قصة الحضارة - ول ديورانت - م 3 ب 1

من معرفة المصادر

قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> مقدمة -> مقدمة الترجمة

محتويات

مقدمة الترجمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله على جزيل عطائه والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى جميع الأنبياء والرسل. وبعد فهذا هو الجزء الأول من المجلد الثالث من مجلدات قصة الحضارة، وقد سماه المؤلف قيصر والمسيح لأن هذا المجلد يبحث في حضارة روما وبداية الحضارة المسيحية حتى عام 325 بعد الميلاد. وسيكون هذا الجزء الذي بين يدي القارئ واحدًا من أربعة أجزاء يكمل بها المجلد الثالث من هذه الموسوعة، ويشمل أولها قصة الحضارة الرومانية من أقدم العهود إلى مقتل يوليوس قيصر والحرب الأهلية التي أعقبت موته، ويقص الثاني قصة الحضارة الرومانية من 30 ق.م إلى منتصف القرن الثاني بعده، ويشمل الثالث عهد الإمبراطورية إلى نهاية القرن الثاني، وينتهي هذا المجلد بالجزء الرابع، ويروي قصة الصراع بين المسيحية والوثنية من بدايتها إلى انتصار المسيحية في عهد قسطنطين. وقد كانت خطة المؤلف الأولى تهدف إلى أن تتم السلسلة في خمسة مجلدات كبرى لكنه حين أصدر هذا المجلد الثالث جعلها ستة ثم عاد في أواخر العام الماضي حين أصدر المجلد الخامس في عصر النهضة فزادها إلى سبعة لأنه خص النهضة بمجلد والإصلاح الديني بمجلد آخر. والحق أن عصر النهضة خليق بأن يفرد له مجلد خاص لأنه بداية العصر الحديث، وفيه استيقظ العقل البشري من سباته الطويل نبتت بذور الحضارة التي ازدهرت في هذه الأيام.

ولسنا في حاجة إلى التنويه بقيمة هذا المجلد فهو كالمجلدين السابقين تراث الشرق القديم وتراث اليونان في غزارة المادة ودقة البحث، وحسب القارئ أن يطلع على ثبت المراجع مجملة ومفصلة ليعرف الجهد الذي بذله المؤلف في جمع مادته وتحقيقها. ولا يسعنا هنا إلا أن ننوه مرة أخرى بفضل الإدارة الثقافية لجامعة الدول العربية التي اختارت الكتاب وعهدت إلينا ترجمته، ولجنة التأليف والترجمة والنشر التي تولت طبعه ونشره، والقراء في مصر وسائر البلاد العربية الذين أقبلوا على اقتنائه إقبالاً كان له أكبر الأثر في تشجيعنا على مواصلة العمل في ترجمة هذه الموسوعة التي نسأل الله أن يوفقنا لإتمامها.
محمد بدران
مارس سنة 1955


تمهيد بقلم المؤلف

هذا المجلد- وإن يكن وحدة مستقلة بذاتها- هو القسم الثالث من كتب تاريخ الحضارة التي كان المجلد الأول فيها تراث الشرق، والمجلد الثاني حياة اليونان. وإذا سمحت لنا ظروف الحرب القائمة ، ووهبنا الله نعمة الصحة فسيكون المجلد الرابع وهو عصر الإيمان معدًا للنشر في عام 1950. والخطة التي نسير عليها في هذا العمل هي الخطة التاريخية التركيبية، التي تقضي بدراسة النواحي الهامة في حياة الشعب وعمله وثقافته وتفاعلها وتأثير كل منها في الأخرى.

أما الطريقة التحليلية في كتابة التاريخ- وهي كذلك طريقة لا غنى عنها من الناحية العلمية ولا تقل الحاجة إليها عن الحاجة إلى الطريقة التركيبية- فهي التي تدرس ناحية واحدة من نواحي النشاط الإنساني- كالناحية السياسية أو الاقتصادية أو الخليقة أو الدينية أو العلمية أو الفلسفية أو الأدبية أو الفنية- في حضارة بعينها أو في جميع حضارات العالم. وعيب هذه الطريقة التحليلية أنها تفصل جزءًا من كل فصلاً يشوهه. أما عيب الطريقة التركيبية فهو أنها، إذ تتطلب من عقل واحد أن تعتمد على معرفته الشخصية في حديثه عن كل ناحية من نواحي إحدى المدنيات المعقدة التي تمتد آلاف السنين، إنما تطلب المستحيل. وليس في وسع من يتصدى إلى هذا العمل أن يتجنب الأخطاء في الدقائق والتفاصيل، ولكن العقل الهائم بحب الفلسفة- وهي إدراك الأشياء عن طريق علاقاتها بعضها ببعض- هي الطريقة الوحيدة التي يستطيع بها عقل لا يقدر بغير هذه الطريقة أن يقنع بسبر أغوار الماضي. إن في وسعنا أن نطلب الفلسفة عن طريق العلم، وذلك بدراسة ما بين الأشياء من علاقات في المكان، أو أن نطلبها عن طريق التاريخ بدراسة ما بين الحوادث من صلات في الزمان، وفي مقدورنا أن نعرف عن طبيعة الإنسان بدراسة سلوكه وأعماله في خلال ستين قرنًا من الزمان أكثر مما نعرفه عنها بقراءة مؤلفات أفلاطون وأرسطو، وسبنوزا وكانت وما أصدق قول نتشة في هذا المعنى: "ما أضيع الفلسفة كلها أمام التاريخ في هذه الأيام" .

وإن دراسة الماضي لتعد بحق عديمة النفع إذا لم يجعل هذا الماضي مسرحية حية، أو إذا لم تضيء لنا دراسة ظلمات حياتنا الحاضرة. أليس قيام مدينة روما وارتقاؤها من بلدة صغيرة في مفترق الطرق حتى سادت العالم المعروف وقتئذ، وما أسبغته من أمن وسلام على رقعة واسعة من الأرض تمتد من جزيرة القرم إلى مضيق جبل طارق، ومن نهر الفرات إلى سور هدريان، وما نشرته من أصول الحضارة القديمة في عالم البحر الأبيض المتوسط وفي غرب أوربا، وما قامت به من كفاح للاحتفاظ بملكها المنظم من أن تطغى عليه بحار الهمجية التي تكتنفه من كل جوانبه، ثم تصدعها الطويل البطيء، وانهيارها آخر الأمر، وترديها المشئوم في ظلمات الجهالة والفوضى، أليس هذا كله أعظم مسرحية مثلها الإنسان، اللهم إلا إذ ظننا أن أعظم منها وأكثر روعة تلك المسرحية الأخرى التي بدأت حين وقف قيصر والمسيح وجهًا لوجه في ساحة بيليت Pilate والتي دامت حتى أضحت حفنة من المسيحيين المضطهدين المطاردين بما أوتيت من صبر وجلد وما قاست من اضطهاد وما حل بها من رعب وهول، نقول حتى أضحت هذه الحفنة من المسيحيين في بداية الأمر حليفة لأعظم إمبراطورية في التاريخ، ثم سيدتها، ثم وريثتها بعد تصرم أجلها.

ولكن لهذه المسرحية الكبيرة بالنسبة لنا معنى أعظم مما يبدو بالنظر إلى فخامتها وطول زمانها واتساع المسرح التي تمثل عليه: ذلك أنها تشبه شبهًا عجيبًا عظيم الدلالة حضارة هذه الأيام، والمشاكل القائمة فيها، وتلقى ضوءًا ينذرنا بسوء المصير. وهذا هو ما نفيده من دراسة حضارة من الحضارات دراسة تشمل جميع نواحيها وأدوار حياتها- ففي وسعنا بهذه الدراسة الشاملة أن نوازن كل مرحلة من مراحلها وكل ناحية من نواحيها بما يقابلها من مراحل وعناصر في مجرى ثقافتنا نحن، فنتخذ من هذه الموازنة، وبما أعقب المراحل الماضية الشبيهة بمرحلتنا الحاضرة، عظة لنا تبعث فينا الحذر أو الإقدام. وما أشبه الكفاح الذي قام بين الحضارة الرومانية والهمجية في داخل الإمبراطورية وخارجها بالكفاح القائم في العالم في هذه الأيام. وفي مشاكل روما البيولوجية وانحلالها الخلقي معالم تهدينا نحن سواء السبيل؛ وإن الصراع الطائفي الذي قام بين ولدي جراكس The Cracchi وبين مجلس الشيوخ ثم بين ماريوس وسلا Marius & Sulla، وبين قيصر وبمبي؛ وبين أنطونيوس وأكتافيان لهو عين الصراع القائم بيننا في هذه الأيام، والذي لا تكاد تخبو ناره حتى تشتعل من جديد، فتلتهم فترات السلم التهامًا؛ وإن فيما كانت تبذله شعوب البحر الأبيض المتوسط من جهود المستيئس لتحتفظ لنفسها بقبس من ضياء الحرية تنتزعه من تلك الدولة الطاغية لنذيرًا بما ينتظرنا نحن من واجب ثقيل.

وإن قصة روما لهي في واقع الأمر قصتنا نحن.


المجلد الثالث: قيصر والمسيح - المدخل: أصل الرومان

الباب الأول: ديباجة في الإتروسكان 800-508 ق.م

الفصل الأول: إيطاليا

ليتصور القارئ في خياله صورة ضياع ساكنة في أودية الجبال، ومروج فسيحة على منحدراتها، وبحيرات معلقة في وهاد التلال، وحقول خضراء أو صفراء تمتد إلى شُطئان البحار الزرقاء، وقرى وبلدان يخيم عليها السكون والخمول حين تسطع عليها شمس الظهيرة، فإذا مالت نحو المغيب انتعشت وسرت فيها الحياة، ومدن تحيط بها الأتربة والأقذار ولكن كل ما فيها جميل من أصغر الأكواخ إلى أفخم الكنائس الكبرى- لقد كانت هذه هي صورة إيطاليا منذ ألفي عام، ولا تزال هي صورتها في هذه الأيام. وقد تحدث بلني Pliny الأكبر عن بلاده(1) فقال عنها: "ليس على ظهر الأرض أو تحت قبة السماء بلاد تماثلها في جمالها وروعة مناظرها". وأنشد فيها فرجيل يقول: "هنا الربيع الدائم والصيف حتى في غير أشهره. هنا تلد الأنعام مرتين في العام، وتثمر الأشجار مرتين(2)". ولقد كانت أشجار الورد في بيستم Paestum تزهر في السنة مرتين، وكانت في شمال البلاد سهول خصبة كثيرة كسهول منتوا Mantua "يَطعم التُّم من مجاريها المعشوشبة (3)". وتمتد في شبه الجزيرة العظيمة سلسلة جبال الأبنين امتداد العمود الفقري في جسم الإنسان، فيتقي بها شاطئ البلاد الغربي الرياح الشمالية الشرقية الباردة، وتنبع منها أنهار تروي الأرض بمائها وتنحدر مسرعة لتصبه في خلجان البحر ذات المنظر الخلاب. وتقوم جبال الألب في الشمال لتصد عن البلاد المغيرين، أما في سائر أطراف البلاد فإن أمواج البحر الصاخبة تتلاطم بشطئان كثير منها وعر قائم صعب المرتقى. لقد كانت هذه البلاد في تاريخها القديم خليقة بأن تجزي أهلها المجدين خير الجزاء وأوفاه، وكانت ذات موقع حربي هام في حوض البحر الأبيض المتوسط يمكنها من السيطرة على العالم القديم.

وكانت جبالها مصدر كوارثها كما كانت مصدر جمالها وروعتها، ذلك أن الزلازل والثورات البركانية كانت من حين إلى حين تبتلع جهود الأجيال المتعددة وتطمرها في أطباق الرماد أو تحرقها بحمم البراكين؛ ولكن الموت كان في هذه البلاد، كما هو في معظم بلاد العالم، مصدرًا للحياة ونعمة من أنعمها. ذلم أن الحمم المختلطة بالمواد العضوية كانت موردًا لإخصاب التربة لا ينضب له على مدى الأيام معين(4). لقد كانت بعض الأرضين منحدرة وعرة لا تصلح للزراعة، وكان بعضها الآخر مناقع تنتشر منها حمى الملاريا؛ ولكن الكثير منها قد بلغ من خصب التربة ما جعل بوليبيوس Polybius يعجب من وفرة الطعام وقلة ثمنه في إيطاليا القديمة(5)، ويقول إن في وسع الإنسان أن يدرك مقدار ما تخرجه من الغلات ونوعها حين يشاهد نشاط أهلها وقوتهم وشجاعتهم. ويظن ألفيري Alfieri أن "الشجرة- الآدمية" تنتعش في إيطاليا خيرًا مما تنتعش في سائر بلاد العالم(6). بل أن الطالب الهياب في هذه الأيام نفسها ليعتريه بعض الوجل من قوة مشاعر ذلك الشعب المدهش الخلاب- من عضلاته المفتولة، ومن سرعة حبه وغضبه، ومن عيونه الكتومة أو البراقة الملتهبة؛ وإن الكبرياء والحميا اللذين كانا منشأ عظمة إيطاليا، واللذين قطعا أوصالها في أيام ماريوس Marius وقيصر Caesar وفي عصر النهضة الأوربية، لا يزالان يجريان حتى الآن في الدم الإيطالي في انتظار قضية عادلة أو حجة طلية. والرجال كلهم إلا القليل النادر منهم مكتملو الرجولة وسيموا الخلق، والنساء كلهن تقريباً حسان، يمتزن بالقوة والشجاعة. وهل في العالم بلاد أنجبت من العباقرة مثل ما أنجبت الأمهات الإيطاليات طوال الثلاثين قرنًا التي يشملها تاريخ تلك البلاد؟ وهل في العالم بلاد غير إيطاليا كانت رحى التاريخ- في نظم الحكم أولاً ثم في الدين، ثم في الفن؟ لقد ظلت روما مدى سبعة عشر قرنًا- من كاتو الرقيب Cato Censor إلى ميكل أنجلو مركز العالم الغربي.

أما أصل الإيطاليين فيقول عنه أرسطو: "يقول أصدق الناس حكمًا في هذا البلد إنه لما أصبح إيطالس Italus ملك أئنتريا Oenotria بدَّل أهل البلاد اسمهم فلم يعودوا يسمون أنفسهم أئنتوريين بل تسموا إيطاليين(7)". ولقد كانت أئنتريا هي مكان الإصبع الكبرى في الحذاء الإيطالي، ومعنى هذا اللفظ هو "أرض النبيذ" لكثرة ما كان فيها من الكروم. ويقول توكيديدس Thucydides إن إيطالس هذا كان ملك الصقليين الذين احتلوا أئنتريا في طريقهم لاحتلال جزيرة صقلية وتسميتها بهذا الاسم(8). وكما أن الرومان قد أطلقوا على الهلينيين جميعًا اسم الأغارقة، وهو اسم جماعة قليلة هاجرت من شمال أتيكا Attica إلى نابلي، فكذلك توسع الإغريق في معنى إيطاليا حتى شمل هذا الاسم جميع أرض شبه الجزيرة من جنوب نهر البو Po إلى أقصى طرفها الجنوبي.

وما من شك في أن فصولاً كثيرة من تاريخ إيطاليا لا تزال مطمورة في أطباق ثراها المزدحم بالأهلين. ويدل ما كشف فيها من آثار ثقافة العصر الحجري القديم على أن سهولها كانت عامرة بالسكان قبل ميلاد المسيح بثلاثين ألف عام على أقل تقدير. ثم ظهرت فيها ثقافة تنتمي إلى العصر الحجري الحديث بين عامي 10.000،6000 قبل الميلاد: وكان أصحاب هذه الحضارة أقوامًا طوال الرؤوس تسميهم الروايات القديمة لجوري Liguri أو صقلي Siceli، وكانوا يصنعون الفخار الساذج الخشن ويزينونه بنقوش مؤلفة من خطوط. كذلك كان هؤلاء أدوات وأسلحة من الحجارة المصقولة، ويؤنسون الحيوان ويصيدونه هو والسمك، ويدفنون موتاهم. ومنهم من كانوا يسكنون الكهوف، ومنهم آخرون يسكنون أكواخًا من القش والطين. ومن هذه الأكواخ الأسطوانية تدرج فن العمارة تدرجاً مستمراً حتى وصل إلى "بيت رميولوس Romulus" المستدير القائم على البلاتين Palatine والى هيكل فستا Vesta في السوق العامة Forum وقبر هدريان Hadrian الفخم.

وغزت قبائل من أوربا الوسطى شمالي إيطاليا حوالي عام 2000 ق.م ولعل هذا الغزو لم يكن الأول من نوعه. وقد أدخلوا في البلاد عادة إقامة المباني على قوائم خشبية في الماء ليتقوا هجمات الوحوش والآدميين. واستقر هؤلاء الغزاة في بحيرات جاردا Garda ، وكومو Como، وميجوري Maggiore وغيرها من البحيرات الساحرة التي لا تزال تغري الأجانب بالذهاب إلى إيطاليا؛ ثم نزحوا فيما بعد إلى جنوب البلاد، فلما لم يجدوا فيها من البحيرات الكثيرة ما كانوا يجدونه في الشمال، أقاموا مساكنهم على الأرض اليابسة، ولكنهم رفعوها أيضاً على أسس من القوائم الخشبية. وكان من عادتهم أن يحيطوا هذه المساكن بالأسوار والخنادق، وقد انتقلت هذه العادة إلى غير إيطاليا وأضحت من المظاهر المألوفة في المعسكرات الرومانية وفي قصور العصور الوسطى. وكانوا يشتغلون برعي الماشية والضأن، وفلاحة الأرض، وصناعة النسيج، وحرق الفخار، وصناعة العدد الجم من الآلات والأسلحة البرونزية، ومنها الأمشاط ومشابك الشعر والأمواس والملاقط وغيرها من الأدوات التي لا يكاد الإنسان يصدق أنها ظهرت في ذلك العهد البعيد. وكان البرونز قد ظهر في إيطاليا في أواخر أيام العصر الحجري الحديث (حوالي 2500 ق.م)(9). وكانوا يتركون فضلات منازلهم تتراكم حول قراهم، وبلغ من كثرتها أن أطلق على ثقافتهم اسم ثقافة ترامار Terramare- أي الثمط الأرضي- وهي نفايات غنية بالعناصر المخصبة. ومبلغ علمنا أن هؤلاء الأقوام هم الأسلاف الأقربون للكثرة العظمى من سكان إيطاليا في العصور التاريخية.

وأخذ المقيمون في وادي البو من أبناء أهل هذه الأثماط استخدام الحديد عن ألمانيا، وصنعوا منه أدوات خيرًا من ادواتهم السابقة، واستعانوا بها على نشر ثقافتهم الفلانوفية من مركزها في فلانوفا Villanova القريبة من مدينة بولونيا Bologna إلى أقاصي جنوب إيطاليا. ومن حقنا أن نعتقد أن دماء الأمبريين Umbrians والسابين Sabines واللاتين Latins ولغاتهم، وأهم فنونهم، كلها مستمدة من هؤلاء الأقوام. ثم حدثت هجرة أخرى جديدة حوالي عام 800 ق.م أخضع أصحابها الفلانوفيين وأنشئوا بين نهر التيبر وجبال الألب أعجب حضارة في سجلات الجنس البشري.

الفصل الثاني: الحياة الإتروسكية

يكتنف تاريخ الإتروسكان غموض شديد يضايق المؤرخ أشد الضيق. لقد حكم هؤلاء الأقوام مدينة روما مائة عام أو أكثر من مائة، وخلفوا في أنماط الحياة الرومانية آثارًا تجعل فهم هذه الحياة وفهم تاريخ روما متعذرين دون دراسة تاريخهم. ولكن الآداب الرومانية رغم هذه الآثار قد أغفلت ذكرهم كما تغفل المرأة النصف الجهر بأنها جاوزت سن الشباب. ومع ذلك فإن الحضارة الإيطالية، أو ما سجل منها، تبدأ من أيامهم؛ فقد وجد مختلطًا بمخلفاتهم نحو ثمانية آلاف نقش وكثير من أعمال الفن، كما وجدت شواهد على أدب ضائع يشمل الشعر والمسرحيات وكتب التاريخ(10). غير أن لغتهم لم يحل من رموزها إلا عدد قليل من الألفاظ لا غناء فيه، ولا يزال العلماء الآن حيارى أمام ما يكتنف هذه المعضلة الإتروسكية من غموض أشد مما كان يكتنف تاريخ مصر الفرعونية قبل شمبليون.

ومن أجل هذا لا يزال الجدل يثور حول الإتروسكان: من هم؟ ومن أين جاءوا إلى إيطاليا؟ ومتى جاءوا إليها؟ ولعل الباحثين قد عجلوا بنبذ الروايات القديمة أسرع مما ينبغي؛ ذلك أن المتحذلقين مولعون على الدوام بتنفيذ ما يقبله الناس من الآراء، ويسوءهم ما يبقى في عقولهم منها. لقد كان معظم المؤرخين اليونان والرومان يرون أن القضايا التي لا تحتاج إلى برهان أن الإتروسكان قد جاءوا من آسيا الصغرى(10). والحق أن في دينهم، وثيابهم، وفنهم، شواهد كثيرة توحي بأصلهم الأسيوي، وإن كان فيها أيضًا عناصر كثيرة يلوح أنها من أصل إيطالي. وأغلب الظن أن حضارة إتروريا Etruria قد نشأت من الثقافة الفلانوفية Villanovan وأنها تأثرت من الناحية التجارية بحضارات اليونان والشرق الأدنى، وأن الإتروسكان أنفسهم، كما كانوا هم يعتقدون، قد غزوا البلاد من آسية الصغرى؛ والراجح أنهم جاءوا من بلاد ليديا Lydia. ومهما يكن أصلهم فإن تفوقهم في التقتيل قد جعلهم هم الطبقة الحاكمة في إتروسكانيا.

ولسنا نعرف المكان الذي رسوا فيه حين قدموا بحراً إلى إيطاليا، ولكننا نعرف أنهم شادوا أو فتحوا أو وسعوا مدناً كثيرة- مدناً لا قرى من القش والطين كما كانت الحال قبل مجيئهم، بل بلادًا مسورة ذات شوارع منظمة على قواعد هندسية وبيوتاً من اللبن فحسب، بل مقامة كثرتها من الأجر المحروق أو الحجارة. ثم ارتبطت اثنتا عشرة محلة من هذه المحلات فتكون منها اتحاد غير وثيق تسيطر عليه تاركوناي Tarquinii (المعروفة حتى هذه الأيام باسم كرنيتو Corento)، وأرتيوم Arretinm (أرزو Arezzo)، وبروزيا Perusia (بروجيا Perugia)، وفياي Veii(ايولا فارنيزي Iola Farnese ).

وتضافرت في هذه البلاد صعاب النقل في الجبال والغابات مع التحاسد والتنافر المتأصلين في الطبيعة البشرية، كما تضافرا في بلاد اليونان، على إنشاء دويلات من مدن مستقلة، إذا اتحدت لصد غارات أعدائها اعتزت كل منها بسلامتها منفردة عن غيرها؛ وكثيرًا ما كانت تقف لتشاهد العدو الخارجي يغير على أخواتها حتى خضعت كلها لرومه واحدة في إثر واحدة. ولكن هذه المدن المتحالفة ظلت طوال القرن السادس قبل الميلاد أقوى سلطة سياسية في إيطاليا، وكان لها جيش حسن التنظيم، به فرق من الفرسان ذائعة الصيت، وأسطول بحري كان في وقت من الأوقات هو المسيطر على البحر الذي لا يزال إلى اليوم يسمى البحر الترهيني (أو البحر الإتروري أي الإتروسكي ).

وبدأ الحكم في المدن الإتروسكية كما بدأ في روما بالنظام الملكي، ثم صار حكماً ألجركياً تقوم به "الأسر الأولى"، ثم تخلى هذا الحكم تدريجاً للأسر ذات الأملاك عن حق اختيار الحكام الذين كانوا يبدلون في كل عام. وفي وسعنا أن نستدل مما على قبور الأهلين من رسوم ملونة ونقوش محفورة على أن هذا النظام كان نظامًا إقطاعيًا خالصًا يمتلك فيه الأعيان الأرض ويستمتعون بما يخرجه الأقنان والأرقاء الفلانوفيون بكدحهم من خيرات، بعد أن يتركوا لهم حاجتهم منها. وقد أصلحت أرض تسكانيا في عهد هذا النظام، فجففت مستنقعاتها وقطعت غاباتها، وأنشئ في قراها نظام للري، وفي مدنها نظام للمجاري لم يكشف حتى الآن عما يماثله في بلاد اليونان في ذلك العهد نفسه. وقد أنشأ المهندسون الإتروسكانيون مجاري تحت الأرض يسير فيها ما زاد من مياه البحيرات، وطرقًا في الصخور والتلال(12). ونرى العمال الإتروسكان في ذلك العهد البعيد وهو عام 700 ق.م يستخرجون النحاس من شاطئ إيطاليا الغربي، والحديد من جزيرة إلبا Elba، وترى الحديد الغفل يصهر في ببيولونيا Populonia، والحديد المطاوع يباع في جميع أنحاء إيطاليا(13). وكان التجار الإتروسكانيون يتجرون مع جميع البلاد الواقعة على شاطئ البحر الترهاني ويأتون بالكهرمان والقصدير والرصاص والحديد من بلاد أوربا الشمالية، وينقلونها في نهري الرين والرون وفوق جبال الألب، ويبيعون المنتجات الإتروسكية في جميع ثغور البحر الأبيض المتوسط الكبرى. وما وافى عام 500 ق.م أو نحوه حتى أصدرت المدن الإتروسكية الكبرى عملة خاصة بها.

وتمثل الرسوم التي نراها على القبور هؤلاء الأقوام في صورة خلائق قصار القامات، ممتلئ الأجسام، كبار الرؤوس، لا يكاد يوجد فرق بيم ملامحهم وملامح أهل الأناضول، موردي البشرة وخاصة نساءهم؛ وإن تكن الأصباغ الحمراء قديمة قدم الحضارة ذاتها(14). واشتهرت نساؤهم بجمالهن(15)، وتلمح في وجوه بعض الرجال الرقة والنبل. وكانت الحضارة في ذلك العهد قد بلغت من الرقي مرحلة الخطر كما نستدل مما عثر عليه في قبورهم من قناطر للأسنان الصناعية(16). وقد انتقل إليهم طب الأسنان، كما انتقل الطب والجراحة، من بلاد مصر واليونان(17). وكانوا جميعًا رجالاً ونساء يطيلون شعر الرأس، وكان رجالهم يرسلون لحاهم. أما ثيابهم فكانت على الطراز الأيوني Ionian. تتكون من قميص داخلي ومئزر خارجي هو الذي تطور حتى أصبح الكساء الروماني المعروف باسم التوجا Toga. وكان الرجال والنساء على السواء مولعين بالتزين، وقد عثر المنقبون في قبورهم على كثير من الحلي.

وإذا كان لنا أن نحكم على الإتروسكان من الصور المرحة التي نراها على قبورهم، قلنا إن حياة هؤلاء الأقوام كان فيها مشاق الحرب، ونعيم الترف، وبهجة الأعياد والألعاب. فكان الرجال يشنون الحرب العوان، ويمارسون ضروباً من ألعاب الرجولة، ويصيدون الحيوان، ويصارعون الثيران في المتجلد، ويسوقون بأنفسهم عرباتهم في الطرق الخطرة، وكانت تجرها في بعض الأحيان أربعة جياد تسير في صف. وكانوا يتبارون في رمي القرص والحربة، والقفز من فوق الأعمدة، والسباق والمصارعة والملاكمة والمجالدة. وكانت هذه الألعاب تمتاز بقسوتها، لأن التسكان كالرومان كانوا يرون أن من الخطر أن يتركوا الحضارة تبتعد كثيراً عن الوحشية. وكان قليلو الشجاعة منهم يتبارون في رفع الأثقال، ولعب النرد، والنفخ في الناي، والرقص. وتتخلل الرسوم التي في القبور مناظر من مرح الشراب تزيل ما يخيم عليها من كآبة، وهي في بعض الأحيان مقصورة على الرجال دون النساء، يتحدثون فيها عن الخمر، وفي بعضها الآخر يختلط الرجال بالنساء، وهم جميعاً يلبسون أحسن الثياب ويتكئون مثنى مثنى على أرائك وثيرة، ويأكلون ويشربون، ويقوم على خدمتم العبيد، وتسليهم الراقصات والمغنيات(18)، وتزدان الوليمة أحيانًا بمناظر يحتضن فيها الرجال والنساء. وأكبر الظن أن السيدة التي تُحتضن وقتئذ من الحظايا الشبيهات بحظايا اليونان (الهيتيريا) Hetaira. وإذا جاز لنا أن نصدق ما يقوله الرومان فإن فتيات تسكانيا كان يسمح لهن بالحصول على بائنتهن عن طريق الدعارة، شأنهن في هذا شأن فتيات آسيا اليونانية، وفتيات السموراي اليابانيات(19). وشاهد ذلك أنا نرى شخصية في إحدى مسرحيات بلوتس Plautus تتهم فتاة بأنها تسعى للحصول على بائنة زوجها بامتهان جسمها على الطريقة الإتروسكية(20). ولكن النساء مع ذلك كانت لهن منزلة عالية في إتروريا، وتمثلهن الرسوم تمثيل من لهن مقام عال في جميع مناحي الحياة. وكان الأبناء ينتسبون إلى أمهاتهم، وفي ذلك أيضًا ما يوحي بأن القوم من أصل أسيوي(21). ولم يكن التعليم عندهم مقصوراً على الرجال، وشاهد ذلك أن تناكويل Tanaquil زوجة تاركون الأول Targuin قد برعن في العلوم الرياضية والطب براعتها في تدبير الدسائس السياسية(22). ويقول المؤرخ اليوناني ثيوبمبس Theopompus إن النساء في إتروريا كن ملكاً مشاعاً(23). ولكنا لا نجد فيما وصل إلينا من المعلومات ما يثبت وجود هذه الطوبى الأفلاطونية، بل إن كثيراً من الصور تمثل مناظر الروابط الزوجية، والحياة العائلية، والأطفال يسرحون ويمرحون حول أبويهم وهم سواء في سذاجتهم وجهلهم.

وكان في الدين كل البواعث التي تدعو إلى كبح الشهوات، فقد خلع الإتروسكان على آلهتهم كل الصفات التي تبعث الرهبة في القلوب وتكبح جماح الفتيان والفتيات، وتخفف أعباء الآباء والأمهات. وكان أعظم الآلهة هو تينيا Tinia المتصرف في الرعد والبرق. وكان من حوله جماعة من الأرباب يأتمرون بأمره، لا تأخذهم في ذلك رأفة، وهم الأرباب الأثنى عشر، وقد بلغوا من العظمة حداً يجعل مجرد ذكر أسمائهم جريمة لا تغتفر، ولهذا نستميح القارئ عذرًا إذا أغفلنا نحن عن ذكر هذه الأسماء.

وكان أشد هؤلاء الأرباب رهبة هما منتوس Mantaus ومانيا Mania سيد العالم السفلي وسيدته. وكان لكليهما حشد عظيم من الشياطين المجنحين يأتمرون بأمرهما. وكان أشد الأرباب غضباً لاسا Lasa ومين Mean إلهة الأقدار التي تمسك بيدها سيفًا أو أفعى تلوح بهما، وتتسلح بقلم ومداد تستخدمها في الكتابة، وبمطرقة ومسامير تدق بها أوامرها التي لا تتحول عنها. وأظرف من هذه الأرباب معبودو البيت ومعبوداته، وكانت صورة تماثيل صغيرة توضع على المدافئ وتمثل أرواح الحقول والدور.

ولعل العلم المقدس، علم معرفة الغيب بدراسة أكباد الضأن أو طيران الطير، قد جاء إلى الإتروسكيين من أرض بابل. ولكن الرواية الإتروسكية تقول إن الذي كشف لهم عن هذا العلم غلام مقدس هو حفيد تينيا، وقد خرج إلى الحياة من أخدود محراث، وفاه لساعته بحكمة الحكماء. وكانت الطقوس الإتروسكية تنتهي إلى التضحية بالضأن والثيران والآدميين، فكان الضحايا من بني الإنسان يذبحون أو يدفنون أحياء في مياتم العظماء. وكان أسرى الحرب يذبحون أحيانًا طلبًا لرضا الآلهة؛ ولهذا السبب رُجم الفوقيون Phoceaxs في ألاليا Alalia عام 535 ق.م في سوق كإيري Caere العامة، وضحى بنحو ثلاثمائة من الرومانيين في عام 358 ق.م. في تاركويناي. ويلوح أن الإتروسكاني كان يعتقد أن في وسعه أن يطلق روحًا من الجحيم نظير كل رجل يقتله من أعدائه(24).

وكان أهم مظاهر الدين الإتروسكي هو الإيمان بوجود الجحيم في الدار الآخرة؛ فقد كانت روح الميت، كما نراها في الصور والنقوش التي على القبور، يسير بها الجن إلى محكمة الدار الآخرة، حيث تتاح لها الفرصة في يوم الحساب الأخير للدفاع عن أعمالها في الحياة الدنيا. فإذا عجزت عن تبرير هذه الأعمال حكم عليها بضروب مختلفة من التعذيب، كان لها ريب أثر في شعر ڤرجيل Virgil (المستمد من قصص متتوا الإتروسكية)، وفي فكرة المسيحيين الأولين عن الجحيم، وفي جحيم دانتي Dante's Inferno الإتروسكاني الذي سرت إليه عن طريق هؤلاء المسيحيين من خلال عشرين قرناً من الزمان. وكان الأرباب بمنجاة من هذا التعذيب، كما كان في وسع الأحياء من أصدقاء الموتى المعذبين أن يقصروا أمد عذابهم بما يقدمون من الأوعية والقرابين. فإذا نجت الروح من هذا العذاب انتقلت من العالم السفلي إلى صحبة الآلهة الأعلين لتستمتع معهم بالولائم ومظاهر الترف والسلطان التي صورتها آمال الأحياء على القبور.

وكان الإتروسكانيون يدفنون موتاهم في الأحوال العادية، وكان الموسرون منهم يوضعون في توابيت من الطين المحروق أو الحجارة حفرت على السطوح العليا من أغطيتها صور أشخاص متكئين، يشبه بعضهم الموتى الذين كانوا في التوابيت، ويشبه بعضهم الصورة اليونانية الباسمة التي كان اليونان الأقدمون يصورون بها أبلو Apollo؛ ولقد كان لهذه الصور أيضًا أثرها في فن العصور الوسطى. وكان الموتى في بعض الأحيان يحرقون، ويوضع رمادهم في أوعية تزين أحياناً بصور الأموات. وكان الوعاء أو القبر في بعض الأحيان في صورة البيت، في بعضها الآخر كان القبر المنحوت في الصخر يقسم إلى حجرات، ويهيأ لحياة الميت في الدار الآخرة بالأثاث والآنية والمزهريات، والملابس، والأسلحة، والمرايا وأصباغ الزينة والجواهر، وقد عثر في قبر في كاري Caere على هيكل رجل محارب راقد على سرير من البرنز كامل الشكل، والى جانبه أسلحته وعجلته الحربية، ووجدت في حجرة خلف حجرة هذا الميت حلي وجواهر لسيدة لعلها زوجته. وقد اكتسى التراب- الذي كان في يوم من الأيام جسمها المحبوب- بثياب عرسها(25).


الفصل الثالث: الفن الإتروسكي

يكاد الفن الإتروسكاني أن يكون وحده كل ما نعرف عن تاريخ الإتروسكيين، ففي وسعنا أن نتتبع فيه آداب الشعب وأخلاقه، وما كان للدين والطبقات من سلطان، وما كان لصلاته بآسيا الصغرى ومصر وبلاد اليونان ورومه من أثر في تبدل أحوال هذا الشعب الاقتصادية والثقافية. لقد كان هذا الفن شديد التقيد بالعرف والتقاليد الدينية، وإن كانت المهارة الفنية قد أكسبته الكثير من الحرية؛ وكان يكشف عن حضارة وحشية مظلمة، ولكنه يعبر عنها في قوة؛ وقد حدد أشكاله الأولى وأنماطه الفن الشرقي- الأيوني، القبرصي، والمصري، وسيطرت النماذج اليونانية على نحته وخزفه. وأما في العمارة والتصوير فإن الفن الإتروسكاني كان تسكانياً خالصاً فذاً في نوعه.

ولا يتعدى ما بقي من آثار فن العمارة الإتروسكية بضع قطع قليلة مبعثرة وبعض القبور؛ ولا تزال أجزاء من أسوار المدن الإترورية قائمة حتى اليوم- وهي مبان ثقيلة خالية من الملاط ولكنها شديدة التماسك قوية. وتدل بيوت أغنياء الإتروسكيين على ما كانت عليه أشكال البيوت الإيطالية في العهد القديم: فقد كان الواحد منها يتكون من سور خارجي يحجب سكان البيت عن أعين من خارجه، ومن إيوان أو حجرة استقبال في وسطه، وفي سقف الإيوان فتحة ينزل منها المطر إلى صهريج في أسفل البيت، ومن حول الإيوان طائفة من الحجرات الصغيرة يواجهها في أغلب الأحيان مدخل ذو عمد. وقد وصف ڤتروڤيوس Vitruvius المهندس والبناء هياكل الإتروسكيين وصفاً ينطبق في بعض الأحيان على قبورهم أيضاً. ويستفاد من هذا الوصف أن الهياكل كانت في جوهرها تتبع الطرز اليونانية، غير أن "الطراز الإتروسكاني" قد أدخل بعض التعديل على الطراز الدوري، بأن ترك العمد خالية من الحزوز، وأقامها على قواعد، وجعل نسبة الطول إلى العرض في جسم المعبد كنسبة 5:6 بدل النسبة الأتيكية Attic الرشيقة وهي 3:6. وفي وسعنا أن نصف الهيكل الإتروسكاني وصفاً موجزاً بقولنا إنه يتكون من بناء رئيسي من الآجر ورواق من الحجارة، ومن عوارض فوق العمد ومقصات من الخشب، ومن نقوش وحلي من الطين المحروق؛ ويقوم البناء كله على قاعدة متصلة أو ربوة، ويطلى بالألوان الزاهية من داخله وخارجه. وكذلك نستطيع أن نقول على قدر ما وصل إليه علمنا بتاريخ الإتروسكيين إنهم أدخلوا في إيطاليا العقود والقباب في الأبنية المقامة لغير الأغراض الدينية- كأبواب المدن، وأسوارها، ومجاري المياه ومصارفها. ويلوح أنهم جاءوا بهذه الأشكال الفخمة من بلاد ليديا Lydia، وكانت هذه قد أخذتها عن بلاد بابل ،ولكنهم لم يتبعوا تلك الطريقة البديعة طريقة تغطية مساحات واسعة من الأراضي بالأبنية الخالية من العمد والعوارض الكثيرة المختلطة المقبضة المملة. وقد ظلوا في معظم الأحوال يتبعون الأساليب التي هيأت لهم اليونان، وتركوا إلى روما أن ترتفع بالأقواس والمنحنيات إلى ذروة الكمال فتحدث بذلك انقلابًا عظيمًا في فن العمارة.

والخزف أشهر ما أخرجته بلاد إتروريا، تزدحم به كثير من متاحف العالم وإن كان من يطوف بهذه المتاحف لا يرى في هذا الخزف من الكمال ما يبرر أن تحشد هذه الكميات الكبيرة منه. فالمزهريات الإتروسكية، إذا لم تكن منقولة عن الأنماط اليونانية، لا ترتفع فوق الدرجة الوسطى في تصميمها، وهي فخمة خشنة في صنعها، وبدائية همجية في زينتها، وليس ثمة فن من الفنون شوه الجسم البشري كما شوهه الخزف الإتروسكاني، أو أخرج من الوجوه المتنكرة البشعة أو الحيوانات الفظة، أو الشياطين المهولة، أو الآلهة المروعة، أكثر مما أخرجه هذا الخزف. غير أن الآنية السوداء المصنوعة في القرن السادس قبل الميلاد تسري فيها إيطالية، ولعلها تمثل تطوراً محلياً من الأنماط الفلانوفية. وقد عثر على مزهريات جميلة في فلسي Vulci وتاركويناي- نقلت من أثينا أو صنعت على مثال الزهريات الأتيكية ذات الرسوم السوداء. ويلوح أن مزهرية فرنسوا Francois وهي حجرة كبيرة ذات عروتين عثر عليها في شيوزى Chiusi فرنسي يسمى بهذا الاسم- يلوح أن هذه المزهرية من صنع الفنانين اليونانيين كليتياس Clitias وإرجتيمس Ergotimus. أما آنية رماد الموتى التي صنعت في العهود المتأخرة، والتي رسمت عليها صور حمراء على أرضية سوداء، فهي رشيقة الصنع ولكنها أيضاً صناعة يونانية بلا ريب. وإن كثرتها لتدل على أن صناع الخزف الأتيكيين قد سيطروا على الأسواق الإتروسكية ولم يبقوا فيها للصناع الوطنيين إلا المصنوعات التي لا تمت إلى الفن بصلة. وفي وسعنا أن نقول عن فن الخزف بوجه عام إن اللصوص كانوا على حق حين تركوا كل هذا الخزف في القبور الإتروسكية بعد انتهابها.

لكننا لا نستطيع أن نستخف هذا الاستخفاف كله بفن البرونز الإتروسكاني. ذلك بأن الذين كانوا يصبون المصنوعات البرونزية في إتروريا قد وصلوا بهذا الفن إلى درجة الكمال. ويكاد ما صنعوه منه أن يبلغ من الكثرة ما بلغته الآنية الخزفية، وحسبنا شاهداً على هذه الكثرة أن مدينة واحدة من مدنهم كان فيها على حد قولهم ألفا تمثال برنزي. ويرجع معظم ما وصل إلينا من المصنوعات البرنزية إلى عهد سيطرة الرومان على تلك البلاد. وأشهر هذه الروائع الفنية كلها تمثالان هما الخطيب الذي يقف الآن في متحف العاديات في مدينة فلرنس Florence تحف به هالة من المهابة الرومانية والتحفظ البرنزي، وتمثال الهولة الذي عثر عليه في أرزو Arezzo عام 1553 والذي أعاد إليه سيلني الفنان الإيطالي بعض ما حطم من أجزائه. وثاني التمثالين بشع المنظر، وأكبر الظن أنه يمثل الوحش الذي ذبحه بلروفون Bellerophon، له رأس أسد وجسمه، وذيل أفعى، وقد نبت له في ظهره رأس جدي، غير أن قوته وصقله تنسياننا ما في خلقه من شذوذ وغرابة. وقد أخرج صناع البرونز الإتروسكانيون آلاف الآلاف من التماثيل الصغيرة والسيوف، والخوذات، والدروع، والحراب، وآنية للطهو ولحفظ رماد الأموات، والنقود، والأقفال، والسلاسل، والمراوح، والمرايا، والسرر، والمصابيح، وحاملات الشموع، بل صنعوا منه العربات نفسها. ومن يزر متحف الفن في نيويورك ير في صدره عربة تسكانية جسمها ودواليبها من الخشب ولكن البرونز يكسو الجسم وإطار الدواليب، وقد نقش في أعلى مقدمها صور من البرونز غاية في الرشاقة. وكان كثير من الأدوات البرونزية يحفر عليه أشكال دقيقة جميلة. وكانت طريقتهم في هذا أن يغطوا السطح الذي يريدون نقشه بالشمع، ثم يرسموا عليه الشكل الذي يريدونه بقلم معدني ذي سن حادة، يغمسون طرفها في بعض الأحماض، فتحفر الخطوط التي يزول عنها الشمع في معدن البرونز، ثم يذاب الشمع كله بعدئذ. وكان الفنان الإتروسكاني وارث الفنانين المصري واليوناني، وندهما في النقش على الفضة والذهب والعظام والعاج.

أما النحت في الحجارة فلم يكن في يوم ما فناً شائعاً في إتروريا. فقد كان الرخام فيها نادراً، ويبدو أن محاجر كرارا Carrara لم تكن قد عرفت بعد. لكن الصلصال الجميل كان في متناول الأيدي، وسرعان ما تشكل وظهر في صورة آلاف مؤلفة من نقوش وتماثيل صغيرة وزينات للقبور والدور من الطين المحروق. وقد أنشأ أحد الفنانين الإتروسكيين في أواخر القرن السادس قبل الميلاد مدرسة لتعليم فن النحت في فياي Veii أخرجت على يديه آية الفن الإتروسكاني، وهي تمثال أبلوفياي Apollo of Veii الذي عثر عليه في عام 1916 في موضع هذه المدرسة، والذي ظل إلى عهد قريب قائمًا في فلاجوليا Villa Guilia في روما. وقد صنع هذا التمثال الجذاب على غرار تماثيل أبلو اليونانية والأتيكية المنحوتة في ذلك الوقت؛ وهو ذو وجه يكاد يكون وجهاً نسائياً كالذي نشاهده في صورة مونا ليز Mona Lisa، ويفتر ثغره عن ابتسامة رقيقة، وأسنان مائلة مقوسة، وجسمه تسري فيه دلائل الصحة والجمال والحياة. ويطلق الطليان على هذا التمثال اسم "إبلو الذي يمشي" il Apollo che Cammina. وقد ارتقى المثالون الإتروسكانيون في هذا التمثال وفي غيره من الصور الجميلة الكثيرة المنقوشة على توابيت الموتى، ارتقوا بالأنماط الأسيوية من صور الشعر والشباب إلى درجة الكمال. أما في تمثال الخطيب فقد أوجدوا هم أو وارثوهم الرومان فنًا من التصوير الواقعي.

وقد تعاون فن الرسم الإتروسكي مع فن إيطاليا اليونانية على نقل فن آخر من الفنون إلى روما. ولقد وصف بلني الأكبر Pliny المظلمات التي وجدت في أرديا Ardea بأنها "أقدم من روما نفسها"، وقال عن مظلمات كثيري إنها "أقدم من السابقة" وإنها "تفوقها روعة وجمالاً(27)". واستخدمت في الرسم الأواني الخزفية، وجدران المنازل والقبور من الداخل. ولم يبق لنا إلا مظلمات القبور والرسوم التي على المزهريات، ولكنها تبلغ من الكثرة حداً نستطيع معه أن نتتبع كل ما مر بفن التصوير الإتروسكاني من أدوار مختلفة- من طرز شرقية ومصرية، تنتقل عن طريق اليونان والإسكندرية إلى طرز روما وبمبي. ونجد في بعض المقابر النماذج الإيطالية للنوافذ ومداخل الدور، والأعمدة، وكلات الأبواب، وغيرها من الأشكال الهندسية المعمارية، مصورة بالألوان على الجدران الداخلية، ولا تفترق في شيء عما نجده منها في مدينة بمبي. وكثيرًا ما نرى ألوان هذه المظلمات حائلة، ولكن القليل منها يبدو جديداً براقاً إلى حد يدهش له الرائي، بعد أن مضى عليه أكثر من عشرين قرناً من الزمان. أما من حيث القواعد الفنية فإن هذه الرسوم لا ترقى إلى ما فوق الدرجة الوسطى، فالصور القديمة لم تراع فيها قواعد المنظور.

ولم يستخدم الضوء والظل لتمثيل العمق والامتلاء، والصور رفيعة أشبه من هذه الناحية بالصور المصرية، ويخيل إلى الناظر إليها أنه يراها من خلال مرآة محدبة أفقية؛ والوجوه كلها جانبية أيًا كانت الجهة التي تشير إليها القدمان؛ غير أن فن المنظور يظهر في النماذج المتأخرة، كما أن التناسب بين أجزاء الجسم المختلفة يراعى بمهارة وأمانة. لكن هذه الصور وتلك يبدو عليها نزق ومرح وخبث لا يسع الإنسان معها إلا أن يدهش مما كان يحيط بالحياة الإتروسكية من بهجة إذا كانت قبورهم مفرحة إلى هذا الحد. فهنا رسوم تمثل رجالاً يقتتلون، أو يستمتعون بمشاهدة القتال، أو يتصارعون وينافقون في المجتلدات، ويصيدون الآساد والخنازير البرية بشجاعة الرجال الذين يراهم النظارة، أو يتوقعون أن يروهم؛ ويلاكمون أو يصارعون في ساحة الصراع والنظارة يتناقشون بقوة تفوق قوة المصارعين؛ ويركبون خيولهم أو يسوقون عرباتهم حول المدرج، أو يصيدون السمك في هدوء واطمئنان عظيمين. ويمثل أحد الرسوم زوجين يدفعان قاربًا على مهل في مجرى هادئ المياه: ألا ما أقدم حكمة الحكماء. وفي صورة على قبر من قبور كثيرة يُرى رجل وزوجه متكئين على أريكة، والرجل متوج الرأس بالغار، ويعاهد زوجته وفي يده كأس من الشراب على أن يكون وفياً لها مخلصاً على الدوام؛ وتبتسم الزوجة وتصدقه وإن كانت تعرف أنه يكذب عليها.

ويرسم المصور الإتروسكي على جدار مقبرة أخرى ما ارتسم في ذهنه من صورة الجنة. يصور المرح الدائم، ويصور الولدان يرقصون رقصاً عنيفاً على أصوات المزمار المزدوج والقيثارة. ويلوح أن المزمار، والقيثارة، والصفارة، والبوق، كانت من مستلزمات كل وليمة وكل حفلة عرس أو جنازة، وأن حب الموسيقى والرقص كان من المظاهر الجميلة في الحضارة الإتروسكية. ونرى الصور الرسومة على جدران قبر اللبؤة في كرنيتو Corneto تدور حول نفسها في جنون المخمورين.

وكان طبيعيًا أن يوسع التسكان أملاكهم نحو الشمال والجنوب، وأن يمدوا سلطانهم إلى قواعد جبال الألب، والى مدن كمبانيا Campania اليونانية، وأن يجدوا أنفسهم بعدئذ وجهًا لوجه أمام الناشئة على شاطئ الآخر من نهر التيبر Tiber .وقد أنشئوا لهم مستعمرات في فرونا Verona وبدوا Padua، ومنتو Mantua، وبارما Parma، ومودينا Modena، وبولونيا Bologna، وفي الجهة الأخرى من جبال أبنين Appenine في رميني Rimini، ورافنا Ravenna، وأدريا Adria، وهي فرضة صغيرة سمى باسمها البحر الأدرياوي. وأحاطوا روما بمستقرات تسكانية في فيديني Fidenae، وبرنيستي Paraeneste (بلسترينا Palesetrina) وكبوا Capua، ولعلهم استقروا أيضًا في مسكولم Musculum (تسكانيا الصغرى). وما وافى عام 618 ق.م -كما تقول رواية مشكوك في صحتها ولكنها تحدد هذا التاريخ تحديدًا عجيبًا- حتى استولى أحد المغامرين التسكان على عرش روما، وظلت الأمة الرومانية مدى قرن كامل تسيطر عليها قوة الإتروسكيين ويشكلون حضارتها.


الفصل الرابع: رومة تحت حكم الملوك

وعبر نهر التيبر حوالي عام 1000 ق.م جماعة مهاجرون من فلانوفا واستقروا في لاتيوم Latium؛ ولا يعرف أحد هل غلَبَ هؤلاء المهاجرون من وجدوهم في تلك البلاد من السكان الأصليين الذين كانت ثقافتهم في ذلك العهد لا ترقى عن ثقافة أهل العصر الحجري، أو أبادوهم، أو اكتفوا بالاختلاط بهم والزواج منهم. ومهما يكن ما فعلوه بهم فقد أخذت القرى الزراعية التي كانت قائمة في هذا الإقليم التاريخي العظيم بين نهر التيبر وخليج نابلي Naples تجتمع وينضم بعضها إلى بعض حتى تكون منها عدد قليل من دويلات المدن المستقلة المتحاسدة التي لم تكن تتحد بعضها مع بعض إلا في الأعياد الدينية السنوية أو فيما كان يقوم بينها من حروب. وكان أكبر هذه المدن هي ألبا لنجا Alba Longa القائمة عند سفح جبل ألبان Mt. Alban، والراجح أن موضعها كان في موضع قصر جندلفو Castel Gandolfo الذي يأوي إليه البابا في أيام الصيف في الوقت الحاضر. ومن أبا لنجا تحرك جماعة من اللاتين -ولعل ذلك كان في القرن الثامن قبل الميلاد- مدفوعين بحب الغزو أو بازدياد عددهم لكثرة من ولدهم من الحفدة والأبناء، تحركوا قرابة عشرين ميلاً نحو الشمال الغربي، وأنشئوا المدينة التي صارت في بعد أعظم مدن العالم وأوسعها شهرة.

ولسنا نعرف عن نشأة روما أكثر مما ذكرناه في الفقرة السابقة التي ليس فيها إلا ما هو فروض غير موثوق بصحتها. ولكن القصص الرومانية تروي عن ذلك الشيء الكثير. ذلك أنه لما حرق الغاليون المدينة في عام 390 ق.م احترقت في أغلب الظن معظم سجلاتها التاريخية، فاتسع المجال أمام خيال أهليها، وأغرتهم وطنيتهم إلى تصوير أصل المدينة في صورة مطلقة من كل القيود، فحددوا تاريخ بنائها في اليوم الذي يوافق اليوم الثاني والعشرين من شهر أبريل عام 753 ق.م، وأخذوا يؤرخون الحوادث من "عام تأسيس المدينة" A.U.C. anno urbis conditae؛ وأخذت مائة قصة وألف قصيدة تصف خروج إينياس Aeneas بن أفرديتي -فينوس (الزهرة Aphrodite-Venus من طروادة المحترقة، ومجيئه إلى إيطاليا بآلهة مدينة برام Priam وما كان فيها من صور مقدسة، بعد أن قاسى الأهوال في البلاد الكثيرة التي مر بها، ولاقى ألوان العذاب من سكانها. وتزوج إينياس من لافينيا Lavinia ابنة ملك لاتيوم؛ وتقول القصة أن نمتور Numitor أحد أحفادهما جلس على عرش ألب لنجا حاضرة لاتيوم بعد ثمانية أجيال من هذا الزواج. ثم اغتصب العرش منه رجل يدعى أمليوس Amulius وأخرجه من المدينة، وأراد أن يقضي على أسرة إينياس كلها فقتل جميع أبنائه الذكور، وأرغم ابنته الوحيدة ريا سلفيا Rhea Silvia على أن تصبح كاهنة لفستا Vesta، وأن تترهب وتقسم أن تظل عذراء حتى الممات. ولكن ريا رقدت يومًا على شاطئ مجرى ماء، "وفتحت صدرها لتتلقى النسيم"(29) واستغرقت في النوم وهي واثقة أكثر مما يجب بطهارة الآلهة والآدميين وأسر جمالها قلب المريخ Mars فحملت منه بتوأمين، فلما وضعتهما أمر أمليوس بإغراقهما في النهر، فوضعا فوق رمس، وأشفقت عليهما الأمواج فحملتهما إلى البر، وأرضعتهما ذئبة (Lupa) أو -في رواية أخرى- زوجة راعٍ تدعى أكا لارنتيا Acca Larentia ويكنونها لوبا Lupa لأن حبها عارم محب الذئاب، فلما شب رمليوس Romulus وريموس Remus قتلا أمليوس، وأعاد نُمتور إلى العرش، وسارا تحدوهما قوة الشباب وعزيمته لكي ينشئا لهما مملكة على تلال روما.

ولم يكشف علم الآثار شيئاً يؤيد هذه القصص التي تروى عن نشأة روما وعهدها الأول؛ ولعل في هذه القصص شيء من الحقيقة، فليس ببعيد أن يكون اللاتين قد أرسلوا نفراً منهم ليشيدوا مدينة روما لكي يتخذوها حصناً يقيهم شر التسكان الذين كانوا يوسعون رقعة بلادهم في ذلك الاتجاه. وكان موقع المدينة على بعد عشرين ميلاً من شاطئ البحر، ولم يكن موقعاً ملائماً للتجارة البحرية، ولكنه كان من المستحب في تلك الأيام أيام القرصان المغيرين النهّابين أن تكون مواقع المدن بعيدة عن شاطئ البحر قليلاً. أما من حيث التجارة الداخلية فقد كانت روما عند ملتقى طريقي التجارة، طريق النهر والطريق البري الممتد من الشمال إلى الجنوب. ولم يكن موقعها بالموقع الصحي، فقد كانت الأمطار وفيضانات الأنهار، ومياه العيون، تملأ المناقع الكثيرة في السهل المحيط بالمدينة، ومن ثم كانت شهرة التلال السبعة وتقول الرواية أن أول ما استوطنه المهاجرون من هذه التلال هو تل بلاتين Palatine، ولعل سبب هذا أن جزيرة قرب سفح هذا التل قد يسرت للمستعمرين عبور نهر التيبر وإقامة جسر عليه. ثم استوطنوا بعدئذٍ سفوح التلال المجاورة واحداً في أثر واحد، وما لبثوا أن عبروا النهر وشدوا الفاتيكان Vatican والجانكيولوم Janiculum . ثم تحالفت القبائل الثلاث -اللاتين والسبنيون والتسكان- التي استوطنت التلال وأنشأت منها اتحاداً يسمى السبتيمنيوم هو الذي نشأت فيه على مهل مدينة روما.

وتقول القصة القديمة بعدئذٍ أن رميولوس أراد أن يأتي بأزواج لرجاله، فأعد ألعاباً عامة دعا إليها السبنيين وغيرهم من رجال القبائل الأخرى، وبينما كان السباق جارياً في مجراه إذ انقض الرومان على نساء السبنيين فاستولوا عليهن، وطردوا الرجال من حلبة السباق، فما كان من تيتس تاتيوس Titus Tatius ملك قبيلة الكيوريين Curites إلا أن شن الحرب على روما، وسار بجيوشه لغزوها. وفتحت تربيا Tarpeia ابنة الوماني الموكل بإحدى القلاع القائمة على الكبتولين باب القلعة إلى الغزاة. وقد جازوها على عملها بأن دقوا عظامها بدروعهم؛ وأطلقت الأجيال التي جاءت من بعد اسمها على "صخرة تربيا" التي كان يلقى من فوقها المقضي عليهم بالإعدام ليلقوا حتفهم. ولما اقترب جنود تاتيوس من تل البلانين سعت نساء السبنيين -اللاتي كنّ يشعرن بنعم الأسر- إلى عقد هدنة بين الطرفين، وحجتهن في هذا أنهن سيخسرن أزواجهن إذا انتصر الكيوريون؛ وسيخسرن أخوتهن أو آباءهن إذا انهزموا. ونجح النساء في سعيهن وأقنع رومليوس تاتيوس ملك السبنيين بأن يشاركه ملكه، وأن تنضم قبيلته إلى اللاتين، فتصبح من مواطني روما؛ ومن ذلك الوقت سمي أحرار روما بالكيوريين أو الكويريين (Quirites Curites)(30). ولعل في هذه القصة الخيالية كلها هي الأخرى بعض الحقائق -أو لعل النعرة الوطنية قد صاغتها لتخفي بها فتح السبنيين مدينة روما. وحكم رميولوس وما زمناً طويلاً رفع بعدها إلى السماء في عاصفة، واتخذ من بعد ذلك إلهاً من آلهة الرومان المحببين، يعبدونه باسم كويرينوس Quirinus(31). ولما مات تاتيوس أيضاً اختار رؤساء الأسر الكبيرة رجلاً من السبنيين يدعى نوما بمبيليوس Numa Pompilius ملكاً على روما. والراجح أن السلطة السياسية الحقيقية فيما بين تأسيس روما وسيطرة التسكان عليها كانت في أيدي هؤلاء الرؤساء أو السناتوريين، على حين أن أعمال الملك كانت كأعمال الأركون باسليوس Archon basileus في مدينة أثينا في هذا الوقت عينه، ولا تخرج عن أعمال الكاهن الأكبر(32). وتصور الأقاصيص الملك نوما السبيني في صورة شبيهة بالإمبراطور ماركس أورليوس Marcus Aurilius تصوره فيلسوفاً وقديساً معاً. ويقول عنه ليفي Livi إنه:

"عمل على أن يبعث في قلوب الشعب الخوف من الآلهة، ويجعل ذلك الخوف أقوى أثرًا في قلوب... الأقوام الهمج. وإذ كانت جهوده في هذه السبيل لا توصله إلى الهدف الذي يسعى إليه إلا إذا كان مرجعها إلى حكمة غير حكمة البشر، فقد ادعى أنه كان يلتقي في الليل بإيجيريا Egeria الحورية المقدسة، وإنه يعمل بنصيحتها حين ينظم الطقوس والمراسم الدينية التي هي أحب الطقوس إلى السماء، ويعين الكهنة لكل إله من كبار الآلهة(33).

ولما أفلح توما في توحيد دين قبائل روما المختلفة، وإزالة ما بينها من فروق في العبادات، قوّى بذلك وحدة الدولة وزادها استقراراً(33)؛ ويقول شيشرون إن نوما، حين وجه اهتمام الرومان المولعين بالحرب والقتال إلى شئون الدين، نشر لواء السلام بين شعبه مدى أربعين عاماً(34).

وأعاد خليفته تلس هستليوس Tallus Hostilius إلى الرومان حياتهم العادية التي ألفوها من قبل "ولما رأى أن قوى الدولة آخذة في الانحلال لطول عهدها بالخمول أخذ يتطلع إلى حجة يتذرع بها لإيقاد نار الحرب"(35). واختار عدوًا له مدينة ألبا لنجا التي كانت هي أصل مدينة روما ومنشأها، فغزاها ودمرها عن آخرها. ولما نكث ملك ألبا بوعده أن يحالفه أمر به تلس فشُد إلى عربتين سارتا في اتجاهين متضادين فمزق جسمه إربًا(36). ولم يرَ خليفته أنكس مارتيوس Ancus Martius بأسًا في اتباع هذه الفلسفة العسكرية، فقد كان أنكس يعلم كما يقول ديو كاسيوس Dio Cassius:

أنه لا يكفي من ينشدون السلم أن يمتنعوا عن أذى الناس... بل أنه كلما اشتدت رغبة الإنسان في السلم اشتد تعرضه للأذى. وكان يرى أن الرغبة في الهدوء لا تحمي الإنسان من الأذى إلا إذا صاحبها استعداد للحرب؛ وكذلك كان يعتقد أن الابتهاج بالبعد عن المشاكل الخارجية سرعان ما يقضي على الذين يسرفون في حماستهم لهذا البعد(37).


الفصل الخامس: سيطرة الإتروسكان

وتروي الأقاصيص بعدئذٍ أن دمراتس Demaratus، وهو تاجر ثري نفي من كورنث، جاء ليعيش في تاركويناي حوالي عام 665 ق.م؛ وتزوج بامرأة إتروسكية(38). ثم هاجر ابنه لوسيوس تاركوينيوس Lucius Tarquinius إلى روما وارتفعت مكانته فيها؛ ولما مات أنكس اغتصب العرش أو رفعه عليه حلف من الأسر الإتروسكية في المدينة، والاحتمال الثاني أرجح من الأول. ويقول ليفي Livy إنه أول ملك سعى إلى التاج وألقى خطبة يطلب فيها معونة السوفة أي المواطنين الذين لا يستطيعون أن يثبتوا انتسابهم إلى الآباء الذين أسسوا المدينة. وزاد سلطان الملكية على الأشراف في عهد تاركوينيوس برسكس Tarquinius Priscus، كما زاد نفوذ الإتروسكيين في شئون روما السياسية والهندسية والدينية والفنية. وحارب تاركون السبنيين وانتصر عليهم، وأخضع لاتيوم Latium كلها لسلطانه، ويقال أنه استخدم موارد روما ليجمل بها تاركونياي وغيرها من المدن الإترورية، ولكنه جاء أيضًا بالفنانين الإتروسكيين واليونان إلى عاصمة ملكه وزينها بالهياكل الفخمة ويلوح أنه كان يمثل سلطان الأعمال التجارية والمالية المتزايد على سلطان الأشراف ملاك الأراضي الزراعية.

وحكم تاركون الأول ثمانية وثلاثين عامًا ثم قتله الأشراف غيلة لأنهم أرادوا أن يحدوا من سلطان الملكية ويفرضوا عليها سلطان الدين؛ ولكن تناكويل Tanaquil أرملة تركون تولت الأمر بنفسها، واستطاعت أن ترفع ابنها سرفيوس تليوس Servius Tallius على العرش. ويقول شيشرون إن سرفيوس هذا هو أول ملك روماني استطاع "أن يتولى الملك دون أن يختاره الشعب"(41) أي أن تختاره الأسر الكبيرة. وحكم هذا الملك البلاد حكماً صالحاً، وأنشأ حول روما خندقاً وسوراً ليحميها من الغارات؛ ولكن كبار الملاك لم يرضوا عن حكمه ودبروا المؤامرات لخلعه، فقابل هذا بأن تحالف مع الأثرياء من العامة (Plebs) وأعاد تنظيم الجيش والناخبين ليقي بذلك مركزه، فبدأ بإحصاء السكان والأملاك، وقسّم الأهلين طبقات على أساس ثروتهم لا على أساس مولدهم، فترك بذلك طبقة الأشراف القديمة محتفظة بكيانها، ولكنه رفع تجاهها طبقة من الإكويتي equites ومعناها الفرسان -أي الرجال الذين كان في مقدور كل منهم أن يعد له جوادًا وسلاحًا نخرط بهما في سلك فرقة الفرسان في الجيش , وتبين من الإحصاء أن هناك 80000 شخص يستطيعون حمل السلاح. وإذا قدرنا أن أسرة كل جندي من هؤلاء الجنود تتألف منه ومن زوجة له وولد واحد، وأن لكل أسرة من أربع أسر عبداً رقيقاً، فإنا لا نكون مخطئين إذا قدرنا سكان روما والبلاد المحيطة بها الخاضعة لسلطانها حوالي عام 560 ق.م بنحو 260000 نسمة. وقسم سرفيوس هؤلاء السكان إلى خمس وثلاثين قبيلة جديدة، ورتبها حسب مسكنها لا حسب طبقتها أو ما بينها من صلات القرابة؛ وفعل بذلك ما فعله كليستينز Cleisthenes في أتيكا Attica بعد حيل من ذلك الوقت، فأضعف ما كان للأشراف -أي الطبقة التي كانت تضع نفسها بفضل مولدها فوق سائر الطبقات- من تماسك سياسي وقوة انتخابية. ولما قام تاركون آخر، هو حفيد تاركوينيوس برسكس Taquinius Priscus واتهم سرفيوس بأنه يحكم حكماً غير شرعي، استفتى سرفيوس الشعب فنال "ثقته الاجتماعية" كما يقول ليفي Livy(42)؛ غير أن تاركوين لم تقنعه نتيجة هذا الاستفتاء فعمل على اغتيال سرفيوس، ونادى بنفسه ملكاً على روما.

وأصبحت الملكية في عهد تاركوينيوس سوبربس Tarquinius Superbus "المتكبر" مطلقة السلطان، كما أصبح للإتروسكيين النفوذ الأعلى في البلاد. ولكن الأشراف كانوا من قبل يرون أن الملك Rex إن هو إلا السلطة التي يكل إليها مجلس الشيوخ Senate تنفيذ أحكامه، وأنه الكاهن الأكبر للدين القومي ولذلك لم يستطيعوا أن يصبروا طويلاً على سلطانه غير المحدود. ومن أجل هذا قتلوا تاركوينيوس برسكس ولم يحاولوا الدفاع عن سرفيوس. ولكن هذا الملك الجديد كان شراً من الملك الأول؛ فقد أحاط نفسه بحرس خاص وحقر الأحرار بأن فرض عليهم السخرة شهوراً طوال، وأمر بصلب المواطنين في السوق العامة، وقتل عدداً كبيراً من زعماء الطبقات العليا في البلاد، وحكم حكماً وحشياً ساخراً أغضب جميع أصحاب الرأي فيها . وظن هذا الملك أن النصر في ميدان القتال يكسبه حب الشعب ورضاه، فهاجم الوتليين Rutili والفلشيين Volscians. وبينما كان هو مع الجيش في الميدان اجتمع مجلس الشيوخ وأعلن خلعه (508 ق.م)، وكان ذلك انقلاباً خطيراً في تاريخ روما.


الفصل السادس: مولد الجمهورية

وهنا تستحيل الرواية التاريخية أدباً، ويمتزج نثر السياسة بشعر الغرام. أنظر مثلاً إلى ما يقوله ليفي وهو أن سكستس تاركوين Sextus Tarquin ابن الملك كان في معسكر أبيه في إحدى الليالي يناقش لوسيوس تاركوينيوس كلاتنس Lucius Tarquinius Collatinus أحد أقربائه في فضائل زوجتيهما وأيهما خير من الأخرى، فعرض عليه كلاتنس أن ينطلقا على ظهر جواديهما إلى روما ويفاجئا زوجتيهما بزيارتهما في أواخر الليل. فوجدا زوجة سكستس في وليمة مع بعض صاحباتها، أم لكريشيا Lucritia زوجة كلاننس فكانت تغزل الصوف لتنسج منه ثياباً لزوجها. وتاقت نفس سكتس ليجرب وفاء لكريشيا ويستمتع بحبها، فما كان منه إلا أن عاد في السر بعد بضعة أيام من ذلك الوقت إلى بيت لكريشيا وتغلب عليها بدهائه وقوته. وأرسلت لكريشيا تستدعي أباها وزوجها، وأخبرتهما بما حدث لها، ثم انتحرت بطعنة خنجر. وعلى أثر ذلك أهاب لوسيوس جونيوس بروتس Lucius Junius Brutus أحد أصدقاء كلاتنس بجميع الصالحين من الرجال أن يطردوا آل تاركوين كلهم من روما. وكان هو نفسه ابن أخ الملك، ولكن تاركوين كان قد قتل أباه وأخاه، وتظاهر هو بالجنون حتى يبقي تاركوين على حياته فيثأر لمقتل أبيه وأخيه، ولذلك سمي بروتس Brutus أي الأبله. فلما وقعت هذه الحادثة ركب مع كلاتنس إلى العاصمة ليقص قصة لكريشيا على مجلس الشيوخ، وما زال به حتى أقنعه بوجوب إخراج الأسرة المالكة كلها من روما. وكان الملك في أثناء ذلك قد ترك الجيش وعاد مسرعاً إلى العاصمة، وعلم بروتس بهذا فسار إلى الجيش على جواده وقص عليه مرة أخرى قصة لكريشيا، وكسب بذلك معونته وتأييده. وفر تاركوين إلى بلاد إتروريا وطلب إلى أهلها أن يعدوه إلى عرشه.

ودعيت في روما وقتئذٍ جمعية من أهلها الجنود فاختارت بدل الملوك الذين كانوا يختارون مدى الحياة قنصلين متعادلين في السلطان، كلاهما رقيب على الآخر ومنافس له، يحكمان مدة عام واحد. وتقول الرواية إن القنصلين الأولين كانا بروتس وكلاتنس ولكن ثانيهما استقال من منصبه فاختير بدله ببلوس فالريوس Publius Valirius الذي لقب فيما بعد ببلكولا Publicola -أي "صديق الشعب"- لأنه تقدم إلى الجمعية بعدة قوانين ظلت من القواعد الأساسية في دستور روما وهي: أن كل من يحاول أن ينصب نفسه ملكاً يجوز قتله من غير محاكمة؛ وكل من يحاول أن يتولى منصباً عاماً من غير رضاء الشعب يعاقب بالإعدام؛ وكل مواطن يحكم أحد الحكام بإعدامه أو جلده يحق له أن يعرض أمره على الجمعية. وفالريوس هو الذي سن السنة التي كانت تحتم على القنصل إذا أراد أن يدخل الجمعية أن يفصل رأس البلطة عن مقبضها ويخفضها إشارة إلى سيادة الشعب والى أن عقوبة الإعدام في وقت السلم من حق الشعب وحده.

وأهم نتائج هذه الثورة اثنتان: أولاهما أنها حررت روما من سلطان الإتروسكيين، والثانية أنها استبدلت بحكم الملوك حكم الأشراف الذي ظلوا يحكمونها إلى عهد قيصر. أم الفقراء من المواطنين فلم تنصلح أحوالهم بعد الثورة بل ساءت عما كانت عليه؛ فقد طلب إليهم أن ينزلوا عن الأراضي التي وهبها لهم سرفيوس وخسروا ذلك القسط الضئيل من الحماية من سلطان الأشراف وهو الذي كان لهم في عهد الملكية(47). وقال الظافرون إن الثورة كانت نصراً مؤزراً للحرية، ولكن الحرية في لغة الأقوياء لا يقصد بها في بعض الأحيان إلا التحرر من القيود التي تحول دون استغلال الضعفاء.

وكان إخراج آل تاركوين من روما، مضافاً إلى هزيمة الإتروسكيين على يد المستعمرين اليونان في كومية Cumae عام 524 نذيراً بزوال زعامة الإتروسكيين من وسط إيطاليا. ومن أجل هذا فإنه لما لجأ إليهم تاركوين، استجاب لدعوته لارس بورسنا Lars Porsena، أكبر الحكام في كلوزيوم Clusium فحمع جيشاً كبيراً من مدن إتروريا المتحدة وزحف به على روما. ودبرت في روما نفسها وفي الوقت نفسه مؤامرة ترمي إلى إعادة آل تاركوين إلى عرشها. وقبض على المتآمرين، وكان من بينهم ابنا بروتس، وضرب هذا القنصل لكل من جاء بعده من الرومان أحسن الأمثلة في الجلد والخضوع لحكم القانون؛ إذ شهد بعينه ولديه يجلدان ثم يضرب رأسهما وهو صامت لا ينبس ببنت شفة -أو لعل هذه قصة تروى وليست حقيقة واقعة. ودمر الرومان الجسر العام على نهر التيبر قبل أن يصل إليهم بورسنا. وقد خلد هوراشيس ككليز Horatius Cocles اسمه في الأغاني اللاتينية والإنجليزية بدفاعه عن رأس هذا الجسر . ولكن روما استسلمت لبورسنا(48) على الرغم من هذه الأسطورة وغيرها من الأساطير التي أراد بها المهزومون أن يكللوا هاماتهم بالمجد. ونزلت عن بعض أملاكها إلى فياي Veii والمدن اللاتينية التي كان ملوك روما قد انتهبوها(49). وأظهر بورسنا للمدينة المغلوبة بعض المجاملة إذ لم يطلب إعادة تاركوين إلى عرشها. وكان الأشراف في إتروريا قد طردوا منها أيضاً الملوك، وظلت روما بعد هذه الاضطرابات ضعيفة مدى جيل من الزمان، ولكن ما خلفته الثورة من نتائج ظل باقيًا دائم الأثر.

وقضت هذه الثورة على قوة الإتروسكيين، ولكن آثار النفوذ الإتروسكاني ودلائله ظلت باقية في الحضارة الرومانية إلى آخر أيامها. ولعل أقل هذا النفوذ أثراً هو ما كان في اللغة اللاتينية؛ بيد أن الأرقام الرومانية هي في أغلب الظن أرقام تسكانية(50)، ولعل لفظ رومه نفسه مشتق من اللفظ الإتروسكاني رومون Rumon ومعناه نهر(51). وكان الرومان يعتقدون أنهم أخذوا عن إتروريا الاحتفالات التي كانت تقام عند عودة قائد روماني منتصر، والأثواب الموشاة بإطار أرجواني، والمقعد العاجي (الشبيه بمقاعد العربات) الذي يجلس عليه الحكام، والعصى والفؤوس التي كان يحملها أمام كل قنصل اثنا عشر ضابطاً، والتي كان يرمز بها إلى حقه في ضرب الناس وقتلهم . وكانت عملة رومه تزدان بمقدم سفينة قبل أن يكون لرومه سفن بزمن طويل- وكانت هذه الصورة ترسم على العملة الإتروسكية رمزًا لنشاطها وسلطانها البحري. وكان من عادة الأشراف الرومان من القرن السابع إلى الرابع قبل الميلاد أن يرسلوا أبناءهم إلى المدن الإتروسكية ليتلقوا فيها التعليم العالي، وكان من بين ما يتلقونه فيها من العلوم الهندسة والمساحة والفنون المعمارية(55). وكانت الملابس الرومانية مأخوذة عن الملابس الإتروسكية أو لعل هذه وتلك مأخوذتان عن أصل واحد.

وجاء الممثلون الأولون إلى رومه كما جاء إليها اسمهم historiones من إتروريا. وإذا جاز لنا أن نصدق ليفي فإن تاركوينيوس برسكس هو الذي بنى أول ساحة كبرى Circus Maximus، واستورد خيول السباق والمصارعين للألعاب الرومانية من إتروريا. والإتروسكانيون هم الذين أدخلوا في رومه المصارعات الوحشية، ولكنهم هم الذين وضعوا النساء فيها في منزلة لم تكن لهن في بلاد اليونان. وهم الذين استحالت على أيديهم من مناقع وخمة إلى حاضرة محمية متمدينة. وأخذت رومه عن إتروريا معظم مراسمها الدينية، كما أخذت عنها عادات زجر الطير والعرافة والإنباء بالغيب. ولقد ظلت وظيفة المتنبئ بالغيب جزءاً مقرراً في كل جيش روماني إلى أيام الإمبراطور يوليان Julian (أي إلى عام 363 ب.م) وكان الاعتقاد السائد أن رميولوس Romulus قد خطط حدود رومه حسب المراسم والطقوس الإتروسكية. وعن إتروريا أخذ الرومان حفلات عرسهم وما فيها من رموز إلى عادة الأسر القديمة وحفلات جنائزهم كما أخذوا عنها موسيقاهم وآلات طربهم(56). وكان معظم فناني رومه من الإتروسكيين، كما كان الشارع الروماني الذي يعمل فيه الفنانون يسمى Vicus Tuscus (البيوت الإتروسكية)، ولعل الفنانين أنفسهم قد تسربوا إلى رومه عن طريق لاتيوم من إغريق كمبانيا Campania. وكان فن النحت في رومه متأثراً أعمق الأثر بأقنعة الموتى التي كانت تغطى بها صور الأسر- وهي عادة أخذت من إتروريا.

وزين المثالون الإتروسكانيون هياكل رومه وقصورها بالتماثيل البرنزية وبالصور المجسمة على الآجر والمحفورة فيه. وخلف مهندسو البناء الإتروسكانيون في رومه "طرازاً تسكانياً" لا يزال حتى اليوم باقياً في كنيسة القديس بطرس. ولعل ملوك رومه الإتروسكيين هم الذين شادوا فيها أولى العمارات الكبيرة وحولوها من طائفة من الأكواخ الطينية أو العشش الخشبية إلى مدينة مشيدة من الخشب والآجر والحجارة. ولم تشهد رومه مثل ما شهدته من المباني في عهد الإتروسكيين إلا في عهد قيصر.

ولكن ينبغي لنا ألا نغلو في هذا الوصف. فمهما يبلغ ما أخذته رومه عن جيرانها من الكثرة فقد ظلت في جميع مظاهر الحياة الأساسية محتفظة بطابعها الخاص. وليس في التاريخ الإتروسكاني ما يوحي بمميزات الخلق الروماني، وهي التأديب الذاتي وما فيه من جد، ووقار؛ والقسوة، والجرأة، والوطنية، والإخلاص، والصفتان الأخيرتان هما اللتان استطاع بهما الرومان على طول الزمن أن يفتحوا بلاد البحر الأبيض المتوسط، وأن يحكموها فيما بعد. فلما تحررت رومه من سيطرة الإتروسكيين انفسح المجال أمامها لتمثيل تلك المسرحية الفذة مسرحية عظمة الوثنية ثم اضمحلالها في العالم القديم.