عصر محمد علي (كتاب)

من معرفة المصادر

عصر محمد علي عبد الرحمن الرافعي – دار المعارف

محتويات

أقسام الكتاب

مقدمة الطبعة الرابعة – مقدمة الطبعة الثالثة – مقدمة الطبعة الثانية – مقدمة الطبعة الأولى

الفصل الأول: الزعامة الشعبية في السنوات الأولى من حكم محمد علي

الفصل الثاني: الحملة الإنجليزية سنة 1807 وفشلها

الفصل الثالث: اختفاء الزعامة الشعبية من الميدان

الفصل الرابع: انفراد محمد علي بالحكم

الفصل الخامس: تحقيق الاستقلال القومي – حروب مصر في عهد محمد علي

الفصل السادس: فتح السودان وتحقيق وحدة وادي النيل

الفصل السابع: حرب اليونان

الفصل الثامن: الحرب في سورية والأناضول

الفصل التاسع: معاهدة لندن ومركز مصر الدولي

الفصل العاشر: دعائم الاستقلال – الجيش

الفصل الحادي عشر: الأسطول

الفصل الثاني عشر: التعليم والنهضة العلمية

الفصل الثالث عشر: أعمال العمران والحالة الاقتصادية

الفصل الرابع عشر: نظام الحكم

الفصل الخامس عشر: الحالة الاجتماعية

الفصل السادس عشر: شخصية محمد علي والحكم على عصره

الفصل السابع عشر: إبراهيم باشا

وثائق تاريخية: الفهارس




الجزء الأول:

مقدمة الكتاب واهداؤه. الفصل الأول: نظام الحكم في عهد المماليك. الفصل الثاني: تطور نظام الحكم في عهد الحملة الفرنسية. الفصل الثالث: نظم الحكم التي أسسها نابليون في مصر – ديوان القاهرة، دواوين الأقاليم، الديوان العام. الفصل الرابع: المجمع العلمي. الفصل الخامس: المقاومة الأهلية في عهد الحملة الفرنسية، في الإسكندرية الفصل السادس: في البحيرة، معركة شبراخيت، نهب القرى. الفصل السابع: في القاهرة، واقعة إمبابة أو معركة الأهرام. الفصل الثامن: عود الى الاسكندرية، واقعة أبو قير، ديوان الاسكندرية. الفصل التاسع: في رشيد. الفصل العاشر: عود الى البحيرة ورشيد. الفصل الحادي عشر: في القليوبية والشرقية. الفصل الثاني عشر: عود الى القاهرة، سياسة الحفلات. الفصل الثالث عشر: ثورة القاهرة الاولى. الفصل الرابع عشر: في المنوفية والغربية. الفصل الخامس عشر: في الدقهلية ودمياط. الفصل السادس عشر: المقاومة في الوجه القبلي. الفصل السابع عشر: استمرار المقاومة في الوجه القبلي. الفصل الثامن عشر: وثائق تاريخية. الفصل التاسع عشر: مراجع البحث.



الجزء الثاني

مقدمة الجزء الثاني. الفصل الأول: اعادة الديوان في عهد نابليون، نظام الديوان الجديد، الديوان العمومي والديواني الخصوصي. الفصل الثاني: الحملة على سورية. الفصل الثالث: الحالة في مصر اثناء الحملة على سورية، الثورة في الشرقية، الثورة في غرب الدلتا. الفصل الرابع: سياسة نابليون في مصر بعد عودته من سورية، معركة أبو قير البرية. الفصل الخامس: اضطراب الاحوال في فرنسا ورحيل نابليون. الفصل السادس: قيادة الجنرال كليبر. الفصل السابع: معاهدة العريش. الفصل الثامن: نقض المعاهدة ومعركة عين شمس. الفصل التاسع: ثورة القاهرة الثانية. الفصل العاشر: مقتل الجنرال كليبر. الفصل الحادي عشر: قيادة الجنرال مينو. الفصل الثاني عشر: هزيمة الفرنسيين وجلاؤهم عن مصر. الفصل الثالث عشر: نتائج ظهور العامل القومي على مسرح الحوادث السياسية في مصر بعد جلاء الفرنسيين، قادة الشعب وزعماؤه، ظهور محمد علي الكبير، الصراع بين القوات الثلاث ، جلاء الانجليز عن مصر ورحيلهم عنها، ثورة الشعب على المماليك، ثورة الشعب على الوالي التريك، أيام الثورة، خلع خورشيد باشا والمناداة بمحمد علي واليا على مصر، السيد عمر مكرم روح الحركة، ختام الثورة. الفصل الرابع عشر: وثائق تاريخية.





















عبد الرحمن الرافعي وفكره في كتابه عصر محمد علي

أحب أن أسجل قبل تقديم هذا الكتاب فضل الرئيس محمد أنور السادات الذي ألهمه الله ضمن مآثره على مصر وأبناء مصر، أن يأمر باعادة طبع مؤلفات عبد الرحمن الرافعي التاريخية والوطنية. حتى يقف الشعب المصري على حقيقة تاريخ بلده. جعل الجنة مثوى الرئيس البطل حيث استشهد في يوم 6 أكتوبر 1981 في أثناء العرض العسكري بيد آثمة غادرة برغم كفاحة ونضاله في سبيل مصر وترابها. وأبناء مصر كافة، وأعماله الخالدة في قضية مصر، حيث حررها من الاحتلال، وحقق لها الامان والأمن، ولأبنائها الكرامة والرخاء والسعادة. فهو من النبيين والصديقين والشهداء في جنات النعيم.

ونعود الى كتاب الاستاذ عبد الرحمن الرافعي، عصر محمد علي، الذي ربطه بكتابيه السابقين – تاريخ الحركة القومية بجزئيه الأول والثاني – فبين المؤلف كيف آل الحكم الى محمد علي بارادة الشعب المصري، وكيف كان سرده للوقائع بدقة وأمانة يمهد لها ويورد بعد سردها نتائجها ورايه في هذه الواقعة وتلك النتائج، لم يكن يكتب كتابه عن عصر محمد علي من زاوية الحزب الوطني، لأن الحزب الوطني لم يكن في عالم الحياة. في هذه الحقبة من تاريخ مصر. ولنا شرح هذه المسالة عند تقديم مؤلفاته عن الثورة العربية وما بعدها. ولم يكن متحيزا لتركيا كما يدعي بعضهم. ونظرة الى الفصول العديدة تجده كيف كان يهاجم تركيا ويسجل عليها مواقفها العدائية قبل شعب مصر.

لم يكن يكتب المؤلف عن محمد علي فحسب بقدر ما ابرزه عن عظمة الشعب المصري، وزعاماته الشعبية امثال السيد عمر مكرم وغيره من زعماء مصر.

تحدث المؤلف عن مقاومة الشعب للاحتلال الانجليزي الذي وقع عام 1807 الذي مني بالهزيمة بفضل كفاح وجهاد الشعب المصري. فرحل الانجليز عن مصر في نفس العام. وكتب عن امجاد محمد علي في الحروب التي خاضها في الحجاز وسورية والاناضول واليونان والسودان والمورة وكريت، ونسب هذه الانتصارات الى الجيش المصري والاسطول البحري المصري، الذي كان لمحمد علي وابنه قائد حروب الاستقلال فضل في انشائه من ابناء مصر، ثم تعهدهما بتنظيمه وترقيته ودقة خططهم.

وأبان المؤلف الحضارة الفكرية والادبية والعلمية والاجتماعية، ونهضة مصر في سائر المجالات في الصناعة والزراعة والبناء وغيرها، وقد تعهدها محمد علي الذي أسس بحق مصر المستقلة.

مزايا وانتصارات محمد علي سجلها المؤلف بدقة. وهناك المآخذ التي أخذها على حكم محمد علي أنه لم يحقق الحرية لشعبه، ولم يفكر في انشاء نظام نيابي يمثل الشعب، واحتكر الاراضي الزراعية وحاصلات مصر الزراعية وصناعاتها، وسائر مرافق الدولة لنفسه. فلم يتح الفرصة للصانع المصري أو الفلاح المصري أو التاجر المصري ان يكون حرا في صناعته، او الفلاح المصري مالكا لارضه. وقبض على تجارة مصر كلها. وصار الرافعي يوضح نتائج ذلك على الاقتصاد القومي لمصر وثرواتها.

في الوقت نفسه لم يبخص المؤلف محمد علي حقه فيما أداه نحو مصر فجعلها دولة مستقلة ذات سيادة كاملة جابت جيوشها البرية وأساطيلها البحرية الآفاق، حتى ترى الدول الاوروبية متكانفة قبله، وخشيت من اختلال التوازن الدولي. وفي اوروبا بصفة خاصة، وكشف الرافعي عن ذكاء وفطنة وقومة عزيمة محمد علي، برغم أنه لم يكن يعرف القراءة والكتابة التي تعلمها وهو في سن الاربعين.

وكيف كانت شجاعة محمد علي وشكيمته ومضاء عزيمته ذات أثر بارز في تحقيق القومية المصرية، ثم وحدة وادي النيل، التي قال الرافعي عن هذه الوحدة انها حقيقة واقعة، لان السودان جزء من مصر ، ومصر جزء من السودان.

ثم سرد المؤلف فضل محمد علي في النهضة العمرانية والزراعية والادبية والعلمية، وصار يعدد مناقبه، ذلك لم يمنع الرافعي انه قال عن مذبحة القلعة انها نقطة سيئة في تاريخ محمد علي باشا، وأنها قضت على روح الديمقراطية التي كانت قد ظهرت بوادرها في احتجاجات الشعب على المظالم، وقال ان الشعب بعد مذبحة القلعة فقد ناحية الشجاعة الادبية والروح الديموقراطية، تلك الناحية التي هي من اركان عظمة الامم، ومن دعائم حياتها القومية.

فالرافعي في كل سطر كتبه عن عصر محمد علي تشعر انه رجل مبادئ يدين بالديمقراطية، وينشد الحرية لشعب، ويحقق له حياة نيابية تمثله، وهو ما كانت تفتقده مصر ابان حكم محمد علي لها.

استشهد الرافعي بمراجع كثيرة مصرية وأجنبية: أهما كتاب المؤرخ الكبير الجبرتي. يناقش ما يستشهد به ويحققه. ويخلص الى حقيقته ومدى ما يحويه من حقائق، ويبدي رأيه خالصا مؤيدا بحجج وأدلة.

فكر الرافعي في كتابه عصر محمد علي أنه لم يكن يؤرخ لمحمد علي فحسب، بل يبرز كفاح الشعب المصري من خلال حكم محمد علي. والحروب التي انتصر فيها الجيش المصري برا وبحرا. وترجم لقواد الجيش كل على حدة، كما ضمن كتابه تراجم عمن كان له نصيب من كفاح في تكوين دعائم الاستقلال والنهضة العمرانية في كافة المجالات. انظر لما قاله عن سليمان الفرنساوي (الجنرال سيف) وما قاله عن ابراهيم ادهم باشا احد الضباط المصريين الاكفاء الذين نهضوا بالمدفعية المصرية. والحاج عمر الذي تعهد بهندسة السفن الحربية وبنائها في الترسانة القديمة. ثم قواد الاسطول المصري ورجال البعثات العلمية الذين أوفدهم محمد علي الى اوروبا لتحصيل العلوم والفنون في كافة المجالات: من هندسة وطب وحرب وصناعة وغيرها.

ها هو ذا الرافعي يتحدث عن رفاعة رافع الطهطاوي في عدة صفحات من الكتاب: حياته وعلمه ومؤلفاته التي لم يكن يعلم الا القليل عنها. لولا اشارات الرافعي اليها.

ثم يتحدث عن علماء الهندسة والرياضيات، كل على حدة، ويبرز اعمالهم. ثم علماء الطب والجراحة. ثم رجال الدولة والسياسة، ومن بينهم محمد شريف باشا، الذي قال حكمته: "اذا تركنا السودان فالسودان لا يتركنا" ووعد بترجمة حياته في كتابه عصر اسماعيل. ثم غيره من رجال الحربية والادارة العسكرية والملاحة والعلوم البحرية، وبناء السفن، والحقوق والعلوم السياسية، والطبيعيات، والزراعة والفنون الجميلة.

ولم يغب عن فكر الرافعي ان يتحدث وهو بصدد بيان اعمال العدوان في عصر محمد علي ان يبين حالة مصر الاقتصادية والزراعية وشئون الري. وكيف تم انشاء القناطر الخيرية، واثرها في ري الاطيان الزراعية. وحاصلات مصر التي ادخلها محمد علي في عهده، ومصانع الغزل والنسج، كل مصنع على حدة: مكانه وانتاجه ومحتوياته وغيرها من المصانع.

ان الرافعي فوق انه يتسم بفكر صادق فقد كان منصفا فيما سجله من حقائق، ورايه فيها بكل دقة وامانة وصدق.. لا ينحاز ولا يتاثر الا بما يمليه عليه فكره ورايه.

لقد انهى الرافعي كتابه بالحديث عن شخصية محمد علي. ثم شخصية ابنه ابراهيم القائد العظيم.

لم يكن الرافعي يتجه الى مجرد كتابة تاريخ في فترة من الزمن او عن محمد علي وحده، بل ان فكره كان يتجه الى كافة النواحي: اجتماعية واقتصادية وقومية وغيرها التي كانت تحيط مصر.

ولا شك ان الرافعي يخالف كثيرا من اتبعوا نظرية كتابة التاريخ للتاريخ فقط، لان المتامل في فكر الرافعي في كتابه عصر محمد علي يخلص الى ان الرجل كان يربط الماضي بالحاضر، ويتنبأ بالمستقبل كأثر من آثار الواقعة التي يشرحها، وكان يجمع الاحصائيات والبيانات ويقارنها في حقبات من الزمن: فالدقة والصدق والنزعة الى الحرية والديموقراطية والاشادة بكفاح الشعب المصري وجهاده وفضل محمد علي ومآخذه عليه – انصفه حيث يستحق الانصاف ، وسجل عليه ما يؤخذ عليه.

والمتتبع لحركات الدول الأوربية حيال مصر في عهد محمد – التي سجلها الرافعي في كتابه بتفصيل وتعليق عليها – يجد ان التاريخ قد اعاد نفسه ، بعد انتهاء عصر محمد علي، كل ذلك يبين في مؤلفات الرافعي التالية لهذا الكتاب.

جزاه الله على ما قدمه لمصر ونفع به الاجيال المتعاقبة والله ولي التوفيق.

اكتوبر سنة 1981

المستشار حلمي السباعي شاهين

الفصل الأول: الزعامة الشعبية في السنوات الأولى لحكم محمد علي

موقف محمد علي في بداءة حكمه

تقلد محمد علي باشا ولاية الحكم بارادة زعماء الشعب ونزولا على رايهم في 13 مايو سنة 1805، كما أوضحنا ذلك تفصيلا بالجزء الثاني من كتاب تاريخ الحركة القومية. فالزعامة الشعبية هي التي ابلغته سلطة الحكم، وقد ظلت هذه الزعامة في الميدان، وبقيت قائمة عاملة في السنوات الاولى من حكم محمد علي، فكان لها أثر فعال في تثبيت دعائم ملكه وتذليل العقبات التي وضعها في طريقه رجال الاستانة من جهة، والانجليز وصنائعهم المماليك من جهة اخرى، واحباط الدسائس التي دبروها والمؤامرات التي سعوا بها الى اقتلاعه عن كرسي الولاية، فالزعامة الشعبية كان لها فضل وعمل هام من هذه الناحية، وكذلك كان لها عمل كبير في توجيه الشئون العامة، ونصيب وافر في سلطة الحكومة. وسنحبث في هذا الفصل مبلغ سلطة تلك الزعامة وعملها في تلك السنوات.

لم ترسخ قدم محمد علي باشا في الحكم بمجرد مبايعته او صدور الفرمان المؤذن بتوليته، فان الدسائس كانت تحيط بها من كل جانب، فالسياسة الانجليزية تسعى بمختلف الوسائل لترد السلطة الى محمد بك الالفي، وكان عمالها في الاستانة لا يفتأون يسعون لدى الباب العالي في اسناد حكم مصر اليه، وقناصلها في مصر يمدون المماليك بالمعونة، ويحركون الطمع في نفوسهم ويلقون في روعهم ان انجلترا لا تدع صنائعها ولا تتخلى عنهم، وانها لابد محققة آمالهم، والمماليك من ناحيتهم كانوا يجمعون جموعهم ليحاربوا الوالي الجديد.

موقف تركيا

وكانت السياسة التركية مترددة غير مستقرة، ترقب الاحوال لتتبع الخطة التي تراها أكفل بمصلحتها وأوفق لبسط نفوذها في مصر، ولم تكن خالصة النية نحو محمد علي باشا، بل كانت ترميه بعين البغض، وتنفس عليه رسوخ قدمه في مصر، وحسبه جرما في نظرها انه لم يكن من الولاة الذين ترسلهم كل عامة الى مصر وتوليهم وتعزلهم كماتشاء، بل كان الوالي المختار من الشعب المصري، فالشعب هو الذي أجلسه على كرسي الولاية، ولم تكن هذه الطريقة في تعين الولاة مما يروق في نظر الحكومة التركية، صحيح أن حكومة الاستانة قد لبت نداء الشعب المصري وأصدرت فرمانها بعزل الوالي الذي ثار عليه الشعب (وهو خورشيد باشا)، وتعيين محمد علي واليا مكانه، وقد أوفدت الى القاهرة رسولا يحمل هذا الفرمان، ولكن هذا لم يكن دليلا على خلوص نية تركيا نحو مصر، وهو لا يعدو ان يكون حلال مؤقتا تتفادى به من ثورة الشعب الى ان تحين الفرصة فتسترجع سلطتها في البلاد وتضع يدها حيث شاءت، ولو كانت صادقة النية لاكتفت برسولها ذاك يحمل فرمان اسناد الولاية الى محمد علي، لكنها اوفدت بعد ذلك قبطان باشا في عمارة حربية تقل 2500 من الجنود ليرقب الحالة في مصر ويجعل عينه على الحوادث، ويتخذ من القرارات النهائية ما يراه موافقا لمصلحة تركيا. ووصلت هذه العمارة الى ابو قير يوم 17 يوليه سنة 1805 اي في الوقت الذي كان خورشيد باشا ما زال ممتنعا في القلعة معتصما بها، ولم تجر عادة تركيا بارسال مثل هذه القوة الا ذريعة لحدث تحدثه في البلاد، فهذه القوة الحربية لم تأت الى مصر عبثا، بل جاءت ليستعين بها قبطان باشا على انفاذ أغراضه الخفية، ولقد كانت مهمته الظاهرة استنزال خورشيد باشا الوالي المعزول من القلعة، بيد ان الحكومة التركية خولته السلطة المطلقة في تثبيت محمد علي في الولاية او عزله منها.

وتتبين لك مقاصد تركيا من ان قبطان باشا لم يبرح السواحل المصرية بعد انقضاء مهمته الظاهرة، بل ظل متربصا وحوله الخمسمائة والالف مقاتل. وأخذ يرقب الحالة ليتبع الكفة الراجحة، وقد راسله محمد بك الالفي زعيم المماليك وعرض عليه ان ينحاز بقواته الى سلحدار خورشيد باشا الذي كان لم يزل بالجيزة يناوئ محمد علي، وان ينضموا جميعا الى الجنود الذين جاء بهم قبطان باشا، ويزحفوا على القاهرة لينتزعوها من محمد علي ويطردوا الجنود الارنامود من البلاد.

دسائس السياسة الانجليزية

وتردد ايضا عليه رسل الانجليز اثناء مقامه في ابو قير وايدوا مطالب محمد بك الالفي، وسعوا في اقناعه باسناد ولاية مصر اليه، وحسنوا له ذلك الامر، زعمين ان المماليك هم وحدهم القادرون على حكمها واعادة الامن والنظام في ربوعها، وان بقاء محمد علي في كرسي الولاية يجدد الفتن ويستفز المماليك الى استنئاف الحرب والقتال ويحفزهم الى الزحف علي القاهرة لاسترداد سطلتهم القديمة، فيضطرب حبل الامن، ولم يكتف رسل الانجليز بتأييد صنائعهم المماليك على هذا النحو، بل جاهروا بان الحكومة الانجليزية قد تضطر الى تجريد جيش على مصر لتأييد وجهة نظرها.

فالسياسة الانجليزية كانت ترمي منذ نيف ومائة عام الى تثبيت قدمها في وادي النيل، بتولية صنائعها من المماليك حكم البلاد، وتتهدد بتجريد قواتها لهذا الغرض، وقد جردت هذه القوة فعلا سنة 1807 كما سيجئ بيانه.

أما حجة محمد علي لدى قبطان باشا فهي انه مؤيد من زعماء الشعب، مرضى عنه منهم، وانه الكفيل بانتشال البلاد من وهدة الفوضى والفتن التي تردت فيها، وانه بمقاومته المماليك وحمائهم الانجليز لا يخدم مصر وحدها بل يخدم الباب العالي ويحول دون تحقيق مطامع السياسة الانجليزية في البلاد.

معاضدة زعماء الشعب لمحمد علي

فمحمد علي باشا كان اذن في حاجة كبرى الى تاييد الزعامة الشعبية واقرارها اياه في مركزه ليقوى بها على مقاومة العواصف التي هبت عليه من مختلف الجهات.

وقد بقيت تلك الزعامة تؤيده وتناصره، وتمده بالعون والعضد، فكان لها النفوذ الفعال والفضل الكبير في تثبيت دعائم عرضه في السنوات الاولى من حكمه.

ومن الواجب ان نبادر فنقول ان السيد عمر مكرم الذي كان على راس تلك الزعامة وحامل لوائها في تقليد محمد علي سلطة الحكم قد احتفظ بهذه المهمة فيما بذلته الزعامة الشعبية للدفاع عن عرشه.

وكان المماليك يعرفون ذلك النفوذ لزعماء الشعب وخاصة للسيد عمر مكرم ويعلمون انهم هم الذين اقتادوا الجماهير وانحازوا بها الى محمد علي، فلما فتئوا بعد توليته يسعون الى استمالتهم في جانبهم ليسكبوا نفوذهم المعنوي في ثل عرش الوالي الجديد، لكنهم وجدوا فيهم اباء واعراضا وثبت زعماء الشعب على مناصرتهم لمحمد علي.

هجوم المماليك على القاهرة واخفاقهم

(اغسطس سنة 1805)

دبر المماليك الهجوم على القاهرة ليستولوا عنوة على زمام الحكم، وبادروا الى انفاذه في شهر اغسطس سنة 1805،ولما يمض شهران على تولية محمد علي باشا، وربما كان قصدهم من هذا التعجيل ان يضربوا ضربتهم قبل رحيل قبطان باشا عن مصر ليشهد بعينه قوة المماليك وشدة باسهم، فينحاز الى جانبهم ويولي واحدا من زعمائهم حكم مصر، وقد اختارو لهجومهم يوم الاحتفال بوفاء النيل (اغسطس سنة 1805) اذ يكون محمد علي باشا والجمع الحاشد من الجنود والاهالي مشغولين بالاحتفال في مصر القديمة بعيدا عن المدينة. واحكموا تدبيرهم، او خيل اليهم انهم احكموه، بان تآمروا سرا مع بعض رؤساء الجند ان ينضموا اليهم اذا هم دخلوا المدينة، وتبادلوا واياهم الرسائل من قبل في هذا الصدد، لكن محمد علي علم بسر هذه المؤامرة، فاعتزم ان يوقع المماليك في الكيد الذي كادوا، واتفق سرا مع بعض رجاله الامناء على ان يتصلوا بالمماليك ويتظاهروا لهم بالاخلاص، ويستدرجوهم الى دخول العاصمة، فيمدوا لهم في غيهم، ويزينوا لهم نجاح خطتهم، وهم في الواقع اعوان لمحمد علي ، ففي اليوم الموعود هجم المماليك على القاهرة في قوة تبلغ ألفا من المقاتلة شاكي السلاح، وعلى راسهم جماعة من زعمائهم وهم عثمان بك حسن وشاهين بك المرادي واحمد كاشف سليم وغيرهم، واقتحموا باب الحسينية بعد ان حطموه ودخلوا القاهرة من باب الفتوح، وقصد زعماؤهم الى دار السيد عمر مكرم ليعجموا عوده ويستنجدوه، ولكنه رفض مقابلتهم، فقصدوا الى دار الشيخ عبد الله الشرقاوي شيخ الجامع الازهر وهناك وافاهم السيد عمر مكرم وصارحهم القول بألا ينتظروا منهم عونا ولا نجدة، ونصح اليهم ان يعودوا من حيث أتوا ، فعلموا ان الزعامة الشعبية لا تؤيدهم، وانقلبوا هناك خائبين، ودب الفشل والارتباك في صفوفهم وصفوف جندهم، فخرج فريق منهم من باب البرقية نجاة بأنفسهم، وذهب رهط آخر الى باب زويلة وتقدموا جهة الباب الأحمر، فتلقاهم الجند الذين كانوا وذهب رهط آخر الى باب زويلة وتقدموا جهة الدرب الاحمر، فتلقاهم الجند الذين كانوا هناك بالرصاص فتقهقروا الى داخل باب زويلة، وحاولوا دخول جامعة المؤيد والامتناع به، فهاجمهم جماعة من المغاربة والمرابطين هناك وأطلقوا عليهم الرصاص، فلجأ فريق منهم الى جامعة البرقوقية، وذهبت طائفة أخرى تعدو بخيلها الى باب النصر، فألفوه مقفلا، فنزلوا عن جيادهم وتسلق بعضهم الأسوار ونجا بنفسه، وتفرق آخرون في العطوف واختفوا فيها، وأما الذين لجأوا الى جامعة البرقوقية فان اثنين منهم تمكنا من الخروج ولحقا بالمماليك النازلين بدار الشيخ الشرقاوي، وبعد أن أنبأهم بما وقع فر الجميع خارجين من باب الغريب، أما الباقون (في جامعة البرقوقة) فقد أحاط بهم الجند وقتلوا منهم مقتلة نحو الخمسين وأسروا نحو الثمانين وذهبوا بهم الى محمد علي باشا، فأمر بقتلهم فقتلوا جميعا، وبذلك انتهت مؤامرة المماليك بالخيبة والخسران، قال الجبرتي في هذا الصدد ما معناه: "ولم يتفق للامراء المصرية (المماليك) أقبح ولا أشنع من هذه الحادثة وطبع الله على قلوبهم وأعمى ابصارهم وغل أيديهم.

استيلاء محمد علي على الجيزة

وانتهز محمد علي فرصة هذه الهزيمة فاستولى على الجيزة (سبتمبر سنة 1805) وكانت لم تزل الى ذلك في ايدي المماليك، وظهر عليهم وعلى سلحدار خورشيد باشا، واضطره الى التسليم والتخلي عن جنده وذخائره واللحاق بمولاه خورشيد باشا في الاسكندرية.

رحيل قبطان باشا الى الاستانة

وطدت هذه الحوادث مركز محمد علي، فلم يعد قبطان باشا يتردد في اي الفريقين ينضم اليه، وراى أن محمد علي باشا هو الأحق بالتأييد، لأن الشعب والقوة في جانبه، واعتزم أن ينقلب الى الأستانة، فرحل عن البلاد في أكتوبر سنة 1805، ومعه خورشيد باشا الوالي المخلوع.

غادر قبطان باشا أرض مصر وهو يتنبأ لمحمد علي بمستقبل كبير، فقد روى عنه أنه قال يوما قبل رحيله: "اني لأترك في مصر رجلا ستجده الدولة يوما من أعظم خصومها شأنا وأكبرهم خطرا، ولم يوفق سلاطينها الى رجل مثل هذا الباشا في دهائه وحزمه ومضاء عزيمته"، وقد حققت الأيام صحة هذا الرأي فان محمد علي قد خرج على تركيا وهزم جيوشها في ميادين الحرب وزلزل عرش السلطنة العثمانية وكاد يدكه لولا أن وقفت أوروبا في طريقه.

رجوع محمد علي إلى زعماء الشعب في مهمات الأمور

عرف محمد علي باشا ما لزعماء الشعب من المكانة والنفوذ عند الجماهير، فقدر لهم هذه المنزلة، وكان يرجع اليهم ويستشيرهم فيما يجد من مهمات الأمور، فمن ذلك انه كلما احتاجت الحكومة الت قرير اتاوة جديدة رجع اليهم بادئ الأمر وأوضح لهم الحاجة الملجئة إليها، وخاصة اذا كان الغرض منها دفع رواتب الجند، فينال اقرارهم وموافقتهم، ذكر الجبرتي ما خلاصته أنه في أواخر جمادى الثانية سنة 1220 (سبتمبر سنة 1805) احتاج الى دفع باقي أعطية العسكرة "فتكلم مع المشايخ في ذلك وأخبرهم بأن العسكر باق لهم ثلاثة آلاف كيس لا نعرف لتحصيلها طريقة، فانظروا في ذلك وكيف يكون العمل، ولم يبق إلا هذه النوبة"، وأقنعهم بأنه اذا أخذ العسكر رواتبهم سافروا الى بلادهم ولم يبق منهم الا من كان في حاجة إليهم ومن يتولون المناصب من ضباطهم.

وقد اقتنع زعماء الشعب بهذه الحجة وخاصة لأنهم كانوا يميلون إلى رحيل الجنود الأرناؤود والدلاة عن البلاد لكثرة مساوئهم واعتدائهم على الناس، فوافقوا على فرض الاتاوة الجديدة.

ومما يلفت النظر في مشاورة محمد علي باشا للشيوخ قوله لهم: "ولم يبق إلا هذه النوبة"، وهذا يدلك على مبالغ عنايته باكتساب رضاهم واقناعهم بأن الحاجة الى صرف رواتب الجنود هي التي ألجأته الى هذه الاتاوة، وان هذه آخر مرة يلجأ فيها الى زيادة الضرائب، وقد اقتنع الشيوخ بهذه الحجة كما قدمنا، واستقر الراي بعد المشاورة على أن تستولي الحكومة في ذلك العام على ثلث الفائض من الحصص والالتزام (أي على ثلث ايراد الملتزمين لأن ما يسمونه الفائض هو صافي دخلهم)، وكان الملتزمون يؤلفون إلى ذلك العهد طبقة كبيرة من الملاك، فتبرموا بهذه الاتاوة التي هي أشبه بالمصادرة، وضجوا من حرمانهم ثلث إيرادهم كل عام، ولكن محمد علي باشا أراد أن يطمئنهم بأن هذه الوسيلة استثنائية وأنها لا تتكرر كل سنة فوعد الشيوخ بكتابة فرمان يلتزم فيه عدم العودة الى ذلك ثانيا ويثبت فيه "لعن الله من يفعلها مرة أخرى"، فاقتنع الشيوخ بهذا الشرط، وانفجرت الأزمة مؤقتا.

كان زعماء الشعب اذن مرجع الحكومة فيما تفرضه من الإتاوات والضرائب، كما كانوا ملجأ الشعب في تخفيف ما تفرضه منها، ومن ذلك أن الحكومة فرضت في تلك السنة (أكتوبر سنة 1805) على أهل رشيد إتاوة قدرها أربعون ألف ريال توزع على ثلاثة عشر من تجار المدينة، فحضر الى القاهرة وفد من أهل رشيد يتظلمون من هذه الإتاورة، وقابلوا السيد عمر مكرم والشيوخ ورفعوا اليهم ظلامتهم، فقام السيد عمرو وفي صحبته الشيوخ وعروضا الأمر على محمد علي باشا، وتشاوروا في تخفيف الإتاورة، فاستقر الرأي على إنزالها إلى عشرين ألف ريال، وفي مايو سنة 1806 طلبت الحكومة قرضا من الملتزمين والتجار على القاعدة التي سار عليها خورشيد باشا الوالي المعزول في العام لاسابق (سنة 1804) فضاق الناس ذرعا وذهبوا أفواجا إلى السيد عمر مكرم يشكون ويتبرمون، فبذل ما في وسعه للتخفيف عن بعضهم.

مكانة السيد عمر مكرم

يتبين من هذه الوقائع أن زعماء الشعب وعلى رأسهم السيد عمر مكرم كان لهم نفوذ فعال في ادارة الحكومة، وكانوا ملجأ الناس في رفع المظالم، وقد عظم نفوذ السيد عمر مكرم في تلك السنوات الى ما لم يسبق له نظير من قبل، ولا غرو فهو الذي اجلس محمد علي على عرش مصر وكان في السنوات الأولى من حكمه أحد أركان ذلك العرش.

ولقد بلغ من مكانته ان محمد علي باشا لما اعتزم ان يجرد جيشا لمحاربة محمد بك الألفي في الصعيد (ابريل سنة 1806 – صفر سنة 1221) عرض عليه أن يستخلفه فينوب عنه ويكون قائمقاما مدة غيبته، فامتنع السيد عمر مكرم ولم يقبل، ولم يذكر الجبرتي سبب امتناعه، ولكن اذا صح ما يقوله من أنه "تبين أنها ايهامات لا اصل لها" فيكون الامتناع راجعا الى أنه شعر بأن العرض لم يكن الا ضربا من ضروب المجاملة والتكريم، أو لأنه كان يتورع عن مناصب السلطة ويخشى ان يتمه حساده – وكانوا كثيرين – بأنه يسعى الى الجاه ولا يعطي الا ليأخذ، فأراد أن يجعل جهاده خالصا لوجه الله والوطن.

ولم يكن السيد عمر مكرم في حاجة الى ان يكون قامئقاما ليعظم مركزه، فقد كان له في نفوس الشعب أكبر منزلة وأعظم مكانة، وكان في الاجتماعات والحفلات العامة يتقدم المدعوين فيخلون له صدر المجالس طواعية واختيارا، فيكون بجانب محمد علي كتفا لكتف، وحسبك أن تقرأ بعض ما ذكره الجبرتي عنه في مناسبات مختلفة لتعرف الى أي حد بلغ نفوذه ومكانته، قال: "ارتفع شأن السيد عمر وزاد أمره بمباشرة الوقائع وولاية محمد علي باشا ، وصار بيده الحل والعقد والأمر والنهي والمرجع في الأمور الكلية والجزئية"، وقال في موضع آخر: "ولما وقع ما وقع في ولاية محمد علي باشا وانفرد السيد عمر أفندي في الرياسة صارت بيده مقاليد الأمور".

ولا نزاع أن الزعامة الشعبية قد اكتسبت نفوذا معنويا كبيرا لمكانة السيد عمر مكرم وشخصيته ومهابته، فهو بحكم رآساته لهذه الزعامة كان يسبغ عليها من شخصيته الكبيرة ما يجعلها نافذة الكلمة محترمة المقام.

ادرك السيد عمر مكرم اذن مكانة عظمى في نفس الشعب، وعند الحكومة، ولم تكن هذه المكانة لتخفي على زعماء المماليك، فلجأ عليه محمد بك الألفي وطلب وساطته له عند محمد علي باشا وشفاعته لديه ليصفو له وللأمراء المماليك وتنتهي الحرب بينهم على أن يقطعهم جهة يقيمون بها ويستغلونها، لكن محمد علي كان أبعد نظرا من أن يطمئن لخصومه الألداء فعادت الحرب بينهما وانسحب الألفي بك الى الفيوم بعد العدة للقتال، واعتزم ممد عي أن يزحف عليه ليستخلص الوجه القبلي من سلطة المماليك.

الحرب بين محمد علي والمماليك

كان المماليك حتى أوائل سنة 1806 أصحاب النفوذ والحكم في الصعيد، اذ كان محمد بك الألفي يحتل الفيوم، وسليمان بك ومعه ثلاثة من أتباعه البكوات يرابطون بجنودهم شمالي أسيوط، وعثمان بك حسن يرابط في مديرية أسنا، وابراهيم بك الكبير وعثمان بك البرديسي وأتباعها يحتلون شاطئ النيل بين أسيوط والمنيا، فكان على ذلك معظم الصعيد تحت سلطة المماليك، فأنفذ محمد علي جيشا بقيادة حسن باشا للزحف عليهم.

انحدر حسن باشا في النيل من الجيزة ومضى حتى بلغ الرقة، وما كاد يتجاوزها حتى التقى بقوات محمد بك الألفي الذي جاء من الفيوم قاصدا الوجه البحري (مارس سنة 1806 – أواخر ذي الحجة سنة 1220) ، وكان الألفي قد حشد تحت لوائه في الفيوم عدة آلاف من العرب ليناجز بهم قوات محمد علي، فنازل بهم جيش حسن باشا في معركة انتهت بهزيمة هذا الأخير وانسحابه الى الرقة، وتابع الألفي زحفه الى الجيزة ومنها سار شمالا الى البحيرة، اما حسن باشا فلم يشأ ان يصطدم بالالفي وسار جنوبا حتى بلغ بني سويف، وبقى بها لا يعمل عملا، وفي الوقت نفسه تقدم ابراهيم بك وعثمان بك البرديسي شمالا وحاصروا المنيا وكانت بها حامية من جنود محمد علي، وكان موقع المنيا عظيم الخطر، فأمدها حسن باشا بنجدة تحت قيادة أخيه عابدين بك فجاءتها وشدت أزر الحامية، ووقفت الحرب عند هذا الحد اذ واجه محمد علي مشكلة خطيرة كادت تقلب عرشه كما تراه فيما يلي:

محاولة عزل محمد علي واخفاقها

لم يكن محمد علي كما قدمنا مرضيا عنه لا من الحكومة التركية ولا من الانجليز، ولئن أخفقت مناورة سنة 1805 وبقى على عرشه فان ذلك لم يمنع الانجليز من ان يسعوا سعيا حثيثا في تحقيق سياستهم التي ترمي الى اقصائه عن مصر واحلال المماليك مكانه.

دسيسة إنجليزية جديدة

وقد ساعد انجلترا على تجديد سعيها لدى الباب العالي رجحات كفتها في حروبها مع فرنسا حين بلغ الصراع بين الانجليز ونابليون أشده، فقد كان لهم الفوز في معركة (الطرف الأغر) البحرية، حيث اشتبك الأسطول البريطاني بقيادة الأمير نلسن والأسطول الفرنسي الذي يقوده الكونتر أميرال فيلتوف، فانتصار الأسطول الانجليزي في تلك المعركة الشهيرة، وخرجت انجلترا من الحرب قوية الشوكة نافذة الكلمة، باسطة سيادتها على ظهر البحار، وقضت نهائية على آمال نابليون في أن ينازعها تلك السيادة، فصار البحر المتوسط تحت مطلق سلطانها، ورجحت كفتها السياسية في الشرق وخاصة على ضفاف البوسفور حيث لم تعد تخشى مزاحمة فرنسا لها، واخذت تملي سياستها على الباب العالي مستعينة بما أكسبها الفوز البحري على نابليون من الشوكة والنفوذ، واستأنفت تدخلها في المسألة المصرية بما يطابق اهواءها، وكان أول ما قصدت اليه أن تبسط نوفذها في وادي النيل وتحقق المطامع التي فاتها تحقيقها في السنوات الماضية، اثناء الحملة الفرنسية وبعد انتهائها، وكانت على يقين ان بسط نفوذها يتحقق باعادة الحكم في مصر الى صنائعها من المماليك، فطلبت من الباب العالي بلسان سفيرها في الاستانة عزل محمد علي عن ولاية مصر وجعل الحكم فيها الى محمد بك الألفي، وتوصلت الى اقناع الحكومة التركية بوجهة نظرها بحجة ما يعود عليا من النفع من وراء هذا التغيير، وألقت في روعها ان محمد علي باشا لا يميل الى الاذعان لأوامرها ولم يدفع الى ذلك الحين شيئا من الخراج الذي كان يؤديه الولاة السابقون.

سعت انجلترا سعيها لاسناد حكم مصر الى محمد بك الألفي، وكان الألفي على اتصال مستمر بعمال الانجليز، يتبادل واياهم الرسائل والرسل ليتخذ انجلترا شفيعة بل حامية وكفيلة له لدى الباب العالي كي تتفق واياه على الشروط التي يتولى بها الحكم. فعرضت انجلترا على الحكومة التركية ان تعين واليا جديدا بدل محمد علي يكون من طراز الولاة الأتراك الأقدمين الذين كانوا يتركون سلطة الحكم للأمراء المماليك، وأبلغتها أن الألفي يتعهد بأداء جزية سنوية مقدارها 1500 كيس تضمن الحكومة الإنجليزية ايفاءها، ويتعهد بالولاء ويذلك الطاعة والخضوع لأوامر الأستانة، ان هذا الاتفاق اذا تم يكون فاتحة تقدم في المعاملات التجارية بين البلدين مما يؤدي الى زيادة رسوم جمارك مصر وسورية، وبالتالي يعود بالربح على خزانة الإستانة، فاستمع الباب العالي لهذه الحجج، وراى فيها منفعة مادية تعود عيه ولو كان من ورائها تسليم مصر للمطامع الانجليزية، وصادف هذا الاغراء هوى في نفوس حكام الأستانة لأن الباب العالي لم ينس ان اسناد ولاية مصر الى محمد علي كانت نتيجة قيام ثورة شعبية على الوالي الرسمي المعين بمقتضى "فرمان سلطاني"، وأن الارادة الشاهانية التي اقتضت تولية محمد علي انما صدرت تحت ضغط تلك الثورة، وهذا أمر لم يكن سائغا ولا مألوفا عند السلااطين الترك، وكذلك لم يكن مألوفا أن تقر الحكومة التركية اليا في منصبه أكثر من سنة، فلا جرم كانت تنظر الى لقاء محمد علي وسعيه في تثبيت مركزه في مصر بعين السخط والمقت، فصحت عزيمتها على أن تعزله، وأصدرت فرمانا بتوليى موسى باشا في مكانه وتقليد محمد علي ولاية سلاانيك، ومعنى ذلك ابعاده عن مصر، وكان متفقا على أن موسى باشا سيكون آلة في يد المماليك كما كان شأن ولاة مصر في القرن الثامن عشر، وأن يسمح للماليك بشراء أفواج الرقيق من جنسهم وجلبهم الى مصر ورفع الحظر الذي كان مضروبا عليهم في هذا الصدد منذ الحملة الفرنسية فيعودوا الى شراء المماليك من أسواق الرقيق ويقوى بهم جيشهم في مصر، وبذلك تتحقق وجهة النظر البريطانية في المسألة المصرية،ويعود الحكم الى المماليك وتبسط انجلترا نفوذها في مصر على أيديهم.


مجيء أسطول عثماني الى مصر لعزل محمد علي

ولأجل أن تحقق الحكومة التركية ما اعتزمت عليه انفذت عمارةبحرية بقيادة صالح باشا قبودان العمارة العثمانية ليتم النقل والتغيير دون ان تحدث مقاومة او تنهض معارضة، فأقلعت العمارة العثمانية ليتم النقل والتغيير دون ان تحدث مقاومة أو تنهض معارضة، فأقلعت العمارة تقل الوالي الجديد موسى باشا، وكان الألفي قد اطلع من قبل على مفاوضات الانجليز والباب العالي، ووقف عليها من قناصل انجلترا في مصر، وهذا هو السبب الذي دعاه الى التحرك من الفيوم قاصدا الوجه البحري، فكانت غايته من ذلك ان يتلقى القبودان صالح باشا عند حضوره، فلما وصل الى قرب دمنهور علم بوصول العمارة العثمانية، فابتهج لهذا النبأ ابتهاجا عظيما. وصلت العمارة التركية الى الاسكندرية في أول يولية سنة 1806، وكانت من أربع بوارج وفرقاطتين وسفينتين أخريين وعلى ظهرا موسى باشا الوالي الجديد وجنود الحملة المتأهبة للنزول الى البر، وعدتها ثلاثة ىلاف مقاتل، والتقى الألفي في حوش عيسى برسل الترك والانجليز، وهنأوه بقرب تحقيق آماله.

رواية الجبرتي

يتبين من رواية الجبرتي ان محاولة عزل محمد علي تمت بالاتفاق بين الانجليز والحكومة التركية ومحمد بك الالفي، قال في حوادث ربيع الثاني سنة 1221 (يونيه سنة 1806) ما خلاصته:

"وردت سعاة من الاسكندرية وأخبروا بورود أربعة مراكب وفيها عساكر من النظام الجديد وصحبتهم ططريات (رسل) وبعض أشخاص من الانكليز (تأمل!) ومعهم مكاتبة خطابا الى الألفي وبشارة بالرضا والعفو للأمراء المصرية (المماليك) من الدولة العثمانية بشفاعة الانكليز فلما وصلوا اليه بناحية حوش ابن عيسى بالبحيرة سر بقدومهم، وعمل لهم شنكا ، وضرب لهم مدافع كثيرة، وأرسلهم الى الأمراء القبليين (المماليك بالصعيد) وصحبتهم احد سناجقه وهو أمين بك ومحمد كاف تابع ابراهيم بك الكبير، ثم انه ارسل عدة مكاتبات بذلك الخبر الى المشايخ وغيرهم بمصر وكذلك الى مشايخ العربان مثل الحويطات والعائد وشيخ الجزيرة".

وقال في موضع آخر في ترجمة محمد بك الألفي: "وكان مع ما هو فيه من التنقلات والحروب يراسل الدولة والانكليز، وأرسل أمين بك الى الانكليز فسعوا مع الدولة لمساعدته وحضروا اليه بمطلوبه فعمل لهم بحوش ابن عيسى شنكا وارسلهم مع امين بك الى الامراء القبليين"، وقال في موضع آخر: "والسبب في حركة القبطان (صالح باشا) ارساليات الألفي للانكليز ومخاطبة الانكليز الدولة ووزيرها محمد باشا السلحدار".

وقال في موضع آخر في ترجمة محمد بك الألفي: "وكان مع ما هو فيه من التنقلات والحروب يراسل الدولة والانكليز، وأرسل أمين بك الى الانكليز فسعوا مع الدولة لمساعدته وحضروا اليه بمطلوبه فعمل لهم بحوش ابن عيسى شنكا وأرسلهم مع أمين بك الى الامراء القبليين"، وقال في موضع آخر: "والسبب في حركة القبطان صالح باشا ارساليات الألفي للانكليز ومخاطبة الانكليز الدولة ووزيرها محمد باشا السلحدار".

فالمسألة اذن كما ترى لم تكن ابدال وال بآخر، بل هي دسيسة انجليزية تركية حيكت شباكها في الاستانة بقصد اعادة المماليك الى حكم مصر وبسط النفوذ الانكليزي عليها. ولم يكد يستقر صالح باشا في الثغر حتى اوفد رسولا الى محمد علي يبلغه فرمان النقل والتغيير ويأمره بالذهاب الى سلانيك مقر ولايته الجديدة، وكان محمد علي يعالج المشكلات بالحكمة والسياسة والدهاء، فتظاهر بالامتثال، ولكنه تأهب سرا للمقاومة، وأجاب انه مستعد للرحيل الى سلانيك غير ان الجند يعارضون في رحيله قبل أن تؤدي رواتبهم المتأخرة، وقدرها عشرون ألف كيس، فكانت هذه الحجة أول ذريعة توسل بها الى احباط مؤامرة العزل والنقل، واخذ محمد علي يعد العدة للمقاومة، فاتجه فكره فورا الى السيد عمر مكرم يستنجد به لاحباط المؤامرة الجديدة.

قال الجبرتي: "فلما قرأ الدفتر دار الورقة أرسل الى السيد عمر النقيب فركب اليه وحضر صحبته الى الباشا واختليا معا ساعة ثم فارقاه".

ففي هذه الخلوة أفضى محمد علي الى السيد عمر مكرم بمؤامرة الاستانة، وطلب اليه المعونة والنجدة، فكان عمر مكرم عند ظنه، وكان له نعم العضد الامين، واتفقا على الخطة المشتركة.

كانت هذه الازمة خطيرة العواقب، وكادت تقتلع محمد علي عن كرسيه وترجع بالبلاد الى حكم المماليك، فان الفرمان الذي جاء به قبطان باشا كان يتضمن تولية موسى باشا على مصر وانفصال محمد علي باشا عن ولايتها ويتضمن أيضا "العفو عن الأمراء المماليك، وان يكونوا كعادتهم في امارة مصر وأحكامها وأن يستقر الباشا الجديد في القلعة كعادته"، ومعنى ذلك اطلاق يد المماليك في حكومة البلاد كما كانوا قبل الحملة الفرنسية وارتكاس البلاد في حكم التقهقر والفوضى.

فالمؤامرة كانت واسعة النطاق اشترك في حياكة خيوطها الباب العالي والانجليز والمماليك معا، فلا غرو ان ابتهج محمد علي الألفي لورود الفرمان الجديد ابتهاجا عظيما، وارسل رسله في البلاد لاذاعته بين الناس.


حصار دمنهور

اعتزم الألفي عندما وصلت العمارة التركية الى الاسكندرية ان يستقر في دمنهور ليتخذها مركزا يجمع فيه قواته ويدير خططه، وكان يظن ان اهلها لا يخالفون له أمرا بعد وصول الوالي الجديد، فأعلنهم بقدوم العمارة التركية ووصلو فرمان يقلده حكم مصر، وطلب اليهم تسليم المدينة ونزولهم على حكمه، لكن الاهالي رفضوا التسليم، واعدوا لمقاومته والامتناع في المدينة، وأرسلوا الى السيد عمر مكرم ينبؤنه بالخبر فأبلغه الى محمد علي باشا، ووضع الألفي الحصار حول دمنهور لاكراهها على التسليم.

تضامن محمد علي والعلماء في مقاومة فرمان العزل

استوثق محمد علي من معاضدة السيد عمر مكرم، ومن ثم عزم على مقاومة ارادة الباب العالي، وأخذ يتأهب للحرب والقتال، واتفق هو والسيد عمر على أن يجتمع العلماء ويكتبوا محضرا في شكل التماس بالاعتراض على عزل محمد علي والاحتجاج على تولية موسى باشا ورجوع السلطة للمماليك.

ومضمون هذا الاعتراض ان الامراء (المماليك) قد عرضوا على السدة السلطانية تعهدهم بدفع الاموال الاميرية الى خزانة الدولة العلية واداء مرتبات الحرمين الشريفين والعفو عن جرائمهم الماضية في مقابل اقرارهم على دخول مصر القاهرة، وان طلبهم قد حاز القبول، ومن ثم صدر الامر السلطاني بعزل محمد علي باشا وتوجيه ولاية سلانيك اليه وتقليد موسى باشا ولاية مصر، وقبلت توبتهم على ان يقبل العلماء والوجاقية والرؤساء والوجهاء بالديار المصرية كفالتهم، على أن الموقعين على العريضة لا يستطيعون كفالتهم "فان شرط الكفيل قدرته على المكفول، ونحن لا قدرة لنا على ذلك، ولما تقدم من الأفعال الشهيرة، والأحوال والتطورات الكثيرة، ولا يمكننا التكفل والتعهد لأننا لا نطلع على ما في السرائر وما هو مستكن في الضمائر، فنرجوا عدم المؤاخذة في الأمور التي لا قدرة لنا عليها، لأننا لا نقدر على دفع المعتدين والطغاة والمتمردين، الذين أهلكوا الرعايا ودمروهم، وعدد العلماء في عريضتهم مساوئ المماليك ومظالمهم، وأطروا فعال محمد علي باشا، وختموا كلامهم بتفويض الأمر الى السدة السلطانية ، وكتبوا من العريضة نسختين احداهما الى القبطان باشا والاخرى الى السلطان بعدما وقعوا عليها بامضاءاتهم وأختامهم.

ومعنى هذا البيان على ما فيه من اظهار الولاء والاخلاص للسدة السلطانية أنهم لا يجيزون تغيير الوالي، ولا يرضون بعودة الحكم الى المماليك، ولا يقبلون كفالتهم، وأنهم متمسكون بولاية محمد علي، وفي هذا من تأييده في مركزه والاستهانة بالفرمانات (الشاهانية) ملا يغرب عن البال.

أما قبطان باشا فقد مضى في تنفيذ مهمته، فبعث الى العلماء برسالة ينبئهم فيها بعزل محمد علي باشا وتقليد موسى باشا، ويدعوهم الى الامتثال للأمر، وبعث بمثل هذه الرسالة الى السيد عمر مكرم، وبثالثة الى السيد محمد السادات، فلم يلق منهم جوابا صريحا بالامتثال ، بل ابدوا أعذارهم، وكانت الأوامر تقضي برحيل الجنود الأرناؤد مع محمد علي ، فتذرعوا بأن امتناع الجنود عن الرحيل وعصيانهم يترتب عليه تعرض البلاد للخراب، فكرر قبطان باشا عليهم الامر في رسالة شديدة اللهجة قال فيها: "انه لا يقبل هذه الاعذار ولا ما نمقوه من التمويهات التي لا أصل لها ولابد في تنفيذ الاوامر وسفر الباشا (محمد علي) هو وحسن باشا وعساكرهم وخروجهم من مصر وذهابهم الى ناحية دمياط وسفرهم الى الجهة التي أمروا بالذهاب اليها، ولا شيء غير ذلك أبدا".

وكتب العلماء رسالة أخرى الى قبطان باشا في شهر جمادى الثانية سنة 1221 (أغسطس سنة 1806) يذكرون فيها صراحة أنهم لا يرتضون عن محمد علي باشا بديلا، ومما جاء في هذه الرسالة قولهم: "ان محمد علي باشا كافل الاقليم وحافظ ثغوره ومؤمن سبله، قاطع المعتدين، وان الكافة من الخاصة والعامة والرعية راضية بولايته وأحكامه وعدله، والشريعة مقامة في أيامه، ولا يرتضون خلافه لما رأوا فيه من عدم الظلم والرفق بالضعفاء وأهل القرى والأرياف، وعمارها بأهلها ورجوع الشاردين منها في أيام المماليك المعتدين الذين كانوا يعتدون عليهم ويسبلون أموالهم ومزارعهم ويكلفونهم بأخذ الفرض والكلف (جمع كلفة) الخارجة عن الحد أما الآن فجميع أهل القطر المصري مطمئون بولاية هذا الوزير".

استعداد محمد علي للحرب

اعتمد محمد علي اذن تأييد زعماء الشعب له في المقاومة وأخذ يحرض رؤساء الجند على العصيان والمعارضة في رحيله، وقد صادف هذا التحريض هوى في نفوسهم لأنهم خشوا اذا هو ارتحل عن مصر أن تسقط رواتبهم المتأخرة وكانت تبلغ نحو عشرين ألف كيس، فاتفق واياهم على ان يقاوم الأمر الصادر له من الاستانة اذا اعطوه موثقا بأن يكونوا مخلصين له متفانين في الدفاع عنه فعاهدوه على الأمانة والاخلاص، وأقسموا له أنهم مؤيدوه وناصروه، فأخذ يعمل مطمئنا ويستعد للمقاومة، فأمد القلعة بالميرة والذخيرة، وحصن الطوابي الباقية من عهد الحملة الفرنسية والمحيطة بأطراف المدينة ، وأنفذ جيشا من جنوده الى الرحمانةي ليكون على أهبة الاستعداد لقتال الألفي بك والاتراك، وبعث الى حسن باشا بالصعيد يدعوه الى التقدم نحو القاهرة لتكون قوائها كلها على اهبة القتال.


رواية الجبرتي

قال الجبرتي في هذا الصدد: "وشرع الباشا في عمل آلات حرب وجلل ومدافع، وجمعوا الحدادين بالقلعة وأصعدوا بنبات كثيرة واحتياجات ومهام الى القلعة، وظهر منه علامات العصيان وعدم الامتثال، وجمع اليه كبار العسكر وشاورهم وتناجى معهم فوافقوه على ذلك".

وقال في موضع آخر: "وأرسل الباشا فجمع الاخشاب التي وجدها ببولاق في الشوادر والحواصل والوكائل وطلعوا بجميع ذلك الى القلعة لعمل العربات والعجل برسم المدافع والقنابر".


موقف زعماء الشعب

كل هذا الاستعدادات تدل على ان محمد علي قد اعتزم فعلا مقاومة قرار الباب العالي بالقوة، ولقد عاونه على انفاذ فكرة المقاومة ثقته بتأييد زعماء الشعب له وتضامنهم واياه في مقاومة عودة المماليك الى الحكم.

ولقد كان تاييدهم صادرا عن نية صادقة وعقيدة راسخة في نفوسهم، لانهم هم الذين اختاروه للولاية، فهم بحكم اختيارهم يريدون ان تنفذ ارادتهم بتثبيت قدم محمد علي في الحكم ولانهم من جهة اخرى يعلمون ان تعيين موسى باشا مع اطلاق يد المماليك ورؤساهم في الحكم معناه الرجوع الى حكم المظالم والارتكاس في الفوضى، وهذا أمر لا ترضاه نفوسهم لانهم هم الذين أثارو الشعب على هذه المظالم ولقد رأوا في سياسة محمد علي باشا ورجوعهم اليهم في تقرير الضرائب التي يفرضها وفاءا بالعهد الذي قطعه على نفسه حين ولايته الحكم على ان يسير بالعدل والقسطاس، فلا جرم ان تطمئن نفوسهم اليهم، كل هذه الظروف جعلت تأييد زعماء الشعب لمحمد علي امرا طبيعيا يقضي منطق الحوادث بأن لا مناص منه. فمناصرة زعماء الشعب لمحمد علي باشا هي تاييد للسياسة التي رسموها من قبل، وتثبيت للسلطة التي كسبوها في تسيير شئون الحكومة، وهذه السلطة نفسها لم يتجاهلها الباب العالي لانه جعل رجوع المماليك الى الحكم معلقا على كفالة العلماء لهم، ولقد استمسك العلماء بهذا الشرط فصرحوا في عريضتهم الى الدولة انهم لا يقبلون هذه الكفالة ولا يرضون بها، ومعنى ذلك انهم لا يريدون رجوع الحكم الى المماليك ولا يبغون عن محمد علي بديلا.

سياسة محمد علي

وتذرع الباشا من جهة اخرى بالدهاء والحيلة بازاء المماليك، فاخذ يعمل على فصم عراهم مستخدما التنافس القديم بين زعمائهم.

كان محمد علي يعلم بان الالفي بك مكروه من بقية رؤساء المماليك كالبرديسي وابراهيم باك وعثمان بك حسن وانهم ينقمون منه انفراده بالاتصال بالانجليز وكتمانه عنهم اسرار مفاوضاته واياهم، وقد بادر الالفي الى الرحيل عن الفيوم قاصدا البحيرة وشواطئ الاسكندرية لمقابلة صالح باشا دون ان يكاشف زملاءه بدخيلة نفسه، فاثار فيهم الحفيظة القديمة التي كانت تبدو ما بين آن وآخر وأرسلوا سعاتهم الى محمد بك يعرضون عليه الصلح، فانتهزها فرصة ليضعف شوكة الالفي خصمه اللدود، واطمأن من جانبهم، واستخدم حيال الترك سلاحا آخر هو الرشوة، فانه كان يعلم ما انطوت عليه نفوس حكام تركيا وساستهم من الاذعان للمال والنزول على حكمه، ومما يؤثر عنه في هذا الصدد قوله عنهم: "اني أعرف الترك وأعرف الطريقة التي تنجح معهم فالرشوة هي وسيلة فعالة مع هؤلاء الناس"، فاستخدم هذا السلاح وأخذ يقدم الرشا والهدايا لصالح باشا وبطانته من جهة، ولرجال "المابين" في الاستانة من جهة أخرى، وكان لهذه الرسالة فضل كبير في تمهيد السبيل لمساعيه، فقد بعث بعريضة زعماء الشعب الى الاستانة لتقديمها الى السدة البريطانية على يد رسول من ابنائه وارسل معه 2000 كيس برسم رجال الدولة جمعها له رؤساء الجند لاعداد الاهبة للحرب والقتال، فاحدثت هذه الرشوة أثرها على ضفاف البوسفور.

وبذلك كذلك سفير فرنسا في الاستانة مساعي جمة لتعضيد محمد علي فاجتمعت هذه الاسباب المختلفة وعدلت من خطة الباب العالي، فبعث الديوان الى صالح باشا يطلق يده ويكل اليه التصرف المطلق في الامر كما سيأتي.

معركة النجيلة

قلنا ان محمد علي باشا انفذ الى الرحمانية جزءا من جيشه لمحاربة محمد بك الالفي والاتراك فوصل هذا الجيش في اواخر يوليه سنة 1806 الى الرحمانية، وكان يقود حاميتها طبوز اوغلي (كتخدابيك) وطاهر باشا ابن اخت محمد علي باشا، فلما أقبلت النجدة استظهر بها القائدان وخرجا من الرحمانية، ولما علم الالفي بهذه الحركة اعتزم مواجهة قوات محمد علي، فرفع الحصار عن دمنهور واقبل بقواته واشتبك هو وجنود محمد علي في النجيلة يوم 12 اغسطس سنة 1806 وانتهت المعركة بهزيمة العلويين فانسحبوا بقيادة كتخدا بك الى منوف بعد ان خسروا نحو ستمائة بين قتيل واسير واستولى المماليك على الرحمانية.

رواية الجبرتي عن معركة النجيلة

كانت معركة النجيلة ذات خطر وشأن وكان لها تاثير بالغ في نفس محمد علي باشا ، فقال الجبرتي في صددها ما يلي:

"وفي ثاني عشر جمادى الاولى سنة 1221 وردت الاخبار بان العساكر الكائنين في الرحمانية ومرقص رجعوا الى النجيلة ونصبوا عرضيهم (معسكرهم) هناك وحضر الالفي تجاههم فركبوا لمحاربتهم وكانوا جمعا عظيما، فركب الالفي بجيوشه وحاربهم ووقع بينه وبينهم وقعة عظيمة انجلت عن نصرته عليهم وانهزام العسكر وقتل من الدلاة وغيرهم مقتلة عظيمة ولم يزالوا في هزيمتهم الى البحر (النيل) والقوا أنفسهم فيه، وامتلأ البحر من طراطير الدلاتية (الدلاة) ، وهرب كتخدا بك وطاهر باشا الى بر المنوفية وعدوا في المراكب واستولى الالفي وجيوشه على خيولهم وخيامهم وحملاتهم وجخاتهم وارسل برؤوس القتلى والاسرى الى القبودان (صالح باشا) واشيع خبر هذه الواقعة في الناس وتحدثوا بها وانزعج الباشا والعسكر انزعاجا عظيما".

استنئاف حصار دمنهور ودفاعها المجيد

تشجع الالفي بهذا الانتصار وعاود محاصرة دمنهور، فدافع أهلها دفاعا مجيدا مدة شهرين من بدء الحصار الاول، وكانوا متركوين لقوتهم، وعبثا طلبوا النجدة من محمد علي فانه لم يستطع ان يمدهم خلال هذه المدة، فلما استأنف الالفي حصارها كان على يقين من استيلائه عليها عنوة وخاصة بعد انتصاره على جنود محمد علي في النجيلة والرحمانية، وقد زحف هذه المرة مجهزا بالمدافع الكثيرة التي يقوم عليها رماة من الأروام والايطالييين أمده بهم النجليز. ولكن الألفي لم ينل من دمهور منالا، اذا دافع اهلها عنها رجالا ونساء دفاع الابطال وردوا هجمات المماليك المرة بعد المرة. وفي خلال الحصار أرسل اهلها الى السيد عمر مكرم والى محمد علي باشا بما يجدر بهم عمله فجاءهم الجواب بوجوب الاستمرار على المقاومة، وامدهم السيد عمر مكرم بكل ما يحتاجون اليه من الذخيرة والميرة، قال الجبرتي في ترجمة محمد بك الالفي أنه "رجع الى البحيرة وأراد دمنهور فامتنع عليه اهلها وحاربوه وحاربهم ولم ينل منهم غرضا والسيد عمر مكرم يقويهم ويمدهم ويرسل اليهم البارود وغيره من الاحتياجات".

وظل الالفي زهاء شهر يحاول الاستيلاء على دمنهور فيرتد عنها خائبا، وقد أثر هذا الفشل في تطور الاحوال تاثيرا كبيرا، قال فولابل في هذا الصدد: "يمكن اعتبار دفاع دمنهور ذلك الدفاع الذي جمع بين الشجاعة والثبات، وكذلك تخاذل رؤساء المماليك، من أهم الاسباب المباشرة التي احبطت اخطة المرسومة بالاشتراك بين الباب العالي والإنجليز". ويقول المسيو جومار في هذا المعنى : "ان أهالي دمنهور قد أظهروا مثل هذه الشجاعة والمثابرة اثناء الحملة الفرنسية في ظروف تختلف عن الظروف التي قاوموا فيها قوات الالفي مما يدل على ما فطروا عليه من الشجاعة".


حبوط مؤامرة العزل

انتهز محمد علي فرصة انهماك الالفي في محاصرة دمنهور فاتصل بحاشية صالح باشا بالهدايا والرشوة ليحولهم الى صفه، وقد أحدث المال في نفس صالح باشا ونفوس بطانته تحولا كبيرا في وجهة نظرهم، وزاد هذا التحول خيبة الالفي في الاستيلاء على دمنهور وما تبين لصالح باشا من انقسام المماليك وتخاذلهم، فان البرديسي لما رأى ارتباط الالفي بالنجليز اعرض عن تأييده المماليك والركون اليهم لان الالفي تعهد ان يؤدي له 1500 جيس كانت ثمن اعادتهم للحكم، واوفد رسولا الى زملائه ابراهيم الكبير وعثمان بك البرديسي وعثمان بك حسن وكانوا وقتئذ بالصعيد يسالهم معاونتهم في اداء هذا المبلغ، ولكنهم ردوا الرسول خائبا وعلم صالح باشا بذلك فغضب علي الالفي واخذ يفكر في تغيير خطته، وراى أن تأييد زعماء الشعب لمحمد علي، ورفضتهم ولاية موسى باشا وتضعضع الالفي في حصار دمنهور وتخاذل المماليك فيما بينهم كل هذه الاسباب تبرر تحويل شراعه الى ناحية محمد علي.

وفي غضون ذلك وردت من الباب العالي الى صالح باشا رسالة تطلق يده وتفوض اليه ان يتصرف على ما يراه صالحا، ومعنى ذلك ان حكومة الاستانة رجعت عن فرمانها القاضي بعزل محمد علي باشا من ولاية مصر، فصحت عزيمة صالح باشا على تثبيت محمد علي في الولاية، وتم الامر على ذلك في مقابل ان يؤدي الى الباب العالي 4000 كيس ، وأن يجعل ابنه ابراهيم بك (باشا) رهينة بالاستانة على هذا المبلغ، وانتهت المشكلة بورود مرسوم الى محمد علي يتضمن ابقاءه واستمراره على ولاية مصر حيث ان الخاصة والعامة راضية بأحكامه وعدله بشهادة العلماء واشراف الناس"، فزينت القاهرة لهذا النبأ ثلاثة أيام متواليات.

فمرسوم التثبيت مبنى اذن على ان محمد علي بااش مؤيد من الشعب مرضي عنه من زعمائه موثوق في عدله، ومن ذلك يتبين أن الزعامة الشعبية كما كانت صاحبة اليد الطولى في اختيار محمد علي باشا لولاية الحكم فانها كانت العامل الاكبر في توطيد مركزه واحباط المؤامرة الواسعة النطاق التي كادت تقتلعه عن عرشه.

وانتهت تلك المؤامرة بالاخفاق والفشل واقلع القبودان صالح باشا بعمارته من أبو قير يوم 18 أكتوبر سنة 1806 (5 شعبان سنة 1221) قاصدا الاستانة بصحبة موسى باشا وابراهيم بك بن محمد علي، وترك صالح باشا وكيله بمصر ليتعجل توفية الاربعة آلاف كيس التي تعهد بها لحكومة الأستانة.

وبذل محمد علي جهده فأدى الأربعة آلاف كيس كاملة في أوائل نوفمبر سنة 1806، فجاءه رسول من الاستانة يحمل فرمانين احدهما بإقراره في حكمه والثاني يأمره فيه بتسفير المحمل وارسال القمح المطلوب الى جدة.

وبذلك استقر محمد علي على عرش مصر وحبطت المؤامرة التي كان يقصد منها عزله.

وفاة البرديسي

كانت العناية الالهية تلحظ محمد علي باشا في أدوار حياته، ففي الوقت الذي انتهت فيه مؤامرة الباب العالي والإنجليز بالاخفاق والفشل جاءه الخبر بوفاة عثمان بك البرديسي احد زعماء المماليك الذين يطمحون الى ولاية الحكم واحد الذين يخشى منهم على عرشه الجديد، فالبرديسي ما فتئ يتحين الفرص لتحقيق مطامعه الى ان عاجلته المنية يوم 8 رمضان سنة 1221 (19 نوفمبر سنة 1806)، فدفنه أتباعه في الصعيد وأمروا عليهم شاهين بك المرادي خلفا له، وشاهين بك هذا كان خصما لدودا للألفي فكانت امارته حائلة دون توحيد صفوف المماليك وسببا لاطمنان محمد علي من هذه الناحية.

وغني عن البيان ان محمد علي باشا قد ابتهج بوفاة أحد خصومه الذين ينافسونه في الحكم، ولم يكد يمضي شهران على وفاة البرديسي حتى عاجلت المنية خصمه الآخر الألد محمد بك الألفي.


اخفاق الألفي ووفاته

لم ييئس الألفي أن يظاهره الانجليز في انتزاعه الحكم، فاستمر متصلا بقنصل انجلترا في مصر يطلب من دولته النجدة والمدد، وفي غضون ذلك انتقضت العلاقات بين انجلترا وتركيا، واعتزمت انجلترا احتلال مصر، ومن هنا جاءت فكرة الحملة الانجليزية التي سيأتي الكلام عنها فيما يلي، وقد أنبأه قنصل انجلترا بقرب وصول العمارة الانجليزية بهذه الحملة. فكان هذا النبأ باعثا له على البقاء في البحيرة ليتصل بالانجليز عند قدومهم، وقد شدد الحصار على دمنهور ليفتحها ويتخذها معقلا له، ولكن مقاومة دمنهور وامتناعها عليه افسد خطته، ذلك ان جنوده سئموا الاستمرار على الحرب والقتال واشتد بهم الحر والتعب، ونفدت مؤونتهم، وكان ذلك في زمن القيظ فتمردوا عليه وأعلنوه بأنهم تاركوه اذا أصر على متابعة الحصر، وانتظر هو عبثا ورود النجدة الإنجليزية فلم تصل (وكانت آتية في الطريق)، فاضطر ان ينقلب بجيوشه الى الصعيد بعد أن خانه الحظ وخذله زملاؤه، وتمرد عليه جنوده، وأبطأ عليه حلفاؤه.

فامتناع دمنهور واستعصاؤها على الألفي كان من أهم أسباب اخفاقه في سياسته، قال المسيو مانجان في هذا الصدد: "ان دفاع دمنهور المجيد هو جدير بأن يسجل في صفحات تاريخ مصر الحربي فقد تولى اهلها الشجهان هذا الدفاع وحدهم دون أن يتلقوا أي مدد أو مساعدة حتى من محمد علي الذي كان هذا الدفاع دفاعا عنه فقاوم أولئك الشجعان بكل ثبات وبسالة قوات الألفي كلها الى أن تكلل دفاعهم بالنجاح فكان له تأثير كبير في احباط خطة الباب العالي.

وقال الجبرتي في ترجمة حياة محمد الألفي يصف موقفه بعد رحيل صالح باشا الى ان ارتد عن دمنهور: "ولما تنحت عنه عشيرته ولم يلبوا دعوته وأتلفوا الطبخة وسافر القبودان وموسى باشا من ثغر إسكندرية على الصورة المذكورة استأنف المترجم أمرا آخر، وراسل الإنكليز يلتمس منهم المساعدة، وأن يرسلوا له طائفة من جنودهم ليقوى بهم على محاربة الخصم كما التمس منهم في العام الماضي فاعتذروا له بأنهم على صلح مع العثماني وليس في قانون الممالك اذا كانوا في صلح ان يتعدوا عل المسافرين معهم ولا يوجهون نحوهم عساكر الا باذن منهم أو بالتماس لمساعدة في أمر مهم، فغاية ما يكون المكالمة والترجي، ففعلوا وحصل ما تقدم ذكره ولم يتم الأمر، فلما خاطبهم عبد الذي جرى صادف ذلك وقوع النفرة بينهم وبين العثماني، فارسلوا الى المترجم يوعدونه بانفاذ ستة آلاف لمساعدته، فأقام بالبحيرة ينتظر حضورهم نحو ثلاثة شهور، وكان ذلك أول القيظ وليس ثم زرع ولا نبات، فضاقت على جيوشه الناحية، وقد طال انتظاره الانكليز، فتشكى العربان المجتمعون عليه وغيرهم لشدة ما هم فيه من الجهد، وفي كل حين يوعدهم بالفرج ويقول لهم اصبروا لم يبق الا القليل، فلما اشتد بهم الجهد اجتمعوا اليه وقالوا له إما أن تنتقل معنا الى ناحية قبلي فإن أرض الله واسعة وإما أن تأذن لنا في الرحيل في طلب القوت، فما وسعه إلا الرحيل مكظوما مقهورا من معاندة الدهر في بلوغ المآرب – الأول مجئ القبودان وموسى باشا على هذه الهيئة والصورة ورجعوعها على غير طائل، الثاني عدم ملكه دمنهور وكان قصده ان يجعلها معقلا ويقيم بها حتى تأتيه النجدة، الثالث تأخر مجئ النجدة حتى قحطوا واضطروا الى الرحيل، الرابع، وهو أعظمها، مجانية اخوانة وعشيرته وخذلانهم له وامتناعهم عن الانضمام اليه، فارتحل من البحيرة بجيوشه ومن يصحبه من العربان حتى وصل الاخصاص".

عاد الألفي قاصدا الصعيد بعد خذلانه في حصار دمنهور، وقد تولاه اليأس والقنوط، وسار كئيبا حزينا ومعه القوات العديدة التي كان يحسب أنها تصل به الى عرش النيل، فكان تحت لوائه ستة آلاف من العرب وستمائة من فرسان المماليك وثمانمائة من الترك والنوبيين ومعه من آلات القتال عشرة مدافع وعدد لا يحصى من البنادق والأسلحة وكانت الميرة والمؤونة تحملها آلاف عدة من الإبل.

رجع الألفي بهذه القوات الحاشدة في أوائل يناير سنة 1807، فكان لا يمر ببلدة إلا أباحها لجيشه نهبا وسلبا، فكان أهل القرى ينزحون عن بلادهم اذا ما اقترب منها ويخلونها من الميرة والمتاع والماشية نجاة بها من النهب.

وبلغت هذه الجموع المخربة الى الجيزة، فأوجس محمد علي خيفة من مجئ خصمه الألد بهذه القوة الرهيبة، وأخذ يستعد للمقاومة، فجمع نحو أربعة آلاف من جنوده في شبرا (12 يناير سنة 1807) وعبر بهم الى النيل الى إمبابة واتخذها معسكره العام، ولكنه رأى من كثرة جموع الألفي ما جعله يحجم عن مهاجمته.

وكانت طلاائع الألفي تحت قيادة شاهين بك قد تقدمت واحتلت قرية الكوم الأسود التي تقع على مسير ساعة ونصف من امبابة جنوبا، وسار الألفي بك حتى بلغ شبرامنت، ولم تغادره الكآبة التي لازمته من يوم رحيل العمارة التركية ورفع الحصار عن دمنهور، وزاد في غمه أنباء وصلته عن تخاذل رؤساء المماليك في الصعيد وتخليهم عن نصرته وقد كان يؤمل أن يتخذوه رئيسا لهم بعد وفاة البرديسي، فاشتد غيظه وانفجر صدره كمدا وصرعه المرض فأحس بدنو أجله، فدعا البكوات المماليك من أتباعه وأمر عليهم شاهين بك الألفي خليفة له، ثم قضى نحبه ليلة 28 يناير سنة 1807 (19 ذو القعدة سنة 1221).

كتب المسيو مانجان عن مصرعه أنه خرج للتنزه ممتطيا جواده فرأى عربانا من جيشه يتلفون مزرعة فثارت نزوة الغضب في رأسه فانقض عليهم وقتل أربعة منهم كان بينهم شيخ قبيلة ولما انقلب الى خيمته اعتراه قئ مستمر وأصابه مرض قتال قيل أنه الكوليرا ولم يمهله إلا ساعات حتى أودى بحياته وكان له من العمر خمس وخمسون سنة، وأوصى بأن يدفن في البهنسا.

وذكر الجبرتي أنه لما وصل الى قرب قناطر شبرامنت جلس على ربوة هناك وزادت هواجسه وآلامه وأخذ يودع أحلامه وآماله ثم تحرك به خلط دموي وتقيأ دما وأحس بدنو أجله فقال: "قضي الأمر وخلصت مصر لمحمد علي".

مات الألفي في الوقت الذي كان الإنجليز يسيرون حملتهم على مصر، وقد وصلت هذه الحملة الى الإسكندرية بعد موته بنحو أربعين يوما، وقد يكون موته من أسباب إخفاق تلك الحملة كما سيجئ، وبموته تخلص محمد علي من ألد أعدائه وأقواهم بأسا وأصعبهم مراسا.

الحملة على المماليك في الصعيد

قضى الألفي نحبه في الوقت الذي كان محمد علي باشا يجهز تجريدة لمحاربة المماليك في الوجه القبلي، فلما أعد معدات الحملة بدأ بالزحف، وكان جيشه مؤلفا من ثلاثة آلاف من المشاة وثلاثة آلاف من الفرسان وست سفن مسلحة، وأقلت الحملة نحو ثمانمائة مركب، وأصيب محمد علي هو أيضا بالكوليرا لكن طبيبه الخاص عنى به أحسن العناية وتغلبت بنيته القوية على المرض فشفى منه وكان في أيام مرضه موضع العطف من العلماء والأعيان، فلما نقه وانتهض اعتزم السير الى الصعيد فعهد بادارة الأمن الى كتخدا وغادر القاهرة يوم 12 فبراير سنة 1807.

وعلم ان قوات المماليك احتشدت في المنيا فقصد اليها بجيشه ولما وصل الى بني سويف أرسل الى زعماء المماليك رسلا من العلماء يسعون للصلح، وكانت تلك خدعة منه، وأخذ في الوقت نفسه يجتذب اليه بعض العربان الموالين للماليك ويتسميلهم بالمال، ثم تقدم ذات ليلة الى معسكر المماليك ولما كانت حراسته موكولة الى أولئك العربان توصل اليه بارشادهم فانقض على المماليك وهم نائمون فأوقع بهم واستولى على كل مدافعهم ومهماتهم وتعقب الفارين منهم الى حدود الصحراء.

وبعد أن هزمهم بالقرب من أسيوط احتل المدينة واتخذ معسكرة فيها، وهناك تلقى أخبار الحملة الانجليزية.

الفصل الثاني: الحملة الانجليزية على مصر سنة 1807 واخفاقها

لم تكد مصر تنجو من خطر رجوع المماليك الى الحكم حتى واجهت ازمة اشتد واعظم خطرا، وهي الحملة التي جردتها عليها انجلترا سنة 1807 لاحتلالها وتحقيق مطامعها في وادي النيل.

أسباب الحملة

ترجع اسباب تلك الحملة الى انتقاض العلاقات بين انجلترا وتركيا وما اعتراها من الجفاء والعداء لانحياز تركيا الى جانب فرنسا، فنقمت انجلترا من الحكومة التركية تلك السياسة واتفقت هي والروسيا على الكيد لها، وساءت العلاقات بين الدولتين حتى انتهت باعلان الحرب بينهما، ودخل الاسطول النجليزي بقيادة الاميرال دوكورث بوغاز الدردنيل واعتزمت انجلترا أن تضرب تركيا في مصر فتنال بذلك غرضين وهما اذلال تركيا من جهة وتحقيق اطماعها في مصر من جهة أخرى.

حالة الافكار في القاهرة والاقاليم

جردت انجلترا حملتها على مصر بقيادة الجنرال فريزر، وكانت على اتفاق مع محمد بك الالفي ان يؤيدها ويشد أزرها على أن تكفل للماليك الاستيلاء على حكومة البلاد. لكن مصر لم تستسلم لتلك الغزة، بل قاومتها بكل ما أوتيت من حول وقوة، وظهرت الأمة بذات الروح التي نهضت بها بازاء الحملة الفرنسية أي بروح المقاومة والبذل والتضحية والدفاع والمحاماة عن الذمار حتى انتهت الحملة بالخيبة والفشل.

جاءت مصر أخبار الحملة الانجليزية قبل قدومها وعلم الناس بها من الرسائل الواردة من الاستانة، فأخذوا يعدون لمقاومتها كاستعدادهم لمقاومة الحملة الفرنسية التي تقدمتها بنحو عشر سنوات، وتولى السيد عمر مكرم زعامة المقاومة الشعبية بما عهد فيه من شجاعة وحزم واخلاص.

ذكر الجبرتي حالة الحرب قبيل مجئ الحملة فقال في حوادث ذي الحجة سنة 1221 (فبراير سنة 1807): "شرع أهل الاسكندرية في تحصين قلاعها وأبراجها، وكذلك أبو قير، وارسل كتخدا بك (نائب محمد علي باشا) من يتقيد ببناء قلعة بالبرلس، وحصل بمصر قلق ولغط، وغلت الأسعار في البضائع المجلوبة وعملوا جمعيات في بيت كتخدا بك وبيت السيد عمر النقيب واتفقوا على ارسال تلك المراسلات الى محمد علي باشا بالجهة القبيلة صحبة ديوان افندي (سكرتيره)".

أقبلت العمارة الانجليزية الى مياه الاسكندرية في شهر مارس سنة 1807، فارسل الساعة أخبار مجيئها الى القاهرة، وكان محمد علي باشا غائبا عنها يقاتل المماليك في الصعيد، فلما استفاضت اخبارها هاجت الخواطروقلق الناس، واجتمع ولاة الأمور يتشاورون فيما يجب عمله للدفاع عن البلاد.

قال الجبرتي: "فلما وصلت تلك المكاتبات اجمتع كتخدا بك وحسن باشا وبونابرته الخازندار وطاهر باشا والدفتردار والرزنامجي وباقي أعيانهم، وذلك من الغروب، وتشاوروا في ذلك، ثم أجمع رأيهم الى ارسال الخبر بذلك الى محمد علي باشا يطلبونه للحضور هو ومن بصحبته من العساكر ليستعدوا لما هو أولى وأحق بالاهتمام، ففعلوا ذلك وانصرفوا الى منازلهم بعد حصة من الليل، وأرسلوا تلك المكاتبة اليه في صبح يوم الجمعة صحبة هجانين، وشاع الخبر وكثر لغط الناس في ذلك".

قلنا ان الحملة الانجليزية جاءت على اتفاق سابق مع الألفي زعيم المماليك، لكن الأقدار الإلهية قضت أن يموت الألفي قبل أن تهبط الحملة الى مصر، ولو أنها تقدمت في مجيئها أربعين يوما فجاءت والألفي على قيد الحياة وحوله تلك الألوف من المقاتلة لكان محتملا أن يتحول مجرى الحوادث في مصر، بيد أنها وصلت بعد موت الألفي وتشتت أنصاره وانقضاض جيشه، فكان ذلك من الأسباب التي هيأتها العناية الإلهية بجانب المقاومة التي أبدتها مصر لإخفاق هذه الحملة.

{{{{خريطة صفحة 55}}}}


مجي العمارة الإنجليزية

في أوائل مارس سنة 1807 أقبلت سفينة إنجليزية الى مياه الإسكندرية دون أن تخبر بأسباب حضورها، ولعلها كانت سفينة إستطلاع لتعرف الحالة في الثغر، فلما كان يوم 14 مارس جاءت سفينة حربية أخرى واستدعت القنصل الانلجيزي فلبى الدعوة ومضى مسرعا لمقابلة من فيها، ولم يكد يعود الى الثغر حتى بادر بانفاذ عدة من السعاة يحملون رسائل الى جهات بعيدة، وقد ظن الاهالي أنها مرسلة الى الرعايا الانجليز لاستدعائهم الى الثغر، ولكن تبين بعد ذلك انها مرسلة الى البكوات المماليك في الصعيد لاخبارهم بقرب وصول الحملة البريطانية واستدعائهم الى الوجه البحري، فدلت هذه الرسائل على أن الحملة الانجليزية جاءت باتفاق سابق مع الالفي على ان يمدها المماليك بما لديهم من الرجال والعتاد.

قال الجبرتي في هذا الصدد: "وبعد موت الالفي بنحو الاربعين يوما وصلت نجدة الانكليز الى ثغر الاسكندرية وطلعوا اليها فبلغهم عند ذلك موت المذكور، فلم يسهل بهم الرجوع فارسلوا الى الجماعة المصريين (يريدالمماليك) ظانين أن فيهم أثر الهمة والنجدة يطلبونهم للحضور ويساعدهم الإنكليز على ردهم لمملكتهم".

وقال في موضع آخر ما خلاصته: "ان هذه الطائفة من الإنكليز ومن انضم اليهم وعدتهم على ما قيل ستة آلاف لم تأت الى الثغر طمعا في اخذ مصر (!) بل كان ورودهم ومجيئهم مساعدة ومعاونة للألفي على أخصامه باستدعائه لهم واستنجاده بهم، وسبب تأخرهم في المجي لما كان بينهم وبين العثماني من الصلح. فلما وقعت النقرة بينهم وبينه انتهزوا الفرصة وأرسلوا هذه الطائفة، وكان الألفي ينتظر حضورهم بالبحيرة، فلما طال عليه الانتظار وضاقت عليه البحيرة ارتحل بجيوشه مقبلا وقضى الله بموته باقليم الجيزة، وحضر الانكليز بعد ذلك الى الاسكندرية فوجدوه قد مات، فلم يسعهم الرجوع فأرسلوا الى الأمبارء القبليين يستدعونهم ليكونوا مساعدين لهم على عدوهم ويقولون لهم انما جئنا الى بلادكم باستعداء الألفي لمساعدته ومساعدتكم فوجدنا الألفي قد مات وهو شخص واحد منكم وأنتم جمع فلا يكون عندكم تأخير في الحضور فإنكم لا تجدون فرصة بعد هذه وتندمون بعد ذلك ان تلكأتم".

يتبين من لك أن الحملة الانجليزية على مصر سنة 1807 كانت باستعداء الألفي واتفاقه مع الانجليز على احتلال البلاد، وهذا يؤيد الحقيقة التي بسطناها في الجزء الثاني من "تاريخ الحركة القومية" وهي ان المماليك كانوا صنائع السياسة الانجليزية وظلوا صنائعها الى ان استراحت البلاد منهم، ولعلك لاحظت في رواية الجبرتي قوله ان الانجليز لم يأتوا الى الثغر طمعا في أخذ مصر الخ .. وهو قول من لم يدرك كنه السياسة الانجليزية، والجبرتي معذور في عدم ادراكه حقيقة مقاصدها، فلم يكن قد بلاها، ولا عرف أسرارها، وهو في انخداعه بها احق واولى بالمعذرة ممن توهموا سنة 1882 أي بعد نيف وسبعين عاما من هذه الحوادث ان الانجليز جاءوا مصر للدفاع عن عرش الخديوية المصرية، وكان عليهم أن يفهموا انهم انما جاءوا ليحتلوا البلاد ويبسطوا نفوذهم وسيطرتهم فيها.

احتلال الاسكندرية

في يوم 16 مارس عادت السفينة الانجليزية تتبعها بارجة كبرى وبعض السفن الاخرى وألقت مراسيها بالميناء الغربية، ونزلا منها ضابطان طلبا مقابلة محافظ الثغر في ذلك العصر، واسمه أمين أغا، وهو من ضباط الاستانة وكان متواطئا مع الانجليز ان يسلم لهم المدينة على رشوة من المال، قال المسيو مانجان في كتابه ان الانجليز قد اشتروا أمين أغا هذا بالمال. والذي أعطاه هذا المال هو قنصل إنجلترا فلما قابله الضابطان النازلان من العمارة الانجليزية اتفق معها على أن يسلم المدينة دون مقاومة، ثم لم يكد يطلع يوم 17 مارس حتى أقبلت العمارة الانجليزية مؤلفة من خمس وعشرين سفين بقيادة الأميرال لويس وسدت مدخل الميناء الغربية، وفي مساء ذلك اليوم أخذ جنود الحملة ينزلون إلى البر بشاطئ العجمي، ثم زحف الإنجليز الى الاسكندرية وعسكروا تحت أسوارها، وأرسلوا فصيلة منهم لاحتلال قلعة أبو قير شرق الاسكندرية، وانقضى يومان في مفاوضات صورية بينهم وبين أمين أغا محافظ المدينة انتهت بأن سلم نفسه كأسير حرب ومعه حامية المدينة وعددها نحو ثلثمائة مقاتل، ودخل الإنجليز الاسكندرية ليلة 21 مارس دون أن تطلق رصاصة واحدة.

هذا ما فعله أمين أغا محافظ الإسكندرية في ذلك العهد، ولعلك تذكر موقف السيد محمد كريم حاكم الاسكندرية الوطني حين مجئ حملة نابليون سنة 1798 ومبلغ شجاعته في مقاومتها وتقابل بين موقفه النبيل ومخزاة أمين أغا في استسلامه للحملة الانجليزية سنة 1807، وأمين أغا هو من ضباط الاستانة لأن الحكومة التركية كانت تعد الاسكندرية الى ذلك العهد تابعة لها مباشرة فكانت تعين حاكمها، وأما السيد محمد كريم في عهد الحملة الفرنسية فكان حاكم المدينة الوطني. فقابل بين موقف الحاكم الوطني وشجاعته وجبن ضابط الاستانة ونذالته تجد الفرق بين الاثنين عظيما.

استولى الانجليز اذن على الاسكندرية دون حرب ولا قتال، لكن الجبرتي في ايراده أخبار تلك الحملة ذكر في يوميات شهر محرم سنة 1222 ورود أنباء من الإسكندرية بوقوع قتال "وضرب بالمدافع الهائلة من البحر وهدم جانب من البرج الكبير وكذلك الابراج الصغار، وكل ذلك لم يكن سوى اشاعات باطلة كانت ترسل الى القاهرة فيتناقلها الناس كما تروج الاشاعات الكاذبة اثناء الحروب ثم لا تلبث ان ينكشف بطلانها، والواقع أنه لم يحصل ضرب بالمدافع الهائلة ولا هدم جزء من البرج الكبير أو الأبراج الصغيرة، والجبرت يكان يذكر كل الاشاعات التي ترد أثناء وقوع الحوادث الخطيرة التي يدونها فقد ذكر أيضا أنهم "أشاعو ان الاسكندرية ممتنعة عن الانكليز وانهم طلعوا الى راس التين والعجمي فخرج عليهم اهل البلاد والعساكر وحاربوهم واجلوهم عن البر ونزلوا الى المراكب مهزومين وحرقوا منهم مركيبن وانه وصلت اليهم عمارة العثمانيين والفرنساوية وحاربوهم في البحر واحرقوا مراكبهم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة ولم يبق منهم الا القليل".

ولم يكن شئ من ذلك صحيحا ولا قريبا من الواقع، بل كله مكذوب وكان مصدره الاشاعات الباطلة او كما يقول الجبرتي بعد ذلك، "واستمر الامر في هذا الخلط القبلي والبحري عدة أيام ولم يأت من الاسكندرية ساعة ولا خبر صحيح". وبعد أن أورد الجبرتي تلك الاشاعات ذكر انه "في 20 محرم وردت الأخبار الصحيحة بأخذ الاسكندرية واستيلاء الانكليز عليها يوم الخميس تاسع الشهر ودخلوها وملكوا الابراج يوم الاحد صبيحة النهار وسكن صاري عسكرهم بوكالة القنصل " فالجبرتي في ايراده (الأخبار الصحيحة) لم يذكر أنه حدثت حرب أو قتال ولا ضرب بالمدافع الهائلة ولا هدم للأبراج، وهذا يؤيد المصادر الصحيحة التي اتفقت روايتها على ان استيلاء الانكليز على الاسكندرية قد تم من غير مقاومة بفضل خيانة أمين أغا.

كانت الحملة الانجليزية مؤلفة من نيف و6000 مقاتل بقيادة الجنرال فريزر ويتألف هذا الجيش من فرقتين. الأولى بقيادة الجنرال ستوارت والأخرى بقيادة الجنرال ويكوب.

ولعلك تعجب كيف جازفت الانجليز بهذا العدد الضئيل في الحملة على مصر في حين أن نابليون بونابرت لم يقدم على غزوها الى بجيش مؤلف من 36000 من المقاتلة وعمارة من أعظم الأساطيل البحرية، ولكن هذه الدهشة لا تلبث أن تزول اذا علمت أن الانجليز كانوا يظنون أنهم لا يجدون في مصر مقاومة ذات شأن بسبب الاضطرابات التي مزقت شملها، وكانوا من جهة آخرى يعتمدون على قوات المماليك في مصر، ولذلك لم يصحبوا معهم قوة من الفرسان اكتفاء بما يظاهرهم به صنائعهم المماليك، وكانوا يعتقدون انهم لا يلبثون أن يطأوا أرض مصر حتى يسارع اليهم المماليك من انحاء البلاد لملاقاتهم والانضمام اليهم، فلما دخلوا الاسكندرية ولم يروا لهم اثرا ارسل اليهم القنصل الانجليزي يطلب من زعمائهم الحضور ليلتقون بمنقذيهم وحماتهم.

ولما بلغت القاهرة أنباء احتلال الاسكندرية أحدثت انزعاجا كبيرا بين الناس وخاصة لما علموا أن محافظ الثغر قد سلم المدينة بدون قتال، فأخذ زعماء الشعب يجتمعون ويتشاورون فاستقر رأيهم على أن يدعوا الشعب الى التطوع لصد الانجليز عن البلاد.

موقف المماليك

وكان محمد علي لم يزل بالصعيد يقاتل قوات المماليك، فلما جاءته الأنباء الأولى عن الحملة توجس خيفة منها واعتزم العودة الى القاهرة، على أنه قابل الخبر برباطة جأش، وعمد الى الدهاء في كسر حدة المماليك ليضمن عدم انحيازهم الى صفوف الانجليز، ففاوض زعماءهم في ابرام الصلح معهم، وكانت شروطهم لقبول الصلح أن يترك لهم حكم الوجه القبلي، وقد وجد محمد علي أن الضرورة السياسية تقتضي المهادنة معهم حتى يدفع خطر الحملة الانجليزية، فقبل منهم هذا الشرط على أن يؤدوا له خراج الصعيد وعلى أن يكونوا الى جانبه في محاربة الانجليز، فرضى المماليك بهذا الشرط، ولو كان الألفي بك على قيد الحياة لما رضى به، ولكن خلفاءه لم يكونوا مرتبطين مع الانجليز بمثل الروابط والعهود التي قطعها الالفي على نفسه، فضلا عن أنهم خشوا اساءة سمعتهم واتهامهم بالخيانة اذا هم انضموا الى الانجليز اعداء مصر والاسلام فقبلوا ان يحالفوا محمد علي، ولم يكونوا صادقين في التحالف، بل كانوا يضمرون ان يتربصوا حتى تنكشف نتائج الحملة الانجليزية فان هي فازت انحازوا اليها وان اصابت الفشل فهم على تحالفهم مع محمد علي، وكذلك كان شأنهم في كل عهد ان يكونوا مع الغالب، على ان هذا الموقف في ذاته قد افاد قضية مصر لانه حرم الانجليز عضدا قويا كانوا يعتمدون عليه في حملتهم.

أخلى اذن محمد علي الصعيد، وسار بجنوده الى القاهرة فاحتل المماليك عواصم الوجه القبلي وتقدموا الى الجيزة.


واقعة رشيد وهزيمة الإنجليز فيها

31 مارس سنة 1807 (21 محرم سنة 1222)

كانت خطة الإنجليز في القتال أن يزحف المماليك على القاهرة فيحتلوها، وأن يحتل الانجليز بمعاونة أسطولهم ثغور مصر ويزحفوا الى الداخل ويبسطوا أيديهم على حكومة البلاد مستعينين بصنائعهم المماليك.

وقد تلقى الجنرال فريزر وهو بعد في الاسكندرية تقريرا من المستر بتروتشي قنصل إنجلترا في رشيد عن حالة مصر واحصاء ما بها من القوات، فأمعن النظر في هذا التقرير ودرس الموقف بمقدار ما بلغ اليه علمه، ثم اعتزم الزحف على رشيد لاحتلالها واتخاذها قاعدة حربية يتزود منها الجيش ومنها يزحف الى داخل البلاد، وعهد بهذه المهمة الى الجنرال ويكوب وانفذه اليها في قوة من 2000 جندي.

تحرك هذا الجيش من الاسكندرية يوم 29 مارس قاصدا رشيد، فكانت تحت اسوارها في اليوم التالي، وأخذ يتأهب لدخولها صبيحة يوم 31 مارس.

كان محافظ رشيد وقتئذ يدعى علي بك السلانكلي، وهو رجل شجاع ثاقب النظر يختلف كثيرا في أخلاقه عن أمين أغا حاكم الاسكندرية، وتحت أمره نحو سبعمائه جندي، فعزم على مقاومة الجيش الانجليزي معتمدا على قوة الحامية وعلى مشاركة الاهالي في الدفاع عن المدينة، ولاجل ان يبعث الحمية في نفوس جنوده ويحملهم على الاستبسال في القتال أمر بابعاد مراكب التعدية الى البر الشرقي للنيل حتى لا يجد رجال الحامية وسيلة الى الارتداد اذا حدثتهم نفوسهم أن يسلموا كما سلمت حامية الاسكندرية، فلما تم له نقل جميع المراكب وشعر الجنود والاهلون عند اقتراب الجيش الانجليزي أن البحر من ورائهم، والعدو من أمامهم، صحت عزيمتهم على المقاومة الى النهاية، وامر علي بك ان تتراجع الحامية الى داخل المدينة وان يعتصموا هم والاهلون بالمنازل مستعدين للضرب وألا يبدوا بحركة ما إلا عندما تصدر لهم الاشارة باطلاق النار.

فتقدم الإنجليز، ولما لم يجدوا أثرا للمقاومة خارج البلد اعتقدوا أن حاميتها قد اعتزمت اخلاءها وتسليمها محتذية بما فعله أمين أغا محافظ الاسكندرية، فدخلوا شوارع المدينة مطمئنين، وكانوا قد أعياهم السير في الرمال من الاسكندرية الى رشيد ، فانتشروا في الطرق والاسواق يرتادون أمكنة يلجأون اليها ويستريحون فيها، ولكنهم ما كادوا يجوسون خلال الديار وتشتمل المدينة عليهم، حتى أصدر علي بك أمره باطلاق النار، فاقتحمهم الرصاص من كل صوب، واخذ الأهلون يطلقون النار من النوافذ والسطوح، فدب الرعب في قلوبهم، وسقط الكثيرون منهم صرعى في الشوارع، فقتل الجنرال ويكوب برصاصة أردته، وقتل الكثير من ضباطه، فاستولى الذعر على نفوس الانجليز ولاذوا بالفرار، وانتهت الواقعة بهزيمة الجيش الانجليزي وارتداد الاحياء منه عن رشيد في حالة يأس وفشل، فتقهقروا الى الاسكندرية بطريق أبو قير وبلغ عدد القتلى منهم في هذه الواقعة نحو 170 قتيلا و250 من الجرحى وأسر المصريون منهم 120 أسيرا.

رواية الجبرتي عن واقعة رشيد

ذكر الجبرتي عن واقعة رشيد ما يأتي:

"في يوم الجمعة رابع عشرين محرم سنة 1222 وردت أخبار من ثغر رشيد يذكرون بأن طائفة من الإنكليز وصلت الى رشيد في صبح يوم الثلاثاء حادي عشرينه (أي 31 مارس سنة 1807) ودخلوا الى البلاد وكان أهل البلدة ومن معهم من العساكر متنبهين ومستعدين بالأزقة والعطف وطيقان البيوت فلما حصلوا بداخل البلدة ضربوا عليهم من كل ناحية فألقوا ما بأيديهم من الأسلحة وطلبوا الأمان فلم يلتفوا لذلك وقبضوا عليهم وذبحوا منهم جملة كثيرة وأسروا الباقين وفرت طائفة الى ناحية دمنهور وكان كاشفها عندما بلغه ما حصل رشيد إطمأن خاطره ورجع الى ناحية دييه ومحالة الأمير وطلع بمن معه الى البر فصادف تلك الشرذمة فقتل بعضهم واخذ منهم أسرى وارسلوا السعاة الى مصر بالبشارة فضربوا مدافع وعملوا شنكا".

نصيب المصريين في المعركة

كان لأهالي رشيد النصيب الأوفر في هزيمة الجيش الإنجليزي، لأن حاميتها العسكرية كانت من القلة بحيث لا تستطيع ان تصد الجيش الزاحف، وقد سبق لنا القول أن اخبار الحملة الانجليزية قد استفاضت في مصر قبل مجيئها وعلم الناس بأمرها من الرسائل الواردة من الاستانة واخذت الثغور تستعد لمقاومتها، ولم يقبل الاهلون في رشيد او غيرها ان يطلبوا المدد من جنود القاهرة لما اشتهروا به وقتئذ من النهب والسلب اذ كان معظمهم من الأرناؤود والدلاة واخلاط السلطنة العثمانية، فآثار الأهالي أن يتولوا الدفاع عن المدينة بأنفسهم واحتملوا معظم العبء في المقاومة والقتال، قال الجبرتي في هذا الصدد: "وفي يوم الثلاثاء 7 محرم سنة 1222 (7 مارس سنة 1807) عملوا جمعية ببيت القاضي حضرها المشايخ والأعيان وذكروا انه لما وردت الأوامر بتحصين الثغور أرسل الباشا (محمد علي) سليمان أغا ومعه طائفة من العسكر وأرسل الى أهالي الثغور والمحافظين عليها مكاتبات بأنهم ان كانوا يحتاجون الى عساكر فيرسل لهم الباشا عساكر زيادة على الذين أرسلهم، فأجابوا بأن فيهم الكفاية ولا يجتاجون الى عساكر زيادة تأتيهم من مصر فانهم اذا كثروا في البلد يأتي منهم الفساد والافساد ، فعملوا هذه الجمعية لاثبات هذا القول".

يتبين من ذلك ان الاهالي ابوا أن يطلبوا النجدة من العسكر توقيا لما يقع منهم من الفساد وانهم وطنوا النفس على تحمل اعباء القتال بأنفسهم، ومما يؤيد تلك الحقيقة ان وقائع الحملة تدل على أن الحاميات العسكرية قد فر معظمها من الميدان ولم تواجه الجيش الانجليزي، فقد مر بك ما فعله أمين أغا حاكم الإسكندرية وحامية المدينة من التسليم وكذلك فعلت حامية دمنهور فانها لما بلغتها أخبار احتلال الإنجليز الإسكندرية أخلت دمنهور وانسحبت الى قوة، وحاول الدمنهوريين أن يثنوهم عن عزمهم وحرضوهم على البقاء بالمدينة لمقاومة الإنجليزي، فأبوا إلا الهرب وأرسل الأهالي الى السيد عمر مكرم ينبؤونه بفرارهم، قال الجبرتي في هذا الصدد:

"وفي 17 محرم سنة 1222 ورد مكتوب من أهالي دمنهور خطابا الى السيد عمر النقيب مضمونه أنه لما دخلت المراكب الإنكليزية الى الإسكندرية هرب من كان بها من العساكر وحضروا الى دمهور فعندما شاهدهم الكاشف (الحاكم) الكائن بدمنهور ومن معه من العسكر انزعجوا انزعاجا شديدا وعزموا على الخروج من دمنهور، فخاطبهم أكابر الناحية (الأعيان) قائلين لهم كيف تتركونا وتذهبون ولم تروا منا خلافا وقد كنا فيما تقدم من حروب الألفي من أعظم المساعدين لكم فكيف لا يساعد الآن بعضنا بعضا في حروب الإنكليز، فلم يستمعوا لقولهم لشدة ما داخلهم من الخوف وعبوا متاعهم وأخرج الكاشف اثقاله وجبخانته ومدافته وتركها وعدى وذهب الى فوه من ليلته ثم أرسل ثاني يوم في أخذ الاثقال، فهذا ما حصل أخبرناكم به".

ينتج مما تقدم ان النصر في معركة رشيد يرجع الى الأهالي وأنهم هم الذين احتملوا معظم أعباء الجهاد وأبلوا أحسن في الدفاع عن المدينة.


نتائج واقعة رشيد

كان لموقعة رشيد تأثير كبير في تطور الأحوال، لأن هذا النصر المبين قد ملأ قلوب المصريين حماسة وفخرا، وضعضع الهيبة التي كانت للإنجليز في نفوس الناس، تلك الهيبة التي جاءت من انتصاراتهم السابقة على الجيش الفرنسي في مصر وعلى الأساطيل الفرنسية فوق ظهر البحار، فلا غرو أن يبعث هذا النصر الى نفوس الشعب روح الثقة، ويحفزه إلى الإستمرار في المقاومة. ولقد كان لهذه الواقعة في نفوس المماليك تأثير بالغ فانها كانت لهم صدمة شديدة أضعفت أملهم في نجاح الحملة الإنجليزية وجعلتهم ينكمشون في معاقلهم بالوجه القبلي، وبالتالي جعلت الجيش الإنجليزي لا يتوقع المعاونة التي كانت ينتظرها منهم، فكل هذه الاعتبارات جعلت لواقعة رشيد من الأهمية شأنا بالغا في قيمته وخطره.

وقد بادر علي بك حاكم رشيد بعد الموقعة الى انفاذ الأسرى الإنجليزي الى القاهرة ومعهم رؤوس قتلاهم ليكون ذلك اعلانا للنصر الذي نالته رشيد ثم ليبعث هذا المنظر في نفوس الجنود والشعب روح الأمل والثقة، وكان يوم حضروهم يوما مشهودا.

قال الجبرتي في وصفه ما خلاصته:

"فلما كان يوم الأحد 26 محرم سنة 1222 (أبريل سنة 1807) أشيع وصول رؤوس القتلى ومن معهم من الاسرى الى بولاق فهرع الناس الى الذهاب للفرجة ووصل الكثير منهم الى ساحل بولاق وركب ايضا كبار العسكر ومعهم طوائفهم لملاقاتهم فطلعوا بهم الى البر وصحبتهم جماعة العسكر المتسفرين معهم فأتوا بهم من خارج مصر ودخلوا من باب النصر وشقوا بهم من وسط المدينة وفيهم فسيال (ضابط) كبير وآخر كبير في السن وهما راكبان على حمارين والبقية مشاة في وسط العسكر ورؤوس القتلى معهم على نبابيت وعدتها أربعة عشر رأسا ، والأحياء خمسة وعشرون، ولم يزالوا سائرين بهم الى بركة الأزبكية وضربوا عند وصولهم شنكا ومدافع وطلعوا بالأحياء مع فسيالهم الى القلعة وفي يوم الاثنين وصل ايضا جملة من الرؤوس والاسرى الى بولاق فطلعوا بهم على الرسم المذكور وعدتهم مائة وواحد وعشرون رأسا، وثلاثة عشرة أسيرا وفيهم جرحى".

حالة الشعب النفسية وتطوعه للقتال

تكلمنا عن نصيب اهل رشيد في المعركة التي دارت رحاها في شوارعها وفيما حاق بالجيش الإنجليزي من الهزيمة، ولقد بدت على سكان القاهرة تلك الروح التي تجلت في اهل رشيد، فمنذ أن وردت انباء المعركة الأولى استنفر الشيوخ وفي مقدمتهم السيد عمر مكرم اهل القاهرة الى التطوع للقتال، وخطب المساجد في حيث الناس على الجهاد، فاستجابوا للدعوة راضين، وأقبلوا على التطوع مختارين.

فضل السيد عمر مكرم

أخذ المتطوعون يذهبون في صبيحة كل يوم الى أطراف المدينة يعملون في حفر الخنادق واقامة الاستحكامات شمالي القاهرة لصد الانجليز اذا جاءوا بطريق شبرا، وبادروا الى العمل في ذلك وسارعوا الى الاستعداد للقتال وعلى رأسهم السيد عمر مكرم، وكان الفقراء يعملون متطوعين نصف النهار ثم يعودون الى اعمال معاشهم عند الظهر.

وظهرت العاصمة بتلك الروح التي تجلت فيها قبيل معركة الأهرام سنة 1897 وفي خلال ثورة الشعب على خورشيد باشا سنة 1805، قال المسيو مانجان في هذا الصدد يصف ما شاهده:

"كان السيد عمر مكرم يذهب في صبيحة كل يوم تتبعه الجماهير الى حيث يشتغل العمال في اقامة الاستحكامات ، وكثيار ما يبقى هناك النهار كله في خيمة اعدت له، وكان حضوره يثير الحماسة والشجاعة في نفوس الناس جميعا، وقد بذل كل انسان ما في وسعه لاقامة الاستحاكمات.

وقال الجبرتي يصف عمل السيد عمر مكرم:

"وفي – يوم 26 محرم – نبه السيد عمر النقيب على الناس وامرهم بحمل السلاح والتأهب للجهاد في الإنكليز حتى مجاوري الأزهر وأمرهم بترك حضور الدروس وكذلك أمر المشايخ المدرسين بترك القاء الدروس".

فتأمل دعوة الجهاد التي بثها السيد عمر مكرم والروح التي نفخا في طبقات الشعب، فانك لترى هذا الموقف مماثلا لموقفه عندما دعا الشعب الى التطوع لقتال الفرنسيين قبل معركة الاهرام، ثم تأمل في دعوته الأزهريين الى المشاركة في القتال، تجد أنه لا ينظر اليهم كرجال علم ودين فحسب بل رجال جهاد وقتال ودفاع عن الذمار ايضا، فعملهم في ذلك العصر كان أعم وأعظم من عملهم اليوم.

وقال الجبرتي في موضع آخر يصف اجتماع زعماء الشعب ورجال الحكومة للتشاور فيما يجب عمله:

"وفي يوم الثلاثاء حصلت جمعية بيت القاضي وحضر حسن باشا وعمر بك والدفتردار وكتخدا بك والسيد عمر النقيب والشيخ الشرقاوي والشيخ الأمير وباقي المشايخ فتكلموا في شأن حادثة الإنكليز والاستعداد لحربهم وقتلهم وطردهم فانهم اعداء الدين والملة ويجب أن يكون الناس والعسكر على حال الألفة والشفقة والاتحاد وأن تمتنع العساكر عن التعرض للناس بالايذاء كما هو شأنهم وان يساعد بعضهم بعضا على دفع العدو، ثم تشاوروا في تحصين المدينة وحفر خنادق، فقال بعضهم ان الانكليز لا يأتون الا من البر الغربي والنيل حاجز بين الفريقين، وان الفرنساوية كانوا أعلم بأمر الحروب وأنهم لم يحفروا الا الخندق المتصل من باب الحديد الى البحر (النيل) فينبغي الاعتناء باصلاحه ولو لم يكن كوضعهم واتقانهم واتفقوا على ذلك".

وقال في موضع آخر: "وفي يوم الأربعاء 29 محرم ركب السيد عمر النقيب والقاضي والأعيان المتقدم ذكرهم ونزلوا الى ناحية بولاق لترتيب أمر الخندق المذكور وصحبتهم قنصل الفرنساوية وهو الذي أشار عليهم بذلك، وصحبتهم الجمع الكثير من الناس والأتباع والكل بالأسلحة".

وقال عن اشتراك طبقات الشعب في حفر الخندق المذكور واقامة الاستحكامات بما بلغ اليه جهد كل مطيق: "وشرعوا في حفر الخندق المذكور ووزعوا حفره على مياسير الناس واهل الوكائل والخانات والتجار وأرباب الحرف والروزنامجي وجعلوا على البعض أجرة مائة رجل من الفعلة وعلى البعض أجرة خمسين وعشرين وكذلك أهل بولاق ونصارى ديوان المكس (الجمرك) والنصارى والأروام والشوام والأقباط واشتروا المقاطع والغلقان والفوس والقزم وآلات الحفر وشرعوا في بناء حائط مستدير بأسفل تل قلعة السبتية".

وقد حدثت كل هذا الاستعدادات ومحمد علي باشا لم يزل غائبا بالصعيد، وهذا يدلك على ان الشعب كان متطوعا من تلقاء نفسه للقتال عازما على الحرب والمقاومة كما كان شأنه عند مجئ الحملة الفرنسية، أما قنصل فرنسا الذي أشار اليه الجبرتي فهو فهو المسيو دروفتي وكان في الاسكندرية عندما جاءت العمارة الانجليزية، فغادر الثغر مخافة أن يقع أسيرا في يد الانجليز لما كان بين إنجلترا وفرنسا الذي أشار اليه الجبرتي فهو المسيو دروفتي وكان في الإسكندرية عندما جاءت العمارة الإنجليزية، فغادر الثغر مخافة أن يقع أسيرا في يد الإنجليزي لما كان بين إنجلترا وفرنسا من العداء المستحكم في ذلك الحين، فرحل من الإسكندرية إلى رشيد ومنها انحدر الى القاهرة فاشترك في تنظيم وسائل الدفاع عنها.

ولم يقتصر تطوع سكان القاهرة على الدفاع عن العاصمة بل هبوا لنجدة اخوانهم اهل رشيد، وذلك انه على الرغم من ردهم الجيش الانجليزي الأول فانهم استهدفوا لزحف الجيش الانجليزي الثاني الذي جاء ليمحوا أثر الواقعة الأولى، فضرب الحصار على رشيد، وركب المدافع على آكام أبي مندور التي تتسلط عليها، واخذ يضربها بالمدافع تمهيدا للهجوم عليها وفتحها عنوة، وقد تهدم كثير من بيوتها ومات كثير من أهلها من ضرب المدافع وتساقط القنابل، فأرسل السيد حسن كريت نقيب أشراف رشيد الرسائل الى السيد عمر مكرم يستنجده ويطلب اليه امداد المدينة بالرجال والعتاد. فقرأ السيد عمر الرسالة الأولى على الناس وحصنهم على التطوع لنجدة رشيد، فاستجابوا وتطوعوا وحملوا السلاح وازمعوا السفر لنجدة اخوانهم، وبالرغم من أن كتخدا بك لم يأذن لهم بالسفر حتى يحضر محمد علي باشا من الصعيد فان كثيرين منهم لم يعبأوا بهذا المنع وارتحلوا لنجدة أهل رشيد في صد الجيش الانجليزي.

وتطوع كذلك أهالي البحيرة والبلاد المجاورة لرشيد واقبلوا عليها يدافعون عنها، فكان ذلك مظهرا جليلا من مظاهر التضامن القومي والاشتراك في حمل اعباء الجهاد، واتحاد الكلمة في ساعة الخطر، وفداء كل موضع في البلاد بكل فرد من اهل البلاد.

قال الجبرتي: "وفي يوم الخميس غاية محرم ورد مكتوب من السيد حسن كريت نقيب اشراف رشيد والمشار اليه بها (أي كبير أعوانها) يذكر فيه ان الانكليز لما اوقع بهم رشيد ورجعوا في هزيمتهم الى الاسكندرية استعدوا وحضروا الى ناحية الحماد قبلي رشيد ومعهم المدافع الهائلة والعدد ونصبوا متاريسهم من ساحل البحر (النيل) الى الجبل عرضا، وذلك ليلة الثلاثاء ثامن عشرينه، فهذا ما حصل اخبرناكم ونرجو الاسعاف والامداد بالرجال والجباجنة والعدة والعدد وعدم التأني والاهمال، فلما وصل هذا الجواب قرأه السيد عمر النقيب على الناس وحثهم على التأهب والخروج للجهاد. فامتثلوا ولبسوا الأسلحة، وجمع اليه طائفة المغاربة واتراك خان الخليلي وكثيرا من العدوية والأسيوطية واولاد البلد، وركب في صبحها الى كتخدا بك واستاذنه في الذهاب فلم يرض وقال حتى يأتي أفندينا الباشا (محمد علي) ويرى رأيه في ذلك، فسافر من سافر ، وبقى من بقى".

وقال في موضع آخر: "وفي يوم السبت ثاني صفر (11 أبريل سنة 1807) وردت مكاتبة أيضا من ثغر رشيد وعليها امضاء علي بك السلانكلي حاكم الثغر وطاهر باشا واحمد أغا المعروف ببونابرت بمعنى مكتوب السيد حسن السابق ويذكرون فيه ان الانكليز ملكوا ايضا كوم الافراح وابو منضور ويستعجلون النجدة، وفي خامس صفر وردت مكاتبة من رشيد عليها امضاء السيد حسن كريت يخبر فيها بان الانكليز محتاطون بالثغر ومتحلقون حوله ويضربون البلد بالمدافع والقنابل، وقد تهدم الكثير من الدور والابنية ومات كثير من الناس، وقد أرسلنا لكم من قبل تاريخه نطلب الاعانة والنجدة فلم تسعفونا بارسال شي، وما عرفنا لاي شيء هذا الحال، وما هذا الاهمال ، فالله الله في الاسعاف، فقد ضاق الخناق وبلغت القولب الحناجر من توقع المكروه وملازمة المرابطة والسهر على المتاريس ونحو ذلك من الكلام وهي خطاب للسيد عمر النقيب والمشايخ ومؤرخة في ثاني صفر 22".


معركة الحماد

(21 أبريل سنة 1807)

كانت واقعة رشيد ضربة شديدة أصابت الجيش الانجليزي، فأراد النرال فريزر أن يمحو اثر الهزيمة التي حاقت به في تلك الواقعة، واعتزم تجريد جيش آخر يستأنف الزحف على رشيد وعهد بقيادته الى الجنرال ستوارت.

وفي غضون ذلك وصل محمد علي باشا الى القاهرة عائدا من الصعيد فبلغها ليلة 12 أبريل سنة 1807 (3 صفر سنة 1222) فأطلع على الأنباء الواردة عن هزيمة الانجليز في رشيد، فاطمأن نفسا وألفى الحالة اقل خطورة مما كان يتوقع، على أنه لم يركن الى ما حدث في تلك الموقعة ورأى بثاقب نظره أن الإنجليز قد يستأنفون القتال والزحف ليستردوا هيبتهم الضائعة، فبادر الى تجريد جيش أنفذه لمحاربتهم وصدهم عن التقدم، واتم عمل الاستحكامات التي بدء بها قبل حضوره، وواصل العمل في حفر الخنادق بين باب الحديد وبولاق لاقامة حط الدفاع عن القاهرة من الشمال وشق أخاديد أمام الخنادق تتصل بالنيل لتمتلئ بالمياه وتعرقل تقدم الجيش الانجليزي، واغرق عدة من المراكب بين جزيرة بولاق والشاطئ لمنع مرور السفن الانجليزي في النيل اذا جاءت من رشيد، ونصب البطاريات من المدافع في شبرا وامبابة وجزيرة بولاق، واشترك العلماء والشعب في العمل بحماسة وغيرة وحمية.

واخذ يدبر المال اللازم لنفقات الجيش، وعاونه السيد عمر مكرم والعلماء في جمع ما يستطاع تدبيره من المال فجمعوا تسعمائة كيس من سكان العاصمة خصصوها لنفقات الزحف. وتم تجهيز الحملة فكانت مؤلفة من أربعة آلاف مقاتل من المشاة وخمسمائة وألف من الفرسان، وسارت قاصدة الى رشيد بقيادة طبوز أوغلي.

أما جيش الجنرال ستوارت فكان عدده نحو أربعة آلاف مقاتل مجهزين بالمدافع والاسلحة والذخائر.

تحرك هذا الجيش من الاسكدرية يوم 3 أبريل زاحفا على رشيد، ولما صار على مقربة منها أنفذ الجنرال ستوارت كتيبة منه احتلت الحماد الت يتقع جنوبي رشيد بين النيل وبحيرة ادكو، وكان الغرض من احتلالها تطويق رشيد، ومنع وصول المدد اليها من الجنوب وحماية ساقة الجيش الانجليزي.

واحتل الانجليز ايضا آكام أبي مندور، وركبوا عليها المدافع ليضربوا رشيد بالقنابل وعسكر معظم الجيش غربي رشيد وجنوبيها واخذ يحاصرها (7 أبريل) ويضربها بالمدافع.

وكان الانجليز يظنون أن ضرب المدينة بالمدافع يلقي الرعب في نفوس الحامية والاهالي، ويضطرهم الى التسليم، وقد أنذروهم غير مرة بأن يسلموا المدينة، ولكنهم رفضوا، وكان انتصارهم السابق في واقعة رشيد قد بعث في نفوسهم الحمية والحماسة، فصمموا على الاستبسال في الدفاع عن مدينتهم، وبالرغم مما أحدثته القنابل من تخريب البيوت وقتل العدد الكثير من السكان فانهم صبروا واحتملوا هذه الشدائد بشجاعة ورباطة جأش، وكانوا يخرجون من المدينة من آن لآخر لمناوشة القوات الانجليزية، واستمر الضرب الحصار نحو اثنى عشر يوما دون ان يفوز الانجليز بطائل.

وكانت الجنرال ستوارت في رسالة له الى الجنرال فريزر يقول:

"ان ما أنبأتموني به من قرب حضور المماليك جعلني أتريث في الهجوم على رشيد، لقد ألحقنا بالمدينة أضرارا كبيرة وقد بلغ ما أطلقناه عليها من المدافع البعيدة المدى 300 قنبلة، على أنه قد تبين لنا أن الاعداء لا يكترثون بالمصائب التي تنزل بهم، ان قواتهم لا تزيد على ما بلغنا على 300 من الفرسان، و800 من الأرناءوط وألف من الأهالي المسلحين، ولكن نظرا لسعة خطوط دفاعهم وطبيعة مواقعهم لم أر من الحكمة أن أتعجل لاقتحام المدينة، وان نجاحنا معلق على نجدة المماليك، فاذا جاءوا الينا امكننا ان نرسل الى البر الشرقي من النيل قوة تشترك في القتال، أما الآن فيستحيل علينا ذلك لان العدو متفوق علينا في قوة الفرسان، وليس لدينا مثل هذه القوة التي لها عمل كبير في الجهات المنبسطة كجهات الدلتا، وفي انتظار تلك النجدة يتبين لنا مبلغ أهمية موقعنا في الحماد فإننا نتوقع ان يهاجمنا الأعداء فيها، وسنبذل كل جهودنا لاستبقائها في يدنا".

كان الانجليز ينتظرون اذن ان ينجدهم المماليك، ولكن هؤلاء اخذوا يسوفون ويماطلون في الوفاء بعهدهم، ويرقبون تطور الحوادث، ثم تخلوا عن حلفائهم لما رأوا من حرج مركزهم.

وفي غضون ذلك اخذ الاهالي يناوشون مواقع الانجليز في الحماد، فانفذ اليها الجنرال ستوارت مددا من الجنود، وركب المصريون أيضا مدفعين على الشاطئ الشرقي وأخذوا يلقون القنابل على ميمنة الجيش الانجليزي بالبر الغربي، فاجتاز الماجور ماكدونالد النهر عند مسجد أبي مندور (16 أبريل) ومعه قوة من 250 جنديا واستولى على موقع المصريين وعلى المدفعين، ثم تلقى المصريون مددا فعاد ماكدونالد أدراجه الى البر الغربي.

واستمر الضرب والحصار الى أن جاء المدد الذي أرسله محمد علي باشا بقيادة طبوزاوغلي، فتغير الموقف الحربي تغير جوهريا.

كان هذا المدد مؤلفا من فرقتين، الأولى يقودها طبوزاوغلي نفسه بالبر الشرقي للنيل، والأخرى بقيادة حسن باشا بالبر الغربي، وكانت الفرقتان تيسر كلتاهما حذاء الأخرى على الشاطئين، فلما جاءتا على مقربة ن رشيد عسكرت فرقة حسن باشا بالبر الغربي تجاه الحماد، وعسكرت الأخرى في برنبال بالشاطئ الشرقي وكان جنود الفرقين بشاهد بعضهم بعضا.

ففي صبيحة 20 أبريل تقدمت طلائع الجيش المصري من الفرسان (من فرقة حسن باشا) نحو مواقع الإنجليز في الحماد، والتقت بكتيبة منهم وسط المزارع، فاراد هؤلاء الارتداد الى القرية، ولكنهم لم يحكموا انسحابهم واحاط بهم فرسان الجيش المصري فقتلوا بعضهم وأسروا آخرين.

فلما علم الجنرال ستوارت بهذا الاصطدام الأول أنفذ الكولونيل ماكلود ومعه عدد من الجنود والمدافع الى الحماد لتثبيت مركز الانجليز فيها، وعهد اليه بقيادة القوة المرابطة بها.

كان موقع هذه القرية على جانب كبير من الاهمية، وعليها يدور محور القتال لانها واقعة في البرزخ بين النيل وبحيرة إدكو، وفي شماليها ترعة كانت في ذلك الحين جافة تصل من النيل الى قرب البحيرة، فلو أن الانجليز أحكموا الدفاع عن موقعهم بها لأمكنهم أن يسدوا الطريق أمام الجيش المصري فلا يستطيع اجتياز ذلك البرزخ ولا الوصول الى رشيد ليمدها بالنجدة.

رتب الكولنل مواقع جنوده ليدافع بهم هن هذا البرزخ، وكان عددهم ثمانمائة مقاتل ترتكز ميسرتهم الى النيل بقيادة الماجور وجسلند، وميمنتهم قرب بحيرة ادكو بقيادة الكابتن تارلتون، والقلب في قرية الحماد بقيادة الماجور مور، أما جمهورة الجيش الانجليزي فرابطت حول رشيد لحصارها.

وانقضى يوم 20 أبريل وموقع الإنجليز في الحماد لم يستهدف في الظاهر للخطر، وكان الكولونل ماكلود مطمئنا الى مركزه، لكن الجنرال ستوارت لاحظ حتما قتش خط الدفاع في الحماد (ليلة 21 أبريل) انه لا يحتمل في بعض جهاته ضغط قوات الجيش المصري اذا تكاثر عددها، فعهد الى الكولنل ماكلود أن يستبسل في الدفاع عن مواقعه قدر ما يستطيع، وفي حالة تكاثر قوات الفرسان المصريين فعليه أن يرتد الى شاطئ البحيرة، فاذا لم يستطيع ذلك فليتراجع الى مواقع الجيش الإنكليزي الذي كان يحاصر رشيد.

وأدرك الجنرال ستوارت أن القوات المصرية بعد ان جاءها المدد صارت اكثر عددا من الجيش الإنجليزي، فارتأى أن يسنتظر الى اليوم التالي (21 أبريل) واعتزم اذا لم تصله النجدة من المماليك ان ينسحب من الحماد ويرفع الحصار عن رشيد ويتراجع الى الاسكندرية.

أما طبوزاوغلي، قائد الجيش المصري، فانه كان الى ذلك الوقت مرابطا في برنبال بالبر الشرقي، مترددا في اي طريق يسلكه، هل يذهب رأسا لنجدة رشيد ليرفع الحصار عنها، أم يهاجم أولا موقع الإنجليز في الحماد، الى أن تشجع بالنصر الذي ناله فرسان حسن باشا بالبر الغربي في الاصطدام الأول، فاعتزم اتباع الخطة الأخيرة، فعبر النيل ليلا بجنوده، واقلتهم المراكب الى العدوة اليسرى، وانضموا الى فرقة حسن باشا تأهبا لمهاجمة الحماد في صبيحة العد (21 أبريل).

وفي الصباح شاهد الكولنل ماكلود قوات الجيش المصري قد تكاثر عددها، وامتلأ السهل برجالها، فأرسل من فوره الى الجنرال ستوارت ينبئه الخبر ويطلب اليه ان يقره على الانسحاب الى مواقع الجيش الانجليزي حول رشيد، فبعث اليه ستورات يقره على خطته، ويمدع بفصيلة من الجند، ولكن الرسول لم يصل الى الحماد وكذلك لم يجيء المدد، لأن فرسان الجيش المصري قد انسابوا في السهل وقطعوا المواصلات بين الحماد ورشيد، فاعتزم ماكلود الانسحاب من خط دفاعه، ولكنه لم يحكم خطته، وتفرقت قواته ، فتمكن فرسان الجيش المصري من الانقضاض عليها واحدة اثر اخرى في الوقت الذي احتل فيه المشاة الصريون قرية الحماد.

تعقب الفرسان القوات الثلاث، فأحاطوا بقوة القلب وكان معها الكولونل ماكلود، وانهال عليها الرصاص، من كل صوب فقتل معظم رجالها وقتل من بينهم الكولونل ماكلود نفسه.

وأحاطوا كذلك بالميمنة فقتل قائدها ترلتون ومعظم جنودها، ولم ينج من القتل سوى خمسين وقعوا في الاسر.

اما الميسرة فقد قاومت قليلا واحاط بها الفرسان من كل جانب، فلم ير قائدها الماجور وجلسند بدا من التسليم، فسلم هو والبقية الباقية من الانجليز، وكان ذلك ختام المعركة.

بدأت الواقعة الساعة السابعة صباحا. واستمرت ثلاث ساعات حمى فيها وطيس القتال، وانتهت بهزيمة الجيش الانجليزي المرابط في الحماد، ولم ينج منه احد، فمن لم يدركه القتل لم يسلم من الأسر، وبلغت خسارته نحو 416 من القتلى و400 أسير.

كان الجنرال ستوارت مرابطا اثناء الواقعة جنوبي رشيد ومعه بقية الجيش الانجليز، فلما ادرك عظمة النكبة التي حلت بقواته في الحماد سارع الى رفع الحصار عن رشيد وبادر الى الانسحاب قبل ان ينقض عليه الجيش المصري، فأتلف مدافعه التي لم يستطع حملها وتراجع الى طريق أبو قير يجر أذيال الخيبة والهزيمة.

وبالرغم من كتمانه تدابير الانسحاب فان اهالي رشيد والبلاد المجاورة تعقبوه في انسحابه الى ان وصل الى بحيرة ادكو وجرت مناوشات على شاطئ البحيرة بينه وبين المصريين انتهت بارتداد هؤلاء ومواصلة الانجليز الانسحاب حتى بلغو أبو قير ومن هناك استقلوا السفن الى الاسكندرية.

رواية الجبرتي عن معركة الحماد

قال الجبرتي عن معركة الحماد ما يلي:

"في يوم الخميس 14 صفر حضر شخصان من السعاة وأخبرا بالنصر على الانجليز وهزيمتهم، وذلك انه اجتمع الجم الكبير من اهالي البحيرة وغيرها واهالي رشيد ومن معهم من المتطوعة والعساكر ، وأهل دمنهور ، وصادف وصول كتخدا بك واسماعيل كاشف الطوبجي الى تلك الناحية، فكان بين الفريقين مقتلة كبيرة واسروا من الانكليز طائفة وقطعوا منهم عدة رءوس، فخلع الباشا (محمد علي) على الساعيين جوختين، وفي اثر ذلك وصل ايضا شخصان من الأتراك بمكاتبات بتحقيق ذلك الخبر، وبالغا في الاخبار وان الانكليز انجلوا عن متاريس رشيد وابي مندور والحماد، ولم يزل المقاتلون من اهل القرى خلفهم الى ان توسطوا البرية وغنموا جبخانتهم وأسلحتهم ومدافعهم ومهراسين عظيمين".

وقال في موضع آخر يصف تطوع المصريين في القتال بعد معركة رشيد الاولى ونصيبهم في معركة الحماد وما ابلو فيها من البلاء الحسن، وكيف غمط حقهم بعد ذلك ولم يعرف فضلهم في الجهاد والفوز:

"وكذلك اهل البلاد قويت همتهم وتأهبوا للبروز والمحاربة، واشتروا الاسلحة ونادوا على بعضهم الجهاد، وكثر المتطوعون ونصبوا لهم بيارق واعلام، وجمعوا من بعضهم دراهم وصرفوا على من انضم اليهم من الفقراء، وخرجوا في مواكب وطبول وزمور، فلما وصلوا الى متاريس الانكليز دهموهم من كل ناحية على غير قوانين حروبهم وترتيبهم، وصدقوا في الحملة عليهم، والقوا انفسهم في النيران ولم يبالوا برميهم، وهجموا عليهم واختلطوا بهم، وأدهشوهم بالتكبير والصباح حتى ابطلوا رميهم ونيرانهم، فألقوا سلاحهم، وطلبوا الامان فلم يلتفتوا لذلك، وقبضوا عليهم وذبحوا الكثير منهم وحضروا بالاسرى والرءوس على الصورة المذكورة وفر الباقون الى من بقى بالاسكندرية، وليت العامة شكروا على ذلك او نسب اليهم فضل، بل نسب كل ذلك للباشا وعساكره، وجوزيت العامة بضد الجزاء بعد ذلك".


تأثير معركة الحماد في الموقع الحربي

كانت معركة الحماد هزيمة ساحقة للانجليز، فملأت نفوس المصريين عزما وفخرا وثقة، وأسقطت هيبة الجيش الانجليزي وخاصة لما جمع كتخدا بك اسراهم وشحنهم في المراكب الى القاهرة ليتحقق الناس عظم النصر الذي ادركه الجيش المصري.

وصل اولئك الاسرى الى بولاق يوم 2 صفر 1222 (29 أبريل سنة 1807) فسيقوا من بولاق الى الازبكية ومنها الى القلعة، وعددهم 480 أسيرا وفي مقدمتهم من قواد الجيش الانجليزي الماجور مور، والماجور وجلسند، وكان يوم حضورهم يوما مشهود احتشدت فيه الجماهير من سكان العاصمة على جوانب الشوارع والطرقات لرؤية منظر الاسرى، وطيف برءوس القتلى الانجليز ليراها الناس على الطريقة التي كانت مألوفة في ذلك العصر فبلغ عددها 450 رأسها.

أما الجنرال فريزر فقد اسقط في يده بعد هزيمتي رشيد والحماد ورأى من العبث ان يعاود القتال، فامتنع بالاسكندرية واخذ في تحصينها، وبعث بالرسل الى زعماء المماليك يذكرهم بوعود الالفي ويناشدهم العهود ويحرضهم على امداده ومعاضدته ليواصل القتال ويعيدهم الى دست الأحكام، ولكن المماليك لما علموا بما حل بالانجليز من الهزيمة صموا آذانهم عن الاستجابة لطلب الجنرال فريزر وظلوا بعيدين عن غمرات القتال.

ولكي يأمن الجنرال فريزر على نفسه قطع سد ابو قير لتطغى مياه بحيرة ابو قير على مريوط وتحيط المياه بالاسكندرية من جميع الجهات، وهذه هي المرة الثانية التي قطع فيها الانجليز هذا السد، وكانت المرة الأولى سنة 1801 حينما حاربوا الجنرال منو فارادوا ان يحصروه في الاسكندرية فقطعوا السد.

ولا يخفى ان قطع السد يتلف ترعة الاسكندرية فيمنع وصول مياهها الى الثغر ويخرب بلادا كثيرة في جهات مريوط، فالانجليز قد تسببوا في هذا الخراب مرتين.

واخذ محمد علي يعد العدة للزحف على الاسكندرية واجلاء الانجليز عنها، ولم يكد يبدأ في انفاذ عزمه حتى جاءه بالقاهرة رسول من قبل الجنرال فريزر يحمل رسالة منه، فظن ان هذه الرسالة خاصة بالاسرى الانجليز الذين في القلعة، ففضها فاذا فيها طلب الجنرال فريزر المفاوضة في الصلح على ان يجلو الجيش عن الاسكندرية، ولم يكن محمد علي يتوقع الجلاء عن البلاد بهذه السهولة وهم الذين يتطلعون منذ سنوات عدة الى احتلالها وبسط نفوذهم عليها ويبذلون الجهود والوسائل لتحقيق أطماعهم فيها، فلم يغب عن محمد علي ما بذله الانجليز من عهد الحملة الفرنسية لاحتلال مصر ولا مساعيهم لدى الباب العالي ودسائسهم المستمرة لتولية صنائعهم المماليك حكم البلاد وخاصة محمد بك الالفي، ولا تجريدهم تلك الحملة في هذا الغرض، كل هذا لم يفت نظر محمد علي الثاقب، ولذلك لم يكد يصدق هذه الرسالة ، وحاول كتمان ذهوله منها وابتهاجه لها، وأجاب الرسول بأنه ذاهب بجيشه الى دمهور ، وهناك سيبعث بجوابه الى الجنرال فريزر.

والواقع ان انجلترا عزمت وقتئذ على العدول عن غزو مصر، ولم يكن ذلك منها تورعها ولا عدولا عن تحقيق اطماعها الاستعمارية في وادي النيل، بل لان الحالة السياسية في أوروبا كانت لا تمكنها من متابعة حملتها على مصر، وذلك ان الصراع بينها وبين نابليون استجر وبلغ مبلغه في ذلك العهد، وكان نابليون اذ ذاك في اوج قوته ومجده، وقد دان له معظم القارة الاوروبية، وعقد مع قيصر روسيا صلح (تلسيت ) الشهير، ذلك الصلح الذي وطد مركزه في أوروبا وضمن له صداقة القيصر، فاستطاع ان يتفرغ لتوجيه قواته لسحق إنجلترا، فرأت هذه ان تجمع قواها لتدافع عن جزيرتها، وآثرت ألا تغامر بجيوشها في حملات بعيدة وهي في حاجة اليها، ورأت من جهة أخرى بعدما أصاب جنودها من الهزيمة والخذلان في رشيد والحماد ان الحملة على مصر ليست مرجوة العواقب، من أجل ذلك عدلت عن متابعة حملتها وارسلت تستدعي جيشها من الاسكندرية، وأمرت الجنرال فريزر بالاقلاع بجنوده الى صقلية ، ولا يعني هذا انها تخلت عن مطامعها في مصر، بل رأت ان ترجئ تحقيقها الى ان تسنح فرصة أخرى، وكذلك ظلت تضمر الشر لمصر وترقب الفرص الى ان كشرت عن نابها اثناء اشتداد الصراع بين مصر وتركيا سنة 1839 فتدخلت في المسألة المصرية، وألبت الدول الاوروبية على مصر وحرمتها ثمرة انتصاراتها على الأتراك ، كما سيجئ بيانه، وظلت بعد ذلك تتحين الفرص لاحتلال البلاد حتى سنحت لها الفرصة سنة 1882 أثناء الثورة العرابية.


ابرام الصلح وجلاء الانجليز عن البلاد

اعتزم محمد علي اذن السفر الى دمنهور وسار بجيشه من معسكره في امبابة الى الرحمانية، ومنها الى دمنهور ويوم 12 أغسطس سنة 1807 (7 جمادة الثانية)، وكان جيشه مؤلفا من ثلاثة آلاف من المشاة وألف من الفرسان مجهزين بمدفعية قوية.

ولما بلغ دمنهور التقى بالجنرال شربوك الانجليزي الذي فوضه الجنرال فريزر في الاتفاق على الصلح، وهناك أبرم الطرفان المعاهدة، وهي تفضي بجلاء الجنود الانجليزية عن الاسكندرية في مقابل استرجاعهم أسراهم وجرحاهم، فبادر محمد علي بانفاذ أمره الى القاهرة ليحمل الأسرى الانجليز على الفور، وأخذ الجنرال فريزر بعد معدات الجلاء وبتسلم الأسرى، وفي اليوم التاسع عشر من سبتمبر، تم جلاء الانجليز عن المدينة، وتسلم الاسكندرية طبوز أوغلي نيابة عن محمد علي ثم أقلعت السفينة البريطانية ذاهبة بجنود الحملة الى صقلية.

قال الجبرتي: "وفي يوم الاربعاء 13 رجب سنة 1222 وصل المبشرون بنزول الانكليز من ثغر الاسكندرية الى المراكب ودخل اليها كتخدا بك (طبوزأوغلي) ونزل بدار الشيخ المسيري" وبذلك طويت صحيفة الاحتلال البريطاني الثاني، فكانت مدته ستة أشهر.

فتأمل في هذا التاريخ، سبتمبر سنة 1807، وارجع معي بفكر الى أكثر من مائة سنة خلت، واعلن بأن انجلترا ما فتئت خلال هذه الاعوام الطوال ترقب فريستها وتتحين الفرص لتحقيق مطامعها القديمة في بلادنا العزيزة، وما زالت تدبر الذرائع وتخلق الحوادث وتنصب الشباك حتى استطاعت بعد خمس وسبعين سنة من جلائها عن البلاد ان تحتها سنة 1882، ومن غرائب القدر ان يكون جلاء الانجليز في الاحتلال الثاني كان في شهر سبتمبر سنة 1807 ودخولهم القاهرة في الاحتلال الثالث كان في شهر سبتمبر سنة 1882، فما أعظم الفرق بين التاريخي، فالأول يذكرنا بيوم يؤدد وفخار، والثاني يثير في نفوسنا لوعة الاسى والاحزان!

كانت الاسكندرية خلال السنوات السبع الماضية في عزلة عن القطر المصري بعيدة عن نفوذ محمد علي، ذلك أن الباب العالي كان يعتبرها تابعة مباشرة لحكمه ولم يكن الولاة ظل من النفوذ فيها، فبقيت على هذه الحال الى أن جلا الانجليز عن البلاد وسار محمد علي اليها، فكان هذا الجلاء فرصة سعيدة لبسط نفوذ الحكومة المصرية على ربوعها، ودخلها محمد علي لأول مرة بعد جلاء الانجليز وكان يوما مشهودا أطلقت فيه مدافع القلاع والأبراج ابتهاجا بانضمام الاسكندرية الى جامعة الوطن.


عودة محمد علي الى القاهرة

ظل محمد علي في الاسكندرية الى ان غادرها وسار برا الى رشيد يصحبه حسن باشا، ومن هناك انحدر في النيل الى القاهرة، وفي طريقه اليها انقلب به مركبه أمام (وردان) فاجتاز النهر سباحة وواصل سفره راكبا جواده، فكبا به الجواد على غير عادته وسقط على الارض فتطيرت حاشية الباشا من الحادثتين، ثم وصل محمد علي الى القاهرة وبلغها في شهر أكتوبر سنة 1807.

قال الجبرتي في هذا الصدد: "في ثالث شعبان سنة 1222 (6 أكتوبر سنة 1807) وصل الباشا الى ساحل بولاق، فضربوا لقدومه مدافع من القلعة، وعملوا له شنكا ثلاثة أيام، واتفق أن الباشا في حال رجوعه من الاسكندرية نزل في سفينة صغيرة وصحبته حسن باشا طاهر وسليمان أغا الوكيل سابقا فانقلبت بهم وأشرف ثلاثتهم على الغرق وتعلق بعضهم بحرف السفينة فلحقتهم مركب أخرى أنقذتهم من الغرق وطلعوا سالمين وكان ذلك عند زفيته".

ولما بلغت أنباء الجلاء عن الاسكندرية الى الأستانة ابتهج السلطان محمود ابتهاجا عظيما لما كان بين تركيا وإنجلترا من العداء في ذلك الحين، فأرسل رسولا الى محمد علي يظهر له ابتهاجا ويهدي اليه سيفا ثمينا وخلعة، وكذلك أنعم على ابراهيم بك وطوسون بك وحسن باشا وطاهر باشا والسيد عمر مكرم وعابدين بك وعمر بك وصالح قوش بالرتب والخلع الثمينة.

وأعادت الحكومة التركية ابراهيم بك (باشا) الى مصر وكان بالاستانة رهينة حتى يؤدي محمد علي الأربعة الآلاف كيس التي التزم بأدائها، فأطلقت الحكومة سراحه اعرابا على بانتصار الجيش المصري.

وصفوة القول أن أخفاق الحملة البريطانية سنة 1807 وهزائم الإنجليز في رشيد والحماد هي صفحات مجد وفخار لمصر والمصريين.


فتنة الجند واخمادها

(سنة 1807)

كان محمد علي باشا معتزما بعد أن تخلص من الحملة الانجليزي ان يجرد حملة المماليك في الصعيد ليقضي على سلطانهم به، لكنه علم وهو في الاسكندرية أن الجنود قد جنحوا في العاصمة الى التمرد والفتنة، فرأى أن يدع الحملة على المماليك حتى ينتهي من اخماد فن فتنة الجند.

عاد الى القاهرة فطالعه الناس بالشكوى من مسلك الجنود واخلالهم بالنظام، والواقع أن هؤلاء الجنود كان دأبهم النهب والسلب والعدوان على الناس وانتهاك الحرمات والاستهانة بالأرواح والأموال.

وكما كانت للزعامة الشعبية الفضل الكبير في احباط الحملة الانجليزي كذلك كان لها الفضل في مناصرة محمد علي باشا ومعاونته على اخماد فتنة العسكر.

كان أولئك الجند آفة على النظام والأمن، وكذلك كانوا خطرا على استقرار محمد علي باشا في الحكم، وقد تخلص من العناصر الأكثر نزوعا الى العصيان كالدلاة مثلا، فانه بعد توليته حكم مصر سرح معظمهم وعهد الى فرقة من الأرناؤود ترحيلهم الى الحدود السورية، وفي اثناء جلائهم عن البلاد نهبوا قرى الوجه البحري وعاثوا وأفسدوا، لكن بقيت عناصر الأرناؤود من الجنود غير النظاميين وبقية من الدلاة تخل بالأمن وتنزع الى العصيان، وكانوا كلما نجحوا في فتنة ازدادوا تمردا وطغيانا، وكلما عادوا من حملة او تجريدة جاسوا خلال القرى آخذين ما تصل اليه أيديهم بالنهب والسلب.

وقد رأى محمد علي باشا من نزوعهم الى العسف والاعتداء وانسلالهم الى الأرياف والعاصمة للنهب والفتك بالأهلين عقب حملة سنة 1807 ما جعله يصمم الرأي على تأديبهم وكبح جماحهم، فلما استقر به المقام في القاهرة اعتزم انفاذ هذا العزم. وكان ذلك عين الصواب لأن أولئك الجند قد تمادوا في طغيانهم ولم يزعهم وازع من سلطة أو نفوذ حتى تهدوا محمد علي ذاته بالفتك به.

ففي 28 أكتوبر تجمهرت جموع حاشدة من الجنود الأرناءود وذهبوا بجمعهم وصخبهم الى سراي الباشا بالأزبكية يطالبون برواتبهم المتأخرة، فلم يجابوا الى طلبهم ووعدوا بالدافع، فلم يرضوا، وأخذوا يطلقون النار من بنادقهم على أبواب القصر ونوافذه، ولما نفدت ذخيرتهم عادوا من حيث أتوا، ولم تمض ثلاث ساعات على هذا التجمهر حتى جاء رهط آخر من الجنود الدلاة وحذوا حذو الأرناءوط في تمردهم وشغبهم، ففزع الناس من هذه الفتنة وخشوا عواقبها وأقفلوا الدكاكين والأسواق، وأغلقوا بوابات الدروب والحارات من الغروب وسهروا خلفها بالأسلحة، فأدرك محمد علي خطر هذه الفتنة، فاحاط لنفسه قبل أن يصيبه شرها، وكان ذلك من دلائل فراسته وبعد نظره، فان الجنود المتمردين كانوا قد أجمعوا الفتك به في سرايه بالأزبكية، وكانت هذه السراي مكشوفة للمتمردين، فعقد العزم على مبارحتها الى القلعة ، لأنه رأها آمن مستقرا ومقاما.

ففي اليوم التالي (29 أكتوبر) انتقل ليلا مع صحبه المخلصين له الى القلعة بعد أن نقل اليها أمتعته الثمينة وخزائنه التي كانت بسراي الأزبكية، وقد تم انتقاله الى القلعة سرا بحيث لم يشعر به الجنود المتمردون، فلما علموا بالخبر ثارت ثائرتهم وأقبلوا ينهبون سراي محمد علي، وتجمهروا في أنحاء المدينة وأطلقوا أيديهم في النهب والسلب والاعتداء على الناس، واستمرت الفتنة سبعة أيام حتى أنست الناس الاحتفال برؤية رمضان.

استفحلت الفتنة واضطربت لها العاصمة وكادت تقضي على الأمن والنظام فيها، فتدخل السيد عمر مكرم والعلماء، واجتمعوا غير مرة طورا في القلعة، وآونة في بيت السيد عمر مكرم ، وآنا في بيت السيد محمد المحروقي كبير التجار، وبحثوا في خير الوسائل لاخماد الفتنة، فاتفقوا رأيا على أن تؤدي الحكومة للجنود المتمردين جزءا من رواتبهم المتأخرة قدروه بألفي كيس، ولما كانت خزانة الحكومة خالية من المال قرروا أن يتحمل الأهالي هذه الاتاوة الجديدة، فوزعوها على التجار والملاك والصناع وأرباب الحرف، وأقنعوا المتمردين بالإخلاد إلى السكنية مقابل هذا المبلغ من المال.

فجيبت الاتاوة ، ودفعت للجنود، واستتبت السكينة مؤقتا على حساب الاهالي، واعتزم محمد علي تلقاء خطورة هذه الفتنة ان يقتص من زعمائها، فقرر نفي رجب أغا أحد رؤساء الجند الأرناءود وأشدهم نزوعا الى العصيان، وكان هذا الأغا يعمل من قبل في صفوف محمد بك الألفي رئيسا لقواته المشاة، فلما مات الألفي جاء الى القاهرة يصحبه رهط من رجاله وأخذ يعيث الفساد، فلما قرر محمد علي نفيه استكبر وأصر وأبى أن يذعن للأمر، وامتنع في باب الخلق، وكادت تقوم في المدينة فتنة جديدة لولا أن تدخل في الأمر عمر بك وصالح قوش من رؤساء الجند الأرناءود ، فذهبا برجب أغا إلى بولاق وأنفذاه الى دمياط فارتحل منها إلى بلاده.

دلت هذه الفتنة على أنه مادام جيش الحكومة خليطا من تلك العناصر المتمردة النازعة أبدا إلى الاخلال بالنظام فلا يستقر الأمن في البلاد، ولا تستقيم شئونها، ومن هنا خالجت محمد علي فكرة التخلص من الجنود غير النظاميين وانشاء جيش جديد أساسه الطاعة والنظام للرؤساء، وأخذ يتحين الفرص لانفاذ فكرته، فكان من وسائل تحقيقها ارسال أخلاط الجيش غير النظامي الى الحملات البعيدة في الحجاز والسودان، وبذلك اخذ يتخلص منها تدريجيا تمهيدا لتأسيس الجيش المصري النظامي كما سيأتي بيانه.







الفصل الثالث: اختفاء الزعامة الشعبية من الميدان

الموقف السياسي

من الراجح أن محمد علي باشا كان يميل في ذات نفسه الى التخلص من الزعامة الشعبية التي أجلسته على قمة المجد، لأن هذه الزعامة كانت في هذه السنوات الأولى من حكمه بمثابة سلطة ذات شأن تستقصي عليه وتراقب أعماله مراقبة مستمرة، وكانت ملجأ الشاكين ممن ينالهم الظلم أو تتحيفهم مساوئ الحكام، ولا نزاع في ان هذا النوع من الرقابة لم يكن مألوفا ولا سائغا في ذلك العصر، ولئن كان محمد علي مدينا للزعامة الشعبية بولاية الحكم وتثبيته وتذليل العقبات التي اعترضته واحباط الدسائس والمؤامرات التي تدبر له، فان السلطة في ذاتها من شأنها أن تطغي صاحبها وتنتزع به الى الاستبداد بالأمر، فمحمد علي بعد أن استقر في الحكم وثبتت قدمه طمحت نفسه الى الاستبداد وبدأ يشعر بالغضاضة من تدخل العلماء وأهل الرأي في شئون الحكومة وسعيهم في رفع المظالم عن الناس، ومهما يكن هذا التدخل شرعيا ولا غبار عليه لصدوره من قوم بايعوا محمد علي بشرط أني يسير في الحكم بالعدل والقسطاطس، فما لا نزاع فيه أنه كان يميل الى التخلص من هذه الرقابة باقصاء الزعامة الشعبية عن الميدان.

كل هذا صحيح واقع لا ريب فيه، ولكن من الحق ان نقول أيضا ان الزعامة الشعبية هي التي هدمت سلطتها بيدها، وانها كانت تحمل في عناصرها أسباب انحلالها، ذلك أن زعماء الشعب لم يكونوا على وفاق وتضامن واخلاص متبادل، فأخذت أسباب التنافس والتحاسد والمطامع الشخصية تفرق بينهم، ودبت في نفوس الكثيرين منهم عقارب الحسد لما ناله السيد عمرم مكرم من المنزلة والرياسة، ومع أن عمر مكرم بلغ مكانته بجدارة واستحقاق لما له من فضل السبق في تكوين تلك الزعامة، واقامتها على طريق السداد، ولما اشتهر عنه من الأنفة والحمية، والتعفف وعلو النفس، والبعد عن الصغائر ونزعات الهوى. فان زملاءه في الزعامة قد حسدوه ونقموا عليه رياسته، فأخذوا يكيدون له لاضعاف مركزه، والنيل من مكانته، ولم يجدوا سبيلا اقرب الى تحقيق عرضهم من التزلف الى محمد علي والوقيعة بينه وبين عمر مكرم، فانتهزها محمد علي فرصة للتخلص من الزعيم الشعبي الذي كان لديه كالرقيب العتيد على أعماله، ثم للتخلص كذلك من الزعامة الشعبية بجملتها مرة واحدة.

هذا هو السبب الجوهري في تفكك عرى تلك الزعامة الشعبية وانحلالها، واذا تأملت فيما ذكره الجبرتي خلال يومياته رأيت أن أسباب التخاذل وتفرق الكلمة قد بدأت تعمل في تقويض دعائم تلك الزعامة من أواخر سنة 1805، واستمرت تلك الأسباب تبدو حينا وتختفي حينا آخر الى أن بلغت مداها سنة 1809، وانتهت بالوقيعة بالسيد عمر مكرم ونفيه الى دمياط، وبمنفاه واقصائه عن الميدان انهار ركن الزعامة الشعبية وهوى نجمها الساطع، وطويت صحيفتها الى حين.

ومما يستوجب الدهشة والأسف أن التخاذل بين الزعماء بدأ لأسباب واهية ما كان يجدر أن تفرق بين قوم حملوا دورا خطيرا في حياة مصر السياسية، فقد كان أول سبب لانقسامهم هو تزاحمهم على نظر أوقاف الأزهر...!

قال الجبرتي في حوادث رمضان سنة 1220 (نوفمبر سنة 1805):

"وفي هذه الأيام وقعت بين أهل الأزهر منافسات بسبب أمور وأغراض نفسانية يطول شرحها، وتحزبوا حزبين حزب مع الشيخ عبد الله الشرقاوي، وحزب مع الشيخ محمد الأمير وهم الأكثر، وجعلوا الشيخ الأمير ناظرا على الجامع الأزهر وكتبوا له تقريرا بذلك من القاضي وختم عليه المشايخ والشيخ السادات والسيد عمر أفندي النقيب، وكانت النظارة شاغرة من أيام الفرنسيس، وكان يتقلدها أحد الأمراء المماليك فلما خرج الأمراء من مصر سارت تابعة لمشيخة الأزهر لوقته تاريخ، فانفعل لذلك الشيخ الشرقاوي".


تخاذل الزعماء وحالتهم النفسية

كان هذا الخلاف من الحوادث الجوهرية التي لفتت نظر الكتاب الأفرنج ممن تابعوا حوادث مصر في ذلك العصر، فقد ذكره المسيو مانجان في كتابه بقوله:

"ان العلماء اختلفوا فيما بينهم على من يتولى النظر على أوقاف الأزهر وانقسموا فريقين فريقين أراد أن يكون ذلك للشيخ محمد الأمير، وفريق تحزب للشيخ الشرقاوي وطلب أن يكون النظر اليه، قد فاز الأمير وحزبه فتقرر له النظر".

ثم أخذ هذا الخلاف يستفحل مع الزمن، وسعى بعض الشيوخ البعيدون عن أسبابه، وعلى رأسهم الشيخ عبد الرحمن السجيني أن يحسموه خيفة أن يتصدع بناء الجماعة، فدعاهم السجيني الى داره وأعد لهم وليمة يبتغي بها أن يزول ما في نفوسهم من أسباب الجفاء، قال الجبرتي في حواث صفر سنة 12221 (أبريل سنة 1806): "وفي هذه الأيام كان بين مشايخ العلم نافسات ومناورات ومحاسدات وذلك في أوائل شهر رمضان سنة 1220، وتعصبات بسبب مشيخة الجامع ونظر أوقافه وأوقاف عبد الرحمن كتخدا، فاتفق أن الشيخ عبد الرحمن السجيني ابن الشيخ عبد الرءوف عمل وليمة ودعاهم اليها فاجتمعوا في ذلك اليوم وتصالحوا في الظاهر".

فتأمل كيف كانت المنافسة بين الشيوخ والزعماء لأسباب شخصية واهية وهي التزام على مشيخة جامعة أو ادارة أوقاف، وتأمل في قول الجبرتي أنهم حينما اجتمعوا على مائدة الشيخ السجيني تصالحوا، وكان صلحهم (في الظاهر)، ومعنى ذلك أنه لم يكن إلا رياء ومداهنة، وبقيت السرائر على ما طويت عليه.

لم يخف أمر هذا التنافس على محمد علي، بل لابد أن يكون قد ابتهج له في خاصة نفسه ابتهاجا عظيما، وعزم على استغلاله لينفرد بالحكم، ويتخلص من تلك الرقابة الشعبية، وقد قويت فيه نعرة الانفراد بالحكم بعد اخفاق الحملة الانجليزية، مما جعله ينزع الى الاستئثار بالحكومة والقضاء على كل سلطة تراقبه أو تعارضه، وقد بدأ بالتخلص من الزعامة الشعبية لأن هذه الزعامة مرتكزة على أساس راسخ من التفاف الشعب حولها وصحة المبادئ التي تعمل لها.

ومن الحق أن نقول أنه لم يكن من بين زعماء الشعب من كان يحسب له حساب كبير مثل السيد عمر مكرم، فانه الرجل الذي كان يتمثل فيه دائما تاريخ الثورة، فلم تلن قناته للمنافع والمغريات، ولم تزعزعه الكوارث والتهديدات، وقد ظل يمثل النزاهة والاستقامة حتى آخر نسمة من حياته، وأيده في مسلكه بعض الشيوخ، ولكن أغلبيتهم قد انصرفت الى أسباب المنافع، والاستكثار من الأموال والضياع والدور والقصور، وأخذوا يقلدون البكوات المماليك في البذخ والرفاهية، فأذلتهم الدنيا، وضعفت نفوسهم أمام سلطة الحاكم ونفوذه. وكان محمد علي عند فرضه الضرائب الجديدة على القرى والالتزامات قد راعى خاطر الشيوخ ليضمهم اليه، فأعفى أملاكهم وضياعهم وما دخل في التزامهم من دفع ضريبة الفائض وكذلك شمل بهذا الاعفاء املاك من ينتمون اليهم، فاغتر الشيوخ بهذا التمييز في المعاملة، وأكثروا من شراء الحصص من أصحابها المحتاجين، وتركوا الدنيا تفسد من طباعهم، قال الجبرتي في هذا الصدد: "وافتتنوا بالدنيا وهجروا مذاكرة المسائل ومدارسة العلم الا بمقدار حفظ الناموس مع ترك العمل بالكلية، وصارت بيت احدهم مثل بيت احد الأمراء المماليك واتخذوا الخدم والمقدمين والاعوان واجروا الحبس والتعزيز والضرب وصار دينهم واجتماعهم ذكر الامور الدنيوية والحصص والالتزام وحساب الميري والفائض والمضاف والرماية والمرافعات والمراسلات ... زيادة عما هو بينهم من التنافر والتحاسد والتحاقد على الرياسة والتفاقهم والتكالب على سفاسف الامور وحظوظ الأنفس على الأشياء الواهية".

وغنى عن البيان ان هذه الحالة النفسية التي وصفها الجبرتي قد أدت الى اضعاف مكانة الشيوخ وازالة هيبتهم من القلوب، ومهدت السبيل لمحمد علي ليتسلم زمامهم، لانه يكفي ان يلوح لهم بمنفعة جديدة او يتهددهم بحرمانهم من منفعة قائمة ليضمن ولاءهم وموافقتهم اياه في كل ما يرغب عمله، وكانت الحكومة في غضون ذلك تفرض ما تشاء من الاتاوات والضرائب، فطورا تقرر الاستيلاء على نصيب من ايراد الملتزمين وتارة تقرر قروضا اجبارية تكره عليها الملاك والتجار، وكانت فيما تقرره تعفي الشيوخ من الاتاوات، ولكنها قررت في أواخر أكتوبر سنة 1807 أبطال هذا الامتياز وتعميم ما تفرضه من الضرائب العقارية الجديدة على أطيانهم.


الخلاف بين محمد علي والسيد عمر مكرم

كانت الحكومة كلما احتاجت الى المال تفرض ضرائب واتاوات جديدة على الأطيان والمتاجر وغيرها، فساءت الحالة الاقتصادية ، ووقع الضنك واستد الضيق بالأهالي، وكثرت هجرتهم من القرى، وزاد الحالة حرجا نقص النيل نقصا فاحشا في فيضان أغسطس سنة 1808، فارتفعت الأسعار، واشتد الغلاء، وقلت الغلال في الأسواق ، فلجأ الأهالي كعادتهم الى العلماء، وهؤلاء كلموا محمد علي في كثر الضرائب وطلبوا ليه رفع تلك المظالم، فغضب عليهم الباشا، ونسب اليهم ظلم الأهالي لأنه حينما اعفى اطيانهم من الضرائب الجديدة كانوا هم مع ذلك يقتضونها من الفلاحين، وتهددهم بمراجعة ما نالهم من هذا الباب، فقبلوا المراجعة ، وكان هذا الجدل نذيرا باشتداد الخلاف بين محمد علي باشا والعلماء، واتفقوا على اقامة صلاة عامة للاستسقاء، وهي الصلاة التي تقام ما شح النيل للدعاء الى الله ان يرفع الكرب ويجري الماء.

قال الجبرتي في هذا الصدد: "فلما كان يوم سبت 27 جمادى الثانية سنة 1223 وخامس عشر مسرى القبطي نقص النيل نحو خمس أصابع وانكشف الحجر الراقد الذي عند فم الخليج تحت الحجر القائم، فضج الناس ورفعوا الغلال والعرصات والسواحل، وانزعجت الخلائق بسبب شح النيل في العام الماضي وهيفان الزرع وتنوع المظالم وخراب الريف وجلاء أهله واجتمع في ذلك اليوم المشايخ عند الباشا فقال لهم اعملوا استسقاء وأمروا الفقراء والضعفاء والأطفال بالخروج الى الصحراء ودعوا الله، فقال له الشيخ الشرقاوي ينبغي أن ترفقوا بالناس وترفعوا الظلم، فقال أنا لست الظالم وحدي، وأنتم أظلم مني، فاني رفعت عن حصتكم الفرض والمغارم اكراما لكم وأنتم تأخذونها من الفلاحين، وعندي دفتر محرر فيه ما تحت أيديكم من الحصص يبلغ ألفي كيس، ولابد أني أفحص ذلك، وكل ما وجدته يأخذ الفرضة المرفوعة عن فلاحيه أرفع الحصة عنه، فقالوا له لك ذلك، ثم اتفقوا على الخروج والسقيا في صحبها بجامع عمرو بن العاص لكونه محل الصحابة والسلف الصالح يصلون به صلاة الاستسقاء ويدعون الله ويستغفرونه ويتضرعون اليه في زيادة النيل، وبالجملة ركب السيد عمر والمشايخ واهل الازهر وغيرهم والاطفال واجتمع عالم كثير وذهبوا الى الجامع المذكور بمصر القديمة، فلما كان في صحبها وتكامل الجمع صعد الشيج جاد المولى على المنبر وخطب به بعد أن صلى صلاة الاستسقاء، ودعا الله وأمن الناس على دعائه وحول رداءه، ورجع الناس بعد صلاة الظهر وبات السيد عمر هناك، وفي تلك الليلة رجع الماء الى محل الزيادة الأولى واستتر الحجر الراقد بالماء،وفي يوم الاثنين خرجوا أيضا، وأشار بعض الناس باحضار النصارى أيضا، فحضروا وحضر المعلم غالي ومن يصحبه من الكتبة الأقابط، وجلسوا في ناحية من المسجد يشربون الدخان، وانفض الجمع أيضا، وفي تلك الليلة التي هي ليلة الثلاثاء، زاد الماء ونودي بالوفاء وفرح الناس، وطفق النصارى يقولون ان الزيادة لم يتحصل الا بخروجنا، فلما كانت ليلة الأربعاء طاف المنادون بالرايات الحمر ونادوا بالوفاء، وعمل الشنك والوقدة تلك الليلة على العادة، وفي صبحها حضر الباشا والقاضي واجتمع الناس وكسروا السد وجرى الماء في الخليج جريانا ضعيفا".

وبالرغم من جريان النيل قارن الضائقة الاقتصادية لم تخف وطأتها، وزادت الحكومة في فرض الضرائب، فازداد البؤس واشتد الضيق بالناس.

ولما كانت سنة 1809 قرر محمد علي باشا فرض ضريبة المال الميري على الاراضي الموقوفة، وهي المعروفة بالرزق الأحباسية اي المرصدة على المساجد والسبل والخيرات، وكذلك على أطيان الأوسية التي كانت ملكا خاصا للمتلزمين، وهذه الأطيان كانت كلها معفاة من الضرائب، وقرر كذلك فحص أطيان الرزق والأوقاف وطلب حججها ممن يتولون النظر عليها وأمر حكام الأقاليم (الكشاف) بالاستيلاء على تلك الأطيان اذا لم يقدم أصحابها الى الديوان حجج انشاء الوقف، ومعنى ذلك تمهيد السبيل لمصادرة معظم الأطيان الموقوفة، لان الكثير منها قد تقادم العهد على وقفه بحيث اصبحت حججه لا تنطبق عليه لتغير المعالم أو للنزاع في الاستحقاق، وتخويل حكام الأقاليم أمر فحصها معناه اطلاق يدهم في الغاء ما شاءوا من الاوقاف.

وقررت الحكومة أيضا الزام جميع المتلزمين بأن يؤدوا للحكومة نصف الفائض لهم من الالتزام، أي نصف الصافي من ايرادهم من الاطيان الداخلة في التزامهم، ومعنى ذلك مقاسمة المتلزمين في معايشهم.

كانت هذه المحدثات سببا في تبرم جمهور الملاك ونظار الاوقاف والمستحقين والمتلزمين، وهم طبقة كبيرة من السكان، ومنهم المحتاجون الذين لا يرتزقون الا من غلة الاوقاف الموقوفة عليهم من اسلافهم، أو من ايراد الاطيان الداخلة في التزامهم، فلا جرم في ان تثير هذه المغارم في نفوسهم عاصفة من الاستياء والسخط وان يجأروا بالشكوى الى الشيوخ الذين هم ملجأ المظلومين في ذلك العصر.

وكان مفهوما ان تكون هذه المحدثات سببا لاشتداد الخلاف بين محمد علي باشا والسيد عمر مكرم، لأنه لم يكن منتظرا ان يقره عليها، وكان له من النفوذ على الجماهير ما يجعل احتجاجة بمثابة احراج لمركز الحكومة. فاعتراض السيد عمر مكرم واحتجاجه كان أمرا ذا بال، وله من العواقب في اثارة الشعب مالا يغرب عن البال، وقد حدث ما كان منتظرا، اجتماع الناقمون على المحدثات الجديدة، واتفقوا على ان يقصدوا الى الازهر لرفع ظلامتهم الى الشيوخ والعلماء، وحدث من قبيل المصادفات ان ولاة الشرطة اعتقلوا طالبا من طلاب العلم في الازهر يمت بصلة قربى الى احد علمائه السيد حسن البقلي، فتشفع العلماء في اطلاق سراحه ، فلم يقبلوا وأرسلوه الى القلعة، فجاءت هذه الحادثة سببا جديدا لاثارة الخواطر فوق ثورانها بسبب الضرائب الجديدة.

ففي يوم السبت 17 جمادي الأولى سنة 1224 (30 يونية سنة 1809) بينما الشيوخ حاضرون بالأزهر كعادتهم لقراءة الدروس أقبل الناس أفواجا من رجال ونساء ، ومنهم أهل الطالب المسجون يصرخون ويستغيثون، وأبطلوا الدروس، فاجتماع الشيوخ بالقبلة، وأرسلوا الى السيد عمر مكرم فحضر اليهم واخذوا يتداولون الراي فيما يجب عمله، وتناسو مؤقتا منافساتهم الشخصية، واتفقوا على الدفاع عن مصالح الجمهور، ثم انفض الاجتماع وذهبوا الى بيوتهم على ان يجتمعوا ثانيا.

واستأنفوا الاجتماع في العد وتداولوا الامر، وأجمعوا الرأي على الاعتراض على المحادثات الجديدة من المظالم والمغارم عامة، وأهمها فرض الضريبة على الاطيان الموقوفة وأطيان الأوسية، ومقاسمة الملتزمين في ايرادهم، وضريبة التمغة على المنسوجات والمصوغات والأواني، واعتقال الطالب الازهري بغير ذنب جناه، وحبسه بالقلعة، واتفقوا على ان يرفعوا هذا الاحتجاج كتابة الى محمد علي باشا.

توافق الشيوخ في هذا الاجتماع على الاخلاص والتضامن، وتعاهدوا على الاتحاد وترك المنافرة، كما يقول الجبرتي، ولكن هذا العهد لم يكن صادرا عن نية صادقة، فان حساد السيد عمر مكرم كانوا مضمرين في انفسهم ان يخذلوه اذا حزب الامر واشتدت الازمة، وان يدعوه وجها لوجه امام محمد علي.

وظاهر من رواية الجبرتي انهم اتفقوا رايا على الاكتفاء بتقديم العريضة بمثابة احتجاج على تصرفات الباشا وعدم الذهاب اليه خيفة ان يؤثر فيهم اذا اجتمع بهم، أو تلين قناتهم اذا صاروا بحضرته، على أن محمد علي اعتزم ان يفرق جمعهم باستدعائهم فيختفلوا في وجوب الذهاب اليه أو الامتناع عن مقابلته، فتقع الفرقة بينهم، وتظهر مكنونات ضمائرهم، وهنالك يضرب الضربة التي اتفق مع المهدي والدواخلي على ايقاعها بالسيد عمر مكرم.


الوقيعة بالسيد عمر مكرم

وتفضيل ذلك ان محمد علي اوفد سكرتيره (ديوان أفندي) لمقابلة الشيوخ وتعرف نياتهم، أوجس نبضهم كما يقولون ، فوجد منهم في اليوم الاول اتحادا في الرأي، وأصروا على عدم مقابلته والاكتفاء بالعرض الذي قدموه، وفي ذلك معنى الغضب والاحتجاج الذي يخضى محمد علي عواقبه في نفوس الجمهور.

قال الجبرتي في وصف هذه المقابلة: "حضر ديوان أفندي وقال ان الباشا يسلم عليكم، ويسأل عن مطلوباتكم ، فعرفوه بما سطروه اجمالا، وبينوه له تفصيلا، فقال ينبغي ذهابكم اليه، وتخاطبونه مشافهة بما تريدون، وهولا يخالف اوامركم ولا يرد شفاعتكم، وانما القصد ان تلاطفوه في الخطاب لانه شاب مغرور جاهل وظالم غشوم ولا تقبل نفسه التحكم، وربما حمله غروره على حصول ضرر بكم وعدم انفاذ الغرض، فقالوا بلسان واحد لا نذهب اليه ابدا ما دام يفعل هذه الفعال، فان رجع عنها وامتنع عن احداث البدع والمظالم عن خلق الله رجعنا اليه وترددنا عليه كما كنا في السابق، فاننا بايعناه على العدل لا على الظلم والجور، فقال لهم ديوان افندي وانا قصدي ان تخاطبوه مشافهمة ويحصل انفاذ الغرض، فقالوا لا تنجتمع عيه ابدا ولا نثير فتنة، بل نلزم بيوتنا، ونقتصر على حالنا ونصبر على تقدير الله بنا وبغيرنا، واخذ ديوان افندي (العرضحال) ووعدهم برد الجواب".

هذا ما ذكره الجبرتي عن اجتماع المشايخ بسكرتير محمد علي باشا ، ومنه يتبين انهم كانوا في بادي الامر بدا واحدة في الاعتراض على المظالم والضرائب الجديدة وان ما سماه الجبرتي "عرضحالا" كان بمثابة احتجاج شديد له خطره وعواقبه، وكثير من الثورات يكون منشئوها العرائض او العرضحالات، وقد كان هذا العرض مقرونا بالامتناع عن مقابلة الباشة ورفض المباحثة معه، وهذا أمر خطير في ذاته وفي نتائجه، وليس هذا الامتناع مقصورا كما يقول الشيوخ على ان "يلزموا بيوتهم ويقتصروا على حالهم، ويصبروا على تقدير الله بهم وبغيرهم" بل هو اعلان للجمهور بأنهم غضبوا على من أجلسوه منذ سنوات على كرسي الحكم، ومصارحة لهم بأنه خالف الشروط التي بايعوه عليها، ففي هذا العمل السلبي تهديد صريح لمحمد علي بان يجيب طلباتهم وألا فإنهم لا يجتمعون عليه ابدا".

وبديهي أن محمد علي باشا أدرك بثاقب نظره ما ينطوي تحت هذه المقاطعة من المعاني، وما يترتب عليها من النتائج ، فبادر أولا الى الافراج عن الطالب الأزهري قريب السيد حسن البقي الذي كان محبوسا، ليفهم الجمهور أن لا ظلم ولا حبس ولا تعذيب، ثم اخذ يجهد الفكر لفصم عرا تلك الزعامة الشعبية التي كانت قلق باله وتقض مضاجعه، ومضت أربعة أيام على اجتماع الشيوخ دون أن يبعث اليهم محمد علي بالجواب، والظاهر أنه قضى هذه الايام في استمالة بعض الشيوخ اليه والائتمار بالسيد عمر مكرم.

وفي ذلك يقول الجبرتي: "الى أن بدت الوحشة بين الباشا والسيد عمر مكرم فتولى كبير السعي عليه سرا هو وباقي الجماعة حسدا وطمعا ليخلص لهم الامر دونه حتى أوقعوا به".

وكان بدء هذه المؤامرة ان اجتمع الشيخ محمد المهدي والشيخ محمد الدواخلي وناظر المهمات (محمد أفندي طبل)، واتفقوا معا على الخطة التي يتبعونها لانفاذ المؤامرة، وبعد تفرقهم ذهب المهدي والدواخلي الى السيد عمر وأخذا يدافعان عن محمد علي باشا، ويبرئانه مما نسب اليه، وكان هذا الدفاع مقدمة انقلابهم على السيد عمر، قال الجبرتي في هذا الصدد: "اجتمع الشيخ المهدي والشيخ الدواخلي عند محمد أفندي طبل ناظر المهمات، وثلاثمائة في نفوسهم للسيد عمر ما فيها، وتناجو مع بعضهم، ثم انتقلوا في عصرها وتفرقوا، وحضر المهدي والدواخلي الى السيد عمر، واخبراهم ان محمد افندي المذكور ذكر لهم ان الباشا لم يطلب مال الاوسية ولا الرزق (الأطيان الموقوفة) ، وقد كذب من نقل ذلك، وقال أنه يقول اني لا أخالف أوامر المشايخ، وعند اجتماعهم به ومواجهته يحصل كل المراد".

فالمهدي والدواخلي دافعا اذن عن محمد علي، ونقضا الاتفاق الذي تم بين الشيوخ اجتماعهم السابق، ومضمونه ألا يذهبوا الى محمد علي باشا الا اذا أجاب مطالبهم، لأن كلامهم الجديد للسيد عمر يدل على قبولهم الاجتماع بالباشا وتحبيذهم هذا الاجتماع.

وقد فطن السيد عمر الى سر الخطة الجديدة التي اتبعها المهدي والدواهلي، اما هو فقد اصر على عهده بعد ان الزم الشيخين الحجة، اذ قال لهما: "اما انكاره طلب مال الرزق والاوسية فها هي اوراق المباشرين عندي لبعض الملتزمين مشتملة على طلب الفرضة (الضريبة) ونصف الفايض (أي نصف ايراد الملتزمين) ومال الاوسية والرزق، واما الذهاب اليه فلا اذهب اليه ابدا، وان كنتم تنقضون الايمان والعهود الذي وقع بيننا فالراي لكم".

وانقض المجلسن وعلم محمد علي باشا بما دار فيه، فادرك ان السيد عمر مكرم لا تلين قناته، وانه مصمم على المقاومة، فاخذ كما يقول الجبرتي يدبر تفريق جمع الشيوخ، "وخذلان السيد عمر لما في نفسه منه من عدم انفاذ اغراضه، ومعارضته له في غالب الامور، ويخشى صولته، ويعلم ان الرعية والعامة تحت امره، ان شاء جمعهم، وان شاء فرقهم، وهو الذي قام بنصره، وساعده، واعانه، وجمع الخاصة والعامة حتى ملكه الاقليم، ويرى انه ان شاء فعل نقيض ذلك، فطفق يجمع اليه بعض افراد من اصحاب المظاهر ويختلي معه ويضحك اليه، فيغتر بذلك، ويرى انه صار من المقربين وسيكون له شان ان وافق ونصح، فيفرغ له جراب حقده ويرشده بقدر اجتهاده لما فيه من المعاونة".

بهذه العبارة وصف الجبرتي موقف محمد علي باشا ازاء السيد عمر مكرم وصفا دقيقا، فمحمد علي كان يخشى نفوذ السيد عمر ويتوجس من اثارته الجمهور عليه واقتلاعه من مركزه، كما اقتلع خورشيد باشا من قبل، ولذلك اخذ يقرب اليه بعض اصحاب المظاهر وطلاب المنافع وبعدهم ويمنيهم ليفصلهم عن السيد عمر.

ورواية الجبرتي في مجموعها تتفق ورواية المسيو مانجان (صديق محمد علي باشا) في كتابه، فقد ذكر ان السيد عمر مكرم لما حضر اليه سكرتير الباشا وعبد الله بكتاش ( ترجمانه) يوم 12 يونيه سنة 1809، وكان العلماء مجتمعين عنده، طلبا اليه ان يذهب لمقابلة الباشا، فرفض الذهاب، واقسم ألا يرى محمد علي باشا الا اذا عدل عن مشروعه في فرض الضرائب الجديدة، وانتقد سياسته انتقادا شديدا قائلا: "واذا اصر البااش على مظالمه فاننا نكتب الى الباب العالي، وانتقد سياسته انتقادا شديدا قائلا: "واذا اصر الباشا على مظالمه فاننا نكتب الى الباب العالي، ونثير عليه الشعب، وانزله عن كرسيه كما اجلسته عليه".

فعمر مكرم كان معتمدا على منزلته عند الشعب، وعلى سابقة يده على محمد علي، اما منزلته الشعبية فكانت تزداد قوة على مدى الايام، لما تبينه الناس من بقائه على عهده، واستمساكه بالمهمة التي اخذها على عاتقه، وهي ان يكون ترجمان الشعب الصادق ورسوله الامين في مراقبة ولاذة الامور، ورفع المظالم عن الجمهور، فكانت مكانته تعظم كل يوم بما كان يسديه من الخير اليهم، يدلك على عظم مكانته الاجتماعية انه اقام في ذلك الحين مهرجانا لختان حفيده في شهر ربيع الاول سنة 1224 (ابريل سنة 1809) ، فكان من اعظم ما رأته القاهرة روعة وجمالا، احتشدت فيه الجموع من كافة الطبقات، واكتريث الاماكن لمشاهدته، قال الجبرتي في وصفه:

"واستهل شهر ربيع الاول سنة 1224، وفيه شرع السيد عمر مكرم نقيب الاشراف في عمل مهم لختان ابن ابنته، ودعا الباشا والاعيان، وارسلوا اليه الهدايا والتعابي، وعمل له زفة يوم الاثنين سادس عشر، مشى فيها ارباب الحرف والعربات والملاعيب وجمعيات وعصب صعايدة وخلافهم من اهالي بولاق والكفور والحسينية وغيرها من جميع الاصناف وطبول وزمور وجموع كثيرة، فكان يوما مشهودا اكتريت فيه الاماكن للفرجة، وكان هذا الفرح هو آخر طنطنة السيد عمر بمصر، فانه حصل له عقب ذلك ما سيتلي عليك قريبا من النفي والخروج من مصر".


تدبير المؤامرة

علمت مما تقدم ان الشيخين المهدي والدواخلي كانا قوام الوقيعة بالسيد عمر مكرم وانهما اخفقا في اقناعه بالعدول عن موقف الصلابة والتشدد الذي وقفه ازاء محمد علي باشا. ويقول الجبرتي ان المهدي والدواخلي اعادا الكرة لاقناع السيد عمر بالعدول عن مقاطعة الباشا، فذهبا اليه ثانيا صحبة سكرتيره وعبدالله بكتاش ترجمانه، وطال بينهم الكلام والمعالجة، ولكن السيد عمر اصر على الامتناع عن مقابلة الباشا، ثم طلبا الى الشيخ محمد الامير ان يذهب معهما لمقابلته، فاعتذر بوعكه، والظاهر انه ابى ان يشترك معهما في المؤامرة على السيد عمر فرفض الذهاب معهما.

وعندئذ اظهر المهدي والدواخلي مكنون نياتهما، فذهبا وحدهما الى محمد علي باشا بالقلعة، واجتمعا به وهونا له من امر السيد عمر لكي يطمئن على مركزه اذا اراد ان يبطش به، قال الجبرتي ما خلاصته، ان الباشا قال في كلامه لهما: "انا لا أرد شفاعتكم ، ولا اقطع رجاءكم، والواجب عليكم اذا رايتم مني انحرافا ان تنصحوني، ثم اخذ يلومه السيد عمر على تخلفه وتعنته، ويثني على الباقين (أي الذين انفصلوا عنه)، وقال عنه انه في كل وقت يعاندني ويبطل احكامي، ويخوفني بقيام الجمهور، فقال الشيخ المهدي (وهنا بيت القصيد): هو ليس الا بنا، واذا خلا عنا فلا يسوي بشئ، ان هو الا صاحب حرفة، أو جابي وقف يجمع الايراد ويصرفه على المستحقين، قال الجبرتي: "فعند ذلك تبين قصد الباشا لهم (أي البطش بالسيد عمر) ووافق ذلك ما في نفوسهم من الحقد للسيد عمر، ثم تباحثوا معه حصة، وقاموا منصرفين مذبذبين، ومظهرين خلاف كامن في نفوسهم من الحقد وحظوظ النفس، غير مفكرين في العواقب".

انتهى اذا هذا الاجتماع بالاتفاق بين محمد علي والمهدي والدواخلي على الوقيعة بالسيد عمر مكرم، وكان الدواخلي حاضر الاجتماع اصالة عن نفسه ونيابة عن الشيخ عبد الله الشرقاوي، أي ان الشرقاوي كان شريكا في المؤامرة، ولكنه لم يشأ أن يظهر فيها بشخصه تفاديا من اللوم وسوء الظن به، وترك المهدي والدواخلي ان يحكما فصولها، ولم يكن المهدي والدواخلي والشرقاوي في موقفهم عاملين على هدم السيد عمر فحسب، بل كانوا في الواقع يهدمون انفسهم وزملاءهم، وكل عضو في تلك الزعامة الشعبية التي قامت بدور خطير في تاريخ مصر القومي، وقد فاتهم وهم تحت تأثير الحقد والحسد "وحظوظ النفس" أن يقدروا عواقب عملهم، فصدق فيهم قول الجبرتي انهم كانوا "غير مفكرين في العواقب".

ذهب المهدي والدواخلي ثانية الى السيد عمر ليقضيا اليه بما شاءا من حديث الباشا، وكان غرضها تبرير موقف محمد علي، واراد ان يدخلا الرهبة في نفس السيد عمر حتى يذعن او يسجلا عليه التمرد والعصيان اذا اصر على موقفه، قال الجبرتي: "وحضروا عند السيد عمر وهو ممتلئ بالغيظ مما حصل من الشذوذ ونقض العهد، فأخبروه ان الباشا لم يحصل منه خلاف، وانه قال انا لا ارد شفاعتكم ولكن نفسي لا تقبل التحكم، والواجب عليكم اذا رأيتموني فعلت شيئا مخالفا ان تنصحوني وتشفعوا، فأنا لا أردكم ولا أمتنع عن قبول نصحكم، وأما ما تفعلونه من التشنيع والاجتماع بالازهر فهذا لا يناسب منكم، وكأنكم تخوفنني بهذا الاجتماع وتهييج الشرور وقيام الرعية كما كنتم تفعلون في زمان المماليك، فأنا لا أفزع من ذلك. وان حصل من الرعية امر ما فليس لهم عندي الا السيف والانتقام، فقلنا له: هذا لا يكون، ونحن لا نحب ثوران الفتن، وانما اجتماعنا عمن انتبذ لهذا الامر، ومن ابتدأ بالخلف، فغالطناه، وانه وعدنا بابطال الدمغة، وتخفيف الفايض الى الربع بعد النصف، وانكر طلب ضريبة المال الميري عن اطيان الاوسية والرزق من اقليم البحيرة".

هذا ما ذكره الجبرتي، ومنه يتبين ان المهدي والدواخلي اراد الافضاء الى السيد عمر بأن محمد علي باشا يعتبر عمل الشيوخ حركة ثورية يتوعد بقمعها بالسيف والانتقام، وأنه سأل عن المدبر لها، فغالطاه في الجواب أي لم يتهما السيد عمر بزعاماتها، على أنهما لم يصدقا السيد عمر القول، فان حديثهما مع محمد علي كان يدور حول تحريضه على السيد عمر والتهوين من أمره وتصغير شأنه حتى وصفاه بأنه (صاحب حرفة) أي نقيب الاشراف، ولعمري ان السيد عمر مكرم لم ينل ما نال من المكانة لتولية نقابة الاشراف، بل ان مكانته ترجع الى شخصيته البارزة ونفسه العالية، وشجاعته ونزاهته، وترفعه عن الدنايا وسفاسف الامور، ولو لم يكن نقيبا للاشراف لما نقصت مكانته غما صارت اليه من العظمة ورفعة الشأن.

انتهت المقابلة على غير جدوى، وانقض ذلك المجلس، والمؤامرة ماضية في سبيلها، او كما قال الجبرتي: "قاموا منصرفين، وانفتح بينهم باب النفاق، واستمر القال والقيل، وكل حريص على حظ نفسه، وزيادة شهرته وسمعته، ومظهر خلاف ما في ضميره".

واستأنف محمد علي باشا السعي ليكسب السيد عمر ويستميله اليه بالحسنى، وكأن الشيوخ وسطاءه في هذا السعي، ففي أول جمادى الثانية سنة 1224 اجتمع الشيوخ عند السيد عمر في داره، وأعادوا الكرة لاقناعه بمقابلة الباشا "فخلف السيد عمر انه لا يطلع اليه، ولا يجتمع به، ولا يرى له وجها الا اذا ابطل هذه الأحدوثات، وقال ان جميع الناس يتهمونني معه ويزعمون انه لا يتجارى على شي يفعله الا باتفاقي معه، ويكفي ما مضى، ومهما تقادم يتزايد في الظلم والجور".

وعبثا حاول الشيوخ اقناعه، فأصر وأبى، فاستقر رأيهم أن يذهبوا دون السيد عمر لمقابلة الباشا، وأرسلوا في طلب الشيخ محمد الأمير لهذا الغرض، فاعتذر بوعكه، ومعنى ذلك انه رفض الذهاب معهم، وانه كان واقفا على ما دبره زملاءه للسيد عمر فأبى أن يشترك في أدوار هذه المأساة، فاتفقوا على ذهاب الشرقاوي والمهدي والدواخلي والفيومي، وذلك على خلاف غرض السيد عمر ، وقد ظن انهم يمتنعون لامتناعه للعهد السابق والأيمان، ولكن لم يمنعهم العهد ولم تمنعهم الأيمان عن مقابلة الباشا، فذهبوا اليه وتكلموا معه، وقد فهم كل منهم لغة الآخر الباطنية، ثم ذاكروه في امر الاتاوات التي فرضها، وكانت موضع شكايات الناس وسخطهم، فأخبرهم انه يرفع ضريبة الدمغة، وكذلك يرفع الضريبة عن الاطيان الاوسية والرزق (الأطيان الموقوفة) ويكتفي بأخذ ربع فايض ايراد الملتزمين بدلا من النصف، وانصرفوا من عنده وذهبوا الى السيد عمر ليعرضوا عليه ما قرره الباشا، لعله يرضى بذلك، فقال لهم وهل أعجبكم ذلك، فلم يجيبوا جوابا صريحا، فقال انه أرسل يخبرني بتقرير ريع المال الفايض فلم أرض وأبيت الا أن يرفعه كله لأنه في العام الماضي لما طلب تقرير الريع قلت له هذه تصير سنة متبعة، فخلف أنها لا تكون بعد هذا العام، وانما طلبها لضرورة النفقة على العسكر، وان طلبها في المستقبل يكون ملعونا ومطرودا من رحمة الله، وعاهدني على ذلك، وهذا في علمكم ، كما لا يخفى عليكم، قالوا نعم، قال وأما قوله انه رفع طلب المال عن الأوسية والرزق فلا أصل لذلك، وها هي أوراق البحيرة وجهوا بها الطب، فقالوا اننا ذكرنا له ذلك فأنكر، وحاجبناه بأوراق الطب، فقال ان السبب في طل ذلك من اقليم البحيرة خاصة ان المساحين لما نزلوا للكشف على اراضي الري والشراقي ليقرروا عليها فرضة (ضريبة) الأطيان حصل منهم الغش والتدليس فاذا كان في أرض البلدة خمسمائة فدان ري جعلوها مائة وسموا الباقي رزقا وأوسية لاعفائها من المال فقررت ذلك عقوبة لهم في نظير تدليسهم وخيانتهم، فقال السيد عمر: وهل ذلك أمر واجب فعله، أليس هو مجرد جور وظلم أحدثه في العام الماضي وهي فريضة الأطيان التي ادعى لزومها لاتمام نفقات العسكر، وحلف أن لا يعود لمثلها، وقد عاد وزاد. وأنتم توافقونه وتسايرونه، ولا تصدونه ولا تصدعونه بكلمة، وأنا وحدي مخالفا وشاذا، ولامهم السيد عمر على نقضهم العهد والإيمان، وانفض المجلس (وتفرقت الآراء، وراج سوق النفاق، وتحركت حفائظ الحقد والحسد، وكثر سعيهد وتناجيهم بالليل والنهار، والباشا يراسل السيد عمر ويطلبه للحضور اليه والاجتماع به ويعده بانجاز ما يشير عليه، وارسل اليه كتخدا (وكيله) ليترفق به، وذكر له ان الباشا يرتب له كيسا (خمسمائة قرش) في كل يوم ويعطيه فورا ثلثمائة كيس خلاف ذلك، فلم يقبل".

فمحمد علي لما اخفق في استمالة السيد عمر بالوسطاء أراد ان يكسبه بالمال، ولعله ظن أن شأنه شأن صالح قبطان باشا وسائر موظفي حكومة الاستانة "عبيد الدرهم والدينار" كما قال فيهم، ولكن السيد عمر مكرم كان على أخلاق كريمة، أخصها النزاهة والعفة، فلم يؤثر فيه وعد أو وعيد ، ولا ترغيب أو ترهيب.


اشتداد الأزمة

وفي غضون ذلك اخذ رسل السوء يزيدون هوة الخلف اتساعا بين محمد علي والسيد عمر مكرم، وينقلون الى الباشا ما يقوله السيد عمر في مجالسه، ويزيدون عليه ما سولت لهم اغراضهم، والسيد مصر ممتنع عن مقابلته، وأحيط بيته بالجواسيس لمراقبة حركاته وسكناته، واحصاء زواره، وحدث في خلال ذلك ان حرر محمد علي باشا بيانا برسم الحكومة التركية، يذكر فيه ما انفقه في مصر من الخارج، وقدره نحو اربعة آلاف كيس وانها صرفت في مهمات تختص بشئون البلاد، فمنها ما صرف في سد ترعة الفرعونية، وما صرف في الحملات العسكرية لمحاربة المماليك، وما أنفقه على عمارة القلعة وترميم المجراة وحفر الترع، واوضح في بيانه ان الميري قد نقص بسبب الشراقي، وارسل البيان الى السيد عمر مكرم لاقراره والتوقيع عليه، فامتنع واظهر الشك في محتوياته، وقال للرسول الذي حمله اليه: أما ما صرفه على سد ترعة الفرعونية فان الذي جمعه وجباه من البلاد يزيد على ما صرفه أضعافا كثيرة، وأما غير ذلك فكله كذب لا أصل له، وان وجد من يحاسبه على ما أخذه من القطر المصري من الفرض والمظالم لما وسعته الدفتار"، وكان جوابا جافا شديد اللهجة، فلما عاد الرسول الى محمد علي اشتد حنقه عليه، وطلبه من جديد لمقابلته، فأصر الامتناع، فلما كثر التراسل بينهما في هذا الشأن قال السيد عمر : "ان كان ولابد فاجتماع به في بيت السادات، واما طلوعي اليه فلا يكون"، فلما بلغ هذا الجواب مسامع محمد علي باشا ازداد حنقه، وكبر عليه ان يشترط السيد عمر مكرم ان تكون المقابلة بينهما في دار غير مقر حكمه، وقال: "هل بلغ له ان يزدريني ويأمرني بالنزول من محمل حكمي الى بيوت الناس"، وصمم على البطش به.

ومع بلوغ الازمة الى هذا الحد فان محمد علي باشا كان يحسب حسابا كبيرا لمكانة السيد عمر في الجمهور، فلم يفكر في ان يكون العقاب من نوع ما كان مألوفا في ذلك العصر من القتل أو السجن، بل اعتزم ان يعزله من نقابة الاشراف وينفيه الى دمياط ليبعده عن القاهرة حيث له من النفوذ ما يجعل أهلها رهن اشارة تصدر منه، وراى بثاقب نظره ان يكون عقابه متفقا (ظاهرا) مع الاوضاع الشرعية المألوفة وقتئذ، بأن يدعوه الى الاحتكام فيما شجر بينهما من الخلاف الى القاضي والشيوخ، وكان مطمئنا من قبل الى حكمهم، واثقا من تحيزهم، وبهذه الوسيلة يضع السيد عمر في مركز حرج، فاذا هو اجاب الدعوة وقبل حكم القاضي والشيوخ خرج من التقاضي مغلوبا، وحينئذ يكون لمحمد علي باشا ان ينفيه جزاء خروجه بدون حق على ولي الامر، وان لم يحضر كان امتناعه في ذاته خروجا ايضا على السلطة الشرعية، فالمؤامرة كانت اذن محكمة التدبير، ولولا نقض الشيوخ للعهود والمواثيق لما استطاع محمد علي باشا ان ينال من خصمه منالا.


نفي عمر مكرم الى دمياط

فلما اصبح يوم الاربعاء 27 جمادى الثانية سنة 1224 (9 أغسطس سنة 1809) نزل محمد علي باشا من القلعة وذهب الى بيت ابنه ابراهيم باشا (وكان وقتئذ بك) بالأزبكية، وطلب القاضي والمشايخ، وارسل الى السيد عمر رسولا من طرفه ورسولا من طرف القاضي يستدعيانه للحضور ليحتكم واياه لديهم، فأدرك السيد عمر أن المؤامرة قد وصلت الى دورها الاخير، ورأى من العبث أن يذهب الى محكمة يعلم من رأي اعضائها وتواطئهم مع خصمه ما يجعل الاحتكام الهيم عبثا لا يجدي، فآثر الامتناع عن اجابة الدعوة، واعتذر بمرضه ، فلم يكن من محمد علي باشا الا ان امر في حضرة القاضي والشيوخ بعزل السيد عمر مكرم من نقابة الاشراف، ونفيه من مصر، وان ينفذ الامر فورا، وخلع على السيد محمد السادات خلعة نقابة الاشراف.

وقد رأى الشيوخ ان يراءوا بالعطف على السيد عمر، فتشفعوا عند الباشا ان يمهله ثلاثة أيام، حتى يستعد للرحيل، فأجبهم الى ذلك، ثم سألوه أن ياذن له بالذهاب الى أسيوط (مسقط رأسه) لتكون منفى له، فرفض محمد علي اجابة هذا الطلب، وخيره بين النفي الى دمياط أو الاسكندرية، وانفض المجلس على ذلك.

أما السيد عمر فقد قابل هذه المحنة بالثبات ورباطة الجأش، وقال في هذا الصدد، "أما منصب النقابة فاني راغب عنه زاهد فيه، وليس فيه الا التعب، واما النفي فهو غاية مطلوبي، ثم طلب ان يكون النفي الى جهة ليست تحت حكم محمد علي باشا اذا لم يأذن له بالذهاب الى أسيوط، واختار الطور أو درنه (بطرابلس الغرب) ، فعرض هذا الطلب على الباشا فرفضه، وأصر على نفيه الى دمياط، فأخذ السيد عمر يستعد للسفر، ووكل عنه السيد المحروقي كبير تجار القاهرة وعهد اليه ادارة أملاكه ورعاية أهل بيته.


رحيل السيد عمر مكرم الى منفاه

كان رحيل السيد عمر الى دمياط مشهدا مؤثرا، فان الجمهور قد ادرك عظم النكبة وشعر الناس بوحشة كبيرة لنفي الرجل الذي كان ملاذهم وملجأهم في رفع المظالم، فاجتمعوا لواداعه واظههار عواطفهم نحوه، وكانت سيما الحزن والكأبة بادية على جمهور المودعين.

قال الجبرتي في هذا الصدد: "واستهل شهر رجب سنة 1224 بيوم الاحد وفيه اجتمع المودعون للسيد عمر، ثم حضر محمد كتخداي الالفي (الذي عهد اليه اصطحابة الى منفاه) فعند وصوله قام السيد عمر وركب في الحال وخرج صحبته، وشيعه الكثيرون من المتعممين وغيرهم، وهم يتباكون حوله، حزنا على فراقه، واغتم الناس لسفره وخروجه من مصر، لأنه كان ركنا وملجأ ومقصدا للناس لتعصبه لنصرة الحق، فسار الى بولاق، ونزل في المركب، فسافر من ليلته بأتباعه وخدمه الذين يحتاج اليهم الى دمياط".


موقف الشيوخ بعد نفي زعيمهم

لم يتورع الشيخ محمد المهدي عن اظهار مكنونات ضميره في الدور الاخير من ادوار المأساة، ففي صبيحة الليلة التي ارتحل فيها السيد عمر الى منفاه ذهب الى محمد علي باشا يلتمس منه المكافأ على تدبير المؤامرة، فطلب وظائف السيد عمر فأنعم عليه الباشا بنظر أوقاف الامام الشافعي ونظر وقف سنان باشا ببولاق، وطلب كذلك ، ما كان منكسرا له من راتبه من الغلال نقدا أو عينا مدة أربع سنوات، فأمر محمد علي بدفعها اليه نقدا من خزانة الحكومة وقدرها خمسة وعشرون كيسا "وذلك كما يقولي الجبرتي – في نظير اجتهاده في خيانة السيد عمر حتى أوقعوا به ما ذكر".

ولم يكتف الشيوخ بالتواطؤ مع محمد علي باشا على الوقيعة بالسيد عمر، بل أخذوا بعد نفيه يعملون على النيل من سمعته، ولعلهم رأوا مظاهر حزب الناس على فراقه، وعطفهم عليه، فأرادوا أن يحاربونه بسلاح الافتراء والتشهير، ليسوغوا فعلتهم ، فكتبوا عرضا لارساله الى الاستانة يبررون فيه عزل السيد عمر من نقابة الاشراف ونفيه، نسبوا اليه فيه، انه ادخل في دفتر الاشراف اسماء اشخاص ممن اسلموا من الاقباط واليهود، وانه قبض من محمد بك الالفي مبلغا من المال ليمكنه من حكم مصر في ايام قيام الجمهور على احمد خورشيد باشا الوالي السابق، وانه كان متواطئا مع الامراء المماليك حين شرعوا في مهاجمة القاهرة يوم الاحتفال بوفاء النيل سنة 1805، وانه اراد اخيرا احداث فتنة بين الجمهور ليخلع الباشا ويولي خلافه.

وقد نمق الشيوخ هذا البيان، وطافوا به على زملائهم ليوقعوا عليه، فامتنع كثير منهم عن التوقيع ، وبرءوا السيد عمر مما رمي به وقالوا: "هذا كلام لا أصل له"، وحصلت مشادة بين رؤساء الشيوخ المدبرين لهذا المنشور وبين الممتنعين عن التوقيع ، ثم غيروا صورة المنشور، وخففوا لهجته ليحملوا زملاءهم على توقيعه فامتنع كذلك بعضهم، وكان اشدهم اصرارا على استنكاره والامتناع عن توقيعه السيد احمد الطحطاوي مفتي الحنفية، وكان من العلماء الصالحين المتنزهين عن المطامع الدنيوية، فسخط الشيوخ عليه وتهددوه بعزله من منصبه، فلم يعبأ بهم، فعزلوه، وولوا بدله الشيخ حسين المنصوري، وخلع عليه محمد علي باشا خلعة الافتاء ، فلم يكترث السيد الطحطاوي لهذا الامر، ولم يأبه له، واعاد الى الشيخ السادات الخلعة التي خلعها عليه من قبل حينما تولى الافتاء، فاستاء السادات من هذا العمل، وعده اهانة كبرى له، واستمر السيد الطحطاوي يقبح عمل الشيوخ. واعتزلهم في داره "وهم يبالغون في ذمه والحط منه لكونه لم يوافقهم على شهادة الزور، كما يقول الجبرتي، فكان عمل الطحطاوي حجة بالغة على نفاق الشيوخ وريائهم.

خلا الجو لحساد السيد عمر مكرم والمؤتمرين به، ولكنهم في الواقع قد جنوا على أنفسهم وعلى مكانتهم ونفوذهم، فان المؤامرة التي دبروها قد أسقطت منزلتهم في نظر الجمهور وفي نظر محمد علي باشا، فالجمهور رأى في عملهم معنى الغدر والخيانة، ومحمد علي رأى فيه الضعة وصغار النفس، فلم يبق لهم عنده ذلك الشأن الذي كان لهم من قبل، ولم يعد يعبأ برأيهم، وسقطت تلك الزعامة الشعبية التي كانت لها المكانة العظمى القول والفصل في تطور الحوادث مدى عشر سنوات متعاقبة، وزالت عنهم تلك الهيبة التي اكتسبوها بجهادهم واخلاصهم وتضامنهم، وأضاعوا بتحاسدهم وتخاذلهم، ودالت دولتهم، ولم تقم لهم بعد ذلك قائمة، وحقت عليهم الآية الشريفة "ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".

وقد سجل عليهم الجبرتي رأيه فيهم بقوله: "ان الحامل لهم على ذلك كله الحظوظ النفسانية والحسد، مع أن السيد عمر كان ظلا ظليلا عليهم وعلى أهل البلد، يدافع ويرافع عنهم وعن غيرهم، ولم تقم لهم بعد خروجه من مصر راية، ولم يزالوا بعده في انحطاط وانخفاض"، وقال في موضع آخر: "وقد زالت هيبتهم ووقارهم من النفوس، وانهمكوا في الامور الدنيوية والحظوظ النفسانية والوساوس الشيطانية".


عمر مكرم في منفاه

اما السيد عمر مكرم فقد عاش في دمياط تحت المراقبة "والحرس ملازمون له" الى أن تشفع له قاضي قضاة مصر صديق افندي لدى محمد علي باشا، فأذن له بالانتقال الى طنطا، وذلك في ربيع الأول سنة 1227، فكأنه قضى بدمياط نحو أربع سنوات، وبقى بطنطا الى ربيع الاول سنة 1234 (ديسمبر سنة 1818) اذ طلب الاذن له ان يؤدي فريضة الحج، وكان محمد علي قد بلغ قمة المجد والسلطة، وقهر الوهابيين، وذاع صيته في الخافقين، فتذكر المنفى العظيم الذي كان له الفضل أكبر الفضل في اجلاسه على عرش مصر، فتلطف بقبول طلبه، واذن له بالذهاب الى القاهرة، وان يقيم بداره الى أوان الحج، وذكر صديقه القديم بالخير، وقال لجلسائه: "انا لم اتركه في الغرب هذه المدة الا خوفا من الفتنة، والآن لم يبق شي من ذلك، فانه ابى، وبيني وبينه مالا أنساه من المحبة والمعروف".


كتاب محمد علي الى السيد عمر مكرم

وقد بعث اليه بكتاب رقيق يبلغه اجابة طلبه، والكتاب يحتوي ارق عبارات الاحترام والتبجيل، ويدل على مبلغ ماله عنده من المكانة الرفعية قال فيه:

"مظهر الشمائل سنيها، حميد الشئون وسميها، سلالة بيت المجد الأكرم، والدنا السيد عمر مكرم ، دام شأنه.

"أما بعد فقد ورد الكتاب اللطيف، من الجناب الشريف، تهنئة بما أنعم الله علينا، وفرحا بمواهب تأييده لنا، فكان لذلك مزيدا في السرور، ومستديما لحمد الشكور، ومجبة لثناكم، واعلانا بنيل مناكم، جزيتم حسن الثناء، مع كمال الوقار ونيل المنى، هذا وقد بلغنا نجلكم عن طلبكم الاذن في الحج الى البيت الحرام، وزيارة روضته عليه الصلاة والسلام ، للرغبة في ذلك، والترجي لما هنالك، وقد أذناكم في هذا المرام، تقربا لذي الجلال والاكرام، ورجاء لدعواتكم بتلك المشاعر العظام، فلا تدعوا الابتهال، ولا الدعاء لنا بالقال والحال، كما هو الظن في الطاهرين، والمأمول من الاصفياء المقبولين، والواصل لكم جواب منا خطابا الى كتخدائنا، ولكم الاجلال والاحترام، مع جزيل الثناء والسلام".


عودة عمر مكرم الى القاهرة ثم نفيه ثانيا

وبعث الباشا بالخطابين الى السيد عمر صحبة حفيده السيد صالح، وارسل الى كتخدائه يبلغه بالأمر "وأشيع خبر مقدمه فكان الناس بين مصدق ومكذب" حتى وصل الى بولاق يوم السبت 12 ربيع الأول سنة 1234 (9 يناير 1819) ، فركب من هناك وتوجه لزيارة الامام الشافعي، ثم ذهب الى القلعة وقابل الكتخدا وكان محمد على باشا وقتئذ في الاسكندرية، وهنأه الشعراء بقصائدهم ، وأعطاهم الجوائز، واستمر ازدحام الناس أياما، ثم امتنع عن الجلوس في المجلس العام نهارا، واعتكف بحجرته الخاصة، فلا يجتمع عنده الا بعض من يريدهم من الافراد، فانكف الكثير عن التردد عليه ، وذلك من حسن الرأي".

يتبين من رواية الجبرتي ان منزلة السيد عمر مكرم في قلوب الشعب بقيت كما كانت عند منفاه، ولم ينس الناس ما اسداه لهم من الخير، مع انقضاء عشر سنوات على نفيه، ورجع عظيما كما كان قبل نفيه، ولولا ذلك لما هنأه الشعراء بقصائدهم وازدحم الناس على داره، وظاهر أن عيون محمد علي باشا كانت منبثة حول داره ترقب بحذر ازدحام الجماهير على بابه، وتستمع تهاني الشعراء له، وتشهد مظاهر تعلق الشعب بزعيمه القديم، وكيف ان الزمن والمحنة والشيخوخة والنفي ، كل ذلك لم يؤثر في منزلته في القلوب، ومن المحتمل ان هذه المظاهرات لم تكن لتروق لاصحاب السلطة وقتئذ، ولا يبعد ان يكون قد بلغ السيد عمر ان مثل هذه المظاهرات مما يؤخذ عليه، فآثر الاعتكاف في داره حتى لا تكون فتنة ولا تكو وقيعة، فكان ذلك من حسن الرأي كما يقول الجبرتي، وان كلمة حسن الرأي تؤكد ان الاعتكاف كان سياسيا.

على أن محمد علي لم يأمن على مركزه من نفوذ السيد عمر مكرم، ولم يطمئن لبقائه طويلا في القاهرة، وبالرغم من شيخوخته واعتكافه في بيته بمصر القديمة (بساحل أثر النبي) فإنه كان مصدر قلق لمحمد علي، وحدث أن قامت في القاهرة سنة 1822 فتنة هاج فيها السكان استياء من فرض ضريبة جديدة على منازل العاصمة بعد فرضها على منازل البنادر في الأقاليم، فاخذ الموظفون فيطوفون بالمنازل لتقدير الضرائب عليها، فوقعت مصادمات بين أهالي بابا الشعرية وبعض الموظفين الموكول اليهم تقدير الضريبة ادت الى اقفال الدكاكين وهياج الاهالي، وذهبت جموعهم الى دار الشيخ العروسي شيخ الازهر، وكان يسكن على مقربة من موطن الهياج، وقد خرج من داره قاصدا الازهر، فالتفت به الجماهير رجالا ونسا يضجون ويصيحون، وكادت تقع الفتنة لولا أن عالجتها الحكومة بالحزم واتخاذ التدابير الكفيلة بحفظ الامن، ونفذت الحكومة المصرية الضريبة كما قررتها، وقد ساورت الظنون محمد علي باشا، وارتب في ألا يكون للسيد عمر مكرم يد في تلك الفتنة ، والواقع أنه كان بعيدا عنها، فارسل اليه رسولا في داره انهى اليه ان محمد علي يامره بمغادرة القاهرة والاقامة في طنطا، ومعنى ذلك انه امر بنفيه ثانيا من مصر، فاجاب السيد عمر باستعداده لمبارحة العاصمة بعد انه يعد مركبا ينقله الى طنطا، فاخبره الرسول ان المركب معدا لهذا الغرض في ساحل مصر القديمة، فادرك أن المراد أن يغادر المدينة فورا، ويرحل الى منفاه، فتلقى هذه المحنة الجديدة بالصبر، وبرح العاصمة مساء ذلك اليوم، فكانت هذه هي المرة الرابعة التي يذهب فيها الى المنفى، فالأولى والثانية في عهد الحملة الفرنسية، والمرتان الثالثة والرابعة في عصر محمد علي.

وهكذا كانت حياة ذلك المجاهد الكبير سلسلة من النفي والهجرة، ومكافحة الخطوب والمحن، ولم يعرف فضله، ولا كوفئ على جهاده بالشكر وحسن التقدير، بل كان نصيبه النفي والحرمان والاقصاء من ميدان العمل، ونكران الجميل، وذلك كان جزاء أكبر شخصية ظهرت بين رجالات مصر في فجر النهضة القومية.





الفصل الرابع: انفراد محمد علي بالحكم

يدل منطق الحوادث على ان نية محمد علي في الانفراد بالحكم قد بدأت تتملكه، كما ألمحنا الى ذلك، بعد عودته من الاسكندرية عقب جلاء الانجليز عن البلاد، وذلك ان مركزه قد توطد اذ تغلب على دسائس الباب العالي أولا، ثم هزم الحملة الانجليزي ثانيا، وبسط نفوذه وسلطانه على بلاد خارجة عن نطاق حكمه كالاسكندرية التي كان الباب العالي يعتبرها تحت مطلق سلطته، فانتصار الجيش المصري على الانجليز، واستخلاص البلاد من قبضة دولة قوية البطس عزيزة الجانب، جعل محمد علي ينزع على الانفارد بحكومة البلاد ويستأثر بها بلا معارض ولا منازع، واخذ يعمل على ذلك تدريجيا، مستعينا بما أوتي من الدهاء وسعة الحيلة.

واذا تأملت في مجرى الحوادث عقب عودته الى القاهرة تجد أنه قد اخذ فعلا من ذلك الحين يعمل على تحقيق هذا الغرض، ذلك انه اغتنم الفرصة في ثورة الجنود الأرناءود ومطالبتهم برواتبهم المتأخرة واخلالهم بالنظام كعادتهم، فاعتزم الانتقال من سرايه بالأزبكية الى قلعة المقطم، واتخاذها مقرا له، ومعنى انتقاله الى القلعة عزمه على ان يحكم البلاد بالقوة، لانك اذا رجعت بذاكرتك الى نحو اربع سنوات مضت قبل وقوع هذه الحوادث تجد ان خورشيد باشا حينما انتقال من سرايه بالازبكية الى القلعة كان معتزما ان يحكم البلاد بالقوة، دون أن يعبأ برأي شيوخها وزعمائها ومطالب جماهيرها.

والواقع أن سكنى ولي الامر في الازبكية اي في قلب العاصمة يجعله اميل الى الاصغاء لمطالب الشعب اذا هاجت خواطره، لان الازبكية كانت الميدان الذي تحتشد فيه الجموع اذا حفزها حافز من شكوى او احتجاج، فاذا ما سكنها ولي الامر كان اقرب الى رؤية مظاهرات الشعب وادنى للاستماع الى صيحاته ومطالبه.

اما اذا استقر في القلعة، فكأنه يريد ان يمتنع في قمة الجبل، ويضع نفسه مع المدافع المتسلطة على البلد، ويصم اذنيه عن سماع صيحات الجماهير، وينظر الى القاهرة كما ينظر النسر المحلق في السماء الى فريسته في الارض.

ولا يذهبن عنك ان القلعة تربض على ذروة المقطم كما يربض الاسد في عرينه، وهي بأبراجها ومدافعها تشرف على القاهرة وتتسلط عليها، فكأنما بناها صلاح الدين الايوبي في ذلك الموقع ليتخذها الملوك والسلاطين معقلا يتسلطون منه على المدينة العظيمة واهلها، ويكفيك أن تصعد يوما الى القلعة، وتمد نظرك الى ما يتناوله الافق، لتتضاءل القاهرة أمامك، اذ تراها مبسوطة لعينيك بشوارعها، وميادينها وقصورها ومبانيها واشجارها وحدائقها، كرقعة صغيرة تكاد تكون في قبضة يدك وعلى بسطة ذراعك، أو كأنها لوحة صغيرة من الرسوم الصامتة، ولا تكاد اذ ترى أشباح الناس تتحرك في شوارعها وطرقاتها ان تميز بين مسيرهم ودبيب النمل، وهيهات أن تلبغ سمعك اصواتهم مهما علت او اكتظت بهم الميادين في مختلف نواحيها القريبة والبعيدة، فالحاكم المستبد اذ يشاهد من القلعة تلك المدينة الكبرى منبسطة امام نظره، صامتة لا يسمع لها صوتا، جامدة لا يحس لها ركزا، ويرى نفسه في ذلك العلو الشاهق، تحف به الابراج وفيها المدافع متحفزة فاغرة افواهها على المدينة، لا جرم ان تعتريه وساوس السلطة المطلقة، وتتملكه نزعات الاستبداد والبطش بمعارضيه.

فمحمد علي باشا قد انتقل الى القلعة واتخذها معقلا له حينما قامت في المدينة فتنة الجنود الارناءود، ومن يومئذ وهو معتزم ان يستأثر بالحكم لا ينازعه فيه منازع، فبعد أن أخمد فتنة الجند اتجهت عزيمته للتخلص من الزعامة الشعبية، فتم له ما أراد كما رأيت في الفصل السابق، ثم صحت عزيمته على التخلص من خصومه المماليك، فانهم بالرغم من تقليم أظافرهم كانوا لا يفتأون يتحينون الفرص لمناوأته ومنازعته الحكم والسلطان.


موقف محمد علي ازاء المماليك

كان عدد المماليك في ذلك الحين يبلغ 2500 من المقاتلة كما قدرهم المسيو مانجان، وقد استعان محمد علي باشا على رؤسائهم منذ سنة 1807 بالحيلة، فابتدأ باستمالة شاهين بك الألفي خليفة محمد بك الألفي، وما زال يعرض له المودة والصفاء حتى اجتذبه الى القاهرة ووافقه على ان يقيم بالجيزة ويكون له ايراد اقليم الفيوم وثلاثين قرية في اقليم البهنسا، وعشرى قرى في الجيزة، واطلق له التصرف في ذلك كله التزاما وكشوفية وضم له كشوفية البحيرة بتمامها الى الاسكندرية، وكتب له الحجة بذلك.

فارتضى شاهين بك بهذا الصلح، وطالب له نفسه ، وجاء القاهرة لزيارة محمد علي باشا، فأكرم مثواره ، ودعا الى مأدبة عند ابنه طوسون، ثم سكن شاهين بك بالقصر الذي اعد له بالجزية (شوال سنة 1222 – ديسمبر سنة 1807)، وضرب صفحا عن عيشة الكفاح والقتال، وحذا حذوه بعض الامراء المماليك، فبدلوا الطاعة لمحمد علي باشا، وأرسل في أوائل سنة 1808 (ذي القعدة سنة 1222) الى زملائه المماليك في الصعيد يرغبهم في الاذعان والولاء لمحمد علي.

كان لدعوة شاهين بك اثرها في كسر حدة المماليك، فوقفت حركات القتال في الصعيد، وهدأت الحالة هدوءا نسبيا، ويرجع سبب هذا الهدوء الى ما اصاب المماليك من الضعف، والى اليأس الذي تسرب الى نفوس زعمائهم، فات ابراهيم بك الكبير قد أضعفته الشيخوخة، فصار اقرب الى الراحة والسكون بعد ما هدت السنون من نشاطه وقوته، وكذلك عثمان بك حسن، وهذان هما كبيرا المماليك المعترف لهما بالزعامة بعد موت الالفي والبرديسي، على أنهما ما ما تولاهما من الضعف واليأس ظلا على عهدهما القديم من كراهية محمد علي باشا وعدم الثقة في مقاصده حيال المماليك، أما شاهين بك المرادي (خليفة البرديسي) فلم يكن له نفوذ بجانب ابراهيم بك وعثمان بك حسن.

كان محمد علي باشا يعلم نفسية ذينيك الزعيمين، ويعرف ان التجارب جعلتهما لا يطمئنان اليه، ولا يثقان به، فتخطاهما وصرف مساعيه الى استمالة صغار البكوات والكشاف من اتباعهما، فانتهز فرصة الهدوء النسبي الذي ساد صفوف المماليك وجعل يوفد رسله اليهم يدعوهم الى الاخلاد للطاعة على ان يرتب لهم رواتب تقوم باودهم في القاهرة، وانتهى بهذه الوسيلة الى فصم عرى المماليك واجتذاب بعضهم الى العاصمة.

ولما مات شاهين بك المرادي خليفة البرديسي (مايو سنة 1808) اراد محمد علي ان يظهر سطوته وانه ولي الامر، فعين سليم بك المحرمجي رئيسا للماليك المرادية، خلفا لشاهين بك، وخلع في الوقت نفسه على مرزوق بك ابن ابراهيم بك الكبير خلعة حاكم جرجا، فوضع المماليك بهذا التعيين المزدوج أمام الامر الواقع، وجمع في الوقت نفسه بين اعلان سلطته عليهم واجتذاب ابراهيم بك بتعيين ابنه حاكما لجرجا، ولم يعهد المماليك ان يتحكم فيهم الولاة الاتراك السابقون ويتدخلون في شئونهم الى هذا الحد الذي وصل اليه محمد علي، فانهم كانوا محتفظين باستقلالهم في اختيار زعمائهم وكان الصعيد تحت مطلق تصرفهم.

اجتماع رؤساء المماليك، وتشاوروا فيما يكون موقفهم حيال هذا التدخل، وبعد الأخذ والرد استقر رايهم على قبول الامر الواقع.

لكنهم لم يؤدوا ما على البلاد التي تحت سلطتهم من الاموال الاميرية، نقدا أو غلة، فتهددهم محمد علي بتجريد حملة عليهم اذا لم يؤدوها، فتوسط شاهين بك الالفي بين الفريقين، واتفقوا على ان يؤدوا ثلث ما عليهم من غلال الحكومة، وقدر ذلك سبعة آلاف ومائة ألف اردب (مارس سنة 1809* ولكنهم لم يفوا بها، فجرد عليهم، في سبتمبر سنة 1809 ، جيشا لاخضاعهم واستخلاص الصعيد من أيديهم.

على أن المماليك لم يفكروا في مقاومته، فانسحبوا الى الجبال القريبة من جرجا وأسيوط، فرأى محمد علي ان الفرصة سانحة ليتولى حكم القبلي، فسار في شهر أكتوبر من القاهرة في جيش يبلغة ستة آلاف مقاتل، فلم يكد يبلغ أسيوط حتى بادر المماليك الى طلب الصلح، فاشترط عليهم محمد علي ان يرحلوا عن الوجه القبلي، ويقيموا في القاهرة، على أن يعطيهم بعض الجهات يستغلونها ويدفعون أموالها والضرائب التي تفرض عليها. وهذه الشروط تدلك على مبلغ ما وصل اليه المماليك من الضعف، فان شروطهم السابقة كانت ان يتولوا حكم الصعيد على دفع الخراج، أما الشروط الاخيرة فأساسها التخلي عن الحكم والاقامة في القاهرة تحت حكم محمد علي.

تم هذا الاتفاق في 27 رمضان سنة 1224 (نوفمبر سنة 1809) بأسيوط، وطلب المماليك مهلة ثلاثة يقضون فيها مصالحهم، فقبل محمد علي هذه المهلة، وعاد الى القاهرة، ولما انقضت المدة طلبوا مدها اشهرا فرضى بذلك، ولما انتهى الأجل انذرهم اذا لم يحضروا ان يجرد عليهم الجيش، فأذعنوا وأزمعوا الرحيل الى العاصمة.

سار ابراهيم بك وزملاؤه الى القاهرة (مايو سنة 1810) ، فلما كان قريبا من الجيزة عسكر بالبر الغربي، ونصب خيامه على رمية المدفع من الجيزة، وهناك ترددت الرسل بين ابراهيم بك ومحمد علي باشا، وكان الباشا مقيما وقتئذ بقصره بشبرا، وتعددت مقابلات الرسل على غير طائل: اذا أن ابراهيم بك كان قليل الثقة في مقاصد محمد علي باشا ، كما ان محمد علي نفسه لم يكن يبغي من هذه المفاوضات الا كسب الوقت لتقليم أظافر المماليك واذلالهم، واستاء ابراهيم بك من المعاملة التي عومل بها، اذ لم تضرب لحضوره المدافع كما كان ينتظر، وتركه محمد علي باشا في الجيزة دون ان يكترث له، فاعتزم العودة الى الصعيد، ناكثا الصلح، وبذلك تجدد الخصام بين محمد علي باشا والمماليك.

وقد توصل ابراهيم بك الى اقناع شاهين بك خليفة الالفي بنقض اتفاقه هو ايضا مع محمد علي، والرحيل عن القاهرة الى حيث يتحدوا واخوانه، فاستجاب له وانسل من الجيزة، وتبعه في انسحابه البكوات والكشاف المماليك الذين لبثوا بمصر سنتين راضين بحكم محمد علي ، وعاد الاتحاد الى صفوف المماليك، فاستاء محمد علي من هذه الحركة، وجرد جيشا جديدا لمحاربة خصومه.

تجدد القتال، وزحف الجيش على الصعيد، فانتصر على المماليك في البهنسا واللاهون،واستولى على اقليم الفيوم، وانسحب ابراهيم بك وعثمان بك حسن وسليم بك زعماء المماليك الى أسوان، منهوكة قواهم منحلة عزائمهم، ورجع شاهين بك الالفي يطلب العفو من محمد علي باشا، فعفا عنه وسمح له بالاقامة في القاهرة واقطعه دارا جميلة ليسكن فيها بالأزبطية (أكتوبرة سنة 1810) ، ولعله أراد اجتذابه هذه المرة ليلقى حتفه في مذبحة القلعة كما سيجئ بيانه، وكذلك فعل كثير من البكوات والكشاف والمماليك، فانهم طلبوا من محمد علي الامان، فأمنهم على أنفسهم وعفا عنهم، واذن لهم بالعودة الى القاهرة والاقامة فيها.

أخضع محمد علي الصعيد لحكمه، ودانت له مصر قاصيها ودانيها، ورجع المماليك الذين قدموا طاعتهم الى القاهرة، واخذوا ينصرفون الى أسباب الرفاهية والرغد، واغدق عليهم محمد علي من خزانة الحكومة ما جعلهم يستطيبون الاقامة في القاهرة، ويؤثروها على عيشة الكفاح والقتال، وانصرفوا الى ترتيب عيشتهم الجديدة، وتجميل بيوتهم وتأثيثها بفاخر الرياض والأثاث، وشرع معظمهم في التزوج واعداد الأفراح والمسرات، وخيل اليهم انهم استراحوا من شظف العيش، وأهوال الكر والفر، وانهم مقبلون على حياة الهناء والرفاء والبنين، ولم يدروا ما خبأ لهم القدر من خاتمة رهيبة.

ذلك أن محمد علي باشا اوجس خيفة من بقاء المماليك في القاهرة، وخاصة لما اعتزم تجريد الحملة على الحجاز لمحاربة الوهابيين تلبية لأوامر الاستانة، وخشى اذا غادر الجيش مصر وضعفت قوته الحربية ان يعودوا لمناوأته وانتزاع السلطة من يده، فرأى أن لا وسيلة للاحتفاظ بسلطانه وانفراده بالحكم سوى التخلص من البقية الباقية من المماليك، ومن هنا نبتت في رأسه فكرة اغتيالهم في المؤامرة المعرفة بمذبحة القلعة.


مذبحة القلعة (أول مارس سنة 1811)

اذا ذهبت يوما الى قلعة صلاح الدين لتتعرف ما تشتمل عليه من المواقع والمباني والآثار، فقف قليلا تحت منارة جامعة السلطان حسن، واتجه بنظرك الى القلعة، تجدها ماثلة أمامك، بموقعها المنيع، وأسوارها العالية، وأبراجها الشاهقة وأبوابها الضخمة، وأول ما يلفت نظرك قباب جامع محمد علي ومآذنه الهيفاء البديعة الصنع التي تداعب السحاب في علوها، فاذا رجعت الطرف في هذا النظر فدعه جانبا، لأنه لم يكن موجودا بتمامه في العصر الذي نكتب عنه، اذ لم يكن محمد علي باشا قد بنى جامعه الى هذه السنة (عام 1811) وانظر أمامك ، تجب بابا ضخما غائرا في الجبل، تعلوه أبراج قديمة، هذا الباب هو المسمى (باب العزب) وهو باب القلعة من الجهة الغربية، ويقع على الميدان المسمى الآن ميدان (صلاح الدين)، وكان يسمى في ذلك العهد ميدان الرميلة، فاذا دخلت هذا الباب تجد طريقا وعرا متعرجا، منحوتا في الصخر، تسير فيه صعدا بالجهد والعناء الى رحبة القلعة، وتصل من هذه الى جامعة محمد علي، ثم الى قصره.

فاذا تعرفت تلك المواقع، وثبتت صورتها في ذهنك، فاسمع ما جرى فيها يوم أول مارس سنة 1811.

لما عاد محمد علي باشا من الوجه القبلي أخذ يجهز جيشا ينفذه الى الحجاز لمحاربة الوهابيين، تلبية لنداء الحكومة التركية، وجعل يهيئ معدات الحملة في أوائل سنة 1811، وعقد لواء قيادتها لابنه أحمد طوسون باشا، وأعد مهرجانا فخما بالقلعة، حدد له يوم الجمعة أول مارس سنة 1811 للاحتفال بالباس ابنه خلعة القيادة، ودعا رجال الدولة وأعيانها وكبار الموظفين العسكريين والملكيين لشهود ذلك الاحتفال الفخم، وكان الترتيب ان يلبس طوسون باشا خلعة القيادة، ثم ينزل من القلعة في أبهته وموكبه مخترقا اهم شوارع المدينة ليصل الى معسكر الحملة في القبة.

وكان مثل هذا الاحتفال من المواكب المشهودة التي تحتشد لها الجماهير، وقد دعا الباشا جميع الامراء والبكوات والكشاف المماليك وأتباعهم لحضور الحفلة، فعد المماليك هذه الدعوة علامة الرضا من محمد علي باشا، وركبوا جميعا في زينتهم وكبكبتهم، وارتدوا اجمل وأثمن ما عندهم من الملابس، وامتطوا خير ما لديهم من الجياد، وذهبوا صبيحة ذلك اليوم الى القلعة قبل الموعد المضروب لركوب طوسون باشا.

وقبل ابتداء الحفلة دخل البكوات المماليك على محمد علي باشا في قاعة الاستقبال الكبرى، فتلقاهم بالبشر والحفاوة، وقدمت لهم القهوة، وشكرهم الباشا على اجابتهم دعوته، وألمع الى ما ينال ابنه من التكريم اذا ما ساروا معه في موكب، فأجابوه بالشكر، واعتذروا عن تخلف بقية أخوانهم الذين ما زالوا في الصعيد ولم يحضروا للاشتراك في الاحتفال، فقابل الباشا الاعتذار بالتجاوز والاعراب عن تسامحه وحسن مقاصده للمتخلفين، وتجاذب هو وضيوفه أطراف الحديث هنيهة ثم ما لبث ان اذ مؤذن الرحيل، فقرعت الطبول وصدحت الموسيقي، فكان ذلك اعلانا بالتأهب لتحرك الموكب.

تحرك الموكب، تتقدمه طليعة من الفرسان الدلاة يقودها ضابط يدعى أوزون علي، يتبعها والي الشرطة، والأغا (محافظ المدينة) والمحتسب، ويليهم الوجاقلية، ثم كوكبة من الجنود الأرناءود يقودهم صالح أق قوش ثم المماليك يتقدهم سليمان بك البواب، ومن بعدهم بقية الجنود الأرناءود فرسانا ومشاة، وعلى أثرهم كبار المدعوين من أرباب المناصب.

فاجتازت الباب طليعة الموكب، ثم رئيس الشرطة، ثم المحافظ ومن معه، ثم الوجاقلية، ولم يكد هؤلاء يجتازون باب العزب حتى ارتج الباب وأقفل من الخارج على حين فجأة اقفالا محكما في وجه المماليك، ومن ورائهم الجنود الأرناءود، فلما رأى هؤلاء الجنود الباب قد أقفل، وكانوا عالمين بما تدل عليه هذه الاشارة، تحولوا عن الطريق في صمت وسكون، وتسلقوا الصخور التي تكتنفه وتعلوه يمينا وشمالا، واخذوا مكانهم على الصخور والاسوار والحيطان المشرفة عليه، ولم يتنبه المماليك بادئ الامر الى ان الباب قد اقفل، واستمروا يتقدمون متجهين اليه، ولكن لم تكد تبلغه صفوفهم الاولى حتى رأوه مقفلا في وجوههم اقفالا محكما، وأبصروا الأرناءود يتسلقون الصخور المشرفة عليهم، فتوقفوا قليلا عن المسير، وتضامت صفوفهم المتلاحقة بعضها أثر بعض، ولم تمض هنيهة حتى دوى طلق الرصاص من نوافذ احدى الثكنات، فكان هذا نذيرا بانفاذ المؤامرة، ذلك أنه لم تكد تلك الطلقات تدوى في الفضاء حتى انهال الرصاص دفعة واحدة على المماليك وهم محصورون في هذا الطريق الغائر في الارض، فالباب الضخم مقفل في وجوههم، والجنود الأرناءود من ورائهم ، ومن فوقهم، وعن يمينهم، وشمالهم، يتناولون برصاص بنادقهم.

لم يستطع المماليك دفاعا عن أنفسهم، ولم يكن لديهم الوقت ولا القدرة على الحركة، أو الرجوع القهقري، أو النزول عن جيادهم، لضيق المكان الذي حصروا فيه، ولأنهم جاءوا الاحتفال من غير بنادق ولا رصاص، ولم يكونوا يحملون سوى سيوفهم، وهيهات ان تعمل السيوف في ذلك الموقف شيئا، فانصب عليهم الرصاص ، وحصدهم حصدا، وجاءهم الموت من كل مكان.

ولما سقطت الصفوف المكشوفة من المماليك تختبط بدمائها، أمكن للباقين أن يترجلوا عن جيادهم، وأرادوا النجاة بأنفسهم من تلك الحفرة المهلكة التي كانوا مكدسين فيها، فتسلق بعضهم الصخور المحيطة بالطريق بعد أن خلعوا ما كان عليهم من الفراوي والملابس الثمينة والثياب الفضفاضة ليسهل عليهم الفرار، ولكن الرصاص كان يتلقفهم أينما صعدوا، فلا تلبث ان تتساقط جثثهم في جوف الطريق، ومن هؤلاء شاهين بك الألفي الذي تمكن في عدة من مماليكه أن يتسلق الحائط وصعد الى رحبة القلعة وانتهى الى عتبة قصر صلاح الدين، فعالجه الجنود الأرناءود برصاصة أردته صريعا، واستطاع سليمان بك البواب أن يجتاز الطريق وجسمه يقطر دما، ووصل الى سراي الحرم، واستغاث بالنساء صائحا (في عرض الحرم)، وكانت هذه الكلمة تكفي في ذلك العهد لتجعل من يقولها في مأمن من الهلا: ولكن الجنود عاجلوه بالضرب حتى قطعوا رأسه، وطرحت جثته بعيدا عن باب السراي، وتمكن بعض المماليك من الوصول الى حيث كان طوسون باشا راكبا جواده منتظرا ان تنتهي تلك المأساة. فتراموا على أقدامه طالبين الأمان، ولكنه وقف جامدا لا يبدي حراكا، وعاجلهم الجنود بالقتل، وتكدست جثث القتلى بعضها فوق بعض في ذلك المضيق، وعلى جوانبه حتى بلغ ارتفاع الجثث في بعض الأمكنة الى أمتار، واستمر القتل الى أن أفنى كل من دخلوا القلعة من المماليك، ومن لم يدركه الرصاص ممن وقع تحت جثث الآخرين أوفر في نواحي القلعة أو تخلف عن الموكب، ساقه الأرناءود حيا إلى الكتخدا بك فأجهزوا عليه ضربا بالسيوف، واستمر القتل من ضحوة النهار الى هزيع من الليل حتى إمتلأ فناء القلعة بالجثث.

وهكذا دخل القلعة في صبيحة ذلك اليوم أربعمائة وسبعون من المماليك وأتباعهم، قتلوا جميعا، ولم ينج منهم الا وحد يسمى (أمين بك)، فانه كان في مؤخرة الصفوف، فلما رأى الرصاص ينهال على زملائه طلب النجاة فصعد بجواد الى المكان المشرف على الطريق وبلغ سور القلعة، وراى الموت محيطا به، فلم يجد منجي الا أن يرمي بنفسه من اعلى السور الى خارج القلعة، وكان الخطر المحقق في تلك المحاولة، اذ يعلو السور عن الارض ستين قدما، ولكنه خاطر بنفسه مؤثرا الموت على القتل، فلكز جواده، فقفز به مترديا، ولما صار على مقربة من الارض قفز هو مترجلا، وترك الجواد يتلقى الصدمة، فتهشم الجواد لفوره، ونجا أمين بك من الموت، ومضى يعدو في طريق الصحراء، ومازال يطوي الفدافد متنكرا حتى بلغ الى جنوب سورية.

احكم محمد علي باشا تدبير المؤامرة، فلم يقف على سرها الا اربعة من خاصة رجاله، وهم حسن باشا قائد الجنود الأرناءود، والكتخدا بك محمد لاظ أوغلي، وصالح قوش احد ضباط الجند، وابراهيم اغا حارس الباب، وصالح قوش كما مر بك كان يقود كوكبة الجنود الأرناءود في الموكب، وهو الذي أمر باقفال باب العزب واعطى اشارة القتل الى رجاله.

وبينما كان صالح قوش يتأهب لتنفيذ المؤامرة كان محمد بك علي باشا جالسا في قاعة الاستقبال، ومعه أمناؤه الثلاثة، وقد ظل في مكانه هادئا الى أن بدأ الموكب يتحرك، واقتربت اللحظة الرهيبة، فساوره القلق والاضطراب، وساد القلعة صمت عميق، الى أن سمع اطلاق أول رصاصة، وكانت ايذانا ببدء المذبحة، فوقف محمد علي وامتقع لونه، وعلا وجه الاصفرار، وتنازعته الانفعالات المختلفة، واخذ يسمع دوي الرصاص وصيحات الذعر والاستغاثة وهو صامت لا ينبس بكلمة، الى ان حصد الموت معظم المماليك، واخذ صوت الرصاص يتضائل، وكان ذلك اعلانا بانتهاء المؤامرة، وعندئذ دخل عليه المسيو ماندريشي طبيبه الايطالي وقال له: "لقد قضى الأمر واليوم يوم سعيد لسموكم"، فلم يجب محمد علي بشئ، وطلب قدحا من الماء فشربه جرعة طويلة، وخرج الكتخدا بك وأخذ يجهز على الباقين من المماليك.

لم يكن أحد من سكان القاهرة يتنبأ قبل أن تقع المذبحة بما خبأه القدر بين أسوار القلعة، فكانت الجماهير يعلوها الابتهاج محتشدة في الشوارع المعدة لسير الموكب تنتظر مروره، ولقد مرت طليعة الموكب بين جموع المتفرجين، واخذ الناس يترقبون بلهف مرور الصفوف التي تليها، ثم انقطع تلاحق الصفوف، فعجب الناس وطفقوا يتساءلون عن السببن وذهبت أفكارهم في تفسير ذلك مذاهب شتى، وفيما هم ينتظرون قدوم الصفوف المتأخرة سمع المحتشدون في ميدان الرميلة الذي بأسفل القلعة صوت الرصاص يدوي في الفضاء بعد أن اقفل باب العزب، فسرى الذعر الى الناس اذ وصل خبر المذبحة الى الجماهير القريبة من القلعة وصاح صائح: "قتل شاهين بك" وسرعان ما ذاع الخبر بسرعة البرقة الى مختلف الانحاء، فتفرقت الجماهير واقفلت الدكاكين والاسواق، وهرع الناس الى منازلهم، وخلت الشوارع والطرقات من المارة، واعقب هذا الذعر نزول جماعات من جنود الأرناءود الى المدينة يقصدون بيوت المماليك في انحاء القاهرة، فاقتحموها واخذوا يفتكون بكل من يلقونه فيها من أتباعهم، وينهبون ما تصل اليه أيديهم، ويغتصبون من النساء ما يحملن من الجواهر والحلي والنقود، واقترفوا في ذلك اليوم واليوم الذي تلاه من الفظائع ما تقشعر منه الابدان، ولم يكتفوا بالفتك بمن يلقونه من المماليك ونهب بيوتهم واغتصاب نسائهم، بل تجاوزوا بالقتل والنهب الى البيوت المجاورة، وبلغ عدد المنازل التي نهبوها خمسائة منزل، واصبح اليوم التالي (السبت) والسلب والنهب والقتل مستمر في المدينة، واضطر محمد علي باشا الى النزول من القلعة في صحوة ذلك اليوم وحوله رؤساء جنده وحاشيته لوضع حد للنهب والاعتداء، فمر بالاحياء المهمة التي كانت هدفا لعدوان الأرناءود، وامر بقطع رءوس من استمروا في النهب والاعتداء، وكذلك فعل طوسون باشا.

قال الجبرتي: "ولولا نزول الباشا وابنه في صبح ذلك اليوم لنهب العسكر بقية المدينة وحصل منهم غاية الضرر".

ونبه على الأرناءود بأن يقتصروا على القبض على المماليك الذين بقوا أحياء لتخلفهم عن الذهاب الى القلعة في اليوم المشهود، وارسالهم الى القلعة، فكان الكتخدا بك يأمر بقطع رءوسهم، ولم ينج منهم الا من هرب من المدينة مختفيا وهاجر الى الوجه القبلي، وذلك صدر محمد علي أمره الى كشاف المديريات باعتقال كل من يلقونه من المماليك وقتلهم.

بلغ عدد من قتلوا من المماليك في القلعة وفي انحاء القاهرة والمديريات في تلك الايام الرهيبة نحو 1000 من امراء وكشاف واجناد ومماليك.

وقد ذكر الجبرتي اسماء من لهم شهرة ممن قتلوا بالقعلة وبلغه خبرهم، وهم شاهين بك كبير المماليك الألفية، ويحيى بك، ونعمان بك، وحسين بك الصغير، ومصطفى بك الصغير، ومراد بك، وعلي بك ، وهؤلاء من الامراء الالفية، ومن غيرهم احمد بك الكيلارجي، ويوسف بك ابو دياب، وحسن بك صالح، ومرزوق بك ابن ابراهيم بك الكبير، وسليمان بك البواب، وتابعه أحمد بك، ورشوان بك، وابراهيم بك، وقاسم بك تابع مراد بك الكبير، وسليم بك الدمرجي، ورستم بك الشرقاوي، ومصطفى بك أيوب، ومصطفى بك تابع عثمان بك حسن، وعثمان بك ابراهيم، وذو الفقار تابع جوهر، ومن الكشاف (الحكام) علي كاشف الخازندار، ورشوان كاشف، وسليم الكاشف، وفايد الكاشف، وجعفر كاشف، وعثمان كاشف، ومحمد كاشف، واحمد كاشف الفلاح، واحمد كاشف صهر محمد اغا، وخليل كاشف،وعلي كاشف قيطاس، واحمد كاشف ، وموسى كاشف.

نفذ القضاء في ذلك اليوم على فئة المماليك، ولم يبق منهم الا عدد ضئيل ممن بقوا مع ابراهيم بك الكبير وعثمان بك حسن اللذين لم يطمئنا من قبل لمصالحة محمد علي باشا وبقيا في الصعيد ومعهما ذلك الرهط من المماليك، ونجا أيضا من القتل عدا هؤلاء نحو ستين مملوكا فروا الى سورية.


الرأي في مذبحة القلعة

تلك هي الواقعة الشهيرة بمذبحة القلعة، ونحن هنا لا نريد ان ندافع عن المماليك، فانا عددنا عليهم من المساوئ التي ارتكبوها والمضار التي جلبوها على البلاد ما يغني عن البيان، ولكن مهما بلغت سيئاتهم فان القضاء عليهم بوسيلة الغدر أمر تأباه الإنسانية. ولو أن محمد علي باشا استمر في محاربتهم وجها لوجه حتى تخلص منهم في ميادين القتال لكان ذلك خيرا له ولسمعته، ولا يسوغ فعلته ان هذه الوسيلة كانت مألوفة في ذلك العصر، وان هذه المؤامرة هي صورة مكبرة لما أمر به الباب العالي سنة 1804 من الفتك بالمماليك، اذ عهد الى الصدر الاعظم والى حسين قبطان باشا ان يقضي عليهم بهذه الطريقة نفسها، فان تكرار السيئات لا يبررها، وبالجملة فمذبحة القلعة كانت نقطة سيئة في تاريخ محمد علي باشا.

وقد حاول بعض المؤرخين تبريرها بقولهم انه اضطر اليها دفاعا عن نفسه وان المماليك كانوا يأتمرون به حين ذهب الى السويس يتعهد شئون العمارة المعدة لنقل الحملة الوهايبة، ونمى اليه أنهم ينوون الفتك به عند عودته الى القاهرة (فبراير سنة 1811) فخرج من السويس ليلا على غير ميعاد واسرع في السير حتى دخل القاهرة ولما تحقق انه لا يأمن فتك المماليك به وخاصة اذا انفذ الحملة على الحجاز وخلت البلاد من الجنود اعتزم قطع دابرهم، وهذه الرواية لم نجد لها سندا قويا، ولا نعتقد ان هذا الحادث هو الذي أوحى الى محمد علي تدبير مذبحة القلعة، بل اغلب الظن انها كانت نتيجة تفكير عميق وتدبير واسع المدى سابق على ذلك الحادث وكان قبله بمدة.

ولم تلق مذبحة المماليك تبريرا قويا حتى من اصدقاء محمد علي المدافعين عنه وعن حكمه، فانظر مثلا الى ما كتبه المسيو مانجان وهو صديق للباشا تراه تقول:

"إنني ابعد ما أكون عن تبرير الفتك بالمماليك، على أنني أعده من بعض النواحي خيرا لمصر، فان بقاءهم يفضي الى حرب هي أضر على البلاد من الايقاع بهم، كما أن ارادة الباب العالي كانت تؤدي الى استمرار تلك الحرب، فالضربة الجرئية التي ضربها محمد علي تنفيذا لأوامر الباب العالي السرية قد قضت على نظام كانت تركيا تعمل على التخلص منه تدريجيا، ومن هذه الناحية يمكن تبرير عمل الباش، ومن جهة أخرى فان الدفاع عن سلامته كان يقضي أن يلجأ الى طرق حازمة، فقد كان محاطا بجنود فطروا على الشغب والفوضى، وكان مضطرا الى انفاذ جزء كبير من قواته الى جزيرة العرب، فكان عليه ان يفكر في اضعاف خصومه الذين يزدادون في هذه الحالة قوة ونفوذا، فقد بلغه ما قيل انهم كانوا يأتمرون به ليختطفوه عند عودته من السويس، ولما علم ان السياح من الافرنج يلومونه في رحلاتهم وكتبهم على اغتيال المماليك ويعدونه عملا منافيا للانسانية صرح بأنه يبغي ان يرسم صورة يضع فيها مذبحة المماليك بجانب حادثة اغتيال الدوق دانجان ليحكم الناس على الحادثتين.

ويقول المسيو جومار وهو الذي جعله محمد علي باشا مديرا لاول بعثة مدرسية مصرية في فرنسا:

"لو أمكن محو تلك الصحيفة الدموية من تاريخ مصر لما صار محمد علي هدفا لاحكام التاريخ القاسية".

هذا، واذا نظرنا الى هذه الحادثة من الوجهة القومية البحتة وجدنا ان البقية الباقية من المماليك كان قد ضعف شأنهم وتقلمت أظافرهم حتى لم يبق من وجودهم خطر على نفوذ محمد علي وسلطانه، فماذا كان يستطيع ابراهيم بك وعثمان بك حسن وغيرهما ان يفعلوه وليس معهم سوى ذلك العدد الضئيل من المماليك الذين كانوا يحيطون بهم؟

وماذا كان يستطيع ان يفعله شاهين بك وسليمان بك البواب ومرزوق بك وغيرهم وقد تركوا أخوانهم في الصعيد وجاءوا القاهرة مستأمنين خاضعين وغادروا حياة الكر والفر لينعموا بالرفاهية ورغد العيش؟ ما نظن مطلقا ان ثمة خطرا كان يتهدد محمد علي من هذه الناحية، وما نظنه كان في حاجة الى التخلص من تلك البقية الباقية من المماليك بتلك الوسيلة المنطوية على الغيلة والغدر.

ومن جهة أخرى فان الفتك بالمماليك على هذه الصورة الرهيبة قد كان له اثر عميق في حالة الشعب النفسية، لان مذبحة القلعة ادخلت الرعب في قلوب الناس وكان من نتائجها ان استولت الرهبة على القلوب، فلم يعد ممكنا الى زمن طويل ان تعود الشجاعة والطمأنينة الى نفوس الناس، والشجاعة خلق عظيم تحرص عليه الامم الطامحة الى العلا، وهي قوام الاخلاق والفضائل القومية، فاذا فقد الشعب الشجاعة وحلت الرهبة مكانها كان ذلك نذيرا بانحلال الحياة القومية وفسادها، فالرهبة التي استولت على النفوس بعد مذبحة القلعة كان لها أثرها في اضعاف قوة الشعب الخلقية والمعنوية، وتلك خسارة قومية كبرى، فانما الامم اخلاق وفضائل، اضف الى ذلك ان هذه الحادثة وقعت في الوقت الذي كانت فيه النفوس قد تطلعت الى مراقبة ولاة الامور ودبت فيها روح الحياة والديمقراطية، وتعددت مظاهر هذه الروح بما رأيت من اجتماعات الشعب واحتجاجاته على المظالم، وفنحسب ان مذبحة القلعة قد قضت على هذه الروح الى زمن طويل، واحلت في مكانها روح الرهبة من الحكام، ولعل هذه الروح الجديدة قد جعلت محمد علي باشا اكثر اطمئنانا على انفراده بالحكم، فلم يبد من الشعب في خلال السبع والثلاثين سنة التي قضاها في الحكم بعد تلك الحادثة روح ومعارضة او محاسبة او انتقاد، وغني عن البيان انه مع ما اسداه محمد علي من الخير للبلاد في خلال حكمه فانه لم يعوض على الشعب ما فقده من تلك الناحية الخلقية، ناحية الشجاعة الادبية والروح الديمقراطية، تلك الناحية التي هي من اركان عظمة الامم ومن دعائم حياتها القومية.


الفصل الخامس: تحقيق الاستقلال القومي

حروب مصر في عهد محمد علي: نظرة عامة في تلك الحروب من الوجهة القومية

ان حروب مصر في عهد محمد علي باشا هي التي مكنتها من تحقيق استقلالها القومي ولولا تلك الحروب لما تكون ذلك الاستقلال ورجعت البلاد الى عهد الحكم التركي وبقيت زمنا لا يمكن تقديره ولاية تحكمها تركيا كما كانت تحكم سائر ولايات السلطنة العثمانية، يتعاقب عليها الولاة كل سنة أو سنتين.

ففي ميدان الحروب تكونت الدولة المصرية الحديثة، وحقق استقلالها، وكذلك قضت سنة الله في الامم ان لا يأتيها استقلالها رغدا، بل تخوض اليه غمار المتاعب والضحايا والآلام تناله بالقوة، وتحافظ عليه بالقوة، واذا ما تراخت قوة الامة واعتراها الوهن والضعف، أو تطوحت وركبت متن الشطط، او تخاذل أبناؤها وتفرقت كلمتهم، التوى عليها القصد، واستهدف استقلالها للخطر، ولا يلبث ان تعصف به أطماع الغزاة والمستعمرين، وقضت سنة الله في خلقه ان الدول الفتية لا تتكون ولا تنشأ إلا في ميادين القتال والنضال، وما المعاهدات التي تعترف بوجود الدول الحديثة واستقلالها الا منظمة ومقررة لنتائج الحروب والانقلابات التي تيحقق فيها ذلك الاستقلال.

فتلك الحروب التي خاضت مصر غمارها في عهد محمد علي هي السبيل التي اوصلتها الى تحقيق استغلالها، وتأليف وحدتها، وحفظ كيانها، وبلوغ مركزها الدولي، والمكانة التي نالتها بين الدول هي ثمرة تلك الحروب أولا.

على هذا الاعتبار ننظر الى حروب مصر في عهد محمد علي، فهي من الوجهة القومية سبيل الاستقلال الذي نالته في تاريخها الحديث، وما الوقائع، والمعارك، والأسماء، والحوادث التي تخللتها الا معالم لهذا السبيل، لذلك وجب علينا ان نستعرض هذه الحروب ونتابع وقائعها، ونتبين نتائجها في تكوين مصر المستقلة.


الحملة الانجليزية سنة 1807

ان الحملة الانجليزية على مصر سنة 1807 كانت اول حرب اشتبكت فيها مصر دفاعا عن كيانها، وكانت فاتحة سعدية لحروب مصر في ذلك العصر، لأنها انتهت باخفاق انجلترا فيما كانت ترمي اليه من احلال مصر، وقد استوفينا الكلام عن تلك الحرب في الفصل الثاني.


الحرب الوهابية 1811-1819

ان جزيرة العرب، هي اول ميدان لحروب مصر الخارجية في عهد محمد علي، وكانت الحرب فيها من اشق الحروب التي خاضت غمارها واطولها مدى ومن اكثرها ضحايا ومتاعب، حردت مصر في خلالها حملات عدة كلفتها الضحايا الكثيرة في الارواح والاموال، ولقى فيها الجنود الشدائد والاهوال في قطع المراحل البعيدة المترامية بين الفيافي والقفار، ونالتهم المتاعب والأوصاب، من وعورة الطرق، وشدة القيظ، وتضطرم به الارض والسماء، الى قلة المؤونة وندرة المياه وفقدانها في معظم الجهات، الى محاربة عدو مستبسل بذلك النفس والنفيس دفاعا عن وطنه.

تحملت مصر في الحرب الوهابية خسائر جسيم’، وان فداحة تلك الخسائر لتدعونا ان نتساءل عن السر في اهتمام محمد علي باشا بخوض غمار تلك الحرب الضروس، وبذل ما اقتضته من الجهود والضحايا، واحتمال أعبائها سنوات عدة متوالية بلا هوادة ومن غير ان يتردد في متابعتها او يثنيه عنها ما اصاب الجيش في بعض ادوارها من الهزائم والمهالك، بل كان كلما اخفقت حملة جرد الاخرى حتى بلغ النصر والظفر.

نتساءل عن ذلك وخاصة لان الحرب الوهابية قد تبدو غير ضرورية ولا لازمة لمصلحة مصر، ولم يخض غمارها الا استجابة لنداء تركيا، فان حكومة الاستانة ما فتئت في مختلف المناسبات تدعوه الى تجريد جيوشه لمحاربة الوهابيين، طلبت اليه ذلك في أواخر ديسمبر سنة 1807 قبل أن يمضي عامان على ولايته، اذ ورد اليه فرمان بتجديد ولايته واسناد منصب الدفتردار (مدير الشئون المالية) الى ابنه ابراهيم، وتكليفه في الوقت ذاته ارسال الجنود الى الحجاز لقمع الفتنة الوهابية، وجددت تركيا هذا الطلب بل ذلك الامر سنة 1808، ثم جملته عليهم بالوجه القبلي وعاد الى القاهرة في سبتمبر سنة 1810 ألفى رسولا من الاستانة يحمل اليه رسالة جديدة تقضي بتكليفه الاسراع في تجريد الجيش لمحاربه الوهابيين، فلم يستطع وقد قرغ من محاربة المماليك ان يتمحل الاعذار القديمة في التاجيل والتسويف، وبادر الى الاستجابة، وأبدى اهتماما كبيرا بتهيئة معدات الحرب في الحجاز، ومن يومئذ اعتزم السير بالحملة حتى تصل الى غايتها وهي القضاء على الدولة الوهابية في شبه جزيرة العرب، فما هي اذن مصلحة مصر ومصلحة محمد علي باشا في الاقدام على تلك الحملة الشاقة؟

ان محمد علي لم يكن ليغفل عما بينه وبين تركيا من سوء الظن المتبادل، ولم يغرب عن ذهنه ان حكومة الاستانة سمعت غيرة مرة لتقتلعه من عرش مصر، وان القوة هي التي ردت يدها وحالت دون تحقيق مرادها، ولكنه لى أخيرا نداءها في الحملة على الحجاز لانه رأى في خوضه غمار الحرب الوهابية تمكينا لسلطته ورفعا لشأنه وشأن مصر وأعلاء لمكانتها.

ذلك أنه لم استفحلت الدعوة الوهابية انفذت تركيا لاخمادها حملات عدة رجعت بالخيبة والفشل، وتعطلت شعائر الحج، وامتنع ورود عشرات الآلاف من الحجاج من انحاء الشرق، فتزلزلت هيبة تركيا واثرت هذه الحالة فيها تأثيرا كبيرا، ووقع الشك في مقدرة السلطان العثماني على الاضطلاع بمهمة حامي الحرمين الشريفين تلك التي كانت تجعل لتركيا المقام الممتاز بين المماليك الاسلامية.

فرأى محمد علي انه اذا نجح حيث اخفقت تركيا واستطاع بقوة جيشه ان يقضي على دولة الوهابيين، ويستخلص منهم الاراضي المقدسة، فلا جرم ان يتوطد مركزه وتسمو مكانته حيال تركيا، فلا تعود تفكر في عزله او تغييره، ولا تستطيع ان تعامله معاملة سائر الولاة الذين كانت تتصرف فيهم بالعزل والنقل، بل يدعوها تطور الحوادث الى ان تعامله معاملة الند للند، او الحليف للحليف، ويتدرج مركزه من وال تابع الى حاكم مستقل، اضف الى ذلك انه اذا لم يلب دعوة السلطان وتأهب لمحاربة الوهابيين فان ذلك يكون مبررا لفعلته، ولم يكن مركزه بعد قد استقر حتى لا يحسب حسابا لاوامر الاستانة، بل كان عليه ان يتقي شرها حتى ترسخ دعائم ملكه.

فالحرب الوهابية كانت اذن وسيلة لتوطيد مركز محمد علي، كما أنها سبيل لرفع شأن مصر واعلاء مكانتها، وتمهيدا لتتبوأ المركز الذي نالته من بعد بين الدول.

واغلب الظن ان فكرة الانفصال عن تركيا وتحقيق استقلال مصر قد بدأت تملك عليه مشاعره من ذلك العهد، وانه اخذ يعمل لها من طريق الفتح والحرب، وليس ثمة حرب تعلي مكانة مصر ونيلها مركزا ممتازا وتكسبها عطف الشرق والعالم الاسلامي مثل الحرب الحجازية، فقد كان الغرض منها انقاذ الحرمين الشريفين من حكم فرقة الوهابية، وتجديد ما بين الامم الاسلامية من الصلات الادبية والاقتصادية، واعادة مناسك الحج وتأمين السبيل للحجاج الذين يأتون كل عام من مشارق الارض ومغاربها.

واذا رجعت الى الماضي وتذكرت ما فعله علي بك الكبير رئيس المماليك عندما تولى حكم مصر سنة 1763 تجد انه عندما سعى الى الاستقلال والتخلص من الحكم العثماني واعلن انفصاله عن تركيا وعزل الوالي كان اول ما وجه اليه عزمه ان جرد جيوشه على جزيرة العرب وفتح معظمها وبسط نفوذه على الحجاز، فاستحق اللقب الذي اسبغه عليه شريف مكة وهو "سلطان مصر وخاقان البحرين".

فمحمد علي قد خاض غمار الحرب الوهابية لا لمصلحة تركيا، بل تثبيا لمركزه،واعلاء لشأن مصر، وقد حققت الايام صدق نظره، اذ عظمت منزلته حيال تركيا خلال الحرب الوهابية وبعد انتهائها، وعلت مكانة مصر الحربية والسياسية، وامتدت سلطتها الى جزيرة العرب، وانبسطت رفعتها واتسعت حدودها، فان الجيوش المصرية التي جردها محمد علي لحرب الوهابية لم تنسحب منها بعد كسر الوهابيين، بل ظلت تحتلها واخذت الحكومة المصرية تبسط سلطتها في اصقاع الجزيرة وتنصب لها الحكام وقواد الجند، كما ان تركيا كافأت محمد علي باسناد سلطانها في اصقاع الجزيرة وتنصب لها الحكام وقواد الجند، كما ان تركيا كافأت محمد علي باسند مشيخة الحرم المكي وولاية جدة الى ابنه ابراهيم، فاتسع فعلا نطاق مصر، وضمت اليها بلاد الحجاز ونجد والعسير وجزءا من اليمن ثم وصلت سيادتها الى شاطئ الخليج الفارسي، اي ان نفوذ مصر قد امتد الى معظم جزيرة العرب، وظل كذلك الى ان اضطربت الاحوال السياسية سنة 1840 واضطرت مصر الى سحب جنودها كما سيجئ بيانه.

وكان لمحمد علي اغراض اخرى محلية ادركها من الحملة الوهابية، اهمها التخلص من طوائف الجنود الأرناءود والدلاة الذين الفوا التمرد والشغب، فقد رأيت كيف ازداد طغيانهم وتمردهم حتى صاروا خطرا على الامن وعقبة دون استقرار سلطة الحكومة فكانت الحملة الوهابية خير فرصة انتهزها محمد علي ليقذف بتلك الطوائف المتمردة الى الاصقاع النائية من جزيرة العرب، لعله في غيبتهم يستطيع ان يدخل النظام الجديد في الجيش المصري، وقد سعى الى ذلك فعلا خلال الحملة الوهابية وان كانت ظروف الاحوال لم تمكنه من انفاذ مشروعه فأرجأه الى سنة 1820 كما سنذكره في حينه.

وكذلك كانت الحملة ذريعة لاطلاق الحكومة في فرض ما تشاء من الضرائب والاتاوات من غير ان يجد الشعب مسوغا للاعتراض عليها، فان حجة محمد علي باشا فيما فرضه اثناء الحملة الوهابية من مختلف الضرائب والاتاوات الفادحة ان الحكومة في حاجة الى المال لانفاقه على حرب مقدسة ترمي الى استرداد الحرمين الشريفين وتأمين سبيل الحج، فهي من هذه الناحية جهاد مفروض وكذلك الانفاق عليها.


تلك هي البواعث التي جعلت محمد علي يقدم على تلك الحرب الشاقة، والآن لنقل كلمة عن الوهابية ونشأتها، ثم نتكلم بعد ذلك عن الحملة ووقائعها.


الدعوة الوهابية

ظهرت الدعوة الوهابية في جزيرة العرب حوالي منتصف القرن الثامن عشر على يد زعيمها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولذلك نسبت اليه وسمي أتباعه وأنصاره الوهابيين.

ولد محمد بن عبد الوهاب سنة 1115 هـ (1703م) في العيينة من بلاد نجد، ونشأ بها وقرأ القرآن وحفظه، وتلقى العلم عن أبيه الذي تولى القضاء في بعض بلدان العارض، وحج الى بيت الله الحرام وهو بعد في سن الشباب، ثم قصد الى المدينة المنورة واقام بها نحو شهرين، ثم عاد الى بلده واشتغل بدراسة الفقه على مذهب الامام احمد بن حنبل، وكان حاد الفهم، شديد الذكاء، سريع الادراك والحفظ قوي الرغبة في العلم، رحل في طلب العلم فقصد الى البصرة والحجاز مرارا، وجاء الحسا وكانت آهلة بالمشايخ والعلماء، وطالت اقامته بالبصرة يتلقى فيها العلم ويقرأ كثيرا من كتب الحديث والفقه واللغة، فاتسع في كل ذلك، ثم عاد الى ارضه وموطنه.

كان محمد بن عبد الوهاب حنبلي المذهب، يميل الى الشدة في التعاليم الدينية، ولا يأخذ بالرخص، فاستنكر كثيرا من البدع الفاشية بين المسلمين ورأى فيها شركا بالله، فدعا الى التوحيد وصنف فيه كتابا، وحدثته نفسه ان ينقي الدين ويخلصه مما دخله من البدع، فدعا قومه الى نبذها وطرح كل ما لم يرد في القرآن والسنة من الاحكام والتعاليم، والرجوع بالدين الى فطرته وبساطته الأولى، وقد أخذ دعوته من طريقة الإمام ابن تيمية، فالمذهب الوهابي هو في أصوله المذهب الحنبلي، والفكرة التي دعا اليها محمد بن عبد الوهاب في اصلها وجوهرها فكرة صالحة، لكنه غلا فيها وتشدد، حتى صار اساسها تكفير كل من لم يأخذ أخذه ولا يتبع تعاليمه، واعتباره مشركا بالله، ومن هنا جاءت تسمية الوهابيين للمخالفين لهم مشركين، ومثل هذه الدعوة قد تصادف نجاحا وتجد لها الاتباع في بلاد فطر اهلها على الخشونة والبداوة، ولكنها تتعارض ومقتضيات الحضارة والعمران.

فمن تعاليم الوهابية تحريم لبس الحرير وشرب الدخان والتنباك، وكذلك تحريم اقامة المزارات ونصب القباب على القبور واعتبارها مخالفة لاحكام الدين ثم الدعوة الى هدمها، وغير ذلك من التعاليم المنطوية على التشدد والغلو، على ان هذا الغلو لم يسئ الى الدعوة الوهابية بمقدار ما اساء اليها انصارها في القسوة وارتكابهم الفظائع مع مخالفيهم في المذهب والعقيدة.

دعا محمد بن عبد الوهاب قومه الى الاخذ بتعاليمه، فنالت دعوته نجاحا بين اهل نجد، واخذ يكسب الاعوان والانصار خلال عدة من السنوات دون ان تأبه له الحكومة العثمانية، ولكن حدث يوما ان قدمت اليه امرأة متهمة بالزنى، وثبت عليها التهمة، فأمر برجمها فقتلت على الفور، ولم تكن هذه العقوبة مما تسيغه النفوس، فاحدثت استياء شديدا وانتهى نبؤها الى حاكم الحسا التي تمتد سلطته الى العيينة، فأرسل يتهدد الشيخ بالقتل اذا لم يرجع عن طريقته، ولما علم بذلك أنصاره اقبلوا يعرضون عليه ان ينزل بينهم ويكون في حماهم، فرحل الى مدينة الدرعية اذ كان اميرها محمد بن سعود، فأعجب الامير بدعوته واعتنقها، وأوى اليه محمد بن عبد الوهاب.

كانت الدرعية من أكبر بلاد نجد، فرأى فيها محمد بن عبد الوهاب خير مثابة لنشر دعوته، واخذت من ثم تستفيض بين القبائل.

واعلن الامير محمد بن مسعود مناصرته للتعاليم الوهابية، وتعاهد والزعيم على التعاون على نشر الدعوة على ان يؤيد سيادة الامير بين العرب (سنة 1157 هـ 1744م)، ومن يومئذ اتخذ الشيخ محمد بن عبد الوهاب الدرعية مقرا له، واخذ يبث منها دعوته وكان يأتي اليه فيها اتباعه ومناصروه يتلقون عنه، واخذ هو كذلك يوفد الرسل الى البلاد لنشر دعوته الى التوحيد، وأيد الأمير محمد بن سعود هذه الدعوة بحد السيف، فدعا القبائل والبلاد المجاورة الى الاخذ بها أو يقاتلهم، فلم تمض عدة من السنوات حتى عمت الدعوة معظم بلاد نجد، وحارب الأمير قبائل عدة كانت تناوئ الوهابية إلى أن توفى سنة 1765.

مخلفه في تلك السنة ابنه الامير عبد العزيز بن سعود ، وكان من اشد انصار الدعو’، فاصابت في عهده نوا وانتشارا، وامتد نفوذه السياسي الى معظم بلاد نجد وتجاوزها الى بعض أنحاء الحجاز واطراف العراق، وتوفي محمد بن عبد الوهاب سنة 1296 هـ (1792م) بعد أن قويت دعوته واستفاضت بين القبائل.

وقد حاول شريف مكة الشريف غالب بن مساعد ان يصد دعوة الوهابيين ونفوذهم بقوة السيف والقتال، وزحف رجاله على نجد لكنه انهزم امام قوات عبد العزيز وعاد الى الحجاز.

وظلت الدعوة بعد وفاة زعيمها ومؤسسها تنمو وتطرد بفضل تأييد عبد العزيز لها، وتنكيله بالقبائل التي لا تدين بها، فامتد نفوذ الوهابيين الى ولاية البصرة، وزحفوا على كربلاء مثابة الشيعة واستولوا عليها سنة 1801، وامعنوا في اهلها قتلا، ونهبوا المدينة وهدموا مسجد الحسين بن علي رضي الله عنه، وأخذوا ما في قبته من النفائس والجواهر.

ضج المسلمون في سائر الاقطار وخاصة الشيعة من غزوة كربلاء وما ارتكبه الوهابيون فيها من فظائع، فجاء الدرعية شيعي متنكر واغتال الامير عبد العزيز وهو قائم يصلي العصر في جامع الدرعية (سنة 1803).

فخلفه ابنه سعود في الامارة ، واستمر الوهابيون في قوة ومنعة، ولم يستطع الولاة الترك الغبة عليهم في عهد عبد العزيز ولا في عهد سعود، فان سليمان باشا والي العراق جرد حملة على الحسا لمحاربة الوهابيين فعادت الحملة مدحورة.

وصل سعود بن عبد العزيز في فتوحاته الى حدود مسقط، وامتد نفوذه الى شواطئ الخليج الفارسي، واعتزم فتح الحجاز، فجرد جيوشه على الشريف غالب، وزحف الوهابيون على الطائف التي تعد مفتاح مكة فاحتلوها سنة 1216 هـ 1802 م، ثم دخل سعود مكة ظافرا بعد ان جلا عنها الشريف غالب وجنوده الى جدة (محرم سنة 1218 هـ - 1893 م).

وكتب سعود الى السلطان سليم الثالث سلطان تركيا ينبئه بهذا الفتح ويخبره أنه قد هدم القباب التي فوق القبور، ويطلب اليه منع مجئ المحمل الى دمشق او القاهرة "فان ذلك ليس من الدين في شئ".

وفي هذه الرسالة، واخراجه من كان بمكة من الترك، اعلان بتقلص ظل السلطنة العثمانية عن مكة.

واستولى الوهابيين على المدينة بعد فتح مكة بسنتين، ونهبوا نفائس الحرم النبوي وما فيه من الجواهر، وكانت قيمتها لا تقدر بمال، ذكر الجبرتي ما ذاع عن قيمتها فنقل انها "ملأت أربع سحاير من الجواهر المحلات بالماس والياقوت العظيم القدر، من ذلك اربعة شمعدانات من الزبرجد وبدل الشمعة قطعة ماس مستطيلة يضئ نورها الظلام، ونحو مائة سيف قراباتها ملبسة بالذهب الخالص المطعم بالماس والياقوت، ونصالها من الزبرجد والبشم، وسلاحها من الحديد الموصوف وعليها دمغات باسم الملوك والخلفاء السالفين".

امتدت دعوة الوهابيين الى عسير واليمن واتجهت انظارهم الى الشام، فزحفوا عليها ووصلوا في زحفهم الى حدود فلسطين، ولكن دعوتهم لم تلق في سورية تاييدا لما ارتكبوه من القسوة والفظائع ومنعهم المحمل الذي يصحبه الحجاج من دخول مكة، وقد خرج عبد الله باشا العظم والي الشام بالمحمل فمنعه الوهابيين من التقدم وقتلوا جنوده ونهبوا الحجاج.

تعطلت مراسم الحج السنوية واضطربت تركيا بازاء امتداد دعوة الوهابيين واستيلائهم على الحرمين الشريفين ومنعهم الحجاج الذين لا يتعبون تعاليمهم من الحج وانتصارهم على الولاة في العراق والشام، فاستنجدت بمحمد علي باشا وطلبت اليه محاربتهم، وكان نفوذهم في ذلك الحين قد بلغ أقصى مداه، ولم تجي سنة 1811 التي جهز فيها محمد علي جيشه لقتالهم حتى كان سلطانهم قد امتد من اقصى الجزيرة الى اقصاها.


معدات الحملة

اتخذ محمد علي جهة القبة القريبة من القاهرة معسكرا للحملة الى ان يتم تجهيزها، وعقد لواءها لنجله أحمد طوسون باشا وكان في السابعة عشر من عمره، ورتب له ابوه حفلة حافلة لالباسه خلعة القيادة وانتقاله الى معسكر الحملة، ولما وقعت مذبحة المماليك بالقلعة في اليوم الذي كان محددا لها أول مارس سنة 1811 ارجئت الحفلة الى يوم 30 مارس، ففي اليوم المعهود تحرك موكبه من القلعة الى معسكر الحملة بالقبة واخذت الحكومة تجهزها بالرجال والعتاد وقطعت في ذلك ستة اشهر ونيفا الى ان صارت على اهبة الرحيل، وبلغ عدد رجالها 8000 مقاتل منهم ستة آلاف من المشاة وألفان من الفرسان بينهم الكثير من البدو.

وتولى ادارة مهماتها السيد محمد المحروقي كبير تجار مصر، وكان له في اعدادها وتجهيزها ورسم خططها شأن كبير، قال الجبرتي في هذا الصدد لمناسبة رحيله الى الحجاز: "وفيه – 12 رمضان سنة 1226 – (30 سبتمبر 1811) خرج السيد محمد المحروقي ليسافر صحبة الركب وخرج في موكب جليل لانه هو المشار اليه في رياسة الركب ولوازمه واحتياجاته وامور العربان ومشايخهم، واوصى الباشا ولده طوسون باشا امير العسكر بألا يفعل شيئا من الأشياء الا بمشورته واطلاعه، ولا ينفذ أمرا الا بعد مراجعته".

كان خط سير الحملة ان تقلع السفن بالجنود المشاة من ثغر السويس الى ينبع ميناء المدينة المنورة، اما الفرسان وعلى رأسهم طوسون باشا فيسيرون برا عن طريق برزخ السويس فالعقبة حتى يبلغوا ينبع فيلتقوا بالمشاة بها ومن هناك يزحف الجيش الى وجهته.

وقد استوجب نقل المشاة والمهما بحرا نشاء عمارة بحرية من السفن، لان مصر لم يكن لها الى ذلك الحين اسطول في البحر الاحمر (ولا في البحر الابيض) فاعتزم محمد علي انشاء اسطول لنقل الحملة، وأبدى في سبيل ذلك من علو الهمة ما جعله مضرب الامثال في قوة الارادة ومضاء العزيمة، ذلك ان كل المهمات والاخشاب والمواد اللازمة لانشاء الاسطول كانت تنقصه، فجلب الاخشاب من اشجار مصر، واستكملها من الخارج وخاصة من الاناضول، وبادر الى نشاء السفن في ترسانة بولاق، وجمع لهذا الغرض كل من استطاع جمعهم من صناع المراكب، وتولى الاشراف بنفسه على العمل، فأخذ الصناع يقطعون الاخشاب ويفصلونها قطعا ويضعون على كل قطعة رقما خاصا بها، ثم تنقل على ظهور الجمال الى السويس لتركب هناك، ويقال ان عدد الابل التي استخدمت لهذا الغرض بلغ ثمانية عشر الفا، ولم تمض عشرة أشهر حتى انشئ بالسويس ثمانية عشر مركبا كبيرا تسع أكثر ما أعد للحملة من الجنود والمؤن والذخائر والمهمات.

وباشر محمد علي ترحيل الحملة ومهماتها من السويس، فأقلعت بها السفن يوم 30 سبتمبر سنة 1811 قاصدة ينبع، وعاد هو إلى القاهرة، ثم ارتحل طوسون باشا من بركة الحاج يوم 6 أكتوبر يقود حملة الفرسان يتبعها عدد كبير من الابل تحمل ما تحمل من المهمات والمؤونة والذخائر.

وكان يصحب الحملة طائفة من الصناع من كل حرفة، وصحبها السيد محمد المحروقي مدير المهمات كما قدمنا، ومضى معها اربعة من العلماء من أئمة المذاهب الاربعة، وهم السيد أحمد الطحطاوي الحنفي، والشيخ محمد المهدي الشافعي، والشيخ الخانكي المالكي، والشيخ المقدسي الحنبلي، وكان مقررا سفر السيد حسن كريت نقيب أشراف رشيد (الذي كان له شان في مقاومة الحملة الانجليزية سنة 1807) ، والشيخ علي خفاجي من علماء دمياط، ولكنهما اعتذارا من مصاحبة الحملة فأعفيا من السفر.


وقائع الحملة

قلنا ان الحرب التي خاضت مصر غمارها في حصاري جزيرة العرب وجبالها من اشق الحروب وأصعبها، لان الجيش المصري واجه قوة الوهابية في اوجها، وعلى راسهم امير شديد المراس قوي الشكيمة بعيد النظر وهو الامير (سعود بن عبد العزيز) الملقب بسعود الكبير، يمتاز موقفه بانه يحارب حربا دفاعية، في بلاده ومفاوزه، وبين معاقله ورجاله، على ان الجيش المصري قد وجد معاضدة من سكان الثغور الحجازية كجدة وينبع، لان انقطاع طريق الحج ألحق بهم ضررا كبيرا، اذ كانت ارزاقهم تأتيهم من الحجاج، فكانوا ناقمين على الوهابيين ودعوتهم، وكذلك أشراف مكة، وخاصة الشريف غالب، فان نفوذ الوهابيين قد محق سلطته، وان كانوا قد سمحوا له بالاقامة في مكة، وفضلا عن ذلك فان محمد علي ونجليه طوسون وابراهيم استطاعوا ان يستميلوا اليهم بعض رؤساء القبائل من انصار الامير سعود بالعطاء والوعود، فكانت هذه الرسائل من العوامل التي أيدت مركز الجيش المصري في الحملة على الحجاز.

احتلال ينبع

وصلت الحملة بطريق البحر الى ميناء ينبع فاحتلتها دون مقاومة تذكر، ولم يكن بها سوى حامية من ثلثمائة من الوهابيين فر قائدهم وبعض رجاله ووقع الباقون قتلى وأسرى.


احتلال بدر

ثم جاء طوسون باشا بطريق البر يتقدم فرقة الفرسان، فلما وصلت الفرقة (أكتوبر سنة 1811) وتلاقت وحدات الجيش أمر طوسون بالزحف على المدينة فتحرك الجيش من ينبع وسار الى بدر وكان الوهابيون ممتنعين بها، فاشتبك بهم في معركة دامت ساعتين انتهت باحتلال بدر وارتد الوهابيون الى وادي الصفراء حيث تحصنوا بها واقاموا الاستحكامات لملاقاة الجيش المصري.


هزيمة الصفراء

زحف طوسون على وادي الصفراء في قوة تبلغ ثمانية آلاف من الجنود وهاجمها الجند حتى صاروا الى طرق ضيقة يشرف عليها الوهابيون من علي، فانهالت القذائف على الجنود وفتكت بهم فتكا ذريعا، فانقلبت الصفوف الاولى منهزمة، ووقع الذعر فيما وراءها، فاختل نظام الجيش وكانت عليه الهزيمة، وتشتت الجند تاركين مضاربهم واثقالهم ومدافعهم وتراجعوا يرمي بهم الرعب قاصدين الساحل.

كانت هذه الواقعة هزيمة كبرى فقد فيها الجيش المصري نحو ستمائة قتيل، وفقد معظم مدافعهم وذخيرته وأرزاقه، ورجعت فلوله بغير نظام الى ينبع، وقتل منهم عدة آلاف في الطريق بحيث لم يبق من الجيش بعد أن رجع الى ينبع غير ثلاثة آلاف، ولو أن الوهابيين الذين دافعوا عن وادي الصفراء كانوا أكثر عددا وأكثر دراية بفنون القتال لتعقبوا جيش طوسون باشا بعد الهزيمة وكان من المحقق ألا ينجو منه أحد.

بعث طوسون بنبأ هذه الهزيمة الى أبيه، ونسبها الى اختلاف قواده وتقصيرهم وكان أكثر الجنود والضباط الهاربين من الأرناءود، ثم طلب طوسون المدد كي يسد الفراغ الذي وقع في صفوف الجيش، فتأثر محم علي باشا لهذه الهزيمة تاثرا شديدا، وأرسل يستدعي رؤساء الجيش المسئولين عنها، وعاد بعضهم الى مصر من تلقاء أنفسهم، فغضب عليهم محمد علي وأقصاهم من مراكزهم ونفاهم من مصر، وكان منهم صالح قوش رئيس الجند الأرناءود الذي كان له شأن خطير في مذبحة المماليك بالقلعة.

لم تضعضع هذه الهزيمة من عزيمة محمد علي باشا، بل قابلها بالجلد والثبات، واخذ يعد العدة لارسال حملة جديدة إلى الحجاز، قال الجبرتي في هذا الصدد:

"ولما حصل ذلك لم يتزلزل الباشا واستمر على همته في تجهيز عساكر أخرى وبرزوا الى خارج البلدة".

واضطر محمد علي باشا للقيام بنفقات الحملة الى فرض ضرائب جديدة، فاستوفى الضريبة من باقي الاطيان الموقوفة، وطلب اتاوة من القرى، وكان الفلاحون بمنزلة من الضنك والفاقة، فاذن لهم ان يؤدوها غلالا، وأمكنه ان يمون منها الجيش المصري في الحجاز.


موقف طوسون باشا

بقى الوهابيون بعد انتصارهم في واقعة الصفراء في معاقلهم لا يفكرون في مهاجمة طوسون باشا بينبع، واكتفوا بتحصين المدينة، وانتهز طوسون هذه الغفلة واخذ في فترة انتظار المدد من مصر يستميل القبائل الضاربة بين ينبع والمدينة بالمال والهدايا، وقد رأى ان هذه الوسيلة أعود عليه بالنفع من الانتصار على الوهابيين في معركة بل معارك، كما أنها هي الوسيلة الفعالة في التغلب عليهم، وقد نجح فعلا في خطته هذه، وارسل له محمد علي باشا صناديق الأموال والكساوي لتفريقها على رجال القبائل، فمهدت له السبيل للاستيلاء على المدينة ومكة.


احتلال الصفراء

تلقى طوسون باشا المدد، فتحرك قاصدا المدينة، وانضم اليه كثير من القبائل من عرب جهينة وحرب، واحتل الصفراء بدون مقاومة بفضل مؤازرة العرب الموالين له. قال الجبرتي في هذا الصدد: "في 24 رمضان سنة 1227 (أول أكتوبر سنة 1812) وردت هجانة مبشرون باستيلاء الاتراك على عقبة الصفراء والجديدة من غير حرب بل بالمخادعة والمصالحة مع العرب وتدبير شريف مكة (الشريف غالب)، ولم يجدوا بها أحدا من الوهابيين، فعندما وصلت هذه البشائر ضربوا مدافع كثيرة تلك الليلة من القلعة".


فتح المدينة

تابع الجيش سيره حتى بلغ أسوار المدينة، وكانت الرحلة اليها شاقة مضنية تكبد فيها الجنود المتاعب والأهوال لوعورة الطرق وبعد المسافات واشتداد الحر، فأمر الجنود أن يسيروا في الليل ويستريحوا في النهار، قطع الجيش في رحلته ثلاث ليال حتى بلغ المدينة، فضرب عليها الحصار، وتفادى اطلاق القنابل عليها خشية أن تصيب الحرم النبوي الشريف، فاستعاض عن الضرب بوضع لغم تحت سور المدينة استعدادا لنسفه، وانذر السكان بأن يلزموا بيوتهم حتى لا يصيبهم مكروه، وفي الموعد المضروب أشعل اللغم فنسف جزءا كبيرا من السور وفتح ثغرة دخل منها الجنود، فقتلوا من أدركوهم من الحامية الوهابية واحتلوا المدينة’، فكان احتلالها اول انتصار كبير للجيش المصري في حرب الحجاز، وأرسل طوسون مفاتيح المدينة الى ابيه في مصر وبشره بهذا النصر المبين ، فأذيع الخبر في العاصمة وأطلقت المدافع من القلعة ابتهاجا بهذه البشرى.

قال الجبرتي في هذا الصدد: "في 10 ذي الحجة سنة 1227 يوم الاضحى وردت هجانة من ناحية الحجاز وعلى يدهم البشائر بالاستيلاء على قلعة المدينة المنورة، ونزول المتولي على حكمهم، وان القاصد الذي أتت بشائره وصل الى السويس وصحبته مفاتيح المدينة، فحصل الباشا (محمد علي) بذلك سرور عظيم، وضربوا مدافع وشنكا بعد مادفع العيد، وتقدم المصريون فاحتلوا الحناكية شمالي المدينة.


فتح مكة

(يناير سنة 1813)

عاد طوسون باشا الى ينبع وأقلع منها الى جدة فاحتلها، واستقبله بها الشريف غالب وسار منها الى مكة فدخلها دخول الظافر، وكان لمعاونة الشريف غالب وقبائل عرب الحجاز التي استمالها بالمال أثر كبير في استيلاء الجيش المصري عليها.

وقد وردت الأنباء الى مصر بفتح مكة فزينت المدينة خمسة أيام متواليات ابتهاجا بهذا الفتح المبين.

قال الجبرتي: "وفي يوم الثلاثاء 7 صفر سنة 1228 (9 فبراير سنة 1813) وردت بشائر من البلاد الحجازية باستيلاء العساكر على جدة ومكة من غير حرب، فضربوا مدافع كثير، ونودي في صبح بزينة المدينة ومصر وبولاق، فزينت خمسة أيام أولها الأربعاء وآخرها الأحد".


احتلال الطائف

وبعد أن وطد طوسون باشا مركزه في مكة تقدم الى الطائف فاحتلها في 29 يناير سنة 1813.


تحرج موقف الجيش المصري

رأيت مما تقدم مبلغ ما ناله الجيش المصري من الانتصارات المتوالية، واحتلال المدينة ومكة وأهم مواقع الحجاز، على أن هاتيك الانتصارات لم تلبث أن أعقبها تحرج مركز الجيش، ذلك أن الأمير سعود بن عبد العزيز ظل منذ نزول الجيش المصري الى ينبع يرقب تطور القتال دون أن يخاطر فيه، وترك لبعض أنصاره الاشتباك مع الجيش المصري في المعارك المتقدمة، واخذ هو في خلال الفترة يدرس أساليب الجيش المصري في الحرب، ويتعرف مبلغ قوته، ويرسم الخطط، ويستعد لملاقاته في الوقت المناسب، فلما بلغه نبأ احتلال الطائف أمر قواته بالزحف، وكانت مؤلفة من جيشين، الأول يقوده هو بنفسه، والثاني بقيادة ابنه فيصل، فزحف الجيشان بمجموعهما على مكة والمدينة واخذ الوهابيون يقطعون المواصلات بين المدينتين.

أدرك طوسون حرج موقفه، فبادر الى ملاقاته، وشرع في مهاجمة المراكز التي احتشد فيها الوهابيون.


هزيمة الجيش المصري في تربة

اتخذ فيصل مدينة تربة معسكرا له واحاطها بالخنادق، فأنفذ طوسون باشا بقيادة مصطفى بك أحد قواده لمهاجمته فيها، فسار اليها مصطفى بك بجنوده وضربوا عليها الحصار، لكن الوهابيين انقضوا عليهم، وكانوا بقيادة سيدة من نبلائهم تدعى غالية. أثارت فيهم الحمية والحماسة فأعملوا في الجيش المصري قتلا الى أن وقعت عليه الهزيمة، وارتد بغير نظام الى الطائف بعد أن ترك مدافعه وذخيرته.


اخلاء الحناكية

وفي الوقت نفسه أخذ الأمير (سعود بن عبد العزيز) في قوة من عشرين ألفا يهاجم الحناكية التي كانت ترابط بها حامية من الجيش المصري بقيادة عثمان كاشف، وهي تبعد عن المدينة بنحو عشرين فرسخا، فدافعت عنها الحامية دفاعا شديدا، لكنها اضطرت للتسليم أمام جموع الوهابية، فاحتل الوهابيون الحناكية وساروا قاصدين الزحف على المدينة. تغير الموقف الحربي، ورجحت كفة الوهابيين، فان هزيمة الجيش المصري في تربة واخلاء الحناكية قد أضعف مركز طوسون باشا، وأخذ الوهابيون يهاجمون المخافر الأمامية للجيش المصري بدون انقطاع أو هوادة.


خسائر الجيش

وزاد في حرج الموقف انتشار الامراض في الجيش المصري، وما أصاب الجنود من الاعياء لشدة القيظ وقلة المؤنة والماء، ورداءة الطقس والمتاعب الهائلة التي أنزلتها بهم المعارك، وقطع المراحل الشاسعة في صحراء الحجاز، ولم يكن في الجيش أطباء لمعالجة المرضى وتدبير الوسائل الصحية، ففتكت بهم الامراض فتكا ذريعا، وقد أصاب الجيش من المعارك والأمراض خسائر فادحة ، بلغت من بدء القتال نحو ثمانية آلاف قتيل، وفقد الجيش من مؤونته نحو خمسة وعشرين ألف رأس من الماشية، وتكلفت الحملة الى ذلك الحين 35000 كيس أي 175.000 جنيه، وهذا الاحصاء يدلك على ما تكبدته مصر من الضحايا والخسائر الجسيمة في الدور الأول وحده من الحرب الحجازية.

رأى طوسون باشا بعد تلك الخسائر ان يلزم خطة الدفاع، واعتصم هو وجيشه بمكةوالمدينة وجدة وينبع، وارسل الى أبيه بطلب المدد.


سفر محمد علي إلى الحجاز

(أغسطس سنة 1813)

تلقى محمد علي باشا هذه الأنباء بالجلد والثبات، وأجمع أن يسير بنفسه الى الحجاز لمتابعة القتال الى نهايته والقضاء على الوهابيين وبسط نفوذ مصر في جزيرة العرب، فحشد ما وسعه أن يحشد من الجنود في مصر، وفرض اتاوات على التجار، وجرد حملة جديدة، وسار الى الحجاز في شهر أغسطس 1813 ليقود الجيش المصري في تلك الحرب الآكلة.

أبحر محمد علي من السويس ونزل بجدة، فشدد وصوله من عزائم الجيش لما كان يبعثه في النفوس من القوة المعنوية، وأخذ أثناء مقامه في جدة يدريس الحالة عن كثب ليضع الخطة التي تضمن له الفوز والغلبة، ثم مضى قاصدا مكة وأدى مناسك الحج، ومن هنا جاء لقبه الحاج محمد علي.


اعتقال الشريف غالب

وكان أول ما اتخذه اعتقال الشريف غالب، ذلك أنه ارتاب في اخلاصه، ورأى منه تراخيا في معاونة الجيش المصري مما يحتمل ان يكون سببه رغبته في اطالة الحرب ليخدم مصالحه الذاتية، ووقر في نفسه ان مسلكه كان من أسباب استفحال الدعوة الوهابية، وان بقاءه في مركزه قد يحول دون فوز الحملة وسرعة وصولها الى غايتها، فأمر بالقبض عليه واعتقله في نوفمبر سنة 1813 وبعث به الى القاهرة، وولى ابن اخيه الشريف يحيى بن سرور.

وطد محمد علي مركزه في مكة ليجعلها بمنجاة من هجمات الوهابيين، ثم اعتزم السير لمهاجمتهم في معاقلهم فعهد الى ابنه طوسون باشا ان يتخذ الطائف قاعدة للزحف، فسار ومعه جيش من خمسة آلاف من المشاة وألف من الفرسان وستة من المدافع، وفيما هو يعد هذه المعدات كان سعود يرقب حركات خصمه، وامتنعت قواته في بيشه ورنيه وتربة فسار طوسون باشا من الطائف قاصدا الاستيلاء على تربة وضرب عليها الحصار ولكنه لم ينل منالا وكانت الحملة عليها شاقة منهكة للجنود مضنية لهم فساءت حالتهم ونفدت مؤونتهم.

فأكره طوسون على رفع الحصار عن تربة والارتداد بجنوده، فتعقبهم الوهابيون ورجع الجيش أدراجه الى الطائف بعد أن أحرق خيامه تفاديا من وقوعها في يد الأعداء.


احتلال قنفذه ثم إخلاؤها

وقد رأى محمد علي أن أهل العسير يناصرون الوهابيون ويناوشون وحدات جيشه في الحجاز، فأنفذ حملة الى ميناء قنفذه فاحتلتها وأمر بتحصينها توطئة للزحف على داخل البلاد، وأبقى بها حامية من ألف ومائتي جندي، ولكن هذه الحامية لم تلبث قليلا حتى اضطرت الى اخلائها، ذل أن قومندان الحامية فاته أن يحتل عين الماء التي تستقي منها البلدة فاحتلها العربان وقطعوا الماء عن الحامية، فأنفذ اليها القومندان كتيبة من الجنود لاستخلاصها ولكن العرب هاجموهم بقيادة زعيمهم (طامي بن شعيب) وردهم على أعقابهم فوقع الرعب في جنود الحامية ولم ير قائدهم وسيلة لانقاذهم من الظمأ سوى اخلاء المدينة والرجوع الى جدة فنجا من الحامية من استطاع النجاة بركوب السفن وقتل الوهابيون عددا كبيرا ممن أدركوهم قبل أن يتمكنوا من الفرار، وبذلك فشلت الحملة على قنفذة.


طلب محمد علي المدد من مصر

وبديهي أن هزيمة طوسون في تربة، واخلاء قنفذة، ومناوشات الوهابيين المستمرة لوحدات الجيش المصري، كان من شأن ذلك كله أن يبعث اليأس والقنوط، لكن محمد علي باشا كان ذا عزيمة حديدية لا تنثني أمام الصعاب مهما عظمت، وهذه العزيمة من أخص صفاته، وهي من عزيمة عظمته ومجده، فقابل هذه الهزائم بالثبات وعلو الهمة، وكان قد أرسل الى كتخدا بك في مصر (محمد لاظ لاظوغلي) يطلب اليه أن يوافقه بالمدد والمؤن، فأمده بسبعة آلاف من الجنود وسبعة آلاف كيس، وتحملت مصر في اعداد هذه الحملة الجديدة تضحيات جسيمة، فان الكتخدا بك نزولا على أمر محمد علي استولى على أملاك المتلزمين (فبراير سنة 1814) فتذمر الناس من هذا الارهاق وقصدوا الى المشايخ ليحولوا دون انفاذه، فذهبت شكاواهم عبثا، وجمع الكتخدا سبعة آلاف كيس من المصادرات وفرض الاتاوات واستطاع أن يجند السبعة الآلاف مقاتل من مختلف طبقات المجتمع بطريقة التطوع للخدمة العسكرية. وقد تأخذك الدهشة اذ تسمع في هذا المقام عبارة التطوع، لأن المفهوم أن مثل هذه الحملات البعيدة كان يحشد لها الناس بالقوة، ولكن ما ذكرناه مستفاد من رواية الجبرتي فقد أشار الى هذه الطريقة في حوادث ربيع الثانية سنة 1229 (مارس سنة 1814) بقوله: "وفي ليلة الاثنين سادسه حضر مميش أغا من ناحية الحجاز مرسلا من عند البااش باستعجال حسن باشا للحضور الى الحجاز، وكان قبل ذلك بأيام أرسل يطلب سعة آلاف عسكري وسبعة آلاف كيس، فشرع كتخدا بك في استكتاب اشخاص من اخلاط العالم ما بين مغاربة وصعايدة وفلاحي القرى ، فكان كل من ضاق به الحال في معاشه يذهب ويعرض نفسه فيكتبونه، وان كان وجيها جعله الكتخدا أميرا على مائة أو مائتين".


وفاة سعود بن عبد العزيز

وصل هذا المدد الى جدة، وفيما كان محمد علي باشا يتأهب للزحف ساعدته العناية الإلهية بوفاة خصمه الشديد البأس الأمير سعود بن عبد العزيز ، توفى بالدرعية في إبريل سنة 1814.

فخلفه في الأمارة نجله عبد الله بن سعود، ولم يكن على صفات أبيه من الشجاعة والاقدام وبعد النظر وعلو الهمة، بل كان على العكس شديد التردد ضعيف الفؤاد لين العريكة لا يميل الى الحرب والقتال، فكانت وفاة سعود بن عبد العزيز من الاسباب التي ساقتها الاقدار لنجاح محمد علي، وهكذا كان للحظ اثر كبير في حياة ذلك الرجل العظيم.


حصار الوهابيين الطائف

انفذ محمد علي عابدين بك احد قواد جيشه لاحتلال وادي زهران الذي يفصل اليمن عن الحجاز، فزحف ولم يلق بادئ الامر كبير مقاومة، ثم ما لبث الوهابيون ان عادوا يهاجمون الجيش المصري حتى اضطر الى الانسحاب ونالته الخسائر الفادحة، فكان انسحابه هزيمة للمصرييين، وظفرا للوهابيين، وتعقبه هؤلاء حتى الطائف واقبلوا بجموعهم الحاشدة وضربوا عليها الحصار وكان فيها طوسون باشا.

بلغ محمد علي هذا النبأ وهو في جدة فأخذ يعمل فكرة لانقاذ ابنه من الحصار فاهتدى الى حيلة حربية تدل على شدة ذكائه وحضور ذهنه، ذلك انه ركب في عشرين من رجاله وسار نحو الطائف، ووقف على جبل يشرف عليها، فشاهد مركزها وهي محصورة، وفيما هو كذلك جاءه رجاله بفارس عربي من الوهابيين وقع أسيرا في أيديهم، فلما رآه محمد علي أخذ يسأله عن قوات الوهابيين فيجيبه على ما يسأل، ثم عرض عليه أن يطلق سراحه على أن يحمل رسالة الى ابنه طوسون في الطائف، واخذ عليه موثقا أن يؤدي الرسالة، فوفى الرجل بعهده، وحمل الرسالة الى طوسون باشا فاذا هي تحوي الكلمة الآتية: "إني قادم اليك فأحضر وألحق بنا فوق الجبل".


رفع الحصار عن الطائف

وقد اطلع الوهابيون على فحوى الرسالة، فتوهموا ان جيشا عرموما قد أقبل لنجدة طوسون، وأنهم سيقعون حينئذ بين نارين، والحقيقة أنها خدعة ابتكرها محمد علي بايهام الوهابيين أنه اقدم في قوة كبيرة، وقد كان لهذه الخدعة أثرها الفعال في سير القتال، فان الوهابيين أجمعوا على الانسحاب ورفعوا الحصار عن الطائف.


التأهب لمعاودة القتال

عاد محمد علي ونجله الى مكة (يونيه سنة 1814) ومنها الى جدة واخذ في تدريب السبعة الآلاف من الجنود الذين بعث بهم الكتخدا بك، وبقى في جدة ثلاثة اشهر بعد العدة لاستئناف القتال، وفيما هو يتأهب للزحف شبت الثورة في قبائل البدو الضاربة بين ينبع والمدينة، وسببها أن حاكم المدينة قتل شيخ قبيلة حرب، فقامت القبائل للأخذ بالثأر وقطعت السبل بين جدة ومكة وينبع والمدينة وكادت الثورة تستفحل لولا ان عالجها محمد علي باشا بالحكمة فسار طوسون الى ينبع ومنها الى بدر حيث التقى برؤساء القبائل فعتهد لهم بعقاب حاكم المدينة عقابا يتكافأ مع جريمته فهدأت بذلك حدة غضبهم، وساعده على تهدئتهم ما بذله لهم من المال فكان من نتائج ذلك أن تخلوا عن وادي الصفراء الذي يحتلونه.

وفي خلال تلك الحادث تلقى طوسون باشا من المدينة نبأ وفاة حاكمها الذي شبت الثورة بين القبائل بسببه، فأذاع طوسون هذا النبأ بين القبائل وأفهمهم أن أباه هو الذي أمر بقتله عقابا له على فعلته، فهدأت القبائل وجنحت الى السلم وكفت عن قطع الطرق، وكان موسم الحج قد أقبل فصار طريق الحجاج مأمونا، وحج محمد علي للمرة الثانية واقبل الحجاج من مصر ومن سائر الاقطار الاسلامية وأدوا الفريضة آمنين مطمئنين.


واقعة بسل

(يناير سنة 1815)

وبعد أن تمت مراسم الحج ، تجددت الحرب، وأنفذ محمد علي جنود الى الطائف تمهيدا للزحف، وكان الوهابيون قد جمعوا من المقاتلة نحو عشرين ألفا حشدوهم بقيادة فيصل بن سعود بين بسل وتربه وكان لهم عدد ذلك احتياطي من نحو عشرة آلاف مقاتل، فزحف محمد علي في نحو أربعة آلاف مقاتل على بسل الواقعة بين الطائف وتربه، والتقى فيها بجيش الوهابيين (يناير سنة 1815) فدارت رحى القتال بين الفريقين واستعرت نار الحرب واستمرت المعركة من الفجر حتى المساء، وانتهت بهزيمة الوهابيين وقتل منهم نحو ستمائة وتشتت الباقون، وتعد واقعة بسل من أكبر وقائع الحرب الوهابية بل من اهم المعارك في تاريخ مصر الحربي.


احتلال تربه ورنيه ثم بيشه

تابع المصريون زحفهم بعد واقعة بسل فاحتلوا تربة ثم احتلوا كذلك رنيه وبيشه ولقى الجيش خلال هذه الغزوة متاعب هائلة ولم يكن غذاء الجنود في الغالب سوى التمر، وكان محمد علي يقاسمهم شظف العيش ليشجعهم على احتماله.


احتلال قنفذه

ثم رجع الى الشاطئ واحتل ميناء قنفذه وابقى فيها حامية مصرية وذهب منها الى جدة ومنها الى مكة تحف به اعلام الظفر.

احتلال الرس

وزوحف طوسون من المدينة على القسم الشمالي من نجد متشجعا بتلك الانتصارات، فبلغ في زحفه الى الرس احدى مدن نجد المهمة فاحتلها، ثم احتل الشبيبة الواقعة على طريق الدرعية عاصمة الوهابين، واستعد الجيشان فاخذ كل منهما يتأهب لمعركة فاصلة.


طلب الوهابيين الصلح

على ان طوسون رأى من المغامرة ان يبدأ بالهجوم لأنه أدرك انه امام قوات تفوقه عددا، فتشاور وقواد جيشه واتفقوا رأيا على الانسحاب الى المدينة، ولكنه لم يكد يستقر رأيه على هذا العزم حتى أوفد اليه الامير عبد الله بن سعود رسولا يعرض الصلح والطاعة، فدهش طوسون لهذه المفاجاة على حين كن يشعر بان مركز عدوه قوي منيع، لكن ضعف عبد الله بن سعود وما جبل عليه من التردد كان من اهم البواعث التي مالت به الى التسليم والخضوع.

فأجاب طوسون على طلب الصلح انه لا يستطيع ان يجيب الطلب الا بعد عرض الامر على والده، وانه يمنح الامير الوهابي هدنة عشرين يوما حتى يراجع والده، فقبل عبد الله بن سعود، وتهادن الفريقان ووقفت الحركات الحربية، وبقى كل جيش مكانه ينتظر الهدنة ان تنتهي.


رجوع محمد علي الى مصر

وفي غضون ذلك عاد محمد علي الى مصر فجأة: ذلك انه تلقى من مصر انباء شغلته واهاجت وساوسه، اذ علم منها ان ثمة مؤامرة دربها لطيف باشا في غيبته كما سيجئ بيانه، وبلغه كذلك ان حوادث خطيرة توشك ان تقع في اوروبا اذ الصراع بالغ اشده بين نابليون والدول المتألبة عليه، وعلم من الانباء الاخيرة ان نابليون بعد ان هزمه الحلفاء ونفوه الى جزيرة ألبا قد أفلت من منفاه ورجع الى فرنسا واسترد عرشه وسلطته، فخشى محمد علي ان تكون عودة نابليون سببا في تجدد الحرب والقتال في اوروبا واستهداف مصر لحملة جديدة اذ يفكر نابليون ثانية في غزوها، ومع ان هذه الفكرة لم يهجس بها نابليون بعد عودته من منفاه الا ان محمد علي كان شديد الحذر كثير الهواجس خوفا على مركزه، فاسرع بالرجعة الى مصر لكي يتقي المفاجات التي ليست في الحسبان وعاد عن طريق القصير فقنا فالقاهرة، وذكر الجبرتي نبأ عودته في حوادث رجب سنة 1230، فقال انه حضر الى الجيزة ليلة 15 رجب (23 يونيه سنة 1815).


مؤامرة لطيف باشا

اما مؤامرة لطيف باشا فحكايتها كما يذكرها جمهور المؤرخين انه كان من مماليك محمد علي شاب اسمه لطيف أغا قربه اليه واختصه وجعله امين خزانته، فلما جاءت الانباء باستيلاء الجيوش المصري على المدينة واستخلاصها من ايدي الوهابيين اوفده محمد علي الى الاستانة ليزف البشرى الى الديوان العالي، فانعمت الحكومة التركية على لطيف اغا برتبة الميرميران فصار لطيف باشا ، فداخله الزهو والخيلاء، وزين له بعض رجال المابين ان يأتمر بسيده ومنوه الاماني ووعدوه بالمساعدة على أن يخلفه في ولاية مصر، فقبل لطيف باشا هذه المهمة، وخيل له زهوه وغروره انها فكرة ناجحة، وخاصة لان محمد علي عازم على التوجه الى الحجاز فيكون غيابه خير فرصة لتنفيذ مهمته واعتلائه عرش مصر، وعاد الى القاهرة ونفسه مملوءة امالا كبارا، وبدا عليه في مصر من الغطرسة والكبرياء ما جعل الظنون تحوم حوله، واستشف محمد علي بثاقب نظره تغيرا في اطواره وحركاته، فارتاب في امره، وما أكثر ما يستهدف الناس للشبهات والريب في ذلك العصر، وزاد في ارتيابه ان كتخداه محمد لاظ أوغلي المشهور بكراهيته لجنس المماليك نقم على لطيف باشا كبرياءه وخيلاءه وما ناله من المزايا والرتب ، فألقى في روع محمد علي على أنه يسرف في بذل المال ويستكثر من الاتباع والمماليك فعسى ان يتخذهم جندا ويحدث بهم حدثا، فتزعزعت ثقة محمد علي فيه، ولما مضى الى الحجاز عهد الى محمط لاظ أوغلي ان يرقب حركات لطيف باشا واطلق له ان يتخذ ما يراه في شأنه، وكان الكتخدا معتزما التنكيل به، فأخذ يؤلب عليه رؤساء الحكومة مثل حسن باشا، وطاهر باشا، وطبوز اوغلي، ومحو بك ، ومحمود بك الدويدار، وكذلك أوغر عليه صدر اسماعيل باشا ابن محمد علي، وصمم على قتله بعد ان اخذ للامر عدته.

وفي اليوم الموعود باغته بدعوته الى اجتماع يعقد في القلعة للنظر في بعض الشئون، وخيره بين أن يحضر أو يغادر الديار المصرية، وكان لطيف يعلم ما وراء هذه الدعوة من المهالك، فحار في أمره، وبينما هو يفكر في حيلة ينجو بها أبصر فرأى بينه يحاصره نحو ألفين من الجنود جاءوا ليقبضوا عليه وأخذوا يطلقون الرصاص على داره، فعلم أن قد أحيط به، وفكر في الفرار ، فاستتر في مخبأ بداره ومعه نساؤه ومملوك له حتى جن الليل، فتسلل هو الى بيت خازنداره واختفى فيه.

أما العسكر فاقتحم جماعة منهم دار لطيف باشا وكشفوا مخابئها، وفتشوها تفتيشا دقيقا، فعثروا على النساء والمملوك، ولم يجدوا ضالتهم أي لطيف باشا، ولما كان الغد أراد لطيف أن يغادر بيت خازنداره خشية أن تقع عليه عيون الرقباء لقربه من بيته، فصعد الى سطح البيت، واعتزم ان يقفز من سطح الى سطح ليلوذ بالهرب، وبينما هو يقفز من سطح خازنداره ابصره احد الجنود المراقبين له فصاح به لينبه اليه الرقباء، فرماه لطيف باشا برصاصة جندلته، ولكنها ايقظت نظر الرقباء فتعقبوه، ولم تمض ساعات حتى القوا البض عليه فكبلوه وساقوه الى الكتخدا لمحاكمته.

فعقد الكتخدا ديوانا من كبار رؤساء الحكومة واتفقوا على اعدامه، وسبق لطيف باشا الى ساحة الاعدام تحت سلالم سراي القلعة وقطع رأسه.

ويلوح لنا ان ما ذكره جمهور المؤرخين من قبل ان قتل لطيف باشا يرجع الى ممالأته لحكومة التركية على انتزاع ولاية مصر من محمد علي مشكوك فيه، ولا يسهل تصديقه، لأن الوقت لم يكن مناسبا لخلع محمد علي وهو منصرف الى توجيه كل قواته لمحاربة الوهابيين، وحكومة الاستانة لم تكن في ذلك الحين تخشى بأس محمد علي بل كانت في حاجة اليه لتفرغ من الدولة الوهابية التي تنازعها السلطة والسيادة وتتهددها بانشاء دولة عربية قد تنتزع منها الخلافة، فمحمد علي كان وقتئذ مشمولا برضا الحكومة التركية، ولا يتفق منطق الحوادث مع تآمرها عليه في هذه الظروف.

وأغلب الظن ان محمد علي وحاشيته قد ساءهم الأنعام على لطيف باشا بالباشوية اذ لم يسبق للسلطان ان انعم بها على أحد بعد تولية محمد علي غير ابنائه، وأخذت بطانة البااش وخاصة كتخداؤه محمد لاظ أوغلي ينظرون بعين المقت والارتياب الى لطيف باشا، وزادهم مقتلا له ما بدا عليه من الغطرسة والخيلاء بعد عودته من الاستانة، وكان لاظ أوغلي معروفا عنه كرهه للماليك، ولطيف باشا كان في الاصل مملوكا، فحقد عليه واعتزم التنكيل به كما تقدم ، واتخذ تهمة المؤامرة وسيلة لانفاذ عزمه.

وقد ذكر الجبرتي حكاية المؤامرة، ولم يؤيدها في روايته، وكذلك لم يروها مانجان بلهجة تفيد اليقين.


مشروع الصلح واخفاقه

في خلال الهدنة التي عقدها طوسون باشا مع عبد الله بن سعود جاءه كتاب من والده ينبئه انه سافر الى مصر لشئون هامة وانه ترك له عددا عظيما من الجند بقيادة خازنداره، ويوصيه بالمبادرة الى الزحف على الدرعية عاصمة الوهابيين لاستئصالهم والقضاء عليهم. ورد خطاب محمد علي الى ابنه فارسل يستدعي الخازندار الى مدينة الرس قبل انقضاء اجل الهدنة، وتشاور طوسون باشا وقواد الجيش ورؤساء القبائل الموالية، واستقر رايه على قبول الصلح، واشترط لذلك شروطا اهمها ان تحت الجيوش المصرية الدرعية وان يرد عبد الله بن سعود كل ما اخذه الوهابيون من الحجرة النبوية من النفائس والجواهر وان يكون رهن اوامر طوسون باشا حتى اذا طلب اليه السفر الى اي جهة كائنة ما كانت اذعن للأمر، وان يؤمن سبل الحج ويكون خاضعا لحاكم المدينة، والا يتم تمام الصلح الا بعد عرضه على محمد علي باشا واقراره.

وارسل عبد الله بن سعود وفدا الى القاهرة ليعرض الصلح على محمد علي، ووصل الوفد الى مصر في سبتمبر سنة 1815، ولكن محمد علي اظهر تشددا ولم يرض بالشروط التي عرضها ابنه، وصمم على معاملة امير الوهابيين معاملة الخوارج والعصاة، ولعله كان يرمي الى بسط حكمه على جزيرة العرب، فرأى في بقاء ظل لدولة الوهابيين مهما تظاهر عبد الله بن سعود بالخضوع والولاء حائلا دون استقرار حكمه في الجزيرة، فآثر ان يمحق قوته ويأخذه أسيرا ليقضي على دولته القضاء الاخير، فطلب الى الوفد قبل ان يصفح عن اميرهم ان يرد جميع ما اخذه الوهابيون من نفائس الحرم النبوي وان يسلم الدرعية الى حاكم المدينة وان يحضر بنفسه ويذهب الى الاستانة ليكون رهن اوامر السلطان وليقدم له حسابا عن اعماله، وكان محمد علي يتوقع ألا تقبل شروطه القاسية وخاصة سفر عبد الله بن سعودالى الاستانة لان معنى ذلك تسليم عنقه الى يد الجلاد، وقد تحقق ما توقعه فان عبد الله بن سعود لما بلغه نبأ هذه الشروط ارسل يقول انه لم يبق لديه شيء من النفائس التي انتزعها أبوه حتى يرد منها شيئا، ورضى بأن يعين محمد علي نائبا عنه في الدرعية يولي قبض الخراج او ان يحدد الخراج بمبلغ معلوم يتعهد بأدائه، ورفض شرط الذهاب الى الأستانة.

فارسل محمد علي يتهدد بالحرب وينذره جيشا جرارا يكتسح بلاده ويخربها، وبذلك اخفقت مفاوضات الصلح، وتأهب عبد الله بن سعود للحرب والقتال ، وجرد محمد علي حملة جديدة على الحجاز بقيادة أكبر أنجاله ابراهيم باشا.


رجوع طوسون باشا الى مصر

علم طوسون باشا وهو في الحجاز بأنباء الفتنة العسكرية التي أثارها الجنود الأرناءود بالقاهرة وما وقع منها من النهب مما سيجئ بيانه، فقرر العودة الى القاهرة ، وسار من المدينة الى ينبع، ومنها الى السويس بحرا، وكان وصوله اليها في غاية شهر ذي القعدة سنة 1230، وقدم القاهرة يوم 5 ذي الحجة (8 نوفمبر 1815) ، وكان الاحتفال باستقباله عظيما بالغا، قال الجبرتي في هذا الصدد: "في رابع ذي الحجة سنة 1230 نودي بزينة الشارع الاعظم لدخول طوسون باشا سرورا بقدومه، ودخل من باب النصر، وعلى رأسه الطلخان وشعار الوزارة، وطلع الى القلعة وضربوا في ذلك اليوم مدافع كثيرة وشنكا وحراقات".


استئناف الحرب في الحجاز بقيادة ابراهيم باشا

أبدى محمد علي همة كبيرة في تجريد الحملة الجديدة، وظل ستة أشهر يعد معداتها، وعقد لواءها لابنه الاكبر ابراهيم باشا، فأمر بجمع المراكب في ساحل بولاق لنقل المؤونة والذخائر والمدافع والمهمات الى قنا ومنها تنقل برا الى ثغر القصير لتقلع منه الى ينبع بحرا، وسار ابراهيم باشا من بولاق يوم 5 سبتمبر سنة 1816 قاصدا قنا، ولما وصل الى اسيوط جند ألفين من الفلاحين لينضموا الى الحملة.

ولما بلغت الحملة الى قناة نقلت على ظهور الابل الى القصير، واعد ابراهيم باشا ستة آلاف جمل قدمها عرب العبابدة لهذه الغاية، فمضت الحملة الى ميناء القصير واقلعت بهم سفن الاسطول المصري الى ينبع، فبلغتها يوم 29 سبتمبر، وكان يصحب ابراهيم باشا ضابط فرنسي من ضباط اركان الحرب وهو المسيو فيسيير وطبيب وجراحان وصيدلي من الايطاليين.

ولم يكد يستقر به المقام في ينبع حتى سار الى المدينة، فادى فروض الزيارة النبوية، واخذ يستعد للزحف والقتال.

وفي اليوم الرابع من عيد الاضحى سار بجيشه وقصد الصويدرة شمالي المدينة واتخذها معسكره العام واخذ يجهز المعدات ويجمع الابل للزحف على نجد، ولكنه عانى من مصاعب كثيرة في بدء الحملة، منها ان معظم القبائل كانت ممائلة للوهابيين على محاربة الجيش المصري، فأخذوا يناشدون القوافل بين الصويدرة والثغور البحرية. فانفذ ابراهيم باشا لمحاربتهم قوة من الفي جندي القت بهم على مسيرة يومين واوقعت بهم الهزيمة.

ثم اخذ العرب يؤثرون الجانب المصري على الوهابيين لما لم يجدوا من هؤلاء منفعة او طائلا، فانضموا الى ابراهيم باشا وتعهدوا بتقديم ما يطلب من الابل وغيرها.

زحف ابراهيم باشا من الصويدرة وسارى الى الحناكية وعسكر بها وتحصن فيها، واتخذها نقطة ارتكاز لزحفه، ثم تحرك منها قاصدا الرس التي اتخذها عبد الله بن سعود معسكرا له، وكان الوهابيون قد احتلوها بعد عودة طوسون باشا الى مصر.


وفاة طوسون باشا

(سبتمبر سنة 1816)

رجع طوسون باشا الى مصر كما قدمنا، وبعد ان استقر به المقام تولى قيادة الفرق التي انفذها محمد علي لترابط على فرع رشيد، وكان غرض محمد علي توزيع الجنود في مختلف انحاء الوجه البحري حتى لا يكون احتشادهم في القاهرة خطرا الى النظام بعد ما بدا منهم من التمرد والعصيان، ولكي يلقى في روعهم انه لا يقصد تشتيتهم او معاقبتهم امر بأن يصحبهم في معسكراتهم الجديدة بعض ابنائه ورؤساء جنده، فتولى طوسون باشا قيادة بعض تلك الفرق كما قدمنا، واتخذ معسكره في برنبال الواقعة بالبر الشرقي للنيل تجاه رشيد، والتمس بها الراحة من عناء المعارك التي خاضها في الحجاز، فاخذ الموسيقيين والراقصين والراقصات والمغنيات ومجالس اللهو، وبقى بها الى ان عاجلته المنية ليلة 29 سبتمبر سنة 1816 اثر مرض ثار به فجاة، قيل انه نشأ من تهالكه على الملذات، ولم يمهله أكثر من عشر ساعات ثم فاضت روحه، فنقلت جثته بطريق النيل الى القاهرة ودفن في مقابر الامام الشافعي.

توفى طوسون وهو مقتبل الشباب اذ لم يتجاوز العشرين من عمره، فجزع أبوع على فقده جزعا شديدا وحزن الناس لوفاته لما كان عليه من الشجاعة والجود والميل الى الشعب.


حصار الرس

اشتبكت طلائع الجيش المصري بالوهابيين على مقربة من الرس، فكانت الغلبة للجيش المصري، لما امتاز به من النظام والتسلح بالبنادق الحديثة، ومعاونة العربان من قبيلة حرب.

هزم الوهابيون ورجعوا القهقري، وامتنع عبد الله بن سعود في الرس، فضرب عليها ابراهيم باشا الحصار، وجلب المدافع لرميها، واقام الاستحكامات حولها، لكنها كانت على قوة ومنعة، فاستمر الحصار ثلاثة أشهر وسبعة عشر يوما دون أن ينال منها طائلا، ودافع عنها الوهابيون دفاع الابطال بالرغم من قتالهم جيشا مسلحا بالبنادق الحديثة، ولم يكن عندهم الا البنادق من الطراز العتيق الذي يطلق بالفتيلة، ومع ذلك صدوا هجمات الجيش المصري ثلاث مرات وكبدوه خسائر جسيمة، وبلغ عدد قتلاه مدة الحصار 2400 جندي، على حين لم يقتل من الوهابيين سوة 160 قتيلا، وهذا يدلك على فداحة الخسائر التي أصابت الجيش المصري في حصار الرس.

وقد ادرك ابراهيم باشا ان خسائره ستتفاقهم اذا هو استمر في الحصار، وان ذخيرته نقصت ومؤونته كادت تنفد، وأصبح الجيش هدفا للمجاعة. اضف الى ذلك ما خامر نفوس الجنود من الملل والياس، وما قاسوه من الشدائد والاهوال، ثم انتشار الامراض بينهم، وهبوب الزعازع والاعاصير التي كانت تقتلع الخيام فترمي بها فلا يجد الجنود وخاصة المرضى والجرحى مأوى لهم.

فاضطر ابراهيم باشا ان يرفع الحصار عن الرس، وان يقبل من عبد الله بن سعود شروطا لوقف القتال ما كان ليرضاها لو لم تمتنع عليه، فصالحه على ان يرفع الحصار عن المدينة وان يضع اهلها سلاحهم ويقيموا على الحياد، ولا يدخل الرس احد من جنود ابراهيم باشا او ضباط جيشه، ولا يجبر الاهالي على تقديم شي من المؤونة للجيش ، ولا يؤدوا اتاوة، وانه اذا استولى الجيش على مدينة عنيزة تسلم له الرس بدون قتال، وان لم يفلح يعود القتال ثانية.

سار ابراهيم باشا قاصدا عنيزة ، واحتل في طريقه الخبراء بعد ان ضربها بالمدافع عدة ساعات، واستراح الجيش بها احد عشر يوما، ثم سار الى عنيزة وحاصرها ستة ايام الى ان سلمها حاكمها محمد بن حسن على الا تؤسر الحامية الوهابية وان يؤذن لها بالذهاب انى شاءت بشرط ان تتخلى عما لديها من الاسلحة والذخائر والمؤوننة، فرضى ابراهيم باشا الشروط ودخل المدينة، ثم ارسل كتيبة من الجند لاحتلال الرس طبقا للشروط التي اتفق عليها من قبل.

كان لسقوط عنيزة بهذه السرعة اثر كبير في سير القتال، لانها من اهم مواقع نجد فتراجع عبد الله بن سعود الى الشقراء، واخذ يحصن الدرعية مخافة ان تتداعى بتاثير ضربات ابراهيم باشا ، وجنحت القبائل في بلاد القصيم الى التسليم خوفا من بطش ابراهيم واذعنت له.

(((((خريطة)))))))


فتح الشقراء

(يناير سنة 1818)

استأنف ابراهيم باشا الزحف، فاحتل بردية بعد قتال طفيف، وبقى بها شهرين تلقى في خلالها المدد من مصر، ثم سار في أواخر ديسمبر سنة 1817 قاصدا الشقراء، وهي من امنع بلاد نجد فوصلها يوم 13 يناير سنة 1818 وضرب عليها الحصار، واخذ يشدد في حصارها ويضربها بالمدافع حتى طلب اهلها التسليم، ورضى منهم الا ياخذ منهم اسرى وان يؤذن لهم بالذهاب حيث شاءوا على ألا يحملوا السلاح ثانيا لقتال الجيش المصري واذا نقضوا عهدهم استحل دماءهم.

ودخل ابراهيم باشا المدينة دخول الظافر يوم 22 يناير سنة 1818.

كان فتح الشقراء انتصارا كبيرا للجيش المصري لما لموقعها من الشان والخطر، ولما وصلت الى مصر انباء هذا الفتح قوبلت بابتهاج عظيم.

قال الجبرتي في هذا الصدد: " في أواخر ربيع ثاني سنة 1233 (فبراير سنة 1818) حضر مبشر من ناحية الديار الحجازية بخبر نصرة حصلت لابراهيم باشا وانه استولى على بلدة تسمى الشقراء، وان عبد الله بن سعود كان بها فخرج هاربا الى الدرعية ليلا، وان بين عسكر الاتراك والدرعية مسافة يومين، فلما وصل هذا المبشر ضربوا لقدومه المدافع من أبراج القلعة وذلك وقت الغروب من يوم الاربعاء سادس عشرينه".

فتح الدرعية

(سبتمبر سنة 1818)

انشا ابراهيم باشا في الشقراء مستشفى وترك بها فصيلة من الجنود، وسار قاصدا الدرعية عاصمة الوهابيين، وكانت تبعد عن المدينة المنورة التي اتخذها ابراهيم باشا قاعدة للحركات الحربية نحو 400 ميل، وهذا بذلك على عظم المراحل التي قطعها الجيش في الحرب والقتال.

فعرج في طريقه الى الدرعية على ضرمة اذ علم ان بها كثيرا من المؤونة والجياد، فامتنعت عليه، فضربها بالمدافع ودافع حاكمها واهلها عن مدينتهم دفاعا شديدا وقتلوا كثير من المهاجمين، واستمر القتال حتى طلب الحاكم التسليم على ان يخلي البلد، فاخلاها وترك الاهالي هدفا لبطش الجيش، وامر ابراهيم باشا بقتلهم عقابا لهم على ما كبدوا الجيش من الخسائر، فقتلوا جميعا.

بقى ابراهيم باشا شهرين في ضرمة حيث عاقته الامطار عن الزحف، ثم غادرها في 22 مارس سنة 1818 قاصدا الدرعية عاصمة الوهابيين، فخط تجاهها يوم 16 ابريل في جيش مؤلف من خمسة آلاف وخمسمائة من المشاة والفرسان مجهزين باثنى عشر مدفعا.

تتألف الدرعية من خمسة أحياء متجاورة يحيط بكل منها سور، فكانت المدينة محصنة تحصينا منيعا وفيها بعض المدافع يستعملها الوهابيون في القتال.

رتب ابراهيم باشا مواقع جنوده واعد العدة لمهاجمتها، وعاونه في رسم خط الحصار الضابط الفرنسي الذي يصحبه وهو المسيو فيسيير، وبدا ابراهيم يضرب المدينة بالمدافع، ولكنها امتنعت عليه ودافع عنها الوهابيون دفاع الابطال واشترك نساؤهم في القتال فكان دفاعا مجيدا.

استمر الحصار اكثر من شهرين والمدينة مستعصية على الجيش المصري، فبدا مركزه يتحرج، وزاد في حرجه ان الطبيعة اصابت الجيش بنكبة كادت تودي به لولا ثبات ابراهيم باشا وعزيمته الحديدية، فقد هبت عاصمة على معسكر الجيش يوم 21 يونيه سنة 1818 اطارت نارا كان احد الجنود يوقدها، فاندلعت النار على خيمة منصوبة على قرب من مستودع الذخيرة، فاحترقت الخيمة وامتدت نارها الى المستودع فانفجر لساعته ونسف الانفجار من القنابل والرصاص ما ذهب بنصف ذخيرة الجيش، فذعر الجنود لدوي الانفجار ولما اصاب الذخيرة من التدمير، وكادت تحل الهزيمة بالجيش ويختل نظامه لولا ان قابل ابراهيم باشا تلك الكارثة بالشجاعة والجلد، وما يؤثر عنه في هذا الموقف أنه قال لمن حوله: "لقد فقدنا كل شئ، ولم يبق لدينا الا شجاعتنا فلنتذرع بها ولنهاجم العدو بالسلاح الأبيض.

واخذ يشجع الضباط والجنود، وارسل يطلب الذخيرة من المواقع التي يحتلها الجيش المصري، كالشقراء، وبريدة، وعنيزة، ومكة والمدينة وينبع.

وعلم الوهابيون بما حل بذخيرة الجيش المصري، فقرروا الهجمة عليه لعلهم يأخذونه من ضعف، وهاجموهم فعلا في اليوم التالي، ولكن ابراهيم باشا احكم خطط القتال وامر جنوده بالاقتصاد في الذخيرة فرد الوهابيون على اعقابهم، واستمرت الحرب سجالا الى ان جاءته الذخيرة فسد بها النقص، وتلقى من ابيه رسالة بانه ممدة بثلاثة آلاف من المقاتلة بقيادة خليل باشا، فاعتزم ابراهيم باشا ان يضرب الضربة القاضية قبل ان يتلقى المدد لكي لا يشاركه خليل باشا في فخر الظفر الوهابية.


رواية الجبرتي

أشار الجبرتي الى تلك الحوادث بقوله:

"وفي منتصفه (رمضان سنة 1233 – يوليو سنة 1818) وصل نجاب واخبر بانه ابراهيم باشا ركب الى جهة من نواحي الدرعية لامر يبتغيه، وترك عرضيه (جيشه)، فاغتنم الوهابية غيابه وكبسوا على العرضي على حين غفلة وقتلوا من العساكر عدة وافرة، واحرقوا الجبخانة (الذخيرة) فعند ذلك قوى الاهتمام وارتحل جملة من العساكر في دفعات ثلاث برا وبحرا يتلو بعضهم بعضا في شعبان ورمضان، وبرز عرضي جيش خليل باشا الى خارج باب النصرة".

وقال في حوادث شوال من تلك السنة: "وفي ثامنة ارتحل خليل باشا مسافرا الى الحجاز من القلزم وعساكره الخيالة على طريق البر"، ومعنى هذا ان المشاة ذهبوا من السويس بحرا وسار الفرسان برا من طريق برزخ السويس الى الحجاز، فتأمل عظم المراحل التي كان يقطعها الجنود والمتاعب الهائلة التي كانوا يتكبدونها في تلك الحرب الشاقة.

قلنا ان ابراهيم باشا اعتزم ان يضرب الدرعية الضربة القاضية، فوجه قواته الى كل نواحي من احيائها، واحدا اثر آخر، فاستولى على الاول ثم على الثاني ثم على الثالث، وبذلك ضاق الخناق على الوهابيين، وكان الحصار قد دام خمسة اشهر، فراى عبد الله بن سعود ان ليس في مقدوره المقاومة بعد ان فدحته الخسائر ونالته الاوصاب من طول الحصار واهواله، فجنح الى الصلح والتسليم، وارسل يوم 9 سبتمبر سنة 1818 رسولا الى ابراهيم باشا يطلب وقف القتال حتى يتم الانفاق على الصلح.

فابتهج ابراهيم باشا لهذه الرسالة ابتهاجا عظيما، واذن بوقف القتال، ثم جاء عبد الله بن سعود بنفسه الى معسكر ابراهيم باشا، فتلقاه القائد العظيم بالحفاوة والاكرام، وتم الاتفاق بينهما على ان يسلم الدرعية الى البطل ابراهيم وان يتعهد بالابقاء عليها، والا يوقع بالوهابيين او ينالهم بضرر، وان يذهب عبد الله بن سعود الى مصر ثم الى الاستانة كما هي رغبة السلطان، فرضى عبد الله بن سعود بهذه الشروط، واستولى الجيش المصري على الدرعية بعد حصار دام نحو ستة أشهر، وبعد فتح الدرعية لم تلبث المدن الباقية من نجد ان سلمت وخضعت لقائد الجيش المظفر.

كان محمد علي في خلال تلك الوقائع قلقا على مصير الحملة التي يقودها ابنه في فيافي نجد ووهادها، وتاخرت عنه اخبارها، فاشتدت هواجسه ومرض بعينه وطلب من العلماء ان يقرءوا البخاري ويتوجهوا الى الله بدعواتهم مبتهلين ان ينصر جيشه، قال الجبرتي في حوادث رمضان سنة 1233 (يوليو سنة 1818): "وانقضى شهر الصوم والباشا متكدر الخاطر ومتقلق ومنتظر ورود خبر يسر بسماعه".

الى ان جاءته البشرى بانتصار ابراهيم باشا ودخوله الدرعية، فابتهج لهذه البشرى ايما ابتهاج، واطلقت المدافع من القلعة يوم 28 اكتوبر سنة 1818، اعلانا لهذا النصر المبين.


انتهاء الحرب الوهابية

انتهت الحرب الوهابية بانتصار الجيش المصري وبسط نفوذ مصر في بلاد العرب، وكانت هذه الحرب من اشق حروب مصر في عهد محمد علي واكثرها ضحايا واعظمها نفقات، وقد تخللتها هزائم ومواقف عصيبة كادت تقضي على الحملة المصرية ، فان الجيوش التي جردها محمد علي استهدفت للخطر في مواطن عدة وخاصة في هزيمة الصفراء الاولىن وحصار الرس عندما استعصت على ابراهيم باشا، وفي حصار الدرعية، وعندما التهمت النار ذخائر الحملة تحت اسوارها، ففي تلك المرات الاربع كادت الحملة المصرية تقع في الاسر لولا ان القيادة الوهابية كان يعودها الحزم والكفاية والنظام.

ومن الاسباب التي ادت الى اضمحلال قوة الوهابية ضعف عبد الله بن سعود والاموال التي بذلها طوسون وابراهيم ومحمد علي واشتروا بها ذمم البدو، فان القبائل التي انحازت الى جانب الجيش المصري قد عاونته معاونة كبيرة، ولولا ذلك لكانت مواصلاته عرضة للانقطاع ولما استطاع ان يقطع تلك المراحل الشاقة في بلاد مقفرة، اضف الى ذلك ان عزيمة محمد علي وابراهيم، وما احتمله الجيش المصري من الصبر على المشاق والاهوال، كل ذلك كان له الفضل الاكبر في ما ادركه من الفوز، وبفضل تلك التضحيات الجيسيمة امكن مصر ان تبسط نفوذها في مفاوز جزيرة العرب تلك التي يصعب على اي دولة ان تخضعها، وقد ظل هذا النفوذ مبسوطا على انحائها الى ان تقلص ظله في اواخر عهد محمد علي كما سيجئ بيانه.


الحفلات الحربية في عهد ممد علي

كان للانباء التي جاءت بفتح الدرعية وانتهاء الحرب الوهابية اثر ابتهاج عظيم في مصر، وقوبلت باحتفلات بالغة وصفها الجبرتي بقوله:

"في سابع ذي الحجة سنة 1233 (أكتوبر سنة 1818) وردت بشائر من شرق الحجاز بمراسلة من عثمان أغا الورداني امير الينبع بان ابراهيم باشا استولى على الدرعية والوهابية، فانسر الباشا لهذا الخبر سرورا عظيما، وانجلى عنه الضجر والقلق، وانعم على المبشر، وعند ذلك ضربوا مدافع كثيرة من القلعة والجيزة وبولاق والازبيكة، وانتشر المبشرون على بيوت الاعيان لأخذ البقاشيش، وفي ثاني عشر وصل المرسوم بمكاتبات من السويس وينبع ، وذلك قبيل العصر، فأكثروا من ضرب المدافع، وصادف ذلك شنك ايام العيد، وعند ذلك امر بعمل مهرجان وزينة داخل المدينة وخارجها وبولاق ومصر القديمة والجيزة، وشنك على بحر النيل تجاه الترسانة ببولاق".

وتجددت الحفلات في شهر محمر سنة 1234 (نوفمبر سنة 1818) لمناسبة ورود تفاصيل الانتصارات التي نالها ابراهيم باشا، واسهب الجبرتي في وصف تلك الحفلات مما يدلك على فخامتها وبهائها.

فقد نودي بزينة المدينة سبعة أيام، ونصبت السرادقات خارج باب النصر، ومن بينها سرادق محمد علي باشا وباقي الأمراء لمشاهدة الحفلات، وهي مناورات حربية تتخللها حركات فروسية قام بها الخيال والمشاة، واقترنت باطلاق المدافع بكثرةهائلة بحيث يتخيل الانسان اصواتها مع اصوات بنادق الخيالة المترامحين رعودا هائلة". وفي الليل كانت توقد المصابيح والمشاعل، وتطلق الصواريخ والحراقات ، وتضرب المدافع.

وبعد انقضاء السبعة الأيام اعدت حفلات أخرى في جهة بولاق تختلف في نظامها واوضاعها عن حفلات باب النصر، فهذه كانت برية ، أما حفلات بولاق فكان ميدانها النيل وشاطئيه، ولعلها لذلك كانت ابدع واروع، فقد استؤجرت الاماكن المطلة على البحر باجور مرتفعة لتزاحم الناس على مشاهدتها واستجلاء مناظرها، وكان قوام الحفلات مناورات بحرية تقوم بها السفن والمراكب تمثل فيها المعارك البحرية، ولبست بولاق حلة من الرونق والبهاء، واقبل الناس من كل صوب لمشاهدة معالم الزينة "وزين أهالي بولاق اسواقهم وحوانيتهم وأبواب دورهم، ودقت الطبول والمزامير والنقرازانات في السفائن وغيرها، وطبلخانة موسيقى الباشا تضرب في كل وقت، والمدافع الكثيرة تضرب في ضحوة كل يوم وعصره وبعد العشاء، وتوقد المشاعل وتعمل أصناف كل الحراقات والصواريخ والنفوط، وتتقابل القلاع المصنوعة على وجه الماء، ويرمون منها المدافع على هيئة المتحاربين".

ولعلك تلحظ من التامل في وصف الجبرتي لهذه الحفلات انها فاقت في جلالها وفخامتها كل ما تقدمها من الحفلات في مختلف المناسبات، ولم نجد فيما وصفه بعد ذلك من الحفلات لغاية انتهاء كتابة (سنة 1821) ما يدانيها في الروعة والبهاء، وهذا يدلك على عظم تقدير الشعب للانتصارت الحربية وما تستثيره في النفوس من روح الفخر والعزة، ولا جرم ان الحفلات الحربية هي مظهر من مظاهر تقدم الشعوب وتقديرها لمفاخرها القومية وتكريم الفضائل والاخلاق الحربية، فالحفلات التي وصفها الجبرتي تنطوي على هذه المعاني السامية، وليس عجبا ان تحتفل مصر بفتح الدرعية فان فتحها هو اعظم انتصار نالته في اول حرب خارجية خاضت غمارها في تاريخها الحديث، فالدرعية هي عاصمة الوهابيين، وبفتحها توجت حرب شاقة دامت سبع سنوات وكللت بالنصر والظفر.


مقتل عبد الله بن سعود

جاء عبد الله بن سعود الى مصر اسيرا فنزل القاهرة يوم 16 نوفمبر سنة 1818 وتلقاه محمد علي في قصره بشبرا فأكرم مثواه، ثم امر برحيله الى الاستانة، فوصلها وهناك قتل بامر السلطان.


تخريب الدرعية

لم يف محمد علي بعهود ابنه ابراهيم في شروط الصلح، فارسل اليه قبل مغادرته الحجاز يامره بهدوم حصون الدرعية واسوارها وتخريب منازلها وان يرسل الى القاهرة اخوة عبد الله بن سعود، فنزل ابراهيم على امر ابيه، وارسل اخوة ابن سعود وخرب الدرعية واحرقها.


عودة ابراهيم باشا الى مصر

بقى ابراهيم باشا بعد سقوط الدرعية يوطد نفوذه في تلك الاصقاع، وظل كذلك الى ان اعتزم العودة الى مصر، فرجع من طريق القصير فقنا، وانحدر في النيل حتى بلغ الجيزة يوم 9 ديسمبر سنة 1819، وقابل والده في قصره بشبرا، فضمه الى صدره مفتخرا بابنه العظيم، ثم دخل ابراهيم القاهرة من باب النصر في اليوم التالي دخول الظافر، وشق المدينة من باب النصر الى القلعة في موكب مهيب، واحتشدت الجماهير لمشاهدته وتحيته، وجاء محمد علي الى مسجد الغوري وشاهد موكب ابنه اثناء مسيره، ولما بلغ ابراهيم باشا القلعة استنأنف سيره في موكبه الى مصر القديمة وقصد من هناك الى قصره بجزيرة الروضة، وزينت المدينة ابتهاجا برجوع القائد الكبير، وظلت في افراح وزينات سبعة ايام متوليات او كما يقول الجبرتي: "استمرت الزينة والوقود والسهر بالليل، وعمل الحراقات، وضرب المدافع في كل وقت من القلعة، والمغاني والملاعب في مجامع الناس سبعة أيام بلياليها، في مصر الجديدة والقديمة وبولاق وجميع الأخطاط".


فتح سيوه

(فبراير سنة 1820)

كان محمد علي لا يفتأ يعمل لتوسيع تخوم الديار المصري والوصول الى حدودها الطبيعية، فمن ذلك انه جهز تجريدة من 1300 جندي بقيادة حسن بك الشماشرجي لفتح واحة سيوه، فسار اليها حسن بك يقود هذه الحملة ونشب قتال بينه وبين اهلها دام ثلاث سنوات وانتهى بهزمية الاهلين وخضوعهم وطلبهم الامان واعترافهم بالطاعة والولاء للحكومة المصرية (فبراير سنة 1820) ، وانضمت هذه المنطة من ذلك الحين الى حظيرة الوطن، وقد أبدى حسن بك الشماشرجي في تلك الحملة حزما ودراية.

ومما هو جدير بالملاحظة ان فتح سيوه وقع في اوائل سنة 1820 أي قبيل الحملة التي جردها محمد علي لفتح السودان، واغلب الظن انه اراد ان يأمن على حدود مصر الغربية قبل الزحف جنوبا.

وقد انتظمت شئون سيوه في عهد الحكم المصري، وقصدها رواد الاكتشاف وجابوا انحاءها لتعرف احوالها واكتشاف آثارها، وعاونهم حسن بك الشماشرجي في مهمتهم، ومن هؤلاء المسيو لينان دي بلفون، كبير مهندسي محمد علي، والمسيو دروفتي قنصل فرنسا العام في مصر، والمسيو ريتشي من اطباء ايطاليا وغيرهم، فكان الفتح المصري ممهدا السبيل للفتح العلمي والحضاري.












الفصل السادس: فتح السودان

(سنة 1820 – 1822)

السودان جزء لا يتجزأ من مصر، والحدود الجغرافية والقومية لمصر تشمل وادي النيل من منبعه الى مصبه، فمصر والسودان جزءان لا ينفصلان من وحدة سياسية واقتصادية لا تقبل التجزئة، تربطهما روابط الوطن والتاريخ واللغة والدين، وصلات الدم والنسب والمرافق المشتركة.

والسودان معدود منذ القرون الغابرة جزءا من مصر، ولقد أصبت ماسبرو وغيره من المؤرخين ما بين مصر والسودان من الروابط التاريخية القديمة، وثبت من النقوش الهيرغليفية ان الملك تحو تمس الأول توغل حتى الى منطقة البحيرات واحتل بعض النقط الحربية التي كانت على النهر، واذا كان السودان قد فصل عن مصر في بعض الازمنة قديما او حديثا فلم يكن ذلك الا خروجا على القاعدة الازلية وهي انه جزء لا يتجزأ من مصر.

ان ارتباط مصر والسودان ضرورة حيوية لهما، وخاصة لمصر، فانها تستمد حياتها من النيل، فهي هبة النيل كما قال هيردوت، او كما يقول المعاصرون: مصر هي النيل والنيل هو مصر، فلا تطمئن على حياتها اذا تملكت منابع النيل دولة اخرى، ولا يتحقق استقلال مصر التام الا اذا شمل وادي النيل من منبعه الى مصبه، وصارت هي والسودان وحدة سياسية تتألف منها الدولة المصرية المستقلة، ولا تمييز في ذلك لمصر على السودان في هذه الوحدة، فكلاهما جزء لا يتجزأ من هذا الوادي، وكلاهما يكمل الآخر ولا غنى له عنه، فمصر لا تستطيع ان تقف على قدميها منفصلة عن السودان والسودان ايضا لا يستطيع ان يقف على قدميه منفصلا عن مصر، واذا انفصلا يفقد كل منهما كيانه ويصبح كلاهما اقليما تنقصه مشخصات الدولة ومقوماتها.

هذه المبادئ وتلك الحقائق التي برهنت على صحتها عظات التاريخ على تعاقب العصور، ونطقت بها الحوادث السياسية في مدى مائة العام الأخيرة، قد عمل محمد علي باشا على تحقيقها، فلم يكد يوطد مركزه وينال الانتصارات العظيمة، التي فاز بها الجيش المصري في حرب الوهابيين حتى صحت عزيمته على فتح السودان ونشر علم مصر الخفاق في اصقاعه وربوعه.

ان فتح السودان هو ثالث الحروب التي خاضت مصر غمارها في عهد محمد علي لتأليف وحدتها السياسية، ولو لم تلح عليه تركيا في المبادرة الى تجريد الجيوش على شبه جزيرة العرب لكان فتح السودان اول حروبه بعد ان رد الغزوة الانجليزية، لأن محمد علي لم يكن ليغفل عن اهمية السودان الحيوية لمصر، لكن الضرورات السياسية هي التي شغلته ردحا من الزمن من فتحه وجعلته يبدأ بحرب الوهابيين.


أسباب فتح السودان

يذكر المؤرخون بواعث وأسبابا عدة لفتح السودان، فمنها رغبة محمد علي في اكتشاف مناجم الذهب والماس التي تناقل الناس انها موجودة في أصقاع السودان، وخاصة في سنار، ثم امكان تجنيد السودانيين في الجيش المصري النظامي لما اشتهر به الجنود السودانيون من الصبر والشجاعة والطاعة للرؤساء، ثم رغبته في التخلص من الفرق الباقية من عسكر الأرناءود الى مصر وظلوا على ما جبلوا عليه من النزوع الى العصيان والتمرد والاخلال بالنظام، فرأى محمد علي تخلصا منهم ان يجردهم على السودان، وخاصة لأنه شرع وقتئذ في تأسيس الجيش المصري النظامي كما سيجئ بيانه، ومن اغراضه ايضا القضاء على البقية الباقية من المماليك الذين كانوا لاجئين الى اقليم دنقلة، وهم على ما بلغوا اليه من الضعف كانوا مصدر قلق لمحمد علي، فاعتزم القضاء عليهم لكي لا يستردوا قوتهم يوما ما ويزحفوا على مصر، وكان يرمي كذلك الى توسيع ملك مصر من الجنوب، واكتشاف منابع النيل، وايجاد الروابط الاقتصادية بين مصر والسودان، وتوسيع نطاق المعاملات التجارية بينهما، اذ لم يكن يقصد السودان من المشتغلين بالتجارة سوى فئة قليلة من التجار المخاطرين بأنفسهم من سكان الوجه القبلي، وكانت اسفارهم في الغالب عرضة للخطر، وتحولت معظم متاجر السودان الى طريق سواكن ومصوع من ثغور البحر الاحمر وكاد ينقطع ورودها الى مصر، فراى محمد علي ان يبسط نفوذ مصر في السودان لتكون طريقا لمتاجرها، وادرك ان في توسيع نطاق التجارة بين مصر والسودان فائدة لعمران البلدين وتنمية لما تجبيه الحكومة من المكوس على المتاجر فيزداد دخلها، ويعوضها بعض ما فقدته من الاموال والنفقات في الحرب الوهابية.

هذه هي الاسباب والبواعث التي يذكرها جمهور المؤرخين لفتح السودان، وكلها كما ترى اسباب صحيحة ووجيهة، ولكن يلوح لنا ان ضمان سلامة مصر وتاليف وحدتها السياسية والاطمئنان على منابع النيل كانت من اهم البواعث التي حفزت محمد علي الى فتح السودان، فان ما اشتهر به ذلك الرجل العبقري من بعد النظر وصدق العزيمة لابد قد جعله يقدر اهمية السودان لمصر، ويدرك ان الاستقلال لا يتحقق الا اذا تملكت مصر مجرى النيل من منبعه الى مصبه.

قال في هذا الصدد سدني بيل احد نبلاء الانجليز في كتابه: كانت العوامل التي حملت محمد علي ان يفتح السودان كثيرة، ولكنه من المعتقدين في فوائد الري ومنافعه، فيرجح كثيرا ان الاطمئنان على سلامة النيل الاعلى احد اغراضه.

ويقول ابراهيم باشا فوزي في كتابه:

"قضى ساكن الجنان محمد علي باشا محيي الديار المصرية لبانتين من فتح السودان، بل تخلص من ورطتين كبيرتين، فقد علمت من شيخ ذي منصب معاصر لمحمد علي باشا ان دولة اوروبية كبيرة كانت تسعى لمعارضته باحتلال منابع النيل، فاهتم لهذا الخبر اكبر اهتمام واستشار كثيرا من المهندسين الاوروبيين الذين جاء بهم من بلادهم الى القطر، فأقروا بالاجماع أن وقوع منابع النيل تحت براثن هذه الدولة مما لا تحمد مغبته حيث تصير حياة مصر في يدها فصمم على انفاذ الحملة إلى السودان".

وغير خاف ان تلك الدولة التي يشير عليها فوزي باشا في كتابه هي انجلترا، فهي التي كانت تناوئ محمد علي وتدأب للسعي في احتلال مصر وبسط نفوذها عليها، وقد شرعت فعلا في احتلالها سنة 1807 وجردت عليها حملة الجنرال فريزر كما تقدم بيانه في الفصل الثاني وهزمت هذه الحملة في رشيد والحماد، مما اضطرها الى الجلاء عن البلاد، فارادت بعد ذلك ان تسيطر على مصر من الجنوب بعد ان اخفقت من الشمال.

ففتح السودان هو اذن حرب قومية بحتة، والغرض منها من أسمى اغراض الحروب وانبلها قصدا، اذ كانت الغاية منها تأليف وحدة وادي النيل، ولا يخفى ان مساحة السودان تزيد عن ضعف مساحة مصر اذ انه يبلغ مسطح القطر المصري مرتين ونصفا، ومساحته تضاهي ربع مساحة القارة الأوروبية، فبفتح السودان اتسعت رقعة الدولة المصرية فبلغت ثلاثة أميال ما كانت عليه، ووصلت الى معظم حدودها الطبيعية، فلا غرو ان نعد فتح السودان خير حروب مصر في عهد محمد علي.

وليس في فتح السودان اي غضاضة على أهله، فان الحروب كثيرا ما كانت دعامة للوحدة القومية، فقديما حارب انجلترا اسكتلندا (الجزء الشمالي للجزيرة البريطانية) حروبا متواصلة، وما زالت بها حتى اخضعتها وصارت جزءا من المملكة البريطانية بعد ان كانت منفصلة عنها، ولم يقل احد ان انجلترا كانت باغية على اسكتلندا، ولا كانت هذه الحروب سببا لدعاية انفصالية بين الاسكلتنديين بعد انضمامهم الى حظيرة الوطن البريطاني، بل صاروا مواطنين بريطانيين مخلصين على تعاقب السنين لا يفكر واحد مهم في الانفصال عن وطنهم.

وهل أتاك حديث الحرب الاهلية التي نشبت في الولايات المتحدة الأمريكية بين الولايات الشمالية والولايات الجنوبية في القرن التاسع عشر؟ ان سبب هذه الحرب ان ولايات الاتحاد الأمريكي، فحاربتها هذه حربا استمرت اربع سنوات من سنة 1861 الى سنة 1865، ولم تنته الا بعد ان قهرت حكومة الاتحاد جيوش الولايات الجنوبية في معارك هائلة استقرت وحدة الولايات المتحدة وصارت امة واحدة ودولة واحدة، ولم يقل احد من سكان الجنوب ان تجريد الولايات الشمالية جيوشها على الولايات الجنوبية قد اذلها واستثار فيها نزعة الانفصال ، بل بالعكس كانت هذه الحروب تأييدا وتدعيما للوحدة الامريكية، على ما بين الولايات الشمالية والجنوبية من الفوارق في الطبيعة والمناخ والاخلاق والعادات، والآن لا يفكر احد من سكان الجنوب في تسويغ نزعة الانفصال الت يجاشت بها وقتا ما نفوس أسلافهم، ولا يلوم احد منهم حكومة الاتحاد على حرب كان الغرض منها تأييد الوحدة القومية التي هي اساس عظمة الولايات المتحدة.

فيما يثيره بعض دعاة الانفصال من اتخاذ فتح السودان الاول ثم الثاني ذريعة لبث دعايتهم تدحضه الشواهد التاريخية والنواميس الطبيعية، وهم بهذه الدعاية انما يعملون بقصد او بغير قصد على فصم عرى الوحدة بين مصر والسودان، والتمكين للمطامع الاستعمارية من تحقيق اغراضها في وادي النيل، والحقيقة التي تخلص لك من تتبع الحوادث قديمها وحديثها ان لا امن ولا استقلال لسكان الشمال والجنوب من ابناء وادي النيل الا في ظل وحدة هذا الوادي العظيم.

اعتزم محمد علي اذن تجريد الحملة على السودان عقب انتهائه من حرب الوهابيين، وهذا يذلك على قوة ارادته ومضاء عزيمته ودأبه على توسيع ملك مصر، فانه لم يكد ينتهي من تلك الحرب الشاقة وبسط نفوذ مصر على جزيرة العرب حتى بادر الى خوض غمار حرب أخرى اعظم غاية، واكثر منفعة، واعود بالخير والرفاهية على مصر والسودان وعلى الحضارة والانسانية، كانت حرب الوسدان على كثرة ضحاياها اقل مشقة واقصر مدة من حرب الوهابيين، فقد كان الجيش المصري يواجه في جزيرة العرب قوما مدربين على القتال، اشتهروا بشدة الباس وعاشوا للكر والفر، وهم فوق ذلك معتزون بانتصاراتهم على الحملات العثمانية من قبل، أما الجيش الذي تحرك لفتح السودان فلم يلق امامه سوى قوات مشتتة عزلاء لا سلاح معها الا الرماح وما اليها من الأسلحة البائدة، وهي تجهل اساليب القتال وفنونه، ولم يلق الجيش المصري مقاومة تذكر الا في بلاد الشابقية، وهم قبائل يسكنون جنوبي دنقلة، وفي كردفان التي كانت تابعة لسلطنة دارفور، وفي مملكة سنار، والعقبة الكؤود التي اعترضت الجيش المصري في فتح السودان هي الحميات والامراض الوبيئة التي حصدت طوائف الجود، فكانت اشد خطرا على الجيش من القتال وخوض المعارك.


مقدمات الحملة

لجأ بقية المماليك بعد مذبحة القلعة الى جنوبي النوبة فيما يلي شلال أسوان، واتخذوا مديرية دنقلة معقلا لهم، فاوفد محمد علي اليهم بعض حاشيته تدعوهم الى العودة الى مصر والاقامة فيها على شروط اهمها الا يستوطنوا المدن المصرية الا باذن منه وان يحضروا العاصمة يخفرهم بعض ضباطه حتى لا ينهبوا شيئا من القرى والبلاد التي يمرون بها في طريقهم الى القاهرة، وان يتنازلوا عن امتيازاتهم القديمة ولا يطالبون بما اخذ منهم بعد مذبحة القلعة.

كان محمد علي يدرك ان المماليك لا يقبلون بهذه الشروط المهينة المذلة، وبذلك يجد المسوغ لتجريد الحملة للقضاء عليهم، وقد رفضوا فعلا قبولها، واخذوا يتوعدون بالدخول في حدود مصر، فلما جاء جوابهم محمد علي أمر من فوره بحشد جيش في مصر القديمة لفتح النوبة ودنقلة وعقد لواءه لثالث انجاله اسماعيل باشا.

وقبل ان يامر بالزحف ذهب بنفسه الى حدود مصر العليا في سبتمبر سنة 1819 يصحبه حسن باشا قائد الجنود الارناءود ومحمد لاظ اوغلي (كتخدا بك) ووصل الى ما وراء شلال أسوان ليرتاد تلك الجهات ويرتب مواقع جنوده ويرسم خطط الزحف، ثم عاد الى الجيزة في 15 نوفمبر سنة 1819 واخذ يتم معدات الحملة التي اعدها لفتح السودان.


معدات الحملة

تتالف الحملة عند بدء الزحف من 4000 مقاتل كما احصاهم المسيو فردريك كايو العالم الفرنسي الذي صحب الحملة، وقد تلقى هذا الاحصاء من عابدين بك رئيس اركان حرب اسماعيل باشا، من هؤلاء 1200 من الفرسان العثمانيين، و400 من فرسان العرب والمغاربة، و600 من المشاة، و300 من رجال المدفعية، و800 من المشاة العرب والمغاربة، و700 من عرب العبابدة، فيكون مجموعهم 4000 .

ثم تلقى اسماعيل باشا خلال الزحف ممدات من 1400 مقاتل فبلغ الجيش 5400 مجهزين بأربعة وعشرين مدفعا.

وافند محمد علي جيشا اخر بقيادة صهره محمد بك الدفتردار لفتح كردفان بلغ عدده 4000 جندي مجهزين بعشرة مدافع، فيكون مجموع الجيشين اللذين توليا فتح السودان نحو عشرة آلاف مقاتل.

وصحب الحملة ثلاثة من العلماء مهمتهم دعوة الاهلين في البلاد التي يبلغها الجيش الى الدخول في الطاعة والاعتراف بسلطة الحكومة حقنا للدماء، وهؤلاء العلماء هم الشيخ محمد الاسيوطي الحنفي، والسيد احمد البقلي الشافعي، والشيخ السلاوي المغربي.

وصحب الحملة أيضا بعد فتح دنقلة، المسيو فردريك كايو المتقدم ذكره بقصد الاكتشاف والبحث عن مناجم الذهب، وله في رحلته بالسودان كتاب ضخم يعد من اهم مراجع فتح السودان.

احتشد الجيش في مصر القديمة حيث اعد محمد علي باشا ثلاثة آلاف مركب لنقل الجنود والمهمات والذخائر والمؤن بطريق النيل، وامر باعداد نحو ثلاثة آلاف من الابل في اسنا للسير منها برا، وسار في خدمة الحملة الفان من الاتباع.

وقائع الحملة

ركب الجنود المشاة المراكب فاتحدوا في النيل، وسار الفرسان ورجال المدفعية بالبر الغربي، وتقدمت الجيش طليعة مؤلفة من خمسمائة من الفرسان، وتحركت الحملة قاصدة حدود دنقلة.

وتحرك اسماعيل باشا وحاشيته في 20 يوليه سنة 1820 بعد سفر الحملة بيومين فبلغوا اسوان، والتقوا فيها ببقية الجنود الذين سبقوهم اليها، فأقاموا بها ريثما تجتاز المراكب الشلال الأول. ثم تقدموا جنوبا، ففر المماليك الذين كانوا بالدر. ودانت البلاد لاسماعيل باشا.

فتح دنقلة

سارت الحملة من اسوان الى وادي حلفا على ظهور المراكب، اما الفرسان فقطعوا المسافة برا في اثنى عشر يوما، واقامت الحملة في وادي حلفا نحو عشرين يوما حتى اجتازت المراكب الشلال الثاني ثم زحفت على مديري دنقلة فسرت من وادي حلفا الى سكوت، ومن سكوت الى دنقلة، ولم تلق مقاومة تذكر من المماليك، فقد استسلم بعضهم، ورحل البعض الى شندي يريدون الالتجاء الى ملكها، ولكنه لم يقبل ايواءهم، فتشتتوا بين القبائل السودانية وسلبهم السوادنيون اسلحتهم حتى انقطع دابرهم وقضى على البقية الباقية من المماليك.

وسلمت البلاد التي مر بها الجيش كسكوت والمحس وارقو، فقدم اهلها وحكامها الطاعة، وكانوا يظنون ان الجيش المصري راجع الى مصر بعدتشتيت شمل المماليك اذ كان ظنهم انه جاء لمحاربتهم، فلم يعدوا لمقاومته فانتهز هذه الفرصة واحتل بلاد دنقلة كلها.


معركة كورتي

(4 نوفمبر سنة 1820)

ولما دخل الجيش البلاد (الشايقية) جنوبي دنقلة تجمعوا لقتال اسماعيل باشا بالقرب من كورتي الواقعة بالشاطئ الغربي للنيل، ولم يكن معه من الجنود سوى 800 فارس، اما بقية الحملة فقد ابطا قدومها لتاخر المراكب في اجتياز الشلالات، فانقض الشايقية على رهط من رجاله وقتلوا منهم 75 مقاتلا، فاشتبك اسماعيل والشايقية في معركة دامت ثلاث ساعات (4 نوفمبر سنة 1820) انتهت بهزيمة الشايقية حيث فتكت بهم نيران البنادق، فقتل منهم نحو 800 وقتل من جنود اسماعيل باشا نحو الثلاثين، وقد ابدى الشايقية بسالة كبرى في قتالهم، فاعجب بهم اسماعيل باشا، وعرض عليهم بعد انتهاء القتال ان ينتظموا في سلك الجيش المصري، فاستجابوا الى طلبه، وبذلوا ولاءهم للحكم المصري وظلوا محافظين على عهدهم على مدى السنين.

ثم تقدم اسماعيل بعد المعركة وبلغ كورتي عاصمة الشايقية من اعمال مديرية دنقلة فأحرقها ، وانتظر بها ريثما تكامل جيشه ثم استأنف الزحف في 21 فبراير سنة 1821 مجتازا صحراء بيوضه يصحبه الفرسان حتى بلغ النيل تجاه بربر وكانت الرحلة اليها شاقة منهكة للقوى احتمل فيها الجند متاعب مضنية، أما المشاة فقد ساروا حذاء النيل.


من بربر الى ام درمان

فتح الجيش المصري بربر في 10 مارس سنة 1820، وقدم ملكها نصر الدين خضوعه، فاقره اسماعيل على بلده، ثم شندي يوم 8 بعد ان قدم ملكها الملك نمر ولاءه، وتابع الجيش زحفه جنوبا الى ان بلغ حلفاية الواقعة على مقربة من ملتقى النيل الازرق بالنيل الابيض فاحتلها، ثم احتل ام درمان الواقعة على النيل الابيض، واجتاز الجنود النيل فبلغوا مكان مدينة الخرطوم التي كانت قبل الفتح محلة صغيرة لا تحتوي اكثر من عشرة بيوت من الغاب، ثم انشئت بها مدينة الخرطوم التي صارت عاصمة السودان ومبعث الحضارة والعمران في انحائه.

وبعد ان وطد اسماعيل مركزه في الخرطوم ترك بها حامية عسكرية وسار بباقي جيشه لاتمام فتح مملكة سنار.


فتح سنار

ففتح مملكة سنار واحتل ودمدني من اهم مدنها، وقدم ملكها الملك نادي ولاءه، ثم دخل اسماعيل سنار عاصمة المملكة في 12 يونيه سنة 1821 ودانت البلاد للحكم المصري من جنوبي وادي حلفا الى سنار.


فتح كردفان

قلنا ان محمد علي عهد الى صهره محمد بك الدفتردار فتح كردفان، وكانت تلك البلاد تابعة لسلطان دارفور، فبينما كان اسماعيل باشا يزحف على سنار سار جيش الدفتردار الى وجهته بطريق دنقلة وابى قس، وكانت الرحلة الى كردفان شاقة مهلكة للجنود لانهم ساروا سبعة ايام متوالية يقطعون الفيافي في صحراء لا ماء فيها ولا زرع.

والتقى الدفتردار بجيش نائب السلطان محمد الفضل سلطان دارفور فاشتبك الفريقان في واقعة دموية ببلدة باره شمالي الابيض (ابريل سنة 1821) انتهت بانتصار جيش الدفتردار واحتلال الابيض عاصمة كردفان.

كانت معركة باره اشد معركة خاضها الجيش المصري في الفتح الاول، وقد ابدى فيها جيش كردفان شجاعة كبيرة، ولكن مدافع الجيش المصري غلبتهم على امرهم وحاول سلطان دارفور بعد المعركة ان يسترد كردفان واغار عليها لكنه عاد خائبا.


فتك الامراض بالجنود

اعترض الجيش المصري في فتح السودان خصم لدود اشد وطأة من الحرب واهوالها، وهو فتك الامراض وانتشارها، وخاصة امراض المناطق الحارة، ولم يكن يصحب الحملة الا قليل من الاطباء خالين من الكفاءة ففتكت الامراض بالجنود واجتاحت عددا عظيما منهم.

قال المسيو كايو الذي صحب الحملة في سنار ان الجيش الذي سار به اسماعيل باشا لفتح البلاد الواقعة على النيل الازرق مات منه لغاية سبتمبر سنة 1821 ستمائة مقاتل، ثم زاد عددهم الى 1500 في اكتوبر، وبلغ عدد مرضاه 2000 مريض، وكان عدد المرضى يزداد كل يوم، ولما ساءت حالة الجيش من هذه الناحية ارسل اسماعيل الى ابيه يشكو اليه سوء الحال، قال وكانت حالة الجنود من جهة المأكل والملبس وقلة العناية بهم تدعو الى الاشفاق ، فقد كانوا ياكلون نوعا رديئا من الذرة يضر بصحتهم، ثم ان ملابسهم بليت فلم يجدوا ما يقيهم جو تلك الاصقاع ورطوبتها وكثرة امطارها، وكانوا اذا ناموا يفترشون الارض فتصيبهم رطوبتها، ولم يكن بالجيش اطباء ولا ادوية، فكثر عدد المرضى وفشت العدوى واشتدت وطأة الامراض بالجنود في سنار حتى لم يبق لدى اسماعيل بااش من العسكر الصالحين للخدمة سوى خمسمائة. وتبرم الجند بهذه الحالة وظهرت بين الاهلين بوادر الانتقاض وراجت الاشاعات السيئة عن حالة الجيش في سنار وكردفان، فاخذ اسماعيل باشا بمنى الجنود بان مراكب المؤونة والعتاد قادمة عن قريب من جهة شندي.


مجئ ابراهيم باشا ثم عودته

بقى اسماعيل باشا متوقفا عن الزحف قلقا على مصير جيشه الى ان جاءه ابراهيم باشا بطل الحجاز يصحبه بعض الاطباء لمكافحة الامراض ومعه المؤونة والملابس للجنود، فانتعش الجيش لقدومه، ودبت فيه روح الامل والشجاعة، ولا غرو فان قدوم بطل الحجاز وقاهر الوهابيين جدير بان يرد الى الجنود قوتهم المعنوية، وقد وزع المؤونة والملابس على الجنود ودفع لهم رواتبهم المتأخرة وجاء على اثره مدد من الجند.

واخذ ابراهيم باشا يدبر مع اخيه اسماعيل خطة فتح ما بقى من السودان، فاتفقا على اقتسام الزحف كل منهما في ناحية وتوزيع الجيش الى فرقتين، فرقة بقيادة اسماعيل باشا لفتح البلاد الواقعة على النيل الازرق لغاية اقليم فازوغلي والاخرى بقيادة ابراهيم باشا ليخترق جزيرة سنار الى بلاد الدنكا على النيل الابيض ويمد فتوحات مصر الى اعالي النيل.


فتح فازوغلي

وبعد ان تمت معدات الزحف تركا حامية من الجنود في سنار واتخذ كل من الاميرين سبيله في الجهة التي اعتزم فتحها، ولكن ابراهيم باشا مرض بالدوزنتاريا اثناء الفتح، ولم يتجاوز في حملته جبل القربين في وسط الجزيرة، ثم عاد الى سنار ، ومنها الى مصر.

ووصل اسماعيل باشا في زحفه الى بلاد فازوغلي فدانت له يناير سنة 1822 وقدم له ملكها الملك حسن ولاءه وخضوعه.

وقد تكبد الجيش متاعب هائلة في تلك الحملات البعيد’ن ونالت منه الجهود والاوصاب ، وبعث اسماعيل الى ان ابيه يطلب يطلب الاذن له بالعودة الى مصر، ولكنه ارسل يلومه على هذا الطلب وكلفه البقاء في السودان الى ان يتم مهمته، وقد اذعن وبقى زمنا يوكد دعائم السيادة المصرية في تلك الاصفاع، ثم اشفق محمد علي على صحة ابنه فارسل ياذن له بالرجوع الى مصر ولكن هذا الاذن لم ينجه من الردى.


البحث عن مناجم الذهب

وبعد ان فتح اسماعيل باشا بلاد فازوغلي سار الى جبل بني شنقول جنوبي فازوغلي للبحث عن مناجم الذهب يصحبه المسيو كايو، فحفر اماكن عدة، لكنه لم يعثر على ضالته وفي غيبته طارت اشاعات السوء عن جيشه، وارجف المرجفون ان قد احيط به وبرجاله فبدت بوادر التمرد في بعض البلاد، وقتل بعض الضباط في القرى، فاضطر اسماعيل ان يعود الى سنار ليوطد سلطته بها (فبراير سنة 1822).

وفشت الحميات بين الجنود في سنار لكثرة هطول الامطار، فانتقل بجنده الى ودمدني لاعتدال مناخها، وبنى بها قشلاقا كبيرا من الطوب بقيت آثاره الى عصرنا الحاضر.


مقتل اسماعيل باشا

مكث اسماعيل زمنا في سنار يدبر امر الحكومة التي أسسها، ثم ارسل افواجا من الاسرى السودانيين يصحبهم رهط من الجنود الى اسوان لتجنيدهم في الجيش المصري النظامي الذي كان محمد علي جادا في تأسيسه، واستعد هو ايضا للعودة الى مصر مصعدا في النيل.

وعلم في غضون ذلك ان اهالي حلفاية وشندي وما حولهما ثاروا في وجه السلطة المصرية، وكانت مساوئ الجنود وخاصة الارناءود من اسباب هياج الاهلين وثورتهم، فاحتشد الثوار حول حلفاية وشندي وهجموا على قوافل الارقاء السودانيين وانتزعوهم من ايدي الجنود الموكلين بهم، ورجعوا الى شندي فرحين بهذا النصر المبين.

علم اسماعيل باشا بهذا النبأ، فقام من فوره قاصدا شندي ومعه بقية الجيش، وكان الملك نمر ملك شندي هو المدبر لهذه الثورة، فجاء اسماعيل المدينة فجأة في أواخر أكتوبر سنة 1822، وامر باحضار ملك شندي أمامه، فلما مثل بين يديه اخذ يقرعه ويسرف في تأنيبه، ثم تمادي فلطمه على وجهه بالشبك، فلم يجب الملك على هذه الاهانة البالغة، ولكنه اسرها في نفسه وعزم على ان يغسلها بانتقام ذريع.

اما اسماعيل باشا فقد عفا عنه مقابل غرامة مالية جسيمة يوفيها في خمسة أيام والف من الرقيق، واظهر الملك نمر الاذعان وقبل ان يحتمل الغرامة، ثم دعا اسماعيل باشا وبطانته الى وليمة في قصره بشندي، وكان من الفش، فأجابوا الدعوة وذهبوا الى القصر واستووا فيه، ورحب بهم الملك ترحيبا عظيما، وامر اعوانه ان يجمعوا ما استطاعوا من الحطب والقش والتبن حول القصر بحجة العلف لخيل الباشا، ولم يدر بخلد الضيوف ان ثمة مؤامرة رهيبة تدبر لهم، فلما فرغوا من الطعام واكثروا من شرب المريسة اخذوا يتأهبون للعودة الى معسكرهم، فاذا النار قد طارت في اكوام الحطب والقش المحيطة بالقصر، واذا هي قد عمتها واندلعت فيما حولها، فجعلت القصر شعلة من الجحيم، وحصرت النيران اسماعيل باشا وحاشيته فلم يستطيعوا الافلات من هذا الحصار الجهنمي لهول النار المشتغلة ولاحاطة جنود الملك بهم يرمونهم بالنبل والسهام من كل ناحية. فسدت المسالك في وجوههم حتى ماتوا عن آخرهم، ولم يستطع الجند نجدتهم اذ كانوا في معسكرهم بعدين عن مكان المأساة، ولما وقعت الكارثة انقش عليهم رجال الملك نمر ففتكوا بهم، ولم ينج منهم الا من هرب به العمر.

كانت هذه النازلة كارثة كبرى اثرت تأثيرا سيئا في مركز الجيش المصري، وتصدعت لها هيبته، فان مقتل قائد الجيش بهذه الطريقة الجهنمية من شأنه ان يبعث اليأس والرعب في نفوس الجنود.

فلما بلغ الخبر محمد علي باشا حزن حزنا شديدا لقتل ابنه اسماعيل وخاصة بعد ان فقط منذ اعوام معدودة ابنه طوسون، على انه تلقى المصيبة بالجلد واعتزم المضي في سبيله.

وكان محمد بك الدفتردار وقت هذه الكارثة في كردفان، فلماء جاءه نبؤها بادر من فوره بالزحف على شندي للثأر والتنكيل بمن اشتركوا في الواقع’ن وقد خرب شندي ، واسرف في التنكيل والقسوة بما جعله مضرب الامثال في الميل الى القتل وسفك الدماء، وقتل آلافا من النسا ليأثر لصهره، وسبى من الصبيان والنساء آلافا أخرى ارسلهم الى القاهرة، وتعقب الملك نمر لكنه لم يدركه لفراره الى حدود الحبشة.


ماذكره الجبرتي عن فتح السودان

دون الجبرتي في كتابه حوادث مصر لغاية سنة 1821، اي انه ادرك ابتداء فتح السودان، وذكر عنه شذرات متفرقة خلال يومياته، تناول فيها الكلام عن مقدمات الحملة وبعض وقائعها، وانتهى الى ذكر فتح سنار، وقد رأينا تقديرا لهذا المرجع التاريخي القومي الجليل ان نورد هنا ما ذكره في هذا الصدد.

قال في حوادث ذي الحجة سنة 1234 (سبتمبر سنة 1819) ما يأتي:

"وفي منتصف سافر الباشا محمد علي الى الصعيد، وسافر صحبته حسن باشا طاهر ومحمد أغا لاظ (لاظ أوغلي) المنفصل عن الكتخدائية، وحسن أغا ازرجانلي وغيرهم من اعيان الدولة.

وهذه هي الرحلة التي سافر اليها محمد علي باشا قبل فتح السودان ليرتاد حدود مصر ويرسم الخطط للزحف على النوبة ودنقلة.

وقال في حوادث محرم سنة 1235:

"وفي 27 (15 نوفمبر سنة 1819) حضر الباشا من الصعيد بعد أن وصل في سرحته الى الشلال، وكان الناس تقولوا على ذهابه الى قبلي أقاويل، منها انه يريد التجريد على بواقي المصريين المماليك المنقطعين في دنقلة، فانهم استفحل امرهم، واستكثروا من شراء العبيد، وصنعوا البارود والمدافع وغير ذلك، ومنها انه يريد التجريد ايضا واخذ بلاد دارفور والنوبة ويمهد طريق الوصول اليها، ومنها أنهم قالوا انه ظهر بتلك البلاد معدن الذهب والفضة والرصاص والزمرد، وان ذهابه للكشف على ذلك وامتحانه وعمل معدله ومقدار ما يصرف عليها حتى يستخرج صافيه، وبطل كل ما توهموه وخمنوه برجوعه".

فالجبرتي في هذه النبذة يذكر عودة محمد علي من رحلته الى اسوان، ويذكر أقاويل الناس في البواعث لهذه الرحلة، ومنها (أخذ بلاد دارفور والنوبة) أي فتح السودان، والبحث عن مناجم الذهب والمعادن الاخرى، ثم يقوم ان ما توهمه الناس وخمنوه بطل برجوعه، والواقع ان الجبرتي كان واهما فيما يقول، فان محمد علي انما رجع لتجهيز الحملة على السودان، وان ما توهمه الناس كان صحيحا.

ثم قال في حوادث ربيع الثاني سنة 1235 (يناير سنة 1820): "في أوله عزل الباشا محمد بك الدفتردار عن امارة الصعيد وقلد عوضه احمد باشا بن طاهر باشا وسافر في خامسه".

ويلوح لنا ان لهذا النبأ علاقة بفتح السودان، لان محمد علي فصل الدفتردار عن حكم الصعيد لينضم الى الحملة ويعاون اسماعيل باشا في فتح السودان.

وقال عن تعيين اسماعيل بن محمد علي لقيادة الحملة وتجهيز معداتها:

"وفي (جمادى الاولى سنة 1235 – فبراير سنة 1820) قوى عزم الباشا على الاغارة على السودان، فمن قائل ، انه متوجه الى سنار، ومن قائل الى دارفور، وساري العسكر (القائد العام) ابنه اسماعيل باشا وخلافه، ووجه الكثير من اللوازم الى الجهة القبلية، وعمل البقسماط والذخيرة ببلاد قبلي والشرقية، واهتم اهتماما عظيما، وارسل ايضا باحضار مشايخ العربان والقبائل".

نقول واستدعاء المشايخ والقبائل كان الغرض منه تجنيد العربان والحملة، ومن المعلوم انها كانت تضم في صفوفها كثيرا من فرسان العرب المصريين كما ذكرناه آنفا.

وقال في حوادث رجب سنة 1235 (أبريل سنة 1820): "وفي عشرينه سافر محمد أغا لاظ (لاظ أوغلي) وهو المنفصل عن الكتخدائية الى قبلي، بمعنى انه في مقدمة الجردة يتقدمها الى الشلال".

ثم قال في حوادث رمضان 1235 (يونيه سنة 1820): "واستهل شهر رمضان بيوم الاثنني والاهتمام حاصل، وكل قليل يخرج عساكر ومغاربة مسافرين الى بلاد السودان، ومن جملة الطلب ثلاثة من طلبة العلم يذهبون صحبة التجريدة، فوقع الاختيار على محمد افندي الاسيوطي قاضي اسيوط، والسيد احمد البقلي الشافعيين والشيخ احمد السلاوي المغربي المالكي".

وقال عن تشتيت شمل المماليك في دنقلة وتسليم بعضهم:

"وفي هذا الشهر (شوال سنة 1235 – يوليه سنة 1820) حضرت طائفة من بواقي الامراء المصريين (المماليك) من دنقلة الى بر الجيزة، وهم نحو الخمسة والعشرين شخصا وملابسهم قمصان بيض لا غير. فأقاموا في خيمة ينتظرون الاذن وقد تقدم الارسال بطلب الامان عندما بلغهم خروج التجاريد، وحضر ابن علي بك ايوب وطلب امانا لابيه، فاجيبوا الى ذلك وارسل لهم امانا لاجمعهم ما عدا عبد الرحمن بك الذي يقال له المنفوخ، فلا يعطيهم امانا، لما حضرت مراسلة الامان لعلي بك ايوب وتاهب للرحيل حقدوا عليه (أي المماليك) وقتلوه".

وقال ايضا في هذا الصدد: "في أوائل ربيع الأول سنة 1236 (ديسمبر سنة 1820) حضر نحو العشرة أشخاص من الامراء المصرية (المماليك) البواقي في حالة رثة وضعف وضيم واحتياج، وكانوا ارسلوا وطلبوا الأمان فأجيبوا لذلك".

وقال: "وفي أواخر رجب سنة 1236 (أبريل سنة 1821) حضر جماعة من المماليك المصرية الذين كانوا بدنقلة فيهم ثلاثة سناجق احدهم احمد بك الالفي زوج عديلة هانم بنت ابراهيم بك الكبير".

وقال عن سفر اسماعيل باشا قائد الحملة ومحمد بك الدفترادر ثم ابراهيم باشا: "وفيه (ذي القعدة سنة 1235 – أغسطس سنة 1820) سافر اسماعيل باشا الى جهة قبلي، وهو امير العسكر المعين لبلاد النوبة، كل ذلك والباشا الكبير (محمد علي باشا) على حاله بالاسكندرية".

"وفي 17 رجب سنة 1236 (ابريل سنة 1821) ارتحل محمد بك الدفتردار مسافرا الى دارفور ببلاد السودان بعد ان تقدم طوائف كثيرة عساكر اتراك ومغاربة".

وذكر عن سفر ابراهيم باشا في حوادث ذي القعدة سنة 1236 (أغسطس سنة 1821):

"وبعد سفر الباشا الى الاسكندرية سافر ايضا ابراهيم باك الى ناحية قبلي قاصدا بلاد النوبة".

وقال عن وقائع الحملة:

" واستهل شهر ذي الحجة سنة 1236 (30 أغسطس سنة 1821) وفيه خرجت عساكر كثيرة ومعهم رؤساؤهم وفيهم محو بك ومغاربة وآلات الحرب كالمدافع وجبخانات البارود واللغمجية وجميع اللوازم قاصدين بلاد النوبة وما جاورها من بلاد السودان، وفيه سافر محمد كتخدا لاظ (لاظ أوغلي) المنفصل عن الكتخدائية الى اسنا ليلتقي القادمين ويشيع الذاهبين، وفيه وصلت بشائر من جهة قبلي باستيلاء اسماعيل باشا على سنار بغير حرب ودخول اهلها تحت الطاعة، فضربت لتلك الاخبار مدافع من القلعة".


نظام الحكم في السودان

جعل محمدعلي باشا على الوسدان حاكما يسمى (حكمدار السودان) يجمع في يده السلطة العسكرية والمدنية ويرجع في ادارته الى ديوان (وزارة) الداخلية بمصر، ولبعد المسافة بين البلدين وصعوبة المواصلات كان لحكمدار السودان سلطة مطلقة في ادارته، وجعلت مدينة الخرطوم التي انشئت في عهده عاصمة السودان ومقر الحاكم العام، ومع الزمن قسمت البلاد الى مديريات لكل منها مدير يحكمها تحت ادارة حكمدار السودان ويتولى قيادة الجند فيها،


{{{صورة}}}} 172 وقسمت المديريات الى اقسام لكل قسم ناظر، وكانت الادارة تتبع نظام الادارة المصرية، وصار عدد المديريات في أواخر عهد محمد علي سبعا، وهي دنقلة ، وبربر، والخرطوم، وكردفان، وكسله، وسنار، وفازوغلي.

وجعل لكل مدير وكيلا، ومعاونين وكتابا، وبجانبه القاضي والمفتي ومجلس أهلي وضبطية، وأبقى حكام البلاد الأقدمين من الأهلين في مراكزهم كمشايخ النوبة ودنقلة وبربر والحلفاوية والرصيرص وفازوغلي، وملك سنار.

وكان المديريون ومن اليهم من الموظفين تحت رقابة الحكمدار (الحاكم العام) ومما لا نزاع فيه ان كثيرا من اولئك الموظفين كانوا ينزعون الى الظلم والضعف ، مما ادى الى تبرم الاهلين، وقد ظهر عسفهم على الاخص في حمايتهم لتجار الرقيق الذين كانوا ينتزعون الاهلين من قواهم ويبيعونهم في اسواق النخاسة.


الجيش المصري بالسودان

يقول المسيو دارنوا المهندس الفرنسي الذي اقام بالسودان من سنة 1828 الى سنة 1842 ان الجيش المصري المرابط هناك كان يبلغ سنة 1828 م 6800 جندي، منهم 6000 من الجنود النظامية يتالف منهم الايان، و400 من الشايقية من سكان البلاد المعروفة باسمهم و400 من المغاربة.

وقد زاد بعد تلك السنة حتى بلغ 1800 احصاؤهم كما يأتي:

16000 خمس آلايات من الجنود النظامية المصرية 1000 فرسان من الترك 400 مغاربة 400 شايقية من اهل البلاد 200 مدفعية ____________ 18000 المجموع


ويقول الدكترو بيرون ان الجيش المرابط بالسودانة سنة 1843 بلغ خمس آليات، كل آلاي مؤلف من 3000 مقاتل، أي ان عددهم 15000 ، وهو قريب من احصاء المسيو دارنو.

وكانت وحدات الجيش المصري موزعة على العواصم والمدن المهمة مثل الخرطوم والابيض وبارة وودمدني وسنار وكسلا.

وقد دخل في هذا الجيش عدد كبير من السودانيين اخذ يزداد مع الزمن، وأثبتت التجارب كفايتهم وولاءهم وحسن أدائهم للخدمة العسكرية، وصار السودانيون ينتظمون في الجيش المصري كالمصريين، تظلهم راية واحدة هي الراية المصرية، ويدينون بالولاء لدولة واحدة هي الدولة المصرية.


حكمدار السودان في عهد محمد علي

بقى محمد بك الدفتردار بعد مقتل اسماعيل باشا يتولى حكم السودان، الى ان جاءه الامر فرجع الى مصر، وتعاقب بعده الحكمدارون الذين عهد اليهم محمد علي حكم تلك البلاد، واستمر ولاة السودان (الحكمدارون) في عهده وعهد خلفائه يتولون حكمه على اعتبار انه جزء لا يتجزأ من مصر الى ان فصلته عنها السياسة الاستعمارية الانجليزية سنة 1884 بعد شبوب الثورة المهدية.


عثمان بك

ففي سنة 1823 جعل لأميرالاي عثمان بك حكمدارا للسودان ولم يكن عهده عهد اصلاح وعمران، فانه عسف الاهلين بما فرضه من الضرائب الفادحة، وجرد عليهم الجنود لجبايتها، فأسرفوا في القسوة والقتل والتنكيل مما ادى الى هجرة الكثير من الاهلين ونقص عدد السكان، وما عثمان بك قبل ان تمضي على ولاياته سنتان فكان عهده وعهد الدفتردار من أسوأ أزمنة الحكم في السودان.

محو بك

واقيم في مكانه محو بك، فكان عادلا رحيما، احسن السيرة بين الاهلين، وكف اعتداء الجنود عليهم، وحبب فيه مشايخ البلاد واهلها لما اشتهر عنه من العدل، وبنى بالخرطوم ثكنة لاقامة الجنود، واحتفر في الطريق البعيدة عن النيل آبارا يستقي منها الناس والقوافل تعرف الى عصرنا الحاضر بآبار محو بك.


خورشيد باشا

هو اعظم ولاة السودان شأنا، وأنبههم ذكرا، وأحسنهم سيرة، وأطولهم عهدا، خلف محو بك في ولاية السودان سنة 1826، فسار سيرة عدل واستقامة وعنى باصلاح ما افسده الدفتردار وعثمان بك، فبذل همة في تعمير البلاد وتأمين الاهالي على اموالهم فعادوا واطمأن الأهلون الى حكمه، وعمر مدينة الخرطوم كما سيجئ بيانه، وهو الذي أدخل في السودان صناعة بناء الدور بالطوب بعد أن كان الأهالي يقيمونها بالغاب والجلود، وقد امدهم بالطوب والاخشاب والألواح تيسيرا عليهم وترغيبا لهم في العمران، ونظم الدواوين، ووطد الأمن في البلاد وأنشأ مسجدا في الخرطوم وآخر في سنار، وعنى بالزراعة، وطلب من محمد علي مساعدته في أسبابها، فأرسل اليه طائفة من المزارعين المصريين منهم بعض مشايخ البلاد وبعض الخولة لتمرين الاهالي على الزراعة.

وقد وسع فتوحات مصر فاحتل القلابات شرقي السودان، وكان موقعها هاما من الوجهة الحربية والاقتصادية لوقوعها بالقرب من حدود الحبشة، فجعل بها حامية عسكرية ثابتة، واخضع جبال قلى وغزا قبائل الشلك وقبائل سبدرات.

وقد أثنى عليه محمد علي وأنعم عليه برتبة الباشوية سنة 1835 جزاء ما بذله من الهمة في تنظيم شئون السودان وبقى في منصبه الى سنة 1837 حيث اعتزله وخلفه أحمد باشا أبو ودان.


أحمد باشا أبو ودان

حذا أحمد باشا أبو ودان حذو خورشيد باشا فأحسن السيرة بين الأهالي، وحبب فيه الأمراء ورؤساء القبائل من السودانيين، وأتم عمل خورشيد باشا في تعمير مدينة الخرطوم وتنظيم المديريات، وضم اليها العرب الرحل الضاربين في أوديتها، وبذلك انتظمت اداراتها، وجلب من مصر كثيرا من الحيوانات المستأنسة والنباتات النافعة وبذورها فتحسنت الزراعة وارتقت شئونها ونشطت الصناعة في ترسانة الخرطوم، واستكثر من السفن الأميرية في النيل وزاد من طرق المواصلات، فاتسعت حركة التجارة والمعاملات بين مصر والسودان والبلاد القاصية من أواسط أفريقية، وصارت الخرطوم متلقى المتاجر، وكثر ورود التبر وريش النعام والعاج والصمغ اليها، وفي عهده فتح اقليم التاكا (كسلا) الواقع بين نهر عطبرة والبحر الاحمر سنة 1840، وأسست مدينة كسلا وجعلت عاصمة له، وتوفى ودفن بالخرطوم.


أحمد باشا المنكلي ثم خالد باشا

واقيم في مكانه احمد باشا المنكلي فاخمد الثورة التي نشبت في بلاد التاكا والتي أثارها سوء ادارة الموظفين، وبقى حكمدارا للسودان الى ان عاد الى مصر سنة 1845 وخلفه خالد باشا وهو اخر من عين حكمدارا للسودان في عصر محمد علي.


رحلة محمد علي في السودان

(15 أكتوبر سنة 1838 – 15 مارس 1839)

اعتزم محمد علي ان يرود بنفسه اصقاع السودان ليتعهد شئون الادارة المصرية فيها، وليبحث عن مناجم الذهب، فسار اليها في اكتوبر سنة 1838 عن طريق دنقلة. ثم قصد الخرطوم مارا بطريق صحراء بيضوة، فبلغها يوم 23 نوفمبر واقام بها 22 يوما قابل فيها الاعيان وتفقد احوال البلاد وشئون الادارة، ثم زار سنار وقصد الى جبال فازوغلي للبحث عن معدن الذهب، ولكن البحث لم يفض الى نتيجة يرضاها، فقفل الى الخرطوم واقام بها ايام قليلة ثم عاد الى مصر عن طريق صحراء النوبة من أبو أحمد الى وادي حلفا مارس سنة 1839 وقضى في رحلته خمسة أشهر.

وكان يصحبه في رحلته هذه طائفة من المهندسين والباحثين منهم المسيو ليففر والمسيو دارنو والمسيو لامبير وقد قضى الاول نحبه اثناء الرحلة بحمى اصابته، وظل الآخران يبحثان وينقبان.

ولمناسبة زيارة محمد علي للوسدان امر بالغاء تجارة الرقيق لما رآه من فظاعة النخاسين (تجار الرقيق) وما يرتكبونه من القسوة في جلب الارقاء وترحيلهم الى مختلف الامصار، وانفذ ارسلا يعلنون هذا الامر في جميع البلاد، ولكن رغم هذه الاوامر بقى الاتجار بالرقيق ذائعا الى ان ابطله الخديوي اسماعيل.


عمران السودان في ظل الحكم المصري

يطيب لبعض الكتاب السياسيين دعاة الاستعمار الانجليزي ان يرموا الحكم المصري في السودان بكل نقيصة، وينسبوا الحضارة التي دخلت ربوعه الى الادارة الانجليزية، وهي دعوة باطلة تقوم على اساس الارجاف وتشويه الحقائق.

وفي الحق ان الفضل في حضارة السودان منذ الفتح الاول، ثم الفتح الثاني يرجع الى الحكم المصري، والى الدماء المصرية، والسواعد المصرية والجهود والأموال المصرية.

فلنبين في هذه الحالة ما أفاده السودان من الحكم المصري في عهد الفتح الاول، اي عهد محمد علي حيث يقتصر موضوع الفصل السادس.

ضحى المصريون بأرواحهم ودمائهم في سبيل فتح السودان اقرار سلطة الامن في ربوعه، فقد بلغ عدد من فقدهم الجيش المصري في الفتح الاول سواء ممن قتلوا في المعارك أو الرحلات البعيدة الشاقة أو من اجتاحتهم الامراض نحو ثلاثة آلاف رجل.

لقد حقق الفتح المصري الوحدة القومية لمصر والسودان، ثم انه نشر لواء الحضارة والعمران في اصقاعه، فقد أسس في البلاد حكومة منتظمة كان لها الفضل الكبير في بسط رواق الامن واقامة قواعد العمران في السودان، ولم ينظر المصري الى السودان كمستعمرة للاستغلال، بل نظر اليه كجزء لا يتجزأ من مصر، فغنى بعمرانة كما يعني بعمران الغربية او الدقهلية وسائر مديريات القطر المصري.


تأسيس المدن

كانت تأسيس المدن من اول ما عنى به الحكم المصري في السودان، فأنشأ مدنا زاهرة صارت مبعث الحضارة والتقدم في انحائه.

الخرطوم

يقول المسيو ديهبران في كتابه: ان المصريين حينما فتحوا السودان لم يختاروا بلدة من بلاده القائمة مثل بربر أو سنار أو الأبيض عاصمة لأملاكهم، بل أنشأوا عاصمة جديدة وهي الخرطوم، ولم يكن في مكانها قبل الفتح المصري سوى محلة صغيرة للصيادين ، ففي سنة 1822 أسس بها معسكر ثابت للجنود، وفي سنة 1839 اتخذها خورشيد باشا حكمدار المصريون هذا الموقع لاهميته حيث يلتقي النيل الازرق بالنيل الابيض وسميت الخرطوم لان ملتقى النيلين شبه راس خرطوم الفيل. قال وقد اقيمت فيها المباني والعمائر منذ انشائها، واهمها سراي الحكومة وكانت مبنية بالطوب الاحمر، ومؤلفة من دورين، وكان منظرها فخما، وسراي مديري الخرطوم مقر مدير المديرية والموظفين ، ومسجدان أحدهما كبير بناه خورشيد باشا، والآخر صغير أقيم من بعده، ودار لاحدى البعثات الدينية المسيحية أنشئت سنة 1848 أي في أواخر عهد محمد علي وأنشئت بها أيضا ثكنة كبيرة للجنود شرقي المدينة، ومستشفى ، ومعمل للبارود تصنع في ذخائر الجيش، ومخازن للمؤن والمهمات، ثم ترسانة كبيرة كانت تشمل مسبكا للحديد ومعملا للنجارة، وفيها بنيت السفن النيلية التي اخذت تنقل الجنود والمتاجر على النيل، ويتخلل تلك العمائر الكبيرة بيوت للسكن، وقد أكسب المدينة موقعها على النيل روعة وجمالا، وزادتها الحدائق التي أنشأها المصريون حواليها رونقا ونضرة، وكانت هذه الحدائق تشغل مساحات واسعة من الاراضي كما أنها موضع عناية القائمين بها، ولها منظر بديع، وكان معظمها يحاذي النيل الازرق ولا يفصلها عنه الا رصيف ضيق، وفيها كل ما تنبت الارض من الخضر والتين والبرتقال والليمون والموز والنخيل والدوم، ويتألف من مجموعها منظر بهيج يدخل السرور في نفوس القادمين.

وبعد أن أسست المدينة صارت ملتقى المتاجر القادمة من انحاء السودان وباطن أفريقية أو الواردة اليها من مصر والخارج، فازدهر العمران فيها. وصارت محطة من أعظم المدن التجارية في أفريقية، كما أنها صارت مركزا للرحلات والاكتشافات الجغرافية والعلمية، ومرسى للسفن النيلية التي تنتقل في انحاء النيل الازرق والنيل الابيض.

وتزايد مع الزمن عدد سكانها ، فقد جاءها الناس من مختلف انحاء السودان كسنار وبربر ودنقلة وشندي وغيرها، وقدموا اليها للمتاجرة، واقام فيها الموظفون ورجال الجهادية، فبلغ عدد سكانها في عصر محمد علاى ثلاثين ألف نسمة كما قدرهم المسيو مانجان في كتابه واستمر عددهم يطرد في عهد خلفائه، فبلغوا اربعين ألفا سنة 1854، وخمسين ألفا سنة 1856، وقدرهم الكولونيل ستوارت من 50 إلى 55 ألفا سنة 1883، ثم جاءت الفتنة المهدية فدكت معالم العمران فيها وفي انحاء السودان.


مدينة كسلا

وأنشئت مدينة كسلا أيضا التي صارت عاصمة اقليم التاكا من اهم اقاليم السودان بل عاصمة السودان الشرقي، ذكر ابراهيم باشا فوزي في كتابه ان احمد باشا أبو ودان حكمدار السودان أسس مدينة كسلا وحصنها، وقال في موضع آخر أن كسله اسم مدينة هي عاصمة اقليم التاكا الذي بين محافظتي مصوع وسواكن وحدود الحبشة، وأغلب سكانها مصريون مثل سائر مدن السودان، وكانت محصنة بسور منيع من الحجارة، وفيه أبراج، ومعدات الدفاع متوفرة فيها منذ دخلت في املاك الخديوية المصرية على عهد ساكن الجنان محمد علي باشا.

ويقول المسيو ديهيران ان مدينة كسلا انشئت على عهد احمد بااش ابو ودان ،وذلك انه اثناء فتح التاكا اتحد معسكره على نهر الجاش بسفح جبل كسلا، ولما غادرها ترك فيها حامية ثابتة من الجنود، فاقبل عليها الاهالي المجاورون واتخذوها موطنا لهم، وبذلك تأسست كسلا التي صارت من اهم مدن السودان.


فامكه

وكذلك انشئت مدينة فامكه على النيل الازرق سنة 1840 في اقليم سنار على بعد 25 ميلا من الرصيرص جنوبا، وجعلت عاصمة مديرية فازوغلي، وقد بنى محمد علي باشا على نحو خمسة أميال منها جنوبا قصرا ومعملا لاستخراج الذهب بقيت آثارهما الى عصرنا الحاضر.


توطيد دعائم الأمن

مهما اختلف الكتاب الافرنج في تقديرهم للحكم المصري في السودان على عهد محمد علي فانهم مجمعون على امتداحه والاعتراف له بالفضل في بسط رواق الامن في اصقاعه النائية، كانت الرحلة اليه قبل الفتح المصري محفوفة بالاخطار اذ كانت الطرق مقطوعة، والامن فيها مضطرب، وسلطة الرؤساء ضعيفة، وكانت قوافل التجار والحجاج تستهدف في كل وقت للسلب والنهب، ولكن الحكم المصري قد قضى على الفوضى الضاربة أطنابها في البلاد وبسط رواق الأمن عليها.

قال المسيو ديهيران في هذا الصدد: ان ما قام به محمد علي من بسط رواق الامن في مصر هو من اجل اعماله كما يرى المستر بورنج في تقريره عن مصر، وهذا الرأي يجب تعميمه ليشمل كل بلد حكمها محمد علي، فحيثما بسط نفوذه وحكمه نهض بالأمن ووطد دعائمه وصانه بعين رعايته، وعلى العكس اذا تقلص نفوذه عادت البلاد الى الفوضى واختل الأمن فيها، خذ لذلك مثلا أنه لما انسحب قواته من الحجاز سنة 1841 واستردها سلطان تركيا شعر التجار بأنهم لم يعودوا آمنين على متاجرهم هناك، وكذلك لما جلا ابراهيم باشا عن سورية اضطرب فيها حبل الأمن وعادت الفتنة بين المسلمين والمسيحين، أما البلاد التي يسود فيها حكم محمد علي فان الانسان يأمن على نفسه ان يذهب الى اي ناحية بها، ويقول الكونت بنديتي قنصل فرنسا في مصر ان الأهالي والأجانب على السواء يستطيعون ان يذهبوا ان شاءوا في البلاد التي يحكمها محمد علي سواء اكان ذلك في وادي النيل الى أقاصي حدود السودان، أم في سورية وجزيرة العرب، فان صرامة العدل الذي أقام ميزانه في كل ناحية لا تقبل هوادة ولا ضعفا، فالسودان قد ساده الأمن كما ساده غيره من البلاد التي حكمها. ففي كردفان مثلا حيث لم يكن اي تاجر يأمن على نفسه أن يسير منفردا استطاع الرحالة بالم ان يجتاز البلاد من غير ان يصحبه الا خادم واحد، ولم يقع عليه أي اعتداء أو أذى، كذلك ساح فيه الرحالة كوتشي مطمئنا سنة 1839، وساح الأمير الألماني بكلر موسكو في السودان الى الخرطوم دون أن يناله سوء، وجاءت عائلة الميو ملي الى الخرطوم سنة 1859 للنزهة كما لو ساحت في ربوع إيطاليا.

وقد كان من نتائج بسط الأمن في السودان وتأمين طرقه نشاط المعاملات التجارية في أنحائه وبينه وبين مصر وباطن أفريقية.

ومن نتائجه تنظيم البريد، وقد جعلت الخرطوم مركزا له، وكان ينقل في السفن ثم يحمل على الهجن فيرسل إلى مصر وجميع مديريات السودان، وله في الطريق محطات تستريح فيها الهجن وتبدل، وكانت الرسائل تصل من مصر إلى الخرطوم مرتين في الشهر وتقطع المسافة في خمسة وعشرين أو ثمانية وعشرين يوما، وكان البريد يروح ويغدو ويجتاز تلك المراحل الشاسعة دون أن تنقطع عليه الرحلة، قال المسيو جومار في هذا الصدد: "من ذا الذي كان يظن قبل أربعين عاما قبل خمسة عشرة عاما فقد أن تصلنا الرسائل من ضفاف النيل الأبيض الى ضفاف السين (النهر الذي يمر بباريس) في اثنين وثلاثين يوما، وتصلنا من قزنفور (جنوبي فازوغلي) عند الدرجة العاشرة من خط الاستواء في خمسين يوما؟".


الزراعات وأعمال العمران الأخرى

وادخل المصريون في السودان الزراعات المصرية كالقمح والخضر، وغرسوا فيها أشجار الفاكهة المختلفة أنواعها كالبرتقال والليمون والرمان والعنب، ونسقوا الحدائق الغناء.


{{{خريطة}}}} 183

قال الكولونيل ستوارت في هذا الصدد: "ان المصري يميل بطبعة ميلا شديدا الى الزراعة، ففي السودان، وفي أي مكان يعسكر الجنود المصريون، لا يمضي على اقامتهم ستة أشهر حتى يكون من المحقق أن ينبت فيه الزرع والخضر".

ومن أعمال العمران التي تمت في عهد محمد علي بناء ديوان للمديرية في مدينة سنار وثكنة للجنود وجامع بها، وما قام به خورشيد من أعمال الاصلاح التي تقدم الكلام عنها.

وقد أمر محمد علي باحتفار الآبار في الطريق بين كروسكو وأبو حمد، وهو طريق شاق يخترق صحراء النوبة ويجتازه المسافر في تسعة أيام، فأمر باصلاحه وحفر الآبار فيه تسهيلا للمواصلات بين مصر والسودان.


الحملات والبعثات الجغرافية

ان للفتح المصري فضلا كبيرا على العلم والعمران بما شجع العلماء ورواد الكشف والاستطلاع على الرحلات العلمية لاكتشاف اصقاع السودان النائية، وخاصة منابع النيل، وقد كان لمحمد علي عناية كبيرة بتعضيد الاكتشاف وتشجيع الباحثين والعلماء على الرحلة اليها، وشملهم برعاية الحكومة وعهد الى جنده حمايتهم في رحلاتهم، ولولا تلك المساعدات لما استطاعوا ان يسيروا خطوة في تلك الجهات، وقد صارت مدينة الخرطومة مركزا للرحلات الجغرافية التي سارت منها لاكتشاف منابع النيل وأواسط أفريقية، ولعلك تلحظ دلائل عناية محمد علي بأعمال الكشف والتنقيب مما رأيته من اصطحاب ابنه اسماعيل باشا بعض المهندسين مثل المسيو فردريك كايو أثناء فتح السودان كما تقدم بيانه، ومن أن محمد علي ذاته قد رحل الى السودان يجوب أنحاءه ويتفقه معادنه، وقد اصطحب في رحلته بعض المهندسين والباحثين، ثم انه لما عاد من رحلته تولى بنفسه تنظيم البعثات والحملات الجغرافية البعيدة المدى للكشف التي تمت في عهده وبإرادته، وهذه الاكتشافات ذاتها قد مهدت السبيل للرحلات التي جاءت من بعده الى أن تم اكتشاف منابع النيل بأكملها، ولئن كان تمام اكتشافها في سنة 1858 و1869 و1862 حينما انتهى الرحالتان اسبيك وجرانت الى بحيرة فيكتوريا نيانزا وشلالات ريبون، فلا نزاع ان الرحلات والتجاريد في عهد محمد علي قد عبدت الطريق للمكتشفين وأنارت لهم السبل وفتحت بلادا ومناطق لم يكن في مقدورهم ان يجوبها لو لم يبسط الحكم المصري رواق الأمن في أنحائها، فالفتح المصري فضلا عن نتائجه القومية قد ساعد العلم والحضارة مساعدة كبرى من تلك الناحية، وقد كان العامل الأول في الرحلات التي تمت في عهد محمد علي اتجاه فكره وفكر أبنائه الى اكتشاف منابعه التي كانت الى ذلك العهد مجهولة لعلماء الجغرافية.

قال المسيو ديهبران في هذا الصدد: ان محمد علي بانفاذه الرحلات والبعثات لاكتشاف منابع النيل قد حقق الأمل الذي كان يطمح اليه علماء الجغرافية وكافة رجال العلم في عصر.

وقال عن ابراهيم باشا انه كان شديد التطلع الى تحقيق هذه الغاية، وقد أفضى برنامج الى المسيو كايو حينما قابله يوم 24 أكتوبر سنة 1821 فقال له: "اننا سنكشف النيل الأبيض في حملة من مراكب مسلحة وعدد كبير من القوارب الخفيفة التي تستطيع ان تمضي في النهر بسهولة دون ان تعترضها الشلالات وستكون وجهة هذه العمارة النيلية ان تنحدر في النهر، وروافده حتى تصل الى منابعه".

وكان اسماعيل باشا ابن محمد علي يطمح أيضا الى ما كان يفكر فيه اخوه ابراهيم، فقد قال للمسيو كايو حينما، استأذنه في العودة الى مصر (8 فبراير سنة 1822) : "اذا ذهبت الى فرنسا فانشر ما وصلت اليه من المعلومات، ثم عد الى مصر فانك ستجد أبي لا يقنع بالاكتشافات الضئيلة التي وصلنا اليها، بل سنبذل جهدا أخرى، وسأصحبك بنفسي الى منابع النيل الابيض".

وقد شجع محمد علي الرحلات الجغرافية في حوض النيل من يوم أن بسط نفوذه في السودان، فساح فيه الرحالتان هاي وهوشت ووصلا سنة 1824 الى ما يلي رأس الخرطوم جنوبا، وفي سن 1827 اندر المسيو لينان دي بلفون (لبنان باشا) في النيل الى ما يلي الخرطوم، وفيما بين سنة 1828 و1831 ساح فيه ابراهيم كاشف ونزل النيل الأبيض ووصل الى بلاد الشلوك والدنكا قريبا من بحر الغزال.


حملات البكباشي سليم بك قبطان

ولما ساح محمد علي في السودان كان معتزما ان ينفذ الحملات والتجاريد لاكتشاف منابع النيل الأبيض، فعهد بهذه المهمة الى البكباشي المصري سليم بك قبطان أحد ضباط البحرية المصرية، وجعل تحت تصرفه قوة من الجنود وعمارة نيلية من المراكب.

فاضطلع البكباشي سليم قبطان بهذه المهمة، وقام بثلاث حملات متعاقبة كانت موضع اعجاب علماء الجغرافية ورواد الاكتشاف.


الحملة الأولى

تحركت الحملة الأولى من الخرطوم يوم 16 نوفمبر سنة 1839 برئاسة سليم بك قبطان يصحبه سليمان كاشف احد ضباط الجيش المصري ورجل فرنسي اسمه المسيو تيبو كان يتمسى باسم ابراهيم أفندي، وتتألف قوة الحملة من 400 جندي اختيروا من جنود الآلاي والآلاي الثامن المرابطين وقتئذ في سنار، وكانت العمارة التي أقلت الحملة مؤلفة كما يقول سليم بك من ثماني ذهبيات مسلحة كل واحدة بها مدفعان، ومركبين آخرين و15 قاربا، وبها من الذهائر والمؤونة ما يكفي الحملة لمدة ثمانية أشهر، وقد وصلت الحملة الى بلدة العبي جنوبي الخرطوم.

ثم حالت الموانع في النهر دون تقدم العمارة، فعادت الى الخرطوم ، وفي عودتها عرجت بنهر السوباط احد روافد النيل لاكتشافه وانحدرت فيه (16 فبراير – 6 مارس سنة 1849) الى أن حالت قلة المياه دون تقدمها، فرجعت الى الخرطوم وبلغتها يوم 30 مارس سنة 1840 بعد أن دامت رحلتها 135 يوما.

وقد وضع البكباشي سليم قبطان رسالة ضمنها تفاصيل هذه الحملة، والحق بها جدولا بالارصاد الجوية التي قيدها، فكانت هذه الرسالة اول مرجع رجع اليه العلماء في اكتشاف باطن افريقية، وقدمت هذه الرسالة الى الجمعية الجغرافية الفرنسية بباريس بواسطة المسيو جومار رئيس البعثة المصرية بفرنسا، ونشرت في مجلة الجمعية الجغرافية (أعداد يوليه وأغسطس وسبتمبر سنة 1842) ، فحازت اعجاب علماء الجغرافية بفرنسا، ومهد لها المسيو جومار بمقدمة اثنى فيها على همة سليم بك قبطان وقال فيها:

"أن هذه الحملة المؤلفة من 400 رجل بقيادة ضابط مصري وغايتها الاكتشافات الجغرافية هي اول حملة من نوعها، والتقرير المدون به يوميات الحملة محرر بالاوضاع التي يحررها الرحالة الأوروبيون، ولا جرم ان هذه الحملة هي احدى ثمرات الحضارة التي دخلت مصر منذ ربع قرن".


الحملة الثانية

تحركت الحملة الثانية من الخرطوم يوم 23 نوفمبر سنة 1849 بقيادة سليم قبطان يصحبه ايضا سليمان كاشف قائد القوة البرية، وصحبه من الاوروبيون المهندسان الفرنسيان دارنو وساباتيه والرحالة الالماني فرن والمسيو تيبو المتقدم ذكره.

وقد سارت الحملة في النيل الابيض، وتخطت الجهة التي بلغتها الحملة الأولى، ثم مضت في سبيلها حتى بلغة يوم 25 يناير سنة 1841 جزيرة جونكر الواقعة على الخط الخامس من خطوط العرض، فتكون الحملة قد اجتازت نهاية الحملة الأولى بمراحل شاسعة. والمعلوم أن جزيرة جونكر تقع تجاه غندكرو التي تبعد عن الخرطوم نحو 1080 ميلا جنوبا، فهي قريبة من البحيرات التي ينبع منها النيل، وقد صارت غندكرو وقتا ما عاصمة مديرية خط الاستواء في عهد الخديوي اسماعيل.

ولم يبق بين الحملة وبلوغ منابع النيل الى مرحلة وجيزة بالنسبة لما قطعته من المراحل، ولكنها لم تستطع متابعة سيرها لهبوط مياه النيل جنوبي هذه الجهة، ولوجود الجنادل والشلالات التي تحول دون تقدم السفن في ذلك الجزء من النيل، ولا تزال هذه العقبات تعطل المواصلات النيلية في هذه الجهة الى عصرنا الحاضر، فاستقر الراي على العودة الى الخرطوم، وفي عودتها عرجت ايضا بنهر السوباط، فسارت فيه الى ان تعذر المسير فرجعت وتابعت سيرها الى الخرطوم فبلغتها في 18 أبريل سنة 1841.

وللمسيو دارنو رسالة عن هذه الرحلة نشرت في مجلة الجمعية الجغرافية الفرنسية (عدد نوفمبر سنة 1841) ثم طبعت على حدة.


الحملة الثالثة

تحركت الحملة الثالثة من الخرطوم يوم 27 سبتمبر سنة 1841 بقيادة سليم قبطان ذاته وكان سيرها بطيئا لمعاكسة الريح، وأصيب بعض البحارة والجنود بالأمراض ومات بعضهم في الطريق، على أنها تابعت سيرها، ولكنها لم تتجاوز النقطة التي بلغتها الحملة السابقة وعادت الى الخرطوم يوم 6 مارس سنة 1842.

وكان محمد علي ماضيا في انفاذ فكرته معتزما ان يستأنف حملات الاستكشاف حتى يصل الى منابع النيل، ويبسط نفوذ مصر في تلك الأصقاع، ولكن المرض الذي انتابه في أواخر عهده بالحكم حال دون اتمام قصده، على أن هذه الحملات الثلاث قد أدرت نتائج عظيمة، ولو أن البكباشي سليم قبطان قام بهذه الجهود في بلد اوروبي ووصل الى هذه النتائج لقدرت له امته بطولته وخدماته حق قدرها، ولشادت بذكره، وعاونته، وكافأته، وشجعته بمختلف وسائل التعضيد، وبذلك تشحذ الأمم عزائم أبنائها، ويكثر فيهم العلماء والمكتشفون والنوابغ في كل علم وفن، أما في مصر فقلما تحفل بهم الأمم والحكومة، فلا جرم أن تضمحل العزائم ويتعثر التقدم القومي في سيره.

اكتشفت هذه الرحلات بلادا ومناطق كانت الى ذلك الحين مجهولة، ولم يطرقها من قبل سائح او مكتشف، ودرست جغرافيتها ، وعرفت احوال سكانها ونباتها واشجارها ومناخها وحيوانها، فأفادت الحضارة والعلم فوائد جمة، ثم انها بسطت في طريقها نفوذ مصر، فخفقت الراية المصرية لاول مرة في تلك الاصقاع النائية، تحمل في طياتها رمز الحضارة والتقدم، فلا غرو أن كان لهذه الحملات فضل كبير من الوجهة القومية، ولقد مهدت السبيل للحملات التي نظمها الخديوي اسماعيل، فأكمل العمل الذي قام به محمد علي، ووصل بحدود مصر الى منابع النيل.


حدود السودان المصري في عهد محمد علي

ان حدود مصر الجنوبية قبل الفتح الاول للسودان كانت تنتهي الى جزيرة ساي جنوبي وادي حلفا، فرقعة مصر كانت اذن اوسع مما تقره الحدود الحالية، تلك الحدود الباطلة التي تجعل حدها الجنوبي شمالي وادي حلفا (أنظر الخريطة ص 171).

وبفتح السودان في عهد محمد علي انضمت الاقاليم السودانية الى حظيرة الوطن، ووصلت حدود السودان المصري شرقا الى البحر الاحمر، فقد فتحت الجنود المصرية سنة 1849 اقليم التاكا (كسلا) الواقع بين نهر عطبرة والبحر الاحمر اي السودان الشرقي، وجعلت مدينة كسلا عاصمة له كما تقدم بيان ذلك، وكان لفتح هذا الاقليم اهمية كبيرة لخصوبة أرضه وكثرة مراعيه ولكونه صلة الاتصال بين السودان وثغري سواكن ومصوع.

وفتحت الجنود المصرية أيضا القضارف بالقرب من حدود الحبشة والقلابات الواقعة على شاطئ نهر عطبرة بالقسم الجنوبي من اقليم التاكا فوصلت الى حدود الحبشة شرقا.

وكذلك دخلت سواكن ومصوع في حدود السودان المصري، فقد استأجرهما محمد علي باشا من سلطان تركيا، اذ كانتا من قبل من املاك السلطنة العثمانية القديمة، فلما رأى محمد علي ضرورتهما للسودان لأنهما منفذاه على البحر الأحمر وخاصة لاقليم التاكا استأجرهما من السلطان ايجارا دائما مقابل مبلغ سنوي قدره 5000 كيس أي 25000 جنيه، وبذلك دخلنا تحت ظل الحكم المصري منذ عهد محمد علي.

أما من جهة الجنوب فقد بلغت الحملات والتجاريد التي أنفذها محمد علي في النيل الأبيض الى جزيرة جونكر تجاه غوندكرو كما أسلفنا، فالى تلك النقطة ينتهي الفتح الأول للسودان، ولم يتعدها لعدم تخطي الاكتشافات الجغرافية هذه الجهة، فالفتح الأول قد قد جعل من النيل نهرا مصريا الى آخر نقطة وص إليها الاكتشاف الجغرافي في ذلك العصر.

أما ما يلي كونكر جنوبا وهو الاقليم المعروف بمديرية خط الاستواء واوغنده ويشمل منطقة البحيرات فقد فتحته مصر في عهد الخديوي اسماعيل.

ومن جهة الغرب قد شمل الحكم المصري كردفان، أما سلطنة دارفور فلم تفتح الا في عهد اسماعيل باشا، ولكنها دخلت رسميا في املاك مصر على عهد محمد علي وذلك بمقتضى فرمان 13 فبراير سنة 1841 الذي أسند اليه ولاية أقاليم السودان وهي كما وردت في الفرمان المذكور: "النوبة، ودارفور، وكردفان، وسنار وجميع توابعها وملحقاتها".

ولم تكن دارفور قد فتحت بعد ، فاصرار محمد علي باشا على دخولها في الفرمان دليل على انه يعدها من املاك مصر الطبيعية، وغير خاف ان هذا الفرمان قد صدر بتصديق الدول، فامتلاك مصر للسودان قد حاز الصفة الرسمية والدولية فضلا عن الحق الطبيعي والصبغة القومية.

ولو كان محمد علي ضاعف عنايته باكمال فتح السودان الى منابع النيل، وبذلك في تثبيت ملكه ونشر لواء الحضارة والعمران فيه ما بذله في حروب سورية والأناضول، لوطد دعائم الوحدة القومية بالوصول الى منابع النيل، فان الحدود الطبيعية لمصر والسودان هي وادي النيل وملحقاته من البحر الابيض شمالا ، الى البحر الاحمر شرقا، وصحراء ليبيا غربا، والى منابع النيل والأقيانوس الهندي جنوبا.


{{{{خريطة}}} 188












الفصل السابع: حرب اليونان

(سنة 1821-1828)

انتهت حرب السودان ببسط نفوذ مصر في ربوعه، وانصرف محمد علي وقتا ما الى توطيد دعائم الدولة المصرية العظيمة التي نشأت على ضفاف النيل، وامتدت الى شبه جزيرة العرب. واخذ يعنى باكمال تنظيم الجيش على الاساليب الحديثة، وفتح المدارس وشق الترع واقامة المصانع، وتوفير اسباب العمران في ذلك الملك الواسع، وبينما هو ماض في هذا السبيل اذا بالسلطان محمود يدعوه الى حرب جديدة واسعة المدى كثيرة المتاعب، ميدانها في البحر والبر، وهي حرب اليونان، فكلفه اخماد الثورة الاهلية التي أثارها اليونانيون ورفوا لواءها بغية تحرير بلادهم من النير التركي وتحقيق استقلالهم القومي.


الثورة اليونانية

كانت بلاد اليونان الى أوائل القرن التاسع عشر جزءا من السلطنة العثمانية، يحكمها الولاة الأتراك الذين ترسلهم حكومة الأستانة، وظلت على هذه الحالة الى أن ظهرت فيها بوادر الثورة الأهلية، فألف أعيانها وشبابها الجمعيات الثورية لتنظيم الثورة وبث تعاليمها في أنحاء البلاد واستمالة الرأي العام في اوروبا، واتخذوا مركز هذه الجمعيات في الروسيا والنمسا لتكون على اتصال بالحكومات الاوروبية وبمنجاة من اضطهاد الحكام الأتراك، واهم هذه الجمعيات جمعية كبيرة تسمى هيتريا تألفت سنة 1815 لتحرير اليونان من الحكم التركي وبث روح الثورة في النفوس، وقد انضم اليها كل ذي مكانة في اليونان من الاعيان والشبان ورجال الدين، وعضدها كثير من امراء اوروبا ووزرائها وسراتها وذوي الرأي فيها، وساعدوها بأموالهم ونفوذهم، وعضدها قيصر روسيا اسكندر الأول الذي كان يؤيد مطالب اليونان تأييدا كبيرا، وقرب اليه بعض زعمائهم، فاستوزر منهم المسيو كابو دستريا وجعله موضع ثقته، واستخدم في الجيش الروسي ضابطا يونانيا يسمى اسكندر جعله ياوره وكان له شأن أيما شأن في الثورة اليونانية.

والى هذه الجمعية يرجع الفضل الأكبر في تعميم الدعوة الى الثورة في بلاد اليونان. وقد ظلت حتى سنة 1821 تعمل في السر وتدأب في خلال تلك المدة على دعوة الشعب اليوناني الى تأييدها والاندماج في صفوفها، والى هذه الجمعية يرجع الفضل الأكبر في تعميم الدعوة الى الثورة في بلاد اليونان.

وقد ظلت حتى سنة 1821 تعمل في السر وتدأب في خلال تلك المدة على دعوة الشعب اليوناني الى تأييدها والاندماج في صفوفها، ثم تشعبت فروعها في الاقاليم وفي عواصم ولايات البلقان حتى بلغ اعضاؤها سنة 1821 نيفا وعشرين ألف عضو يحملون السلاح متهيئين للموت في سبيل الاستقلال.

اتصلت هذه الجمعية بقيصر روسيا، وكان سببها اليه وزيره كابودستريا والضابط ابسلنتي، فاعتزت بهذه الصلة وبتعضيد أنصارها، ووضعت بادئ الأمر برنامجا واسع النطاق مؤداه استقلال أمارات البلقان كلها وطرد الأتراك من أوروبا واحياء الدولة البيزانطية القديمة، وعهدت برياستها الى الضابط اسكندر ابسلنتي المتقدم الذكر.

فنشبت الثورة بزعامته في ياسي من اعمال ولايتي البغدان والأفلاق (رومانيا) في شهر مارس سنة 1821، واختارت الجمعية تلك الجهة لقربها من الروسيا حتى تمدها بجيوشها.

لكن الثورة لم تصادف في دورها الاول تعضيدا حربيا من الروسيا، لأنها قامت في الوقت الذي كان ملوك أوروبا المستبدون ومنهم قيصر الروسيا يأتمرون بالحركات القومية ويتألبون عليها لقمعها، وكان مترنيخ وزير النمسا الأكبر قوام هذه المؤامرة وله الكلمة النافذة على الحكومات المؤتمرة، فالثورة التي تولى زعامتها (ابسلنتي) قامت وقيصر الروسيا يتفاوض في مؤتمر ليباخ لاخضاع الثوار في مملكة نابوي، فكان من التناقض أن يأتمر بالثورات القومية ثم يشد أزر الثورة في البلقان، ومع ان الثورة انما قامت بتحريض قيصر الروسيا فانه اضطر الى انكارها وتخلي عن ابسلنتي واعوانه، وتركهم وجها لوجه أمام تركيا فجردت عليهم جيشا عبر الدنواب وهزمهم، ففر ابسلنتي الى المجر حيث اعتقلته الحكومة النمساوية (يونية سنة 1821) ففشلت بذلك الثورة اليونانية شمالي البلقان.


اعلان الثورة في المورة

(25 مارس سنة 1821)

على أن الثورة لم تكن قاصرة على شمالي البلقان، بل كان جذورها متأصلة في بلاد اليونان نفسها، أي في شبه جزيرة المورة، فهبت الثورة فيها، وكان لها طابع ديني، فلا غرو ان كان اول من اعلنها ونادى بها رءوس الاشهاد هو القس جرمانوس اسقف باتراس (شمالي الموره) ، فقد غادر باتراس الى كلافريتا يتبعه الأنصار والأعوان، وهناك في يوم 25 مارس سنة 1821، نادى بالثورة ودعا قومه اليها، واتخذ شعارها: الايمان، والحرية، والوطن.

فلبى اليونانيون الدعوة ورفعوا علم الجهاد في البحر والبر، ففي البحر اخذت سفنهم المسلحة لقطع الطريق على المراكب التركية ببحر الأرخبيل وتأسرها او تدمرها، وتوقع بركابها قتلا وأسرا ونهبا، وفي البر استولى الثوار على اهم مدن الموره، واحتلوا تريبولستا عاصمتها، ونكلوا بالأتراك المقيمين بها تنكيلا فظيعا، ثم تألفت جمعية وطنية من ستين نائبا يمثلون المقاطعات الثائرة، وانعقدت في يناير سنة 1822 واعلنت استقلال الامة اليونانية، ووضعت لليونان دستورا قوميا.

ثم اتخذت الحكومة الثورية منذ سنة 1823 مدينة نوبلي عاصمة ومقرا لها، وقد ساعد الثورة في بداءة عهدها ان الجنود التركية بقيادة خورشيد باشا كانت مشغولة بمقاتلة علي باشا الثائر الشهير في يانينا، فلما أخدمت ثورة علي باشا وانتهت بقتله زحفت الجنود التركية على المورة، وكانت لها الغلبة في بدء القتال، ثم دارت عليها الدائرة وتضعضع الجيش التركي وظهر عليه الثوار، وازداد الثوار جرأة بما نالوه من الفوز في بحر الأرخبيل حيث احرقوا كثيرا من السفن التركية، وعاثوا في البحر فسادا، وأحيوا عهد القرصنة.


استعانة تركيا بالاسطول المصري

ولما استفحل أمر السفن اليونانية في البحر ارسل السلطان محمود الى محمد علي يعهد اليه بجرد اسطوله لتطهير البحر من قرصنة هذه السفن، وكان ذلك سنة 1821، أي قبل الحملة المصرية على الموره.

ذكر المسيو مانجان أن محمد علي اعد الاسطول في الاسكندرية حيث اقلع منها في 10 يوليه سنة 1821 بقيادة الادميرا اسماعيل جبل طارق وكان مؤلفا من 16 سفينة كاملة السلاح والعتاد وبها 800 مقاتل بقيادة طبوز أوغلي فاتجه الأسطول الى مياه رودس لمطاردة السفن اليونانية والقتى بالأسطول التركي في الدردنيل ثم عاد الى الإسكندرية في مارس سنة 1822 ليتأهب لنقل الحملة الى جزيرة كريت.


رواية الجبرتي

أشار الجبرتي الى بعض هذه الوقائع في حوادث ذي القعدة سنة 1236 اغسطس سنة 1821 (وهو آخر ما دونه في كتابه) قال:

"وفي منتصفه سافر الباشا الى الاسكندرية لداعي حركة الاروام وعصيانهم وخروجهم عن الذمة، ووقوفهم بمراكب كثيرة العدد بالبحر، وقطعهم الطريق على المسافرين، واستئصالهم بالذبح والقتل، حتى انهم أخذوا المراكب الخارجة من استنابول وفيها قاضي العسكر المتولي قضاء مصر ومن بها ايضا من السفار والحجاج، فقتلوهم ذبحا عن آخرهم ومعهم القاضي وحريمه وبناته وجواريه وغير ذلك، وشاع ذلك بالنواحي ، وانقطعت السبل، فنزل الباشا الى الاسكندرية وشرع في تشهيل مراكب مساعدة للدونانمة السلطانية، وسيأتي تتمة هذه الحادثة".


الحملة المصرية على كريت

شبت الثورة في جزيرة كريت سنة 1821 كما شبت في بلاد الموره نفسها وفي جزر الارخبيل، وظهر الثوار على الحاميات التركية التي اضطرت الى الامتناع في بعض القلاع بالجزيرة، فعهد السلطان محمود الى محمد علي اخماد الثورة فيها، فأعد محمد علي حملة من 5000 جندي بقيادة حسن باشا وأقلعت بهم العمارة المصرية من الاسكندرية قاصدة الى جزيرة كريت فنزل الجنود الى البر في يونيه سنة 1822، واستمرت الحرب سجالا الى سنة 1823 ، وقاتل المصريون الثوار قتالا شديدا وانقذوا الحاميات التركية المحصورة في القلاع، ومات حسن باشا خلال الفتح فخلفه حسين بك في قيادة الجند، ودامت الحرب الى ان ظفر المصريون بالثوار وضيقوا عليهم وحصروهم في جهة من الساحل وشتتوا شملهم وفر الكثير منهم الى الجزر اليونانية الاخرى، واستتبت السكينة في الجزيرة. وكذلك اخمد الجنود المصريون الثورة في جزيرة قبرص.


الحملة على الموره

أما في بلاد الموره ذاتها فقد استمرت الحرب سجالا بين الجيش التركي والثوار الى سنة 1823، وشعر السلطان العثماني بعجزه عن اخماد الثورة وادرك ما كبدته اياه من الخسائر الجسيمة، وراى في الوقت نفسه ان محمد علي باشا آخذ في تنظيم جيشه على الطراز الحديث وتثبيت دعائم ملكه العظيم، فخشي اذا استمر ماضيا في هذا السبيل ان يقوى على تركيا ويحقق فكرة الانفصال عنها واعلان الاستقلال، فأراد ان يشركه في الحرب اليونانية ليحقق بذلك غرضين، اولهما الاستعانة بالجيش المصري على اخماد ثورة اليونان، والثاني صرف محمد علي باشا عن المضي في تنظيم الجيش ومضاعفة قوته، فعهد اليه تجريد جيشه على الثوار في بلاد اليونان واصدر له فرمانا يدعوه الى ذلك ويخوله ولاية الموره.

كان هذا الفرمان بمثابة توسيع لنطاق الدولة المصرية وبسط لنفوذها فيما وراء البحار، وبالتالي يرفع من شأن محمد علي ويزيد من مكانته، ولم يكن محمد علي ليرفض ان يعلو شأنه ويتسع ملكه، كما أن استنجاد تركيا بجيشه كلما قصرت يدها وعجزت عن مقاومة الثورات سواء في الحجاز أو في اليونان مما يزيده فخرا ويوطد مركز الدولة المصرية التي أسسها، فلم يكن هناك بد من تلبية دعوة تركيا، هذا فضلا عن انه اذا رفض ما عرضه عليه السلطان من التكريم والتكليف فانه رفضه يكون حجة في يد الساعين الى خلعه عن عرشه واظهاره بمظهر الخارج على ارادة السلطان، وهو لم يكن قد توصل بعد الى تقرير مركزمصر السياسي حيال تركيا، فقد كان لم يزل واليا، وللسلطان رسميا ان يعزله.

وقد وازن محمد علي بين هذه الاعتبارات واستشار اعضاء اسرته وكبار رجال حكومته، فاستقر رايه على ان يجيب دعوة الباب العالي.


معدات الحملة

بذل محمد علي همة كبرى في تجهيز معدات الحملة على الموره، فاعد جيشا بريا من الجيش النظامي الجديد بقيادة نجله الاكبر (ابراهيم) بطل الحجاز وقاهر الوهابيين، يتألف في بدء الحملة من 17000 مقاتل من المشاة، واربع بلوكات من المدفعية، وسبعمائة من الفرسان، وجهزهم بالمدافع والبنادق والذخائر، واعد عمارة بحرية مصرية لنقل الحملة ومهماتها يحرسها الاسطول المصري بقيادة الأميرال اسماعيل جبل طارق، وكانت القيادة العليا لابراهيم باشا.

تألفت العمارة من 51 سفينة حربية و146 سفينة نقل واجتمعت في ميناء الاسكندرية، فكان منظرها يأخذ الالباب، وقال المسيو دربيو في هذا الصدد: قد اشترى محمد علي من اوروبا كثيرا من السفن بحيث صار عنده عمارة ضخمة تشبه الأرمادا ، ولم ير الشرق حملة تدانيها في ضخامتها منذ حملة بونابرت، فكأت الشرق أراد ان يغزو الغرب جوابا على حملة اوروبا عليه، وهكذا تنقلب الأطوار في سير التاريخ.


الحرب البحرية على شواطئ الأناضول

أقعلت العمارة المصرية من ثغر الاسكندرية في شهر يوليه سنة 1824 ، ولم تقصد الى شبه جزيرة المورن رأسها، بل اتجهت الى مياه رودس، ومنها الى خليج ماكري على شاطئ الاناضول لتلتقي بالاسطول التركي الذي نيط به مطاردة السفن اليونانية في مياه بحر الارخبيل وتطهير البحر من قرصنتها واخماد الثورة في الجزر.

ولما وصلت العمارة الى خليج ماكري انزل ابراهيم باشا جنوده الى البر وتهيأت للاقلاع باسطوله شمالا ليتصل بالاسطول التركي الذي جاء من الدردنيل بقيادة خسرو باشا، فالتقى به في ميناء بودروم على شاطئ الاناضول في اواخر اغسطس، ولما التقى الاسطولان ظهر الفرق جليا بين نظام الاسطول المصري وفوضى الاسطول التركي، وكان هذا الاسطول قد لاقى الاهوال من مهاجمة سن الثوار اليونان، فقد كان لهؤلاء مهرة كبيرة في ركوب البحر وحولوا معظم مراكبهم التجارية الى سفن مسلحة اعدوها لغزو السفن التركية، وكان اشدها فتكا السفن المعروفة بالحراقات فانها كانت تقذف بنفسها على السفن العثمانية فتحرقها بنارها، وقد اشتبكت باسطول خسرو باشا واعترضت طريقه في مياه جزيرة ساموس فاحرقت بارجة الاميرال وسفينتين أخريين، وتراجعت العمارة التركية جنوبا حتى التقت بالعمارة المصرية في مياه بودروم كما اسلفنا.

هاجمت السفن اليونانية العمارتين بالقرب من بودروم ودارت رحى القتال بين الفريقين، فلاذ الاسطول التركي بالفرار من الميدان، اما ابراهيم باشا فقد صمد للسفن اليونانية حتى اضطرها الى التقهقر (سبتمبر سنة 1824).

واتصلت العمارتان المصرية والتركيا ثانيا وسارتا الى مياه جزيرة مدللي ثم تابعت العمارة التركية سيرها شمالا الى الدردنيل.

ورجع الاسطول المصري جنوبا، فاعترضته السفن اليونانية في مياه جزيرة ساقز واشتبكت به في معركة شديدة افضت الى غرق سفينتين مصريتين (أكتوبر سنة 1824) ثم عاد ابراهيم باسطوله الى ميناء بودروم.

ادرك ابراهيم باشا من هذه الوقائع ان هزيمة اليونان لا تكون على ظهر البحر حيث لهم السفن المنبثة في نواحيه، وان خير وسيلة للغلبة عليهم هي القضاء عليهم برا في شبه جزيرة الموره، فرجع ادراجه الى ميناء مر مريس جنوبا، ثم اقلع الى جزيرة كريت في ديسمبر سنة 1824 ورسا بالعمارة في خليج السوده حيث اخذ يتحين الوقت المناسب للاقلاع الى ساحل المورة.

ولقد برهن ابراهيم باشا خلال هذه الوقائع البحرية على شجاعته التي امتاز بها في حروب البر ، فانه صمد عدة أشهر لقتال السفن اليونانية التي اشتهرت بعظيم قدرتها في خوض غمار البحار ومهارتها في مهاجمة السفن الحربية، ولولا عزيمته ورباطة جأشه في مواجهته المخاطر لتشتت العمارة المصرية وتبددت امام هجمات السفن اليونانية، قال المسيو داون في هذا الصدد:

"مضت خمسة أشهر على مغادرة العمارة المصرية ثغر الاسكندرية، خمسة أشهر تقضت في جهود شاقة، ومتاعب لا هوادة فيها، ومخاطر تجدد كل يوم، وان ما ابداه ابراهيم باشا في هذه الظروف من الثبات ورباطة الجأش لما يسترعي النظر، فان قيادة اسطول بحري تصحبه عمارة من سفن النقل لمن المهام التي لا يسهل الاضطلاع بها، وان ابراهيم باشا في قيادته عمارة من مائة سفينة تقل نحو عشرين ألف رجل من جنود وبحارة قد اضطلع بمثل المهمة التي حملها بونابرت من قبل، مع حفظ النسبة بين الموقفين، حينما اجتاز البحر الابيض في اواخر القرن الماضي بعمارة من 280 سفينة تقل 38000 مقاتل، واذا تذكرنا ان مصر لم يكن لها الى ذلك الحين اسطول منتظم، ولا تقاليد بحرية، ولا هيئة من الضباط البحريين الاكفاء ولا العدد الكافي من البحارة المدربين، وكان على ابراهيم باشا ان يبتكر وينظم على الفور كل ما يلزم الحملة البحرية من سفن حربية وسفن للنقل، ورجال وعتاد، وان يروض نفسه على ركوب البحر والقتال بين أمواجه وأهواله، اذ تذكرنا كل ذلك، فانه يحق لنا ان نعجب كيف ان العمارة التي حشدها محمد علي امكنها ان تبقى خمسة اشهر تجوب البحار دون ان تتفكك أوصالها، وكيف استطاعت ان تثبت امام الوثبات والهجمات الشديدة التي استهدفت لها واصابتها من عدو له حظ كبير من المهارة من غير ان تخسر سوى سفينتين حربيتين وبضعة نقالات. لا شك ان هذه الحقائق تدلنا على مضاء عزيمة ابراهيم باشا وعلو همته، وتطالعنا بما تحتويه نفسه من صفات العظمة ومزايا الرياسة والقيادة، كما ان موافقته في ميادين القتال ورباطة جأشه في مغالبة المحن تدل على شجاعة كبرى لا يسع أي انسان الا أن يبادر بالاعجاب بها".


النزول الى برة الموره

قلنا ان ابراهيم باشا مضى بعمارته الى جزيرة كريت واخذ يتحين خلو البحر من السفن اليونانية ليقلع الى شواطئ المورة وقد تهيأت له الفرصة اذ وقع اضطراب بين بحارة السفن اليونانية لتأخر عطائهم وتنازع زعمائهم من رؤساء الحكومة الثورية، فأبى البحارة الاستمرار في القتال فلما علم ابراهيم باشا بهذا النبأ انتهز الفرصة فأقلع بعمارته من خانيه الى ميناء مودون جنوبي الموره وانزل جنوده الى البر في فبراير سنة 1825 والفى القوات التركية في أسوأ حال لغلبة الثوار عليهم بحرا وبرا ولم يبق تحت يد الترك من المواقع سوى مودون التي نزل بها ابراهيم باشا، وميناء كورون التي كان يحاصرها اليونانيون.


حصار نافارين

اقام ابراهيم باشا في مودون قليلا يدير شئون جنده ويرسم خطة الزحف على داخل البلاد، ثم سار منها مع نخبة من جيشه قاصدا كورون لنجدتها، فغلب اليونانيين وفك الحصار عنها وادخل الى الجنود المحصورة المدد والمؤن، ثم أنفذ فرقة من جيشه لضرب الحصار على مدينة نافرين التي كان الثوار قد استولوا عليها وامتنعوا بها، وكانت من اهم مواقع الموره، فحاصرها برا وبحرا واشتدت مقاومة اليونانيين وتكبد المصريون الاهوال في حصار المدينة، فقام ابراهيم باشا مع بقية جيشه من مودن ليشد الحصار على نافارين، فهاجمته في طريقه اليها فرقةمن اليونانيين يبلغ عددها ثلاثة آلاف وخمسمائة مقاتل أتوا لنجدة حامية نافارين فهزمهم ابراهيم باشا واسر قائدهم وبدد شملهم وشدد الحصار على المدينة برا وبحرا وكادت تشرف على التسليم لولا قدوم جيش من متطوعي اليونايين يبلغ تسعة آلاف مقاتل جاءوا لرفع الحصار عن المدينة وقهر الجيش المصري.

لكن ابراهيم باشا قابل هذا الجيش بشجعاة ونظام بديع، فصف جنوده على ترتيب محكم، ولما اصبح الاعداء على عشرة أميال ركب المدافع القوية حول المدينة وترك جزءا من جيشه يتولى حصارها وقام بالبقية والتقى اليونانيين على مقربة من البلد، فهجم هؤلاء بحماسة عظيمة ولكن من غير نظام، اما ابراهيم باشا فقد امره جنوده في مواقعهم دون ان يطلقوا النار حتى تصدر اليهم الأوامر بذلك فلما صار العدو على مائة متر قابله الجنود المصريون باطلاق النار دفعة واحدة، فحصد الرصاص الصفوف المتقدمة حصدا والقى الرعب في قلوب المهاجمين واختلت صفوفهم، ولم يمض قليل حتى قتل معظم جنود اليونانيين وتشتت الباقون في الجبال وفي انحاء اليونان.


كانت هذه الواقعة هزيمة كبرى اصابت اليونانيين وفتت في عضدهم وزلزلت آمالهم، كما انها كانت نصرا مبينا للجيش المصري، انتهت بسحب الجيش اليوناني وغنم المصريون فيها غنائم كثيرة وأسروا عددا عظيما من الاسرى فيهم عدة من الضباط ورؤساء الجند الذين عليهم اعتماد اليونانيين في تنظيم حركاتهم الحبية.

وقد رفعت هذه الواقعة من شأن الجيش المصري، فانها اول معركة خاضها في القارة الاوروبية بعد حروبه السابقة في آسيا وافريقية، وكانت فاتحة انتصاراته في حرب الموره، وقد شهد الجميع للجيش المصري بالنظام والشجاعة والثبات، وكان مسلك الجنود فيها حيال اعدائهم مسلكا انسانيا رائعا، فلم يرتكبوا شيئا من الفظائع، وكانوا يحسنون معاملة الأسرى اليونانيين، كما أن أطباء الجيش المصري كانوا يعنون بتضميد جراحهم انفاذا لاوامر ابراهيم باشا.

تمكن الجيش المصري بعد هذه الواقعة من تشديد الحصار على نافرين برا، ولكن المدينة لوقوعها على البحر كان يأتيها المدد والمؤن، فرأى ابراهيم باشا ان لا سبيل الى منع وصول المدد الهيا الا اذا استولى على جزيرة اسفاختريا التي تحجب المرفأ ليتمكن من تركيب المدافع بها واقفال مدخل الميناء ومنع دخول المدد اليها، وكان اليونانيون يعرفون ما لهذه الجزيةر من الاهمية، فحصنوها ووضعوا فيها عدة بطاريات من المدافع، فكان الاستيلاء عليها من اشق الامور، على ان ابراهيم باشا بعد ان شاور اركان حربه راى ان نافارين مستحيل بغير الاستيلاء على هذه الجزيرة فصمم على احتلالها وعهد بهذه المهمة الى سليمان بك (باشا) الفرنساوي (مايو سنة 1825).

فاختار سليمان بك نخبة من الجنود ممن مهروا في النظام الجديد وسار بهم من مودون بحرا قاصدا نافارين، لما علم اليونانيون بان هذه القوة آتية لاحتلال الجزيرة عززوا حاميتها بقوة من شبانهم ومقاتلتهم.

فلما صارت السفن المصرية على مرمى المدفع اطلقت قلاع العدو المدافع عليها فلم تتزلزل قلوب المصريين، وأجاوبا بضرب المدافع من السفن، ونزلت العساكر البرية منهم في الزوارق وقصدوا الجزيرة تحت وابل من القنابل، فتمكنوا من الوصول الى البر وترامى الفريقان باطلاق البنادق، ثم هجم المصريون هجوم الابطال وكان عددهم 1200 مقاتل، واحتلوا الجزيرة عنوة بعد ان دافع اليونانيون دفاعا شديدا عنها، ولكن المصريون غلبوهم بحسن نظامهم وشجاعتهم، ورفعوا العلم المصري على استحكامات الجزيرة.


استيلاء المصريين على نافرين

(مايو سنة 1825)

كانت نتيجة هذه الواقعة ان شدد الجيش المصري الحصار على نافرين برا وبحرا، وقد حاول اليونانيون ان يمدوا المدينة المحصورة بالرجال والعتاد، فكان ابراهيم باشا يفسد كل محاولة من هذا القبيل، فلما يئس الجنود المحصورون من وصول المدد اليهم طلبوا من ابراهيم باشا ان تسلم اليه المدينة بقلاعها وما فيها من المؤن والذخائر بشرط ان يؤمنهم على حياتهم، فاستجاب لهذا الطلب (18 مايو سنة 1825) ودخل المدينة فكان دخول الجيش المصري اليها من اعظم الانتصارات التي تزين تاريخ الحربي، وكان لسقوطها اثر بالغ في الموقف الحربي جعل اليأس يدب في صفوف اليونانيين، ووطد مركز الجيش المصري، لان نافرين ومودون وكورون هي قواعد حربية هامة يتسلط منها الجيش على الموره.


نشاط السفن اليونانية

وفي خلال القتال تمكنت السفن اليونانية التي بميناء نافرين من الافلات من الحصار الا سفينتين وقعتا في اسر المصريين، وانمت الى السفن اليونانية التي تمخر في بحر الأرخبيل، فأخذت تنشط لمحاربة العمارة المصرية، وتمكن الاميرال اليوناني موليس من الاقتراب من ميناء مودون التي كانت العمارة المصرية راسية بها واستطاعت الحراقات اليونانية ان تشعل النار في السفن المصرية الراسية خارج الميناء، وكانت الريح شديدة، فاندلعت النار الى باقي السفن، فتعذر اطفاؤها، ولم ينج بحارتها بأنفسهم الا بعد عناء شديد، وذهب كثير من السفن، في هذا الحريق، وامتدت النار الى المدينة فالتهمت جزءا منها، وتناولت مخازن البارود فنسفتها وتهدم بنيانها وهدمت الاماكن المجاورة لها، وقد وقعت هذه الحادثة اثناء حصار نافرين، فلم تفت في عضد ابراهيم باشا ولم تثنه عن عزمه، ودأب في القتال الى ان استولى على المدينة.


مهاجمة السفن اليونانية سواحل مصر

وفي غضو الحرب استهدفت السواحل المصرية لقرصنة السفن اليونانية التي احفظها اشتراك مصر في الحرب، فاقبلت ثلاث من حراقات اليونان الى بوغاز الاسكندرية ودخلت واحدة منها الى الميناء ووصلت امام طابية صالح واشعلت نارها تريد احراق الاسطول المصري الذي كان راسيا امامها وهي الطريقة التي اشتهرت بها الحراقات اليونانية ودمرت بها كثيرا من السفن العثمانية، ولكن حراس القلعة بادروا الى اطلاق المدافع على السفينة اليونانية، وبادرت السفن الحربية المصرية الى ارسال بعض زوارقها المسلحة بالمدافع فهاجمتها واخمدت نارها، وبرهنت في تلك الحركة على مهارتها ويقظتها، فلما رأت السفينتان اليونانيتان الاخريان ما حل بالاولى لاذتا بالفرار.

ولما علم محمد علي باشا بهذه المحاولة الجريئة اصدر امره الى محرم بك اميرال الاسطول المصري ووكيله بلال أغا بالخروج مع خمس سفن حربية لتعقب الحراقتين اليونانيتين، وخرج محمد علي صحبة هذه الحملة على ظهر السفينة الحربية (جناح بحري)، ولكن الحملة لم تستطع اللحاق بالحراقتين، وقد تابع محرم بك تجواله بالاسطول حتى بلغ مياه رودس حيث كانت السفن اليونانية، فلما ابصرت الاسطول المصري لاذت بالفرار واقلعت الى مياه الارخبيل.


فتح كلاماتا kalamta

لما سقطت نافرين اعتصم الثوار اليونانيون وعددهم نحو خمسة آلاف بقيادة بتروبك في ميناء كلاماتا وكانوا من سكان الجبال المشهورين بالشجاعة وشدة البأس واجمعوا الاستبسال في مقاومة الجيش المصري، فمضى اليهم ابراهيم باشا، ولما وصل الى كلاماتا اشتد القتال بين الجيش المصري والثوار اليونانيين وانتهى بهزيمة اليونانيين ودخول الجيش المصري المدينة، واحتل ابراهيم باشا كذلك القلاع والقرى الصغيرة القريبة من كلاماتا بعد مقاومات محلية قتل فيها حاميات تلك القرى أو وقعت في الاسر وفتح كذلك اركاديا الواقعة على البحر غرب المورة (انظر مواقع هذه البلاد بالخريطة ص 188).


فتح مدينة تريبولتسا tripoltza

(يونيه سنة 1825)

كانت تريبولتسا عاصمة الموره والواقعة في قلب شبه الجزيرة معقلا منيعا للثوار، اختاروها وجعلوها بمثابة للمقاومة الأهلية لمنعة موقعها وصعوبة الوصول اليها، فقرر ابراهيم باشا الزحف عليها للقضاء على الثورة في معقلها فشرع في اجتياز جبل تايجنت.

وكان اجتياز مضايق هذا الجبل الوعر من اشق الامور لوعورة الطرق واستهداف من يجتازها للأخطار، وقد هزم ابراهيم باشا عند مضيق كورشيكا قوات الثوار التي كان يقودها ويحميها بمجموعها موقع تريبولتسا ولكن الجيش المصري قهر هذه القوات وقتل في هذه المعركة نحو خمسمائة من اليونانيين ودخل مدينة تريبولتسا فوجدها خالية من السكان اذ اخلاها اهلها بعد ان اضرموا فيها النار قبل رحيلهم واووا الى الجبال.

وبعد ان تم لابراهيم باشا فتح مدينة تريبولتسا تابع زحفه لمطاردة القوات اليونانية فقصد وادي أرجوس وقهر حشدا من الثوار بقيادة إبسلانتي، وفي 27 يوليه سنة 1825 عرج بوادي لكونيا حيث كان الثوار يرابطون في معاقله فهزمهم واستولى على استحكاماتهم، وكذلك احتل باتراس، وبذلك صار شبه جزيرة موره في قبضة الجيش المصري عدا مدينة نوبلي عاصمة الحكومة الثورية فاخذ يتأهب لحصارها.


فتح مدينة ميسولونجي

(22 ابريل سنة 1826)

بينما كان ابراهيم باشا يتأهب لحصار نوبلي جاءه نبأ من رشيد باشا قائد الجيوش التركية يطلب منه النجدة والمدد ليعاونه في حصار ميسولونجي، فعدل مؤقتا عن حصار نوبلي وولى وجهه شطر ميسولونجي.

كان رشيد باشا يحاصر هذه المدينة منذ مدة طويلة دون ان ينال منها منالا، وكان موقعها ذا منعة لوقوعها على خليج باتراس واتصالها بالبحر حيث كان يجيئها المدد من طريقه ولم تستطع العمارة التركية ان تحاصرها من هذه الناحية لوجود السفن والحراقات اليونانية بقيادة الاميرال ميوليس تمنعها الدنو من المدينة.

فلما عجز رشيد باشا عن متابعة حصار ميسولونجي، واستعصت عليه، بعث يستنجد بالجيش المصري، فارسل ابراهيم باشا لوالده ينبئه بذلك، ويطلب منه ان يوافيه بالمدد، فارسل له مددا كبيرا من الجند والعتاد.

فلما تلقى ابراهيم باشا ذلك المد ترك ببلاد موره ما يكفيها من الحاميات وعهد الى الكولونيل سيف (سليمان باشا الفرنساوي) قيادة القوات المصرية في تريبولتسا وسائر بلاد الموره، وقام من فوره في عشرة آلاف من المشاة وخمسمائة من الفرسان الى باتراس ثم عبر الخليج وسار بحرا قاصدا مدينة ميسولونجي (فبراير سنة 1826) فاشترك مع رشيد باشا في الحصار واتبع أولا خطة رشيد باشا فأخفقت ورجع عنها منهزما، فطرح جانبا خطط رشيد باشا، ورسم لنفسه الخطة التي نجحت في حصر نافارين وشدد الحصار عليها برا وبحرا، وكانت العمارة المصرية البحرية يقودها الاميرال محرم بك، واحتل الجزر الواقعة على مدخل الميناء وحصنها ليمنع ورود المدد بحرا الى ميسولونجي كما فعل في نافارين.

وقد أراد ابراهيم باشا بادئ الامر ان يتفادى اهوال القتال وسفك الدماء فطلب من المدينة التسليم فابى أهلها ان يسلموا واجمعوا امرهم على المقاومة الى النهاية مهما كلفهم من الضحايا، وارسلوا الى القائد اليوناني كرايسكاكي وكان على مقربة من المدينة ينبئونه بأنهم عزموا على الخروج جميعا في ليلة 12 أبريل سنة 1826 وطلبوا اليه ان يهاجم الجيش المصري في ميعاد حددوه، فلما خرجوا في الوقت المعلوم في هدوء وسكون مستترين في جنح الظلام قابلهم الجيش المصري بنار كالصواعق حصدت صفوفهم حصدا، فارتدوا الى المدينة من غير نظام، وتعقبهم المصريون حتى دخلوا المدينة في أعقابهم، وأعملوا فيهم السيف والنار وقتلوا منهم مقتلة عظيمة.

ولما ضاقت السبل بالبقية الباقية من المدافعين اجتمعوا في مستودع الذخائر وكان عددهم نحو ألفين ما بين شيوخ وأطفال ونساء واتفقت كلمتهم على أن يؤثروا الموت على التسليم، فوضوعوا البارود وأشعل فيه رئيسهم النار فانفجر وخر المكان على من فيه وقتلوا جميعا، وقد احتمل المصريون في فتح المدينة خسائر جسيمة فقد بلغ عدد قتلاهم في الهجمة الاخيرة نحو ألفي قتيل.


حصار أثينا

انفصل الجيش التركي عن الجيش المصري بعد فتح ميسولونجي فعاد ابراهيم باشا الى موره وقصد الجيش التركي الى مدينة أثينا لفتحها ولم يكن بها من القوة ما يكفي لصد هجماته فبادر القائد اليوناني كرايسكاكي والكولونيل فافييه الفرنسي الى نجدة المدينة ولكن رشيد باشا احكم حصارها وما زال يشدد الحصار حتى سلمت يونيه سنة 1827.


اعداد محمد علي حملة جديدة

كانت حملة الثورة اليونانية في أوائل سنة 1827 تدعو الى اليأس، فلم يكن بقى في أيدي الثوار سوة مدينة نوبلي في بلاده الموره، وأثينا في الأتيك، وتمركزت قوة الثوار في جزيرة هيدرا واسبتزيا من جزر بحر الأرخبيل، وقد عاث الثوار في البحر فسادا، وازدادت قرصنتهم، وكثر انتهابهم للمتاجر التي تحملها السفن.

فاعتزم محمد علي بعد سقوط ميسولونجي تجريد حملة جديدة بالاشتراك مع تركيا للقضاء على آخر معقل للثورة اليونانية.

فاعد مددا من عدة آلاف من الجنود حشدهم في الاسكندرية كي يرسلهم الى ابراهيم باشا، واجتمع بمينائها معظم الاسطول المصري وكان قد عاد من ميناء اليونان لاصلاح ما عطب من سفنه، والعمارة التركية التي جاءت للغرض نفسه، وانضم اليهما من السفن الحربية الجديدة التي كان محمد علي اوصى بها من قبل في ثغور مرسيليا وليفورون وفينسيا (البندقية)، فكانت الاسكندرية في ابريل سنة 1827 قاعدة لحملة كبيرة برية وبحرية تستعد للاقلاع الى مياه اليونان للقضاء على آخر معقل للثورة في جزيرة هيدرا واسبتزيا وميناء نوبلي.


تدخل الدول

وفي غضون ذلك كانت الدول الاوروبية لا تفتأ تتفاوض لانقاذ الثورة اليونانية، وترجع مفاوضتها الى ما قبل سقوط ميسولونجي، ذلك ان الجمعيات اليونانية المنبثة في بعض العواصم الاوروبية كانت تحرك الراي العام الاوروبي وتستصرخه للاخذ بناصر اليونان، وقد تحرك ايضا نصراء الثورة اليونانية من رجال السيف والقلم في الروسيا وانجلترا وفرنسا لدعوة الدول الى التدخل لانقاذ الثورة، ونهض منذ ابتداء الحرب جماعة من اقطاب الشعراء والادباء امثال اللورد بايرون وفيكتور هيجو وشاتوبريان وغيرهم يستصرخون الرأي العام الاوروبي، ويضربون على الوتر الديني الحساس لتوجيه ميول الامم والحكومات في اوروبا الى نجدة اليونانيين، وبلغ باللورد بايرون انتصاره لهم ان تطوع في صفوفهم ومات في مسيولونجي سنة 1824، وجاشت العداوة القديمة بين تركيا والروسيا، فكانت الحكومة الروسية أسبق الدول الى الرغبة في التدخل، وخاصة بعد ان تولى عرشها القيصر نقولا الاول خلفا للاسكندر (ديسمبر سنة 1825) فانه كان اقوى شكيمة من سلفه، فاعتزمت الروسيا ان تتدخل بمفردها لصالح اليونان، لكن انجلترا خشيت ان تنفرد الروسيا بالتدخل فيقوى نفوذها في البلقان والشرق، ويعلو على نفوذ انجلترا، فاوقدت اليها الدوق ولنجتون سفيرا لديها لتوحيد اغراض الدولتين، وعقدتا اتفاقا مبدئيا في 4 أبري لسنة 1826 يرمي اليى تحويل اليونان استقلالها الداخلي مع بقاء السيادة التركية ، ولما سقطعت مسيولونجي كان لسقوطها تأثير كبير في الرأي العام الاوروبي لان البطولة التي اظهرها اهلها في الدفاع عنها زادت من عطف الاوروبيين عليهم، وتجددت المفاوضات بين الدول ثم اسفرت عن ابرام معاهدة لندرة (6 يوليوة سنة 1827) ، وهي المعاهدة التي اتفقت فيها كل من انجلترا وفرنسا والروسيا على التدخل بين تركيا واليونان لتقرير مصير المسألة اليونانية على قاعدة استقلال اليونان الداخلي مع بقاء السيادة التركية عليها، وقضت بان تطلب الدول من الجانبين وقف حركات القتال تمهيدا للوساطة بينهما، واتفقن فيما بينهم على ان يعرضن على الباب العالي هذه الوساطة، فاذا لم يقبلها في مدة شهر من ابلاغه نبأها يلجأن الى القوة في تنفيذ مطالبهن.

أما النمسا فلم تشترك في المعاهدة ولا في التدخل اتباعا لمبدأ وزيرها الاكبر مترنيخ وهو إلا يعضد أية ثورة يقوم بها شعب ضد حكومته الشرعية.

كانت هذه المعاهدة انقاذا للثورة اليونانية لانها ابرمت في الوقت الذي اشرفت فيه الثورة على الاحتضار وكانت تلفظ النفس الاخير، وقد تخاذل زعماؤها وسرى اليأس الى نفوس انصارها، فلما أبرمت المعاهدة ابتهج له اليونانيون ابتهاجا عظيما، وعاودهم الامل في تحقيق مطالبهم بمعونة الدول الاوروبية.

وكان الحلفاء يعلمون اصرار تركيا على رفض طلباتهم، فاتفقوا على ارسال اساطليهم الى مياه اليونان لتأييد مطالبهم بالقوة ولمنع السفن المصرية والعثمانية من الوصول الى شواطئ اليونان وارسال المدد الى الجيش المصري والتركي بها.

فانفدت انجلترا الى بحر الارخبيل اسطولا مؤلفا من 12 سفينة بقيادة الأدميرال كودرنجتون وجاء بعده الاسطول الفرنسي وعدده سبع سفن بقيادة الاميرال ريني اما الاسطول الروسي وعدده ثماني سفن فقد جاء متاخرا من طريق بحر البلطيق بقيادة الاميرال هيدن ، فانضم الى الاسطول الانجليزي والفرنسي، وتولى القيادة العامة للاساطيل الثلاثة الاميرال الانجليزي كودرنجتون.


اقلاع الحملة المصرية الى مياه نافارين

واتم محمد علي تجهيز الحملة التي اعدها لامداد ابراهيم باشا، فاقلعت العمارة البحرية من الاسكندرية في اوائل اغسطس سنة 1827 بقيادة الاميرال محمد بك، وكانت مؤلفة من 18 سفينة حربية مصرية، و16 سفينة تركية، واربع سفن روسية، وست حراقات وأربعين مركبا لنقل الجنود وعددهم 4600 مقاتل، وكان الغرض الاول من الحملة محاصرة جزيرة هيدرا التي كانت اهم معقل للثورة اليونانية.

رست العمارة بميناء نافارين في 9 سبتمبر 1827، وانضمت الى اسطول تركي آخر جاء من الاستانة بقيادة الاميرال طاهر باشا وعدده 23 سفينة، وتولى ابراهيم باشا القيادة العامة لقوات البر والبحر، واخذ يتأهب لحملة بحرية على جزيرة هيدرا وحملة برية ينفذها الى شمالي المورة.

اما اساطيل الحلفاء فقد اتخذت مكانها بادئ الامر بين جزيرتي هيدرا وترميا. وكان الاميرال كودرنجتون لا يفتأ يتجسس اخبار العمارتين المصرية والتركية لمنعهما من الوصول الى سواحل اليونان، وانزال المدد بالبر، ولكنهما وصلتا ثغر نافارين دون ان يشعر بها الحلفاء، فلم يجدوا سبيلا لمنعها من دخول الميناء او انزال المدد، وبذلك اخفقوا في خطتهم الاولى.


وأخذت السفن المصرية والتركية مكانها في الميناء، وبدا الفرق جليا بين الاسطولين، فقد تفوقت السفن المصري بحسن نظامها وترتيبها وجودة سلاحها، وفي هذا الصدد يقول الكابتن فيلوز احد ضباط الاسطول الإنجليزي الذي جاء يستطلع اخبار العمارتين في نافارين: "ان السفن الحربية المصرية كانت تبدو في حالة جيدة جدا".


مقدمات واقعة نافارين البحرية

ساء الحلفاء وصول العمارة المصرية التركية الى نافارين وايوائها الى مكان حصين، فتحركت سفنهم وقصدت الى تلك الميناء لاملاء شروط الحلفاء على ابراهيم باشا، وكان الاسطول الانجليزي اسبق الاساطيل المتحالفة الى الحضور. فقد وصل قبالة نافارين يوم 12 سبتمبر، ثم اعقبه الاسطول الفرنسي فجاء يوم 21 منه، اما الاسطول الروسي فلم يجي الا في أوائل أكتوبر.

وقد بادر الادميرال كودرنجتون بفتح باب الشر، فارسل الى ابراهيم باشا رسولا يوم 19 سبتمبر 1827 يبلغه مطالب الحلفاء طبقا لمعاهدة لوندره ، ومضمونها وقف حركات القتال برا وبحرا، وابلغه ان الحلفاء ارسلوا اساطيلهم لمنع وصول السفن الحربية او القوات البرية الى اي جهة من اليونان او االى جزائر بحر الارخبيل، ومعنى هذا البلاغ انذار ابراهيم باشا بالكف عن ارسال الحملة البحرية الى جزيرة هيردا أو تحرك جنود البر داخل شبه جزيرة الموره.

ولما جاء الاسطول الفرنسي قابل قوندانه الاميرال ريني ابراهيم باشا، وكرر عليه مطالب الحلفاء، ثم قابله مرة اخرى لهذا الغر يصحبه الاميرال كودرنجتون وكان القصد من هذه البلاغات والمقابلات ارهاب ابراهيم باشا وتهديده كي يعود بأسطوله الى الاسكندرية، لكن البطل ابراهيم قابل تهديد الحلفاء بالثبات ورباطة الجأش، وكان جوابه انه سيرسل الى والده بالاسكندرية والى الباب العالي بالاستانة يطلب تعليماتها في الموقف الذي يتخذه ، والى ان يتلقى هذه التعليمات فانه يتعهد ببقاء الاسطول في نافارين.

لم يكن الحلفاء صادقين في مسلكهم، لان المعاهدة كنت تقضي بوقف حركات القتال من الجانبي، لكن خطة الحلفاء الحقيقية كانت ترمي الى فرض هذا الشرط على الجانب المصري والتركي فقط، مع ترك اليونانيين احرارا في حركاتهم البحرية والبحرية داخل شبه جزيرة الموره، او في بحر الارخبيل، وبذلك يقوى جانبهم ويتسنى لهم ان يجمعوا صفوفهم من جديد وان يتلقوا المدد ويهاجموا الحاميات المصرية ويوقعوا بها.

ولم يفت نظر ابراهيم باشا الثاقب ادراك هذه الخطة، فقد فطن اليها وتحققها، مما يؤثر عنه في هذا الصدد انه قال للاميرال ريني خلال حديثه معه: "انكم تطلبون مني وقف كل حركات القتال، وفي الوقت نفسه تتركون الاروام يفعلون ما يشاءون، ان هذا ليس من الانصاف في شئ".

فسوء النية من ناحية الحلفاء كان أمرا ثابتا لا نزاع فيه، وهو الذي ادى الى معركة نافارين البحرية، على ان ابراهيم باشا اراد ان يتفادى مسئولية القتال لان العلاقات بين تركيا والحلفاء كانت في الظاهر ودية حتى ذلك الحين، فتعهد ببقاء اسطوله في نافارين الى ان ترد التعليمات من محمد علي والباب العالي، ورضى بهذا العهد مع انه كان على تمام الاهبة لانفاذ الاسطول الى جزيرة هيدرا، ولو هو سار اليها لسحق آخر معقل لليونان، ولكن سياسة الحلفاء أبت عليه ذلك.

عقدت اذن هدنة وقتية بين ابراهيم باشا والحلفاء، ولكن اليونانيين انتهزوها فرصة وقاموا بحركات عدائية في خليج كورنت واعتزموا مهاجمة باتراس شمالي الموره بمعاونة الحلفاء، وكان الجيش المصري يحتلها، فأبلغه ابراهيم باشا الخير الى الاميرال كودرنجتون كي يمنع هذه الاعمال المنافية للهدنة، فلم يلق جوابا مقنعا، فاعتزم امداد باتراس وسار بحرا في عمارة في بعض السفن الحربية.

فثارت ثائرة الحلفاء، وعدوا هذا العمل نقضا للهدنة، على حين ان ابراهيم باشا انما تعهد بعدم مهاجمة جزيرة هيدرا، ولم يتعهد بالامتناع عن نجدة الحاميات المصرية في الموره، وكان مفروضا ان يحترم الاروام الهدنة ولكنهم نقضوها بحركاتهم الحربية، فاضطر ابراهيم باشا الى معاونة الحامية المصرية في باتراس، لكن الاميرال كودرنجتون لم يكن يصغى لحكم المنطق، بل كانت لديه خطة مدبرة ينفذها، فتعقب العمارة المصرية باسطوله، ولحق بها تجاه راس باباس شمالي الموره وتهددها بالحرب اذا لم ترجع عن سيرها، فاضطرب ان تعود ادراجها الى نافارين.

ثم جاء ابراهيم باشا جواب محمد علي بانه عرض الامر على الباب العالي، وسيرسل اليه تعليماته النهائية اذا ورد الرد، وفي انتظار هذه التعليمات يوصيه بالتزام خطة السلم وتجنب الاصطدام مع الدول او التحرش بها حتى ولو طلب اليه الباب العالي ذلك.

ذلك ان محمد علي رأى بعين حكمته ان محاربة الحلفاء أمر لا تحمد عاقبته، لأنهم أقوى عددا واستعدادا، وخاصة لأنهم مالكون ناصية البحار، فالتحرش بهم يعرض الاسطول المصري للدمار.

وقد عمل ابراهيم باشا بهذه الوصية، والتزم في نافارين خطة الدفاع، وكان ابراهيم يقدر اساطيل الحلفاء ومبلغها من القوة ويعلم انها كانت اقل عددا من العمارة المصرية التركية، الا أنها أرقى منها نظاما، وبوارجها اقوى سلاحا، ومدافعها اشد فتكا وابعد مرمى، وقوادها وضباطها اكثر علماء وكفاءة، فكان يرى الحكمة في تجنب الاصطدام باساطيل الحلفاء، ووافق راسه في هذا الصدد راي محمد علي.

لكن قواد الحلفاء انفسهم لم يقنعوا بخطة الدفاع، بل بيتوا الشر للاسطول المصري والتركي، واتفقوا فيما بينهم على تدميره مهما كان مسلك ابراهيم باشا، ومن هنا وقعت كارثة نافارين، وهذه المؤامرة قد دبرتها السياسة الانجليزية واوعزع بها الى الحلفاء، وغايتها منها ان تقضي على العمارة المصرية التي أنشأها محمد علي، فلا تعود مصر تنافسها السيادة في البحر الابيض المتوسط، وهكذا كانت انجلترا ولم تزل تتربص بمصر وتدبر لها المكايد في كل ناحية وتحول دون اخذها باسباب القوة والمنعة في البر والبحر.


واقعة نافارين

(20 أكتوبر سنة 1827)

غادر ابراهيم باشا نافارين في منتصف أكتوبر، وزحف بجزء من جيشه داخل الموره لانجاد الحاميات المصرية، واوصى الاميرال محرم بك قائد الاسطول المصري والاميرال طاهر باشا قائد الاسطول التركي بالا يتحرش بالاساطيل الدولية ولا يخرجا ازاءها عن قواعد المودة والمجاملة، لان العلاقات بين الحلفاء وتركيا ومصر لم تكن قطعت ولا أعلنت الحرب بين الفريقين.

وبعد ان بارح نافارين ارسل اليه قواد اساطيل الحلفاء انذارا يبلغونه فيه انه نقض المدين’، ويلقون عليه تبعة هذا العمل وعواقبه الخطيرة، جاء الرسول الى نافارين حاملا هذا الانذار يوم 18 أكتوبر، أي قبل الواقعة بيومين، فلم يلق ابراهيم باشا، فعاد بالرسالة الى الاميرال كودرنجتون، ولم تكن هذه الرسالة الا ذريعة لانفاذ خطة اتفق عليها الحلفاء، وهي القضاء على اسطول ابراهيم باشا.

فاجتمع قواد الحلفاء في ذلك اليوم وتداولوا في الامر، فاستقر رايهم على الدخول باساطيلهم ميناء نافارين ليكون ذلك، في نظرهم، ادعى الى اجبار ابراهيم باشا على تنفيذ مطالبهم. وتظاهروا بانهم يعملون في حدود معاهدة لوندره، وانهم لا يقصدون الا المحافظة على السلم، ومنع وقوع الحرب، وهكذا تكذب السياسة في لغتها واساليبها، فهي تبيت الشر والحرب، وتهيئ وسائل الخراب والدمار، وتتظاهر في الوقت نفسه بالمحافظة على الصلح والسلام.

كانت السفن المصرية والتركية مصطفة داخل الميناء على ثلاثة صفوف شبه متوازية، كل صف في شكل نصف دائرة، يمتد طرفاها من نافارين الجديدة الواقعة على يمين البوغاز الى جزيرة اسفاختريا التي تحجب عن الميناء امواج البحر، ووقفت البوارج والفرقاطات الكبيرة في الصف الاول، وفي الصف الثاني سفن الكورفيت، ويليها سفن الابريق وغيرها، وتجد على الخرطية (ص 211) موقع السفن.

وكان يحمي مدخل الميناء استحكامات قلعة نافارين وبطاريات من المدافع في طرف جزيرة اسفاختريا، يعاونها أيضا سفن خفيفة من الحراقات، وهي مراكب تندفع والنار مشتعلة فيها على بوارج الاعداء لتحرقها بنارها، وكان على ظهر بعض السفن المصرية طائفة من الضباط الفرنسيين الذين استخدمهم محمد علي لاصلاح البحرية، فأرسل اليهم الاميرال ريني قومندان الاسطول الفرنسي يدعوهم الى الانسحاب من الدوننمة المصرية حتى لا يحاربوا اخوانهم ومواطنيهنم، فلبوا الدعوة واستاذنوا من الاميرال محرم بك في مغادرة الاسطول، فلم يسعه الا الاذن لهم بما طلبوا، وتركوا الاسطول المصري يوم 18 أكتوبر في اشد الاوقات حرجا.

وفي صبيحة 19 أكتوبر جمع الاميرال كودرنجتون قباطين الحلفاء على ظهر بارجته آسيا واصدر اليهم تعليماته فيما يجب عليهم عمله عند بدء القتال.

واحكم قواد الحلافء تدابيرهم في الوقت الذي كان الاميرال محرم بك والاميرال طاهر باشا مطمئنين الى الموقف موقنين ان ليس ثمة حرب ولا قتال.

وانقضى يوم 19 أكتوبر والحلفاء معتزمون اقتحام البوغاز وتدمير العمارتين المصرية والتركية، وكانوا يزمعون انفاذ خطتهم ذلك اليوم، ولكن الريح لم تساعد السفن على دخول الميناء (وكانت السفن الحربية الى ذلك الحين تسير بالشراع لا بالبخار) فأرجأوا هجومهم الى اليوم التالي.

ففي نحو الساعة العاشرة من صبيحة 20 أكتوبر بدأت سفن الحلفاء تتأهب لدخول الميناء عند أول اشارة تصدر اليها، ففي ساعة الظهر اخذت البارجة آسيا التي تقل الاميرال كودرنتجون تتجه الى سمت من الخليج، تحيط بها بقية السفن الانجليزية، تتبعها العمارتان الفرنسية والروسية.

وفي منتصف الساعة الثانية بعد الظهر اصدر كودرنجتون امره الى اساطيل الحلفاء بالتاهب للقتال، وعند تمام الساعة الثانية اقتحمت البوغاز.

فارسل الاميرال محرم بك قائد الاسطول المصري رسولا الى البارجة آسيا يطلب الى كودرنجتون ان يمنع عمارة الحلفاء من الرسو في نافرين، فاجاب الاميرال الانجليزي الرسول في لهجة جافة بانه لم يجيء ليتلقى امرا، بل جاء ليملي اوامره، وكان هاذ الجواب دليلا على نية الشر والعدوان التي تختلع في نفوس الاميرال الانجليزي وزملائه، واستمرت البارجة آسيا في طريقها يتبعها بقية الاسطول واخذت سفن الحلفاء ومكانها الذي رسم لها من قبل، فاصطفت تقريبا على شكل نصف دائرة في مواجهة اسطول ابراهيم باشا، واقتربت معظم السفن حتى صارت امام السفن المصرية والتركية وجها لوجه (أنظر الخريطة) وصار بعضها على مرمى المسدس منها، فلم يكن ثمة شك في انها جاءت تتحداها للقتال.

ووقفت البارجة الانجليزية دارتموث على راس الصف لتعطل عمل الحراقات المصرية الراسية في مدخل الميناء، وطلب قومندانها الى احدى هذه الحراقات ان يغادرها بحارتها وجنودها، او ان تنسحب من موقعها، وكان هذا الطلب ذريعة الى اشعال نار القتال، فان الرسول الذي حمل هذا الطلب الى السفينة المصرية ذهب اليها في قارب مسلح متحفزا متحديا للقتال، وقد زعم في اضرام نار القتال، وذلك زعم لا يخفى حقيقة الواقع، وهو ان الحلفاء اقتحموا الميناء بسفنهم مضمرين الشر والعدوان، سواء أطلقت تلك الرصاصة ام لم تطلق فانهم جاءوا عازمين على تدمير الاسطول المصري التركي واخذه غيلة وغدرا، ولو لم تطلق تلك الرصاصة، ان صح انها اطلقت ، لما عدموا وسيلة اخرى يتذرعون بها الى اطلاق النار.

{{{خريطة}}} ص 213

كانت العمارة المصرية التركية عند ابتداء القتال تتالف من 62 سفينة حربية واساطيل الحلفاء 27 سفينة، فهي أقل منها عددا، ولكن كفة الحلفاء كانت أرجح، لأن لديهم من البوارج الكبرى عشر بوارج، في حين ان المصريين والترك لم يكن لديهم منها سوى ثلاث فقط، ومعلوم ان البوارج هي قوات الاساطيل البحرية، لانها عبارة عن قلاع كبيرة متحركة تحطم السفن الحربية الاخرى، دون ان تتمكن هذه من ان تنالها بسوء، وخاصة قبل اختراع المدمرات الحديثة والغواصات، اضف الى ذلك ان الحلفاء جاءوا مستعدين للضرب، على حين ان الترك والمصريين لم يكونوا متوقعين حربا ولا قتالا، فلم تطلق مدافع القلاع قنابلها على سفن الحلفاء اثناء اجتيازها البوغاز، ودخلت آمنة سالمة، هذا فضلا عن ان سفن الحلفاء كانت اشد بأسا واقوى سلاحا واكثر استعدادا وارقى قيادة من سفن الترك والمصريين، وكانت هذه داخل المرفأ ، فحصرتها سفن الحلفاء في كان ضيق لا يسهل عليها فيه الحركة، ولم تمض برهة على دخول الأساطيل الدولية حتى ابتدأ القتال، واطلقت بوارج الحلفاء مدافعها على السفن المصرية والتركية، وتجاوب الاسطولان الضرب، واستعرت نار الحرب والهيجاء، فانقلب المرفأ بركانا من الجحيم، واجتمعت بني جوانبه أسباب الهلاك والدمار، وصمت الآذان من قصف الاف المدافع التي كانت تطلق من الجانبين، ومن دوي انفجار السفن التي كانت تنسفها قنابل الحلفاء اثناء المعركة، وغشيت ميدان القتال طبقات متصاعدة من الدخان المتكاثف، تتخللها النيران المشتعلة، فكان المشهد رهيبا مروعا، ولم تعد السفن يميز بعضها بعضا الا على ضوء اللهب الذي كان يتصاعد بين آونة وأخرى من السفن المحترقة، ولم تستطع القيادة العامة متابعة حركات القتال، فاخذت اساطيل الحلفاء تتبارى في الفتك بالسفن المصرية والتركية.

لم تقصر السفن المصرية والتركية في الضرب، وابدى رجالها بسالة في القيام بواجبهم، ولم يسلموا في أية سفينة من سفنهم، واشتركت مدافع القلاع في القتال قدر ما استطاعت، ولكن اضرب الحلفاء كان اشد فتكا واقوى اثرا، فدمر معظم السفن المصرية والتركية.

ابتدأت الواقعة في منتصف الساعة الثالثة بعد الظهر، واستمرت الى نحو الساعة الخامسة مساء، وانتهت بالقضاء على العمارة المصرية، التركية، فقد هلك معظمها نفسا وغرقا، وجنحت البقية الباقية على السواحل، فاحرق البحارة اغلبها حتى لا تقع في ايدي الاعداء، وبلغ عدد قتلى المصريين والترك ثلاثة آلاف ، في حين لم يخسر الخلفاء سوى 140 من القتلى و300 من الجرحى.

تعدو واقعة نافارين من الوقائع القليلة التي يتمثل فيها الغدر ونقض العهود المواثيق، فانها وقعت من غير ان تعلن حرب بين تركيا والدول المتحالفة، واخذ الحلفاء السفن المصرية والتركية غيلة من غير ان تنذرها او تستعد للقتال، وكل ذلك مناف لابسط قواعد الحروب المتفق عليها بين الدول المتقدمة.

وقد فقدت مصر في هذه الواقعة اسطولها الذي قضى محمد علي السنين الطوال يبذل الجهود العظيمة وينفق الاموال الجسيمة في انشائه، فكان معظم الخسارة في هذا المعركة واقعا على مصر وبحريتها، وهكذا شاءت السياسة الانجليزية ان تبيت الشر لمصر واسطولها حتى اوقعت به في كارثة نافارين.

لم يشهد ابراهيم باشا واقعة نافارين، اذ كان اثناء وقوعها داخل بلاد موره يعمل على اخضاعها ، فلما بلغه تدمير العمارة المصرية عاد الى نافارين وشهد بنفسه آثار الواقعة، فحزن لها حزنا شديدا، ثم امر باعداد بعض السفن التي نجت من الكارثة وتعويم بعض التي غرقت وانقذها الى الاسكندرية، ثم رأى ان يلزم خطة الدفاع، فأخلى مدن الموره وامتنع بمعظم جنوده في ثغري كورون ومودون حتى يأتيه امر أبيه.


اختلاف وجهة نظر تركيا ومصر بعد الواقعة

اختلفت وجهة نظر تركيا ومصر بعد معركة نافارين. أما تركيا فانها رغم تدمير اسطولها في المعركة قد اصرت على رفض مطالب الدول المتحالفة، وطالبتها بتعويض عما لحق اسطولها من الدمار ووقفت موقف الصلابة والعناد بازاء الحلفاء.

فاعلنت الروسيا الحرب عليها واحتلت ادرنه وارسلت فرنسا الى بلاد اليونان جيشا مؤلفا من 18000 جندي بقيادة الجنرال ميزون لاجلاء المصريين والترك عنها.

وانتهت الحرب الروسية التركية بعقد معاهدة ادرنه (14 سبتمبر سنة 1829) وفيها وافقت تركيا على قرارات الدول في معهدة لوندره، فاعترفت باستقلال اليونان استقلالا داخليا والا يكون لها عليها سوى حق السيادة الاسمية، ثم اتفقت الدول على تخويلها الاستقلال التام 3 فبراير سنة 1830.

أما مصر فقد رأى محمد علي أن لا فائدة تنالها من مواصلة القتال بعد أن فقدت اسطولها في واقعة نافارين وانقطعت مواصلاتها البحرية مع جيوشها في بلاد اليونان، فلا سبيل الى امدادها ولان فرنسا انفذت الى المورة جيشا عهدت اليه تحقيق ما اتفقت عليه الدول بقوة السيف، وتعجل جلاء الجيش المصري، فادرك محمد عي باشا ان ليس من مصلحة مصر مشايعة تركيا في عنادها، وخاصة بعد ان تكبدت خسائر جسيمة في الارواح والانفس واحتملت نفقات فادحة تنوء بها خزانتها، وتحقق أيضا ان محاولة استرجاع اليونان عبث لا يجدي ، فرأى من الحكمة الا يجعل سياسة مصر مقيدة بسياسة تركيا وان يتفق مع الحلفاء على وقف القتال وجلاء الجيش المصري عن الموره.

وقد جنح به الى سلوك هذه الخطة ما تلقاه من قناصل الدول في مصر عن تصميم الحلفاء على تحرير اليونان، واستهداف مصر لكوارث الحرب اذاهي استمرت على اتباع سياسة تركيا، وفي غضون ذلك جاء الاميرال كودرنجتون قائد العمارة الإنجليزية الى مياه الاسكندرية وانذر بتخريب المدينة اذا لم يبادر محمد علي الى استعداء ابراهيم باشا من الموره، وسعى المستر باركر قنصل انجلترا في مصر الى اقناع محمد علي بالكف عن القتال، فاستمع لهذا النصائح والتهديدات وعقد اتفاقا مع الحلفاء، على اخلاء الجيش المصري لبلاد الموره على شروط وهي:

أولا: يتعهد محمد علي باعادة الاسرى اليونانيين وتحرير من بيع منهم في مصر. ثانيا: يتعهد الاميرال الانجليزي بارجاع الاسرى المصريين واعادة السفن المصرية التي اسرت اثناء القتال. ثالثا: ان تخلي الجنود المصرية الموره وينقلهم محمد علي باشا على سفنه. رابعا: الا يكره اليونانيون المقيمون بمصر على الرحيل منها ولا يجبرون على البقاء فيها، وكذلك يسمح لمن يشاء من اليونانيين أن يصحبوا الجيش المصري في عودته لمصر. خامسا: يجوز لابراهيم باشا ان يترك في موره عددا من العساكر لا يزيد عن الف ومائتين للمحافظة على مودرن وكورون ونافارين وباتراس وكستل تويرزه ، أما المواقع الاخرى فتخلى فورا.

وقد أبلغ ابراهيم باشا هذه الشروط وهو في اليونان فقابلها بالسخط الشديد لما راى ان جهود جيشه قد ضاعت فضلا عن الخسارئ التي تكبدها وخاصة ضياع العمارة المصرية، ولكنه اضطر للاذعان، فاصدر اوامره باخلاء المدن اليونانية والسير الى الثغور، ثم اقلعت بهم السفن الى مصر (أكتوبر سنة 1828).

وهكذا رجع الجيش المصري من اليونان الى الاسكنردية بعد ان انهكته الحروب والامراض، وتكبدت مصر في هذا الحملة متاعبة وضحايا هائلة، ونفقات جسيم’، وحسبك ان تعرف ان الجيش الذي جردته في حرب اليونان بلغ اثنين واربعين ألاف خسرت منه ثلاثين ألفا، وبلغت نفقات الحملة 775 ألف جنيه، وفقدت اسطولها الحربي في واقعت نافارين، فكانت خسائرها في الحملة فادحة وتضحياتها بالغة.


نتائج الحرب اليونانية

ان مصر لم تنل من الحرب اليونانية من الوجهة المادية شيئا سوى ضم جزيرة كريت اليها، فقد عهد السلطان محمود الى محمد علي ولاية تلك الجزيرة مكافأة له على خدماته في حرب الموره، فاذا صح القول بان مصر لم تكسب من ناحية التوسع والفتح، فما لا نزاع فيه ان هذه الحرب قد اكسبتها منزلة معنوية كبيرة، فان هذه اول حرب اوروبية خاض الجيش المصري غمارها، ولقد برهن فيها على كفاءته واثبت انه يضارع ارقى الجيوش الاوروبية في ميادين القتال، فلا غرو ان ارتفع شان مصر ونال جيشها شهرة عالمية، وهذه المكانة تعد من اركان عظمة مصر الحديثة ومن عوامل مجدا الخالد، والامم الحية تقدر مجدها الحربي تقديرا كبيرا وتبذل في سبيه الجهود والتضحيات.

هذا فضلا عن ان الجيش المصري قد اكتسب في تلك المواقع مرانا على الكفاح، وممارسة فنون الحرب وخططها واساليبها الحديثة، ولا ريب ان خوض الجنود والضابط والقوات غمار المعارك المتوالية مما يغرس في نفوسهم الفضائل والاخرق الحربية، ويعظم هممهم ويزيدهم شجاعة واقداما ، ويبصرهم بمواقع الحرب ويزيدهم علما وتجربة.

ولا يخفى من جهة اخرى ان الحرب اليونانية كانت خير اعلان عن قوة الجيش المصري، وحسن نظامه ، وكفاءة قواده، وشجاعة جنوده،ولقد ظهر في تلك الحرب ارفع شأنا واشد باسا من الجيش التركي، فكان لهذه الميزة اثرها في توطيد دعائم الدولة المصرية الفتية واعلاء شاناه حيال تركيا، بحيث لم يعد يسهل على السلطان ان ينظر الى محمد علي كوال من ولاة السلطنة العثمانية، بل جعلته الحرب ندا له وملكا مهيب الجانب، قوي البأس والسلطان، فلا غرو ان قويت في نفس محمد علي بعد تلك الحرب فكرة اعلان الاستقلال، تلك الفكرة التي ساورته منذ رسخت قدمه في الحكم وكان يعمل لها بثبات وحكمة وينتهز الفرص ويهيئ الوسائل ويرسم الخطط لتحقيقها، فكانت الحرب اليونانية مرحلة شجعته على تحقيق تلك الفكرة الجليلة.


وكانت من نائج الحرب اليونانية ان اخذت مصر تكسب مركزا دولية، لان الدول الاوروبية قد فاوضت محمد علي راسا دون وساطة تركيا، فكسبت بالفعل مركزا ممتازا بين الدول، وهكذا كانت الحرب اليونانية وسيلة لظهور شخصية مصر الدولية، وقد كان لحسن نظام الجيش المصري وما ابداه من المهارة والشجاعة والكفاية الفضل الاكبر في ما نالته مصر من المكانة، اذ خاطبت الدول محمد علي لاكما تخاطب واليا من ولاة السلطنة العثمانية، بل مخاطبة الند للند، وارسلت اليه الحكومة الانجليزية تبدي شديد اسفها على ما لحق بالاسطول المصري في واقعة نافارين، وتظهر رغبتها في جعل علاقتها بالباشا علاقة ودية، وفاوضته فيما يكون مركز انجلترا حيال مصر اذا نشبت الحرب بين الانجليز والأتراك، فتعهدت له بان يكون موقفها حيال مصر موقف حياد.

فالحرب اليونانية قد جعلت من مصر دولة مستقلة فعلا عن تركيا. وبذلك نالت مركزا ممتازا، وكان من مظاهر هذا المركز ان عقدت الدول اتفاقا (أغسطس سنة 1828) رأسا مع مصر، ووقع هذا الاتفاق بوغوص بك وزير خارجية مصر، وهذا اول وثيقة سياسية ابرمها وزير خارجية مصر مع دولة اجنبية في عصر محمد علي.

ويتبين لك مبلغ تصميم محمد علي باشا على انفاذ فكرة الاستقلال والانفصال عن تركيا من امتناعه عن مديد المساعدة لها في حربها مع الروسيا، فلقد ألح عليه السلطان في ارسال المدد، لكن اصر على الامتنع، واعتذر ببعد المسافة بطريق البر وعدم توافر السفن التي تنقل الجنود بطريق البحر، واعتذر ايضا بتفشي الوباء في مصر والشام، وكل هذه اعذار ظاهرة، أما السبب الحقيقي لخطته الجديدة فهو طموحه الى الانفصال عن تريكا وتحقيق استقلال مصر، ولذلك لم تكد تنتهي الحرب اليونانية وينفض الجيش المصري غبار المعارك التي خاضها حتى بدأت مقدمات الحرب ضد تركيا، اذ اخذ محمد علي يتاهب لمنازلتها في ميادين القتال كي يؤلف الدولة المصرية المستقلة بقوة السيف والمدفع.

الفصل الثامن: الحرب في سورية والأناضول

خرجت مصر من الحرب اليونانية دون ان تظفر بفتوحات جديدة، ففي حين ان الحرب الوهابية قد انتهت ببسط نفوذها في جزيرة الحرب، وضم اليها فتح السودان الشطر المكمل للدولة المصرية، فان الحرب اليونانية لم تكسبها فتحا جديدا، بل انتهت بجلاء الجيش المصري عن بلاد الموره وعودته الى مصر.

وقد أرادت تركيا ان تعوض محمد علي باشا بعض ما فقده في الحرب اليونانية، فاسندت اليه جزيرة كريت، لكن هذا العوض لم يكن ذا قيمة اذ لم يكن من السهل ان تحكم مصر تلك الجزيرة أو تبسط سيادتها عليها او تستفيد منها لنزوع اهلها الى العصيان ولانها كانت ارض فتن وثورات.

فلا غرو ان طمح محمد علي الى ضم سورية الى مصر، ولم يكتم نيته عن الحكومة التركية، فانه طلبها منها تعويضا عما تكبده الجيش المصري من الخسائر في حرب الموره، ولكن السلطان لم يجبه الى طلبه، فاعتزم ان يناله بحد السيف، وراى ضرورة ضم سورية الى مصر لانها كحاجز حصين بين الدولة المصرية والدولة العثمانية، وبها تتقي مصر شر تركيا اذا حدثتها نفسها بغزو مصر.


اسباب الحملة على سورية

ان حرب الشام يصح اعتبارها حربا دفاعية، وحربا هجومية. اما كونها حربا دفاعية فلان محمد علي يعلم ان تركيا لا تفتأ تسعى لاسترداد مركزها في مصر ما وجدت سبيلا الى ذلك، وان السلطان محمود لم يكن خالص النية نحوه، بل كان ينظر بعين الحسد الى تقدم مصر وما كسبته من المكانة العالية، ولم ينس كذلك ان مصر امتنعت عن مساعدته في حربه مع الروسيا سنة 1828. فاضطغن السلطان على محمد علي باشا، واخذ يتربص به لينتقم منه وينتزع منه حكم مصر، ولم يكن يحول بينه وبين ذلك سوى ارتباط احوال الدولة العثمانية وضعفها، فاذا ما سنحت الفرصة فإنه لا يتردد في التخلص من خصمه، فطموح محمد علي الى فتح سورية كان الغرض منه ان يدافع عن مصر وعن مركزه فيها.

واذا تأملت ما كتبه الدكتور كلوت بك في هذا الصدد رايت انه يعبر عن وجهة نظر محمد علي في الحملة على سورية اذ يقول: "ان ضم سورية الى مصر كان ضروريا لصيانة ممتلكات الباشا، فمنذ تقرر في الاذهان ان انشاء دولة مستقلة على ضفاف النيل يفيد المدينة فائدة عامة وجب الاعتراف بانه لا يمكن ادراك هذه الغاية الا بضم سورية الى مصر، وقد رأينا فعلا أن موقع البلاد الحربي لا يجعلها في مأمن من الغزوات الخارجية خصوصا عن طريق برزخ السويس، فاذا استثنينا غزوة الفاطميين المغاربة وغزوة الفرنسيين بقيادة بونابرت نجد ان سائر الغزوات جاءت عن طريق سورية كغزوة الفرس، في عهد قمبيز وغزوة الاسكندر والفتح الاسلامي وغزوتي الايوبيين والاتراك، وعلى ذلك لا يمكن الاطمئنان الى بقاء مصر مستقلة الا باعطائها الحدود السورية لان حدودها ليست في السويس بل في طوروس".

فالحرب السورية من هذه الوجهة كانت اذن حربا دفاعية.

لكنها كانت ايضا حربا هجومية وكان الغرض منها التوسع في الفتح والسلطان، فان محمد علي كان يطمح الى ضم سورية منذ سنة 1810، وكان يامل في ان يصل الى حكمها بموافقة السلطان، كتب المسيو دروفتي قنصل فرنسا في مصر، وكان من اكبر اعوان محمد علي، رسالة الى حكومته سنة 1811 يقول فيها: "ان محمد علي يطمع في ولاية سورية، وقد قال لي يوما انه لا يستبعد ان ينالها مقابل مبلغ من المال سبعة او ثمانية ملايين قرش يدفعها لخزانة السلطان، وقد اخذت فكرة الاستقلال تزداد رسوخا عنده منذ استظهاره على اعدائه وقمعه فتنة الجند وتخلصه من الارتباكات المالية".

وقد اشار المسيو دروفني في رسالة أخرى لحكومته الى معدات الحملة الفرنسية على الوهابيين فاظهر الشك فيما اضمر محمد عليها منها، وهل يقصد بها الحجاز أم سورية، قال في هذا الصدد:

"ان جميع الاستعدادات التي يعدها الباشا تدل على ان الحملة تخترق الصحراء وتصل منها الى سورية، ولا تزال غايتها الحقيقية سرا مكتوما في ضميره، وخطته في هذا الصدد لم تتغير " وهي التأني ثم التصرف مع الاحوال بحسبها".

وقد طلب فعلا من السلطان خلال الحرب الوهابية ان يعهد اليه بولاية الشام وكانت حجته في ذلك انه في حاجة الى مدد منها لمعاونته على قتال الوهابيين.

ففكرة ضم سوريه الى مصر كانت اذن تختلج في نفس محمد علي باشا منذ سنة 1810، ولقد صرفه عنها انهماكه في الحرب الوهابية، ثم فتح السودان، ثم الحرب اليونانية، فلما انتهى من هذه الاخيرة اخذ يفكر في انفاذ فكرته القديمة.

ومن الراجح الذي تؤيده الحوادث ان مشروع محمد علي كان يتناول انشاء دولة عربية مستقلة في مصر تضم اليها البلاد العربية في أفريقية وآسيا، ففي أفريقية قد استقل بمصر وفتح السودان، وفي آسيا قد فتح معظم جزيرة العرب وبسط عليها نفوذ الحكومة المصرية، وبطموحه الى سورية اراد ان يؤسس الدولة المصرية الكبيرة.

ويؤيد هذه الفكرة رجحانا بعض تصريحات فاه بها ابراهيم باشا خلال الحرب السورية، فقد ذكر المسيو كادلفين وبارو في كتابهما انه بينما كان الحصار مضروبا على عكا سئل ابراهيم باشا الى اي مدى تصل فتوحاته اذا تم له الاستيلاء على عكا فقال ما معناه الى مدى ما يتكلم الناس واتفاهم واياهم باللسان العربي، وقد قابله البارون ليو الكونت بالقرب من طرطوس بالاناضول سنة 1823 بعد عودته من كوتاهيه، وكان له معه حديث طويل، فذكر عنه "ان ابراهيم باشا يجاهر علنا بانه ينوي احياء القومية العربية، واعطاء العرب حقوقهم، واسناد المناصب اليهم سواء افي الادارة ام في الجيش، وان يجعل منهم شعبا مستقلا ويشركهم في ادارة الشئون المالية، ويعودهم سلطة الحكم كما يحتملون تكاليفه، وتتجلى فكرته هذه في منشوراته ومخاطباته لجنوده في الحرب الاخيرة بسوريةه، فانه لا يفتأ يذكرهم بمفاخر الامة العربية ومجدها التالد، ويتصل بهذا المعنى مجاهرته بان كل البلدان العربية يجب ان تنضم تحت لواء أبيه، وقد قال لي أن اياه يحكم مصر والسودان وسورية، ومن الواجب ان يضم العراق الى حكمه، وان جزيرة العرب تابعة لابيه الذي يعمل الان على اتمام فتحها، وهو في صلاته مع اهل البلاد يستخدم اللغة العربية، ويعد نفسه عربيا، ولذلك لا ينفك يطعن في الاتراك، وقد لاحظ عليه ذلك احد جنوده وخاطبه بتلك الحرية التي كان يشجع رجاله عليها وساله كيف يطعن في الاتراك وهو منهم، فأجابه ابراهيم باشا على الفور: "أنا لست تركيا، فاني جئت مصر صبيا، ومنذ ذلك الحين قد مصرتني شمسها وغيرت من دمي وجعلته دما عربيا".

فهذه البينات تلد على ما اتجه اليه فكر ابراهيم باشا من تأسيس دولة عربية مصرية تجمع شمل الناطقين بالضاد وتحي عهد الفاطميين والايوبيين والسلاطين البحرية والبرجية حين كانت مصر تضم الى رقعتها سوريه وجزيرة العرب.

وكان لمحمد علي في فتح سورية اغراض اقتصادية، فانه أراد استغلال مواردها من الخشب والفام والنحاس، تلك الموارد التي كانت مصر مفتقرة اليها، فهي في حاجة الى الاخشاب للوقود ولبناء السفن الحربية والتجارية، والى الفحم والنحاس والحديد لترقية صنائعها وخاصة بد أن أنشأ محمد علي المصانع "الفابريقات" التي تحتاج ادارتها الى الفحم والحديد والنحاس.

وكذلك كان يرمي اذا بسط نفوذ مصر في سورية ان يجند من سكانها في الجيش المصري فيزداد الجيش عددا وقوة.

تلك هي الاسباب الحقيقية التي نزعت بمحمد علي باشا ان يطمح الى فتح سورية. وقد كانت الظروف في سنة 1831 ملائمة لانفاذ مشروعه، فان تركيا قد خرجت من الحرب اليونانية، ثم من الحرب الروسية سنة 1829، مضعضة منهوكة القوى، وزاد في ضعفها كثرة الفتن والاضطرابات الداخلية فيها، وقد ألغى السلطان محمود سنة 1826 فرقة الانكشارية التي كانت قوام الجيش العثمانين وذلك لما كانت عليه من الفوضى، وابادهم ، ولكنه لم يجد متسعا من الوقت بدلا منهم جيشا جديدا نظاميا، بل كانت القلاقل والاضطرابات تحول دون انفاذ عزمه، في حين ان محمد علي كان على تمام الاهبة للدخول في حومة الوعي، معتمدا على الجيش النظامي الذي قضى سنوات عدة في انشائه وتدربيه، وعلى الاسطول الذي أنشأه في ترسانة الاسكندرية، ولم يكن السوريون متعلقين بالحكم العثماني لكثرة ما عانوا من مساوئه ومظالمه، فلم يكن متوقعا ان يلقى الجيش المصري في زحفه على سورية مقاومة من الاهالي، وخاصة لان محمد علي باشا قد اجتذب اليه الامير بشير الشهابي كبير أمراء لبنان منذ سنة 1822 وتوثقت بينهما العلاقات من ذلك الحين، اذ كانت الحكومة العثمانية قد عزلته من امارة الجبل، فلجأ إلى محمد علي في مصر فتشفع له لدى الدولة فأصدرت عفوها عنه وحفظ له هذا الجميل، فكان له عضدا كبيرا في الحملة السورية، واستمال ايضا الشيخ حسين عبد الهادي من زعماء نابلس ومصطفى أغا بربر الذي عينه ابراهيم باشا اثناء الفتح متسلما لطرابلس، فكان الثلاثة من اعوانه في الفتح.

فمحمد علي لم يكن يخشى مقاومة من جانب الاهالي، اما الجيش العثماني فكان يأمل ان يظهر علىه لتفوق الجيش المصري عليه بحسن النظام والتدريب وفكاية القيادة.


الاسباب المباشرة للحملة

تلك هي البواعث الحقيقية للحملة السورية، والان فلنعقب عليها بالاسباب المباشرة التي تذرع بها محمد علي باشا للزحف على الشام.

وبيان ذلك ان كثيرا من الفلاحين المصريين قد فدحتهم اعباء السخرة والضرائب التي فرضها محمد علي باشا، فهاجروا جماعات الى الاقطار السورية المتاخمة لمصر فرارا من هذه المكاره، وتخلصا من الخدمة العسكرية، وفد طم سيل المهاجرين حتى بلغ عددهم ستة آلاف من الفلاحين، وخشى محمد علي من عواقب هذه الهجرة وما تفضي اليه من المضار الاقتصادية، فطلب من عبد الله باشا والي صيدا، ان يرجع المهاجرين المصريين الى بلادهم، فرفض عبد الله باشا طلبه محتجا بان المصريين من الرعايا العثمانيين ولهم الحق ان يقيموا أنى شاءوا، فغضب محمد علي من هذا الجواب، وكتب اليه يتوعده وينبئه انه قادم ليعيدهم جميعا يزيدون واحدا، وهو عبد الله باشا ذاته.

وكان عبد الله باشا مما جعل لمحمد علي باشا مندوحة في تجريد الحملة عليه، فلم يكن في الظاهر محاربا لتركيا ولا مجاهرا بعصيانها. وما فتئ خلال الدور الاول من الحملة يتظاهر باخلاصه ويزعم انه انما يحارب حاكما شبه مستقل خارجا على الدولة، ومما يجدر ذكره ان محمد علي باشا كانت له يد سابقة على عبد الله باشا هذا، فقد عزلته الحكومة التركية من ولاية صيدا سنة 1822، فتشفع له محمد علي فعفت عنه وابقته في ولايته، ولكن عبد الله باشا لم يحفظ هذه اليد لمحمد علي اذ كان من الباشوات الكثيري المطامع، فقد استأثر بالسلطة في ولاية صيدا وطمع كذلك في ضم ولاية الشام اليه وكان يخشى على سلطته من امتداد نفوذ محمد علي، فلم يراع جانبه ولم يكترث لغضبه، وكان فضلا عن ايوائه المهاجرين المصريين يساعد قوافل التجارية على تهريب المتاجر من الجمارك المصرية وتفيوتها من طريق صحراء سوريا فأضر ذلك بالخزانة المصرية.

فلما امتنع عن ارجاء المهاجرين المصريين صمم محمد علي ان ينفذ الحملة على سورية.


تأليف الحملة

كانت الحملة المصرية على سورية مؤلفة في بداءتها من 6 آلايات من المشاة وأربعة من الفرسان، وعدتهم 30000 مقاتل بقيادة ابراهيم باشا، مجهزين باربعين مدفعا من مدافع الميدان وعدة من مدافع الحصار، وما يكفيهم من الذخائر والمؤن، واحتشد جنود الحملة، فريق في ضواحي القاهرة بالخانكة وفريق في الاسكندرية.

"اشتركت العمارة المصرية في الحملة، فنقلت جزءا من الجيش بطريق البحر، وحملت المدافع الضخمة والذخيرة والمؤن، وخاضت في بعض المواطن غمار القتال، وكانت مؤلفة من 16 سفينة حربية و17 سفينة نقل معقودا لواؤها للاميرال عثمان نور الدين بك (باشا) وهو من خريجي البعثات المصرية التي ارسلها محمد علي الى فرنسا ونبغ في الفنون الحربية والبحرية وكان ناظرا للمدرسة الحربية التي انشأها ثم جعله محمد علي أميرالا للأسطول المصري لما عهده فيه من الكفاية والاخلاص، وسنعود الى الكلام عنه.

تمت معدات الحملة في اوائل سنة 1831، وكان موعد زحفها في صيف تلك السنة، ولكن وقوع وباء الكوليرا في مصر وقتئذ اخر زحف الحملة، فقد فتك بالاهالي فتكا ذريعا، ودام فتكه اربعة وثلاثين يوما، وما به نحو 150 ألف نسمة، واستطار في الجيش، فاودى بحياة خمسة آلاف من الجنود، فتوقفت الحملة عن السير حتى تكافح الحكومة هذا الوباء.

سير الحملة

ولما جاء شهر اكتوبر سنة 1831 اصدر محمد علي اوامره بتحرك الحملة، وكان خط سيرها ان يسير معظم الجيش برا عن طريق العريش الى حدود سورية، وان تقل العمارة ابراهيم باشا القائد العام واركان حربه وجزءا من الجيش والمدافع الضخمة والذخيرة والمؤونة من الاسكندرية الى يافا.

ففي اليوم التاسع والعشرين من شهر أكتوبر سنة 1831 بدأ الجيش البري يتحرك من معسكر الخانكة بقيادة ابراهيم باشا يكن قاصدا الحدود السورية مارا ببلبيس، فالقرين، فالصالحية، فقطية، فبئر العبد، فمسعودية، فالعريش حيث استراح بها يوما، ثم دخل التخوم السورية فاحتل خان يونس.


احتلال غزة ويافا وحيفا

واحتل غزة بعد ان فرت منها الجنود العثمانية، ثم زحف على يافا فاخلتها الحامية التركية واحتلها الجيش المصري، وفي غضون ذلك اقلعت العمارة المصرية من الاسكندرية تحمل باقي الجيش وتقل القائد العام ابراهيم باشا يصحبه اركان حربه ومنهم الكولونيل سيف (سليمان باشا الفرنساوي وكان لم يزل بك) وعباس حلمي باشا.

وصلت العمارة الى يافا ثم الى حيفا حيث القت مراسيها وانزلت بها الذخائر والمدافع، والتقت القوات التي جاءت برا بالقوات الآتية بحرا، واتخذ ابراهيم باشا (حيفا) قاعدة للحركات العسكرية وجمع فيها الذخائر والمؤونة وشرع في مهاجمة عكا.


حصار عكا

(نوفمبر سنة 1831)

كانت عكا على جانب عظيم من المنعة، ولا غرو فهي التي اعجزت نابليون منذ نيف وثلاثين سنة عن فتحها، وقد زاد احمد باشا الجزار في استحكاماتها القديمة بعد انسحاب الفرنسيين من سورية فصارت امنع مما كانت، فكان عبد الله باشا مطمئنا الى امتناعه بها، واثقا من عجز الجيش المصري عن اقتحامها، وكانت حامية المدينة مؤلفة من ثلاثة آلاف مقاتل، فاعتزم ان يدافع عناه دفاع المستميت.

زحف الجيش المصري على عكا وضرب عليها الحصار منذ يوم 26 نوفمبر واشتركت العمارة المصرية في حصارها من البحر، فكان الحصار مضروبا عليها برا وبحرا، واطلقت مدافع البر والبحر قنابلها على اسوار عكا وحصونها، ولكن الحصون جاوبتها بنار حامية واحدثت اضرارا ببعض السفن المصرية مما اضطرها الى الرجوع للاسكندرية لاصلاح ما اصابها من العطب، فاستعصت عكا على الجيش المصري، وانقضت ثلاثة أشهر دون أن ينال منها منالا، واخذ ابراهيم باشا في خلال هذه المدة يحتل المواقع الهمة في ولاية صيدا وما حولها، فاحتلت فرقة من الجنود المصرية بقيادة حسن بك المانسترلي وصور وصيدا وبيروت وطرابلس واحتلت كتيبة اخرى مدينة القدس وكان الجيش كلما نزل ببلدة سلمت له بدون قتال.


موقف تركيا

اضطربت تركيا امام زحف الجيش المصري، وبادرت في بادئ الامر الى ارسال مندوب عنها الى محمد علي باشا يطلب اليه الكف عن القتال، وكان الباشا يعلم بارتباك احوال تركيا وعجزها عن حشد جيش يصد زحف الحملة المصرية، فاخذ يماطل في الجواب، وتظاهر بالاخلاص للدولة العثمانية، وفي الوقت نفسه ارسل الى ابراهيم باشا يأمره بمواصلة الحرب بالاخلاص للدولة العثمانية، وفي الوقت نفسه ارسل الى ابراهيم باشا يامره بمواصلة الحرب وتشديد الحصار على عكا حتى يفتحها قبل ان يصل الجيش التركي لنجدتها اذا فكرت تركيا في امدادها.

وقد حشد الباب العالي نحو عشرين الف مقاتل تحت قيادة عثمان باشا اللبيب والي طرابلس وعهد اليه رفع الحصار.

فزحف الجيش العثماني يرمي اليها، وضم اليه كل من لقبهم في طريقه من جموع الاكراد والعرب.

علم ابراهيم باشا بتحرك هذا الجيش، فعقد مجلسا حربيا من نخبة ضباطه واركان حربه يتدبر في الامر، فاستقر رايه على ان يترك حول عكا القوة الكافية لمتابعة الحصار، وان يتحرك بالجزء الآخر من جيشه ليصادم الجيش التركي في الطريق، ويتغلب عليه قبل أن يصل الي عكا.

تقدم عثمان باشا يقود بضعة آلاف من جنوده وانتهز فرصة اشتغال ابراهيم باشا في حصار عكا فهاجم طرابلس التي كانت تحتلها حامية مصرية فدخل المدينة، ولكن جنود الحامية ردوا المهاجمين على اعقابهم، على أن مركزهم لم يلبث ان تحرك بازدياد قوات الاعداء وصارت طرابلس مهددة بسقوطها في يد الترك، فبادر ابراهيم باشا الى نجدتها وسار اليها بطريق الساحل فلما اقترب منها ارتد عنا عثمان باشا.


انتصار المصريين في الزراعة

(14 أبريل سنة 1832)

تعقب ابراهيم باشا الترك الى حمص، ثم رأى ان يرجع الى بعلبك ليمتار منها بالذخيرة الكافية قبل ان يمضي في مطاردة الجيش العثماني، فوصل الى سهل الزرعة.

وقد توهم عثمان باشا ان هذا التراجع علامة الضعف، فتقدم لمهاجمة الجيش المصري، فالتقى به في سهل الزرعة، ومع ان الجيش العثماني كان اكبر عددا الا انه دون الجيش المصري في النظام وكفاية القيادة.

كان جيش عثمان باشا مؤلفا من فرسان العرب والاكراد، فهجموا على الجيش المصري واحاطوا به من كل جانب، وخيل لهم انه اصبح في قبضة يدهم، لكن ابراهيم باشا بمعاونة سليمان بك (باشا) الفرنساوي رتب الجنود المصرية على هيئة صفوف منتظمة متراصة ووضع وراءها المدافع حتى لا يراها المهاجمون، فانخدع القائد التركي بهذه الحيلة وهجم بكل قواته على الصفوف المصرية، فلبثت هذه ساكنة حتى اذا صار الاعداء على مسافة قريبة ارتد المصريون وراء المدافع وانفجرت هذه بقنابلها فحصدت المهاجمين مشاة وركبانا، فوقعت بهم الخسارئ الفادحة واختل نظامهم وتفرق جمعهم ونكصوا الى الوراء فسار المصريون في اعقابهم حتى دفعوا بهم الى نهر العاصي حيث غرق الكثير منهم، وانتهت المعركة بهزيمة الجيش التركي وارتد عثمان باشا وجنوده الى مدينة حماة ومكث بها كي يتلقى المدد ، أما ابراهيم باشا فقد عاد بعد واقعة الزراعة الى بعلبك يتأهب لاستئناف الزحف.


{{{خريطة ص228}}}

وفي خلال ذلك اعتنم عبد الله باشا فرصة نقص القوات المحاصرة لعكا اذ هبطت الى عشرة آلاف فخرج من معاقلة، وهاجمهم وظهر عليهم، واستولى على الكثير من مدافعهم على ان ابراهيم باشا لم يعبأ بهذا النصر الذي ناله عبد الله باشا لوثوقه ان النصر الحاسم هو فوزه على جيش عثمان باشا.


فتح عكا

(27 مايو سنة 1832)

ومكث ابراهيم باشا في بعلبك يرقب حركات الجيش العثماني مخافة ان يعاود كرة الهجوم، لكنه ما لبث ان علم ان عثمان باشا انفذ يطلب المدد من الاستانة، وهذا دليل على ضعف مركزه، ولما كان المدد لا يمكن ان يصل الا بعد شهرين اذا اعجله الباب العالي، فقد اطمأن ابراهيم باشا من هذه الناحية، وعاد الى عكا وشدد الحصار عليها من البر والبحر، وساعده في ذلك العرب والدروز والموارنة الذين أتوه طائعين.

حمل ابراهيم باشا على المدينة واخذ يرمي سورها بالمدافع القوية، وما زال الضرب مستمرا حتى تصدع السور وفتحت فيه ثغرتان كبيرتان واخرى صغيرة، وعندئذ صمم ابراهيم باشا على مهاجمة المدينة بجيشه وحدد للهجوم يوم 27 مايو سنة 1832.

ففي صباح ذلك اليوم حملت الجنود المصرية على الثغرات الثلاثة، فاستولوا على اثنتين منها، وتردد الجنود الذين قصدوا الاستيلاء على الثغرة الثالثة ولقوا مقاومة شديدة، فارتدوا الى الوراء، فلما ابصر ابراهيم باشا ارتدادهم بادر الى نجدتهم بجزء من الاحتياطي وتقدم هو الجنود شاهرا سيفه، فدبت الحمية في نفوسهم وعادوا الى الثغرة فاقتحموها، ودار قتال استمر حتى المساء، ودافعت الحامية دفاعا مجيدا، وابدى الفريقان شجاعة كبيرة الى ان عظمت خسارئ الحامية، وكلت عن مواصلة الحرب، فطلب عبد الله باشا التسليم وسلم المدينة في مساء ذلك اليوم.

وبذلك انتهى حصار عكا بتسليمها للجيش المصري بعد ان استمر ستة أشهر، وقد وقعت بالفريقين خسائر فادحة، فبلغت خسائر الجيش المصري اربعة آلاف وخمسمائة قتيل، وخسرت الحامية 140 قتيل، وهي خسارة تدل على شدة ما احتمله الفريقان، فلا غرو ان كان لفتح عكا دوي عظيم تجاوب في الخافقين، فان عكا هي التي امتنعت على نابليون منذ نيف وثلاثين سنة وعجز عن فتحها وارتد عنها خائبا، فانتصار ابراهيم باشا في فتحها هو صفحة مجد وفخار للجيش المصري.

ومن الواجب تقديرا للحقيقة ان ننوه بان العقابت التي اعترضت نابليون في حصار عكا كانت اشد وابلغ مما اعترض الجيش المصري، فان نابليون حاصر عكا من البر، وكان الاسطول الانجليزي يدافع عنها من البحر ويمنع مواصلات الجيش الفرنسي من هذه الناحية، ولم يجد نابليون امامه سوى طريق الصحراء الشاق، فانقطع عنه المدد، بينما كان الجزار يتلقى المدد والمؤونة والذخيرة بحرا، أما الجيش المصري فقد عاودته العمارة المصرية من البحر، فكانت المدينة في حصار محكم برا وبحرا، ففضلا ان ان ابراهيم باشا كان على اتصال مستمر بثغور مصر وساحلها بواسطة العمارة المصرية، واستطاع ان يتابع الحصار ستة أشهر كاملة، فابراهيم باشا كان من هذه الوجهة اكثر توفيقا من نابليون، على أنه لا يغرب عن البال ان ما ابداه الجنود المصريون، من الجلد والصبر على مكاره القتال، وما امتازت به قيادتهم من الدربة والكفاية، كل ذلك كان له الفضل الاكبر في ذلك الفتح المبين.

وقد كان لسقوط عكا تاثير ابتهاج عظيم في مصر فاقيمت الزينات في القاهرة ثلاثة أيام متواليات.

اما عبد الله باشا والي عكا بعد ان سلم نفسه تلقاه ابراهيم باشا بالحفاوة والاجلال، وارسله الى الاسكنردية حيث احسن محمد علي مثواه واسكنه في قصر خصص له ، وحقه بالرعاية والاكرام.


فتح دمشق

(16 يونيه سنة 1832)

اعتزم ابراهيم باشا بعد ان اراح جنوده ورتب شئونه في عكا ان يمضي شمالا قاصدا فتح دمشق، فغادر عكا في يوم 9 يونيه سنة 1832 في جيش مؤلف من 18000 من المقاتلة، منهم 9000 من الجنود النظامية و9000 من العربان المصريين والبدو السوريين والدروز، فلما اقترب من دمشق وقعت مصادمة خارج المدينة بين الجيش المصري والجيش العثماني انهزم فيها الترك وفر والي الشام بجنوده.

ولم يكن الاهالي متعزمين مقاومة الجيش المصري لان مساوئ الحكام الاتراك جعلتهم لا يميليون الى المقاومة بل كانوا اقرب الى الرغبة في تغيير حكامهم.

فخرج وفد من اعيان المدينة وقابلوا ابراهيم باشا وقدموا طاعتهم، فدخل المدينة يوم 16 يونيه ونصب الجيش خيامه خارج المدينة، واحترم الجنود المصريون املاك الاهالي واموالهم، فكان سلوكهم مدعاة للاعجاب مما حبب الحكم المصري الى نفوس السوريين وخاصة حينما قابلوا هذا المسلك بما اعتاده الجيش العثماني من أنواع الاعتداء المكرة.

وأقام ابراهيم باشا في دمشق ثمانية عشر يوما، وحضر صلاة الجمعة في الجامعة الأموي، ورتب الادارة فيها على نظام جديد فعين احمد بك اليوسف احد أعيانها متسلما عليها، وانشأ ديوانا مؤلفا من عشرين من اعيان المدينة سماه ديوان المشورة يختص بنظر دعاوى الرعية والحكومة.


واقعة حمص

(8 يوليه سنة 1832)

جزع الباب العالي لسقوط عكا في يد الجيش المصري، وكان يظن انها ترده خائبا كما ردت نابليون من قبل، فلما واجهته الحقائق خشى على مركزه ان يتزعزع امام انتصارات المصريين، وكان قد اعلن عصيان محمد علي اثناء حصار عكا وحشد جيشا مؤلفا من ستين ألف جندي لقتاله، واعد أسطولا من خمس وعشرين سفينة للاقلاع من الدردنيل ومحاربة الاسطول المصري.

وعهد بقيادة جيش البر الى السر عسكر حسين باشا قاهر الإنكشارية ومنحه لقب سردار أكرم، وكان من أكفأ قواد تركيا، ووهب له ولاية مصر وكريت اذا هو قهر الجيش المصري، فلو كتب له الفوز لوقعت مصر في وهدة الفوضى التي كانت تتردى فيها في عصر الولاة الأتراك، ولقضي على الاستقلال المصري في مهده، ولكن بطولة الجيش المصري حالت دون وقوع الكارثة ومنعت عودة مصر الى فوضى الحكم التركي.

تقدم جيش حسين باشا ببطء، فلم يصل الى مضايق جبال طوروس الا في أوائل شهر يوليه سنة 1832، ولم يشأ قائده ان يتقدم بمجموع جيشه لملاقاة الجيش المصري، بل ظل على مقربة من أنطاية وأنفذ محمد باشا والي حلب وتحت امرته مقدمة الجيش وامره بالتحصن في حمص.


كان هذا التدبير خطأ حربيا كبيرا، لان انفصال المقدمة عن باقي قوات الجيش وتورطها في مقاتلة الجيش المصري يعرضها للهلاك المحتوم، فلما علم ابراهيم باشا بهذا الخطأ عزم على مواجهة مقدمة الجيش التركي وسحقها. ثم مهاجمة باقي الجيش بعد ذلك، فتقدم من دمشق زاحفا على حمص، واستعدى من بعلبك وطرابلس بقية جنده الذين كانوا بقيادة عباس حلمي باشا وحسن بك المانسترلي فصارت قوة الجيش عندما بلغ حمص نحو ثلاثين الف مقاتل، وصار أمام عسكر محمد باشا والي حلب، وهناك وقعت الواقعة المشهورة بمعركة حمص (8 يوليه 1832).

تقع مدينة حمص على الشاطئ الأيمن من نهر العاصي، وموقعها غاية في الأهمية، لأنها ملتقى عدة طرق، فهي على طريق بعلبك ودمشق جنوبا، وطريق أنطاكية وحلب شمالا.

وقد عسكر محمد باشا قائد الجيش التركي بجنوده على نهر العاصي، جنوبي حمص وتحت اسوارها، ورتب جيشه على صفوف ثلاثة، فوقف المشاة في الصف الاول، تمتد مسيرتهم على مقربة من ضيعة متهدمة على مسافة نصف فرسخ، والصف الثاني من خلفهم، ويتالف من ألايين من المشاة، وعن يمينهم وشمالهم ألايان من الفرسان، ويليهم الصف الثالث، ومعظمه من الجنود غير النظامية (الباشبوزق)، وتحمي المدفعية جناحه الأيمن، أما الصف الأول والثاني فلم يكن يسندهما سوى عدد ضئيل من المدافع، وهذا من سوء التدبير.

أما الجيش المصري فقد رابط في مواجهة الجيش التركي على ثلاثة صفوف، فوقف في الصف الاول فريق من المشاة يبلغ عددهم ثلاثة ألايات، وعن يمينهم وشمالهم ألايان من الفرسان، وفي الصف الثاني وقف جنود الحرس والمشاة، يشد أزرهم من الجانبين ألايان آخران من الفرسان ورابط الاحتياطي من الفرسان والمشاة في الصف الثالث.

ونصب ابراهيم باشا مدافعه على ترتيب بديع، فجعل امام الصف الاول ثلاث بطاريات ، واحدة في القلب، وأخرى في اليمين، والثالث على اليسار، ووضع بين الصف الثاني والصف الثالث ثلاث بطاريات أخرىآ، وفيها المدافع الثقيلة، وبينها وبين الاحتياطي مهمات الجيش وامتعته، وعلى جانبي الصف الثالث فرسان البدو من العرب الهنادي وغيرهم.

يدل هذا الترتيب وحده على دقة في التدبير وكفاية في القيادة، ولو تأملت في خريطة الواقعة (ص 233) لتبينت بداءة ذي بدء مبلغ الفرق بين قيادة الجيش المصري وقيادة الجيش التركي.

ولقد كان ابراهيم باشا اسرع من خصمه الى رسم خطط القتال، فبينما كان محمد باشا قائد الجيش العثماني مترددا في اي طريق يأخذه ، استقر رأي ابراهيم باشا بعد ان استشار خاصة اركان حربه على ان يكون البادئ بالهجوم.

فأمر كتائب الفرسان التي ترابط على ميمنة الصفوف الثلاثة بالزحف شرقا لتقوم بحركة التفاف حول ميسرة الترك، وتولى بنفسه قيادة هذه الحركة، لان على نجاحها يدور مصير المعركة.

فتحرك الفرسان وفقا لهذه الخطة، واجتازوا الضيعة المتهدمة المتقدم ذكرها بنحو ألفين الى ثلاثة الاف خطوة، وتقدموا لمهاجمة فرسان الترك من الجنود غير النظاميين الذين كانوا على مقربة من الضيعة، وكان الهجوم شديدا محكم الوضع، فتراجع الترك امام قوة الهجمة وشدة الضرب، وتفقروا بددا، واحتل المصريون الارض الواقعة بين الضيعة وحدائق حمص، ثم تقدم الفرسان الترك النظاميون الذين كانوا يرابطون في مسيرة الصف الثالث لصد هجمة المصريين، فامد ابراهيم باشا فرسانه بقوة من جنود الحرس والمشاة والمدافع، فأطلق المصريون مدافعهم وبنادقهم على فرسان الترك فاوقعوا بهم وفرقوا جمعهم، وتراجع هؤلاء الى حدائق حمص، وهجم مشاة المصريون من القلب هجمة صادقة فتقلقل الترك عن مراكزهم وتقهقروا الى الوراء وبذلك انهزم الجناح الايسر من الجيش التركي باكمله وتخلى عن مواقعه.

وقامت ميسرة الجيش المصري بحركة بديعة، ذلك ان فرقة منها زحفت غربا واجتازت الفتاة التي تتفرع عن نهر العاصي، تتبعها المدافع، واحتلت شاطئ القناة الايسر، وبذلك سدت الطريق امام ميمنة الترك، وصار من المتعذر عليهم ان يهموا بالهجوم من هذه الناحية.

تحرك مركز الجيش التركي امام هجمات المصريين، وزاد مركزه حرجا ان المدافع المصرية كانت تطلق قنابلها بمهارة واحكام، فتصيب الهدف وتحصد صفوف الترك حصد النبات، في حين ان المدافع التركية كانت منصوبة على غير هدى، وفي مواضع لا تصيب منها الهدف، فضلا عن قلة الخبرة والدرية في رماتها، وقد بقى الكثير منها منصوبا في مؤخرة الصف الثالث فلم يعمل عملا في صد هجمات المصريين.

ولما رأى محمد باشا قائد الجيش التركي حرج مركزه أمر صفوفه بالهجوم، ولكن المشاة المصريين من جنود الصف الاول قابلوهم برصاص بنادقهم ففتكت بهم النيران فتكا ذريعا، وارتدوا على اعقابهم، فوقع الذعر في صفوف الترك وولوا الادبار مدحورين.

ولقد كان مظنونا ان يعود الترك للقتال بعد ان يلموا شملهم، اذ كانت قلعة حمص تحمي ظهورهم، ومرت لحظة توقع المصريون ان يعاود الترك الكرة ويستأنفوا القتال، وزاد هذا الظن رجحانا ان مدافع القلعة كانت تطلق قنابلها، ولكن هذا الظن ما لبث ان تبدد، ولم يقوا الترك بل لم يفكروا في معاودة القتال، وتقدم ابراهيم باشا بجيشه الظافر، فاحتل المواقع التي كان الترك يرابطون بها، وصف جيشه على شكل مربع، ووضع المدافع على زواياه الاربع، فازداد مركزه قوة ومنعة، فتابع الترك تقهقرهم منهزمين، وبذلك انتهت واقعة حمص بانتصار الجيش المصري بعد ان دام القتال نحو اربع ساعات، اذ بدأت وقت العصر وانتهت عندما ارخى الليل سدوله، وبادر ابراهيم باشا فارسل الى ابيه ينبئه بهذا النصر المبين.

بلغت خسائر الجيش العثماني في واقعة حمص 2000 من القتلى و2500 من الاسرى، واستولى الجيش المصري على عشرين من مدافعه وعلى ذخائره وامتعته، واما خسائر المصريين فلم تزد عن 102 من القتلى و162 من الجرحى، ودخل المصريون في اليوم التالي مدينة حمص.

وتعد هذه الواقعة من اهم المعارك التي خاضها الجيش المصري، فقد كانت اول معركة كبيرة اقتتل فيها الجيشان المصري والتركي وجها لوجه،، وكلاهما يتبع بقدر استطاعته النظام الحربي الحديث، وكانت قوات الجيشين متعادلة، فكلاهما مؤلف من نحو ثلاثين ألف مقالت، ولكن الجيش المصري امتاز ببراعة القيادة وحسن النظام وبسالة جنوده والتفوق في المران العسكري ، فلا غرو أن كسب المعركة.

وكان لترتيب الخطط الحربية فضل كبير في انتصاره، وهنا تبدو كفاية ابراهيم باشا في القيادة ومهارته في الفنون الحربية.

وقد دلت معركة حمص على تفوق الجيش المصري على الجيش التركي في ميادين القتال، فكان لهذه الدلالة تأثير كبير في الاذهان، لان احدا لم يكن يتصور ان جيش السلطان ينهزم امام الجيش المصري الذي كان معدودا الى ذلك الحين جزءا من الجيش الشاهاني، وتلك اول مرة ظهر فيها الجيش المصري على الجيش التركي في معركة كبيرة، فمحت هذه المعركة ذكرى هزيمة الجيش المصري في معركة الريدانية امام جيوش السلطان سليم في بدء الفتح العثماني لمصر، اي منذ نيف وثلاثة قرون، وغسلت الذلة التي لحقتها في تلك الهزيمة، واذا كانت معركة الريدانية قد قضت على استقلال مصر وجعلتها ولاية تركية فلا ريب ان معركة حمص والوقائع التي تلتها ارجعت لمصر استقلالها وقضت على الحكم العثماني فيها، فلم تقم له بعد ذلك قائمة.


{{{خريطة}}} ص 235


موقع الجيش المصري

1و2و3 الصف الاول من المشاة مؤلفا من الألاي الثاني عشر (نمرة 1) والآلاي الثالث عشر (نمرة 2)، والألاي الثامن عشر (نمرة 3). 4و5و6 الصف الثاني من المشاة مؤلفا من الاي الحرس (نمرة 4)، والألاي الخامس من المشاة (نمرة 5) والالاي الحادي عشر (نمرة 6). 7و8 الصف الثالث (الاحتياطي) مؤلفا من الالاي الثامن من المشاة. 9 الاي من الفرسان عن يمين الصف الاول. 10 الاي من الفرسان عن يمين الصف الثاني. 11 الاي من الفرسان عن يسار الصف الاول. 12 ألاي من الفرسان عن يسار الصف الثاني. 13و14 الفرسان على جانبي الصف الثالث. 15 و16 كتيبتان من الرماة على جانبي الصف الثالث. 17و18و19و20و21و22 المدافع موزعة امام الصف الاول وبين الثاني والثالث. 23 مهما الجيش وامتعته.

موقع الجيش التركي

24 و25 الصف الاول من المشاة. 26 و27 الصف الثاني من المشاة. 28و29و30 فرسان الترك النظاميون. ، ، المدافع موزعة هنا وهناك. 31و31و31 الفرسان غير النظاميين (الباشبوزق) ومنهم يتألف معظم الصف الثالث.

حركات الجيشين

32 الضيعة المتهدمة التي اتجهت في طريقها ميمنة الجيش المصري. 33 الموقع الذي اتجه اليه الفرسان المصريون للالتفاف بميسرة الترك ومنه تقدموا وهاجموا الفرسان الباشبوزق (نمرة 31) قريبا من الضيعة. 34 الموقع الذي وصلوا اليه بعد الهجوم المتقدم. 35 الموقع الذي تقدمت اليه طوابير الحرس (نمرة 3). 20 وصول البطارية 20 الى يسار الضيعة واحتلال الرماة المصريين 15 و16 تلك الضيعة. 36 الموقع الذي اتجه اليه الالاي نمرة 1 لشد ازر جنود الحرس. 18 الموقع الذي اتجهت اليه البطارية 18 لمعاونة الالاي نمرة 1 وليشد ازر الالاي نمرة 2 في هجومه. 37 الموقع الذي اتجه اليه الالاي نمرة 6 لسد الطريق امام ميمنة الترك. 38 الموقع الذي اتجه اليه الالاي نمرة 12 ونمرة 14 (من الفرسان) لشد ازر الحركة المتقدمة. 22 انتقال البطارية نمرة 2 الى موقعها الجديد للغرض نفسه. 30 الموقع الذي تقدم اليه الفرسان الترك نمرة 30 بعد هزيمة الباشبوزق لصد هجمة الفرسان المصريين. 40 الموقع الذي وصل اليه جنود الحرس المصريين وعن يمينهم البطارية 20 وضربهم فرسان الترك يعاونهم الفرسان من الموقع 34. 41و41َو41ََِ تقهقر ميسرة الترك بعد هزيمتهم. 42 و42 و42ً تقهقر ميمنة الترك. 43 و43 و43َو43ً المربع الذي احتله الجيش المصري بعد هزيمة الترك.

الموقف الحربي بعد واقعة حمص

ارتد الجيش العثماني بعد هزيمته في واقعة حمص قاصدا حلب.

أما جيش حسين باشا فكان قد بلغ أنطاكية بينما كان جيش محمد باشا والي حلب والجيش المصري على وشط اللقاء في معركة حمص، وهكذا يتبين لك ان انفصال الجيشين العثمانيين بعضهما عن بعض مكن الجيش المصري من الانقضاض على كليهما واحدا بعد واحد، ولو كانت القيادة التركية على شئ من الكفاية لما تقدم جيش محمد باشا وحده، ولا ننتظر قدوم جيش حسين باشا قبل مواجهة الجيش المصري، ولكن عجز القيادة التركية وارتباك حكومة الاستانة كانا من الاسباب التي افضت الى هزيمة الجيش التركي.

بارح جيش حسين باشا انطاكية قاصدا الى حمص، فالتقى في طريقه بفلول الجنود المهزمة من جيش محمد باشا، وعرف منهم نبأ هزيمة حمص، فارتد الجميع الى حلب ليتخذوها قاعدة حربية قتال الجيش المصري، وطلب حسين باشا من اعيانها ان يمدوه بالمؤونة ليتخذوها قاعدة حربية قتال الجيش المصري، وطلب حسين باشا من اعيانا ان يمدوه بالمؤونة والرجال، ولكن اهالي حلب كانوا كارهين للحكم التركي واشفقوا على مدينتهم ان يحل بها الخراب اذا استهدفت للحرب، فأبوا على الجيش التركي ان يدخل احد من جنوده الى مدينتهم، ولم يسمحوا الا للجنود الجرحى والمرضى بالدخول، واغلقوا ابواب المدينة في وجه الجيش التركي.

وفي خلال ذلك كان ابراهيم باشا يتقدم بالجيش المصري نحو حلب، ولم يجد حسين باشا مكانا حصينا ياوى اليه، فانسحب شمالا الى مضيق بيلان جنوبي الاسكندرونة، وهو احد مفاتيح سورية من الجهة الشمالية وحصن فيه فيه مواقعه تحصينا منيعا وساعدته طبيعة تلك المواقع على الامتناع بها.


واقعة بيلان

(30 يوليه سنة 1832)

تقدم الجيش المصري فاحتل من غير مقاومة حماة ثم حلب ومكث بها بضعة ايام استراح فيها، وجاءته بها وفود من اورقا وديار بكر تعلن خضوع المدينتين لحكم محمد علي، ثم تأهب لاستئناف الزحف وتابع زحفه حتى صار على مقربة من مواقع العدو في بيلان.

كان الجيش العثماني الذي يقوده حسين باشا مؤلفا من نحو 45 ألفا من الجنود النظامية، لديها السلاح الكافي ويعززها 160 مدفعا، وهي قوة لا يستهان بها ترابط في مواقع منيعة، ولكن قيادتها تعوزها الكفاية والخبرة، وحالة الجنود المعنوية لم تكن على ما يرام، فان ما حل بالجيش التركي من الهزائم المتوالية وما تعاقب عليه من تغيير القواد واندحارهم قد خذل روح الجند، وعلى عكس ذلك كان موقف الجيش المصري، فان ذكرى الانتصارات المتتابعة قد ملأت جنوده قوة وحماسة وجعلتهم يركنون الى قائدهم الباسل ابراهيم باشا الذي سار بهم من نصر الى نصر.

تقع مدينة بيلان جنوبي الاسكندرونة وشمالي المضيق والجبل المعروفين باسمها ويصل اليها طريقان، طريق من كليس، وطريق من انطاكية، ويقترب الطريقان في سفح الجبل بحيث يفصل بينهما نحو ثلاثة آلاف متر، ثم يلتقيان في المضيق جنوبي بيلان، فيصبحان طريقا واحدة يصل الى المدينة، وترى على الخريطة نقطة تلاقيهما.

وقد اتخذ الجيش التركي مواقعه على قمم جبال بيلان، فاحتشد المشاة فوق هضبة على خط منكسر يصل طرفه الايمن – حيث ميمنة الجيش – الى طريق وعر يخترق الجبل اتيا من خان قرموط ذاهبا الى بيلان ، وطرفه الايسر (حيث القلب) الى الطريق الوسط الواصل الى بيلاان نفسها، أما ميسرة الجيش فكانت ترابط على امتداد ذلك الخط فيما يلي هذا الطريق يشد ازرها بعض المدافع المنصوبة على اكمة قريبة من الطريق، واقام الترك اما صفوف المشاة استحكامات نصبوا فيها مدافعهم، وامامها الفرسان.

اما الجيش المصري فقد عسكر في السهل المنبسط تحت المضيق غربي الطريق الواصل من كليس الى انطاكية، وتجد موقعه بالخريطة (نمرة 1-2) ، فاتخذ المشاة مواقعهم في الصفوف الامامية، والفرسان من ورائهم والمدفعية في الوسط، وخلف هذه الصفوف مهمات الجيش وامتعته.

ذلك هو موقع الجيشين قبل المعركة..

أنعم ابراهيم باشا النظر في مواقع الترك على جبل بيلان، فرآها منيعة يصعب على الجيش المرابط في السهل المنبسط في سفح الجبل ان ينال منها منالا، فاجتمع وخاصة قواده وضباطه، واخذ يتداول واياهم الاراء في الخطة التي تكفل الفوز، فاستقر رايه بعد دراسة الموقف الا يهاجم الترك مواجهة، لاسحالة ذلك، وراى الخطة المثلى ان يدور حول ميسرتهم من الجنب تمهيدا للاحاطة بها، ثم يحتل اكمات تتسلطت على القلب، فيجعل المشاة الترك هدفا لنيران المدافع المصرية، وفي الوقت نفسه يرسل جزءا من قواته للاحاطة بميمنة الجيش التركي.

وعملا بهذا الخطة انفذ جنود الحرس والالاي الثامن والثامن عشر من المشاة الى الطريق كليس-بيلاد، فساروا اليه واحتشدوا وراء اكمة تمتد الى الطريق (نمرة 18) ووراءهم المدافع في بطن الوادي غربي الطريق (نمرة 19 و20) ، ثم اخذت كتائبهم تتحرك شرقا في اتجاه ميسرة الجيش التركي، تتبعهم المدافع الكافية.

وقد تولى ابراهيم باشا بنفسه قيادة هذه الحركة، لان عليها يدور مصير المعركة، وانفذ في الوقت نفسه الالاي الثالث عشر من المشاة بقيادة حسن بك المانسترلي تصحبه بطارية من المدافع، فزحف صوب الطريق الاخر الذاهب من انطاكية الى بيلان، ووصل الى الطريق اواحتل الموقع الذي ينتهي اليه نمرة 21، وتبعه الالاي الخامس من الفرسان لتتألف منه قوة احتياطية له في هجومه على ميمنة الجيش التركي، فاستقر وراءه نمرة 22.

كانت هاتان الحركتان، وخاصة حركة الميمنة التي تولى ابراهيم باشا قيادتها، تكتنفها مصاعب جمة، لان المصريين اضطروا ان يسيروا صعدا في طرق وعرة، فاحتملوا في اجتيازها المتاعب والشدائد الهائلة، ولما لح الترك تقدمهم صوبوا اليهم مدافعهم واطلقوا القنابل عليهم، فامر ابراهيم باشا بنصب المدافع وراء الاكمة التي احتشد فيها المشاة، واطلق القنابل عليهم، فامر ابراهيم باشا بنصب المدافع وراء الاكمة التي احتشد فيها المشاة، واطلق القنابل على وجهة الجيش التركي بين القلب والميسرة، وتبادل الفريقان اطلاق القنابل.

واستمر المصريون في زحفهم شرقا، الى ان تخطوا مواقع الجناح الايسر من الجيش التركي، فهاجموه من الامام ومن الجنب هجوما شديدا، فتقلقل الترك عن مواقعهم واضطروا الى الارتداد شمالا، فابتدأت هزيمتهم، واستمر المصريون يتعقبونهم.

وفي خلال هذه الحركة استوى الرماة المصريون على المدافع المنصوبة على الاكمة التي تحمي الجناح الايسر نمرة 17 ، ووصل المصريون الى مرتفعات نمرة 24 تشرف على مواقع الترك، وعلى طريق بيلان ، وركبوا فيها المدافع، فاستهدفت ميسرة الترك في انسحابها لنيران المدافع والبنادق المصرية، فوقع في صفوفها الاضطراب والفشل، وحلت بها الخسائر الجسيمة.

وتقدم فريق من جنود الالاي الثامن عشر من مكانهم نمرة 18، واقتربوا من فرسان الترك المحتشدين امام قلب الجيش العثماني، وهاجموهم بالموقع نمرة 25 وقت احاطة جنود الحرس والالاي الثامن بميسرة الترك.

فتحرج مركز الفرسان العثمانيين امام هذا الهجوم الهائل، وخاصة بعد ان احتل المصريون المرتفعات المشرفة على مواقعهم، فلم يقاوموا طويلا، وسارعوا الى الارتداد شمالا نحو بيلان من غير نظام، وتفرق شملهم وتبددت جموعهم.

ولما ارتدت ميسرة الترك ووصل المصريون في تقدمهم الى طريق بيلان نفسه تحرك مركز قلب الجيش العثماني، اذ راى ما حل بالميسرة ، وادرك ان خطة الرجعة الى بيلان اصبح مقطوعا بوصول المصريين الى الطريق، فلم تثبت جموعه امام هجمة المصريين ولاذوا بالفرار وتخلوا عن موقعهم وتشتتوا في الجبال.

واصاب الجناح الايمن مثل ما اصاب القلب، فقد تقدم المصريون من جنود الالاي الثالث عشر لمهاجمته، ووصل رماتهم ومعهم المدافع الى اكمة قريبة من اقصى الميمنة (نمرة 27)، على ان الترك لم يصمدوا للقتال بعدما علموا بما اصاب الميسرة، وتخلوا عن مواقعهم وتقهقروا في الجبال.

تخلى الترك اذن عن مواقعهم على طول الخط، فاحتلها المصريون ، وبذلك انتهت الواقعة بهزيمة الجيش التركي، بعد قتال ثلاث ساعات فقد فيه الترك من رجالهم نحو 2500 من قتيل وجريح، واسر منهم المصريون 2000 اسير وغنموا 25 مدفعا وكثيرا من الذخائر.

وبعد انتهاء الواقعة احتل المصريون بيلان تخفق على صفوفهم اعلام النصر والظفر. أما الترك فقد فرت فلولهم الى الاسكندرونة لتلجأ الى العمارة التركية، ولكنهم لم يدركوا العمارة لانها اقلعت من الميناء بعد هزيمة بيلان، فسار المصريون في اعقابهم واسروا الكثيرين منهم واحتلوا الاسكندرونة، ثم تقدم فرسانهم ورسارو حذاء الساحل واحتلوا بياس شمال الاسكندرونة واسروا فيها 1900 مقاتل من الجيش التركي، وسلمت ايضا انطاكية واللاذقية والسويدية.

كانت نكبة الجيش التركي في هذه الواقعة نكبة ساحقة، واختفى قائده العام على وجهه متنكرا خوفا من القصاص الذي هو لابد ملاقيه اذا عاد الاى الاستانة وفي تبعته هذه الهزيمة.

{{{{خريطة ص 242}}}

موقع الجيش المصري

1-2 موقع الجيش المصري قبل الواقعة على سفح مضيق بيلان، غربي الطريق الذاهب من كليس الى انطاكيمة، وقد اصطفت قواته بالترتيب الآتي: 3 الاي الحرس. 4 الالاي الثامن من المشاة. 5 الالاي الثامن عشر من المشاة. 6 الالاي الثالث عشر من المشاة. 7 الالاي الثاني من الفرسان. 8 الالاي الرابع من الفرسان. 9 الالاي الخامس من الفرسان. 10 المدافع ويليها مهمات الجيش وامتعته تحرسها كتيبة من العرب المصريين.

موقع الجيش التركي (11 – 12 – 13 – 14 )

11-12 المشاة الترك منتشرون فوق هضبة على خط منكسر، تصل يسراه الى طريق انطاكيمة – بيلان، ويمناه الى اكمة تفضي الى طريق جبلي يصل من خان قرموط الى بيلان، ومن هذا الخط يتالف الجناح الايمن وقلب الجيش التركي. 12-14 الجناح الايسر. 15-16 الفرسان الترك. 17 المدافع منصوبة امام المشاة.


حركات الجيش المصري قبيل بدء القتال

وقبل ابتداء الواقعة اتخذ ابراهيم باشا المواقع الاتية للجيش المصري: 18 تحركت اجنود الحرس والالاي الثامن من المشاة من مواقها الاولى (نمرة 3و4) ووصلت الى المواقع 18 وراء الاكمة. 19 اجتمعت كتائب من الفرسان ببطن الوادي غربي الطريق الذاهب الى بيلان بالموقع نمرة 19. 20 المدفعية الاحتياطية وراء الفرسان، الالاي الثامن عشر نمرة 5 يتبع الالاي الثامن والحرس. 21 الالاي الثالث عشر من المشاة نمرة 6 يتجه نحو الطريق الذاهب من انطاكية الى بيلان ويحتل الموقع نمرة 21 على الطريق. 22 الالاي الخامس من الفرسان نمرة 9 يتبع الالاي الثالث عشر ويحتشد خلف الموقع 21 ليكون له بمثابة الاحتياطي في هجومهن على ميمنة الترك. بطارية من المدافع تتبع الالاي الثالث عشر الى الموقع 21. 23 نقلت مهمات الجيش الى الموقع 23 تحميها فصيلتان من العرب.


حركات القتال

زحف جنود الحرس والالاي الثامن من الموقع نمرة 18 الى منبع نهير صغير للاحاطة بميسرة الترك 13-14 ، وهاجموا الميسرة من الامام ومن جنب واستولى الرماة المصريون على المدافع التركية المنصوبة على الاكمة 17، ووصل المصريو الى المرتفعات نمرة 24، وتحت تاثير الهجوم ارتدت ميسرة الترك بغير نظام الى بيلان، وكانت في انسحابها هدفا لنيران المصريين، فحلت بها الخسائر الجسيمة.

ونرى على الخريطة تقدم الالاي الثامن عشر وفريق من الالاي الثامن من الموقع 18 الى الموقع 25 لمهاجمة قلب الجيش التركي مع فرسانة وقت احاطة جنود الحرس والالاي الثامن بميسرتههم ، وانسحاب الفرسان الترك من الموقع 15 و16 وتشتت شملهم، ثم ارتداد قلب الجيش التركي بغير نظام وتشتته في الجبال.

وترى زحف الالاي الثالث عشر من المشاة على ميمنة الترك، فقد تحرك ومعه عدد من المدافع الى الموقع 26، ووصل الرماة الى الاكمة 27 تمهيدا لزحف بقية الجند، ولكن الترك لم يصمدوا للقتال بعد ما علموا بما حل بالميسرة، فتقهقروا في الجبال وتخلوا عن معاقلهم كما تخلى بقية الترك عن مواقعهم على طول الخط وبذلك انتهت الواقعة.

زحف الجيش المصري في الاناضول

اجتاز المصريون بعد واقعة بيلان حدود سوريه الشمالية، ودخلوا ولاية ادنه من بلاد الاناضول، وعبروا نهري حيحون وسيحون واحتلوا ادنه وطرطوس،واخذ ابراهيم باشا يوطد مركزه وينظم الولايات التي فتحها قبل ان يزحف بجيشه الى الامام، واحتشد معظم الجيش في مدينة ادنه ذا كانت مفتاح الزحف على الاناضول وكانت ايضا صلة المواصلات بطريق البحر بين مصر والجيش المصري، وانفذ ابراهيم باشا كتائب من جنده فاحتلوا اورفا، وعينتاب ومرعش وقيصرية.

لم تنكسر عزيمة السلطان محمود امام الهزائم التي حاقت بجيشه، واعد جيشا جديدا عهد بقيادته الى الصدر الاعظم محمد رشيد باشا، وكان هذا الجيش مؤلفا من 53 الف مقاتل، هم خليط من اجناس السلطنة العثمانية لا تربطهم رابطة ولا تجمعهم غاية، فلا غرور ان يفقد الجيش اهم عامل لقوته المعنوية وخاصة اذا كان الجيش الذي يقاتله قويا بوحدته متماسك الصفوف معتزا بقيادته.

كان رشيد باشا من خيرة قواد تركيا، لكنه دون ابراهيم باشا في الكفاية والمران، وقد اشترك معه من قبل في حرب الموره وخاصة امام مدينة مسيولونجي، ومن تهكم الاقدار ان هذين القائدين اللذين اشتركا معا في ميدان القتال زمنا ما وكانا يدافعان عن غاية واحدة، صارا عدوين لدودين يعمل كل منهما ليسحق الاخر.

احتشد الجيش التركي في الاستانة، وعرضه السلطان محمود بنفسه ليبث في قلوب رجاله روح الشجاعة والاقدام، وزوده ببعض الالايات المشاة النظاميين وعدد وافر من المدافع.

ثم تقدم رشيد باشا بهذا الجيش العرمرم في بطاح الاناضول، ليلتقي الجيش المصري، وكان ابراهيم باشا يواصل زحفه في الاناضول، فانفذ قوة من الجند احتلت مضيق كولك من مضايق جبال طوروس، واقصت عنه الترك، وباحتلال هذا المضيق ذللت عقبة من اكبر العقبات التي تعترض الجيش المصري في زحفه على الاناضول، ثم اعترضتهم عقبة اخرى وهي واد منيع يلي المضيق كان الترك ممتنعين به بالقر بمن مدينة شفت خان فانفذ ابراهيم باشا قوة اخرى من الجند بقيادة سليم بك الحجازي وابراهيم اغا الجوخدار فهاجموا الترك في الوادي ونشبت معركة انتهت بانسحاب الترك بعد ان فقدوا 200 قتيل وثلثمائة اسير، وكذلك امتنع الترك في اولو قشلاق وهاجمهم فيها المصريون واجلوا عنها، وبعد هزيمة الترك في اولو قشلاق جلوا ايضا عن هرقلة اركلي فانفتح الطريق امام الجيش المصري ومضى في زحفه حتى بلغ قونية التي اخلاها الترك من غير قتال، فاتخذها ابراهيم باشا قاعدة عسكرية واخذ يتاهب لملاقاة الجيش التركي ويدرب جنوده على التمرينات في المواقع التي توقع نشوب القتال فيها، فكان ذلك دليلا على نفاذ بصريته وبعد نظره وبراعته في القيادة، ولئن كان جيشه اقل عددا من الجيش التركي اذ بلغ نحو الف مقاتل منهم الف من العرب (البدو) المصريين الا انه يمتاز بحسن النظام وكفاية القيادة والمران على القتال في المعارك العديدة التي خاض غمارها، ولا غرو ان بعثت الانتصارات التي احرزها في نفوس الجنود روح الامل والثقة ، فكانت هذه الروح من اقوى اسباب النصر والظفر.


واقعة قونيه

(21 ديسمبر سنة 1832)

في 18 ديسمبر سنة 1832 وصلت طلائع الجيش التركي بقيادة رءوف باشا الى شمالي قونيه وكانت مؤلفة في الغالب من الجنود غير النظامية، فناوشهم ابراهيم باشا ليتحقق مبلغ قوتهم، ولما آنس منهم ضعفا اراد ان يكرههم على القتال، لكن رءوف باشا تجنب الدخول في معركة، فانقضى يوما 18 و19 ديسمبر في مناوشات حربية استولى فيها المصريون على كثير من الاسرى وغنموا فيها بعض المدافع.

وفي صبيحة يوم 20 ديسمبر تقدمت جيوش رشيد باشا الى قونيه، واخذ كل من القائدين يرتب مواقع جنوده.

وفي اليوم التالي ، يوم الواقعة، كان الضباب يخيم على ميدان القتال من الصباح فحال دون اكتشاف كل من القائدين موقع الجيش الاخر، على ان ابراهيم باشا كان يمتاز على رشيد باشا بانه درس الجهة التي دار فيها القتال دراسة دقيقة، ومرن جنوده على المناورات فيها قبل اشتباك الجيش.

وقد رابط الجيش المصري شمالي قونيه، وعلى مقربة من ميمنته شمالا بشرق مستنقعات من المياه، وعلى مسيرة فرسخ من ميسرته تقع مدينة سيله، وامامه الجبال، وعلى سفحها يرابط الجيش التركي الذي كان الضباب يحجبه عنه عن انظار المصريين.

وكان البرد قاسيا، ولا غرو فالمعركة وقعت في شهر ديسمبر في اشد ايام الشتاء، فنزلت درجة البرد يوم الواقعة الى 11 فوق الصفر.

واصطف الجيشان في مواقعها، تفصل بينهما نحو ثلاثة آلاف متر، ومرت لحظة خفت فيها، وطأة الضباب قليلا، فأمكن ابراهيم باشا ان يلمح موقع الجيش التركي، وقد رتب خطة الهجوم ترتيبا محكما، فرأى أن الهجوم على ميمنة الترك امر لا تحمد عواقبه، لانها مرابطة على سفح الجبل في مواقع حصينة، بعكس الميسرة التي كانت تستند الى مستنقعات مكشوفة.

وقبل ان يبدأ ابراهيم باشا بالهجوم تقدمت صفوف الترك حتى صارت على بعد نحو ستمائة متر من مواقع المصريين، واخذت المدافع التركية تطلق القنابل عليهم، فلح يجب المصريون على الضرب بضرب مثله، الى ان تعرف ابراهيم باشا على صوت الضرب مواقع الترك، وتقدم الصف الثاني من المصريين حتى اقترب من الصف الاول تفاديا من فتك القنابل التركية التي كانت تنصب عليه.

واتجه ابراهيم باشا الى بئر نمرة 23 على الخريطة ص 247 تقع على يمين الصف الثاني من الجيش المصري ليزداد علما بمواقع الترك، وكان يصحبه من خاصة اركان حربه مصطفى مختار بك وكاني بك، واحمد افندي، ومعه قوة من الف وخمسمائة من العرب.

وهناك لمح مواقع الترك، وعرف بثاقب نظره نقطة الضعف التي يصيب منها الهدف، ذلك ان قوة الفرسان كانت تؤلف ميسرة الجيش التركي، وقد أخطأت القيادة التركية في انها لم تحكم الصلة بين الفرسان والمشاة اثناء التقدم، فحدثت بينهما ثغرة يبلغ طولها نحو الف خطوة جعلت الميسرة في شبه عزلة عن بقية الجيش (كما تراه على الخريطة).

فانتهز ابراهيم باشا هذه الفرصة، واعتزم الدخول بقوات الحرس والفرسان في هذه الثغرة ليخترق صفوف الترك، وبادر فعلا فاصدر تعليماته لتحرك هذه القوات، وتولى بنفسه قيادة هذه الحركة، فزحفت قوة الحرس يتبعها الفرسان واجتازت البئر بقليل، ثم انعطفت نحو الشمال حيث ميسرة الترك وهاجمتها هجوما شديدا، وشدت المدفعية ازرها، فصبت قنابلها على الترك واخذتهم من الجنب، وكان الهجوم شديدا، والضرب محكما، فتقلقل الترك من مراكزهم لشدة الهجوم وتقهقروا من غير نظام في المستنقعات، وبذلك انهزمت ميسرة الجيش التركي.

ثم تابع المصريون تقدمهم وتوسطوا ميدان المعركة حيث واجهوا الصف الثالث من مشاة الترك الذين اقتحموا الميدان ووصلوا الى تلك الناحية نمرة 17 فأصلتهم المدافع نارا حامية، واحاط بهم المصريون وضربوهم ضربا شديدا واوقعوا بهم حتى سلموا سلاحهم.

ولما ادرك الصدر الاعظم ان ميسرته قد وقع فيها الاضطراب والفشل اراد ان يلم شعثها ويبث الحمية في نفوس رجاله، فنزل الى حيث مواقع الجند، لكنه لم يفز بطائر ، وضل الطريق لكثرة تكاثف الضباب، وبينما هو يسير على غير هدى وقع في ايدي العرب المصريين، فاحاطوا به وجردوه من سلاحه، واقتادوه اسيرا الى ابراهيم باشا، وكان قد مضى على نشوب القتال نحو الساعتين.

وتابع المصريون من المشاة والفرسان تقدمهم شمالا، واستأنفوا معهم بعض المدافع، وهاجموا الصف الرابع من مشاة الترك ، فحاقت به الهزيمة وسلم وتمزق شمله، وبذلك تم للجيش المصري الفوز على ميسرة الترك والصف الثالث والرابع من مشاتهم.

وبينما كانت قوات الحرس والفرسان تقوم بهذه الحركات والهجمات الموفقة تقدم الصف الأول من صفوف الاعداء نحو ميسرة الجيش المصري واتخذوا مواقعهم حولها في خط منكسر بقصد الاحاطة بها، واشترك في هذه الحركة الصف الثاني من صفوفهم، وعاونهم فرسانهم، فكانت الهجمة هائلة، عنيفة في شدتها، خطيرة في عواقبها، ولكن ميسرة الجيش المصري تلقتها بثبات وشجاعة وتحركت مدافع الاحتياطي فشدت ازر المدفعية التي تحمي الميسرة، وصبت المدافع المصرية قنابلها على صفوف الترك، فحصدت صفوفهم حصدا، واستبسلت الميسرة في الضرب والقتال، وكان على دفاعها يتوقف مصير المعركة، واستمرت الملحمة ثلاثة أرباع ساة، ثم اسفرت عن كسر هجمة الترك وهزيمتهم وتشتيت شملهم في الجبال.

وكأنما اراد الترك ان يبذلوا آخر جهد في المعركة، فتحركت قوة من الفرسان ووصلت تجاه الصف الاول من الجيش المصري، فلم يحفل بها المصريون لانها كانت سائرة نحو الفشل المحقق، فما زالت تتقدم حتى وصلت الى ما وراء صفوف الجيش المصري، وهناك تشتت شملها وولت الادبار.

انتهت الواقعة بهزيمة الجيش التركي، ودام القتال فيها سبع ساعات، اذ بدأت في الظهر وانتهت بعد غروب الشمس بساعتين، ولم تزد خسارة المصريين عن 262 قتيلا، و530 جريحا ، أما الجيش التركي فقد اسر قائده ونحو خمسة آلاف الى ستة آلاف من رجاله، من بينهم عدد كبير من الضباط والقواد، وقتل من جنوده نحو ثلاثة آلاف ، وغنم المصريون نحو 46 مدفعا، وعددا كثيرا من الرايات.

فلا غرو كانت معركة قونيه نصرا مبينا للجيش المصري، وصفحة فخار في تاريخ مصر الحربي.

ولقد كانت من المعارك الفاصلة في حروب مصر،لانها فتحت امام الجيش طريق الاستانة، اذ اصبح على ميسرة ستة أيام من البوسفور، وكانت الطريق مخلاة لا يعترضه فيها جيش ولا مقعل، فلا جرم ان ارتعدت فرائص السلطان محمود بعد هذه الواقعة اذ راى قوائم عرشه تتزلزل امام ضربات الجيش المصري وانتصاراته المتوالية.

{{{خريطة}}} 249

مواقع المصريين

1-2 الصف الاول من صفوف الجيش المصري يقوده سليم بك المانسترلي. 3-4 الصف الثاني بقيادة سليمان بك (باشا) الفرنساوي على بعد ثلثمائة خطوة فقط من الخط الاول، وقد اقترب منه الى هذا الحد بسبب تكاثف الضباب صبيحة يوم الواقعة وتساقط قنابل الترك عليه. 5 جنود الحرس يقودهم سليم بك الحجازي ويتألف منهم الصف الثالث . 6 الفرسان يقودهم احمد بك (باشا) المنكلي واحمد بك المانسترلي. 7و 8و 9 المدافع وقد نصبت في الميمنة والقلب والميسرة بقيادة سليم بك قائد الطوبجية. 10 بطاريتان من مدافع الاحتياطي. 11 بطارية من مدافع الاحتياطي مع الحرس. 12 و13 اورطتان في هيئة مربعين لحماية الجناحين.


مواقع الترك

14-15 الصف الاول من المشاة. 16 الصف الثاني من المشاة. 17 الصف الثالث من المشاة. 18 الصف الرابع من المشاة. 19 الايان من الفرسان على يمين الصف الاول من المشاة. 20 الايان من الفرسان على يسار الصف الاول من المشاة. 21 الاي من الفرسان خلف 19 22 الاي من الفرسان عن يسار الصف الثاني من المشاة. ،/، مدافع الترك موزعة امام صفوف المشاة والفرسان. 23 موقع البشر التي اتجه اليها ابراهيم باشا ليستطلع مواقع الترك. 24 الموقع الذي وصل اليه الفرسان المصريون لمهاجمة الجناح الايسر للجيش التركي بمعاونة جنود الحرس. 25 الموقع الذي وصلت اليه المدافع المصرية لشد ازر هذه الهجمة. 26 النقطة التي ارتد اليها الجناح الايسر للجيش التركي في المستنقعات بعد هزيمته امام هجمة الفرسان المصريين. 27و 28و 29 المواقع التي وصل اليها المصريون من الفرسان والحرس في تقدمهم واحاطوا بالصف الثالث من المشاة الترك نمرة 17 الذي زحف من موقعه الاصلي الى حيث سلم سلاحه في الموقع نمرة 17. 30 الموقع الذي تقدمت اليه المدافع المصرية الاتية من 26 لتشترك في الحركة السابقة. 31 المكان الذي اسر فيه الصدر الاعظم محمد رشيد باشا قائد الجيش التركي. 32 المكان الذي كان به ابراهيم باشا حينما وقع الصدر الاعظم اسيرا. 33 و34 المواقع التي وصل اليها المصريون في تقدمهم شمالا. 35 الموقع الذي تقدمت اليه المدافع المصرية اتية من الموقع 30. 36 الموقع الذي هزم فيه الالاي التركي نمرة 18 امام هجوم المصريين. 37و 38 و39 المواقع التي تقدم اليها الصف الاول من مشاة الترك نمرة 14-15 للاحاطة بمسيرة الجيش المصري. 40 و41 المواقع التي تقدم اليها الصف الثاني من مشاة الترك نمرة 16 للاشتراك في الحركة السابقة. 42 المواقع التي تقدم اليه الفرسان الترك نمرة 19 و21 للاشتراك في الحركة السابقة. 43 انتقال المدفعية المصرية من الموقع 10 وانضمامها الى مدافع الجناح الايسر حيث اشتركت في كسر هجمة الترك وتشتيت شملهم. 44 المواقع التي تقدم اليها الفرسان الترك نمرة 22 حيث تشتت شملهم.


حركات الاسطول المصري

كان للاسطول المصري فضل كبير في معاونة الجيش خلال الحرب السورية من مبدئها الى منتهاها، فان هذه الحرب لم تقتصر على البر. بل تعدته الى البحر، ونا ذاكرون هنا ما قام به الاسطول من الاعمال الجليلة التي ساعدت الجيش على بلوغ النصر.

اشترك قسم من الاسطول في حصار عكا كما قدمنا، فقد اصدر ابراهيم باشا تعليماته الى سر عسكر الدونئمة المصرية عثمان نور الدين بك يضرب قلاع عكا من البحر فتقدم الاسطول (ديسمبرة سنة 1831) واصطفت سفنه امام حصون المدينة، واخذت تضربها بالمدافع.

كان عدد هذه السفن تسع بوارج تقل 3810 من البحارة، وسلاحها 484 مدفعا، وهذه اسماؤها كما ذكرها اسماعيل باشا سرهنك ، وهي: الفرقاطة كفر الشيخ وعليها القومندان برسيك الانجليزي، والفرقاطة الجعفرية وقومندانها برغمه لي احمد قبودان وعليها علم الاميرال الاول قائد الاسطول، والفرقاطة البحيرة وقومندانها عبد اللطيف قبودان (الذي صار باشا وتولى نظارة البحيرة فيما بعد) وتحمل علم الاميرال الثاني مصطفى مطوش باشا، والفرقاطة رشيد وعليها السيد علي قبودان، والفرقاطة شير جهاد وعيها نوري قبودان، والفرقاطة دمياط وعليها هدايت محمد قبودان، والفرقاطة مفتاح جهاد وعليها مصطفى قبودان الجزائري، والسفينة بومبه وعليها بيجان قبودان، والسفينة رهبر جهاد وعليها علي رشيد قبودان.

اخذت هذه البوارج تطلق مدافعها على حصون عكا طول النهار، ولكنها لم تصبها بضرر يذكر لمتانتها، ثم رست مع باقي سفن الاسطول التي لم تشترك في الضرب، واصيبت بعض السفن المصرية باضرار اضطرتها الى العودة للاسكندرية.

وكان للاسطول المصري جولات مهمة على ظهر البحار خلال الحرب، فقد تلقى محمد علي باشا من احدى سفن العمارة المصرية في شهر يونيه سنة 1832 نبأ خروج الاسطول التركي من الدردنيل بقيادة الاميرال خليل باشا رفعت ليشترك في القتال، وكان مؤلفا من خمس وثلاثين سفينة حربية، فاصدر تعليماته الى العمارة المصرية بالاقلاع الى بحر الارخبيل لتبحث عن الاسطول العثماني وتقاتله، فسارت الى مياه رودس وكان الاسطول العثماني قد اتجه في ذلك الحين الى ثغر الاسكندرية لامداد الجيش التركي بالرجال والمؤونة والعتاد.

فلما وصل الى الاسكندرية كانت الهزيمة قد حلت بالجيش التركي في حمص، ثم وقعت هزيمة بيلان، فعاد ادراجه واقلعت سفنه الى جزيرة رودس تاركة كميات كبيرة من المؤونة لم يستطع الترك حملها لما كانوا فيه من العجلة.

اما العمارة المصرية فكانت مؤلفة من سبع وعشرين سفينة حربية معقودا لواؤها للاميرال عثمان نور الدين باشا، فسارت تمخر العباب باحثة عن الاسطول العثماني، واجتمع الاسطولان بعد واقعة بيلان في مياه قبرص، ومع ان الاسطول التركي كان اكثر عددا وعددا من العمارة المصرية فان قبودانه تجبن الاشتباك في قتال مع الاسطول المصري، وخشى ان يلحقه البوار اذا اصطدم به، فآثر ان يلزم خطة الدفاع، واخذ الاميرال عثمان نور الدين باشا من ناحيته يرقب حركات الأسطول العثماني، دون ان يسعى لمهاجمته، وبقى الاسطولان طويلا في هذا الموقف، الى ان سار اميرال الاسطول التركي الى ميناء مرمريس من ثغور الانضول ليأوي اليها، فتعقبته العمارة المصرية، وحاصرت الميناء، ولكن هياج البحر واشتدد الانواء في ذلك الفصل من الشتاء حالا دون استمرار الحصار، فاتجه نور الدين باشا بالعمارة المصرية الى خليج السودة بجزيرة كريت، وبعد ان بقى الاسطول التركي في ثغر مرمريس عشرين يوما اقلع الى مياه الدردنيل ثم رجعت العمارة المصرية الى الاسكندرية.

وقد كان للاسطول المصري عامة فضل كبير في تسهيل المواصلات البحرية بين مصر وسورية، ولولاه لما وجدت مصر من سبيل الى امداد جيشها الا بطريق البر المحفوف بالمتاعب والاخطار، ولتعذر عليها الاتصال به وبالبلاد التي فتحتها. فللأسطول المصري فضل كبير في نجاح الحملة على سورية.


المسألة المصرية وتدخل الدول

استرعت انتصارات الجيش المصري انظار الدول الاوروبية، وفتحت باب المسالة المصرية على مصراعيه.

ان المسألة السياسية العالمية المعروفة بالمسألة المصرية بدأت تظهر – في تاريخ مصر الحديث منذ الحملة الفرنسية، فمن ذلك العهد اتجهت المطامع السياسية الدولية الى مصر، وتعددت المنازع في شأن مصيرها، فالحملة الفرنسية اول مثار للمسألة المصرية اذ انها كانت صراعا بين فرنسا وانجلترا على فتح مصر واستعمارها، اما قبل ذلك فان التنافس بشأنها كان في الغالب تنافسا اقتصاديا ، فلما جر نابليون حملته على مصر تحول الى صراع سياسي، واخذت مطامع انجلترا تتجه نحو فتح مصر والسيطرة السياسية عليها، ولقد رأيت مما فصلناه في الجزيأت الأول والثاني من "تاريخ الحركة القومية" ان الصراع بين فرنسا وانجلترا بشان المسالة المصرية استمر طوال الحملة الفرنسية، وبعد انتهائها، وان انجتلرا لم تحارب فرنسا لاجلائها عن مصر فحسب، بل لتحل فيها محلها ولكي تحقق مطامعها السياسية والاستعمارية في وادي النيل.

واستمرت المسالة المصرية مثارا للمطامع الانجليزية منذ اسس محمد علي الدولة المصرية الحديثة، فلما اشتبكت مصر وتركيا في الحرب السورية اقترنت المسالة المصرية بالمسالة الشرقية، فاشتدت المنازعات الدولية بشانها وانبعثت المطامع القديمة التي كانت تسعى لها كل دولة حيال السلطنة العثمانينة.

فالروسيا نظرت بعين الخوف والوجل الى تقدم الجيش المصري واقترابه عن عاصمة تركيا، وخشيت اذا أطرد هذا التقدم ان يستولي محمد علي باشا على عرش السلطنة ويمد نفوذ الدولة المصرية الى ضفاف البوسفور والدردنيل والبحر الاسود فيؤسس دولة قوية تقوم على انقاض السلطنة العثمانية المتداعية الاركان المختلة النظام، وليس مما يوافق سياسة الروسيا ان يقع هذا الانقلاب لانه يحول دون تحقيق اطماعها في الوصول الى البواغيز والبحر الابيض المتوسط، فبادرت الى التدخل لمعاونة تركيا، واوفدت الجنرال مورافييف الى السلطان محمود ليعرض عليه استعدادها للدفاع بقواتها البرية والبحرية عن السلطنة العثمانية، ومعنى هذا الدفاع من الروسيا بسط حمايتها الفعلية على تركيا، فهال فرنسا وانجلترا امر هذا التدخل وخشيتا على سياستهما ومصالحهما ان تستهدف للخطر اذا بسطت الروسيا حمايتها او نفوذها في تركيا، واتقاء لهذا الخطر بذلنا جهودهما لوقف تقدم الجيش المصري حتى لا تجد الروسيا مسوغا لحماية تركيا، ففرنسا وانجلترا لم تقصدا من تدخلها في المسالة المصرية والمسالة الشرقية مصلحة مصر ولا مصلحة تركيا، بل كانتا تعملان لتحقيق اغراضها الذاتية.

واستخدمت فرنسا علاقاتها الودية مع مصر لاقناع محمد علي بتسوية الخلاف بينه وبين السلطان، واوفدت الى الاستانة الاميرال روسان سفيرا لها ليسعى في فض الخلاف بين تركيا ومصر ويمنع التدخل الروسي.

وبذلك صارت مصر قبلة انظار الدول الاوروبية، اذ كان مناط آمالهن اقناع محمد علي باشا بتسوية الخلاف مع تركيا حتى لا يدي تدخل الروسيا الى ازمة اوروبية قد تنتهي بتحكيم السيف بينهن.

فعلى خطة مصر في ذلك الحين كان يتوقف التوزان الاوروبي، من اجل ذلك وفدت رسل التفاهم على محمد علي باشا من كل صوب.

فجاء الجنرال مورافييف الى الاسكندرية، وقابله وعرض عليه الوساطة بينه وبين السلطان، فاكرم محمد علي وفادته واحسن لقاءه، ولكن تمسك بوجهة نظره.

وكذلك ارسل السلطان بايعاز من السفارة الفرنسية مندوبا عنه وهو خليل باشا ليفاوض محمد علي في حسم الخلاف وديا، وارسل الاميرال روسان الى محمد علي يطلب اليه الا يشتط في طلباته حقنا للدماء، وان يكتفي من فتوحه بولايات صيدا (عكا) وطرابلس والقدس ونابلس.

فرفض هذه الشروط واصر على ضم سورية وولاية ادنه الى مصر، وق اصر على الاحتفاظ باقليم ادنه وهو من صميم الاناضول لما اشتهر عنه من كثرة مناجمه ووفروة اخشابه، ولانه ينتهي بجبال طوروس التي اراد محمد علي جعلها الحد الفاصل بين مصر وتركيا، أما تركيا فقد ازدادت خضوعها للروسيا ورضيت ان تحميها بقواتها البحرية والبرية، فجاء اسطول روسي ورسا في مياه البوسفور، ونزلت قوة من الجنود الروس الى الشواطئ التركية الاسيوية لتدفع غزوة الجيش المصري.

وقد رأى محمد علي باشا ان الدول انما تسعى الى هضم حقوق مصر ارضاء لتركيا، فوقف تجاهها موقفا مشرفا استمسك فيه بحقوق مصر، وبعث في هذا الصدد برسائل عدة تدل على قوة يقينه ومضاء عزيمته، واهما الخطاب الذي ارسله الى الاميرال روسان سفير فرنسان في الاستانة بتاريخ 8 مارس سنة 1833 ردا على رسالته اليه، قال فيه:

"تلقيت رسالتكم المؤرخة 22 فبراير التي تسلمتها من ياوركم والتي تعترضون فيها على وتعلنوني بأن لاحق لي في المطالبة بما عدا بلاد عكا والقدس ونابلس وطرابلس الشام، وان الواجب علي أن أسحب جيشي فورا، وتنذروني باني في حالة الرفض استهدف لاخطر العواقب، وقد اضاف ياوركم شفويا بناء على تعليماتي باني اذا بقيت متمسكا بمطالبي فسيجئ الاسطول الانجليزي والروسي الى سواحل مصر.

"على اني يا جناب السفير اتساءل باي حق تطلبون مني هذه التضحية؟ ان امتى باجمعها تؤيدني في موقفي، وان في استطاعي بكلمة مني ان احرض شعوب الرومللي والاناوضل على الثورة فيلبو ندائي، ويمكنني بتأييد امتى ان افعل اكثر من ذلك، لقد امتدت سيطرتي على اقطار عدة، والنصر حليفي في كل الميادين، ومع ان الراي العام يؤيدي في امتلاك سورية باكملها فاني قد وقفت زحف جنودي رغبة مني في حقن الدماء ولكي يتسع الوقت امامي لاتعرف ميول الدولة الاوروبية، ومقابل هذا الاعتدال وحسن النية وتلك التضحيات العديدة التي بذلتها امتي، والتي نلت الانتصارات الباهرة بفضلها وبفضل تأييدها لي، تطلبون من ان اتخلى عن البلاد التي فتحتها وان انسحب بجنودي الى منطقة صغيرة تسمونها ولاية! اليس في هذا حكم علي بالاعدام السياسي؟

"على أن لي ملء الثقة الا تأبى فرنسا وانجلترا الاعتراف بحقوقي ومعاملتي بالانصاف فان ذلك مرتبط بشرفها، واذا خاب املي فليس امامي الا ان اذعن لقضاء الله، وهنالك اوثر الموت الشريف على احتمال الذل والعار، وسأبذل نفسي بكل ابتهاج فداءا لقضية امتي، مغتبطا بخدمة بلادي حتى آخر نسمة من حياتي، ذلك ما صممت عزمي عليه، وقد روى التاريخ امثلة عديدة لمثل هذا الاخلاص، ومهما يكن ما صممت عزمي عليه، وقد روى التاريخ أمثلة عديدة لمثل هذا الاخلاص، ومعما يكن فان لي وطيد الامل في انكم ستقدرون عدالة مطالبي وتزيدون اقتراحي الاخيرة التي قدمتها الى خليل باشا، وفي انتظار تحقيق هذا الامل قد كتبت لكم هذا الخطاب الودي الذي تسلمه مني ياوركم يدا بيد".

الاسكندرية في 8 مارس سنة 1833

محمد علي والي مصر


احتلال كوتاهية ومغنيسيا واقامة الحكم المصري في أزمير

وفي غضون ذلك تقدم ابراهيم باشا بجيشه فاحتل كوتاهية وصار على مسافة خمسين فرسخا من الاستانة، ثم انفذ كتيبة من الجنود احتلت مغنيسيا بالقرب من ازمير (انظر الخريطة الملحقة بهذا الفصل) ، وأنفذ رسولا الى ازمير ليقيم الحكم المصري بها، وقد وصل الرسول اليها ولم يلق بها مقاومة، وعزل حاكم المدينة طاهر باشا واقام بدلا منه احد اعيانها منصور زده (فبراير سنة 1833)، ورحبت المدينة بهذا الانقلاب، ولكن الاميرال روسان سفير فرنسا في الاستانة تدخل في الامر حتى لا يستفحل النزاع و تتخذ الروسيا احتلال ازمير ذريعة الى حماية تركيا، فارسل الى ابراهيم باشا يعترض على ما فعله رسوله في ازمير وينذره بقطع العلاقات ، فلم يسع ابراهيم باشا الا الاجابة بانه لا يقصد احتلال ازمير، وبذلك انتهى الخلاف وعاد الحاكم القديم الى منصبه (مارس سنة 1833).


اتفاق كوتاهيه

(أبريل - مايو سنة 1833)

بذلت فرنسا جهدها لحسم الخلاف بين محمد علي وتركيا، وجددت مساعها بين الفريقين، وكان ابراهيم باشا يتهدد تركيا بالزحف على الاستانة اذا لم تجب مطالبه، فاضطر الباب العالي الى الاذعان وارسل الى كوتاهية، حيث كان ابراهيم باشا يقيم بها، مندوبا عنه يدعى رشيد بك يصحبه البارون دي فارين سكرتير السفارة الفرنسية ليقوم بالوساطة بين الطرفين. وبعد مفاوضة دامت اربعة أيام تم الاتفاق على الصلح في 8 أبريل سنة 1833، وهو المعروف باتفاق كوتاهية، ويقضي بألن يتخلى السلطان لمحمد علي عن سورية واقليم ادنه، مع تثبيته على مصر وجزيرة كريت والحجاز مقابل ان يجلو الجيش المصري عن باقي بلاد الاناضول.

وقد صدرت التوجيهات السلطانية بمضمون هذا الصلح، وارسل الصدر الاعظم الى محمد علي وثيقة مكتوبة بفحوى هذه التوجيهات، وفيها اسناد ولاية سورية اليه والحقاها بولاية مصر وكريت.

ولكن هذا التوجيهات كان ينقصها اقليم ادنة، فبان من ذلك ان الباب العالي اراد الرجوع عن اتفاق كوتاهية بالنسبة لهذا الاقليم، وقد بقيت المسالة موضع خلاف بين الطرفين ووقف ابراهيم باشا جلاء الجيش حتى ينفذ الباب العالي ما تم الاتفاق عليه، فلم يسع السلطان الا ان يسلم التنازل عن ادنه، واصدر فرمانا في 6 مايو سنة 1833 بمضمون الاتفاق بتمامه، اعلن فيه تثبيت محمد علي باشا على مصر وكريت واسناد ولايات سورية اليه، وتجديد ولاية ابراهيم باشا على جدة مع مشيخة الحرم المكي، اي اسناد ادارة الحجاز الى عهدته، وتخويله ادارة اقليم ادنه.

وبمقتضى اتفاق كوتاهية صارت حدود مصر الشمالية تنتهي عند مضيق كولك بجبال طوروس، ويسمى بوغاز كولك تبعا التسمية التركية المضايق بالبواغيز (وترى موقعه على الخريطة).

وبذلك انتهت الحرب السورية بتوسيع نطاق الدولة المصرية وبسط نفوذها على سورية وادنه وتأييد سلطنها على كريت وجزيرة العرب.

ولا يغرب عن البال ان السلطان لم يقبل اتفاق كوتاهية الا مرغما، وكان يضمر السعي لنقضه اذا تهيأت له الفرصة في المستقبل، يدلك على ذلك انه لم يكد يقر صلح كوتاهية حتى عقد سرا مع الروسيا المعاهدة المعروفة بمعاهدة هنكار اسكله سي (8 يوليوة سنة 1833) وهي معاهدة دفاعية هجومية التزمت كل دولة بمقتضاها ان تساعد الدولة الاخرى اذا استهدفت لخطر خارجي او داخلي، وتهدت تركيا بان تاذن للاسطول الروسي بالمرور من البحر الاسود الى البحر الابيض المتوسط، وتسد البواغيز في وجه جميع السفن التابعة للدول الاخرى، ومؤدى هذه المعاهدة تخويل الروسيا مد يدها في شئون تركيا وبسط حمايتها الفعلية عليها ، وهذه المعاهدة لم يبرمها السلطان على ما فيها من مهانة لتركيا الا ليسعى في نقض اتفاق كوتاهية، لان تركيا لم تكن مهددة في ذلك الوقت بخطر خارجي او داخلي الا من ناحية مصر. فابرام معاهدة (هنكار اسكله سي) غداة اتفاق كوتاهية معناه ان تركيا لم تكن خالصة النية في ابرام هذا الاتفاق ولا في اقراره.


الحكم المصري في سورية

دخلت الشام في حكم الدولة المصرية بعد صلح كوتاهية الذي توج انتصارات الجيش المصري، واصبحت مصر المرجع الاعلى لحكومة الشام، وصار ابراهيم باشا حاكما عاما للبلاد السورية وقائدا للجيش المصري.

نظام الحكم المصري فيها

واخذ ابراهيم باشا في تنظيم سورية وتدبير امورها الادارية والسياسية والحربية، فعنى باقرار الامن والنظام في ربوعها، وامن الطرق، ومنع اعتداء البدو على غلات الاهالي واملاكهم وارواحهم.

واخ من الوجهة الحربية يعنى بتوطيد مركز مصر في سورية، فأمن حدودها الشمالية وعنى بتحصين مضايق جبال طوروس لصد هجوم الترك اذا حدثتهم انفسهم بالزحف على الشام، ورمم حصون عكا وأسوارها، وشيد الثكنات والمستشفيات، وخطط الطرق الحربية، واستقرت الحاميات المصرية في اهم المدن السورية.

وبلغ عدد الجيش المرابط في سورية نحو سبعين الف مقاتل رابط معظمه في الجهات الشمالية القريبة من الحدود التركية.

واتخذ ابراهيم باشا مقره العام في انطاكية لموقعها الحربي وقربها من التخوم الشمالية وعين محمد شريف بك (باشا) حاكما عاما على سورية سنة 1832 ولقب حكمدار عربستان، وظل في معظم سنوات الحكم المصري يتولى ادارة الايالات السورية جميعا.

وجعل سليمان باشا الفرنساوي على ايالة صيدا (عكا)، وعين اسماعيل بك سنة 1837 حاكما لولاية حلب، وعين محمود نامي بك احد خريجي البعثات المصرية محافظات لبيروت وبقى في هذا المنصب من سنة 1833 الى سنة 1840.

وجعل على ادارة الشئون المالية حنا بك بحري احد اعيان السوريين، فصار صاحب النفوذ الاكبر في ادارة شئون الحكومة واحوالها، وقد ذكر المسيو جومار ان تعيين احد السوريين الاكفاء في هذا المنصب الكبير دليل على رغبة ابراهيم باشا في اسناد كبار المناصب الى ابناء البلاد، وهو ما لم يكن مالوفا في عهد الادارة التركية، وقال الدكتور مشاقة ، وهو معاصر للحكم المصري:

"لم يمض على حصار عكا زمان حتى ارسل محمد علي تفويضا الى حنا البحري في سن النظامات لحكومة سورية على النمط الحديث، وكان حنا البحري على جانب عظيم من اصالة الراي، وله القدح المغلي في السياسة المدنية، وكان العدل والانصاف شانه والنزاهة زمامه، لا فرق عنده بين القوى المثري والضعيف الفقير او المسلم والذمي، وكان يعاملهم بالقسط والعدل حسب وصية محمد علي باشا الذي كان عارفا ان لا قيام للدولة الا بالعدل والانصاف".

وعين ابراهيم باشا لكل بلد متسلما اي حاكما يتولى ادارتها.

والف في كل مدينة يزيد عدد سكانها على عشرين الف نسمة مجلسا يسمى (ديوان المشورة) يتراوح عدد اعضائه بين 12 و21 عضوا ينتخبون من بين نبهاء (أعيان) البلد وتجارها، وتنظر هذه المجالس في مصالح كل بلدة ومطلوبات الميري واليها ترفع بعض الدعاوى للفصل فيها.

ووحد الادارة ووطد سلطة الحكومة المركزية، وابطل سلطة الامراء والرؤساء الاقطاعيين وخضد شوكتهم، وضرب على ايدي الاشقياء وقطاع الطرق وبسط رواق الامن في البلاد، ونظم طرق الجباية، وعامل الاهلين بالعدل والمساواة من غير تفريق بين الطبقات والمذاهب والاديان، وكان ذلك اجل اعمال الادارة المصرية في سورية.

ونشطت التجارة والزراعة في عهد الحكم المصري، فعمم ابراهيم باشا تربية دود القز (الحرير)، واكثر من غرس اشجار التوت لهذا الغرض، وغرس في ضواحي انطاكية اشجار الزيتون، وازدهرت زراعة العنب، وعنى باستخراج بعض المعادن ولاسيما الفحم الحجري في لبنان، وراجت التجارة واتسع نطاقها، وكثرت المعاملات بين سورية والبلاد الاوربية.

وقد كان دخل الولايات السورية اقل من الخرج اي ان غلاتها تقل عن نفقاتها، وخاصة لما يقتضيه الانفاق على الجيش الموزع على المدن من المال، فكانت الخزانة المصرية توازن بينها فتسد عجز الميزانية وتحتمل مصر هذا الغرم في مالها.

كانت الادارة المصرية في سورية رغم ما بها من عيون اصلح من الحكم التركي السابق، وحسب هذه الادارة فضلا انها اقرت الامن في البلاد واستنقذتها من الفوضى.

ويكفيك لتتحق مبلغ تقدم الادارة السورية في ظل الحكم المصري ان تقرأ ما كتبه مؤرخو سورية في هذا الصدد.

قال الاستاذ محمد كرد علي بك رئيس المجمع العلمي العربي بدمشق خلال كلامه عن الفتح المصري:

"كان من اول اعمال ابراهيم باشا الجليلة في بلاد الشام ترتيب المجالس الملكية والعسكرية واقامة مجالس الشورى وغيرها من النظم الحديثة، وترتيب المالية، فجعل نظاما لجباية الخراج ومعاملة الرعايا بالمساواة والعدل، لا تفاوت في طبقاتهم ومذاهبهم، ولذلك لم يلبث الامراء والمشايخ وارباب النفوذ ان استثقلوا ظل الدولة المصرية. وتمنوا رجوع العثمانيين ليعيشوا معهم كالحلمة الطفيلية تمتص دماء الضعفاء، وينالهم من ذلك مصة الوشل، مع ان البلاد رات في ايام ابراهيم باشا ابطال المصادرات وتقرير حق التملك، وتوطد الامن في ربوعها، واحييت الزراعة والتجارة والصناعة، وعممت تربية دودة القز (الحرير)، واستخرجت بعض المعادن ولاسيما معدن الفحم الخجري في قرنايل (لبنان)، وفرض على لبنان 6782 كيسا يتقاضى الامير ضعفيها ويدخل في خزانته الخاصة المال الزائدة على المفروض.

"وأكد كثيرون ان بعمله هذا استعادت اكثر قوى حوران وعجلون وحماة وحمص وغيرها من اعمال الشام عمرانها القديم، واخربت بعض القلاع التي كان يعتصم بها الثائرون احيانا مثل قلاع جبل اللكام وقلعة القدموس، وقرب العلماء والشعراء، ورخص الاجانب في ارسال معتمديهم الى دمشق، وكانوا يمنعون من دخولها قبله، فينزل وكلاؤهم السواحل مثل صيدا وعكا وبيروت وطرابلس، ويقال على الجملة ان الناس حمدوا دولة محمد علي في الشام، ولم يتبرموا بها لو لم يقم ابنه ابراهيم باشا بايعاز ابيه بتجنيد الشبان ولو لم يثقل كاهل الاهلين بالضرائب، واقل الضرائب الشخصية 15 قرشا، واعظمها خمسمائة قرش، فان هذا مما نفرت منه بعض القلوب ولاسيما من كان يقع عليهم عبء معظمها مثل اهل حلب واهل دمشق".

وقال الدكتور اسد رستم احد اساتذة التاريخ بجامعة بيروت الامريكية لمناسبة الكلام عن محمود نامي بك محافظ بيروت في عهد ابراهيم باشا:

"لما عزم عزيز مصر على ارسال بعض ضباط بحريته الى فرنسا وانجلترا لاتمام علومهم وممارسة الفنون الحربية انتخب حسن افندي الاسكندراني وشنان افندي والامير محمود نامي وارسلهم الى فرنسا، فتلقى محمود علومه العالية وتخصص في الرياضيات، ولما رجع من فرنسا ، عينه محمد علي باشا محافظا لبيروت، وابقاه في هذا المنصب سبع سنوات (1833-1840) تنشقت بيروت في خلالها نسيما منعشا من الغرب المتمدن، فاستيقظت من سبات العصور الوسطى، وخطت خطوتها الاولى في سبيل رقيها الحديث، وكان محمد علي باشا وابنه ابراهيم وعامله الامير محمود نامي لبيروت اول العثمانيين الذين اخذوا الافكار الحديثة فيما يتعلق بالحكومة ولاادارة وهم اول من وضعها، وضع الاجراء والتنفيذ، نعم ان سلطتهم في بيروت كان مطلقة، ولكنهم احكموا التدبير واحجموا عن الحجم الاستبدادي، فشكلوا في هذه المدينة من سكانها مجالس تباحثوا مع اعضائها في جميع اعمالهم المتعلقة فكان هناك مجلس للمشورة يدعى مجلس شورى بيروت وديوان للصحة واخر للتجارة".

وقال سليمان بك ابو عز الدين احد ادباء سورية:

"على انه لا يسع المنصف الا الاعتراف بان المبادئ التي شاء محمد علي ان يؤسس عليها الادارة والقضاء في سوريا كانت صحيحة بوجه عام، لانها كانت ترمي الى تنظيم الاعمال وتوزيع الاختصاص بين هيئات مختلفة ومنع الاستبداد بتقييد الحكام وغيرهم من الموظفين بالنصوص القانوينة، وتدريب الاهلين على ادارة شئونهم المحلية، غير ان جهل الحكام كيفية تطبيق القوانين وفطرتهم الاستبدادية وعدم وجود مراقبة فعالة على اعمالهم وعدم مراعاة تقاليد البلاد وعادتها وكثرة الاضطرابات في البلاد حالت دون بلوغ الغاية التي وضعت تلك القوانين من اجلها، ولابراهيم باشا فضل خاص في السنين الاولى بعد الفتح في ضبط الاحكام وشدة مراقبة الحكام واجراء العدل بين الاهلين، وقد كان شديد الوطاة على المستخدمين الذين يحيدون عن السبيل القويم، فعاقب كثيرين منهم بالطرد والضرب والحبس للاعتداء على اهل البلاد او عدم النزاهة او غير ذلك مما يخرج عن جادة الاستقامة، فلو استمرت حكومة محمد علي في سوريا ناهجة هذا المنهج القويم الحكيم لملكت قلوب السوريين".

وقال في موضع آخر: "من التغييرات الاجتماعية التي نشات عن حكم محمد علي في سوريا اطلاق الحرية الدينية، ونشر روح الديمقراطية بالضرب على ايدي الزعماء والمتغلبين، ونزع السلطة من ايديهم، وانشاء العلاقة ما بين افراد الشعب وحكامه مباشرة، وتاليف مجالس مشورة تمثل الشعب بعض التمثيل ولها حق النظر في الشئون المحلية بعد ان كان النظر في جميع الشئون منوطا بحكام مستبدين".

ثم قال في موضع آخر: لم تقم حكومة محمد علي في سوريا باعمال علمية وادبية ذات شأن ، فالمدارس التي انشاتها كانت قليلة العدد والتاثير، وكانت في معظم الاوقات مشتغلة بالفتح وتسكين الاضطرابات واخماد الثورات ومقاومة الدسائس والاعتداءات الداخلية والخارجية، على ان قيامها في سورية مهد السبيل لنهضة علمية ادبية، لان تنظيماتها استوجبت اختبار المتنورين لادارة الاحكام والقيام بالاعمال القضائية والمالية والكتابية، وسهلت قدوم الافرنج عن مرسلين دينيين وتجار وغيرهم، فانشئت بواسطتهم المدارس، كما ان ارسال بعض الشبان لدرس الطب في القطر المصري واستخدام بعض السوريين في حكومة محمد علي باشا انشا صلة ادبية دائمة بين القطرين فامتدت تلك الصلة ونتائجها الى وقتنا الحاضر ، وأدخلت حكومة محمد علي روحا علمية الى البلاد في اعمالها، فانشات محجرا صحيا في بيروت وبذلت اهتماما يذكر في الامور الصحية، وكانت تجرى فيها حسب مشورة الاطباء الصحيحة كما فعلت في دمشق بانشاء مصارف للمياه الراكدة، واستخدام المهندسين في ذلك وفي الانشاءات التي تحتاج الى معرفة فنية".

هذا، وقد زار المارشال مارمون (الدوق دي راجوز)، سورية سنة 1834 فاجاب بما راه من اقرار السكينة والامن فيها، وكتب في رحلته يقول:

"اذا بقيت اعمال محمد علي وبقى الامن الذي بسطه فيما فتحه من البلاد كما صار اليه الان من الاستقرار الذي يدعو الى الاعجاب فان حالة هذه البلاد سينبه شانها وستتطور تطورا كبيرا.

ويقول المسيو لويس بلان المؤرخ الفرنسي في كتابه (تاريخ عشر سنوات):

"إذا اردنا ان نعرف ما افادته سورية من انتقالها من الحكم التركي الى حكم المصريين فما علينا الا ان نلقي نظرة على سهول انطاكية التي اكتست باشجار الزيتون وضواحي بيروت التي كثر فيها الكروم، والنشاط الذي انبعث في حلب ودمشق، صحيح ان محمد علي اظهر جنفا وقسوة في حكم سورية، ولكن في ظل هذا الاستبداد العارض الذي كان ضرورة ولزاما حيث سادت الفوضى في تلك البلاد، قد نالت سورية النظام والعمران".


الثورات في الشام

لكن الادارة المصرية في سورية لم تلبث ان اصطدمت بثورات محلية نشبت في مختلف الجهات ورزأت مصر بضحايا كثيرة، وحملتها متاعب وجهودا كثيرة لاخمادها.

فلنتكلم عن اسباب هذا الثورات.

وعد ابراهيم باشا السوريين بان يعفيهم من التجنيد ويخفض الضرائب ولا يكلفهم الا دفع الاموال الاميرية، وقد بر بوعده في السنوات الاولى من حكمه، فخفف عنهم بعض الاعباء المالية، واخذ في تنشيط الزراعة والتجارة، فشعر السوريين بالاطمئنان الى الحكم المصري وركنوا اليه.

ولكن هذه الحالة ما لبثت ان تبدلت لمااصدره محمد علي باشا الى ابنه في اواخر سنة 1833 واوائل سنة 1834 من الاوامر التي اثقلت كاهل الاهلين باعباء فادحة وهي: أولا: احتكار الحرير في البلاد السورية. ثانيا: اخذ ضريبة الرءوس من الرجال كافة على اختلاف مذاهبهم. ثالثا: تجنيد الاهالي. رابعا: نزع السلاح من ايديهم.

وقد تبرم الاهالي بهذه المحدثات وتذمورا منها، لان احتكار الحكومة للحرير من شانه الحاق الضرر بمنتجيه ومنع تنافس التجار على شرائه وحرمان المنتجين مكاسبهم منه.

وقد نفروا كذلك من ضريبة الرءوس وخاصة المسلمين لانهم ما كانوا ملزمين بها من قبل، وزاد في تذمرهم تسخير الحكومة للأهالي في الاعمال العامة.

وكانت التجنيد ونزع السلاح اهم الاسباب المباشرة التي افضت الى الثورة، فقد نفذ التجنيد بطريقة قاسية تثير الخواطر، وكان كثير من المجندين يرسلون الى جهات لا يقع على اهلهم شئ من اخبارهم فيها، وجاء نزع السلاح ثالثة الاثافي، لان معظم الاهالي كانوا يحملون السلاح ليدفعوا به سطوات البدو والرحل وعدوانهم، فانتزاع السلاح من ايديهم امر لا تقبله نفوسهم عن طاعة واختيار، ومن هنا نشات الثورات والفتن.

وقد كان للدسائس التركية والانجليزية عمل كبير في تحريك تلك الثورات، فان الترك والانجليز ما فتئوا يستفزون السوريين الى الثورة ويوزعون عليهم الاسلحة ويحرضونهم على القتال ويستميلون اليهم رؤساء العشائر والعصبيات، تارة بالمال وطورا بالوعود، حتى افلحوا في تهيئة البلاد للثورة، كما ان بعض اصلاحات ابراهيم باشا كانت من اسبابها، فقد مر بك ان ابطل سلطة الرؤساء الاقطاعيين وضرب على ايدي الاشقياء وقطاع الطرق الذين كانت لهم سطوة كبيرة في بعض البلاد، فؤلاء اولئك قد ساءهم انتزاع السلطة من ايديهم، فكانوا مدفوعين بوازع المنافع الشخصية الى تحريض الاهلين على الثورة بالحكم المصري، قال الدكتور مشاقة في هذا الصدد خلال كلامه عن نظام الحكم المصري في سورية:

"هذا النظام وان يكن عادلا وشريفا قد كان باعثا قويا على كره الاعداء والمشايخ للمصريين حيث كف يدهم واوقف مطامعهم عند حد لا يمكن اجتيازه، وأمات استبدادهم بالشعب، وجعلهم امام الشريعة سواء لا امتياز ولا فرق بينهم وبين افراد الرعية، فحنقوا على الدولة المصرية وردوا ازالتها وارجاع الحكومة التركية".

وقائع الثورة

ثورة فلسطين

وصلت اوامر محمد علي بالمحدثات الجديدة الى ابراهيم باشا وكان في يافا ، فبادر من فوره الى اذاعتها بين القبائل وفي انحاء البلاد، فثقلت هذه الاوامر على الناس وطلبوا رفعها، فلم يجابو الى طلبهم، فظهرت بوادر الاضطرابات في فلسطين.

ابتدأت الثورة على شواطئ نهر الاردن بالقرب من بيت المقدس في شهر ابريل سنة 1834، وتواطأت القبائل في هذه الجهات على الا يذعنوا لتلك الاوامر، وفي هذا اعلان للثورة.

فلما اعلم ابراهيم باشا بنبا هذا العصيان سار بالجيش من يافا الى بيت المقدس، قد كان لمبادرته تاثير كبير اضعف عزيمة الثوار، وهناك جمع نبهاء القوم واكابرهم (ابريل سنة 1834) فاستوضحهم مقصدهم، فاجابوه بانهم لا يعارضون في احتكار الحكومة للحرير، ذلك يؤدون الضريبة ضعفين ويقدمون بعض اولاد المشايخ رهينة لضمان طاعتهم واخلاصهم، غير ان ابراهيم باشا ابى ان يتهاون في تنفيذ اوامر ابيه، فاستمهلوه مدة يراجعون قومهم وعشريتهم، وانفض الاجتماع على غير طائل، وعاد ابراهيم باشا الى يافا ينتظر الجواب الاخير الذي وعد المجتمعون بابلاغه اياه بعد مشاورة الاهالي، ولكي ينتظر ورود النجدات والتعليمات من مصر، وكانت انتشار الوباء في هذه الجهات مما دعاه الى التعجيل بمغادرة بيت المقدس فاثر البقاء في يافا اذ لم يكن الوباء وقع فيها.

اخذت الثورة تستفح ، وخاصة لما ذاع بين الاهالي من ان تركيا تتاهب بجيش جديد لاسترجاع الشام من محمد علي، فجنح البدو الضاربون بجوار البحر الميت الى العصيان، وامتدت الثورة الى نابلس.

قمع العصيان

كان زعماء العصيان في تلك الجهات حاكم نابلس المسمى الشيخ قاسم الاحمد، وهو من رؤساء العشائر ذوي العصبيات القوية، وكان منهم زعيم آخر لا يقل عنه نفوذا ومكانة وهو أبو غوش صاحب قريبة العنب الواقعة بين بيت المقدس ويافا.

هاجمت جماعة أبو غواش المخافر المصرية المعهود اليها تامين السبيل بين يافا وبيت المقدس من سطو قطاع الطرق، فقفلت الحامية راجعة الى يافا لقلة عددهم ازاء المهاجمين.

وكذلك هاجم العصاة حامية بيت المقدس، وكانت تبلغ الف مقاتل، فقتل منهم خمسون جنديا واضطر القائد الى الامتناع في قلعة المدينة حتى يأتيها المدد.

فلما علم ابراهيم باشا بهذه الواقعة انفذ الايا من الفرسان بقيادة الميرلاي حسن بك لنجدة الحامية وللتنكيل بقبيلة ابي غواش، ولكن النجدة المصرية لم تقو على مقاومة العصاة، ورجعت مهزمة مضعضعة بعد ان قتل قائدها ونحو ثلاثين من جنودها، وتكاثر الثوار على القدس واقتحموا باب داود (من ابواب المدينة) ودخلوا منه ، ووقع قتال شديد بينهم وبين الحامية المحصورة في القلعة، ونهبوا حوانيت المدينة وبعض بيوت لليهود، كذلك هاجم العصاة الخليل وقتلوا حاميتها وكان عددها 200 جندي.

فلما علم ابراهيم باشا باستفحال الثورة جمع جيشا من ستة آلاف جندي وقام على راس هذا الجيش. فسار من يافا في شهر يونية سنة 1834. وزحف على معقل العصاة في قرية العنب التي امتنع بها جماعة ابي غوش، وكانت محصنة تحصينا منيعا، فحاصرها الجيش المصري واستمر القتال حولها ثلاثة أيام متوالية، وفي اليوم الثالث دخل المصريون القرية، فكان سقوطها في يدهم سببا في تشتيت العصاة، واحتل المصريون الطرق المفضية الى بيت المقدس وفرق الجيش جموع العصاة ودخل المدينة بعد ان فر كثير ممن انضموا الى الثوار، ووقعت ثلاث معارك بين الجيش المصري والعصاة كان النصر فيها للمصريين.

على ان هذا القتال قد حمل الجيش خسائر جسيمة ومتاعب هائلة، فتحصن ابراهيم باشا في بيت المقدس.

وفي غضون ذلك عمل على التفريق بين القبائل وضرب بعضها ببعض على الطريقة التي اتبعها في حرب الحجاز، وافلح في استمالة بعض القبائل فتفككت عراها، وعقد سليمان باشا الفرنساوي اتفاقا مع اولاد ابي غوش تعهدوا فيه ان يؤمنوه على اجتياز معاقلهم وان يوالوا الحكومة المصرية على ان تطلق سراح ابيهم الذي كان سجينا في عكا، وعلى العفو عنهم، وبذلك امنت الطريق بين يافا وبيت المقدس.

وفي اثناء ذلك عرض الشيخ قاسم حاكم نابلس على ابراهيم باشا ان يقدم طاعته على ان يعفي النابلسيون من الخدمة العسكرية، وجرت بينهما في هذا الصدد مفاوضات، فلما تم الاتفاق مع جماعة ابي غوش واستوثق ابراهيم باشا من ولائهم قطع تلك المفاوضات.


حضور محمد علي باشا

لما استفحل امر الثورة عتزم محمد علي باشا المجئ الى فلسطين ليطمئن بنفسه على الموقف وليشرف على حركات القتال التي كان الغرض منها قمع العصيان، فحضر الى يافا يصحبه عدد كبير من الجند، وكان ابراهيم باشا وقتئذ في القدس، فذهب لاستقباله في يافا.

وكان العصيان قد امتد الى صفد، فقطع اهلها الطرق ونهبوا اليهود، فعهد محمد علي الى الامير بشير الشهابي حاكم جبل لبنان، وكان على ولاء تام للحكومة المصرية، ان يخمد هذا العصيان ، فصار بالامر وزحف على صفد وحاصرها وسلمت من غير قتال واعاد العصاة ما نهبوه من اليهود.

وقد بر ابراهيم باشا بوعده لآل ابي غوش فاطلق سراح زعيمهم وعين احد ابنائه متسلما (حاكما) للقدس.

اخماد الثورة

وجرد جيشا لمحاربة الشيخ قاسم حاكم نابلس، فدار قتال شديد بينهما انتهى بهزيمة الشيخ قاسم وفراره مع اتباعه الى الخليل.

وفي غضون ذلك عاد محمد علي باشا الى الاسكندرية بعد ان اطمأن من ناحية الجيش المصرية ومركزه، فوصل الى الاسكندرية في يوليه سنة 1834.

احتل الجيش المصري قرى نابلس: ثم تعقب الشيخ قاسم ورجاله الاشداء الى الخليل، وتطاحن الفريقان ثلاث ساعات انكسر بعدها الثوار، فدخل الجيش الخليل وانسحب المنهزمون الى الكرك والسلط فتعقبهم ابراهيم باشا الى الكرك ولقى جنوده مشقات هائلة في هذه الحملة لاشتداد القيظ والعطش، وسقط منهم نحو ثلثمائة مصابين بالرعن (ضربة الشمس)، واحتل الجيش المصري الكرك، وحمى القتال حول قلعتها التي اعتصم بها الثوار، وتكبد المصريون خسائر جسيمة في هجومهم على القلعة وارتدوا عنها قليلا ريثما تبلغهم المدفعية، فانتهز الثوار هذه الفرصة واخلوا القلعة واسنلوا منها الى السلط، وتقدم ابراهيم باشا الى السلط فسلم اهلها من غير قتال.

وفر الشيخ قاسم ومن معه من زعماء العصيان الى البادية، ونزلوا على عرب عنزة، ولكن ابراهيم باشا تعقبهم وما زال بهم حتى اخذهم جميعا وقتلهم، وبذلك تم اخماد الثورة في فلسطي، واذعنت القبائل لسطوة ابراهيم باشا وشدة بأسه.


اضطرابات اخرى

وقد هاجت الخواطر في دمشق لما اوقع التجنيد من الحزن في نفوس اهالي المجندين، وفر عدد كبير من الناس الى البادية والى الجبال، وخشى شريف باشا والى ايالات الشام ان يعم الهياج، وخاصة بعد ورود انباء ثورة فلسطي، وفكف عن التجنيد ، لكنه جمع السلاح من ايدي الاهالي.

وكذلك وقعت اضطرابات في طرابلس سنة 1824 وائتمر الاهلون بالحامية، فاضطرت ان تنسحب الى الميناء، فارسل ابراهيم باشا المدد الى طرابلس، وعاقب مثيري الفتنة باعدام ثلاثة عشر منهم وثارت الفتن في عكار وصافيتا والحصن. فاخمدتها القوة المسلحة، ووقعت كذلك اضطرابات أقل شانا منها في حلب وانطاكية وبعلبك وبيروت.

ثورة النصيرية

وشهدت الثورة في بلاد النصيرية شرق اللاذقية في اكتوبر سنة 1834، وكانت اهم ثورة بعد ثورة فلسطين، وهاجم الثوار اللاذقية فامدها ابراهيم باشا، وزحفت قواته على بلاد النصيرية ونشبت معارك عدة بينها وبين الثوار انتهت بانتصار الجش المصري ونزع السلاح من ايدي الثوار وتجنيد نحو اربعة آلاف من اهل تلك البلاد.

وقد نفذ ابراهيم باشا قاعدة نزع السلاح والتجنيد في البلاد التي اخمد الثورة فيها، واستتب الامن في ربوعها، وكان البنانييون يعاونون الجيش المصري في اخماد تلك الثورات فترك لهم سلاحهم الى سنة 1835 ثم عمد الى تجريدهم منه وبدا بالدروز وخادع المسيحيين انه لا يريد نزع اسلحتهم، فعاونوه على تجريد الدروز، وبعد ان تم له ذلك عاد الى اولئك فجردهم من سلاحهم، واستتبت السكينة في سورية ولبنان، فعمدت الحكومة الى تجنيد الاهالي من البلاد كافة، وترتب على ذلك فرار الكثير من الشبان الى البادية مما اضر بالحالة الاقتصادية ضررا بليغا.


ثورة حوران

كان ابراهيم باشا قد اعفى دروز حوران من التجنيد، ثم تراءى له ان يطبق عليهم نظام التجنيد، وحجته انه في حاجة الى زيادة عدد الجيش استعدادا لمقاومة هجوم العثمانيين الذي جاءت الاخبار بقرب وقوعه.

فتمرد الدروز على طلب حكومة دمشق، وكان من ذلك نشوب ثورة خطيرة في حوران (نوفمبر سنة 1837) وهي شاد ثورة عاناها الحكم المصري في سورية.

انفد ابراهيم باشا ثلاث حملات لكفاح تلك الثورة واخمادها، فالحملة الاولى الفها من 459 من فرسان الهوارة، ففازت في بدء القتال على الثوار في بصرى ولكن الثوار استدرجوها الى الجهات الجبلية الوعرة في بلاد اللجاة، وامر قائد الحملة بالزحف عليها، حتى اذا بلغ الوعر وانحصر فيه، انقض عليه الدروز، فدارت بين الفريقين معركة بطش فيها الدروز بالحملة المصرية، فقتل قائدها وبادت الحملة قتلا واسرا وتشريدا.

ولما ابلغ ابراهيم باشا نبأ هذه الواقعة وكان في انطاكية اجمع لحملة جديدة يقودها بنفسه، لكنه علم باحتمال تقدم الترك نحو الحدود الشمالية، فاضطر الى البقاء في حلب وارسل الى ابيه يستمده. وطلب منه ان ينفذ اليه احمد باشا المنكلي وزير الحربية المصرية لقيادة الحملة، فجاء هذا على جناح السرعة، وقاد الحملة الجديدة وكان فيها 6000 مقاتل، وزحف على حوران، فاخذ الثوار يستدرجونها كما استدرجوا الحملة الاولى من قبل الى ان توغلت في الجهات الوعرة، فقاتلها الثوار في معركة انتهت بهزيمة الحملة، وخسرت من رجابها نحو اربعة آلاف بين قتيل وجريح، وجرح قائدها احمد باشا المنكلي جراحا بالغة.

تصدعت هيبة الجيش المصري بانتصارات الدروز، واستشرت الثورة من حوران الى وادي التيم فثار الدروز فيها بقيادة (شبلي العريان) وقطعوا مواصلات الجيش.

وجهز ابراهيم باشا حملة ثالثة من عشرين الف مقاتل اطبق بها على ثوار حوران ووادي التيم.

ونشبت الحرب وكانت سجالا. الى ان انتهت بتسليم دروز (وادي التيم)، ثم تسليم شبلي العريان وانحصار الثورة في اللجاة ثم انتهت باخماد ثورة اللجاة (أغسطس سنة 1838).

وبذلك انتهت ثورة الدروز بعد ان استمرت تسعة اشهر تكبد فيها الجيش المصري خسائر فادحة، ولقى فيها الاهوال ما لم يلقه في اخماد الثورات السورية الاخرى.

وعنى عن البيان انه كان في امكان مصر ان تتفادى هذه التضحيات الاليمة والخسائر الفادحة لو لم يتشدد محمد علي باشا في تجنيد السوريين ونزع اسلحتهم، اذ لم يكن من الحكمة ولا من حسن السياسة ان تبادر دولة فاتحة الى تجنيد الاهالي في بلاد حديثة عهد بفتحها ولما يستقر بعد حكمها فيها، وخاصة اذا كان اهلها قد اعتادوا من قديم الزمن حمل اسلحتهم ولم يألفوا نظام التجنيد الاجباري، لما استهدف الجيش المصري لهذه الثورات الى اودت بحياة عشرة آلاف مقاتل ونيف، وذلك اكثر من العدد الذي استطاع تجنيده من السوريين، واكثر مما خسرته مصر في المعارك الحربية بسورية والاناضول، هذا فضلا عن ان اخماد الثورات بالقوة والجبروت قد اوغر صدور السوريين على الحكم المصري، فبعد ان استقبلوه في بدء الفتح بقبول حسن وفضلوه على الحكم التركي جنحوا بعد ذلك الى قديمهم ولقيت الدعاية التركية بينهم مرعى ومأوى.

على أنه يجب الا يغرب عن البال ما كان للدسائس الانجليزية والتركية من الاثر الكبير في تحريض السوريين على الثورة كما قدمنا، ولكن مما لا نزاع فيه ان هذه الدسائس ما كانت لتفلح لو لم تلجأ الحكومة المصرية الى اثارة الخواطر بنزع سلاح الاهلين وتجنيدهم جبرا، ومن جهة أخرى فان الحكومة المصرية رغبة منها في منع ورود الاسلحة الى البلاد امرت بمنع دخول جهة اخرى فان الحكومة المصرية رغبة منها في منع ورود الاسلحة الى البلاد امرت بمنع دخول السفن التركية الى الثغور السورية، وصدت ورود القوافل من جهات الاناضول، فاصاب التجارة من هذه وتلك ضرر كبير، وقد كان للدسائس الانجليية وسوء الحالة الاقتصادية في اواخر عهد الادارة المصرية اثر كبير في الحرب السورية التي شبت بين مصر وتركيا وحلفائها عقب ابرام معاهدة لوندره، فان الجيش المصري قد لقى فيها من مقاومة السوريين ما زاد مركزه جرحا كما سيجئ بيانه.


الحرب السورية الثانية وواقعة نصيبين

(24 يونية سنة 1839)

ما فتئت تركيا بعد هزيمتها في معركة قونية وابرامها اتفاق كوتاهية تعد المعدات وتبذل الوسائل لاسترجاع سورية واقليم ادنه الى حوزتها، فحشدت منذ سنة 1834 جيشا في سيواس تاهبا للزحف على سورية عند سنوح الفرصة، وعهدت بقيادته الى رشيد باشا قائد الجيش العثماني الذي اسر في واقعة قونيه، فاخذ يستعد للزحف آملا ان يظفر بالجيش المصري فيمحو ما لحقه من العار والهزيمة في واقعة قونية.

فتصميم تركيا على القتال واعتزامها استرجاع سورية بدا عقب هزيمتها في قونية، ولم يؤخرها عن امتشاق الحسام حتى سنة 1839 الا شعورها بانها اضعف جندا من مصر، فاخذت تتحين الفرصة المناسبة للثار. على انها ما فتئت طول هذه المدة تدس الدسائس لمصر في سورية وتحرض اهلها على الثورات وخلع ايديهم من الطاعة.

ثم توفى رشيد باشا سنة 1836، فخلفه في قيادة الجيش العثماني محمد حافظ باشا احد قواد تركيا المشهورين في ذلك العصر.

وفي خلال ذلك حدثت مفاوضات بين تركيا ومصر لتسوية الخلاف بينهما بطريقة ودية، فاوفد السلطان محمود سنة 1837 مدوبه (صارم أفندي) ليفاوض في ذلك محمد علي، لكن هذه المفاوضة اخفقت اذ لم يتفق الطرفان على شروط يقبلانها.

محمد علي واعلان الاستقلال

ولما اخفقت تلك المفاوضات وراى محمد عي دسائس الاستانة تزداد في سورية اعتزم اعلان الاستقلال ليقطع اخر سبب يربط مصر وتركيا، واستدعى وكلاء الدول في مصر واعلنهم بعزمه هذا (مايو سنة 1837).

وهذه هي المرة الثانية التي اعتزم فيها محمد علي اعلان الاستقلال، فالمرة الاولى سنة 1834 عقب الحرب السورية الاولى اذ صارح وكلاء الدول بما صمم عليه، فرفضت الدول طلبه، وحذرته من العاقبة ثم جدد عزمه سنة 1838 معتمدا على حق مصرن ولان استقلالها هو خير ضمانة لاستباب السلام في الشرق.

وكان محمد علي يعتقد ان الدول لا تعارضه في اعلان الاستقلال اسوة بما فعلته حيال اليونان، اذ عضدتها في تحقيق استقلالها وانفصالها عن تركيا وتاييدها في مطالبها القومية، ولكن الدول الاوروبية تنظر الى مصر بغير العين التي تنظر بها الى اليونان، فاعترضت على ما عزم عليه محمد علي، وحذرته من جديد عواقب عمله، وبدا تحيزها لتركيا جليا، وظهر تحاملها على مصر، مما جرأ السلطان محمود على التحرش بمحمد علي، فادى ذلك الى وقوع الحرب السورية الثانية.

مقدمات الحرب السورية الثانية

كان سفير انجلترا في الاستانة (اللورد بونسونبي) يحرض الباب العالي على التشدد في شروطه، مما ادى الى اخفاق المفاوضة، وكانت انجلترا لا تفتأ تضع العراقيل امام سياسة محمد علي وتؤلب تركيا والدول الاوروبية على مصر.

فمن ذلك انها توصلت في سنة 1839 الى عقد معاهدة تجارية مع تركيا، من شروطها الغاء الاحتكار في جميجع انحاء السلطنة العثمانية، وكان المفهوم ان هذه المعاهدة تسري على مصر لانها كانت الى ذلك الحين جزءا من السلطنة، وقد وافقت فرنسا على هذه المعاهدة (نوفمبر سنة 1838) لان ظاهرها يوافق المبادئ الانسانية، ولم يكن من سبيل الى رفض مثل هذه المعاهدة.

وقد فطن محمد علي باشا الى ان المقصود من وضعها هو احراجه، فلم يعلن اعتراضه عليها ولا قبوله اياها، وتغيب عن مصر ذاهبا الى السودان في رحلة طويلة، واظهر انه ماض للبحث عن مناجم الذهب في فازوغلي وتنظيم حكومة السودان، ولكنه كان يقصد الغياب حتى لا يواجه طلبات وكلاء الدول.

وكانت تركيا تزداد تحفزا لتجريد جيشها على سورية، ولم يكن غرضها استرجاع سورية فحسب، بل كانت ترمي اذا ما ظفرت بالجيش المصري ان تستمر في زحفها حتى تغزو مصر، واخذت حركات الجيش العثماني تزداد نشاطا بالقرب من التخوم السورية.

وفي غضون ذلك بذلت الدول الاوروبية مساعي عدة لحل الخلاف بالطرق الودية بين الدولتين (مصر وتركيا) فاخفقت في مساعيها لان انجلترا كانت من وراء تركيا تحرضها على القتال.

خطة الترك في الزحف على الشام

حصن المصريون مضيق كولك من مضايق جبال طوروس تحصينا منيعا، اذ هو طريق الزحف على سوريا من ناحية الاناضول ، فشيدوا فيه القلاع المحكمة، وركبوا فيها المدافع الضخمة على الاساليب الهندسية الحديثة، وبلغ عدد المدافع التي ركبها المصريون في قلاع المضيق ونواحيه 115 مدفعا.

وبلغت الحاميات المصرية في ولاية ادنة عشرة آلاف مقاتل، واصبحت مواقع المصريين من المنعة بحيث صار من المتعذر ان يهاجمها الجيش التركي، فاعتزم قائده حافظ باشا ان يدع اجتياز هذه المضايق ويزحف على الشام من جهات اورفه وديار بكر، حيث لا تفصلها عن الشام جبال وعرة كجبال طوروس.


فلما علم ابراهيم باشا بهذه الخطة حشد معظم جنوده حول مدينة حلب ليرقب حركات الجيش التركي ويصد هجماته من كل طريق يجئ منه، وكانت طلائعه ترابط في عينتاب وكليس القريبة من الحدود التركية.


عبور الترك نهر الفرات

ولما اتم حافظ باشا استعداده اعتزم عبور الفرات ليزحف على الشام، فعهد الى اسماعيل باشا احد قواده اجتياز هذا النهر عند بيرة جك الى عدوته اليمنى، فانتقل اسماعيل باشا الى الشاطئ الايمن يوم 21 ابريل سنة 1839، ووصل هذا النبا الى ابراهيم باشا، فارسل الى والده بمصر يساله ماذا يكون موقفه اذا هاجمه الاتراك كما تدل الدلائل، واخذ في الوقت نفسه يحشد الجنود في حلب ويزد موقفه مناعة في المدينة وما حولها، وارسل الطلائع من العربان لاكتشاف حركات الجيش التركي.


ارسال محمد علي المدد الى الشام

وكان محمد علي قد بلغه تقدم الجنود التركية نحو الحدود، فعلم انها الحرب لا محالة وامر بجمع الجند وانفاذهم الى الشام ومعهم الذخائر، وعهد الى وزير الحربية احمد باشا المنكلي ان يلحق ابراهيم باشا ليعاونه في الحرب المنتظرة، فكان سفر المنكلي باشا اعلانا بقرب وقوع القتال، وقد علم وكلاء الدول بعزم المنكلي باشا على السفر فتدخل قنصل فرنسا العام لدى محمد علي لوقف سفر وزير الحربية حتى لا تستعر نار الحرب ثانية بين تركيا ومصر، فطلب اليه محمد علي ان تعطيه الدول موثقا الا يزحف الجيش التركي على الشام، وفي مقابل ذلك يمنع سفر وزير حربيته بل ويستقدم ابراهيم باشا ايضا، فضمن له القنصل الفرنسي ذلك، وارتكن على خطاب بهذا المعنى جاءه من سفير فرنسا بالاستانة، وكان الحديث بحضور قنصل النمسا، فالتفت اليه محمد علي يساله: أتؤيد الرسائل الواردة له من السفير النمساوي ما يقوله قنصل فرنسا؟ فاجاب بالنفي، فلم يسع محمد علي الا ان صارح القنصلين بانه ازاء هذا التضارب يرى من واجبه ان يتخذ وسائل الاهبة والاحتياط، وانفذ من فوره وزير الحربية الى حلب، فوصل اليها بعد تسعة ايام من مغادرته مصر، وكانت الحرب قاب قوسين او ادنى.


حركات الجيش التركي قبيل واقعة نصيبين

احتشدت طلائع الجيش التركي في قرية نصيبين وحولها، وهي بلدة واقعة في الاراضي العثمانية ، لكنها على مسيرة ساعات قليلة من الحدود التركية السورية.

واخذ حافظ باشا يستعد للزحف، فاحتل طلائعه من القرى ما حول مدينة عينتاب واجتازت سرية من الجيش التركي نهر الساجور، وهو الحد الفاصل بين سوريا وتركيا، فتخطت بذلك الحدود المرسومة في اتفاق كوتاهية، وتقدمت القوات التركية فاحتلت قرية تل باشر بعد ان قتلوا واسروا فريقا من حاميتها التي كانت مؤلفة من خمسمائة من عرب الهنادي.

وفي غضون ذلك كان ابراهيم باشا قد ارسل الي ابيه نبا تخطى الاتراك حدود الاتفاق وساله ما يامر به حيال هذا الاعتداء، ولم ينتظر ورود جواب ابيه، بل قام بجيشه من حلب لاجبار الاتراك على اخلاء تل باشر، ولكن هؤلاء اخلوا البلدة اثر وصول الجنود المصرية (3 يونيه سنة 1839) ثم احتل الترك مدينة عينتاب واخلتها الحامية المصرية.

وفي منتصف يونيه ورد جواب محمد علي باشا يعهد الى ابنه بالا يكتفي بارجاع الاتراك الى الحدود، بل عليه حربهم وسحق جيشهم ما داموا لم يراعوا العهود والمواثيق، فلما تلا ابراهيم باشا الجواب اطمأن اليه، فاصدر اوامره الى قواده بالاستعداد لمهاجمة الجيش التركي الذي احتشد في نصيبين.


قوات الطرفين=

كان الجيش التركي يتالف من 38 الف مقاتل ويحتل مواقع حصينة، ولم يكن ينقصه القواد الاكفاء لان فريقا من الضباط الالمان وعلى راسهم القائد الشهير البارون دي مولتك الذي انتصر فيما بعد على الفرنسيين في الحرب السبعينية كانوا يرافقون القواد الترك، وهم الذين تولوا تحصين نصيبين حتى جعلوها من امنع المواقع الحربية، ولو ان الامر ترك كله للقواد الالمان لكان الحظ في معركة نصيبين متراوحا بين الجيش المصري والتركي، ولكن القواد الاتراك وعلى راسهم حافظ باشا لم يعملوا بنصائح دي مولتك وزملائه اثناء القتال، فدارت الدائرة على الجيش التركي.

اما الجيش المصري فكان عدده اربعين الف مقاتل، فالجيشان كانا متقاربين من جهة العدد، لكن الجيش المصري كان يفوق جيش الترك في النظام وبراعة القيادة، ودربه جنوده، ومرانهم على القتال، وثقتهم بانفسهم وبقوادهم الذين خاضوا واياهم المعارك ورفعوا معا علم النصر من قبل، فكان لهذه الميزة تاثير معنوي كبير في نفوس الجنود، هذا فضلا عن ان الجيش المصري كان مؤلفا من جنس واحد وهم المصريين، اما الجيش التركي فكان اخلاطا من الاتراك والاكراد وسائر عناصر السلطنة العثمانية.


واقعة نصيبين

(24 يونيه سنة 1839)


اعتزم ابراهيم باشا ان يتبع خطة الهجوم في واقعة نصيبين، فحشد الجيش مشاة وركبانا على ضفاف نهر الساجور الذي كان يفصل الحدود المصرية والتركية.

وتحرك يوم 20 يونيه سنة 1839 صوب قرية مزار ليتخذها قاعدة الهجوم.

وتقع هذه القرية جنوبي نصيبين بغرب، وهي على ساعتين من معسكر الجيش التركي (أنظر خريطة الواقعة ص 279).

لم يلق المصريون مقاومة تذكر في احتلال مزار فقد اخلتها الحامية التركية وانسحبت منها الى معسكر الجيش في نصيبين، ورتب ابراهيم باشا مواقع جيشه في ضواحي مزار بالعدوة اليسرى من النهر المسمى باسمها.

وفي اليوم التالي 21 يونيه استقر راي ابراهيم باشا على اكتشاف مواقع الاتراك اولا لمعرفة الجهة الضعيفة فيهاجمهم فيها، فسار بصحبة سليمان باشا لارتياد هذا الاكتشاف ومعهما قوة مؤلفة من الف وخمسمائة من العرب واربعة الايات من الفرسان وبطاريتان من المدافع، واقتربوا من مواقع الاتراك، فانفذت القيادة التركية بعض كتائب من الفرسان النظاميين ومن الجنود غير النظامية (الباشبوزق) فاشتبكوا مع طلائع الجيش المصري في مناوشة ارتدوا على اثرها الى مواقعهم، وتعقبهم المصريون، فامكنهم اكتشاف التحصينات المنيعة التي اقامها الاتراك امام نصيبين، فادرك ابراهيم باشا انه يتعذر بل يستحيل على الجيش المصري ان يستولي على معسكر الجيش التركي مواجهة، وعاد يجهد الفكر في الخطة التي تكفل له الفوز على خصمه، فراى ان خير وسيلة يتبعها هي الدوران حول مواقع الترك ليهاجمهم من الخلف.

وغداة هذا اليوم 22 يونيه شرع ابراهيم باشا ينفذ هذه الخطة واخذ ينسحب من مواقعه الاولى استعدادا لحركة الالتفاف.

اما حافظ باشا فقد جمع مجلسا حربيا ليقرر الخطة الواجب اتباعها حيال هذه المناورة، فكان راي البارون دي مولتك وزملائه الالمان ان يهاجموا المصريين اثناء حركة الالتفاف وقبل ان ترسخ اقدامهم في المواقع الجديدة، لكن حافظ باشا وزملاءه الاتراك لم يقبلوا هذا الراي السديد، وابو ان يغادروا مواقعهم واستحكاماتهم المنيعة ويغامروا بقواتهم في مهاجمة الجيش المصري في العراء وفي سهل مكشوف خال من الاستحكامات التي تحميهم، واستقر رايهم على البقاء في معاقلهم بنصيبين.

انفذ ابراهيم باشا حركة الالتفاف، فترك مواقعه الاولى، وسار مشرقا ، محاذيا نهر مزار ثم نهر كرزين بعد ان يلتقي هو ونهر مزار، ثم انعطف شمالا حتى بلغ الطريق الموصل من حلب الى بيرة جك والمفضي الى ما وراء مواقع العدو في نصيبين، فسار في ذلك الطريق الى ان بلغ قنطرة هركون القائمة على نهر كرزين وامر الجيش بعبور النهر على هذه القنطرة، ولو ان حافظ باشا فكر في مفاجاة الجيش المصري اثناء هذا العبور حيث كان قواته موزعة على جانبي النهر لكان محتملا ان تتغير مصاير الواقعة، لكن القيادة التركية كانت في غفلة من الجمود وعدم الكفاية، فتركت هذه الفرصة تفلت من يدها، وعبر الجيش المصري باجمعه نهر كرزين ليلا واحتش على الضفة اليسرى خلف معسكر الجيش التركي، وبذلك واجهه من الجهة الضعيفة، فاضطر حافظ باشا ان يدير وجه جيشه ليواجه الجيش المصري في مواقعه الجديدة، واقام استحكامات على عجل بدلا من الاستحكامات القديمة التي كانت امام وجهته القديمة ولم يعد لها بعد ان تغير موقف الجيشين وانقضى يوم 23 يونيه والجيشان يتاهبان للقتال.

وفي ليلة 24 يونيه سنة 1839 هاجم حافظ باشا المصريين في جنح الليل املا ان ياخذهم على غرة ويوقع الفشل في صفوفهم، ولكنه ارتد بعد ان فتكت نيران المدافع المصرية بعدد كبير من جنوده، واستمر ابراهيم باشا تلك الليلة يتاهب لمهاجمة الاتراك في صبيحة الغد.


الواقعة

ففي صبيحة ذلك اليوم، 24 يونيه، بدات المعركة طبقا لخطة الهجوم التي رسمها ابراهيم باشا، وكان الجناح الايمن للجيش التركي يرتكز على اخوار عميقة لا سبيل الى اجتيازها، والقلب تحميه الاستحكامات التي اقامها الترك، اما الجناح الايسر فكان يمتد الى نصيبين ويتجاوزها قليلا مرتكزا الى غابة من اشجار الزيتون، فراى ابراهيم باشا ان نقطة الضعف انما هي في هذه الناحية، فقرر مهاجمة الجناح الايسر، وامر يتقدم الصفوف المصرية لانفاذ هذه الخطة.

كان في هذه الخطة خطر كبير على الجيش المصري، اذ لم يكن له من سبيل الى مهاجمة الجيش التركي من هذه الناحية الا اذا سار امام جناحه الايمن، ثم امام القلب، وبذلك تتلقفه نيران الترك اثناء مسيره، ولكن القيادة التركية لم تغتنم هذه الفرصة، وبقى حافظ باشا غارا في معاقله لا يبي حراكا، وصمم على ان يدخر قوته الى ان يهاجمه المصريون، وترك الجيش المصري ينتقل الى مواقعه الجديدة، ولقد رتب ابراهيم باشا خطة الانتقال والهجوم باحكام ودقة وفطنة استرعت اعجاب الضباط الاوروبيين الذين كانوا في معسكر الجيش التركي، فقد شهدوا بان حركات الجيش المصري كانت تسير طبقا لخطط الجيوش الاوروبية المدربة على ارقى فنون القتال العملية.

ومما دل على براعة ابراهيم باشا في وضع الخطط الحربية انه راى اكمة عالية (نمرة 22 على الخريطة ص 279) تجاه مسيرة الاتراك وقد اهملوا احتلالها، فامر لفوره سليمان باشا الفرنساوي الذي كان على ميمنة الجيش المصري باحتلال تلك الاكمة، فبادرها ومعه فريق من الفرسان والمدفعية ونصبوا عليها المدافع، فانكشفت أمام نيرانها مواقع الترك، وكانت هذه الحركة مفتاح النصر في واقعة نصيبين.

وقد تنبه الترك الى خطتهم في اهمال تلك الاكمة، وحاولوا ان يحتلوها، ورماها حافظا باشا بقوة من فرسانه لاقصاء المصريين عنها، ولكنهم عجزوا عن مقابلة النيران التي سلطها عليهم حماة الاكمة وابطالها، فارتدوا عنها الى مواقعهم الاولى.

ولما اكتمل الجيش المصري تجاه الجناح الايسر امر ابراهيم باشا باطلاق المدافع على ميسرة الاتراك والهجوم عليهم، فتلقى الترك الهجوم بثبات وشجاعة، واشتد الضرب بالمدافع والبنادق بين الفريقين، واستمر نحو ساعة ونصف حمى فيها وطيس القتال واستحرث ناره.

وفي اثناء ذلك فرغت ذخيرة الجيش المصري، فانتظر جنود المدفعية وهدموا ريثما ترد اليها الذخيرة، بينما كان الترك يصبون عليهم نارا حامية، فتقلقل المشاة من الجناح الايمن المصري وارتدوا الى الوراء، فصدر الامر الى الفرسان بالهجوم، فاقدموا، لكنهم اضطروا الى الارتداد اما رصاص الترك، وتقهقروا هم والمشاة، ولكن ابراهيم باشا تمكن بعد جهد شديد من وقف تيار التقهقر.

وفي غضون ذلك وردت الذخائر للمدفعية، فصبت نيرانها على الترك، واشترك المشاة والفرسان والمدفعية في الضرب، الى ان تزلزلت صفوف الجيش التركي والتوت امام هجمات المصريين، وظهر الضعف في اطلاق مدافعهم، فاخذ الاكراد يفرون متقهقرين ، فشدد ابراهيم باشا الهجوم على الميسرة، فلم يقو الترك على صد هذا الهجوم، ولجاوا الى الفرار تاركين بنادقهم وذخيرتهم، فاحتل الجيش المصري مواقعهم، وغنم جميع مدافعهم وذخائرهم وخيامهم وكل ما فيها من العتاد والميرة اذ لم يتمكن الترك من حمل شئ منها اثناء هزيمتهم، حتى ان حافظ باشا ترك خيمته المزخرفة، وفيها اوراقه واوسمته، فكانت معركة نصيبين نصرا مبينا للجيش المصري.

{{{{خريطة 281}}}}

موقع الجيش المصري يومي 20 و21 يونيه (على نهر مزار). حركة الاستطلاع التي قام بها ابراهيم باشا لاكتشاف مواقع الترك يوم 21 يونيه. 3-4-5 موقع الجيش التركي قبل المعركة (على شكل مثلث). استحكمات لحماية وجهة الجيش التركي. استحكامات لحماية ميسرة الجيش التركي. الاي من المشاة الترك في اكمة محصنة تحمي الجناح الايمن. بطارية من المدافع بالاكمة المذكورة. خط سير الجيش المصري يوم 22 يونيه وانتقاله من موقعه الاول على نهر مزار الى موقعه الاخير استعدادا للاحاطة بالجيش التركي من الخلف. الايان من المشاة المصريين احتشدا على يمين الجيش المصري ومعها بطاريتان من المدافع لحمايته اثناء انتقاله الى موقعه الجديد. الايان من المشاة والفرسان المصرية احتشدا على يسار الجيش للغرض المتقدم. قنطرة هركون التي عبر عليها الجيش المصري نهر كرزين. موقع الجيش المصري يوم 23 يونيه على الضفة اليسرى لنهر كزرين بعد اجتيازه قنطرة هركون. خيمة ابراهيم باشا القاعد العام للجيش المصري. خيمة سليمان باشا الفرنساوي. موقع المدافع التركية ليلة 24 يونيه بعد عبور الجيش المصري نهر كرزين. خط سير الجيش المصري يوم 24 يونيه للاحاطة بالجيش التركي. 19-20 موقع الجيش التركي عند بدء القتال بعد ان ادار وجهه الى الخلف استعدادا لملاقاة الجيش المصري في موقعه الجديد. 21 استحكامات اقامها الترك امام وجهة جيشهم. 22 الاكمة التي قصد اليها المصريون للتسلط على مواقع الترك ونصبوا فيها المدافع الثقيلة. 23 الايان من المشاة المصريين، واربع الايات من الفرسان، واربع بطاريات من المدافع الخفيفة في اقصى الميمنة لحماية هجوم الجناح الايمن على مواقع الترك. 24-25 موقع الاحتياطي المصري من المشاة والمدفعية الذين احتلوا الآكام اثناء تقهقهر الترك. 26 اتجاه تقهقر الترك.


نتائج الواقعة

بلغت خسائر الترك في معركة نصيبين نحو اربعة آلاف قتيل وجريح، وكان من قتلاهم بعض القواد والضباط، واسر منهم بين اثنين عشر الف الى خمسة عشر الف اسير، واستولى المصريون على نحو عشرين الف بندقية و44 مدفعا، واستولوا في اليوم التالي على 30 مدفعا في حصن (بيرة جك) وكذلك استولوا على خزانة الجيش التي لم يتمكن الترك من اخذها عند الهزيمة، وكان بها من النقد ما قيمته ستة ملايين فرنك.

اما الجيش المصري فقد بلغت خسائره نحو اربعة الاف بين قتيل وجريح، وهي خسارة عظيمة، ولكنها كانت فداء للنصر المبين الذي نالته مصر في هذه الواقعة.

قضت هذه الواقعة على قوة تركيا الحربية، وانقذت مصر من الخطر الذي كان يتهددها من ناحية تركيا، وكان فيها اكبر انتصار حازه الجيش المصري في حروبه مع تركيا، وهي اعظم الوقائع التي خاض غمارها من جهة اهميتها الحربية ونتائجها السياسية، اما من الوجهة الحربية فقد رايت انا تفوق المعارك الاخرى في عظم الجهود والخسائر التي بذلت فيها، واما من الوجهة السياسية فلانها حفظت استقلال مصر، وكانت له بمثابة السياج الذي صانه من الحظر، فلو ان تركيا فازت في هذه المعركة لاستمرت في زحفها على سورية ثم على مصر، ولقضت على استقلال مصر وردتها وزلاية تركية لا تمتاز عن سائر ولايات السلطنة العثمانية في شئ.

وهذه الواقعة تشبه ان تكون كواقعة جيماب التي فازت فيها جيوش الثورة الفرنسية على الجيش النمسوي وانقذت فرنسا من خطر الغارة عليها وصانت كيانها، وكذلك كان شان واقعة نصيبين بالنسبة لمصر.

وكان وقع هذه المعركة اليما شديد المضض على تركيا لانها خاتمة الهزائم التي حاقت بجيوشها في معاركها المتعاقبة مع الجيش المصري.


وفاة السلطان محمود

توفى السلطان محمود في اول يولية سنة 1839 قبل ان يبلغه نبا انكسار جيشه، اذ كان على فراش الموت، فاسلم الروح دون ان يعلم بالطامة التي حلت بالجيش التركي في تلك الواقعة الفاصلة، وخلف بعده السلطان عبد الحميد في الوقت الذي تزلزلت فيه قوائم السلطنة من ضربات مصر، ولم تكن سن السلطان الجديد تتجاوز السابعة عشر، فلم يدر كيف ياخذ في امره ولا كيف يتجه بين العواصف التي هبت على عرشه.


تقدم ابراهيم باشا

اما ابراهيم باشا فانه استمر في تقدمه عقب انتصاره، واحتل بيرة جك على ضفة نهر الفرات اليسرى ثم عينتاب ومرعش واورفه.


تسليم الاسطول التركي

واعقب هذه الواقعة كارثة اخرى اصابت تركيا في اسطولها، وذلك انه لما بدات الحركات العدائية الاخيرة بين مصر وتركيا صدرت الاومر للاسطول التركي بالتحرك من بوغاز الدردنيل بقيادة القبودان احمد باشا فوزي لمنازلة العمارة المصرية، ولكن فرنسا وانجلترا ارسلتا بعض السفن لمنع التصادم بين الاسطولين تنفيذا للخطة التي كان عليها العمل بينهما من الحيلولة بين تصادم مصر وتركيا.

ولما هزم الجيش التركي في واقعة نصيبين وتولى السلطان عبد المجيد وراى دعائم عرشه تتزلزل امام فتوحات الجيش المصري، جنح للسلم، فبعث برسول يدعى عاكف افندي الى مصر يعرض على محمد علي باشا عقد هدنة يمكن في خلالها اجراء المفاوضات للاتفاق على حل يرضي الطرفين، وعهد اليه ان يامر فوزي باشا قائد العمارة التركية ان يعود الى الاستانة ولكن فوزي باشا كان قلقا على مركزه بعد موت السلطان محمود، اذ كان مقربا لديه ولدى اختصاص به، فلما خلفه السلطان عبد المجيد عين خسروا باشا صدرا اعظم، وكان بينه وبين فوزي باشا عداء قديم، فعظمت وساوس فوزي باشا، (ظن ان استدعاءه الى الاستانة لم يكن الا لعزله او لقتله، وزين له وكيله عثمان باشا ان يلتجئ الى محمد علي باشا خصم خسروا باشا القديم ويسلمه الاسطول التركي باكمله هدية خالصة، فينال منه المكافاة وحسن الجزاء، فاصغى فوزي باشا لهذا المشورة التي تنطوي في ذاتها على الخيانة والدناءة، واقلع بالعمارة التركية وخرج بها من الدردنيل ومضى الى الاسكندرية ، وكانت هذه العمارة على شان من القوة، مؤلفة من تسع بوارج كبيرة (غلايين) واحدى عشرة سفينة من نوع الفرقاطة، وخمس من نوع الكورفت، وعلى ظهرها 16107 من الملاحين، والايان من الجنود يبلغ عددهم 5000 فيكون الجميع 21.107.

فلما وصل فوزي باشا على راس هذه العمارة الى رودس ارسل وكيله الى محمد علي باشا بمصر يخبره بعزمه، فابتهج محمد علي بهذه الفرصة السعيدة ابتهاجا عظيما، وانفذ رسولا على السفينة البخارية النيل ليبلغه سروره مما اقدم عليه، ثم اقلعت الدوننمة العثمانية من رودس بقيادة فوزي باشا وبلغت الاسكندرية، وكانت الدوننمة المصرية خارج البوغاز لاجراء التمرينات البحرية بقيادة الاميرال مصطفى مطوش باشا، فدخلت الدوننمتان الى الميناء معا، وعدد سفنها نحو بخمسين سفينة حربية تقل نحو ثلاثين الف مقاتل، وعليها نحو ثلاثة الاف مدفع، فكان منظر دخول تلك العمارة الضخمة الى ميناء الاسكندرية يملا القلب جلالا وروعة، وصارت مصر بهذه القوة البحرية المزدوجة اقوى دولة بحرية في البحر الابيض المتوسط.

ولما علم جنود الاسطول العثماني بالامر، وكان مكتوما عنهم الى ذلك اليوم، هرب بعضهم على الصنادل وعادوا الى الاستانة.

وتسلم محمد علي باشا هذا الاسطول الضخم، فكان لهذا الحادث تاثير كبير في سير المسالة المصرية، لان تسليم الاسطول التركي الى مصر بعد انتصارها في معركة نصيبين جعل كفتها الراجحة على تركيا في البر والبحر، وبلغت مصر في ذلك الحين اوج قوتها على عهد محمد علي.






الفصل التاسع: معاهدة لندرة ومركز مصر الدولي

تدخل الدول بعد معركة نصيبين

ان انتصار الجيش المصري في معركة نصيبين قد وضع المسالة المصرية والمسالة الشرقية ومسالة التوازن الاوروبية عامة موضع البحث والنظر، وهذه هي المرة الثانية التي استرعت فيها انتصارات مصر انظار الدول الاوروبية واوقعتهن في الحيرة والارتباك، فالمرة الاولى كما تذكر كانت عقب انتصارات حمص وبيلان وقونية، وهذه المرة الثانية بعد نصيبين، وهذا يدلك على مدى تاثير تلك الانتصارات الباهرة، وحسبك دليلا على عظمها انها هزت كيان التوازن الاوربي هزا، وتداعت اركان السلطنة العثمانية، وفتحت باب المسالة الشرقية، فتجددت اطماع الدول المختلفة بشانها، مما جعل السلام مهددا في اوروبا، واذا تاملت صحائف تاريخنا الحديث لم تجد لمصر من التاثير البالغ في السياسة الدولية الاوروبية مثلما كان لها عقب معركة نصيبين، ولا يغيبن عنك ان هذا يرجع اول وهلة الى انتصاراتها الحربية في ميادين القتال.

تلك الانتصارات التي هي صفحة فخار لمصر وجيشها وقائدها العظيم ابراهيم باشا، وانك لتلمح عظمة ابراهيم من كون قاد الجيش المصري في ميادين النصر الى حيث جعل تركيا والدول الاوروبية تقف مبهوتة مضطربة امام وثبات ذلك الفتح الكبير، كانما هي امام القدر.

ذلك ما يقضي به الانصاف، وقد ارادت تركيا ان تنقض هذا الاتفاق بحد السيف، فتحرشت بالجيش المصري وتحدته الى القتال، وهاجمت حدود مصر الشمالية التي رسمها اتفاق كوتاهية، واجبرت مصر على خوض غمار القتال، فوقعت معركة نصيبين التي انتهت بهزيمة الجيش التركي، فالنتيجة العادلة لهذه العزيمة ان يبقى اتفاق كوتاهية مرعبا من تركيا ومن الدول وخاصة، لان سورية اقرب الى الدولة المصرية منها الى تركيا، اذ هي جزء من البلاد العربية التي جعل محمد علي غرضه الى يؤسس منها الدولة المصرية، فالعدالة والمصلحة السياسية والاجتماعية، والنتيجة المنطقية للمعركة، كل اولئك يقضي بالاعتراف باستقلال مصر التام وانفصالها عن تركيا وانضمام سورية اليها.

ولو ان الدول الاوروبية عاملت مصر بمثل العطف الذي عاملت به اليونان، في ثورتها على تركيا، لما كان هناك شك في اقرار تلك النتيجة، لا بل ان مصر اولى باقرارها على مطالبها ينجها من اثار الهزيمة سوى مظاهرة الدول الاوروبية وتحالفهن على تركيا، ومع ذلك فان السياسة الدولية الاوروبية قضت لليونان باستقلالها التام، اما مصر فقد حكمت عليها ان تبقى تحت السيادة التركية، وان تتخلى عن سورية وجزيرة العرب وادنه وكريت، وائتمرت بها الدول وحاربتها وقصت اجنحتها، وقضت عليها باضعاف قوتها البرية والبحرية كما سيجئ بيانه، وهذه المقارنة تصور لك الفرق بين معاملة اوروبا لامة غربية ومعاملتها للامم الشرقية، وتريك الميكال الواحد يكبر ويصغر، كانه فيه روح الشيطان.


موقف الدول

قلنا ان انتصار الجيش المصري في نصيبين حرك مسالة التوازن الاوروبي والمسالة الشرقية، فوقفت الدول الاوروبية مواقف مختلفة تبعا لاختلاف اطماعها ونزعاتها.


موقف الروسيا

اما الروسيا فقد انتهزت هذه الفرصة لبسط حمايتها الفعلية على تركيا بحجة الدفاع عنها.


موقف فرنسا

وفرنسا كانت تميل الى اقرار محمد علي باشا على سورية وجزيرة العرب طبقا لاتفاق كوتاهية ولما ادت اليه معركة نصيبين.


موقف انجلترا

واما انجلترا فانها جاهرت بعدائها لمصر، واعلنت وجهة نظرها في وجوب المحافظة على كيان السلطنة العثمانية، وان هذا الكيان لا يقوم لا برد سورية الى تركيا، واخضاع محمد علي بالقوة، واخذت تؤلب الدول الاخرى على مصر ليشتركن معها في اخضاعها، ولم تكن المحافظة على كيان السلطنة العثمانية هي وجهة نظرها الحقيقية، بل غايتها الجوهرية هي اضعاف الدولة المصرية لانها ترى فيها اذا قويت مزاحما لها في سيادتها بالبحر الابيض المتوسط ورقيبا عليها في طريقها الى الهند، ومن هنا كانت انجلترا تتمسك بكل عزم وقوة بوجوب رد سورية الى تركيا، لان امتداد نفوذ مصر في البلاد السورية يجعلها دولة بحرية قوية من دول البحر الابيض المتوسط، ويجعل لها الاشراف على طريق الهند من ناحية الفرات والعراق، فضلا عن طريق البحر الاحمر وبرزخ السويس.

وكانت تتمسك ايضا برد الاسطول التركي الى الدولة العثمانية لان اندماجه في الاسطول المصري يجعل لمصر قوة بحرية كبيرة تخيف انجلترا.

ان عداء انجلترا لمصر من القواعد الاساسية لسياستها الاستعمارية، فمنذ اخفقت في احتلالها البلاد سنة 1807، رات محمد علي يعترضها في طريق مطامعها الاستعمارية، فينشئ على ضفاف النيل دولة مصرية قوية، ويمد نفوذها الى شبه جزيرة العرب، ويصل الى نهر الفرات وشاطئ الخليج الفارسين وسواحل اليمن، وهذه البلاد كلها واقعة في طريق الهند، فلا جرم ان تحنق انجلترا على مصر الفتية القوية، وتبغيها الغوائل وتدس لها الدسائس، فالسياسة الانجليزية هي التي سعت جهدها لتقليم اظفار مصر وقص اجنحتها، وابقائها تحت السيادة التركية ، وانقاص قوتها البرية والبحرية، ترمي من ذلك الى اضعاف طبقا لمبدئها القديم وهو الا تقوم في مصر دولة قوية تعترض طريقها الى الهند، كان استعمارها للهند يقتضي استعباد جميع البلاد التي في طريقها اليها، وهذا من اغرب ما يقضي به الجشع الاستعماري.

وكان لها من اضعاف مصر غاية اخرى هي التمهيد لامتلاكها ووضع يدها عليها عندما تحين الفرصة، ولو بقيت قوة مصر الحربية على ما كانت عليه في عهد محمد علي لتعذر على انجلترا تحقيق هذه الغاية، فاضعاف قوة مصر هو من اغراض انجلترا الاستعمارية، وقد ظلت هذه الغاية من قواعد السياسة الانجليزية طوال القرن التاسع عشر والى اليوم، وابدت الحوادث سوء نيتها نحو البلاد، فانها اخذت تتحين الفرص وتخلق المشاكل حتى احتلتها سنة 1882.

كانت انجلترا اذن قوام المؤامرة الدولية على مصر في عهد محمد علي، وقد تولى وزارة خارجيتها في ذلك العصر سياسي داهية من اكبر ساسة الانجليز، وهو اللورد بالمرستون، وكان مشبعا بروح العداء لمصر عاملا على اضعاف مكانتها وتقليم اظافرها تنفيذا للسياسة التي اوضحناها ، فاخذ يبث مبادئه وافكاره بين الدول الاوروبية ويعمل على انحيازها الى صف انجلترا في الوقيعة بمصر، وكان يتولى السفارة الانجليزية بالاستانة في ذلك الحين سياسي اشد كراهية لمصر من اللورد بالمرستون، وهو اللورد بونسونبي، كان يجاهر بعدائه لمحمد علي باشا، وما فتئ يدس الدسائس للادارة المصرية في سورية ويبذل المساعي المختلفة لاحداث الثورات والفتن فيها وتحريض سكانها على الانتقاض على الحكم المصري، ويحرض دولته على محاربة محمد علي باشا ، فكان لهذين الرجلين، بالمرستون وبونسونبي، اثر بالغ في تدبير المؤامرة الدولية وتاليب الدول على مصر.


موقف النمسا وبروسيا

اما النمسا فكان وزيرها المشهور مترنيخ يميل الى تعزيز مركز تركيا لغرضين، أولهما الا يجعل بروسيا ذريعة للتدخل في شئون تركيا وبسط حمايتها عليها، فان في ذلك خطرا على النمسا، والثاني انه كان ينظر الى قيام محمد علي ضد تركيا كثورة على الحاكم الرسمي، ومبدا مترنيخ مقاومة الثورات القومية التي يراد منها الخروج على سلطة الحكومات الرسمية.

ولم يكن لبروسيا اطماع خاصة في هذه الازمة، بل كانت ترمي الى المحافظة على السلم اتقاء للاخطار التي تنجم عن حرب اوروبية، وكان ملكها يكره فرنسا من ناحية اخرى لاسباب قومية ويميل الى السياسة المناقضة لسياسة فرنسا.

موقف تركيا

تولى السلطان عبد المجيد عرش السلطنة بعد وفاة السلطان محمود الثاني، وسنه كما قدمنا لا تتجاوز السابعة عشرة، خلف السلطان محمود والسلطنة تتداعى اركانها تحت ضربات الجيش المصري، وتولى زمام الحكم والدولة لا جيش لها ولا اسطول فراى من الحكمة ان يجنح الى السلم والمفاوضة راسا مع محمد علي لحسم الخلاف بين الدولتين بالحسنى، ومع انه استوزر خسرو باشا المشهور بعدائه القديم لمحمد علي وجعله صدرا اعظم الا انه هو ووزيره ابديا رغبتهما في احلال الصفاء والسلام بين الدولتين محل الجفاء والخصام، ولم يكد السلطان عبد الحميد يعتلي عرش السلطنة حتى ارسل الى محمد علي مندوبا خاصا وهو (عاكف افندي) يحمل كتابا من خسرو باشا يعرب فيه عن عواطف السلطان الودية نحو محمد علي ونسيانه ما وقع منه في الماضي، ويخوله ملك مصر الوراثي، ومع ان محمد علي كان لا يثق بحسن نية خسرو باشا ولا يفتأ يطلب عزله الا ان من المحقق انه لو ترك الامر للحكومة التركية وحدها لرضيت بابرام الصلح مع محمد علي باشا على قاعدة الاعتراف باستقلال مصر واقرار سلطتها في سورية وجزيرة العرب.


مذكرة الدول الى الباب العالي

(27 يوليه سنة 1839)

لكن مطامع الدول ابت على مصر ان تجني ثمار تضحياتها وانتصاراتها، فقدم سفراؤها في الاستانة مذكرة الى الباب العالي في 27 يوليه سنة 1839 يطلبون اليه باسم الدول الخمس، النمسا، والروسيا، وانجلترا، وفرنسا ، وبروسيا، ان لا يبرم امرا في شان المسالة المصرية الا باطلاعهم واتفاقهم، وكان الكونت مترنيخ وزير النمسا الاكبر هو المقترح لهذه المذكرة، ووجهة نظره ان يحول دون انفراد روسيا بالتدخل في المسالة الشرقية.

وقد يبدو غريبا ان تشترك فرنسا في هذه المذكرة، وهي التي كانت تنادي بتأييد مصر في تلك الازمة، ولكن السياسة الفرنسية كانت في مسلكها غير مستقرة ولا اخذة بالحزم واصالة الراي بعد النظر، فقد كانت تامل عبثا من تدخل الدول ان تصل الى التوفيق بين وجهتي نظر مصر وتركيا بطريق الوساطة، وكانت تقصد من جهة اخرى الى ان تدخل الدول في حل الازمة يمنع انفراد الروسيا بحماية تركيا، ولكنها بتخبطها واضطرابها تركت الميدان للسياسة الانجليزية تملي فيه ارادتها على الدول الاخرى.

كانت مذكرة الدول الى الباب العالي بمثابة الغاء لنتائج معركة نصيبين، وكانت من هذه الناحية انتصارا لوجهة نظر انجلترا، اما تركيا فقد وضعتها المذكرة تحت وصاية الدول الاوروبية، ففقدت بذلك استقلالها الفعلي.

وقد انقضت اشهر في تبادل الاراء بين الدول الاوروبية بقصد التوفيق بين وجهات نظرها، ولو سلكت فرنسا في خلال تلك الاشهر خطة الحكمة والحزم لوفرت على مصر كثيرا من الاعباء والخسائر التي احتملتها فيما بعد، فقد عرض اللورد بالمرستون حلا وسطا للتوفيق بين وجهة نظر انجلترا وفرنسا، وهو ان يعطي محمد علي الحكم الوراثي بمصر وولاية عكا ما عدا مدينة عكا ذاتها اي جنوبي سورية، فرفضت فرنسا هذا العرض وتمسكت بوجهة نظرها، وكان هذا منها خطا كبيرا تحملت مصر عواقبه، فلو انها قبلته لانتهت الازمة بخير مما انتهت به بعد ذلك، اذ ادى رفض فرنسا الى انفراد انجلترا بالعمل وتاليبها الدول الاوروبية لاذلال مصر كما سيجئ بيانه.

وانتهزت الروسيا فرصة الخلاف بين فرنسا وانجلترا في المسالة المصرية فتوددت الى الحكومة الانجليزية ووافقتها على وجهة نظرها في المسالة، واوفدت البارون برينوف الى لندرة لتوكيد العلاقات بين الدولتين، واصبح سهلا على انجلترا وقد انضمت الروسيا اليها ان تكسب الى صفها النمسا وبروسيا.

تولى المسيو تييرس رياسة الوزارة الفرنسية ووزارة خارجيتها في مارس سنة 1840 ، وكان متمسكا بوجهة نظر فرنسا في المسالة المصرية، وهي ضم سورية الى مصر، وسعى في ان تنتهي هذه المسالة بالاتفاق راسا بين الباب العالي ومحمد علي، وعلم اللورد بالمرستون بهذه المساعي، فاخذ في احباطها، وعارضها بالمفاوضة مع الدول الاخرى، الروسيا، والنمسا، وبروسيا، وتركيا، لتقرير الحل النهائي بمعاهدة تضع بها مصر وفرنسا أمام الامر الواقع.


ابرام معاهدة لندره وشروطها

(15 يوليه سنة 1840)

كانت نتيجة هذه المفاوضات ابرام المعاهدة الشهيرة بمعاهدة لندره في 15 يوليه سنة 1840 بين انجلترا والروسيا والنمسا وبروسيا وتركيا، وللمعاهدة ملحق يتضمن الامتيازات التي تعهد السلطان بتخويلها محمد علي، ويعتبر هذا الملحق جزءا من المعاهدة، وهاك خلاصة شروط المعاهدة والملحق:

أولا: ان يخول محمد علي وخلفاؤه حكم مصر الوراثي، وبكون له مدة حياته حكم المنطقة الجنوبية من سورية المعروفة بولاية عكا (فلسطين) بما فيها مدينة عكا ذاتها وقلعتها، بشرط ان يقبل ذلك في مدة لا تتجاوز عشرة ايام من تاريخ تبليغه هذا القرار ، وان يشفع قبوله باخلاء جنوده جزيرة كريت وبلاد العر بواقليم ادنه وسائر البلاد العثمانية عدا ولاية عكا، وان يعيد الى تركيا اسطولها.

ثانيا: اذا لم يقبل هذا القرار في مدة عشرة ايام يحرم الحكم على ولاية عكا، ويمهل عشرة ايام اخرى لقبول الحكم الوراثي لمصر وسحب جنوده من جميع البلاد العثمانية وارجاع الاسطول العثماني، فاذا انقضت هذه المهلة دون قبول تلك الشروط كان السلطان في حل من حرمانه من ولاية مصر.

ثالثا: يدفع محمد علي باشا جزية سنوية للباب العالي تتبع في نسبتها البلاد التي تعهد اليه ادارتها.

رابعا: تسري في مصر ولاية عكا المعاهدة التي ابرمتها السلطنة العثمانية وقوانينها الاساسية، ويتولى محمد علي وخلفاؤه جباية الضرائب باسم السلطان على ان يؤدوا الجزية، ويتولون الانفاق على الادارة العسكرية والمدنية في البلاد التي يحكمونها.

خامسا: تعد قوات مصر البرية والبحرية جزءا من قوات السلطنة العثمانية، ومعدة لخدمتها .

سادسا: يتكفل الخلفاء في حالة رفض محمد علي باشا لتلك الشروط ان يلجأوا الى وسائل القوة لتنفيذها، وتتعهد انجلترا والنمسا في خلال ذلك ان تتخذ باسم الحلفاء بناء على طلب السلطان كل الوسائل لقطع المواصلات بين مصر وسورية ومنه وصول المدد من احداهما للاخرى، وتعضيد الرعايا العثمانيين الذين يريدون خلع طاعة الحكومة المصرية والرجوع الى الحكم العثماني وامدادهم بكل ما لديهم من المساعدات.

سابعا: اذا لم يذعن محمد علي للشروط المتقدمة وجرد قواته البرية والبحرية على الاستانة فيتعهد الحلفاء بان يتخذوا بناء على طلب السلطان كل الوسائل لحماية عرشه وجعل الاستانة والبواغيز بمامن من كل اعتداء.

تم ابرام هذه المعاهدة بان وقع عليها كل من اللورد بالمرستون عن انجلترا، والبارون نومان السفير النمساوي في انجلترا عن النمسا، والبارون بيلوف عن بروسيا، والبارون برينوف عن الروسيا، وشكيب افندي وزير تركيا المفوض في لندره عن الباب العالي، وقد ابرمت المعاهدة بغير علم مصر وفرنسا، فقد فوجئت الحكومة الفرنسية بخبرها مفاجاة، فلما اذيع نبا ابراهما ادرك المسيو تييرس ما في هذا العمل من التحدي لفرنسا والغض منها، وكان من نتائجها ان هجات الخواطر فيها وتوتر العلاقات بينها وبين انجلترا، وكادت تقع الحرب، فارغت فرنسا وازبدت، واخذت تستعد وتحرض محمد علي باشا على نبذ قرارات الدول ، لكنها ادركت اخر الامر ان استعداداتها لا تغير من موقف الدول المؤتمرة، وانها لا قبل لها بان تخوض غمار حرب اوروبية، فتراجعت وتركت مصر وحدها امام الدول المؤتمرة، فاحتملت مصر نتائج سياسة فرنسا الخرقاء.

ان معاهدة لندرة تقضي بجعل حكم مصر وراثيا في اسرة محمد علي، اي باستقلال مصر الداخلي التام، وارجاع مصر الى حدودها الاصلية قبل حروبها الاخيرة، وحرمانها حكم جزيرة العرب وسورية وكريت واقليم ادنه، وتخويل محمد علي مدة حياته حكم سورية الجنوبية.

ولعلك تلاحظ في هذه المعاهدة تعهد الدول باتخاذ وسائل العنف والقوة بتنفيذ شروطها في حالة رفض محمد علي قبولها، وتلاحظ ايضا تعهدها بحماية عرش آل عثمان والدفاع عن السلطنة العثمانية والبواغيز في حالة مهاجمة قوات محمد علي البرية والبحرية لها، وهذا يصور لك ما بلغته مصر في ذلك العصر من القوة واليأس، مما دعا الحلفاء الى التكاتف والتعاون لاجبارها على احترام معاهدة لندره وحماية تركيا من باسها.


دسائس انجلترا في سورية

ارادت انجلترا كما قلنا ان تضع مصر بهذه المعاهدة امام الامر الواقع، وارادت ايضا ان تؤيد المعاهدة بالفعل، فاخذت قبل امضائها تحرض سكان لبنان على خلع طاعة مصر، مما بذلته من الوسائل لهذا الغرض ان اللورد بونسونسبي سفيرها في الاستانة ارسل المستر ريتشارد وود ترجمان السفارة الانجليزية الى لبنان، وكان قد تعلم اللغة العربية وجاب انحاء البلاد من قبل، فاثار اللبنانيين واستمال الي امراءهم ومشايخهم وكانوا ينقمون على الحكومة المصرية ايثارها الامير بشير الشهابي حاكم الجبل واختصاصه بالسلطة، فايدوا الثورة، واتسع بهم مداها، فعمت انحاء لبنان.

فالثورة على الحكم المصري في سورية كانت كما نرى من عمل الدسائس الانجليزية، قال الدكتور مشاقة وهو من معاصري تلك الحواث في هذا الصدد ما خلاصته: "دخلت سنة 1839 والامور في سورية على رويناه بك، وبما ان دوام الحال من المحال شاء ربك تغييرا في البلاد، فجاءها جاسوس من قبل الدولة السكسونية (الانجليزية) ونزل في كسروان وانتحل من المعاذير انه قدم ليتعلم لغة البلاد، دخل الرجل الذي سميناه جاسوسا واسمه الحقيقي وود، وكان ترجمانا لقنصل دولته بالاستانة، واظهر في بادئ الامر ميلا غريبا الى تغلم اللغة العربية وتغلب على امياله لدرس احوال البلاد ونقد الحكومة الحاضرة، ولكن تظاهره لم يسدل على عيون النقاد وشاحا اعماها عن معرفة غرضه الرئيسي، ولا مشاحة ان دولة الانجليز اكثر الدول الاستعمارية، وكانها اوجست خيفة من الدولة المصرية التي مع حداثة نشأتها اصبحت في مصاف الدول المرتقية، وكانها لحظت ان محمد علي باشا يطمع بعد ضم البلاد في احياء الدولة العربية القديمة وارجاع دولة اسلامية عربية هذا شانها في تنظيم احوال الرعية قامت على اساس العدل وجارت به الدول المتمدنة ولم تغفل بطلها ابراهيم باشا – نابليون مصر – بل ذكرته وذكرت كل حسنات دولة مصر الفتاة، فخافت منها ان تكون مزاحمتها في الاستعمار، فرامت مقاومتها ولذلك ارسلت رجلها الذي ذكرناه فاخذ يلقي بذور الشقاق في قلوب الاهالي ويوغر صدورهم على الحكومة الحالية وجعل مركزه جبل كسروان.

اخذ الثوار يناوشون الحاميات المصرية وقتلوا بعض الحكام المصريين، واعلنوا الامتناع عن اداء الضرائب والمؤن العسكرية، ولكن ابراهيم باشا بادر بقمع هذا العصيان بما لديه من القوات، وجاءه المدد من مصر بقيادة عباس باشا فامكنه اخماد العصيان واحرق بعض القرى وقبض على رؤساء الفتنة وعددهم 57 رجلا، وابعدهم الى الاسكندرية ومنها الى سنار باقصى السودان حيث بقوا بها الى ان انتهت الحرب واعيدوا الى بلادهم.

ولم تنقطع الفتن في لبنان وسورية، بل ظلت مستمرة خلال الحرب، وكان لها اثر كبير في احراج مركز الجيش، واخذ سليمان باشا في تحصين بيروت وغيرها من الثغور السورية توقعا لمجئ السفن الانجليزية.

ورات انجلترا في محمد علي عزيمة على المقاومة، فقررت تجريد مصر من عمارتها البحرية لكيلا يستطيع محمد علي امداد قواته في الشام بطريق البحر فيعجزه ذلك عن امدادها برا بطريق الصحراء المقفرة التي تفصل مصر وفلسطين، فاصدرت اوامرها الى الكومودور نابييه قبل امضاء المعاهدة بالاقلاع باسطوله الى مياه مصر والشام، وعهدت اليه اجبار محمد علي تسليم العمارة التركية وكلفته اسر العمارة المصرية او تدميرها، وكان بعض السفن الحربية المصرية وقتئذ في مياه بيروت، فلما علمت فرنسا بهذا النبا بادرت بارسال احدى سفنها الى بيروت لابلاغ ابراهيم باشا الخبر، فعادت السفن المصري من فورها الى الاسكندرية وجاء الكومودور نابييه الى بيروت فلم يجدها وظل في عرض البحر يرقب الفرصة السانحة لاخذها.

واخذ محمد علي من ناحييته يرصد الاهبة للمقاومة والدفاع، واصدر اوامره الى الاسطول بالمرابطة في ميناء الاسكندرية وعدم الخروج الى عرض البحر كيلا يستهدف للاساطيل الإنجليزية، لان حكومة انجلترا كانت ممضية عزمها على تجريد مصر من قوتها البحرية.

وفي اوائل شهر اغسطس سنة 1849 استفاضت انباء معاهدة لندره في الشام ومصر، واصدرت الحكومة الانجليزية اوامرها للاسطول الانجليزي بمحاصرة سواحل الشام ومصر واسر السفن المصرية حربية كانت او تجارية، فرجع الكومودور نابييه الى بيروت واستولى في طريقه على كل ما صادفه من المراكب واعلن الجيش المصري باخلاء بيروت وعكا في اقرب وقت، ونشر بين سكان سورية ولبنان منشورات انباهم فيها بما تم عليه اتفاق الدول في معاهدة لندره، وخاصة ارجاع سورية الى الدولة العثمانية، ودعاهم الى العصيان ونزع ايديهم من طاعة الحكومة المصرية، فثار اللبنانيون على الحكم المصري عودا على بدء.


رفض محمد علي باشا شروط المعاهدة

(أغسطس سنة 1840)

كان محمد علي مصمما على التمسك بالبلاد التي فتحتها الجيوش المصرية واقرته عليها معاهدة كوتاهية، وصمم الا ينزل عن اي جزء من هذه البلاد، وهو يعلم قبل ابرام معاهدة لندره ان الدول تاتمر به وانها لا تحجم عن مهاجمة مصر ذاتها لاكراهها على التسليم، وتنوي نزع سورية من املاك مصر، فاخذ في الاستعداد للدفاع، وحشد الجنود في ثغور مصر، ووزع السلاح على عمال المصانع (الفابريقات) وطلبة المدارس الحربية، وعهد الى ابراهيم باشا ان يكون على اهبة القتال وان يتفقد ثغور الشام وحصونها وخاصة عكا وبيروت، وامد الجيش المصري في سورية بالرجال والعتاد.

لم تغير المعاهدة اذن من موقفه، واعتزم الا يعمل بها ولا يقر شروطها، وكانت فرنسا تحرضه على رفضها وتعده الا تتخلى عنه، وتمنيه بانها تدافع عنه بقوة جيوشها واساطيلها.

فازدادت تمسكا بموقفه، ولو لم تعده الحكومة الفرنسية بمعاونته اذا حزب الامر، لكان له موقف غير موقفه هذا، لان محمد علي كان مشهورا عنه الحكمة وبعد النظر. وهو لا يفوته ان من وراء الطاقة ومن المتعذر على مصر محاربة دول خمس مجتمعات متالبات عليها، ولكنه كان مطمئنا الى معاونة فرنسا الحربية، فركب الشطط وارتدف العناد. وخسرت مصر من جراء ذلك حقوقا ومزايا وتضحيات جسيمة، ويتبين لك مبلغ هذه الخسائر من المقابلة بين ما اقرته معاهدة لندره، وما اضطرت مصر لقبوله بعد حرب شاقة تكبدت فيها متاعب واهوال.

ارسلت تركيا مندوبها رفعت بك الى الاسكندرية لابلاغ محمد علي شروط المعاهدة. فوصل يوم 11 اغسطس ، والتقى بوكلاء الدولة المتحالفة، واتفقوا على الخطة التي يتخذونها لتنفيذ ما تامر به الدول.

فبدا رفعت بك بمقابلة محمد علي في سراي راس التين يوم 16 أغسطس. وابلغه نبا المعاهدة ، وطلب اليه العمل بها، فغضب محمد علي واغلظ له في الجواب، واقسم الا ينزل عن شبر ارض من املاكه.

فلما راى رفعت بك ان بلاغه لم يصنع شيئا طلب الى وكلاء الدول ان يقوموا من ناحيتهم بتبليغ محمد علي شروط المعاهدة ، فجاءه قناصل انجلترا والروسيا والنمسا يوم 17 أغسطس، وابلغوه الشروط، وعرضوا عليه ان تكون مصر له ولورثته من بعده، وان تكون له ولاية عكا اي فلسطين مدة حياته، وامهلوه عشرة ايام يتهيا فيها للقبول، ودونوا له مذكرة عليها توقيعاتهم، كتبوا فيها ما قالوه، وحذروه عواقب الامتناع عن تنفيذ المعاهدة.

ولما انقضى الموعد ذهب اليه رفعت بك مصحوبا بوكلاء الدول ليتعرفوا ما استقر عليه.

فألفوه على رفضه ، وكان اشد تمسكا بموقفه السابق، فاعتزم رفعت بك مغادرة الاسكندرية والسفر الى الاستانة، ولكن وكلاء الدول طلبوا اليه البقاء حتى يتموا الاجراءات التي تقضي بها المعاهدة.

وفي اليوم التالي ذهبوا الى محمد علي، وابلغوه الانذار الثاني، فاستشاط غضبا واجابهم بانه سيزحف على الاستانة اذا تجددت الحرب.

واذ قد علم بعزم رفعت بك على السفر التفت الى وكلاء الدول الاربع وقال لهم: "اتعشم ان ترحلوا معه".

فاجابوه بان ليس لديهم تعليمات بمغادرة مراكزهم، فقال لهم: "ولكني لم يعد لي ثقة فيكم، والعوائد المرعية تقضي في حالة الحرب ان يرحل وكلاء اعدائنا عن البلاد، فبقاؤكم لا يتفق مع هذه الحالة".

فانصرف الوكلاء من حضرته بعد ان امهلوه العشرة الأيام الثانية المذكورة في المعاهدة ليراجع رأيه، وابلغوه انه لم يعد له حق في ولاية عكا، ولا تسمح له الدول الا بولاية مصر له ولذريته.

وفي خلال هذه المهلة استدعى محمد علي باشا رفعت بك وعرض عليه انهاء الخلاف بينه وبين تركيا دون تدخل الدول الاجنبية، على ان ينزل عن ولاية ادنه وجزيرة كريت وشبه جزيرة العرب. وان يتكفي بملك مصر الوراثي وحكم سوريا مدة حياته. وسلمه كتابا بهذا المعنى برسم السلطان، ولعله اراد ان يتفادى بهذه الرسالة التقيد بميعاد العشرة الايام التي تقضي بها المعاهدة، فان كتابه الى السلطان قد يفتح باب المفاوضة. ثم هو لا يعد رفضا صريحا.

ولكن رفعت بك ووكلاء الدول جاءوا في نهاية المعاهدة، وطلبوا مقابلة محمد علي، فلم يقابلهم، واستقبلهم بوغوص بك وزير الخارجية، وسامي بك سكرتير الباشا، وابلغاهم بنبا الخطاب الذي كتبه الباشا الى السلطان، وان هذا الجواب يعد قبولا للمعاهدة. فاجاب القناصل: واذا لم يقبل السلطان ان يخول الباشا حكم سورية فماذا يكون موقفه بعد؟ فقال بوغوص بك وسامي بك. انه ليست لديهما تعليمات للرد على هذا السؤال. فاعتبر القناصل ان هذا الجواب معناه رفض المعاهدة، وحرروا محضرا بذلك.

وغادر رفعت بك الاسكندرية ذاهبا الى الاستانة ليبلغ الباب العالي ما حدث، وحمل معه خطاب محمد علي الى السلطان، فتشاور الصدر الاعظم مع سفراء الدول في الاستانة، واستقر رايهم على خلع محمد علي من ولاية مصر، واصدر السلطان فرمانا بذلك، ارسل من فوره الى الاسكندرية، فوصل يوم 22 سبتمبر سنة 1849، وبلغ الى محمد علي.

وفي اليوم التالي غادر وكلاء الدول الاراضي المصرية، فاصبحت مصر في حالة حرب مع تركيا وحلفائها.

واخذ محمد علي يتاهب للحرب، وبادر الى تقوية استحكامات الاسكندرية، وعهد بذلك الى لجنة مؤلفة من نجله سعيد بك (باشا)، وسليم باشا، والمسيو موجيل، والمسيو هو سار، ومظهر أفندي (باشا).


الحرب بين مصر والدول المتحالفة وثورة السوريين على الحكم المصري

انتهزت انجلترا فرصة ابرام معاهدة لندره واخذت في تنفيذها بالقوة، فامرت عمارتها البحرية بضرب الثغور السورية والاشتراك مع الجنود التركية في احتلالها، وكان ابراهيم باشا قد استعد للدفاع عنها فجاء الى بيروت وعسكر في ضواحيها.

وفي خلال سبتمبر سنة 1849 جاءت العمارة الانجليزية الى بيروت بقيادة الاميرال استوبفورد للاشتراك مع الكومودور نابييه في ضرب بيروت بالمدافع، واشترك معها بعض السفن الحربية النمسوية والتركية، وفي 10 منه جاءت الحملة البرية، وكانت مؤلفة من 1500 من الجنود الانجليز و5500 من العثمانيين، ونزلت هذه القوة في ميناء جونيه تحت حماية العمارة الانجليزية.

وارسل الاميرال الانجليزي انذارا الى سليمان باشا باخلاء بيروت فورا، فطلب سليمان باشا ميعاد اربع وعشرين ساعة كي يراجع ابراهيم باشا في الامر، فلم يقبل طلبه، وبدا ضرب المدينة بالمدافع، واستمر في اليوم التالي حتى تهدم اكثر مبانيها، ولكن الحلفاء لم ينزلوا في ذلك اليوم جنودهم الى المدينة خوفا من ان يظهر عليهم الجيش المصري.

قلنا ان ابراهيم باشا كان على اهبة الدفاع عن سورية، وكان لديه من المقاتلة نحو تسعين الف جندي، ولم يكن لدى الحلفاء في بدء القتال سوى عشرة آلاف مقاتل على الاكثر، ولذلك تردد قوادهم في احتلال بيروت رغم ضربها بالمدافع، وبقيت وقتا ما في يد الجيش المصري، ولكن جد في الموقف العامل جديد كان له تاثير سيئ في مركز الجيش المصري، ذلك ان الانجليز قد بذروا بذور الثورة في نفوس السوريين واللبنانيين والقوا اليهم وخاصة بعد ان وزع عليهم عمال الانجليز الاسلحة والذخائر، وبلغ عدد ما وزعوه عليهم من البنادق نحو ثلاثين الف بندقية، فتحرج مركز الجيش المصري وادرك انه صار هدفا لنارين، نار الحلفاء ونار الثورة، وهذه كانت اشد وطأة من قوات الحلفاء، فاثرت تلك الحالة في نفوس الجنود تاثيرا سيئا نال من قوتهم، وتقطعت مواصلات الجيش بين مختلف المدن.


استيلاء الحلفاء على الثغور السورية

اشتبكت القوات المصرية المبعثرة مع قوات الحلفاء في بعض المواقع، واستوى الحلفاء على جبيل شمالي لبنان، ثم على البترون، وكذلك احتلوا حيفا وصور وصيدا، ثم سقطعت بيروت في يد الحلفاء (أكتوبر سنة 1840) بعد ان التقى المصريون والحلفاء في واقعة بحر صاف وكانت الغلبة فيها للحلفاء.

وكذلك جلا المصريون عن طرابلس واللاذقية وادنه من غير قتال، فصار معظم الثغور في يد الحلفاء.


سقوط عكا

(نوفمبر سنة 1840)

اعتزم الانجليز احتلال عكا لانها مفتاح فلسطين والشام، وكان لاحتلالها من الاهمية اكثر مما لبيروت ، فجاءت العمارة الانجليزية واخذت تضربها بالمدافع يومي اول و2 نوفمبر سنة 1840، ولكن ذهب الضرب عبثا وقاومتها الحصون والحامية المصرية مقاومة شديدة، ثم جاءها مدد من السفن البريطانية، فاعتزم الاميرال استوبفورد استئناف الضرب يوم 3 نوفمبر، فاصطفت السفن الانجليزية في ذلك اليوم، وكان عددها نحو عشرين سفينة حربية، وصبت قنابلها على الحصون وعلى المدينة، فاجابت الحصون ضربا بضرب مثله، ولكن حدث ان اصابت القنابل الانجليزية مستودع الذخائر فنسفته وانفجر انفجارا مروعا، وهدم الانفجار نحو ثلث مباني المدينة، وقضى على طابور باكمله من المشاة، فراى طابور الحامية المصرية ان استمرار المقاومة لا يجدي، فاخلى المدينة واحتلها الانجليز والترك في صبيحة اليوم التالي.

وعلى اثر تسليم عكا سلمت يافا ونابلس، فتزلزل مركز الجيش المصري في الداخل ، لما اجتمع عليه من تقدم الحلفاء واحتلالهم الثغور، وقطعهم المواصلات البحرية، وثورة الاهلين ، وانفصل عنه الامير بشير حاكم لبنان لما راى نجمه اخذا في الافول، وعرض على احلفاء انضمامه اليهم واستاسر لهم، فلم يطمئنوا له، ونفوه الى مالطة (أول نوفمبر سنة 1850).


انسحاب فرنسا من الميدان

وفي غضون هذه الحرب تغير مسلك فرنسا حيال مصر تغيرا عظيما، فبعد ان كان المسيو تيرس رئيس الوزارة الفرنسية يشجع محمد علي ويطوع له رفض مطالب الحلفاء ويعده بمعاضدة فرنسا له، تراجع ونكص على عقبيه، وتبين لمحمد علي عدم استعداد فرنسا للحرب وانها لا تتم تاهبها الا بعد انقضاء سنة اشهر، وظهر كذلك ان المسيو تييرس لم يكن جادا في وعده، ولو كان جادا لبادر بنجدة اليه في سورية يتماسك بها الجيش المصري، لكن شيئا من ذلك لم يحصل، وعمد المسيو تييرس الى سياسة التسويف، فلم يعمل ولكنه سيعمل ، ثم اخذ يتراجع خطته، فاوفد رسولا وهو المسيو والسكي الى محمد علي باشا ليشير عليه بفتح باب المساومة مع الباب العالي في مطالبه، فاتبع محمد علي مشورته وعرض الصلح على قاعدة تخويله حكم مصر الوراثي في اسرته وحكم سورية مدة حياته، ونزوله عن كريت وادنه وجزيرة العرب، ولكن الباب العالي رفض هذا الصلح.

فحبط سعي المسيو تييرس وامعن في تراجعه، فاستدعى الاسطول الفرنسي الذي كان يراقب الاحوال في مياه الشرق، وامره بالعودة الى فرنسا، وهكذا اخفقت سياسة تييرس وتخبط من فشل الى فشل وعرض كرامة بلاده للامتهان، وجنى على مصر بان ورطها في رفض شروط معاهدة لندره وسول لها ثم تخلى عنها وتركها وحدها ازاء الدول المتالبة عليها، فاذعنت واضطرت الى قبول شروط اسوا مما عرض عليها في المعاهدة، فلم يجد المسيو تييرس تلقاء هذا الفشل الا ان يقدم استقالته، فاستقاله وزارته في اكتوبر سنة 1849، وليته كان من الممكن ان يستقيل عمله.

والف المارشال soult الوزارة الجديدة، فنفضت يدها من المسالة المصرية البتة.

وهكذا انسحبت فرنسا من الميدان، وتركت مصر وجها لوجه امام الدول الاوروبية بعد ان ورطتها في مقاومة قرار الدولة المؤتمرة، وكانت هذه السياسة الخرقاء من فرنسا سببا في ازدياد ضغط الدول على محمد علي وانقاص المزايا التي سوغتها معاهدة لندره لمصر، ولو لم تحرضه فرنسا وتعده وتغره لقبل شروط المعاهدة فكان لا يضطر بعد ذلك الى قبول شروط اكثر ضررا على مصر واشد نكاية.

ولقد حاول بعض المؤرخين الفرنسيين ان يبرروا مسلك فرنسا في ازمة سنة 1840، فزعموا ان الحكومة الفرنسية افهمت محمد علي من مبدا الازمة انها لا تحارب اوروبا تاييدا لمطالبه وان رسلها طلبوا اليه ان ينزل عن طرطوس وادنه، وان الملك لويس فيليب وعده تلقاء ذلك ان يسعى لتخويله ولاية مصر والشام له ولورثته من بعده، ولكن محمد علي رفض ما عرضه لويس فيليب، وسلك خطة الانتظار والتردد ، فتارة كان يعد قناصل الدول بالخضوع للسلطان، وطورا كان يبدي الرفض ان ينزل عن شئ.

ويلوح لنا ان هذا الدفاع لا يستند الى وقائع صحيحة، فان الثابت ان الحكومة الفرنسية هي التي اغرت محمد علي بسلوك مسلك التشدد ثم تخلت عنه في اخر لحظة، وهكذا كان انسحاب فرنسا من الميدان سنة 1849 شبيها بانسحابها من المسالة المصرية سنة 1882، اي بعد نيف واربعين سنة ، فانها تركت انجلترا في اخر لحظة تعمل وحدها على تحقيق مطامعها في مصر.

مهمة الكومودور نابييه

ولما تم للحفاء احتلال الثغور السورية وقطعت مواصلات الجيش المصري بحرا انفذ القائد العام لقوات الحلفاء الاميرال استوبفورد stopford بعض السفن الحربية الانجليزية بقيادة الكومودور السير شارل نابييه Napeir الى مياه الاسكندرية للقيام بمظاهرة حربية امام الثغر لتهديد محمد علي باشا واجباره على الاذعان لمطالب الحلفاء.

جاء السير شارل نابييه يقود العمارة الانجليزية، وكان الشتاء قد اقبل، فراى ان التظاهر لا يصنع شيئا ، وانه لابد لاكراه محمد علي على التسليم من قوة برية تحتل السواحل المصرية، ولم يكن على ظهر العمارة الانجليزية جنود بريون، فضلا عن ان فصل الشتاء يحول دون مرابطة السفن الحربية على مقربة من الشاطء، ولم يكن لدى الانجليز وحلفائهم من القوات البرية ما يكفي للنزول الى البر والاستظهار على الجيش المصري، لان الجيش كان على تمام الاهبة لرد عادية المعتدين، ولولا ذلك لما ترددت انجلترا في اغتنام تلك الفرصة لتحقيق اطماعها القديمة واحتلال البلاد، كما فعلت سنة 1807، ثم سنة 1882، فالقوه التي اعدتها مصر للدفاع عن كيانها هي التي حالت دون مخاطرة الانجليز بانزال جنودهم الى الاراضي المصرية، وهذا ما جعل محمد علي مطمئنا على مركزه ، ومما يذكر عنه في هذا الصدد ان قنصل انجلترا في مصر جاءه بعد التوقيع على معاهدة لندره وقابله بالاسكندرية وتهدده بان الدول مستعدة لاجباره بالقوة على الاذعان لشروطها، وان انجلترا وحدها كفيلة بذلك، ففهم محمد علي ان القنصل يرمي الى التهديد باحتلال مصر، فاجابه في لهجمة حازمة: "اذا كانت الدول المتحالفة تريد ان تكرهني بالقوة على الاذعان لتتفضل بالمجئ، فاني على استعداد لمقابلتها، واذا كانت انجلترا تريد ذلك وحدها فاني اكثر استعدادا لمقابلتها، اني لا اهاجم احدا، ولكني مستعد للدفاع عن البلاد حتى اخر نسمة من حياتي".

وقد تاثر محمد علي من هذه المناقشة، وقال لمن حوله: "ان الانجليز يتهددونني بالنزول الى بر مصر، فليجربوا ولينفذوا وعيدهم، فسيرون اننا على استعدادا لملاقاتهم، وان الاجنة في بطون امهاتهم ستشترك في قتالهم".

يتبين مما تقدم ان محمد علي كان على تمام الاهبة للدفاع عن البلاد، ولقد ادرك الكومودور نابييه ان لا سبيل الى اخضاعه بالقوة، فرأى ان يجرب معه خطة المفاوضة والمسالمة، فاوفد له رسولا يحمل اليه خطابا يعرض عليه فيه رغبة الدول في ان تكفل له ملك مصر الوراثي على ان يرد الاسطول التركي الى الباب العالي، وان يسحب جنوده من سورية، واعرب له في الخطاب عن مقاصده الودية نحوه، وانه انما يبغي ابداء النصح اليه حقنا للدماء، ولم يفته في كتابه ان ينبهه الى الخطر الذي يستخدف له اذا هو اصر على الحرب.

وان مصر ليست في المناعة التي يعتقدها محمد علي، وان الاسكندرية يمكن ان تسقط كما سقطت عكا من قبل.

كانت هذه الرسالة كلمة من سلم وكلمة من حرب، ثم اعقبتها خطوة اخرى من الكومودور، ذلك انه جاء بنفسه وطلب مقابلة محمد علي، فاذن له فيها، فعرض عليه الاذعان لمطالب الحلفاء، وكانت عباراته في المقابلة اشد من اسلوبه في الرسالة فاصر محمد علي باشا على الرفض، فتهدده نابييه باحراق المدينة، فلم يعبا بوعيده، واجابه في هدوء وسكينة، "هيا فاحرقها" ، فانسحب نابييه وامهل محمد علي اربعا وعشرين ساعة ليقرر رايه الذي سيستقر عليه.

فكر محمد علي في الموقف مليا، فراى من الحكمة السياسية ان يجنح الى السلم ويقبل العرض الذي عرضه الكومودور نابييه، اذ لا طاقة لمصر بمحاربة الحلفاء مجتمعين، وخاصة بعد تخلي فرنسا وانسحابها من الميدان، كما أن أنباء الحرب في سورية تدل على حرج مركز الجيش المصري هناك، فان سقوط الثغور وخاصة عكا في يد الحلفاء وانسحاب الحاميات المصرية منها، وقيام الثورات والفتن في مختلف النواحي، مما رجح عنده فكرة الانسحاب من سورية، فتبادل والكومودور نابييه المفاوضة في سبيل الصلح، وانتهت بعقد اتفاق وقعه بوغوص باك وزير خارجية مصر والكومودور نابييه.

وهذا الاتفاق يقضي بان يخلو الجيش المصري عن سورية، ويرد محمد علي على الاسطول التركي الى الباب العالي، مقابل تخويله ملك مصر الوراثي بضمانة الدول.

وقد رفض الاميرال استوبفورد قائد القوات البريطانية الاعتراف بهذا الاتفاق بحجة ان الكومودور نابييه لا يملك عقده. ولم يكن منوطا به اجراء المفاوضة فيه، وكذلك رفضه السلطان وتشبث بعزل محمد علي، واعترض عليه اللورد بونسبني سفير انجلترا في الاستانة واعلن بطلانه، لكن اللورد بالمرستون راى فيه فضا لازمة خطيرة لم يكن معلوما مدى عواقبها، فاعلن باسم حكومته اجازته للاتفاق، وحمل الدول على قبوله، فارسلت انجلترا والنمسا وبروسيا والروسيا الى الباب العاليم مذكرة في 30 يناير سنة 1841 تطلب فيها اليه الرجوع عن قرار العزل، وتخويل محمد علي حكم مصر الوراثي، فاستجاب السلطان الى طلبات الدول كما سيجئ بيانه، وفي غضون ذلك ارسل محمد علي باشا الى ابنه ابراهيم يأمره بالجلاء عن سورية والعودة الى مصر تنفيذا لاتفاقه مع نابييه.


اخلاء الجيش المصري سورية

اذعن ابراهيم باشا للامر، واخذ يتاهب لاخلاء البلاد، فبدا رجوع الجيش المصري في اواسط ديسمبر سنة 1840، واحتشد بالقرب من دمشق تمهيدا للانسحاب جنوبا، فاخلاها في ديسمبرة سنة 1840، وكان عدد الجيش المصري وقتئذ نحو سبعين ألف مقاتل يتبعهم عدة الاف من افراد الاسر والبيوت المصاحبة للجيش من الموظفين وغيرهم، ولاقى الجنود والملكيون متاعب هائلة في انسحابهم لما اصابهم من الاعياء والجوع والعطش والتعب في قطع المسافات الشاسعة، وما تحملوه من نقل المهمات والمدافع، وما استهدفوا له من مناوشات العرب، فمات كثير منهم في الطريق، وسار الجيش في انسحابه الى المزيريب شرقي بحيرة طبرية، ومن هناك توزع الى ثلاثة فيالق اخذ كل فيلق طريقا الى مصر، فالفيلق الاول وهو مؤلف من المشاة والخيالة النظاميين اخذ سبيله بطريق غزة فالعريش وكان يتولى قيادته احمد المنكلي باشا، والفيلق الثاني بقيادة سليمان باشا الفرنساوي وكان مؤلفا من المدفعية، سار بطريق الحج الى معان ومنها الى العقبة فالنخل فالسويس، والفيلق الثالث وكان مؤلفا من جنود الحرس وفرسان الهنادي والباشوزق بقيادة ابراهيم باشا. اتخذ سبيله الى غزة ومنها بحرا الى مصر.

وقد لقى فيلق المنكلي باشا الاهوال في طريقه، وفقد عددا كبيرا من رجاله بسبب الجوع والعطش والاعياء ووعورة المسالك ومناوشات العربان، وخسر هذا الفيلق نحو نصف رجاله، وسار فيلق سليمان باشا من طريق معان والعقبة، وكابد كذلك المتاعب المهلكة، غير انه لم يلق ما لقيه الفيلق الاول وفقد من رجاله نحو الف وخمسمائة.

ووصل الفيلق الثالث بقيادة ابراهيم باشا الى غزة بعد ما لقى من الاهوال في طريقه، ومات عدد كبير من جنوده ومن الموظفين والنساء والاطفال الذين صحبوه في الانسحاب.

ولما وصل غزة ارسل ابراهيم باشا الى ابيه يطلب اليه امداده بالمؤن والملابس والسفن لنقل الجيش بحرا الى الاسكندرية، واخلى غزة يوم 19 فبراير سنة 1841 وبذلك تم اخلاء الجنود المصرية لنسورية.

وقد بلغ عدد الجنود الذين عادوا الى مصر نحو اربعين الف مقاتل، أي ان ما فقده الجيش خلال الانسحاب بلغ نحو ثلاثين الفا، اما الخسائر من الملكيين فلم يتناولها احصاء دقيق، وقد اورد المسيو مورييه احصاء مروعا قد يكون فيه ثمة مبالغة لكنه يدل على هول الخسائر التي حاقت بالمصريين في انسحابهم من سورية. فقد ذكر ان عدد افراد الجيش والملحقين بهم من الملكيين والموظفين وعائلاتهم وحاشيتهم كان قبل الانسحاب 200 الف نسمة، فلم يرجع منهم سوى ستين الفا، وقال تعليقا على هذا الاحصاء ان هذا الانسحاب وما اقترن به من الاهوال والضحايا يعد من افظع ما روى عن فجائع تقهقر الجيوش في التاريخ.


رأى مؤرخي سورية في الحكم المصري

طويت صحيفة الحكم المصري في سورية بجلاء الجيش المصري عنها، وصار ماله وما عليه ملكا للتاريخ، ولعلك لاحظت مما فصلناه فيما تقدم ان انتفاض السوريين على الجيش المصري كان من اهم البواعث التي حملت محمد علي على تقرير الجلاء عن سوريه، ويحمل بنا في هذا المقام ان نثبت ما ذكره مؤرخو سوريه عن الحكم المصري لمناسبة انقضاء عهده والمقارنة بينه وبين الحكم التركي، وما اخذوه على السوريين واللبنانيين من الاستجابة لدسائس الانجليز والترك. وقيامهم في وجه الادارة المصرية والجيش المصري، واعتبار هذا المسلك من غلطات سياستهم القومية، وفي هذا القول شهادة انصاف للحكم المصري.

قال الاستاذ محمد كرد علي بك رئيس المجمع العلمي العربي في كتابه خطط الشام مايلي:

"كانت حسنات حكومة محمد علي في الشام أكثر من سيئاتها، لانها وضعت اصول الادارة والجباية ورفعت ايدي ارباب الاقطاعات واعطتهم من الخزانة رواتب تكفيهم على حد الكفاية، ولم يخلص من ذلك الا الامير بشير الشهابي والي لبنان، فانه نال ولايته مباشرة من محمد علي في مصر وظل يتصرف بلبنان، وبذلك رفعت سلطة المشايخ والامراء المستبدين قال مشاقة: وكانت الدولة التركية خبيرة باحوال الشعب اكثر من الدولة المصرية فبعثت تدس الدسائس الى المشايخ وتغريهم بالمواعيد الفاحشة ليحضوا الشعب على شق عصا الطاعة طمعا بارجاع نفوذهم، وكان النصيرية اول من شق عصا الطاعة وتبعهم الدروز في حوران ووادي التيم، فقضى المصريون معظم ايام دولتهم في الشام في الحروب والقلاقل.

"ومن مآثر الحكومة المصرية التي عددها مشاقة تجفيفها المستنقعات وتصريف الاقذار في مجار خاصة، وتحديد اسعار اللحوم، والعدل بين الرعايا على اختلاف اديانهم وطبقاتهم، لا تكلف صاحب الحق نفقة لتحصيل حقوقه، وانفاق كل مال في وجهه المخصص له، ومع ذلك ظل الشعب يسومها العداوة ويناقشها الحساب لانه اعتاد ان يكون محكوما لا حاكم نفسه ، عبدا لا حرا".

وقال في موضع آخر:

"أثبتت حكومة محمد علي في فتوحها ان المصري بل العربي اذا تهيأ لي زعيم عاقل لا يقل عن الغربيين في سيرته وجلادته، وانه لم يضره في القرون الماضية الا فناؤه في الحكومة التركية، وكانت حكومة محمد علي من افضل ما رات الشام من الحكومات منذ ثلاثة أو أربعة قرون، بل ان الشام في القرون الوسطى والحديثة لم تسعد بما يقرب منها، فضلا عما يماثلها، كتب المستر برانت قنصل بريطانيا في دمشق الى سفير دولته في الاستانة سنة 1858م، ماتعريبه: لما كانت الايالة تحت حكم محمد علي باشا عاد كثير الى سكنى المدن والقرى المهجورة، والى حراثة الاراضي المهملة، وهذا ما حدث خاصة في حوران وفي الاجواء الواقعة حوالي حمص الحكومة، وجعل السكان بمامن من اعتدائهم، وكان الشام باسرة تحت ادارة شريف باشا وقيادة الجيش الذي يبلغ عدده زهاء 40 ألف جندي من منظم وغير منظم بامرة ابراهيم باشا، فبحسن ادارة الاول تضاعف نجاح الاهلين وحسنت المالية في هذه النواحي، كما ان نشاط ابراهيم وحزمه وطد الامن، ومد رواق الثقة، وقد عدت الحكومة ظالمة لكنها في الحقيقة لم تكن تستطيع غير ذلك، اذ كان عليها ان تصلح عدة امور مختلة وان تبدل الفوضى والتعصب والقلاقل التي كانت سائدة بالعدل.

"فأصحاب المقامات العالية والافندية والاغوات (رؤساء الجند) امتعضوا كثيرا من ذلك لانهم كانوا يثرون من ابتزاز اصحاب التجارة والحرف وسائر الطبقات العاملة. وقد سر هؤلاء كثيرا لخلاصهم من الظلم الذي انوا تحت عبثه طويلا، واعتبط المسيحيون خاصة وفرحوا لناجتهم من التعصب الذي اوصلوا الى درجة من الذل لا تطاق، ولم يكن الفلاحون اقل سرورا منهم لانه وان كانت الضرائب المقررة تستوفي بكل شدة فلم يكن يستوفي منهم بارة زيادة ولا تضبط حاصلاتهم وغلالهم ولا يؤخذ منهم شئ دون دفع ثمنه، ولم يجبروا على تقديم خدمة دون بدل، وقد فرضت الخدمة العسكرية على المسلمين، وهذا الامر الجديد كان ينبوع استياء عظيم، اما المسيحيون الذين كانوا يدفعون الخراج فاعفوا من الخدمة العسكرية، والفلاحون الذين قطنوا القرى المهجورة اسلفوا مالا لاصلاح بيوتهم وتموينها، واعفوا من الضرائب مدة ثلاث سنين.

"وقصارى القول ان جميع هذه المساعدات بذلت لزيادة الحاصلات، وكم من مرة ذهبت الجنود بامر ابراهيم باشا لاتلاف بيوض الجراد وما نفق منها، وبفضل هذا الحكم الحازم العادل المحترم من الجميع اخذت البلاد تترقى في مدارج النجاح والنماء، فلو طال عليها الحكم المصري لاستعادت الشام قسما عظيما من وفرة سكانها القدماء واصابت شطرا كبيرا من الثروة التي كانت في الماضي وآثارها لم تزل ظاهرة للعيان في القرى والمدن العديدة في جهات حوران، وفيما وجد في البادية حيث ترى فيها الطرق التي اختطها الرومانيون.

قال: "ولم يكد المصريون يطردون من البلاد ويتقلص ظل سطوتهم – وقد كانوا اخضعوا الجميع لحكمهم الشديد – حتى عاد القوم الى نبذ الطاعة، وخلفت الرشوة والتبذير في ادارة المالية النزاهة والاقتصاد، ومنيت المداخيل بالنقص، واستناف عرب البادية غارتهم على السكان، فخلت القرى والمزارع الماهولة جديدا بالتدريج، حتى امكن القول انه لا يوجد ثم ظل للامن على الحياة والاملاك وكل شئ يدل على عودة حالة الفوضى الى هذه البلاد التي تركها المصريون.

ونقل الاستاذ محمد كرد علي بك نبذة عن كتاب برييه وما كتبه اطراء للحكم المصري، ثم قال تعليقا عليه:

"هذا هو الانصاف في الحكم على حكومة ابراهيم باشا، وما هي في الحقيقة الا روح محمد علي الكبير الذي كان يستمد منه ابنه، ولا يصدر الا عنه في الخطوب، ولا يقطع امرا دون الرجوع الى راية حتى جاءت احكام المصريين نموذجا في الادارة، ولو ارادت الدولة العثمانية ان تستفيد من هذا الدرس لارادت عمالها على تطبيق خطط ابراهيم باشا في الاصلاحات التي قام بها خلال التسع سنين التي قضاها في هذا القطر، ولكن العثمانيين ابتلوا بالاهمال والغرور، لا يعمدون الى حسن الادارة ولا يتظاهرون بالاحسان الا يوم الشدائد، فاذا زالت عادوا الى طبائعهم في اعنات الرعية والقاء الحيل على الغارب، ونسوا ما اعطوا من عهود وما وضعوا من القوانين، وهذا ما دعا الى ظهور الفروق الكثيرة بين الادارتين المصرية والعثمانية بعد رحيل جيش ابراهيم باشا عن هذه الديار، وهو الجلاء الذي اقتضته الدول الكبرى بل الدولة البريطانية التي حملت الدول على موافقتها على رايها لامال لها تريد تحقيقها في مصر والشام، لتكون هي الحاكمة المتحكمة في مصالحها لا الدولة المصرية الفتية التي تحب فرنسا وتساهمها سياستها احيانا، وما مصر والشام الا طريق الهند الاقرب بل مفتاحها من البحر المتوسط، واذا اردنا ان ننظر بعين المؤرخ المنصف نرى بريطانيا العظمى هي التي اقتضت سياستها القضاء على اماني محمد علي بل اماني العرب من انشاء دولة عربية".

وقال في موضع آخر:

"ولم يلتو القصد على ابراهيم باشا الا لما دخلت اصابع الاجانب واخذوا يثيرون عربان نابلس وسكان كسروان وجبال النصيرية ودروز لبنان ووادي التيم وجبل حوران وكل من عرفوا بالمضاء من سكان الجبال، واما المدن والسواد الاعظم من الناس فقد استقبلوه واخلصوا له وشعروا بحسن ادارته" الى ان قال: "ولقد تجلى في وقائع محمد علي في الشام تجليا لا مجال للريب فيه، ان اختلاف المذاهب وتباين التربية كان من العوامل القوية في ابقاء الفتنة بين ابناء هذا الوطن وان دول اوروبا عند اغراضها تستحل بث بذور الشقاق بين المتالفين، وتستخدم وسائط غريبة في تكدير صفاء الامنين، وتعبث بعقول السذج المساكين، وانها قلما اهتمت بمصلحة امة من امم الشرق، بل تهمها مصلحتها فقط، ولو كانت تريد الخير للشام لتركته يسعد ويرقى بحكم محمد علي الذي كان باقرار رجالها من ارقى ما عهدته البلاد منذ قرون، ولعل ابناء الشام ايقنوا بخطأهم في الانتقاض على الحكومة المصرية التي هي مثلهم عنصرا ولغة وعادات وانهم كانوا على ضلال في الحنين الى حكم العثمانيين، وما كان من حقهم ان ينسوا في سنين قليلة كيف كان حكامهم يسارعون في الاثم والعدوان"، وقال في موضع آخر:

"تبين الفرق بين الادارتين المصرية والعثمانية، ولو طال عهد المصريين اكثر – وكانوا في صدر الفتح يتخوفون بادارة العثمانيين كل حين - لسعدت البلاد حقيقة وايقن حتى من كانوا ينعمون من دماء الامة على العهد العثماني ان طريقة المصريين في المساواة بين الطبقات والمذاهب المختلفة الشدة في انفاذ القوانين، وتقليد الغرب في كل امر جوهري، افضل طريقة لراحة البلاد، وكان يرجى ان يالفوا في مدة قصيرة ما تاصل في فطرهم على توالي القرون وتعودوه من حكم ارباب الاقطاعات الذين صدهم المصريون عن تجارتهم الشائنة التي الفوها زمن العثمانيين، وهي الاتجار بالجباية يجبونها اضعافا ويسلبون الباقي من دم الامة بمرأى من الحكومة ومسمع، ولم تكد تخلي الجنود المصرية بلاد الشام حتى رجعت الى حالتها قبل المصريين وثارت العداوات القديمة في الصدور وزادت الدسائس الاجنبية".

هذه الشهادة ناطقة بحسنات الحكم المصري في سورية، وبما كان له من الفضل في نشر لواء الحضارة والعدل والعمران فيها، وانه لقول حق ما ذكره الاستاذ محمد كرد على بك من ان الدسائس الاجنبية وخاصة الانجليزية هي التي خلقت العراقيل امام الادارة المصرية في سورية، فلولا تلك الدسائس لسعدت سورية بانضمامها الى مصر وتالفت منهما الدولة المصرية العربية التي كانت على عهد الفاطميين والايوبيين والدولتين البحرية والبرجية، ولكن المطامع الاستعمارية احاطت مصر الفتية بالدسائس والفتن. وهذه الدسائس هي التي اعترضت مصر في طريق تقدمها، وناهضتها في سورية. وفي كل ناحية، داخل مصر وخارجها، وحالت دون تاليف الدولة المصرية الكبرى التي كان محمد علي يعمل لها. وما فتئت انجلترا تدبر المكايد وتخلق المشاكل طوال القرن التاسع عشر حتى اوقعت مصر في ازمة سنة 1882.

فالسياسة التي رسمتها انجلترا ازاء مصر منذ اواخر القرن الثامن عشر هي التي املت عليها خططها في مناهضتها والكيد لها في الداخل والخارج، ولم تنل منها في عهد محمد علي بمقدار ما نالته في عهد خلفائه، ذلك لما كانت عليه مصر على عهده من القوة والمنعة، فلما تراخت القوة، وتفرقت الكلمة، وانفتحت الثغرات، تربصت انجلترا البلاد حتى احتلتها سنة 1882، ذلك الاحتلال الذي لا نزال نعانيه الى اليوم (1949 تاريخ الطبعة السابقة). لم أكن من جناتها علم الله واني بحرها اليوم صالي.


اخلاء جزيرة العرب

كان محمد علي يحرص قبل معاهدة لندره على استبقاء نفوذ وسلطته في الحجاز لما في ذلك من اعلاء هيبته في انحاء العالم الاسلامي باعتباره حاميا للحرمين، ولذلك ما فتئ يعمل منذ الحرب الوهابية على توطيد مركزه في ربوع الحجاز وفي شبه جزيرة العرب، وباسناد تركيا ولاية جدة الى ابراهيم باشا قد خولته حقوق السيادة التي كانت لها في شبه جزيرة العرب، واتصل امام مسقط بمحمد علي بروابط الود والصداقة والولاء.

على ان القوات الحربية المصرية التي استقرت هناك كانت دائما عرضة لتوثب القبائل، وقد نازعه في بسط نفوذه عامل آخر وهو السياسة البريطانية الاستعمارية، فان انجلترا بعد ان وضعت يدها على عدن كانت تنظر متوجسة الى القوات المصرية المجاورة لها في اليمن، واحتجت بان هذا الجوار مما يثير في نفوس الاهالي روح التعصب الديني، على ان محمد علي ظل محافظا على سلطة مصر في جزيرة العرب رغم ما يقتضيه ذلك من النفقات الطائلة، الى ان تحرجت الحالة في ختام سنة 1849 وراى ملك مصر مهددا في سورية، فاسترجع قواته من الجزيرة.

فالقوات المصري بقيت محتلة الحجاز ومعظم جزيرة العرب مدى عشرين عاما تخللتها ثورات عدة احتملت مصر في سبيل اخمادها متاعب هائلة ونفقات طائلة، وانا ذاكرون هنا لمحة من تاريخ الحكم المصري بها وما اعترضه من العقبات.

ففي سنة 1824 ثار الوهابيون في بعض البلدان فاشتبكوا في مناوشات مع القوات المصرية حتى ظهرت عليهم.

وفي سنة 1827 نشبت ثورة في مكة حيث قتل الشريف يحيى ابن اخيه لاتهامه بالائتمار به والتواطؤ عليه مع احمد باشا يكن والي الحجاز من قبل محمد علي، ولما كان يتوقعه الشريف من عواقب انتفاضة غادر مكة ولاذ بقبيلة حرب واستصرخها ، فثارت في وجه السلطة المصرية.

فقام احمد باشا يكن لمحاربتها وقصاصها. لكنه انهزم بالقرب من جبل عرفات واشتد بذلك ساعد الثوار وانضمت اليهم القبائل، فلما علم محمد علي بنبا هذه الثورة انفد الى الحجاز مددا من خمس اورط من الجنود النظامية والف من الفرسان، وعين الشريف محمد بن عون الذي كان نزيل القاهرة شريفا لمكة بدلا من الشريف يحيى الثائر فذهب ابن عون صحبة المدد المصري الى الحجاز، فتشجع احمد بك يكن بهذا المدد واستظهر به، وضرب الحصار على الطائف حيث امتنع الشريف الثائر واتباعه، ثم توقع الشريف سقوط المدينة في يد الجيش المصري، ففر منها فتعقبه الفرسان وما زاولا على اثره حتى اخذوه هو وثلاثة من اشراف مكة الذين ناصروه في ثورته، فجئ بهم الى القاهرة واستبقاهم محمد علي رهائن في يده ليضمن استقرار الامن في الحجاز.

وفي سنة 1829 ثارت هناك بعض القبائل وامتنعت عن اداء ما كان مضروبا عليها سنويا من البن، ومقداره 1200 قنطار، فانفذ محمد علي الى جدة قوة جديدة لاعادة النظام واقراره.

وفي سنة 1832 شبت في جدة فتنة عسكرية قوامها بعض الضباط من العناصر غير النظامية من بقايا الجيش القديم. وكان والي الحجاز وقتئذ خورشد بك، فطالبه الضباط والجنود ومعظمهم من الارناءود والترك بما تاخر من عطائهم، وساروا بمجموعهم الى مكة يتبعون زعيميهم زنار اغا وتركي بيلمز ، فتوسط شريف مكة بين خورشيد بك والمتمردين واتفقوا على ان يعود هؤلاء الى جدة ويوافيهم بها خورشيد بك، فذهب اليهم ولكنهم اسروه، ونادوا بتركي بيلمز واليا على الحجاز، وكان هذا العمل هو المجاهرة الصارخة بالتمرد والفوضى، وانضم اهالي مكة الى المتمردين نكاية بالمصريين، فشبت نار القتال بين الجنود المتمردة والحامية المصرية، ولكن الحامية ردتهم على اعقابهم.

وفي خلال هذه الفتنة ورد الى مكة نبا استيلاء الجيش المصري على عكا، وكانت الحرب السورية الاولى مستعرة، فاخمد هذا النبا جذوة المتمردين، ولما علم الباب العالي بالفتنة ابتهج بها وارسل فرمانا الى تركي بيلمز يقره واليا على الحجاز نكاية بمحمد علي وتشغيبا عليه.

وصل نبا هذه الفتنة الى مصر، فبادر محمد علي الى انفاذ الالاي السابع من الجنود النظامية و1500 من الفرسان، فبلغت عدتها نحو 4000 مقاتل، وعقد لواؤها لاحمد باشا يكن وجعله رئيسا لعسكر الحجاز، وناط به اخما الفتنة، وكان محمد علي عظيم الاهتمام بتوطيد نفوذ الحكومة المصرية في الحجاز واليمن لما للحرمين الشريفين من الاهمية السياسية والدينية، ولان ثغور الحجاز واليمن هي العقد الوثيقة في خيط الاتصال بين مصر ومتاجر الهند وجزيرة العرب.

وصلت الحملة المصرية بقيادة احمد باشا يكن الى ينبع، وسارت منها الى جدة فاحتلتها بعد ان انسحب منها تركي بيلمز الى قنفذة وكانت بها حامية مصرية، فلما امتنعت عليه استمر في انسحابه الى الحديدة من ثغور اليمن، ثم استقر في مخا ولم يقو امام صنعاء على رده، فعهد محمد علي الى احمد باشا يكن والي الحجاز بمطاردته، ففي سنة 1833 سار اليه في خمسة عشر ألف مقاتل، وكان شيخ العسير مواليا للجيش المصري، فحاصر مخا حتى فتحها عنوة، وهرب تركي بيلمز والتجا الى احدى السفن البريطانية، وبذلك انتهت الفتنة ، ولكن شيخ العسير نهب مخا نهبا مدمرا وكانت مستودعا لمتاجر الهند، فبارت التجارة الهندية بسبب هذا النهب سنين عددا.

وقد اجمع محمد علي ان يجتث جذور الثورة في جزيرة العرب ويستولي على اليمن، وكانت الحملات والامراض قد ثغرت في صفوف الجيش المصري فنقصتها وكذلك وزعت الحاميات العسكرية في قنفذة والحديدة وبعض بلاد اليمن، فنقصت قوة الوحدات المتحركة من الجيش، وقد علم محمد علي بهذه الحالة، فانفذ قوة جديدة من ثلاثة آلايات من المشاة والفين من الفرسان بقيادة ابراهيم باشا يكن الذي جعله سر عسكر اليمن سنة 1836 ، فبلغ عدد الجيش المصري في جزيرة العرب ثمانية عشر الف مقاتل، فمضى ابراهيم باشا يكن يزحف على اليمن يعاونه الشريف عون.

سارت الحملة الى بلاد العسير، وهناك احتمل الجنود مشقات هائلة من وعورة الطرق وسوء المناخ وقلة ال