان هذا وهذاك ابن إدريس وافى كتابكم فارتد لي جذلي ... واعتضت من فرط أشواقي بتأنيس وللنوى لوعة تطفو فيطفئها ... مسك المداد وكافور القراطيس حرس الله سناءك وسناك، وأظفر يمناك بمناك، ودي الأسلم كما تعلم، وعهدي الأقدم، لم تزل له قدم، وأنا دام عزكم إن أتفق معكم انتساباً فلم أتفق في شأو الأدب باعاً، ولا قاربتكم طباعاً وانطباعاً، بل بذلك الاتفاق تشرفت وسموت إلى ذروة العلا واستشرفت، وأقررت بذلك الفضل واعترفت، وكرعت في مناهله واغترفت، ولقد وافى كتابكم فقلت لقد نثر الدر من فيه، وبلغ نفسي مما كانت تنويه من التنويه: حديث لو أن الميت نودي ببعضه ... لأصبح حياً بعدما ضمه القبر ولولا ما طالعني وجه من رضاكم وسيم، وسقاني مزن اهتبالكم ما أروى به وأسيم، وحياني منكم روض ونسيم، لما ساعدني الفكر بقسيم، لا زلتم في ظل من العيش وارف، مرتدين رداء المعارف، والسلام؛ انتهى. [رسالة صفوان إلى ابن مرج الكحل] وكانت مخاطبة صفوان له التي أجاب عنها بما نصه: يا قاطع البيد يطويها وينشرها ... إلى الجزيرة ينضي بدن العيس الثم بها عن أخي حب وذي كلف ... يد العلا والقوافي وابن إدريس وأبلغها إليه تحية كالمسك صدراً وورداً، وكالماء الزلال عذوبة وبرداً، يسري بها إلى دار ابن نسيم، ويسفر منها بجزيرة شقر وجه وسيم، وهي وإن (5/58) ________________________________________ كانت تذيب المسك خجلاً، وتستفز بصوتها وجلاً، فما هي إلا خائفة تترقب، وسافرة تكاد تتنقب، تمشي على استحياء، وتعثر من التقصير في ذيل إعياء، هذا لأنها جلبت إلى هجر تمراً، وإلى شبام وبيت رأس خمراً، ولكن على المجد أن يبدي في قبول عذرها ويعيد، لعلمه أنه يتيمم من لم يجد إلا الصعيد، فله الفضل أن لا يلفحها بنار النقد، ولا يعرضها على ما هنالك من الحل والعقد، والله يبقي ذكره في مقلة الأدب حوراً، وفي قلب الحسود خوراً، ويديمه والقوافي طوع قريحته، والأغراض الجميلة ملء تعريضته وتصريحته، وزهر البيان تطلع في سماء جنانه، وزهر التبيان يونع في أنداء جنانه، وعذراً إليه فإني كتبت والحامل يمسك زمامه، ويلتفت في البيداء أمامه؛ والسلام. [خطبة نكاح من إنشاء صفوان] ومن إنشاء صفوان خطبة نكاح نصها: الحمد لله الذي تطول بالإحسان من غير جزاء ولا ثواب، وألبس المخلوقات من فواضله سوابغ المطارف وكواسي الأثواب، وجاءوا على أقدام الرجاء إلى محال نوافله فوجدوها مفتحة لهم الأبواب، وسألوه كفاية المؤنة فكان الفعل بدل القول والإسعاف بدل الجواب، خلق البرية من غير افتقار ولا اضطرار، ونقلهم من الطفولية إلى غيرها نقل البدر من التمام إلى السرار، وشرف هذه الطبقة الإنسانية فرزقها الإدراكات العقلية، والإبانات اللسانية، فضرب سرادق اعتنائه عليها، وأنشأها من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها، ومع صنعه الرفيق بهم اللطيف، وتنويهه الحاف بأرجائهم المطيف، رزقهم أحسن الصور الحيوانية وأجملها، وأتاح لهم أتم أقسام الاعتناء وأكملها، وبعث إليهم الرسل صلوات الله عليهم صنعاً منه جميلاً، ورباً للصنيعة لديهم وتكميلاً، فبشروا وأنذروا، وأمنوا وحذروا، وباينوا بين الحرام والحلال، مباينة إدراك البصير بين الكدر والزلال، ودلوا على السمت الأهدى (5/59) ________________________________________ ونصبوا أعلام التوفيق والهدى، ولم يدعوا شيئاً سدى، بل توازنت بهم مقادير الأقوال والأعمال، وكانت إشاراتهم ثمال الهدايا وأي ثمال، فآب كل متسحب إلى الارتباط، وشد كل موفق على الاعتلاق بحالهم يد الاغتباط، فصلوات الله الزاكية عليهم، ونوافح رحمته النامية تغدو وتروح إليهم، وأتم الصلاة والسلام، على علم أولئك الأعلام، الداعي على بصيرة إلى دار السلام، السراج المنير، المبشر النذير، محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة تؤول بهم إلى فسيح رضوانه ورحبه، بعثه الله رحمة للعالمين عامة، وأرسله نعمة للناس موفورة تامة، فأخذ بحجز (1) مصدقيه عن التهافت في مداحض الأقدام، والتتابع في مزلات الجرأة على العصيان والإقدام، فأقام الحجة، وأوضح المحجة، ودل على المقامات التي تمحض الأولياء، وأفصح عن الكرامات التي تنقذ الأتقياء، وقال وأهلاً به من قائل: " تناكحوا فإني مكاثر بكم الأنبياء " حرصاً منه صلوات الله عليه على الزيادة في أهل الإسلام والنماء، ودفعاً في صدر الباطل بواضح الحق الصادع غيهب الظلماء، وحض على ذات الدين الحصان، وأغرى بالاعتصام والإحصان، ونصب أعلام النكاح مشيدة المباني، وجاء بها سنة عذبة المجاني، وقال: " من تزوج فقد كمل نصف دينه فليتق الله في النصف الثاني " ، وأمر بالنكاح الذي توافقت فيه الطبيعة والشريعة، ولبته النفوس وهي سريعة، وأخصبت به ربوة التناسل فهي مروضة مريعة، وسدت به عن اتباع الهوى وارتكاب المحارم الذريعة، وحفظت به الأنسال والأنساب، وفاض به نهر لالتئام المنساب، إذ لا سبيل لأن يستغني بذاته، من كان أسير هواه ومأمور لذاته، وإنما الانفراد والاستغناء، لمن له الكمال والغنى، ولا يجوز أن يتعاقب عليه الإنى، لا إله إلا هو له السناء والسنا. وإن فلاناً لما ارتقت همته إلى إتباع الصالحات وسمت، ووسمته النجابة من أعلامها اللائحة بما وسمت، رأى أن الاعتصام بالنكاح أولى ما حمى به __________ (1) ق ص: يحجز، والأصوب ما أثبتناه. (5/60) ________________________________________ دينه ووقاه، وأهم ما رفع إليه اعتناءه ورقاه، فخطب إلى فلان ابنته فلانة خطبة تضافر فيها اليمن والقبول، ونفحت بها شمال من الجد المصمم وقبول، وارتقى بها إلى اللوح المحفوظ والديوان المكنون عمل مقبول، فتلقى فلان خطبته بالإجابة، لما توسم فيه من مخايل النجابة، حرصاً على المساعدة والعون، واغتباطاً بمياسرة أهل الرشد والصون، وانعقد النكاح بينهما على بركة الله التي يتضاعف بها العدد القليل ويتزيد، ويمنه الذي ينتهض به من اعتمده ويتأيد، وحسن توفيقه الذي يرتبط به من أخلص ضميره ويتقيد، على أن أصدقها كذا، تزوجها بكلمة الله التي علت الكلمات وبهرتها، وعلى سنة نبيه التي أحيت الحنيفية وأظهرتها، وأنقت الملة من أرجاس الجاهلية وطهرتها، وهداية مهديه التي غلبت الأباطل وقهرتها، ولتكون عنده بأمانة الله التي هي جنة واعتصام، وعهدته للزوجات على أزواجهن التي ليس لعروتها انفصام، وعلى إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وتسلسل في ميدان التناصف وأرسان، والله تعالى يمهد لهما مهاد نعمته الوثير، ويخلف منها الطيب الكثير، ويرزقهما التوفيق الباعث لطول المرافقة المثير، بمنه ونعمته. [من رسالة عتاب لصفوان] وله رحمه الله من رسالة عتاب: أدام الله سبحانه مدة الأخ الذي أستديم إخاءه، وإن واجهتني زعازعه أرتقب رخاءه، وتجاوزت عن يومه لأمسه، وأغضيت عن ظلامه لشمسه، إناء واعتناء، وإنذاراً وإعذاراً، ورحم الله من اعتمد على الأفهام، وعصى أوامر الأوهام، ورأى الخليفة في المعقول، لا في المختلق المنقول. وبعد فإنه وصل كلامك بل ملامك، وكتابك بل عتابك، ورسالتك بل بسالتك، أسمعتني بألفاظك العذاب سوء العذاب، وأريتني لمعان (5/61) ________________________________________ الحسام من فقرك الوسام. وقال صفوان رحمه الله: اجتمعت مع ابن مرج الكحل يوماً، فاشتكى إلي ما يجد لفراقي، وأطال عتب الزمان في إشآمه وإعراقي، فقلت: إذا تفرقنا والنفوس مجتمعة، فما يضر أن الجسوم للرحيل مزمعة ثم قلت له: أنت من العين والفؤاد ... دنوت أو كنت ذا بعاد فقال وهو من بارع الإجازة: وأنت في القلب في السويدا ... وأنت في العين في السواد وإذ جرى ذكر صفوان فلا حرج أن نترجمه، فنقول: [ترجمة صفوان] قال في " الإحاطة " ما ملخصه (1) : صفوان بن إدريس بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عيسى بن إدريس، التجيبي المرسي أبو بحر، كان أديباً حسيباً ممتعاً من الظرف ريان من الأدب، حافظاً سريع البديهة ترف النشأة، على تصاون وعفاف، جميلاً سرياً، ممن تساوى حظه في النظم والنثر على تباين الناس في ذلك. روى عن أبيه وخاله وابن عم أبيه القاضي أبي القاسم ابن إدريس، وأبي بكر ابن مغاور، وأبي رجال ابن غلبون، وأبي العباس ابن مضا، سمع عليه صحيح مسلم، وأبي القاسم ابن حبيش، وابن حوط الله، وأبي الوليد ابن رشد، وأجاز له ابن بشكوال. وروى عنه أبو إسحاق اليابري، وأبو الربيع [ابن البني وأبو عبد الله ابن أبي البقاء وأبو عمر] (2) ابن سالم، وابن عيشون، وله تواليف أدبية، __________ (1) ترجمته في الإحاطة، الورقة: 168. (2) ما بين معقفين زيادة من الإحاطة. (5/62) ________________________________________ منها " زاد المسافر " ، وكتاب " الرحلة " ، وكتاب " العجالة " ، سفران يتضمنان من نظمه ونثره أدباً لا كفاء له، وانفرد من تأبين الحسين وبكاء أهل البيت بما ظهرت عليه بركته في حكايات كثيرة. ثم سرد لسان الدين جملة من نظمه إلى أن قال: وقال في غرض الرصافي من وصف بلده وذكر إخوانه يساجله في الغرض والروي عقب رسالة سماها " طراد الجياد في الميدان وتنازع اللدات والأخدان في تقديم مرسية على غيرها من البلدان " (1) : لعل رسول البرق يغتنم الأجرا ... فينثر عني ماء عبرته تثرا معاملة أربي بها غير مذنب ... فأقضيه دمع العين عن نقطة بحرا ليسقي من تدمير قطراً محبباً ... يقر بعين القطر أن تشرب القطرا ويرضعه (2) ذوب اللجين، وإنما ... توفيه عيني من مدامعها تبرا وما ذاك تقصيراً بها غير أنه ... سجية ماء البحر أن يذوي الزهرا خليلي قوما فاحبسا طرق الصبا ... مخافة أن يحمي بزفرتي الحرى فإن الصبا ريح علي كريمة ... بآية ما تسري من الجنة الصغرى خليلي أعني أرض مرسية المنى ... ولولا توخي الصدق سميتها الكبرى محلي بل جوي الذي عبقت به ... نواسم آدابي معطرة نشرا ووكري الذي منه درجت فليتني ... فجعت بريش العزم كي ألزم الوكرا وما روضة الخضراء قد مثلت بها ... مجرتها نهراً وأنجمها زهرا بأبهج منها والخليج مجرة ... وقد فضحت أزهار ساحتها الزهرا وقد أسكرت أعطاف أغصانها الصبا (3) ... وما كنت أعتد (4) الصبا قبلها خمرا __________ (1) الإحاطة، الورقة: 172. (2) في ص ق: ويقرضه، والتصويب عن الإحاطة. (3) الإحاطة: وقد أسكرت ريح الصبابة عاشقا. (4) ق ص: أعددت. (5/63) ________________________________________ هنالك بين الغصن والقطر والصبا ... وزهر الربى ولدت آدابي الغرا إذا نظم الغصن الحيا قال خاطري ... تعلم نظام النثر من ههنا شعرا وإن نثرت ريح الصبا زهر الربى ... تعلمت حل الشعر أسبكه نثرا فوائد أسحار هناك اقتبستها ... ولم أر روضاً غيره يقرئ السحرا كأن هزيز الريح يمدح روضها ... فتملأ فاه من أزاهرها درا أيا زنقات (1) الحسن هل فيك نظرة ... من الجرف الأعلى إلى السكة الغرا (2) فأنظر من هذي لتلك كأنما ... أغير إذ غازلتها أختها الأخرى هي الكاعب الحسناء تمم حسنها ... وقدت لها أوراقها حللاً خضرا إذا خطبت أعطت دراهم زهرها ... وما عادة الحسناء أن تنقد المهرا وقامت بعرس الأنس قينة أيكها ... أغاريدها (3) تسترقص الغصن النضرا فقل في خليج يلبس الحوت درعه ... ولكنه لا يستطيع بها نصرا إذا ما بدا فيها الهلال رأيته ... كصفحة سيف وسمها قبعة صفرا وإن لاح فيها البدر شبهت متنه ... بشط لجين ضم من ذهب عشرا وفي جرفي روض هناك تجافيا ... بنهر، يود الأفق لو زاره فجرا كأنهما خلا صفاء تعاتبا ... وقد بكيا من رقة ذلك نهرا وكم لي بأبيات الحديد (4) عشية ... من الأنس ما فيه سوى أنه مرا عشايا كأن الدهر غض (5) بحسنها ... فأجلت بساط البرق (6) أفراسها الشقرا عليهن أجري خيل دمعي بوجنتي ... إذا ركبت حمرا ميادينها الصفرا (7) __________ (1) الزنقات: من متنزهات مرسية، وفي ص ق: رنقات، وفي الإحاطة: رائعات. (2) الإحاطة: الخضرا. (3) الإحاطة: أيكة، أغادرها. (4) الإحاطة: بذا الباب الجديد. (5) ق ص: عشيات كان الدهر غضا. (6) الإحاطة: الأنس. (7) لم يرد هذا البيت في الإحاطة. (5/64) ________________________________________ أعهدي بالغرس المنعم دوحه ... سقتك دموعي، إنها مزنة، شكرا فكم فيك من يوم أغر محجل ... تقضت أمانيه فخلدتها ذكرا على مذنب كالبحر (1) من فرط حسنه ... تود الثريا أن يكون لها نحرا سقت أدمعي والقطر أيهما انبرى ... نقا الرملة البيضاء فالنهر فالجسرا وإخوان صدق لو قضيت حقوقهم ... لما فارقت عيني وجوههم الزهرا ولو كنت أقضي حق نفسي - ولم أكن - ... لما بت أستحلي فراقهم المرا وما اخترت هذا البعد إلا ضرورة ... وهل تستجيز العين أن تفقد الشفرا قضى الله أن تنأى بي الدار عنهم ... أراد بذاك الله أن أعتب الدهرا ووالله لو نلت المنى ما حمدتها ... وما عادة المشغوف أن يحمد الهجرا أيأنس باللذات قلبي ودونهم ... مرام يجد الكرب في طيها (2) شهرا ويصحب هادي (3) الليل راء حروفه ... وصاداً ونوناً قد تقوس واصفرا فديتهم ضنوا وبانوا بكتبهم ... فلا خبراً منهم لقيت ولا خبرا ولولا علا هماتهم لعتبتهم ... ولكن عراب الخيل لا تحمل الزجرا ضربت غبار البيد في مهرق السرى ... بحيث جعلت الليل في ضربه حبرا وحققت ذاك الضرب جمعاً وعدة ... وطرحاً وتجميلاً فأخرج لي صفرا كأن زماني حاسب متعسف ... يطارحني كسراً وما يحسن الجبرا فكم عارف بي وهو يحسن رتبتي ... فيمدحني سراً ويشتمني (4) جهرا لذلك ما أعطيت نفسي حقها ... وقلت لسرب الشعر لا ترم الفكرا فما برحت فكري عذارى قصائدي ... ومن خلق العذراء أن تألف الخدرا ولست وإن طاشت سهامي بآيس ... فإن مع العسر الذي يتقى يسرا __________ (1) الإحاطة: كالخز. (2) الإحاطة: من دونها. (3) الإحاطة: هذا. (4) الإحاطة: فيشتمني سرا ويحمدني. (5/65) ________________________________________ وقال يراجع أبا الربيع ابن سالم عن أبيات مثلها (1) : سقى مضرب الخيمات من علمي نجد ... أسح غمامي أدمعي والحيا الرغد وقد كان في دمعي كفاء، وإنما ... يجففها ما بالضلوع من الوقد فإن فترت نار الضلوع هنيهة ... فسوف ترى تفجيره للحيا العد وإن ضن صوب المزن يوماً فأدمعي ... تنوب كما ناب الجميع عن الفرد وإن هطلا يوماً بساحتها معاً ... فأرواهما ما صاب من منتهى الود أرى زفرتي تذكى ودمعي ينهمي ... نقيضين قاما بالصلاء وبالورد فهل بالذي أبصرتم أو سمعتم ... غمام بلا أفق وبرق بلا رعد لي الله كم أهذي بنجد وأهلها ... وما لي بها إلا التوهم من عهد وما بي إلى نجد نزوع ولا هوى ... خلا أنهم شنوا القوافي على نجد وجاءوا بدعوى حسن الشعر زورها ... فصارت لهم في مصحف الحب كالحمد شغلنا بأبناء الزمان عن الهوى ... وللدرع وقت ليس يحسن للبرد إلى الله أشكو ريب دهر يغص بي ... نوائبه قد ألجمت ألسن العد لقد صرفت حكم الفؤاد إلى الهوى ... كما فوضت أمر الجفون إلى السهد أما تتوقى ويحها أن أصيبها ... بدعوة مظلوم على جورها يعدي أما راعها أن زحزحت عن أكارم ... فراقهم دل القلوب على حدي أعاتبها فيهم فتزداد قسوة ... أجدك هل عاينت للحجر الصلد أما علمت أن القساوة نافرت ... طباع بني الآداب إلا من الرد إذا وعدت يوماً بتأليف شملنا ... فألمم بعرقوب وما سن من وعد وإن عاهدت أن لا تؤلف بيننا ... تذكرت آثار السموأل في العهد خليلي أعني النظم والنثر أرسلا ... جيادكما في حلبة الشكر والحمد قفا ساعداني إنه حق صاحب ... بريء جمام الكتم من كدر الحقد __________ (1) لم ترد هذه القصيدة في النسخة التي اعتمدناها من الإحاطة. (5/66) ________________________________________ بآية ما قيدتما ألسن الورى ... بذكري فيا ويح الكناني والكندي فأين بياني أو فأين فصاحتي ... إذا لم أعد ذكر الأكارم أو أبدي فيا خاطري وف الثناء حقوقه ... وصغه كما قالوا سوار على زند ولا تلزمني بالتكاسل حجة ... تشبهها نار الحياء على خدي ثكلت القوافي وهي أبناء خاطري ... وغيبها الإقحام عني في لحد لئن لم أصغ زهر النجوم قلادة ... وآت ببدر التم واسطة العقد إلى أن يقول السامعون لرفقتي ... نعم طار ذاك السقط عن ذلك الزند أحيي برياها جناب ابن سالم ... فيقرع فيه الباب في زمن الورد وهي طويلة. ومن مقطوعاته قوله (1) : يا قمراً مطلعه أضلعي ... له سواد القلب فيها غسق وربما استوقد نار الهوى ... فناب فيها لونها عن شفق ملكتني في دولة من صباً ... وصدتني في شرك من حدق عندي من حبك ما لو سرت ... في البحر منه شعلة لاحترق وقال: قد كان لي قلب فلما فارقوا ... سوى جناحاً للغرام وطارا وجرت سحائب للدموع فأوقدت ... بين الجوانح لوعة وأوارا ومن العجائب أن فيض مدامعي ... ماء، ويثمر في ضلوعي نارا وشعره الرمل والقطر كثرة، فلنختمه بقوله: قالوا وقد طال بي مدى خطئي ... ولم أزل في تجرمي ساهي: __________ (1) الإحاطة، الورقة: 175 وفيها أيضا القطعتان التاليتان والرسالة التي تتلوهما. (5/67) ________________________________________ أعددت شيئاً ترجو النجاة به ... فقلت: أعددت رحمة الله وكتب يهنئ قاضي الجماعة أبا القاسم ابن بقي برسالة منها: لأن محله (1) دام عمره، وامتثل (2) نهيه الشرعي وأمره، أعلى رتبة وأكرم محلاً، من أن يتحلى بخطة هي به تتحلى، كيف يهنأ بالقعود لسماع دعاوى الباطل، والمعاناة لإنصاف الممطول من الماطل، والتعب في المعادلة، بين ذوي المجادلة، أما لو علم المتشوفون إلى خطة الأحكام، المستشرفون (3) إلى ما لها من التبسط والاحتكام، ما يجب لها من اللوازم، والشروط الجوازم، كبسط الكنف، ورفع الجنف، والمساواة بين العدو ذي الذنب، والصاحب بالجنب، وتقديم ابن السبيل، على ذي الرحم والقبيل، وإيثار الغريب، على القريب، والتوسع في الأخلاق، حتى لمن ليس له من خلاق، إلى غير ذلك مما علم قاضي الجماعة أحصاه، واستعمل خلقه الفاضل أدناه وأقصاه، لجعلوا خمولهم مأمولهم، وأضربوا عن ظهورهم، فنبذوه وراء ظهورهم، اللهم إلا من أوتي بسطة في العلم، ورسا طوداً في ساحة الحلم، وتساوى ميزانه في الحب والسلم، وكان كمولانا (4) في المماثلة بين أجناس الناس، فقصاراه أن يتقلد الأحكام للأجر، لا للتعنيف والزجر، ويتولاها للثواب، لا للغلظة في رد الجواب، ويأخذها لحسن الجزاء، لا لقبيح الاستهزاء، ويلتزمها لجزيل الذخر، لا للإزراء والسخر، فإذا كان كذلك، وسلك المتولي هذه المسالك، وكان مثل قاضي الجماعة ولا مثل له، ونفع الحق به علله ونقع غلله، فيومئذ تهنى به خطة القضاء، وتعرف ما لله تعالى عليها من اليد البيضاء. ورحل إلى مراكش في جهاز بنت بلغت التزويج، وقصد دار الإمارة مادحاً، __________ (1) الإحاطة: قدره. (2) الإحاطة: وامتد. (3) الإحاطة: المشتاقون. (4) الإحاطة: كقاضي الجماعة. (5/68) ________________________________________ فما تيسر له شيء من أمله، ففكر في خيبة قصده، وقال: لو كنت أملت الله سبحانه ومدحت نبيه، صلى الله عليه وسلم، وآل بيته الطاهرين لبلغت أملي، بمحمود عملي، ثم استغفر الله تعالى من اعتماده في توجهه الأول، وعلم أنه ليس على غير الثاني معول، فلم يك إلا أن صرف نحو هذا المقصد همته، وأمضى فيه عزمته، وإذا به قد وجه إليه فأدخل إلى الخليفة فسأله عن مقصده، فأخبره مفصحأ به، فأنفذه وزاده عليه وأخبره أن ذلك لرؤيا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في النوم يأمر بقضاء حاجته، فانفصل موفى الأغراض، واستمر في مدح أهل البيت عليهم السلام، حتى اشتهر بذلك. وتوفي سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، وسنة دون الأربعين، وصلى عليه أبوه، فإنه كان بمكان من الفضل والدين، رحم الله تعالى الجميع؛ انتهى كلام ابن الخطيب في حق المذكور ملخصاً. ولا بأس أن نزيد عليه ما حضر، فنقول: قال ابن سعيد وغيره: ولد صفوان سنة ستين وخمسمائة، أو في التي بعدها، قال: وديوان شعره مشهور بالمغرب؛ انتهى. ومن نظمه قوله: أومض ببرق الأضلع ... واسكب غمام الأدمع واحزن طويلاً واجزع ... فهو مكان الجزع وانثر دماء المقلتين ... تألماً على الحسين وابك بدمع دون عين ... إن قل فيض الأدمع وهذا من قصيدة عارض بها الحريري في قوله: خل ادكار الأربع ... وله أيضاً مطلع قصيدة فيه: (5/69) ________________________________________ يا عين سحي ولا تشحي ... ولو بدمع بحذف عين وقال ابن الأبار: توفي صفوان بمرسية ليلة الاثنين السادس عشر من شوال سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، وثكله أبوه، وصلى عليه، وهو دون الأربعين إذ مولده سنة إحدى وستين وخمسمائة، وكان من جلة الكتاب البلغاء، ومهرة الأدباء الشعراء، ناقداً فصيحاً، مدركاً جليل القدر، متقدماً في النظم والنثر، ممن جمع ذلك، وله رسائل بديعة، وقصائد جليلة، وخصوصاً في مراثي الحسين رضي الله تعالى عنه. [رثاء ناهض الوادي آشي للحسين] وقد تذكرت هنا قول ناهض بن محمد الأندلسي الوادي آشي في رثاء الحسين رضي الله تعالى عنه: أمرنة سجعت بعود أراك ... قولي مولهة: علام بكاك أجفاك إلفك أم بليت بفرقة ... أم لاح برق بالحمى فشجاك لو كان حقاً ما ادعيت من الجوى ... يوماً لما طرق الجفون كراك أو كان روعك الفراق إذاً لما ... ضنت بماء جفونها عيناك ولما ألفت الروض يأرج عرفه ... وجعلت بين فروعه مغناك ولما اتخذت من الغصون منصة ... ولما بدت مخضوبة كفاك ولما ارتديت الريش برداً معلماً ... ونظمت من قزح سلوك طلاك لو كنت مثلي ما أفقت من البكا ... لا تحسبي شكواي من شكواك إيه حمامة خبريني، إنني ... أبكي الحسين، وأنت ما أبكاك أبكي قتيل الطف فرع نبينا ... أكرم بفرع للنبوة زاكي ويل لقوم غادروه مضرجاً ... بدمائه نضواً صريع شكاك (5/70) ________________________________________ متعفراً قد مزقت أشلاؤه ... فرياً بكل مهند فتاك أيزيد لو راعيت حرمة جده ... لم تقتنص ليث العرين الشاكي أو كنت تصغي إذ نقرت بثغره ... قرعت صماخك أنة المسواك أتروم ويك شفاعة من جده ... هيهات! لا، ومدبر الأفلاك ولسوف تنبذ في جهنم خالداً ... ما الله شاء ولات حين فكاك وتوفي ناهض المذكور بوادي آش سنة 615. رجع إلى أخبار صفوان بن إدريس - رحمه الله تعالى - فنقول: ومن شعر صفوان قوله: قلنا وقد شام الحسام مخوفاً ... رشأ بعادية الضراغم عابث هل سيفه من طرفه أم طرفه ... من سيفه أم ذاك طرف ثالث وقوله: غيري يروع بسيفه ... رشأ تشاجع ساخرا إن كف عني طرفه ... فالسيف أضعف ناصرا وقال صفوان المذكور رحمه الله تعالى: حييت بعض أصحابنا بزهرة سوسن، فقال: فقلت مجيزاً: نضراء تفضح يانع الزهر ... عجباً لها لم تذوها يده ... من طول ما مكثت على الصدر (5/71) ________________________________________ وقال أيضاً: ماشيت الوزير الكاتب أبا محمد ابن حامد يوماً، فاتفق أن قال لأمر تذكره: بين الكثيب ومنبت السدر ... ريم غدا مثواه في صدري فقلت أجيزه: لوشاحه قلم بلا ألم ... ولقرطه خفق بلا ذعر لو كنت قد أنصفت مقلته ... برأت هاروتاً من السحر أو كنت أقضي حق مرشفه ... أعرضت لا ورعاً عن الخمر وناولته يوماً وردة مغلقة، فقال: ومحمرة تختال في ثوب سندس ... كوجنة محبوب أطل عذاره فقلت أجيزه: كتطريف كف قد أحاطت بنانها ... بقلب محب ليس يخبو أواره وقال: رآني الوزير أبو إسحاق وأنا أقيد أشعاراً من ظهر دفتر فقال: ماذا الذي يكتب الوزير ... قلت: بدائع ما لها نظير ... فقال: در ولكنه نظيم ... من خير أسلاكه السطور فقلت: من أظهر الكتب أقتنيها ... وخل ما تحتوي البحور بتلك تزهو النحور، لكن ... بهذه تزدهي الصدور (5/72) ________________________________________ ولكن الإنصاف واجب، هو قال المعنى الأخير نثراً وأنا سبكته نظماً. وقال: جلسنا بعض العشايا بالولجة خارج مرسية، والنسيم يهب على النهر، فقال أبو محمد ابن حامد: هب النسيم وماء النهر يطرد ... فقلت على جهة المداعبة، لا الإجازة: ونار شوقي في الأحشاء تتقد ... فقال أبو محمد: ما الذي يجمع بين هذا العجز وذاك الصدر فقلت: أنا أجمع بينهما، ثم قلت: فصاغ من ماءه درعاً مفضضة ... وزاد قلبي وقداً للذي يجد وإنما شب أحشائي لحاجته ... إذ ليس دون لهيب يصنع الزرد وخطرنا بلقنت على ثمرة تهزها الريح فقال أبو محمد: وسرحة كاللواء تهفو ... بعطفها هبة الرياح فقلت: كأن أعطافها سقتها ... كف النعامى كؤوس راح فقال: إذا انتحاها النسيم هزت ... أعطافها هزة السماح فقلت: كأن أغصانها كرام ... تقابل الضيف بارتياح (5/73) ________________________________________ ولصفوان رحمه الله: تحية الله وطيب السلام ... على رسول الله خير الأنام على الذي فتح باب الهدى ... وقال للناس: ادخلوا بسلام بدر الهدى، غيم الندى والسدى ... وما عسى أن يتناهى الكلام تحية تهزأ أنفاسها ... بالمسك، لا أرضى بمسك الختام تخصه مني ولا تنثني ... عن أهله الصيد السراة الكرام وقدرهم أرفع لكنني ... لم ألف أعلى لفظة من كرام وقال: يقولون لي لما ركبت بطالتي ... ركوب فتى جم الغواية معتدي أعندك شيء ترتجي أن تناله ... فقلت: نعم عندي شفاعة أحمد صلى الله عليه وسلم، وشرف وكرم، ومجد وعظم، وبارك وأنعم، ووالى وكمل وأتم. (5/74) ________________________________________ الباب الثاني في نشأته وترقيه ووزارته وسعادته، ومساعدة الدهر له، ثم قلبه له ظهر المجن على عادته في مصافاته ومنافاته، وارتباكه في شباكه، وما لقي من إحن الحاسد، ذي المذهب الفاسد، ومحن الكائد المستأسد وآفاته، وذكر قصوره وأمواله، وغير ذلك من أحواله في تقلباته، عندما قابله الزمان بأهواله في بدئه وإعادته إلى وفاته أقول: كان مولد الوزير لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله كما في الإحاطة في الخامس والعشرين من شهر رجب عام ثلاثة عشر وسبعمائة، وقال الرئيس الأمير الوليد ابن الأحمر رحمه الله: نشأ لسان الدين ابن الخطيب (1) على حالة حسنة سالكاً سبيل (2) أسلافه، فقرأ القرآن على المكتب الصالح أبي عبد الله ابن عبد المولى العواد تكتباً ثم حفظاً ثم تجويداً، ثم قرأ القرآن أيضاً على أستاذ الجماعة أبي الحسن القيجاطي، وقرأ عليه العربية وهو أول من انتفع به، وقرأ على الخطيب أبي القاسم ابن جزي، ولازم قراءة العربية والفقه والتفسير على الشيخ الإمام أبي عبد الله ابن الفخار البيري شيخ النحويين لعهده، وقرأ على قاضي الجماعة أبي عبد الله ابن بكر، وتأدب بالرئيس أبي الحسن ابن الجياب، وروى عن كثير من الأعيان، وسرد ابن الأحمر المذكور هنا جملة أعلام من مشايخ لسان الدين سيأتي ذكرهم إن شاء الله تعالى، ثم قال: وأخذ الطب والتعاليم وصناعة التعديل عن الإمام أبي زكريا يحيى بن هذيل ولازمه؛ انتهى. __________ (1) انظر أزهار الرياض 1: 187. (2) الأزهار: سنن. (5/75) ________________________________________ وقال بعضهم في حق لسان الدين: هو الوزير العلامة المتحلي بأجمل الشمائل وأفضل المناقب، المتميز في الأندلس بأرفع المراقي وأعلى المراتب، علم الأعلام، ورئيس أرباب السيوف والأقلام، جامع أشتات الفضائل، والمربي بحسن سياسته وعظيم رياسته على الأواخر والأوائل، حائز رتبة رياسة (1) السيف والقلم، والقائم بتدبير الملك على أرسخ قدم، صاحب القلم الأعلى، الوارد من البراعة المنهل الأحلى، صاحب الأحاديث التي لا تمل على كثرة ما تتلى، والمحاسن التي صورها على منصة التنويه تجلى؛ انتهى. وقال لسان الدين في " الإحاطة " بعد ذكر سلفه رحمهم الله تعالى، ما ملخصه (2) : وخلفني يعني أباه عبد الله عالي الدرجة، شهير الخطة، مشمولاً بالقبول، مكنوفاً بالعناية، فقلدني السلطان سره، ولما يستكمل الشباب ويجتمع السن (3) ، معززة بالقيادة ورسوم الوزارة، واستعملني في السفارة إلى الملوك، واستنابني بدار ملكه ورمى إلى يدي بخاتمه وسيفه، وائتمنني على صوان حضرته (4) ، وبيت ماله، وسجوف حرمه، ومعقل امتناعه، ولما هلك السلطان ضاعف ولده حظوتي، وأعلى مجلسي، وقصر المشورة على نصحي، إلى أ، كانت عليه الكائنة، فاقتدى في أخوه المتغلب على الأمر به، فسجل الاختصاص، وعقد القلادة، ثم حمله أهل الشحناء من أهل أعوان ثورته على القبض علي، فكان ذلك، وتقبض علي، ونكث ما أبرم من أماني، واعتقلت بحال ترفيه، وبعد أن كسبت المنازل والدور، واستكثر من الحرس، وختم على الأعلاق، وأبرد إلى ما ناء (5) ، واستؤصلت نعمة لم تكن بالأندلس من ذوات النظائر ولا ربات __________ (1) رياسة: سقطت من ق. (2) الإحاطة: الورقة: 400. (3) الإحاطة: ولما يجتمع الشباب ويستكمل السن. (4) الإحاطة: خزانته وذخيرته. (5) الإحاطة: وبادر وأبرد إلى ما نأى. (5/76) ________________________________________ الأمثال، في تبحر الغلة، وفراهة الحيوان، وغبطة العقار، ونظافة الآلات، ورفعة الثياب، واستجادة العدة، ووفور الكتب إلى الآنية والفرش والماعون والزجاج والطيب والذخيرة والمضارب والأبنية، واكتسحت السائمة وثيران الحرث وظهر الحمولة وقوام الفلاحة والخيل، فأخذ ذلك البيع، وتناهبتها الأسواق، وصاحبها البخس، ورزأتها الخونة، وشمل الخاصة والأقارب الطلب، واستخلصت القرى، وأعملت الحيل، وطوقت الذنوب، وأمد الله تعالى بالعون، وأنزل السكينة، وانصرف اللسان إلى ذكر الله تعالى، وتعلقت الآمال به وطبقت نكبة مصحفية مطلوبها الذات وسببها المال حسبما قلت عند إقالة العثرة والخلاص من الهفوة: تخلصت منها نكبة مصحفية ... لفقداني المنصور من آل عامر ووصلت الشفاعة في مكتتبة بخط ملك المغرب، وجعل خلاصي شرطاً في العقدة ومسالمة الدولة، فانتقلت صحبة سلطاني المكفور الحق إلى المغرب، وبالغ ملكه في بري منزلاً رحباً (1) ، وعيشاً خفضاً، وإقطاعاً جماً، وجراية ما وراءها مرمى، وجعلني بمجلسه صدراً، ثم أسعف قصدي في تهيؤ الخلوة في مدينة سلا منوه الصكوك، مهنأ القرار، متفقداً باللها والخلع، مخول العقار، موفور الحاشية، مخلى بيني وبين إصلاح معادي، إلى أ، رد الله تعالى على السلطان أمير المسلمين أبي عبد الله ابن أمير المسلمين أبي الحجاج ملكه، وصير إليه حقه (2) ، فطالبني بوعد ضربته، وعمل في القدوم عليه بولده أحكمته، ولم يوسعني عذراً، ولا فسح في الترك مجالاً، فقدمت عليه بولده، وقد ساءه بإمساكه رهينة ضده، ونغص مسرة الفتح بعده، على كل حال من التقشف __________ (1) الإحاطة: خصبا. (2) الإحاطة: وهيأ إليه حقه وصرف إليه كرسيه. (5/77) ________________________________________ والزهد فيما بيده، وعزف عن الطمع في ملكه وزهد في رفده، حسبما قلت من بعض المقطوعات: قالوا لخدمته دعاك محمد ... فأنفتها وزهدت في التنويه فأحببته أنا والمهيمن كاره ... في خدمة المولى محب فيه عاهدت الله تعالى على ذلك، وشرحت صدري للوفاء به، وجنحت إلى الانفصال لبيت الله الحرام نشيدة أملي، ومرمى نيتي وعملي، فعلق بي، وخرج لي عن الضرورة ، وأراني أن موازرته أبر القرب، وراكنني إلى عهد بخطه فسح لعامين أمد الثواء، واقتدى بشعيب صلوات الله عليه في طلب الزيادة على تلك النسبة، وأشهد من حضر من العلية، ثم رمى إلي بعد ذلك بمقاليد رأيه، وحكم عقلي في اختيارات عقله، وغطى من جفائي بحلمه، وحثا في وجوه شهواته تراب زجري، ووقف القبول على وعظي، وصرف هواي في التحول فانياً وقصدي، واعترف بقبول نصحي، فاستعنت الله تعالى، وعاملت وجهه فيه، من غير تلبس بجراية، ولا تشبث بولاية، مقتصراً على الكفاية، حذراً من النقد، خامل المركب، معتمداً على المنسأة، مستمشياً (1) بخلق النعل، راضياً بغير النبيه من الثوب، مشفقاً من موافقة الغرور، هاجراً للزخرف، صادعاً بالحق في أسواق الباطل، كافاً عن السخال براثن السباع. ثم صرفت الفكرة إلى بناء الزاوية والمدرسة والتربة بكر الحسنات بهذه الخطة، بل بالجزيرة، فيما سلف من المدة، فتأتى بمنة الله تعالى من صلاح السلطان وعفاف الحاشية والأمن ورم الثغور وتثمير الجباية وإنصاف الحمات والمقاتلة ومقارعة الملوك المجاورة في إيثار المصلحة الدينية والصدع فوق المنابر ضماناً من السلطان بترياق سم الثورة وإصلاح بواطن الخاصة والعامة ما الله تعالى المجازي عليه، والمعوض __________ (1) ق ص: مستمتعا. (5/78) ________________________________________ من سهر خلعته على أعطافه، وخطر اقتحمته من أجله، لا للثريد الأعفر، ولا للجرد تمرح في الأرسان، ولا للبدر تثقل للأكتاد، فهو الذي لا يضيع عمل من عمل ذكر أو أنثى سبحانه وتعالى. ومع ذلك فلم أعدم الاستهداف (1) للشرور، والاستغراض للمحذور، والنظر الشزر المنبعث من خرز العيون، شيمة من ابتلاه الله تعالى بسياسة الدهماء، ورعاية سخطة أرزاق السماء، وقتلة الأنبياء، وعبدة الأهواء، ممن لا يجعل لله تعالى إرادة نافذة، ولا مشيئة سابقة، ولا يقبل معذرة، ولا يجمل في الطلب، ولا يتلبس مع الله في الأدب، ربنا لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا، والحال إلى هذا العهد - وهو منتصف عام خمسة وستين وسبعمائة (2) - على ما ذكرته، أداله الله بحال السلامة، وبفيأة العافية، والتمتع بالعبادة، وربك يخلق ما يشاء ويختار: وعلي أن أسعى ولي ... س علي إدراك النجاح ولله سبحانه فينا علم غيب (3) نحن صائرون إليه، ألحفنا الله لباس التقوى، وختم لنا بالسعادة، وجعلنا في الآخرة من الفائزين، نفثت عن بث، وتأوهت عن حمى، ليظهر بعد المنقلب قصدي، ويدل مكتتبي على عقدي، انتهى، وجله بلفظه. وكان - رحمه الله تعالى - عارفاً بأحوال الملوك، سريع الجواب، حاضر الذهن، حاد النادرة. ومن حكاياته في حضور الجواب ما حكاه عن نفسه قال (4) : حضرت يوماً بين يدي السلطان أبي عنان في بعض وفاداتي عليه لغرض الرسالة، وجرى ذكر بعض أعدائه، فقلت ما أعتقده في إطراء ذلك العدو، وما عرفته __________ (1) الإحاطة: ومع ذلك فقد هيف إلى أديانها من الاستهداف... إلخ. (2) الإحاطة: وهو عام أحد وسبعين وسبعمائة. (3) الإحاطة: سر عجيب. (4) أزهار الرياض 1: 287. (5/79) ________________________________________ من فضله، فأنكر علي بعض الحاضرين ممن لا يحطب إلا في حبل السلطان، فصرفت وجهي وقلت: أيدكم الله، تحقير عدو السلطان بين يديه ليس من السياسة في شيء، بل غير ذلك أحق وأولى، فإن كان السلطان غالب عدوه كان قد غلب غير حقير، وهو الأولى بفخره، وجلال قدره، وإن غلبه العدو لم يغير حقير، فيكون أشد للحسرة، وآكد للفضيحة، فوافق - رحمه الله تعالى - على ذلك واستحسنه، وشكر عليه، وخجل المعترض، انتهى. وكان - رحمه الله تعالى - مبتلى بداء الأرق، لا ينام من الليل إلا النزر اليسير جداً، وقد قال في كتابه " الوصول لحفظ الصحة في الفصول " : العجب مني - مع تأليفي لهذا الكتاب الذي لم يؤلف مثله في الطب، وعملي ذلك - لا أقدر على مداواة داء الأرق الذي بي، أو كما قال، ولذا يقال له " ذو العمرين " لأن الناس ينامون في الليل وهو ساهر فيه، ومؤلفاته ما كان يصنف غالبها إلا بالليل، وقد سمعت بالمغرب بعض الرؤساء يقول: لسان الدين ذو الوزارتين، وذو العمرين، وذو الميتين، وذو القبرين، انتهى. وسيأتي ما يعلم منه معنى الأخيرين. [التعريف بالسلطان أبي الحجاج] وقد عرف - رحمه الله تعالى - بالسلطان أبي الحجاج في " الإحاطة " فقال ما حاصله (1) : يوسف بن إسماعيل بن فرج بن إسماعيل بن يوسف بن نصر، الأنصاري الخزرجي، أمير المسلمين بالأندلس، أبو الحجاج، تولى الملك بعد أخيه بوادي السقائين من ظاهر الخضراء ضحوة يوم الأربعاء ثالث عشر ذي الحجة عام ثلاثة وثلاثين وسبعمائة، وسنه خمسة عشر يوماً وثمانية أشهر، أمه أم ولد، وكان له ثلاثة أولاد كبيرهم محمد أمير المسلمين من بعده، وتلوه __________ (1) الإحاطة، الورقة: 367 وانظر اللمحة البدرية: 89. (5/80) ________________________________________ أخوه إسماعيل محجوره، وثالثهم قيس شقيق إسماعيل، وذكر لسان الدين أنه وزر له بعد شيخه ابن الجياب، وتولى كتابة سره مضافة إلى الوزارة في أخريات شوال عام تسعة وأربعين وسبعمائة، انتهى. وقد علم أنه وزر بعده لابنه محمد كما تقدم ويأتي، وأما إسماعيل بن أبي الحجاج فهو الذي تغلب على الأمر، وانتهز الفرصة في ملك أخيه محمد كما تقدم، وفيه وفي أخيه قيس حين قتلا يقول لسان الدين: بإسماعيل ثم أخيه قيس ... البيتين. وقد ذكر أيضاً - رحمه الله تعالى - حكاية وفاة السلطان أبي الحجاج ما محصله أنه هجم عليه رجل من عداد الممرورين، وهو في الركعة الأخيرة من صلاة عيد الفطر عام خمسة وخمسين وسبعمائة، فطعنه بخنجر، وقبض عليه، واستفهم فتكلم بكلام مخلط، واحتمل إلى منزله على فوت لم يستقر به إلا وقد قضى، وأخرج قاتله إلى الناس فقتل لحينه، وأحرق بالنار، ودفن عشية اليوم المذكور في مقبرة قصره، ضجيع والده، وولي أمره ولده محمد، ورثيته في غرض ناء عن الجزالة مختار ولده: العمر نوم، والمنى أحلام ... ماذا عسى أن يستمر مقام وإذا تحققنا لشيء بدأة ... فله بما تقضي العقول تمام والنفس تجمح في مدى آمالها ... ركضاً، وتأبى ذلك الأيام من لم يصب في نفسه فمصابه ... بحبيبه، نفذت بذا الأحكام بعد الشبيبة كبرة، ووراءها ... هرم، ومن بعد الحياة حمام ولحكمة ما أشرقت شهب الدجى ... وتعاقب الإصباح والإظلام دنياك يا هذا محلة نقلة ... ومناخ ركب ما لديه مقام هذا أمير المسلمين ومن به ... وجد السماح وأعدم الإعدام (5/81) ________________________________________ سر الأمانة والخلافة يوسف ... غيث الملوك وليثها الضرغام قصدته عادية الزمان فأقصدت ... والعز سام، والخميس لهام فجعت به الدنيا وكدر شربها ... وشكا العراق مصابه والشام أسفاً على الخلق الجميل كأنما ... بدر الدجنة قد جلاه تمام أسفاً على العمر الجديد كأنه ... زهو الحديقة زهره بسام أسفاً على الخلق الرضي كأنه ... زهر الرياض هما عليه غمام أسفاً على الوجه الذي مهما بدا ... طاشت لنور جماله الأفهام يا ناصر الثغر الغريب وأهله ... والأرض ترجف والسماء قتام يا صاحب الصدقات في جنح الدجى ... والناس في فرش النعيم نيام يا حافظ الحرم الذي بظلاله ... ستر الأرامل واكتسى الأيتام مولاي هل لك للقصور زيارة ... بعد انتزاح الدار أو إلمام مولاي هل لك للعبيد تذكر ... حاشاك أن ينسى لديك ذمام يا واحد الآحاد والعلم الذي ... خفقت بعزة نصره الأعلام وافاك أمر الله حين تكاملت ... فيك النهى والجود والإقدام ورحلت عنا الركب خير خليفة ... أثنى عليك الله والإسلام نعم الطريق سلكت كان رفيقه ... والزاد فيه تهجد وصيام وكسفت يا شمس المحاسن ضحوة ... فاليوم ليل، والضياء ظلام وسقاك عيد الفطر كأس شهادة ... فيها من الأجل الوحي مدام وختمت عمرك بالصلاة فحبذا ... عمل كريم سعيه وختام مولاي كم هذا الرقاد إلى متى ... بين الصفائح والتراب تنام أعد التحية واحتسبها قربة ... إن كان يمكنك الغداة كلام تبكي عليك مصانع شيدتها ... بيض كما تبكي الهديل حمام تبكي عليك مساجد عمرتها ... فالناس فيها سجد وقيام (5/82) ________________________________________ تبكي عليك خلائق أمنتها ... بالسلم وهي كأنها أنعام عاملت وجه الله فيما رمته ... منها فلم يبعد عليك مرام لو كنت تفدى أو تجار من الردى ... بذلت نفوس من لدنك كرام لو كنت تمنع بالصوارم والقنا ... ما كان ركنك بالغلاب يرام لكنه أمر الإله، وما لنا ... إلا رضى بالحكم واستسلام والله قد كتب الفناء على الورى ... وقضاؤه جفت به الأقلام نم في جوار الله مسروراً بما ... قدمت يوم تزلزل الأقدام واعلم بأن سليل ملكك قد غدا ... في مستقر علاك وهو إمام سر تكنف منه من خلفته ... ظل ظليل فهو ليس يضام كنت الحسام وصرت في غمد الثرى ... ولنصر ملكك سل منه حسام خلفت أمة أحمد لمحمد ... فقضت بسعد الأمة الأحكام فهو الخليفة للورى في عهده ... ترعى العهود وتوصل الأرحام أبقى رسومك كلها محفوظة ... لم ينتثر منها عليك نظام العدل والشيم الكريمة والتقى ... والدار والألقاب والخدام حسبي بأن أغشى ضريحك لائماً ... وأقول والدمع السفوح سجام يا مدفن التقوى ويا مثوى الهدى ... مني عليك تحية وسلام أخفيت من حزني عليك، وفي الحشا ... نار لها بين الضلوع ضرام ولو أنني أديت حقك لم يكن ... لي بعد فقدك في الجود مقام وإذا الفتى أدى الذي في وسعه ... وأتى بجهد، ما عليه ملام قال لسان الدين: وكتبت في بعض معاهده: غبت فلا عين ولا مخبر ... ولا انتظار منك مرقوب يا يوسف أنت لنا يوسف ... وكلنا في الحزن يعقوب (5/83) ________________________________________ انتهى، ورحم الله تعالى الجميع بمنه وقد قدمنا ما كتبه لسان الدين على لسان سلطانه إلى السلطان أبي عنان في شأن قتل السلطان أبي الحجاج في الباب الثامن من القسم الأول. [الغني ولسان الدين يلجآن للمغرب] وقال لسان الدين في كتابه " اللمحة البدرية في الدولة النصرية " في ذكر ما يتعلق بخلع سلطانه وقيام أخيه عليه وفي خلال ذلك، ما نصه (1) : كان السلطان أبو عبد الله عند تصير الأمر إليه قد ألزم أخاه إسماعيل قصراً من قصور أبيه بجوار داره (2) مرفهاً عليه، متممة وظائفه له، وأسكن معه أمه وأخواته منها، وقد استأثرت يوم وفاة والده بمال جم من خزائنه الكائنة في بيتها فوجدت السبيل إلى السعي لولدها فجعلت تواصل زيارة ابنتها التي عقد لها الوالد مع ابن عمه الرئيس أبي عبد الله ابن الرئيس أبي الوليد ابن الرئيس أبي عبد الله المبايع له بأندرش ابن الرئيس أبي سعيد جدهم الذي تجمعهم جرثومته، وشمر الصهر المذكور عن ساعد عزمه وجده وهو ما هو من الإقدام، ومداخلة ذؤبان الرجال، واستعان بمن آسفته الدولة، وهفت (3) به الأطماع، فتألف منهم زهاء مائة قصدوا جهة من جهات القلعة متسنمين شفاً صعب المرتقى، واتخذوا آلة تدرك ذروته لقعود بنية كانت به عن التمام، وكبسوا حرسياً بأعلاه بما اقتضى صماته، فاستووا به، ونزلوا إلى القلعة سحور الليلة الثامنة والعشرين من شهر رمضان عام ستين وسبعمائة، فاستظهروا بالمشاعل والصراخ، وعالجوا دار الحاجب رضوان، ففضوا أغلاقها ودخلوها فقتلوه بين أهله وولده، وانتهبوا ما اشتملت عليه داره، وأسرعت طائفة مع الرئيس [الصهر] فاستخرجت الأمير المعتقل إسماعيل، وأركبته وقرعت __________ (1) اللمحة البدرية: 108. (2) ق: بجواره. (3) ص: وهتفت. (5/84) ________________________________________ الطبول، ونودي بدعوته، وقد كان أخوه السلطان متحولاً بولده إلى سكنى الجنة المنسوبة للعريف لصق داره، وهي المثل المضروب في الظل الممدود، والماء المسكوب، والنسيم البليل، يفصل بينها وبين معقل الملك السور المنيع والخندق المصنوع، فما راعه إلا النداء والعجيج وأصوات الطبول، وهب إلى الدخول إلى القلعة فألفاها قد أخذت دونه شعابها كلها ونقابها، وقذفته الحراب، ورشقته السهام، فرجع أدراجه، وسدده الله تعالى في محل الحيرة، ودس له عرق الفحول من قومه، فامتطى صهوة فرس كان مرتبطاً عنده، وصار لوجهه فأعيا المتبع، وصبح مدينة وادي آش، ولم يشعر حافظ قصبتها إلا به وقد تولج عليها، فالتف به أهلها وأعطوه صفقتهم بالذب عنه، فكان أملك بها، وتجهزت الحشود إلى منازلته، وقد جدد أخوه المتغلب على ملكه عقد السلم مع طاغية قشتالة باحتياجه إلى سلم المسلمين لجراء فتنة بينه وبين البرجلونيين من أمته، واغتبط به أهل المدينة، فذبوا عنه، ورضوا بهلاك نعمتهم دونه، واستمرت الحال إلى عيد النحر من عام التاريخ، ووصله رسول صاحب المغرب مستنزلاً عنها ومستدعياً إلى حضرته، لما عجز عن إمساكها، وراسل ملك الروم فلم يجد عنده من معول، فانصرف يوم ثاني عيد النحر المذكور، وتبعه الجمع الوافر من أهل المدينة خيلاً ورجلاً إلى مربلة من ساحل إجازته، وكان وصوله إلى مدينة فاس مصحوباً من البر والكرامة بما لا مزيد عليه في السادس من شهر محرم فاتح عام أحد وستين وسبعمائة، وركب السلطان للقائه، ونزل إليه عندما سلم عليه، وبالغ في الحفاية به، وكنت قد ألحقت به مفلتاً من شرك النكبة التي استأصلت المال، وأوهمت سوء الحال، بشفاعة السلطان أبي سالم قدس الله روحه، فقمت بين يديه في الحفل الشهود يومئذ وأنشدته (1) : __________ (1) وردت هذه القصيدة أيضا في أزهار الرياض 1: 196. (5/85) ________________________________________ سلا هل لديها من مخبرة ذكر ... وهل أعشب الوادي ونم به الزهر وهل باكر الوسمي داراً على اللوى ... عفت آيها إلا التوهم والذكر بلادي التي عاطيت مشمولة الهوى ... بأكنافها والعيش فينان مخضر وجوي الذي ربى جناحي وكره ... فها أنا ذا ما لي جناح ولا وكر نبت بي لا عن جفوة وملالة ... ولا نسخ الوصل الهنيء بها هجر ولكنها الدنيا قليل متاعها ... ولذاتها دأباً تزور وتزور فمن لي بقرب العهد منها ودوننا ... مدى طال حتى يومه عندنا (1) شهر ولله عينا من رآنا وللأسى ... ضرام له في كل جانحة جمر وقد بددت در الدموع يد النوى ... وللشوق أشجان يضيق لها الصدر بكينا على النهر الشروب عشية ... فعاد أجاجاً بعدنا ذلك النهر أقول لأظعاني وقد غالها السرى ... وآنسها الحادي وأوحشها الزجر رويدك بعد العسر يسر أن أبشري ... بإنجاز وعد الله، قد ذهب العسر ولله فينا سر غيب، وربما ... أتى النفع من حال أريد بها الضر وإن تخن الأيام لم تخن النهى ... وإن يخذل الأقوام لم يخذل الصبر وإن عركت مني الخطوب مجرباً ... نقاباً تساوى عنده الحلو والمر فقد عجمت عوداً صليباً على الردى ... وعزماً (2) كما تمضي المهندة البتر إذا أنت بالبيضاء قررت منزلي ... فلا اللحم حل ما حييت ولا الظهر زجرنا بإبراهيم برء همومنا ... فلما رأينا وجهه صدق الزجر بمنتجب من آل يعقوب كلما ... دجا الخطب لم يكذب لعزمته فجر تناقلت الركبان طيب حديثه ... فلما رأته صدق الخبر الخبر ندى لو حواه البحر لذ مذاقه ... ولم يتعقب مده أبداً جزر __________ (1) ق: حتى عندنا يومه. (2) ق: وغرسا. (5/86) ________________________________________ وبأس غدا يرتاع من خوفه الردى ... وترفل في أثوابه الفتكة البكر أطاعته حتى العصم (1) في قنن الربى ... وهشت إلى تأميله الأنجم الزهر قصدناك يا خير الملوك على النوى ... لتنصفنا مما جنى عبدك الدهر كففنا بك الأيام عن غلوائها ... وقد رابنا منها التعسف والكبر وعدنا بذاك المجد فانصرم الردى ... ولذنا بذاك العزم فانهزم الذعر ولما أتينا البحر يرهب موجه ... ذكرنا نداك الغمر فاحتقر البحر خلافتك العظمى ومن لم يدن بها ... فإيمانه لغو وعرفانه نكر ووصفك يهدي المدح قصد صوابه ... إذا ضل في أوصاف من دونك الشعر دعتك قلوب المؤمنين وأخلصت ... وقد طاب منها السر لله والجهر ومدت إلى الله الأكف ضراعة ... فقال لهن الله: قد قضي الأمر وألبسها النعمى ببيعتك التي ... لها الطائر الميمون والمحتد الحر فأصبح ثغر الثغر يبسم ضاحكاً ... وقد كان مما نابه ليس يفتر وأمنت بالسلم البلاد وأهلها ... فلا ظبة تعرى ولا روعة تعرو وقد كان مولانا أبوك مصرحاً ... بأنك في أبنائه الولد البر وكنت حقيقاً بالخلافة بعده ... على الفور، لكن كل شيء له قدر وأوحشت من دار الخلافة هالة ... أقامت زماناً لا يلوح بها البدر فرد عليك الله حقك إذ قضى ... بأن تشمل النعمى وينسدل الستر وقاد إليك الملك رفقاً بخلقه ... وقد عدموا ركن الإمامة واضطروا وزادك بالتمحيص عزاً ورفعة ... وأجراُ، ولولا السبك ما عرف التبر وأنت الذي تدعى إذا دهم الردى ... وأنت الذي ترجى إذا أخلف القطر وأنت إذا جار الزمان محكم ... لك النقض والإبرام والنهي والأمر وهذا ابن نصر قد أتى وجناحه ... مهيض، ومن علياك يلتمس الجبر __________ (1) ق ص: القصم، وهو خطأ واضح. (5/87) ________________________________________ غريب يرجي منك ما أنت أهله ... فإن كنت تبغي الفجر قد جاءك الفجر ففز يا أمير المؤمنين ببيعة ... موثقة قد حل عروتها الغدر ومثلك من يرعى الدخيل ومن دعا ... بيا لمرين جاءه العز والنصر وخذ يا إمام الحق بالحق ثأره ... ففي ضمن ما تأتي به العز والأجر وأنت لها يا ناصر الحق فلتقم ... بحق فما زيد يرجى ولا عمرو فإن قيل مال، مالك الدثر وافر ... وإن قيل جيش، عندك العسكر المجر يكف بك العادي، ويحيا بك الهدى ... ويبني بك الإسلام ما هدم الكفر أعده إلى أوطانه عنك راضياً ... وطوقه نعماك التي ما لها حصر وعاجل قلوب الناس فيه بجبرها ... فقد صدهم عنه التغلب والقهر وهم يرقبون الفعل منك وصفقة ... تحاولها يمناك ما بعدها خسر مرامك سهل لا يؤودك كلفة ... سوى عرض ما إن له في العلا خطر وما العمر إلا زينة مستعارة ... ترد، ولكن الثناء هو العمر ومن باع ما يفنى بباق مخلد ... فقد أنجح المسعى وقد ربح التجر ومن دون ما تبغيه يا ملك الهدى (1) ... جياد المذاكي والمحجلة الغر وراد وشقر واضحات شياتها ... فأجسامها تبر وأرجلها در وشهب إذا ما ضمرت يوم غارة ... مطهمة غارت بها الأنجم الزهر وأسد رجال من مرين مخيفة ... عمائمها بيض وآسالها سمر عليها من الماذي كل مفاضة ... تدافع في أعطافها اللجج الخضر هم القوم إن هبوا لكشف ملمة ... فلا الملتقى صعب ولا المرتقى وعر إذا سئلوا أعطوا، وإن نوزعوا سطوا ... وإن واعدوا وفوا، وإن عاهدوا بروا وإن مدحوا اهتزوا ارتياحاً كأنهم ... نشاوى تمشت في معاطفهم خمر وإن سمعوا العوراء فروا بأنفس ... حرام على هاماتها في الوغى الفر __________ (1) اللمحة: العلى. (5/88) ________________________________________ وتبسم ما بين الوشيج ثغورهم ... وما بين قضب الدوح يبتسم الزهر أمولاي غاضت فكرتي، وتبلدت ... طباعي، فلا طبع يعين ولا فكر ولولا حنان منك داركتني به ... وأحييتني لم تبق عين ولا أثر فأوجدت مني فائتاً أي فائت ... وأنشرت ميتاُ ضم أشلاءه قبر (1) بدأت بفضل لم أكن لعظيمه ... بأهل، فجل اللطف وانفرج الصدر (2) وطوقتني النعمى المضاعفة التي ... يقل عليها مني الحمد والشكر وأنت بتتميم الصنائع كافل ... إلى أن يعود الجاه والعز والوفر جزاك الذي أسنى مقامك عصمة ... يفك بها عان وينعش مضطر إذا نحن أثنينا عليك بمدحة ... فهيهات يحصى الرمل أو يحصر القطر ولكننا نأتي بما نستطيعه ... ومن بذل المجهود حق له العذر فلا تسأل عن امتعاض وانتفاض، وسداد انحناء في التأثر لنا وأغراض، والله غالب على أمره. وفي صبيحة يوم السبت السابع عشر من شهر شوال عام اثنين وستين وسبعمائة كان انصرافه إلى الأندلس وقد ألح صاحب قشتالة قي طلبه، وترجح الرأي على قصده، فقعد السلطان بقبة العرض من جنة المصارة، وبرز الناس وقد أسمعهم (3) البريح، واستحضرت البنود والطبول والآلة، وألبس خلعة الملك، وقيدت له مراكبه فاستقل، وقد التف عليه كل من جلا عن الأندلس من لدن الكائنة في جملة كثيفة، ورأى من رقة (4) الناس وإجهاشهم وعلو أصواتهم بالدعاء ما قدم به العهد، إذ كان مظنة ذلك سكوناٌ وعفافاً وقرباُ قد ظلله الله برواق الرحمة، وعطف عليه وشائج المحبة، إلى كونه مظلوم العقد، منتزع الحق، فتبعته __________ (1) اللمحة: القبر. (2) اللمحة: الحصر. (3) اللمحة: أخذهم. (4) اللمحة: وتلا من رنة. (5/89) ________________________________________ الخواطر، وحميت عليه الأنفس، وانصرف لوجهته، وهو الآن برندة مستقل بها وبجهاتها [ومتعلل بألقاب] ومقتنع برسم وقد قام له برسم الوزارة الشيخ القائد أبو الحسن علي بن يوسف ابن كماشة الحضرمي، وبكتابته الفقيه أبو عبد الله ابن زمرك (1) ، وقد استفاض عنه من الحزم والتدرب والتيقظ للأمور والمعرفة بوجوه المصالح ما لا ينكر، كان الله لنا وله بفضله؛ انتهى كلام لسان الدين ابن الخطيب في " اللمحة البدرية " . [رسالة للسان الدين عن الغني إلى المنصور بن قلاوون] وقد علمت أنه بعد هذا التاريخ عاد سلطانه إلى حضرة غرناطة، واستبد بملك الأندلس، وعاد لسان الدين إليه حسبما أحسن سياق ذلك لسان الدين رحمه الله تعالى من إنشائه على لسان سلطانه الغني بالله، وخاطب به ملك الحرمين ومصر والشام السلطان المنصور بن أحمد بن الناصر بن قلاوون، وقد ذكرنا منه ما يتعلق بالأندلس في الباب الثاني من القسم الأول (2) ، وقال بعد ذلك فيما يتعلق بالخلع المذكور ما نصه: ولما صير الله إلينا تراثهم الهني، وأمرهم السني، وبناءهم العادي، وملكهم الجهادي، أجرانا - وله الطول - على سننهم، ورفع أعلامنا في هضابهم المشرفة وقننهم، وحملنا فيهم خير حمل، ونظم بنا لهم أي شمل، وألبس أيامنا سلماً فسح الدارة، وأحكم الإدارة، وهنأ الأمارة، ومكن العمارة، وأمن في البحر والبر السيارة والعبارة، لولا ما طرقهم فينا من تمحيص أجلى عن تخصيص، وتمحض تبره بعد تخليص ومرام عويص، نبثكم بثه، ونوالي لديكم حثه، ونجمع منبثه، فإن في الحوادث ذكراً، ومعروف الدهر لا يؤمن أن يعود تكراً، وشر الوجود __________ (1) اللمحة: وبكتابته الفقيه أبو الحسن علي بن عبد الله بن الحسن الجذامي المالقي وأبو عبد الله ابن مرزك. (2) انظر النفح 1: 321 - 326. (5/90) ________________________________________ معاقب بخيره، والسعيد من اتعظ بغيره، والحزم أفضل ما إليه ينتسب، وعقل التجربة بالمرانة يكتسب، وهو أن بعضاً مما ينسب إلينا بوشائج الأعراق، لا بمكارم الأخلاق، ويمت إلينا بالقرابة البعيدة، لا بالنصبة السعيدة، ممن كفلناه يتيماً، وصناه ذميماً شتيماً، وبوأناه مبوأ كريماً، بعد أن نشأ حرفوشاً دميماً، وملعوناًً لئيماً، ونوهناه من خموله بالولاية، ونسخنا حكم تسحبه بآية العناية، داخل أخاً لنا كنا ألزمناه الاقتصار على قصره، ولم نجعل أداة تدل على حصره، وسامحناه في كثير من أمره، ولم نرتب بزيده ولا عمره، واغتررنا برماد علا على جمره، فاستدعى له من الصعاليك شيعته كل درب بفك الأغلاق، وتسرب أنفاق النفاق، وخارق للإجماع والإصفاق، وخبير بمكان الخراب ومذاهب الفساق، وتسور بهم القلعة من ثلم شرع في سده، بعد هده، ولم تكمل الأقدار المميزة في ليلة آثرنا مبيتنا ببعض البساتين خارج قصورنا، واستنبنا من يضطلع بأمورنا، فاستتم الحيلة التي شرعها، واقتحم القلعة وافترعها، وجدل حرس النوبة وصرعها، وكبس محل النائب عنا وجد له، ولم ينشب أن جدله، واستخرج الأخ البائس فنصبه، وشد به تاج الولاية وعصبه، وابتز أمرنا وغضبه. وتوهم الناس أن الحادثة على ذاتنا قد تمت، والدائرة بنا قد ألمت ولقد همت، فخذل الناصر، وانقطعت الأواصر، وأقدم المتقاصر، واقتحمت الأبهاء والمقاصر، وتفرقت الأجزاء وتحللت العناصر، وفقد من عين الأعيان النور الباصر، فأعطوه طاعة معروفة، وأصبحت الوجوه إليه مصروفة، وركضنا وسرعان الخيل تقفو أثر منجاتنا والظلام يخفيها، وتكفي علينا السماء والله يكفيها، إلى أن خلصنا إلى مدينة وادي آش خلوص القمر من السرار، لا نملك إلا نفساً مسلمة لحكم الأقدار، ملقية لله مقادة الاختيار، مسلوبة بموجب الاستقرار، وناصحنا أهل تلك المدينة فعملوا على الحصار، واستبصروا في الدفاع عنا أتم الاستبصار، ورضوا لبيوتهم المصحرة، وبساتينهم المستبحرة (5/91) ________________________________________ بفساد الحديد وعياث النار، ولم يرضوا لجارهم بالإخفار (1) ، ولا لنفوسهم بالعار، إلى أن كان الخروج عن الوطن بعد خطوب تسبح فيها الأقلام سبحاً طويلاً، وتوسعها الشجون شرحاً وتأويلاً، وتلقي القصص منها على الآذان قولاً ثقيلاً، وجزنا البحر وضلوع موجه إشفاقاً علينا تخفق، وأكف رياحه حسرة تصفق، ونزلنا من جانب سلطان بني مرين على المثوى الذي رحب بنا ذرعه، ودل على كرم الأصول فرعه، والكريم الذي وهب فأجزل، ونزل لنا على الصهوة وتنزل، وخير وحكم، ورد على الدهر الذي تهكم، واستعبر وتبسم، وآلى وأقسم، وبسمل وقدم، واستركب لنا واستخدم. ولما بدا لمن وراءنا سيئات ما كسبوا، وحققوا ما حسبوا، وطفا الغثاء ورسبوا، ولم ينشب الشقي الخزي أن قتل البائس الذي موه بزيفه، وطوقه بسيفه، ودل ركب المخافة على خيفه، إذ آمن المضعوف من كيده، وجعل ضرغامه بازياً لصيده، واستقل على أريكته، استقلال الظليم على تريكته، حاسر الهامة، متنفقاً بالشجاعة والشهامة، مستظهراً بأول الجهالة والجهامة، وساءت في محاولة عدو الدين سيرته، ولما حصص الحق انكشفت سريرته، وارتابت لجبنه المستور جيرته، وفغر عليه طاغية الروم فمه فالتقمه، ومد عليه الصليب ذراعه فراعه، وشد الكفر عليه يده، فما عضده الله ولا أيده، وتخرمت ثغور الإسلام بعد انتظامها، وشكت إليه باهتضامها، وغصت بأشلاء عباد الله وعظامها، ظهور أوضامها، ووكلت السنة والجماعة، وانقطعت من النجح الطماعة، واشتدت المجاعة، وطلعت شمس دعوتنا من المغرب فقامت عليها الساعة، وأجزنا البحر تكاد جهتاه تتقاربان تيسيراً، ورياحه لا تعرف في غير وجهتنا مسيراً، وكأن ماءه ذوب لقي إكسيراً، ونهضنا يتقدمنا الرعب ويتقد منا الدعاء، وتجأحىء بنا الإشارة يحفزنا الاستدعاء. __________ (1) ق ص: بالإخبار؛ ولعلها " بالإختار " . (5/92) ________________________________________ وأقصر الطغايا عن البلاد بعد أن ترك ثغورها مهتومة، والإخافة عليها محتومة، وطوابعها مفضوضة وكانت بنا مختومة، وأخذ الخائن الصيحة فاختبل، وظهر تهوره الذي عليه الجبل، فجمع أوباشه السفلى وأوشابه، وبهرجه الذي غش به المحض وشابه، وعمد إلى الذخيرة التي صانتها الأغلاق الحريزة، والمعاقل العزيزة، فملأ بها المناطق، واستوعب الصامت والناطق، والوشح والقراطق، واحتمل عدد الحرب والزينة، وخرج ليلاً عن المدينة، وانقضت آراؤه الفائلة، ونعامته الشائلة، ودولة بغيه الزائلة، أن يقصد طاغية الروم بقضه وقضيضه، وأوجه وحضيضه، وطويلة وعريضة، من غير عهد اقتضى وثيقته، ولا أمر عرف حقيقته، إلا ما أمل اشتراطه من تبديل الكلمة، واستئصال الأمة المسلمة، فلم يكن إلا أن تحصل في قبضته، ودنا من مضجع ربضته، واستشار نصحاءه في أمره، وحكم الحيلة في جناية غدره، وشهره ببلده، وتولى قتله بيده، ألحق به جميع من أمده في غيه، وظاهره على سوء سعيه، وبعث إلينا برؤوسهم فنصبت بمسور غدرها، وقلدت لبة تلك البنية بشذرها، وأصبحت عبرة للمعتبرين، وآية للمستبصرين، وأحق الله الحق بكلماته وقطع دابر الكافرين. وعدنا إلى أريكة ملكنا كما رجع القمر إلى بيته، بعد كيته وكيته، أو العقد إلى جيده، بعد انتثار فريده، أو الطير إلى وكره، مفلتاً من غول الشرك ومكره، ينظر الناس إلينا بعيون لم ترو مذ غبنا من محيا رحمة، ولا باتت للسياسة ذمة، ولا ركنت لدين ولا همة، فطوينا بساط العتاب طي الكتاب، وعاجلنا سطور المؤاخذة بالاضطراب، وآنسنا نفوس أولي الاقتراب بالاقتراب، وسهلنا النفوس إلينا، واستغفرنا الله لنفسنا ولمن جنى علينا، فلا تسألوا عما أثار ذلك من استدراك ندم، ورسوخ قدم، واستمتاع بوجود بعد عدم، فسبحان الذي يمحص ليثيب، ويأمر بالدعاء ليجيب، وينبه من الغفلة ويهيب، ويجتبي إليه من يشاء ويهدي (5/93) ________________________________________ إليه من ينيب. ورأينا أن نطالع علومكم الشريفة بهذا الواقع تسبيباً للمفاتحة المعتمدة، وتمهيداً للموالاة المجددة، فأخبار الأقطار مما تنفقه الملوك على أسمارها، وترقم ببدائعه هالات أقمارها، وتستفيد منه حسن السير، ولا أمان من الغير، وتستعين على الدهر بالتجارب، وتستدل بالشاهد على الغائب، وبلادكم ينبوع الخير وأهله، ورواق الإسلام الذي يأوي قريبه وبعيده إلى ظله، ومطلع نور الرسالة، وأفق الرحمة المنثالة، منه تقدم علينا الكواكب تضرب آباط أفلاكها، وتتخلل مداريها المذهبة غدائر أحلاكها، وتستعلي البدور، ثم يعوها إلى المغرب الحدور، وتطلع الشمس متجردة من كمائم ليلها، متهادية في دركات ميلها، ثم تسحب إلى الغروب فضل ذيلها، ومن تلقائكم ورد العلم والعمل، وأرعي الهمل. فنحن نستوهب من مظان الإجابة لديكم دعاء يقوم لنا مقام المدد، ويعدل منه بالمال والعدد، ففي دعاء المؤمن بظهر الغيب ما فيه مما ورد، وإياه سبحانه نسأل أن يدفع عنا وعنكم دواعي الفتن، وغوائل المحن، ويحملنا على سنن السنن، ويلبسنا من تقواه أوقى الجنن، وهو سبحانه يصل لأبوتكم ما تستقل لدى قاضي القضاة رسومه، فتكتب حقوقه وتكتب خصومه، ولا تكلفه الأيام ولا تسومه، بفضل الله وعزته، وكره ومنته، والسلام الكريم الطيب المبارك بدءاً من عود، وجوداً إثر جود، ورحمة الله تعالى وبركاته؛ انتهى. وللسان الدين ابن الخطيب رحمه الله عن سلطانه المذكور كتاب آخر في هذه الكائنة إلى كبير الموحدين أبي محمد عبد الله بن تفراجين (1) ، ولعلنا نذكره إن __________ (1) كتبه ابن خلدون " تافراكين " وتحت الكاف نقطة إشارة إلى أنها في النطق كالجيم المصرية. (5/94) ________________________________________ شاء الله تعالى في الباب الخامس من هذا القسم، عند تعرضنا لبعض نثر لسان الدين رحمه الله تعالى. [نقل عن ابن خلدون في خلع الغني] وقد ساق هذه القضية قاضي القضاة الشهير الكبير ولي الدين عبد الرحمن ابن خلدون الحضرمي رحمه الله تعالى في تاريخه الكبير في ترجمة السلطان الشهير أبي سالم ابن السلطان أبي الحسن المريني صاحب المغرب مما نصه (1) : الخبر عن خلع ابن الأحمر صاحب غرناطة ومقتل رضوان ومقدمه على السلطان: لما هلك السلطان أبو الحجاج سنة خمس وخمسين وسبعمائة ونصب ابنه محمد للأمر واستبد عليه رضوان مولى أبيه، وكان قد رشح ابنه الأصغر إسماعيل بما ألقى عليه وعلى أمه من محبته، فلما عدلوا بالأمر عنه حجبوه ببعض قصورهم، وكان له صهر من ابن عمه محمد بن إسماعيل ابن الرئيس أبي سعيد، فكان يدعوه سراً إلى القيام بأمره، حتى أمكنته فرصة في الدولة بخروج السلطان إلى بعض منتزهاته في رياضه، فصعد سور الحمراء ليلة سبع وعشرين لرمضان من سنة ستين في أوشاب جمعهم من الطغام لثورته، وعمد إلى دار الحاجب رضوان، فاقتحم عليه الدار وقتله بين حرمه وبناته وقربوا إلى إسماعيل فرسه وركب، فأدخلوه القصر وأعلنوا بيعته، وقرعوا طبولهم بسور الحمراء، وفر السلطان من مكانه بمنتزهه، فلحق بوادي آش، وغدا الخاصة والعامة على إسماعيل فبايعوه، واستبد عليه هذا الرئيس ابن عمه فخلعه لأشهر من بيعته، واستقل بسلطان الأندلس. ولما لحق السلطان أبو عبد الله محمد بوادي آش بعد مقتل حاجبه رضوان، واتصل الخبر بالمولى السلطان أبي سالم، امتعض لمهلك رضوان وخلع السلطان رعياً لما سلف له في جوارهم، وأزعج لحينه أبا القاسم الشريف __________ (1) تاريخ ابن خلدون 7: 306 وأزهار الرياض 1: 202. (5/95) ________________________________________ من أهل مجلسه لاستقدامه، فوصل إلى الأندلس، وعقد مع أهل الدولة على إجازة المخلوع من وادي آش إلى المغرب، وأطلق من اعتقالهم الوزير الكاتب أبا عبد الله ابن الخطيب كانوا اعتقلوه لأول أمرهم لما كان رديفاً للحاجب رضوان وركناً لدولة المخلوع، فأوصى المولى أبو سالم إليهم بإطلاقه، فأطلقوه، ولحق مع الرسول أبي القاسم الشريف بسلطانه المخلوع بوادي آش للإجازة إلى المغرب، وأجاز لذي العقدة من سنته، وقدم على السلطان بفاس، وأجل قدومه، وركب للقائه، ودخل به إلى مجلس ملكه، وقد احتفل ترتيبه، وغص بالمشيخة والعلية، ووقف وزيره ابن الخطيب فأنشد السلطان قصيدته الرائية يستصرخه لسلطانه، ويستحثه لمظاهرته على أمره، واستعطف واسترحم بما أبكى الناس شفقة له ورحمة، ثم سرد ابن خلدون القصيدة، وقد تقدمت. ثم قال بعد ما صورته (1) : ثم انفض المجلس وانصرف ابن الأحمر إلى نزله، وقد فرشت له القصور، وقربت الجياد بالمراكب الذهبية، وبعث إليه بالكسا الفاخرة، ورتبت الجرايات له ولمواليه من المعلوجي بطانته من الصنائع، وحفظ عليه رسم سلطانه في الراكب والراجل، ولم يفقد من ألقاب ملكه إلا الآلة أدباً مع السلطان، واستقر في جملته إلى أن كان من لحاقه بالأندلس، وارتجاع ملكه سنة ثلاث وستين ما نحن نذكره؛ انتهى المقصود جلبه من كلام ابن خلدون في هذه الواقعة، وفيه بعض مخالفة لكلام لسان الدين السابق في اللمحة البدرية، إذ قال فيها: إن الثورة عليهم كانت ليلة ثمان وعشرين من رمضان، وابن خلدون جعلها ليلة سبع وعشرين منه، والخطب سهل، وقال في اللمحة إن انصرف السلطان من وادي آش كان ثاني يوم النحر، وقال ابن خلدون في ذي القعدة، ولعله غلط من الكتاب حيث جعل مكان الحجة القعدة. ورائية إن الخطيب التي ذكرها هي من حر كلامه وغرر شعره، على __________ (1) تاريخ ابن خلدون: 309 وأزهار الرياض: 203. (5/96) ________________________________________ أنه كله غرر، إذ جمع فيها المطلوب في ذلك الوقت بأبدع لفظ وأحسن عبارة في ذلك المحفل العظيم، ولم نزل نسمع في المذاكرات بالمغرب لما انتهى فيها إلى قوله فقد أنجح المسعى وقد ربح التجر قال له بعض من حضر ولعله أراد الغض منه: أحسنت يا وزير فيما قلت، وفي وصف الحال والسلطان، غير أنه بقي عليك شيء، هو ذكر قرابة السلطان موالينا بني مرين وهم من هم، ولا ينبغي السكوت عنهم فارتجل ابن الخطيب حينئذ قوله ومن دون ما تبغيه - إلى آخره حتى تخلص لمدح بني مرين أقارب السلطان بما لا مرمى وراءه، ثم قال بعد ذلك معتذراً أمولاي غاضت فكرتي - إلى آخره " وهذا أن صح أبلغ مما وقع لأبي تمام في سينيته حيث قال لا تنكروا ضربي له - البيتين لأن أبا تمام ارتجل بيتين فقط، ولسان الدين ارتجل تسعة عشر بيتاً، مع ما هو عليه من الخروج عن الوطن وذهاب الجاه والمال، فأين الحال من الحال وقد كرر ابن خلدون رحمه الله تعالى في تاريخه قضية اعتقال لسان الدين وخلع سلطانه في موضع آخر، ولذكره إن سبق بعضه لاشتماله على منشأ الوزير لسان الدين، وجملة من أحواله إلى قريب من مهلكه، فنقول (1) : قال رحمه الله تعالى بعد ذكره عبد الله والد لسان الدين وأنه انتقل من لوشة إلى غرناطة، واستخدم لملوك بني الأحمر، واستعمل على مخازن الطعام، ما محصله: ونشأ ابن محمد هذا، يعني لسان الدين ابن الخطيب، بغرناطة، وقرأ وتأدب على مشيختها، واختص بصحبة الحكيم المشهور يحيى بن هذيل، وأخذ عنه العلوم الفلسفية، وبرز في الطب، وانتحل الأدب وأخذ عن أشياخه، وامتلأ من حول اللسان نظمه ونثره (2) ، مع انتقاء الجيد منه، ونبغ (3) في الشعر الترسيل بحيث لا يجارى فيهما، __________ (1) انظر تاريخ ابن خلدون 7: 332 - 336 وأزهار الرياض 1: 204. (2) ابن خلدون: وامتلأ حوض السلطان من نظمه... إلخ. (3) ابن خلدون: وبلغ. (5/97) ________________________________________ وامتدح السلطان أبا الحجاج من ملوك بني الأحمر لعصره، وملأ الدنيا بمدائحه، وانتشرت في الآفاق، فرقاه السلطان إلى خدمته، وأثبته في ديوان الكتاب ببابه مرؤوساً بأبي الحسن ابن الجياب شيخ العدوتين في النظم والنثر وسائر العلوم الأدبية، وكاتب السلطان بغرناطة من لدن أيام محمد المخلوع من سفله عندما قتل وزيره محمد بن الحكيم المستبد عليه (1) ، فاستبد ابن الخطيب برياسة الكتاب ببابه مثناة بالوزارة ولقبه بها، فاستقل بذلك، وصدرت عنه غرائب من الترسيل في مكاتبات جيرانهم من ملوك العدوة، ثم داخله السلطان في تولية العمال على يده بالمشارطات فجمع له بها أموالاً وبلغ به في المخالصة إلى حيث لم يبلغ بأحد ممن قبله، وسفر عنه إلى السلطان أبي عنان ملك بني مرين بالعدوة معزياً بأبيه السلطان أبي الحسن فجلى في أغراض سفارته، ثم هلك السلطان أبو الحجاج سنة خمس وخمسين وسبعمائة، عدا عليه بعض الزعانف في سجوده للصلاة، وطعنه فأشواه، وفاظ لوقته، وتعاورت سيوف المالي المعلوجي هذا القاتل، فمزقوه أشلاء، وبويع ابن محمد لوقته، وقام بأمره مولاهم رضوان الراسخ القدم في قادة عساكرهم وكفالة الأصاغر من ملوكهم، واستبد بالدولة، وأفرد ابن الخطيب بوزارته كما كان لأبيه، وجعل ابن الخطيب رديفاً لرضوان في أمره، ومشاركاً في استبداده معه، فجرت الدولة على أحسن حال وأقوم طريقة، ثم بعثوا الوزير ابن الخطيب سفيراً إلى السلطان أبي عنان مستمدين منه الطاغية على عاداتهم مع سلفه فلما قدم على السلطان ومثل بين يديه تقدم الوفد الذين معه من وزراء الأندلس وفقهائها واستأذنه في إنشاد شعر قدمه بين يدي نجواه، فأذن له، وأنشد وهو قائم: خليفة الله ساعد القدر ... علاك ما لاح في الدجى قمر __________ (1) سقطت هنا جملة تفيد أن ابن الجياب توفي بالطاعون الجارف سنة 749 فولى السلطان أبو الحجاج ابن الخطيب رياسة الكتاب... إلخ. (5/98) ________________________________________ ودافعت عنك كف قدرته ... ما ليس يسطيع دفعه البشر وجهك في النائبات بدر دجى ... لنا وفي المحل كفك المطر والناس طراً بأرض أندلس ... لولاك ما أوطنوا ولا عمروا وجملة الأمر أنه وطن ... في غير علياك ما له وطر ومن به مذ وصلت حبلهم ... ما جحدوا نعمة ولا كفروا وقد أهمتهم بأنفسهم ... فوجهوني إليك وانتظروا فاهتز السلطان لهذه الأبيات، وأذن له في الجلوس، وقال له قبل أن يجلس: ما ترجع إليهم إلا بجميع طلباتهم، ثم أثقل كاهلهم بالإحسان، وردهم بجميع ما طلبوه، وقال شيخنا القاضي أبو القاسم الشريف - وكان معه في ذلك الوفد - لم نسمع بسفير قضى سفارته قبل أن يسلم على السلطان إلا هذا، ومكثت دولتهم هذه بالأندلس خمس سنين، ثم ثار بهم محمد الرئيس ابن عم السلطان، شركه في جده الرئيس أبي سعيد، وتحين خروج السلطان إلى منتزهه خارج الحمراء، وتسور دار الملك المعروفة بالحمراء، وكبس رضوان في بيته فقتله، ونصب للملك إسماعيل ابن السلطان أبي الحجاج بما كان صهره على شقيقه، وكان معتقلاً بالحمراء، فأخرجه وبايع له، وقام بأمره مستنداً عليه، وأحس السلطان محمد بقرع الطبول وهو بالبستان، فركب ناجياً إلى وادي آش وضبطها، وبعث بالخبر إلى السلطان أبي سالم إثر ما استولى على ملك آبائه بالمغرب، وقد كان مثواه أيام أخيه أبي عنان عندهم بالأندلس، واعتقل الرئيس القائم بالدولة هذا الوزير ابن الخطيب وضيق عليه في محبسه، وكانت بينه وبين الخطيب ابن مرزوق مودة استحكمت أيام مقامه بالأندلس، وكان غالباً على هوى السلطان أبي سالم، فزين له استدعاء هذا السلطان المخلوع من وادي آش يعده زبوناً على أهل الأندلس، ويكف به عادية القرابة المرشحين هنالك متى طمحوا إلى ملك المغرب، فقبل ذلك منه، وخاطب أهل الأندلس في تسهيل طريقه من وادي (5/99) ________________________________________ آش إليه، وبعث من أهل مجلسه الشريف أبا القاسم التلمساني، وحمله مع ذلك الشفاعة في ابن الخطيب وحل معتقله فأطلق، وصحبه الشريف أبا القاسم إلى وادي آش، وسار في ركاب سلطانه، وقدموا على السلطان أبي سالم (1) ، فاهتز لقدوم ابن الأحمر، وركب في الموكب لتلقيه، وأجلسه إزاء كرسيه، وأنشد ابن الخطيب قصيدته يستصرخ السلطان لنصره، فوعده، وكان يوماً مشهوداً، ثم أكرم مثواه وأرغد نزله، ووفر أرزاق القادمين مع ركابه، وأرغد عيش ابن الخطيب في الجراية والإقطاع، ثم استيأس واستأذن السلطان في التجوال بجهات مراكش الوقوف على أعمال الملك بها فأذن له، وكتب إلى العمال بإتحافه فتباروا في ذلك، وحصل منه على حظ، وعندما مر بسلا إثر قفوله من سفره دخل مقبرة الملوك بشالة، ووقف على قبر السلطان أبي الحسن، وأنشد قصيدة على روي الراء يرثيه ويستجير به في استرجاع ضياعه بغرناطة، مطلعها: إن بان منزله وشطت داره ... قامت مقام عيانه أخباره قسم زمانك عبرة أو عبرة ... هذي ثراه وهذه آثاره فكتب السلطان أبو سالم في ذلك إلى أهل الأندلس بالشفاعة فشفعوه، واستقر هو بسلا منتبذاً عن سلطانه طول مقامه بالعدوة، ثم عاد السلطان محمد المخلوع إلى ملكه بالأندلس سنة ثلاث وستين وسبعمائة، وبعث عن مخلفه بفاس من الأهل والولد، والقائم بالدولة يومئذ الوزير عمر بن عبد الله بن علي، فاستقدم ابن الخطيب من سلا وبعثهم لنظره، فسر السلطان لقدومه ورده إلى منزلته كما كان مع رضوان كافله، وكان عثمان بن يحيى بن عمر شيخ الغزاة وابن أشياخهم قد لحق بالطاغية ملك النصارى في ركاب أبيه عندما أحس بالشر __________ (1) فزين له... أبي سالم: سقطت كلها سهوا من ص. (5/100) ________________________________________ من الرئيس صاحب غرناطة، وأجاز يحيى من هناك إلى العدوة، وأقام عثمان بدار الحرب، فصحب السلطان في مثوى اغترابه هناك، وتقلب في مذاهب خدمته، وانحرفوا عن الطاغية عندما يئسوا من الفتح على يده، فتحولوا عنه إلى ثغور بلادهم، وخاطبوا الوزير عمر بن عبد الله في أن يمكنهم من بعض الثغور الغربية (1) التي لطاعتهم (2) بالأندلس يرتقبون منها الفتح، وخاطبني السلطان المخلوع من ذلك، وكانت بيني وبين عمر بن عبد الله ذمة مرعية، وخاصة متأكدة، فوفيت للسلطان بذلك من عمر بن عبد الله، وحملته أن يرد عليه مدينة رندة إذ هي من تراث سلفه، فقبل إشارتي في ذلك، وتسوغها السلطان المخلوع ونزل بها، وعثمان بن يحيى في جملته، وهو المقدم في بطانته، ثم غزوا منها مالقة، فكانت ركاباُ للفتح، وملكها السلطان (3) ، واستولى بعدها على دار ملكه بغرناطة، وعثمان بن يحيى متقدم القدم في الدولة عريق في المخالصة، وله على السلطان دالة واستبداد على هواه، فلما وصل ابن الخطيب بأهل السلطان وولده، وأعاده إلى مكانه في الدولة من علو يده وقبول إشارته، أدركته الغيرة من عثمان، ونكر على السلطان الاستكفاء به، وأراه التخوف من هؤلاء الأعياص (4) على ملكه، فحذره السلطان، وأخذ في التدبير عليه، حتى نكبه أباه وأخوته في رمضان سنة أربع وستين وسبعمائة، وأودعهم المطبق، ثم غربهم في ذلك، وخلا لابن الخطيب الجو وغلب على هوى السلطان ودفع إليه تدبير الدولة وخلط بينه بندمائه وأهل خلوته، وانفرد ابن الخطيب بالحل والعقد، وانصرفت إليه النجوم وعلقت به الآمال، وغشي بابه الخاصة والكافة وعصت به بطانة السلطان وحاشيته، فتفننوا في السعايات فيه، وقد هم السلطان __________ (1) ابن خلدون: القريبة. (2) ابن خلدون: أطاعتهم؛ الأزهار: لطاغيتهم. (3) فكانت... السلطان: سقطت من ق. (4) كذا في ابن خلدون، وفي ق ص: الأعايض، حيثما وقعت. (5/101) ________________________________________ عن قبولها، ونمي الخبر بذلك إلى ابن الخطيب، فشمر عن ساعده في التفويض، واستخدم للسلطان عبد العزيز ابن السلطان أبي الحسن ملك العدوة يوم إذ في القبض على ابن عمه عبد الرحمن بن أبي يفلوسن ابن السلطان أبي علي ابن السلطان أبي سعيد ابن السلطان بن يعقوب ابن عبد الحق، كانوا قد نصبوه شيخاُ على الغزاة بالأندلس لما أجاز من العدوة بعد ما جاس خلالها لطلب الملك، وأضرم بها نار الفتنة في كل ناحية، وأحسن دفاعه الوزير عمر بن عبد الله القائم حينئذ بدولة بني مريب، فاضطر إلى الإجازة إلى الأندلس، فأجاز هو ووزيره مسعود ابن ماساي، ونزلوا على السلطان المخلوع أعوام سبعة وستين وسبعمائة، فأكرم نزله، وتوفي علي بن بدر الدين شيخ الغزاة فقدم عبد الرحمن مكانه، وكان السلطان عبد العزيز قد استبد بملكه بعد مقتل الوزير عمر بن عبد الله، فغص بما فعله السلطان المخلوع من ذلك، وتوقع انتقاض أمره منهم، ووقف على مخاطبات من عبد الرحمن يسر بها في بني مرين، فجزع في ذلك، وداخله ابن الخطيب في اعتقال ابن أبي يفلوسن وابن ماساي وإراحة نفسه من شغبهم على أن يكون له المكان من دولته متى نزع إليه، فأجابه إلى ذلك، وكتب إليه العهد بخطه على يد سفيره إلى الأندلس، وكاتبه أبي يحيى ابن أبي مدين، وأغرى ابن الخطيب سلطانه بالقبض على ابن أبي يفلوسن وابن ماساي، فتقبض عليهما واعتقلهما (1) ، وفي خلال ذلك استحكمت نفرة ابن الخطيب لما بلغه عن البطانة من القدح فيه والسعاية، وربما تخيل أن السلطان مال إلى قبولها، وأنهم قد أحفظوه عليه، فأجمع التحول عن الأندلس إلى المغرب، واستأذن السلطان في تفقد الثغور، وسار إليها في لمة من فرسانه، وكان معه ابنه علي الذي كان خالصة للسلطان، وذهب لطيته، فلما حاذى جبل الفتح فرضة المجاز إلى العدوة مال إليه، وسرح إذنه بين يديه، فخرج قائد الجبل لتلقيه، وقد كان السلطان عبد العزيز __________ (1) وأغرى... واعتقلهما: سقطت من ابن خلدون، وفيها تكرار لما سبق. (5/102) ________________________________________ أوعز إليه بذلك، وجهز له الأسطول من حينه فأجاز إلى سبتة، وتلقاه ولاتها بأنواع التكرمة وامتثال المراسم، ثم سار لقصد السلطان، فقدم عليه سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة بمقامه من تلمسان، فاهتزت له الدولة، وأركب السلطان خاصته لتلقيه، وأحله من مجلسه بمحل الأمن والغبطة، ومن دولته بمكان التنويه والعزة، وأخرج لوقته كاتبه أبا يحيى ابن أبي مدين سفيراً إلى صاحب الأندلس في طلب أهله وولده، فجاء بهم على أكمل حالات الأمن والتكرمة، ثم أكثر المنافسون (1) له في شأنه، وأغروا سلطانه بتتبع عثراته، وإبداء ما كان كامناً في نفسه من سقطاته، وإحصاء معايبه، وشاع على ألسنة أعدائه كلمات منسوبة إلى الزندقة أحصوها عليه ونسبوها، ورفعت إلى قاضي الحضرة أبي حسن ابن الحسن فاسترعاها، وسجل عليه بالزندقة، وراجع صاحب الأندلس رأيه فيه، وبعث القاضي ابن الحسن إلى السلطان عبد العزيز في الانتقام منه بتلك السجلات، وإمضاء حكم الله فيه، فصم عن ذلك وأنف لذمته أن تخفر لجواره أن يرد وقال لهم: هلا انتقمتم منه وهو عندكم وأنتم عالمون بما كان عليه، وأما أنا فلا يخلص إليه بذلك أحد ما كان في جواري. ثم وفر الجراية والإقطاع له ولبنيه ولمن جاء من أهل الأندلس في جملته، فلما هلك السلطان عبد العزيز سنة أربع وسبعين وسبعمائة ورجع بنو مرين إلى المغرب وتركوا تلمسان سار هو في ركاب الوزير أبي بكر ابن غازي القائم بالدولة، فنزل بفاس، واستكثر من شراء الضياع وتأنق في بناء المساكن واغتراس الجنان، وحفظ عليه القائم بالدولة الرسوم التي رسمها له السلطان المتوفى، واتصلت حاله على ذلك إلى أن كان ما نذكره، انتهى. __________ (1) ابن خلدون: لغط المنافسون؛ ق: المتنافسون. (5/103) ________________________________________ [رواية ابن خلدون عن نهاية لسان الدين] وقال ابن خلدون في تاريخه ما صورته (1) : كان محمد بن الأحمر المخلوع قد رجع من رندة إلى ملكه بغرناطة في جمادى من سنة ثلاث وستين، وقتل له الطاغية عدوه الرئيس المنتزي على ملكهم حين هرب من غرناطة إليه وفاء بعهد المخلوع، واستوى على كرسيه، واستقل بملكه، ولحق به كاتبه وكاتب أبيه محمد بن الخطيب، فاستخلصه، وعقد له على وزارته، وفوض إليه في القيام بملكه، فاستولى عليه، وملك هواه، وكانت عينه ممتدة إلى المغرب وسكناه، إلى أن نزلت به آفة في رياسته فكان لذلك يقدم السوابق والوسائل عند ملوكه، وكان لأبناء السلطان أبي الحسن كلهم غيرة من ولد عمهم السلطان أبي علي، ويخشونهم على أمرهم، ولما لحق الأمير عبد الرحمن بن أبي يفلوسن بالأندلس اصطفاه ابن الخطيب، واستخلصه لنجواه، ورفع في الدولة رتبته، وحمل السلطان على أن عقد له على الغزاة المجاهدين من زناتة مكان بني عمه من الأعياص، فكانت له آثار في الاضطلاع بها، ولما استبد السلطان عبد العزيز بأمره واستقل بملكه، وكان ابن الخطيب (2) ساعياُ في مرضاته عند سلطانه، فدس إليه باعتقال عبد الرحمن بن أبي يفلوسن ووزيره مسعود بن ماساي، وأدار ابن الخطيب في ذلك مكره، وحمل السلطان عليهما إلى أن سطا بهما ابن الأحمر، واعتقلهما سائر أيام السلطان عبد العزيز، وتغير الجو بين ابن الأحمر ووزيره ابن الخطيب وأظلم وتنكر له، فنزع له إلى عبد العزيز سلطان المغرب سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة لما قدم من الوسائل ومهد من السوابق، فقبله السلطان وأحله من مجلسه محل الاصطفاء والقرب، وخاطب ابن الأحمر في أهله وولده فبعثهم إليه، واستقر في جملة السلطان، ثم تأكدت العداوة بينه __________ (1) تاريخ ابن خلدون 7: 337 وأزهار الرياض 1: 224. (2) واستخلصه... الخطيب: سقطت من ص سهوا. (5/104) ________________________________________ وبين ابن الأحمر، فرغب السلطان عبد العزيز في ملك الأندلس وحمله عليه، وتواعدوا لذلك عند رجوعه من تلمسان إلى المغرب، ونمي ذلك إلى ابن الأحمر، فبعث إلى السلطان عبد العزيز بهدية لم يسمع بمثلها انتقى فيها من متاع الأندلس وماعونها وبغالها الفارهة ومعلوجي السبي وجواريه، وأوفد بها رسله يطلب إسلام وزيره ابن الخطيب إليه، فأبى السلطان من ذلك ونكره. ولما هلك السلطان واستبد الوزير ابن غازي بالأمر تحيز إليه ابن الخطيب وداخله، وخاطبه ابن الأحمر بمثل ما خاطب به السلطان عبد العزيز، فلج واستنكف عن ذلك، وأقبح الرد وانصرف، رسوله إليه وقد رهب سطوته، فأطلق ابن الأحمر لحينه عبد الرحمن بن أبي يفلوسن وأركبه الأسطول، وقذف به إلى ساحل بطوية ومعه الوزير مسعود بن ماساي، ونهض - يعني ابن الأحمر - إلى جبل الفتح، فنازله بعساكره، ونزل عبد الرحمن ببطوية. ثم ذكر ابن خلدون كلاماُ كثيراً تركته لطوله، وملخصه (1) أن الوزير أبا بكر ابن غازي الذي كان تحيز إليه ابن الخطيب ولى ابن عمه محمد عثمان مدينة سبتة خوفاُ عليها من ابن الأحمر، ونهض هو - أعني الوزير - إلى منازلة عبد الرحمن بن أبي يفلوسن ببطوية إذ كانوا قد بايعوه، فامتنع عليه، وقاتله أياماً ثم رجع إلى تازا، ثم إلى فاس، واستولى عبد الرحمن على تازا، وبينما الوزير أبو بكر بفاس يدبر الرأي إذ وصله الخبر أن ابن عمه محمد بن عثمان بايع السلطان أحمد بن أبي سالم، وهو المعروف بذي الدولتين، وهذه هي دولته الأولى، وذلك أن ابن عم الوزير وهو محمد بن عثمان لما تولى سبتة كان ابن الأحمر قد طاول حصار جبل الفتح، وأخذ بمخنقه وتكررت المراسلة بينه وبين محمد بن عثمان والعتاب، فاستعتب له، وقبح ما جاء به ابن عمه الوزير أبو بكر ابن غازي من الاستغلاظ له في شأن ابن الخطيب وغيره، فوجد ابن __________ (1) تاريخ ابن خلدون 7: 338 - 341 وأزهار الرياض 1: 226. (5/105) ________________________________________ الأحمر في ذلك السبيل إلى غرضه، وداخله في البيعة لابن السلطان أبي سالم من الأبناء الذين كانوا بطنجة تحت الحوطة والرقبة، وأن يقيمه للمسلمين سلطاناً ولا يتركهم فوضى وهملاً تحت ولاية الصبي الذي لم يبلغ ولا تصح ولايته شرعاً، وهو السعيد ابن أبي فارس الذي بايعه الوزير أبو بكر ابن غازي بتلمسان حين مات أبوه واستبد عليه، واختص ابن الأحمر أحمد بن أبي سالم من بين أولئك الأبناء لما سبق بينه وبين أبيه أبي سالم من الموات، وكان ابن الأحمر اشترط على محمد بن عثمان وحزبه شروطاً: منها أن ينزلوا له عن جبل الفتح الذي هو محاصر له، وأن يبعثوا إليه جميع أبناء الملوك من بني مرين ليكونوا تحت حوطته، وأن يبعثوا إليه بالوزير ابن الخطيب متى قدروا عليه، فانعقد أمرهم على ذلك، وتقبل محمد بن عثمان شروطه، وركب من سبتة إلى طنجة، واستدعى أبا العباس أحمد من مكان اعتقاله فبايعه، وحمل الناس على طاعته، واستقدم أهل سبتة على البيعة وكتابتها فقدموا وبايعوا، وخاطب أهل جبل الفتح فبايعوا، وأفرج ابن الأحمر عنهم، وبعث إليه محمد بن عثمان عن سلطانه بالنزول له عن جبل الفتح، وخاطب أهله بالرجوع إلى طاعته، فارتحل ابن الأحمر من مالقة إليه، ودخله، ومحا دولة بني مرين مما وراء البحر، وأهدى للسلطان أبي العباس وأمده بعسكر من غزاة الأندلس، وحمل إليه مالاُ للإعانة على أمره. ولما وصل الخبر بهذا كله إلى الوزير أبي بكر ابن غازي قامت عليه القيامة، وكان ابن عمه محمد بن عثمان كتب إليه يموه بأن هذا عن أمره، فتبرأ من ذلك، ولاطف ابن عمه أن ينقض ذلك الأمر، فاعتل له بانعقاد البيعة لأبي العباس، وبينما الوزير أبو بكر ينتظر إجابة ابن عمه إلى ما رامه منه بلغه الخبر بأنه أشخص الأبناء المعتقلين كلهم إلى الأندلس، وحصلوا تحت كفالة ابن الأحمر، فوجم وأعرض عن ابن عمه، ونهض إلى تازا لمحاصرة عبد الرحمن ابن أبي يفلوسن، فاهتبل في غيبته ابن عمه محمد بن عثمان ملك المغرب ووصله مدد السلطان ابن الأحمر من رجال الأندلس الناشبة نحو ستمائة، وعسكر آخر من (5/106) ________________________________________ الغزاة، وبعث ابن الأحمر رسالة إلى الأمير عبد الرحمن باتصال اليد مع ابن عمه ومظاهرته واجتماعهما على ملك فاس، وعقد بينهما الاتفاق على أن يختص عبد الرحمن بملك سلفه، فتراضيا. وزحف محمد بن عثمان وسلطانه إلى فاس، وبلغ الخبر إلى الوزير أبي بكر بمكانه من تازا، فانفض معسكره، ورجع إلى فاس، ونزل بكدية العرائس وانتهى السلطان أبو العباس احمد إلى زرهون، فصمد إليه الوزير بعساكره، فاختل مصافه، ورجع على عقبه مفلولاُ، وانتهب عسكره، ودخل البلد الجديد، وجأجأ بالعرب أولاد حسين فعسكروا بالزيتون ظاهر فارس، فنهض إليهم الأمير عبد الرحمن من تازا بمن كان معه من العرب الأجلاف، وشردهم إلى الصحراء، وشارف السلطان أبو العباس أحمد بجموعه من العرب وزناتة، وبعثوا إلى ولي دولتهم ونزمار ابن عريف بمكانه من قصره الذي اختطه بملوية، فجاءهم، وأطلعوه على كامن أسرارهم، فأشار عليهم بالاجتماع والاتفاق، فاجتمعوا بوادي النجا، وتحالفوا ثم ارتحلوا إلى كدية العرائس في ذي القعدة من سنة خمس وسبعين وبرز إليهم الوزير بعساكره، فانهزمت جموعه، وأحيط به، وخلص إلى البلد الجديد بعد غص الريق، واضطرب معسكر السلطان أبي البعباس بكدية العرائس ونزل الأمير عبد الرحمن بإزاءه، وضربوا على البلد الجديد سياجاً بالبناء للحصار، وأنزلوا بها أنواع القتال والإرهاب، ووصلهم مدد السلطان ابن الأحمر، فأحكموا الحصار، وتحكموا في ضياع الوزير ابن الخطيب بفاس، فهدموها وعاثوا فيها، ولما كان فاتح سنة ست وسبعين داخل محمد بن عثمان ابن عمه الوزير أبا بكر في النزول عن البلد الجديد والبيعة للسلطان، لكون الحصار قد اشتد به ويئس وأعجزه المال، فأجاب واشترط عليهم الأمير عبد الرحمن التجافي لهم عن أعمال مراكش بدل سجلماسة، فعقدوا له على كره، وطووا على المكر، وخرج الوزير أبو بكر إلى السلطان وبايعه، واقتضى عهده بالأمان وتخلية سبيله من الوزارة، ودخل السلطان أبو العباس إلى البلد (5/107) ________________________________________ الجديد سابع المحرم، وارتحل الأمير عبد الرحمن يومئذ إلى مراكش، وستولى عليها، انتهى. [رواية ابن الأحمر] وقال حفيد السلطان ابن الأحمر في تاريخه ما صورته: لما لحق الرئيس أبو عبد الله ابن الخطيب بالمغرب عام اثنين وسبعين وسبعمائة، وكان من وفاة مجيره والمحامي عنه السلطان عبد العزيز ما ألمعنا بذكره، شد الوزير أبو بكر ابن غازي يده على ابن الخطيب بانياً على أشد الأشياء ألا يسلمه لمولانا جدنا مع توقع البغضاء، واقتدى هذا الوزير بالسلطان عبد العزيز في إعراضه عن العقود الموجهة من الأندلس بالمقذع من موبقات ابن الخطيب، ولج في الغلواء، وسجل موجبات الوفاء، والبواعث من مولانا جدنا تتزايد، والأساطيل تتجهز، والآراء بالقصد الخطير ينتقى منها الصواب ويتخير، حتى خيم مولانا جدنا بظاهر جبل الفتح، وكان إذ ذاك راجعاً إلى إيالة المغرب، فأناخ عليه كلكل الجيش، وأهمهم ثقل الوطأة ولم يبال مولانا جدنا بما أرسلت آناء الليل وأطراف النهار من شآبيب الأنفاط، والجوار من باب الشطائين قريب، والخالصة من الثقات مستريب، والنجاة من تلك الأهوال من الأمر الغريب، ولم يبق بغرناطة من له خلوص، ولا من تترامى به همة إلا وأعمل السير الحثيث ولحق بمولانا جدنا لحاق المحب بالحبيب، حتى أهل العلم، والرجاحة والحلم، ولا كالسيد الإمام الأستاذ أبي سعيد قطب الجملة، وعميد الملة، وهو الذي بلغنا نظمه في هذه الوجهة، وعندما ألقى عصا التسيار في الجهة القريبة من أولي العداوة، ومن ذلك قصيدته المشهورة التي أولها: يا جبل الفتح استملت نفوسنا ... فلا قلب إلا نحو مغناك قد سبق فأرسلت إذ جئناك فينا صواعقاً ... تخال بها جو السماء قد انطبق (5/108) ________________________________________ وقوله في إجابة السفهاء من الهاتفين بالسور موطئاً معجباً رحمة الله تعالى عليه: وذموا وما يعنون إلا مذمماً ... وأنت بحمد الله تدعى محمداً وقول حامل اللواء الآتي ذكره في تضاعيف الأسماء: أما مرامك في عراض البيد ... فمبلغ ما شئت من مقصود والهجر إن ألقته ألسنة العدا ... يأباه فضل مقامك المحمود سحقاً لهم سفهاء كل قبيلة ... شذت مقالتهم عن المعهود قد ضلت الأحلام منهم رشدها ... هذا، ومنك الحلم غير بعيد مع عزمة لو شئت هدت كل ما ... قد أحكموا من معلم ومشيد إلى أن قال الخبر عن اجتماع الأميرين أبي العباس وأبي زيد متصاحبين وترافقين على استخلاص مدينة فاس من يد الوزير أبي بكر ابن غازي بن الكاس: وكتب الرئيس أبو عبد الله ابن زمرك في مخلص هذه الكائنة حث الوزير محمد ابن عثمان السير في وسط عام خمسة وسبعين وسبعمائة، وتلاقى بسلطانه أبي العباس مع الأمير أبي زيد عبد الرحمن، واستقلا بالطائلة، وحصلا من التضييق على السعيد الطفل الصغير وعلى وزيره أبي بكر ابن غازي في متسع الخطة ورحيب ذرع الخلافة، وتصالحا عن رضى وتسليم منهما ومن أشياعهما على تسليم السعيد إلى اللحاق بمن كان في طنجة من الأمراء، واتصل السلطان عبد الرحمن بمراكش، فكان ملكها وجابي أموالها، وتملك السلطان أبو العباس مدينة فاس وما والى البلاد الساحلة وسواها مما يحتوي عليه ملك المدينة البيضاء براً وبحراً. وعبر كاتب الدولة عن المدينة وعن الطفل متملكها بقوله: وإلى هذا فقد ارتفع الالتباس، واطرد القياس، وغير خفي عن ذي عقل سليم، وذي تفويض للحق وتسليم، أن دار الملك المريني كمامة بلا زهر، ورياض بلا نهر، إن لم يعتقد كرسيها، من يزين جيدها ويجيد حليها، وآن أوان البشرى لمن يمتعض (5/109) ________________________________________ للدين، والآن قلادة التقوى منوطة بقلم أعلام الملوك المهتدين، ثم ذكر ما يطول من فصول، وربما اشتملت على فضول، وملخصه مثل ما ذكر ابن خلدون. [تتمة الخبر عن نهاية لسان الدين نقلاً عن ابن خلدون] ثم ساق قاضي القضاة ابن خلدون - بعد ما تقدم جلبه من تاريخه - الكلام على محنة لسان الدين ووفاته مقتولاً رحمه الله تعالى فقال ما صورته (1) : ولما استولى السلطان أبو العباس على البلد الجديد دار ملكه فاتح ست وسبعين استقل بسلطانه، والوزير محمد بن عثمان مستبد عليه، وسليمان بن داود بن أعراب كبير بني عسكر رديفه، وقد كان الشرط وقع بينه وبين السلطان ابن الأحمر - عندما بويع بطنجة - على نكبة الوزير ابن الخطيب وإسلامه إليه، لما نمي إليه عنه أنه كان يغري السلطان عبد العزيز بملك الأندلس، فلما زحف السلطان أبو العباس من طنجة ولقيه أبو بكر ابن غازي بساحة البلد الجديد، فهزمه السلطان ولازمه بالحصار، أوى معه ابن الخطيب إلى البلد الجديد خوفاً على نفسه، فلما استولى السلطان على البلد أقام أياماً، ثم أغراه سليمان بن داود بالقبض على ابن الخطيب، فقبضوا عليه، وأودعوه السجن، وطيروا بالخبر إلى السلطان ابن الأحمر، وكان سليمان بن داود شديد العداوة لابن الخطيب، لما كان سليمان قد بايعه السلطان ابن الأحمر على مشيخة الغزاة بالأندلس متى أعاده الله تعالى إلى ملكه، فلما استقر إليه سلطانه أجاز إليه سليمان سفيراً عن الوزير عمر بن عبد الله ومقتضياً عهده من السلطان، فصده الوزير ابن الخطيب عن ذلك، محتجاً بأن تلك الرياسة إنما هي لأعياص الملك من بني عبد الحق، لأنهم يعسوب زناتة، فرجع سليمان، وأثار حقد ذلك لابن الخطيب، ثم جاوز الأندلس لمحل إمارته من جبل الفتح فكانت تقع بينه وبين ابن الخطيب مكاتبات __________ (1) تاريخ ابن خلدون 7: 341 وأزهار الرياض 1: 229. (5/110) ________________________________________ ينفث كل واحد منهما لصاحبه بما يحفظه مما كمن في صدورهما، وحين بلغ خبر القبض على ابن الخطيب إلى السلطان ابن الأحمر بعث كتابه ووزيره بعد ابن الخطيب، وهو أبو عبد الله ابن زمرك، فقدم على السلطان أبي العباس، وأحضر ابن الخطيب بالمشور (1) في مجلس الخاصة، وعرض عليه بعض كلمات وقعت له في كتابه في المحبة، فعظم النكير فيها، فوبخ ونكل وامتحن بالعذاب بمشهد ذلك الملأ، ثم تل إلى محبسه، واشتوروا في قتله بمقتضى تلك المقالات المسجلة عليه، وأفتى بعض الفقهاء فيه، ودس سليمان بن داود لبعض الأوغاد من حاشيته بقتله، فطرقوا السجن ليلاً، ومعهم زعانفة جاؤوا في لفيف الخدم مع سفراء السلطان ابن الأحمر وقتلوه خنقاً في محبسه، وأخرج شلوه من الغد، فدفن بمقبرة باب المحروق، ثم أصبح من الغد على سافة (2) قبره طريحاً، وقد جمعت له أعواد، وأضرمت عليه نار، فاحترق شعره، واسود بشره، فأعيد إلى حفرته، وكان في ذلك انتهاء محنته، وعجب الناس من هذه الشنعاء التي جاء بها سليمان، واعتدوها من هناته، وعظم النكير فيها عليه وعلى قومه وأهل دولته، والله الفعال لما يريد. وكان - عفا الله تعالى عنه - أيام امتحانه بالسجن يتوقع مصيبة الموت فتجهش هواتفه بالشعر يبكي نفسه، ومما قال في ذلك رحمه الله تعالى: بعدنا وإن جاورتنا البيوت ... وجئنا بوعظ ونحن صموت وأنفاسنا سكنت دفعة ... كجهر الصلاة تلاه القنوت وكنا عظاماً فصرنا عظاماً ... وكنا نقوت فما نحن قوت وكنا شموس سماء العلا ... غربن فناحت علينا السموت فكم جدلت ذا الحسام الظبى ... وذو البخت كم جدلته البخوت __________ (1) تصحفت الكلمة في ق ص؛ والمشور: القصر لأنه موضع الشورى. (2) ق وابن خلدون والأزهار: شافة. (5/111) ________________________________________ وكم سيق للقبر في خرقة ... فتى ملئت من كساه التخوت فقل للعدا ذهب ابن الخطيب ... وفات، ومن ذا الذي لا يفوت ومن كان يفرح منهم له ... فقل: يفرح اليوم من لا يموت انتهى كلام ابن خلدون في ديوان العبر. [عن ابن حجر] وقال الحافظ ابن حجر في " أنباء الغمر " بعد أن ذكر ما قدمناه على سبيل الاختصار، ما نصه: واشتهر أنه - يعني لسان الدين - نظم حين قدم للقتل الأبيات المشهورة التي يقول فيها: وقل للعداة مضى ابن الخطيب ... وفات فسبحان من لا يفوت فمن كان يشمت منكم به ... فقل: يشمت اليوم من لا يموت والصحيح في ذلك ما ذكره صديقه شيخنا ولي الدين ابن خلدون أنه نظم الأبيات المذكورة وهو في السجن، لما كان يستشعر من التشديد؛ انتهى. ثم حكى ابن حجر عن بعض الأعيان أن ابن الأحمر وجهه إلى ملك الإفرنج في رسالة، فلما أراد الرجوع أخرج له رسالة لابن الخطيب تشتمل على نظم ونثر، فلما قرأها قال له: مثل هذا كان ينبغي أن لا يقتل، ثم بكى حتى بل ثيابه؛ انتهى كلام الحافظ، وبعضه بالمعنى. فانظر - سددك الله تعالى - بكاء العدو الكافر على هذا العلامة، وقتل إخوانه في الإسلام له على حظ نفساني، ولا حول ولا قوة إلا باله العلي العظيم، لا رب غيره. [تخميس لأبيات لسان الدين] قلت: ورأيت بحضرة فاس - حاطها الله تعالى - تخميساً لهذه الأبيات بديعاً (5/112) ________________________________________ منسوباً إلى بعض بني الصباغ، وزاد في الأصل بعض أبيات على ما ذكره ابن خلدون من هذه القطعة، والمزيد يشبه نفس لسان الدين ابن الخطيب، فلعل ابن خلدون اختصر منها، أو لم يقف على الزائد، ولنثبت جملته تتميماً للمقصود، فنقول: قال رحمه الله تعالى (1) : أيا جاهلاً غره ما يفوت ... وألهاه حال قليل الثبوت تأمل لمن بعض أنس يقوت (2) ... بعدنا وإن جاورتنا البيوت وجئنا بوعظ ونحن صموت ... لقد نلت من دهرنا رفعة ... تقضت كبرق مضى سرعة فهيهات نرجو لها رجعة ... وأصواتنا سكنت دفعة كجهر الصلاة تلاه القنوت ... بدا لي من العز وجه شباب ... يؤمل سيبي وبأسي يهاب فسرعان مزق ذلك الإهاب ... ومدت وقد أنكرتنا الثياب علينا نسائجها العنكبوت ... فآهاً لعز تقضى مناما ... منحنا به الجاه قوماً (3) كراما وكنا نسوس أموراً عظاما ... وكنا عظاماً فصرنا عظاما وكنا نقوت فها نحن قوت ... __________ (1) هذا التخميس في أزهار الرياض 1: 231. (2) الأزهار: يصوت. (3) الأزهار: دوما. (5/113) ________________________________________ وكنا لدى الملك حلي الطلى ... فآهاً عليه زماناً خلا نعوض من جدة بالبلى ... وكنا شموس سماء العلا غربنا فناحت علينا السموت ... تعودت بالرغم صرف الليالي ... وحملت نفسي فوق احتمالي وأيقنت أني سوف يأتي ارتحالي ... ومن كان منتظراً للزوال فكيف يؤمل منه الثبوت ... هو الموت يا ما له من نبا ... يحوز الحجاب إلى من أبى ويألف أخذ سني الحبا ... فكم أسلمت ذا الحسام الظبى وذا البخت كم جدلته البخوت ... هو الموت أفصح عن عجمة ... وأيقظ بالوعظ من خفقة وسلى عن الحزن ذا حرقة ... وكم سيق للقبر من خرقة فتى ملئت من كساه التخوت ... تقضى زماني بعيش خصيب ... وعندي لذنبي انكسار المنيب وها الموت قد صبت منه نصيبي ... فقل للعدا ذهب ابن الخطيب وفات ومن ذا الذي لا يفوت ... مضى ابن الخطيب كمن قبله ... ومن بعده يقتفي (1) سبله وهذا الردى ناثر شمله ... فمن كان يفرح منهم له فقل: يفرح اليوم من لا يموت ... __________ (1) ق: يبتغي. (5/114) ________________________________________ هو الموت عم فما للعدا ... يسرون بي حين ذقت الردى ومن فاته اليوم يأتي غدا ... سيبلى الجديد إذا ما المدى تتابع آحاده والسبوت ... أخي توخ طريق النجاة ... وقدم لنفسك قبل الممات وشمر بجد لما هو آت ... ولا تغترر بسراب الحياة فإنك عما قريب تموت ... وقد ذكرني قوله رحمه الله تعالى " فمن كان يفرح منهم له - إلى آخره " قول بعض العلماء الشاميين: يا ضاحكاً بمن استقل غباره ... سيثور عن قدميك ذاك العثير لا فارس بجنودها منعت حمى ... كسرى، ولا للروم خلد قيصر جدد مضت عاد عليه وجرهم ... وتلاه كهلان وعقب حمير وسطا بغسان الملوك وكندة ... فلها دماء عنده لا تثأر لعبت بهم فكأنهم لم يخلقوا ... ونسوا بها فكأنهم لم يذكروا [فصل في الاعتبار لابن دحية] وما أحسن قول أبي الخطاب ابن دحية الحافظ بعد كلام ما صورته (1) : وأخذت من طريق خوزستان إلى طريق حلوان، وقاسيت من الغربة أصناف الألوان، ومررت على مدائن كسرى أنوشروان، وزرت بها قبر صاحب النبي، صلى الله عليه وسلم، الزاهد العابد المعمر سلمان، وأعملت بها السير والإغذاذ، إلى مدينة بغذاذ، فنظرت إليها معالم وربوعاً، وأقمت بها مرة عاماً ومرة أسبوعاً وأسبوعا، وأنا ابدي في ندائهم وأعيد، والترب قد علا على منازلهم والصعيد، وأسأل عن الخلفاء الماضين وأنشد، ولسان الحال يجاوبني وينشد: __________ (1) انظر كتاب النبراس: 168. (5/115) ________________________________________ يا سائل الدار عن أناس ... ليس لهم نحوها معاد مرت كما مرت الليالي ... أين جديس وأين عاد بل أين البشر آدم الذي خلقه بيده الكبير المتعال أين الأنبياء من ولده والأرسال، أهل النبوة والرسالة، والوحي من الله ذو الجلالة أين سيدهم محمد الذي فضله عليهم ذو العزة والجلال، وجعله شفيعهم مع أمته والناس في شدائد الأهوال أين القرون الماضية والأجيال أين التبابعة والأقيال أين ملوك همدان أين أولو الأبلق الفرد أو غمدان أين أولو التيجان والأكاليل أين الصيد والبهاليل بل أين النمارذة وأكبرهم نمروذ إبراهيم الخليل أين الفراعنة ومن هو بالسحر عليم، الذين منهم فرعون موسى الكليم أين ملك الهدنانية (1) هدد بن بدد الكردي، الذي لم يكن غدره بمفيد له ولا مجدي وقد أخبر الحق جل جلاله عنه أنه كان يأخذ كل سفينة غصباً، وزعم المؤرخون أنه كان أيضاً يملأ القلوب رعباً، ويسوم أصحابه قتلاً وصلباً، مع الطمع في المال، وعدم النظر في عقبى المال، أين الفرس وملوكهم، وعدلها وعدولها أين دارا بن بهمان أين إسكندر بن فلبس اليوناني الذي غلبه وملك بلاده في ذلك الزمان، وأطاعه جميع ملوك الأقاليم، وقدر به الله امتحان الخلق ذلك تقدير العزيز العليم أين كسرى وقيصر غلبهما من الموت الأسد القسور، بعد أن أخرجهما من بلادهما أمير المؤمنين أبو حفص عمر، لما ظهرت الملة الحنيفية كما ظهرت (2) الشمس وبدا القمر، أين أولاد جفنة وملوك غسان أين مماديح زياد وحسان أين هرم بن سنان أين الملاعب بالسنان أين أولاد مضر بن نزار بن معد بن عدنان أين بنو عبد المدان أين أرباب العواصم أين قيس بن عاصم أين العرب العرباء الأمة الفاضلة، والجماعة المناضلة أين أولو الباس والحفاظ، وذوو الحمية والإحفاظ حيث الوفاء والعهد، __________ (1) في ابن الأثير والتنبيه وابن حوقل: الهذبانية. (2) ق ص: ظهر. (5/116) ________________________________________ والحباء والرفد، إلى علو الهمم، والوفاء بالذمم، والعطاء الجزل، والضيف والنزل، وهبة الافال والبزل، وإنها لا تدين عزاً ولا تقاد، ولا ترام أنفة ولا تفاد، أين قريش المغرورين في الجاهلية بالحي اللقاح، والشعب الرقاح أين الماضون من ملك بني أمية ذوو الألسن الذلق، والأوجه الطلق والحمية أين خلفاء بني العباس بن عبد المطلب، الذي شرفهم بالأصالة وليس إليهم بالمنجلب ذوو الشرف الشامخ، والفخر الباذخ، والخلافة السنية الرضية، والمملكة العامة المرضية، بلغتنا والله وفاتهم، ولم يبقى إلا ذكرهم وصفاتهم، قبض ملك الموت أرواحهم قبضاً، ولم يترك لهم حراكاً ولا نبضاً، ومزق الدود لحومهم قدداً، ووجدوا ما عملوا حاضرا ًولا يظلم ربك أحداً، إلا ما كان من أجساد الأنبياء عليهم أفضل التسليم، فإن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، وقد تكلمت على هذا الحديث وأثبت أنه من الصحيح لا القسيم، وخرجت طرقه في كتابي " العلم المشهور " (1) بعون من العزيز الرحيم، فما أبعد المرء عن رشده وما أقصاه، كم وعظه الدهر وكم وصاه، يخلط الحقيقة بالمحال، والعاطل بالحال، ولا توبة حتى يشيب الغراب، ويألف الدم التراب، فيا لهفي لبعد الدار، وانقضاض الجدار، وأنت هامة ليل أو نهار، وقاعد من عمرك على شفا جرف هار، تقرأ العلم وتدعيه، ولا تفهمه ولا تعيه، فهو عليك لا لك، فأولى لك ثم أولى لك، أما آن لليل الغي أن تنجلي أحلاكه، ولنظم البغي أن تنتثر أسلاكه، وأن يستفظع الجاني جناه، ويأسف على ما اقترفه وجناه، وأن يلبس عهاده بتاً (2) ، ويطلق الدنيا بتاً، ويفر منها فرار الأسد، ويتيقن أنه بد من مفارقة الروح الجسد، نبهنا الله تعالى من سنات غفلاتنا، وحسن ما ساء من صنائعنا الذميمة وسلاتنا، وجعل التقوى أحصن عددنا وأوثق آلاتنا، اللهم إليك المآب، وبيدك المتاب، قد واقعنا الخطايا، __________ (1) هو العلم المشهور في فضائل الأيام والشهور. (2) ق ص: ربتا. (5/117) ________________________________________ وركبنا الأجرام رواحل ومطايا، فتب عينا أجمعين، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين الطائعين، وصلى الله على سيد ولد آدم محمد شفيعنا يوم القيامة، وصاحب الحوض المورود والمقام المحمود والكرامة، وعلى آله الطاهرين، وأصحابه أهل الرضوان المنتخبين، وسلام الله عليه وعليهم إلى يوم الدين؛ انتهى وهو آخر كتابه " النبراس في تاريخ بني العباس " وذكرته بطوله لمناسبته. قلت: وقد سلكت هذا المنحى نظماً في خطبة هذا الكتاب كما مر، وللسان الدين رحمه الله تعالى كلام قريب من هذا سيأتي في نثره إن شاء الله تعالى. وأقول: إني قد تذكرت هنا قول القائل (1) : نطوي سبوتاً وآحاداً وننشرها ... ونحن في الطي بين السبت والأحد فعد ما شئت من سبت ومن أحد ... لا بد أن يخل المطوي في العدد وقول الآخر: ألم تر أن الدهر يوم وليلة ... يكران من سبت عليك إلى سبت فقل لجديد العيش لا بد من بلى ... وقل لاجتماع الشمل لا بد من شت [نبذة عن أعداء لسان الدين] واعلم أن لسان الدين لما كانت الأيام له مسالمة، لم يقدر أحد أن يواجهه بما يدنس معاليه أو يطمس معالمه، فلما قلبت الأيام له ظهر مجنها، وعاملته بمنعها بعد منحها ومنها، أكثر أعداؤه في شأنه الكلام، ونسبوه إلى الزندقة والانحلال من ربقة الإسلام، بتنقص النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، والقول بالحلول والاتحاد، والانخراط في سلك أهل الإلحاد، وسلوك مذاهب الفلاسفة في الاعتقاد، وغير ذلك مما أثاره الحقد والعداوة والانتقاد، مقالات نسبوها __________ (1) أزهار الرياض 1: 234. (5/118) ________________________________________ إليه خارجة عن السنن السوي، وكلمات كدروا بها منهل علمه الروي، ولا يدين بها ويفوه إلا الضال الغوي، والظن أن مقامه رحمه الله تعالى من لبسها بري، وجنابه سامحه الله تعالى عن لبسها عري، وكان الذي تولى كبر محنته وقتله، تلميذه أبو عبد الله ابن زمرك الذي لم يزل مضمراً لختله، فلقد وقفت على خط ابن لسان الدين على أنه تسبب في قتل لسان الدين أبيه، وسيأتي الإلماع والإلمام (1) بابن زمرك المذكور في تلامذة لسان الدين، مع أنه - أعني لسان الدين - حلاه في الإحاطة أحسن الحلى، وصدقه فيما انتحله من أوصاف العلا، وقد سبق في كلام ولي الدين ابن خلدون أنه قدم على السلطان أبي العباس أحمد المريني في شأن الوزير ابن الخطيب، وأخرج إلى مجلس الخاصة، وامتحن والمجالس بالأعيان غاصة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ومن أعداءه الذين باينوه بعد أن كانوا يسعون في مرضاته سعي العبيد، القاضي أبو الحسن ابن الحسن (2) النباهي، فكم قبل يده، ثم جاهره بعد انتقال الحال، وجد في أمره مع ابن زمرك حتى قتل لسان الدين، وانقضت دولته فسبحان من لا يتحول ملكه ولا يبيد. وقد سبق فيما جلبناه من كلام ابن خلدون أم القاضي ابن الحسن قدم على السلطان عبد العزيز في شأن لسان الدين والانتقام منه بسبب تلك السجلات وإمضاء حكم الله فيه بمقتضاها، فأبى السلطان من ذلك، وقال: هلا فعلتم أنتم ذلك حين كان عندكم وامتنع لذمته أن يخفره، فلما أراد الله بنفوذ الأمر، وعدم نفع زيد وعمرو، توفي السلطان عبد العزيز، واختلت الأحوال، واضطربت بالغرب نيران الأهوال، فقدم في شأنه الوزير الكاتب ابن زمرك خادمه الذي رباه وصنيعته، فكان ما كان مما سبق به الإلمام (3) . __________ (1) ق ص: إلا مع الإلمام، وهو يحرف. (2) ق ص: الحسين، وهو خطأ. (3) ق ص: بالإلمام. (5/119) ________________________________________ وقد ذكرنا في الباب الأول قول لسان الدين رحمه الله تعالى في قصيدته النونية: تلون إخواني علي وقد جنت ... علي خطوب جمة ذات ألوان وما كنت أدري قبل أن يتنكروا ... بأن خواني كان مجمع خواني وكانت وقد حم القضاء صنائعي ... علي بما لا أرتضي شر أعوان ولقد صدق رحمه الله تعالى، على أنه قال هذه القصيدة في النكبة الأولى التي انتقل فيها مع سلطانه إلى المغرب، كما مر مفصلاً، وكأنه عبر عن هذه المحنة الأخيرة التي ذهبت فيها نفسه على يد صنائعه الكاتب ابن زمرك والقاضي ابن الحسن، سامح الله الجميع. ويرحم الله أبا إسحاق التلمساني صاحب الرجز في الفرائض حيث يقول: الغدر في الناس شيمة سلفت ... قد طال بين الورى تصرفها ما كل من قد سرت له نعم ... منك يرى قدرها ويعرفها بل ربما أعقب الجزاء بها ... مضرة عز عنك مصرفها أما ترى الشمس كيف تعطف بالنو ... ر على البدر وهو يكسفها وقال لسان الدين، بعد ذكره أن ملك النصارى دون جانجه بن دون الفنش استنصر على أبيه بالسلطان المجاهد أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق المريني ولاذ به، ورهن عنده تاجه ذخيرة النصارى، ولقيه بصخرة عباد من أحواز رندة، فسلم عليه ويقال: إن أمير المسلمين لما فرغ من ذلك طلب بلسان زناتة الماء ليغسل يده به من قبلة الفنش أو مصافحته، ما نصه (1) : والشيء بالشيء يذكر، فأثبت حكاية اتفقت لي بسبب ذلك، أستدعي بها الدعاء ممن يحسن عنده موقعها، وهي أن اليهودي الحكيم ابن زرزار على عهد ملك النصارى حفيد هذا الفنش __________ (1) ورد هذا النص في أعمال الأعلام: 333. (5/120) ________________________________________ المذكور وصل إلينا بغرناطة في بعض حوائجه، ودخل إلي بدار سكناي مجاور القصر السلطاني بحمراء غرناطة، وعندي القاضي اليوم بغرناطة وغيره من أهل الدولة، وبيده كتاب من سلطان المغرب محمد بن أبي عبد الرحمن ابن السلطان الكبير المولى أبي الحسن، وكان محمد هذا قد فر إلى صاحب قشتالة، واستدعي من قبله إلى الملك، فسهل له ذلك، واشترط عليه ما شاء، وربما وصله خطابه بما لم يقنعه في إطراءه، فقال لي: مولاي السلطان دن بطره يسلم عليك، ويقول لك: انظر مخاطبة هذا الشخص، وكان بالأمس كلباً من كلاب بابه، حتى ترى خسارة الكرامة فيه، فأخذت الكتاب من يده وقرأته، وقلت له: أبلغه عني أن هذا الكلام ما جرك إليه إلا خلو بابك من الشيوخ الذين يعرفونك بالكلاب وبالأسود، وبمن تغسل الأيدي منهم إذا قبلوها، فتعلم من الكلب الذي تغسل اليد منه ومن لا، وإن جد هذا الولد هو الذي قبل جدك يده واستدعى الماء لغسل يده منه بمحضر النصارى والمسلمين، ونسبة الجد إلى الجد كنسبة الحفيد إلى الحفيد، وكونه لجأ إلى بلادك ليس بعار عليه، وأنت معرض إلى اللجإ إليه فيكافئك بأضعاف ما عاملته به. فقام أبو الحسن المستقضي يبكي ويقبل يدي، ويصفني بولي الله، وكذلك من حضرني، وتوجه إلى المغرب رسولاً، فقص على بني مرين خبر ما شاهده مني وسمعه، وبالحضرة اليوم ممن تلقى منه ذلك كثير، جعل الله تعالى ذلك خالصاً لوجهه؛ انتهى. وقد أثنى لسان الدين في الإحاطة على القاضي ابن الحسن المذكور كما سيأتي، وقال في ترجمة السلطان ابن الأحمر ما نصه: ثم قدم للقضاء الفقيه الحسيب أبا الحسن، وهو عين الأعيان بمالقة، المخصوص برسم التجلة والقيام بالعقد والحل، فسدد وقارب، وحمل الكل، وأحسن مصاحبة الخطبة والخطة، وأكرم المشيخة مع النزاهة، ولم يقف في حسن التأتي على غاية، فاتفق على رجاحته، ولم يقف في النصح عند غاية، انتهى. وحين أظلم الجو بينه وبين لسان الدين ذكره في " الكتيبة الكامنة " بما يباين ما سبق، ولقبه بالجعسوس (5/121) ________________________________________ ولم يقنعه ذلك حتى ألف فيه " خلع الرسن في وصف القاضي أبو الحسن " . [كتاب من النباهي إلى لسان الدين] وقد وقفت بفاس المحروسة على كتاب مطول كتبه للسان الدين بعد تحوله عن الأندلس، ونص ما تعلق به الغرض هنا (1) : فشرعتم في الشراء، وتشييد البناء، وتركتم الاستعداد لهاذم اللذات، هيهات هيهات تبنون ما لا تسكنون، وتدخرون ما لا تأكلون، وتؤملون ما لا تدركون {أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة} (النساء: 78) فأين المهرب مما هو كائن، ونحن إنما نتقلب في قدرة الطالب، شرقتم أو غربتم، الأيام تتقاضى الدين، وتنادي بالنفس الفرارة إلى أين إلى أين، ونترك الكلام مع الناقد في ما ارتكبه من تزكية نفسه، وعد ما جلبه من مناقبه، ما عدا ما هدد به من حديد لسانه، خشية اندراجه في نمط من قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن من شر الناس من تركه الناس اتقاء فحشه " ولا غيبة في من ألقى جلباب الحياء عن وجهه، ونرحمه (2) على ما أبداه أو أهداه من العيوب التي نسبها لأخيه، واستراح على قوله بها فيه، ونذكره على طريقة نصيحة الدين بالحديث الثابت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قوله: " أتدرون من المفلس قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار " .ويعلم الله أن معنى هذا الحديث الثابت __________ (1) راجع هذا الكتاب في أزهار الرياض 1: 212. (2) ق ص: وزحمه. (5/122) ________________________________________ عن النذير الصادق، هو الذي حملني على نصحكم، ومراجعتكم في كثير من الأمور: منها الإشارة عليكم بإذهاب عين ما كتبتم به في التاريخ وأمثاله، فإنكم نفعتم فيما وقعتم فيه من الغيبة المحرمة أحياء وأموات بغير شيء حصل بيدكم وضررتم نفسكم بما رتبتم لهم من المطالبات بنص الكتاب والسنة قبلكم، والرضى بهذه الصفقة الخاسرة أمر بعيد من الدين والعقل. وقد قلت لكم غير مرة عن أطراسكم المسودة بما دعوتم إليه من البدعة والتلاعب بالشريعة إن حقها التخريق والتحريق، وإن من أطراها لكم فقد خدع نفسه وخدعكم، والله الشهيد بأني نصحتكم وما غششتكم، وليس هذا القول وإن كان ثقيلاً عليكم بمخالف كل المخالفة لما ذنبتم به من تقدم المواجهة بالملاطفة والمعاملة بالمكارمة، فليست المداراة بقادحة في الدين، بل هي محمودة في بعض الأحوال، مستحسنة على ما بينه العلماء، إذا هي مقاربة في الكلام أو مجاملة بأسباب الدنيا لصلاحها أو صلاح الدين، وإنما المذموم المداهنة، وهي بذل الدين لمجرد الدنيا، والمصانعة به لتحصيلها، ومن خالط للضرورة مثلكم، وزايله بأخلاقه ونصحه مخاطبة ومكاتبة، واستدل له بكتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، على صحة مقالته، فقد سلم والحمد لله من مداهنته، وقام لله تعالى بما يجب عليه في حقكم من التحذير والإنكار مع الإشفاق والوجل. وأكثرتم في كتابكم من المن بما ذكرتم أنكم صنعتم، وعلى تقدير الموافقة لكم ليتكم ما فعلتم، فسلمنا من المعرة وسلمتم، وجل القائل سبحانه {قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى، والله غني حليم} (البقرة: 263) وقلما شاركتم أنتم في شيء إلا بأغراض حاصلة في يدكم، ولأغراض دنيوية خاصة بكم، فالملام إذاً في الحقيقة إنما هو متوجه إليكم، والتعلل بأخبار قطركم وأهلكم، فتناقض منكم وإن كنتم فيه بغدركم: (5/123) ________________________________________ أتبكي على ليلى وأنت تركتها ... فكنت كآت غيه وهو طائع وما كل ما منتك نفسك مخلياً ... تلاقي، ولا كل له أنت تابع فلا تبكين في إثر شيء ندامة ... إذا نزعته من يديك النوازع وعلى أن تأسفكم لما وقعتم فيه من الغدر لسلطانكم، والخروج لا للضرورة غالبة على أوطانكم، من الواجب بكل اعتبار عليكم، سيما وقد مددتم إلى التمتع بغيرها عينيكم، ولو لم يكن بهذه الجزيرة الفريدة من الفضيلة إلا ما خصت به من بركة الرباط ورحمة الجهاد لكفاها فخراً على ما يجاورها من سائر البلاد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم في ما سواه " وقال عليه الصلاة والسلام " الروحة يروحها العبد في سبيل الله والغدوة خير من الدنيا وما فيها " وعلى كل تقدير فإذا لم يكن يا أخي فراركم من الأندلس إلى الله وحد بالتوبة المكملة، والاستغفار من الانقطاع في أحد المواطن المكرمة المعظمة بالإجماع، وهي طيبة أو مكة أو بيت المقدس، فقد خسرتم صفقة رحلتكم، وتبين أن لغير وجه الله العظيم كانت نية هجرتكم، اللهم إلا إن كنتم قد لاحظتم مسألة الرجل الذي قتل مائة نفس، وسأل أعلم أهل الأرض فأشار إليه بعد إزماع التوبة بمفارقة المواطن التي ارتكب فيها الذنوب، واكتسب بها العيوب، فأمر آخر، مع أن كلام العلماء في هذا الحديث معروف. ويقال لكم من الجواب الخاص بكم: فعليكم إذاً بترك القيل والقال، وكسر حربة الجدال والقتال، وقصر ما بقي من مدة العمر على الاشتغال بصالح الأعمال. ووقعت في مكتوبكم كلمات أوردها النقد في قالب الاستهزاء والازدراء، والجهالة بمقادير الأشياء، ومنها " ريح صرصر " وهو لغة القرآن، و " قاع قرقر " وهو لفظ سيد العرب والعجم محمد صلى الله عليه وسلم، ثبت في الصحيح في باب التغلظ فيمن لا يؤدي زكاة ماله. قيل: يا رسول الله، والبقر والغنم قال، ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان (5/124) ________________________________________ يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر لا يفقد منها شيئاً، تنطحه بقرونها، وتطأه بأظلافها، الحديث الشهير. قال صاحب المعلم: بطح لها بقاع قرقر: أي ألقي على وجهه، والقاع: المستوي من الأرض، والقرقر: كذلك، هذا ما حضر من الجواب، وبقي في مكتوبكم حشو كثير من كلام إقذاع وفحش بعيد من الحشمة والحياء ورأيت من الصواب الإعراض عن ذكره، وصون اليد عن الاستعمال فيه، والظاهر أنه إنما صدر منكم وأنتم بحال مرض، فلا حرج فيه عليكم، أنسأ الله تعالى أجلكم، ومكن أمنكم، وسكن وجلكم، ومنه جل اسمه نسأل لي ولكم حسن الخاتمة، والفوز بالسعادة الدائمة، والسلام الأتم يعتمدكم، والرحمات والبركات من كاتبه علي بن عبد الله بن الحسن وفقه الله، وذلك بتاريخ أخريات جمادى الأولى من عام ثلاثة وسبعين وسبعمائة. وقيد رحمه الله تعالى في مدرج طي هذا الكتاب ما نصه: يا أخي - أصلحني الله وإياكم - بقي من الحديث شيء الصواب الخروج عنه لكم، إذ هذا أوانه، وتأخير البيان عن وقت الحاجة فيه ما فيه، وليكون البناء بعد أن كان على أصل صحيح بحول الله، وحاصله أنكم عددتم ما شاركتكم فيه بحسب الأوقات، وقطعتم بنسبة الأمور كلها إلى أنفسكم، وأنها إنما صدرت عن أمركم وبإذنكم، من غير مشارك في شيء منها لكم، ثم مننتم بها المن القبيح المبطل لعمل برككم على تقدير التسليم في فعله لكم، ورميتم غيركم بالتقصير في حاله كله، طريقة من يبصر القذى في عين أخيه ويدع الجذع في عينه، وأقصى ما تسنى للمحب أيام كونكم بالأندلس تقلد كل فتى قضاء الجماعة، وما كان إلا أن وليتها بقضاء الله وقدره، فقد تبين لكل ذي عقل سليم أنه لا موجد إلا الله، وأنه إذا كان كذلك كان الخير والشر والطاعة والمعصية حاصلاً بإيجاده سبحانه وتعالى وتخليقه وتكوينه من غير عاضد له على تحصيل مراده ولا معين، ولكنه جلت قدرته وعد فاعل الخير بالثواب فضلاً منه، وأوعد فاعل الشر بالعقاب عدلاً منه، وكأني بكم تضحكون من تقرير هذه المقدمة، وما أحوجكم إلى (5/125) ________________________________________ تأملها بعين اليقين، فكابدت أيام تلك الولاية النكدة من النكاية باستحقاركم للقضايا الشرعية، وتهاونكم بالأمور الدينية، ما يعظكم الله به الأجر، وذلك في جملة مسائل: منها مسألة ابن الزبير المقتول على الزندقة بعد تقضي موجباته على كره منكم، ومنها مسألة ابن أبي العيش المثقف في السجن على آراءه المضلة التي كان منها دخوله على زوجته إثر تطليقه إياها بالثلاث، وزعمه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمره مشافهة بالاستمتاع بها، فحملت أحد ناسكم تناول إخراجه من الثقاف من غير مبالاة بأحد، ومنها أن أحد الفتيان المتعلقين بكم توجهت عليه المطالبة بدم قتيل، وسيق المدعى عليه بالذبح بغير سكين، فما وسعني بمقتضى الدين إلا حبسه على ما أحمته السنة، فأنفتم لذلك، وسجنتم الطالب ولي الدم، ولا يجمل بي ولا بكم ذكره، والمسألة الأخرى أنتم توليتم كبرها حتى جرى فيها القدر بما جرى به من الانفصال، والحمد لله على كل حال، وأما الرمي بكذا وكذا مما لا علم لنا بسببه، ولا عذر لكم من الحق في التكلم به، فشيء قلما يقع مثله من البهيان ممن كان يرجو لقاء ربه، وكلامكم في المدح والهجو، هو عندي من قبيل اللغو، الذي نمر به كراماُ والحمد لله، فكثروا أو قللوا من أي نوع شئتم، أنتم وما ترضونه لنفسكم، وما فهت لكم بما فهت من الكلام، إلا على جهة الإعلام، لا على جهة الانفعال، لما صدر أو يصدر عنكم من الأقوال والأفعال، فمذهبي غير مذهبكم، وعندي غير ما ليس عندكم. وكذلك رأيتكم تكثرون في مخاطباتكم من لفظ الرقية في معرض الإنكار لوجود نفعها، والرمي بالمنقصة والحمق لمستعملها، ولو كنتم فد نظرتم في شيء من كتب السنة أو سير الأمة المسلمة نظر مصدق لما وسعكم إنكار ما أنكرتم، وكتبه بخط يدكم، فهو قادح كبير في عقيدة دينكم، فقد ثبت بالإجماع في سورة الفلق أنها خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وأنه المراد بها هو وآحاد (5/126) ________________________________________ أمته، وفي أمهات الإسلام الخمس أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى رقاه جبريل، فقال: بسم الله يبريك، ومن كل داء يشفيك، ومن شر حاسد إذا حسد، ومن شر كل ذي عين. وفي الصحيح أيضاً أن ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا في سفر، فمروا بحي من أحياء العرب، فاستضافوهم، فلم يضيفوهم، فقالوا: هل فيكم راق فإن سيد الحي لديغ، أو مصاب، فقال رجل من القوم: نعم، فأتاه فرقاه بفاتحة الكتاب، فبرئ الرجل، فأعطى قطيعاً من غنم - الحديث الشهير - . قال أهل العلم: فيه دليل على جواز أخذ الأجرة على الرقية والطب وتعليم القرآن، وهو قول مالك وأحمد والشافعي وأبي ثور وجماعة من السلف، وفيه جواز المقارضة، وإن كان ضد ذلك أحسن، وفي هذا القدر كفاية. وما رقيت قط أحداُ على الوجه الذي ذكرتم، ولا استرقيت والحمد لله، وما حملني على تبيين ما بينته الآن لكم في المسألة إلا إرادة الخير التام لجهتكم، والطمع في إصلاح باطنكم وظاهركم، فإني أخاف عليكم من الإفصاح بالطعن في الشريعة، ورمي علمائها بالمنقصة إلى عادتكم وعادة المستخف ابن هذيل شيخكم منكر علم الجزئيات، القائل بعدم قدرة الرب جل اسمه على جميع الممكنات. وأنتم قد انتقلتم إلى جوار أناس أعلام قلما تجوز عليهم - حفظهم الله - المغالطات، فتأسركم شهادة العدول التي لا مدفع لكم فيها، وتقع الفضيحة، والدين النصيحة، أعاذنا الله من درك الشقاء، وشماتة الأعداء، وجهد البلاء. وكذلك أحذركم من الوقوع بما لا ينبغي في الجناب الرفيع، جناب سيد المرسلين، وقائد الغر المحجلين، صلوات الله وسلمه عليه، فإنه نقل عنكم في هذا الباب أشياء منكرة، يكبر في النفوس التكلم بها، أنتم تعلمونها، وهي التي زرعت في القلوب ما زرعت من بغضكم وإيثار بعدكم، مع استشعار الشفقة والوجل من وجه أخر عليكم، ولولا أنكم سافرتم قبل تقلص ظل السلطنة عنكم لكانت الأمة المسلمة امتعاضاً لدينها ودنياها، قد برزت بهذه الجهات (5/127) ________________________________________ لطلب الحق منكم، فليس يعلم أنه صدر عن مثلكم من خدام الدول ما صدر عنكم من العيث في الأبشار والأموال، وهتك الأعراض، وإفشاء الأسرار، وكشف الأستار، واستعمال المكر، والحيل والغدر، في غالب الأحوال للشريف والمشروف، والخديم والمخدوم، ولو لم يكن في الوجود من الدلائل على صحة ما رضيتم به لنفسكم من الاتسام بسوء العهد والتجاوز المحض وكفران النعم والركون إلى ما تحصل من الحطام الزائل إلا عملكم مع سلطانكم مولاكم وابن مولاكم أيده الله بنصره وما ثبت من مقالاتكم السيئة فيه وفي الكثير من أهل قطره لطفاكم وصمة لا يغسل دنسها البحر، ولا ينسى عارها الدهر، فإنكم تركتموه أولاً بالمغرب عند تلون الزمان، وذهبتم للكدية والأخذ بمقتضى المقامة الساسانية إلى أن استدعاه الملك، وتخلصت له بعد الجهد الأندلس، فسقطتم عليه سقوط الذباب على الحلواء، وضربتم وجوه رجاله بعضاً ببعض، حتى خلا لكم الجو، وتمكن الأمر والنهي، فهمزتم ولمزتم، وجمعتم من المال ما جمعتم، ثم وريتم بتفقد ثغر الجزيرة الخضراء، مكراً منكم، فلما بلغتم أرض الجبل انحرفتم عن الجادة، وهربتم بأثقالكم الهروب الذي أنكره عليكم كل من بلغه حديثكم أو يبلغه إلى آخر الدهر في العدوتين من مؤمن وكافر وبر وفاجر، فكيف يستقيم لكم بعد المعرفة بتصرفاتكم حازم، أويثق بكم في قول أو فعل صالح أو طالح ولو كان قد بقي لكم من العقل ما تتفكرون به في الكيفية التي ختمتم بها عملكم في الأندلس من الزيادة في المغرم وغير ذلك مما لكم وزره ووزر من عمل به بعدكم إلى يوم القيامة حسب ما ثبت في الصحيح لحملكم على مواصلة الحزن، وملازمة الأسف والندم على ما أوقعتم فيه نفسكم الأمارة من التورط والتنشب في أشطان الآمال ودسائس الشيطان، ونعوذ بالله من شرور الأنفس وسيئات الأعمال. وأما قولكم عن فلان إنه كان حشرة في قلوب اللوز وإن فلانا كان برغوثاً في تراب الخمول فكلام سفساف، يقال لكم من الجواب عليه: وأنتم يا هذا أين كنتم منذ خمسين سنة مثلاً خلق الله الخلق لا استظهاراً بهم (5/128) ________________________________________ ولا استكثاراً، وأنشأهم كما قدر أحوالاً وأطوارا، واستخلفهم في الأرض بعد أمة أمماً وبعد عصر أعصاراً، وكلفهم شرائعه وأحكامه ولم يتركهم هملاً، وأمرهم ونهاهم ليبلوهم أيهم أحسن عملاً " إن أكرمكم عند الله أتقاكم " وبكل اعتبار فلا نعلم في نمط الطلبة تدريجاً كان أسمج من تدريجكم، ونبدأ من كذا فإنه كان كذا وأكثر أهل زمانه تحملاً وتقللاً بالنسبة إلى منصبه كان الشيخ أبو الحسن ابن الجياب، ولكنه حين علم رحمه الله تعالى من نشأتكم وحالتكم ما علم نبذ مصاهرتكم وصرف عليكم صداقكم، وكذلك فعلت بنت جزي زوج الرهيصي معكم، حسبما هو مشهور في بلدكم، وذكرتم أنكم ما زلتم من أهل الغنى حيث نقرتم بذكر العرض - وهو بفتح العين والراء، حطام الدنيا على ما حكى أبو عبيد، وقال أبو زيد: هو، بسكون الراء، المال الذي لا ذهب فيه ولا فضة - وأي مال خالص يعلم لكم أو لأبيكم بعد الخروج من الثقاف على ما كان قد تبقى عنده من مجبى قرية مترايل (1) ثم من العدد الذي برز قبلكم أيام كانت أشغال الطعام بيدكم على ما شهد به الجمهور من أصحابكم، وأما الفلاحة التي أشرتم إليها فلا حق لكم فيها إذ هي في الحقيقة لبيت مال المسلمين، مع ما بيدكم على ما تقرر في الفقهيات، والمعدوم شرعاً كالمعدوم حساً، ولو قبل من أهل المعرفة بكم بعض ما لديهم من سقطاتكم في القال والقيل، ولم يصرف إلى دفع معرتها عنكم وجه التأويل، لكانت مسألتكم ثانية لمسألة أبو الخير، بل أبي الشر، الحادثة أيام خلافة الحكم، المسطورة في نوازل أبي الإصبع ابن سهل، فاعلموا ذلك، ولا تهملوا إشارتي عليكم قديماً وحديثاً بلزوم الصلوات، وحضور الجماعات، وفعل الخيرات، والعمل على التخلص من التبعات {إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور} (لقمان: 33). __________ (1) ق ص: منزايل. (5/129) ________________________________________ " وقلم في كتابكم: " أين الخطط المتوارثة عن الآباء والأجداد وقد أذهب الله عنا ببركة الملة المحمدية عيبة الجاهلية في التفاخر بالأباء، ولكني أقول لكم على جهة المقابلة لكلامكم: إن كانت الإشارة إلى المجيب بهذا فمن المعلوم المتحقق عند أفاضل الناس أنه من حيث الأصالة أحد أماثل قطره، قال القاضي أبو عبد الله ابن عسكر (1) وقد ذكر في كتابه من سلفي فلان بن فلان، ما نصه: وبيته بيت قضاء وعلم وجلالة لم يزالوا يرثون ذلك كابراً عن كابر، استقضى جده المنصور ابن أبي عامر، وقال غيره وغيره، وبيدي من عهود الخلفاء وصكوك الأمراء المكتتبة بخطوط أيديهم من لدن فتح جزيرة الأندلس وإلى هذا العهد القريب ما تقوم به الحجة القاطعة للسان الحاسد والجاحد، والمنة لله وحده. وإن كانت الإشارة للغير من الأصحاب في الوقت حفظهم الله فكل واحد منهم إذا نظر إليه بعين الحق وجد أقرب منكم نسباً للخطط المعتبرة، وأولى بميراثها بالفرض والتعصيب أو مساوياً على فرض المسامحة لكم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، حرام دمه وماله وعرضه " . ونرجع إلى طريقة أخرى فنقول: من كان يا فلان من قومكم في عمود نسبكم نبيهاً مشهوراً، أو كاتباً قبلكم معروفاً، أو شاعراً مطبوعاً، أو رجلاً نبيها ُ مذكوراً ولو كان يا لوشي وكان، لكان من الواجب الرجوع إلى التناصف والتواصل والتواضع، وترك التحاسد والتباغض والتقاطع: " إن الله لا ينظر إلى صوركم وأبدانكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم " . وكذلك العجب كل العجب، من تسميتكم الخربات التي شرعتم في بنائها بدار السلامة، وهيهات هيهات، المعروف من الدنيا أنها دار بلاء وجلاء وعناء وفناء، ولو لم يكن من الموعظة الواقعة بتلك الدار في الوقت إلا موت سعيدكم عند دخولها، لأغناكم عن العلم اليقين بمآلها. وأظهرتم سروراً كثيراً بما قلتم إنكم نلتم، حيث أنتم، من الشهوات التي __________ (1) هو محمد بن علي بن هارون الغساني ( - 636)، والإشارة إلى كتاب له عن تاريخ مالقة. (5/130) ________________________________________ ذكرتم أن منها الإكثار من الأكل والخرق والقعود بإزاء جارية الماء على نطع الجلد، والإمساك أولى بالجواب على هذا الفصل، فلا خفاء بما فيه من الخسة والخبائث والخبث، وبالجملة فسرور العاقل إنما ينبغي أن يكون بما يجمل تقدمه من زاد التقوى بالدار الباقية، فما العيش - كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - إلا عيش الآخرة، فقدموا إن قبلتم وصاة الحديد أو البغيض بعضاً عسى أن يكون لكم، ولا تخلفوا كلاُ يكون عليكم، هذا الذي قلته لكم، وإن كان لدى من يقف عليه من نمطه الكثير، فهو باعتبار المكان وما مر من الزمان في حيز اليسير، وهو في نفسه قول حق وصدق، ومستند أكثره كتاب الله وسنة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى سائر أنبيائه. فاحمدوا الله العلي العظيم على تذكيركم به إذ هو جار مجرى النصيحة الصريحة، يسرني الله وإياكم لليسرى، وجعلنا ممن ذكر فانتفع بالذكرى، والسلام. انتهى كلام القاضي ابن الحسن النباهي في كتابه الذي خاطب به لسان الدين رحمه الله تعالى. [ظهير من إنشاء لسان الدين بتولية النباهي خطة القضاء] وأين هذا الكلام الذي صدر من ابن الحسن في حقه من إنشاء لسان الدين رحمه الله تعالى في تولي ابن الحسن المذكور القضاء، وهو: هذا ظهير كريم أنتج مطلوب الاختيار قياسه، ودل على ما يرضي الله عز وجل التماسه، وأطلع نور العناية الذي يجلو الظلام نبراسه، واعتمد بمثابة العدل من عرف بافتراع هضبتها ناسه، وألقى بيد المعتمد به زمام الاعتقاد الجميل تروق أنوعه وأجناسه، وشيد مبنى العز الرفيع، في قبة الحسب المنيع، وكيف لا والله بانيه، والمجد أساسه، أمر به وأمضى العمل بمقتضاه وحسبه أمير المسلمين عبد الله محمد ابن مولانا أمير المسلمين أبي الحجاج ابن مولانا أمير المسلمين أبي الوليد إسماعيل بن فرج بن نصر - أيد الله أوامره، وخلد مفاخره - لقاضي حضرته العلية، وخطيب حمرائه السنية، المخصوص لديه بترفيع المزية (5/131) ________________________________________ المصروف إليه خطاب القضاة بإيالته النصرية، قاضي الجماع، ومصرف الأحكام الشرعية المطاعة، الشيخ الكذا أبي الحسن ابن الشيخ كذا أبي محمد ابن الحسن - وصل الله سعادته، وحرس مجادته، وسنى بفضله إرادته - عصب منه جبين المجد بتاج الولاية، وأجال قداح الاختيار حتى بلغ الغاية وتجاوز النهاية، ما ألقى منه بيمين عرابة الراية، وأحله منه محل الفظ من المعنى والإعجاز من الآية، وحشر إلى مدعاة ترفيعه وجوه البر وأعيان العناية، وأنطق بتبجيله، ألسن أهل جيله، بين الإفصاح والكناية، ولما كان له الحسب الأصيل الذي شهدت به ورقات الدواوين، والأصالة التي قامت عليها صحاح البراهين، والآباء الذين اعتد بمضاء قضائهم الدين وطبق مفاصل الحكم بسيوفهم الحق المبين، وازدان بمجالسة وزرائهم السلاطين، فمن فارس حكم أو حكيم تدبير، وقاض في الأمور الشرعية ووزير، أو جامع بينهما جمع سلامة لا جمع تكسير، تعدد ذلك واطرد، ووجد مشرع المجد عذباً فورد، وقصرت النظراء عن مداه فانفرد، وفرى الفري في يد الشرع فأشبه السيف البرد، وجاء في أعقابهم محيياً لما درس، بما حقق ودرس، جانياً لما بذر السلف المبارك واغترس، طاهر النشأة وقورها، محمود السجية مشكورها، متحلياً بالسكينة، حالاً من لدن الكون، فخطبته الخطط العلية، واغتبطت به المجابة الأولية، واستعملته دولته التي ترتاد أهل الفضائل للرتب، واستظهرت على المناصب بأبناء التقى والحسب، والفضل والمجد والأدب، ممن يجمع بين الطارف والتالد والإرث والمكتسب، فكان معدوداً من عدول قضاتها، وصدور نبهائها، وأعيان وزرائها، وأولي آرائها، فلما زان الله تعالى خلافته بالتمحيص المتحلى من التخصيص، وخلص ملكه الأصيل كالذهب الإبريز بعد التخليص، كان ممن (5/132) ________________________________________ صحب ركابه الطالب للحق بسيف الحق، وسلك في مظاهرته أوضح الطرق، وجادل من حاده بأمضى من الحداد الذلق، واشتهر خبر وفائه في الغرب والشرق، وصلى به صلاة السفر والحضر، والأمن والحذر، وخطب به في الأماكن التي بعد بذكر الله عهدها، وخاطب عنه - أيده الله تعالى - المخاطبات التي حمد قصدها، حتى استقل ملكه فوق سريره، وابتهج منه الإسلام بأميره وابن أميره، ونزل الستر على العباد والبلاد ببركة إيالته ويمن تدبيره، وكان الجليس المقرب المحل، والحظي المشاور في العقد والحل، والرسول المؤتمن على الأسرار، والأمين على الوظائف الكبار، مزين المجلس السلطاني بالوقار، ومتحف الملك بغريب الأخبار، وخطيب منبره العالي في الجمعات، وقارئ الحديث لديه في المجتمعات. " ثم رأى آيه الله تعالى أن يشرك رعيته في نفعه، ويصرف عوامل الحظوة على مزيد رفعه، ويجلسه مجلس الشارع صلوات الله عليه لإيضاح شرعه، وأصله الوثيق وشرعه، وقدمه أعلى الله تعالى قدمه، وشكر آلاءه ونعمه، قاضياً في الأمور الشرعية، وفاصلاً في القضايا الدينية، بحضرة غرناطة العلية، تقديم الاختيار والانتقاء، وأبقى له فخر السلف على الخلف والله سبحانه يمتعه بطول البقاء، فليتول ذلك عادلاً في الحكم، مهتدياً بنور العلم، مسوياً بين الخصوم حتى في لحظه والتفاته، متصفاً من الحلم بأفضل صفاته، مهيباً في الدين، رؤوفاً بالمؤمنين، جزلاً في الأحكام، مجتهداً في الفصل بأمضى حسام، مراقباً لله عز وجل، في النقد والإبرام. وأوصاه بالمشورة التي تقدح زناد التوفيق، والتثبت حتى ينتج قياس التحقيق، باراً بمشيخة أهل التوثيق، عادلاُ إلى سعة الأقوال عند المضيق، سائراً من مشورة المذهب على أهدى طريق، وصية أصدرها له مصدر الذكرى التي تنفع، ويعلي الله بها الدرجات ويرفع، وإلا فهو عن الوصاة غني، وقصده قصد سني، والله عز وجل ولي إعانته، والحارس من التبعات أكناف ديانته (5/133) ________________________________________ والكفيل بحفظه من الشبهات وصيانته. وأمر آيه الله تعالى أن ينظر في الأحباس على اختلافها، والأوقاف على شتى أصنافها، واليتامى التي انسدلت كفالة القضاة على إضعافها، فيذود عنها طوارق الخلل، ويجري أمورها بما يتكفل لها بالأمل، وليعلم أن الله عز وجل يراه، وأن فلتات الحكم تعاوده المراجعة في أخراه، فيدرع جنة تقواه، وسبحان من يقول " إن الهدى هدى الله " . " فعلى من يقف عليه أن يعرف أمر هذا الإجلال، صائنا منصبه من الإخلال، مبادراً أمره الواجب بالامتثال، بحول الله. وكتب في الثالث من شهر الله المحرم، فاتح عام أربعة وستين وسبعمائة، عرف الله سبحانه فيه هذا المقام العلي عوارف النصر المبين والفتح القريب بمنه وكرمه فهو المستعان لا رب غيره " ، انتهى. [ظهير من إنشاءه بتولية ابن زمرك كتابة السر] ونظير هذا ما أنشأه لسان الدين على لسان سلطانه للكاتب أبي عبد الله ابن زمرك حين تولى كتابة السر، ونصه: هذا ظهير كريم نصب المعتمد به للأمانة الكبرى ببابه فرفعه، وأفرد له متلو العز وجمعه، وأوتره وشفعه، وقربه في بساط الملك تقريباً فتح له باب السعادة وشرعه، وأعطاه لواء القلم الأعلى فوجب على من دون رتبته من أولي صنعته أن يتبعه، ورعى له وسيلة السابقة عند استخلاص الملك لما ابتزه الله من يد الغاصب وانتزعه، وحسبك من زمام (1) لا يحتاج إلى شيء معه، أمر به أمير المسلمين محمد نب كذا الكذا فلان، وصل الله سعادته، وحرس مجادته، أطلع الله تعالى له وجهة العناية أبهى من الصبح الوسيم، وأقطعه جناب الإنعام الجسيم، وأنشقه آراج الحظوة عاطرة النسيم، ونقله من كرسي التدريس والتعليم، إلى __________ (1) ق ص: ذمام. (5/134) ________________________________________ مرقى التنويه والتكريم، والرتبة التي لا يلقاها إلا ذو حظ عظيم، وجعل أقلامه جياداً لإجالة أمره العلي، وخطابه السني، في ميدان الأقاليم، ووضع في يده أمانة القلم الأعلى، جارياً من الطريقة المثلى، على المنهج القويم، واختصه بمزية الشفوف على كتاب بابه والتقديم، لما كان ناهض الفكر في طلبة حضرته زمن البداية، ولم تزل تظهر عليه بأولي التمييز مخايل هذه العناية، فإن حضر في حلق العلم جلى في حلبة الحفاظ إلى الغاية، وإن نظم أو نثر أتى بالقصائد المصقولة، والمخاطبات المنقولة، فاشتهر في بلده وغير بلده، وصارت أزمة العناية طوع يده، بما أوجب له المزية في يوم وغده. وحين رد الله عليه ملكه الذي جبر به جناح الإسلام، وزين وجوه الليالي والأيام، وأدال الضياء من الظلام، كان ممن وسمه الوفاء وشهره، وعجب الملك عود خلوصه وخبره، فحمد أثره، وشكر ظاهره ومضمره، واستصحب على ركابه الذي صحب اليمن سفره، وأخلصت الحقيقة نفره، وكفل الله ورده وصدره، ميمون النقيبة، حسن الضريبة، صادقاً في الأحوال المريبة، ناطقاً عن مقامه بالمخاطبات العجيبة، واصلاً إلى المعاني البعيدة العبارة القريبة، مبرزاً في الخدم الغريبة، حتى استقام العماد، ونطق بصدق الطاعة الحي والجماد، ودخلت في دين الله أفواج العباد والبلاد، لله الحمد على نعمه الثرة العهاد، وآلائه المتوالية الترداد، رعى له أيد الله هذه الوسائل وهو أحق من يرعاها، وشكر له الخدم المشكور مسعاها، فنص (1) عليه الرتبة الشماء التي خطبها بوفائه، وألبسه أثواب اعتناءه، وفسح له مجال آلائه، وقدمه، أعلى الله قدمه، كاتب السر، وأمين النهي والأمر، تقديم الاختيار بعد الاختبار، والاغتباط بخدمته الحسنة الآثار، وتيمن باستخدامه قبل الحلول بدار الملك والاستقرار، وغير ذلك من موجبات الإكبار. __________ (1) ق ص: فقص. (5/135) ________________________________________ فليتول ذلك عارفاً بمقداره، متقفياً لآثاره، مستعيناً بالكتم لأسراره، والاضطلاع بما يحمد من أمانته وعفافه ووقاره، معطياً هذا الرسم حقه من الرياسة، عارفاً بأنه أكبر أركان السياسة، حتى يتأكد الاغتباط بتقريبه وإدانته، وتتوفر أسباب الزيادة في إعلائه، وهو إن شاء الله غني عن الوصاة فهماً ثاقباً يقتدى بضيائه، وهو يعمل في ذلك أقصى العمل، المتكفل ببلوغ الأمل. وعلى من يقف عليه من حملة الأقلام، والكتاب الأعلام، وغيرهم من الكافة والخدام، أن يعرفوا قدر هذه العناية الواضحة الأحكام، والتقديم الراسخ الأقدام ويوجب ما أوجب من البر والإكرام، والإجلال والإعظام، بحول الله، وكتب في كذا، انتهى. فانظر صانني الله وإياك من الأغيار، وكفانا شر من كفر الصنيعة التي هي على النقص عنوان ومعيار، إلى حال الوزير لسان الدين ابن الخطيب مع هذين الرجلين، القاضي ابن الحسن والوزير ابن زمرك الذين تسببا في هلاكه حتى صار أثراً بعد عين، مع تنويهه بهما في هذا الإنشاء وغيره، وتفيئهما - كما هو معلوم - ظلال خيره، فقابلاه بالغدر، وأظهرا عند الإمكان حقد القلب وغل الصدر، وسددا لقتله سهاماً وقسياً، وصيرا سبيل الوفاء نسياً منسياً، ولا حول ولا قوة إلا بالله. [ظهير ثالث بإضافة الخطابة إلى القضاء للنباهي] ومن إنشاء لسان الدين في حق القاضي ابن الحسن أيضاً - حين أضيفت إليه الخطابة إلى القضاء - على لسان سلطانه: هذا ظهير كريم أعلى رتبة الاحتفاء اختياراً واختباراً، وأظهر معاني الكرامة والتخصيص انتقاء واصطفاء وإيثار، ورفع لواء الجلالة على من اشتمل عليه حقيقة واعتباراً، ورقى في درجات العز من طاولها على بهر أنوار، وديناً (5/136) ________________________________________ كرم في الصالحات آثاراً، وزكا في الأصالة نجاراً، وخلوصاً إلى هذا المقام العلي السعيد الذي راق إظهاراً وإضماراً، أمر به وأمضاه، وأنفذ حكمه ومقتضاه، أمير المسلمين عبد الله محمد، إلى آخره، للشيخ الكذا القاضي العدل الأرضى قاضي الجماعة، وخطيب الحضرة العلية، المخصوص لدى المقام العلي بالحظوة السنية، والمكانة الحفية، الموقر الفاضل، الحافل الكامل، المبرور أبي الحسن ابن الشيخ الفقيه الوزير الأجل، الأعز الماجد الأسنى المرفع الأحفل، الأصلح المبارك الأكمل، الموقر المبرور المرحوم أبي محمد ابن الحسن، - وصل الله عزته، ووالى رفعته ومبرته، ووهب له من صلة العناية الرانية أمله وبغيته، - لما أصبح في صدور القضاة العلماء مشاراً إلى جلاله، مستنداً إلى معرفته المخصوصة بكماله، مطرزاً على الإفادة العلمية والأدبية بمحاسنه البديعة وخصاله، محفوفاً مقعد الحكم النبوي ببركة عدالته وفضل خلاله، وحل في هذه الحضرة العلية المحل الذي لا يرقاه إلا عين الأعيان، ولا يثوي مهاده إلا مثله من أبناء المجد الثابت الأركان، ومؤملي العلم الواضح، والمبرزين بالمآثر العلية في الحسن والإحسان، وتصر لقضاة الجماعة فصدرت عنه الأحكام الراجحة الميزان، والأنظار الحسنة الأثر والعيان، والمقاصد التي وفت بالغاية التي لا تستطاع في هذا الميدان - فكم من قضية جلا بمعارفه مشكلها، ونازلة مبهمة فتح بإدراكه مقفلها، ومسألة عرف نكرتها وقرر مهملها، حتى قرت بعدالته وجزالته العيون، وصدقت فيه الآمال الناجحة والظنون، وكان في تصديره لهذه الولاية العظمى من الخير والخيرة ما عسى أن يكون، كان أحق بالتشفيع لولايته الأولى، وأجدر بمضاعفة النعم التي لا تزال تترادف على قدره الأعلى، فلذلك أصدر له أيده الله هذا الظهير الكريم مشيداً بالترفيع والتنويه، ومؤكداً للاحتفاء الوجيه، وقدمه، أعلى الله قدمه، وشكر نعمه، خطيباً بالجامع الأعظم من حضرته، مضافاُ ذلك إلى ولايته ورفيع منزلته، مرافقاً لمن في الجامع الأعظم - عمره الله بذكره - من علية الخطباء، وكبار العلماء، وخيار النبهاء الصلحاء، فليتداول ذلك في جماعته (5/137) ________________________________________ مظهراً في الخطة أثر بركاته وحسناته، عاملاُ على ما يقربه عند الله من مرضاته، ويظفره بجزيل مثوباته، بحول الله وقوته؛ انتهى. فهذا ثناء لسان الدين المرحوم على القاضي ابن الحسن، وإشادته بذكره، وبإشارته وتدبيره ولي قضاء القضاة وخطابة الجامع الأعظم بغرناطة، وهذان المنصبان لم يكن في الأندلس في ذلك الزمان من المناصب الدينية أجل منهما. ولما حصل لسان الدين رحمه الله تعالى ما حصل من النفرة في الأندلس، وإعمال الحيلة في الانفصال عنها، لعلمه أن سعايات ابن زمرك وابن الحسن ومن يعضدهما تمكنت فيه عند سلطانه، خلص منها على الوجه الذي قدمناه، وشمر القاضي ابن الحسن عن ساعد أذيته، والتسجيل عليه بما يوجب الزندقة، كما سبق جميعه مفصلاُ، فحين إذ أطلق لسان الدين عنان قلمه في سب المذكور وثلبه، وأورد في كتابه الكتيبة الكامنة في أبناء المائة الثامنة من مثالبه ما أنسى ما سطره صاحب القلائد في ابن باجة المعروف بابن الصائغ - حسبما نقلنا ذلك، أعني كلام الفتح، في غير هذا الموضع - ولم يقتنع بذلك حتى ألف الكتاب الذي سماه خلع الرسن، كما ألمعنا به فيما سبق، والله سبحانه يتجاوز عن الجميع بمنه وكرمه. [نماذج من براعة لسان الدين في القدح] واعلم أن لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى الغاية في المدح والقدح، فتارة على طريق الترسل، وطوراً على غيرها، وقد أقذع وبالغ رحمه الله تعالى في هجو أعدائه بما لا تحتمله الجبال، وهو أشد من وقع النبال ، ومنه ما وصف به الوزير، الذي كان استوزره السلطان إسماعيل بن الأحمر الثائر على سلطان ابن الخطيب، حسبما سبق الإلمام بذلك، والوزير هو إبراهيم بن أبي الفتح الأصلع الغوي، إذ قال في المذكور وفي ابن عمه محمد بن إبراهيم بن أبي الفتح العقرب (5/138) ________________________________________ الردي، بعد كلام، ما صورته: وما ظنك برجل مجهول الجد، موصوم الأبوة إلى أن قال: تنور خبز، وبركة مرقة، وثعبان حلواء وفاكهة، مغي في شح النفس، متهالك في مسترذل الطبع [...] (1) ، عليه العذيوط (2) الغبي ابن عمه بسذاجة، زعموا، مع كونه قبيح الشكل، بشيع الطلعة، إلى أن قال: وفي العشر الأول من رمضان عام واحد وستين وسبعمائة تقبض على الوزير المشؤوم، وابن عمه الغوي الغشوم، وولد الغوي مرسل الظفيرة أبعد الناس في مهوى الاغترار يختال في السرق والحلية (3) ، سم من سم القوارير، وابتلاء من الله لذوي الغيرة، يروح نشوان العشيات، يرقص بين يديه ومن خلفه عدد من الأخلاف (4) ، يعاقرون النبيذ في السكك الغاصة، وولد العقرب الردي بضده قماءة وتقطباً، تنهوا عنهما العيون، ويبكي منهما الخز، كأنهما صمتاً عند المحاورة وإظلاماً عند اللألاء، من أذلاء بني النضير، ومهتضمي خيبر، فثقفا ملياً، وبودر بهما إلى ساحل المنكب. قال المخبر: فما رأيت منكوبين أقبح شكلاُ، ولا أفقد صبراُ، من ذينك التيسين الحبقين، صلع الرؤوس، ضخام الكروش، مبهوري الأنفاس، متلجلجي الألسنة، قد ربت بمحل السيف من عنق كل جبار منهما شحمة أترجية كأنها سنام الحوار، لا يثيرون دمعاً، ولا يستنزلون رحمة، ولا يمهدون عذراً، ولا يتزودون من كتاب الله آية، قد طبع الله على قلوبهم، وأخذهم ببغيهم، وعجل لهم سوء سعيهم. وللحين أركبوهم وجراءهم - يعني أولادهم - في جفن غزوي (5) تحف بهم المساعير من الرجال، واقتفى بهم أثر قرقورة تحمل حاجاً إلى الإسكندرية تورية بالقصد، فلما لججوا قذف بهم في لجة بعد استخلاص __________ (1) بياض بمقدار كلمة في ص. (2) العذيوط: الذي يسلح حين ينزل أثناء المباشرة. (3) ق: في السرق والحرير والحلية؛ والسرق هو الحرير. (4) الأخلاف: جمع خلف وهو الرديء الذي لا خير عنده. (5) أي سفينة حربية. (5/139) ________________________________________ ما ضبثوا به (1) ، وتلكأ الأصلع الغوي فأثبت بجراحة أشعر بها هديه، واختلط العقرب الردي فنال من جناب الله سخطاً وضيقاً، تعالى الله عن نكيره، فكان فرعون هذا الزمان جبروتاً وعتواُ وميتة، عجل الله لهم العذاب، وأغرقهم في اليم. فانظر كيف كان عاقبة الظالمين، فسبحان من لا تضيع الحقوق مع عدله، ولا تنفسخ الآماد مع منازعة رداء كبريائه، مرغم الأنوف، وقاطع دابر الكافرين، وفي ذلك أقول مستريحاً وإن لم يكن - علم الله تعالى - شاني، ولا تكرر في ديواني: وما كنت ممن يدخل العشق قلبه ... ولكن من يبصر جفونك يعشق (2) ومن أمثالهم " من استغضب فلم يغضب فهو حمار " والله سبحانه يقول ومن أصدق من الله قيلا " وجزاء سيئة سيئة مثلها " والعفو أقرب للتقوى والقرب والبعد بيده سبحانه. وصدرت هذه الكلمة لحين تعرف إجلائهم في الجفن إلى الإسكندرية، وبعد ذلك صح هلاكهم: كن من صروف الردى على حذر ... لا يقبل الدهر عذر معتذر ولا تعول فيه على دعة ... فأنت في قلعة وفي سفر فكل ري يفضي إلى ظمإ ... وكل آمن يدعو إلى غرر كم شامخ الأنف ينثني فرحاً ... بال عليه زمانه وخري قل للوزير البليد قد ركضت ... في ربعك اليوم غارة الغير يا ابن أبي الفتح نسبة عكست ... فلا بفتح أتت ولا ظفر وزارة لم يجد مقلدها ... عن شؤمه في الوجود من وزر في طالع النحس حزت رتبتها ... وكل شيء في قبضة القدر __________ (1) ضبثوا به: قبض عليهم بسببه. (2) البيت للمتنبي من قصيدته " لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي " . (5/140) ________________________________________ أي اختبار لم تأل نصبته ... في جسد للنحوس أو نظر بات له المشتري على غير ... وأحرقت فيه قرصة القمر يا طللاً ما عليه من عمل ... يا شجراً ما لديه من ثمر يا مفرط الجهل والغباوة لا ... يحسب إلا من جملة البقر يا دائم الحقد والفظاظة لا ... يفرق بين ظالم وبري يا كمد اللون ينطفي كمداً ... من حسد يستطير بالشرر يا عدل سرج يا دن مقتعد ... ملآن من ريبة ومن قذر يا واصلاً للجشاء ناشئة اللي ... ل ورب الضراط في السحر من غير لب ولا مراقبة ... لله في مورد ولا صدر يا خاملاً جاهه الفروج يرى ... صهر أولي الجاه فخر مفتخر كانوا نبيطاً في الأصل أو حبشاً ... ما عنده عبرة بمعتبر يا ناقص الدين والمروءة والعق ... ل ومجري اللسان بالهذر يا ولد السحق غير مكتم ... حديثه، يا ابن فاسد الدبر يا بغل طاحونة يدور بها ... مجتهد السير مغمض البصر في أشهر عشرة طحنتهم ... فيها رحى الشؤم والبوار در والله ما كنت يا مشوم ولا ... أنت سوى عرة من العرر ومن أبو الفتح في الكلاب وهل ... لجاه في الأنام من خطر قد ستر الدهر منك عورته ... وكان لليوم غير مستتر حانوت بز يمشي على فرش ... وثور عرس يختال في حبر لا منة تتقى لمعترك ... ولا لسان يبين عن خبر ولا يد تنتمي إلى كرم ... ولا صفاء يريح من كدر عهدي بذلك الجبين قد ملئت ... غضونه الغبر بالدم الهدر (5/141) ________________________________________ عهدي بذلك القفا الغليظ وقد ... مد لوقع المهند الذكر أهدتك للبحر كف منتقم ... ألقتك للحوت كف مقتدر يا يتم أولادك الصغار ويا ... حيرتهم بعد ذاك في الكبر يا ثكل تلك الصماء أمهم ... وظاعن الموت غير منتظر والله لا نال من تخلفه ... من أمل بعدها ولا وطر والله يا مسخفان لا انتقلت ... رجلك منها إلا إلى سقر ألحفك (1) الله بالهوان ولا ... رعاك فيمن تركت من عرر ما عوقب الليل بالصباح وما ... تقدم البرق عارض المطر انتهى، وقال مورياً بدم الأخوين، في شأن سلطان تلك الدولة الذي أضحى أثراً بعد عين (2) : بإسماعيل ثم أخيه قيس ... تأذن ليل همي بانبلاج دم الأخوين داوى جرح قلبي ... وعالجني، وحسبك من علاج وهذه تورية بديعة، لأن الأطباء يقولون: إن في خاصية دم الأخوين النفع من الجراح. وقال رحمه الله تعالى: قلت في رأس الغادر بالدولة حين عرض علي: في غير حفظ الله من هامة ... هام بها الشيطان في كل واد ما تركت حمداً ولا رحمة ... في فم إنسان ولا في فؤاد وقال أيضاً في تلك الدولة بعد كلام، ما نصه: " وانتدب قاضيهم الشيخ المتراخي الدبر والفك، المنحل العصب والعقدة، __________ (1) ق ص: ألحقك. (2) أزهار الرياض 1: 274. (5/142) ________________________________________ المعرق في العمومية، المشهور بقبول الرشوة،أبو فلان ابن فلان، الغريب السم و الولاية، ومفتيهم معدن الرياء والهوادة، والبعد عن التخصص والحشمة، والمثل في العماه، والطرف في التهالك على الحطام، فلان البناء، المسخر في بناء الحفيرة، المستخدم في دار ابنه أجيراً، مختضباً بالطين، مضايقاً في رمق العيشة، وحسبك به دليلاً على الحياء و فضل البنوة، فلفقوا من خيوط العناكب شبهات تقلدوا بها حل العقد الموثق، ديدنهم في معارضة صلب الملة بالآراء الخبيثة، يتحكم الوقاح منهم في الحكم الذي نزل به شديد القوى على الذي لا ينطق عن الهوى، بحسب شهوته، تحكمه في غزل أمه إيثاراً للعاجل، بالوعيد، ففسخوا النكاح، وحللوا محرم البضع للدائل، وقد تأذن الله بفسخه، وأجرى دمه نقداً قبل دفع فقده، سبحانه حكم الحكام، وقاهر الظلام، وباء مشيخة السوء بلعنة الله وسوء الأحدوثة، ومن يلعن الله فلن تجد له نصيراً " ؛ انتهى. ومن كلامه في " نفاضة الجراب " ، وقد ذكر وزير المغرب محمد بن علي مسعود ما ملخصه: " وانه مجنون، أحول العين، وحش النظرة، يظن به الغضب في حال الرضى، يهيج به المرار فيكمن زماناً خلف كلة مرقده، يدخل إليه وعاء الحاجتين خوفاً من إصحاره إلى فضاء منزله، وتوحشه من أهله وولده، إلى أن تضعف (1) سورة المرة فيخف أمره، قد باين زوجه مع انسحاب رواق الشبيبة، وتوفر داعية الغبطة، لحلف جره الوسواس السوداوي، نستدفع بالله سر بلائه، فاستعان مستوزره منه برأي الفضل بن سهل ويحيى بن خالد وأمثالهما، تدارك الله رمق الإسلام بلطفه " ؛ انتهى. [في عتاب ابن أبي رمانة] ولما دخل لسان الدين رحمه الله تعالى مدينة مكناسة الزيتون تأخر قاضيها الشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد بن علي بن أبي رمانة عن لقائه يوم وصوله، __________ (1) ق: تعصف، وهو غير مناسب للمعنى. (5/143) ________________________________________ فكتب إليه بما نصه: جفا ابن أبي رمانة وجه مقدمي ... ونكب عني معرضاً وتحاماني وحجب عني حبه غير جاهل ... بأني ضيف (1) والمبرة من شأني ولكن رآني مغربياً محققاً ... وأن طعامي لم يكن حب رمان زيارة القاضي أصلحه الله لمثلي ممن لا يخافه ولا يرجوه، تجب من وجوه: أولها كوني ضيفاً، ممن لا يعد على الاختبار زيفاً، ولا تجر مؤانسته حيفاً، فضلاً عن أن تشرع رمحاً أو تسل سيفاً؛ وثانيها أني أمت إليه من الطلب بنسب، بين موروث ومكتسب، وقاعدة الفضل قد قررها الحق وأصلها، والرحم كما علم تدعو لمن وصلها؛ وثالثها المبدأ في هذا الغرض، ولكن الواو لا ترتب إلا بالعض، وهو اقتفاء سنن المولى أيده الله في تأنيسي، ووصفه إياي بمقربي وجليسي؛ ورابعها - وهو عدة كيسي، وهزبر خيسي، وقافية تجنيسي، ومقام تلويني وتلبيسي - مودة رئيس هذا الصنف العلمس ورئيسي، فليت شعري ما الذي عارض هذه الأصول الأربعة، ورجح مذاهبها المتبعة، إلا أن يكون عمل أهل المدينة ينافيها، فهذا بحسب (2) النفس ويكفيها، وإن تعذر لقاء أو استدعاء، وعدم طعام أو وعاء، ولم يقع نكاح ولا استرعاء، فلم يتعذر عذر يقتضيه الكرم، والمنصب المحترم، فالجلة إلى التماس الحمد ذات استباق، والعرف بين الله والناس باق، والغيرة على لسان مثله مفروضة، والأعمال معروضة، والله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة، وإن كان لدى القاضي في ذلك عذراً فليفده، وأولى الأعذار به أنه لم يقصده، والسلام " ؛ انتهى. ويعني بالمولى السلطان أبا سالم ابن السلطان أبي الحسن المريني، وبرئيس __________ (1) ص: ضعيف. (2) ص ق: يحسب. (5/144) ________________________________________ هذا الصنف العلامة الخطيب أبا عبد الله ابن مرزوق، رحم الله الجميع. [رسالته إلى ابن مرزوق ينصحه برفض الدنيا] ومن كلام لسان الدين - رحمه الله تعالى - رسالة في أحوال خدمة الدولة ومصائرهم، وتنبيههم على النظر في عواقب الرياسة بعيون بصائرهم، عبر فيها عن ذوق ووجدان، وليس الخبر كالعيان، وخاطب بها الإمام الخطيب عين الأعيان، سيدي أبا عبد الله ابن مرزوق، وكأنه - أعني لسان الدين - أشار ببعض فصولها إلى نفسه، ونطق بالغيب في نكبته التي قادته إلى رمسه، وكان ذلك منه عندما أراد التخلي عن خدمة (1) الملوك، والتحلي بزينة أهل التصوف والسلوك، فلم يرد الله أن تكون مهجته نائية عن ساحة الظلمة خارجة، وأراد سامحه الله وغفر له عمراً وأراد الله خارجة، وصورة ما قال رحمه الله تعالى: " وأحسست منه - يعني ابن مرزوق - في بعض كتبه الواردة إلي إلى الدنيا وحنيناً لما بلاه من غرورها، فحملني الطور الذي ارتكبته في هذه الأيام - بتوفيق الله - على أن أخاطبه بهذه الرسالة، وحقها أن يجعلها خدمة الملوك ممن ينسب إلى نبل، ويلم بمعرفة، مصحفاً يدرسه، وشعاراً يلتزمه، وهي: سيدي الذي يده البيضاء لم تذهب بشهرتها المكافأة، ولم تختلف في مدحها الأفعال ولا تغايرت الصفات، ولا تزال تعترف بها العظام الرفات، أطلقك الله من أسر كل الكون كما أطلقك من أسلا بعضه، وزهدك في سمائه الفانية وفي أرضه، وحقر الحظ في عين بصيرتك بما يحملك على رفضه، اتصل بي الخبر السار من تركك لشانك، وإجناء الله تعالى إياك ثمرة إحسانك، وانجياب ظلام الشدة الحالك، عن أفق حالك، فكبرت، وفي الفرج من بعد الشدة اعتبرت، لا بسوى ذلك من رضى مخلوق يؤمر فيأتمر، ويدعوه القضاء فيبتدر، إنما هو فيء، وظل ليس له من الأمر شيء، ونسأله جل وعلا أن يجعلها آخر عهدك بالدنيا __________ (1) ص ق: مذمة. (5/145) ________________________________________ وبنيها، وأول معارج نفسك التي تقربها من الحق وتدنيها، وكأني والله أحس بثقل هذه الدعوة على سمعك، ومضادتها ولا حول ولا قوة إلا بالله لطبعك، وأنا أنافرك إلى العقل الذي هو قسطاس الله تعالى في عالم الإنسان، والآلة لبث العدل والإحسان، والملك الذي يبين عنه ترجمان اللسان، فأقول: " ليت شعري ما الذي غبط سيدي في الدنيا، وأن بلغ من زبرجها الرتبة العليا، ونفرض المثال بحال إقبالها، ووصل حبالها، وخشوع جبالها، وضراعة سبالها، ألتوقع المكروه صباحاً ومساء، وارتقاب الحوالة التي تديل من النعيم البأساء، ولزوم المنافسة التي تعادي الأشراف والرؤساء ألترتب العتب التقصير في الكتب، وضغينة جار الجنب، وولوع الصديق بإحصاء الذنب ألنسبة وقائع الدولة إليك وأنت بري، وتطويقك الموبقات وأنت منها عري ألاستهدافك للمضار التي تنتجها غيرة الفروج، والأحقاد التي تضبطها (1) ركبة السروج، وسرحة المروج، ونجوم السماء ذات البروج ألتقليدك التقصير فيما ضاقت عنه طاقتك، وصحت إليه فاقتك، من حاجة لا يقتضي قضاءها الوجود، ولا يكفيها الركوع للملك والسجود ألقطع الزمان بين سلطان يعبد، وسهام للغيم تكبد، وعجاجة شر تلبد، وأقبوحة تخلد وتؤبد ألوزير يصانع ويدارى، وذي حجة صحيحة يجادل في مرضاة السلطان ويمارى، وعورة لا توارى ألمباكرة كل قرن حاسد، وعدو مستأسد، وسوق للإنصاف والشفقة كاسد، وحال فاسد ألوفود تتزاحم بسدتك مكلفة لك غير ما في طوقك، فإن لم يقع الإسعاف قلبت عليك السماء من فوقك ألجلساء بابك، لا يقطعون زمان رجوعك وغيابك، إلا بقبيح اغتيابك، فالتصرفات تمقت، والقواطع توقت، والألاقي تبث، والسعايات تحث، والمساجد يشتكى في حلقها البث، يعتقدون أن السلطان في يدك بمنزلة الحمار المدبور، واليتيم المحجور، والأسير المأمور، ليس له شهوة ولا غضب، ولا أمل في الملك __________ (1) لعلها تضطبنها. (5/146) ________________________________________ ولا أرب، ولا موجدة لأحد كامنة، وللشر ضامنة، وليس في نفسه عن رأي نفرة، ولا بإزاء ما لا يقبله نزوة ولا طفرة، إنما هو جارحة لصيدك، وعان في قيدك، وآلة لتصرف كيدك، وأنك علة حيفه، ومسلط سيفه: " الشرار يسملون عيون الناس باسمك، ثم يمزقون بالغيبة مزق جسمك، قد تنخلهم الوجود أخبث ما فيه، واختارهم السفيه فالسفيه إذ الخير يستره الله تعالى عن الدول ويخفيه، ويقنعه بالقليل فيكفيه، فهم يمتاحون بك ويولونك الملامة، ويفتحون عليك القول ويسدون طرق السلامة، وليس لك في أثناء هذه إلا ما لا يعوزك مع ارتفاعه، ولا يفوتك مع انقشاعه، وذهاب صداعه، من غذاء يشبع، وثوب يقنع، وفراش ينيم، وخديم يقعد ويقيم، وما الفائدة في فرش تحتها جمر الغضا، ومال من ورائه سوء القضا، وجاء يحلق عليه سيف منتضى وإذا بلغت النفس إلى الالتذاذ بما لا تملك، واللجاج حول المسقط الذي تعلم أنها فيه تهلك، فكيف تنسب إلى نبل، أو تسير من السعادة في سبل وإن وجدت في القعود بمجلس التحية، بعض الأريحية، فليت شعري أي شيء زادها، أو معنى أفادها إلا مباكرة وجه الحاسد، وذي القلب الفاسد، وموجهة العدو المستأسد، أو شعرت ببعض الإيناس، في الركوب بين الناس، ما التذت إلا بحلم كاذب، أو جذبها غير الغرور جاذب، إنما راكبت من يحدق إلى الحلية والبزة، ويستطيل مدة العزة، ويرتاب إذا حدثت بخبرك، ويتتبع بالنقد والتجسس مواقع نظرك، ويمنعك من مسايرة أنيسك، ويحتال على فراغ كيسك، ويضمر الشر لك ولرئيسك، وأي راحة لمن لا يباشر قصده، ويمشي إذا شاء وحده ولو صح في هذه الحال لله تعالى حظ وهبه زهيداً، وعين الرشد عملاً حميداً، لساغ الصاب، وخفت الأوصاب، وسهل المصاب، لكن الوقت أشغل، والفكر أوغل، والزمن قد عمرته الحصص الوهمية، واستنفدت منه الكمية، أما ليله ففكر أو نوم، وعتب بجراء الضرائر ولوم، وأما يومه فتدبير (5/147) ________________________________________ وقبيل ودبير، وأمور يعيا بها ثبير، وبلاء مبير، ولغط لا يدخل فيه حكم كبير، وأنا بمثل ذلك خبير؛ ووالله يا سيدي ومن فلق الحب، وأخرج الأب، وذرأ من مشى ومن دب، وسمى نفسه الرب، لو تعلق المال الذي يجره هذا القدح، ويوري سقيطه هذا القدح، بأذيال الكواكب، وزاحمت البدر بدره بالمناكب، لما ورثه عقب، ولا خلص به محتقب، ولا فاز به سافر ولا منتقب، والشاهد الدول، والمشائيم الأول: فأين الرباع المقتناة وأين الديار المبتناة وأين الحوائط المغترسات وأين الذخائر المختلسات وأين الودائع المؤملة وأين الأمانات المحملة تأذن الله بتتبيرها، وإدناء نار التبار من دنانيرها، فقلما تلقى أعقابهم إلا أعراء الظهور، مترمقين لجرايات الشهور، متعللين بالهباء المنثور، يطردون من الأبواب التي حجب عنها آباؤهم، وعرف منها إباؤهم، وشم من مقاصيرها عنبرهم وكبائهم، ولم تسامحهم الأيام إلا في إرث محرر، أو حلال مقرر، وربما محقه الحرام، وتعذر منه المرام. " هذه - أعزك الله - حال قبولها مع الترفيه، ومالها المرغوب فيه، وعلى فرض أن يستوفي العمر في العز مستوفيه، وأما ضده من عدو يتحكم وينتقم، وحوت بغي يبتلع ويلتقم، ومطبق يحجب الهواء، ويطيل في التراب الثواء، وثعبان قيد يعض الساق، وشؤبوب عذاب يمزق الأبشار الرقاق، وغيلة يهديها الواقب الغاسق، ويجرعها العدو الفاسق، فصرف السوق، وسلعته المعتادة الطروق، مع الأفول والشروق. فهل في شيء من هذا مغتبط لنفس حرة، أو ما يساوي جرعة حال مرة واحسرتا للأحلام ضلت، وللأقدام زلت، ويا لها مصيبة جلت. " ولسيدي أن يقول: حكمت باستثقال الموعظة واستجفائها، ومراودة الدنيا بين خلانها وأكفائها، وتناسي عدم وفائها، فأقول: الطبيب بالعلل أدرى، والشفيق بسوء الظن مغرى، وكيف لا وأنا أقف على السحاءات بخط يد سيدي (5/148) ________________________________________ من مطارح الاعتقال، ومثاقف النوب الثاقل، وخلوات الاستعداد، للقاء الخطوب الشداد، ونوشى الأسنة الحداد، وحيث يجمل بمثله أن لا في غير الخضوع لله تعالى بناناً، ولا يثني لمخلوق عناناً، وأتعرف أنها قد ملأت الجو والدو، وقصدت الجماد والبو، تقتحم أكف أولي الشمات، وحفظة المذمات، وأعوان النوب الملمات، زيادة في الشقاء، وقصداً برياً من الاختيار والانتقاء، مشتملة من التجاوز على أغرب من العنقاء، ومن النفاق على أشهر من البلقاء، فهذا يوصف بالإمامة، وهذا يجعل من أهل الكرامة، وهذا يكلف الدعاء وليس منت أهله، وهذا يطلب منه لقاء الصالحين وليسوا من شكله، إلى ما أحفظني والله من البحث عن السموم، وكتب النجوم، المذموم من العلوم، هلاكان من ينظر في ذلك قد قوطع بتاتاً، وأعتقد أن الله قد جعل لزمان الخير والشر ميقاتاً، وأنا لا نملك موتاً ولا نشوراً ولا حياتاً، وأنا اللوح قد حصر الأشياء محواً وإثباتاً، فكيف نرجو لما منع منالاً أو نستطيع مما قدر إفلاتاً أفيدونا ما يرجع العقيدة المتقررة فنتحول إليه، وبينوا لنا الحق نعول عليه. " الله لله يا سيدي في النفس المرشحة، والسلف الشهير الخير، والعمر المشرف على الرحلة بعد حث السير، ودع الدنيا لبنيها فما أوكس حظوظهم، وأخس لحوظهم، وأقل متاعهم، وأعجل إسراعهم، وأكثر عناءهم، وأقصر آناءهم: ما ثم إلا ما رأي ... ت، وربما تعيي السلامه والناس إما جائر ... أو حائر يشكو ظلامه وإذا أردت العز لا ... ترزأ بني الدنيا قلامه والله ما احتقب الحري ... ص سوى الذنوب أو الملامه هل ثم شك في المعا ... د الحق أو يوم القيامه قولوا لنا ما عندكم ... أهل الخطابة والإمامه (5/149) ________________________________________ " وإن رميت بأحجاري، وأوجرت المر من أشجاري، فوالله ما تلبست اليوم منها بشيء قديم ولا حديث، ولا استأثرت بطيب فضلاً عن خبيث، وما أنا إلا عابر سبيل، وهاجر مرعى وبيل، ومرتقب وعداً قدر فيه الإنجاز، وعاكف على حقيقة لا تعرف المجاز، قد فررت من الدنيا كما يفر من الأسد، وحاولت المقاطعة حتى بين روحي والجسد، وغسل الله قلبي - ولله الحمد - من الطمع والحسد، فلم أبق عادة إلا قطعتها، ولا جنة للصبر إلا أدرعتها، أما اللباس فالصوف، وأما الزهد فيما بأيدي الخلق فمعروف، وأما المال الغبيط فعلى الصدقة مصروف، ووالله لو علمت أن حالي هذه تتصل، وعراها لا تنفصل، وأن ترتيبي هذا يدوم، ولا يحيرني الوعد المحتوم، والوقت المعلوم، لمت أسفا، وحسبي الله وكفى. " ومع هذا يا سيدي فالموعظة تتلقى من لسان الوجود، والحكمة ضالة المؤمن يطلبها ببذل المجهود، ويأخذها من غير اعتبار بمحلها المذموم ولا المحمود. ولقد أعملت نظري فيما يكافئ عني بعض يدك، أو تنهي في الفضل إلى أمدك، فلم أر لك الدنيا كفاء هذا لو كنت صاحب دنيا، وألفيت بذل النفس قليلاً لك من غير شرط ولا ثنيا، فلما ألهمني الله لمخاطبتك بهذه النصيحة المفرغة في قالب الجفاء، لمن لا يثبت عين الصفاء، ولا يشيم بارقة الوفاء، ولا يعرف قاذورة الدنيا معرفة مثلي من المتدنسين بها المنهمكين، وينظر عوارها القادح بعين اليقين، ويعلم أنها المومسة التي حسنها زور، وعاشقها مغرور، وسرورها شرور، تبين لي أنني قد كافيت صنيعتك المتقدمة، وخرجت عن عهدتك الملتزمة، وأمحضت لك النصح الذي يعز بعز الله ذاتك، ويطيب حياتك، ويحيي مواتك، ويريح جوارحك من الوصب، وقلبك من النصب، ويحقر الدنيا وأهلها في عينك إذا اعتبرت، ويلاشي عظائمها لديك إذا اختبرت. " كل من تقع عينك عليه فهو حقير قليل، وفقير ذليل، لا يفضلك (5/150) ________________________________________ بشيء إلا باقتفاء رشد أو ترك غي، أثوابه النبيهة يجردها الغاسل، وعروة عزه يفصلها الفاصل، وما له الحاضر الحاصل، يعيث فيه الحسام الفاصل، والله ما تعين للسلف، ولا مصير المجموع إلا إلى التلف، ولا صح من الهياط والمياط، والصياح والعياط، وجمع القيراط إلى القيراط، والاستظهار بالوزعة والأشراط، والخبط والخباط، والاستكثار والاغتباط، والغلو والاشتطاط، وبناء الصرح وعمل الساباط، ورفع العمد وإدارة الفسطاط، إلا أمل يذهب القوة، وينسي الآمال المرجوة، ثم نفس يصعد، وسكرات تتردد، وحسرات لفراق الدنيا تتجدد، ولسان يثقل، وعين تبصر الفراق وتمقل {قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون} (ص: 67) ثم القبر وما بعده، والله منجز وعيده ووعده، فالإضراب والإضراب، والتراب التراب. " وإن اعتذر سيدي بقلة الجلد، فهو ابن مرزوق لا ابن رزاق، وبيده من التسبب ما يتكفل بإمساك أرماق، أين النسخ الذي يتبلغ الإنسان بأجرته، في كن حجرته لا بل السؤال الذي لا عار عند الحاجة بمعرته. السؤال والله أقوم طريقاً، وأكرم رفيقاً، من يد تمتد إلى حرام، لا يقوم بمرام، ولا يؤمن من ضرام، أحرقت فيه الحلل، وقلبت الأديان والملل، وضربت الأبشار، ونحرت العشار، ولم يصل منه على يدي واسطة السوء المعشار، ثم طلب عند الشدة ففضح، وبان شؤمه ووضح، اللهم طهر منها أيدينا وقلوبنا، وبلغنا من الانصراف إليك مطلوبنا وعرفنا بمن لا يعرف غيرك، ولا يسترفد إلا خيرك، يا الله. " وحقيق على الفضلاء إن جنح سيدي منها إلى إشارة، أو أعمل في اجتلابها إضبارة، أو لبس منها شارة، أو تشوف لخدمة إمارة، أن لا يحسنوا ظنونهم بعدها بابن ناس، ولا يغتروا بسمة ولا خلق ولا لباس، فما عدا عما بدا تقضى العمر في سجن وقيد، وعمرو وزيد، وضر وكيد، وطراد صيد، وسعد وسعيد، وعبد وعبيد، فمتى تظهر الأفكار، ويقر القرار، وتلازم (5/151) ________________________________________ الأذكار، وتشام الأنوار، وتستجلى الأسرار ثم يقع الشهود الذي يذهب معه الإخبار، ثم يحق الوصول الذي إليه من كل ما سواه الفرار، وعليه المدار. " وحق الحق الذي ما سواه فباطل، والفيض الرحماني الذي ربابه الأبد هاطل، ما شابت مخاطبتي لك شائبة تريب، ولقد محضت لك ما يمحضه الحبيب للحبيب، فتحمل جفائي الذي حملت عليه ، ولا تظن بي غيره، وأن لم تعذرني مكاشفة سيادتك بهذا النث، في الأسلوب الرث، فالحق اقدم، وبناؤه لا يهدم، وشأني معروف في موجهة الجبابرة على حين يدي إلى رفدهم ممدودة، ونفسي في النفوس المتهافتة عليهم معدودة، وشبابي فاحم، وعلى الشهوات مزاحم، فكيف لي اليوم مع الشيب، ونصح الجيب، واستكشاف العيب إنما أنا اليوم على كل من عرفني كل ثقيل، وسيف العدل في كفي صقيل، أعذل أهل الهوى، وليست النفوس في القبول سوا، ولا لكل مرض دوا، وقد شفيت صدري، وإن جهلت قدري، فاحملني - حملك الله تعالى - على الجادة الواضحة، وسحب عليك ستر الأبوة الصالحة، والسلام " . انتهت الرسالة البديعة في بابها، الآتية من الموعظة بلبابها، ذات النصيحة الصريحة التي يتعين على كل عاقل خصوصاً من يريد خدمة الملوك التمسك بأسبابها. [تعليقات ابن مرزوق وابن لسان الدين على الرسالة] قلت: وقد رأيت بخط الأمام العلامة الخطيب ابن مرزوق على هامش قول لسان الدين أول الكلام " وأحسست منه في بعض كتبه إلى آخره " ما صورته: توهم ما لا يقع، بل لما تجلت عني سحب النكبة والامتحان جزمت بالرحلة، وعزمت على النقلة، ونفرت عن خدمة السلطان، وملازمة الأوطان، قال ابن (5/152) ________________________________________ مرزوق: والعجب كل العجب أن جميع ما خاطبني به - أبقاه الله تعالى - تحلى به اجمع، وابتلي بما منه حذر، فكأنه خاطب نفسه وأنذرها بما وقع له، فلله تعالى يحسن له الخاتمة والخلاص؛ انتهى. وكتب تحت كلام ابن مرزوق هذا بخطه ابن لسان الدين علي، ما نصه: صدق والله سيدي أبو عبد الله ابن مرزوق، كان الله تعالى له، قاله ولده ابن المؤلف؛ انتهى. قلت: وهذا الذي قاله ابن مرزوق كان في حياة ابن الخطيب، ولذلك دعا له بالبقاء، وبحسن الخاتمة والخلاص، وقد أسفر الغيب عن محنته، ثم قتله على الوجه الذي وصفه في الرسالة، إذ قال: وأما ضده من عدو يتحكم وينتقم، وحوت بغي يبتلع ويلتقم، ومطبق يحجب الهواء، ويطيل في التراب الثواء، وثعبان قيد يعض الساق، وشؤبوب عذاب يمزق الأبشار الرقاق، وغيلة يهديها الواقب الغاسق، ويجرعها العدو الفاسق، فصرف السوق، وسلعته المعتادة الطروق، مع الأفول والشروق. فإنه رحمه الله تعالى حصل له ما ذكر، ثم اغتاله ليلاً وخنقه في محبسه عدوه الفاسق سليمان بن داود، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، فلله تعالى يثيبه بهذه الشهادة. [مرثية المنجنيقي] وقد تذكرت هنا مرثية ابن صابر (1) المنجنيقي، وهي: هل لمن يرتجي البقاء خلود ... وسوى الله كل شيء يبيد والذي كان من تراب وإن عا ... ش طويلاً إلى التراب يعود فمصير الأنام طراً لما صا ... ر إليه آباؤهم والجدود أين حوا أم أين آدم إذ فا ... تهما الملك والثوا والخلود __________ (1) ص: ابن صاعد. (5/153) ________________________________________ أين هابيل أين قابيل إذ ه ... ذا لهذا معاند وحسود أين نوح ومن نجا معه بال ... فلك والعالمون طراً فقيد أسلمته الأيام كالطفل للمو ... ت ولم يغن عمره الممدود أين عاد بل أين جنة عاد ... إرم، أين صالح وثمود أين إبراهيم الذي شاد بيت ال ... له فهو المعظم المقصود أين إسحاق أين يعقوب أم أي ... ن بنوه وعدهم والعديد حسدوا يوسف أخاهم فكادو ... ه ومات الحساد والمحسود وسليمان في النبوة والمل ... ك قضى مثلما قضى داود ذهبا بعدما أطاع لذا الخل ... ق وهذا له ألين الحديد وابن عمران بعد آياته التس ... ع وشق الخضم فهو صعيد والمسيح ابن مريم وهو روح ال ... له كادت تقضي عليه اليهود وقضى سيد النبيين والها ... دي إلى الحق أحمد المحمود وبنوه وآله الطاهرون ال ... زهر صلى عليهم المعبود ونجوم السماء منتثرات ... بعد حين وللهواء ركود ولنار الدنيا التي توقد الصخ ... ر خمود وللمياه جمود وكذا للثرى غداة يقوم ال ... ناس منها تزلزل وهمود هذه الأمهات نار وترب ... وهواء رطب وماء برود سوف تفنى كما فنينا فلا يب ... قى من الخلق والد ووليد لا الشقي الغوي من نوب الأيا ... م ينجو ولا السعيد الرشيد ومتى سلت المنايا سيوفاً ... فالموالي حصيدها والعبيد [العبرة من مراث أخرى] وأما قصيدة ابن عبدون الأندلسي التي رثى بها بني الأفطس وذكر فيها (5/154) ________________________________________ كثيراً من الملوك الذين أبادهم الدهر وطحنهم برحاه وصيرهم أثراً بعد عين ففيها ما يوقظ النوام، وأولها: الدهر يفجع بعد العين بالأثر ... فما البكاء على الأشباح والصور وبالجملة فالأمر كما قال ابن الهبارية: الموت لا يبقي ... أحد لا والداً ولا ولد مات لبيد ولبد ... وخلد الفرد الصمد {كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام}، اللهم اختم لنا بالحسنى، وردنا إليك رداً جميلاً. وتذكرت هنا أيضاً مرثية على روي مرثية المنجنيقي السابقة منها: أين أهل الديار من قوم نوح ... ثم عاد من بعدهم وثمود بينما هم على الأسرة والأن ... ماط أفضت إلى التراب الخدود ثم لم ينقض الحديث ولكن ... بعد ذا الوعد كله والوعيد وأطباء بعدهم لحقوهم ... ضل عنهم سعوطهم واللدود وصحيح أضحى يعود مريضاً ... وهو أدنى للموت ممن يعود وما أحكم قول السلطان أبي علي ابن السلطان أبي سعيد المريني يخاطب أخاه السلطان أبا الحسن وقد حصره بسجلماسة حتى أخذه قسراً: فلا يغرنك الدهر الخئون فكم ... أباد من كان قبلي يا أبا الحسن الدهر مذ كان لا يبقي على صفة ... لا بد من فرح فيه ومن حزن أين الملوك التي كانت تهابهم ... أسد العرين ثووا في اللحد والكفن بعد الأسرة والتيجان قد محيت ... رسومها وعفت عن كل ذي حسن فاعمل لأخرى وكن بالله مؤتمراً ... واستعن بالله في سر وفي علن (5/155) ________________________________________ واختر لنفسك أمراً أنت آمره ... كأنني لم أكن يوماً ولم تكن ودخل السلطان أبو الحسن سجلماسة عنوة على أخيه السلطان أبي علي عمر سنة 734، وجاء به في الكبل لفاس، ثم قتله بالفصد والخنق في ربيع الأول من السنة، وكان القبض عليه في محرم، رحمه الله تعالى. ومما وجد مكتوباً على قصر بعض السلاطين: قد كان صاحب هذا القصر مغتبطاً ... في ظل عيش يخاف الناس من باسه فبينما هو مسرور بلذته ... في مجلس اللهو مغبوط بجلاسه إذ جاءه بغتة ما لا مرد له ... فخر ميتاً وزال التاج عن راسه رجع إلى أخبار ابن الخطيب - رحمه الله تعالى - قلت: وقد زرت قبره مراراً رحمه الله تعالى بفاس المحروسة فوق باب المدينة الذي يقال له باب الشريعة، وهو يسمى الآن باب المحروق، وشاهدت موضع دفنه غير مستو مع الأرض، بل ينزل إليه بانحدار كثير، ويزعم الجل من عوام فاس أن الباب المذكور إنما سمي بباب المحروق لأجل ما وقع من حرق لسان الدين به حين أخرجه بعض أعدائه من حفرته كما مر، وليس كذلك، وإنما سمي باب المحروق في دولة الموحدين، قبل أن يوجد لسان الدين ولا أبوه، بسبب ثائر ثار على الدولة، فأمسك وأحرق في ذلك المحل، والله غالب على أمره. وحصل لي من الخشوع والحزن عند زيارة قبره - رحمه الله تعالى - ما لا مزيد عليه، جعل الله تلك المحن كفارة وطهرة، فإنه كان آية الله علماً وجلالة وحكمة وشهرة. [رسالة في العزاء بأبي جعفر ابن جبير] وقد تذكرت عند كتبي هذا المحل رسالة كتبها بعض أئمة المغرب في عزاء (5/156) ________________________________________ الوزير الشهير أبي جعفر ابن جبير الأندلسي رحمه الله تعالى إلى بنيه، وهي مما يصلح أن يوصف بمثلها لسان الدين رحمه الله تعالى، وفيها عزاء بمن مضى، ونصها: " " عزاء يا كوكب الهدى، في بدركم الذي تحيفه الردى، وفجع به الفضل والندى، فقل للشهب أن تنكدر على فراقه، وللصبح أن يخبو نور إشراقه، وللريح أن تمزق صداراً، وللأهلة أن لا تعرف إبداراً، ولليل أن يشتمل خميصة الحزن، وللسماء أن تبكيه بأدمع المزن، وللرعد أن ينتحب لوفاته، وللبرق أن يحكي برجفاته أفئدة عفاته، وللثريا أن ينفصم سوارها، وللشمس أن تنكسف أنوارها، وللنثرة أن تنثر كواكبها، وللجوزاء أن تنفض مناكبها، وللنيرات أن ترفض مواكبها، وللرامح أن يبيت أعزلا، وللبدر أن لا يألف منزلا، وللمجرة أن يفيض دمعاً نهرها، وللغميصاء أن يطرد بكاؤها وسهرها، وللروض أن يفارق إمراعه، وللأوراق أن يهتف بما راعه، وللغصون أن تنهصر لهتفه، وتتقصف أسفاً على حتفه. " ولكن هو الحمام يختل ويختر، ولا يحفل بمن يتر، يعدم ما أوجده الكون، ويذيل من أكنفه الصون، وأين بنا عن مكافح لا نقاتله، ورام أرواحنا مقاتله، لا يد به ناصرة، وعزمته قاصرة للقياصرة، ويمنه كاسرة للأكاسرة، لم يبق من رسم لطسم، ولا من إحسان لغسان، ولا من أياد لإياد، ولا من سلطان لقحطان، ولا من نجيب لتجيب، ولا شرف ضخم للخم، لم يكن له عن اليمين إقصار، ومنهم الأنصار، وهم أسماع للنبي وأبصار، وعمد إلى المصابيح من مضر يطفيها، هذا والوحي يتنزل فيها، ولم يصخ في الصديق، إلى التصديق، وأصمى الفاروق براده، وحكم فيه أبا لؤلؤة ومداه، وأمكن صرف الأقدار، من شهيد الدار، ولم يرع من علي بالبسالة، والذبل العسالة، ولا أبقى سبطيه وقد تفقأت عنهما بيضة الرسالة، وأذهب الزبير حواري الرسول، وحنظلة وهو بأيدي الملائكة مغسول، وأفات ابن معاذ ولم (5/157) ________________________________________ يحفل بفوته، على أنه اهتز العرش لموته، وأودى بحزمة ومقعده من البنوة، مقعد الأبوة، وشفى من عمار صدور الأسل، وأردى مالكاً بشربة من عسل، ولم يعبأ بمضاء عمرو، ولا بحلم معاوية ودهاء عمرو. " فياله من خطب، مود بكل يابس ورطب، يشرب ماء الأعمار، ويجعل الأحداث منازل الأقمار، ويلوك السوقة والأملاك، ولا يبالي أية لاك، لا يقبل شفيعاً، ولا يغادر منحطاً ولا رفيعاً، ها هو اعتمد نور علاً فكسفه، وطود حلم فنفسه، وأعلق المجد في حباله، وأقصد الفضل بنباله، وفجع كنانة، بسهم لم ينثل مثله من كنانة، فيا طارق الأعين لقد بؤت بأنفس الأعلاق، ويا ناعيه لقد نعيت باسق الأخلاق، رويداً أسائلك، عمن لم تضع لديه وسائلك، أين سماحه وطلاقته أين كلفه بالحمد وعلاقته ما الذي ثنى عطفه عن الارتياح أم أين عافيه من ذلك الامتياح أو من يؤلف أمنية كما ألفت السحب أيدي الرياح " فيا هبة الحمد اطوي عرفك فما تنشق، ويا ربة المجد أقصري طرفك فما تعشق، ويا معشر عفاته، كيف حييتم وقد علمتم بوفاته ويا زمر أماله، صفرت أيديكم من إجماله، ويا أخاير أصحابه، أين مواقع سحابه ويا بني ولائه، من يتبوأ مقام علائه ويا منافسي شيمه، من يجود بمثل ديمه ويا منازعي كرمه، من يطيف المعتفين بمثل حرمه ويا حاسدي هممه، من له كحافظه وذممه " " سيدي لقد أضاءت مساعيك وأشرقت، وأغصت الحاسدين طراً وأشرقت، وحسبهم أن لم ينتبهوا إلا إذا نمت، ولا نطقوا إلا حين مت، وليهن ملأك وصحبك، أن أحيتك صنائعك وقد قضيت نحبك، وإن حم فناؤك، فقد أبقى الحياة الخالدة ثناؤك (1) : __________ (1) البيتان من قطعة في الحماسة (شرح المرزوقي: 950) للتيمي في منصور بن زياد، وعند التبريزي أن اسمه عبد الله بن أيوب، من أهل اليمامة. (5/158) ________________________________________ ردت صنائعه عليه حياته ... فكأنه من نشرها منشور والناس مأتمهم عليه واحد ... في كل دار أنة وزفير سيدي، أما تجيب صرخة لهفان، أم عداك عن الجواب أنك فان سيدي من لآملك، ببسط أناملك من للمرملات الضرائك، بإرشادك من لأبنائك، بلطف أحبائك انفض شملهم وكان جميعاً، ونادوك لو نادوا منك سميعاً، هذا كبيرهم يدعوك فلا تجيبه، وقد فت الأضلاع وجيبه، يبكي عند تلك الرجام، بأدمع سجام، وقد ألهبت الزفرات حشاه، وألح الدمع بجفنه حتى أعشاه، والأصاغر ما لهم بعدك مفزع، ورضيعهم تسلب به الأنفس رحمة وتنزع، لا يدري ما جزع عليك فيجزع، لشد ما أذابتهم وقدة الأوار، حين عدموا منك كرم النجوى والجوار، أف لدهر رماهم بالأجوار، وتركهم أنجماً مسلوبة الأنوار، لا جرم أن يحزنوا عليك ويكترثوا، فلقد تسلوا عنك ببعض ما ورثوا، وما ورثتهم غير الحزن والبث، وأمل في الحياة كالهباء المنبث، كما تتلى محاسنك فاسمع، طفقت عليك شؤون عيني تدمع، أيا ضريحه، كيف وجدت ريحه لقد ارج بك ذلك المعفر، حتى ما ينافحه، المسك الأذفر، وكما ظفرت بوجوده، فجد كل قبر بجوده، ففيه سماء ثرة وغمام، ونور انضم عليك منك كمام، ولو علمت بمن بين جنبيك راقد، لعلوت حتى تلوح في ذراك الفراقد، ويا دافنيه كيف هلتم عليه الرغام أو لم تنكروا على الشمس أن تغام هيهات لقد سمحتم بإقبار، عف الشمائل طيب الأخبار، وإلحاد، من لا نزاع في فضله ولا إلحاد، أي نفس تخذتم له التراب مستودعاً، فأضحى عرنين المكارم مجدعاً فتى مثل نصل السيف من حيث جئته ... لنائبة نابتك فهو مضارب فتى همه حمد على النأي رابح ... وإن بات عنه ماله وهو عازب (5/159) ________________________________________ " أما وإن ازدحمت بمهلكه الأوصاب، وفدح الرزء وجل المصاب، حتى لا نألف التأساء، فلقد سر الموت من حيث ساء، فلقد خلفنا بدهر ما فيه غير مصائب، ولا يبالي من أقصد سهمه الصائب، فيا فقيد الندى ما كان أجدرك بالخلود وأخلقك، ويا جواد عمره ما كان أقصر طلقك، ثوى حين استوى وتوارى، إذ ملأ الأفق أنوارا، وكسف حين بلغ الكمال، فكان كالغصن عندما اعتل مال، أو كالشهاب عندما استقام حار: وكذاك عمر كواكب الأسحار (1) ... " هذه اليراعة التحفت بعد الضنى، والصحف تطوى على جهالة وتحنى، وعهدي به إن أمطى راحته اليراع، راع، أو دبج الأوراق، راق، أو استدر طبعه السلسال، سال، وأي روض أراد، راد، ومتى أراغ الإنشاء، أحسن إن شاء، فحق للفؤاد أن يستعر بوقده، وللمدامع أن تسيل دماً على فقده، بيد أنه الموت لا بد أن نرد مشرعه، ونسيغ على شرق به جرعه، فإنا زرع يحصده الذي ازدرعه، وصبراً يا ذوي أرحامه وبنيه، ومن مر في غلواء الوجد فالسلوان يثنيه، وشحاً على أجركم لا يذهب به الجزع ويفنيه، والله يزلف الفقيد من رحمته ويدنيه، ويقطفه زهر رضوانه ويجنيه، وييسر لكم العزاء الأجمل برحمته وينسيه، والسلام " . انتهت. [قطع زهدية] ويرحم الله القائل: كل جمع إلى الشتات يصير ... أي صفو ما شابه تكدير __________ (1) من مرثية أبي الحسن التهامي في ابنه، وصدر البيت: يا كوكبا ما كان أقصر عمره ... (5/160) ________________________________________ أنت في اللهو والأماني مقيم ... والمنايا في كل وقت تسير والذي غره بلوغ الأماني ... بسراب وخلب مغرور ويك يا نفس أخلصي إن ربي ... بالذي أخفت الصدور بصير ولا خفاء على ذوي الأحلام، من الأعلام، أن الدنيا أضغاث أحلام (1) : يندم المرء على ما فاته ... من لبانات إذا لم يقضها وتراه فرحاً مستبشراً ... بالتي أمضى كأن لم يمضها إنها عندي كأحلام الكرى ... لقريب بعضها من بعضها وقال أبو منصور أسعد النحوي: يجمع المرء ثم يترك ما يج ... مع من كسبه لغير شكور ليس يحظى إلا بذكر جميل ... أو بعلم من بعده مأثور [شيء من مواعظ ابن الجوزي] وقال الإمام الشهير أبو الفرج ابن الجوزي (2) : يا ساكن الدنيا تأ ... هب واتنظر يوم الفراق وأعد زاداً للرحي ... ل فسوف يحدى بالرفاق وابك الذنوب بأدمع ... تنهل من سحب المآق يا من أضاع زمانه ... أرضيت ما يفنى بباق وكان ابن الجوزي المذكور آية الله في كثرة التأليف والكتابة والوعظ __________ (1) تنسب إلى عمران بن حطان وإلى غيره (انظر شعر الخوارج: 19). (2) ترجمة ابن الجوزي في وفيات الأعيان 2: 321 وذيل أبي شامة: 21 وهذه النتف التي أوردها المقري مأخوذة من الثاني. (5/161) ________________________________________ والحفظ، وأقل من كان يحضر مجلسه عشرة آلاف، وربما حضر عنده مائة ألف، وقال في آخر عمره على المنبر: كتبت بإصبعي هاتين ألفي مجلدة، وتاب على يدي مائة ألف، وأسلم على يدي عشرون ألف يهودي ونصراني، وأسمع رحمه الله تعالى الناس أكثر من أربعين سنة، وحدث بمصنفاته مراراً. وقال الحافظ الذهبي في حقه: الحافظ الكبير، الواعظ المفتن، صاحب التصانيف الكثيرة الشهيرة في العلوم المتعددة، وعظ من صغره، وفاق فيه الأقران ونظم الشعر المليح، وكتب بخطه ما لا يوصف، ورأى من القبول والاحترام ما لا يزيد عليه، وحزر مجلسه غير مرة بمائة ألف، وحضر مجلسه المستضيء مراراً من وراء الستر؛ انتهى. ومن كلامه في بعض مجالسه: واله ما اجتمع لأحد أمله، إلا وسعى في تفريقه أجله، وعقارب المنايا تلسع الناس، وخدران جسم الأمل يمنع الإحساس، وقال في قوله صلى الله عليه وسلم " أعمار أمتي من الستين إلى السبعين " إنما طالت أعمار القدماء لطول البداية، فلما شارف الركب بلد الإقامة قيل: حثوا المطي. وقال في الذين عبدوا العجل: لو أن الله خار لهم ما خار لهم. وقال يوماً وقد طرب أهل المجلس: فهمتم فهمتم. وقال في خلافة أبي بكر رضي الله عنه، بعد أن ذكر أحاديث تدل على خلافته كقوله صلى الله عليه وسلم " مروا أبا بكر فليصل بالناس " وغيره، ما صورته: فهذه أحاديث تجري مجرى النص، فهمها الخصوص، غير أن الرافضة في إخفائها كاللصوص، فقال السائل: لما قال: " أقيلوني " ما سمعنا مثل جواب علي رضي الله عنه " والله لا أقلناك " ، فقال: لما غاب علي عن البيعة في الأول، أخلف ما فات بالمدح في المستقبل، ليعلم السامع والرائي أن بيعة أبي بكر وإن كانت من ورائي، فهي رائي، ومثل ذلك الصدر لا يرائي. وقال في قول فرعون {أليس لي ملك مصر} (الزحف: 51) يفتخر (5/162) ________________________________________ بما أجراه، ما أجراه. وتواجد رجل في مجلسه فقال: عجباً! كلنا في إنشاد الضالة سوا، فلم وجدت وحدك ألم الجوى وأنشد: قد كتمت الحب حتى شفني ... وإذا ما كتم الداء قتل بين عينيك علالات الكرى ... فدع النوم لربات الحجل ونظر يوماً إلى أقوام يبكون في مجلسه ويتواجدون فأنشد (1) : ولو لم يهجني الظاعنون لهاجني ... حمائم ورق في الديار وقوع تداعين فاستبكين من كان ذا هوى ... نوائح لم تقطر لهن دموع وكيف أطيق العاذلين وذكرهم ... يؤرقني والعاذلون هجوع وقام رجل وتواجد فأنشد: وما زال يشكو الشوق حتى كأنما ... تنفس من أحشائه وتكلما ويبكي فأبكي رحمة لبكائه ... إذا ما بكى دمعاً بكيت له دما وأعجبه يوماً كلامه فأنشد: تزدحم الألفاظ والمعاني ... على فؤادي وعلى لساني تجري لي الأفكار في ميدان ... أزاحم النجم على مكان ووعظ المستضيء يوماً فقال: يا أمير المؤمنين، إن تكلمت خفت منك، وإن سكت خفت عليك، فأنا أقدم خوفي عليك، على خوفي منك، لمحبتي لدوام أيامك، إن قول القائل " اتق الله " خير من قول القائل: أنتم أهل بيت مغفور لكم، وقال الحسن البصري: لأن تصحب أقواماً يخوفونك حتى تبلغ المأمن __________ (1) الأبيات لذي الرمة، ديوانه: 352. (5/163) ________________________________________ خير لك من أن تصحب أقواماً يؤمنونك حتى تبلغ المخاوف. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: إذا بلغني عن عامل ظالم أنه قد ظلم الرعية ولم أغيره فأنا الظالم. يا أمير المؤمنين، كان يوسف عليه السلام لا يشبع في زمان القحط، لئلا ينسى الجياع، وكان عمر رضي الله عنه يصر بطنه عام الرمادة فيقول: قرقري إن شئت ولا تقرقري، فوالله لا شبعت والمسلمون جياع. فتصدق الخليفة المستضيء بصدقات كثيرة، وأطلق من في السجن. وقال رحمه الله تعالى لبعض الولاة: اذكر عدل الله فيك، وعند العقوبة قدرة الله عليك، وإياك أن تشفي غيظك بسقم دينك. وقال: الطاعة تبسط اللسان، والمعاصي تذل الإنسان. وقال له قائل: ما نمت البارحة من شوقي إلى المجلس، فقال: نعم، لأنك تريد أن تتفرج، وإنما لا ينبغي أن لا تنام الليل لأجل ما سمعت فيه. وقيل له: إن فلاناً أوصى عند الموت، فقال: طين سطوحه في كانون. وقال له قائل: أسبح أم أستغفر فقال: الثياب الوسخة أحوج إلى الصابون من البخور. وسأله سائل: ما الذي وقر في قلب أبي بكر رضي الله عنه فقال: قوله ليلة المعراج " إن كان قال فلقد صدق " فله السبق. ولما قال له بعضهم " سيف علي نزل من السماء فسعفة أبي بكر أين " أجابه بقوله: إن سعفة هزت يوم الردة فأثمرت سبياً جاء منه مثل ابن الحنفية لأمضى من سيوف الهند، ثم قال: يا عجباً للروافض، إذا مات لهم ميت تركوا معه سعفة، من أين ذا المصطلح وسئل عن معنى قوله صلى الله عليه وسلم " من أراد أن ينظر إلى ميت يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى أبي بكر " فقال: الميت يقسم ماله ويكفن، وأبو بكر أخرج ماله كله وتخلل بالعباء. وقال في قوله تعالى {ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً} (الأعراف: 43). (5/164) ________________________________________ قال علي: إني والله لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم، ثم قال أبو الفرج: إذا اصطلح أهل الحرب فما بال النظارة وقال: قال جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: سلم على عائشة، ولم يوجهها بالخطاب احتراماً لزوجها، وواجه مريم لأنها لم يكن لها زوج، فمن يحترمها جبريل كيف يجوز في حقها الأباطيل قال أبو شامة: وكان ابن الجوزي رحمه الله تعالى مبتلى بالكلام في مثل هذه الأشياء، لكثرة الروافض ببغداد وتعنتهم بالسؤالات فيها، فكان بصيراً بالخروج منها لحسن إشارته. وانقطع القراء يوماً عن مجلسه فأنشد: وما الحلي إلا زينة لنقيصة ... يتمم من حسن إذا الحسن قصرا وأما إذا كان الجمال موفراً ... كحسنك لم يحتج إلى أن يزوروا وقيل له: لم تعلل موسى عليه السلام بسوف تراني فأنشد: إن لم يكن وصل لديك لنا ... يشفي الصبابة فليكن وعد ولما ذكر بلالاً - رضي الله عنه - لما منع الطواف بالبيت كان يقف من بعيد وينظر إليه ويبكي أنشد: أمر على منازلهم وإني ... بمن أضحى بها صب مشوق وأومي بالتحية من بعيد ... كما يومي بإصبعه الغريق ومن شعر أبي الفرج رحمه الله تعالى: لعبت ومثلك لا يلعب ... وقد ذهب الأطيب الأطيب قد كنت في ظلمات الشباب ... فلما أضاء انجلى الغيهب ألا أين أقرانك الراحلون ... لقد لاح إذ ذهبوا المذهب (5/165) ________________________________________ ولنقتصر على هذا المقدار، ونرجع إلى أحوال لسان الدين رحمه الله تعالى وارتحاله، والاعتبار بحاله، فنقول: ومما يناسب أن نذكره في هذا المحل ونثبته فيه ما حكاه العالم العلامة بلدينا سيدي أبو الفضل ابن الإمام التلمساني رحمه الله تعالى عن جدي الإمام قاضي القضاة سيدي أبي عبد الله المقري التلمساني رحمه الله تعالى، وهو أحد أشياخ لسان الدين كما يأتي إن شاء الله ذلك في محله، قال: كنت مع ذي الوزارتين أبي عبد الله ابن الخطيب في جامع إلبيرة من الأندلس إذ مر بنا الاعتبار، في تلك الآثار، فأنشد ابن الخطيب ارتجالاً (1) : أقمنا برهة ثم ارتحلنا ... كذلك الدهر حال بعد حال وكل بداية فإلى انتهاء ... وكل إقامة فإلى ارتحال ومن سام الزمان دوام حال ... فقد وقف الرجاء على المحال انتهى. وحكى لسان الدين في الإحاطة عن نفسه أنه خطط هذه الأبيات في مرحلة نزلها رحمه الله تعالى حسبما يأتي ذلك في شعره. وما أحسن قوله رحمه الله تعالى: لبسنا فلم نبل الزمان وأبلانا ... يتابع أخرانا على الغي أولانا ونغتر بالآمال والعمر ينقضي ... فما كان بالرجعى إلى الله أولانا وماذا عسى أن ينظر الدهر من عسا ... فما انقاد للزجر الحثيث ولا لانا جزينا صنيع الله شر جزائه ... فلم نرع ما من سابق الفضل أولانا فيا رب عاملنا بما أنت أهله ... من العفو واجبر صدعنا أنت مولانا __________ (1) انظر أزهار الرياض 1: 271. (5/166) ________________________________________ وقد حكى غير واحد أنه رحمه الله تعالى ريء بعد موته في المنام، فقال له الرائي: ما فعل الله بك فقال: غفر لي ببيتين قلتهما، وهما (1) : يا مصطفى من قبل نشأة آدم ... والكون لم تفتح له أغلاق أيروم مخلوق ثناءك بعدما ... أثنى على أخلاقك الخلاق وقد كرر رحمه الله تعالى هذا المعنى في قصيدة في حقه صلى الله عليه وسلم، وشرف وكرم، ومجد وعظم، وبارك وأنعم، وهو قوله: مدحتك آيات الكتاب فما عسى ... يثني على علياك نظم مديحي وإذا كتاب الله أثنى مفصحاً ... كان القصور قصار كل فصيح وستأتي هذه القصيدة في نظمه إن شاء الله تعالى. وقد رأيت بالغرب تخميساً للبيتين الأولين منسوباً للأديب الشهير الذكر بالمغرب أبي عبد الله مجمد بن جابر الغساني المكناسي رحمه الله تعالى، ولا بأس أن نورده هنا، وهو قوله رحمه الله تعالى: يا سائلاً لضريح خير العالم ... ينهي إليه مقام صب هائم بالله نادي وقل مقالة عالم ... يا مصطفى من قبل نشأة آدم والكون لم تفتح له أغلاق ... بثناك قد شهدت ملائكة السما ... والله قد صلى عليك وسلما يا مجتبى ومعظماً ومكرماً ... أيروم مخلوق ثناءك بعدما أثنى على أخلاقك الخلاق ... __________ (1) أزهار الرياض 1: 319 وفيه التخميس التالي أيضا. (5/167) ________________________________________ وما أحسن قول لسان الدين - رحمه الله تعالى - بعدما عرف بنفسه وسلفه: وكأني بالحي ممن ذكر قد التحق بالميت، وبالقبر قد استبدل من البيت. وقال رحمه الله تعالى بعد إيراد جملة من نظمه ما صورته: وقلت والبقاء لله وحده، وبه يختم الهذر (1) : عد عن كيت وكيت ... ما عليها غير ميت كيف ترج حالة البق ... يا لمصباح وزيت وسيأتي ذلك، ولقد صدق رحمه الله تعالى، ورقى درجته في الجنة. [تحقيق في نسبة بيتين] وأما البيتان الشائعان على ألسنة أهل المشرق والمغرب وأنهما قيلا في لسان الدين رحمه الله تعالى، وبعضهم ينسبهما له نفسه، فالصحيح خلاف ذلك كما سيأتي، وهما: قف كي ترى مغرب شمس الضحى ... بين صلاة العصر والمغرب واسترحم الله قتيلاً بها ... كان إمام العصر في المغرب وشرح بعضهم البيتين فقال: إن قوله " قتيلاُ بها " من باب الاستخدام: أي قتيلاً بشمس الضحى التي هي المتغزل فيها. وقد رأيت وأنا بالمغرب بخط الشيخ الأغصاوي أنهما لم يعن بهما قائلهما لسان الدين ابن الخطيب، وإنما هما مقولان في غيره، ونسبهما، ونسيت الآن ذلك لطول العهد، والله أعلم. ويدل على ذلك أنه - رحمه الله تعالى - لم يقتل بين صلاة العصر والمغرب __________ (1) أزهار الرياض 1: 313. (5/168) ________________________________________ وإنما قتل في جوف الليل كما علم في محله. على أنه يمكن بتكلف تأويل ذلك بأنه قامت لقائلها قرينة على أنه بصدد الموت في ذلك الوقت، وهذا لو ثبت أنهما قيلا فيه، وقد علمت أن الأغصاوي نفى ذلك، فالله أعلم بحقيقة الأمر. في ذلك. ثم رأيت في كتاب إسماعيل بن الأحمر في ترجمة بعض العلماء ما نصه: فمن قوله يرثي الأمراء بالمغرب، وقد حل رمسه بين صلاة العصر والمغرب: قف كي ترى مغرب شمس العلا ... بين صلاة العصر والمغرب واسترحم الله دفيناً به ... كان مليك العصر في المغرب وهذا مما يبعد أنهما في لسان الدين من وجوه لا تخفى على المتأمل: منهما قوله كان مليك العصر فإن لسان الدين لم يكن كذلك، وقد تقدم أنفاُ كان إمام العصر في المغرب وهو أحسن؛ لما فيه من التورية البديعة، والله أعلم. [ثلاث قصائد لابن زمرك] رجع إلى أخبار لسان الدين ابن الخطيب - رحمه الله تعالى - وقد عرض عدوه الرئيس ابن زمرك في بعض قصائده التي مدح بها سلطانه الغني بالله أبا عبد الله بن نصر بما تسنى له من الظفر لابن الخطيب، ومن حماه منه، وهو الوزير بن الكاس، على يد من عينه لملك المغرب، وأعانه بجنده وعضده - كما تقدم - وهو السلطان أحمد المريني، فقال من قصيدة عيدية: يهني زمانك أعياد مجددة ... من الفتوح من الأيام تغشاه غضبت للدين والدنيا بحقهما ... يا حبذا غضب في الله أرضاه فوقت للغرب سهماً راشه قدر ... وسدد الله للأعداء مرماه (5/169) ________________________________________ " سهم أصاب وراميه بذي سلم " ... لقد رمى الغرب الأقصى فأصماه (1) من كان بندك يا مولاي يقدمه ... فليس يخلفه فتح ترجاه من كان جندك جند الله ينصره ... أناله الله ما يرجو وسناه ملكته غربه خلدت من ملك ... للغرب والشرق منه ما تمناه وسام أعدائك الأشقين ما كسبوا ... ومن تردى رداء الغدر أرداه قل للذي رمدت جهلاً بصيرته ... فلم تر الشمس، شمس الهدي، عيناه غطى الهوى عقله حتى إذا ظهرت ... له المراشد أعشاه وأعماه هل عنده وذنوب الغدر توبق