قصة الحضارة - ول ديورانت - م 10 ك 7 ف 35

من معرفة المصادر

صفحة رقم : 14365

قصة الحضارة -> روسو والثورة -> انهيار فرنسا الإقطاعية -> الموت والفلاسفة -> نهاية فولتير

محتويات

الفصل الخامس والثلاثون: الموت والفلاسفة 1774 - 1807

نهاية فولتير

الشفق في فرنيه

كان يناهز الثمانين في 1774، وكانت تغشاه نوبات إغماء في هذه السنين ونحن نسميها حالات بسيطة من النقطة، وقد سماها هو إنذارات صغيرة ولم يعبأ بها، لأنه وطن نفسه على الموت منذ أمد بعيد، ولكنه عمر واستمتع بإعجاب الملوك والملكات. فقد وصفته كاترين الكبرى بأنه "أشهر رجال عصرنا"(1). وكتب فردريك الأكبر في 1775 "أن الناس يتزاحمون ويتجاذبون على شراء تماثيل فولتير النصفية بمصنع البرسلان" في برلين "حيث لا ينتجون التماثيل بسرعة تكفي لتلبية الطلب عليها"(2). وكانت فرنيه قد أصبحت منذ زمان كعبة يحج إليها المثقفون الأوربيين، أما الآن فكانت مزاراً دينياً تقريباً. فاستمع إلى مدام سوار عقب زيارتها لها في 1775 تقول: "لقد رأيت مسيو فولتير، أن نشوات القديسة تريزا لم تفق قط تلك التي استشعرها وأنا أرى هذا الرجال العظيم. فقد بدا أنني في حضرة إله، إله محبوب معبود، استطعت في خاتمة المطاف أن أعرب له عن كل عرفني وكل احترامي"(3). وحين مر بجنيف عام 1776 كاد يخنقه المتحمس الذي التف حوله(4).

وقد واصل اهتمامه بالسياسة والأدب حتى في ثمانيناته. فحيا ارتقاء لويس السادس العرش بمديح تاريخي للعقل، اقترح فيه بأسلوب التنبؤ-بعض الإصلاحات التي تحبب الأجيال القادمة في الحاكم الجديد: "سوف توحد القوانين... وستلغي الوظائف المتعددة (التي يجمع بينها كنسي واحد) والإنفاق الذي لا حاجة إليه... وسيعطي للفقراء الكادحين تلك الثروة الضخمة التي يمتلكها فريق من الكسالى كانوا قد نذروا حياة الفقر من قبل. ولن تعد الزيجات التي تبرمها مائة ألف من الأسر (البروتستانتية) النافعة للدولة نوعاً من التسري، ولا أطفالها أبناء غير شرعيين.. ولن تعاقب الذنوب الصغيرة على أنها جرائم جسيمة.. ولن يستخدم التعذيب... ولن يكون هناك بعد سلطتان (الدولة والكنيسة)، لأنه لا يمكن أن يكون غير واحدة-وهي سلطة قانون الملك في الملكية، وسلطة الأمة في الجمهورية... وأخيراً، سنجرؤ على أن نفوذه بكلمة التسامح"(5). وقد أنجز لويس الكثير من هذه الإصلاحات، فيما عدا الكنيسة منها. وكان لتقواه الصادقة، ولاقتناعه بأن ولاء الكنيسة سند لا غنى عنه اعرشه، يأسف على تأثير فولتير. ففي يوليو 1774 أصدر حكومته تعليماتها لناظر برجنديه الملكي بمراقبة المهرطق العجوز مراقبة يقظة، ومصادرة أوراقه جميعها فور وفاته، وكانت ماري أنطوانيت تتعاطف مع فولتير، وقد بكت حين شهدت تمثيل مسرحية "تانكريد"، وقالت أنها تود أن "تعانق مؤلفها"(6)، فأرسل لها أبياتاً لطيفة.

وقد غمرته نوبة من التفاؤل يوم عين صديقه طورجو مراقباً عاماً للمالية، ولكن حين أقيل طورجو أصابه تشاؤم بسكالي قاتم حول أحوال البشر. ثم استعاد السعادة بتبنيه ابنة، وهي رين فليبرت دفاريكور التي قدمها إليه في 1775 على أنها فتاة تنوي أسرتها إدخالها أحد الأديرة لأنها تشكو فقراً يمنعها من تدبير مهر لها. وقد أدفأ جمالها البريء عظام الشيخ، فأخذها في بيته، وسماها "جميلة وطيبة" ووجد لها زوجاً-هو المركيز دفليت الشاب الموسر. وتزوجا في 1777، وقضيا شهر العسل في فرنيه. كتب يقول "أن العاشقين الشابين بهجة للناظرين، وهما يعكفان على العمل ليل نهار ليصنعا فيلسوفاً صغيراً لي"(7)، ذلك أن الثمانين الأبتر اغتبط لفكرة الأبوة ولو بالأنابة. وكتب أثناء ذلك آخر دراماته "ايرين" ودفعها إلى الكوميدي-فرانسيز. وقد أحدث قبولها (يناير 1778) مشكلة. ذلك أن الفرقة درجت على أن تقدم كل مسرحية حسب تاريخ قبولها، وكانت الفرقة قد تلقت مسرحيتين أخريين ووافقت عليهما قبل مسرحية فولتير-أحداهما بقلم جان فونسوا دلاهارب، والأخرى بقلم نيقولا بارت. وتنازل المؤلفان كلاهما للتو عن حقيهما المقدمين في التمثيل. وكتب بارت إلى الفرقة يقول: "لقد قرأت عليكم تمثيلية جديدة بقام مسيو فولتير وكنتم على وشك النظر في تمثيل مسرحيتي "الرجل ذاته". "وليس أمامكم الآن غير شيء واحد، هو ألا تفكروا في مسرحيتي أكثر من ذلك. وأنا عليم بالإجراء المتبع في هذه الأحوال، ولكن أي كاتب يجرؤ على المطالبة بالتزام القاعدة في حالة كهذه؟ أن مسيو فولتير يقف فوق القانون كأنه ملك. وإذا لم يكن في الإمكان أن أتشرف بتقديم إسهامي في إمتاع الجمهور، فلا أقل من التنحي عن طريق إبهاج الجمهور بمسرحية جديدة من القلم الذي أنشأ "زائير" و "ميروب". أني لأرجو أن تعرضوا هذه المسرحية بأسرع ما تستطيعون وأتمنى لو واصل مؤلفها، مثل سوفوكليس، تأليف التراجيديات حتى يبلغ المائة سناً، ثم يموت كما تحيون أيها السادة-مكللاً بفيض غامر من التصفيق"(8).

فلما بلغ النبأ فولتير داعب في حب الذهاب إلى باريس ليشرف على إخراج مسرحيته. ذلك أنه لم يكن هناك على أية حال حظر رسمي أو صريح على دخوله باريس. وأي بأس في أن يهاجمه رجال الدين من فوق منابرهم؟ أنه ألف ذلك. وماذا لو أقنعوا الملك بزجه في الباستيل؟ حسناً، أنه ألف ذلك أيضاً. فيالها من فرحة أن يرى المدينة الكبرى مرة أخرى بعد أن غدت قصبة التنوير! لكم تغيرت طبعاً منذ فراره الأخير منها قبل ثمانية وعشرين عاماً! التي ملت فرنيه منذ زمن طويل، كثيراً ما توسلت إليه أن يعود بها إلى باريس. وعرض المركيز دفيليت أن يهيئ له أسباب الإقامة المريحة في قصره في شارع بون. وأقبلت الرسائل تترى من باريس صائحة: تعال!

فقرر أن يذهب. فإذا أجهزت عليه الرحلة فإنها لن تفعل أكثر من تقديم نهاية لا مفر منها زماناً يسيراً، فالآن حان وقت الموت. واعترض على الكفرة وحزن خدام بيته، ومشرفو مزرعته، وفلاحو أرضه، والعمال في مستعمرته الصناعية، فوعدهم بأن يعود بعد سبعة أسابيع، ولكنهم كانوا واثقين في حزن أنهم لن يروه بعدها أبداً، وأي خلف له سيعطف عليهم عطفه؟ فلما غادرت القافلة فرنيه (5 فبراير 1778) التف اتباعه من حوله، وبكى الكثير منهم، ولم يستطع هو ذاته أن يملك دموعه. وبعد خمسة أيام، ورحلة ثلاثمائة ميل، وقع بصره على باريس.


تمجيد فولتير

حين بلغت المركبة أبواب باريس فتشها الموظفون بحثاً عن الممنوعات. وقال لهم فولتير مؤكداً "وديني أيها السادة أنني أعتقد أن ليس هنا من ممنوع غير شخصي"(9). ويؤكد لنا سكرتيره فانيير أن سيده "تمتع طوال الرحلة بصحبة سابغة. فلم أره قط أروق مزاجاً، وكان مرحه مبهجاً"(10) للناظرين.

وأعد له جناح في بيت مسيو دفليت في زاوية شارع بون والكي دي تياتر على الضفة اليسرى لنهر تاسين. وفور ترجله من مركبته سار على الرصيف قاصداً بيت صديقه دارجنتال القريب، وكان قد ناهز الثامنة والسبعين. ولم يكن الكونت في بيته، ولكن سرعان ما ظهر في قصر فيليت. وقال فولتير "توقفت عن الموت لآتي واراك". وبعثت إليه صديقة قديمة أخرى بكلمات ترحيب، فرد عليها بتأنقه المألوف في نعي نفسه "لقد وصلت ميتاً، ولا أريد أن أبعث حياً إلا لأرتمي تحت قدمي المركيزة دودفان"(11). وأبلغه المركيز جوكور أن لويس السادس عشر ثائر لمجيئه إلى باريس، ولكن مدام دبولنياك جاءت لتؤكد له أن ماري أنطوانيت ستحميه(12). ورغب الأكليروس في طرده، ولكن لم يوجد في السجلات أي حظر رسمي يحرم زيارة فولتير لباريس، واكتفى لويس برفض رجاء الملكة السماح للكاتب الذي أطبقت شهرته الآفاق بالمثول في البلاط(13).

وحين ذاع في باريس نبأ خروج الرجل الذي حدد الطابع الفكري للقرن الثامن عشر من منفاه الطويل الأمد، تحولت قاعة الأوتيل فيليت إلى بلاط وعرض حقيقيين. وقد قيل أنه في 11 فبراير زاره ثلاثمائة شخص، منهم جلوك، وبلتيني، وطورجو، وتاليران، ومارمونتيل، والسيدات نكير، ودوباري، ودودفان. وأتى فرانكلين في صحبة حفيد له في السابعة عشرة، طالباً بركوة الشيخ الجليل عليه، ورفع فولتير يديه فوق رأس الصبي، وقال بالإنجليزية "يا بني، الله والحرية، تذكر هاتين الكلمتين"(14). فلما استمر سيل الزوار يتدفق يوماً بعد يوم كتب الدكتور ترونشان إلى المركيز دقيليت يقول: "أن فولتير يعيش الآن على رأسماله لا على الفائدة، ولن تلبث عافيته أن تتبدد من جراء أسلوب عيشه هذا. ونشرت هذه الرسالة القصيرة في "الجورنال دباري" في 19 فبراير، لمنع الفضوليين فيما يبدو من الزيارة"(15). أما فولتير نفسه فكان قد تنبأ في فرنيه بما سيكلفه انتصاره: "سأموت بعد أربعة أيام إن كان علي أن أحيا حياة أهل الدنيا"(16).

وخطر لبعض رجال الدين أنهم قد يحققون نصراً كبيراً لو اصلحوا بينه وبين الكنيسة الكاثوليكية. وكان نصف راغب في هذا الصلح، لأنه كان عليماً بأن الذين ماتوا في أحضان الكنيسة هم وحدهم الذين يمكن دفنهم في أرض مقدسة، وكل المقابر في فرنسا كانت أرضها مقدسة. ومن ثم فقد رحب بخطاب ورد له في 20 فبراير من الأبيه جولتييه يطلب مقابلته. وجاء الأبيه في اليوم الواحد والعشرين، وتحدثا برهة، دون نتيجة لاهوتية معروفة. ثم رجت مدام دني الأبيه أن ينصرف، وقال له فولتير أن له أن يحضر ثانية. وفي اليوم الخامس والعشرين أصيب فولتير بنزيف شديد، فنفث الدم من فمه وأنفه حين سعل. وأمر سكرتيرته بأن يستدعي جولتييه. ويقول فاجنيير معترفاً: "لقد أمسكت رسالتي لأنني كرهت أن يقال أن مسيو فولتير قد تخاذل، فأكدت له أن الأبيه لم يمكن العثور عليه"(17). وكان فاجنير عليماً بأن الشكاك في باريس يعللون أنفسهم بأن فولتير لن يستسلم للكنيسة في اللحظة الأخيرة، ولعله سمع بنبوءة فردريك الأكبر، "أنه سيخزينا جميعاً"(18).

وعاده ترونشان وأوقف النزيف، ولكن فولتير ظل يبصق الدم في الأيام الاثنين والعشرين التالية. وفي اليوم السادس عشر كتب إلى جولتييه يقول: "أرجو أن توافيني بأسرع ما تستطيع"(19). وجاء جولتييه في صباح الغد فوجد فولتير نائماً، فانصرف. وفي اليوم الثامن والعشرين سلم فولتير فاجنيير اعترافاً بالإيمان نصه: "إني أموت وأنا أعبد الله، وأحب أصدقائي، ولا أبغض أعدائي، وأكره الاضطهاد"(20). وعاد جولتييه في 2 مارس، وطلب فولتير الاعتراف على يديه، وأجاب الأبيه بأن جان دترساك كاهن سان-سولبيس اشترط عليه أن يحصل على عدول عن آرائه قبل أن يستمع إلى الاعتراف. واعترض فاجنيير. وطلب فولتير قلماً وورقاً، وكتب بخطه:

"أنا الموقع أدناه، نظراً إلى إصابتي في الشهور الأربعة الماضية بتقيؤ الدم، ولما كنت عاجزاً وأنا في الرابعة والثمانين عن جر نفسي إلى الكنيسة، ولما كان كاهن سان سولبيس يريد أن يضيف إلى حسناته حسنة بإيفاد الأبيه جولتييه إلي، فقد اعترفت على يديه، (وأعلن) أنه إذا قبضني الله إليه، فإني أموت على الدين الكاثوليكي الذي ولدت، مؤملاً في رحمة الله أن تغفر لي كل أخطائي، وإذا كنت قد صدمت الكنيسة في يوم ما، فإني أطلب المغفرة من الله ومنها. التوقيع، فولتير، في الثاني من مارس 1778، في بيت المركيز فيليت(21). ووقع المسيو فييليفل والأبيه منيو (ابن أخت فولتير) الإقرار بوصفهما شاهدين. وحمله جولتييه إلى رئيس الأساقفة في ضاحية كونفلانس وإلى كاهن سان-سولبيس، فأعلن كلاهما أنه غير كاف(22). ومع ذلك استعد جولتييه لمناولة القربان لفولتير، ولكن فولتير اقترح تأجيل المناولة قائلاً "أنني أبصق الدم في سعالي باستمرار، ويجب أن نحذر من اختلاط دمي بدم الإله الصالح"(23). ولسنا ندري بأي روح قال هذه الكلمات-أبروح التقوى الصادقة أم بروح النزوة العارضة.

وفي 3 مارس حضر ديدرو، ودالامبير، ومامرونتيل، ليعودوا المريض. فلما جاءه جولتييه في ذلك اليوم يحمل تعليمات من رئيسه بأن يحصل على اعتراف "أقل لبساً وأكثر تفصيلاً" قيل له أن فولتير ليس في حال تسمح له باستقباله. وعاد جولتييه عدة مرات، ولكنه في كل مرة كان يصرفه الحارس السويسري الواقف بالباب. وفي 4 مارس كتب فولتير إلى كاهن سان-سولبيس يعتذر لتعامله مع مرءوس له. وفي 13 مارس استقبل الكاهن، ولكن يبدو ان الزيارة لم تسفر إلا عن تبادل المجاملات(24). ثم توقفت نوبات النزيف أثناء ذلك.. فشعر فولتير بأنه يستعيد عافيته، وفترت تقواه.

وفي 16 مارس مثلت "ايرين" على مسرح التياتر-فرانسيه. وحضر الحفلة كل البلاط تقريباً بما فيهم الملكة. ولم تكن المسرحية مما يرقى إلى مستوى فولتير العادي، ولكنها ظفرت مع ذلك بالثناء باعتبارها إنتاجاً رائعاً لرجل في الرابعة والثمانين. أما فولتير الذي حالت شدة المرض بينه وبين حضور الحفلة فقد كان يحاط علماً باستجابة النظارة فصلاً فصلاً، وفي اليوم السابع عشر جاءه وفد من الأكاديمية الفرنسية يحمل إليه تهنئتها. وفي 21 مارس شعر بأن فيه من العافية ما يسمح له بالخروج راكباً عربته، فزار سوزان دلفري، مركيزة جوفرتيه، التي كانت خليلته. قبل ثلاثة وستين عاماً. وفي الثامن والعشرين زار طورجو.

وكان يوم 30 مارس يومه الأغر. فقد ذهب بعد ظهره إلى اللوفر ليحضر اجتماعاً للأكاديمية. قال دني فون فيزن، وهو كاتب روسي كان يومها في باريس "حين خرج راكباً عربته من بيته رافقها حتى الأكاديمية حشد لا آخر له من الناس الذين لم يكفوا عن التصفيق. وخرج جميع الأكاديميين للقائه"(25). ورحب دالامبير بمقدمة بخطاب اغرورقت له عينا الشيخ. وأجلس فولتير في كرسي الرياسة، وانتخب وسط التصفيق رئيساً لدورة أبريل الربيعية. فلما انتهت الجلسة ودعوه حتى مركبته، التي سارت من هناك بمشقة إلى التياتر-فرانسيه مخترقة حشداً ضخماً يردد الهتاف "يحيى فولتير".

فلما دخل المسرح قام النظارة والممثلون جميعاً لتحياه. وشق طريقه إلى المقصورة التي كانت تنتظره فيها مدام دني والمركيزة دفيليت. فجلس خلفها، ورجاه النظارة أن ييسر لهم رؤيته، فاتخذ مقعداً بين السيدتين. وجاء ممثل إلى المقصورة ووضع إكليلاً من الغار على هامة فولتير، فرفعه ووضعه على رأس المركيزة، ولكنها أصرت على أن يقبله. وارتفعت أصوات بين النظارة تهتف "مرحباً بفولتير!" "مرحباً بسوفوكليس!" "الإجلال للفيلسوف الذي يعلم الناس أن يفكروا!" "المجد للمدافع عن كالاس!"(26) قال جريم، وكان شاهد عيان، "استمرت هذه الحماسة، هذا الهذيان الشامل، أكثر من عشرين دقيقة"(27). ثم عرضت "أيرين" للمرة السادسة. وفي ختام الحفلة طالب النظارة بكلمة من المؤلف، فاستجاب فولتير. ورفع الستارة ثانية، وكان الممثلون قد أخذوا تمثالاً نصفياً لفولتير من البهو ووضعوه على خشبة المسرح، فكلله الآن بالغار، وقرأت مدام فستريس التي لعبت دور أيرين على فولتير أبياتاً في مديحه:

أمام عيون باريس المفتونة بك

تقبل اليوم تحية إجلال

سوف تؤكدها الأجيال الصارمة

من عصر إلى عصر.

كلا، فما من حاجة بك

إلى بلوغ الشاطئ المظلم

لتحظى بشرف الخلود.

فتقبل يا فولتير التاج

الذي قدم إليك،

فما أجمل أن تكون جديراً به

حين تكون فرنسا هي التي تقدمه(28).


وطلب النظارة إعادة الأبيات، فأعيدت. وخلال التصفيق غادر فولتير كرسيه، وأفسح له الجمع الطريق، وقاده إلى مركبته وسط جمهور يفيض حماسة. وجئ بالمشاعل، وأقنعوا السائق بأن يبطئ السير بالمركبة، وصاحبها جمع حتى الأوتيل دفيليت(29). أن تاريخ الأدب الفرنسي بأسره لم يحو قط فيما نعلم مشهداً كهذا.

كتبت مدام فيجيه-لبرون التي شهدت هذا كله تقول: "كان الشيخ الذائع قد شف وهزل حتى لقد خشيت أن تؤذيه هذه العواطف الجياشة أذى مميتاً"(30).

ونصحه ترونشان بالعودة إلى فرنيه بأسرع ما يستطيع، ولكن مدام دني رجت خالها أن يجعل في باريس مقامه الدائم. فوافقها بعد أن أسكرته حرارة استقباله. وامتدح شعب باريس لأنهم أكثر شعوب الأرض مرحاً، وأدباً، واستنارة، وتسامحاً، ولأن لهم أرفع الأذواق، والملاهي، والفنون(31)، ونسي "الرعاع" لحظة، وراح يجوب باريس في مركبته باحثاً عن بيت يسكنه، وفي 27 أبريل اشترى بيتاً. واستشاط ترونشان غيظاً وقال "لقد رأيت حمقى كثيرين في حياتي، ولكن لم أر قط أكثر منه جنوناً. فهو يحسب سيعمر مائة عام"(32).

وفي 7 أبريل أخذ فولتير إلى محفل "الأخوات التسع" الماسوني فقبل عضواً دون أن يلزم باجتياز المراحل التمهيدية المألوفة. وكلل رأسه بأكليل من الغار، وألقى رئيس المحفل خطاباً قال فيه: "إننا نقسم بأن نساعد اخوتنا، ولكنك كنت المؤسس لمستعمرة كاملة تعبدك وتفيض باحساناتك... لقد كنت أيها الأخ المحبوب جداً ماسونياً قبل أن تنال الرتبة، وقد حققت التزامات عضو الماسونية قبل أن تتعهد بالوفاء بها"(33). وفي اليوم الحادي عشر رد زيارة مدام دودفان فذهب ليراها في شقتها بدير سان-جوزيف، وتحسست وجهه بيديها المبصرتين. فلم تجد غير العظام، ولكنها كتبت في اليوم الثاني عشر إلى هوراس ولبول تقول: "أنه يفيض حيوية كالعهد به دائماً. وهو في الرابعة والثمانين، والحق أنني أحسبه لن يموت أبداً. وهو يستمع بجميع حواسه، ولم تضعف منها واحدة. أنه مخلوق فذ، وأسمى في الحقيقة بكثير من سائر الخلق"(34). فلما سمع الراهبات بزيارته نددن بالمركيزة لتدنيسها ديرهن بحضور رجل أدانت الكنيسة والدولة جميعاً(35).

وفي 27 أبريل ذهب إلى الأكاديمية مرة اخرى. ودارت المناقشة حول ترجمة الأبيه دليل لكتاب بوب "رسالة إلى الدكتور أريثنوت"، وكان فولتير قد قرأ الأصل، فهنأ الأبيه على ترجمته، واغتنم الفرصة ليقترح مراجعة "قاموس" الأكاديمية إثراء للغة المعتمدة بمئات الألفاظ الجديدة التي شقت طريقها إلى الاستعمال المهذب. وفي 7 مايو عاد إلى الأكاديمية بخطة للقاموس الجديد. وتطوع بأن يضطلع بجميع الألفاظ المبتدئة بالحرف أ، واقترح أن يتكفل كل عضو بحرف، وعند رفع الجلسة شطرهم "باسم الأبجدية"، ورد المركيز رشاستللوكس "ونحن نشكرك باسم الآداب"(36). وفي ذلك المساء حضر متنكراً حفلة تمثيل لمسرحيته "الزير". وفي ختام الفصل الرابع صفق النظارة للممثل لاريف، وشارك فولتير في الأعراب عن استحسانه "آه ما أروع هذا الأداء!" وتعرف عليه الجمهور، فتجددت مظاهر الحماسة العارمة التي شهدها 30 مارس مرة أخرى.

ولعله خيراً فعل بالاستمتاع يتلك الأسابيع الأخيرة من حياته على حساب صحته، بدلاً من الانزواء في عقر داره وحيداً ليضيف إلى عمره بضعة أيام مؤلمة. وقد عكف بهمة عظيمة على خطته التي اقترحها لوضع قاموس جديد، وأسرف في تعاطي القهوة-فقد بلغ ما شربه من أقداحها في اليوم أحياناً خمسة وعشرين-حتى لقد جفاه النوم ليلاً. وساء حصره أثناء ذلك، وبات التبول أشد إيلاماً وقصوراً، وسرت إلى دمه العناصر السامة التي كان يجب التخلص منها، فأحدثت بولينا في الدم. وأرسل له الدوق رشليو محلولاً من الأفيون أوصى به مسكناً ولكن فولتير أساء فهم الإرشادات فشرب قنينة كاملة منه مرة واحدة (11 مايو)، فأصابه هذيان دام ثماني وأربعين ساعة، وشوه الألم وجهه. واستدعي ترونشان، فأعطاه ما خفف عنه بعض الشيء، ولكن فولتير ظل عدة أيام لا ينطق بكلمة ولا يمسك طعاماً. والتمس أن يعيدوه إلى فرنيه، ولكن أوان ذلك كان قد فات.

وفي 30 مايو قدم الأبيه جولتييه وكاهن سان-سولبيس، مستعدين لمناولته سر الكنيسة المقدس إذا أضاف لاعترافه السابق بالإيمان إيمانه باللاهوت المسيح. وزعمت قصة لم يؤيدها مصدر آخر، وقد رواها كوندورسيه(37)، أن فولتير صاح "بالله لا تكلمني عن ذلك الإنسان!". أما لاهارب فروى أن جواب فولتير كان "دعوني أموت في سلام". أما دنواريستير فقد قبل الرواية العادية: هي أن الكاهنين وجدا فولتير محموماً يهذي، فانصرفا دون أن يناولاه القربان(38). وزعم ترونشان أن ساعات احتضار الفيلسوف اتسمت بالعذاب الشديد وبصيحات الغضب الشديد(39). ثم هدأت نأمته أخيراً في الحادية عشرة من تلك الليلة.

ووضع الأبيه منيو جثمان خاله قائماً في مركبة، وكان قد توقع أن دفنه في مقبرة باريسية سيرفض، وانطلق بها 110 ميلاً إلى دير سكلير في قرية روميي-على-السين هناك قام كاهن محلي بمراسيم الصلاة التقليدية على الجثمان ورتل قداساً مطولاً فوقه، وسمح بدفنه في قبو الكنيسة. وحظر أمر من لويس السادس عشر على الصحف نشر نبأ موت فولتير(40)، وطلبت الأكاديمية الفرنسية إلى الرهبان الفرنسسكان إقامة قداس على روح الميت، ولكن لم يمكن الحصول على إذن بذلك. ورتب فردريك الأكبر، تحية من شاك إلى شاك، أن يقام قداس على روح فولتير في كنيسة كاثوليكية ببرلين، ونظم تأبيناً حاراً لصديقه وعدوه، قرئ على أكاديمية برلين في 26 نوفمبر 1778. وكتبت كاترين الكبرى لجريم تقول:

"فقدت رجلين لم أرهما قط، أحباني، وبجملتهما-فولتير واللورد شاتام. وسيظل القوم زمناً طويلاً جداً، وربما إلى الأبد، يفتقدون من يعدلانهما، ولن يجدوا أبداً من يفوقانهما-خصوصاً أول الرجلين. منذ أسابيع كرم فولتير علانية، والآن لا يجرؤن على دفنه. يا له من رجل! أعظم رجل في أمته، لم لم تأخذ جثمانه باسمى؟ كان ينبغي أن ترسله إلى محنطاً... وكان سيحظى بأفخم مثوى... اشترى مكتبته وأوراقه بما فيها رسائله إن أمكن. وسأدفع لورثته ثمناً مجزياً"(41). وتلقت مدام دني 135.000 جنيه نظير المكتبة التي نقلت إلى أرميتاج سانت بطرسبرج. وفي يوليو 1791، وبأمر الجمعية التأسيسية للثورة، نقل رفات فولتير من دير سكليبر إلى باريس، وطافوا به المدينة في موكب نصر، ثم ووري في كنيسة سانت جنفييف (التي ستسمى بعد قليل بالبانتيون). في ذلك العام أطلق على الكي دي تياتان رسمياً أسم جديد هو الكي د فولتير. وفي مايو 1814 خلال عودة الملكة البوربونية، نقلت جماعة من الغيلان الأتقياء رفات فولتير وروسو من الباتنيون خفية، وأودعته غرارة ودفنته في مقلب بأطراف باريس. ولم يعثر للرفات بعد ذلك على أثر.


تأثير فولتير

أنه يبدأ بلحظات العداء للأكليروس في "أوديب" (1718)، وهو تأثير فعال اليوم على نطاق عالمي تقريباً. وقد رأينا هذا التأثير يحرك الملوك: فردريك الثاني، وكاترين الثانية، ويوزف الثاني، وجويتاف الثالث، وبدرجة أقل شارل الثالث ملك أسبانيا من خلال أراندا، وجوزف الثاني ملك البرتغال من خلال بومبال. ولم يعد له في العالم الفكري في المائتي السنة الأخيرة غير تأثير روسو وداروين.

وبينا كان تأثير روسو الأخلاقي ينحو إلى الحنان، والعاطفة، وإعادة الحياة الأسرية والوفاء الزوجي، وكان تأثير فولتير الأخلاقي ينحو إلى الإنسانية والعدالة، وإلى تطهير القانون والعادات الفرنسية من المفاسد القانونية وألوان القسوة البربرية، فلقد حفز فولتير أكثر من أي فرد آخر تلك الحركة الإنسانية التي أصبحت من مفاخر القرن التاسع عشر. ولا حاجة بنا أن أردنا الإحساس بتأثير فولتير في الأدب إلا لتذكر فيلاند، وكلجرين، وجوته، وبايرون، وشلي، وهيني، وجوتييه، ورينان، وأناطول فرانس. ولولا فولتير لاستحال ظهور جبون؛ ويعترف المؤرخون بقيادته وإلهامه في التقليل من التركيز على جرائم الناس والحكومات وزيادة الاهتمام بتنميته المعرفة، والأخلاق، والسلوك، والأدب، والفن. وقد شارك فولتير في إنداب الثورة الفرنسية بإضعاف احترام الطبقات المثقفة للكنيسة وإيمان الطبق الأرستقراطية بحقوقها الإقطاعية. ولكن تأثير فوليتر السياسي بعد عام 1789 طغى عليه تأثير روسو. فقد بدا فولتير شديد المحافظة، شديد الازدراء لجماهير الشعب، شديد الاتسام بطابع السادة الإقطاعيين؛ وقد رفضه روبسير. أما بونابرت فأحس التأثيرين في تعاقبهما العادي. قال متذكراً تلك الحقبة "كنت حتى عامي السادس عشر على استعداد لمقاتلة أصدقاء فولتير دفاعاً عن روسو، أما اليوم فقد انعكس موقفي.. فكلما أمعنت في قراءة فولتير ازددت شغفاً به. فهو رجل معقول دائماً، لا بالمهرج ولا بالمتعصب أبداً"(42). وبعد عودة ملوك البوربون أصبحت مؤلفات فولتير أداة للفكر البورجوازي ضد النبلاء والأكليروس المنبعثين من جديد. وقد صدرت بين عامي 1718 و1829 أثنتا عشرة طبعة من مجموعة أعماله. في تلك السنوات الإثنتي عشرة بيع من كتب فولتير نيف وثلاثة ملايين مجلد(43). ثم أسلمت الحرب الشيوعية التي تزعمها ماركس وإنجلترا القياد مرة أخرى لروسو. ويمكن القول بوجه عام أن الحركات الثورية منذ 1848 تبعت روسو أكثر من فولتير في السياسة، وتبعت فولتير أكثر من روسو في الدين.

وكان عمق تأثير لفولتير وأبقاه على الزمن تأثيره على الإيمان الديني. فبفضله وبفضل شركائه تجنبت فرنسا حركة الإصلاح الديني البروتستانتي، وانتقل رأساً من النهضة إلى التنوير، وربما كان هذا أحد أسباب العنف الشديد التي رافق التغيير، إذ لم يكن هناك فترة توقف عند البروتستانتية. وقد شعر بعض المتحمسين أن حركة التنوير في جملتها كانت إصلاحاً أعمق من ذلك الذي أحدثه لوثر وكلفن، لأنها لم تكتف بتحدي مغالاة الكهانة والخرافة فقط، بل تحدت صميم أسس المسيحية، لا بل كل العقائد فوق الطبيعية. وقد جمع فولتير في صوت واحد كل ضروب الفكر المناهض للكاثوليكية، وأضفى عليها مزيداً من القوة بفضل الوضوح والتكرار وخفة الروح، حتى لقد بدا حينا كأنه قد هدم الهيكل الذي ربي فيه. وقد حركت جماعة الفلاسفة الطبقات المفكرة في العالم المسيحي كله صوب ربوبية مهذبة أو إلحاد مستتر. وتأثير جيل جوته من الشباب في ألمانيا بفولتير تأثراً عميقاً وذهب جوته إلى أن "فولتير سيعد دائماً أعظم رجل في أدب العصور الجديدة، بل ربما جميع العصور"(44). وفي إنجلترا أحست أقلية لامعة بتأثير فولتير-جودوين، وبين، وماري وولستونكرافت، وبنتام، وباريون، وشلي؛ ولكن يمكن القول عموماً إن الربوبية الإنجليزية سبقته فقللت من حدة تأثيره، ثم أن السادة الإنجليز شعروا بأنه ليس هناك عقل مثقف يرضى بالهجوم على دين يهب مثل هذا العزاء المهدئ للطبقات الأضعف والجنس الأضعف. أما في أمريكا فإن الآباء المؤسسين كانوا كلهم تقريباً تلاميذ لفولتير. وهناك وفي إنجلترا غطى تأثير داروين والبيولوجيا الحديثة على تأثير فولتير في إضعاف الإيمان الديني، وفي عصرنا هذا يعاني اللاهوت المسيحي أكثر ما يعاني من وحشية حروبنا التي لا نظير لها، واقتحامات العلوم الظافرة التي تغزو تلك السماوات التي كانت يوماً ما مسكن الآلهة والقديسين. ونحن مدينون لفولتير أكثر من أي إنسان آخر بذلك التسامح الديني الذي يسود الآن أوربا وأمريكا الشمالية سيادة فلقة. ولقد رأى فيه أهل باريس لا مؤلف الكتب الفاصلة بين جيلين، بل المدافع عن كالاس وسرفان, ولم تجرؤ محكمة في أوربا بعده على تحطيم جسد رجل على دولاب التعذيب لتهم وأدلة كتلك التي أدانت جان كالاس. صحيح أن كتباً مثل "أميل" ظلت تحظر وتحرق، ولكن رمادها أعان على بث أفكارها. وتقلصا الرقابة الدينية حتى انتهى بها الأمر إلى الإقارا بالهزيمة في صمت. وإذا اضطر أبناؤنا يوماً إلى خوض معركة تحرير الفكر من جديد، وهو أمر يبدو جائزاً، فليلتمسوا الإلهام والتشجيع في كتب فولتير التسعة والتسعين. ولن يجدوا فيها صفحة واحدة تبعث على الملل.


خاتمة روسو 1767 - 1778

روح المعذب

حين وصل روسو إلى فرنسا في 22 مايو 1767 بعد مقامه التعس في إنجلترا، وبعد أن أشرف على الجنون، وجد بعض العزاء في الترحيب الذي لقيه من المدن التي اجتاز بها هو وتريز. ومع أنه سافر متخفياً تحت اسم جان- جوزف رينو، وكان لا يزال من الناحية القانونية خاضعاً للحظر الذي صدر ضده في 1762، إلا أن القوم تبينوه وكرموه، واستقبله أميان استقبال الظافرين، وأرسلت له مدن أخرى "نبيذ المدينة". وعرض عليه كثير من الفرنسيين- وكلهم من النبلاء- بيتاً يقيم فيه. أولهم ميرابو الأب، الذي خيره بين عشرين ضيعة، فاختار روسو فلوري- سو- مودون، القريبة من باريس. ولكن المركيز ألح عليه إلحاحاً مزعجاً ليقرأ كتبه، فهرب روسو، ولجأ إلى لوي- فرانسوا البوربوني، أمير كونتي، في ترييه- لو- شاتو، القريبة من جيزور (21 يونيو 1767). ووضع الأمير القلعة بأسرها تحت تصرف جان- جاك، بل إنه أوفد الموسيقيين ليشنفوا أذنيه بالموسيقى الهادئة؛ وفسر روسو هذا بأنه اتهام له بالجنون، وخامره الظن بأن شوازيل والكونتيسة بوفليه (خليلة الأمير) انضما إلى فولتير، وديدرو، وجريم، في التآمر عليه؛ والواقع أن فولتير كان قد اتهمه بإشعال النار في المسرح بجنيف، الذي احترق وأصبح أنقاضاً في 29 يناير 1768(45). واعتقد روسو أن كل من في جيزور ينظر إليه كأنه مجرم. وتاق إلى العودة لجنيف، وكتب إلى شوازيل يرجوه إقناع مجلس جنيف بأن يكفر لروسو عن الإساءات الماضية التي ألحقها به(46).

وأرسل إليه شوازيل تصريحاً رسمياً بالسفر إلى أي بقعة يريدها في فرنسا، وبأن يبرحها ويعود إليها متى شاء(47). وخطر لروسو الآن أن يعود إلى إنجلترا، فكتب إلى ديفنبورت يسأله أن كان يسمح له بأن يشغل ثانية بيت ووتن، وأجاب ديفنبورت بأنه يسمح بكل تأكيد. ثم هرب روسو من تري في يونيو 1768 خوفاً على حياته فيها، وترك تريز في القصر الريفي ضماناً لسلامتها. واستقل مركبة عامة إلى ليون، وأقام حيناً مع أقرباء دانيل روجن الذي كان قد وفر له الملجأ في 1762 في سويسرة. على أنه ما لبث أن اعتزل في فندق الجولدن فونتن في بورجوان- أن- دوفينه. وعلى باب حجرته كتب قائمة بالأشخاص الذين يعتقد أنهم يأتمرون به. ثم أرسل في طلب تريز، واستقبلها بالفرح والدموع، وقرر آخر الأمر أن يتزوجها. وقد تم هذا القران في حفل مدني بالفندق في 30 أغسطس 1768. وفي يناير 1769 انتقلا إلى بيت بمزرعة في موكان، قرب جربنوتل. وهناك كتب آخر صفحات، "الاعترافات"، وهي صفحات نصف مجنونة، وراح يهدئ أعصابه بدراسة علم النبات. ووجدت تريز أن طبعه يزداد حدة، وكانت هي ذاتها تعاني من الروماتزم والأوصاب الغامضة التي تصاحب أحياناً "تغيير المعيشة". وتشاجر الزوجان الحديثان مشاجرة بلغ من شدتها أن حملت روسو على الرحيل في رحلة طويلة لجمع النبات ودراسته بعد أن ترك لها خطاباً ينصحها بدخول الدير (12 أغسطس 1769)(48). فلما عاد ووجدها تنتظره تجدد حبهما. وندم الآن على انه تخلص من أطفالها. وأحس "أن الرجل الذي يستطيع تربية أولاده تحت بصره رجل سعيد جداً(49). وكتب إلى أم شابة يقول: إن أجمل أسلوب في الحياة يمكن أن يوجد هو أسلوب الأسرة.. فما من شيء يندمج معنا بأشد وأثبت من أسرتنا وأبنائنا... ولكن أنا الذي يتكلم على الأسرة والأبناء- ... سيدتي، أرثي لأولئك الذين يحرمهم قدرهم القاسي من هذه السعادة، أرثي لهم إن كانوا عاثري الحظ فقط، ومزيداً من الرثاء لهم إن كانوا مذنبين!"(50).

وكان الشتاء الذي قضته الأسرة في موكان شاقاً في بيت ريفي يقع في مهب الرياح كلها. والتمست تريز منه الرحيل إلى باريس. وهكذا استأنف الزوجان أسفارهما الطويلة في 10 أبريل 1770 وأنفقنا شهراً لطيفاً في ليون، حيث مثلت أوبريت روسو عراف القرية، جزءاً من احتفال أقيم تكريماً له. ثم سافرا في مراحل بطيئة مخترقين ديجون، ومونبار، وأوجزيز ثم بلغا باريس في خاتمة المطاف في 24 يونيو 1770. وأقاما في الطابق الرابع من نزله القديم في الأوتيل سانت اسبري، بشارع بلاتريير- واسمه الآن شارع جان- جاك روسو في حي من أشد أحياء المدينة ضجيجاً. وعاش عيشة متواضعة هادئة، يتكسب بنسخ الموسيقى ويدرس النبات، وكتب الآن (21 سبتمبر 1771) إلى لينايوس رسالة يعرب فيها عن إجلاله(51). فلما ذاع أنه يقيم في باريس خف لزيارته قدامى الأصدقاء ومريدوه الجدد: الأمير لين (الذي عرض عليه بيتاً في ضيعته قرب بروكسل)، وجريتري، وجلوك (الذي حاء ليناقش الموسيقى معه). والمسرح جولدوني، والمغنية صوفي أرنو، وجوستاف ولي عهد السويد، وشباب المؤلفين من أمثال جان- جوزف دوزو، وجاك- هنري برناردان دسان- بيير. وفي 1777 نال ما اشتهاه فولتير ولم ينله- وهو زيارة من الإمبراطور يوزف الثاني(52). ورد إليه تصريح الدخول إلى دار الأوبرا مجاناً، فكان يختلف إليها من حين لحين، ليسمع جلوك على الأخص. ووصفه برناردان دسان- بيير في هذه الحقبة (وكان الآن في الستين)بأنه رقيق البدن، متناسب الأعضاء، وله "جبين عال، وعينان متقدمتان. وفي غضون الجبين حزن عميق، ومرح حاد بل كاو"(53).

وقد استفزه للعودة إلى القلم- رغم وعده عام 1762 بالكف عن التأليف - اتصال هجوم أعدائه عليه. وكان في سبيل الرد عليهم، وعلى كل ما دار حوله من شائعات معادية في باريس وجنيف، وقد اضطلع بكتابه "الاعترافات" (1765) ومن ثم أتم الكتاب الآن (نوفمبر 1770)، ومع أن روسو كان حتى ذلك الحين عازفاً عن نشره كاملاً، إلا أنه صمم على أن تطلع باريس على أجزائه المتصلة لهذه الهجمات. وهكذا قرأ في ديسمبر على مسامع دوزو وغيره، وفي حجرته، فقرات طويلة من أعظم كتاب ألفه، واستمرت القراءة سبع عشرة ساعة قطعتها وجبتان خفيفتان عاجلتان(54). وفي مايو 1771 قام بتلاوة أخرى أمام الكونت والكونتيسة أجمون، والأمير بيناتللي أجمون، والمركيزة دميم، والمركيز جوينيه، واختتم بتحد من نار: "لقد كتبت الحقيقة. فإذا سمع أي شخص أشياء مناقضة لما قررته الآن، حتى إذا أثبتت ألف مرة، فهو لم يسمع سوى تشهير وافتراء، وإذا رفض بتاتاً أن يمحصها ويراجعها معي وانا حي فهو ليس صديقاً للعدالة أو الحق. أما عن نفسي فإني أعلنها صريحة دون أدنى خوف أن كل من دقق النظر في بعينيه- طبعي، وخلقي، وسلوكي، وميولي، ولذاتي، وعاداتي- حتى بغير قراءة كتبي، ثم حكم علي بأنني رجل غير شريف إنما يستحق أن يشنق"(55).

والذين استمعوا إليه استنتجوا من شدة انفعاله أن عقله يوشك أن يختلط. وقال دوزو أن شكوك روسو واتهاماته لا تليق "بجان جاك الرجل السمح الفاضل"، فكان هذا النقد نهاية صداقتهما(56). وحمل غيره من المستمعين أصداء هذه القراءات إلى صالونات باريس، وأحس بعض ذوي النفوس الحساسة أن روسو قد افترى عليهم. وكتبت مدام ديبنيه إلى مفتش عام الشرطة تقول: "يجب أن أحيطك علماً مرة أخرى بأن الشخص الذي حدثتك عنه صباح أمس قد قرأ كتابه على السادة دورا، وييزيه، ودوز. ومدام يستخدم هؤلاء الرجال ليأتمنهم على القذف والتشهير فإن لك الحق في أن تحيطه برأيك في هذا الأمر. ويخيل إلي أنه ينبغي أن تكلمه بما يكفي من التلطف حتى لا يشكو، ولكن بحزم يثنيه عن العودة إلى خطئه. فإذا حصلت على كلمة شرف منه فإني أعتقد أنه لن يحنث بها. معذرة ألف مرة، ولكن سلامي النفسي كان في خطر"(57).

وطلبت الشرطة إلى روسو أن يكف عن قراءات، فوافق، وخلص إلى أنه لم يستطع قط أن يظفر بالاستماع المنصف إليه في حياته، وأعان شعور الإحباط هذا على اختلاط عقله. وبعد عام 1772 أغلق بابه دون الزوار كافة تقريباً عدا برناردان دسان- بيير. وكان في جولاته منفرداً يخامره الظن بأن كل من يمر به تقريباً عدو له. وفيما عدا أشباح العداء هذه فإنه احتفظ بطبيعته الطيبة الأصلية. فاكتتب رغم مقاومة فولتير في المال المجموع لإقامة تمثال له. وحين أرسل إليه أحد الآباء الروحيين كراسة تندد بفولتير وبخ الكاتب قائلاً: "لا ريب في أن فولتير رجل رديء وليس في نيتي أن أثني عليه، ولكنه قال وفعل أشياء طيبة كثيرة جداً بحيث ينبغي أن نرخي الستار على أخطائه"(58).

وحين كان ينصرف فكره عن "المؤامرة" التي يتخيلها من حوله، كان في استطاعته أن يكتب بوضوح كالعهد به من قبل، وبروح مدهشة من المحافظة والواقعية وقد رأينا كيف التمس المؤتمر البولندي المنعقد عام 1769 اقتراحاته بشأن دستور جديد. وقد بدأ كتابه "آراء حول حكومة بولندة" وفي أكتوبر 1771، انتهى منه في أبريل 1772. وأول انطباعاتنا عنه أنه يخرق جميع المبادئ التي دافع عنها من قبل دفاعاً مشبوباً. فإذا أعدنا قراءته في شيخوختنا كان عزاء لنا أن نرى أن روسو (وقد بلغ الستين) يمكن أن يشيخ هو أيضاً، وأن ينضج- كما يحب الشيوخ أن يقولوا. فالرجل الذي صرخ قائلاً "ولد الإنسان حراً، وهو في كل مكان يرسف في الأغلال" هذا الرجل بعينه نبه الآن البولنديين، الذين حكم عليهم "حق النقض المطلق" بالفوضى، إلى أن الحرية امتحان عسير كما أنها عطية إلهية، وأنها تحتاج إلى مجاهدة للنفس أشق كثيراً من طاعة الأوامر الخارجية. قال:

"إن الحرية طعام قوي، ولكنه طعام يحتاج إلى هضم متين.. إنني أضحك من تلك الشعوب المنحطة التي تثور لمجرد كلمة من متآمر دساس، والتي تجرؤ على التحدث عن الحرية وهي تجهل كل الجهل ما تعنيه، والتي تتصور أنه لكي يتحرر الإنسان يكفي أن يكون ثائراً متمرداً. أيتها الحرية المقدسة السامية! ليت هؤلاء المساكين يعرفونك حق المعرفة، ليتهم يتعلمون أي ثمن يبذل للظفر بك ولصيانتك، وليت في الإمكان تعليمهم أن قوانينك أشد صرامة من نير الطغاة الثقيل!"(59).

لقد علمت الحياة ومونتسكيو روسو أن مناقشات مثل "عقده الاجتماعي" إنما هي أحلام تعوم في الفراغ ونظريات مجردة لا ترتكز على الواقع. لذلك سلم الآن بأن جميع الدول تضرب جذورها في التاريخ والظروف، وأن مصيرها الفناء أن هي قطعت جذورها دون تمييز. ومن ثم فقد نصح البولنديين بألا يدخلوا تغييرات فجائية على دستورهم، وبأن يحتفظوا بملكهم المنتخب على ان يقيدوا حق النقض المطلق، وبالكاثوليكية ديناً رسمياً للدولة مع تطوير نظام تعليمي يستقل عن الكنيسة(60). وقد بدت له بولندة بحال مواصلاتها ووسائل نقلها الراهنة أوسع من أن تحكم من مركز واحد، فمن الخير إذن تقسيمها إلى ثلاث دول تتحد فقط في الاتصالات المشتركة والشئون الخارجية. ومن عجب أن الرجل الذي ندد من قبل بالملكية الخاصة أصلاً للكل الشرور، كرس الآن الإقطاعية البولندية، واقترح فرض الضرائب على جميع الأراضي، على أن تترك حقوق الملكية الراهنة دون مساس بها، ثم أعرب عن أمله في أن تلغى القنية يوماً ما، ولكنه لم يدع إلى إنهائها في وقت قريب، فهذا في رأيه يجب أن يؤجل إلى أن يتاح للقن مزيد من التعليم. وقد أكد أن كل شيء رهن بنشر التعليم، وتعزيز الحرية بأسرع من تعزيز الذكاء والأخلاق معناه فتح الباب على مصراعيه للفوضى وتقسيم البلاد.

غير أن التقسيم تم قبل أن يتمكن روسو من إنهاء مقاله، فالسياسة العملية تجاهلت تشريعه الفلسفي في بولندة كما تجاهلته في كورسيكا. وقد شارك هذا الإحباط المزدوج في تكدير سنيه الأخيرة، وزاد من حدة احتقاره لجماعة الفلاسفة الذين أثنوا من قبل على أولئك الحكام- فردريك الثاني، وكاترين الثانية، ويوزف الثاني- الذين يقطعون الآن أوصال بولندة، وامتدحهم باعتبارهم حكاماً مستبدين مستنيرين وملوكاً فلاسفة. وفي 1772 بدأ محاولة أخرى للرد على خصومه وسمي الكتاب "حوارات: روسو يحاكم جان جاك". وقد عكف على هذا الكتاب الذي بلغت صفحاته 450 فترات متقطعة على مدى سنين أربع، وكان الظلام يغشى عقله أكثر فأكثر كلما مضى فيه. وقد رجت المقدمة القارئ أن يقرأ الحوارات الثالثة قراءة دقيقة شاملة، "انظر إلى هذا التفضل الذي يطلبه منك قلب أثقله الحزن على أنه دين إنصاف تفرضه السماء عليك"(61). وقد اعترف بما يشوب الكتاب من "إسهاب مفرط وتكرار، وحشو، وفوضى"(62)، غير أن مؤامرة اتصلت خمسة عشر عاماً- فيما زعم- للنيل من سمعته، ولا بد أن يبرئ نفسه قبل أن يموت. وقد نفى وجود أي تضارب بين الفردية "الأحاديث وجماعية العقد الاجتماعي"، وذكر قراءه أن لم يرغب قط في أن يقضي على العلوم والفنون ويرتد إلى الهمجية. ووصف مؤلفاته- لا يما "جولي" و "أميل"- بأنها غنية في الفضيلة والحنان، وتساءل كيف يمكن أن يؤلف مثل هذه الكتب فاسق أنهكه المرض كما صوره المنتقصون من قدره(63). واتهم أعداءه بأنهم أحرقوا دمية تصوره، وبأنهم ألفوا السرينادات عنه للهزء به(64)وشكا من أنهم، حتى الآن، يراقبون كل زواره ويحرضون جيرانه على إهانته(65). ثم كرر قصة ميلاده، وأسراه، وصباه، ووصف رقة خلقه ونزاهته، ولكنه اعترف بما فيه من كسل، و "ميل إلى أحلام اليقظة"(66)، ونزوع إلى أن يخلق في جولاته منفرداً عالماً وهمياً يستطيع أن يسعد فيه ولو للحظة. وعزى نفسه بهذه النبوءة "أنا واثق من أنه سيأتي يوم يبارك فيه الناس الطيبون الشرفاء ذكراي ويبكون على مصيري"(67). ثم أضاف إلى الحوار الأخير فصلاً عنوانه "تاريخ هذا الكتاب" ذكر فيه كيف أنه لكي يلفت نظر باريس وفرساي لكتابه اعتزم أن يودع نسخة من المخطوط، موجهة إلى العناية الإلهية، على المذبح الأعلى في كاتدرائية نوتردام. وقد حاول هذا في 24 فبراير 1776، فلما وجد المذبح مسدوداً بدرابزين، حاول الدخول إليه من جانبيه، فلما وجدهما مقفلين أصابه دوار، وخرج عدواً من الكنيسة، وراح يضرب على غير هدى ساعات في الشوارع في شبه هذيان قبل أن يبلغ مسكنه"(68). ثم كتب نداء للشعب الفرنسي عنوانه "إلى جميع الفرنسيين الذين مازالوا يعشقون العدل والحق" ونسخ صوراً منه على إعلانات وزعها على المارة في الشوارع. وقد رفضها العديد منهم قائلين أنه ليس موجهاً إليهم(69). فأقلع عن محاولاته. واستسلم للهزيمة.

وهدأت الآن ثائرته بعد أن راض نفسه على الإذعان. وكتب في هذه الفترة (1777- 78) أجمل كتبه "أحلام جواب منفرد" فروى كيف أن أهل موتييه رفضوه وحصبوا بيته، وكيف اعتكف في الأيل دسان تبيير في بحيرة بيين. وهناك وجد السعادة، ثم راح- بعد أن استرجع ذكرى تلك الخلوة- يصور المياه الهادئة، والجداول المتدفقة، والجزيرة تغطيها الخضرة، والسماء الكثيرة الصور والأشكال. وقد عزف على نغمة رومانسية جديدة بإلماعه إلى أن الروح المتألمة قد تجد دائماً في الطبيعة شيئاً يستجيب لمزاجها. ونحن نسأل أنفسنا حين نقرأ تلك الصفحات، أيستطيع رجل نصف مجنون أن يكتب بهذا الإتقان، وبهذا الوضوح، وأحياناً بهذا الهدوء والصفاء. ولكن الشكاوي القديمة تعود إلى الظهور، وينوح روسو من جديد لأنه نبذ أطفاله، وأنه لم يؤت الشجاعة البسيطة التي تمكنه من تربية أبنائه. وقد رأى طفلاً يلعب، فعاد إلى حجرته و"بكى وكفر عن ذنبه"(70). وفي تلك السنين الأخيرة التي قضاها في باريس كان ينظر بعين الحسد إلى ذلك الإيمان الديني الذي سماه بحياة العامة من الناس المحيطين به إلى مسرحية من الموت والبعث. وكان أحياناً يختلف إلى خدمات الصلاة الكاثوليكية. وقد زار ديراً مع برناردان دسان- بيير، وسمع الرهبان يتلون ابتهالاً فقال "آه؛ ما أسعد الإنسان الذي يستطيع أن يؤمن"(71). إنه لم يستطع أن يؤمن(72)، ولكنه حاول أن يسلك كمسيحي، ويتصدق، ويفتقد المرضى ويواسيهم(73). وقد قرأ وكتب حواشي على كتاب توماس أكمبيس "الاقتداء بالمسيح".

ثم خف إحساسه بالمرارة في نفسه بدنو أجله. وحين وصل فولتير إلى باريس فانهالت عليه أسباب التكريم، شعر روسو بالغيرة منه ولكنه تكلم بخير عن عدوه القديم. ووبخ أحد معارفه الذي سخر من تتويج فولتير في التياتر- فرانسيه فقال: "كيف تجرؤ على السخرية من التكريم الذي بذل لفولتير في الهيكل الذي هو ربه، وبيد الكهان الذين ظلوا خمسين سنة يعيشون على روائعه؟"(74). ولما سمع بأن فولتير يحتضر قال متنبئاً "كانت حياتانا مرتبطتين الواحدة بالأخرى، ولن يطول عمري بعده"(75).

وحين بدأ ربيع 1778 يزهر طلب بيتاً في الريف، فدعاه المركيز رينيه دجيراردان ليسكن كوخاً على مقربة من قصره الريفي في ارمينونفيل، على نحو ثلاثين ميلاً من باريس. وذهب إليه جان- جاك وتريز في 20 مايو، وهناك راح يجمع العينات النباتية ويعلم النبات لابن المركيز البالغ من العمر عشر سنين. وفي أول يوليو تعشى بشهية مع أسرة مضيفة. وفي صباح الغد أصيب بالنقطة ووقع على الأرض. فرفعته تريز إلى فراشه، ولكنه وقع منه، واصطدم بالأرض المبلطة صدمة حادة أحدثت قطعاً في رأسه تدفق منه الدم، وصرخت تريز مستغيثة، فحضر المركيز، ووجد أن روسو قد فاضت روحه.

ولاحقته الافتراءات إلى النهاية. فأذاع جريم وغيره القصة التي زعمت أن روسو انتحر. وأضافت مدام دستال فيما بعد أنه قتل نفسه حزناً حين اكتشف خيانة تريز. وفاقت هذه القصة غيرها قسوة، لأن تعقيب تريز عقب موته بقليل كشف عن حبها له. قالت "إن لم يكن زوجي قديساً فمن يستطيع أن يكون؟" ووصف غير ذلك من الشائعات روسو بأنه مات مجنوناً، ولكن كل الذين كانوا معه في أيامه الأخيرة تلك وصفوه بالهدوء والصفاء. وفي 4 يوليو 1778 ووري الثرى في جزيرة الحور في بركة صغيرة على ضيعة جيراردان. وظلت جزيرة الحور هذه طويلاً كعبة يحج إليها الأتقياء، فأمها المجتمع العصري كله- حتى الملكة- للصلاة على قبر روسو. وفي 11 أكتوبر 1794 نقل رفاته إلى البانتيون حيث ثوى إلى جوار رفات فولتير.

ومن ذلك المرفأ الذي نعما فيه بسلام الجوار نهضت روحاهما لتجددا حربهما في سبيل الثورة، وفرنسا، والإنسان الغربي.


تأثير روسو

وهكذا ننتهي كما بدأنا بالتأمل المعزز بالدليل الآن، في ذلك الأثر الذي لا يصدق، والذي خلفه روسو في أدب القرن الذي بدأ بموته، وفي بيداجوجيته وفلسفته، ودينه، وأخلاقه، وعاداته، وفنه، وسياسته. والكثير مما كتب يبدو اليوم أن فيه غلواً، أو إسرافاً في العاطفة، أو سخفاً، و "الاعترافات" و "أحلام اليقظة" فقط هما اللذان يحركان مشاعرنا، ولكن حتى الأمس كانت كل كلمة من كلماته تسمع في ميدان أو آخر من ميادين الفكر الأوربي أو الأمريكي. إن روسو كما قالت مدام دستال "لم يخترع شيئاً، ولكنه أشعل النار في كل شيء"(76).

فأول شيء بالطبع هو أنه كان بمكانة الأم من الحركة الرومانتيكية. وقد رأينا غيره كثيرين يبذرون بذرتها. "طومسون، وكولنز، وجراي، ورتشردسن، وبريفو، والمسيحية ذاتها، التي يعد لاهوتها وفنها أعجب ضروب الرومانسية قاطبة. ولكن روسو أنضج البذار في مستنبت عواطفه الدافئ، وأسلم لنا الثمرة مكتملة النمو خصبة منذ مولدها، وفي "الأحاديث" و "العقد الاجتماعي" و "أميل" و "الاعترافات". ولكن ما الذي سننيه بالحركة الرومانتيكية؟ تمرد الزجدان على الفكر، والغريزة على العقل، والعاطفة على الحكم، والذات على الموضوع، والنزعة الذاتية على الموضوعية، والوحدة على التجمع، والخيال على الواقع، والخرافة والأسطورة على التاريخ، والدين على العلم، والتصوف على الشعائر، والشعر والنثر الشعري على النثر والشعر النثري، والفن القوطي المحدث على الكلاسيكي المحدث، والأنثوي على الرجولي، والحب الرومانسي على زواج المصلحة، و "الطبيعة" و "الطبيعي" على المدنية والتكلف، والتعبير العاطفي على الضوابط العرفية، والحرية الفردية على النظام الاجتماعي، وتمرد الشباب على السلطة، والديموقراطية على الأرستقراطية، والإنسان في مواجهة الدولة- وباختصار، تمرد القرن التاسع عشر على الثامن عشر، أو بعبارة أكثر تحديداً، الفترة 1760- 1859 على 1648- 1760: هذه كلها أمواج للمد الرومانتيكي العظيم الذي اكتسح أوربا فيما بين روسو وداروين.

ولقد وجد كل من هذه العناصر تقريباً في روسو تعبيراً وتأييداً، ووجد بعض الدعم في حاجات العصر وروحه. ذلك أن فرنسا كانت قد ملت الفكر الكلاسيكي والانضباط الأرستقراطي. فأتاح تمجيد روسو للوجدان تحرراً للغرائز المكبوتة، والعاطفة المكظومة، والأفراد والطبقات المظلومة. وأصبحت "الاعترافات" كتاب الوجدان المقدس كما كانت "الموسوعة" العهد الجديد لعصر العقل. ولا يعني هذا أن روسو رفض العقل، فهو على العكس وصفه بأنه عطية إلهية، وقبله حكماً نهائياً(77)، ولكنه أحس أن نوره البارد في حاجة إلى دفء القلب ليلهم العمل والعظمة والفضيلة. وأصبحت "الحساسية" شعار النساء والرجال.. وتعلم النساء الإغماء، والرجال البكاء، بأسرع من ذي قبل، وتذبذبوا بين الفرح والحزن، ومزجوا الاثنين في دموعهم.

وقد بدأت الثورة "الروسوية" على صدور الأمهات، هاتيك الصدور التي آن الآن أوان تحريرها من عقال المشدات؛ على أن هذا الجانب من الثورة كان أصعب جوانبها، ولم يعقد له النصر إلا بعد أكثر من قرن تراوح فيه الحبس والإفراج. وبعد نشر "أميل" أرضعت الأمهات الفرنسيات أطفالهن، حتى في دار الأوبرا، وفيما بين الألحان(78). وأطلق الطفل من سجن أقمطته، وقام أبواه على تربيته بأنفسهم. فإذا التحق بالمدرسة حظي بالتعليم "على طريقة روسو" في سويسرا أكثر منه في فرنسا، ولما كانت النظرة للإنسان الآن تعده خيراً بطبيعته، فإن التلميذ وجب أن ينظر إليه لا على أنه عفريت صغير مشاكس بل ملاك رغباته هي صوت الله. ولم تعد حواسه تدان لأنها أدوات الشيطان، بل تعد أبواباً للخبرات المنيرة ولمئات المباهج البريئة. ووفقاً للنظرة الجديدة لا تعود حجرات الدرس سجوناً. أما التعليم فيجب أن يجعل طبيعياً وساراً بتفتيح حب الاستطلاع والقوى الفطرية وتشجيعها. واما حشو الذاكرة بالحقائق، وخنق الفكر بالعقائد القطعية، فيجب أن يحل محلها التدريب على فنون الإدراك الحسي، والحساب، والتفكير. ويجب أن يتعلم الأطفال من الأشياء لا من الكتب كلما أمكن- من النبات في الحقل، والصخور في التربة، والغيوم والنجوم في السماء. وقد حفز التحمس لأفكار روسو التربوية بستلوتزي ولافاتير في سويسرا، وبازدوف في ألمانيا، وماريا مونتسوري في إيطاليا، وجون ديوي في أمريكا؛ و "التربية التقدمية" هي جزء من تراث روسو، وقد نشأ فريدرش فروبل نظام رياض الأطفال في ألمانيا، ومنها انتشر في العالم الغربي طولاً وعرضاً.

ثم أدركت الفن نفحة من الإلهام الروسوي. فقد أثر تمجيد الطفولة في جروز ومدام فيجيه- لبرون، وعكست لوحات الفنانين من المدرسة السابقة- للرفائيلين في إنجلترا تمجيد العاطفة والغموض. وأعمق من هذا أثر روسو في الأخلاق والسلوك. فطرأ المزيد من دفء الصداقة ووفائها، ومن التضحيات والاهتمامات المتبادلة. واقتنص الحب الرومانسي الأدب وشق طريقه إلى الحياة. واستطاع الأزواج الآن أن يحبوا زوجاتهم دون هزء بالتقاليد؛ واستطاع الآباء أن يحبوا أبناءهم، وأصلح ما فسد من الأسرة، "كان الناس يغضون عن الخيانة الزوجية، أما روسو فقد جرؤ على اعتبارها جريمة"(79). صحيح أنها استمرت، ولكنها لم تعد أمراً لا غنى عنه. وحل محل الإعجاب الأعمى بالمحظيات الشفقة على المومسات. وقاوم احتقار العرف طغيان الأتيكيت. وارتفعت سمعة الفضائل البورجوازية، كالاجتهاد، والاقتصاد، وبساطة العادات واللباس. وعما قليل ستطيل فرنسا "الكيلوت" (السراويل القصيرة) إلى سراويل طويلة وتصبح "صان- كيلوت" (متطرفة) في زيها كما هي في سياستها. وقد ساهم روسو مع البستنة الإنجليزية في تغيير الحدائق الفرنسية من رتابة طراز النهضة إلى المنحنيات الرومانتيكية والأركان الفجائية، وأحياناً إلى فوضى برية و "طبيعية". وانطلق الرجال والنساء من المدينة إلى الريف، وزاوجوا بين حالات الطبيعة وحالاتهم النفسية وتسلق الرجال الجبال، والتمس الرجال منهم الوحدة ودلل "أنا".

واستسلم الأدب بجملته تقريباً لروسو والموجة الرومانتيكية، فغمر جوته بطله "فوتر" فيفيض من الحب، والطبيعة، والعبرات (1774)، وجعل بطله فاوست يختزل نصف روسو في كلمات ثلاث "الوجدان هو الكل". قال قي 1787 مسترجعاً ذكرياته "كان لكتاب أميل وما حوى من عواطف تأثير شامل على العقل المثقف"(80) وأكد شيلر التمرد على القانون في "اللصوص" (1781)، وحيا روسو محرراً وشهيداً، وقارن بينه وبين سقراط(81) "تعالى يا روسو وكن لي مرشداً"(82). وأعانت بلاغة روسو على تحرير الشعر والمسرحية الفرنسيين من قواعد بوالو، وتقليد كورنيي وراسين، وقيود الأسلوب الكلاسيكي الصارمة. وقد أبدع برناردان دسان- بيير، وهو تلميذ متحمس لروسو، رائعة رومانسية في "بول وفرجيني" (1784). وانتصر تأثير جان- جاك الأدبي بعد الفاصل النابليوني في أشخاص شاتوبريان، ولامارتين، وموسيه، وفيني، وهوجر، وجوتييه، وميشليه، وجورج صاند. وقد أنجب هذا التأثير جيلاً من الاعترافات، وأحلام اليقظة، وقصص العاطفة أو الغرام، وحبذا تصور العبقرية على أنها فطرية لا تعرف قانوناً، وأنها القاهرة لتقليد والتقييد، فحرك في إيطاليا ليوباردي، وفي روسيا بوشكن وتولستوي، وفي إنجلترا وردزورث، وصذي، وكولردج، وبايرن، وشلي، وكيتس، وفي أمريكا هوثورن وثورو.

ونصف فلسفة القرن المحصورين "هوليز الجديدة" (1761) وكتاب داروين "أصل الأنواع" (1859) يلونه تمرد روسو على عقلانية حركة التنوير. والواقع أن روسو كان قد أعرب من قبل في رسالة وجهها عام 1751 إلى بورد عن احتقاره للفلسفة(83)، وأقام احتقاره هذا على عجز العقل في زعمه عن تعليم الفضيلة للناس. فالعقل يبدو أنه بغير حس أخلاقي، وهو يناضل للدفاع عن أي رغبة مهما كانت فاسدة إذن فالحاجة إلى شيء آخر- إلى وعي فطري بالصواب والخطأ، حتى هذا الوعي لا بد من أن يدفئه الوجدان إن أريد منه أن يولد الفضيلة، وأن ينجب رجلاً فاضلاً لا آلة حسابية ماهرة.

وهذا بالطبع كلام قاله بسكال من قبل، ولكن بسكال كان قد رفضه فولتير، وفي ألمانيا كانت "عقلانية" فولف في صعود في الجامعات. وحين أصبح إيمانويل كانت أستاذاً في كونجزبرج كان قد اقتنع بما قاله هيوم وجماعة الفلاسفة الفرنسيين من أن العقل وحده لا يمكنه أن يقدم الدفاع الكافي حتى عن أساسيات اللاهوت المسيحي. ولكنه وجد في روسو سبيلاً لإنقاذ تلك الأساسيات: وهي أن تنكر مفعول العقل في العالم فوق الحسي، وتؤكد استقلال الفكر، وأولية الإرادة، والقوة المطلقة للضمير الفطري؛ وتستنبط حرية الإرادة، وخلود النفس، ووجود الله، من شعور الإنسان بالتزام غير مشروط بالقانون الأخلاقي. وقد أقر كانت بيدنه لروسو، وعلق صورته على جدار مكتبه، ونادى به "نيوتنا" للعالم الأخلاقي(84). وشعر ألمان آخرون بروح روسو تتقمصهم: ياكوبي في فلسفة الوجدان، وشلايئر ماخر في تصوفه الدقيق النسيج، وشوبنهاور في تمجيده للإرادة. وتاريخ الفلسفة منذ كانت صراع بين روسو وفولتير.

أما الدين فقد بدأ بتحريم روسو، ثم انتقل إلى استخدامه منقذاً له. وأجمع القادة البروتستانت والكاثوليك على تكفيره، ووضع على صعيد واحد مع فولتير وبيل بوصفهم رجالاً "يبثون سموم الضلالة والفسوق"(85). ومع ذلك فحتى في حياة روسو وجد نفر من رجال الدين والعلمانيين راحة وعزاء حين سمعوا أن قسيس سافوا قد قبل بتحمس العقائد الجوهرية للمسيحية، وأنه نصح الشكاك بأن يثوبوا إلى إيمانهم الأصيل. وحين فر روسو من سويسرا عام 1765 رحب به أسقف ستراسبورج، وبعد أن عاد من إنجلترا وجد بعض الكاثوليك الفرنسيين يستشهدون بأقواله شاكرين في ردهم على غير المؤمنين، وتراودهم الآمال في هدايته الظافرة. وقد حاول منظرو الثورة الفرنسية إقامة أخلاقية مستقلة عن العقائد الدينية؛ على أن روبسبيير في إقتدائه بروسو أقلع عن هذه المحاولة لفشلها، والتمس قوة تأييد المعتقدات الدينية في صيانة النظام الأخلاقي والمضمون الاجتماعي. وأدان جماعة الفلاسفة لأنهم رفضوا الله وأبقوا على الملوك؛ أما روسو (في رأي روبسبيير) فقد ارتفع فوق هامات هؤلاء الجبناء، وهاجم جميع الملوك بشجاعة وجاهر بالدفاع عن الله والخلود(86). وفي 1793 بلغ تراثا فوليتر وروسو المتنافسان مرحلة الحسم في الصراع بين جان- رينيه إيبير ومكمسليان روبسبيير. فأما إيبير، أحد قادة كومون باريس، فقد اتبع العقلانية الفولتيرية، وشجع انتهاك حرمات الكنائس، وأقام العبادة العلنية لآلاهة العقل (1793). وأما روبسبيير فكان قد رأى روسو أثناء مقام هذا الفيلسوف آخر مرة في باريس. وقال مناجياً جان- جاك "إيه أيها القديس!.. لقد تطلعت إلى محياك المهيب... وفهمت كل أحزان حياة نبيلة كرست نفسها لعبادة الحق"(87). وحين تقلد روبسبيير زمام السلطة أقنع المؤتمر الوطني بتبني "إعلان الإيمان" الذي دان به قسيس سافوا ديناً رسمياً للأمة الفرنسية، وفي مايو 1794 افتتح مهرجان الكائن الأعظم إحياء لذكرى روسو. وحين أرسل إيبير وغيره إلى الجيلوتين بتهمة الإلحاد، شعر بأنه يتبع نصائح روسو بحذافيرها. ووافق نابليون اللاأدري روبسبيير على الحاجة إلى الدين، وأعاد وضع الحكومة الفرنسية في جانب الله (1802). ثم أعيدت الكنيسة الكاثوليكية إعادة كاملة بعودة الملكية البوربونية الفرنسية (1814) وكسبت أقلام شاتوبريان، ودميتر، ولامارتين، ولامنية القوية، ولكن الإيمان القديم اتكأ الآن أكثر فأكثر على حقوق الوجدان لا على جح اللاهوت، فحارب فولتير وديدرو ببسكال وروسو. وازدهرت من جديد تلك المسيحية التي بدت محتضرة في 1760- في إنجلترا الفكتورية وفرنسا في عهد عودة الملكية. ونحن الآن فقط- من الناحية السياسية- نخرج من عصر روسو، وأول علامة على تأثيره السياسي كانت في موجة التعاطف العام الذي أيد المعونة الفرنسية الفعالة للثورة الفرنسية. وقد اقتبس جفرسن إعلان الاستقلال من روسو كما اقتبسه من لوك ومونتسكيو، واستوعب الكثير من كل من فولتير وروسو حين كان سفيراً لدى فرنسا (1785- 89)، وردد صدى جان- جاك في افتراضه أن هنود أمريكا الشمالية "يتمتعون في جملتهم بقدر من السعادة يفوق بمراحل أولئك الذين يعيشون في ظل الحكومات الأوربية"(88). وقد رفع نجاح الثورة الأمريكية مكانة فلسفة روسو السياسية. وتزعم مدام دستال أن نابليون عزا الثورة الفرنسية إلى روسو أكثر من أي كاتب آخر(89). وقد ذهب إدمند بيرك إلى أن في الجمعية التأسيسية للثورة الفرنسية (1789- 91) خلافاً كبيراً بين زعمائهم على أيهم أقرب شبهاً بروسو. والحق أنهم جميعاً يشبهونه... فإياه يدرسون، وإياه يتأملون، وإليه يرجعون في كل الوقت الذي يستطيعون اقتناصه من شرورهم المجهدة نهاراً أو فجورهم وعربدتهم ليلاً. فروسو هو كاهن كتابهم المقدس... وله يقيمون أول تماثيلهم(90).

وفي 1799 استعاد ماليه دويان إلى الأذهان أن "روسو كان له قراء من الطبقتين الوسطى والدنيا أكثر مائة مرة مما لفولتير. فهو وحده الذي لقح الفرنسيين بعقيدة سيادة الشعب... ومن الصعب ذكر ثوري واحد لم ينتشي بهذه النظريات الفوضوية ولم يشتعل بغيرة تحقيقها... وقد سمعت مارا في 1788 يقرأ "العقد الاجتماعي" ويعلق عليه في الشوارع العامة، فيقابله السامعون المتحمسون بالتصفيق"...(91). واستشهد الخطباء في طول فرنسا وعرضها بأقوال روسو في التبشير بسيادة الشعب؛ وبعض الفضل في استطاعة الثورة أن تعيش عقداً من الزمان رغم خصومها وشططها راجع إلى الترحيب العارم الذي لقيته هذه العقيدة.

وقد اتصل تأثير روسو في السياسة طوال تقلبات الثورات والرجعية. وبسبب تناقضاته، وبسبب القوة والحماسة اللتين بشر بهذه التناقضات بهما، وجد فيه الفوضويون والاشتراكيون على السواء نبياً وقديساً؛ ذلك لأن كلتا الدعوتين المتعارضتين وجدتا غذاء في إدانته الأغنياء وعطفه على الفقراء. وقد ألهمت النزعة الفردية التي اتسمت بها أول "الأحاديث" ورفضته "المدينة" الثوار من بين، وجودوين، وشلي، إلى تولستوي وكرويوتكين وإدوارد كاربنتر. قال تولستوي "كنا أنا في الخامسة عشرة أحيط عنقي بميدالية عليها صورة روسو بدلاً من الصليب المعتاد"(92). وقد وفرت عقيدة المساواة، التي بشر بها ثاني "الأحاديث" موضوعاً أساسياً لضروب متنوعة من النظرية الاشتراكية، من "جراكوس" بابوف وشارل فورييه وكارل ماركس إلى نيقولاي لينين. ويقول جوستاف لانسون "كان كل تقدم أحرز طوال قرن من الزمان في الديمقراطية، والمساواة، وحق التصويت للجميع، وكل دعاوى الأحزاب المتطرفة التي قد نكون موجة المستقبل، والحرب على الثراء والملكية، وكل الحركات المحرضة للجماهير الكادحة المعانية، كل أولئك كان، من بعض النواحي، من عمل روسو"(93) أنه لم يخاطب المثقفين والكبار بالمنطق والحجة، بل تكلم إلى الشعب كله بشعور وحماسة في لغة يستطيعون فهمها، وكانت حرارة بيانه، في السياسة كما في الأدب، أقوى من سلطان قلم فولتير.


لحن سير جنائزي

بعد أن رأى ديدرو عام 1778 سأل صديقاً "لم يتحتم أن يموت؟"(94). ولقد بدا لحن السير الجنائزي الذي شيعت به جماعة الفلاسفة، من موت هلفتيوس في 1771 إلى موت موريللية في 1819، كأنه تعليق ساخر على الغرور والخيلاء، ولكن قد نتساءل أيضاً لم طال عمر بعض هؤلاء الرجال طولاً جر معه كل آلام الشيخوخة وهوانها. وقد مات المحظوظون منهم قبل الثورة، تعزيهم مائة أمارة على أن أفكارهم وشيكة الانتصار فقضى كوندياك في 1789، وطورجو في 1781. أما دالامبير فقد مد في أجله على كره منه بعد موت الآنسة دلسبيناس. وكانت قد أودعته أوراقها، ووضح منها أنها في السنين الإثنتي عشرة الأخيرة من حياتها منحت حبها لمورا أوجيبير، ولم تترك له غير صداقة يشوبها الضيق أحياناً. قال كوندورسيه لطورجو "أن دالامبير مطعون طعنه نجلاء، وكل ما أرجوه له الآن أن تكون حياته محتملة"(95). وقد عاد إلى دراساته، ولكنه لم يكتب بعدها شيئاً ذا بال. وكان يختلف إلى بعض الصالونات ولكن الحياة انطفأت من حديثه الذي كان يوماً ما ألمعياً، وقد رفض الاستجابة لدعوة فردريك إلى بوتسدام، ودعوة كاترين إلى سانت بطرسبورج. وكتب إلى فردريك يقول: "أنني أشعر كأنني رجل تنبسط أمامه صحراء شاسعة تنتهي بهاوية الموت، ولا أمل له في لقاء إنسان واحد إن رآه يسقط فيها، أو يفكر فيه مرة أخرى بعد أن يختفي"(96).

وكان في هذا مخطئاً، فقد اهتم به الكثيرون، ولو أولئك الذين كان يمدهم ببعض دخله المنتظم. ذلك أن هيوم أوصى لدالامبير بمائتي جنيه(97) وهو واثق أنه سيوزع هذا المبلغ. ومع أنه كان يتقاضى مختلف المعاشات، فقد عاش عيشة بسيطة إلى النهاية، و1783 أصيب هو وديدرو بأمراض خطيرة-فأصيب ديدرو بذات الجنب، ودالامبير باضطراب في المثانة. وشفي ديدرو، أما دالامبير فقضى نحبه (29 أكتوبر 1783) بالغاً من العمر سبعة وستين عاماً.

وكان ديدرو قد عاد من مغامراته الروسية في أكتوبر 1774. وقد أضناه طول السفر في مركبة حبست حركته، ولكنه تنبأ صادقاً بأن "القدر يخبئ له عشر سنين أخر في جرابه"(98). ثم عكف على "خطة لإنشاء جامعة لحكومة روسيا" (لن تنشر حتى 1803)، وقد دعا للاهتمام الأشد بالعلم والتكنولوجيا، ووضع اليونانية واللاتينية والأدب في نهاية القائمة تقريباً، وبين الطائفتين الفلسفة فسبق بذلك التطورات التربوية بمائة وخمسين عاماً. وفي 1778 بدأ "مقالاً عن عهدي كلوكيوس ونيرون، وعن حياة سنكا ومؤلفاته". واستطرد في هذا المقال ليرجو الأمريكيين المنتصرين في جمهوريتهم الجديدة أن "يمنعوا الزيادة الهائلة والتوزيع غير المتكافئ للثروة والترف، والتبطل وفساد الأخلاق"(99). وفي القسم المخصص لسنكا أفسح مكاناً للدفاع الحار عن جريم ومدام دبينيه وعن نفسه ضد التهم التي رماهم بها روسو في قراءاته العلنية لاعترافاته، قال: "إذا صدر يوماً ما، نتيجة جنوح المؤلف دائماً للأغراب والشذوذ، كتاب يمزق فيه الشرفاء إرباً بالقلم وغد خبيث... فانظروا إلى الأمام واسألوا أنفسكم هل... يجدر بنا لأن نصدق رجلاً وقحاً... اعترف بألف فعل شرير. فماذا يكلف الافتراء رجلاً كهذا-وماذا تضيف جريمة كثيراً أو قليلاً من الفساد الخلقي المستتر لمياه تتخفى طوال أكثر من خمسين عاماً وراء أصفق أقنعة الرياء؟... فسحقاً للعاق الذي يذم من أحسنوا إليه؛ سحقاً للرجل الأثيم الذي لا يحجم عن تشويه سمعة أصدقائه القدامى؛ وسحقاً للجبان الذي يخلف فوق قبره كشف الأسرار التي أؤتمن عليها.. أما عن شخصي، فأقسم أن عيني لن تتلوثا أبداً بقراءة كتابه، وأني أؤكد أني أوثر أن يسبني عن أن يمدحني(100).

وفي 1783 ماتت مدام دبينيه. وأحس ديدرو بهذه الخسارة إحساساً عميقاً، لأنه كان يستمع بصداقتها وندوتها. وكان جريم ودولباخ على قيد الحياة، ولكن علاقاته بهما كانت فاترة، وكان الثالثة ينحدرون إلى الأنانية الضيقة التي تصحب الشيخوخة، وكل ما كان في استطاعتهم تبادله من حديث كان آلامهم. أما تشكيلة الأمراض التي شكا منها ديدرو فكان منها التهاب الكلية والتهاب المعدة، وحصى المرارة، والتهاب الرئتين؛ ولم يعد في قدرته صعود السلم من مسكنه في الطابق الرابع إلى مكتبته في الطابق الخامس، وشعر الآن أنه محظوظ لأن له زوجة، وكان قد اختزل خياناته الزوجية إلى ذكريات حزينة، وأبلت هي حصيلتها من الكلام، وهكذا عاشا في سلام الإعياء المشترك. وفي 1784 مرض مرضاً خطيراً. وحاول كاهن سان-سولبيس الذي فشل من قبل مع فولتير أن يكفر عن تقصيره برد ديدرو إلى حظيرة الإيمان، فزاره، وتوسل إليه أن يرجع إلى الكنيسة، وأنذره بأنه ما لم يتناول الأسرار المقدسة فإنه لن يحظى بدفنه في جبانة عامة. فأجاب ديدرو، "إني أفهمك يا سيدي الكاهن. فلقد رفضتم دفن فولتير لأنه لم يؤمن بلاهوت الإبن. حسناً، إنهم يستطيعون دفني حين أموت في أي مكان يشاءون، ولكني أعلن أنني لا أومن لا بالآب ولا بالروح القدس ولا بأي واحد في الأسرة"(101).

وحين سمعت الإمبراطورة كاترين بأوصابه، وفرت للي ولزوجته جناحاً فاخراً في شارع ريشليو. وانتقلا إليه حوالي 18 يوليو. وابتسم حين رأى الأثاث الجديد يحمل إليه، وقال إن في استطاعته أن يستعمله بضعة أيام لا أكثر. وقد استعمله أقل من أسبوعين. وفي 31 يوليو 1784 تناول وجبه شهية، فأصابته جلطة تاجية، ومات وهو على المائدة بالغاً الحادية والسبعين. وأقنعت زوجته وصهره كاهناً محلياً بالصلاة في الكنيسة على جثمانه رغم إلحاده المشهور. ودفن غي كنيسة سان-روش، ثم اختفى منها على نحو غامض في تاريخ غير معروف. وواصل الموكب سيرته. فمات مابليه في 1785، وبوفون في 1788، ودولباخ في 1789 أما رينال فقد عمر إلى ما بعد الثورة كما رأينا، وأدان جرائمها الوحشية، وفاجأ نفسه بالموت ميتة طبيعية (1796). وأما جريم فقد قابل كل لطمات الحظ بصبر تيوتوني. ففي 1775 رقاه يوزف الثاني باروناً من بارونات الإمبراطورية الرومانية المقدسة. وفي 1776 عينه دوق ساكسي-جوتا سفيراً لدى فرنسا. وأكثر "الرسائل الأدبية" كان يقوم بتحريرها بعد 1772 سكرتيرته ياكوب مايستر، ولكن جريم شارك بمقالات لاذعة في الأدب، والفن، والدين، والأخلاق، والسياسة، والفلسفة. وكان الشاك الوحيد الممعن في شكوكيته بين جماعة الفلاسفة، لأنه تشكك أيضاً في الفلسفة والعقل والتقدم. وبينا كان ديدرو ونفر من فريق المؤمنين يتطلعون إلى الأجيال القادمة بأحلام الطوبى تنعكس في أعينهم، قال جريم أن هذا سراب قديم العهد جداً، "وهم تحدر من جيل إلى جيل"، وقد لاحظنا نبوءته عام 1757 بنشوب "ثورة قاضية"(102) وشيكاً فلما جاءت الثورة وكانت سفاكة للدماء، عاد إلى وطنه الأصلي ألمانيا وأقام في جوتا (1793) وخففت كاترين من فقره وعينته سفيراً لها في همبورج (1796) فلما ماتت ولية نعمته الإمبراطورة ذهب مع أملي بلزونس، حفيدة حبيبته مدام دبينيه. وعمر حتى 1807، وعاش هذه الحقبة أولاً على ذكريات تلك الأيام المثيرة التي كان فيها فكر فرنسا يقود أوربا إلى حافة شاهقة هي حافة الحرية.


خاتم الفلاسفة الفرنسيين

ولد جان-أنطوان-نيقولا كاريتا، مركيز كوندورسيه، حفيد أسرة عريقة في دوفينيه، في بيكاردي (1743)، وتلقى تعليمه على اليسوعيين في رامس وباريس، وظل سنين طويلة لا يفكر إلا في أن يكون رياضياً كبيراً. وحين بلغ السادسة والعشرين أنتخب عضواً في أكاديمية العلوم. وحين أصبح فيما بعد سكرتيراً دائماً لها، كتب التأبينات للأعضاء الراحلين، كما فعل فونتنينيل للأكاديمية الفرنسية، وقد أحب فولتير هذه التأبينات التذكارية كثيراً حتى أنه قال لكوندورسيه: "إن الجمهور يتمنى أن يموت أكاديمي كل أسبوع أو نحوه حتى تتاح لك فرصة الكتابة عنه"(103). وقد زار فولتير في فرنيه (1770)، وعلق على طبعة تنظم أعمال فولتير نشرها بومارشيه، وكتب لها مقدمة حارة بعنوان "حياة فولتير" وأقنعه دالامبير بأن يكتب مقالات للموسوعة، وقدمه لجولي دلسبيناس، التي أصبح في حفلات استقبالها قطباً من الأقطاب رغم خجله. لا بل أنه كان في نظر جولي لا يفضله غير دالامبير من حيث سعة عقله، وربما كان يفوقه في حرارة حبه للخير. وكان أحد الرعيل الأول ممن انضموا للحملة التي شنت على تجارة الرقيق (1781). وقد أعانت جولي على تحريره من ربقة عشقه اليائس للآنسة دوسي، وهي فتاة لعوب استغلت حبه لها دون أن تبادله أياه. وقد عزى نفسه بصداقة جان-باتست سيوار ومدام سيوار، وعاش معهم في شركة ثلاثية قانعة. وفي 1785 أصدر "مقالاً في تطبيق التحليل على الاحتمالات" وفيه سبق نظرية مالثوس إذ قال إن نمو السكان ينحو إلى تجاوز إنتاج الطعام، ولكنه لم يدع إلى العفة الجنسية علاجاً، بل أقترح تحديد النسل(104).

وقد رحب بالثورة فاتحة لمستقبل التعليم الجامعي، والعدالة، والرخاء. وفي 1790 اختير للمجلس البلدي الذي كان قد تسلم إدارة باريس. ثم أنتخب عضواً في الجمعية التشريعية التي حكمت فرنسا من أول أكتوبر 1791 إلى 20 سبتمبر 1792، ووضع بوصفه رئيساً للجنة التعليم العام تقريراً يدعو إلى نظام قومي للتعليم الابتدائي والثانوي، العام، المجاني، الشامل للجنسين على السواء، والبعيد عن النفوذ الكنسي، ويخطط التقرير لهذا التعليم تخطيطاً عاماً(105)، وقد وضع مبدأ "دولة الرفاهية" قال: "يجب أن يكون هدف جميع المؤسسات الاجتماعية تحسين الأحوال البدنية والفكرية والأخلاقية لأكثر طبقات السكان عدداً وأشدها فقراً"(106). وقدم التقرير إلى الجمعية في 21 أبريل 1792، ثم عطلت حروب الثورة اتخاذ إجراءات تنفيذه، ولكن وطد نابليون سلطته جعل تقرير كوندورسيه الأساس الذي أرسى فوقه تنظيمه للتعليم من جديد في فرسنا تنظيماً بدأ به عهداً حاسماً. ولم يتح لكوندورسيه مثل هذه المكانة المرموقة في المؤتمر القومي الذي حل محل الجمعية التشريعية، لأن الجيرونديين المحافظين تشككوا فيه بوصفه جمهورياً، وارتاب اليعاقبة المتطرفون في نواياه بوصفه أرستقراطياً يحاول أن يخضع الثورة لسيطرة الطبقة الوسطى(107). وقد صوت في صف الذين أدانوا لويس السادس مذنباً بالخيانة، ولكنه صوت ضد إعدامه. فلما عين مع ثمانية آخرين أعضاء في لجنة وكل إليها صياغة دستور جديد، قدم مشروعاً رفض بدعوى إسرافه في محاباة البورجوازية-فلما تبنى المؤتمر الذي سيطر عليه اليعاقبة دستوراً أكثر تطرفاً، كتب كوندورسيه نشرة غفلاً من التوقيع ينصح فيها المواطنين أن يرفضوه. وفي 8 يوليو 1793 أمر المؤتمر بالقبض عليه. وظل تسعة أشهر مختبئاً في منزل لأرملة المصور كلود-جوزف فرنيه. ولكي يصرف ذهنه عن خوف القبض عليه ألف كتيباً يصلح تلخيصاً لحركة التنوير، و "كتاباً أزرق" (أي مخططاً) للمجتمع المثالي القادم. وعنوان المخطوط "نشرة تمهيدية لجدول تاريخي بمراحل تقدم العقل البشري"(108).

كذلك سماه Esquisse أي تخطيط، ويبدو أنه كان يؤمل أن يكتب يوماً ما عرضاً أكثر تفصيلاً لفلسفته. وقد استوحى مخطوطه من المحاضرة التي أجمل فيها طورجو، يوم كان لاهوتياً، (11 ديسمبر 1750) "المراحل المتعاقبة لتقدم الفكر البشري"(109) وقسم كوندورسيه التاريخ إلى عشر مراحل: (1) اتحاد الأسر في قبائل. (2) الرعي والزراعة؛ (3) اختراع الكتابة؛ (4) ازدهار الثقافة اليونانية حتى عهد الاسكندر؛ (5) تطور المعرفة خلال صعود روما واضمحلالها؛ (6) العصور المظلمة، من 476م. إلى الحروب الصليبية؛ (7) نمو العلم بين الحروب الصليبية واختراع الطباعة؛ (8) من جوتنبرج إلى بيكن، وجاليليو، وديكارت، "الذين خلعوا نير السلطة؛ (9) من ديكارت حتى تأسيس الجمهوريتين الأمريكية والفرنسية؛ (10) عصر الفكر المحرر(110).

وكان كوندورسيه لا يعترف للعصور الوسطى بقدر، شأنه في ذلك شأن فولتير، فقد تمثل فيها تسلط الكنيسة على الفكر الأوربي، وتخدر الشعب بسحر القداس، وانبعاث الشرك نتيجة لعبادة القديسين(111). ومع أنه احتفظ-كفولتير أيضاً-بإيمان ربوبي بالله، فإنه اعتمد على تقدم المعرفة وانتشارها لتقويض سلطان الكنيسة، وتوسيع الديموقراطية، بل والارتقاء بالأخلاق، فقد شعر بأن الخطيئة والجريمة هما إلى حد كبير نتيجة للجهل(112). "سيأتي الوقت الذي تشرق الشمس فقط على أحرار الرجال الذين لا يعرفون لهم سيداً غير عقلهم"(113). وقد اثنى على فولتير لإطلاقه الفكر من عقاله، وعلى روسو لإهماله الناس بأن يقيموا نظاماً اجتماعياً عادلاً. وصور الخير العميم الذي سيفيض بهما القرنان التاسع عشر والعشرين بفضل جهود القرن الثامن عشر: التعليم العام، وحرية الفكر والتعبير، وتحرير المستعمرات، والمساواة أما القانون. وإعادة توزيع الثروة. وقد تذبذب بعض الشيء في أمر حق التصويت للجميع: فهو يريد بصفة عامة أن يقصر التصويت على أصحاب الأملاك أو الثروة مهما قلت(114)، وكان أحياناً يخشى أن تمكن سذاجة الجماهير قلة غنية من أن تلقنهم آراءهم متى شاءت، وهكذا تخلق أولجركية بورجوازية، مستترة وراء واجهة ديموقراطية(115)، ولكن هروب لويس السادس وماري أنطوانيت إلى فارين، والخوف من أن تحاول الدول إعادة الملكية الديموقراطية في فرنسا، ودعاه إلى الدعوة لحق التصويت للجميع بما فيهم النساء(116).

وقد تطلع في الخيال من عزلته المطاردة إلى مستقبل ملؤه جلائل الأعمال. فتنبأ بصعود الصحافة ضابطاً لطغيان الحكومة؛ وبتطور دولة الرفاهية بفضل التأمين والمعاشات الاجتماعية؛ وبحفز الثقافة نتيجة لتحرير المرأة؛ وبإطالة عمر الإنسان بفضل تقدم الطب؛ وبانتشار النظام الاتحادي بين الدول؛ وبانقلاب الاستعمارية إلى معونة أجنبية تقدمها البلاد المتقدمة للمتخلفة؛ وبخفة التعصب القومي نتيجة لانتشار المعرفة؛ وبتطبيق البحوث الإحصائية على إنارة السياسات وصياغتها؛ وبازدياد ارتباط العلم بالحكومة(117). وإذ رأى كل عصر مضيفاً أهدافاً جديدة لإنجازاته، فلا يمكن إذن أن تكون هناك نهاية متطورة للتقدم. ولا يعني هذا أن الإنسان سيغدو كاملاً في أي وقت، بل أنه سيسعى أبداً إلى الكمال. "أن الطبيعة لم تحدد زماناً لكمال الملكات البشرية، وقابلية الإنسان للكمال لا حدود لها، وتقدم هذه القابلية-التي ستكون منذ الآن مستقلة عن أي قوة قد تبغي تعطيلها-لا حد له غير عمر هذا الكوكب الذي ألقتنا الطبيعة على سطحه(118)". وقرب الختام هذا التخطيط تصدى كوندورسيه للمشكلة التي سيعرضها بعد أربع سنين في "مقال عن مبدأ السكان" (1798): "ألا يجوز أن تأتي لحظة... يترتب فيها على زيادة سكان العالم عن أسباب العيش تناقص مستمر لسعادتهم،... أو على أفضل تقدير تذبذب بين النفع والضرر؟ وألا يدل ذلك على أن العالم قد وصل إلى نقطة يستحيل تحقيق المزيد من التحسين بعدها-وأن قبول النوع الإنساني للكمال قد بلغ بعد سنين طويلة مرحلة يعجز عن تجاوزها؟

ومنذا الذي يستطيع التنبؤ بالحالة التي يمكن أن يوصل إليها فن تسخير عناصر الطبيعة لحيز الإنسان في الوقت المناسب؟... وحتى لو اتفقنا على أننا سنصل يوماً ما إلى ذلك الحد... فإنه قبل أن يقع هذا كله سيكون تقدم العقل قد واكب تقدم العلوم، وتعصب الخرافة السخيف قد كف عن إفساد القانون الأخلاقي والحط منه بتعاليمه المنكرة... ولنا أن نفترض أنه إذا جاء ذلك الوقت فإن الناس سيعرفون أن عليهم واجباً قبل أولئك الذين لم يولدوا بعد، هو واجب تيسير السعادة لهم، لا مجرد العيش وكفى"(119). ولم يكن تفاؤل كوندورسيه تفاؤلاً أعمى تماماً. "ما زلنا نرى قوى التنوير لا تملك أكثر من جزء صغير جداً من العالم، والمتنورين حقاً وصدقاً تطغى عليهم كثرة جماهير الناس الذين مازالت تسيطر عليهم الجهالة والتعصب. ومازلنا نرى مناطق شاسعة يرزح فيها البشر تحت نير العبودية"(120). ولكن "صديق الإنسانية" يجب ألا يفقد الأمل أمام هذه المصاعب، فانظر إلى الكثير من الأشياء النبيلة التي أنجزت فعلاً، أنظر إلى التطور الهائل للمعرفة وحب المغامرة، فأي شيء يستعصي على هذه الإنجازات إذا اتصلت وانتشرت؟ وهكذا أختتم كوندورسيه كتابه برؤيا كانت سنداً له في الشدة، وبديلاً له ولآلاف غيره عن إيمان فوق طبيعي. وإلى القارئ الكلمة الأخيرة والمتوجة لحركة التنوير: "كم تعزى الفيلسوف الذي يرثى للأخطاء والجرائم والمظالم التي ما زالت تلوث الأرض، والتي كثيراً ما يكون هو نفسه ضحيتها-لكم تعزيه هذه النظرة للنوع الإنساني، وقد تحرر من أغلاله،... يسير قدماً بخطى ثابتة مطمئنة على طريق الحق، والفضيلة، والسعادة. أن تأمل هذا المشهد هو الذي يجزيه عن الجميع ما بذل من جهود في إعانة تقدم العقل والدفاع عن الحرية.. وهذا التأمل ملاذ له لا تستطيع ذكرى مضطهديه أن تتبعه إليه. فهناك يحيا بالفكر مع الإنسان وقد رد له حقه وكرامته الطبيعيتان، وينسى الإنسان الذي عذبه وأفسده الجشع، أو الخوف، أو الحسد؛ هناك يحيا مع أترابه في جنة خلقها العقل، وجملتها أطهر اللذات التي عرفها حب البشر"(121).

ولقد أوشك اعتراف الإيمان هذا أن يكون صرخة رجل شاعر بأن الموت يبحث عنه. فلما خشي كوندورسيه أن يلحق الضرر بمدام فرنيه إذا اكتشفت أنها تؤويه، أودعها مخطوطة وغادر بيتها متنكراً رغم اعتراضاتها. وبعد أن تشرد أياماً على أطراف باريس طلب طعاماً في فندق. وأثار الشبهة مظهره وعدم وجود أوراق تعرف بهويته. وسرعان ما تبينه القوم أرستقراطياً. وقبض عليه، وزج في سجن بمدينة بور-لا-رين (7 أبريل 1794). وفي صبيحة الغد وجد ميتاً في زنزانته. وقد ذهب أول كاتب لسيرته إلى أنه حمل السم في خاتم، وابتلع هذا السم، غير أن تقرير الطبيب الذي فحص الجثة عزا موته إلى جلطة في أحد عروقه(122). أما المؤتمر فقد أمر بعد حصوله على تخطيطه وقراءته بأن تطبع الدولة ثلاثة آلاف نسخة منه وتوزعها في جميع أنحاء فرنسا.


الفلاسفة والثورة

اتفق بيرك، وتوكفيل(123)، وتين(124)، على أن فلاسفة فرنسا، من بيل إلى مابلي، كانوا عاملاً كبيراً في أحداث الثورة. فهل نستطيع قبول النتيجة التي خلص إليها جهابذة المحافظين أولئك؟ لقد كان جميع الفلاسفة المرموقين معارضين للثورة على حكومات أوربا القائمة آنذاك، لا بل إن منهم من وضعوا إيمانهم في الملوك لأنهم أكثر أدوات الإصلاح عملية؛ واحتفظ فولتير، وديدرو، وجريم بعلاقات صداقة، إن لم يكن إعجاب شديد، بواحد أو آخر من أشد الحكام المعاصرين استبداداً-فردريك الثاني، كاترين الثانية، جستاف الثالث؛ وأسعد روسو أن يستقبل يوزف الثاني إمبراطور النمسا. أما ديدرو، وهلفتيوس، ودولباخ، فقد وجهوا النقد العنيف للملوك بصفة عامة، ولكنهم لم يدعوا قط في كتبهم التي بين أيدينا إلى الإطاحة بالملكية الفرنسية(125). وعارض مارمونتيل وموريلليه الثورة في غير مواربة(126)، وجهر مابلي، الإشتراكي بأنه ملكي(127)، أما طورجو معبود جماعة الفلاسفة، فقد جاهد لإنقاذ لويس السادس عشر لا للقضاء عليه. ودعم روسو الأقطار الجمهورية، ولكن لصغار الدول فقط، وقبلت الثورة نظرياته وأغفلت تحذيره. وحين أقام الثوار نظاماً جمهورياً في فرسنا لم يقيموه على طريقة الفلاسفة الفرنسيين بل أبطال بلوتارخ من اليونان والرومان. ولم تكن قبلتهم فرنيه، بل إسبارطة وروما الجمهورية.

أن الفلاسفة وفروا الإعداد الأيدولوجي للثورة. وكانت أسبابها اقتصادية أو سياسية، وعباراتها فلسفية، وقد تيسر للأسباب الأساسية للثورة أن تفعل فعلها بفضل عمل الهدم الذي قام به الفلاسفة لإزالة العقبات القائمة في طريق التغيير، مثل الإيمان بالامتيازات الإقطاعية والسلطة الكنسية، وحق الملوك الإلهي. فقد كانت كل الدول الأوربية حتى عام 1789 تعتمد على معونة الدين في غرس قدسية الحكومات في النفوس، وحكمة التقاليد، وعادات الطاعة، ومبادئ الأخلاق؛ وكانت بعض جذور السلطة الأرضية مغروسة في السماء، واعتبرت الدولة الله رئيس شرطتها السرية. كتب شامفور والثورة تدور رحاها يقول إن "الكهانة كانت أول معقل للسلطة المطلقة، وقد أطاح به فولتير"(128). وذهب توكفيل في 1856 إلى أن "سوء السمعة العام الذي انحدر إليه الإيمان الديني كله في نهاية القرن الثامن عشر كان له ولا ريب أعظم الأثر في سير الثورة برمته"(129).

ثم انتقلت الشكوكية التي مزقت اللاهوت القديم شيئاً فشيئاً إلى نقد المؤسسات والشئون العلمانية. وقد ندد الفلاسفة بالفقر والقنية كما نددوا بالتعصب والخرافة، وكافحوا ليقلصوا سلطان أمراء الإقطاع على طبقة الفلاحين. واعترف بعض النبلاء بقوة الانتقادات اللاذعة التي وجهت إليهم، وفقد الكثير منهم الثقة في تفوقهم الطبيعي وحقوقهم المتوارثة. استمع إلى الكونت لوي-فيليب د سيجور": "كنا نقاداً شديدي الاحتقار للعادات القديمة، ولكبرياء آبائنا الإقطاعية ومراسمهم المتزمتة... وشعرنا بالميل إلى أن نتبع في تحمس العقائد الفلسفية التي يجهر بها الكتاب الأذكياء الجسورون. واجتذب فولتير انتباهنا، ومس روسو قلوبنا... ولذنا خفية أن نراهم يهاجمون النظام القديم... فاستمتعنا في وقت واحد بمزايا طبقة النبلاء ومتع الفلسفة الشعبية"(130).


وكان من هؤلاء الأشراف الذين وخزهم ضميرهم أشخاص ذوو نفوذ كميرابو الأب والإبن، ولاروشغوكو-لينانكور، ولافاييت، والفيكونت لوي-ماري دنواي، و "فيليب إيجليته" (مساواة)، والدوق أورليان؛ ثم لنذكر المعونة والمساواة اللتين قدمهما لروسو المرشال لكسبورج ولوي فرانسوا البوربوني أمير كونتي. وقد قادت الأقلية اللبرالاية التي حفزتها غارات الفلاحين على الملكة الإقطاعية لقاء تعويضات (4 أغسطس 1789). لا بل إن الأسرة المالكة تأثرت بالأفكار شبه الجمهورية التي أعان الفلاسفة على نشرها. وكان أبو لويس السادس عشر يحفظ عن ظهر قلب فقرات كثيرة من كتاب مونتسكيو "روح القوانين"، وقد قرأ كتاب روسو "العقد الاجتماعي" وحكم بأنه "سليم إلى حد كبير" فيما خلا نقده للمسيحية. وعلم أبناءه (الذين أصبح ثلاثة منهم ملوكاً) أن "أسباب الامتياز التي تحظون بها لم تعطكم إياها الطبيعة، التي خلقت الناس كلهم سواسية"(131). واعترف لويس السادس عشر في مواسيمه بـ "القانون الطبيعي" و "حقوق الإنسان"(132). المترتبة على طبيعة الإنسان بوصفه كائناً عاقلاً.

وأضافت الثورة الأمريكية مزيداً من المكانة والقدر للأفكار الجمهورية. ولقد استمدت تلك الثورة هي أيضاً قوتها من وقائع الحال الاقتصادية كنظام الضرائب والتجارة، وكان "إعلان استقلالها" مديناً للمفكرين الإنجليز دينه للمفكرين الفرنسيين، ولكن لوحظ أن واشنطن، وفرانكلين وجفرسن، قد تهيأوا لقبول الفكر الحر بفضل جماعة الفلاسفة الفرنسيين. وعن طريق أولئك الأبناء الأمريكيين للتنوير الفرنسي، تدرجت النظريات الجمهورية حتى تمثلت حكومة ظافرة في السلاح، يعترف بها ملك فرنسي، وتمضي في إرساء يدين ببعض الفضل لمونتسكيو.

ولقد مرت الثورة الفرنسية بثلاث مراحل. ففي الأولى حاول النبلاء عن طريق البرلمانات، أن يستردوا من الملكية ذلك السلطان الذي انتزعه منهم لويس الرابع عشر، وهؤلاء النبلاء لم يستلهموا جماعة الفلاسفة. وفي المرحلة الثانية ظفرت الطبقات الوسطى بالتحكم في الثورة، وكانت عميقة التشرب بأفكار الفلاسفة، ولكن المعنى الذي فهمته من "المساواة" كان مساواة البورجوازي بالأرستقراطي. وفي المرحلة الثالثة انتزع الرياسة زعماء غوغاء المدينة. وظلت جماهير الشعب متمسكة بالدين، ولكن زعماءهم كانوا قد فقدوا احترامهم للقساوسة والملوك؛ وأحبت الجماهير لويس السادس عشر إلى النهاية، ولكن زعماءهم ضربوا عنقه. وبعد 6 أكتوبر 1789، سيطر اليعاقبة على باريس، وكان روسو إلاههم. وفي 10 نوفمبر 1793 احتفل المتطرفون الظافرون بعيد العقل في كاتدرائية نوتردام. وفي تور أحل الثوار تماثيل جديدة تسمى مابليه، وروسو، وفولتير محل تماثيل القديسين. وفي شارتر عام 1795، في الكاتدرائية الشهيرة، افتتح عيد العقل بدراما أظهر فيها فولتير وروسو متحدين في حملة على التعصب(133).

لا سبيل إلى الشك إذن في أن الفلاسفة أثروا تأثيراً عميقاً في أيديولوجية الثورة ودرامتها السياسية. أنهم لم يقصدوا إلى العنف، أو التقتيل، أو الجيلوتين؛ ولو قد شهدوا هذه المناظر الدموية لاقشعروا رعباً، ولربما قالوا بحق إنه قد أسئ فهمهم على نحو قاس، ولكنهم كانوا مسئولين بقدر ما استخفوا بأثر الدين والتقاليد في ضبط الغرائز الحيوانية للبشر. وكانت الثورة الحقيقية أثناء ذلك ماضية في طريقها في ظل تلك الآراء الأخاذة والأحداث المرئية، إذ انتزعت الطبقات الوسطى من الأرستقراطية والملك التسلط على الاقتصاد والدولة، متذرعة بالفلسفة أداة من مائة أداة أخرى في بلوغ غايتها تلك.