شذرات الذهب في أخبار من ذهب: ج8

من معرفة المصادر

شذرات الذهب في أخبار من ذهب، لابن العماد.

وربما استدان للفقراء على ذمته ويوفي الله عنه وكانت له عبادة وتؤثر عنه كرامات مات في سادس ربيع الآخر انتهى وفيها عز الدين محمد بن خليل بن هلال الحاضري الحلبي الحنفي ولد في أحد الجمادين سنة سبع وأربعين وسبعمائة ورحل إلى دمشق فأخذ بها عن جماعة منهم ابن أميلة قرأ عليه سنن أبي داود والترمذي ودخل القاهرة فأخذ عن الشيخ ولي الدين المنفلوطي والجمال الأسنوي ورحل إلى القاهرة مرة أخرى وتفقه ببلده وحفظ كتبا نحو الخمسة عشر كتابا في عدة فنون وقرأ على العراقي في علوم الحديث وأجاز له ولازم العلم إلى أن انفرد وصار المشار إليه ببلاده وولي قضاء بلده ودرس وأفتى وكان محمود السيرة مشكور الطريقة قال البرهان المحدث لا أعلم بالشام كلها مثله ولا بالقاهرة مثل مجموعه الذي اجتمع فيه من العلم الغزير والتواضع والدين المتين والذكر والتلاوة انتهى وتوفي في أحد الجمادين وفيها رضي الدين أبو حامد محمد بن عبد الرحمن بن أبي الخير محمد بن أبي عبد الله الفاسي الحسني المكي المالكي ولد في رجب سنة خمس وثمانين وسبعمائة وسمع الحديث وتفقه وأفتى ودرس وولي قضاء المالكية ثم عزل فناب عن القاضي الشافعي وكان خيرا ساكنا متواضعا ذاكرا للفقه توفي في ربيع الأول وأخوه محب الدين أبو عبد الله محمد كان أسن منه أجاز له ابن أميلة وغيره ومهر في الفقه سنة خمس وعشرين وثمانمائة فيها كما قال ابن حجر ولدت فاطمة بنت القاضي جلال الدين البلقيني من بعلها تقي الدين رجب بن العماد قاضي الفيوم ولدا خنثى له ذكر وفرج أنثى (7/168) ________________________________________ 169 وقيل أن له يدين زائدتين نابتتان في كتفيه وفي رأسه قرنان كقرني الثور فيقال ولدته ميتا ويقال مات بعد أن ولدته انتهى وفيها أخذ الفرنج مدينة سبتة من أيدي المسلمين وفيها كان الطاعون الشديد بحلب حتى خلى أكثر البلد من الناس وفيها برهان الدين إبراهيم بن أحمد البيجوري الشافعي ولد في حدود الخمسين وسبعمائة وأخذ عن الأسنوي ولازم البلقيني ورحل إلى الأذرعي بحلب سنة سبع وسبعين وبحث معه وكان الأذرعي يعترف له بالاستحضار وشهد له الشيخ جمال الدين الحسباني عالم دمشق بأنه أعلم الشافعية بالفقه في عصره وقال محي الدين المصري فارقته سنة خمس وثمانين وهو يسرد الروضة حفظا وكان دينا خيرا متواضعا لا يتردد إلى أحد سليم الباطن لا يكتب على الفتوى تورعا وولي بآخره مشيخة الفخرية بين السورين وكان الطلبة يصححون عليه تصانيف العراقي نقلا وفهما وكانوا يراجعون العراقي في ذلك فلا يزال يصلح في تصانيفه ما ينقلونه له عنه ولم يخلف بعده من يقارنه وكان فقيرا جدا مع قلة وظائف وتوفي يوم السبت رابع عشر رجب رحمه الله تعالى وفيها برهان الدين أبو إسحق إبراهيم بن محمد بن عيسى بن عمر بن زياد العجلوني الدمشقي الشافعي الشهير بابن خطيب عذرا ولد سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة بعجلون وحفظ المنهاج في صغره واشتغل على مشايخ عصره ودأب في الفقه خصوصا الروضة وتصدر للأشغال مدة طويلة وولي قضاء صفد في أيام الظاهر برقوق سنة ثلاث وثمانمائة وقدم دمشق سنة ست وثمانمائة وولي نيابة الحكم وأقام على ذلك سنين ثم تنزه عن ذلك كله وأكب على الأشغال وصار يفتي ويدرس إلى أن حصل له فالج فلزم منه الفراش من غير أن يتكلم إلى أن توفي سابع عشرى المحرم (7/169) ________________________________________ 170 وفيها صدر الدين أبو بكر بن تقي الدين إبراهيم بن محمد بن مفلح المقدسي الأصل ثم الدمشقي الحنبلي ولد سنة ثمانين وسبعمائة وتفقه قليلا واستنابه أبوه وهو صغير واستنكر الناس منه ذلك ثم ناب لابن عبادة وشرع في عمل المواعيد بجامع الأرموي وشاع اسمه وراج بين العوام وكان على ذهنه كثير من التفسير والأحاديث والحكايات مع حضور شديد في الفقه وولي القضاء استقلالا في شوال سنة سبع عشرة فباشر خمسة أشهر ثم عزل وتوفي في جمادى الآخرة قاله ابن حجر وفيها نفيس الدين سليمان بن إبراهيم بن عمر التعزي الشافعي الفقيه العلوي نسبة إلى علي بن بلي بن وائل سمع أباه وابن شداد وغيرهما وعنى بالحديث وأحب الرواية واستجيز له من جماعة من أهل مكة قال ابن حجر وسمع مني وسمعت منه وكان محبا في السماع والرواية محثا على ذلك مع عدم مهارة فيه فذكر لي أنه مر على صحيح البخاري مائة وخمسين مرة ما بين قراءة وسماع وأسماع ومقابلة وحصل من شروحه كثيرا وحدث بالكثير وكان محدث أهل بلده مات في ذي الحجة وقد جاوز الثمانين وفيها صدقة بن سلامة بن حسين بن بدران بن إبراهيم بن جملة الجيدوري ثم الدمشقي المقرىء عنى بالقراآت وأتقنها وأقرأ بالجامع الأموي وأدب خلقا وانتفعوا به وله تآليف في القراآت توفي في عاشر جمادى الأولى وفيها أسد الدين عبد الرحمن بن محمد بن طولوبغا التنكزي مسند الشام قال ابن حجر تفرد وحدث وحج في سنة أربع وعشرين وثمانمائة بمكة ورجع فمات بدمشق في ثاني عشر ذي القعدة وكان مسند الشام وفيها عثمان بن سليمان الصنهاجي قال ابن حجر في أنباء الغمر من أهل الجزائر الذين بين تلمسان وتونس رأيته كهلا وقد جاوز الخمسين وقد شاب (7/170) ________________________________________ 171 أكثر لحيته وطوله إلى رأسه ذراع واحد بذراع الآدميين لا يزيد عليه شيئا وهو كامل الأعضاء وإذا قام قائما يظن من رآه أنه صغير قاعد وهو أقصر آدمي رأيته وذكر لي أنه صحب أبا عبد الله بن الغمار وأبا عبد الله بن عرفة وغيرهما ولديه فضيلة ومحاضرة حسنة انتهى وفيها علي بن أحمد بن علي المارديني سمع من ابن قواليح صحيح مسلم بدمشق وحدث عنه وتوفي بمكة في شوال وفيها صبر الدين علي بن سعد الدين محمد ملك المسلمين بالحبشة كان شجاعا فارسا شديدا على كفرة الحبشة وجرت له معهم وقائع عديدة وتوفي مبطونا واستقر بعده أخوه وفيها شمس الدين أبو المعالي محمد بن أحمد بن معال الحبتي بفتح الحاء المهملة وسكون الموحدة وفوقية نسبة إلى حبتة بنت ملك بن عمرو بن عوف الحنبلي المحدث ولد سنة خمس وأربعين وسبعمائة وسمع من عمر بن أميلة والعماد بن كثير وغيرهما ومهر في فنون كثيرة وتفقه بابن قاضي الجبل وابن رجب وغيرهما وتعانى الآداب فمهر وقدم القاهرة في رمضان سنة أربع وثمانمائة وحدث بها ببعض مسموعاته وقص على الناس في عدة أماكن وناب في الحكم وكان يحب جمع المال مع مكارم الأخلاق وحسن الخلق وطلاقة الوجه والخشوع التام قال ابن حجر سمعنا بقراءته صحيح البخاري في عدة سنين بالقلعة وسمعنا من مباحثه وفوائده ونوادره وماجرياته وتوفي فجأة ليلة الخميس وقت العشاء ثامن عشرى المحرم بالقاهرة وفيها شمس الدين محمد بن علي بن خالد الشافعي المعروف بابن البيطار سمع من مشايخ ابن حجر معه وغيره وكان وقورا ساكنا حسن الخلق كثير التلاوة وفيها شمس الدين محمد بن علي بن أحمد الزراتيتي الحنبلي المقرىء إمام (7/171) ________________________________________ 172 الظاهرية البرقوقية ولد سنة سبع وأربعين وسبعمائة وعنى بالقراآت ورحل فيها إلى دمشق وحلب وأخذ عن المشايخ واشتهر بالدين والخير قال ابن حجر سمع معنا الكثير وسمعت منه شيئا يسيرا ثم أقبل على الطلبة بآخره فأخذوا عنه القراآت ولازموه وأجاز للجماعة وانتهت إليه الرياسة في الاقراء بمصر ورحل إليه من الأقطار ونعم الرجل كان توفي يوم الخميس سادس جمادى الآخرة بعد أن أضر وفيها السلطان محمد جلبي بن أبي يزيد بن مراد بن أورخان بن عثمان كان يلق بكرشي كان شجاعا مقداما مجاهدا فتح عدة قلاع وبلاد وبنى المدارس وعمر العماير وهو أول من عمل الصر للحرمين الشريفين من آل عثمان رحمه الله تعالى وفيها بدر الدين محمود بن العلامة شمس الدين الأقصرائي الأصل المصري المولد والدار والوفاة الحنفي ولد سنة بضع وتسعين وسبعمائة ونشأ بالقاهرة وطلب العلم فبرع في الفقه والعربية وشارك في عدة فنون ورأس على أقرانه وجالس الملك المؤيد شيخ ثم اختص بالملك الظاهر ططر اختصاصا زائدا وتردد الناس إلى باب وتحدثوا برفعته فعوجل بمنيته ليلة الثلاثاء خامس المحرم سنة ست وعشرين وثمانمائة فيها كان طاعون مفرط بالشام حتى قيل أن جملة من مات في أيام يسيرة زيادة على خمسين ألفا ووقع أيضا بدمياط طاعون عظيم وفيها توفي إبراهيم بن مبارك شاه الأسعردي الخواجا التاجر المشهور صاحب المدرسة بالجسر الأبيض كان كثير المال واسع العطاء كثير البذل قاله ابن حجر (7/172) ________________________________________ 173 وفيها الحافظ ولي الدين أبو زرعة أحمد بن حافظ العصر شيخ الإسلام عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن العراقي الإمام ابن الإمام والحافظ ابن الحافظ وشيخ الإسلام ابن شيخ الإسلام الشافعي ولد في ذي الحجة سنة اثنتين وستين وسبعمائة وبكر به أبوه فأحضره عند المسند أبي الحرم القلانسي في الأولى وفي الثانية واستجاز له من أبي الحسن العرضي ثم رحل به إلى الشام في سنة خمس وستين وقد طعن في الثالثة فأحضره عند جمع كثير من أصحاب الفخر بن البخاري وأنظارهم ثم رجع فطلب بنفسه وقد أكمل أربع عشرة سنة فطاف على الشيوخ وكتب الطباق وفهم الفن واشتغل في الفقه والعربية والمعاني والبيان وأحضر على جمال الدين الأسنوي وشهاب الدين بن النقيب وغيرهما وأقبل على التصنيف فصنف أشياء لطيفة في فنون الحديث ثم ناب في الحكم وأقبل على الفقه فصنف النكت على المختصرات الثلاثة جمع فيها بين التوشيح للقاضي تاج الدين السبكي وبين تصحيح الحاوي لابن الملقن وزاد عليهما فوائد من حاشية الروضة للبلقيني ومن المهمات للأسنوي وتلقى الطلبة هذا الكتاب بالقبول ونسخوه وقرأوه عليه واختصر أيضا المهمات وأضاف إليها حواشي البلقيني على الروضة وكان لما مات أبوه تقرر في وظائفه فدرس بالجامع الطولوني وغيره ثم ولي القضاء الأكبر وصرف عنه فحصل له سوء مزاج من كونه صرف ببعض تلامذته بل ببعض من لا يفهم عنه كما ينبغي فكان يقول لو عزلت بغير فلان ما صعب على وكان من خير أهل عصره بشاشة وصلابة في الحكم وقياما في الحق وطلاقة وجه وحسن خلق وطيب عشرة وتوفي في يوم الخميس التاسع والعشرين من شهر رمضان عن ثلاث وستين سنة وثمانية أشهر ودفن عند والده (7/173) ________________________________________ 174 رحمهما الله تعالى وفيها مجد الدين أبو البركات سالم بن سالم بن أحمد المقدسي ثم المصري الحنبلي قاضي القضاة بالديار المصرية وشيخ الإسلام بها ولد سنة ثمان وأربعين وسبعمائة وقدم القاهرة في سنة أربع وستين واستقر في القضاء بعد وفاة القاضي موفق الدين بن نصر الله المتقدم ذكره وكان يعد من فقهاء الحنابلة وأخيارهم باشر القضاء نيابة واستقلالا أكثر من ثلاثين سنة بتواضع وعفة وعزل بابن مغلي فقال بعضهم عند عزله ( قضى المجد قاضي الحنبلية نحبه * بعزل وما موت الرجال سوى العزل ) ( وقد كان يدعى قبل ذلك سالما * فخالطه فرط انسهال من المغلى ) وتوفي يوم الخميس تاسع عشرى ذي القعدة بعد أن ابتلي بالزمانة والعطلة عدة سنين وفيها زين الدين عبد الرحمن بن الشيخ شمس الدين محمد بن إسماعيل القلقشندي الشافعي سبط الشيخ صلاح الدين العلائي اشتغل على أبيه وغيره وأحب الحديث وطلبه وكتب الطباق بخطه وصنف ونظم وكان فاضلا نبيها قال ابن حجر سمع معي في الرحلة إلى دمشق كثيرا بها وبنابلس والقدس وغيرها وصار مفيد بلده في عصره وقدم القاهرة في هذه السنة فأسمع ولده بها من جماعة وكان حسن العقل والخط حاذقا رجع إلى بلده فمات بها وأسفنا عليه رحمه الله تعالى انتهى وفيها عز الدين عبد العزيز بن علي بن أحمد النويري ثم المكي الشافعي العقيلي ولد سنة ثمان وسبعين وسبعمائة وتفقه ومهر وقرأ سنن أبي داود علي السراج البلقيني سنة اثنتين وثمانمائة وكان أبوه مالكي المذهب فخالفه وأقام بالقاهرة مدة وأخذ عن شيوخها وأذن له الشيخ برهان الدين الأنباسي وبدر الدين الطنبدي ثم دخل اليمن وولي القضاء بتعز ثم رجع إلى مكة فتوفي بها في (7/174) ________________________________________ 175 حادي عشرى ذي الحجة وفيها عبد القادر ويدعى محمدا ابن قاضي الحنابلة علاء الدين علي بن محمود ابن المغلي السليماني ثم الحموي الحنبلي نشأ على طريقة حسنة ونبغ وحفظ المحرر وغيره وتوفي مراهقا في نصف ذي القعدة وأسف أبوه عليه جدا ولم يكن له ولد غيره وفيها نور الدين علي بن رمح بن سنان بن قنا الشافعي سمع من عز الدين بن جماعة وغيره ولم ينجب وصار بآخره يتكسب في حوانيت الشهود وهو أحد الصوفية بالخانقاه البيبرسية وتوفي عن أزيد من ثمانين سنة وفيها زين الدين وسراج الدين عمر بن عبد الله بن علي بن أبي بكر الأديب الشاعر الأنصاري الأسواني نزيل القاهرة ولد بأسوان سنة اثنتين وستين وسبعمائة وقدم القاهرة فأقام بها مدة ثم توجه إلى دمشق وأخذ الأدب عن الشيخ جلال الدين بن خطيب داريا ثم عاد إلى القاهرة واستوطنها إلى أن مات بها قال المقريزي كان يقول الشعر ويتقن شيئا من العربية مع تعاظم وتطاول وإعجاب بنفسه وإطراح جانب الناس لا يرى أحدا وأن جل شيئا بل يصرح بأن أبناء زمانه كلهم ليسوا بشيء وأنه هو العالم دونهم وأنه يجب على الكافة تعظيمه والقيام بحقوقه وبذل أموالهم كلها له لا لمعنى فيه يقتضي ذلك بل سوء طباع وكان يمدح فلا يجد من يوفيه حقه بزعمه فيرجع إلى الهجاء فلذلك كان مشنوءا عند الناس ومن شعره ( إن دهري لقد رماني بقوم * هم على بلوتي أشد حثيثا ) ( إن أفه بينهم بشيء أجدهم * لا يكادون يفقهون حديثا ) وتوفي يوم الجمعة حادي عشر ربيع الأول وفيها زين الدين عمر بن محمد الصفدي ثم النيني بنون مفتوحة ثم ياء تحتية ساكنة ثم نون الشافعي اشتغل قديما ومهر حتى صار يستحضر الكفاية لابن (7/175) ________________________________________ 176 الرفعة وأخذ بدمشق عن علاء الدين حجي وأنظاره وسمع من ابن قوالح وناب في الحكم في بلاد عديدة في معاملات حلب ثم قدم القاهرة قبل العشرين وثمانمائة ونزل بالمؤيدية في طلبة الشافعية وكان كثير التقتير على نفسه وتوفي بمصر في جمادى الأولى وقد قارب الثمانين ووجد له مبلغ عند بعض الناس فوضع يده عليه ولم يصل لوارثه منه شيء عفا الله عنه وفيها شمس الدين محمد بن عبد الله بن عمر بن يوسف المقدسي الصالحي الحنبلي المعروف بابن المكي ولد سنة إحدى وخمسين وسبعمائة وتفقه قليلا وتعانى الشهادة ولازم مجلس القاضي شمس الدين بن التقي وولي رياسة المؤذنين بجامع الأموي وكان من خيار العدول عارفا جهوري الصوت حسن الشكل طلق الوجه منور الشيبة أصيب بعدة أولاد له كانوا أعيان عدول البلدة مع النجابة والوسامة فماتوا بالطاعون ثم توفي هو في جمادى الأولى وفيها شمس الدين محمد بن علي بن أحمد الغزي الحلبي المقرىء المعروف بابن الركاب ولد سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة بغزة وتعانى الاشتغال بالقراآت فمهر وقطن بحلب واشتغل في الفقه بدمشق مدة ثم أقبل على التلاوة والاقراء فانتفع به أهل حلب وأقرأ أكابرهم وفقراءهم بغير أجرة وممن قرأ عليه قاضي حلب علاء الدين بن خطيب الناصرية وكان قائما بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومواظبة الاقراء مع الهرم وتوفي في تاسع عشر ربيع الأول وفيها محمد بن الشيخ شمس الدين محمد بن عبد الدايم البرماوي كان قد مهر وحفظ عدة كتب وتوجه مع أبيه إلى الشام فمات بالطاعون ولم يكمل العشرين سنة وأسف عليه أبوه ولم يقم بالشام بعده بل قدم القاهرة (7/176) ________________________________________ 177 سنة سبع وعشرين وثمانمائة فيها توفي الملك الناصر أحمد بن الأشرف إسماعيل بن الأفضل عباس بن المجاهد على صاحب المين استقر في المملكة بعد أبيه سنة ثلاث وثمانمائة وجرت له كائنات وكان فاجرا جائرا قال ابن حجر مات بسبب صاعقة سقطت على حصنه من زجاج فارتاع من صوتها فتوعك ثم مات في سادس عشر جمادى الأخرة قال الله تعالى ( ^ ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء ) انتهى بحروفه وفيها شهاب الدين أحمد بن عبد الله البوتيجي الشافعي تفقه ومهر وحفظ المنهاج وكان يتكسب بالشهادة ثم تكرها تورعا وفيها شهاب الدين أحمد بن علي بن أحمد النويري المكي المالكي قاضي مكة وإمام المالكية بحرمها الشريف وابن إمامهم ولد في صفر سنة ثمانين وسبعمائة وسمع على والده والعفيف عبد الله وبقراة أخيه عبد العزيز المذكور في السنة التي قبلها على الشيخ نصر الله بن أحمد البغدادي الحنبلي ومن جماعة أخر بمكة وحفظ رسالة ابن أبي زيد المالكي وتفقه على الشريف أبي الخير الفاسي وغيره وأفتى ودرس وولي بعد وفاة والده بمدة إمامة المالكية بالحرم ثم بعد مدة طوية ولي القضاء فلم يتم أمره ودام مصروفا إلى أن توفي قبيل العصر من يوم الأربعاء ثالث عشر ربيع الآخر ودفن بالمعلاة وكان له ثروة وفيها القاضي محب الدين أحمد بن الشيخ جمال الدين محمد بن عبد الله بن ظهرية المخزومي الشافعي قاضي مكة وابن قاضيها ومفتيها وابن مفتيها ولد في جمادى (7/177) ________________________________________ 178 الأولى سنة تسع وثمانين وسبعمائة وحفظ المنهاج وعدة كتب وتفقه بوالده وغيره وأذن له في الافتاء الشهاب الغزي والشهاب بن حجي وغيرهما وكان ماهرا في الفقه والفرائض حسن السيرة في القضاء ولي من سنة ثماني عشرة إلى أن مات وتوفي في جمادى الأولى وخلت مكة بعده ممن يفتي فيها على مذهب الشافعي قاله ابن حجر وفيها زين الدين أبو بكر بن عمر بن محمد الطريني ثم المحلى المالكي الشيخ الفاضل المعتقد كان صالحا ورعا حسن المعرفة بالفقه قائما في نصر الحق وله اتباع وصيت كبير وتوفي في حادي عشر ذي الحجة وقد جاوز الستين وفيها الملك العادل فخر الدين أبو المفاخر سليمان بن الملك الكامل غازي بن محمد بن أبي بكر بن شادي صاحب حصن كيفا وابن صاحبه تسلطن في الحصن بعد موت أبيه وحسنت أيامه وكان مشكور السيرة محببا للرعية مع الفضيلة التامة والذكاء والمشاركة الحسنة وله نظم ونثر وديوان شعر لطيف ومن شعره ( أريعان الشباب عليك مني * سلام كلما هب النسيم ) ( سروري مع زمانك قد تناءى * وعندي بعده وجد مقيم ) ( فلا برحت لياليك الغوادي * وبدر التم لي فيها نديم ) ( يغازلني بغنج والمحيا * يضيء وثغره در نظيم ) ( وقد مثل لدن أن تثني * وريقته بها يشفى السقيم ) ( إذا مزجت رحيق مع رضاب * ونحن بليل طرته نهيم ) ( ونصبح في ألذ العيش حتى * تقول وشاتنا هذا النعيم ) ( ونرتع في رياض الحسن طورا * وطورا للتعانق نستديم ) واستمر في مملكة الحصن إلى أن توفي وأقيم بعده ولده الملك الأشرف (7/178) ________________________________________ 179 أحمد المقتول بيد أعوان قرايلك في سنة ست وثلاثين وثمانمائة وفيها عبيد الله بن محمد بن محمد بن محمد بن زبد بالزاي والباء الموحدة البعلبكي الشافعي المعروف بابن زبد وله سنة ستين وسبعمائة تقريبا وتفقه على ابن الشريشي والقرشي وغيرهما بدمشق ثم ولي قضاء بلده قبل اللنك ودرس وأفتى ثم ولي قضاء طرابلس في سنة عشر ثم ولاه المؤيد قضاء دمشق عوضا عن نجم الدين بن حجي في سنة تسع عشرة ثم في سنة ست وعشرين في أيام الأشرف وكانت مدته في الولايات يسيرة جدا الأولى ستة أشهر والثانية شهرا ونصفا ولما صرف في النوبة الثانية حصل له ذل كبير وقهر زائد وذهب غالب ما كان حصله في عمره ولحقه فالج فاستمر به إلى أن مات في ربيع الأول قاله ابن حجر وفيها أبو محمد عبد الله بن مسعود بن علي الحلبي المعروف بابن القرشية أخذ عن أبيه عن الوادياشي وعن أبي عبد الله بن عرفة وأبي علي عمر بن قداح الهواري وأحمد بن إدريس الزواوي شيخ بجاية أخذ عنه المسلسل بالأولية ومصافحة المعمرين وأبي عبد الله بن مرزوق في آخرين تتضمنهم فهرسته التي أجاز فيها لابن أخيه أبي الفرج سرور بن عبد الله القرشي وتوفي بتونس على ما ذكره ابن أخيه سرور وفيها زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن يوسف بن الحسن بن محمد الزرندي المدني الحنفي قاضي الحنفية بالمدينة المنورة ولد في ذي القعدة سنة ست وأربعين وسبعمائة بالمدينة وسمع على عز الدين بن جماعة وصلاح الدين العلائي وأجاز له الزبير بن علي الأسواني فكان خاتمة أصحابه وتوفي في ربيع الأول وفيها محي الدين عبد القادر بن أبي الفتح محمد بن أبي المكارم أحمد بن أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن الشريف الحسني الفاسي الأصل المكي الحنبلي أخو قاضي سراج الدين عبد اللطيف الحنبلي ولد سنة إحدى وتسعين (7/179) ________________________________________ 180 وسبعمائة وقرأ وتفقه وناب في الحكم عن أخيه شقيقه سراج الدين المذكور وتوفي بمكة في يوم الأربعاء الثاني والعشرين من شعبان ودفن بالمعلاة قاله تقي الدين الفاسي في تاريخه وفيها نور الدين علي بن عبد الكريم الفوي قال ابن حجر سمع من الشيخ جمال الدين بن نباتة وأحمد بن يوسف الخلاطي وغيرهما وحدث بالكثير سمعت عليه السيرة النبوية لابن هشام ونعم الشيخ كان مات في خامس ذي الحجة وبلغ الستين وفيها نور الدين علي بن لولو قال ابن حجر كان عالما متورعا لا يأكل إلا من عمل يده ولم يتقلد وظيفة قط ولازم الاقراء بالجامع الأزه روغيره وانتفع الناس به وله مقدمة في العربية سهلة المأخذ مات في عشر الستين انتهى وفيها عيسى بن يحيى الريغي براء ومثناة تحية وغين معجمة نسبة إلى ريغة إقليم بالمغرب المغربي المالكي نزيل مكة قال الفاسي كان خيرا متعبدا معتنيا بالعلم نظرا وإفادة وله في النحو وغيره يد وسمع الحديث بمكة على جماعة من شيوخها والقادمين إليها وكان كثير السعي في مصالح الفقراء والطرحاء وجمعهم من الطرقات إلى البيمارستان المستنصري بالجانب الشامي من المسجد الحرام وربما حمل الفقراء المنقطعين بعد الحج إلى مكة من منى وجاو ربمكة سنين كثيرة تقارب العشرين وتأهل فيها بنساء من أعيان مكة ورزق بها أولادا وبها توفي ليلة الإثنين سلخ المحرم ودفن بالمعلاة وهو في عشر الستين ظنا وفيها محمد بن أحمد بن المبارك الحموي بن الخرزي الحنفي ولد قبل سنة ستين وسبعمائة واشتغل على الصدر منصور من أشياخ الحنفية بدمشق ثم سكن حماة وتحول إلى مصر بعد اللنك وناب في الحكم ثم تحول إلى دمشق ودرس وكان مشاركا في عدة فنون إلا أن يده في الفقه ضعيفة وكان كثير المرض وتوفي في شعبان (7/180) ________________________________________ 181 وفيها بدر الدين محمد بن أبي بكر بن عمر بن أبي بكر بن محمد بن سليمان بن جعفر القرشي المخزومي الأسكندراني المالكي النحوي الأديب قال السيوطي في طبقات النحاة ولد بالأسكندرية سنة أربع وستين وسبعمائة وتفقه وتعانى الأدب ففاق في النحو والنظم والنثر والخط والمعرفة الشروط وشارك في الفقه وغيره وناب في الحكم ودرس بعدة مدارس وتقدم ومهر واشتهر ذكره وتصدر بالجامع الأزهر لأقراء النحو ثم رجع إلى الأسكندرية واستمر يقرىء بها ويحكم ويتكسب بالتجارة ثم قدم القاهرة وعين للقضاء فلم يتفق له ودخل دمشق سنة ثمانمائة وحج منها وعاد إلى بلده وتولى خطابة الجامع وترك الحكم وأقبل على الاشتغال ثم أقبل على أشغال الدنيا وأمورها فتعانى الحياكة وصار له دولاب متسع فاحترقت داره وصار عليه مال كثير ففر إلى الصعيد فتبعه غرماؤه وأحضره مهانا إلى القاهرة فقام معه الشيخ تقي الدين بن حجة وكاتب السر ناصر الدين البارزي حتى صلحت حاله ثم حج سنة تسع عشرة ودخل اليمن سنة عشرين ودرس بجامع زبيد نحو سنة فلم يرج له بها أمر فركب البحر إلى الهند فحصل له إقبال كثير وعظموه وأخذوا عنه وحصل له دنيا عريضة فبغته الأجل ببلد كلبرجة من الهند في شعبان قتل مسموما وله من التصانيف شرح الخزرجية وجواه رالبحور في العروض وتحفة الغريب في شرح مغنى اللبيب وشرح البخاري وشرح التسهيل والفواكه البدرية من نظمه ومقاطع الشرب ونزول الغيث وهو حاشية على الغيث الذي اسنجم في شرح لأمية العجم للصفدي وعين الحياة مختصر حياة الحيوان للدميري وغير ذلك روى لنا عنه غير واحد ومن شعره ( رماني زماني بما ساءني * فجاءت نحوس وغابت سعود ) ( وأصبحت بين الورى بالمشيب * غليلا فليت الشباب يعود ) (7/181) ________________________________________ 182 وله في امرأة جبانة ( مذ تعانت لصنعة الجبن خود * قتلتنا عيونها الفتانه ) ( لاتقل لي كم مات فيها قتيل * كم قتيل بهذه الجبانة ) انتهى كلام السيوطي بحروفه ومن نظمه أيضا ( قلت له والدجى مول * ونحن بالأنس في التلاقي ) ( قد عطس الصبح يا حبيبي * فلا تشمته بالفراق ) وله ملغزا في غزال ( ان من قد هويته * محنتي في وقوفه ) ( فإذا زال ربعه * زال باقي حروفه ) وفيها نجم الدين محمد بن أبي بكر بن علي بن يوسف الذروي الأصل الصعيدي ثم المكي الشافعي المعروف بالمرجاني ولد سنة ستين وسبعمائة بمكة وأسمع على العز بن جماعة وغيره وقرأ في الفقه والعربية وتصدى للتدريس والإفادة وله نظم حسن ونفاذ في العربية وحسن عشرة ورحل في طلب الحديث إلى دمشق فسمع من ابن خطيب المزة وابن المحب وابن الصيرفي وغيرهم بإفادة الياسوفي وغيره وكان يثني عليه وعلى فضائله وحدث قليلا فسمع منه ابن حجر وتوفي في رجب وفيها شمس الدين محمد بن سعد بن محمد بن عبد الله بن سعد بن أبي بكر بن مصلح بن أبي بكر بن سعد المقدسي الحنفي المعروف بابن الديري نسبة إلى مكان بمردا من جبل نابلس ولد سنة اثنتين أو ثلا وأربعين وسبعمائة وتعانى الفقه والاشتغال في الفنون وعمل المواعيد ثم تقدم في بلده حتى صار مفتيها والمرجوع إليه فيها وكانت له أحوال مع الأمراء وغيرهم يقوم فيها عليهم ويأمرهم بكف الظلم واشتهر اسمه فلما مات ناصر الدين بن العديم في سنة تسع عشرة استدعاه المؤيد فقرره في قضاء الحنفية بالقاهرة وكان (7/182) ________________________________________ 183 قدمها مرارا فباشرها بصرامة وشهامة وقوة نفس ثم انمزج مع المصريين ومازج الناس وكان منقادا لما يأمر ويروم ابن البارزي ولما كملت المؤيدية قرر في مشيختها وظن أن السلطان لا يخرج عنه القضاء فجاء الأمر بخلاف ظنه فإنه لما قرره في المشيخة قال له استرحنا واسترحت يشير بذلك إلى كثرة الشكاوى عليه من الأمراء وكان ابن الديري كثير الازدراء بأهل عصره لا يظن أن أحدا منهم يعرف شيئا مع دعوى عريضة وشدة إعجاب مع شدة التعصب لمذهبه والحط على مذهب غيره سامحه الله وكان يأسف على بيت المقدس ويقول سكنته أكثر من خمسين سنة ثم أموت في غيره فقدرت وفاته به في سابع ذي الحجة واستقر ولده سعد الدين في مشيخة المؤيدية وفيها المولى حافظ الدين محمد بن محمد الكردي الحنفي المشهور بابن البزازي له كتاب مشهور من الفتاوى اشته ربالفتاوى البزازية وكتاب في مناقب الإمام الأعظم وكتاب في المطالب العالية نافع جدا ولما دخل بلاد الروم ذاكر وباحث المولى الفناري وغليه في الفروع وغلبه الفناري في الأصول وتوفي في أواسط رمضان وفيها شرف الدين يعقوب بن جلال واسم جلال رسولا ويسمى أيضا أحمد الرومي الحنفي العجمي الأصل المصري المولد والدار والوفاة المعروف بالتباني بفتح المثناة الفوقية وتشديد الموحدة التحتية لسكنه بالتبانة خارج القاهرة نشأ بالقاهرة وتفقه بوالده وغيره وبرع في الفقه والأصلين والعربية والمعاني والبيان وأفتى ودرس سنين وولي وكالة بيت المال ونظر الكسوة ومشيخة خانقاه شيخون وكان ذا همة عالية ومكارم وبرا وإيثار وصدقة وحرمة في الدولة وكلمة مسموعة وصلة بالأمراء والأكابر واختص بالملك المؤيد شيخ اختصاصا كثيرا وعظم وضخم وتردد الناس إلى بابه وهو مع (7/183) ________________________________________ 184 ذلك ملازم للاشتغال والاشغال مع الديانة والصيانة قاله في المنهل الصافي وشرع في شرح المشارق وتوفي بالقاهرة فجأة يوم الأربعاء سادس عشر صفر عن نيف وسبعين سنة واستقر بعده في الشيخونية سراج الدين قاري الهداية سنة ثمان وعشرين وثمانمائة فيها توفي شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن عبد الله الأسدي العبشمي الشهير جده بالطواشي ولد بعد الستين وسبعمائة وأحضر في الثالثة على ابن جماعة وأسمع على الضياء الهندي وغيره وأجاز له الكمال بن حبيب ومحمد بن جابر وأبو جعفر الرعيني وأبو الفضل النويري والزرندي والأميوطي وغيرهم وكان خيرا دينا منقطعا عن الناس توفي بمكة يوم الجمعة سابع عشر شعبان وفيها الإمام في الأدب وفنونه الزين شعبان بن محمد بن داود المصري الأثار يقاله في ذيل دول الذهبي وفيها الحافظ نور الدين أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن سلامة بن عطوف الشافعي المكي السلمي المعروف بابن سلامة ولد في سابع شوال سنة ست وأربعين وسبعمائة بمكة وسمع بها من الشيخ خليل المالكي والعز ابن جماعة وغيرهما ورحل إلى بغداد فسمع بها على جماعة ورحل إلى البلاد الشامية والمصرية فسمع بها على من لا يحصى ما لا يحصى وسمع ببيت المقدس وبلد الخليل ونابلس والأسكندرية وعدة من البلاد وأجاز له جماعة كثيرة وله مشيخة شيوخه بالسماع والإجازة وفهرست ما سمعه وقرأه من الكتب والأجزاء تخريج الإمام تقي الدين بن فهد وتفقه بجماعة وأذن له بالافتاء والتدريس جماعة منهم سراج الدين بن الملقن وبرهان الدين (7/184) ________________________________________ 185 الأبناسي وكان له حظ من العبادة وله عناية كثيرة بالقراآت ومن نظمه وقد أهدى للشيخ شمس الدين بن الجزري من ماء زمزم ( ولقد نظرت فلم أجد يهدي لكم * غير الدعاء المستجاب الصالح ) ( أو جرعة من ماء زمزم قد سمت * فضلا على مد الفرات السائح ) ( هذا الذي وصلت له يد قدرتي * والحق قلت ولست فيه بمازح ) فأجابه الشيخ شمس الدين بن الجزري ( وصل المشرف من إمام مرتضى * نور الشريعة ذي الكمال الواضح ) ( وذكرت أنك قد نظرت فلم تجد * غير الدعاء المستجاب الصالح ) ( أو جرعة من ماء زمزم حبذا * ما قد وجدت ولست فيه بمازح ) ( أما الدعاء فلست أبغي غيره * ما كنت قط إلى سواه بطامح ) وتوفي ابن سلامة بمكة المشرفة يوم السبت رابع عشرى شوال وفيها القاضي علاء الدين أبو الحسن علي بن محمود بن أبي بكر بن مغلى الحنبلي أعجوبة الزمان الحافظ قال في المنهل ولد بحماة وقيل بسلمية سنة إحدى وسبعين وسبعمائة ونشأ بحماة وطلب العلم وقدم دمشق فتفقه بابن رجب الحنبلي وغيره وسمع مسند الإمام أحمد وغيره وبرع في الفقه والنحو والحديث وغير ذلك وتولى قضاء حماة وعمره نحو عشرين سنة ثم قضاء حلب وعاد إلى بلده حماة وولي قضاءها وحمدت سيرته إلى أن طلبه السلطان المؤيد شيخ إلى الديار المصرية وولاه قضاء قضاتها وحمدت سيرته إلى أن طلبه السلطان المؤيد شيخ إلى الديار المصرية وولاه قضاء قضاة الحنابلة بها مضافا إلى قضاء حماة وكان إماما عالما حافظا يحفظ في كل مذهب من المذاهب الأربعة كتابا يستحضره في مباحثه وكان سريع الحفظ إلى الغاية ويحكي عنه في ذلك غرائب منها ما حكى بعض الفقهاء قال استعار مني أوراقا نحو عشرة كراريس فلما أخذها مني احتجت إلى مراجعتها في اليوم فرجعت إليه (7/185) ________________________________________ 186 بعد ساعة هينة وقلت أريد أنظر في الكراريس نظرة ثم خذها ثانيا فقال ما بقي لي فيها حاجة قد حفظتها ثم ردها من حفظه وتوفي بالقاهرة قاضيا يوم الخمسي العشرين من المحرم ودفن بتربة باب النصر وخلف مالا جما ورثه ابن أخيه محمود انتهى وفيها شمس الدين محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد الحريري البيري الشافعي أخو جمال الدين الأستادار ولد في حدود الخمسين وسبعمائة وتفقه على أبي البركات الأنصاري وسمع من أبي عبد الله بن جابر وأبي جعفر الغرناطي نزيل البيرة بحلب وولي قضاء البيرة مدة ثم قضاء حلب سنة ست وثمانمائة ثم تحول إلى القاهرة في دولة أخيه وتوجه إلى مكة فجاور بها ثم قدم فعظم قدره وعين للقضاء ثم ولي مشيخة البيبرسية ثم درس بالمدرسة المجاورة للشافعي ثم انتزعتا منه بعد كائنة أخيه ثم أعيدت إليه البيبرسية في سنة ست عشرة ثم صرف عنها بابن حجر في سنة ثماني عشرة ثم قرر في مشيخة سعيد السعداء وكان قد ولي خطابة بيت المقدس وتوفي في سحر يوم الجمعة رابع عشرى ذي الحجة وفيها شمس الدين محمد بن القاضي شهاب الدين أحمد الدمزي المالكي ولد سنة بضع وستين وسبعمائة وتفقه وأحب الحديث فسمعه وطاف على الشيوخ قال ابن حجر وسمع معنا كثيرا من المشايخ وكان حسن المذاكرة جيد الاستحضار ودرس بالناصرية الحسنية وغيرها وكان قليل الحظ مات في العشرين من جمادى الأولى انتهى وفيها شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد بن المحب عبد الله السعدي المقدسي الأصل ثم الدمشقي الحنبلي المحدث الإمام ولد في شوال سنة خمس وخمسين وسبعمائة وأحضره والده في السنة الأولى من عمره مجالس الحديث وأسمعه كثيرا على عدة شيوخ منهم عبد الله بن القيم وأحمد (7/186) ________________________________________ 187 ابن الحوفي وعمر بن أميلة وست العز ابنة محمد بن الفخر بن البخاري وحدث قبل فتنة تمر لنك وبعدها وصنف شرحا على البخاري وله نظم ونثر وكان يقرأ الصحيحين في الجامع الأموي وحصل به النفع العام توفي بطيبة في رمضان وقد رأى في نومه من نحو عشرين سنة ما يدل على موته هناك وفيها شمس الدين محمد الحموي النحوي المعروف بابن العيار قال ابن حجر كان في أول أمره حائكا ثم تعانى الاشتغال فمهر في العربية وأخذ عن ابن جابر وغيره ثم سكن دمشق ورتب له على الجامع تصدير بعناية البارزي وكان حسن المحاضرة ولم يكن محمودا في تعاطي الشهادات مات في ذي القعدة انتهى سنة تسع وعشرين وثمانمائة في رمضان كان فتح قبرس وعمل زين الدين عبد الرحمن بن محمد بن الخراط موقع الدست بالقلعة قصيدة طويلة فائية أولها ( بشراك يا ملك الملوك الأشرف * بفتح قبرس بالحسام المشرفي ) ( فتح بشهر الصوم تم قتاله * من أشرف في أشرف في أشرف ) ( قالت دما تلك البلاد وقد عفا * إنجيلهم أهلا بأهل المصحف ) وفي آخرها ( لم تخلف الأيام مثلك فاتكا * ملكا ومثلي شاعرا لم تخلف ) ( فيك التقى والعدل والإحسان في * كل الرعية والوفا والفضل في ) وبيع السبي والغنايم وحمل الثمن إلى الخزانة السلطانية وفرق في الذين جاهدوا منه بعضه وفيها نهب المدينة المنورة عاملها عجلان بن ثابت لما بلغه أنه عزل بابن عمه حسن بن جماز وهدم أكثر بيوتها وحرق وسلم منه بيوت الرافضة وأقام (7/187) ________________________________________ 188 قاضيا رافضيا بها يقال له الصيقل ولم يسلم منه من أرباب الخدم إلا القاضي الشافعي لأنه استجار بقريب لعجلان يقال له مانع فأجاره وفيها توفي شهاب الدين أحمد بن محمد القطوي الشافعي ولد بقطية سنة تسع وسبعين وسبعمائة وأبوه إذ ذاك الحكم بها ونشأ نشأة حسنة وحفظ الحاوي واشتغل في الفرائض ولازم الشيخ شمس الدين العراقي في ذلك وكان يستحضر الحاوي وكثيرا من شرحه واشتغل في العربية قليلا ثم ولي قضاء قضية بعد أبيه ثم ولي قضاء غزة في أول الدولة المؤيدية ثم استقر في دمياط في غاية الأعزاز والإكرام وكان كثير الاحتمال حسن الأخلاق وصاهر ابن حجر على ابنته رابعة ودخل بها وهي بكر سنة خمس عشرة وولدت منه بنتا ثم مات عنها في شهر رمضان وكثر الأسف عليه وفيها الشيخ تقي الدين أبو بكر بن محمد بن عبد المؤمن بن حريز بن معلى بن موسى بن حريز بن سعيد بن داود بن قاسم بن علي بن علوي بن ناشي بن جوهر بن علي بن أبي القسم بن سالم بن عبد الله بن عمر بن موسى بن يحيى بن علي الأصغر بن محمد المتقي بن حسن بن علي بن محمد الجواد بن علي الرضى بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الحصني نسبة إلى الحصن قرية من قرى حوران ثم الدمشقي الفقيه الشافعي ولد سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة وتفقه بالشريشي والزهري وابن الجابي والصرخدي والغزي وابن غنوم وأخذ عن الصدر الياسوفي ثم انحرف عن طريقته وحط على ابن تيمية وبالغ في ذلك وتلقى ذلك عنه الطلبة بدمشق وثارت بسبب ذلك فتن كثيرة وكان يميل إلى التقشف ويبالغ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وللناس فيه اعتقاد زائد ولخص المهمات في مجلد وكتب على التنبيه قال القاضي تقي الدين الأسدي كان خفيف الروح منبسطا له نوادر ويخرج إلى النزه (7/188) ________________________________________ 189 ويبعث الطلبة على ذلك مع الدين المتين والتحري في أقواله وأفعاله متزوج عدة نساء ثم انقطع وتقشف وانجمع كل ذلك قبل القرن ثم ازداد بعد الفتنة تقشفه وانجماعه وكثرت مع ذلك أتباعه حتى امتنع من مكالمة الناس ويطلق لسانه في القضاة وأصحاب الولايات وله في الزهد والتقلل من الدنيا حكايات تضاهى ما نقل عن الأقدمين وكان يتعصب للأشاعرة وأصيب في سمعه وبصره فضعف وشرع في عمارة رباط داخل باب الصغير فساعده الناس بأموالهم ونفسهم ثم شرع في عمارة خان السبيل ففرغ في مدة قريبة وكان قد جمع تآليف كثيرة قبل الفتنة وكتب بخطه كثيرا في الفقه والزهد وقال السخاوي شرح التنبيه والمنهاج وشرح مسلم في ثلاث مجلدات ولخص المهمات في مجلدين وخرج أحاديث الأحياء مجلد وشرح النواوية مجلد وأهوال القيامة مجلد وجمع سير نساء السلف العبادات مجلد وقواعد الفقه مجلد وتفسير القرآن إلى الأنعام آيات متفرقة مجلد وتأديب القوم مجلد وسير السالك مجلد وتنبيه السالك على مظان المهالك ست مجلدات وشرح الغاية مجلد وشرح النهاية مجلد وقمع النفوس مجلد ودفع الشبه مجلد وشرح أسماء الله الحسنى مجلد والمولد مجلد وتوفي بخلوته بجامع المزاز بالشاغور بعد مغرب ليلة الأربعاء خامس عشر جمادى الآخرة وصلى عليه بالمصلى صلى عليه ابن أخيه ثم صلى عليه ثانيا عند جامع كريم الدين ودفن بالقبيبات في أطراف العمارة على جادة الطريق عند والدته وحضر جنازته علام لا يحصيهم إلا الله مع بعد المسافة وعدم علم أكثر الناس بوفاته وازدحموا على حمله للتبرك به وختم عند قبره ختمات كثيرة وصلى عليه أمم ممن فاتته الصلاة على قبره ورؤيت له منامات صالحة في حياته وبعد موته انتهى وفيها شمس الدين شمس بن عطاء الهروي الرازي الأصل القاضي (7/189) ________________________________________ 190 الشافعي كان يكتب أيام قضائه محمد بن عطا قال ابن حجر كان شيخا ضخما طوالا أبيض اللحية مليح الشكل إلا أن في لسانه مسكة وقال الحافظ تاج الدين محمد بن الغرابيلي ما نصه كما نقله عنه البرهان البقاعي محمد بن عطا شمس الدين أبو عبد الله الهروي شيخنا الإمام العالم أحد عجائب الوقت في كل أموره حتى في كذبه وزوره ولم ير مثل نفسه ولا والله ما رأى من أهل عصره أحد مثله في كل شيء من العلوم الظلم والمخرقة ولولا أني كنت أشاهد جوارحه في كل وقت لقلت أنه شيطان خرج إلى الناس في زي إنسان أفردت ترجمة تشتمل على عجائبه في نحو كراسة مات رحمه الله وأرضى عنه خصومه يوم الإثنين بعد الفجر تاسع عشر ذي الحجة من جمرة طلعت بين كتفيه وصلى عليه بعد الظهر بالمسجد الأقصى وحمل إلى تربة ماملا فدفن إلى جوار شيخنا العلامة أحد الزهاد عمر البلخي رحمه الله تعالى انتهى بحروفه وفيها علاء الدين أبو الحسن علي بن عبد الله بن محمد بن الحسين بن علي بن إسحق بن سلام بن عبد الوهاب بن الحسن بن سلام الدمشقي الشافعي ولد سنة خمس أو ست وخمسين وسبعمائة وحفظ القرآن والتنبيه والألفية ومختصر ابن الحاجب وتفقه على علاء الدين بن حجي وابن قاضي شهبة وغيرهما وأخذ الأصول عن الضيا القرمي وارتحل إلى القاهرة فقرأ المختصر على الركراكي وكان يطريه حتى كان يقول يعرفه أكثر من مصنفه فاشتهر وتميز ومهر وأصيب في الفتنة الكبرى بماله وفي يده بالحرق وأسروه فسار معهم إلى ماردين ثم انفلت منهم وقرره ابن حجي في الظاهرية البرانية ونزل له التاج الزهري عن العذراوية ودرس بالركنية وكان يقرىء في الفقه والمختصر أقراء حسنا وله يد في الأدب والنظم والنثر وكان بحثه أقوى من تقريره وكان مقتصدا في ملبسه وغيره شريف النفس حسن (7/190) ________________________________________ 191 المحاضرة ينسب إلى نصرة مقالة ابن العربي وكان يطلق لسانه في جماعة من الكبار واتفق أنه حج في هذه السنة فلما رد من الحج والزيارة مات في وادي بني سالم في أواخر ذي الحجة وحمل إلى المدينة فدفن بالبقيع وقد شاخ وفيها سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن فارس المصري الحنفي المعروف بقاري الهداية قال في المنهل شيخ الإسلام وعلم زمانه ولد بالحسينية ظاهر القاهرة ونشأ بالقاهرة وحفظ القرآن العظيم وطلب العلم وتفقه بجماعة من علماء عصره وجد ودأب حتى برع في الفقه وأصوله والنحو والتفسير وشارك في عدة علوم وصار إمام عصره ووحيد دهره وتصدى للأقراء والتدريس والفتوى عدة سنين وانتهت إليه رياسة السادة الحنفية في زمانه وانتفع به غالب الطلبة وصار المعول عليه في الفتوى بالديار المصرية وشاع ذكره وبعد صيته وتولى عدة مدارس ووظائف دينية وكان مهابا وقورا أوقاته مقسمة للطلبة وعلى دروسه خفر ومهابة هذا مع اطراح الكلفة والاقتصاد في ملبسه والتعاطي لشراء ما يحتاج من الأسواق بنفسه وكان يسكن بين القصرين ويذهب لتدريس الشيخونية على حمار ولم يركب الخيل انتهى ملخصا وفيها كمال الدين أبو الفضل محمد بن أحمد بن ظهيرة المخزومي المكي الشافعي ابن عم الشيخ جمال الدين محمد ولد في ربيع الأول سنة ست وخمسين وسبعمائة وسمع من عز الدين بن جماعة والشيخ خليل المالكي والموفق الحنبلي وابن عبد المعطي وناب في الخطابة وحدث وأضر بآخره وتوفي في صفر وفيها القاضي جمال الدين يوسف بن خالد بن أيوب الحفناوي بفتح الحاء المهملة وسكون الفاء ونون نسبة إلى حفنا قرية بمصر الشافعي نشأ بحلب وقرأ الفقه على ابن أبي الرضى وقرأ عليه القراآت ثم سافر إلى ماريدين فأخذ (7/191) ________________________________________ 192 عن زين الدين سريجا وولي قضاء ملطية مدة ثم دخل القاهرة وتولى قضاء حلب ثم قضاء طرابلس ثم كتابة السر بصفد وكان حسن الشكل فائق الخط قوي النظم وتوفي بطرابلس في ثالث عشر المحرم سنة ثلاثين وثمانمائة في عاشر جمادى الآخرة منها قبض على تغرى بردى المحمودي وهو يومئذ رأس نوبة وهو يلعب مع السلطان بالأكرة في الحوض وذكر أن ذنبه أنه اختلس من أموال قبرس وشيع في الحال إلى الأسكندرية مقيدا ومن عجائب ما اتفق له في تلك الحال أن شاهد ديوانه شمس الدين محمد بن الشامية لحقه قبل أن يصل إلى البحر فقال له وهو يبكي يا خوند هل لك عندي مال وقصد أن يقول لا فينفعه ذلك بعده عند السلطان وغيره فكان جوابه له أنا لا مال لي بل للسلطان فلما سمعها ابن الشامية دق صدره واشتد حزنه وسقط ميتا من غير ضعف ولا علة قاله ابن حجر وفيها توفي شهاب الدين أحمد بن يوسف الزعيفريني الدمشقي ثم القاهري قال ابن حجر كان أديبا بارعا وفيها شهاب الدين أحمد بن موسى بن نصير المتبولي الشافعي القاضي أحد نواب الحكم قال افي المنهل ولد في حدود سنة خمس وأربعين وسبعمائة وكان فقيها محدثا سمع الكثير وحدث عن محمد بن أزبك وعمر بن أميلة وست العرب وآخرين وتوفي يوم الأربعاء ثاني ربيع الأول انتهى وفيها أويس بن شاه در بن شاه زاده بن أويس صاحب بغداد قتل في الحرب بينه وبين محمد شاه بن قرا يوسف واستولى محمد شاه على بغداد مرة أخرى وفيها الملك المنصور عبد الله بن الناصر أحمد بن الأشرف صاحب اليمن (7/192) ________________________________________ 193 توفي في جمادى الأولى واستقر بعده الأشرف إسمعيل بن الناصر أحمد وفيها نجم الدين أبو الفتوح عمر بن حجي بن موسى بن أحمد بن سعد السعدي الحسباني الأصل الدمشقي الشافعي ولد بدمشق سنة سبع وستين وسبعمائة وقرأ القرآن ومات والده وهو صغير فحفظ التنبيه في ثمانية أشهر وحفظ كثيرا من المختصرات وأسمعه أخوه الشيخ شهاب الدين من ابن أميلة وجماعة واستجاز له من جماعة وسمع هو بنفسه من جماعة كثيرة وأخذ العلم عن أخيه وابن الشريشي والزهري وغيرهم ودخل مصر سنة تسع وثمانين فأخذ عن ابن الملقان والبدر الزركشي والعز بن جماعة وغيرهم وأذن له ابن الملقن ولازم الشرف الأنطاكي قال ابن حجر تعلم العربية وكان قليل لاستحضار إلا أنه حسن الذهن جيد التصرف وحج سنة ست وثمانين ثم ولي إفتاء دار العدل سنة اثنتين وتسعين وجرت له كائنة مع الباعوني هو والغزي وغيرهما فضربهم وطوفهم وسجنوا بالقلعة وذلك في رمضان سنة خمس وتسعين ثم حج سنة تسع وتسعين وجاور وولي قضاء حماة مرتين ثم قضاء الشام مرارا وقال في المنهل ثم طلب لقضاء الديار المصرية فامتنع ولما كانت دولة الأشرف برسباي طلبه إلى الديار المصرية وخلع عليه باستقراره في كتابة السر في حادي عشر جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين وثمانمائة وباشر ذلك بتجمل وحزمة وافرة وعدم التفات إلى رفقته من مباشري الدولة فعمل عليه بعضهم حتى عزل وأخرج من القاهرة وعلى وجه شنع في جمادى الآخرة سنة ثمان وعشرين إلى دمشق ثم جهز غليه تقليد بقضاء دمشق فباشر وكان حاكما صارما مقداما رئيسا فاضلا ذا حرمة وإحسان لأهل العلم والخير واستمر قاضيا إلى أن قتل ببستانه في النيرب خارج دمشق ولم تدر زوجته إلا وهو يضطرب في دمه وذلك في ليلة الاحد مستهل ذي القعدة ولم يعرف قاتله (7/193) ________________________________________ 194 وفيها فتح الدين عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمود بن غازي بن أيوب بن محمود بن ختلو الحلبي بن الشحنة أخو العلامة محب الدين الحنفي كان أصغر سنا من أخيه واشتغل كثيرا في الفقه وناب عن أخيه في الحكم ثم تحول بعد الفتنة العظمى مالكيا وولي القضاء ثم عزل وحصل له نكد لاختلاف الدول ثم عاد إلى القضاء مرارا قال القاضي علاء الدين الحلبي رافقته في القضاء وكان صديقي وصاحبي وعنده مروءة وحشمة وأنشد له من نظمه ( لا تلوموا الغمام إن صب دمعا * وتوالت لأجله الأنواء ) ( فالليالي أكثرن فينا الرزايا * فبكت رحمة علينا السماء ) وفيها تاج الدين أبو عبد الله محمد بن المحدث عماد الدين إسمعيل بن محمد بن نصر بن بردس بن رسلان البعلبكي الحنبلي ولد يومالسبت تاسع عشرى جمادى الآخرة سنة خمس وأربعين وسبعمائة ببعلبك وسمع من والده وأسمعه أيضا من عدة منهم أبو عبد الله بن الخباز سمع منه صحيح مسلم وجزء ابن عرفة وهو آخر من حدث عنه وسمع من أبي عبد الله محمد بن يحيى بن السعر جميع مسند الإمام أحمد وتفرد برواية المسند عنه ومن ابن الجوخي وابن أميلة وجماعة من أصحاب ابن البخاري وحدث ورحل الناس إليه وانتفع به جماعة منهم الشيخ تقي الدين بن قندس وكان ملازما للاشغال في العلم ورواية الحديث ولا يخل بتلاوة القرآن مع قراءته لمحفوظاته وكان طلق الوجه حسن الملتقى كثير البشاشة ذا فكاهة ولين مع عبادة وصلاح وصلابة في الدين مبالغا في حب الشيخ تقي الدين بن تيمية وكان كثير الصدقة سرا ملازما لقيام الليل وله نظم ونثر ومن نظمه ما كتب على استدعاء إجازته لجماعة ( أجزت للأخوان ما قد سألوا * مولهم رب العلي في الأثر ) (7/194) ________________________________________ 195 ( وذاك بالشرط الذي قرره * أئمة النقل رواة الأثر ) وتوفي ببعلبك في شوال وفيها بدر الدين محمد بن إبراهيم بن محمد الدمشقي الأصل البشتكي كان أبوه فاضلا فنزل بخانقاه بشتاك الناصري فولد له بدر الدين هذابها وكان جميل الصورة فنشأ محبا في العلم وحفظ القرآن وعدة مختصرات وتعانى الأدب فمهر فيه ولازم ابن أبي حجرة وابن الصايغ ثم قدم ابن نباتة فلازمه ثم رافق جلال الدين بن خطيب داريا وأخذ عن البهاء السبكي وغيره قال ابن حجر وبالجملة كان عديم النظير في الذكاء وسرعة الإدراك إلا أنه تبلد ذهنه بكثرة النسخ سمعت منه كثيرا من شعره وفوائده ومن نظمه ( وكنت إذا الحوادث دنستي * فزعت إلى المدامة والنديم ) ( لأغسل بالكؤوس الهم عني * لأن الراح صابون الهموم ) وكانت وفاته فجأة دخل الحمام فمات في الحوض يوم الإثنين ثالث عشرى جمادى الآخرة وفيها شمس الدين محمد بن خالد بن موسى الحمصي القاضي الحنبلي المعروف بابن زهرة بفتح الزاي أول حنبلي ولي قضاء حمص كان أبوه خالد شافعيا فيقال أن شخصا رأى النبي وقال له أن خالدا ولد له ولد حنبلي فاتفق أنه كان ولد له هذا فشغله لما كبر بمذهب الحنابلة وقرأ على ابن قاضي الجبل وزين الدين بن رجب وغيرهما وولي قضاء حمص وفيها تقي الدين محمد بن عبد الواحد بن العماد محمد بن القاضي علم الدين أحمد بن أبي بكر الأخنائي المالكي نائب الحكم قال ابن حجر كان من خيار القضاة مات في سادس ذي الحجة بمكة وكان قد جاور بها في هذه السنة انتهى (7/195) ________________________________________ 196 وفيها محي الدين أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن الإمام أبي حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الشافعي الطوسي قدم من بلاده إلى حلب في شهر رمضان من هذه السنة بعد أن كان دخل الشام قديما وسمع من مسند الوقت ابن أميلة وحدث عنه في هذه القدمة قال في ذيل تاريخ حلب رأيت أتباعه يذكرون عنه علما كثيرا وزهدا وورعا وأخبر عنه بعض الطلبة أنه حج مرارا منها واحدة ماشيا على قدم التجريد وكان معظما في بلاده وأخذ عنه إبراهيم بن علي الزمزمي المكي وتوفي بحلب في العشر الأخير من شهر رمضان وكانت جنازته مشهودة انتهى والله أعلم سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة فيها ولد السخاوي تلميذ ابن حجر وفيها توفي شمس الدين محمد بن أحمد بن موسى بن عبد الله الكفيري الشافعي العجلوني الأصل ثم الدمشقي ولد في العشر الأول من شوال سنة سبع وخمسين وسبعمائة وحفظ التنبيه وأخذ عن ابن قاضي شهبة وغيره ولازم الشيخ شمس الدين الغزي مدة طويلة واشتهر بحفظ الفروع وكتب بخطه الكثير وناب في الحكم وولي بعض التداريس وحج مرارا وجاور وولي مرة قضاء الركب وجمع شرحا على البخاري في ست مجلدات وكان قد لخص شرح ابن الملقن وشرح الكرماني ثم جمع بينهما وسمع علي بن أميلة وابن قوالح وابن المحب وابن عوض وخلائق وصنف عين النبيه في شرح التنبيه واختصر الروض الأنف للسهيلي وسماه زهر الروض وتوفي في ثالث عشر المحرم وفيها تاج الدين أبو حامد محمد بن بهادر بن عبد الله قال البرهان البقاعي (7/196) ________________________________________ 197 الإمام العلامة القدوة سبط ابن الشهيد كان يعرف علوما كثيرة ويحل أي كتاب قرىء عليه سواء كان عنده له شرح أم لا وكان فصيح العبارة حسن التقرير صحيح الذهن دينا شديد الانجماع عن الناس مع خفة الروح ولطافة المزاج والصبر على الطلبة وعدم الميل إلى الدنيا وكثرة التلاوة لكتاب الله تعالى وإيثار العزلة والانقطاع في الجامع مع التجمل في اللباس والهيئة وتوفي صبح يوم الثلاثاء تاسع شهر رمضان بدمشق عن ثلاث وثلاثين سنة ولم أر جنازة أحفل من جنازته ووالله لم يحصل لي بأحد من النفع ما حصل لي به انتهى ملخصا وفيها شمس الدين محمد بن عبد الدايم بن عيسى بن فارس البرماوي الشافعي ولد في نصف ذي القعدة سنة ثلاث وستين وسبعمائة وكان اسم والده فارسا فغيره البرماوي وتفقه وهو شاب وسمع من إبراهيم بن إسحق الآمدي وعبد الرحمن بن القاري وغيرهما قال الحافظ تاج الدين بن الغرابيلي الكركي ما نصه هو أحد الأئمة الأجلاء والبحر الذي لا تكدره الدلاء فريد دهره ووحيد عصره ما رأيت أقعد منه بفنون العلوم مع ما كان عليه من التواضع والخير وصنف التصانيف المفيدة منها شرح البخاري شرح حسن ولخص المهمات والتوشيح ونظم الفية في أصول الفقه لم يسبق إلى مثل وضعها وشرحها شرحا حافلا نحو مجلدين وكان يقول أكثر هذا الكتاب هو جملة ما حصلت في طول عمري وشرح لأمية ابن مالك شرحا في غاية الجودة واختصر السيرة وكتب الكثير وحشى الحواشي المفيدة وعلق التعاليق النفيسة والفتاوى العجيبة وكان من عجائب دهره جاور بمكة سنة ثم قدم إلى القاهرة فوافى موت شيخنا شمس بن عطا الهروي فولي الصلاحية وقدم القدس فأقام بها قريب سنة غالبها ضعيف بالقرحة وتوفي بها يوم الخميس ثامن عشرى أحد الجمادين ودفن بتربة ماملا بجوار (7/197) ________________________________________ 198 الشيخ أبي عبد الله القرشي انتهى وكان بينه وبين ابن حجر نوع وقفة والله أعلم سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة فيها توفي أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن أبي بكر بن عبد الوهاب المرشدي المكر أخو محمد وعبد الواحد قال ابن حجر ولد سنة ستين وسبعمائة وسمع من محمد بن أحمد بن عبد المعطي صحيح ابن حبان ومن عبد الله بن أسعد اليافعي صحيح البخاري ومن عز الدين بن جماعة وغيرهم وأجاز له الصلاح ابن أبي عمر وابن أميلة وابن هبل وابن قواليح وغيرهم وحدث وتوفي بمكة يوم الخميس رابع ذي القعدة وفيها شهاب الدين أبو العباس محمد بن عمر بن أحمد وقيل عبد الله المعروف بالشاب التائب الشافعي قال في المنهل الصافي الفقيه الشافعي الواعظ المذكر بالله تعالى مولده بالقاهرة في حدود الستين وسبعمائة وبها نشأ وطلب العلم وتفقه ومال إلى التصوف وطاف البلاد وحج مرارا ودخل اليمن مرتين والعراق والشام وكثيرا من البلاد الشرقية وكان ماهرا في الوعظ وللناس فيه اعتقاد زائد وبنى زوايا بعدة بلاد كمصر والشام وغيرهما واستوطن دمشق فمات بها يوم الجمعة ثامن عشر رجب انتهى ملخصا وفيها نور الدين علي بن عبد الله قال في المنهل الشيخ الأديب المعتقد النحريري المولد والمنشأ والدار والوفاة الشهير بابن عامرية كان أديبا شاعرا فاضلا وأكثر شعره في المدائح النبوية توفي بالنحريرية في يوم الخميس سادس عشر ربيع الآخر وفيها شمس الدين محمد بن إبراهيم بن عبد الله الشطنوفي بفتح الشين المعجمة وتشديد الطاء المهملة نسبة إلى شطنوف بلد بمصر النحوي قال السيوطي ولد بعد الخمسين وسبعمائة وقدم القاهرة شابا واشتغل بالفقه ومهر (7/198) ________________________________________ 199 في العربية وتصدر بالجامع الطولوني في القراآت وفي الحديث بالشيخونية وانتفع به الطلبة وسمع الحديث وحدث ولم يرزق الإسناد العالي وكان كثير التواضع مشكور السيرة أخذ عنه النحو جماعة منهم شيخنا تقي الدين الشمني وحدثنا عنه خلق منهم شيخنا علم الدين البلقيني وتوفي ليلة الإثنين سادس عشر ربيع الأول وفيها الحافظ تقي الدين أبو الطيب محمد بن أحمد بن علي الفاسي ثم المكي المالكي مفيد البلاد الحجازية وعالمها ولد سنة خمس وسبعين وسبعمائة وأجاز له بإفادة الشيخ نجم الدين المرجاني بن عوض وابن السلار وابن المحب وجماعة من الدماشقة وعنى بالحديث فسمع بعد التسعين من جماعة ببلده ورحل إلى القاهرة والشام مرارا وولي قضاء بلده للمالكية وهو أول مالكي ولي القضاء بها استقلالا وصنف أخبار مكة وأخبار ولاتها وأخبار من نبل بها من أهلها وغيرهم عدة مصنفات طوال وقصار وذيل على العبر للذهبي وعلى التقييد لابن نقطة وعمل الأربعين المتباينة وفهرست مروياته وكان لطيف الذات حسن الأخلاق عارفا بالأمور الدينية والدنيوية له تمور ودهاء وتجرية وحسن عشرة وحلاوة لسان يخلب القلوب بحسن عبارته ولطيف إشارته قال ابن حجر رافقني في السماع كثيرا بمصر والشام واليمن وغيرها وكنت أوده وأعظمه وأقوم معه في مهماته ولقد ساءني موته وأسفت على فقد مثله فلله الأمر وكان قد أصيب ببصره وله في ذلك أخبار ومكن من قدحه فما أطاق ذلك ولا أفاده انتهى ومن مصنفاته العقد الثمين في أخبار البلد الأمين وغاية المرام في أخبار البلد الحرام وتوفي بمكة في رابع شوال وفيها ناصر الدين محمد بن عبد الوهاب بن محمد البارنباري بالباء الموحدة وبعد الألف راء ثم نون ثم موحدة نسبة إلى بارنبار قرية قرب دمياط الشافعي النحوي قال السيوطي ولد قبيل سبعين وسبعمائة وقدم القاهرة (7/199) ________________________________________ 200 فاشتهر ومهر في الفقه والعربية والحساب والعروض وغير ذلك وتصدر بالجامع الأزهر تبرعا ودرس وأفتى مدة وأقرأ وخطب وناب في الجمالية عن حفيد الشيخ ولي الدين العراقي ثم انتزعها منه الشيخ شمس الدين البرماوي وأصابه فالج أبطل نصفه واستمر موعكا إلى أن مات ليلة الأحد حادي عشر ربيع الأول وفيها محمد ويدعى الخضر بن علي بن أحمد بن عبد العزيز بن القسم النويري الشافعي ولد في ربيع الآخر سنة اثنتين وستين وسبعمائة وتفقه قليلا وأسمع على العز بن جماعة وابن حبيب وابن عبد المعطي والأميوطي ومن بعدهم وأجاز له البهاء بن خليل والجمال الأسنوي وأبو البقاء السبكي وغيرهم وناب في الحكم عن قريبه عز الدين بن محب الدين وولي قضاء المدينة مدة يسيرة ولم يصل إليها بل استناب ابن المطري وصرف وكان ضخما جدا وانصلح بآخره وهو والد أبي اليمن خطيب الحرم وتوفي في رابع عشر ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة فيها كما قال البرهان البقاعي أخبرني الفاضل البارع بدر الدين حسين البيري الشافعي أنه سكن آمد مدة وأنها أمطرت بها ضفادع وذلك في فصل الصيف وأخبرني أن ذلك غير منكر في تلك الناحية بل هو أمر معتاد وأن الضفادع تستمر إلى زمن الشتاء فتموت وأخبرني أن أهل المدينة وهي آمد أخبروه أنها أمطرت عليهم مرة حيات ومرة أخرى دما انتهى وفيها كان الغلاء الشديد بحلب ودمشق والطاعون المفرط بدمشق وحمص ومصر حتى قال ابن حجر ركب أربعون فسا مركبا يقصدون الصعيد فما وصلت إلى الميمون حتى مات الجميع وأن ثمانية عشر صيادا اجتمعوا في مكان فمات منهم في يوم واحد أربعة عشر فجهزهم الأربعة فمات منهم وهم (7/200) ________________________________________ 201 مشاة ثلاثة فلما وصل بهم الآخر إلى المقبرة مات انتهى وفيها مات صاحب الحبشة إسحق بن داود بن سيف أرغد الحبشي الأمحري توفي في ذي القعدة وكانت ولايته إحدى وعشرين سنة وأقيم بعده ولده اندراس فملك أربعة أشهر وهلك فأقيم عمه خرنباي ابن داود فهلك في سبعة أشهر فأقيم سلمون بن إسحق بن داود المذكور فهلك سريعا فأقيم بعده صبي صغير إلى أن هلك في طاعون سنة تسع وثلاثين وفيها صارم الدين إبراهيم بن ناصر الدين بن الحسام الصقري نشأ طالبا للعلم فتأدب وتعلم الحساب والكتابة والأدب والخط البارع وولي حسبة القاهرة في أواخر أيام المؤيد وتوفي مطعونا في ثامن عشر جمادى الآخرة وفيها زين الدين أبو بكر بن عمر بن عرفات القمني الشافعي الشيخ الإمام العالم ولد بناحية قمن من ريف مصر وقدم القاهرة وتفقه بها على جماعة من علماء عصره وبرع في المذهب وصحب أعيان الأمراء فأثرى بعد فقر وتولى تدريس الصلاحية بالقدس الشريف ودرس بعدة مدارس وكتب على الفتاوى وأشغل وتوفي ليلة الجمعة ثالث عشر رجب عن نحو ثمانين سنة وفيها شهاب الدين أحمد بن علي بن إبراهيم بن عدنان الشريف الحسيني الدمشقي الأصل والمولد والمنشأ المصري الوفاة الشافعي ولد في سنة أربع وسبعين وسبعمائة ومع والده نقابة الأشراف قال ابن حجر وكان فيه جراءة وإقدام ثم ترقى بعد موت أبيه فولي نقابة الأشراف بدمشق ثم كتابة السر في سلطنة المؤيد ثم ولي القضاء بدمشق في سلطنة الأشرف انتهى وقال في المنهل تفقه على مذهب الشافعي وولي بدمشق عدة وظائف سنية وتكرر قدومه إلى القاهرة إلى أن طلبه الأشرف برسباي إلى الديار المصرية وولاه كتابة سرها فباشرها مباشرة حسنة وسار فيها أجمل سيرة على أنه لم تطل أيامه فإن قدومه إلى القاهرة كان في ذي الحجة سنة اثنين وثلاثين وتوفي (7/201) ________________________________________ 202 ليلة الخميس ثامن عشرى جمادى الآخرة بالطاعون وتولى كتابة السر بعده أخوه أبو بكر الملقب عماد الدين ولم تطل أيامه فمات ليلة الجمعة ثالث عشر رجب من هذه السنة بعد أخيه بسة عشر يوما قدم مصر لزيارة أخيه فطعن ومات وفيها شهاب الدين أبو العباس أحمد بن علي بن محمد بن عبد الله بن علي بن حاتم الشيخ الإمام الرحلة قاضي القاضة ابن الحبال البعلي الحنبلي ولد سنة تسع وأربعين وسبعمائة وتفقه وسمع الحديث وولي قضاء طرابلس ثم قضاء دمشق سنة أربع وعشرين وثمانمائة إلى أن صرف سنة اثنتين وثلاثين في شعبان بسبب ما اعتراه من ضعف البصر والارتعاش وكان مع ذلك كثير العبادة ملازما على الجمعة والجماعة منصفا لأهل العلم قال الشاب التائب كان أهل طرابلس يعتقدون فيه الكمال بحيث أنه لو جاز أن يبعث الله نبيا في هذا الزمان لكان هو توفي بطرابلس بعد قدومه إليها في يوم واحد وذلك في ربيع الأول وفيها صدر الدين أحمد بن محمود بن محمد بن عبد الله القيسري المعروف بابن العجمي الحنفي ولد سنة سبع وسبعين وسبعمائة بالقاهرة ونشأ بها واعتنى به أبوه في صغره وصلى بالناس التراويح بالقرآن أول ما فتحت الظاهرية سنة ثمان وثمانين وهو ابن إحدى عشرة سنة لم يكملها وبرع في الفقه والأصول والعربية وباشر التوقيع في ديوان الإنشاء ثم ولي الحسبة مرارا ونظر الجوالي وغير ذلك إلى أن تمت له عشر وظائف نفيسة وأفتى ودرس وكان كريما حسن المحاضرة متواضعا فصيحا بحاثا طلق اللسان مستحضرا ذكيا توفي بالطاعون يوم السبت رابع عشر رجب وفيها تاج الدين إسحق بن إبراهيم بن أحمد بن محمد التدمري الشافعي خطيب الخليل قال ابن حجر ذكر أنه عن قاضي حلب شمس الدين محمد بن (7/202) ________________________________________ 203 أحمد بن المهاجر وعن شيوخنا العراقي وابن الملقن وغيرهما وأجاز له ابن الملقن في الفقه ومات ليلة عيد رمضان انتهى وفيها أمير المؤمنين المستعين أبو الفضل العباس بن المتوكل بن المعتضد استقر في الخلافة بعهد من أبيه في رجب سنة ثمان وثمانمائة وقرر أيضا سلطانا مع الخلافة مدة إلى أن تسلطن المؤيد فعزله من الخلافة وقرر فيها أخاه داود ولقب المعتضد واعتقل المستعين بالأسكندرية فلم يزل بها إلى أن تكلم ططر في المملكة فأرسل في إطلاقه وأذن له في المجيء إلى القاهرة فاختار الاستمرار بالأسكندرية لأنه استطابها وحصل له مال كثير من التجارة إلى أن توفي بها شهيدا بالطاعون وخلف ولده يحيى وفيها جمال الدين عبد الله بن محب الدين خليل بن فرح بن سعيد القدسي الأصل الدمشقي البرماوي المعروف بالقلعي قال البرهان البقاعي هو شيخنا الرباني الصوفي العارفي كان إماما عارفا مسلكا مربيا قدوة ذا قدم راسخ في علم الباطن مشاركا في الفقه والنحو مشاركة جيدة استاذا في علم الكلام ذا حافظة قوية مفتوحا عليه في الكلام في الوعظ يحفظ حديثا كثيرا ويعزوه إلى مخرجيه وله مصنفات منها منار سبل الهدى وعقيدة أهل التقى بحثت عليه بعضه وأقمت عنده مدة بزاويته بالعقيبة الصغرى ومات بدمشق يوم الجمعة عاشر شهر ربيع الأول انتهى وفيها نسيم الدين عبد الغني بن جلال الدين عبد الواحد بن إبراهيم المرشدي المكي اشتغل كثيرا ومهر وهو صغير وأحب الحديث فسمع الكثير وحفظ وذاكر ودخل اليمن فسمع من الشيخ مجد الدين الفيروزبادي وكتب عن ابن حجر الكثير وتوفي مطعونا بالقاهرة وفيها علي بن عنان بن معافس بن رميثة بن أبي نمى الحسيني المكي الشريف ولي إمرة مكة مدة ودخل المغر ببعد عزله عنها فأكرمه أبو (7/203) ________________________________________ 204 فارس متولي تونس ثم عاد إلى القاهرة فتوفي بها مطعونا في ثالث جمادى الآخرة وكان عنده فضيلة ومعرفة ويحاضر بالأدب وغيره وفيها فاطمة بنت خليل بن أحمد بن محمد بن أبي الفتح الشيخة المسندة المعمرة الحنبلية الأصيلة بنت الشيخ صلاح الدين وهي بنت أخي قاضي القضاة ناصر الدين نصر الله بن أحمد الحنبلي شاركت الشيخ زين الدين القبابي في أكثر مروياته وهي التي ذكرها شيخ الإسلام ابن حجر في المشيخة المخرجة للقبابي التي سماها بالمشيخة الباسمة للقبابي وفاطمة توفيت في آخر يوم الجمعة الأول من جمادى الأولى بالقاهرة وصلى عليها باب النصر ودفنت هناك وفيها شمس الدين محمد بن أحمد بن سليمان الأذرعي الحنفي أخذ عن ابن الرضى والبدر المقدسي وتفقه حنفيا ثم بعد اللنك انتقل إلى مذهب الشافعي وولي قضاء بعلبك وغيرها ثم عاد حنفيا وناب في الحكم ودرس وأفتى وكان يقرىء البخاري جيدا ويكتب على الفتوى كتابة حسنة بخط مليح وتوجه إلى مصر في آخر عمره فعند وصوله طعن فمات غريبا شهيدا في جمادى الآخرة وفيها السلطان الصالح محمد ططر خلع في خامس عشر ربيع الأول سنة خمس وعشرين وأقام عند السلطان الملك الأشرف مكرما إلى أن طعن ومات في سابع عشرى جمادى الآخرة وفيها الحافظ شمس الدين أبو الخير محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف المعروف بابن الجزري الشافعي مقرىء الممالك الإسلامية ولد بدمشق ليلة السبت الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة إحدى وخمسين وسبعمائة وتفقه بها ولهج بطلب الحديث والقراآت وبرزقيهما وعمر للقراء مدرسة سماها دار القرآن واقرأ الناس وعين لقضاء الشام (7/204) ________________________________________ 205 مرة ولم يتم ذلك لعارض وقدم القاهرة مرارا وكان شكلا حسنا مثريا فصيحا بليغا وكان باشر عند قطلبك استادار ايتمش فاتفق أنه نقم عليه شيئا فتهدده ففر منه فنزل البحر إلى بلاد الروم في سنة ثمان وتسعين فاتصل بأبي يزيد بن عثمان فعظمه وأخذ أهل البلاد عنه علم القراآت وأكثروا عنه ثم كان فيمن حضر الوقعة مع ابن عثمان واللنكية فلما أسر ابن عثمان اتصل ابن الجزري باللنك فعظمه وفوض له قضاء شيراز فباشره مدة طويلة وكان كثير الإحسان لأهل الحجاز وأخذ عنه أهل تلك البلاد القراآت والحديث ثم اتفق أنه حج سنة اثنتين وعشرين فنهب ففاته الحج وأقام بينبع ثم بالمدينة المنورة ثم بمكة إلى أن حج ورجع إلى العراق ثم عاد سنة ست وعشرين وحج ودخل القاهرة سنة سبع فعظمه الملك الأشرف وأكرمه وحج في آخرها وأقام قليلا ودخل اليمن تاجرا فأسمع الحديث عند صاحبها ووصله ورجع ببضاعة كثيرة فدخل القاهرة في سنة سبع وأقام بها مدة إلى أن سافر على طريق الشام ثم على طريق البصرة إلى أن وصل شيراز قال ابن حجر وقد انتهت إليه رياسة علم القراآت في الممالك وكان قديما صنف الحصن الحصين في الأدعية ولهج به أهل اليمن واستكثروا منه وسمعوه على قبل أن يدخل هو إليهم فأسمعهم وحدث بالقاهرة بمسند أحمد ومسند الشافعي وغير ذلك وسمع بدمشق وبمصر من ابن أميلة وابن الشيرجي ومحمود بن خليفة وعماد الدين بن كثير وابن أبي عمر وخلائق وبالأسكندرية من عبد الله بن الدماميني وببعلبك من أحمد بن عبد الكريم وطلب بنفسه وكتب الطباق وعنى بالنظم وكانت عنايته بالقراآت أكثر وذيل طبقات القراء للذهبي وأجاد فيه ونظم قصيدة في قراآت الثلاثة وجمع النشر في القراآت العشر وقد سمعت بعض العلماء يتهمه بالمجازفة في القول وأما الحديث فما أظن ذلك به إلا أنه كان إذا رأى للعصريين شيئا أغار عليه ونسبه لنفسه وهذا أمر (7/205) ________________________________________ 206 قد أكثر المتأخرون منه ولم ينفرد به وكان يلقب في بلاده الإمام الأعظم ولم يكن محمود السيرة في القضاء وأوقفني بعض الطلبة من أهل تلك البلاد على جزء فيه أربعون حديثا عشاريات فتأملتها فوجدته خرجها بأسانيده من جزء الأنصاري وغيره وأخذ كلام شيخنا العراقي في أربعينه العشاريات انتهى باختصار وبالجملة فإنه كان عديم النظير طائر الصيت انتفع الناس بكتبه وسارت في الآفاق مسير الشمس وتوفي بشيراز في ربيع الأول ودفن بمدرسته التي بناها بها رحمه الله تعالى وفيها جلال الدين نصر الله بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسمعيل المعروف بالشيخ نصر الله العجمي الحنفي الأنصاري البخاري الروياني الكحوري ولد بكحول إحدى قرى رويان من بلاد العجم سنة ست وستين وسبعمائة تقريبا ونسبته إلى أنس بن مالك وتجرد وبرع في علم الحكمة والتصوف وشارك في الفنون وكتب الخط الفائق ودخل القاهرة على قدم التجريد وصحب الأمراء والأكابر وحصل له قبول زائد ونالته السعادة وجمع الكتب النفيسة وكان يتكلم في علم التصوف على طريقة ابن عربي وفاق في علم الحرف وما أشبهه قال ابن تغرى بردى وكانت له تصانيف كثيرة في عدة فنون وصنع مرة للوالد خاتما يضعه على الثعبان فيفر منه أو يموت فأعجب به الوالد إعجابا كثيرا وأنعم عليه برزقة في بر الجيزة نحو مائة فدان وأظنها إلى الآن وقفا على زاويته بقرب خان الخليلي وكانت له وجاهة في الدولة ولم يزل وافر الحرمة إلى أن توفي بالقاهرة ليلة الجمعة سادس رجب ودفن ببيته وأوصى أن يكون زاوية فوقع ذلك وفتح لها شباك على الطريق بالقرب من خان الخليلي وفيها القاضي تقي الدين يحيى بن العلامة شمس الدين محمد بن يوسف الكرماني البغدادي ولد في رجب سنة اثنين وستين وسبعمائة وسمع من أبيه وغيره ونشأ ببغداد وتفقه بأبيه وغيره وشارك في عدة علوم وقدم (7/206) ________________________________________ 207 القاهرة هو وأخوه في حدود الثمانمائة بشرح أبيهما على البخاري فابتهج الناس به وكتبت منه نسخ عديدة وعرف تقي الدين هذا بالفضيلة وتقرب غاية التقرب من السلطان شيخ في خال إمارته وسلطنته وكان عالما فاضلا شرح البخاري ومسلم واختصر الروض الأنفق وله مصنف في الطب وغير ذلك وتوفي بالقاهرة في الطاعون يوم الخميس ثامن جمادى الآخرة قاله في المنهل وفيها نظام الدين يحيى بن يوسف وقيل سيف وهو الأشهر ابن عيسى السيرامي الأصل والمولد المصري الدار والوفاة الحنفي شيخ الشيوخ بمدرسة الظاهر برقوق وابن شيخها قدم مع والده وإخوته في السابعة من عمره إلى القاهرة عبد موت العلاء السيرامي ونشأ بالقاهرة تحت كنف والده وبه تفقه حتى برع في الفقه والأصلين واللغة والعربية والمعاني والبيان والجبر والمقابلة والمنطق والطب والحكمة والهندسة والهيئة وشارك في عدة فنون وتصدر للافتاء والتدريس والاشغال عدة سنين وتفقه به جماعة من أعيان الناس وانتفعوا به في المعقول والمنقول وكان إماما دينا وافر الحرمة مهابا وقورا معظما في الدول محببا للملوك كثير الخير حاد الذهن جيد التصور مليح الشكل فصيح العبارة بحاثا مناظرا مقداما شهما قويا في ذات الله كثير العبادة توفي بالقاهرة في الطاعون في جمادى الآخرة وفيها يعقوب بن إدريس بن عبد الله الشهير بقرا يعقوب الرومي الحنفي النكدي نسبة إلى نكدة من بلاد ابن قرمان ولد سنة تسع وثمانين وسبعمائة واشتغل في بلاده ومهر في الأصول والعربية والمعاني والبيان وكتب على المصابيح شرحا وعلى الهداية حواشي ودخل البلاد الشامية وحج سنة تسع عشرة ثم رجع وأقام بلارندة يدرس ويفتي ثم قدم القاهرة فاجتمع بمدبر المملكة ططر فأكرمه إكراما زائدا ووصله بمال جزيل فاقتنى كتبا كثيرة ورجع إلى بلاده فأقام بلارندة إلى أن مات في شهر ربيع الأول بها (7/207) ________________________________________ 208 سنة أربع وثلاثين وثمانمائة فيها توفي مجد الدين إسمعيل بن أبي الحسن علي بن محمد البرماوي المصري الشافعي ولد في حدود الخمسين وسبعمائة ودخل القاهرة وقديما وأخذ عن المشايخ وسمع ومهر في الفقه والفنون وتصدى للتدريس وخطب بجامع عمرو بمصر وتوفي في نصف ربيع الآخر وفيها شرف الدين أبو محمد عبد الله بن القاضي شمس الدين محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج الراميني ثم الدمشقي الحنبلي الإمام علامة الزمان شيخ المسلمين قال ابن حجر ولد في ربيع الأول سنة خمسين وسبعمائة وتوفي أبوه وهو صغير فحفظ القرآن وصلى به وكان يحفظه إلى آخر عمره ويقوم به في التراويح في كل سنة بجامع الأفرم وله محفوظات كثيرة منه المقنع في الفقه يستحضر غالب فروع والده أستاذا في الأصول بارعا في التفسير والحديث مشاركا فيما سوى ذلك وكان شيخ الحنابلة بالمملكة الإسلامية وأثنى عليه أئمة عصره كالبلقيني والديري وسمع من جده لأمه جمال الدين المرداوي وابن قاضي الجبل وغيرهما وأفتى ودرس وناظر وأشغل وتوفي ليلة الجمعة ثاني ذي القعدة ودفن عند والده وإخوته بالروضة وفيها وحيد الدين عبد الرحمن بن الجمال المصري ولد بزبيد وتفقه وتزوج بنت عمه النجم المرجاني وقطن مكة وأشغل الناس بها في الفقه واشتهر بمعرفته وتوفي في سابع عشر رجب وفيها سراج الدين عمر بن منصور بن عبد الله البهادري الحنفي أحد خلفاء الحكم بالقاهرة ولد سنة اثنتين وستين وسبعمائة وكان إماما بارعا في (7/208) ________________________________________ 209 الفقه والنحو واللغة انتهى إليه الرياسة في علم الطب وتقدم على أقرانه في ذلك لغزير حفظه وكثرة استحضاره ونقول أقوال الحكماء قديما وحديثا وكان شيخا معتدل القامة مصفر اللون جدا وكان مع تقدمه في علم الطب غير ماهر بالمداواة يفوقه أقل تلامذته لقلة مباشرته لذلك فإنه لم يتكسب بهذه الصناعة وناب في الحكم وتوفي يوم السبت ثاني عشر شوال ولم يخلف بعده مثله وفيها شمس الدين محمد بن الحسن بن محمد الحسني الحصني ابن أخي الشيخ تقي الدين الشافعي اشتغل على عمه ولازم طريقته في العبادة والتجرد ودرس بالشامية وقام في عمارة البادرائية وكان شديد التعصب على الحنابلة وتوفي في ربيع الأول وفيها شمس الدين محمد بن حمزة بن محمد بن محمد الرومي بن الفنري بالفاء والراء المهملة بالنسبة إلى صنعة الفنيار الحنفي قال السيوطي كان عارفا بالعربية والمعاني والقراآت كثير المشاركة في الفنون ولد في صفر سنة إحدى وخمسين وسبعمائة وأخذ عن العلامة علاء الدين الأسود شارح المغنى والجمال محمد بن محمد بن محمد بالأقصرائي ولازم الاشتغال ورحل إلى مصر وأخذ عن الشيخ أكمل الدين وغيره ثم رجع إلى الروم فولي قضاء برصة وارتفع قدره عند ابن عثمان جدا واشتهر ذكره وشاع فضله وكان حسن السمت كثير الفضل والأفضال غير أنه لعاب بنحلة ابن العربي وبأقراء الفصوص ولما دخل القاهرة لم يتظاهر بشيء من ذلك واجتمع به فضلاء العصر وذاكروه وباحثوه وشهدوا له بالفضيلة ثم رجع وكان قد أثرى وصنف في الأصول كتابا أقام في عمله ثلاثين سنة وأقرأ العضد نحو العشرين مرة وأخذ عنه ولازمه شيخنا العلامة الكافيجي وكان يبالغ في الثناء عليه ومات في رجب انتهى كلام السيوطي وفيها محمد بن الشيخ بدر الدين الحمصي المعروف بابن العصياني قال ابن (7/209) ________________________________________ 210 حجر اشتغل كثيرا وكان في أول أمره جامد الذهن ثم اتفق أنه سقط من مكان فانشق رأسه نصفين ثم عولج فالتأم فصار حلفظة ومهر في العلوم العقلية وغيرها وكان يرجع إلى دين وينكر المنكر ويوصف بحدة ونقص عقل مات في صفر انتهى وفيها قاضي القضاة نور الدين أبو الثناء محمود بن أحمد بن محمد الهمداني الفيومي الشافعي المعروف بابن خطيب الدهشة أصله من الفيوم وولد والده بالفيوم وكان يعرف بابن ظهير ثم رحل إلى حماة واستوطنها وولي خطابة الدهشة وولد له ابنه هذا في حدود سنة خمسين وسبعمائة وبها نشأ وحفظ القرآن الكريم وعدة متون وتفقه على جماعات من علماء حماة وغيرهم وبرع في الفقه والعربية والأصول واللغة وغير ذلك وأفتى ودرس مع الدين المتين والورع والعفة واشتهر ذكره وعظم قدره وانتفع به عامة أهل حماة إلى أن نوه بذكره القاضي ناصر الدين بن البارزي كاتب السر بالديار المصرية عند الملك المؤيد شيخ فولاه قضاء حماة وحسنت سيرته وأظهر في ولايته من العفة والصيانة ما هو مشهو رعنه ودام في الحكم إلى أن صرف في دولة الأشرف برسباي فلزم داره على أجمل طريقة وأخذ في الأقراء والاشغال ومن تصانيفه مختصر القوت للأذرعي في أربع مجلدات سماه لباب القوت وتكملة شرح منهاج النووي في الفقه للسبكي في ثلاث عشرة مجلدة وكتاب التحفة في المبهمات وكتاب تحرير الحاشية في شرح الكافية لابن مالك في النحو ثلاث مجلدات وكتاب تهذيب المطالع في اللغة الواردة في الصحيحين والموطأ ست مجلدات واختصره في جزءين وسماه التقريب ومنظومة في صناعة الكتابة نحو تسعين بيتا وشرحها وكتاب اليواقيت المضية في المواقيت الشرعية وغير ذلك ومن شعره ( غصن النقا لا تحكه * فما له في ذا شبه ) ( فرامه قلت اتئد * ما أنت إلا حطبه ) (7/210) ________________________________________ 211 ومنه ( وصل حبيب خبر * لأنه قد رفعه ) ( بنصب قلبي غرضا * إذ صار مفعولا معه ) وتوفي بحماة يوم الخميس سابع شوال قيل لما احتضر تبسم ثم قال لمثل هذا فليعمل العاملون سنة خمس وثلاثين وثمانمائة فيها خرب الشرق من بغداد إلى تبريز من فرط الغلاء وعمومه حتى أكلوا الكلاب والميتة وفيها أجريت عيون مكة حتى دخلتها وامتلأت برك باب المعلى ومرت على الصفا وسوق الليل وعم النفع بها وفيها كما قال ابن حجر ثارت فتنة عظيمة بين الحنابلة والأشاعرة بدمشق وتعصب الشيخ علاء الدين البخاري نزيل دمشق على الحنابلة وبالغ في الحط على ابن تيمية وصرح بتكفيره فتعصب جماعة من الدماشقة لابن تيمية وصنف صاحبنا الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين جزءا في فضل ابن تيمية وسرد أسماء من أثنى عليه وعظمه من أهل عصره فمن بعدهم على حروف المعجم مبينا لكلامهم وأرسله إلى القاهرة فكتب عليه غالب المصريين التصويب وخالفوا علاء الدين البخاري في إطلاق القول بتكفيره وتكفير من أطلق عليه أنه شيخ الإسلام وخرج مرسوم السلطان إلى أن كل أحد لا يعترض على مذهب غيره ومن أظهر شيئا مجمعا عليه سمع منه وسكن الأمر انتهى وفيها توفي الشيخ شهاب الدين أحمد بن إسمعيل الأبشيطي قال ابن حجر تفقه قليلا ولزم قريبه الشيخ صدر الدين الأبشيطي وأدب جماعة من أولاد الأكابر ولهج بالسيرة النبوية فكتب منها كثيرا إلى أن شرع في جمع (7/211) ________________________________________ 212 كتاب حافل في ذلك وكتب منه نحوا من ثلاثين سفرا تحتوي على سيرة ابن إسحق وما وضع عليها من كلام السهيلي وغيره وعلى ما احتوت عليه المغازي للواقدي وضم إلى ذلك ما في السيرة للعماد بن كثير وغير ذلك وعنى بضبط الألفاظ الواقعة فيها ومات في سلخ شوال وقد جاوز السبعين انتهى وفيها شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن علي المعروف ببواب الكاملية الحنبلي قال العليمي في طبقاته الشيخ الإمام العالم القدوة عنى بالحديث كثيرا وسمع وكان يتغالى في حب الشيخ تقي الدين ويأخذ بأقواله وأفعاله وكتب بخطه تاريخ ابن كثير وزاد فيه أشياء حسنة وكان يؤم في مسجد ناصر الدين تجاه المدرسة التي أنشأها نور الدين الشهيد وكان قليل الاجتماع بالناس وعنده عبادة وتقشف وتقلل من الدنيا وكان شافعيا ثم انتقل إلى عند جماعة الحنابلة وأخذ بمذهبهم وتوفي يوم السبت تاسع عشر صفر وقد قارب الثمانين ودفن بسفح قاسيون وفيها شهاب الدين أحمد بن تقي الدين عبد الرحمن بن العلامة جمال الدين بن هشام المصري النحوي اشتغل كثيرا بمصر وأخذ عن الشيخ عز الدين ابن جماعة وغيره وفاق في العربية وغيرها وكان يجيد لعب الشطرنج وانصلح بآخره قال البرهان البقاعي كان شريف النفس لم يتدنس بشيء من وظائف الفقهاء وكان ثاقب الذهن نافذ الفكر فاق جميع أقرانه في هذا الشأن مع صرف غالب زمانه في لعب الشطرنج انتهى سكن دمشق فمات بها في رابع جمادى الآخرة وفيها شهاب الدين أحمد بن عثمان بن محمد بن عبد الله الكلوتاتي الحنفي قال في المنهل الصافي المسند المعمر المحدث ولد سنة اثنتين وستين وسبعمائة واعتنى بالحديث وسمع الكثير وقرأ من سنة تسع وسبعين بنفسه على المشايخ فأكثر حتى قرأ صحيح البخاري نحوا من خمسين مرة ودأب وحصل وأفاد الطلبة وحدث سنين بالقاهرة إلى أن توفي يوم الإثنين الرابع والعشرين من (7/212) ________________________________________ 213 جمادى الآخرة انتهى وفيها حسين بن علاء الدولة بن أحمد بن أويس آخر ملوك العراق من ذرية أويس كان اللنك أسره وأخاه حسنا وحملهما إلى سمرقند ثم أطلقا فساحا في الأرض فقيرين مجردين فأما حسن فاتصل بالناصر فرج وصار في خدمته ومات عنده قديما وأما حسين هذا فتنقل في البلاد إلى أن دخل العراق فوجد شاه محمد بن شاه ولد بن أحمد بن أويس وكان أبوه صاحب البصرة فمات فملك ولده شاه محمد فصادفه حسين قد حضره الموت فعهد إليه بالمملكة فاستولى على البصرة وواسط وغيرها ثم حاربه أصبهان شاه بن قرا يوسف فانتهى حسين إلى شاه رخ بن اللنك فتقوى بالانتماء إليه وملك الموصل وأربل وتكريت وكانت مع قرا يوسف فقوى أصبهان شاه واستنقذ البلاد وكان يخرب كل بلد ويحرقه إلى أن حاصر حسينا بالحلة منذ سبعة أشهر ثم ظفر به عبد أن أعطاه الأمان فقتله خنقا وفيها زين الدين خالد بن قاسم العاجلي ثم الحلبي ولد في رمضان سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة ولازم القاضي شرف الدين بن فياض وولده أحمد وأخذ عن شمس الدين بن اليونانية وأحب مقالة ابن تيمية وكان من رءوس القائمين مع أحمد بن البرهان على الظاهر وهو آخر من مات منهم وتنزل بالآثار النبوية وكان قد غلب عليه حب المطالب فمات ولم يظفر بطائل ونزله المؤيد بمدرسته في الحنابلة ومات في ثالث ذي الحجة قاله ابن حجر وفيها قط بالدين وجمال الدين عبد الله بن نور الدين محمد بن قطب الدين عبد الله بن حسن بن يوسف بن عبد الحميد بن أبي الغيث البهنيسي ولد في رجب سنة خمس وخمسين وسبعمائة واشتغل وسمع الحديث وقال الشعر وكان موسرا لكنه أكثر التقتير على نفسه جدا وأصيب في عقله بآخره (7/213) ________________________________________ 214 وأكمل الثمانين سنة ومن شعره ( إذا الخل قد ناجاك بالهجر فاصطبر * وسامح له واغفر بنصح وداره ) ( فإن عاد فاقله ثم لا تذكر اسمه * وحول طريق القصد عن باب داره ) توفي في شهر رمضان وفيها القاضي زين الدين عبد الرحمن بن علي بن عبد الرحمن بن علي بن هاشم التفهني بفتح المثناة الفوقية وكسر الفاء وسكون الهاء ونون نسبة إلى تفهن قرية بمصر الحنفي ولد سنة بضع وستين وسبعمائة ومات أبوه وهو صغير فانتقل إلى القاهرة وهو شاب وتنزل في مكتب اليتامى بمدرسة صرغتمش ثم ترقى إلى أن صار عريفا وتنزل في الطلبة هناك ولازم الاشتغال ودار على الشيوخ فمهر في الفقه والعربية وجاد خطه وشهر اسمه وخالط الأتراك وصحب بدر الدين محمود الكلستاني كاتب السر فاشتهر ذكره وناب في الحكم وولي تدريس الصرغتمشية وولاه المؤيد شيخ قضاء الحنفية في سنة اثنتين وعشرين فباشره مباشرة حسنة وكان حسن العشرة كثير العصبية لأصحابه عارفا بأمور الدنيا على أنه يقع منه في بعض الأمور لجاج شديد يعاب به ولا يستطيع يتركه وصرف عن القضاء سنة تسع وعشرين بالعيني ثم أعيد في سنة ثلاث وثلاثين ثم صرف قبل موته في جمادى الآخرة وتوفي ليلة الأحد تاسع شوال ويقال ان أم ولده دست عليه سما لأنه لما توفيت زوجته ظنت أم ولده أنها تنفرد به فتزوج امرأة وأخرج أم ولده فحصلت لها غيرة والعلم عند الله وفيها زين الدين عمر بن أبي بكر بن عيسى بن عبد الحميد المغربي الأصل البصروي قدم دمشق فاشتغل بالفقه والعربية والقراآت وفاق في النحو وشغل الناس وهو بزي أهل البر وكان قانعا باليسير حسن العقيدة موصوفا بالخير والدين سليم الباطن فراغا من الرياسة توفي في رابع جمادى الآخرة وفيها شرف الدين عيسى بن محمد بن عيسى الأقفهسي الشافعي أحد نواب (7/214) ________________________________________ 215 الحكم تفقه بالجمال الأسنوي ولازم البلقيني وأذن له بالتدريس قيل والفتوى وناب في الحكم عن البرهان بن جماعة وغيره مدة طويلة ومات في جمادى الآخرة وقد جاوز الثمانين وفيها جمال الدين محمد بن سعد الدين ملك الحبشة للمسلمين ولي بعد فقد أخيه منصور في سنة ثمان وعشرين وكان شجاعا بطلا مديما للجهاد وأسلم على يديه خلائق من الحبشة قتله بنو عمه في جمادى الآخرة واستقر بعده أخوه شهاب الدين أحمد وفيها الحافظ تاج الدين محمد بن ناصر الدين محمد بن محمد بن محمد بن مسلم بن علي بن أبي الجود الكركي بن الغرابيلي سبط العماد الكركي قال ابن حجر ولد سنة ست وتسعين بالقاهرة حيث كان جده لأمه حاكما ونقله أبوه إلى الكرك حيث عمل مأمرتها ثم تحول به إلى القدس سنة سبع عشرة فاشتغل وحفظ عدة مختصرات كالكافية لابن الحاجب والمختصر الأصلي والإلمام والألفية في الحديث ولازم الشيخ عمر البلخي فبحث عليه في العضد والمعاني والمنطق وتخرج أيضا بنظام الدين قاضي العسكر وبابن الديري الكبير ومهر في الفنون إلا الشعر ثم أقبل على الحديث بكليته فسمع الكثير وعرف العالي والنازل وقيد الوفيات وغيرها من الفنون وشرع في شرح على الإلمام ونظر في التواريخ والعلل وسمع الكثير ببلده ورحل إلى الشام والقاهرة فلازمني وكان الأكابر يتمنون رؤيته والاجتماع به لما يبلغهم من جميل أوصافه فيمتنع انتهى باختصار وألف مجلدا لطيفا في الحمام يرحل إليه وتوفي بالقاهرة في جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين وثمانمائة في ثامن عشرى شوالها كسفت الشمس كسوفا عظيما من بعد العصر (7/215) ________________________________________ 216 إلى قرب المغرب وصلوا الكسوف وظنوا أنها غربت كاسفة فانجلت قبيل الغروب انجلاء تاما وفيها توفي برهان الدين إبراهيم بن حجاج الأبناسي الشافعي قال البرهان البقاعي كان علامة وقته ومحقق زمانه ملازما لابن حجر ومعظما له ونفعه كثيرا وكان إماما عالما بالمعقولات فقيها نحويا مفوها جريئا في قوله شهم النفس حديد الذهن فحل المناظرة ثابتا عند المضايق وتوفي بالمغس في زاوية شيخه وسميه البرهان الأنباسي ودفن بباب الشعرية بمكان هناك كأنه زاوية انتهى وفيها الملك الأشرف أحمد بن العادل سليمان الأيوب صاحب حصن كيفا قال ابن حجر كان دينا فاضلا له شعر حسن وقفت على ديوانه وهو يشتمل على نوائح في أبيه وغزل وزهديا وغير ذلك وكان جوادا محبا في العلماء خرج في عسكره لملاقاة السلطان على حصار آمد فاتفق أنه نزل لصلاة الصبح فوقع به فريق من التركمان فأوقعوا به على غرة فقتل ووصل بقية أصحابه وولده خليل فقرر ولده في مملكلة أبيه ولقب بالصالح وفيها شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمود بن محمد المعروف بابن خازوق الحنبلي قاضي القضاة قال العليمي ولي قضاء حلب ثم عزل عنها فولي قضاء طرابلس ثم أعيد إلى قضاء حلب وتوفي بها في آخر السنة وفيها زين الدين أبو بكر الأنبابي الشافعي أحد نواب الحكم كان كثير الاشتغال وأخذ عن الشيخ علاء الدين الأقفهسي وابن العماد والبلقيني وغيرهم وكان خيرا مات في شعبان وفيها قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن قاضي القضاة محي الدين المعروف بابن الكشك الدمشقي الحنفي قاضي قضاة دمشق ورئيسها من بيت علم ورياسة وعرافة ولد بدمشق ونشأ بها وطلب العلم وتفقه وولي قضاءها مرارا وجمع في بعض الأحيان بين قضائها ونظر جيشها وقدم القاهرة غير مرة (7/216) ________________________________________ 217 وكانت له ثروة وأفضال وتوفي بدمشق ليلة الخميس سابع ربيع الأول وفيها بدر الدين حسن بن شرف الدين أبي بكر بن أحمد القدسي المشهور بابن بقيرة بالتصغير وإمالة الراء الحنفي اشتغل قديما من سنة ثمانين وهلم جرا بالقدس ثم بالشام ثم بالقاهرة وكان مفوها عرافا بالعربية وغيرها وولي مشيخة الشيخونية وتوفي يوم الخميس ثالث ربيع الآخر وقد قارب السبعين وفيها زين الدين عبد الرحمن بن محمد القزويني الشافعي المعروف بالحلالي بمهملة ولام مشددة من أهل جزيرة وابن عمر وهو ابن أخت العالم نظام الدين عالم بغداد ولد سنة بضع وسبعين وسبعمائة وأخذ عن أبيه وغيره وبرع في الفقه والقراءات والتفسير وحج وقدم حلب لزيارة القدس فزاره ثم رجع إلى حلب وهو في سن الكهولة فظهرت فضائله ودخل القاهرة في سنة أربع وثلاثين وأخذوا عنه ثم رجع فلما وصل إلى بلده مات بعد أربعة أشهر وفيها شمس الدين محمد بن عبد الرحيم بن أحمد المنهاجي الشافعي المعروف بسبط ابن اللبان ولد بعد السبعين وسبعمائة واشتغل قديما فأخذ عن العز بن جماعة وشمس الدين بن القطان ومشايخ العصر قال ابن حجر قرأ على ابن القطان البخاري بحضوري وقرأ على ترجمة البخاري يوم الختم وتعانى نظم الشعر فمهر فيه ومهر في الفقه والأصول وعمل المواعيد وشغل الناس وكان واسع المعرفة بالفنون حج في هذه السنة من البحر فسلم ودخل مكة في شهر رجب فجاور إلى زمن إقامة الحج فحج وقضى نسكه ورمى جمرة العقبة ثم رجع فمات بمنى قبل أن يطوف طواف الإفاضة وفيها أبو عبد الله محمد بن عبد الحق بن إسمعيل السبتي المالكي قال ابن حجر ولد سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة وأخذ عن الحاج أبي القسم بن أبي حجة ببلده ووصل إلى غرناطة وتفرد بالأدب وقدم القاهرة سنة اثنتين (7/217) ________________________________________ 218 وثلاثين فحج وحضر عندي في الاملاء وأوقفني على شرح البردة له وله آداب وفضائل مات في صفر انتهى وفيها شمس الدين محمد بن علي بن موسى الدمشقي الشافعي المعروف باين قديدار ولد سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة وتقريبا وقرأ القرآن في صغره وحفظ المنهاج والعمدة والألفية وتلا بالسبع على جماعة منهم ابن اللبان وصحب الشيخ أبا بكر الموصلي وغيره وأقبل على العبادة واشتهر من بعد سنة تسعين حتى أن اللنك لما طرق الشام أرسل من حماة وحمى من معه وكان السلطان شيخ يعظمه وكان سهل العريكة لين الجانب متواضعا جدا محبا في العلماء والمحدثين يتردد إلى بيروت للمرابطة وله بها زاوية فيها سلاح كثير وكلمته نافذة عند الفرنج ويكتب إليهم بسبب المسلمين فيقبلون ما يكتب به وحصل له في آخر عمره ضعف في بدنه وثقل سمعه وتوفي ليلة عيد الفطر سنة سبع وثلاثين وثمانمائة فيها أحصى من بالأسكندرية من الحاكة فكان فيها ثمانمائة نول وكان ذلك وقع آخر القرن الثامن فكانت أربعة عشر ألف نول ومن ذلك أن كتاب الجيش أحصوا قرى مصر قبليها وبحريها فكانت ألفين ومائة وسبعين قرية بعد أن كانت في أوائل دولة الفاطميين عشرة آلاف قرية وفيها هبت بدمياط رياح عاصفة فتقصف نخيل كثير وتلفت أشجار الموز وقصب السكر من الصقيع وانهدمت عدة دور وفزع الناس من شدة الريح حتى خرجوا إلى ظاهر البلد وسقطت صاعقة فأحرقت شيئا كثيرا ثم نزل المطر فدام طويلا وفي ليلة الجمعة الحادي والعشرين من جمادى الأولى وقع بمكة سيل عظيم ارتفع في المسجد الحرام أربعة أذرع وتهدمت منه دور كثيرة ومات تحت الردم جماعة (7/218) ________________________________________ 219 وفيها توفي إبراهيم بن داود بن محمد بن أبي بكر العباسي ولد أمير المؤمنين المعتضد بن المتوكل العباسي الشافعي كان رجلا حسنا كبير الرياسة قرأ القرآن وحفظ المنهاج واشتغل كثيرا وخلف أباه لما سافر خلافة حسنة شكر عليها ومات بمرض السل في ليلة الأربعاء ثالث عشر ربيع الأول بالقاهرة ولم يكمل الثلاثين ولم يبق لأبيه ولا ذكر وذكر انه تمام عشرين ولدا ذكرا وفيها شهاب الدين أحمد بن محمود بن أحمد بن إسمعيل الدمشقي الحنفي المعروف بابن الكشك قال ابن حجر انتهت إليه رياسة أهل الشام في زمانه وكان شهما قوي النفس يستحضر الكثير من الأحكام ولي قضاء الخنفية استقلالا مدة ثم أضيف إليه نظر الجيش في الدولة المؤيدية وبعدها ثم صرف عنها معا ثم أعيد لقضاء الشام وكان بينه وبين نجم الدين بن حجي معاداة فكان كل منهما يبالغ في الآخر لكن كان ابن الكشك أجود من حجي سامحهما الله تعالى وتوفي ابن الكشك بالشام في صفر عن بضع وخمسين سنة وفيها تقي الدين أبو بكر بن علي بن حجة الحموي الأديب البارع الحنفي شارع الشام المعروف بابن حجة ولد بحماة سنة سبع وسبعين وسبعمائة وبها نشأ وحفظ القرآن الكريم وطلب العلم وعانى علم الحرير يعقد الأزر وينظم الأزجال ثم مال إلى الأدب ونثر ونظم ثم سافر إلى دمشق ومدح أعيانها واتصل بخدمة نائبها الأمير شيخ المحمودي ثم قدم صحبته إلى القاهرة فلما تسلطن قربه وأدناه وجعله من ندمائه وخواصه وصار شاعره وله فيه عدة مدائح وعظم في الدولة وصارت له ثروة وحشمة وسئل الحافظ ابن حجر من شاعر العصر فقال الشيخ تقي الدين بن حجة انتهى ونظم بديعيته المشهورة على طريقة شيخه الشيخ عز الدين الموصلي وشرحها شرحا حافلا عديم النظير وجمع مجاميع أخرى مخترعة ولما توفي الملك المؤيد تسلط عليه جماعة من شعراء عصره وهجوه لأنه كان ظنينا بنفسه وشعره مزريا بغيره من الشعراء (7/219) ________________________________________ 220 ينظر شعراء عصره كأحد تلامذته ولا زالوا به حتى خرج من مصر وسكن وطنه حماة ومات بها ومن قولهم فيه ( زاد ابن حجة بالاسهال من فمه * وصار يسلح منثورا ومنطوما ) ( وظن أن قد تنبا في ترسله * لو صح ذلك قطعا كان معصوما ) ومن شعره هو ( سرنا وليل شعره منسدل * وقد غدا بنومنا مظفرا ) ( فقال صبح ثغره مبتسما * عند الصباح يحمد القوم السري ) ومنه ( في سويداء مقلة الحب نادى * جفنه وهو يقتض الأسد صيدا ) ( لا تقولوا ما في السويدا رجال * فأنا اليوم من رجال السويدا ) ومنه ( أرشفني ريقه وعانقني * وخصره يلتوي من الدقه ) ( فصرت من خصره وريقته * أهيم بين الفرات والرقة ) ومنه وقد بدا به مرضه الذي مات فيه وكان بريدة وسخونة ( بردية بردت عظمى وطابقها * سخونة ألفتها قدرة الباري ) ( فامنن بتفرقة الضدين من جسدي * ياذا المؤلف بين الثلج والنار ) وتوفي بحماة في خامس عشرى شعبان على حالة حسنة وفيها شرف الدين أبو محمد إسماعيل بن أبي بكر بن عبد الله المقري ابن علي بن عطية الشاوري اليمني الشافعي عالم البلاد اليمنية وإمامها ومفننها المعروف بابن المقري ولد سنة خمس وستين وسبعمائة بأبيات حسين وبها نشأ وتفقه على الكاهلي وغيره ثم انتقل إلى زبيد فأكمل تفقهه على العلامة جمال الدين شارح التنبيه وغيره وبرع في العربية والفهق وبرز في المنظوم والمنثور وأقبل عليه ملوك اليمن وولاه الأشرف صاحب اليمن تدريس المجاهدية وبتعز والنظامية بزبيد ولما مات مجد الدين الفيروز بادي طمع المذكور (7/220) ________________________________________ 221 في ولاية القضاء فلم يتم له واستمر على ملازمة العلم والتصنيف والأقراء ومن مصنفاته مختصر الروضة للنووي سماه الروض ومختصر الحاوي الصغير وشرحه وكتاب عنوان الشرف الوافي وهو كتاب حسن لم يسبق إلى مثله يحتوي على خمسة فنون وفيه يقول بعضهم ( لهذا كتاب لا يصنف مثله * لصاحبه الجزء العظيم من الحظ ) ( عروض وتاريخ ونحو محقق * وعلم القوافي وهو فقه أولى الحفظ ) ( فأعجب به حسنا وأعجب أنه * بطين من المعنى خميص من اللفظ ) وله مع ذلك النظم الرائق والنثر الفائق ونظم بديعية على نمط بديعية العز الموصلي وشرحها شرحا حسنا التزم في البديعية في كل بيت تورية مع التورية باسم النوع البديعي وعمل مرة ما يتفرع من الخلاف في مسئلة الماء المشمس فبلغت آلافا وشهد بفضله علماء عصره منهم ابن حجر وقد اجتمع به بمكة المشرفة وأنشده ( مد الشهاب بن علي بن حجر * سورا على مودتي من الغير ) ( فسور ودى فيك قد بنيته * من الصفا والمروتين والحجر ) فأجابه ابن حجر بقصيدة أولها ( يا أيها القاضي الذي مراده * يأتي على وفق القضاء والقدر ) ومن شعر ابن المقري ( يا من لدمع مارقي وحبيبه * ولو جد قلب ما انقضى ولهيبه ) ( ومتيم قد هذبته يد الهوى * بصحيح وجد غير ما تهذيبه ) ( خانته مهجته فما تمشي على * عاداته الأولى ولا تجريبه ) ( وحشا تعسفه الغرام وحله * قسرا وليس بكفئه وضريبه ) ( يا هند قد أضرمت من ذكر الجفا * في القلب ما لا ينطفي وغريبه ) ( أنا من عرفت غرامه فاستخبري * عن حال مأخوذ الحجا وسليبه ) (7/221) ________________________________________ 222 توفي بزبيد يوم الأحد آخر صفر وفيها عبد الله بن مسعود التونسي المالكي الشيخ الجليل المعروف بابن القرشية قال ابن حجر أخذ عن والده وقرأت بخطه أن من شيوخه شيخنا بالإجازة أبا عبد الله بن عرفة وقاضي الجماعة أبا العباس أحمد بن محمد بن جعدة وأبا القسم أحمد الغبريني وأحمد بن إدريس الزواوي شيخ بجاية وأبا عبد الله بن مرزوق ومنهم أبو الحسن محمد بن أبي العباس الأنصاري البطرني وذكر أنه قرأ عليه القرآن وسمع عليه كثيرا من الحديث وألبسه خرقة التصوف انتهى باختصار وفيها السلطان أبو فارس عبد العزيز بن أبي العباس أحمد صاحب تونس قال أبو عبد الله محمد بن عبد الحق السبتي كان لا ينام من الليل إلا قليلا وليس له شغل إلا النظر في مصالح ملكه وكان يؤذن بنفسه ويؤم بالناس في الجماعة ويكثر من الذكر ويقرب أهل الخير وقد أبطل كثيرا من المفاسد بتونس منها الصالة وهو وكان يباح فيه الخمر للفرنج ويحصل منه في السنة شيء كثير ولم يكن ببلاده كلها شيء من المكوس لكنه يبالغ في أخذ الزكاة والعشر وكان محافظا على عمارة الطرق حتى أمنت القوافل في أيامه في جميع بلاده وكان يرسل الصدقات إلى القاهرة والحرمين وغيرها ولا يلبس الحرير ولا يتختم بالذهب ويسلم على الناس وكتب إليه ابن عرفة مرة والله لا أعلم يوما يمر إلا وأنا داع لكم بخير الدنيا والآخرة فإنكم عماد الدين ونصرة المسلمين وتوفي وهو قاصد تلمسان وفيها أبو الحسن علي بن حسين بن عروة المشرقي ثم الدمشقي الحنبلي المعروف بابن زكنون قال ابن حجر ولد قبل الستين وكان في ابتداء أمره جمالا وسمع على يحيى بن يوسف الرحبي ويوسف الصيرفي ومحمد بن محمد بن داود وغيرهم وكان يذكر أنه سمع من ابن المحب ثم أقبل على العبادة (7/222) ________________________________________ 223 والاشتغال فبرع وأقبل على مسند أحمد فرتبه على الأبواب ونقل في كل باب ما يتعلق بشرحه من كتاب المغني وغيره وفرغ في مجلدات كثيرة وكان منقطعا في مسجد يعرف بمسجد القدم خارج دمشق وكان يقرىء الأطفال ثم انقطع ويصلي الجمعة بالجامع الأموي ويقرأ عليه بعد الصلاة في الشرح وثار بينه وبين الشافعية شر كبير بسبب الاعتقاد وكان زاهدا عابدا قانتا خيرا لا يقبل لأحد شيئا ولا يأكل إلا من كسب يده توفي في ثاني عشر جمادى الآخرة وكانت جنازته حافلة انتهى وفيها بدر الدين محمد بن أبي بكر بن محمد بن سلامة المارديني الحلبي الحنفي اشتغل ببلده مدة ولقي أكابر المشايخ وحفظ عدة مختصرات ومهر في الفنون وشغل الناس وقدم إلى حلب مرارا فاشتغل بها ثم درس في أماكن وأقام بها مدة عشرين سنة ثم رجع ولما غلب قرا ملك على ماردين نقله إلى آمد فأقام مدة ثم أفرج عنه فرجع إلى حلب فقطنها ثم حصل له فالج قبل موته بنحو عشر سنين فانقطع ثم خف عنه وصار يقبل الحركة وكان حسن النظم والمذاكرة فقيها فاضلا صاحب فنون من العربية والمعاني والبيان وتوفي بحلب عن اثنتين وثمانين سنة ولم يخلف بعده مثله وفيها تاج الدين محمد بن أبي بكر بن محمد المقرىء بابن تمريه ولد قبل الثمانين وسبعمائة بيسير وكان أبوه تاجرا بزازا فنشأ هو محبا في الاشتغال مع حسن الصورة والصيانة وتعانى القراءات فمهر فيها ولازم الشيخ فخر الدين بالجامع الأزهر والشيخ كمال الدين الدميري وصار شيخ الاقراء بالقاهرة وتوفي يوم الجمعة عاشر صفر وفيها جمال الدين أبو المحاسن محمد بن علي بن محمد بن أبي بكر العبدري الشيبي الشافعي قاضي مكة ولد في رمضان سنة تسع وسبعين وسبعمائة وسمع على برهان الدين بن صديق وغيره وأجازه الحافظ العراقي وغيره ورحل (7/223) ________________________________________ 224 إلى شيراز وبغداد ونظر في التواريخ وصنف حوادث زمانه وطيب الحياة مختصر حياة الحيوان مع زوائد وتعاليق على الحاوي وولي قضاء مكة وحجابة البيت وتوفي ليلة الجمعة ثامن عشرى ربيع الآخر وفيها القاضي بدر الدين أبو اليمن محمد بن العلامة نور الدين علي الحكري المصري الحنبلي ناب في الحكم بالقاهرة دهرا طويلا وكان من أعيانهم وأعاد ببعضه المدارس ومهر في الفقه والفنون وكان شكلا حسنا وكان يستشرف أن يلي قضاء الحنابلة بالديار المصرية ولو فسح في أجله لوصل ولكن اخترمته المنية ثالث ربيع الأول بالقاهرة في حياة شيخ المذهب قاضي القضاة محب الدين أبو نصر الله وفيها أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن القماح التونسي المالكي المحدث بتونس سمع من ابن عرفة وجماعة وحج فسمع من تاج الدين بن موسى خاتمة من كان عنده السلفي بالعلو بالسماع المتصل بالقاهرة من حافظ العصر الزين العراقي ومن مسند القاهرة برهان الدين السامي ومن جماعة وحدث بالإجازة العامة عن البطرني الأندلسي مسند تونس وخاتمة أصحاب ابن زبير بالإجازة وعن غيره من المشارقة وحدث بالكثير وكان حسن الأخلاق محبا للحديث وأهله وتوفي بتونس في أواخر ربيع الآخر وفيها شمس الدين محمد بن شفشيل الحلبي قال ابن حجر أحد الفقهاء بها اشتغل كثيرا وفضل سمعت من نظمه بحلب وكتب عنى كثيرا مات في جمادى الأولى انتهى وفيها ناصر الدين محمد بن الفخ رالمصري المعروف بابن النيدي قال ابن حجر كان أبوه تاجرا فنشأ هو محبا في العلم فمهر في العربية وصاهر شيخنا العراقي على ابنته ثم ماتت معه فتزوج بركة بنت الشيخ ولي الدين أخي زوجته (7/224) ________________________________________ 225 الأولى وماتت في عصمته وخلف ولدين وكان معروفا بكثرة المال فلم يظهر له شيء وله بضع وستون سنة انتهى وفيها جلال الدين أبو المظفر محمد بن فندو ملك بنجالة ويلقب بكاس كان أبوه كافرا فثار على شهاب الدين مملوك سيف الدين حمزة بن غياث الدين أعظم شاه بن اسكندر شاه فغلبه على بنجاية وأسره وكان أبو المظفر قد أسلم فثار على أبيه واستملك منه البلاد وأقام شعار الإسلام وجدد ما خربه أبوه من المساجد وراسل صاحب مصر بهدية واستدعى بعهد من الخليفة وكانت هداياه متواصلة بالشيخ علاء الدين البخاري نزيل مصر ثم دمشق وعمر بمكة مدرسة هائة وكانت وفاته في ربيع الآخر وأقيم بعده ولده المظفر أحمد شاه وهو ابن أربع عشرة سنة وفيها ناصر الدين محمد بن عبد الله بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الدمشقي الحنبلي ولد سنة سبع وخمسين وسبعمائة وكان يتعانى التجارة وولي قضاء الأسكندرية مدة وكان عرافا بالطب وله دعاو في الفنون أكثر من علمه وتوفي بالقاهرة يوم الأحد سابع شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة فيها كان وباء عام في بلاد المسلمين والكفار مات به من لا يحصى كثرة وفيها توفي شهاب الدين أحمد بن عبد الخالق بن عبد المحي بن عبد الخالق بن عبد العزيز الأسيوطي سمع من أبيه ومن عبد الرحمن بن القاري وأجاز له وكان يواظب التكسب بالشهادة في جامع ظاهر الوراقين ومات في ثاني عشر ربيع الآخر وفيها شهاب الدين أحمد بن ناصر الدين محمد بن أبي بكر بن رسلان بن نصير البلقيني الشافعي ابن أخي سراج الدين البلقيني ولد سنة ست وتسعين (7/225) ________________________________________ 226 وسبعمائة وقرأ القرآن وحفظ كتبا ودربه أبوه في توقيع الحكم واشتغل في القراآت والعربية وكان حسن الصوت بالقرآن أم بالمدرسة المالكية بالقرب من مشهد الحسين ووقع في الحكم ثم ناب في القضاء بآخره وخدم ابن الكوين وهو كاتب السر ثم ابن مزهر فأثرى وصارت له وجاهة وحصل جهات ثم تمرض أكثر من سنة وتوفي في السادس والعشرين من رجب بعلة السل ودفن عند أبيه بمقابر الصوفية وفيها مجد الدين أبو الطاهر إسمعيل بن علي بن محمد بن داود بن شمس بن عبد الله بن رستم البيضاوي الزمزي المؤذن بمكة قال ابن حجر ولد سنة ست وستين وسبعمائة وأجاز له صلاح الدين بن أبي عمر وعمر بن أميلة وأحمد بن النجم وابن مقبل وآخرون وكان يتعانى النظم وله نظم مقبول ومدائح نبوية من غير اشتغال بآلاته ثم أخذ العروض عن الشيخ نجم الدين المرجاني ومهر وكان فاضلا ورحل إلى القاهرة فسمع من بعض شيوخنا وكان قليل الشر مشتغلا بنفسه وعياله مشكور السيرة ملازما لخدمة قبة العباس وله سماع من قدماء المكيين وحدث بشيء يسير سمعت من نظمه وأخوه إبراهيم ولد سنة سبع وسبعين وسبعمائة وأجاز له في سنة سبع وثمانين الشهاب بن ظهيرة وآخرون واشتغل في عدة فنون وأخذ عن أخيه حسين علم الفرائض والحساب فمهر فيها انتهى كلام ابن حجر وفيها زكي الدين أبو بكر بن أحمد بن عبد الله بن الهليس المهجمي الأصل ثم المصري قال ابن حجر رفيقي ولد بعد السبعين وسبعمائة بيسير ونشأ في حال بزة وترفه ثم اشتغل بالعلم بعد أن جاوز العشرين ولازم الشيوخ وسمع معي من عوالي شيوخي مثل ابن الشحنة وابن أبي المجد وبنت الأذرعي وغيرهم فأكثر جدا وأجاز له عامة من أخذت عنه في الرحلة الشامية ورافقني في الاشتغال على الأبناسي والبلقيني والعراقي وغيرهم ثم دخل اليمن سنة ثمانمائة (7/226) ________________________________________ 227 فاستمر بالمهجم وبعدن إلى أن عاد من قرب فسكن مصر ثم ضعف بالدرب واختل عقله جدا وسئم منه جيرانه فنقلوه إلى المارستان فأقام به نحو شهرين ومات وصليت عليه ودفنته بالتربة الركنية ببيبرس في سلخ المحرم انتهى وفيها الشيخ تقي الدين أبو بكر اللوبياني الفقيه الشافعي أحد الفضلاء الشافعية بدمشق باشر تدريس الشامية الجوانية وغيرها وتوفي في شوال وفيها شرف الدين وبدر الدين حسين بن علي بن سبع المالكي البوصيري قال ابن حجر ولد سنة خمس وأربعين وسبعمائة وسمع على المحب الخلاطي أكثر الدارقطني أنا الدمياطي وصفة التصوف لابن طاهر خلا من أول زهد إلى آخر الكتاب وسمع أيضا على عز الدين بن جماعة غالب الأدب المفرد للبخاري وعرض على مغلطاي شيئا من محفوظه وأجاز له وكان من الطلبة بالشيخونية وحدث سمع منه رضوان وابن فهد والبقاعي وغيرهم وأجاز لابني محمد ومن معه ومات في ربيع الأول انتهى وفيها زين الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن سليمان بن حمزة المقدسي الحنبلي المعروف بابن زريق ولد في رمضان سنة تسع وثمانين وسبعمائة وأسمعه عمه الكثير من ابن المحب وابن عوض وابن داود وابن الذهبي وابن العز ومن مسموعه على ابن العز السادس من مسند أنس من المختارة للضياء والثاني والسبعين منها وسمع علي بن داود من أمالي المحاملي رواية أبي عمر بن مهدي أنا سليمان بن حمزة وتوفي فجأة ليلة الثلاثاء ثالث عشر ربيع الآخر وفيها زين الدين أبو زيد وأبو هريرة عبد الرحمن بن نجم الدين عمر بن عبد الرحمن بن حسين بن يحيى بن عمر بن عبد المحسن القبابي نسبة إلى القباب الكبرى من قرى أشمون الرمان بالوجه الشرقي من أعمال القاهرة ثم المقدسي الحنبلي المسند ولي في ثالث عشر شعبان سنة تسع وأربعين وسبعمائة وأجاز (7/227) ________________________________________ 228 له أبو الفتح الميدومي وجل شيوخ العراقي وسمع من الشيخ تقي الدين السبكي وصلاح الدين بن أبي عمر وابن أميلة وصلاح الدين العلائي والتباني وابن رافع والخلاطي وابن جماعة ومغلطاي وابن هبل وخلائق تجمعهم مشيخة خرجها له ابن حجر سماها المشيخة الباسمة للقبابي وفاطمة وكان أحد الفقهاء المبجلين بالقدس الشريف وقد أكثر عنه الرحالة وغيرهم وقصد لذلك وتفرد بأكثر مشايخه وأخذ عنه خلق منهم ابن حجر وتوفي ببيت المقدس في سابع ربيع الآخر وفيها جلال الدين أبو المحامد عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد بن أبي بكر بن عبد الوهاب الفوي الأصل ثم المكي العلامة النحوي الشهير بالمرشدي قال ابن حجر ولد في جمادى الآخرة سنة ثمانين وسبعمائة بمكة وأسمع علي الشاوري والأميوطي والشهاب بن ظهيرة وغيرهم ورحل إلى القاهرة فسمع بها من بعض شيوخنا ومهر في العربية وقرأ الأصول والمعاني والفقه وكان نعم الرجل مروءة وصيانة ومات في يوم الجمعة رابع عشرى شعبان وكثر الأسف عليه انتهى وفيها علاء الدين علي بن طيبغا بن حاجي بك التركماني العينتابي الحنفي كان فاضلا وقورا مهر في الفنون وقرره السلطان الأشرف مدرسا وخطيبا بالتربة التي أنشاها بالصحراء وتوفي بطريق الحجاز ودفن بالقرب من الينبع وفيها نور الدين علي بن محمد بن موسى بن منصور المحلى ثم المدني قال ابن حجر ولد في جمادى الأولى سنة أربع وخمسين وسبعمائة بالمدينة المنورة وسمع علي ابن حبيب وابن خليل وابن القاري وأبي البقاء السبكي وغيرهم وأجاز له ابن أميلة وابن الهبل وابن أبي عمر وحدث باليسير وأجاز لنا وليس ببلاد الحجاز أسند منه يوم مات وتوفي في ثالث شوال وفيها نجم الدين محمد بن عبد الله بن عبد القادر الواسطي السكاكيني (7/228)

229 الشافعي قرأ على العاقولي وصدر الدين الأسفراييني مصنف ينابيع الاحكام في مذاهب الأربعة الأعلام ومهر في النظم والقراءات والفقه يقال أنه أقرأ الحاوي ثلاثين مرة وله شرح على منهاج البيضاوي ونظم بقية القراءات العشر وتكملة للشاطبي على طريقه حتى يغلب على سامعه أنه نظم الشاطبي وخمس البردة وبانت سعاد وتوفي بمكة في سادس عشرى ربيع الآخر وفيها تقي الدين محمد بن بدر الدين محمد بن سراج الدين عمر البلقيني الشافعي ولد سنة تسع وثمانين وسبعمائة ومات أبوه وهو طفل فرباه جده وحفظ القرآن وصلى بالناس وهو صغير نحو عشرة سنين ودرس في المنهاج ولازم الكمال الدميري وغيره وكان ذكيا حسن النغمة ونشأ في املاق ولما ولي عمه القضاء نبه قليلا وولي بآخره نيابة الحكم بميمنة الأمل وغيرها من الضواحي ودرس بعد موت عمه جلال الدين بجامع طولون وتمول بملازمة ناظر الجيوشي عبد الباسط وحصل وظائف وإقطاعات وصار كثير المال جدا في مدة يسيرة وحدث عن جده بشيء يسير وتوفي بالقاهرة ليلة الثاني عشر من شوال ودفن على أبيه وجده وخلف ولدا كبيرا وآخر صغيرا وابنتين سنة تسع وثلاثين وثمانمائة فيها وقع ببرصا طاعون عظيم واستمر أربعة أشهر وفيها وقع الوباء ببلاد كرمان وفشا الطاعون بهراة حتى قيل أن عدة من مات بهراة ثمانمائة ألف وكذلك نشا الوباء في بلاد اليمن جميعها وفي بلاد البربر والحبشة وفيها توفي أميرزاه إبراهيم بن شاه رخ صاحب شيراز وكان قد ملك البصرة وكان فاضلا حسن الخط جدا توفي في رمضان وفيها أحمد بن شاه رخ ملك الشرق مات في شعبان بعد أن رجع من (7/229)

230 بلاد الجزيرة ثم فرار الروم فحزن عليه أبوه واتفق أنه مات له في هذه السنة ثلاثة أولاد كانوا ملوك الشرق بشيراز وكرمان وهذا كان أشدهم ويقال له أحمد جوكي قاله ابن حجر وفيها همام الدين أحمد بن عبد العزيز السبكي ثم الشيرازي قال ابن حجر قرأ على الشريف الجرجاني المصباح في شرح المفتاح وقدم مكة فنزل في رباط فاتفق أنه كان يقرىء في بيته فسقط بهم البيت إلى طبقة سفلى فلم يصب أحدا منهم شيء وخرجوا يمشون فلما برزوا سقط السقف الذي كان فوقهم وكان حسن التقرير قليل التكلف مع لطف العبارة وكثرة الورع عارفا بالسلوك على طريق كبار الصوفية وكان يحذر من مقالة ابن عربي وينفر عنها مات في خامس عشرى شهر رمضان انتهى وفيها شهاب الدين أحمد بن محمد بن علي بن إسمعيل بن علي بن محمد بن محمد الزاهدي الحفار المعمر العابد خادم ضريح الشيخ رسلان بدمشق ولد سنة سبع وثلاثين وسبعمائة وأسمع من زينب بنت الكمال وغيرها وقرأ الناس عليه بإجازتها وتوفي في تاسع جمادى الأولى وله مائة سنة وسنتان وفيها الأمير حسين بن أمير المسلمين أبي فارس الحفصي قال ابن حجر الإمام العلامة المفتي الأمير ابن الأمير كان أخوه لما مات في العام الماضي استقر ولده في المملكة أي مملكة المغرب ثم أراد الحسين هذا الثورة فظفر به وقتله وقتل أخوين له وعظمت المصيبة بقتل الحسين فإنه كان فاضلا مناظرا ذكيا رحمه الله وفيها زين الدين عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن الفخر محمد بن علي المصري ثم الدمشقي تفقه قليلا وأسمعه أبوه الكثير من مشايخ عصره فسمع على الكمال بن حبيب سنن ابن ماجه وعلى ابن المحب جزء العالي أنا الحجار (7/230)

231 وعشرة الحداد أنا إبراهيم بن صالح وعلي الصلاح بن أبي عمر مسند عائشة من مسند أحمد وتوفي في جمادى الآخرة وفيها ركن الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد الحلبي الحنفي الشريف المعروف بالدخان اشتغل بدمشق فمهر في المذهب وناب في الحكم مدة ثم ولي القضاء استقلالا بعد موت ابن الكشك وتوفي ليلة الأحد سابع المحرم وفيها زين الدين عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد العدناني الشهير بالبرشكي المحدث الرحال الفاضل أخذ ببلاده عن جماعة ورحل إلى المشرق سنة ست عشرة فحج وحمل عن المشايخ وأجاز له البرهان الشامي وكان حسن الأخلاق لطيف المجالسة كريم الطباع رحمه الله تعالى قاله ابن حجر وفيها عبد الملك بن علي بن عبد الملك بن عبد الله بن عبد الباقي بن عبد الله بن أبي المنا البابي نزيل حلب الشافعي الضرير النحوي المعروف بالشيخ عبيد ولد في حدود سنة ست وستين وسبعمائة واشتغل على شرف الدين الأنصاري وشمس الدين النابلسي وغيرهما وتقدم فيهما وأخذ عنه جمع جم وناب في الإمامة والخطابة بالجامع إلى أن مات في جمادى الآخرة وكانت جنازته حافلة جدا وفيها ولي الدين عبد الولي بن محمد بن الحسن الخولاني اليمني الشافعي ولد بقرب تعز ولازم بها الإمام رضي الدين بن الخياط والإمام جمال الدين محمد بن عمر العوادي وغيرهما ولازم الشيخ مجد الدين الفيروز بادي وأخذ عنه النحو واللغة وجاور معه بمكة والطائف ومهر إلى أن صار مفتي تعزمع ابن الخياط وتوفي بالطاعون وفيها الحافظ جمال الدين محمد بن الإمام رضي الدين أبي بكر بن محمد بن الخياط اليمني الشافعي حافظ البلاد اليمنية قال ابن حجر تفقه بأبيه وغيره حتى مهر ولازم الشيخ نفيس الدين العلوي في الحديث فما مضى إلا اليسير (7/231)

232 حتى فاق عليه حتى كان لا يجاريه في شيء وتخرج بالشيخ تقي الدين الفاسي وأخذ عن القاضي مجد الدين الشيرازي أي صاحب القاموس واغتبط به حتى كان يكاتبه فيقول إلى الليث ابن الليث والماء ابن الغيث ودرس جمال الدين بتعز وأفتى وانتهت إليه رياسة العلم بالحديث هناك وأخذ عن الشيخ شمس الدين الجزري لما دخل اليمن بآخره ومات بالطاعون في هذه السنة انتهى وفيها تاج الدين أبو الفتح محمد بن عمر بن أبي بكر بن محمد بن علي بن الشرابيشي الشافعي طلب الفقه وسمع من ابن خليل وأكثر عنه وسمع الكثير من أصحاب أصحاب السبط وهذه الطبقة ولازم ابن الملقن والعراقي قال ابن حجر وسمع معي كثيرا وأجاز لي في استدعاء أولادي غير مرة وتصدى للأسماع وأكثر عنه الطلبة من بعد سنة ثلاث وثمانمائة إلى أن مات وكان يعلق الفوائد التي يسمعها في مجالس المشايخ والأئمة حتى حصل من ذلك جملة كبيرة ثم تسلط عليه بعض أهله يسرقون المجلدات مفرقات من عدة كتب قد أتقنها وحررها فيبيعونها تفاريق والتي لم تجلد يبيعونها كراريس وتغير عقله بآخره وتوفي يوم الأحد تاسع عشر جمادى عن بضع وثمانين سنة وفيها المنتصر أبو عبد الله محمد بن محمد بن أبي فارس صاحب تونس لم يتهن في أيام ملكه لطول مرضه وكثرة الفتن وتوفي في حادي عشرى صفر واستقر بعده شقيقه عثمان ففتك في أقاريه وغيرهم بالقتل والأسر وخرج عليه عمه أبو الحسن صاحب بجاية وفيها محي الدين أبو زكريا يحيى بن يحيى بن أحمد بن حسن العبابي نسبة إلى عباب بفتح العين المهملة وتشديد الموحدة جد الشافعي المصري ولد في آخر سنة ستين وسبعمائة وقدم القاهرة فاشتغل بها وحفظ التنبيه والألفية ومختصر ابن الحاجب وحضر دروس البلقيني وابن الملقن والأبناسي وغيرهم واشتغل في علم الحديث علي العراقي ولازم العز بن جماعة في قراءة (7/232)

233 المختصر ومحب الدين بن هشام في العربية وطاف على الشيوخ ثم ارتحل إلى دمشق وهو فاضل فلازم الزهري وأثنى على فضائله حتى قال ما قدم علينا من طلبة مصر مثله وأذن له وتكلم على الناس بالجامع وسكن بعد الفتنة بيت روحا فأقام بها ودخل إلى مصر مع الشاميين ثم عاد فلازم عمل الميعاد واجتمع عليه العامة وانتفعوا به وقرأ صحيح البخاري عند نوروز ثم ناب في الحكم عن ابن حجي سنة إحدى عشرة وثمانمائة واستمر في ذلك قال ابن حجر ولم يكن في أحكامه محمودا وكان في بصره ضعف فتزايد إلى أن أضر وهو مستمر على الحكم وكان يؤخذ بيده فيعلم بالقلم وكان فصيحا ذكيا جيد الذهن مشاركا في عدة فنون مفتيا وأقبل في آخره على اقراء الفقه والتدريس وسمع على شيئا وتوفي في ثامن عشر صفر انتهى باختصار وفيها الشيخ أبو الطاهر بن عبد الله المراكشي المالكي قال ابن حجر الشيخ المغربي نزيل مكة كان قرأ على عبد العزيز الحلماوي قاضي مراكش وغيره وكان خيرا دينا صالحا توفي بمكة في شوال سنة أربعين وثمانمائة فيها توفي إبراهيم بن عبد الكريم الكردي الحلبي قال ابن حجر دخل بلاد العجم وأخذ عن الشريف الجرجاني وغيره وأقام بمكة وكان حسن الخلق كثير البشر بالطلبة انتفعوا به كثيرا في عدة فنون وجلها المعاني والبيان وكان يقررها تقريرا واضحا مات في آخر المحرم انتهى وفيها شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن إسمعيل بن سليم بن قايماز بن عثمان بن عمر البوصيري الشافعي ولد في المحرم سنة اثنتين وستين وسبعمائة وسكن القاهرة ولازم العراقي على كبر فسمع منه الكثير ولازم ابن حجر فكتب عنه لسان الميزان والنكت على الكاشف والكثير من التصانيف (7/233)

234 ثم أكب على نسخ الكتب الحديثية وكان كثير السكون والعبادة والتلاوة مع حدة الخلق وجمع أشياء منها زوائد سنن ابن ماجه على الكتب الأصول الستة وعمل زوائد المسانيد العشرة وزوائد السنن الكبير للبيهقي وكتاب تحفة الحبيب للحبيب بالزوائد في الترغيب والترهيب لم يبيضه ولم يزل مكبا على الاشتغال والنسخ إلى أن توفي ليلة ثامن عشرى المحرم بالقاهرة وفيها شهاب الدين أحمد بن صلاح بن محمد بن محمد بن عثمان بن علي بن السمسار الشافعي المعروف بابن المحمرة ويعرف أبوه بابن البحلاق ولد في صفر سنة سبع وستين وسبعمائة وحفظ القرآن وهو صغير والعمدة والمنهاج وسمع من عبد الله بن علي الباجي وتقي الدين بن حاتم ونحوهما وأكثر عن البرهان الشامي وابن أبي المجد وناب في الحكم وباشر عدة مدارس قال ابن قاضي شهبة في طبقاته ناب في القضاء مدة ودخل في قضايا كبار وفضلها وولي بعض البلاد فحصل منها مالا وصار يتجر بعد أن كان مقلا يتكسب من شهادة المخبز بالخانقاه الصلاحية ولما ولي قضاء الشام سار سيرة مرضية بحسب الوقت ولم يعدم من يفتري عليه إلا أنه كان متساهلا بحيث لا يتجنب عن القضايا الباطلة وكان لا يتولى الحكم بنفسه ولا يفصل شيئا ولا ينكر على ما يصدر من نوابه مع اطلاعه على حالهم انتهى وقال ابن حجر استمر بالقاهرة إلى أن شغرت مشيخة الصلاحية بصرف الشيخ عز الدين القدسي عنها فسار إليها في ذي الحجة سنة ثمان وثلاثين فباشرها إلى أن مات في شهر ربيع الآخر انتهى وفيها ست العيش أم عبد الله وأم الفضل عائشة بنت القاضي علاء الدين علي بن محمد بن علي بن عبد الله بن أبي الفتح بن هاشم بن إسمعيل بن إبراهيم بن نصر الله بن أحمد الكاتبة الفاضلة الصالحة الكنانية العسقلانية الأصل ثم المصرية الحنبلية سبطة القلانسي ولدت سنة إحدى وستين وسبعمائة وحضرت (7/234)

235 على جدها فتح الدين القلانسي أكثر العلامات وغيرها وسمعت من العز ابن جماعة والقاضي موفق الدين الحنبلي وناصر الدين الحراوي ولها إجازة من محب الدين الخلاطي وجماعة من الشاميين والمصريين وأكثر عنها الطلبة آخرا وكانت خيرة تكتب خطا جيدا وهي والدة القاضي عز الدين ابن قاضي المسلمين برهان الدين إبراهيم بن نصر الله الحنبلي وفيها زين الدين عبد الرحمن بن محمد بن سليمان بن عبد الله المروزي الأصل نزيل القاهرة المعروف بابن الخراط الأديب الشاعر موقع الدست ولد بحماة في سنة سبع وسبعين وسبعمائة وقدم مع والده إلى حلب فنشأ بها واشتغل على والده وغيره في الفقه وغيره ثم تولع بالأدب واشتهر وأكثر من مدح أكابر أهل حلب ومدح جكم بقصائد طنانة فأجازه واختص به ونادمه ثم بعد إقامته بمصر مدح ملوكها ورؤساءها وقدم أخوه شمس الدين إلى القاهرة صحبة ابن البارزي فسعى له في كتابة السر بطرابلس فوليها ثم قدم الديار المصرية فقطنها وقرر في كتابة الإنشاء وكانت بيده وظائف كثيرة وولي قضاء الباب بعد والده فاستمر معه إلى أن مات واعتراه في آخر عمر انحراف بعد أن كان في غاية اللطافة والكياسة وتوفي ليلة الثلاثاء مستهل المحرم وفيها تاج الدين عبد الرحمن بن عمر بن محمود بن محمد الشافعي الحلبي المعروف بابن الكركي ولد بحلب سنة إحدى وسبعين وسبعمائة وسمع من جماعات وولي قضاء حلب مدة ثم نزل عن ذلك واستمرت بيده جهات قليلة يتبلغ منها قال ابن حجر سكن القاهرة مدة وناب عني في الحكم وحج وتوجه فلقيته بحلب لما توجهت إليها وأجاز لأولادي وتوفي في ثاني عشرى شهر رمضان وفيها شمس الدين محمد بن إسماعيل بن أحمد الضبي الشافعي قال ابن حجر كان خطيبا بجامع يونس بالقرب من قنطرة السباع وكان دينا خيرا مقبلا على شأنه لازمني نحو الثلاثين سنة وكتب أكثر تصانيفي منها أطراف المسند (7/235)

236 وما كمل من شرح البخاري وهو أحد عشر سفرا والمشتبه ولسان الميزان والأمالي وهي في قدر أربع مجلدات وتخريج الرافعي وكتب لنفسه من تصانيف غيري واشتغل بالعربية ولم تكن له همة في غير الكتابة وكان متقللا من الدنيا قانعا بالسير صابرا توفي يوم الثلاثاء ثاني عشرى رمضان وفيها شمس الدين محمد بن محمد بن أحمد المناوي الأصل الجوهري الشافعي المعروف بابن الريفي قال ابن حجر حصلت له ثروة من قبل بعض حواشي الناصر من النساء وأكثر من القراءة على الشيخ برهان الدين البيجوري فقرأ عليه الروضة وفي الرافعي الكبير وفي الرافعي الصغير وغير ذلك ولازم دروس الولي العراقي وكان كثير التلاوة والإحسان للطلبة توفي يوم الخميس خامس شوال وكانت جنازته مشهودة وفيها مجد الدين أبو الطاهر محمد بن محمد بن علي بن إدريس بن أحمد بن محمد بن عمر بن علي بن أبي بكر بن عبد الرحمن العلوي نسبة إلى بني علي بن بلي بن وائل التعزي الشافعي ولد في أول شوال سنة ست وثمانمائة وقرأ القرآن وحصل طرفا من العربية ونظم الشعر وأحب طلب الحديث فأخذ عن الجمال بن الخياط بتعز وحضر عند الفيروزبادي وأجاز له وحج سنة تسع وثلاثين فسمع بمكة ثم قدم القاهرة فأكثر على ابن حجر السماع ليلا ونهارا وكتب بخطه كثيرا ثم بغته الموت فتوعك أياما وتوفي يوم الجمعة تاسع عشر جمادى الآخرة وفيها شمس الدين محمد المغربي الأندلسي النحوي قال ابن حجر ولي قضاء حماة وأقام بها مدة ثم توجه إلى الروم فأقام بها وأقبل الناس عليه وكان شعلة نار في الذكاء كثير الاستحضار عارفا بعدة علوم خصوصا العربية وقد قرأ في علوم الحديث علي وكان وكان حسن الفهم مات في شعبان ببرصا من بلاد الروم وفيها شرف الدين موسى بن أحمد بن موسى بن عبد الله بن سليمان السبكي الشافعي ولد سنة اثنتين وستين وسبعمائة تقريبا في شبك العبيد (7/236)

237 وكان متصديا لشغل الطلبة بالفقه جميع نهاره وأقام على ذلك نحو عشرين سنة ولم يخلف بعده نظيره في ذلك وتوفي بمرض السل يوم الخميس سابع عشر ذي القعدة وفيها شهاب الدين أبو الخير نعمة الله بن الشيخ شرف الدين محمد بن عبد الرحيم البكري الجرهي بكسر الجيم وفتح الراء الخفيفة ولد بشيراز سنة خمس عشرة وثمانمائة وسمع الكثير وحبب إليه الطلب قال ابن حجر سمع من أبيه وجماعة بمكة ثم قدم القاهرة فأكثر عنى وعن الشيوخ وفهم وحصل كثيرا من تصانيفي ومهر فيها وكتب الخط الحسن وعرف العربية ثم بلغه أن أباه مات في العام الماضي فتوجه في البحر فوصل إلى البلاد ورجع هو وأخوه قاصدين مكة فغرق نعمة الله في نهر الحسا في رجب أو شعبان ظنا ونجا أخوه فلما وصل إلى اليمن ركب البحر إلى جده فاتفق وقوع الحريق بها فاحترق مع من احترق لكنه عاش وفقد رجليه معا فإنهما احترقا والله أعلم سنة إحدى وأربعين وثمانمائة فيها وقع الطاعون في نصف الشتاء في البلاد الشامية فأكثر بحماة وحلب وحمص ثم تحول إلى دمشق أواخر الشتاء ثم اتصل بالبلاد المصرية وفيها توفي الحافظ برهان الدين أبو إسحق إبراهيم بن محمد بن خليل الشيخ الإمام الحافظ الحلبي المعروف بالقوف سبط ابن العجمي قال في المنهل الصافي مولده في ثاني عشرى رجب سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة وبها نشأ وطلب العلم وقرأ الحديث على الشيخ كمال الدين عمر بن العجمي وشرف الدين بن حبيب والظهير بن العجمي وخلق وقرأ النحو على الشيخين أبي جعفر وأبي عبد الله الأندلسيين وغيرهما واشتغل في الفقه والقراآت والتصريف (7/237)

238 والبديع والتصوف ورحل فسمع بحماة ودمشق والقاهرة من الحافظ ابن المحب وصلاح الدين بن أبي عمر والحافظ زين الدين العراقي والحافظ سراج الدين بن الملقن وغيرهم وسمع بالأكسندرية والقدس وغزة وسمع منه جماعة كثيرون منهم ابن حجر وابن ناصر الدين حافظ دمشق وغيرهما ورحلت إليه الطلبة وكان إماما حافظا بارعا مفيدا سمع الكثير وألف التآليف المفيدة الحسنة وكتب على صحيح البخاري وعلى سيرة ابن سيد الناس وعلى كتاب الشفا للقاضي عياض وصنف نهاية السول في رواية الستة الأصول وشرح سنن ابن ماجه وذيل على كتاب الميزان للذهبي وتوفي بحلب ضحى يوم الإثنين السادس والعشرين من شوال انتهى وفيها شهاب الدين أحمد بن محمد بن علي بن أحمد بن عبد الرحمن المادح المعروف بالقرداح الواعظ ولد سنة ثمانين وسبعمائة قال ابن حجر قد انتهت إليه رياسة الفن ولم يكن في مصر والشام من يدانيه وكان طيب النغمة عارفا بالمويسيقي يجيد الأعمال ويتقنها ولا ينشد غالبا إلا معربا ومهر في علم الميقات وكان ينظم نظما وسطا سمعت منه ومدحني مرارا وكان يعمل الألحان وينقل كثيرا منها إلى ما ينظمه فإذا اشتهر وكثر استعمل غيره وهو أحد مفاخير الديار المصرية ولم يخلف بعده مثله وخلف كتبا كثيرة تزيد على ألف مجلد وخلف مالا جزيلا خفى غالبه على ورثته انتهى وفيها الملك الأشرف برسباي بن عبد الله أبو النصر الدقماقي الظاهر الجاركسي سلطان الديار المصرية والبلاد الشامية والأقطار الحجازية الثاني والثلاثون من ملوك الترك والثامن من ملوك الجراكسة أخذ من بلاد الجركس وأبيع بالقرم ثم اشتراه بعض التجار وقدم به إلى الجهة الشامية فلما وصل إلى مدينة ملطية اشتراه نائبها الأمير دقماق المحمدي ثم أرسله إلى الملك الظاهر برقوق في جملة تقدمة هائلة ثم أعتقه برقوق وتنقلت به الأيام إلى أن (7/238)

239 صار ساقيا في دولة الناصر فرج ثم انحرف إلى جهة الأميرين شيخ ونوروز وصار معهما إلى أن قتل الناصر وقدم صحبة الأمير شيخ إلى الديار المصرية وصار من جملة الأمراء بها ولا زال يترقى إلى أن صار أمير مائة مقدم ألف ثم ولي نيابة طرابلس سنة إحدى وعشرين وثمانمائة ثم عزل وقبض عليه وحبس بالمرقب ثم أفرج عنه وصار أمير مائة ومقدم ألف بدمشق ثم عاد إلى الديار المصرية صحبة الملك الظاهر ططر سنة أربع وعشرين ثمتنقلت به الأحوال إلى أن بويع بالسلطنة في ربيع الآخر سنة خمس وعشرين فساس الملك أحسن سياسة ونالته السعادة وفتحت في أيامه عدة فتوحات منها ما غوصة قبرص ثم بقية جزيرة قبرص وأسر ملكها جينوس ولم يقتل من المسلمين إلا القليل ثم عرض عليه جينوس ومن معه من الأسرى وهو يرفل في قيوده على برسباي فذرفت عيناه وأعلن بالحمد والشكر ورتب له ما يكفيه ثم أطلقه وأعاده بعد أن ضرب عليه الجزية واستمرت وكان برسباي ملكا جليلا مهابا عارفا سيوسا متواضعا حسن الخلق شهما شجاعا ذا شيبة نيرة وهيئة حسنة متجملا في حركاته حريصا على ناموس الملك لا يتعاطى شيئا من المسكرات محبا لجمع المال مكثرا من المماليك شرها في جمع الخيول والجمال وغيرها وكانت أيامه في غاية الحسن مرض في أوائل شعبان وتطاول به المرض ولما قوي عليه المرض وسط طبيبه العفيف الأسلمي رئيس الأطباء وزين الدين خضر في يوم السبت رابع شوال ولما قدم العفيف للتوسيط استسلم وثبت حتى صار قطعتين وقدم خضر فراع وجزع جزعا شديدا ودافع عن نفسه وصاح وبكى فتكاثروا عليه ووسطوه توسيطا معذبا لتلويه واضطرابه فساءت القالة في السلطان وقوى مرضه من حينئذ وابتلى بالصرع المهول إلى أن توفي قبيل عصر يوم السبت ثالث عشر ذي الحجة عن نيف وستين سن وتسلطن بعده ولده العزيز بويسف بعهد منه وكانت مدة سلطنته (7/239)

240 ست عشرة سنة وثمانية شهور وخمسة أيام وهو الذي أنشأ المدرسة الأشرفية في القاهرة بين القصرين وغيرها من الآثار الجميلة وفيها قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن أقضى القضاة ناصر الدين محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان بن حمزة الشيخ الإمام العالم المحدث الحنبلي الشهير بابن زريق قرأ القرآن واشتغل فقرأ الخرقي وأخذ الفقه عن جماعة منهم الشيخ شرف الدين بن مفلح قرأ عليه قطعة كبيرة من فروع والده ويقال أنه كان يحفظ ثلث الفروع والشيخ شمس الدين بن القباقبي وأذن له في الافتاء وكان له ذهن جيد ومحاضرة حسنة وناب في الحكم ثم ترك وأقبل على عمل الميعاد بالجامع المظفري وقرأ صحيح البخاري فيه مع تقشف وديانة إلى أن لحق بالله تعالى في الطاعون ودفن بالروضة قريا من الشيخ موفق الدين وتأسف الناس على فقده وفيها أحمد بن يحيى الشاوي اليمني الصوفي قال المناوي في طبقاته كان كبير القدر سريا رفيع الذكر سنيا صاحب أحوال وكرامات منها أنه قصده جمع من الزيدية ممن لا يثبت الكرامات وقصدوا امتحانه وكان عنده جب فيه ماء فجعل يغرف منه تارة لبنا وتارة سمنا وأخرى عسلا وغير ذلك بحسب ما اقترحوا عليه ودخل على القاضي عثمان بن محمد الناشري وقد أرجف بموته ثم خرج وعاد إليه وقال لأهله قد استمهلت له ثلاث سنين فأقام القاضي بعدها ثلاث سنين لا تزيد ولا تنقص وكان يحصل له وجد عظيم عند السماع فيتكلم بغرائب من العلوم والمعارف والحقائق انتهى وفيها القاضي تاج الدين أبو محمد عبد الرحيم بن محمد بن أبي بكر الطرابلسي الحنفي سمع علي ابن مناع الدمشقي بعض الأجزاء الحديثية بسماعه من عيسى المطعم وسمع على البرهان الشامي وغيره وحدث قليلا وناب في الحكم عن أخيه أمير الدين وغيره وولي افتاء دار العدل وكان يصمم في (7/240)

241 الأحكام ولا يتاسله كغيره وأقعد في أواخر عمره وحصلت هل رعشة ثم فلج فحجب وأقام على ذلك إلى أن مات ليلة الثاني والعشرين من المحرم وفيها علاء الدين أبو الحسن علي بن مصلح الدين موسى بن إبراهيم الرومي الحنفي الشيخ الإمام العلامة ولد سنة ست وخمسين وسبعمائة وكان فقيها باعرا مفننا في علوم شتى تخرج بالشريف الجرجاني والسعد التفتازاني وحضرا أبحاثهما بحضرة تيمور وغيره فكان يحفظ تلك الأسئلة والأجوبة المفحمة ويتقنها وقدم مصر مرات ونالته الحرمة الوافرة من الملك الأشرف برسباي وولاه مشيخة الصوفية بمدرسته التي أنشأها وتدريسها فباشرها مدة ثم تركها وتوجه إلى الحج وكان دأبه الانتقال من بلد إلى بلد وكان متضلعا من العلوم عالما مفننا محققا عارفا بالجدل بارعا في علوم كثيرة إلا أنه يستخف بكثير من علماء مصر وانضم إليه طلبتها لما قدم آخرا وأخذ في الاشغال فلم تطل مدته وتوفي يوم الأحد العشرين من شهر رمضان وفيها علاء الدين محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد البخاري العجمي الحنفي العلامة علامة الوقت قال ابن حجر ولد سنة تسع وسبعين وسبعمائة ببلاد العجم ونشأ ببخارى فتفقه بأبيه وعمه العلاء عبد الرحمن وأخذ الأدبيات والعقليات عن السعد التفتازاني وغيره ورحل إلى الأقطار واجتهد في الأخذ عن العلماء حتى برع في المعقول والمنقول والمفهوم والمنطوق واللغة والعربية وصار إمام عصره وتوجه إلى الهند فاستوطنه مدة وعظم أمره عند ملوكه إلى الغاية لما شاهدوه من غزير علمه وزهده وورعه ثم قدم مكة فأقام بها ودخل مصر فاستوطنها وتصدر للأقراء بها فأخذ عنه غالب من أدركناه من كل مذهب وانتفعوا به علما وجاها ومالا ونال عظمة بالقاهرة مع عدم تردد إلى أحد من أعيانها حتى ولا السلطان والكل يحضر إليه وكان ملازما للاشغال والأمر بالمعروف والنهي (7/241)

242 عن المنكر والقيام بذات الله تعالى مع ضعف كان يعتريه وآل أمره إلى أن توجه إلى الشام فسار إليها بعد أن سأله السلطان الإقامة بمصر مرارا فلم يقبل وسار إليها فأقام بها حتى مات في خامس شهر رمضان ولم يخلف بعده مثله في العلم والزهد والورع واقماع أهل الظلم والجور سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة فيها خلعوا الملك العزيز بن برسباي بعد أن كان له في السلطنة ثلاثة أشهر وأقيم الملك الظاهر أبو سعيد جقمق وفيها توفي إبراهيم بن حجي الحنبلي الكفل حارسي الشيخ الإمام العلامة برهان الدين قاله العليمي في طبقتاته وفيها شهاب الدين أحمد بن تقي الدين محمد بن أحمد الدميري المالكي المعروف بابن تقي وكانت أمه أخت القاضي تاج الدين بهرام فكان ينتسب إليها ولا ينتسب لأبيه ويكتب بخطه في الفتاوي وغيرها أحمد بن أخت بهرام قال ابن حجر كان فاضلا مستحضرا للفقه والأصول والعربية والمعاني والبيان وغيرها فصيحا عارفا بالشروط والأحكام جيد الخط قوي الفهم لكنه كان زر يالهيئة مع ما ينسب إليه من كثرة المال وقد عين للقضاء مرارا فلم يتفق وكان في صباه آية في سرعة الحفظ بحيث يحفظ الورقة من مختصر ابن الحاجب من مرتين أو ثلاث وتوفي في ثاني عشر ربيع الأول ولم يكمل الستين وخلف ذكرين وأنثى وفيها علم الدين أحمد بن القاضي تاج الدين محمد بن القاضي علم الدين محمد بن القاضي كمال الدين محمد بن القاضي برهان الدين محمد الأخنائي المالكي أحد نواب الحكم بالقاهرة قال في المنهل كان فقيها فاضلا مستحضرا لفروع مذهبه من بيت علم ورياسة وفضل ناب في الحكم عدة سنين وكان مشكور السيرة في أحكامه وله ثروة وحشمة مات بعد مرض طويل بالقاهرة في يوم (7/242)

243 الأربعاء خامس عشرى شهر رمضان وفيها الملك الظاهر هزبر الدين عبد الله وقيل يحيى بن إسمعيل بن علي بن داود بن يوسف بن عمر بن علي بن رسول صاحب اليمن بن الأشرف ملك اليمن في رجب سنة ثلاثين وثمانمائة وضعفت مملكته وخربت ممالك اليمن في أيامه لقلة محصوله بها من استيلاء العربان على أعمالها ولم يزل على ذلك إلى أن توفي يوم الخميس سلخ رجب وملك بعده ابنه الملك الأشرف إسمعيل وله نحو العشرين سنة فساءت سيرته وفيها علي بن عبد الرحمن بن محمد الشلقامي الشافعي قال ابن حجر ولد في الطاعون الكبير سنة تسع وأربعين وسبعمائة أو في حدودها وهو أسن من بقي من الفقهاء الشافعية حضر دروس الجمال الأسنائي وكان من أعيان الشهود وله فضيلة ونظم مات راجعا من الحج بالقرب من السويس وفيها موفق الدين علي بن محمد بن قحر بضم القاف وسكون المهملة بعدها راء الشافعي الزبيدي قال في المنهل الإمام العامل المفنن عالم زبيد ومفتيها ولد سنة ثمان وخمسين وسبعمائة وانتهت إليه رياسة العلم والفتوى بزبيد إلى أن توفي بها في ثاني شوال انتهى وفيها حافظ دمشق شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر عبد الله بن محمد بن أحمد بن مجاهد بن يوسف بن محمد بن أحمد بن علي القيسي الدمشقي الشهير بابن ناصر الدين الشافعي وقيل الحنبلي ولد في أواسط محرم سنة سبع وسبعين وسبعمائة بدمشق وبها نشأ وحفظ القرآن العزيز وعدة متون وسمع الحديث في صغره من الحافظ أبي بكر بن المحب وتلا بالروايات على ابن البانياسي ثم أكب على طلب الحديث ولازم الشيوخ وكتب الطباق وسمع من خلق منهم بدر الدين بن قوام ومحمد بن عوض والعز الأبناسي وابن غشم المرداوي (7/243)

244 والصدر المناوي ونجم الدين بن العز وبرهان الدين بن عبد الهادي وأبو هريرة بن الذهبي وخلائق يطول ذكرهم وأخبر السخاوي أنه قرأ على ابن حجر وابن حجر قرأ عليه ومهر في الحديث وكتب وخرج وعرف العالي والنازل وخرج لنفسه ولغيره وصار حافظ الشام بلا منازع وأخذ العربية عن البانياسي وغيره والفقه عن ابن خطيب الدهشة والسراج البلقيني وأجاز له من القاهرة الحافظ الزين العراقي والسراج بن المقن وغيرهما واشتهر اسمه وبعد صيته وألف التآليف الجليلة منها توضيح مشتبه الذهبي في ثلاث مجلدات كبار وجرد منه كتاب الأعلام بما وقع في مشتبه الذهبي من الأوهام وبديعة البيان عن موت الأعيان نظما وشرحها في مجلد سماه التبيان وقصيدة في أنواع علوم الحديث سماها عقود الدرر في علوم الأثر وشرحها شرحين مطول ومختصر وكتاب السراق من الضعفاء وكشف القناع عن حال من افترى الصحبة والأتباع واتحاف السالك برواية الموطأ عن مالك وجامع الآثار في مولد المختار ثلاثة أسفار كبار ومورد الصادي في مولد الهادي واختصر منه اللفظ الرائق في مولد خير الخلائق وله مصنفات في المعراج وكذا في الوفاة النبوية وافتتاح القاري لصحيح البخاري وتحفة الأخباري بترجمة البخاري ومنهاج السلامة في ميزان القيامة والتنقيح لحديث التسبيح وجزء في فضل يوم عرفة وجزء في فضل يوم عاشوراء وبرد الأكباد عن موت الأولاد ونفحات الأخيار في مسلسلات الأخبار والأربعون المتباينة الأسانيد والمتون ومسند تميم الداري وترجمته وعرف العنبر في وصف المنبر والروض الندى في الحوض المحمدي مجلد ذكر فيه طرق حديث الحوض من ثمانين طريقا وربع الفرع في شرح حديث أم زرع ورفع الدسيسة بوضع الهريسة وجزء فيه أحاديث ستة عن حفاظ ستة في معان ستة من مشايخ الأئمة الستة بين مخرجيها وبين رواتها ستة ونيل الأمنية بذكر الخيل النبوية والاملاء الأنفسي في ترجمة (7/244)

245 عسعسي وأعلام الرواة بأحكام حديث القضاة والأعلام الواضحة في أحكام المصافحة واطفاء حرقة الحوبة بالباس خرقة التوبة ومختصر في مناسك الحج وعدة مصنفات أخر وتوفي بدمشق في ليلة الجمعة سادس عشر ربيع الآخر ودفن بمقبرة باب الفراديس وفيها تاج الدين عبد الوهاب بن أحمد بن محمد بن عبد القادر الجعفري النابلسي الحنبلي قال العليمي الشيخ الإمام العالم القاضي كان من أهل الفضل وهو من بيت علم ورياسة وكان يكتب على الفتوى عبارة حسنة تدل على فضله وصنف مناسك الحج وهو حسن وله رواية في الحديث وخط حسن ولي قضاء الحنابلة بنابلس وباشر مدة طويلة وتوفي بها وتوفي ولده زين الدين جعفر في سنة أربع وأربعين وولده الثاني القاضي زين الدين عمر في سنة ست وأربعين وثمانمائة وفيها قاضي القضاة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن نعيم بن محمد بن حسن بن غنام البساطي المالكي النحوي قال السيوطي ولد في جمادى الأولى سنة ستين وسبعمائة ببساط وانتقل إلى مصر واشتغل بها كثيرا في عدة فنون وكان نابغة الطلبة في شبيبته واشتهر أمره وبعد صيته وبرع في فنون المعقول والعربية والمعاني والبيان والأصلين وصنف فيها وفي الفقه وعاش دهرا في بؤس بحيث انه كان ينام على قشر القصب ثم تحرك له الحظ فولي تدريس المالكية بمدرسة جمال الدين الاستادار ثم مشيخة تربة الملك الناصر ثم تدريس البرقوقية وتدريس الشيخونية وناب في الحكم عن ابن عمه ثم تولي القضاء بالديار المصرية سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة فأقام فيه عشرين سنة متوليا لم يعزل منه وكان سمع الحديث من التقى البغدادي وغيره ولم يعتن به ومن تصانيفه المغنى في الفقه وشفاء الغليل في مختصر الشيخ خليل وشرح ابن الحاجب الفرعي وحاشية على المطول وحاشية (7/245)

246 على شرح المطالع للقطب وحاشية على المواقف للعضد ونكت على الطوالع للبيضاوي ومقدمة في أصول الدين وأخذ عنه جماعة من أئمة العصر منهم شيخنا الإمام الشمني وقاضي القضاة محي الدين المالكي قاضي مكة وحدثنا عنه غير واحد ومات بالقولنج ثاني عشر شهر رمضان وأمطرت السماء بعد دفنه مطرا غزيرا أي وكانت وفاته بالقاهرة وفيها جمال الدين محمد بن سعيد بن كبن بفتح الكاف وشدة الموحدة بعدها نون اليمني قاضي عدن كان فاضلا مشاركا في علوم كثيرة ولي القضاء بعدن نحوا من أربعين سنة تخللتها ولاية للقاضي عيسى اليافعي مددا مفرقة وتوفي بعدن وأسف الناس عليه لما كان فيه من المداراة وخفض الجناح ولين الجانب والاصلاح بين الخصوم وقد قارب الثمانين وفيها شرف الدين أبو التون يونس بن حسين بن علي بن محمد بن زكريا الزبيري بن الجزار الألواحي نزيل القاهرة الشافعي ولد بالقاهرة سنة خمس وستين وسبعمائة وسمع من عبد الرحمن بن القاري وناصر الدين الطبردار وغيرهما وحدث بالكثير وعرض العمدة على الجمال الأسنوي ولازم السراج البلقيني قال ابن حجر وجمع لنفسه مجاميع مفيدة لكنه كان عريا من العربية فيقع له اللحن الفاحش وكان كثير الابتهال والتوجه ولا يعدم في طول عمره عاميا يتسلط عليه وخصوصا ممن يجاوره وسمع منه خلق وتوفي ليلة الخميس رابع عشر ذي الحجة سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة فيها توفي برهان إبراهيم بن فلاح النابلسي الحنبلي كان من العلماء العاملين توفي بصالحية دمشق وفيها تقي الدين عبد اللطيف بن القاضي بدر الدين محمد بن الأمانة قال (7/246)

247 ابن حجر درس في الحديث بالمنصورية وفي الفقه بالمدرسة الهكارية مكان أبيه أياما ومات وهو شاب في يوم الأحمد ثامن عشرى ذي القعدة وكان مشكور السيرة على صغر سنه انتهى وفيها القاضي علاء الدين علي بن محمد بن سعد بن محمد بن علي بن عمر بن إسمعيل بن إبراهيم بن يوسف بن يعقوب بن علي بن هبة الله بن ناجية الطائي الشافعي الحلبي قاضي حلب وفقيهها المعروف بابن خطيب الناصرية ولد سنة أربع وسبعين وسمع من أحمد بن عبد العزيز بن المرحل وهو أقدم شيخ له ومن عمر بن أيدغمش خاتمة أصحاب إبراهيم بن خليل وكان إماما عالما مفنا شديد الحب للقضاء حتى بلغ من غيرته عليه أنه أوصى بأن يسعى به لابن بنته أثير الدين بن الشحنة في قضاء الشافعية بحلب مع أنه حنفي المذهب توفي يوم الخميس حادي عشر ذي القعدة بحلب ولم يخلف بعده مثله ولا قريبا منه وفيها جمال الدين محمد بن عبد الله الكازروني المدني الشيخ الإمام العالم انتهت ِإليه رياسة العلم بالمدينة النبوية وولي قضاءها وخطابتها ثم صرف ودخل القاهرة مرارا ولم يخلف بعده من يقارنه بالمدينة المنورة وفيها شمس الدين محمد بن يحيى بن علي بن محمد بن أبي بكر المصري الصالحي نسبة إلى قرية يقال لها مينة أم صالح بناحية مليج الغربية وإلى حارة الصالحية بالبرقية داخل القاهرة الشافعي المذهب ولد قبل الستين وسبعمائة وعنى بالقراءات فأتقن السبع على جماعة ورحل إلى دمشق واشتغل بالفقه وتولى تدريس الفقه بالبرقوقية عن الشيخ أوحد بحكم نزوله له عنه بمبلغ كبير من الذهب واتصل بالأمير قطلوبغا الكركي فقرره إماما بالقصر وناب بجاهه في الحكم أحيانا وأم قطلوبغا المذكور ثم ولي مشيخة القراءات بالمدرسة المؤيدية لما فتحت وما تزوج وكان مولعا بالمطالب ينفق ما يتحصل له فيها مع (7/247)

248 التقتير على نفسه وكف بصره في أواخر عمره واختل ذهنه عفا الله عنه قاله ابن حجر وفيها صلاح الدين خليل بن أحمد الأديب المعروف بابن الفرس المصري الشاعر المشهور قال في المنهل الصافي كان أديبا ذكيا فاضلا يلبس لبس أولاد الأتراك واشتغل في ابتداء أمره بفقه الحنفية ثم غلب عليه الأدب حتى صار معدودا من الشعراء المجيدين وكان ضخما جسيما إلا أنه كان لطيفا حاذقا حلو المحاضرة حسن البديهة ومن شعره ( عجوزة حدباء عاينتها * تبسمت قلت استري فاكي ) ( سبحان من بدل ذاك البها * بقبح أشداق وأحناك ) ومنه أيضا ( خليل ابسطالي الانس أني * فقير مت في حب الغواني ) ( وأن تجدا مداما أو قيانا * خذان للمدامة والقيان ) توفي في شعبان وقد نيف على الخمسين سنة أربع وأربعين وثمانمائة فيها توفي شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن رسلان بن نصير بن صالح الشافعي لمعروف بالعجيمي قاضي المحلة قال في المنهل كان فقيها عالما فاضلا ولي نيابة الحكم بالمحلة وغيرها عدة سنين وكثر ماله من ذلك وكانت له وجاهة واستمر على ذلك إلى أن توفي يوم الثلاثاء رابع عشرى جمادى الأولى عن أكثر من ثمانين سنة وفيها شهاب الدين أبو العباس أحمد بن حسين بن أرسلان المقدسي الشافعي الصوفي الشيخ الإمام العالم الصالح القدوة ولد برملة فلسطين سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة ثم رحل لأخذ العلوم فسمع الحديث على جماعة كثيرة (7/248)

249 وبرع في الفقه حتى أجازه قاضي القضاة الباعوني بالافتاء وتصدى للأقراء وما قرأ عليه أحد إلا انتفع وكان يكنى جماعته بكنى كأبي طاهر وأبي المواهب فلا يتخلف أثرها ولزم الافتاء والتدريس مد ثم ترك ذلك وسلك طريق الصوفية القويم وجد واجتهد حتى صار منارا يهتدي به السالكون وشعارا يقتدي به الناسكون وغرست محبته في قلوب الناس فأثمر له ذلك الغراس ومن تصانيفه النافعة شرح سنن أبي داود والبخاري وعلق على الشفا وشرح مختصر ابن الحاجب وجمع الجوامع ومنهاج البيضاوي وشرح أرجوزته الزبد في كبير وصغير وتصحيح الحاوي ومختصر الروضة والمنهاج وأدب القاضي للغزي والأذكار وحياة الحيوان ونظم في علم القراآت وأعرب الألفي وشرح الملحة وعمل طبقات الشافعية ونظم من علوم القرآن ستين نوعا ومن نظمه في المواضع التي لا يجب فيها رد السلام ( رد السلام واجب إلا على * من في صلاة أو بأكل شغلا ) ( أو شرب أو قراءة أو أدعية * أو ذكر أو في خطبة أو تلبية ) ( أو في قضاء حاجة الإنسان * أو في إمام أو الأذان ) ( أو سلم الطفل أو السكران * أو شابة يخشى به افتتان ) ( أو فاسق أو ناعس أو نائم * أو حالة الجماع أو محاكم ) ( أو كان في الحمام أو مجنونا * هي اثنتان بعدها عشرونا ) قال المناوي في طبقات الأولياء وله كرامات لا تكاد تحصى منها أنه شفع عند طوغان كاشف الرملة فلم يقبل شفاعته وقال طولتم علينا يا ابن رسلان إن كان له سر فليرم هذه النخلة لنخلة بقربه فما تم كلامه إلا وهبت ريح عاصفة فألقتها فبادر إلى الشيخ معتذرا ومنها أنه لما أتم كتاب الزبد أتى به إلى البحر وثقله بحجر وألقاه في قعره وقال اللهم إن كان خالصا لك فأظهره وإلا فأذهبه فصعد من قعر البحر حتى صار على وجه الماء ولم يذهب منه حرف ومنها أنه سمع (7/249)

250 عند إنزاله القبر يقول ( ^ رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين ) وكان صائما قائما قلما يضطجع بالليل وتوفي بالقدس يوم الإثنين لثمان بقين من شهر رمضان عن إحدى وسبعين سنة وارتجت الدنيا لموته ولم يخلف بعده بتلك الديار مثله وفيها شهاب الدين أبو العباس أحمد بن صالح المحلى الشافعي قال في المنهل الشيخ الإمام العلامة كان إماما بارعا في الفقه والأصول والفرائض والنحو والتصريف وتصدر لتلدريس عدة سنين وخطب مدة مع سلوك ونسك وعبادة وصلاح وكان للناس فيه اعتقاد حسن ولم يزل على ذلك إلى أن توفي يوم الأربعاء ثامن عشرى ذي الحجة انتهى وفيها قاضي القضاة محب الدين أبو الفضل أحمد بن نصر الله بن أحمد بن محمد بن عمر البغدادي ثم المصري الحنبلي شيخ الإسلام وعلم الأعلام المعروف بابن نصر الله شيخ المذهب ومفتي الديار المصرية ولد ببغداد في ضحوة يوم السبت سابع عشر رجب سنة خمس وستين وسبعمائة وسمع بها من والده الشيخ نصر الله ومن نجم الدين أبي بكر بن قاسم ونور الدين علي بن أحمد المقري وعنى بالحديث ثم قدم القاهرة مع والده وأخذ عن مشايخ منهم سراج الدين البلقيني وزين الدين العراقي وابن الملقن وأخذ عن الشيخ زين الدين بن رجب بالشام وسمع بحلب من الشهاب بن المرحل وولي تدريس الظاهرية البرقوقية وغيرها وناب في الحكم عن ابن المغلي وناظر وأفتى وانتفع به الناس وكان متضلعا بالعلوم الشرعية من تفسير وحديث وفقه وأصول قال برهان الدين بن مفلح في طبقاته وهو من أجل مشايخنا وانتهت إليه مشيخة الحنابلة بعد موت مستخلفه علاء الدين بن مغلى وله عمل كثير في شرح مسلم وله حواش على المحرر حسنة وعلى الفروع وكتابة على الفتوى نهاية وأفتى بصحة الخلع حيلة وعدم وقوع الطلاق بفعل المحلوف عليه في (7/250)

251 زمن البينونة ويأيت نظير ذلك في ترجمة نور الدين الشيشيني ومن فوائده أن من اشترى حصة مبلغها النصف مثلا من بناء على أرض محتكرة فليس لشريكه طلب الشفعة في البناء المبيع دون الأرض ومنها قوله كثيرا ما يقع في سجلات القضاة الحكم بالموجب تارة والحكم بالصحة أخرى وقد اختلف كلام المتأخرين في الفرق بينهما وعدمه ولم أجد لأحد من أصحابنا كلاما منقولا في ذلك والذي نقوله بعد الاستعصام بالله تعالى وسؤاله التوفيق أن الحكم بالصحة لا شك أنه يستلزم ثبوت الملك والحيازة قطعا فإذا ادعى رجل أنه ابتاع من آخر عينا واعترف المدعى عليه بذلك لم يجز للحاكم الحكم بصحة البيع بمجرد ذلك حتى يدعى المدعي أنه باعه العين المذكورة وهو مالك لها ويقيم البينة بذلك فأما لو اعترف له البائع بذلك لم يكن جواز الحكم بالصحة لأن اعترافه يقتضي ادعاء ملك العين المبيعة وقت البيع ولا يثبت ذلك بمجرد دعواه فلا بد من بينة تشهد بملكه وحيازته حال البيع حتى يسوغ للحاكم الحكم بالصحة وأما الحكم بالموجب بفتح الجيم فمعناه الحكم بموجب الدعوى الثابتة بالبينة أو علم القاضي أو غيرهما هذا هو معنى الموجب ولا معنى للموجب غير ذلك وكان لا ينظر بإحدى عينيه مع حسن شكله وأبهته واستقل بقضاء مصر مددا وأجازه الشمس الكرماني بإجازة عظيمة ووصفه بالفضيلة مع صغر السن وتمثل فيه بقول الشاعر ( إن الهلال إذا رأيت نموه * أيقنت أن سيصير بدرا كاملا ) وتوفي بالقاهرة صبيحة يوم الأربعاء النصف من جمادى الآخرة عن ثمان وسبعين سنة وعشرة أشهر إلا يومين واستقر ولده يوسف بعده في تدريس المنصورية والأشرفية وفيها قاضي القضاة موفق الدين علي بن أبي بكر اليمني الشافعي الشهير بالناشري كان عالم مدينة تعز باليمن وقاضيها ومفتيها وبها توفي في خامس (7/251)

252 عشرى صفر عن تسعين سنة وفيها علاء الدين أبو الحسن علي بن عثمان بن عمر بن صالح الدمشقي الشافعي الشهير بابن الصيرفي ولد بدمشق سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة وبها نشأ وطلب العلم وسمع الحديث على أبي الحسن علي بن أبي المجد والزين عمر البالسي وفاطمة بنت المنجا والكمال بن النحاس وغيرهم وحفظ عدة متون في مذهبه وتفقه على الشرف الغزي والشهاب الملكاوي وبرع في الفقه والأصول والعربية والحديث وقدم القاهرة سنة ثلاث وثمانمائة فأخذ عن السراج البلقيني والحافظ الزين العراقي وقرأ الأصول على العز بن جماعة ثم عاد إلى دمشق واشتهر في آخر عمره وتصدر بجامع بني أمية وأفتى ودرس بالشامية البرانية وبدار الحديث الأشرفية وصنف عدة تصانيف منها كتاب الوصول إلى ما في الرافعي من الأصول مجلد وكتاب نتائج الفكر في ترتيب مسائل المنهاج على المختصر في أربع مجلدات وكتاب ذهن الفقيه الساري في ترتيب مسائل المنهاج على أبواب البخاري وهو كبير جدا وكتاب خطب في في مجلد وكتاب زاد السائرين في فقه الصالحين وهو شرح للتنبيه وناب في الحكم في أواخر عمره وكان دينا سليم الصدر متواضعا متقشفا في ملبسه ملازما للاشتغال والاشغال إلى أن توفي بدمشق ليلة الإثنين حادي عشر رمضان ودفن بمقابر الصوفية وفيها برهان الدين إبراهيم بن البجلاق البعلي الحنبلي شيخ الحنابلة ومدرسهم ومفتيهم بمدينة بعلبك له سماع كثير للحديث وتوفي ببعلبك في أواسط شوال وفيها قاضي القضاة شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أبي بكر بن أحمد بن علي بن إسمعيل الحنبلي المعروف بابن الرسام ولد تقريا سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة وولي قضاء حماة ثم قضاء حلب وقدم الشام والقاهرة مرارا (7/252)

253 وأسمع الصحيح من شمس الدين بن اليونانية وسمع من العراقي وأجاز له جماعة منهم ابن المحب وابن رجب وكان يعمل المواعيد وله كتاب في الوعظ على نمط كتاب شيخه ابن رجب المعروف بلطائف المعارف وتوفي في شوال وفيها زين الدين عبد الرحمن بن سليمان بن أبي الكرم الحنبلي المعروف بأبي شعر الشيخ الإمام العلامة القدوة الحافظ نشأ على خير ودين واشتغل على الشيخ علاء الدين بن اللحام وأذن له بالإفتاء شمس الدين القباقبي وحضر زين الدين بن رجب وعنى بالحديث وعلومه وكان أستاذا في التفسير وله مشاركة جيدة في الفقه والأصلين والنحو وكان متبحرا في كلام الشيخ تقي الدين بن تيمية إلى أن وقع له كائنة مع بعض الناس فلزم بيته بصالحية دمشق وعكف عليه جماعة كثيرا وانتفعوا به وكانت هيئتة تذكر بالسلف الصالح وله كشف سريع وصبر في حق الله تعالى توفي في ثامن عشرى شوال ودفن بالروضة قريبا من الشيخ موفق الدين وتوفي قبله ولده برهان الدين إبراهيم في الطاعون سنة إحدى وأربعين وكان شابا حسنا دينا فاضلا تأسف الناس عليه وفيها نور الدين أبو الحسن علي بن عمر بن حسن بن حسين بن علي بن صالح التلواني الشافعي أصله من الغرب وسكن والده بجروان قرية بالمنوفية بالوجه البحري من أعمال القاهرة فولد له بها الشيخ نور الدين هذا بعد سنة ستين وسبعمائة فنشأ بها وحفظ القرآن العزيز ثم سكن تلوانة بالمنوفية أيضا فعرف بالتلواني ثم قدم القاهرة وطلب العلم وأكب على الاشتغال ولازم السراج البلقيني وغيره وأجازه البلقيني بالفتوى والتدريس وتصدر لهما وانتفع به جماعة وحضر دروسه غالب علماء العصر وتولى عدة وظائف دينية وتداريس عديدة منها تدريس قبة الشافعي إلى أن توفي يوم الإثنين ثالث عشرى ذي القعدة وقد أناف على الثمانين وحواسه سليمة (7/253)

254 وفيها شمس الدين محمد بن عمار بن محمد المالكي الإمام العالم العلامة ولد في حدود الستين وسبعمائة واشتغل قديما ولقي المشايخ وسمع من كثيرين وقرأ بنفسه قال ابن حجر وسمع معي بالقاهرة والأسكندرية وكان صاحب فنون وقد جمع مجاميع كثيرة وشرح العمدة وكتب على التسهيل واختصر كثيرا من الكتب المطولة وسكن بمصر بجوار جامع عمرو بن العاص وانتفع به المصريون وسكن تربة الشيخ أبي عبد الله الجبرتي بالقرافة مدة وكان حسن المحاضرة محبا في الصالحين حسن المعتقد وتوفي ليلة السبت رابع عشرى ذي الحجة وقد أكمل ستا وثمانين سنة انتهى سنة خمس وأربعين وثمانمائة فيها توفي تقي الدين أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن تميم بن عبد الصمد المقريزي الحنفي البعلي الأصل المصري المولد والدار والوفاة الإمام العالم البارع عمدة المؤرخين وعين المحدثين ولد بعد سنة ستين وسبعمائة ونشأ بالقاهرة وتفقه على مذهب الحنفية وهو مذهب جده العلامة شمس الدين محمد بن الصايغ ثم تحول شافعيا بعد مدة طويلة وسمع الكثير من البرهان النشاوري والبرهان الآمدي والسراج البلقيني والزين العراقي وسمع بمكة من ابن سكر وغيره وله إجازة من الشيخ شهاب الدين الأذرعي والجمال الأسنوي وغيرهما وكان علما من الأعلام ضابطا مؤرخا مفننا محدثا معظما في الدول ولي حسبة القاهرة غير مرة (7/254)

255 وعرض عليه قضاء دمشق فأبى وكتب الكثير بخطه وانتقى وحصل الفوائد واشتهر ذكره في حياته وبعد موته في التاريخ وغيره حتى صار يضرب به المثل وكان منقطعا في داره ملازما للخلوة والعبادة قل أن يتردد لأحد إلا لضرورة إلا أنه كان كثير التعصب على السادة الحنفية وغيرهم لميله إلى مذهب الظاهر قال ابن تغرى بردى قرأت عليه كثيرا من مصنفاته وكان يرجع إلى قولي فيما أذكره له من الصواب وأجاز لي جميع ما تجوز له وعنه روايته ومن مصنفاته امتاع الأسماع فيما للنبي من الحفدة والمتاع في ست مجلدات وكتاب الخبر عن البشر ذكر فيه القبائل لأجل نسب النبي في أربع مجلدات وعمل له مقدمة في مجلد وله كتاب السلوك في معرفة دول الملوك في عدة مجلدات يشتمل على ذكر الحوادث إلى يوم موته ذيلت عليه في حياته من سنة أربعين وثمانمائة وسميته حوادث الدهور في مدى الأيام والشهور ولم ألتزم فيه ترتيبه وله كتاب درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ذكر فيه من مات بعد مولده إلى يوم وفاته وكتاب المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار في عدة مجلدات وهو في غاية الحسن وكتاب مجمع الفرائد ومنبع الفوائد كمل منه نحو الثمانين مجلدا كالتذكرة وله غير ذلك وتوفي يوم الخميس سادس عشر رمضان بالقاهرة ودفن بمقبرة الصوفية خارج باب النصر انتهى وفيها أمير المؤمنين المعتضد بالله أبو الفتح داود بن المتوكل على الله كانت خلافته ثمانية وعشرين سنة وشهرين وتوفي يوم الأحد رابع شهر ربيع الأول وقد قارب التسعين واستقر بعده شقيقه المستكفي بالله أبو الربيع سليمان بعهد منه وفيها جمال الدين عبد الله بن محمد بن الجلال نائب الحكم الزيتوني الشافعي (7/255)

256 قال ابن حجر أخذ عن شيخنا برهان الدين الأبناسي وغيره واشتغل كثيرا وتقدم ومهر ونظم الشعر المقبول الجيد وأفاد وناب في الحكم وتصدر وكان قليل الشر كثير السكون والكلام وتوفي في يوم الخميس سادس عشر رجب وأظنه قارب السبعين وفيها جمال الدين عبد الله بن محمد بن الدماميني نسبة إلى دمامين قرية بالصعيد الأسكندراني قاضي الأسكندرية وليها أكثر من ثلاثين سنة وكان قليل البضاعة في العلم لكنه كثير البذل ضخم الرياسة سخي النفس أفنى مالا كثيرا في قيام صورته في المنصب ودفع من يعارضه وركبه الدين ثم توفي يوم الأحد ثاني عشر القعدة عن نحو خمس وستين سنة وفيها زين الدين أبو ذر عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد الزركشي المصري الحنبلي المسند العلامة بن الإمام العلامة شمس الدين أبي عبد الله المتقدم ذكره ولد في سابع عشر رجب سنة خمسين وسبعمائة وسمع الكثير وانفرد في آخر عمره بسماع مسلم من البياني بسنده فإنه آخر من روى عنه بالسماع وكان خيرا فاضلا ناب في الحكم بمصر مدة طويلة واستقر في تدريس الأشرفية المستجدة بالقاهرة في رمضان سنةن ثلاث وثلاثين وثمانمائة وروى عنه خلق من الأعيان منهم القاضي عز الدين الكناني الآتي ذكره وقاضي القضاة سعد الدين الديري الحنفي وكمال الدين بن أبي شريف الشافعي وخلق من العلماء وغيرهم وتوفي بالقاهرة في أحد الجمادين وفيها زين الدين أبو محمد وأبو الفرج عبد الرحمن بن يوسف بن أحمد بن سليمان بن داود بن سليمان بن قريج بقاف وجيم مصغرا بن الطحان الحنبلي الصالحي المسند ولد في خامس عشر محرم سنة ثمان وستين وسبعمائة على الصحيح واعتنى به أبوه فأسمعه على صلاح الدين بن أبي عمر وعلي ابن علي الصحيح واعتنى به أبوه فأسمعه على صلاح الدين بن أبي عمر وعلي ابن أميلة جامع الترمذي والسنن لأبي داود ومشيخة الفخر بن البخاري وعمل اليوم (7/256)

257 والليلة لابن السني وعلى زينب بنت قاسم ما في المشيخة من جزء الأنصاري وصحيح مسلم وغيرهم وقرأ بنفسه على ابن المحب وسمع على أبي الهول علي بن عمر الجزري كتاب الذكر لابن أبي الدنيا وقرأ على أحمد بن العماد وأبي بكر بن العز ومحمد بن الرشيد وغيرهم وأكثر من الرواية والمشايخ بحيث صار من كبار المسندين المشار إليهم وأخذ عنه خلق كثير وقدم مصر فأسمع سنن أبي داود وقطعة كبيرة من المسند وتوفي بقلعة الجبل يوم الإثنين سابع عشرى صفر وفيها عبد المؤمن بن المشرقي الشافعي قال البرهان البقاعي نزيل القدس الشريف مات يوم الجمعة يوم عرفة بالقدس وكان يوما مشهودا وكان فاضلا وله يد طولى في الوعظ وله صوت عال بحيث أنه إذا وعظ في باب حطة سمعه من تحت الزيتون انتهى وفيها علاء الدين علي بن إسماعيل بن محمد بن بردس البعلي الحنبلي الشيخ الإمام المسند المحدث ولد سنة اثنين وستين وسعبمائة وبكر به أبوه إلى السماع فأسمعه كثيرا وعمر وصار إليه المنتهى في علو الإسناد في الدنيا ورحل إليه الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي بجماعة من أهل الشام للسماع عليه ببعلبك وتوفي يوم الثلاثاء العشرين من ذي الحجة قاله العليمي وفيها شمس الدين محمد بن عمر بن عبد الله بن محمد بن غازي الدنجاوي الشافعي الإمام البارع المفنن الأديب ولد بثغر دمياط سنة اثنين وثمانمائة تقريبا واشتغل في الفقه والغربية فبرع فيهما وتعانى الأدب فمهر وقرره شرف الدين يحيى بن العطار في خزانة الكتب بالمؤيدية وكان خفيف ذات اليد توعك يسيرا فرأى في توعكه أنه يؤم بناس كثيرة وأنه قرأ سورة نوح ووصل إلى قوله تعالى ( ^ أن أجل الله إذا جاء لا يؤخر ) فاستيقظ وجلا فقص المنام (7/257)

258 على بعض أصحابه وقال هذا دليل أنني أموت في هذا الضعف وكان كما قال وتوفي بالقاهرة يوم الثلاثاء حادي عشرى ذي القعدة وصلى عليه بالأزهر الشمس القاياتي وفيها ضياء الدين محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرزاق بن عيسى بن عبد المنعم بن عمران بن حجاج الأنصاري الصفطي قال ابن حجر هو ابن شيخنا ناصر الدين شيخ الآثار النبوية على شاطىء النيل كان خيرا فاضلا مشهورا بالخير والديانة وولي المشيخة بعد أبيه فأقام فيها نيفا وثلاثين سنة وتوفي في شوال وفيها شمس الدين محمد بن محمود بن محمد البالسي ثم القاهري ولد سنة أربع وخمسين وسبعمائة وسمع الكثير من ابن الملقن وصاهره على ابنته وسمع من غيره أيضا واستجاز له ابن الملقن من مسندي الشام منهم عمر بن أميلة وأحمد بن السيف وصلاح الدين بن أبي عمر وأحمد بن المهندس وآخرون وحدث في أواخر عمره وكان سحن الخط أحد رؤساء القاهرة ناب في الحكم في عدة بلاد تمرض مدة ومات صحيح السمع والبصر والاسنان سنة ست وأربعين وثمانمائة فيها توفي زين الدين عبادة بضم العين المهملة وتخفيف الباء الموحدة بن علي بن صالح بن عبد المنعم بن سراج بن نجم بن فضل الله بن فهد بن عمرو الأنصاري الخزرجي المالكي النحوي قال السيوطي مشهور باسمه ولد في جمادى الأولى سنة سبع وسبعين وسبعمائة ومهر في الفقه والعربية وسمع الحديث من التنوخي والحلاوي وغيرهما وصار رأس المالكية وعين للقضاء بعد موت الدمياطي فامتنع وولي تدريس الأشرفية والشيخونية والظاهرية وانقطع في آخر عمره إلى الله تعالى وأعرض عن الاجتماع بالناس وامتنع (7/258)

259 من الافتاء وانتفع به جماعة وسمع منه صاحبنا النجم بن فهد وغيره وتوفي في رمضان وقيل شوال انتهى وفيها جمال الدين عبد الله السنباطي الشافعي الواعظ قال ابن حجر لازم مجلس الشيخ سراج الدين البلقيني يقرأ عليه من كلامه وكلام غيره وكان يتكلم على الناس بالجامع الأزهر من نحو سبعين سنة ومع ذلك يشتغل بالعلم ويستحضر في الفقه وقد ناب في الحكم عن القاضي جلال الدين وغيره وتوفي في رمضان بعد مرض طويل وفيها قاضي الأقاليم عز الدين أبو البركات عبد العزيز بن الإمام العلامة علاء الدين أبي الحسن علي بن العز بن عبد العزيز بن عبد المحمود البغدادي مولدا ثم المقدسي الحنبلي الشيخ الإمام العالم المفسر ولد ببغداد في سنة سبعين وسبعمائة واشتغل بها ثم قدم دمشق فأخذ الفقه عن ابن اللحام وعرض عليه الخرقي واعتنى بالوعظ وعلم الحديث ودرس وأفتى وله مصنفات منها مختصر المغنى وشرح الشاطبية وصنف في المعاني والبيان وجمع كتابا سماه القمنر المنير في أحاديث البشير النذير وولي قضاء بيت المقدس بعد فتنة اللنك في سنة أربع وثمانمائة وهو أول حنبلي ولي القدس وطالت مدته وجرى له فصول ثم ولي المؤيدية بالقاهرة ثم ولي قضاء الديار المصرية في جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين ثم ولي قضاء دمشق في دفعات يكون مجموعها ثمان سنين وكان يسمى بقاضي الأقاليم لأنه ولي قضاء بغداد والعراق وبيت المقدس ومصر والشام وكان فقيها دينا متقشفا عديم التكلف في ملبسه ومربكه له معرفة تامة ولما ولي قضاء مصر صار يمشي لحاجته في الأسواق ويردف عبده على بلغته وأشياء من هذا النسق وكانت جميع ولاياته من غير سعي وتوفي بدمشق ليلة الأحد مستهل ذي القعدة ودفن عند قبر والده بمقابر باب كيسان إلى جانب الطريق قاله العليمي (7/259)

260 وفيها القاضي جمال الدين محمد بن عمر بن علي الطنبذي المعروف بابن عرب الشافعي ولد بعد الخمسين وسبعمائة بيسير واشتغل وحفظ التنبيه ووقع على القضاة في العشرين من عمره شهد على أبي البقاء السبكي سنة ثلاث وسبعين فأداها بعد نيف وسبعين سنة وولي حسبة القاهرة ووكالة بيت المال غير مرة وناب في الحكم وجرت له خطوب وانقطع بآخره في منزله مع صحة عقله وقوة جسده وكان أكثر إقامته ببستان له بجزيرة الفيل سقط من مكان فانكسرت ساقه فحمل في محفة من جزيرة الفيل إلى القاهرة فأقام نحو أربعة أشهر ثم توفي ليلة الخميس الثامن من شهر رمضان وفيها شمس الدين محمد بن علي بن محمد بن محمد البدري ثم القاهري الشافعي كان إماما عالما توفي في شوال عن نحو ستين سنة سنة سبع وأربعين وثمانمائة فيها توفي زين الدين أبو بكر بن إسحق بن خالد الكختاوي المعروف بالشيخ باكير النحوي قال السيوطي ولد في حدود السبعين وسبعمائة وكان إماما عالما بارعا متفننا في علوم وتفرد بالمعاني والبيان وفي لسانه لكنة مع سكون وعقل زائد وحسن شكل وشيبة منورة وجلالة عند الخاص والعام ولي قضاء حلب فحمدت سيرته وأفتى ودرس بها واستدعاه الملك الأشرف برسباي إلى مص روولاه مشيخة الشيخونية بحكم وفاة البدر القدسي وانتفع به جماعة وممن أخذ عنه والدي رحمة الله تعالى مات ليلة الأربعاء ثالث عشر جمادى الأولى انتهى وفيها نور الدين علي بن أحمد بن خليل بن ناصر بن علي بن طيىء المشهور قديما بابن السقطي وأخيرا بابن بصال الأسكندراني الأصل ولد سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة قال ابن حجر واشتغل كثيرا في عدة فنون ولم يكن (7/260)

261 بالماهر وكان يتعانى توقيع الإنشاء وسمع من سراج الدين بن الملقن وغيره وكتب بخطه كثيرا من تصانيف ابن الملقن وحدث باليسير ولازم مجالس الإملاء عندي نحوا من عشرين سنة وتوفي آخر يوم الأربعاء ثالث عشرى جمادى الأولى انتهى وفيها نور الدين أبو المعالي محمد بن السلطان الظاهر جقمق ولد في رجب سنة ست عشرة وثمانمائة وقرأ القرآن واشتغل بالعلم وحفظ كتبا ومهر في مدة يسيرة ولازم الشيخ سعد الدين بن الديري قبل أن يلي القضاء وأخذ عن الكافيجي وغيره وكان محبا في العلم والعلماء وولي الإمرة بعد سلطنة أبيه بقليل وجلس رأس الميسرة وأصابه مرض السل ثم بعده توفي ليلة السبت الثاني عشر من ذي الحجة بعلة البطن في القاهرة وفيها جمال الدين يوسف بن محمد بن أحمد بن المجبر التزمنتي بكسر المثناة الفوقية وسكون الزاي والنون وفتح الميم آخره فوقية نسبة إلى تزمنت قرية من عمل البهنسا ولد سنة سبعين وسبعمائة قال ابن حجر كان فاضلا اشتغل ودار على الشيوخ ودرس في أماكن وناب في الحكم عن علم الدين البلقيني وكان صديقه وتوفي ليلة الجمعة خامس عشر رجب انتهى أي واختلط قبل موته والله تعالى أعلم سنة ثمان وأربعين وثمانمائة فيها كان بالقاهرة الطاعون العظيم بحيث كان يخرج في اليوم والحد ما يزيد على الألف وفيها توجه الشيخ شمس الدين محمد بن أحمد الفرياني بضم الفاء وكسر الراء المشددة نسبة إلى فريانة قرية قرب سفاقس المغربي إلى جبال حميدة بالأرض المقدسة وهي جبال شاهقة صعبة المرتقى ليس لها مسلك يسع أكثر (7/261)

262 من واحد وبأعلى جبل منها سهلة بها مزدرع وعيون وماء وكروم وأقوام في غاية المنعة والقوة من التجأ إليهم أمن ولو حاربه السلطان فمن دونه فنزل الفرياني عندهم وادعى أنه المهدي وقيل ادعى أنه القحطاني وراج أمره هناك وكان قدم القاهرة وأكثر التردد إلى المقريزي وواظب الجولان في قرى الريف الأدنى يعمل المواعيد ويذكر الناس وكان يستحضر كثيرا من التواريخ والأخبار الماضية ويدعي معرفة الحديث النبوي ورجاله وتحول عن مذهب مالك وادعى أنه يقلد الشافعي وولي قضاء نابلس إلى أن ظهر منه ما ظهر وفيها شهاب الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم الفيشي بالفاء والشين المعجمة بينهما تحتية مثناة الحنائي بكسر المهملة وتشديد النون مع المد النحوي المالكي ولد في شعبان سنة ثلاث وستين وسبعمائة قال ابن حجر سمع من جماعة قبلنا وسمع معنا من شيوخنا وقرأ بنفسه وطلب وولي نيابة الحكم ودرس في أماكن وكان من الصوفية البيبرسية وكان وقورا ماكنا قليل الكلام كثير الفضل انتفع به جماعة في العربية وغيرها وقال السيوطي ألف في النحو وسمع منه صاحبنا ابن فهد وتوفي ليلة ثامن عشر جمادى الأولى وفيها زين الدين عبد الرحيم بن علي الحموي الواعظ المعروف بابن الآدمي قال ابن حجر تعانى عمل المواعيد فبرع فيها واشتهر وأثرى وقدم القاهرة بعد اللنكية فاستوطنها إلى أن مات وولي في غضون ذلك خطابة المسجد الأقصى ثم صرف واستمر في عمل المواعيد والكلام في المجالس المعدة لذلك واشتهر اسمه وطار صيته وكان غالبا لا يقرأ إلا من كتاب مع نغمة طيبة وأداء صحيح وكان يقرأ صحيح البخاري في شهر رمضان في عدة أماكن إلى أن مات فجأة في الثاني من ذي القعدة بعد أن عمل يوم موته الميعاد في موضعين وقد جاوز الثمانين وترك أولادا أحدهم شيخ يقرب من الستين وفيها زين الدين عبد الخلاق بن أحمد بن الفرزان الحنبلي الشيخ الإمام (7/262)

263 توفي بنابلس في هذه السنة وفيها شمس الدين محمد بن أحمد بن عمر بن كميل المنصوري الشافعي الشهير بابن كميل قال ابن حجر اشتغل كثيرا وحفظ الحاوي ونظم الشعر ففاق الأقران عرفته سنة أربع وعشرين حججنا جميعا وكنا نجتمع في السير ونتذاكر في الفنون وكان يتناوب نيابة الحكم بالمنصورة هو وابن عمه شمس الدين محمد بن خلف بن كميل ويتعاهد السفر للقاهرة في كل سنة مرة أو مرتين وله مدائح نبوية مفلقة وقصائد في جماعة من الأعيان ثم استقل بقضاء المنصورة وضم إليه سلمون ثم زدته مينة بني سلسيل فباشر ذلك كله وكان مشكور السيرة ونشأ له ولد اسمه أحمد فنبغ واغتبط به مات أي في ذي القعدة شمس الدين فجأة وذلك أنه توجه إلى سلمون فنزل في المسجد وله فيه خلوة فوقها طبقة وللطبقة سطح مجاور المأذنة فاتفق هبوب ريح عاصف في تلك الليلة واشتد في آخرها وفي أول النهار فصلى الصبح ودخل خلوته فقصف الريح نصف المأذنة فوقع على سطح الطبقة فنزل به إلى سطح الخلوة فنزل الجميع على الخلوة وشمس الدين لم يشعر بذلك حتى نزل الجميع عليه وجاء الخبر إلى ولده فتوجه من المنصورة مسرعا فنبش عنه فوجد الخشب مصليا عله ولم يخش شيء من جسمه بل تبين أنه مات غما لعجزه عن التخلص وفيها الخواجا الكبير الشمس محمد بن علي بن أبي بكر بن محمد الحلبي ثم الدمشقي ويعرف بابن المزلق كان ذا ثروة كبيرة ومآثر حسنة بالشام وغيرها سنة تسع وأربعين وثمانمائة فيها في ليلة الجمعة ثامن المحرم سقطت بالقاهرة المنارة التي بالمدرسة الفخرية في سويقة الصاحب التي أنشئت بعد الستمائة بقليل وهلك في الروم جماعة كثيرة وفيها توفي شهاب الدين أحمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسمعيل بن (7/263)

264 أحمد بن محمد الذهبي المعروف بابن ناظر الصاحبية الحنبلي المسند المعدل الضابط ولد سنة ست وستين وسبعمائة قال ابن حجر وسمع على محمد بن الرشيد وعبد الرحمن المقدسي جزء أبي الجهم أنا الحجار وسمع على والده شيخنا وعلى ابن المهندس الحنفي جميع رسالة الحسن البصري إلى عبد الرحمن الرفادي يرغبه في المقام بمكة وعلى العماد الخليلي قالا أنا الحجار وسمع على الشهاب أحمد بن العز وذكر لي شيخنا الإمام المحدث الحافظ أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبد الله بن ناصر الدين رحمه الله غير مرة أنه قال ذكر لي يعني زين الدين بن ناظر الصاحبة أنه قال ما فرحت بشيء أعظم من أني أحضرت ولدي هذا يعني أحمد المذكور جميع مسند الإمام أحمد علي البدر أحمد بن محمد بن محمود بن الزقاق بن الجوخي أنا زينب بنت مكي أنا حنبل قال شيخنا ابن ناصر الدين وكان شيخنا زين الدين بن ناظر الصاحبة من الثقات قدم القاهرة فحدث بها بالمسند وغيره ثم رجع إلى بلده فمات في هذه السنة انتهى كلام ابن حجر وفيها شمس الدين محمد بن أحمد بن عمر بن محمد بن عمر النحريري المعروف بالسعودي الشافعي ولد سنة ست وخمسين وسبعمائة وحفظ القرآن والتنبيه وغير ذلك وطلب العلم وجلس مؤدبا للأولاد مدة ثم قدم القاهرة في حدود التسعين فأجلس مع الشهود ولازم البلقيني الكبير وخدمه وصار يجمع له أجرة أملاكه وهو مع ذلك يؤدب الأولاد وخرج من تحت يده جماعة فضلاء وكان كثير المذاكرة وحج فأخذ عن جماعة هناك ودخل بيت المقدس فسمع من شهاب الدين بن الحافظ صلاح الدين العلائي ومن ابن خاله شمس الدين القلقشندي وغيرهما ومرض مرضا شديدا في حدود سنة ثلاثين فلما عوفي منه عمى وتنوعت عليه في آخر عمره الأمراض حتى ثقل سمعه جدا وأقعد ولسانه (7/264)

265 لا يفتر عن التلاوة إلى أن توفي فجأة في العشر الأخير من شهر رمضان وفيها شمس الدين محمد بن إسماعيل بن محمد بن أحمد الونائي يفتح الواو والنون نسبة إلى ونا قرية بصعيد مصر القرافي الشافعي ولد سنة ثمان وثمانين وسبعمائة واشتغل بالعلم وأخذ عن الشيخ شمس الدين البرماوي وطبقته واشتهر بالفضل وتزوج إلى الشيخ نور الدين التلواني وصحب جماعة من الأعيان ونزل في المدارس طالبا ثم تدريسا وولي تدريس الشيخونية ثم ولي قضاء الشام مرتين ثم رجع بعد أن استعفى من القضاء فأعفى وذلك سنة سبع وأربعين فسعى في تدريس الصلاحية بجوار الشافعي فباشرها سنة ونيفا ثم ضعف نحو الشهرين إلى أن توفي في يوم الثلاثاء سابع عشر صفر وفيها شمس الدين محمد بن خليل بن أبي بكر الحلبي الأصل الغزي القدسي كان مقرئا بارعا صاحب فضائل وله بديعية عارض بها الصفى الحلى وتوفي في رجب وقد جاوز السبعين وفيها القاضي شمس الدين محمد بن قاضي القضاة زين الدين عبد الرحمن بن علي التفهني الحنفي ولد قبيل القرن واشتغل كثيرا ومهر وكان صحيح الذهن حسن المحفوظ كثير الأدب والتواضع عارفا بأمور دنياه مالكا لزمام أمره ولي في حياة والده قضاء العسكر وإفتاء دار العدل وتدريس الحديث بالشيخونية وولي بعد وفاة والده تدريس الفقه بها ومشيخة البهائية الرسلانية وتدريس الفانبيهية بالرميلة وحصلت له محن من جهة تغرى بردى الدويدار مع اعترفاه بإحسان والده له ومرض مرضا طويلا إلى أن مات في ثامن شهر رمضان وفيها شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عمر بن أحمد الواسطي الأصل ثم الغمري ثم المحلى الشافعي المعروف بالغمرى ولد سنة ست وثمانين وسبعمائة بمينة غمر ونشأ بها فحفظ القرآن والتنبيه ثم قدم القاهرة فأقام بالجامع الأزهر للاشتغال مدة وأخذ الفقه عن شيوخ الجامع وعن المارديني في الميقات (7/265)

266 وتدرب بغيره في الشهادة وتكسب بها قليلا وكان في غاية التقلل حتى كان يقع له أنه يطوي أسبوعا كاملا ويتقوت بقشر الفول وقشر البطيخ ونحو ذلك وتكسب ببلده وببلبيس بالعطر حرفة أبيه وكان يطلب منه الشيء فيبذله لطالبه مجانا فيجيء والده فيسأله ما بعت فيقول كذا وكذا بلاش فيحمده ويدعو له ثم أعرض عن جميع ذلك ولازم التجرد والتعبد واعتزل دهرا طويلا بعد ما تفقه وصحب غير واحد من سادات الصوفية حتى فتح له وأذن له في التربية والإرشاد وتصدى لذلك بكثير من النواحي وقطن المحلة الكبرى ووسع المدرسة الشمسية وأحكم بناءها ثم عمر بالقاهرة بخط سوق أمير الجيوش جامعا كانت الخطة مفتقرة إليه جدا واشتهر صيته وكثر اتباعه وذكرت له أحوال وخوارق وجدد عدة مواضع بكثير من الأماكن يعجز عنها السلطان وقصد للزيارة والتبرك من جميع الأقطار كل جميع ذلك مع الزهد والتحذير من البدع والحوادث والاعراض عن أبناء الدنيا وأرباب المناصب وحج مرارا وجاور وزار بيت المقدس ومن تصانيفه كتاب النصرة في أحكام الفطرة ومحاسن الخصال في بيان وجوه الحلال والعنون في تحريم معاشرة الشباب والنسوان والمحكم المضبوط في تحريم عمل قوم لوط والانتصار لطريق الاخيار والرياض المزهرة في أسباب المغفرة وقواعد الصوفية والحكم المشروط في بيان الشروط جمع فيه شروط أبواب الفقه ومنح المنة في التلبس بالسنة في أربع مجلدات والوصية الجامعة والمناسك ومن كراماته أنه دخل عليه أحمد النحال فوجد له سبع أعين فغشى عليه فلما أفاق قال له الشيخ إذا كمل الرجل صار له سبع أعين على عدد أقاليم الدنيا ومنها أنه كان يقعد في الهواء متربعا أخبر القاضي زكريا أنه رآه كذلك وتوفي يوم الثلاثاء آخر يوم من شعبان بالمحلة الكبرى ودفن في جامعه وفيها شمس الدين محمد بن أمين الدين محمد بن أحمد المنهاجي الشافعي وأبوه (7/266)

267 سبط الشيخ شمس الدين بن اللبان ولد سنة سبعين وسبعمائة وحفظ القرآن والتنبيه وولي حسبة مصر وكان مثريا وناب في الحكم مرارا ولا زال ينخفض ويرتفع إلى أن مات سنة خمسين وثمانمائة فيها تم تاريخ ابن حجر أنباء الغمر وفيها توفي برهان الدين إبراهيم بن رضوان الحلبي الشافعي قال ابن حجر كان ممن اشتغل بالفقه ومهر وتميز ونزل في المدارس بحلب وولي بعض التداريس وناب في الحكم ثم صحب ولد السلطان الظاهر جقمق لما أقام مع والده بحلب فاختص به ثم قدم عليه القاهرة فلازمه حتى صار إماما له وكان ممن مرضه في ضعفه الذي مات فيه وقررت له بجاهه وظائف وندبه السلطان في الرسيلة إلى حلب في بعض المهمات فلما مات ولد السلطان رقت حاله واستعيد منه التدريس الذي كان استقر فيه بحلب ثم توجه إلى الحج في العام الماضي فسقط عن الجمل فانكسر منه شيء ثم تداوى فلما رجع سقط مرة أخرى فدخل القاهرة مع الركب وهو سالم إلى أن مات وكان ينسب إلى شيء يستقبح ذكره والله أعلم بسريرته انتهى وفيها تقريبا برهان الدين إبراهيم بن عبد الخالق السيلي الحنبلي شيخ الحنابلة بنابلس قال العليمي كان من أهل العلم ويقصده الناس للكتابة على الفتوى وعبارته حسنة جدا لكن خطه في غاية الضعف وتوفي بمكة المشرفة ودفن بباب المعلاة وفيها شهاب الدين أبو العباس أحمد بن يوسف المرداوي الحنبلي الإمام الحفاظ المفنن العلامة أحد مشايخ المذهب أخذ الفقه عن الشيخ علاء الدين ابن اللحام باشر القضاء بمردا مدة طويلة وكان يقصد بالفتاوى من كل إقليم (7/267)

268 ومن تلامذته الأعيان شمس الدين العليمي وغيره وعرض عليه قضاء حلب فامتنع واختار قضاء مردا وكان يكتب على الفتاوى بخط حسن وعبارته جيدة تدل على تبحره وسعة علمه وكان إماما في النحو يحفظ محرر الحنابلة ومحرر الشافعية وإذا سئل عن مسئلة أجاب عنها على مذهبه ومذهب غيره وتوفي بمردا في صفر وقد جاوز السبعين وفيها شهاب الدين أحمد بن رجب بن طيبغا الشهير بابن المجدى الشافعي الفرضي العلامة ولد بالقاهرة سنة سبع وستين وسبعمائة ونشأ بها ولازم علماء عصره وجد في الطلب إلى أن برع في الفقه والفرائض والحساب والعربية وشارك في علوم كثيرة غيرها كالهندسة والميقات وفاق فيها أهل عصره وانفرد بها ومازل مستمرا على الاشتغال والاشغال وصنف تصانيف كثيرة مشهورة منها شرح الجعبرية في الفرائض إلى أن توفي ليلة السبت حادي عشر ذي القعدة وفيها شمس الدين محمد بن علي بن محمد بن يعقوب القاياتي بالقاف وبعد الألف الأولى ياء تحتية وبعد الثانية مثناة فوقية نسبة إلى قايات بلد قرب الفيوم ثم القاهري الشافعي قاضي القضاة ومحقق الوقت وعلامة الآفاق ولد سنة خمس وثمانين وسبعمائة تقريبا وحضر دروس السراج البلقيني وأخذ عن البدر الطنبذي والعز بن جماعة والعلاء البخاري وغيرهم وبرع في الفقه العربية والأصلين والمعاني وسمع الحديث وحدث باليسير وولي تدريس البرقوقية والأشرفية والشافعي والشيخونية وقضاء الشافعية بمصر فباشره بنزاهة وعفة وأقرأ زمانا وانتفع به خلق وشرح المنهاج توفي ليلة الإثنين ثامن عشرى المحرم بالقاهرة رحمه الله تعالى سنة إحدى وخمسين وثمانمائة في أثناء شوالها وقعت صاعقة هائلة ببيت المقدس (7/268)

269 وفيها توفي برهان الدين إبراهيم بن أحمد بن محمد بن محمد بن محمد الخجندي المدني العالم وقد جاوز السبعين وفيها الشيخ تقي الدين أبو بكر بن شهاب الدين أحمد بن محمد بن قاضي شهبة الشافعي صاحب طبقات الشافعية كان إماما علامة تفقه بوالده وغيره وسمع من أكابر أهل عصره وأفتى ودرس وجمع وصنف من مصنفاته شرح المنهاج ولباب التهذيب والذيل على تاريخ ابن كثير والمنتقى من تاريخ الأسكندرية للنويري والمنتقى من الانساب لابن السمعاني والمنتقى من نخبة الدهر في عجائب البر والبحر والمنتقى من تاريخ ابن عساكر وغير ذلك وتوفي بدمشق فجأة يوم الخميس حادي عشر ذي القعدة وفيها القان معين الدين شاه رخ بن تيمورلنك صاحب سمرقند وبخارى وغيرهما وفيها القاضي عز الدين عبد الرحيم بن القاضي ناصر الدين علي بن الحسين الحنفي الإمام المسند المعمر المحدث الرحلة المؤرخ المعروف بابن الفرات (7/269)

270 ولد سنة تسع وخمسين وسبعمائة بالقاهرة وسمع بها من والده والحسين بن عبد الرحمن بن سباع التكريتي وغيرهما وأجاز له العز بن جماعة والصلاح الصفدي وابن قاضي الجبل وغيرهم تجمعهم مشيخة تخريج الإمام المحدث سراج الدين عمر بن فهد وحدث سنين وتفرد بأشياء عوال وسمع منه الأعيان والفضلاء وصار رحلة زمانه قال ابن تغرى بردى وأجاز لي بجميع مسموعاته ومروياته وكانت له معرفة تامة بالفقه والأحكام وناب في الحكم بالقاهرة سنين إلى أن توفي بها في أواخر ذي الحجة وفيها ركن الدين عمر بن قديد الحنفي النحوي قال السيوطي كان علامة بارعا فاضلا عالما بالأصول والنحو والصرف وغيرها لازم الشيخ عز الدين بن جماعة وأخذ عنه عدة فنون وتصر للأقراء وتخرج به جماعة وله حواش وتعاليق فوائد وكان منقطعا عن أبناء الدنيا طارحا للتكلف متقشفا في ملبسه انتهى سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة فيها توفي شيخ الإسلام علم الأعلام أمير المؤمنين في الحديث حافظ العصر شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن أحمد الشهير بابن حجر نسبة إلى آل حجر قوم تسكن الجنوب الآخر على بلاد الجريد وأرضهم قابس الكناني العسقلاني الأصل المصري المولد والمنشأ والدار والوفاة الشافعي ولد في ثاني عشرى شعبان سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة ومات والده وهو حدث السن فكفله بعض أوصياء والده إلى أن كبر وحفظ القرآن الكريم وتعانى المتجر وتولع بالنظم وقال الشعر الكثير المليح إلى الغاية ثم حبب الله إليه طلب الحديث فأقبل عليه وسمع الكثير بمصر وغيرها (7/270)

271 ورحل وانتقى وحصل وسمع بالقاهرة من السراج البلقيني والحافظين ابن الملقن والعراقي وأخذ عنهم الفقه أيضا ومن البرهان الأبناسي ونور الدين الهيثمي وآخرين وبسرياقوس من صدر الدين الأبشيطي وبغزة من أحمد بن محمد الخليلي وبالرملة من أحمد بن محمد الأيكي وبالخليل من صالح بن خليل بن سالم وببيت المقدس من شمس الدين القلقشندي وبدر الدين بن مكي ومحمد المنبجي ومحمد بن عمر بن موسى وبدمشق من بدر الدين بن قوام البالسي وفاطمة بنت المنجا التنوخية وفاطمة بنت عبد الهادي وعائشة بنت عبد الهادي وغيرهم وبمنى من زين الدين أبي بكر بن الحسين ورحل إلى اليمن بعد أن جاور بمكة وأقبل على الاشتغال والاشغال والتصنيف وبرع في الفقه والعربية وصار حافظ الإسلام قال بعضهم كان شاعرا طبعا محدثا صناعة فقيها تكلفا انتهى إليه معرفة الرجال واستحضارهم ومعرفة العالي والنازل وعلل الأحاديث وغير ذلك وصار هو المعول عليه في هذا الشأن في سائر الأقطار وقدوة الأمة وعلامة العلماء وحجة الأعلام ومحي السنة وانتفع به الطلبة وحضر دروسه وقرأ عليه غالب علماء مصر ورحل الناس إليه من الأقطار وأملى بخانقاة بيبرس نحوا من عشرين سنة ثم انتقل لما عزل عن منصب القضاء بالشمس القاياتي إلى دار الحديث الكاملية بين القصرين واستمر على ذلك وناب في الحكم عن جماعة ثم ولاه الملك الأشرف برسباي قضاء القضاة الشافعية بالديار المصرية عن علم الدين البلقيني بحكم عزله وذلك في سابع عشرى محرم سنة سبع وعشرين ثم لازال يباشر القضاء ويصرف مرارا كثيرة إلى أن عزل نفسه سنة مات في خامس عشرى جمادى الآخرة وانقطع في بيته ملازما للاشغال والتصنيف ومن مصنفاته تعليق التعليق وصل فيه تعليقات البخاري وهو أول تصانيفه وهو كتاب نفيس وشرح البخاري في نيف وعشرين مجلدا سماه فتح الباري وصنف له مقدمة في مجلد وكتاب فوائد الاحتفال في بيان أحوال (7/271)

272 الرجال المذكورين في البخاري زيادة على تهذيب الكمال في مجلد ضخم وكتاب تجريد التفسير من صحيح البخاري على ترتيب السور وكتاب تقريب الغريب واتحاف المهرة بأطراف العشرة في ثمان مجلدات ثم أفرد منه أطراف مسند الإمام أحمد وسماه أطراف المسند المعتلى بأطراف المسند الحنبلي في مجلدات وأطراف الصحيحين وأطراف المختارة للضياء مجلد ضخم وتهذيب تهذيب الكمال للحافظ المزي في ست مجلدات ومختصره تقريب التهذيب مجلد ضخم وكتاب تعجيل المنفعة برواية رجال الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب والإصابة في تمييز الصحابة خمس مجلدات ولسان الميزان وتحرير الميزان وتبصير المنتبه بتحرير المشتبه مجلد ضخم وطبقات الحفاظ في مجلدين والدرر الكامنة في المائة الثامنة وأنباء الغمر بأبناء العمر وقضاة مصر مجلد ضخم والكاف الشاف في تحرير أحاديث الكشاف مجلد والاستدراك عليه مجلد آخر والتمييز في تخريج أحاديث الوجيز مجلدين والدراية في منتخب تخريج أحاديث الهداية والإعجاب ببيان الأسباب مجلد ضخم والأحكام لبيان ما في القرآن من الابهام والزهر المطول في بيان الحديث المعدل وشفاء الغلل في بيان العلل وتقريب النهج بترتيب الدرج والأفنان في رواية القرآن والمقترب في بيان المضطرب والتعريج على التدريج ونزهة القلوب في معرفة المبدل من المقلوب ومزيد النفع بما رجح فيه الوقف على الرفع وبيان الفصل بما رجح فيه الإرسال على الوصل وتقويم السناد بمدرج الإسناد والإيناس بمناقب العباس وتوالى التأسيس بمعالى ابن إدريس والمرجة الغيثية عن الترجمة الليثية والاستدراك على الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الأحياء مجلد وتخريج أحاديث مختصر ابن الحاجب الأصلي مجلدين وتحفة الظراف بأوهام الأطراف مجلد والمطالب العالية من رواية المسانيد الثمانية والتعريف الأوحد بأوهام (7/272)

273 من جمع رجال المسند وتعريف أولى التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس وكتاب الأعلام بمن ولي مصر في الإسلام وتعريف الفئة بمن عاش مائة من هذه الأمة والقصد الأحمد فيمن كنيته أبو الفضل وسامه أحمد وإقامة الدلائل على معرفة الأوائل والخصال المكفرة للذنوب المقدمة والمؤخرة والشمس المنيرة في معرفة الكبيرة والاتقان في فضائل القرآن مجلد والأنوار بخصائص المختار والآيات النيرات للخوارق المعجزات والنبأ الأنبه في بناء الكعبة والقول المسدد في الذب عن المسند وبلوغ المرام بأدلة الأحكام وبذل الماعون بفضل الطاعون والمنحة فيما علق به الشافعي القول على الصحة والأجوبة المشرقة على الأسئلة المفرقة ومنسك الحج وشرح مناسك المنهاج وتصحيح الروضة كتب منه ثلاث مجلدات ونخبة الفكر في مصلطح أهل الأثر وشرحها نزهة النظر بتوضيح نخبة الفكر والانتفاع بترتيب الدارقطني على الأنواع ومختصر البداية والنهاية لابن كثير وتخريج الأربعين النووية بالأسانيد العلية والأربعين المتباينة وشرح الأربعين النووية وترجمة النووي وغير ذلك وله ديوان شعر ومن شعره ( أحببت وقادا كنجم طالع * أنزلته برضا الغرام فؤادي ) ( وأنا الشهاب فلا تعاند عاذلي * إن ملت نحو الكوكب الوقاد ) وكان رحمه الله تعالى صبيح الوجه للقصر أقرب ذا لحية بيضاء وفي الهامة نحيف الجسم فصيح اللسان شجي الصوت جيد الذكاء عظيم الحذق راوية للشعر وأيام من تقدمه ومن عاصره هذا مع كثرة الصوم ولزوم العبادة واقتفاء السلف الصالح وأوقاته مقسمة للطلبة مع كثرة المطالعة والتأليف والتصدي للافتاء والتصنيف وتوفي ليلة السبت ثامن عشرى ذي الحجة ودفن بالرميلة وكانت جنازته حافلة مشهورة وفيها الأمير سيف الدين أبو محمد تغرى برمش بن عبد الله الجلال المؤيدي (7/273)

274 الفقيه الحنفي نائب القلعة بالديار المصرية قال هو قدم بي الخواجا جلال الدين من بلادي إلى حلب فاشتراني جقمق بحلب ولي سبع أو ثمان سنين وأتى بي إلى الديار المصرية وقدمني إلى أخيه الأمير جاركس القاسمي المصارع فأقمت عنده إلى أن خرج عن طاعة الملك الناصر فرج واستولى الناصر على مماليكه فأخذني فيمن أخذ وجعلني من جملة المماليك السلطانية الكتابية بالطبقة بقلعة الجبل إلى أن قتل الناصر واستولى المؤيد شيخ على الديار المصرية اشتراني فيمن اشتراه من المماليك الناصرية وأعتقني وجعلني جمدارا مدة طويلة قال صاحب المنهل استمر تغرى برمش إلى أول رجب سنة أربع وأربعين وثمانمائة فأنعم عليه بإمرة عشرة ونيابة القلعة فباشر ذلك بحرمة وافرة وصار معدودا من أعيان الدولة وقصدته الناس لقضاء حوائجهم ثم أخذ أمره في انتقاص لسوء تدبيره وصار يتكلم في كل وظيفة ويداخل السلطان فيما لا يعنيه فتكلم فيه من له رأس عند السلطان وهو لا يعلم إلى أن أمر بنفيه إلى القدس في السنة التي قبل هذه فذهب إلى القدس وأقام به إلى أن توفي به وكان له فضل ومعرفة بالحديث لا سيما أسماء الرجال فإنه كان بارعا في ذلك وكانت له مشاركة جيدة في الفقه والتاريخ والأدب محسنا لفنون الفروسية فصيحا باللغة العربية والتركية مقداما محبا لطلبة العلم وأهل الخير متواضعا كثير الأدب جهوري الصوت أشقر ضخما للقصر أقرب كث اللحية بادره الشيب قرأ صحيح البخاري على القاضي محب الدين بن نصر الله الحنبلي وصحيح مسلم على الزين الزركشي والسنن الصغرى للنسائي على الشهاب الكلوتاتي وسنن ابن ماجه على شمس الدين محمد المصري وسنن أبي داود على الحافظ ابن حجر وقرأ ما لا يحصى على من لا يحصى وتفقه بسراج الدين قارىء الهداية وبسعد الدين الديري وتوفي في ثالث شهر رمضان عن نيف وخمسين سنة وفيها زين الدين أبو النعيم بفتح النون المشددة رضوان بن محمد بن يوسف (7/274)

275 ابن سلامة بن البهاء بن سعيد الصغير الشافعي المستملي المصري مفيد القاهرة ولد في رجب سنة تسع وستين وسبعمائة بمينة عقبة بالجيزة ونشأ بها ثم دخل القاهرة واشتغل بها في عدة علوم وتلا بالسبع على الإمام نور الدين الدميري المالكي سبع ختمات ثم بالسبع وقراءة يعقوب على الشمس الغماري وأجاز له ثم بالثمان المذكورة على ركن الدين الأشعري المالكي وتفقه بالشمس العراقي والشمس الشطنوفي والشمس القليوبي والصدر الأمشيطي والعز بن جماعة وغيرهم وأخذ النحو عن شمس الدين الشطنوفي والغماري والشمس البساطي وكتب عن الزين العراقي مجالس كثيرة من أماليه وسمع الحديث من التقى بن حاتم والبرهان الشامي وابن الشحنة وخلائق ثم حبب إليه الحديث فلازم السماع من أبي الطاهر بن الكويك فأكثر عنه ولازم الحافظ ابن حجر وكتب عنه الكثير وتفقه به أيضا وحج ثلاث حجات وجاور مرتين وسمع بمكة من الزين المراغي وغيره وخرج لبعض الشيوخ ولنفسه الأربعين المتباينات وغير ذلك وكان دينا خيرا متواضعا غزير المروءة رضي الخلق ساكنا بشوشا طارحا للتكلف سليم الباطن توفي عصر يوم الإثنين ثالث رجب بالقاهرة وفيها قطب الدين محمد بن عبد القوي بن محمد بن عبد القوي البجائي ثم المكي المالكي شاعر مكة كان إماما أديبا ماهرا توفي في ذي الحجة وقد جاوز التسعين والله أعلم سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة فيها توفي ألوغ بك بن القان معين الدين شاه رخ صاحب هراة ابن الطاغية تيمورلنك وقيل اسمه تيمور على اسم جده وقيل محمد صاحب سمرقند فريد دهره ووحيد عصره في العلوم العقلية والهيئة والهندسة طوسي زمانه (7/275)

276 الحنفي المذهب ولد في حدود تسعين وسبعمائة ونشأ في أيام جده وتزوج في أيامه أيضا وعمل له جده العرس المشهور ولما مات جده تيموي وآل الأمر إلى أبيه شاه رخ ولاه سمرقند وأعمالها فحكمها نيفا وثلاثين سنة وعمل بها رصدا عظيما انتهى به إلى سنة وفاته وقد جمع لهذا الرصد علماء هذا الفن من سائر الأقطار وأغدق عليهم الأموال وأجزل لهم الرواتب الكثيرة حتى رحل إليه علماء الهيئة والهندسة من البلاد البعيدة وهرع إليه كل صاحب فضيلة وهو مع هذا يتلفت إلى من يسمع به من العلماء في الأقطار ويرسل يطلب من سمع به هذا مع علمه الغزير وفضله الجم واطلاعه الكبير وباعه الواسع في هذه العلوم مع مشاركة جيدة إلى الغاية في فقه الحنفية والأصلين والمعاني والبيان والعربية والتاريخ وأيام الناس قيل أنه سأل بعض حواشيه ما تقول الناس عني وألح عليه فقال يقولون أنك ما تحفظ القرآن الكريم فدخل من وقته وحفظه في أقل من ستة أشهر حفظا متقنا وكان أسن أولاد فدخل من وقته وحفظه في أقل من ستة أشهر حفظا متقنا وكان أسن أولاد أبيه واستمر بسمرقند إلى أن خرج عن طاعته ولده عبد اللطيف وسببه أنه لما ملك المترجم هراة طمع عبد اللطيف أن يوليه هراة فلم يفعل وولاه بلخ ولم يعطه من مال جده شاه رخ شيئا وكان ألوغ بك هذا مع فضله وغزي رعلمه مسيكا فسأمته أمراؤه لذلك وكاتبوا ولده عبد اللطيف في الخروج عن طاعته وكان في نفسه ذلك فانتهز الفرصة وخرج عن الطاعرة وبلغ أباه الخبر فتجرد لقتاله والتقى معه وفي ظنه أن ولده لا يثبت لقتاله فلما التقى الفريقان وتقابلا هرب جماعة من أمراء الوغ بك إلى ابنه فانكسر الوغ بك وهرب على وجهه وملك ولده سمرقند وجلس على كرسي والده أشهرا ثم بدا لألوغ بك العود إلى سمرقند ويكون الملك لولده ويكون كآحاد الناس واستأذن ولده في ذلك فأذن له ودخل سمرقند وأقام بها إلى أن قبض عبد اللطيف على أخيه عبد العزيز وقتله صبرا في حضرة والده ألوغ بك فعظم (7/276)

277 ذلك عليه فإنه كان في طاعته وخدمته حيث سار ولم يمكنه الكلام فأذن ولده عبد اللطيف في الحج فأذن له فخرج قاصدا للحج إلى أن كان عن سمرقند مسافة يوم أو يومين وقد حذر بعض الأمراء ابنه منه وحسن له قتله فأرسل إليه بعض أمرائه ليقتله فدخل عليه مخيمه واستحيا أن يقول جئت لقتلك فسلم عليه ثم خرج ثم دخل ثانيا وخرج ثم دخل ففطن ألوغ بك وقال له لقد علمت بما جئت به فافعل ما أمرك به ثم طلب الوضوء وصلى ثم قال والله لقد علمت أن هلاكي على يد ولدي عبد اللطيف هذا من يوم ولد ولكن أنساني القدر ذلك والله لا يعيش بعدي إلا خمسة أشهر ثم يقتل أشر قتلة ثم سلم نفسه فقتله المذكور وعاد إلى ولده وقتل ولده عبد اللطيف بعد خمسة أشهر وفيها زين الدين أبو محمد عبد الرحمن بن الشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد بن محمد بن يوسف بن علي بن عياش المقرىء المسند الزاهد المعمر الشهير بابن عياش ولد بدمشق في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة وأخذ القراءات عن أبيه إفرادا وجمعا وقرأ عليه ختمة جامعة للقراءات العشرة بما تضمنه كتاب ورقات المهرة في تتمة قراءات الأئمة العشرة تأليف والده وقرأ على الشيخ شمس الدين محمد بن أحمد العسقلاني القراءات العشرة فساوى والده في علو السند وذلك لما رحل إلى القاهرة سنة إحدى وتسعين وسبعمائة ثم رحل إلى مكة المشرفة واستوطنها وانتصب بها لأقراء القراءات بالمسجد الحرام كل يوم وانتفع به عامة الناس وصار رحلة زمانه وتردد إلى المدينة المنورة وجاور بها غير مرة وتصدى بها أيضا للأقراء وأقام بها سنين ثم عاد إلى مكة واستمر إلى أن مات بها في هذه السنة وفيها قاضي قضاة الحرمين الشريف الحسيب سراج الدين أبو المكارم عبد اللطيف بن أبي الفتح محمد بن أحمد بن أبي عبد الله محمد الحسني الفاسي (7/277)

278 الأصل المكي الحنبلي ولد في شعبان سنة تسع وثمانين وسبعمائة بمكة المشرفة ونشأ بها وسمع الحديث على العفيف النشاوري والجمال الأميوطي وإبراهيم ابن صديق وغيرهم وأجاز له السراج البلقيني والحافظان الزين العراقي والنور الهيثمي والسراج بن الملقن والبرهان الشامي وأبو هريرة بن الذهبي وأبو الخير بن العلائي وجماعة وخرج له التقى بن فهد مشيخة وولي إمامة الحنابلة بالمسجد الحرام وقضاء مكة المشرفة ثم جمع له بين قضاء الحرمين الشريفين مكة والمدينة سنة سبع وأربعين وثمانمائة واستمر إلى أن مات وهو أول من ولي قضاء الحنابلة بالحرمين ودخل بلاد العجم غير مرة وكان له حظ وافر عند الملوك والأعيان وتوفي بعلة الإسهال ورمي الدم في ضحى يوم الإثنين سابع شوال بمكة المشرفة ودفن بالمعلاة وفيها قاضي القضاة أمين الدين أبو اليمن محمد بن محمد بن علي النويري المكي الشافعي قاضي مكة وخطيبها باشر خطابة مكة عدة سنين ثم ولي قضاءها في سنة اثنتين وأربعين ثم عزل ثم ولي ومات قاضيا وخطيبا بمكة في هذه السنة وفيها شرف الدين يحيى بن أحمد بن عمر الحموي الأصل الكركي القاهري ويعرف بابن العطار الشافعي المفنن توفي في ذي الحجة عن أزيد من أربع وستين سنة وفيها شرف الدين يحيى بن سعد الدين محمد بن محمد المناوي المصري الشافعي قاضي القضاة ولد بالقاهرة وبها نشأ تحت كثف والده وكان والده يتعانى الخدم الديوانية وتزوج ولي الدين العراقي بابنته أخت المترجم فحبب لصاحب الترجمة طلب العلم لصهارته بالولي العراقي فاشتغل وتفقه بجماعة (7/278)

279 من علماء عصره وأخذ المعقول عن الكمال بن الهمام وغيره وبرع في الفقه وشارك في غيره وأفتى ودرس وعرف بالفضيلة والديانة واشتهر ذكره وولي تدريس الصلاحية ثم ولي قضاء قضاة الشافعية بعد علم الدين البلقيني فلم يمتنع بل ابتهج بذلك وأظهر السرور ثم غير ملبسه ومركبه وترك ما كان عليه أولا من التقشف والتواضع وسلك طريق من تقدمه من القضاة من مراعاة الدولة وامتثال ما يأمرونه به ومال إلى المنصب ميلا كليا بخلاف ما كان يظن به واستكثر من النواب وولي جماعة كثيرة وانقسم الناس في أمره إلى قادح ومادح وكانت ولايته القضاء قبيل موته بيسير وتوفي بالقاهرة في ثاني رجب وفيها أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن إسمعيل المغربي الأندلسي ثم القاهرية ويعرف بالراعي المالكي وكان إماما عالما ولد بغرناطة سنة نيف وثمانين وسبعمائة واشتغل بالفقه والأصول والعربية ومهر فيها واشتهر اسمه بها وسمع من أبي بكر بن عبد الله بن أبي عامر وأجاز له جماعة ودخل القاهرة سنة خمس وعشرين وثمانمائة واستوطنها وحج ثم رجع إلى القاهرة وأقرأ بها وانتفع به جماعة وأم بالمؤيدية وله نظم حسن وشرح الألفية والجرومية وحدث عنه ابن فهد وغيره وأضر بآخره وتوفي في سابع عشرى ذي الحجة وفيها بل في اللتي قبلها كما جزم به السيوطي زين الدين عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن يحيى السندبيسي بفتح السين المهملة وسكون النون وفتح الدال المهملة وكسر الموحدة وسكون التحتية آخره سين مهملة النحوي ابن النحوي ولد سنة ثمان وثمانين وسبعمائة تقريبا وبرع في الفنون لا سيما في العربية وكان أخذها عن الزين الفارسكوري وأخذ الحديث عن الولي العراقي وسمع من الحلاوي وابن الشحنة والسويداوي وجماعة وأجاز له ابن العلاء وابن الذهبي وخلق وكان فاضلا بارعا مواظبا على الاشتغال حسن الديانة كثير التواضع أقرأ الناس وحدث بجامع الحاكم وسمع منه النجم بن فهد وغيره وتوفي ليلة (7/279)

280 الأحد سابع عشر صفر سنة أربع وخمسين وثمانمائة فيها توفي شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم قال ابن تغرى بردى الإمام العالم العلامة المفنن الأديب الفقيه اللغوي النحوي المؤرخ الدمشقي الحنفي المعروف بابن عربشاه كان إمام عصره في المنظوم والمنثور تردد إلى القاهرة غير مرة وصحبني في بعض قدومه إلى القاهرة وانتسج بيننا صحبة أكيدة ومودة وأسمعني كثيرا من مصنفاته نظما ونثرا بل غالب ما نظمه ونثره وألفه وكان له قدرة على نظم العلوم وسبكها في قالب المديح والغزل وسيظهر لك فيما كتبه لي لما استجزته كتبه بخطه وأسمعنيه من لفظه غير مرة وهو هذا بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي زين مصر الفضائل بجمال يوسفها العزيز وجعل حقيقة ذراه مجاز أهل الفضل فحل به كل مجاز ومجيز أحمده حمد من طلب إجازة كرمه فأجاز وأشكره شكرا أوضح لمزيد نعمه علينا سبيل المجاز وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله يجيب سائله ويثيب آمله ويطيب لراجيه نائله وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله سيد من روى عن ربه وروى عنه والمقتدى لكل من أخذ عن العلماء وأخذ منه صلى الله عليه ما رويت الأخبار ورؤيت الآثار وخلدت أذكار الأبرار في صحائف الليل والنهار وعلى آله وأصحابه وتابعيه وأحزابه وسلم وكرم وشرف وعظم وبعد فقد أجزت الجناب الكريم العالي ذا القدر المنيف الغالي والصدر الذي هو بالفضائل حالي وعن الرذائل خالي المولوي الأميري الكبيري الأصيلي العريقي الكاملي الفاضلي المخدومي أبا المحاسن الذي ورد فضائله وفواضله غير آسن يوسف بن المرحوم المقر الأشرف الكريم العالي المولوي الأميري الكبيري المالكي المخدومي السيفي تغرى بردى الملكي (7/280)

281 الظاهري أدام الله جماله وأبلغه من المرام كماله وهو ممن تغذى بلبان الفضائل وتربى في حجر قوابل الفواضل وجعل اقتناء العلوم دأبه ووجه إلى مدين الآداب ركابه وفتح إلى دار الكمالات بابه وصير أحرازها في خزائن صدره اكتسابه فحاز بحمد الله تعالى حسن الصورة والسيرة وقرن بضياء الأسرة صفاء السريرة وحوى السماحة والحماسة والفروسية والفراسة ولطف العبارة والبراعة والعرابة واليراعة والشهامة والشجاعة فهو أمير الفقهاء وفقيه الأمراء وظريف الأدباء وأديب الظرفاء ( فمهما تصفه صف وأكثر فإنه * لأعظم مما قلت فيه وأكبر ) فأجزت له معولا عليه أحسن الله إليه أن يروي عني هذه المنظومة المزبورة المرقومة التي سميتها جلوة الأمداح الجمالية في حلتي العروض والعربية عظم الله تعالى شأن من أنشئت فيه وحرسه بعين عنايته وذويه وسائر ما تجوز لي وعنى روايته وينسب إلى علمه ودرايته من منظوم ومنثور ومسموع ومسطور بشروطه المعتبرة وقواعده المحررة عموما وما أذكر لي من مصنفات خصوصا فمن ذلك مرآة الأدب في علمي المعاني والبيان منها بعد ذكر الخطبة في تقسيم العربية وذكر فائدته وأقسامه ( بدا بتاج جمال في حلى أدب * تسربل الفضل بين العجب والعجب ) ( بدر تأدب حتى كله أدب * يقول من يهو وصلى يكتسب أدبي ) ( يصن كلامي وخطى في معاهدتي * عن الخطا أنني بدر من العرب ) ( هذا وقدر علومي كالبروج علا * فمن ينلها يصرفي الفضل كالشهب ) ( أصولها مثل أبواب الجنان زهت * ينال من نالها ما رام من رتب ) ( خذ بكر نظم تجلت وجهها غزل * وروحها العلم والجثمان من أدب ) ( فريد لفظي إذا ما رمت جوهره * ترى الصحاح كثغر زين بالشنب ) (7/281)

282 ( وإن تصرف من عقد ومن عقد * إلى عقود فهذا الصرف كالذهب ) ( لفظي من الشهد مشتق بخطى ذا * سيف فدونك علم الضرب والضرب ) ( أصل المعاني إذا ما رمت من كلمي * فقل هي الدر واقصد نحونا تصب ) ( معناي زاد على حسني فصنف في * علم المعاني وفي حسني وفي حسبي ) ( طورا أبين كما طورا أبين لذا * فن البيان غدا مرآة مطلبي ) ( طبعي وشعري وأوزاني يناط بها * علم العروض مناط الود بالسبب ) ( حسني وظرفي وأدابي قد انتظمت * نظم القوافي فخذ علمي وسل نسبي ) ( قد خلف البان قدى حين خط على * خدي لريحان خط ليس في الكتب ) ( هذا على أصل حسني يستزاد فلا * تعب ودونك علم الخط لا تخب ) ( في وصفي النظم والنثر البديع فخذ * علم القريض مع الانشاء والخطب ) ( وإن تحاضر فحاضر في مغازلتي * واحفظ تواريخ ما أمليه من نخب ) ( واقصد بديع معاني التي بهرت * عند البيان عقول العجم والعرب ) ( أني أنا البدر سار في منازله * مكمل الحسن بين الرأس والذنب ) ومن ذلك العقد الفريد في علم التوحيد وأوله بعد الخطبة ( سبى القلب ظبي من بني العلم أغيد * له مقلة كحلي وخد مورد ) ( أوحد من أنشاه للخلق فتنة * فيسأل ما التوحيد وهو يعربد ) ( فقلت له الإيمان بالله من يرى * لحاظك باري الخلق والكون يشهد ) ( فبالكتب والأملاك والرسل صا فتى * براه هواك القاتل المتعمد ) ( وإن تفنني هجرا أقم يوم بعثتي * وقد نشر الأموات والحوض يورد ) ( وقد كورت شمس وشققت السما * ولك الورى نحو القصاص تحشدوا ) ( وقد نصب الميزان وامتد جسرهم * وأقبلت في ثوب الجمال تردد ) ( أنادي وقد شبثت كفي بذيله * وتضريج أكفاني ولحظك يشهد ) ( حبيب بما استحللت قتل مبرأ * وما ذنبه إلا ضنى فيك مكمل ) (7/282)

283 ( فقال أما هذا بتقدير من قضى * وحكم مضى ما فيه قط تردد ) ( فقلت بلى والخير والشر قدرا * وكل بتقدير المهيمن مرصد ) ( فقال فمن هذا الذي ذاك حكمه * وتقديره صفه لكيما أوحد ) ( فقلت إله واحد لا مشارك * له لم يلد كلا ولا هو والد ) واستطردت من ذلك إلى ذكر الصفات وتنزيه الذات إلى أن قلت ( هو الله من أنشاك للخلق فتنة * ليسفك من جفنيه سيف مهند ) ومن مصنفاتي المنثورة تاريخ تمرلنك عجائب المقدور في نوائب تيمور ومنها فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء ومنها خطاب الإهاب الناقب وجواب الشهاب الثاقب ومنها الترجمان المترجم بمنتهى الأرب في لغة الترك والعجم والعرب ومن النظم القصيدة المسماة بالعقود النصيحة أولها ( لك الله هل ذنب فيعتذر الجاني * بلى صدق ما أنها أني بكم فإني ) ( ومن سوء حظ الصب أن يلعب الهوى * بأحشائه والحب يومي بولعان ) ( ومن شيم الأحباب قتل محبهم * إذا علموه فيهم صادقا عانى ) ومن ذلك غرة السير في دول الترك والتتر وكان عند كتابة هذه الإجازة لم يتم واقتصر في التذكرة على هذه المصنفات العشرة للوجازه لا للإجازة هذا وأما مولدي فداخل دمشق ليلة الجمعة الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة تسعين وسبعمائة ثم ذكر ترجمة طويلة لنفسه قال صاحب المنهل ومن نظمه معمى ( وجهك الزاهي كبدر * فوق غصن طلعا ) ( واسمك الزاكي كمشكاة * سناها لمعا ) ( في بيوت أذن الله * لها أن ترفعا ) ( عكسه صحفه تلقى * الحسن فيه أجمعا ) وتوفي يوم الإثنين خامس رجب بالقاهرة عن اثنتين وستين سنة وستة أشهر (7/283)

284 وعشرين يوما انتهى وفيها كمال الدين محمد بن صدقة المجذوب الصاحي الولي المكاشف الدمياطي الأصل ثم المصري الشافعي اشتغل وحفظ التنبيه والألفية وتكسب بالشهادة بمصر ثم حصل له جذب وظهرت عليه الأحوال الباهرة والخوارق الظاهرة وتوالت كراماته وتتابعت آياته واشتهر صيته وعظم أمره وهرع الأكابر لزيارته وانقاد له الأماثل حتى الفقهاء كالكمال إمام الكاملية وغيره ومن كراماته أن رجلا سأله حاجة فأشار بتوقفها على خمسين دينارا فأرسلها إليه فوصل القاصد إليه بها فوجده قاعدا بباب الكاملية فبمجرد وصوله إليه أمره بدفعها لامرأة مارة بالشارع لا تعرف فأعطاها إياها فانكشف بعد ذلك أن ولدها كان في الترسيم على ذلك المبلغ بعينه لا يزيد ولا ينقص عند من لا رحمة عنده بحيث خيفة عليه التلف توفي بمصر وصلى عليه في محفل حافل ودفن بالقرافة بجوار قبر الشيخ أبي العباس الخراز قاله المناوي في طبقات الأولياء سنة خمس وخمسين وثمانمائة في خامسها بويع بالخلافة القائم بأمر الله حمزة بن المتوكل على الله بعد وفاة أخيه المستكفي بالله سليمان بن المتوكل على الله بويع سليمان هذا بالخلافة يوم موت أخيه المعتضد بالله وذلك في سنة خمس وأربعين وثمانمائة وأقام في الملك عشر سنين وبلغ من العز فوق أخيه وحمل السلطان نعشه وفيها توفي كمال الدين أبو المناقب أبو بكر بن ناصر الدين محمد بن سابق الدين أبي بكر بن فخر الدين عثمان بن ناصر الدين محمد بن سيف الدين خضر ابن نجم الدين أيو ببن ناصر الدين محمد بن الشيخ العارف بالله همام الدين الهمامي الخضيري السيوطي الشافعي قال ولده في طبقات النحاة ولد (7/284)

285 في أوائل القرن بسيوط واشتغل بها ثم قدم القاهرة بعد عشرين وثمانمائة فلازم الشيوخ شيوخ العصر إلى أن برع في الفقه والأصلين والقراآت الحساب والنحو والتصريف والمعاني والبيان والمنطق وغير ذلك ولازم التدريس والافتاء وكان له في الانشاء اليد الطولى وكتب الخط المنسوب وصنف حاشية على شرح الألفيه لابن المصنف حافلة في مجلدين وكتابا في القراآت وحاشية على العضد وتعليقا على الإرشاد لابن المقرى وكتابا في صناعة التوقيع وغير ذلك أخبرني بعض أصحابه أن الظاهر جقمق عينه مرة لقضاء القضاة بالديار المصرية وأرسل يقول للخليفة المستكفى بالله قل لصاحبك يطلع نوليه فأرسل الخليفة قاصدا إلى الوالد يخبره بذلك فامتنع قال الحاكي فكلمته في ذلك فأنشدني ( وألذ من نيل الوزارة أن ترى * يوما يريك مصارع الوزراء ) ومن نجباء تلامذته الشيخ فخر الدين المقدسي وقاضي مكة برهان الدين بن ظهيرة وقاضيها نور الدين بن أبي اليمن وقاضي المالكية محي الدين بن تقي والعلامة محي الدين بن مصيفح في آخرين مات ليلة الإثنين وقت أذان العشاء خامس صفر ودفن بالقرافة قريا من الشمس الأصفهاني انتهى وفيها أمير المدينة أميان بن مانع بن علي بن عطية الحسيني توفي في جمادى الآخرة واستقر بعده زيرى بن قيس وفيها جمال الدين أبو محمد عبد الله بن الشيخ الإمام العالم محب الدين أبي عبد الله محمد بن هشام الأنصاري المصري الحنبلي القاضي كان من أهل العلم ومن أعيان فقهاء الديار المصرية وقضاتها باشر القضاء نيابة عن قاضي القضاة محب الدين بن نصر الله ثم عن قاضي القضاة بدر الدين البغدادي فوقعت حادثة أوجبت تغير خاطر بدر الدين المذكور عليه فعزله عن القضاء ثم صار يحسن إليه ويبره إلى أن توفي بمصر في المحرم الحرام (7/285)

286 وفيها الشيخ عبد الواحد البصير المقرى الحنبلي الوفاتي توفي بدرب الحجاز الشريف في عوده من الحج بالعلا وفيها قاضي القضاة شمس الدين محمد بن أحمد بن سعيد المقدسي الحنبلي قاضي مكة المشرفة ولد بكفر لبد من أعمال نابلس في سنة إحدى وسبعين وسبعمائة وسكن مدينة حلب قديما ودمشق وسمع على الأعيان وقرأ على ابن اللحام والتقي بن مفلح والحافظ زين الدين بن رجب وكان عالما خيرا كتب الشروط ووقع على الحكام دهرا طويلا وتفرد بذلك وصنف التصانيف الجيدة منها سفينة الأبرار الحاملة للآثار والأخبار ثلاث مجلدات في الوعظ وكتاب الآداب وكتاب المسائل المهمة في ما يحتاج إليه العاقل في الخطوي المدلهمة وكتاب كشف الغمة في تيسير الخلع لهذه الأمة والمنتخب الشافي من كتاب الوافي اختصر فيه الكافي للموفق وجاور بمكة مرارا وجلس بالحضرة النبوية بالمدينة الشريفة بالروضة واستجازه الأعيان وآخر مجاوراته سنة ثلاث وخمسين فمات قاضي مكة في تلك السنة فجهز إليه الولاية في أوائل سنة أربع وخمسين فاستمر بها قاضيا نحو سنة وتوفي في أوائل هذه السنة وخلف دنيا ولا وارث له رحمه الله تعالى وفيها القاضي شمس الدين محمد بن محمد بن خالد بن زهر الحمصي الحنبلي قرأ المقنع وشرحه على والده وأصول ابن الحاجب وألفية ابن مالك على غيره وأذن له القاضي علاء الدين بن المغلى بالافتاء وولي القضاء بحمص بعد وفاة والده واستمر قاضيا إلى أن توفي بها في ذي القعدة ودفن بباب تدمر وفيها بدر الدين أبو الثناء وأبو محمد محمود بن القاضي شهاب الدين أحمد بن القاضي شرف الدين موسى بن أحمد بن حسين بن يوسف بن محمود العينتابي الأصل والمولد والمنشأ المصري الدار والوفاة الحنفي المعروف بالعيني قال تلميذه ابن تغرىبردى هو العلامة فريد عصره وحيد دهره عمدة المؤرخين (7/286)

287 مقصد الطالبين قاضي القضاة ولد سادس عشرى شهر رمضان سنة اثنتين وستين وسبعمائة في درب كيكن ونشأ بعينتاب وحفظ القرآن العظيم وتفقه على والده وغيره وكان أبوه قاضي عينتاب وتوفي بها في سنة أربع وثمانين وسبعمائة ورحل صاحب الترجمة إلى حلب وتفقه بها أيضا وأخذ عن العلامة جمال الدين يوسف بن موسى الملطي الحنفي وغيره ثم قدم القدس فأخذ عن العلاء السرامي لأنه صادفه زائرا به ثم صحبه معه إلى القاهرة في سنة ثمان وثمانين وسبعمائة وأخذ عنه علوما جمة ولازمه إلى وفاته وأقام بمصر مكبا على الاشتغال والاشغال وولي حسبة القاهرة بعد محن جرت له من الحسدة وعزل عنها غير مرة وأعيد إليها ثم ولي عدة تداريس ووظائف دينية واشتهر اسمه وبعد صيته وأفتى ودرس وأكب على الاشتغال والتصنيف إلى أن ولي نظر الاحباس ثم قضاء قضاة الحنفية بالديار المصرية يوم الخميس سابع عشرى ربيع الآخر سنة تسع وعشرين وثمانمائة فباشر ذلك بحرمة وافرة وعظمة زائدة لقربه من الملك الأشرف برسباي واستمر فيه إلى سنة اثنتين وأربعين وكان فصيحا باللغتين العربية والتركية وقرأ وسمع ما لا يحصى من الكتب والتفاسير وبرع في الفقه والتفسير والحديث واللغة والنحو التصريف والتاريخ ومن مصنفاته شرح البخاري في أكثر من عشرين مجلدا وشرح الهداية وشرح الكنز وشرح مجمع البحرين وشرح تحفة الملوك في الفقه وشرح الكلم الطيب لابن تيمية وشرح قطعة من سنن أبي داود وقطعة كبيرة من سيرة ابن هشام وشرح العوامل المائة وشرح الجاربردى وله كتاب في المواعظ والرقائق في ثمان مجلدات ومعجم مشايخه مجلد ومختصر الفتاوى الظهيرية ومختصر المحيط وشرح التسهيل لابن مالك مطولا ومختصرا وشرح شواهد ألفية ابن مالك شرحا مطولا وآخر مختصرا وهو كتاب نفيس احتاج إليه صديقه وعدوه وانتفع به غالب علماء عصره فمن (7/287)

288 بعدهم وشرح معاني الآثار للطحاوي في اثنتي عشرة مجلدة وله كتاب طبقات الشعراء وطبقات الحنفية والتاريخ الكبير على السنين في عشرين مجلدا واختصره في ثلاث مجلدات والتارخي الصغير في صمان مجلدات وعدة تواريخ أخر وله حواش على شرح ألفية بن مالك وحواش على شرح السيد عبد الله وشرح عروض ابن الحاجب واختصر تاريخ ابن خلكان وله غير ذلك وكان أحد أوعية العلم وأخذ عنه من لا يحصى ولما أخرج عنه نظر الأحباس في سنة ثلاث وخمسين عظيم عليه ذلك لقلة موجوده وصار يبيع من أملاكه وكتبه إلى أن توفي ليلة الثلاثاء رابع ذي الحجة بالقاهرة وصلى عليه بالجامع الأزهر ودفن بمدرسته التي بقرب داره وكثر أسف الناس عليه رحمه الله تعالى سنة ست وخمسين وثمانمائة فيها توفي زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن ابن الشيخ تقي الدين أبي الصدق أبي بكر بن الشيخ نجم الدين أبي سليمان داود بن عيسى الحنبلي الدمشقي الصالحي الصوفي القادري البسطامي شيخ الطريقة وعلم الحقيقة العالم الناسك ولد سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة وتفقه بجماعة منهم برهان الدين وأكمل الدين ابنا شرف الدين بن مفلح صاحب الفروع وتخرج بجماعة منهم والده ونشأ على طريقة حسنة ملازما للذكر وقراءة القرآن والأوراد التي رتبها والده وكان محببا إلى الناس يتردد إليه النواب والقضاة والفقهاء من كل مذهب اشتغل في فنون كثيرة وكتب بخطه الحسن كثيرا وألف كتبا عديدة منها الكنز الأكبر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو أجلها وكتاب نزهة النفوس والأفكار في خواص النبات والحيوان والأحجار وكتاب الدر المنتقى المرفوع في أوراد اليوم والليلة والأسبوع والمولد الشريف وكان بشوشا (7/288)

289 يتعبد بقضاء الحوائج مسموع الكلمة في الدولة الأشرفية والظاهرية وتكلم على مدرسة الشيخ أبي عمر والبيمارستان القيمري فحصل له به النفع من عمارة جهاتهما وعمل مصالحهما ورغب الناس في نفع الفقراء بكل ممكن وتوفي ليلة الجمعة سلخ ربيع الآخر ودفن بالتربة التي أنشأها قبلي زاويته المشرفة على الطريق يمين الداخل أخبرني أخي في الله الشيخ أحمد بن علي بن أبي سالم أنه سلم عليه فرد عليه السلام من قبره رحمه الله تعالى وفيها القاضي أمين الدين عبد الرحمن بن قاضي القضاة شمس الدين محمد وأخو شيخ الإسلام سعد الدين بن عبد الله بن الديري العبسي المقدسي الحنفي ناظر حرمى القدس والخليل ولد بالقدس في شعبان سنة سبع عشرة وثمانمائة وحفظ القرآن العزيز وبعض مختصرات في مذهبه وتفقه بأخيه سعد الدين وغلب عليه الأدب وقال الشعر الجيد وكان له خفة وزهو ويتزيا بزي الأمراء وله كرم وأفضال على دويه وربما يتحمل من الديون جملا بسبب ذلك وتوفي على نظر القدس الشريف في أوائل ذي الحجة وفيها علاء الدين أبو الفتوح علي بن أحمد بن إسمعيل بن محمد بن إسمعيل بن علي القلقشندي الشافعي القرشي ولد بالقاهرة في ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وسبعمائة ونشأ بها وحفظ القرآن العظيم وعدة متون في مذهبه وتفقه بعلماء عصره كالسراج البلقيني وولده جلال الدين والعز بن جماعة وسراج الدين بن الملقن وغيرهم وأخذ الحديث عن الزين العراقي والنور الهيثمي وسمع على جماعة منهم البرهان الشامي والعلاء بن أبي المجد والجمال الحلاوي وبرع في الفقه والأصول والعربية والمعاني والبيان والقراآت وشارك في عدة علوم وتصدى للافتاء والتدريس والاشغال وانتفع به الطلبة وتفقه به جماعة من الأعيان وولي تدريس الشافعي وطلب إلى قضاء دمشق فامتنع ورشح لقضاء القضاة بالديار المصرية غير مرة وتصدر للتدريس وسنه دون العشرين (7/289)

290 وولي عدة مدارس وتوفي أول يوم من هذه السنة وفيها القاضي كمال الدين محمد بن محمد بن محمد بن عثمان بن محمد الجهني الأنصاري الحموي ثم القاهري الشافعي أوحد الرؤساء كاتب السر بمصر كان إماما علاما ناظما ناثرا ولد بحماة في ذي الحجة سنة ست وتسعين وسبعمائة ونشأ بها تحت كنف والده وحفظ القرآن العظيم والتمييز في الفقه وقرأه على الحافظ برهان الدين الحلبي المعروف بالقوف ثم قدم الديار المصرية مع والده فتفقه بالولي العراقي والعز بن جماعة وأخذ عنهما العقليات وعن القاضي شمس الدين البساطي المالكي وغيرهم وأخذ النحو عن الشيخ يحيى المغربي العجيسي واجتهد في التحصيل وساعده فرط ذكائه واستقامة ذهنه حتى برع في المنطوق والمفهوم وصارت له اليد الطولى في المنثور والمنظوم ومن شعره ما كتبه به على سيرة ابن ناهض تهكما بعد كتابة والده ( مرت على فهمي وحلو لفظها * مكرر فما عسى أن أصنعا ) ( ووالدي دام بقا سؤدده * لم يبق فيها للكمال موضعا ) وولي قضاء قضاة دمشق وحج قال في المنهل وكان أعظم من رأينا في هذه العصر وتوفي بالقاهرة يوم الأحد سادس عشرى صفر وفيها يوسف بن الصفي الكركي ثم القاهري كان فاضلا أديبا ومن شعره ( كل يوم إلى ورا * بدل البول بالخرا ) ( فزمانا تهودا * وزمانا تنصرا ) ( وستصبو إلى المجوس * أن الشيخ عمرا ) توفي في رجب عن نحو تسعين سنة سنة سبع وخمسين وثمانمائة فيها توفي شهاب الدين أحمد بن محمد بن علي بن أبي بكر الناشري الإمام (7/290)

291 العالم توفي في حياة أبيه عن بضع وأربعين سنة وفيها الملك الظاهر أبو سعيد جقمق بن عبد الله العلائي الظاهري سلطان الديار المصرية والبلاد الشامية والأقطار الحجازية الرابع والثلاثون من ملوك الترك والعاشر من الجراكسة جلب من بلاد الجركس إلى الديار المصرية وآل أمره بعد تنقلات وتقلبات إلى أن ولي السلطنة وتوطدت له الدولة خصوصا بعد أن قتل نائب حلب ونائب الشام لما خرجا عن طاعته وصفاله الوقت وغزا في أيامه رودس ولم يفتحها وعمر في أيامه أشياء كثيرة من مساجد وجوامع وقناطر وجسور وغير ذلك مما فعله هو وأرباب دولته وعمر عين حنين وأصلح مجاريها وعمر مسجد الخيف بمنى وجدد في الحرم الشريف مواضع ورم الكعبة وصرف مالا عظيما في جهات الخير وله مآثر حميدة وكان مغرما بحب الأيتام والإحسان إليهم وإلى غيرهم متواضعا محبا للعلماء والفقهاء والأشراف والصالحين يقوم لمن يدخل عليه منهم جوادا برا طاهر الفم والذيل فقيها فاضلا شجاعا عارفا بأنواع الفروسية لم يزن ولم يلط ولم يسكر عفيفا عن المنكرات والفروج لا نعلم أحدا من ملوك مصر في الدولة الأيوبية والتركية على طريقته من العفة والعبادة مرض في أواخر ذي الحجة سنة ست وخمسين وطالب به المرض إلى أن خلع نفسه من السلطنة في يوم الخميس الحادي والعشرين من محرم هذه السنة وسلطن ولده الملك المنصور عثمان ثم توفي ليلة الثلاثاء ثالث صفر بعد خلعه باثني عشر يوما عن نيف وثمانين سنة وكانت مدة سلطنته أربع عشرة سنة وعشرة أشهر ثم خلع ولده المنصور بعد أربعين يوما من ولايته وحبس بالأسكندرية وتولى السلطنة الملك الأشرف اينال قلت وجقمق هذا غير باني الجقمقية بقرب دمشق فإن ذاك كان أمير دوادارا ثم ناب في دمشق وتقدم ذكره (7/291)

292 في سنة أربع وعشرين وثمانمائة وفيها أبو القسم محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن جعمان الصوفي وبنو جعمان بيت علم وصلاح قل أن يوجد لهم نظير في اليمن قال المناوي في طبقات الأولياء في حق صاحب الترجمة كان إماما عالما عرافا محققا عابدا زاهدا مجتهدا أخذ عن الناشري وغيره وانتهت إليه الرياسة في العلم والصلاح في اليمن وله كرامات منها أنه كان يخاطبه الفقيه أحمد بن موسى عجيل من قبره وإذا قصده أحد في حاجة توجه إلى قبره فيقرأ عنده ما تيسر من القرآن ثم يعلمه فيجيبه انتهى وفيها أبو القسم محمد بن محمد بن محمد بن علي بن محمد النويري القاهري المالكي اشتغل على علماء عصره ومهر وبرع ونظم ونثر وكان علامة وتوفي بمكة في جمادى الأولى وفيها أكمل الدين أبو عبد الله محمد بن الشيخ شرف الدين أبي عبد الله بن محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج الشيخ الإمام العلامة المفتي الحنبلي اشتغل بعد فتنة تمرلنك ولازم والده ومهر على يديه وكان له فهم صحيح وذهن مستقيم وسمع من والده والشيخ تاج الدين بن بردس وأفتى في حياة والده وبعد وفاته وناب في الحكم عن القاضي محب الدين بن نصر الله بالقاهرة وعين لقضاء دمشق فلم ينبرم ذلك وكان له سلطنة على الأتراك ووعظ ووقع له مناظرات مع جماعة من العلماء والأكابر وحصل له في سنة ثلاث وأربعين داء الفالج وقاسى منه أهوالا ثم عوفي منه ولكن لم يتخلص بالكلية وتوفي بدمشق ليلة السبت سادس عشر شوال ودفن بالروضة على والده إلى جانب جده صاحب الفروع رحمهم الله تعالى وفيها قاضي القضاة بدر الدين أبو المحاسن محمد بن ناصر الدين محمد بن شرف الدين عبد المنعم بن سليمان بن داود البغدادي الأصل ثم المصري الحنبلي (7/292)

293 الإمام العالم ولد بالقاهرة سنة إحدى وثمانمائة ونشأ بها واشتغل بالعلم وناب في القضاء بالديار المصرية وأشغل ودرس وناظر وأفتى ثم استقل بقضاء القاضة يوم الإثنين عشرى جمادى الأولى سنة أربع وأربعين وثمانمائة فباشر على أحسن وجه وكان عفيفا في ولايته لا يقبل رشوى ولا هدية وبهذا ظهر أمره واشتهر اسمه في الآفاق وكان مقصدا وانتهت إليه في آخر عمره رياسة المذهب بل رياسة عصره وكان معظما عند الملك الظاهر جقمق مسموع الكلمة عند أركان الدولة وكانت له معرفة تامة بأمور الدنيا ويقوم مع غير أهل مذهبه ويحسن إليهم ويرتب لهم الأموال ويأخذ لهم الجوائز ويعتني بشأنهم خصوصا أهل الحرمين الشريفين وكان عنده كرم ويميل إلى محبة الفقراء وفتح عليه بسبب ذلك قال البرهان بن مفلح ولقد شاهدته وهو في أبهته وناموسه بمسجد الخيف يقبل يد شخص من الفقراء ويمرها على وجهه توفي يوم الخميس ثامن شهر جمادى الأولى وكان ولد شرف الدين محمد توفي قبله وكان دينا عفيفا فاضلا له معرفة بالأمور كأبيه وباشر نيابة الحكم عن والده وانقطع نسله ودفن خارج باب النصر في تربة جد والده الشيخ عبد المنعم ووجد عليه والده والناس سنة ثمان وخمسين وثمانمائة فيها تقريبا توفي الشيخ عفيف الدين أبو المعالي علي بن عبد المحسن بن الدواليبي البغدادي ثم الشامي الحنبلي الخطيب شيخ مدرسة أبي عمر ولد ببغداد في حادي عشرى المحرم سنة تسع وسبعين وسبعمائة وسمع بها من شمس الدين الكرماني صحيح البخاري في سنة خمس وثمانمائة وقدم دمشق فاستوطنها وولي خطابة الجامع المظفري ومشيخة مدرسة الشيخ أبي عمر وكان إماما عالما ذا سند عال في الحديث وتوفي بصالحية دمشق ودفن بالسفح (7/293)

294 سنة تسع وخمسين وثمانمائة فيها وقع سيل عظيم بمكة ودخل الحرم حتى قارب الحجر الأسود وفيها توفي أمير مكة الزين أبو زهير بركات بن البدر أبي المعالي حسن ابن عجلان بن رميثة ولم يكمل ستين سنة وفيها صاحب حصن كيفا حسن بن عثمان بن العادل الأيوبي وفيها عز الدين عبد السلام بن أحمد بن عبد المنعم بن محمد بن أحمد القيلوي بالقاف ثم تحتانية ساكنة ثم لام مفتوحة وبعد الواو ياء النسب نسبة إلى قرية بأرض بغداد يقال لها قيلويه مثل نفطويه نزيل القاهرة الحنفي الإمام العلام قال البرهان البقاعي في عنوان الزمان ولد سنة ثمانين وسبعمائة تقريبا بالجانب الشرقي من بغداد وقرأ به القرآن برواية عاصم وحفظ كتبا في الفقه والأصول والنحو والمعاني وغير ذلك فأكثر من المحفوظات جدا ثم سمع البخاري على الشيخ محمد بن الجاردي وأخذ عنه فقه الحنابلة وعن الشيخ عبد الله بن عزيز بالزايين والتثقيل المصغر وعن الشيخ محمود المعروف بكريكر بالتصغير وغيرهم وبحث في فقه الشافعية أيضا ثم تحنف وأخذ الأصول عن الشيخ أحمد الدواليبي والنحو عن الشيخ أحمد بن المقداد وغيره والطب عن الموفق الهمذاني والفرائض عن الشيخ عبد القادر الواسطي وانتفع به في غير ذلك ثم ارتحل إلى العجم لما نجاه الله تعالى من فتنة تمرلنك العظى فلازم ضياء الدين الهروي الحنفي وأخذ عنه فقه الحنفية بعد أن حفظ مجمع البحرين وقرأ على غيره وقرأ في عدة علوم على من لا يحصى ثم ارتحل إلى أرزنجان من بلاد الروم فأخذ التصوف عن الشيخ يار على السيواسي ثم دخل بلاد الشام وحلب وبيت المقدس فاجتمع بالقدوة العلامة شهاب الدين بن الهايم ثم رحل إلى القاهرة فأخذ الحديث عن الولي العراقي والجمال الحنبلي الجندي (7/294)

295 والشمس الشامي وهذه الطبقة فأكثر جدا ودرس في القاهرة بعدة أماكن ولازمه الناس وانتفعوا به جدا وهو رجل خير زاهد مؤثر للانقطاع عن الناس والعفة والتقنع بزراعات يزرعها ولم يحصل له إنصاف من رؤساء الزمان في أمر الدنيا وعنده رياضة زائدة وصبر على أشغال الناس له واحتمال جفاهم ولم يعتن بالتصنيف ومن شعره ( شرابك المختوم في آنيه * وخمر أعدائك في آنيه ) ( فليت أيامك لي آنيه * قبل انقضاء العمر في آنيه ) انتهى ملخصا أي وتوفي في رمضان بالقاهرة وقد تجاوز الثمانين وفيها معين الدين عبد اللطيف بن أبي بكر بن سليمان القاضي بن القاضي الحلبي الأصل المصري المولد والمنشأ الشافعي قال في المنهل الصافي ولد بالقاهرة سنة اثنتي عشرة وثمانمائة تخمينا ونشأ بها تحت كنف والده وحفظ القرآن العزيز وصلى بالناس في سنة أربع وعشرين وحفظ عدة مختصرات وتفقه على الشرف السبكي وقرأ المعقول على التقي الشمني وعلى الشمس الرومي وكتب الخط المنسوب وتدرب بوالده وغيره وكتب في التوقيع بديوان الإنشاء بالديار المصرية ثم ولي كتابة سر حلب بعد عزل والده في آخر الدولة الأشرفية فباشرها على أحسن وجه وحظى عند نائبها ثم عزل وعاد إلى توقيع دست القاهرة واستمر على ذلك إلى أن توفي والده سنة أربع وأربعين وثمانمائة فاستقر مكانه في كتابة السر بمصر وفيها شمس الدين محمد بن حسن بن علي بن عثمان النواجي الشافعي المصري الإمام العلامة الأديب قال في عنون الزمان ولد بالقاهرة بعد سنة خمس وثمانين وسبعمائة تقريبا وقرأ بها القرآن وتلا ببعض السبع على الشيخ أمير حاج والشمس الزراتيني وعلى شيخنا الشمس الجزري وحفظ العمدة والتنبيه والشاطبية والألفية وعرض بعضها على الشيخ زين الدين العراقي وذكر أنه (7/295)

296 أجاز له وغيره ثم أقبل على التفهم فأخذ الفقه عن الشمس البرماوي والبرهان البيجوري وغيرهما والنحو وغيره من المعقول عن الشيخ عز الدين بن جماعة والشمس البساطي والشمس بن هشام العجيمي وحج مرتين ودخل دمياط وأسكندرية وتردد إلى المحلة وأمعن النظر في علوم الأدب وأنعم حتى فاق أهل العصر فما رام بديع معنى إلا أطاعه وأنعم وأطال الاعتناء بالأدب فحوى فيه قصب السبق إلى أعلى الرتب ومن مصنفاته حاشية على التوضيح في مجلدة وبعض حاشية على الجاربردى وكتاب تأهيل الغريب يشتمل على قصائد مطولات كلها غزل والشفافي بديع إلا كتفا وخلع العذار في وصف العذار وصحائف الحسنات وروضة المجالس في بديع المجانسة ومراتع الغزلان في وصف الحسان من الغلمان وحلية الكميت في وصف الخمر وكان سماه أولا الحبور والسرور في وصف الخمور فحصلت له بسببه محنة عظيمة واستفتى عليه فغير تسميته ومن شعره ما ذكره في الشفا ( بعد صباح الوجه عيشى مضى * فيا رعى الله زمان الصباح ) ( وبت أرعى النجم لكنني * أهفو إذا هب نسيم الصباح ) ومنه ( عسى شربة من ماء ريقك تنطفي * بها كبدي الحرى وتبرى من الظما ) ( فختام لا أحظى بها وإلى متى * أقضى زماني في عسى ولعلما ) ومنه ( لقد تزايد همي مذ نأى فرج * عني وصدري أضحى ضيقا حرجا ) ( ورحت أشكو الأسى والحال ينشدني * يا مشتكي الهم دعه وانتظر فرجا ) ثم ذكر له أشياء حسنة وأخرى بضدها وأظهر تحاملا عليه فلذلك لم أذكر شيئا من ذلك فرحمهما الله تعالى (7/296)

297 سنة ستين وثمانمائة فيها توفي المولى سيد علي العجمي الحنفي قال في الشقائق حصل العلوم في بلاده ويقال أنه قرأ على السيد الشريف ثم أتى بلاد الروم فأتى بلدة قسطموني وواليها إذ ذاك إسمعيل بك فأكرمه غاية الإكرام ثم أتى إلى مدينة أدرنة فأعطاه السلطان مرادخان مدرسة جده السلطان بايزيدخان بمدينة بروسا وعاش إلى زمن السلطان محمد واجتمع عنده مع علماء زمانه وبحث معهم وظهر فضله بينهم وله من التصانيف حواش على حاشية شرح الشمسية للسيد الشريف وحواش على حاشية شرح المطالع للسيد الشريف أيضا وحواش على شرح المواقف للسيد الشريف وكان له خط حسن انتهى وفيها شمس الدين محمد بن علي بن محمد بن نصير الدمشقي ثم القاهري كان ممن تعانى الأدب ومهر في عمل المواليا وغيره وصار قيما وفيها منصور بن الحسين بن علي الكازروني الشافعي الإمام العلامة كان إماما عالما مصنفا مفيدا صحيح العقيدة صنف حجة السفرة البررة على المبتدعة الفجرة الكفرة وتوفي بمكة المشرفة سنة إحدى وستين وثمانمائة فيها توفي برهان الدين إبراهيم بن محمد بن محمد بن محمد بن سليمان بن علي البعلي الشافعي المعروف بابن المراحلي كان إماما فاضلا نبيلا توفي في ذي الحجة عن أربع وثمانين سنة وفيها أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الغني السوسي الحنفي العارف بالله تعالى المسلك العالم العامل القط بالغوث قال المناوي في طبقاته كان من أفراد الصلحاء المسلكين بالقاهرة عالي الرتبة جدا حتى يقال أن الشيخ محمد الحنفي إنما نال ما وصل إليه بلحظه وكان تفقه على ذوي المذاهب الأربعة وله كرامات ومكاشفات منها أن الكمال بن الهمام لما دخل مكة سأل العارف (7/297)

298 عبد الكريم الحضرمي أن يريه القطب فوعده لوقت معين ثم دخل معه فيه إلى المطاف وقال له ارفع رأسك فرفع فوجد شيخا على كرسي بين السماء والأرض فتأمله فإذا هو صاحب الترجمة فدهش وصار يقول من دهشته بأعلى صوته هذا صاحبنا ولم نعرف مقامه فاختفى عنه ولما رجع الكمال إلى مصر بادر للسلام عليه وقبل قدميه أكتم ما رأيته وتوفى بالقاهرة عن نحو ثمانين سنة ودفن بالقرافة وفيها القاضي قاسم بن القاضي جلال الدين أبي عمر التلفيتي الشافعي الإمام العالم توفي في شوال عن خمس وستين سنة قاله في ذي الدول وفيها كمال الدين محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد بن مسعود السيواسي ثم الأسكندري المعروف بابن الهمام الحنفي الإمام العلامة قال في بغية الوعاة ولد سنة تسعين وسبعمائة وتفقه بالسراج قاري الهداية ولازمه في الأصول وغيرها وانتفع به وبالقاضي محب الدين بن الشحنة لما دخل القاهرة سنة ثلاث عشرة ولازمه ورجع معه إلى حلب وأقام عنده إلى أن مات وأخذ العربية عن الجمال الحميدي والأصول وغيره عن البساطي والحديث عن أبي زرعة ابن العراقي والتصوف عن الخوافي والقراآت عن الزراتيتي وسمع الحديث عن الجمال الحنبلي والشمس الشامي وأجاز له المراغي وابن ظهيرة وتقدم على أقرانه وبرع في العلوم وتصدى لنشر العلم فانتفع به خلق وكان علامة في الفقه والأصول والنحو والتصريف والمعاني والبيان والتصوف والمويسيقى وغيرها محققا جدلا نظارا وكان يقول لا أقلد في المعقولات أحدا وقال البرهان الأبناسي من أقرانه طلبت حجج الدين ما كان في بلدنا من يقوم بها غيره وكان للشيخ نصيب وافر مما لأرباب الأحوال من الكشف (7/298)

299 والكرامات وكان تجرد أولا بالكلية فقال له أهل الطريق ارجع فإن للناس حاجة بعلمك وكان يأتيه الوارد كما يأتي الصوفية لكنه يقعل عنه بسرعة لأجل مخالطته بالناس أخبرني بعض الصوفية من أصحابه أنه كانه عنده في بيته الذي بمصر فأتاه الوارد فقام مسرعا قال الحاكي وأخذ بيدي يجرني وهو يعدو في مشيه وأنا أجري معه إلى أن وقف علي المراكب فقال ما لكم واقفين ههنا فقالوا أوقفنا الريح وما هو باختيارنا فقال هو الذي يسيركم وهو الذي يوقفكم قالوا نعم قال الحاكي وأقلع عنه الوارد فقال لعلي شققت عليك قال فقلت أي والله وانقطع قلبي من الجري فقال لا تأخذ علي فإني لم أشعر بشيء مما فعلته وكان الشيخ يلازم لبس الطيلسان كما هو السنة ويرخيه كثيرا على وجهه وقت حضور الشيخونية وكان يخفف الحضور جدا ويخفف صلاته كما هو شأن الأبدال فقد نقلوا أن صلاة الأبدال خفيفة وكان الشيخ أفتى برهة من عمره ثم ترك الافتاء جملة وولي من الوظائف تدريس الفقه بالمنصورية وبقبة الصالح وبالأشرفية والشيخونية فباشرها مدة أحسن مباشرة غير ملتفت إلى أحد من الأكابر وأرباب الدولة ثم رغب عنها لما جاور بالحرمين واستقر بعده شيخنا العلامة محي الدين الكافيجي وكان حسن اللقاء والسمت والبشر والبزة طيب النغمة مع الوقار والهيبة والتواضع المفرط والمحاسن الجمة وكان أحد الأوصياء علي وله تصانيف منها شرح الهدياة سماه فتح القدير للعاجز الفقير وصل فيه إلى أثناء الوكالة والتحرير في أصول الفقه والمسايرة في أصول الدين وكراسة في اعراب سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم وله مختصر في الفقه سماه زاد الفقير وله نظم نازل مات يوم الجمعة سابع رمضان انتهى سنة اثنتين وستين وثمانمائة فيها وقع في بولاق حريق لم يسمع بمثله (7/299)

300 وفيها توفي إبراهيم الزيات المجذوب قال المناوي في طبقاته كان معتقدا عند الخاصة والعامة يزوره الأكابر والأصاغر وله خوارق وكرامات كثيرة وقصد للزيارة من الآفاق وكان غالب أكله اللوز مات في القعدة بموضع مقامه بقنطرة قديدار انتهى وفيها شهاب الدين أحمد بن محمد بن حسين القاهري السيفي يشبك الحنفي الصوفي ويعرف بابن مبارك شاه قال في ذيل الدول كان إماما علامة انتهى وفيها أو في التي قبلها وبه جزم العلموي في طبقاته تقي الدين أبو الصدق أبو بكر بن إبراهيم بن يوسف بن قندس البعلي الحنبلي الإمام العلامة ذو الفنون ولد على ما كتبه بخطه قرب سنة تسع وثمانمائة وسمع على التاج بن بردس وغيره وتفقه في المذهب وحفظ المقنع وعنى بعلم الحديث كثيرا وقرأ الأصول على ابن العصياتي بحمص وأذن له بالافتاء والتدريس جماعة منهم الشيخ شرف الدين بن مفلح ثم قرأ المعاني والبيان على الشيخ يوسف الرومي والنحو على ابن أبي الجوف وكان مفننا في العلوم ذا ذهن ثاقب ثم بعد وفاة شيخه ابن مفلح طلبه الشيخ عبد الرحمن بن داود وأجلسه في مدرسة شيخ الإسلام أبي عمر فتصدى لأقراء الطلبة ونفعهم ثم ولي نيابة الحكم عن العز البغدادي مدة ثم ترك ذلك وأقبل على الاشتغال في العلم وكسب يده وأخذ عنه العلم جماعة وانتفعوا به منهم شيخ المذهب علاء الدين المرداوي والشيخ تقي الدين الجراعي وغيرهما من الأعلام وكان من عباد الله الصالحين وله حاشية على الفروع وحاشية على المحرر وتوفي يوم عاشوراء ودفن بالروضة قريبا من الشيخ موفق الدين وفيها تقريبا داود بن محمد بن إبراهيم بن شداد بن المبارك النجدي الأصل الربيعي النسب الحموي المولد الحنبلي المعروف بالبلاعي نسبة إلى بلدة تسمى البلاعة الفقيه الفرضي أخذ العلم عن قاضي القضاة علاء الدين بن المغلى (7/300)

301 وكان له يد طولى في الفرائض والحساب ومن تلامذته الأعيان من قضاة طرابلس وغيرها وتوفي بحماة وفيها القاضي نور الدين علي بن محمد بن اقبرس الشافعي الإمام العلامة قال في العنون ولد سنة إحدى وثمانمائة بالقاهرة وأخبرني أنه تلا بالسبع على الشمس الزراتيني والشيخ أمير حاج وأنه أخذ الفقه عن الشيخ شمس الدين الأبوصيري والشيخ عز الدين بن جماعة والشمس البرماوي والمنطق وكان رفيقه الكمال بن الهمام عن الجلال الهندي وأثنى على علمه به ولازم الشمس البساطي فانتفع به في النحو والتصريف والمعاني والبيان والأصلين والمنطق وغير ذلك وعنده فضيلة وكلامه أكثر من فضيلته وعنده جراءة وطلاقة لسان وقدرة على الدخول في الناس وعلى صحبة الأتراك صحب جقمق العلائي ولازمه حتى عرف به فلما ولي السلطنة حصل له منه حظ وولاه وظائف منها نظر الأوقاف ووسع في دنياه جدا وناب في القضاء للشمس الهروي وغيره وله نظم وسط ربما وقع فيه الجيد وكذا نثره وسمع شيخنا ابن حجر وغيره وحج وجاور وسافر إلى دمشقي وزار القدس ودخل ثغر اسكندرية ودمياط ومن نظمه ( يا رب مالي غير رحمتك التي * أرجو النجاة بها من التشديد ) ( مولاي لا علمي ولا عملي إذا * حوسبت ما عندي سوى التوحيد ) انتهى ملخصا وتوفي بالقاهرة في صفر وقد جاوز الستين وفيها نور الدين أبو الحسن علي بن محمد المتبولي الشهير بابن الرزاز الحنبلي الإمام العلامة كان من أعيان فقهاء الديار المصرية وقضاتها باشر نيابة القضاء عن ابن المغلى ومن بعده وكان يكتب على الفتوى عبارة حسنة وتوفي بالقاهرة في حادي عشر ربيع الأول ودفن بتربة الشيخ نصر المنبجي وفيها زين الدين عبد الرحمن بن محمد بن خالد بن زهر الحنبلي (7/301)

302 الحمصي كان من أهل الفضل قرأ المقنع على والده وروى الحديث بسند عال روى عن الشيخ شمس الدين بن اليونانية عن الحجار وكان ملازما للعبادة والخشوع والصلاح سنة ثلاث وستين وثمانمائة فيها توفي شهاب الدين أحمد بن محمد بن صالح بن عثمان الأسليمي ثم الحسيني القاهري الشافعي الإمام العلامة وفيها شهاب الدين أحمد بن محمد بن المجد المخزومي الحنبلي النابلسي الإمام العالم توفي بنابلس وتوفي فيها أيضا في هذه السنة زين الدين عبد المغيث بن الأمير ناصر الدين محمد بن عبد المغيث الحنبلي وفيها برهان الدين أبو الخير إبراهيم بن أحمد بن عبد الكافي الطباطبي المقرىء الصوفي الشافعي السيد الشريف قال المناوي كان يطلق بكل صالحة يده ولسانه ويطوي على المعارف اليقينية جنانه ولا يلتفت إلى الدنيا ولا يقبلها ويشتري حاجته من السوق ويحملها أخذ عن المحب الطبري والكمال الكازروني والحافظ ابن حجر وتصدى للأقراء بالحرمين وأخذ عنه الأماثل وله اليد الطولى في التصوف وعنه أخذ جدنا الشرف المناوي التصوف واستمر ملازما طريقته المرضية إلى أن حان أجله وأدركته المنية وتوفي بمكة انتهى وفيها شمس الدين محمد بن عبد الله بن خليل بن أحمد البلاطنسي ثم الدمشقي الشافعي الإمام العالم توفي في صفر عن أربع وستين سنة وفيها شمس الدين محمد بن محمد بن علي بن أحمد الحموي ثم الحلبي (7/302)

303 الشافعي الصوفي ويعرف بابن الشماع كان إماما عالما عاملا زاهدا علامة توفي بطيبة المشرفة في ذي القعدة عن بضع وسبعين سنة ودفن بالبقيع سنة أربع وستين وثمانمائة فيها كان الطاعون العظيم بغزة ثم الشام والقدس ومات فيه من لا يحصى وفيها توفي برهان الدين إبراهيم بن علي بن محمد بن داود البيضاوي ثم المكي الشافعي ويعرف بالزمزي الإمام العلامة توفي في ربيع الأول عن ست وثمانين سنة وفيها شهاب الدين أحمد بن علي بن محمد الشحام الحنبلي المؤذن بالجامع الأموي ولد في خامس عشرى المحرم سنة إحدى وثمانين وسبعمائة وسمع من جماعة وروى عنه جماعة من الأعيان وتوفي بالقدس الشريف في نهار الثلاثاء تاسع جمادى الآخر وفيها تقريبا قاضي القضاة تقي الدين أبو الصدق أبو بكر بن محمد بن الصدر البعلي الحنبلي ولد سنة سبع وسبعين وسبعمائة وروى عمن روى عن الحجار وسمع على الشيخ شمس الدين بن اليونانية البعلي ببعلبك وولي قضاء طرابلس مدة طويلة وكان حسن السيرة وأجاز الشيخ نور الدين العصياتي وأخذ عنه جماعات وفيها جلال الدين محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم المحلى الشافعي تفتازاني العرب الإمام العلامة قال في حسن المحاضرة ولد بمصر سنة إحدى وتسعين وسبعمائة واشتغل وبرع في الفنون فقها وكلاما وأصولا ونحوا ومنطقا وغيرها وأخذ عن البدر محمود الأقصرائي والبرهان البيجوري والشمس البساطي والعلاء البخاري وغيرهم وكان علامة آية في الذكاء والفهم كان بعض أهل عصره يقول فيه أن ذهنه يثقب الماس وكان هو يقول عن نفسه إن فهمي لا يقبل الخطأ ولم يك يقدر على الحفظ وحفظ كراسا من بعض الكتب (7/303)

304 فامتلأ بدنه حرارة وكان غرة هذا العصر في سلوك طريق السلف على قدم من الصلاح والورع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يواجه بذلك أكابر الظلمة والحكام ويأتون إليه فلا يلتفت إليهم ولا يأذن لهم في الدخول عليه وكان عظيم الحدة جدا لا يراعي أحدا في القول يؤسى في عقود المجالس على قضاة القضاة وغيرهم وهم يخضعون له ويهابونه ويرجعون إليه وظهرت له كرامات وعرض عليه القضاء الأكبر فامتنع وولي تدريس الفقه بالمؤيدية والبرقوقية وقرأ عليه جماعة وكان قليل الأقراء يغلب عليه الملل والسآمة وسمع الحديث من الشرف بن الكويك وكان متقشفا في مركوبه وملبوسه ويتكسب بالتجارة وألف كتبا تشد إليها الرحال في غاية الاختصار والتحرير والتنفيح وسلاسة العبارة وحسن المزج والحل وقد أقبل عليها الناس وتلقوها بالقبول وتداولوها منها شرح جمع الجوامع في الأصول وشرح المنهاج في الفقه وشرح بردة المديح ومناسك وكتاب في الجهاد ومنها أشياء لم تكمل كشرح القواعد لابن هشام وشرح التسهيل كتب منه قليلا جدا وحاشية على شرح جامع المختصرات وحاشية على جواهر الأسنوي وشرح الشمسية في المنطق وأجل كتبه التي لم تكمل تفسير القرآن كتب منه من أول الكهف إلى آخر القرآن وهو ممزوج محرر في غاية الحسن وكتب على الفاتحة وآيات يسيرة من البقرة وقد كملته بتكملة على نمطه من أول البقرة إلى آخر الأسرار وتوفي في أول يوم من سنة أربع وستين وثمانمائة انتهى سنة خمس وستين وثمانمائة في صفرها كان بمكة سيل عظيم وفيها توفي الملك الأشرف سيف الدين أبو النصر اينال العلائي تسلطن في صبيحة يوم الإثنين لثمان مضين من شهر ربيع الأول سنة سبع وخمسين وثمانمائة (7/304)

305 وهو الثاني عشر من ملوك الجراكسة وأولادهم وهو جركسي جلبه الخواجا علاء الدين إلى مصر فاشتراه الظاهر برقوق وأعتقه الناصر فرج بن برقوق وتنقل في الدولة إلى أن صار في أيام الأشرف برسباي أمير مائة مقدم ألف وولاه الظاهر جقمق الدوادارية الكبرى إلى أن جعله أتابكا واستمر إلى أن تسلطن وتم أمره في الملك وطالت أيامه نحو ثمان سنين وشهرين وأياما وكان طويلا خفيف اللحية بحيث اشتهر باينال الأجرود وكان قليل الظلم قليل سفك الدماء متجاوزا عن الخطا والتقصير إلا أن ممالكيه ساءت سيرتهم في الناس واستمر سلطانا إلى أن خلع نفسه من السلطنة وعقدها لولده الملك المؤيد شهاب الدين أبي الفتح أحمد بن إينال العلائي في يوم الأربعاء رابع عشر ليلة خلت من جمادى الأولى وتوفي والده بعد ذاك بيوم واحد ثم خلعه أتابكه خشقدم بعد خمسة أشهر وخمسة أيام وولي السلطنة عوضه الملك الظاهر خشقدم يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان وفيها القاضي شهاب الدين أحمد بن محمد بن محمد بن عمر البلقيني الإمام العالم توفي في ذي القعدة عن ثلاث وخمسين سنة وفيها عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم الكناني الحموي المعروف بابن جماعة توفي في ذي القعدة عن خمس وثمانين سنة وفيها باعلوي عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمن اليمني الصوفي كان شيخ حضر موت وركنها وصوفيها وزاهدها له أتباع وخدخم مع الولاية الظاهرة والأسرار الباهرة وتوفي في رمضان سنة ست وستين وثمانمائة فيها توفي السيد حسين بن محمد بن أيوب الحسني الشافعي المعروف بالسيد النسابة كان إماما عالما أخباريا توفي في مستهل صفر وقد قارب المائة (7/305)

306 وفيها السلطان خلف الأيوبي صاحب حصن كيفا وهو آخر ملوك الحصن من بني أيوب وفيها شمس الدين أبو الفتح محمد بن أحمد بن أبي بكر القاهري الشافعي الصوفي الإمام الزاهد توفي في ربيع الأول عن نحو ثمانين سنة سنة سبع وستين وثمانمائة في ربيع الآخر وقع بمكة سيل عظيم حتى دخل المسجد الحرام وارتقى الماء إلى نحو قفل باب الكعبة وفي حدودها توفي برهان الدين أبو إسحق إبراهيم بن التاج عبد الوهاب بن عبد السلام بن عبد القادر البغدادي الحنبلي ولد في ثالث ذي الحجة سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة وقرأ على علماء عصره وجد واجتهد حتى صار إماما عالما محدثا زاهدا يشار إليه بالبنان وفيها أبو بكر بن محمد بن إسمعيل بن علي القلقشندي المقدسي الشافعي كان إماما عالما عاملا محدثا فقيها توفي ببيت المقدس في جمادى الآخرة عن بضع وثمانين سنة وفيها أبو السعادات بن محمد بن عبد الله بن سعد النابلسي الأصل المقدسي نزيل القاهرة الحنفي كان إماما علامة شيخ مذهب النعمان في زمنه توفي في ربيع الآخر عن نحو مائة سنة وفيها تقريبا زين الدين أبو عبد الله بلال بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم القادري الحنبلي الفقيه الإمام العالم وفي حدودها شمس الدين محمد بن عبد الله المتبولي الحنبلي المشهور بابن الرزاز كان إماما عالما فقيها (7/306)

307 سنة ثمان وستين وثمانمائة فيها توفي قاضي القضاة علم الدين صالح بن شيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقيني الشافعي الإمام العلامة قال السيوطي في حسن المحاضرة وهو شيخنا حامل لواء مذهب الشافعي في عصره ولد سنة إحدى وتسعين وسبعمائة وأخذ الفقه عن والده وأخيه والنحو عن الشطنوفي والأصول عن العز بن جماعة وسمع على أبيه جزء الجمعة وختم الدلائل وغير ذلك وعلى الشهاب ابن حجي جزء ابن نجيد وحضر عند الحافظ أبي الفضل العراقي في الاملاء وتولى مشيخة الخشابية والتفسير بالبرقوقية بعد أخيه وتدريس الشريفية بعد القمني وتولى القضاء الأكبر سنة ست وعشرين بعزل الشيخ ولي الدين وتكرر عزله وإعادته وتفرد بالفقه وأخذ عنه الجم الغفير وألحق الأصاغر بالأكابر والأحفاد بالأجداد وألف تفسير القرآن وكمل التدريب لأبيه وغير ذلك قرأت عليه الفقه وأجازني بالتدريس وحضر تصديري وقد أفردت ترجمته بالتأليف ومات يوم الأربعاء خامس رجب انتهى وفيها جمال الدين عبد الله بن أبي بكر بن خالد بن زهرا الحمصي الحنبلي الإمام العلامة قرأ الفروع على ابن مغلى وله عليه حاشية لطيفة وقرأ تجريد العناية على مؤلفه القاضي علاء الدين بن اللحام والأصول له أيضا وأخذ عن عمه القاضي شمس الدين وعلماء دمشق وكان من أكابر الفضلاء وتوفي في هذه السنة عن أكثر من مائة سنة وفيها أبو الحسن علي بن سودون البشبغاوي القاهري الحنفي الإمام العلامة أخذ عن علماء عصره وتفنن في العلوم وكان مملقا فأخذ في رواج أمره بالمجون ويقال أنه أول من أحدث خيال الظل وألف كتابا حافلا صدره نظم فائق في مديح المصطفى وغيره وعجزه خرافات (7/307)

308 ويقال أن والده كان قاضيا بمصر وأنه سمع بأن ولده تعاطى التمسخر مع الأراذل تحت قلعة دمشق فأتى إلى الشام ووقف على حلقة فيها ولده يتعاطى ذلك فلما رأى والده أنشد ( قد كان يرجو والدي * بأن أكن قاضي البلد ) ( ما تم إلا ما يريد * فليعتبر من له ولد ) وبالجملة فقد كان من أعاجيب الزمان وتوفي بدمشق في رجب عن ثمان وخمسين سنة وفيها السيد يحيى بن السيد بهاء الدين الشرواني الحنفي الصوفي الخلوتي قال في الشقائق ولد بمدينة شماخي وهي أم مدائن ولاية شروان وكان أبوه من أهل الثروة وكان هو صاحب جمال وكمال يلعب بالصولجان فبينا هو يلعب فيه إذ مر عليه الشيخ بيرزاده الخلوتي فلما رأى أدبه وجماله دعا له بالفوز بطريق الصوفية فالتجأ المترجم إلى خدمة الشيخ صدر الدين الخلوتي ولازم خدمته فكره والده ذلك لدخوله الخلوة مع الصوفية مع هذا الجمال وأنكر على الشيخ صدر الدين لإذنه له في ذلك ونصح ولده فلم ينقع حتى قيل أنه قصد إهلاك الشيخ صدر الدين واتفق أن السيد يحيى لم يحضر الجماعة في صلاة العشاء لاشتغاله بالتنور وكان الوقت باردا فدخل الشيخ بيته من كوة الدار وأخذ بيده وقال قم يا ولدي فقال له والده لأي شيء دخل شيخك من الكوة ولم يدخل من الباب وأنت تعتقد أنه متشرع فقال خاف من الشوك في الطريق فقال وأي شوك هو قال إنكارك فعند ذلك زال إنكاره ولازم أيضا خدمة الشيخ المذكور ثم أن السيد يحيى انتقل بعد موت شيخه من شماخي إلى بلدة باكو من ولاية شروان وتوطن هناك واجتمع عليه الناس حتى زادت جماعته على عشرة آلاف ونشر الخلفاء إلى أطراف الممالك (7/308)

309 وكان هو أول من سن ذلك وكان يقول بجواز إكثار الخلفاء لتعليم الآداب للناس وأما المرشد فلا يكون إلا واحدا وحكى أنه لم يأكل طعاما في آخر عمره مقدار ستة أشهر وتوفي في بلدة باكو انتهى ملخصا وفيها العزيز يوسف بن الأشرف برسباي توفي بالأسكندرية في المحرم عن أربعين سنة وتوفي بعده أخوه الشهابي أحمد عن نحو سبع وعشرين سنة في هذه السنة أيضا ولم يكن بينهما ثلاثة أشهر سنة تسع وستين وثمانمائة فيها توفي قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن الحسين العباسي السيد الحسيب النسيب الحنبلي الإمام العلامة ولد سنة خمس وتسعين وسبعمائة وأخذ عن ابن المغلى وابن زهرا الحمصي وولي قضاء حماة فباشره فوق ثلاثين سنة بعفة وديانة وكان يروم الخلافة وربما تكلم له فيها لأنه كان من ذرية العباس رضي الله عنه وكان من أهل العلم والفضل وتوفي بحماة في أوائل هذه السنة وولي قضاء حماة بعده ولد ولده قاضي القضاة محي الدين عبد القادر بن القاضي موفق الدين بن القاضي شهاب الدين واستمر بها نحو عشر سنين إلى أن توفي رحمه الله وفيها السلطان عبد الحق بن أبي سعيد المريني صاحب فاس توفي في رمضان سنة سبعين وثمانمائة فيها توفي برهان الدين إبراهيم بن أحمد بن ناصر بن خليفة المقدسي الشافعي الناصري الباعوني الدمشقي الإمام العالم العلامة توفي في ربيع الأول (7/309)

310 عن بضع وتسعين سنة وتوفي بعده في رمضان هذه السنة أخوه شمس الدين محمد بن أحمد الإمام العالم الناظم الناثر وفيها شهاب الدين أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن موسى المنوفي الشافعي المعروف بابن أبي السعود كان إماما فاضلا عالما توفي بطيبة في شوال عن ست وخمسين سنة وفيها شهاب الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي بكر بن زيد الحنبلي الإمام العلامة النحوي المفسر المحدث قال العليمي اعتنى بعلم الحديث كثيرا ودأب فيه وكان أستاذا في العربية وله يد طولى في التفسير وانتفع به الناس وكان يقرأ على الشيخ علي بن زكنون ترتيب مسند الإمام أحمد له وكذلك غيره من كتب الحديث وكان أستاذا في الوعظ وله كتاب خطب في غاية الحسن وتوفي في سلخ صفر وفيها بيرنصع بن جهان شاه بن قرا يوسف بن قرا محمد التركماني صاحب بغداد توفي في ثاني ذي القعدة وفيها أبو الفضل عبد الرحمن بن علي بن عمر بن علي الأنصاري الأندلسي ثم القاهري الشافعي المعروف بابن الملقن كان إماما علامة توفي في شوال عن ثمانين سنة قاله في ذيل الدول وفيها القاضي نور الدين أبو الحسن علي بن شهاب الدين أحمد الشيشيني الحنبلي الإمام العلامة قال العليمي كان من أهل العلم فقيها مفتيا باشر نياببة الحكم بالديار المصرية وكان يكتب على الفتوى كتابة جيدة وأفتى في خلع الحيلة إن العمل على صحته ووقوعه ورأيت خطه بذلك وتقدم نظير ذلك في ترجمة ابن نصر الله البغدادي انتهى ملخصا وفيها ملك صنعاء عامر بن طاهر العدني اليماني (7/310)

311 وفيها قاضي القضاة نظام الدين عمر بن إبراهيم بن محمد بن مفلح الراميني المقدسي ثم الصالحي الحنبلي الإمام العلامة الواعظ الأستاذ ولد ظنا سنة ثمانين وسبعمائة فإن له حضور على الشيخ الصامت سنة أربع وثمانين وسمع من والده وعمه الشيخ شرف الدين وجماعة وحضر عند ابن البلقيني وابن المغلى وغيرهما من الأئمة وكان رجلا دينا يعمل الميعاد يوم السبت بكرة النهار على طريقة والده وقرأ البخاري على الشيخ شمس الدين بن المحب وأجازه وباشر نيابة الحكم بدمشق مدة ثم استقل بالوظيفة بعد عزل ابن الحبال سنة اثنتين وثلاثين واستمرت الوظيفة بينه وبين العز البغدادي دولا إلى أن مات البغدادي وتوفي المترجم بصالحية دمشق ودفن بالروضة قريبا من والده وجده وفيها شمس الدين محمد بن علي الدمشقي ثم القوصي القاهري الشافعي ويعرف بابن الفالاتي كان إماما عالما توفي في ذي القعدة عن ست وأربعين سنة سنة إحدى وسبعين وثمانمائة في حدودها توفي أحمد بن عروش المغربي التونسي قال المناوي في طبقات الأولياء كان من أكابر الأولياء من أهل الجذب بتونس له كرامات ظاهرة وأحوال باهرة منها أنه كانت الطيور الوحشية تنزل عليه وتأكل من يده ومنها أنه كان عنده جمع وافر من الفقراء فكان يمد يديه في الهواء ويحضر لهم ما يكفيهم من القوت وكان مهابا جدا لا يقدر على لقائه كل أحد يقشعر البدن لرؤسته وكان جالسا على سطح فندق بتونس ليلا ونهارا ولم يزل كذلك حتى مات وفيها شهاب الدين أحمد البيت لبدي الحنبلي الإمام العلامة (7/311)

312 وفيها القاضي وجيه الدين أسعد بن علي بن محمد بن المنجا التنوخي الحنبلي قال العليمي كان من أهل الفضل ورواة الحديث الشريف وهو من بيت مشهور بالعلماء وتقدم ذكر أسلافه باشر نيابة الحكم بدمشق عن بني مفلح وكانت سيرته حسنة انتهى وفيها أبو الحسن علي بن محمد بن إبراهيم بن أحمد الخجندي المدني الحنفي الإمام العالم توفي في صفر ولم يكمل الثلاثين وفيها قاضي القضاة شرف الدين أبو زكريا يحيى بن محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن مخلوف بن عبد السلام المناوي المصري الشافعي جد الشيخ عبد الرؤف المناوي شارح الجامع الصغير ذكره في طبقاته وأثنى عليه بما لا مزيد عليه وقال السيوطي في حسن المحاضرة هو شيخنا شيخ الإسلام ولد سنة ثمان وتسعين وسبعمائة ولازم الشيخ ولي الدين العراقي وتخرج به في الفقه والأصول وسمع الحديث عليه وعلى الشرف بن الكويك وتصدر للأقراء والأفتاء وتخرج به الأعيان وولي تدريس الشافعي وقضاء الديار المصرية وله تصانيف منها شرح مختصر المزني وتوفي ليلة الإثنين ثاني جمادى الآخرة وهو آخر علماء الشافعية ومحققيهم وقد رثيته بقولي ( قلت لما مات شيخ العصر * حقا باتفاق ) ( حين صار الأمر ما بين * جهول وفساق ) ( أيها الدنيا لك الويل * إلى يوم التلاق ) انتهى سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة قال في ذيل الدول في أواخرها ربيعها الأول أمطرت السماء وقت العصر حصى أبيض زنة الحصاة ما بين رطل وأكثر وأقل مع برق ورعد وظلمة ثم وقع في عصر الذي يليه مطر على العادة انتهى (7/312)

313 وفيها توفي شهاب الدين أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن خالد بن زهرا الحمصي الحنبلي الإمام العالم قرأ المقنع على عمه القاضي شمس الدين وألفية ابن مالك وبحثها عليه وقرأ الأصول على الشيخ بدر الدين العصياتي وتوفي بحمص وفيها تقي الدين أبو العباس أحمد بن العلامة كمال الدين محمد بن محمد بن علي بن يحيى بن محمد بن خلف الله الشمني بضم المعجمة والميم وتشديد النون القسطنطيني الحنفي هو المالكي والده وجده قال السيوطي في بغية الوعاة هو شيخنا الإمام العلامة المفسر المحدث الأصولي المتكلم النحو البياني إمام النحاة في زمانه وشيخ العلماء في أوانه شهد بنشر علومه العاكف والبادي وارتوى من بحار علومه الظمآن والصادي وأما التفسير فبحره المحيط وكشاف دقائقه بلفظه الوجيز الفائق على الوسيط والبسيط وأما الحديث فالرحلة في الرواية والدراية إليه والمعول في حل مشكلاته وفتح مقفلاته عليه وأما الفقه فلو رآه النعمان لأنعم به عينا أو رام أحد مناظرته لأنشد ( وألفى قولها كذبا ومينا * ) وأما الكلام فلو رآه الأشعري لقربه وقربه وعلم أنه نصير الدين ببراهينه وحججه المهذبة المرتبة وأما الأصول فالبرهان لا يقوم عنده بحجة وصاحب المنهاج لا يهتدي معه إلى محجة وأما النحو فلو أدركه الخليل لاتخذه خليلا أو يونس لآنس به وشفى منه غليلا وأما المعاني فالمصباح لا يظهر له نور عند هذا الصباح وما يفعل المفتاح مع من ألقت إليه المقاليد أبطال الكفاح إلى غير ذلك من علوم معدودة وفضائل مأثورة مشهودة ( هو البحر لا بل دون ما علمه البحر * هو البدر بل ما دون طلعته البدر ) ( هو النجم لا بل دونه النجم رتبة * هو الدر لا بل دون منطقه الدر ) ( هو الكامل الأوصاف في العلم والتقى * فطاب به في كل ما قطر ذكر ) ( محاسنه جلت عن الحصر وازدهى * بأوصافه نظم القصائد والنثر ) ولد بأسكندرية في رمضان سنة إحدى وثمانمائة وقدم القاهرة مع والده وكان (7/313)

314 من علماء المالكية فتلا على الزراتيتي وأخذ عن الشمس الشطنوفي ولازم القاضي شمس الدين البساطي وانتفع به في الأصلين والمعاني والبيان وأخذ عن الشيخ يحيى السيرامي وبه تفقه وعن العلاء البخاري وأخذ الحديث عن الشيخ ولي الدين العراقي وبرع في الفنون واعتنى به والده في صغره وأسمعه الكثير من التقى الزبيري والجمال الحنبلي والشيخ ولي الدين وغيرهم وأجاز له السراج البلقيني والزين العراقي والجمال بن ظهيرة والهيثمي والكمال الدميري والحلاوي والجوهري والمراغي وآخرون وخرج له صاحبنا الشيخ شمس الدين السخاوي مشيخة وحدث بها وبغيرها وخرج له جزءا فيه الحديث المسلسل بالنحاة وحدث به وهو إمام علامة مفنن منقطع القرين سريع الإدراك قرأ التفسير والحديث والفقه والعربية والمعاني والبيان والأصلين وغيرها وانتفع به الجم الغفير وتزاحموا عليه وافتخروا بالأخذ عنه مع العفة والخير والتواضع والشهامة وحسن الشكل والأبهة والانجماع عن بني الدنيا أقام بالجمالية مدة ثم ولي المشيخة والخطابة بتربة قايتباي الجركسي بقرب الجبل وطلب لقضاء الحنفية بالقاهرة سنة ثمان وستين فامتنع وصنف شرح المغنى لابن هشام وحاشية علي الشفا وشرح مختصر الوقاية في الفقه وشرح نظم النخبة في الحديث ولوالديه وله النظم الحسن ولم يزل الشيخ يودني ويحبني ويعظمني ويثني علي كثيرا وتوفي رحمه الله تعالى قرب العشاء ليلة الأحد سابع عشرى ذي الحجة انتهى وفيها شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن صالح بن عمر المرعشي الحلبي الإمام العالم العلامة توفي في ذي الحجة وفيها شهاب الدين أحمد بن أسد بن عبد الواحد الأميوطي الشافعي الإمام العالم توفي في ذي الحجة أيضا بين الحرمين قاله في ذيل الدول وفيها لملك جهان شاه بن قرا يوسف بن قرا محمد التركماني صاحب العراقين (7/314)

315 وفيها السلطان الملك الظاهر سيف الدين أبو سعيد خشقدم الناصري قال في الأعلام ولي السلطنة يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة خمس وستين وثمانمائة وهو رومي جلبه الخواجا ناصر الدين وبه عرف واشتراه المؤيد شيخ وأعتقه وصار خاصكيا عنده وتقلب في الدولة إلى أن جعله الأشرف إينال أتابكا لولده فخلعه وتسلطن مكانه وكان محبا للخير وكسا الكعبة الشريفة في أول ولايته على العادة ولكن كانت كسوة الجانب الشرقي والجانب الشامي بيضاء بجامات سود وفي الجامات التي بالجانب الشرقي بعض ذهب وأرسل في سنة ست وستين منبرا وكانت مدة سلطنته ست سنين ونصفا تقريبا ومرض فطال مرضه وتوفي يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول وتسلطن في ذلك اليوم الملك الظاهر أبو النصر بلباي المؤيدي وهو الرابع عشر من ملوك الجراكسة وأولادهم وكان ضعيفا عن تدبير الملك وتنفيذ الأمور فخلعه الأمراء من السلطنة في يوم السبت لسبع مضين من جمادى الأولى فكانت مدة سلطنته شهرين إلا أربعة أيام وتسلطن بعد خلعه عوضا عنه الملك الظاهر أبو سعيد تمربغا الظاهري وهو الخامس عشر من ملوك الجراكسة وأولادهم بمصر وكان له فضل وصلاح وتودد للناس وحذق ببعض الصنائع بحيث صار يعمل القسي الفائقة بيده ويعمل السهام عملا فائقا ويرمي بها أحسن رمي مع الفروسية التامة ومع ذلك ماصفا له دهره يوما ورماه عن كبد قوسه أبعد مرمى وما زال به الأمر إلى أن خلعوه ونفوه إلى الأسكندرية وولي السلطنة الملك الأشرف قايتباي المحمودي في ظهر يوم الإثنين سادس رجب سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة وهو السادس عشر من ملوك الجراكسة وأولادهم بمصر انتهى أي وكانت سلطنة الظاهر تمربغا شهرين إلا يوما واحدا (7/315)

316 وفيها عبد الأول بن محمد بن إبراهيم بن أحمد المرشدي المكي الحنفي الإمام العالم توفي في ربيع الأول عن أربع وخمسين سنة وفيها نور الدين علي بن نردبك الفخري الحنفي الإمام الفاضل أحد الأفراد توفي في رمضان عن ثلاث وثلاثين سنة وفيها القاضي محب الدين محمد بن أحمد بن محمد بن الجناق القرشي الحنبلي الإمام العلامة اشتغل ودأب وقرأ على الشيخ تقي الدين بن قندس ثم على الشيخ علاء الدين المرداوي وأذن له في الافتاء وولي نيابة الحكم بالديار المصرية فباشره بعفة وكان يلقى الدروس الحافلة ويشتغل عليه الطلبة ولما استخلفه القاضي عز الدين في سنة ست وستين وثمانمائة أنشد لنفسه ( آلهي ظلمت النفس إذ صرت قاضيا * وأبدلتها بالضيق من سعة الفضا ) ( وحملتها مالا تكاد تطيقه * فأسألك التوفيق واللطف في القضا ) وفيها قاضي القضاة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن محمد العمري العليمي نسبة إلى سيدنا علي بن عليل المشهور عند الناس بعلي بن عليم والصحيح أنه عليل باللام وهو من ذرية عمر بن الخطاب رضي الله عنه الحنبلي المقدسي قال ولده في طبقات الحنابلة ولد في سنة سبع وثمانمائة بالرملة ونشأ بها ثم توجه إلى مدينة صفد فأقام بها وقرأ القرآن وحفظه برواية عاصم وأتقنها وأجيز بها من مشايخ القراءة ثم عاد إلى مدينة الرملة واشتغل بالعلم على مذهب الإمام أحمد وحفظ الخرقي وكل أسلافه شافعية لم يكن فيهم حنبلي سواه وهو من بيت كبير ثم اجتهد في تحصيل العلم وسافر إلى الشام ومصر وبيت المقدس وأخذ عن علماء المذهب وأئمة الحديث وفضل في فنون من العلم وتفقه بالشيخ يوسف المرداوي وبرع في المذهب وأفتى وناظر وأخذ الحديث عن جماعة من أعيان العلماء وقرأ البخاري مرارا والشفا كذلك وكتب بخطه الكثير وكان بارعا في العربية خطيبا بليغا وصنف في الخطب وولي قضاء الرملة استقلالا ولم يعلم (7/316)

317 أن حنبليا قبله وليها ثم ولي قضاء القدس مدة طويلة ثم أضيف إليه قضاء بلد الخليل عليه السلام ثم ولي قضاء الرملة تسعة وخمسين يوما إلى أن دخل الوباء فتوفي بالطاعون يوم الثلاثاء رابع ذي القعدة انتهى ملخصا سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة فيها توفي جمال الدين محمد بن أبي بكر الناشري الصامت قال المناوي في طبقاته برع في الفقه وشارك في عدة فنون ثم أقبل على التعبد والتزهد وترك الرياسة وحب الخمول والعزلة واستقل بخويصة نفسه حتى مات ولم يخلف بعده مثله سنة أربع وسبعين وثمانمائة فيها توفي جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن الأمير الكبير سيف الدين تغرى بردى الحنفي الإمام العلامة ولد بالقاهرة سنة اثنتي عشرة وثمانمائة ورباه زوج أخته قاضي القضاة ناصر الدين بن العديم الحنفي إلى أن مات فتزوج بأخته جلال الدين البلقيني الشافعي فتولى تربيته وحفظ القرآن العزيز ولما كبر اشتغل بفقه الحنفية وحفظ القدوري وتفقه بشمس الدين محمد الرومي وبالعيني وغيرهما وأخذ النحو عن التقي الشمني ولازمه كثيرا وتفقه به أيضا وأخذ التصريف عن الشيخ علاء الدين الروم يوغيره وقرأ المقامات الحريرية على قوام الدين الحنفي وأخذ عنه العربية أيضا وقطعة جيدة من علم الهيئة وأخذ البديع والأدبيات عن الشهاب بن عربشاه الحنفي وغيره وحضر على ابن حجر العسقلاني وانتفع به وأخذ عن أبي السعادات ابن ظهيرة وابن العليف وغيرهما ثم حبب إليه علم التاريخ فلازم مؤرخي عصره مثل العيني والمقريزي واجتهد في ذلك إلى الغاية وساعدته جودة ذهنه (7/317)

318 وحسن تصوره وصحة فهمه ومهر وكتب وحصل وصنف وانتهت إليه رياسة هذا الشأن في عصره وسمع شيئا كثيرا من كتب الحديث وأجازه جماعات لا تحصى مثل ابن حجر والمقريزي والعيني ومن مصنفاته كتاب المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي في ست مجلدات ومختصره المسمى بالذيل الشافي على المنهل الصافي ومختصر سماه مورد اللطافة في ذكر من ولي السلطنة والخلافة والنجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة وذيل على الإشارة للحافظ الذهبي سماه بالبشارة في تكملة الإشارة وكتاب حلية الصفات في الأسماء والصناعات مرتبا على الحروف وغير ذلك ومن شعره ( تجارة الحب غدت * في حب خود كاسده ) ( ورأس مالي هبة * لفرحتي بفائدة ) ومنه مواليا في عدة ملوك الترك ( أيبك قطن يعقبو بيبرس ذوالا كمال * بعدو قلاوون بعدو كتبغا المفضال ) ( لاجين بيبرس برقوس شيخ ذو الأفضال * ططر برسباي جقمق ذو العلا اينال ) وتوفي في ذي الحجة وفيها زين الدين عمر بن محمد بن أحمد بن عجيمة الحنبلي الإمام العالم الفقيه الصالح توفي بمردا في هذه السنة رحمه الله وفي حدودها زين الدين عبد الرحمن بن إبراهيم بن الحبال الحنبلي الطرابلسي قال العليمي في طبقاته سكن بصالحية دمشق مدة يقرىء بها القرآن والعلم وكان يباشر نيابة الحكم عن قاضي القضاة شهاب الدين بن الحبال ثم تركها وأقبل على الاشتغال بالعلم وأخبرت أنه كان يأكل في كل سنة مشمشة واحدة ومن الخوخ سبعة ولا يأكل طعاما بملح انتهى وفي حدودها أيضا شمس الدين محمد بن محمد اللولوي الحنبلي ولد سنة أربع وثمانين وسبعمائة وكان من الصالحين وله سند عال في الحديث الشريف قاله العليمي أيضا (7/318)

319 سنة خمس وسبعين وثمانمائة فيها توفي شهاب الدين أبو الطيب أحمد بن محمد بن علي بن حسن بن إبراهيم الأنصاري الخزرجي القاهري الشافعي المعروف بالشهاب الحجازي الشاعر المفلق ولد في شعبان سنة تسعين وسبعمائة وسمع على المجد الحنفي والبرهان الأبناسي وأجاز له العراقي والهيثم وعنى بالأدب كثيرا حتى صار أوحد أهل زمانه وصنف كتبا أدبية منها روض الآداب والقواعد والمقامات والتذكرة وغير ذلك ونظم ونثر وطارح وكتب الخط الحسن وتميز في فنون لكنه هجر ما عدا الأدب منها وأثنى عليه الأكابر مع المداومة على التلاوة والكتابة وحسن العشرة والمجالسة وحلو الكلام وطرح التكلف والمحاسن الوافرة وتوفي في شهر رمضان وفيها المولى علاء الدين علي بن محمود بن محمد بن مسعود بن محمود بن محمد بن محمد بن محمد بن عمر الشاهرودي نسبة إلى قرية قريبة من بسطام البسطامي وبسطام بلدة من بلاد خراسان الهروي الرازي العمري البكري الحنفي الشهير بمصنفك لقب بذلك لاشتغاله بالتصنيف في حداثة سنة والكاف للتصغير في لغة العجم وهو من أولاد الإمام فخر الدين الرازي فإن صاحب الترجمة قال في بعض تصانيفه كان للإمام الرازي ولد اسمه محمد وكان الإمام يحبه كثيرا وأكثر مصنفاته صنفه لأجله وقد ذكر اسمه في بعضها ومات محمد في عنفوان شبابه وولد له ولد بعد وفاته وسموه أيضا محمدا وبلغ رتبة أبيه في العلم ثم مات وخلف ولدا اسمه محمود وبلغ أيضا رتبة الكمال ثم عزم على سفر الحجاز فخرج من هراة فلما وصل بسطام أكرمه أهلها لمحبتهم للعلماء سيما (7/319)

320 أولاد فخر الدين الرازي فأقام هناك بحرمة وافرة وخلف ولدا اسمه مسعود وسعى في تحصيل العلم لكنه لم يبلغ رتبة آبائه وقنع برتبة الوعظ لأنه لم يهاجر وخلف ولدا اسمه محمد فحصل من العلوم ما يقتدي به أهل تلك البلاد ثم خلف ولدا اسمه مجد الدين محمود فصار هو أيضا مقتدى الناس في العلم وهو والدي انتهى وولد مصنفك في سنة ثلاث وثمانمائة وسافر مع أخيه إلى هراة لتحصيل العلوم في سنة اثنتي عشرة وثمانمائة وقرأ على المولى جلال الدين يوسف الأوبهي تلميذ التفتازاني وعلى قطب الدين الهروي وقرأ فقه الشافعي على الإمام عبد العزيز الأبهري وفقه الحنفية على الإمام فصيح الدين بن محمد ولما أتى بلاد الروم وصار مدرسا بقونية ثم عرض له الصمم فأتى قسطنطينية فعين له السلطان محمد كل يوم ثمانين درهما وروى عنه أنه قال لقيت بعض المشايخ من بلاد العجم وجرى بيننا مباحثة وأغلظت القول في أثنائها ولما انقطع البحث قال لي أسأت الأدب عندي وإنك تجازى بالصمم وبأن لا يبقى بعدك عقب وكان إماما عالما علامة صوفيا أجيز له بالإرشاد من بضع خلفاء زين الدين الخوافي وكان جامعا بين رياستي العلم والعمل ذا شيبة عظيمة نيرة وكان يلبس عباء وعلى رأسه تاج وحضر هو وحسن جلبى الفناري عند محمود باشا الوزير فذكر حسن جلبى تصانيف المولى مصنفك وقال قد رددت عليه في كثير من المواضع ومع ذلك فقد فضلته علي في المنصب وكان حسن جلبي لم ير مصنفك قبل فقال له الوزير هل تعرف مصنفك قال لا فقال هذا هو وأشار إليه فخجل حسن جلبي فقال له الوزير لا تخجل فإن به صما لا يسمع أصلا وكان سريع الكتابة يكتب كل يوم كراسا من تصنيفه وكان يقرر للطلبة بالكتابة ومن تصانيفه شرح الإرشاد وشرح المصباح في النحو وشرح آداب البحث وشرح اللباب وشرح المطول وشرح شرح المفتاح للتفتازاني وحاشية على التلويح وشرح البزدوي وشرح القصيدة الروحية لابن (7/320)

321 سينا وشرح الوقاية وشرح الهداية وحدائق الإيمان لأهل العرفان وشرح المصابيح للبغوي وشرح شرح المفتاح للسيد وحاشية على حاشية شرح المطالع وشرح بعضا من أصول فخر الإسلام البزدوي وشرح الكشاف وصنف باللسان الفارسي أنوار الأحداق وحدائق الإيمان وتحفة السلاطين والتحفة المحمودية والتفسير الفارسي أجاد في ترتيبه واعتذر عن تأليفه بهذا اللسان أنه أمره بذلك السلطان محمد خان والمأمور معذور وله أيضا شرح الشمسية باللسان الفارسي وحاشية على شرح الوقاية لصدر الشريعة وحاشية على شرح العقائد وغير ذلك وتوفي رحمه الله تعالى بالقسطنطينية ودفن قرب مزار أبي أيوب الأنصاري وفيها القاضي شمس الدين محمد بن محمد بن الإمام النابلسي الحنبلي ولي قضاء نابلس وباشر قضاء الرملة وكان إماما عالما وتوفي بنابلس في جمادى الآخرة وتوفي ولده عبد المؤمن قبله في سنة سبعين سنة ست وسبعين وثمانمائة فيها توفي برهان الدين إبراهيم بن محمد بن محمد بن مفلح الحنبلي الكفل حارسي الإمام العالم الخطيب المقرىء توفي يوم الجمعة ثاني عشر ذي الحجة بكفل حارس ودفن بحرم المسجد الكبير عند قبر جده وفيها قاضي القضاة عز الدين أبو البركات أحمد بن إبراهيم بن نصر الله بن أحمد بن محمد بن أبي الفتح بن هاشم بن نصر الله بن أحمد الكناني العسقلاني الأصل ثم المصري الحنبلي الإمام العالم العامل المفنن الورع الزاهد المحقق المتقن شيخ عصره وقدوته ولد في ذي القعدة سنة ثمانمائة وتوفي والده وهو رضيع فنشأ هو واشتغل بالعلم وبرع ولقي المشايخ وروى الكثير ودأب (7/321)

322 في الصغر وحصل أنواعا من العلوم ثم باشر نيابة الحكم بالديار المصرية عن ابن سالم ثم عن ابن المغلى ثم عن المحب بن نصر الله ثم ولي قضاء الديار المصرية وكان ورعا زاهدا باشر بعفة ونزاهة وصيانة وحرمة مع لين جانب وتواضع وعلت كلمته وارتفع أمره عند السلاطين وأركان الدولة والرعية وكتب الكثير في علوم شتى ولكن لم ينتفع بما كتبه لاخماله لذلك ودرس وأفتى وناظر وله من التصانيف مختصر المحرر في الفقه وتصحيحه ونظمه ومنظومات متعددة في علوم عديدة فقها ونحوا وأصولا وتصريفا وبيانا وبديعا وحسابا وغير ذلك وله من غير النظم توضيح الألفية وشرحها شروح غالب هذه المنظومات وتوضيحاتها إلى غير ذلك من التواريخ والمجاميع واختصر تصحيح الخلاف المطلق في المقنع للشيخ شمس الدين بن عبد القادر النابلسي وكان ينظم الشعر الحسن وكان مرجع الحنابلة في الديار المصرية إليه ولم يزل كذلك إلى أن توفي ليلة السبت حادي عشر جمادى الأولى وصلى عليه السلطان قايتباي والقضاة وأركان الدولة وكانت جنازته حافلة ودفن بالصحراء من القاهرة وفيها شمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الله بن أحمد القلقشندي القاهري الشافعي الإمام العالم توفي في ربيع الأول عن نحو ثمانين سنة وفيها نجم الدين محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد الزرعي ثم الدمشقي الشافعي الإمام العلامة المفنن المعروف بابن قاضي عجلون أخذ عن علماء عصره وبرع ومهر وأخذ عنه من لا يحصى وتوفي في شوال عن خمس وأربعين سنة وفي حدودها أم عبد الله نشوان بنت الجمال عبد الله بن علي الكنانية ثم المصرية الحنبلية الرئيسة روت عن العفيف النشاوري وغيره وروى عنها جماعة من الأعيان منهم القاضي كمال الدين الجعفري النابلسي وغيره (7/322)

323 وكانت خيرة صالحة وتقدم ذكر والدها جمال الدين المعروف بالجندي وهي من أقارب القاضي عز الدين الكناني وكانت على طريقته في العفة والزهد حتى في قبول الهدية وتوفيت بالقاهرة سنة سبع وسبعين وثمانمائة فيها توفي شهاب الدين أحمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن أحمد بن منصور العامري الرملي الشافعي الإمام العالم العلامة توفي ليلة نصف شعبان عن بضع وسبعين سنة وفيها علي بن أحمد بن عثمان بن محمد بن إسحاق السالمي المناوي الأصل القاهري الإمام العالمي توفي يوم الجمعة سلخ ربيع الأول عن أربع وستين سنة سنة ثمان وسبعين وثمانمائة فيها توفي إبراهيم بن عبد ربه الصوفي قال المناوي في طبقاته زاهد مشهور بالصلاح معدود من ذوي الفلاح أخذ عن الشيخ محمد الغمري والشيخ مدين وغيرهما وكان مقيما في خلوة بجامع الزاهد وللناس فيه اعتقاد وربما لقن الذكر وسلك بل كان من أرباب الأحوال دخل مرة بيت الشيخ مدين في مولده فأكل طعام المولد كله وأكل مرة لحم بقرة كاملة ثم طوى بعدها سنة ومن كراماته ما حكاه الشيخ أمين الدين إمام جامع الغمري أنه قال له بعدك نسأل في مهماتنا من قال من بينه وبين أخيه ذراع من تراب فاسألني أجيبك فمرضت بنته فالتمسوا لها بطيخة فما وجدت فجاء إلى قبره وقال الوعد ثم رجع بعد العشاء فوجد في سلم بيته بطيخة لم يعلم من أين جاءت ومناقبه كثيرة وتوفي في صفر ودفن بباب جامع الزاهد وفيها بدر الدين حسن بن أحمد بن عبد الهادي المشهور بابن المبرد (7/323)

324 الحنبلي الإمام العالم القاضي باشر نيابة الحكم بدمشق مدة وتوفي بها في رجب وفيها خطاب بن عمر بن مهنا الغزاوي العجلوني الدمشقي الشافعي الإمام العالم توفي بدمشق في رمضان وقد قارب السبعين وفيها زين الدين عبد القادر بن عبد الله بن العفيف الحنبلي الشيخ الإمام العالم توفي بنابلس في ذي الحجة وفيها نور الدين علي بن إبراهيم بن البدرشي المالكي القاهري الأصل القاضي الإمام العالم توفي ببيت المقدس في مستهل جمادى الأولى قاضيا بها سنة تسع وسبعين وثمانمائة فيها تقريا توفي المولى حسن جلبي بن محمد شاه الفناري الحنفي الإمام العلامة قال في الشقائق كان عالما فاضلا قسم أيامه بين العلم والعبادة وكان يلبس الثياب الخشنة ولا يركب دابة للتواضع وكان يحب الفقراء والمساكين ويعاشر الصوفية وكان مدرسا بالمدرسة الحلبية بأدرنة وكان ابن عمه المولى على الفناري قاضيا بالعسكر في أيام السلطان محمد خان فدخل عليه وقال استأذن من السلطان أني أريد أن أذهب إلى مصر لقراءة مغنى اللبيب في النحو على رجل مغربي سمعته بمصر يعرف ذلك الكتاب غاية المعرفة فعرضه على السلطان فأذن له وقال قد اختل دماغ ذلك المرء وكان السلطان محمد لا يحبه لأجل أنه صنف حواشيه على التلويح باسم السلطان بايزيد في حياة والده ثم أنه دخل إلى مصر وكتب كتاب مغنى اللبيب بتمامة وقرأه على ذلك المغربي قراءة تحقيق وإتقان وكتب ذلك المغربي بخطه على ظهر كتابه إجازة له في ذلك الكتاب وقرأ هناك صحيح البخاري على بعض تلامذة ابن حجر وحصل له منه إجازة في ذلك الكتاب وفي رواية الحديث عنه ثم أنه حج وأتى بلاد الروم وأرسل كتاب مغنى اللبيب إلى السلطان محمد فلما نظر فيه (7/324)

325 زال عند تكدر خاطره عليه وأعطاه مدرسة أزنيق ثم إحدى الثمان وكان يذهب بعد الدرس إلى زيارة قاضي زادة وفي الغد يزوره قاضي زاده ثم عين له في كل يوم ثمانين درهما وسكن ببرسا إلى أن مات وله حواش على المطول وحواش على شرح المواقف للسيد الشريف وحواش على التلويح للعلامة التفتازاني وكلها مقبولة متداولة وفيها المولى خير الدين خليل بن قاسم بن حاجي صفارح الحنفي قال في الشقائق وهو جدي لوالدي كان جده الأعلى أتى من بلاد العجم إلى بلاد الروم هاربا من فتنة جنكزخان وتوطن في نواحي قصطموني وكان صاحب كرامات يستجاب الدعاء عند قبره وولد له ولد اسمه محمود حصل شيئا من الفقه والعربية ولم يترق إلى درجة الفضيلة وولد له ولد اسمه أحمد وهو أيضا كان عارفا بالعربية والفقه ولم يبلغ مبلغ الفضيلة وولد له ولد اسمه حاجي صفا كان فقيها عابدا صالحا ولم تكن له فضيلة زائدة وولد له ولد اسمه قاسم مات وهو شاب في طلب العلم وولد له صاحب الترجمة وقد بلغ مبلغ الفضيلة قرأ في بلاده مباني العلوم ثم سافر إلى مدينة برسا وقرأ هناك على ابن البشير ثم سافر إلى أدرنة وقرأ هناك على أخي مولانا خسرو وقرأ الحديث والتفسير على المولى خير الدين العجمي ثم أتى مدينة برسا وقرأ على المولى يوسف بالي بن المولى شمس الدين الفناري ثم وصل إلى خدمة المولى بكان واشتهر عنده بالفضيلة التامة وأرسله إلى مدرسة مظفر الدين الواقعة في بلدة طاش كبرى من نواحي قصطموني وعين له كل يوم ثلاثون درهما لوظيفة التدريس وخمسون درهما من محصول كرة النحاس وعاش هناك في نعمة وافرة وعزة متكاثرة ثم عزله السلطان محمد لما أخذ تلك البلاد من يد إسمعيل بك فذهب إلى كرة النحاس فكان يعظ الناس هناك في كل جمعة وتوفي هناك انتهى ملخصا (7/325)

326 وفيها زين الدين قاسم بن قطلوبغا بن عبد الله الجمال المصري نزيل الأشرفية الحنفي العلامة المفنن قال البرهان البقاعي في عنوان الزمان ولد سنة اثنتين وثمانمائة تقريبا بالقاهرة ونشأ بها وحفظ القرآن العظيم ثم أخذ في الجد حتى شاع ذكره وانتشر صيته وأثنى عليه مشايخه وصنف التصانيف المفيدة فمن تصانيفه شرح درر البحار وتخريج أحاديث الاختيار بيض في جزءين ورجال شرح معاني الآثار للطحاوي بيض في مجلد وتخريج أحاديث البزدوي في الأصول مجلد لطيف وأحاديث الفرائض كذلك وتخريج أحاديث شرح القدوري للأقطع مجلد لطيف وثقات الرجال كمل في أربع مجلدات وتصحيح على مجمع البحرين لابن الساعاتي وشرح فرائض المجمع وحاشية على التلويح وصل فيها إلى أثناء بحث السنة في مجلد وشرح منظومة ابن الجزري في علم الحديث المسماة بالهداية وغير ذلك مما غالبه في المسودات إلى الآن انتهى ملخصا وأخذ عن ابن الهمام وغيره من علماء عصره وأخذ عنه من لا يحصى كثرة وبالجملة فهو من حسنات الدهر رحمه الله تعالى وتوفي في ربيع الآخر عن سبع وسبعين سنة وفيها الظاهر أبو سعيد تمر بغا الرومي الظاهري الجقمقي ولي السلطنة قليلا ثم خلع مع مزيد عقله وتودده ورياسته وفصاحته توفي بالأسكندرية في ذي الحجة وقد جاوز الستين وفيها العادل خشقدم خير بك الدوادار خلع المترجم قبله وتسلطن ليلا ولقب بالعادل ثم أمسك وصودر وسجن بالأسكندرية وتوفي في ربيع الثاني ببيت المقدس وفيها محي الدين أبو عبد الله محمد بن سليمان بن سعد بن مسعود الرومي البرعمي الحنفي المعروف بالكافيجي لقب بذلك لكثرة اشتغاله بكتاب الكافية في النحو قال السيوطي في بغية الوعاة شيخنا العلامة أستاذ الأستاذين ولد سنة (7/326)

327 ثمان وثمانين وسبعمائة واشتغل بالعلم أول ما بلغ ورحل إلى بلاد العجم والتتر ولقي العلماء الأجلاء فأخذ عن الشمس الفنري والبرهان حيدرة والشيخ واجد وابن فرشته شارح المجمع وغيرهم ورحل إلى القاهرة أيام الأشرف برسباي فظهرت فضائله وولي المشيخة بتربة الأشرف المذكور وأخذ عنه الفضلاء والأعيان ثم ولي مشيخة الشيخونية لما رغب عنها ابن الهمام وكان الشيخ إماما كبيرا في المعقولات كلها والكلام وأصول الفقه والنحو والتصريف والأعراب والمعاني والبيان والجدل والمنطق والفلسفة والهيئة بحيث لا يشق أحد غباره في شيء من هذه العلوم وله اليد الحسنة في الفقه والتفسير والنظر في علوم الحديث وألف فيه وأما تصانيفه في العلوم العقلية فلا تحصى بحيث أني سألته أن يسمى لي جميعا لأكتبها في ترجمته فقال لا أقدر على ذلك قال ولي مؤلفات كثيرة أنسيتها فلا أعرف الآن أسماءها وأكثر تصانيف الشيخ مختصرات وأجلها وأنفعها على الاطلاق شرح قواعد الاعراب وشرح كلمتي الشهادة وله مختصر في علوم الحديث ومختصر في علوم التفسير يسمى التيسير قدر ثلاث كراريس وكان يقول أنه اخترع هذا العلم ولم يسبق إليه وذلك لأن الشيخ لم يقف على البرهان للزركشي ولا على مواقع العلوم للجلال البلقيني وكان الشيخ رحمه الله تعالى صحيح العقيدة في الديانات حسن الاعتقاد في الصوفية محبا لأهل الحديث كارها لأهل البدع كثير التعبد على كبر سنه كثير الصدقة والبذل لا يبقى على شيء سليم الفطرة صافي القلب كثير الاحتمال لأعدائه صبورا على الأذى واسع العلم جدا لأزمته أربع عشرة سنة فما جئته من مرة إلا وسمعت منه من التحقيقات والعجائب ما لم أسمعه قبل ذلك قال لي يوما ما اعراب زيد قائم فقلت قد صرنا في مقام الصغار ونسأل عن هذا فقال لي في زيد قائم مائة وثلاثة عشر بحثا فقلت لا أقوم من هذا المجلس حتى (7/327)

328 أستفيدها فأخرج لي تذكرتها فكتبتها منها وما كنت أعد الشيخ إلا والدا بعد والدي وكان يذكر أنه كان بينه وبين والدي صداقة تامة وأن والدي كان منصفا له بخلاف أكثر أهل مصر توفي الشيخ شهيدا بالاسهال ليلة الجمعة رابع جمادى الأولى انتهى وفيها شمس الدين محمد بن محمد السيلي الإمام الحنبلي العالم الفرضي قال العليمي قدم من السيلة إلى دمشق في سنة سبع عشرة وثمانمائة فاشتغل وقرأ المقنع وتفقه على الشيخ شمس الدين بن القباقبي وقرأ علم الفرائض والحساب على الشيخ شمس الدين الحواري وصار أمة فيه وله اطلاع على كلام المحدثين والمؤرخين ويستحضر تاريخا كثيرا وله معرفة تامة بوقائع العرب ويحفظ كثيرا من أشعارهم أفتى ودرس مدة انقطع في آخر عمره في ببيته توفي يوم السبت سابع عشر شوال ودفن بالروضة انتهى وفيها شمس الدين محمد بن محمد بن محمد بن الحسن المعروف بابن أمير حاج الحلبي الحنفي عالم الحنفية بحلب وصدرهم كان إماما عالما علامة مصنفا صنف التصانيف الفاخرة الشهيرة وأخذ عنه الأكابر وافتخروا بالانتساب إليه وتوفي بحلب في رجب عن بضع وخمسين سنة وفيها أمين الدين يحيى بن محمد الأقصرائي الحنفي قال في حسن المحاضرة هو شيخ الحنفية في زمانه أي بالقاهرة ولد سنة نيف وتسعين وسبعمائة وانتهت إليه رياسة الحنفية في زمانه انتهى أي ومات في أواخر ذي الحجة راجعا من الحج وفيها شمس الدين محمد بن محمد بن محمد بن علي بن محمد المصري الشافعي المعروف بابن القطان الإمام العالم العلامة توفي في ذي القعدة وقد جاوز الستين وفيها يحيى بن محمد بن أحمد الدمياطي ثم القاهري الشافعي الإمام العالم (7/328)

329 توفي ليلة سابع المحرم عن نحو ثمانين سنة سنة ثمانين وثمانمائة فيها توفي شهاب الدين أحمد السلفيتي الحنبلي الشيخ الإمام العلام الزاهد الورع وفيها قاضي القاضي محي الدين عبد القادر بن أبي القسم بن أحمد بن محمد بن عبد المعطي الأنصاري العبادي المالكي النحوي نحوي مكة قال في بغية الوعاة أما التفسير فإنه كشاف خفياته وأما الحديث فإليه الرحلة في رواياته وأما الفقه فإنه مالك زمامه وناصب أعلامه وأما النحو فإنه محي ما درس من رسومه ومبدي ما أبهم من معلومه وإذا ضل طالبوه عن محجته اهتدوا إليه بنجومه ورثه لا عن كلالة ثم قام به أتم قيام فلو رآه سيبويه لأقر له لا محالة أما آدابه ومحاضراته فحدث عن البحر ولا حرج وأما مجالساته فأبهى من الروض الأنف إذا انفتح زهره وأرج وأما زهده في قضاياه فقد سارت به الركبان وأما غير ذلك من محاسنه فكثير يقصر عن سردها اللسان ولد في ثامن عشر ربيع الآخر سنة أربع عشرة وثمانمائة بمكة ونشأ بها صينا وسمع بها من التقي الفاسي وأبي الحسن بن سلامة وجماعة وأجازت له عائشة بنت عبد الهادي وابن الكويك وعبد القادر الأرموي والبدر الدماميني وتفقه على جماعة وأجاز له البساطي بالافتاء والتدريس وأخذ عنه العربية وبرع فيها وفي الفقه وكتب الخط المنسوب وتصدر بمكة للافتاء وتدريس الفقه والتفسير والعربية وغير ذلك وهو إمام علامة بارع في هذه العلوم الثلاثة بل ليس بعد شيخي الكافيجي والشمني أنحى منه مطلقا ويتكلم في الأصول كلاما حسنا حسن المحاضرة كثير الحفظ للآداب والنوادر والأشعار والأخبار وتراجم الناس وأحوالهم فصيح العبارة طلق (7/329)

330 اللسان قادر على التعبير عن مراده بأحسن عبارة وأعذبها وأفصحها لا تمل مجالسته كثير العبادة والصلاة والقراءة والتواضع ومحبة أهل الفضل والرغبة في مجالستهم ولم ينصفني في مكة أحد غيره ولم أتردد لسواه ولم أجالس سواه وكتب لي على شرح الألفية تقريظا بليغا وقد دخل القاهرة واجتمع بفضلائها وولي قضاء المالكية بمكة بعد موت أبي عبد الله النويري في ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين فباشره بعفة ونزاهة وعزل وأعيد مرارا ثم أضر بآخره فأشار بأن يولي تلميذه ظهيرة بن أبي حامد بن ظهيرة ثم قدر أن ظهيرة المذكور توفي في آخر سنة ثمان وستين وقدح قاضي القضاة محي الدين فأبصر فأعيد إلى الولاية واستمر وله تصانيف منها هداية السبيل في شرح التسهيل لم يتم وحاشية على التوضيح وحاشية على شرح الألفية للمكودي وقرأت عليه جزء الأماني لابن عفان وأسندت حديثه في الطبقات الكبرى ومات في مستهل شعبان انتهى وفيها علي بن محمد بن علي بن محمد بن عمر المصري المكي الشافعي ويعرف بابن الفاكهاني الإمام العالم العلامة توفي في رمضان عن بضع وأربعين سنة وفيها زين الدين عمر بن إسمعيل المؤدي الحنبلي قال العليمي كان رجلا مباركا يحفظ القرآن ويقرىء الأطفال بالمسجد الأقصى بالمجمع المجاور لجامع المغاربة من جهة القبلة والناس سالمون من لسانه ويده توفي بالقدس الشريف في شهر رجب انتهى وفيها شمس الدين محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد التبريزي الأيجي الشيرازي الشافعي الشيد الشريف الحسني الحسيني الإمام العالم توفي بمكة عن خمس وستين سنة وفيها القاضي يوسف بن أحمد بن ناصر بن خليفة الباعوني المقدسي ثم الصالحي الدمشقي قاضي الشافعية بدمشق توفي في ربيع الثاني عن (7/330)

331 أربع وسبعين سنة سنة إحدى وثمانين وثمانمائة فيها توفي كما قال في ذيل الدول شيخ فضلاء العصر أبو بكر بن محمد بن شادي الحصني الشافعي الإمام العلامة توفي في ربيع الأول عن خمس وستين سنة وفيها القاضي شهاب الدين أحمد بن محمد بن محمد بن علي بن محمد النويري الغزي المالكي قاضي المالكية الإمام العالم توفي بغزة في جمادى الآخرة وفيها تقريبا الشيخ جمال الدين بير جمال الشيرازي العجمي الشافعي الصوفي الإمام القدوة المسلك العارف قال المناوي كان من كبار العابدين المسلكين ومن أهل العلم والدين المتين قدم مكة ثم القاهرة وصحبته نحو أربعين من مريديه ما بين علماء أكابر وصوفية أماثل وأبناء رؤساء منهم الإمام عميد الدين قاضي شيراز ترك الدنيا وتبعه وكان أتباعه على قلب واحد في طاعته والانقياد التام إليه وكلهم على طهر دائما وكان طريقه مداومة الذكر القلب لا اللساني وإدامة الطهارة ولبس المسوح من وبر الإبل وملازمة كل إنسان حرفته وكانت جماعته على أقسام فالعلماء والطلبة يشغلهم بالكتابة ومن دونهم كل بحرفته ما بين غزل ونسج وخياطة وتجليد كتب وغيرها وكان دائم النصيحة والتسليك موصلا إلى الله تعالى من أراده وله كرامات منها أن السيد علي بن عفيف الشيرازي عارضه وأنكر عليه فأصابه خراج في جنبه فمات فورا وتوفي صاحب الترجمة ببيت المقدس انتهى وفيها داود بن بدر الحسيني الصوفي قال المناوي كان من الأولياء المشهورين وأكابر العارفين نشأ بشرافات قرية بقرب بيت المقدس وله كرامات منها أن القرية التي كان بها أهلها كلهم نصارى ليس فيهم مسلم إلا الشيخ وأهل بيته (7/331)

332 وكانت حرفة أهل القرية عصر العنب وبيعه فشق ذلك عليه فتوجه بسببهم فصار كل شيء عملوه خلا وماء وعجزوا فارتحلوا منها ولم يبق فيها إلا الشيخ وجماعته فشق على مقطعها فاستأجرها منه وبنى بها زاوية لفقرائه ومنها أنه لما عقد القبة التي على القبر الذي أعده ليدفن فيه أتى طائر فأشار إليها فسقطت فأمر الشيخ بإعادتها ففعل كذلك فأمر ببنائها ثالثا وحضر الشيخ فلما انتهت أتى الطائر ليفعل فعله فأشار إليه الشيخ فسقط ميتا فنظروا إليه فإذا هو رجل عليه أبهة وشعر رأسه مسدول طويل فغسله وكفنه وصلى عليه ودفنه وقال بعث لحتفه وهو ابن عمي اسمه أحمد الطير غارت همته من همتنا وأراد طفي الشهرة بهدم القبة ويأبى الله إلا ما أراده فكان أول من دفن فيها وتوفي المترجم في هذه السنة ودفن بالقبة أيضا انتهى وفيها سيف الدين محمد بن محمد بن عمر بن قطلوبغا البكتمري القاهري الحنفي النحوي قال السيوطي في كتابيه حسن المحاضرة وطبقات النحاة شيخنا الإمامة العلامة سيف الدين الحنفي ولد تقريبا على رأس ثمانمائة وأخذ عن السراج قاري الهداية والزين التفهني ولزم العلامة كمال الدين بن الهمام وانتفع به وبرع في الفقه والأصول والنحو وغير ذلك وكان شيخه ابن الهمام يقول عنه هو محقق الديار المصرية مع ما هو عليه من سلوك طريق السلف والعبادة والخير وعدم التردد إلى أبناء الدنيا والانقباض عليهم لازم التدريس ولم يفت واستنابه ابن الهمام في مشيخة الشيخونية لما حج أول مرة وولي مشيخة مدرسة زين الدين الأستادار ثم تركها ودرس التفسير بالمنصورية والفقه بالأشرفية العتيقة وسئل تدريس الحديث في مدرسة العيني لما رتبت فيها الدروس في سنة سبعين فامتنع مع الإلحاح عليه وله حاشية مطولة على توضيح ابن هشام كثيرة الفوائد وتوفي يوم الثلاثاء ثاني عشرى ذي القعدة وهو آخر شيوخي موتا لم يتأخر بعده أحد ممن أخذت عنه العلم الأرجل (7/332)

333 قرأت عليه ورقات المنهاج وقلت أرثيه ( مات سيف الدين منفردا * وغدا في اللحد منغمدا ) ( عالم الدنيا وصالحها * لم تزل أحواله رشدا ) ( إنما يبكي على رجل * قد غدا في الخير معتمدا ) ( لم يكن في دينه وهن * لا ولا للكبر منه ردا ) ( عمره أفناه في نصب * لإله العرش مجتهدا ) ( من صلاة أو مطالعة * أو كتاب الله مقتصدا ) ( لا يوافيه لمظلمة * بشره أو مدع فندا ) ( في الذي قد كان من ورع * لم يخلف بعده أحدا ) ( دانت الدنيا لمنصرم * ورحيل الناس قد أفدا ) ( ليت شعري من نؤمله * بعد هذا الحبر ملتحدا ) ( ثلمة في الدين موتته * ما لها من جابر أبدا ) ( قد روينا ذاك في خبر * وهو موصول لنا سندا ) ( فعليه هامعات رضا * ومن الغفران سحب ندى ) ( وبعثنا ضمن زمرته * مع أهل الصدق والشهدا ) انتهى وفيها القاضي شمس الدين محمد بن محمود بن خليل الحلبي الحنفي المعروف بابن أجا الإمام العالم توفي بحلب في جماد الآخرة عن ستين سنة وفيها محمد بن يعقوب بن المتوكل العباسي أخو أمير المؤمنين توفي في جمادى الثانية عن أربع وستين وفيها قاضي القاضة بدر الدين أبو عبد الله محمد بن قاضي القضاة شرف الدين عبد القادر بن العلامة المحقق شمس الدين أبي عبد الله محمد الجعفري النابلسي الحنبلي تقدم ذكر والده وجده ولد سنة اثنتين وقيل إحدى وتسعين وسبعمائة (7/333)

334 ونشأ على طريقة حسنة وهو من بيت علم ورياسة وسمع من جده وابن العلائي وجماعة وباشر القضاء بنابلس نيابة عن ابن عمه القاضي تاج الدين عبد الوهاب المتقدم ذكره ثم وليها استقلالا بعد الأربعين والثمانمائة عوضا عن القاضي شمس الدين بن الإمام المتقدم ذكره ثم أضيف إليه قضاء القدس مدة ثم عزل من القدس واستمر قاضيا بنابلس وولي أيضا قضاء الرملة ونيابة الحكم بالديار المصرية وكان حسن السيرة عفيفا في مباشرة القضاء له هيبة عند الناس حسن الشكل عليه أبهة ووقار رزق الأولاد وألحق الأحفاد بالأجاد ومتع بدنياه وعزل عن القضاء في أواخر عمره واستمر معزولا إلى أن توفي بنابلس يوم الخميس سادس عشر شهر رمضان وله نحو التسعين سنة سنة اثنتين وثمانين وثمانمائة فيها توفي تقي الدين أبو الصدق أبو بكر بن محمد الحمصي المنبجي الحنبلي قال العليمي قرأ العمدة للشيخ الموفق والنظم للصرصري ثم قرأ المقنع وأصول الطوفي وألفية ابن مالك وحفظ القرآن واشتغل بالمنطق والمعاني والبيان وأتقن الفرائض والجبر والمقابلة وتفقه على ابن قندس وأذن له في الافتاء وكان مشتغلا بالعلم ويسافر للتجارة وصحب القاضي عز الدين الكناني وكان مشتغلا بالعلم ويسافر للتجارة وصحب القاضي عز الدين الكناني بالديار المصرية وتوفي بالقاهرة في رجب عن نحو ثلاث وستين سنة ودفن بالقرب من محب الدين بن نصر الله البغدادي وفيها حسن بك بن علي بك بن قرابلوك متملك العراقين وأذربيجان وديار بكر توفي في جمادى الآخرة أو رجب وفيها العلمي شاكر بن عبد الغني بن شاكر بن ماجد بن عبد الوهاب القاهري الشهير بابن الجيعان توفي في ربيع الآخر وقد جاوز التسعين (7/334)

335 وفيها عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عمر العقيلي الحنفي المعروف بابن العديم الإمام العالم توفي في ذي الحجة وقد جاوز السبعين وفيها قاضي القضاء علاء الدين أبو الحسن بن قاضي القضاة صدر الدين أبي بكر بن قاضي القضاة تقي الدين إبراهيم بن محمد بن مفلح الحنبلي الإمام العلامة شيخ الإسلام ولد سنة خمس عشرة وثمانمائة وكان من أهل العلم والرياسة ولي قضاء حلب وباشره مدة طويلة ثم قضاء الشام وأضيف إليه كتابة السر بها ثم أعيد إلى قضاء حلب ثم عزل واستمر معزولا إلى الموت ولم يكن له حظ من الدنيا وكان موصوفا بالسخاء والشهامة وتوفي بحلب في صفر وفيها علاء الدين علي بن محمد بن عبد الله بن الزكي الغزي الحنبلي الإمام العالم توفي بنابلس في جمادى الآخرة في حياة والده ودفن بمقبرة القلاس وفيها القاضي علاء الدين علي بن محمد بن محمد بن علي بن أحمد بن عبد العزيز النويري المكي قاضي المالكية بها وابن قاضي الشافعية بها كان إماما عالما توفي في ربيع الأول عن ست وستين سنة وفيها أبو المواهب محمد بن أحمد بن محمد بن الحاج التونسي ثم القاهري المالكي الصوفي ويعرف بابن زغدان بمعجمتين ونون آخره البرلسي نسبة لقبيلة قال المناوي صوفي حبر كلامه مسموع وحديث قدره مرفوع إمام الورعين كنز العارفين علم الزاهدين ولد سنة عشرين وثمانمائة بتونس فحفظ القرآن وكتبا وأخذ العربية عن أبي عبد الله الرملي وغيره والفقه عن البرزالي وغيره والمنطق عن الموصلي والأصلين والفقه عن إبراهيم الأخضري ثم قدم مصر فأخذ الحديث عن ابن حجر والتصوف عن يحيى بن أبي وفاء وصار آية في فهم كلام الصوفية وكان له اقتدار تام على التقرير وبلاغة في التعربي وكان جميل الصورة والملبس والتعطر وأغلب أوقاته (7/335)

336 مستغرق في الله ومع الله وكان له خلوة بسطح جامع الأزهر مكان المنارة التي عملها الغوري وكان يغلب عليه سكر الحال فيتمايل في صحن الجامع فيتكلم الناس فيه بحسب ما في أوعيتهم حسنا وقبحا وله تصانيف منها مراتب الكمال في التصوف وشرح الحكم لم يتم ولا نظير له في شروحها ومواهب المعارف وكتاب فوائد حكم الإشراق إلى صوفية جميع الآفاق قال الشعراوي ولم يؤلف في الطريق مثله وكان داعية إلى ابن عربي شديدا في المناضلة عنه والانتصار له وله مؤلف في حل سماع العود ومن كلامه ما اعترض أحد على أهل الطريق فأفلح ومنه إنما نزلت سورة ( ^ ألم نشرح ) عقب ( ^ وأما بنعمة ربك فحدث ) إشارة إلى من حدث بالنعمة فقد شرح الله صدره كأنه قال إذا حدثت بنعمتي ونشرتها شرحت لك صدرك قال فاعقلوه فإنه لا يسمع إلا من رباني وقال حكم الملك القدوس أن لا يدخل حضرته أحدا من أهل النفوس توفي بالقاهرة ودفن بمقبرة الشاذلية مع أصحاب الشيخ أبي الحسن الشاذلي انتهى ملخصا وفيها الكمالي أبو البركات قاضي جدة محمد بن علي بن محمد بن محمد بن حسين القرشي المكي الشافعي المعروف بابن ظهيرة الإمام العالم الأصيل توفي سلخ ربيع الآخر عن ستين سنة وفيها جمال الدين يوسف بن محمد المرداوي السعدي الحنبلي المعروف بابن التنبالي الإمام الفقيه العلامة قال العليمي كان من أهل العلم والدين اختصر كتاب الفروع للعلامة شمس الدين بن مفلح وكان يحفظ الفروع وجمع الجوامع وغيرهما ويكتب على الفتوى وتلمذ له جماعات من الأفاضل وتوفي بدمشق انتهى سنة ثلاث وثمانين وثمانمائة فيها توفي شهاب الدين أحمد بن إسماعيل بن أبي بكر بن عمر بن خالد (7/336)

337 الأبشيطي بكسر الهمزة وسكون الموحدة وكسر المعجمة آخره طاء مهملة الشافعي ثم الحنبلي الصوفي الإمام العلامة البارع المفنن قال العليمي مولده بأبشيط في سنة اثنتين وثمانمائة وكان من أهل العلم والدين والصلاح مقتصدا في مأكله وملبسه وكان يلبس قميصا خشنا ويلبس فوقه في الشتاء فروة كباشية وإذا اتسخ قميصه يغسله في بركة المؤيدية بماء فقط وكان بيده خلوة له بقعة منها فيها برش خوص وتحت رأسه طوبتان وإلى جانبه قطعة خشب عليها بعض كتب له وبقية الخلوة فيها حبال الساقية والعليق بحيث لا يختص من الخلوة إلا بقدر حاجته وكان له كل يوم ثلاثة أرغفة يأكل رغيفا واحدا ويتصدق بالرغيفين وكان معلومه في كل شهر نحو أشرفي يقتات منه في كل شهر بنحو خمسة أنصاف فضة وهي عشرة دراهم شامية أو أقل والباقي من الأشرفي يتصدق به وكان هذا شأنه دائما لا يدخر شيئا يفضل عن كفايته مع الزهد ووقع له مكاشفات وأحوال تدل على أنه من كبار الأولياء وانقطع في آخر عمره بالمدينة الشريفة أكثر من عشرين سنة وتواتر القول بأنه كان يقرىء الجان وتوفي بالمدينة المشرفة في شهر رمضان وفيها تقي الدين أبو بكر بن زيد الجراعي الحنبلي الإمام العلامة الفقيه القاضي كان من أهل العلم والدين وهو رفيق الشيخ علاء الدين المرداوي في الاشتغال على الشيخ تقي الدين بن قندس وباشر نيابة القضاء بدمشق وتوجه إلى الديار المصرية فاستخلفه القاضي عز الدين الكناني في الحكم وباشر عنه بالمدرسة الصالحية وله غاية المطلب في معرفة المذهب وتصحيح الخلاف المطلق مجلد لطيف والألغاز الفقهية مجلد لطيف وشرح أصول ابن اللحام مجلد وكان يحد السكران بمجرد وجود الرائحة على إحدى الروايتين وسئل عن دير قائم البناء تهدم من حيطانه المحيطة به هدما صارت الحيطان منه قريبة من الأرض فطلع لأهله حرامية لصوص وقتلوا راهبا فهل للرهبان (7/337)

338 رفع الحيطان كما كانت تحرزا من اللصوص وهل لهم أن يبنوا على باب الدير فرنا وطاحونا والحالة أن هذا الدير بعيد من المدينة غير مشرف على عمارة أحد من المسلمين فما الحكم في ذلك فأجاب الجواز في بناء الحائط المتهدم قال وأما بناء الفرن والطاحون فإن كانت الأرض مقرة في أيديهم فلهم البناء لأنهم إنما يمنعون من أحداث المتعبدات لا من غيرها والله أعلم توفي بدمشق وفيها شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن العماد الحموي الحنبلي رحل في ابتداء أمره إلى القاهرة واشتغل بالعلم على القاضي جمال الدين بن هشام ثم اشتغل بدمشق على الشيخ جمال الدين يوسف المرداوي وتفقه على ابن قندس وأذن له بالافتاء وباشر نيابة الحكم بحلب ثم قدم القاهرة وأقام بها مدة يحترف بالشهادة ثم أتى مدينة حمادة فتوفي بها في شعبان وفيها علاء الدين علي بن محمد بن عبد الرحمن بن عمر البلقيني القاهري الشافعي الإمام العالم توفي في شعبان وقد زاحم الثمانين وفيها ملك اليمن علي بن طاهر بن تاج الدين توفي في ربيع الثاني عن بضع وسبعين سنة وفيها قاضي القضاة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن الزكي الغزي الحنبلي ولي قضاء الحنابلة بغزة في دولة الملك الظاهر جقمق فباشر مباشرة حسنة وكان شكلا حسنا عليه أبهة ووقار واستمر في الولاية إلى أن توفي بغزة في شوال سنة أربع وثمانين وثمانمائة فيها توفي أقضى القضاة برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مفلح الحنبلي الشيخ الإمام البحر الهمام العلامة القدوة الرحلة الحافظ المجتهد الأمة شيخ الإسلام سيد العلماء والحكام ذو الدين المتين (7/338)

339 والورع واليقين شيخ العصر وبركته اشتغل وحصل ودأب وجمع وسلم إليه القول والفعل من أرباب المذاهب كلها وصار مرجع الفقهاء والناس والمعول عليه في الأمور وباشر قضاء دمشق مرارا مع الدين والورع ونفوذ الكلمة وصنف شرح المقنع في الفقه وطبقات الأصحاب مرتبة على حروف المعجم سماه المقصد الأرشد في ترجمة أصحاب الإمام أحمد وصنف كتابا في الأصول وغير ذلك وتوفي بدمشق في خامس شعبان بمنزله بالصالحية ودفن بالروضة عند أسلافه وفيها موفق الدين أحمد بن إبراهيم بن محمد بن خليل الطرابلسي الشافعي الإمام العالم توفي في ذي القعدة عن ست وستين سنة وفيها شرف الدين عبد القادر بن قاضي القضاة بدر الدين محمد بن عبد القادر الجعفري النابلسي الحنبلي الإمام العالم الصوفي كان أكبر أولاد أبيه وشيخ الفقراء الصمادية وكان يحترف بالشهادة بمجلس والده بنابلس وبمجلس أخيه القاضي كمال الدين بالقدس وكان رجلا خيرا على طريقة حسنة توفي بنابلس في شوال وفيها أمير المؤمنين المستنجد بالله أبو المظفر يوسف بن المتوكل على الله أبي بكر بن سليمان الهاشمس العباسي آخر الأخوة الخمسة المستقرين في الخلافة توفي في المحرم عن ست وثمانين سنة وبويع بالخلافة ولد أخيه العزى عبد العزيز بن الشرفي يعقوب بن المتوكل سنة خمس وثمانين وثمانمائة فيها توفي الإمام برهان الدين إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط البقاعي الشافعي المحدث المفسر الإمام العلامة المؤرخ ولد سنة تسع وثمانمائة قال هو في ليلة الأحد تاسع شعبان سنة إحدى وعشرين وثمانمائة أوقع ناس من (7/339)

340 قريتنا خربة روحا من البقاع يقال لهم بنو مزاحم بأقاربي بني حسن من القرية المذكورة فقتلوا تسعة أنفس منهم أبي عمر بن حسن الرباط بن علي بن أبي بكر وأخواه محمد سويد وعلى أخوهما لأبيهما وضربت أنا بالسيف ثلاث ضربات إحداها في رأسي فجرحتني وكنت إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة فخرجنا من القرية المذكورة واستمرينا نتنقل في قرى وادي التيم والعرقوب وغيرهما إلى أن أراد الله تعالى بإقيال السعادتين الدنيوية والأخروية فنقلني جدي لأبي علي بن محمد السليمي إلى دمشق فجودت القرآن وجددت حفظه وأفردت القراآت وجمعتها على بعض المشايخ ثم على الشمس بن الجزري لما قدم إلى دمشق سنة سبع وعشرين وثمانمائة واشتغلت بالنحو والفقه وغيرهما من العلوم وكان ما أراد الله تعالى من التنقل في البلاد والفوز بالغزو والحج أدام الله نعمه آمين ومن ثمرات ذلك أيضا الاراحة من الحروب والوقائع التي أعقبتها هذه الواقعة فإنها استمرت أكثر من ثلاثين سنة ولعلها زادت على مائة وقعة كان فيها ما قاربت القتلى فيه ألفا انتهى بحروفه وأخذ المترجم عن أساطين عصره كابن ناصر الدين وابن حجر وبرع وتميز وناظر وانتقد حتى على شيوخه وصنف تصانيف عديدة من أجلها المناسبات القرآنية وعنوان الزمان بتراجم الشيوخ والأقران وتنبيه الغبي بتكفير عمر بن الفارض وابن عربي وانتقد عليه بسبب هذا التأليف وتناولته الألسن وكثر الرد عليه فممن رد عليه العلامة السيوطي بكتابه تنبيه الغبي بتبرئة ابن العربي وبالجملة فقد كان من أعاجيب الدهر وحسناته وتوفي بدمشق في رجب عن ست وسبعين سنة وفيها علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان بن أحمد بن محمد المرداوي السعدي ثم الصالحي الحنبلي الشيخ الإمام العلامة المحقق المفنن أعجوبة الدهر شيخ المذهب وإمامه ومصححه ومنقحه بل شيخ الإسلام على الإطلاق ومحرر العلوم بالاتفاق ولد سنة سبع عشرة وثمانمائة وخرج من بلده مردا في (7/340)

341 حال الشبيبة فأقام بمدينة سيدنا الخليل عليه الصلاة والسلام بزاوية الشيخ عمر المجرد رحمه الله وقرأ بها القرآن ثم قدم إلى دمشق ونزل بمدرسة شيخ الإسلام أبي عمر بالصالحية واشتغل بالعلم فلاحظته العناية الربانية واجتمع بالمشايخ وجد في الاشتغال وتفقه على الشيخ تقي الدين بن قندس البعلي شيخ الحنابلة في وقته فبرع وفضل في فنون من العلوم وانتهت إليه رياسة المذهب وباشر نيابة الحكم دهرا طويلا فحسنت سيرته وعظم أمره ثم فتح عليه في التصنيف فصنف كتبا كثيرة في أنواع العلوم أعظمها الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف أربع مجلدات ضخمة جعله على المقنع وهو من كتب الإسلام فإنه سلك فيه مسلطا لم يسبق إليه بين فيه الصحيح من المذهب وأطال فيه الكلام وذكر في كل مسئلة ما نقل فيها من الكتب وكلام الأصحاب فهو دليل على تبحر مصنفه وسعة علمه وقوة فهمه وكثرة اطلاعه ومنه التنقيح المشبع في تحريم القنع وهو مختصر الانصاف والتحرير في أصول الفقه ذكر فيه المذاهب الأربعة وغيرها وشرحه وجزء في الأدعية والأوراد سماه الحصون المعدة الواقية من كل شدة وتصحيح كتاب الفروع لابن مفلح وشرح الآداب وغير ذلك وانتفع الناس بمصنفاته وانتشرت في حياته وبعد وفاته وكانت كتابته على الفتوى غاية وخطه حسن وتنزه عن مباشرة القضاء في أواخر عمره وصار قوله حجة في المذهب يعول عليه في الفتوى والأحكام في جميع مملكة الإسلام ومن تلامذته قاضي القضاة بدر الدين السعدي قاضي الديار المصرية وغالب من في المملكة من الفقهاء والعلماء وقضاة الإسلام وما صحبه أحد إلا وحصل له الخير وكان لا يتردد إلى أحد من أهل الدنيا ولا يتكلم فيما لا يعنيه وكان الأكابر والأعيان يقصدونه لزيارته والاستفادة منه وحج وزار بيت المقدس مرارا ومحاسنه أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر وتوفي بصالحية دمشق يوم الجمعة سادس جمادى الأولى ودفن بسفح (7/341)

342 قاسيون قرب الروضة وفيها سراج الدين عمر بن حسين بن حسن بن علي العبادي القاهري الشافعي الأزهري الإمام العلامة شيخ الشافعية في عصره توفي في ربيع الأول وقد جاوز الثمانين سنة وفيها تقريبا المولى عز الدين عبد اللطيف بن الملك الحنفي الشهير ابن فرشته قال في الشقائق كان عالما فاضلا ماهرا في جميع العلوم الشرعية شرح مجمع البحرين شرحا حسنا جامعا للفوائد مقبول في بلادنا وشرح أيضا مشارق الأنوار للإمام الصاغاني شرحا لطيفا وشرح كتاب المنار في الأصول وله رسالة في علم التصوف تدل على أن له حظا عظيما من معارف الصوفية انتهى ملخصا وفيها نجم الدين عمر بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد الهاشمي المكي الشافعي المعروف بابن فهد الإمام فهد الإمام العالم العريق توفي في رمضان عن ثلاث وسبعين سنة وفيها المولى خسرو محمد بن قراموز الرومي الحنفي الإمام العلامة وكان والده روميا من أمراء الفراسخة تشرف بالإسلام وكان له بنت زوجها من أمير آخر مسمى بخسرو فلما مات كان صاحب الترجمة في حجره فاشتهر بخسرو وأخذ العلوم عن برهان الدين حيدر الرومي المفتي في البلاد الرومية ثم صار مدرسا بمدينة أدرنة بمدرسة شاه ملك وكان له أخ مدرس بالمدرسة الحلبية وتقيد المولى خسرو بأدرنة على المولى يوسف بالي بن شمس الدين الفناري مدرس مدرسة السلطان محمد بمدينة برسا وكتب المولى خسرو حواشيه على المطول في المدرسة المذكورة ثم صار مدرسا بمدرسة أخيه بعد وفاته ثم صار قاضيا بالعسكر المنصور ولما جلس السلطان محمد خان على سرير السلطنة ثانيا جعل له كل يوم مائة درهم ولما فتح قسطنطينية جعل المرتجم قاضيا بها بعد وفاة المولى خضر بك وضم إليه قضاء غلطة واسكدار وتدريس (7/342)

343 أياصوفيا وكان مربوع القامة عظيم اللحية يلبس الثياب الدنية وعلى رأسه عمامة صغيرة وكان السلطان محمد يجله كثيرا ويفتخر به ويقول لوزرائه هذا أبو حنيفة زمانه وكان متخشعا متواضعا صاحب أخلاق حميدة وسكينة ووقار يخدم بنفسه مع ماله من العبيد والخدم الذين لا يحصون كثرة وكان مع اشتغاله بالمناصب والتداريس يكتب كل يوم ورقتين من كتب السلف بخط حسن وآل به الأمر إلى أن صار مفتيا بالتخت السلطاني وعظم أمره وطار ذكره وعمر عدة مساجد بقسطنطينية ومن مصنفاته حواش على المطول وحواشي التلويح وحواش على أول تفسير البيضاوي ومرقاة الوصول في علم الأصول وشرحه والدرر والغرر ورسالة في الولاء ورسالة متعلقة بتفسير سورة الأنعام وغير ذلك وتوفي بقسطنطينية وحمل إلى مدينة برسا فدفن بها في مدرسته رحمه الله تعالى وفيها المولى محمد بن قطب الدين الأزنيقي الحنفي الإمام العالم العامل قرأ العلوم الشرعية والعقلية على المولى الفناري وتمهر وفاق أقرانه ثم سلك مسلك التصوف فجمع بين الشريعة والطريقة والحقيقة وصنف شرحا لمفتاح الغيب للشيخ صدر الدين القونوي وهو في غاية الحسن وشرح أيضا فصوص الصدر القونوي رحمهما الله تعالى وفي حدودها المولى سنان الدين يوسف المشهور بقراسنان الحنفي الإمام العلامة قال في الشقائق كانت له مهارة في العلوم العربية الأدبية صنف شرحا لمراح الأرواح في الصرف وشرحا للشافية في الصرف أيضا وله شرح الملخص الجغميني في علم الهيئة وحواش على شرح الوقاية لصدر الشريعة انتهى ملخصا سنة ست وثمانين وثمانمائة في رمضانها كانت الصاعقة التي احترق بنارها المسجد الشريف النبوي (7/343)

344 سقفه وحواصله وخزائن كتبه وربعاته ولم يبق من قناطره وأساطنيه إلا اليسير وكانت آية من آيات الله تعالى وقال بعضهم فيه ( لم يحترق حرم النبي لريبة * تخشى عليه وما به من عار ) ( لكنما أيد الروافض لامست * تلك الرسوم فطهرت بالنار ) وفيها في سابع عشر المحرم كانت بمكة زلزلة هائلة لم يسمع بمثلها وفي حدودها توفي المولى شمس الدين أحمد بن موسى الشهير بالخيالي الحنفي الإمام العلامة قرأ على أبيه وعلى خضر بك وهو مدرس الشهير بالخيالي الحنفي الإمام العلامة قرأ على أبيه وعلى خضر بك وهو مدرس بسلطانية برسا ومهر وبرع وفاق أقرانه وسلك طريق الصوفية وتلقن الذكر وله حواش على شرح العقائد النسفية تمتحن بها الأذكياء لدقتها وحواش على أوائل حاشية التجريد وشرح لنظم العقائد لأستاذه المولى خضر بك أجاد فيه كل الإجادة وغير ذلك من الحواشي والتعاليق رحمه الله تعالى وفيها علاء الدين علي بن محمد بن عيسى بن عطيف العدني اليمني الشافعي الإمام العالم الفقيه توفي بمكة المشرفة في جمادى الأولى عن بضع وسبعين سنة وفيها سابع ملوك بن عثمان السلطان محمد بن السلطان مرادخان ولد سنة خمس وثلاثين وثمانمائة وولي السلطنة سنة ست وخمسين وكانت مدة ولايته إحدى وثلاثين سنة قال في الأعلام كان من أعاظم سلاطين بني عثمان وهو الملك الضليل الفاضل النبيل العظيم الجليل أعظم الملوك جهادا وأقواهم إقداما واجتهادا وأثبتهم جأشا وقوادا وأكثرهم توكلا على الله واعتمادا وهو الذي أسس ملك بني عثمان وقنن لهم قوانين صارت كالأطواق في أجياد الزمان وله مناقب جميلة ومزايا فضالة جليلة وآثار باقية في صفحات الليالي والأيام ومآثر لا يمحوها تعاقب السنين والأعوام وغزوات كسر بها أصلاب الصلبان والأصنام من أعظمها أنه فتح القسطنطينية الكبرى وساق إليها السفن تجري رخاءا برا وبحرا وهجم عليها بجنوده وأبطاله وأقدم عليها بخيوله (7/344)

345 ورجاله وحاصرها خمسين يوما أشد الحصار وضيق على من فيها من الكفار الفجار وسل على أهلها سيف الله المسلول وتدرع بدرع الله الحصين المسبول ودق باب النصر والتأييد ولج من قرع بابا ولج ولج وثبت على متن الصبر إلى أن أتاه الله تعالى بالفرج ونزلت عليه ملائكة الله القريب الرقيب بالنصر العزيز من الله تعالى والفتح القريب ففتح اصطنبول في اليوم الحادي والخمسين من أيام محاصرته وهو يوم الأربعاء العشرون من جمادى الآخرة سنة سبع وخمسين وثمانمائة وصلى في أكبر كنائس النصارى صلاة الجمعة وهي أياصوفيا وهي قبة تسامي قبة السماء وتحاكي في الاستحكام قبب الأهرام ولا وهت ولا وهنت كبرا ولا هرما وقد أسس في اصطنبول للعلم أساسا راسخا لا يخشى على شمسه الأفول وبنى بها مدارس كالجفان لها ثمانية أبواب سهلة الدخول وقنن بها قوانين تطابق المعقول والمنقول فجزاه الله خيرا عن الطلاب ومنحه بها أجرا وأكبر ثواب فإنه جعل لهم أيام الطلب ما يسد فاقتهم ويكون به من خمار الفقر إفاقتهم وجعل بعد ذلك مراتب يترقون إليها ويصعدون بالتمكم والاعتبار عليها إلى أن يصلوا إلى سعادة الدنيا ويتوسلون بها أيضا إلى سعادة العقبى وأنه رحمه الله تعالى استجلب العلماء الكبار من أقصى الديار وأنعم إليهم وعطف بإحسانه إليهم كمولانا علي القوشجي والفاضل الطوسي والعالم الكوراني وغيرهم من علماء الإسلام وفضلاء الأنام فصارت اصطنبول بهم أم الدنيا ومعدن الفخار والعليا واجتمع فيها أهل الكمال من كل فن فعلماؤها إلى الآن أعظم علماء الإسلام وأهل حرفها أدق الفطناء في الأنام وأرباب دولتها هم أهل السعادة العظام فللمرحوم المقدس قلادة منن لا تحصى في أعناق المسلمين لا سيما العلماء الأكرمين انتهى ملخصا أي واستقر بعده في المملكة ابنه الأكبر أبو يزيد يلدرم ومعناه البرق (7/345)

346 سنة سبع وثمانين وثمانمائة فيها في أثناء ذي القعدة كان بمكة السيل الهائل الذي لم يسمع بمثله خرب نحو ربع بيوت مكة وجاز في المسجد الحرام حلقتي باب الكعبة ومات من الخلق من لا يحصيهم إلا الله تعالى وفيها توفي برهان الدين إبرهيم بن علي بن إبراهيم بن يوسف الحسيني العراقي الشافعي المعروف بابن أبي الوفا الإمام العالم توفي في جمادى الأولى عن ست وسبعين سنة وفيها شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن علي بن محمد السلمي المنصوري الشافعي ثم الحنبلي ويعرف بابن الهايم وبالشهاب المنصوري وبالقائم كان شاعر زمانه ولد سنة تسع وتسعين وسبعمائة واشتغل وفهم شيئا من العلم وبرع في الشعر وفنونه وتفرد في آخر عمره وله ديوان كبير منه ( شجاك بربع العامرية معهد * به أنكرت عيناك ما كنت تعهد ) ( ترحل عنه أهله بأهلة * بأحداجها غير من العين خرد ) ( كواكب أتراب حسان كأنها * برود بأغصان النقا تتأود ) وهي طويلة وجميع شعره في غاية الحسن وتوفي في جمادى الآخرة وفيها الصدر سليمان بن عبد الناصر الأبشيطي ثم القاهري الشافعي الصوفي قال المناوي تعبد قديما وحدث واشتغل بالفقه وغيره ودرس وأفاد وأفتى وخطب ونزل بالشيخونية ثم تصوف وحج قاضي المحمل مرارا وشرح ألفية ابن مالك وغيرها ورام الاشتغال بالمنطق لكثرة معارضة من يبحث معه فيه فأخذ الشمسية في كمه ودخل على الشيخ الحر يفيش مستشيرا له بالحال فبمجرد رؤيته قال من الله تعالى علينا بكتابه العزيز والنحو والأصول فمالنا وللمنطق وكرر ذلك فرجع وعد ذلك من كراماتها ومن كراماته أيضا أنه كان (7/346)

347 يجيء لحضور الشيخونية فينزل عن بغلته ويرسلها ليس معها أحد فتذهب للرميلة فتقمقم مما تراه هناك ثم ترجع عند فراغ الدرس سواء بلا زيادة ولا نقص توفي رحمه الله تعالى عن نحو ثمانين سنة انتهى وفيها فقيه اليمن عمر بن محمد بن معبيد اليماني الزبيدي الشافعي الإمام العلامة توفي في صفر عن ست وثمانين سنة سنة ثمان وثمانين وثمانمائة فيها توفي شهاب الدين أحمد بن أحمد بن علي بن زكريا الجديدي البدراني الشافعي الإمام العالم توفي في ربيع الآخر عن نحو سبعين سنة وفيها كريم الدين أبو المكارم عبد الكريم بن علي البويطي الحنبلي العدل قال العليمي كان رجلا خيرا وكان في ابتداء أمره يباشر عند الأمراء بالقاهرة ثم احترف بالشهادة ولما ولي ابن أخته بدر الدين السعدي قضاء الديار المصرية ولاه العقود والفسوخ وكان يجلس لتحمل الشهاب بباب المدرسة الصالحية في حانوت الحكم المنسوب للحنابلة وتوفي بالقاهرة وفيها نور الدين علي بن محمد المناوي المصري الحنبلي العدل المشهور بباهو الإمام العالم ولاه القاضي بدر الدين البغدادي العقود والفسوخ بالديار المصرية ولم يزل إلى أيام القاضي بدر الدين السعدي وتوفي في أيامه وفيها شمس الدين محمد بن عثمان الجزيري الحنبلي الإمام العالم اشتغل بالعلم على القاضي محب الدين بن الجناق المتقدم ذكره وعلى القاضي بدر الدين السعدي والعز الكناني وفضل وتميز وكان يحترف بالشهادة وصار من أعيان موقعي الحكم وكان أعجوبة توفي في شوال بالقاهرة وفيها شمس الدين محمد بن علي بن محمد بن قاسم القاهري الشافعي (7/347)

348 المعروف بابن المرخم الإمام العالم توفي في جمادى الأولى عن ثمانين سنة وفيها كمال الدين محمد بن علي بن الضياء المصري الخانكي الحنبلي الإمام العلامة أصله مت الخانكاه السرياقوسية وكان يسكن بالقاهرة وباشر عقود الأنكحة والفسوخ في أيام القاضي عز الدين الكناني ثم لما ولي بدر الدين السعدي استخلفه في الحكم وأجلسه بباب البحر وكان يميل إليه بالمحبة وتوفي في أيامه بالقاهرة سنة تسع وثمانين وثمانمائة فيها في جمادى الآخرة كان إجراء عين عرفات وفيها توفي شهاب الدين أحمد بن يحيى بن شاكر بن عبد الغني بن الجيعان توفي في شعبان عن أربعين سنة وفيها تقي الدين أبو بكر بن خليل بن عمر بن السلم النابلسي الأصل ثم الصفدي الحنبلي المشهور بابن الحوائج كاش قاضي مدينة صفد وابن قاضيها اشتغل بالعلم ومهر وباشر القضاء بمدينة صفد مدة وعزل وولي مرات وكان في زمن عزله يحترف بالشهادة إلى أن توفي بصفد وفيها الشمس محمد بن عبد المنعم بن محمد بن محمد الجوجري ثم القاهري الشافعي الإمام العالم سليل العلماء توفي في رجب عن سبع وستين سنة وفيها قاضي القضاة كمال الدين أبو الفضل محمد بن قاضي القضاة بدر الدين أبي عبد الله محمد بن قاضي القضاة شرف الدين أبي حاتم عبد القادر الجعفري النابلسي الحنبلي المعروف بابن قاضي نابلس ولد سنة نيف وثلاثين وثمانمائة ودأب وحصل وسافر البلاد وأخذ عن المشايخ وأذن له الشيخ علاء الدين المرداوي بالإفتاء وأذن له أيضا الشيخ تقي الدين بن قندس وبرع في المذهب وأفتى وناظر وباشر القضاء بنابلس نيابة عن والده ثم باشره بالديار المصرية عوضا عن العز الكناني ثم باشره ببيت المقدس عوضا عن الشمس (7/348)

349 العليمي ثم أضيف إليه قضاء الرملة ونابلس ثم عزل وأعيد مرارا وكان له معرفة ودربة بالأحكام ثم قطن في دمشق ثلاث سنين ثم توجه إلى ثغر دمياط وباشر نيابة الحكم ثم سافر منه فورد خبر موته إلى القاهرة بأسكندرية في هذه السنة وفيها القاضي جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن قاضي القضاة شيخ الإسلام محب الدين أبي الفضل أحمد المتقدم ذكره ابن نصر الله البغدادي الأصل ثم المصري الحنبلي الإمام العلامة تفقه بوالده وغيره وفضل وبرع في حياة والده وشهد له بالفضل ونزل له عن تدريس البرقوقية وباشر نيابة الحكم بالديار المصرية في أيام العز الكناني ثم ترك واستمر خاملا إلى قبيل وفاته بيسير ففوض إليه القاضي بدر الدين السعدي نيابة الحكم فما كان إلا القليل وكان يكتب على الفتاوى كتابة جيدة إلى الغاية إلا أنه لم يكن له حظ من الدنيا وتوفي بالقاهرة في أحد الربيعين سنة تسعين وثمانمائة فيها توفي قاضي الشافعية شمس الدين محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن عمر بن رسلان البلقيني القاهري الشافعي الإمام العالم الأصيل توفي بالقاهرة عن نحو سبعين سنة وفيها قاضي الحنفية بالديار المصرية شمس الدين محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمود بن الشهاب غازي الحلبي الحنفي المعروف كسلفه بابن الشحنة الإمام العالم الناظم الناثر سليل العلماء الأجلاء ومن نظمه ( قلت له لما وفى موعدي * وما بقلبي لسواه نفاق ) ( وجاد بالوصل على وجهه * حتى سما كل حبيب وفاق ) وتوفي في المحرم عن خمس وثمانين سنة (7/349)

350 وفيها شمس الدين محمد بن يوسف بن عبد الكريم القاهري الشافعي سبط ابن البارزي الإمام العالم توفي بمكة في شعبان سنة إحدى وتسعين وثمانمائة فيها توفي عالم الحجاز برهان الدين إبراهيم بن علي بن محمد بن محمد بن حسين بن علي بن أحمد بن عطية بن ظهيرة المكي القرشي الشافعي الإمام العلامة توفي ليلة الجمعة سادس ذي القعدة عن ست وستين سنة وفيها تقريبا أبو علي حسين الصوفي المدفون بساحل بولاق قال المناوي في طبقاته هو من أهل التصريف صوفي كامل وشيخ لأنواع اللطف والكمال شامل بهي الصورة كأن عليه مخايل الولاية مقصورة وكان كثير التطور يدخل عليه إنسان فيجده سبعا ثم يدخل عليه آخر فيجده جنديا ثم يدخل عليه آخر فيجده فلاحا أو فيلا وهكذا وقال آخرون كان التطور دأبه ليلا ونهارا حتى في صورة السباع والبهائم ودخل عليه أعداؤه ليقتلوه فقطعوه بالسيوف ليلا ورموه على كوم بعيد فأصبحوا فوجدوه قائما يصلي بزاويته ومكث بخلوة في غيط خارج باب البحر أربعين سنة لا يأكل ولا يشرب وباب الخلوة مسدود ليس له إلا طاق يدخل منه الهواء فقال الناس هو يعمل الكيمياء والسيميا ثم خرج بعدها وأظهر الكرامات والخوارق وكان إذا سأله أحد شيئا قبض من الهواء وأعطاه إياه وكان جماعته يأخذون أولاد النموس ويربونهم فسموا بالنموسية وضرب قايتباي رقاب بعضهم لما شطحوا ونطقوا بما يخالف الشريعة انتهى كلام المناوي وفيها قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن عبد الكريم بن محمد بن عبادة السعدي الأنصاري الدمشقي الصالحي الحنبلي كان صدرا رئيسا من رؤساء دمشق وهو من بيت علم ورآسة وتقدم ذكر أسلافه ولي قضاء دمشق عن البرهان (7/350)

351 ابن مفلح ولم تطل مدته ثم عزل فلم يلتفت إلى المنصب بعد ذلك واستمر في منزله بالصالحية معظما وكان عنده سخاء وحسن لقاء وإكرام لمن يرد عليه وتوفي بمكة المشرفة يوم الخميس ثالث شعبان ودفن بالمعلاة وفيها القاضي شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن قدامة المقدسي الأصل الدمشقي الصالحي الحنبلي المشهور بابن زريق تقدم ذكر أسلافه وكان من أهل الفضل إماما عالما بارعا في الفرائض أذن له الشيخ تقي الدين بن قندس بالتدريس والإفتاء توفي في ثامن ذي الحجة بدمشق وفيها المولى سنان الدين يوسف بن خضر بك بن جلال الدين الحنفي قال في الشقائق كان فاضلا كثير الاطلاع على العلوم عقلياتها وشرعياتها وكان ذكيا للغاية يتوقد ذكاءا وفطنة وكان لحدة ذهنه وقوة فطنته غل بعلى طبعه إيارد الشكوك والشبهات وقلما يلتفت إلى تحقيق المسائل حتى أن والده لامه على ذلك وقال له يوما وهو يأكل معه لحما بلغ بك الشك إلى مرتبة يمكن أن تشك في أن هذا الظرف من نحاس قال يمكن ذلك لأن للحواس أغاليط فغضب والده وضرب بالطبق رأسه ولما مات والده كان مناهزا للعشرين سنة فأعطاه السلطان محمد إحدى المدارس الثمان ثم أعطاه دار الحديث بأدرنة ثم جعله معلما لنفسه ومال إلى صحبته وكان لا يفارقه ولما جاء المولى على القوشجي أخذ عنه العلوم الرياضية ولازمه بإشارة من السلطان محمد وكتب حواش على شرح الجغميني لقاضي زاده ثم جعله السلطان محمد وزيرا في سنة خمس وسبعين ثم وقع بينه وبين السلطان أمر كان سببا لعزله وحبسه فاجتمع علماء البلدة وقالوا لا بد من إطلاقه وإلا نحرق كتبنا في الديوان العالي ونترك مملكتك فأخرج وسلم إليهم ولما سكنوا أعطاه قضاء سفري حصار مع مدرسته وأخرده في ذلك اليوم من قسطنطينية فلما وصل إلى أزنيق أرسل خلفه طبيبا وقال عالجه فإن عقله قد اختل فكان الطبيب المذكور (7/351)

352 يدفع إليه كل يوم شربة ويضربه خمسين عصا فلما سمع المولى ابن حسام الدين بذلك أرسل إلى السلطان كتابا بأن ترفع عنه هذا الظلم أو أخرج من مملكتك فرفع عنه ذلك وذهب إلى سفري حصار وأقام بها بما لا يمكن شرحه من الكآبة والحزن ومات السلطان محمد وهو فيها فلما جلس السلطان بايزيد خان على سرير الملك أعطاه مدرسة دار الحديث بأدرنة وعين له كل يوم مائة درهم فكتب هناك حواش على مباحث الجواهر من شرح المواقف وأورده أسئلة كثيرة على السيد الشريف وله كتاب بالتركية في مناجاة الحق سبحانه وكتاب في مناقب الأولياء بالتركية أيضا وتوفي بأدرنة ولم يوجد في بيته حطب يسخن به الماء وذلك لفرط سخائه انتهى ملخصا وفيها تقريبا المولى يعقوب باشا من المولى خضر بك بن جلال الدين الحنفي أخو المترجم قبله كان إماما عالما صالحا محققا صاحب أخلاق حميدة وكان مدرسا بسلطانية بروسا ثم صار مدرسا بإحدى الثمان ثم ولي قضاء برسة ومات وهو قاض بها وله حواش على شرح الوقاية لصدر الشريعة أورد فيها دقائق وأسئلة مع الإيجاز والتحرير وله غير ذلك رحمه الله تعالى سنة اثنتين وتسعين ثومانمائة فيها كان الغلاء المفرط وفيها توفي القاضي شهاب الدين أحمد بن محمد بن علي بن موسى الأبشيهي المحلي الشافعي الإمام العالم توفي بالرحبة في ذي القعدة وفيها فخر الدين عثمان بن علي التليلي الحنبلي الإمام العلامة الخطيب أخذ الحديث عن الحافظ ابن حجر والفقه عن الشيخ عبد الرحمن أبي شعر وولي الإمامة والخطابة بجامع الحنابلة بصالحية دمشق مدة تزيد على ستين سنة وكان صالحا معتقدا توفي يوم الجمعة سابع عشرى شعبان ودفن بالروضة (7/352)

353 وله سبع وتسعون سنة وكان لجنازته يوم مشهود وفيها الشيخ مدين خليفة الأشموني الزاهد قال المناوي أصله من ذرية الشيخ أبي مدين فرحل من المغرب جده الأدنى وهو مغربي فقير فأقام بطبلاي بالمنوفية فولد له بها علي ودفن بطبلية ثم انتقل إلى أشمون فولد له بها مدين هذا فاشتغل بالعلم حتى صار يفتي ثم تحرك لطلب الطريق فخرج يطلب شيخا بمصر فوافق خروجه خروج الشيخ محمد الغمري يطلب مطلوبه فلقيهما رجل من أرباب الأحوال فقال اذهبا إلى أحمد الزاهد ففتحكما على يديه ولا تطلبا الأبواب الكبار يعني الشيخ محمد الحنفي فدخلا على الزاهد فلقيهما وأخلاهما ففتح على مدين في ثلاثة أيام وعلى الغمري بعد خمس عشرة سنة وكان صاحب الترجمة صاحب همة وله عز في الطريق وعزمه وكان له في التصوف يد طولي وإذا تكلم في الطريق بلغ المريد مراما وسؤلا انتفع به خلق كثير من العلماء والصلحاء والفقراء والفقهاء والأجناد وغيرهم وكانت له كرامات منها أنها مالت منارة زاويته فقيل له لا بد من هدمها فصعد مع المهندس وقال أرني محل الميل فأراه ذلك فألصق ظهره إليه فاستقام ومنها أن الحر يفيش جاءه بعد موت شيخه الغمري فوجده يتوضأ وعبد حبشي يصب عليه وآخر واقف بالمنيشفة فسأله عن نفسه لكونه لم ير عليه ملابس الفقراء بل الأكابر فقال أنا مدين قال فقلت في نفسي من غير لفظ لاذا بذاك ولا عتب على الزمن بفتح التاء فقال عتب بسكون التاء قال فقلت في سرى الله أكبر على نفسك الخبيثة أتيت لتزن على الفقراء أحوالهم بميزانك الخاسرة قال فتبت وعلمت أنه من الأولياء ومنها أنه لما ضاقت النفقة على السلطان جقمق أرسل يأخذ خاطره فأرسل له نصف عمود من معدن يثاقل به الفضة فجعل ثمنه في بيت المال واتسع الحال فقال السلطان الملوك حقيقة هؤلاء ومنها أنه أتاه رجل طعن في السن فقال أريد حفظ القرآن قال ادخل الخلوة واشتغل (7/353)

354 بذكر الله تحفظه فدخل فأصبح يحفظه وكان لا يخرج من بيته إلا لصلاة أو بعد عصر كل يوم ولم يزل دأبه ذلك إلى أن حومت عليه المنية وعظمت على المسلمين الرذية فتوفي يوم الأربعاء تاسع ربيع الأول ودفن بزاويته انتهى ملخصا وفيها جمال الدين يوسف بن محمد الكفرسبي الحنبلي الفقيه الصالح كان من أهل الفضل ومن أخصاء الشيخ علاء الدين المرداوي وقد أسند وصيته إليه عند موته وتوفي بدمشق رحمه الله تعالى سنة ثلاث وتسعين وثمانمائة فيها توفي الملك المؤيد الشهاب أبو الفتح أحمد بن الملك الأشرف أبي النصر اينال العلائي الظاهري ثم الناصري وهو من ذرية الظاهر بيبرس ولي السلطنة بعهد من أبيه يوم الأربعاء رابع عشر جمادى الاولى سنة خمس وستين وثمانمائة وتوفي والده بعد ذاك بيوم واحد ثم خلعه أتابكه خشقدم بعد خمسة أشهر وخمسة أيام واستمر خاملا إلى أن توفي في صفر عن سبع وخمسين سنة وفيها المتوكل على الله أبو عمرو عثم بن الأمير محمد بن عبد العزيز أحمد الهنتاتي صاحب المغرب توفي ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان وقد جاوز السبعين وفيها المولى مصلح الدين مصطفى بن يوسف بن صالح البرساوي الحنفي المعروف بخواجه زاده كان والده من التجار صاحب ثروة عظيمة وكان أولاده في غاية الرفاهية وعين للمترجم في شبابه كل يوم درهما واحدا وكان ذلك لاشتغاله بالعلم وتركه طريقة والده فإنه سخط عليه لذلك ثم دأب المترجم في الطلب واتصل بخدمة المولى ابن قاضي اياثلوغ فقرأ عنده الأصلين والمعاني (7/354)

355 والبيان ثم وصل إلى خدمة خضر بك بن جلال وقرأ عليه علوما كثيرة وكان يكرمه إكراما عظيما وكان يقول إذا أشكلت عليه مسألة لتعرض على العقل السليم يريد به خواجه زاده ثم تنقل في المدارس مع الفقر الشديد وحفظ شرح المواقف ثم جعله السلطان محمد معلما لنفسه وقرأ عليه تصريف العزي للزنجاني في الصرف فكتب عليه حاشية نفيسة وتقرب عند السلطان غاية القرب إلى أن صار قاضيا للعسكر وكان والده وقتئذ في الحيف والاحتياج فسار إلى ولده من برسا إلى أدرنة وخرج ولده للقائه ومعه علماء البلد وأشرافه ونزل خواجه زاده له عن فرسه وعانقه وعمل له ولإخوته ضيافة عظيمة وجمع فيها العلماء والأكابر وجلس هو في صدر المجلس ووالده عنده وسائر الأكابر جلوس على قدر مراتبهم فلم يمكن إخوته الجلوس لازدحام الأكابر فقاموا مع الخدم بعد ما كانوا فيه من الرفاهية وما هو فيه من الفقر والاحتياج فسبحان المانح لا مانع لما أعطى ثم أن السلطان محمد أعطاه تدريس سلطانية برسا وعين له كل يوم خمسين درهما وهو إذ ذاك ابن ثلاث وثلاثين سنة ثم أعطاه مدرسته بقسطنطينية وصنف هناك هناك كتاب التهافت بأمر السلطان ثم استقضى بمدينة أدرنة ثم استفتى بمدينة قسطنطينية ثم أعطى بكرم من الوزير قضاء الزنيق وتدريسها فذهب إليها وترك القضاء وبقي على التدريس إلى أن مات السلطان محمد فأتى إلى قسطنطينية ثم أعطاه السلطان بايزيد سلطانية برسا وعين له كل يوم مائة درهم ثم أعطاه فتيا برسا وقد اختلت رجلاه ويده اليمنى فكان يكتب باليد اليسرى وكتب حاشية على شرح المواقف بأمر السلطان بايزيد إلى أثناء مباحث الوجود ثم توفاه الله تعالى وله أيضا حواش على شرح هداية الحكمة لمولانا زاده وشرح على الطوالع وحواش على التلويح وغير ذلك وكان له ابنان اسم الكبير منهما شيخ محمد كان فاضلا عالما مدرسا باشر التداريس والقضاء وترك الكل ورغب في التصوف ثم ذهب مع بعض (7/355)

356 العجم إلى بلاد العجم وتوفي هناك سنة اثنتين أو ثلاث وتسعمائة وكان محققا مدققا واسم الأصغر منهما عبد الله كان صاحب ذكاء وفطنة ومشاركة حسنة وتوفي وهو شاب رحمهم الله تعالى سنة أربع وتسعين وثمانمائة فيها توفي الشريف أبو سعد بن بركات بن حسن بن عجلان صاحب الحجاز توفي في ربيع الثاني وفيها الشيخ عبد الله المشهور بحاجي خليفة أصله من ولاية قصطموني واشتغل بالعلوم الظاهرة أولا فأتقنها ثم اتصل بخدمة الشيخ تاج الدين بن بخشى وحصل عنده طريقة الصوفية حتى أجازه بالإرشاد وأقامه مقامه بعد وفاته وكان جامعا للعلوم والمعارف متواضعا متخشعا صاحب أخلاق حميدة وآثار سعيدة مظهرا للخيارت والبركات صاحب كرامات مرجعا للعلماء والفضلاء مربيا للفقراء والصلحاء آية في الكرم والفتوى كثير البشرجميل الخلق والخلق وتوفي في سلخ جمادى الآخرة رحمه الله تعالى وفيها المنصور عبد الوهاب بن داود صاحب اليمن توفي في جمادى الأولى وفيها شمس الدين محمد بن شهاب الدين أحمد بن عز الدين عبد العزيز المرداوي الحنبلي الأصيل العريق سليل الأعلام كان من فضلاء الحنابلة بارعا في الفرائض مستحضرا في الفقه وأصوله والحديث والنحو حافظا لكتاب الله تعالى أذن له الشيخ تقي الدين بن قندس والشيخ علاء الدين المرداوي والبرهان بن مفلح بالافتاء والتدريس وولي القضاء ببلده مردامدة وتوفي بصالحية دمشق يوم الخميس ثالث عشر ذي القعدة ودفن بالروضة إلى جانب القاضي علاء الدين المرداوي من جهة القبلة وفيها القاضي محب الدين أبو اليسر محمد بن الشيخ فتح الدين محمد بن الجليس (7/356)

357 المصري الحنبلي ولد في حدود العشرين والثمانمائة ظنا وكان والده من أعيان الحنابلة بالقاهرة وكان هو من أخصاء القاضي بدر الدين البغدادي وكان في ابتداء أمره يتجر ثم احترف بالشهادة وجلس في خدمة نور الدين الشيشيني المتقدم ذكره وحفظ مختصر الخرقي وقرأ على العز الكناني وغيره وأذن له القاضي عز الدين المذكور في العقود والفسوخ ثم استخلفه في الحكم واستمر على ذلك إلى أن توفي في أحد الربيعين وفيها المتوكل على الله يحيى بن محمد بن مسعود بن عثمان بن محمد صاحب المغرب توفي في رجب سنة خمس وتسعين وثمانمائة فيها توفي السيد أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد الحسيني الشيرازي الأيجي الإمام العالم توفي في جمادى الأولى عن إحدى وسبعين سنة وفيها عبيد الله بن محمد المدعو حافظ عبيد الأبيوردي الإمام العلامة وفيها قاضي القضاة عبد الرحمن بن الكازروني الحنبلي الإمام العلامة المقرىء المحدث كان من أهل العلم ومشايخ القراءة وله سند عال في الحديث الشريف ولي قضاء حماة مدة طويلة ووقع له العزل والولاية وكانت سيرته حسنة وللناس فيه اعتقاد توفي بحماة وقد جاوز الثمانين وفيها أمين الدين أبو اليمن محمد بن محب الدين أبي اليسر محمد المنصوري المصري الحنبلي اشتغل في ابتداء أمره على الشيخ جمال الدين بن هشام واحترف بالشهادة وأذن له البدر البغدادي في العقود والفسوخ وكذا العز الكناني ثم فوض إليه نيابة الحكم فباشر في أيامه مدة طويلة ثم استمر على ما هو عليه (7/357)

358 في أيام البدر السعدي وكان يباشر على أوقاف الحنابلة وعنده استحضار في الفقه وخطه حسن وله معرفة تامة بمصطلح القضاء والشهادة وكان يلازم مجالس الأمراء بالديار المصرية لفصل الحكومات وتوفي بالقاهرة في أواخر السنة سنة ست وتسعين وثمانمائة فيها توفي القاضي برهان الدين إبراهيم بن محمد بن محمد بن عمر بن يوسف اللقاني المالكي الإمام العالم توفي في المحرم وفيها العارف بالله تعالى الشيخ عبد الله الإلهي الصوفي الحنفي قال في الشقائق ولد بقصبة سماو من ولاية أناضولي واشتغل أول أمره بالعلوم وسكن مدة بقسطنطينية بمدرسة زيرك ولما ارتحل المولى على الطوسي إلى بلاد العجم ارتحل هو أيضا فلقيه بمدينة كرمان واشتغل عليه بالعلوم الظاهرة ثم غلبت عليه داعية الترك فقصد حرق كتبه أو إغراقها ولما كان في هذا التردد دخل عليه فقير وقال له بع الكتب وتصدق بثمنها إلا هذا الكتاب فإنه يهمك فإذا هو كتاب فيه رسائل المشايخ ففعل ذلك وذهب إلى سمرقند وخدم العارف بالله خواجه عبد الله السمرقندي وتلقن منه الذكر ثم ذهب بإشارة منه إلى بخارى واعتكف هناك عند قبر خواجه بهاء الدين النقشبندي وتربى بروحانيته ثم عاد إلى سمرقند وصحب خواجه عبيد ثم ذهب بإشارته إلى بلاد الروم فم رببلادة هراة وصحب المولى عبد الرحمن الجامي وغيره من مشايخ خراسان ثم أتى إلى وطنه واشتهر حاله في الآفاق واجتمعت عليه العلماء والطلاب ووصلوا إلى مآربهم وبلغ صيته إلى قسطنطينية وطلبه علماؤها وأكابرها فلم يلتفت إليهم إلى زمن السلطان محمد فظهرت الفتن في (7/358)

359 وطنه فأتى قسطنطينية وسكن بجامع زيرك واجتمع عليه الأكابر والأعيان ثم لما تزاحم عليه الناس تشوش من ذلك وارتحل إلى ولاية رملي فتوفي هناك رحمه الله تعالى وفيها المولى مصلح الدين مصطفى الشهير بابن وفاء الحنفي العارف بالله تعالى وكان يكتب على ظهر كتبه الفقير مصطفى بن أحمد الصدري القونوي المدعو بوفاء أخذ التصوف أولا عن الشيخ مصلح الدين المشتهر بإمام الدباغين ثم اتصل بأمر منه إلى خدمة الشيخ عبد اللطيف القدسي وأكمل عنده الطريق وأجازه بالإرشاد وكان صاحب الترجمة إماما عالما محققا جامعا بين علمي الظاهر والباطن له شأن عظيم من التصرفات الفائقة عارفا بعلم الوفق بليغا في الشعر والإنشاء خطيبا مصقعا منقطعا عن الناس لا يخرج إلا في أوقات معينة وإذا خرج ازدخم الأكابر وغيرهم عليه للتبرك لا يلتفت إلى أرباب الدنيا ويؤثر صحبة الفقراء عليهم قصد السلطان محمد وبعده السلطان أبو يزيد الاجتماع به فلم يرض بذلك توطن القسطنطينية وله بها زاوية وجامع ولما توفي حضر السلطان أبو يزيد في جنازته وأمر بكشف وجهه لينظر إليه اشتياقا إليه وتبركا به رحمهما الله تعالى وفيها يعقوب بك بن حسن بك سلطان العراقين سنة سبع وتسعين وثمانمائة فيها كان الطاعون العام العجيب الذي لم يسمع بمثله حتى قيل أن ربع أهل الأرض ماتوا به وفيها توفي صدر الدين عبد المنعم بن القاضي علاء الدين علي بن أبي بكر بن مفلح الحنبلي الإمام العلامة تقدم ذكر أسلافه وأخذ هو العلم عن والده وغيره وكان من أهل العلم والدين أفتى ودرس وأفاد بحلب وغيرها وكان (7/359)

360 خيرا متواضعا لكنه لم يكن له حظ من الدنيا كوالده وتوفي بحلب في ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين وثمانمائة فيها وقعت صاعقة بالمسجد النبوي قبيل ظهر يوم الأربعاء ثامن عشرى صفر أصابت المنارة الرئيسية بحيث تفطرت خودة هلالها وسقط جانب دورها السفلى وكان فيها الطاعون العجيب ببرسا واحترق نحو نصفها أيضا وفيها توفي برهان الدين إبراهيم بن أبي بكر الشنويهي ثم المصري الحنبلي العدل كان إماما عالما حفظ القرآن العظيم ومختصر الخرقي والعمدة للموفق وكان من أخصاء القاضي بدر الدين البغدادي وإمامه وله رواية في الحديث وأخذ عنه العلامة غرس الدين الجعبري شيخ حرم سيدنا الخليل وذكره في أول معجم شيوخه واحترف بالشهادة أكثر من ستين سنة لم يضبط عليه ما يشينه وتوفي بالقاهرة يوم الثلاثاء تاسع عشر شعبان وقد جاوز الثمانين وفيها برهان الدين إبراهيم بن عبد الرحمن بن حسين بن حسن المدني الشافعي المعروف بابن القطان الإمام العالم توفي في ذي القعدة عن تسع وسبعين سنة وفيها الإمام العارف بالله تعالى عبد الرحمن بن أحمد الجامي ولد بجام من قصبات خراسان واشتغل بالعلوم العقلية والشرعية فأتقنها ثم صحب مشايخ الصوفية وتلقن الذكر من الشيخ سعد الدين كاشغري وصحب خواجه عبيد الله السمرقندي وانتسب إليه أتم الانتساب وكان يذكر في كثير من (7/360)

361 تصانيفه أوصاف خواجه عبيد الله ويذكر محبته له وكان مشتهرا بالفضائل وبلغ صيت فضله الآفاق وسارت بعلومه الركبان حتى دعاه السلطان بايزيد خان إلى مملكته وأرسل إليه جوائز سنية فكان يحكي من أوصلها أنه تجهز للسفر وسافر من خراسان إلى همذان ثم قال للذي أوصل الجائزة أني امتثلت أمره الشريف حتى وصلت إلى همذان والآن أتشبث بذيل الاعتذار وأرجو العفو منه أني لا أقدر على الدخول إلى البلاد الروم لما أسمع فيها من الطاعون وكان رحمه الله تعالى أعجوبة دهره علما وعملا وأدبا وشعرا وله مؤلفات جمة منها شرح فصوص الحكم لابن عربي وشرح الكافية لابن الحاجب وهو أحسن شروحها وكتب على أوائل القرآن العظيم تفسيرا أبرز فيه بعضا من بطون القرآن العظيم وغوامضه وله كتاب شواهد النبوة بالفارسية وكتاب نفحات الأنس بالفارسية أيضا وكتاب سليلة الذهب حط فيه على الرافضة وكتاب الدرة الفاخرة وتسميه أهل اليمن حط رحلك إشارة إلى أنه كتاب تحط الرحال عنده ورسالة في المعمى والعروض والقافية وله غير ذلك وكل تصانيفه مقبولة وتوفي بهراة وجاء تاريخ وفاته ( ^ ومن دخله كان آمنا ) ولما توجهت الطائفة الطاغية الأردبيلية إلى خراسان أخذ ابنه ميتته من قبره ودفنه في ولاية أخرى فأتت الطائفة المذكورة إلى قبره وفتشوه فلم يجدوا جسده فأحرقوا ما فيه من الأخشاب وفيها قاضي القضاة محي الدين أبو صالح عبد القادر بن قاضي القضاة سراج الدين أبي المكارم عبد اللطيف بن محمد الحسيني الفاسي الأصل المكي الحنبلي الشريف الحسيب النسيب الإمام العالم العلامة المقرىء المحدث ولد غروب شمس يوم الثلاثاء سادس عشرى شهر رمضان سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة بمكة المشرفة وحفظ بها القرآن العظيم وصلى به بمقام الحنابلة التراويح وحفظ قطعة من محرر ابن عبد الهادي والشاطبية ومختصر ابن (7/361)

362 الحاجب الأصلي وكافيته وتلخيص المفتاح وتلا بالروايات السبع على الشيخ عمر الحموي البخاري نزيل مكة وأخذ الفقه عن العز الكناني والعلاء المرداوي وأذن له في الافتاء والتدريس والأصول عن الأمين الأقصراني الحنفي والتقي الحصني وأذنا له وأخذ عن الأخير المعاني والبيان والعربية وأصول الدين وسمع الحديث على أبي الفتح المراغي والتقي بن فهد والشهاب الزفتاري وأجاز له والده وعمته أم الهدى وقريبه عبد اللطيف بن أبي السرور وزينب ابنة اليافعي وأبو المعالي الصالحي المكيون ومن أهل المدينة الشريفة المحب الطبري وعبد الله بن فرحون والشهاب المحلى ومن القاهرة ابن حجر والمحب بن نصر الله والتقى المقريزي والزين الزركشي والعز بن الفرات وسارة بنت عمر بن جماعة والعلاء بن بردس وأبو جعفر ابن العجمي في آخرين ورحل في الطلب وجد واجتهد ثم أقام بمكة للاشغال وولي قضاء الحنابلة بها سنة ثلاث وستين ثم أضيف إليه قضاء المدينة سنة خمس وستين ودرس بالمسجد الحرام وغيره وحدث وأفتى ونظم وأنشأ وكان له ذكاء مفرط وكثرة عبادة وصوم وحسن قراءة وطيب نغمة فيها وكان يزور النبي في كل عام وزار بيت المقدس والخليل وباشر القضاء أحسن مباشرة بعفة وصيانة ونزاهة وورع مع التواضع ولين الجانب وتوجه إلى المدينة الشريفة للزيارة على عادته فأدركته المنية بها في يوم الجمعة النصف من شعبان وصلى عليه بمسجد النبي ودفن بالبقيع وفيها شمس الدين محمد بن أحمد بن علي بن أحمد بن محمد بن سليمان بن حمزة بن أحمد بن عمر بن الشيخ أبي عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الصالحي الحنبلي الشيخ الصالح الخطيب المسند المعمر الأصل ولد بصالحية دمشق عشية عيد الفطر سنة خمس وثمانمائة واشتغل بالعلم وفضل وتميز وأفتى ودرس وحدث وباشر نيابة الحكم بالديار المصرية وبالمملكة (7/362)

363 الشامية وكان له وجاهة عند الناس وتوفي بالقاهرة في يوم الأربعاء خامس عشرى ذي القعدة وله أربع وتسعون سنة وفيها المولى سنان الدين يوسف المعروف بقول سنان الحنفي قال في الشقائق كان من عبيد بعض وزراء السلطان مردا وقرأ في صغره مباني العلوم واشتغل على علماء عصره ثم وصل إلى خدمة المولى على القوشجي ثم تنقل في المدارس حتى صار مدرسا بإحدى الثمان وعين له كل يوم ثمانون درهما وكان كثير الاشتغال بالعلم نشرا وإفادة وتصنيفا وصنف شرحا للرسالة الفتحية في الهيئة لأستاذه على القوشجي وهو شرح نافع للغاية وعلق حواشي على مشكلات البيضاوي من أوله إلى آخره وحشى غيره من الكتب رحمه الله تعالى سنة تسع وتسعين وثمانمائة فيها تقريبا توفي إسماعيل بن محمد بن عيسى البرلسي المغربي الفاسي المالكي المعروف بزروق الإمام العلامة الصوفي قال المناوي في طبقاته عابد من بحر العبر يغترف وعالم بالولاية متصف تحلى بعقود القناعة والعفاف وبرع في معرفة الفقه والتصوف والأصول والخلاف خطبته الدنيا فخاطب سواها وعرضت عليه المناصب فردها وأباها ولد سنة ست وأربعين وثمانمائة ومات أبوه قبل تمام أسبوعه فنشأ يتيما وحفظ القرآن العظيم وعدة كتب وأخذ التصوف عن القوري وغيره وارتحل إلى مصر فحج وجاور بالمدينة وأقام بالقاهرة نحو سنة واشتغل بها في العربية والأصول على الجوجري وغيره وأخذ الحديث عن السخاوي ثم غلب عليه التصوف فكتب على الحكم نيفا وثلاثين شرحا وعلى القرطبية في شرح المالكية وعلى رسالة ابن أبي زيد القيرواني عدة شروح كلها مفيدة نافعة وعمل فصل السالمي (7/363)

364 أرجوزة وشرح كتاب صدور الترتيب لشيخه الحضرمي بن عقبة وشرح حزب البحر للشاذلي وشرح الأسماء الحسني جمع فيه بين طريقة علماء الظاهر والباطن وكتاب قواعد الصوفية وأجاده جدا ومن كلامه المؤمن يلتمس المعاذير والمنافق يتتبع المعايب والمعاثير والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه وقال مقام النبوة معصوم من الجهل بمولاه في كل حال من أول شئونه إلى أبد الآبدين وقال ما اتفق اثنان قط في شيء واحد من جميع الوجوه وإن اتفقا في أصل الأمر أو فروعه أو بعض جهاته ولذلك قالوا الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق وقال كل علم بلا عمل وسيلة بلا غاية وعمل بلا علم جهالة انتهى ملخصا وفيها القاضي تقي الدين أبو بكر بن شمس الدين محمد العجلوني الحنبلي المشهور بابن البيدق كان من أهل الفضل وأعيان الحنابلة بدمشق أخذ العلم عن ابن قندس والعلاء المرداوي والبرهان بن مفلح وناب في الحكم بدمشق وأفتى وكانت سيرته حسنة وتوفي يوم الجمعة ثالث ذي الحجة وفيها المولى قاسم الشهير بقاضي زاده الحنفي الإمام العالم كان أبوه قاضيا بقسطموني ونشأ ولده نشأة حسنة واشتغل بالعلم والعبادة واتصل إلى خدمة خضر بك بن جلال الدين وحصل عنده علوما كثيرة وتنقل في المدارس إلى أن صار قاضيا ببرسا فحمدت سيرته ثم أعيد إلى إحدى المدارس الثمان ثم ولي برسا ثانيا وتوفي قاضيا بها وكان مشتغلا بالعلم ذكي الطبع جيد القريحة متصفا بالأخلاق الحميدة صحيح العقيدة سليم النفس له يد طولى في العلوم الرياضية رحمه الله تعالى وفيها المولى محي الدين الشهير بأخوين الحنفي الإمام العالم قرأ على علماء عصره وتنقل في المدارس حتى صار مدرسا بإحدى الثمان وكان من أعيان العلماء له حاشية على شرح التجريد للشريف الجرجاني ورسالة في أحكام (7/364)

365 الزنديق ورسالة في شرح الربع المجيب رحمه الله تعالى وفيها تقريبا المولى يوسف بن حسين الكرماستي الحنفي الإمام العلامة قرأ على خواجه زاده وبرع في العلوم العربية والشرعية وتنقل في المدارس وصار قاضيا بمدينة برسا ثم بمدينة قسطنطينية وكان في قضائه مرضى السيرة محمود الطريقة سيفا من سيوف الله لا يخاف في الله لومة لائم ومن مصنفاته خاشية على المطول وشرح الوقاية والوجيز في أصول الفقه وكتاب في علم المعاني توفي بمدينة القسطنطينية ودفن بجانب مكتبه الذي بناه عند جامع السلطان محمد سنة تسعمائة فيها توفي برهان الدين الناجي إبراهيم بن محمد بن محمود بن بدر الحلبي القبيباتي الشافعي الإمام العالم توفي بدمشق عن أزيد من تسعين سنة وفيها عبد الرحمن بن حسين بن محمد الدميري الشافعي الإمام العالم توفي في ربيع الثاني عن خمس وسبعين سنة وفيها قاضي القضاة علاء الدين أبو الحسن علي بن شمس الدين محمد بن العطار الشيبي الحموي الحنبلي المشهور بابن ادريس كان إماما علامة له سند عال في الحديث ناب في القضاء بحماة مدة ثم ولي قضاء طرابلس نيفا وعشرين سنة وكانت له معرفة بطرق الأحكام ومصطلح الزمان وتوفي بطرابلس وقد جاوز الثمانين وفيها علاء الدين أبو الحسن علي بن محمد بن البهاء البغدادي الحنبلي الإمام العلامة الفقيه المحدث ولد سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة تقريبا في جهة العراق (7/365)

366 وقدم من بلاده إلى مدرسة شيخ الإسلام أبي عمر بصالحية دمشق في سنة سبع وثلاثين وأخذ الحديث عن الأمين الكركي والشمس بن الطحان وابن ناظر الصاحبة وأخذ العلم عن الشيخ تقي الدين بن قندس والنظام والبرهان ابني مفلح وصار من أعيان الحنابلة أفتى ودرس وصنف كتاب فتح الملك العزيز بشرح الوجيز في خمس مجلدات وتوجه إلى القاهرة فاجتمع عليه حنابلتها وقرأوا عليه وأجاز بعضهم بالافتاء والتدريس وزار بيت المقدس والخليل عليه السلام وباشر نيابة القضاء بدمشق وكان معتقدا عند أهلها وأكابرها ورعا متواضعا على طريقة السلف وتوفي بها يوم السبت ثالث عشرى جمادى الآخرة ودفن بسفح قاسيون وفيها القاضي ناصر الدين أبو البقاء محمد بن القاضي عماد الدين أبي بكر بن زين الدين عبد الرحمن المعروف بابن زريق الصالحي الحنبلي الإمام العالم المحدث تقدم ذكر أسلافه ولد بصالحية دمشق في شوال سنة اثنتي عشرة وثمانمائة وهو من ذرية شيخ الإسلام أبي عمر قرأ على علماء عصره وبرع ومهر وأفاد وعلم وروى عنه خلق من الأعيان وكان منور الشيبة شكلا حسنا على طريقة السلف الصالح وولي النظر على مدرسة جده أبي عمر مدة طويلة وناب في الحكم ثم تنزه عن ذلك وتوفي بالصالحية عشية يوم السبت تاسع جمادى الآخرة وفيها القاضي شمس الدين محمد بن عمر الدورسي الحنبلي الإمام العالم كان من أصحاب البرهان بن مفلح وباش رعنده نيابة الحكم مدة ولايته وكانت نيفا وثلاثين سنة ثم باشر عند ولده نجم الدين ثم فوض إليه الحكم في آخر عمره واستمر إلى أن توفي وفيها بدر الدين أبو المعالي قاضي القضاة محمد بن ناصر الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن خالد بن إبراهيم السعدي المصري الحنبلي شيخ الإسلام (7/366)

367 الإمام العلامة الرحلة ولد بالقاهرة سنة خمس أو ست وثلاثين وثمانمائة وسمع على الحافظ ابن حجر وغيره واشتغل في الفقه على عالم الحنابلة جمال الدين ابن هشام ولازمه ثم لازم العز الكناني وجد واجتهد وقرأ كثيرا من العلوم وحققها وحصل أنواعا من الفنون وأتقنها وبرع في المذهب وصار من أعيانه وأخذ عن علماء الديار المصرية وغيرهم ممن ورد إلى القاهرة وأتقن العربية وغيرها من العلوم الشرعية والعقلية وتميز وفاق أقرانه ولزم خدمة شيخه القاضي عز الدين وفضل عليه فاستخلفه في الأحكام الشرعية وهو شاب ابن خمس وعشرين سنة أو نحوها وأذن له في الافتاء والتدريس وشهد بأهليته وندبه للوقائع المهمة والأمور المشكلة فساد على أبناء جنسه وعظم أمره وعلا شأنه واشتهر صيته وأفتى ودرس وحج إلى بيت الله الحرام وقرأ على القاضي علاء الدين المرداوي لما توجه إلى القاهرة كتابه الانصاف وغيره ولازمه فشهد بفضله وأذن له بالافتاء والتدريس أيضا ولم يزل أمره في ازدياد وعلمه في اجتهاد وباشر نيابة الحكم أكثر من خمس عشرة سنة وصار مفتي دار العدل وكانت مباشرته بعفة ونزاهة ثم ولي قضاء القضاة بالديار المصرية بعد موت شيخه العز الكناني فحصل بتوليته الجمال لممالك الإسلام وسلك أحسن الطرق من النزاهة والعفة حتى في قبول الهدية وصنف مناسك الحج على الصحيح من المذهب وهو كتاب في غاية الحسن وبالجملة فقد كان آية باهرة من حسنات الدهر ذكره تلميذه العليمي في طبقاته وهو آخر من ذكرهم فيها إلا أنه قال توفي فجألة ليلة الثلاثاء ثالث ذي القعدة والله أعلم. (7/367)

الجزء الثامن وهو الأخير 1 |8 | بسم الله الرحمن الرحيم سنة إحدى وتسعمائة فيها قدم إلى مدينة زبيد بكتاب فتح الباري شرح البخاري للحافظ ابن حجر من البلد الحرام وهو أول دخوله اليمن كان سلطان اليمن عامر أرسل لاشترائه فاشترى له بمال جزيل وفيها توفي شهاب الدين أحمد بن شيخ الإسلام برهان الدين إبراهيم بن عبد الرحيم الأنصاري المحاملي المقدسي الشافعي ولد في سنة ست وأربعين وثمانمائة واشتغل في العلم على والده والكمال ابن أبي شريف وغيرهما وباشر نيابة الحكم بالقدس في حياة والده وكان خيرا متواضعا توفي في حدود هذه السنة بالقدس وفي حدودها أيضا شهاب الدين أحمد بن عثمان الشهير بمنلا زادة السمرقندي الخطابي نسبة إلى الخطاب جد الشافعي كان إماما علامة فقيها مقرئا عالي السند في القراءات بينه وبين الشاطبي أربعة رجال ودخل بلاد العرب وحلب ودمشق وأخذ عنه أهلها وله مؤلفات عديدة منها كتاب جمع فيه من الهداية والمحرر وشرح هداية الحكمة قال النجم الغزي في الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة أخذ عنه شيخ الإسلام الجد وقرأ عليه المتوسط وشرح الشمسية وغيرهما وأخذ عنه السيوفي مفتي حلب تفسير البيضاوي وأثنى عليه وكان يخبر عنه أنه كان يقول عجبت لمن يحفظ شيئا كيف ينساه انتهى وفيها شهاب الدين أبو المكارم أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله الشهير بالشارعي المالكي المصري نزيل دمشق القاضي ولد في ثاني عشر ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة بالشارع الأعظم قرب باب زويلة وتوفي (8/2)

3 بدمشق ليلة الخميس ثاني عشر ربيع الأول وفي حدودها أحمد بن يوسف المقري المالكي المغربي الشيخ العارف بالله تعالى أحد رجال المغرب وأوليائها من أصحابه سيدي أحمد البيطار وفيها إسمعيل بن عبد الله الصالحي الشيخ الصالح الموله جف دماغه بسبب كثرة التلاوة للقرآن في مدرسة الشيخ أبي عمر فزال عقله وقيل عشق فعف وكان في جذبه كثير التلاوة ويتكلم بكلمات حسنة وللناس جميعا فيه اعتقاد زائد وكان يلازم الجامع الجديد وجامع الأفرم بالصالحية قال ابن طولون أنشدني ( إذا المرء عوفي في جسمه * وملكه الله قلبا قنوعا ) ( وألقى المطامع عن نفسه * فذاك الغنى وإن مات جوعا ) توفي تاسع عشر رمضان وفيها عماد الدين إسمعيل بن محمد بن علي العلامة الشافعي السيوفي الشهير بخطيب جامع السقيفة بباب توما بدمشق ولد في مستهل ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة وحفظ التنبيه ومنهاج البيضاوي والشاطبية وعرض على التقي الحريري والبرهان الباعوني والعلاء البخاري وسمع على الخردفوشي وابن بردس وابن الطحان وغيرهم وجلس في أول أمره بمركز الشهود وخط ببجامع السقيفة وهو والد العلامة شمس الدين الشهير بابن خطيب السقيفة بينه وبينه في السن إحدى عشرة سنة لا تزيد ولا تنقص وتوفي ولده قبله سنة سبع وتسعين وثمانمائة وتوفي المترجم بدمشق يوم الخميس ثاني عشرى ربيع الأول ودفن عند ولده جوار الشيخ أرسلان وفي حدودها المولى حسام العالم الرومي الحنفي المعروف بابن الدلال كان خطيبا بجامع السلطان محمد خان بقسطنطينية وكان ماهرا في العربية والقراآت حسن الصوت حسن التلاوة وفيها بدر الدين حسن بن أحمد الكبيسي ثم الحلبي الشيخ الصالح سمع ثلاثة أحاديث بقراءة الشيخ أبي بكر الحبشي (8/3)

4 على الشيخ محمد بن مقبل الحلبي وأجاز لهما وكان معتقدا شديد الحرص على مجالس العلم والذكر قال الزين بن الشماع لم تر عيني مثله في ضبطه للسانه وتمسكه بالشريعة وقال ابن الحنبلي لم يضبط عنه أنه حلف يوما على نفي ولا اثبات وفيها المولى حسن بن عبد الصمد الساموني قال في الشقائق كان عالما فاضلا محبا للفقراء والمساكين ومريد المشايخ المتصوفة قرأ على علماء الروم ثم وصل إلى خدمة المولى خسرو وحصل جميع العلوم أصليها وفرعيها وعقليها وشرعيها ثم صار مدرسا ببعض المدارس ثم انتقل إلى إحدى المدارس الثمان ثم صار معلما للسلطان محمد خان ثم جعله قاضيا بالعسكر المنصور ثم قاضيا بمدينة قسطنطينية وكان مرضي المسيرة محمود الطريقة في قضائه سليم الطبع قوي الإسلام متشرعا متورعا كتب بخطه كثيرا وله حواش على المقدمات الأربع وحواش على شرح المختصر انتهى وفي حدودها المولى حسن جلبي بن محمد شاه الفناري كان عالما فاضلا قسم أيامه بين العلم والعبادة يلبس الثياب الخشنة ولا يركب دابة متواضعا رحل إلى مصر فقرأ هناك صحيح البخاري على بعض تلامذة ابن حجر وأجازه وقرأ مغنى اللبيب قراءة بحث وإتقان وحج وأتى بلاد الروم وباشر إحدى المدارس الثمان ومن مصنفاته حواشيه على التلويح وحاشية المطول وحواش على شرح المواقف للسيد الشريف كلها مقبولة متداولة رحمه الله تعالى وفيها تقريبا أبو الوفاء خليل بن أبي الصفا إبراهيم بن عبد الله الصالحي الحنفي المحدث ولد سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة وأخذ عن الحافظ ابن حجر والسعد الديري والعيني والقاياتي والعلم البلقيني وغيرهم وأجاز لابن طولون والكفرسوسي وابن شكم وغيرهم ثم أجاز لمن أدرك حياته رحمه الله تعالى وفيها أبو زيد عبد الرحمن بن علي بن صالح المكودي نسبا الفاسي المكي شارح الألفية والأجرومية وفي حدودها المولى عبد الكريم بن (8/4)

5 عبد الله الرومي الحنفي العالم الفاضل المشهور كان من الأرقاء ثم من الله عليه بالعتق وجد في طلب العلم وحصل فنونا عدة وفضائل جمة وقرأ على المولى الطوسي والمولى سنان العجمي تلميذ المولى محمد شاه الفناري ثم صار مدرسا ببعض المدارس الثمان التي بناها محمد خان عند فتح قسطنطينية ثم ولي قضاء العسكر ثم صار مفتيا زمن السلطان محمد المذكور واستمر بها إلى أن مات وله حواش على أوائل التلويح رحمه الله تعالى وفيها قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب بن العلامة شهاب الدين أحمد بن محمد بن عرب شاه الحنفي ولد سنة ثلاث عشرة وثمانمائة وكان في ابتداء أمره شاهدا وبلغ في صناعة الشهادة غاية الدهاء وكان فقيرا فحصلت له ثروة وجاه ونظم في مذهب الحنفية كتابا كبيرا ثم ولي قضاء قضاة دمشق في رجب سنة اربع وثمانين ثم عزل في شوال سنة خمس ثم سافر إلى مصر فولي مشيخة الصرغتمشية بها إلى أن توفي في خامس عشر رجب بها وفيها المولى علاء الدين علي العربي العالم الفاضل كان أصله من نواحي حلب وقرأ على علماء حلب ثم قدم إلى بلاد الروم وقرأ على المولى الكوراني قال في الشقائق حكى الوالد رحمه الله تعالى أنه قال له المولى الكوراني يوما أنت عندي بمنزلة السيد الشريف عند مبارك شاه المنطقي وقص عليهما قصتهما ثم اتصل العربي بخدمة المولى خضر بك جلال الدين وحصل عنده علوما كثيرة ثم صار معيدا بمدرسة دار الحديث بأدرنة وصنف هناك حواشي شرح العقائد ثم تنقل في المدارس إلى أن تولى مدرسة ببلده مغنيسا فاشتغل هناك بالعلم غاية الاشتغال واشتغل أيضا بطريقة التصوف فجمع بين رياستي العلم والعمل ويحكى عنه أنه سكن فوق جبل هناك في أيام الصيف فزاره يوما رجل من أئمة بعض القرى فقال المترجم أني أجد منك رائحة النجاسة ففتش الإمام ثيابه فلم يجد شيئا فلما أراد أن يجلس سقط من (8/5)

6 حضنه رسالة هي واردات الشيخ بدر الدين بن قاضي سماوة فنظر فيها المولى المذكور فوجد فيها ما يخالف الاجماع فقال كان الريح المذكور لهذه الرسالة وأمر بإحراقها وكان يختلي خلوات أربعينيات ثم صار مفتيا بقسطنطينية إلى أن مات بها وكان رجلا عالما علامة سيما بالتفسير طويلا عظيم اللحية قوي المزاج جدا حتى كان يجلس للدرس في أيام الشتاء مكشوف الرأس وكان له ذكر قلبي يسمع من بعد وربما يغلب صوت قلبه على صوته وله حواش على المقدمات الأربع وهو أول من حشى عليها انتهى ملخصا وفيها علاء الدين علي بن علي بن يوسف بن خليل النووي ثم الدمشقي الشافعي الإمام العلامة ولد في حادي عشر شوال سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة واشتغل في العلم فبرع ودرس وأفتى وكان يتكسب بالشهادة في مركز باب الشامية البرانية خارج دمشق وتوفي ليلة الخميس عاشر صفر ودفن بمقبرة النخلة غربي سوق صاروجا وفيها المولى قاسم البغدادي الكرماني ثم القسطنطيني العالم الفاضل الحنفي ابن أخت المولى شيخي الشاعر الحنفي أحدموا إلى الروم اشتغل في العلم واتصل بخدمة الولي عبد الكريم ثم صار مدرسا ببلدة أماسية ثم بمدرسة أبي أيوب الأنصاري ثم بإحدى المدارس الثمان وكان ذكيا سليم القلب وافر العقل يدرس كل يوم سطرين أو ثلاثة ويتكلم عليها بجميع ما يمكن إيراده من نحو وصرف ومعان وبيان ومنطق وأصول مع رفع جميع ما أشكل على الطلبة على أحسن الوجوه وألطفها وله حواش على شرح المواقف وأجوبة عن السبع الشداد التي علقها المولى لطفي واستعار لطيفة تركية وفارسية رحمه الله وفيها السلطان أبو النصر قايتباي الملك الأشرف الجركسي الظاهري نسبة إلى ظاهر جقمق الحادي والأربعون من ملوك الترك والسادس عشر من الجراكسة ولد سنة ست وعشرين وثمانمائة ثم اتصل بالملك الظاهر فأعتقه (8/6)

7 ولم يزل عنده يترقى من مرتبة إلى مرتبة إلى أن آل أمره إلى أن بويع له بالسلطنة يوم الإثنين سادس رجب سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة ولم يكن له في زمنه مناع ولا مدافع وسار في الناس السيرة الحميدة واجتهد في بناء المشاعر العظام وكان له في الشيخ عبد القادر الدشطوتي غاية الاعتقاد وكان يتولى تربيته وارشاده كلما مر عليه ويمتثل هو أمره وربما نزل إليه فقبل يديه وقال له الشيخ يوما والذباب منعكف عليه يا قايتباي قل لهذا الذباب يذهب عني فحار وقال له يا سيدي كيف يسمع الذباب مني فقال كيف تكون سلطانا ولا يسمع الذباب منك ثم قال الشيخ يا ذباب اذهب عني فلم تبق عليه ذبابة وكان قايتباي محتاطا في الوظائف الدينية كالقضاء والمشيخة والتدريس لا يولي شيئا من ذلك إلا الأصلح بعد التروي والتفحص قال ابن العيدروس في كتابه النور السافر عن أعيان القرن العاشر وقع له في بناء المشاعر العظام ما لم يقع لغيره من الملوك كعمارة مسجد الخيف بمنى وحفر بمنمرة صهريجا ذرعه عشرون ذراعا وعمر بركة خليص وأجرى العين الطيبة إليها وأصلح المسجد الذي هناك وأجرى عين عرفة بعد انقطاعها أزيد من قرن وعمر سقاية سيدنا العباس وأصلح بئر زمزم والمقام وجهز في سنة تسع وسبعين للمسجد منبرا عظيما وكان يرسل للكعبة الشريفة كسوة فائقة جدا في كل سنة وأنشأ بجانب المسجد الحرام مدرسة عظيمة وبجانبها رباطا مع إجراء الخيرات لأهلها كل يوم وسبيلا عظيما للخاص والعام ومكتبا للأيتام وكذا أنشأ بالمدينة النبوية مدرسة بديعة بل بنى المسجد الشريف بعد الحريق وعمل ببيت المقدس مدرسة كبيرة وقال النجم الغزي في كتابه الكواكب السائرة بمناقب أعيان المائة العاشرة كان بين السلطان قايتباي وبين الجد رحمه الله غاية الاتحاد ولكل منهما في الآخر مزيد الاعتقاد وكان الجد يقطع له بالولاية وكتب ديوانا لطيفا من نظمه وإنشائه في منابه ومآثره سماه بالدرة المضية في المآثر الأشرفية وذكر فيه (8/7)

أن بعض 8 أولياء الله تعالى أظهره على مقام الملك الأشرف قايتباي في الولابة اجتمع الجد بالولي المذكور في حجر إسمعيل وقت السحر فعرفه بمقامه وأمره باعتقاده ونظم في مآثره وعمايره قصيدة رائية ضمنها الديوان المذكور فمنها أنه عمر حصنا بالأسكندرية ومدرسة بالقرب منه وحصن ثغر دمياط وحصونا برشيد ورم الجامع الأموي بدمشق وعمر بغزة مدرسة وجامعا بالصالحية المعزية وجامع الروضة وجامع الكبش وتربة بصحراء مصر وقبة الإمام في مآثر أخرى ولم ينتقد عليه أحد عظيم أمر سوى ما كان من أمره بإعادة كنيسة اليهود بالقدس الشريف بعد هدمها وعقوبته لعالم القدس البرهان الأنصاري وقاضيها الشهاب بن عبية وغيرهم بسبب هدم الكنيسة حتى حملوا إليه وضرب بعضهم بين يديه وقد شنع ابن عبية عليه في ذلك وبالغ في حقه وهو تحامل منه بسبب تعزيره له وقال السخاوي وبالجملة فلم يجتمع لملك ممن أدركناه ما اجتمع له ولا حوى من الحذق والذكاء والمحاسن مجمل ما اشتمل عليه ولا مفصله وربما مدحه الشعراء ولا يلتفت إلى ذلك ويقول لو اشتغل بالمديح النبوي كان أعظم وترجمته تحتمل مجلدات قال وله تهجد وتعبد وأوراد وأذكار وتعفف وبكاء من خشية الله تعالى وميل لذوي الهيئات الحسنة ومطالعة في كتب العلم والرقائق وسير الخلفاء والملوك والاعتقاد فيم يثبت عنده صلاحه من العلماء والصلحاء وتكرر توجهه لبيت المقدس والخليل وثغور دمياط والأسكندرية ورشيد وأزال كثيرا من الظلامات الحادثات وحج في طائفة قليلة سنة أربع وثمانين ووهب وتصدق وأظهر من التواضع والخشوع في الطواف والعبادة ما عد من حسناته وأنفق أموالا عظيمة في غزو الكفار ورباط الثغور وحفظ الأمصار رحمه الله انتهى وقال الشيخ مرعي في كتابه نزهة الناظرين وأخبار الماضين كان ملكا جليلا وسلطانا نبيلا وله اليد الطولى في الخيرات والطول الكامل في إسداء المبرات وكانت (8/8)

9 أيامه كالطراز المذهب وهو عقد ملوك الجراكسة وأطولهم مدة وأقام في السلطنة تسعا وعشرين سنة وأربعة أشهر وعشرين يوما وتوفي آخر نهار الأحد سابع عشر ذي القعدة ودفن يوم الإثنين بقبة بناها بتربة الصحراء شرقي القاهرة وقبره ظاهر يزار وتولى ولده الناصر محمد أبو السعادات قبل موته بيوم وهو في سن البلوغ فأقام ستة أشهر ويومين ثم خلع في ثامن عشرى جمادى الأولى بعد هبوت عجزه عن السلطنة وفيها المولى محي الدين محمد بن إبراهيم بن حسن النكشاري الرومي الحنفي الإمام العالم كان عالما بالعربية والعلوم الشرعيبة والعقلية ماهرا في علوم الرياضة أخذ عن المولى فتح الله الشرواني وقرأ على الحسام التوقاتي والمولى يوسف بالي بن محمد الفناري والمولى يكان وكان حافظا للقرآن العظيم عارفا بالقراآت ماهرا في التفسير يذكر الناس كل جمعة تارة بأياصوفيا وتارة بجامع السلطان محمد وكان سحن الأخلاق قنوعا راضيا بالقليل من العيش مشتغلا بإصلاح نفسه منقطعا إلى الله تعالى صنف تفسير سورة الدخان وكتب حواش على تفسير القاضي البيضاوي وحاشية على شرح الوقاية لصدر الشريعة ولما آن أوان القضاء مدته ختم التفسير في أياصوفيا ثم قال أيها الناس إني سألت الله تعالى أن يمهلني إلى ختم القرآن العظيم فلعل الله تعالى يختم لي بالخير والإيمان ودعا فأمن الناس على دعائه ثم أتى بيته بالقسطنطينية فمرض وتوفي وفيها المولى محي الدين محمد بن إبراهيم الرومي الحنفي الشهير بابن الخطيب العالم العلامة كان من مشاهير موالي الروم قرأ على والده المولى تاج الدين وعلى العلامة على الطوسي والمولى خضر بك وتولى المناصب وترقى فيها حتى جعله السلطان محمد بن عثمان معلما لنفسه وألف حواش على شرح التجريد للسيد الشريف وحواش على حاشية الكشاف للسيد أيضا وغير ذلك وفيها قاضي القضاة شيخ الإسلام نجم الدين أبو البقاء محمد بن برهان (8/9)

10 الدين إبراهيم بن جمال الدين عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن سعد الله بن علي بن جماعة الكناني المقدسي الشافعي ولد في أواخر صفر سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة بالقدس الشريف ونشأ به واشتغل في صغره بالعلم على جده وغيره وأذن له تقي الدين بن قاضي شهبة بالافتاء والتدريس مشافهة حين قدم إلى القدس وتعين في حياة والده وجده وولي تدريس الصلاحية عن جده فباشره أحسن مباشرة وحضره الأعيان وجمع له في صفر سنة اثنتين وسبعين بين قضاء القضاة وتدريس الصلاحية وخطابة الأقصى ولم يلتمس على القضاء ولا الدرهم الفرد حتى تنزه عن معاليم الانتظار مما يستحقه شرعا ثم صرف عن القضاء والتدريس بالعز الكناني فانقطع في منزله بالمسجد الأقصى يفتي ويدرس وله من المؤلفات شرح على جمع الجوامع سماه بالنجم اللامع وتعليق على الروضة إلى أثناء الحيض في مجلدات وتعليق على المنهاج في مجلدات والدر النظيم في أخبار موسى الكليم وغير ذلك وتوفي بالقدس في حدود هذه السنة وفيها أبو المواهب محمد بن أحمد الشيخ الإمام المدقق التونسي الشاذلي نزيل مصر وهو الذي كان متصدرا في قبالة رواق المغاربة بالجامع الأزهر وكان صاحب أوراد وأحوال وفيها تقريبا شمس الدين محمد بن إبراهيم بن محمد الحنفي المقرىء عرف ابن أبي عامر أخذ عن الشهاب الحجازي المحدث وأخبره أنه يروي ألفية الحديث والقاموس عن مؤلفيها وتلخيص المفتاح عن إبراهيم الشامي عن المؤلف وفيها محمد بن داود النسيمي المنزلاوي الشيخ الصالح أحد لمتمسكين بالسنة المحمدية في أقوالهم وأفعالهم ألف رسالة سماها طريقة الفقر المحمدي ضبط فيها أقوال النبي وأحواله التي ظهرت لأمته وكان يقول ليس لنا شيخ إلا رسول الله وكان يقري الضيوف ويخدم الفقراء والمنقطعين عنده يونظف ما تحتهم من بول (8/10)

11 أو عائط ولا يتخصص عنهم بشيء وكان ربما طرقه الضيف ليلا ولم يكن عنده ما يقريه فيرفع القدر على النار ويضع فيه الماء ويوقد عليه فتارة يرونه أرزا ولبنا وتارة أرزا وحلواء وتارة لحما ومرقا وربما وجدوا فيه لحم الدجاج ومناقبه كثيرة توفي ببلدة النسيمية ودفن بجوار زاويته وقبره بها ظاهر يزار وفيها تقريبا شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن علي الإمام العالم العلامة إمام الكاملية بين القصرين لبس الخرقة من الشيخ الإمام العلامة شمس الدين بن الجزري المقرىء صاحب النشر في تسع وعشرين وثمانمائة وتوفي في أول هذا القرن وفيها القاضي شمس الدين محمد بن عمر الدورسي الدمشقي الحنبلي ولد سنة ست عشرة وثمانمائة وكان نقيبا لقاضي القضاة برهان الدين بن أكمل الدين بن شرف الدين بن مفلح ثم فوض إليه ولده قاضي القضاة نجم الدين بن مفلح نيابة القضاء قال النعيمي لقلة النواب فدخل في القضاء مدخلا لا يليق وتوفي يوم الجمعة عشرى جمادى الأولى وفيها مصلح الدين مصطفى القسطلاني الرومي الحنفي أحد موالي الروم العالم العامل قرأ على موالي الروم وخدم المولى خضر بك ودرس في بعض المدارس ثم لما بنى السلطان محمد خان ابن عثمان المدارس الثمان بقسطنطينية أعطاه واحدة منها وكان لا يفتر عن الاشتغال والدرس وكان يدعى أنه لو أعطى المدارس الثمان كلها لقدر أن يدرس في كل واحدة منها كل يوم ثلاثة دروس ثم ولي قضاء بروسا ثلاث مرات ثم قضاء أدرنة كذلك ثم القسطنطينية كذلك ثم ولاه السلطان محمد قضاء العسكر وكان لا يداري الناس ويتكلم بالحق على كل حاف فضاق الأمر على الوزير محمد باشا القرماني فقال للسلطان أن الوزراء أربعة فلو كان للعسكر قاضيان أحدهما في ولاية روم أيلي والآخر في ولاية أناضولي كان أسهل في اتمام مصالح المسلمين ويكون زينة لديوانك فمال إلى ذلك وعين المولى (8/11)

12 المعروف بالحاجي حسن لقضاء أناضولي فأبى القسطلاني ذلك فلما مات السلطان محمد وتولى بعده ولده السلطان أبو يزيد خان عزل القسطلاني وعين له كل يوم مائة درهم ثم صار قضاء العسكر ولايتين بعد ذلك قال في الكواكب السائرة وكان القسطلاني يداوم أكل الحشيش والكيف وكان مع ذلك ذكيا في أكثر العلوم حسن المحاضرة وأخبر عن نفسه أنه طالع الشفا لابن سينا سبع مرات وكان المولى خواجه زاده صاحب كتاب التهافت إذا ذكر القسطلاني يصرح بلفظ المولى ولا يصرح بذلك لأحد سواه من أقرانه وكان يقول أنه قادر على حل المشكلات وإحاطة العلوم الكثيرة في مدة يسيرة ولم يهتم بأمر التصنيف لاشتغاله بالدرس والقضاء لكنه كتب حواشي على شرح العقائد ورسالة ذكر فيها سبع إشكالات وشرحها وحواش على المقدمات الأربع التي أبدعها صدر الشريعة ورد فيها على حواشي المولى على العربي وتوفي في هذه السنة بقسطنطينية ودفن بجوار أبي أيوب الأنصاري وفيها شرف الدين موسى بن علي الشيخ العالم الصالح الشهير بالحوراني الشافعي كان يحفظ القرآن العظيم والمنهاج ويدرس فيه وفي القراءات بمدرسة شيخ الإسلام أبي عمر وتفقه على النجم بن قاضي عجلون وسمع على البرهان الباعوني وغيره وولي نظر الشبلية والإمامة بها وكان يقرىء بها سيرة ابن هشام كل يوم بعد العصر ودرس بمدرسة أبي عمر سنين وانتفع الناس به قال ابن طولون وحضرت عنده مرار وتوفي بمنزله بمحلة الشبلية في أحد الجمادين ودفن بالصالحية رحمه الله تعالى سنة اثنتين وتسعمائة فيها أمر السلطان عامر بن عبد الوهاب بتقييد رئيس الإسمعيلية وعالمها سليمان بن حسن بمدينة تعز وأودعه دار الأدب لأنه كان يتكلم بما لا يعنيه (8/12)

13 من المغيبات وأمر بإتلاف كتبه فأتلف ولله الحمد وفيها توفي برهان الدين إبراهيم بن القاضي شمس الدين محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن محمد بن إبراهيم بن يعقوب بن المعتمد القرشي الدمشقي الصالحي الشافعي ولد في ثالث عشر ذي القعدة سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة وحفظ المنهاج وعرضه على جماعة من الأفاضل وكتب له الشيخ بدر الدين ابن قاضي شهبة في الشامية أربعين مسئلة كتب عليها في سنة ثمان وستين وفوض إليه القضاء في سنة سبعين ثم درس في المجاهدية والشامية الجوانية والأتابكية وتصدر بالجامع وله حاشية على العجالة في مجلدين وحج وجاور في سنة اثنتين وثمانين ولازم النجم بن فهد وسمع عليه وعلى غيره بمكة وكان حسن المحاضرة جميل الذكر يحفظ نوادر كثيرة من التاريخ وذيل على طبقات ابن السبكي وأكثر فيه من شعر البرهان القيراطي وقرأ عليه القاضي برهان الدين الأخنائي والشيخ تقي الدين القاري وغيرهما وتوفي عشية يوم الأحد ثالث عشر شعبان بدمشق ودفن بالروضة وخلف دنيا عريضة وفيها أحمد ولي الدين العالم الفاضل المولى ابن المولى الحسيني الرومي الشهير بأحمد باشا قرأ على علماء عصره وفضل وتنقل في المناصب حتى صار قاضي عسكر وجعله السلطان محمد خان معلما لنفسه واشتد ميله إليه حتى استوزره ثم عزله عن الوزارة لأمر وجعله أميرا على أنقرة وبروسا وكان رفيع القدر عالي الهمة كريم الطبع سخي النفس ولم يتزوج لعنة كانت به وكان له نظم بالعربية والتركية وتوفي أميرا ببروسا ودفن بها بمدرسة وعلى قبره قبة كتب على بابها محمد بن أفلاطون تاريخ وفاته وهو ( هذه أنوار مشكاة لمن * عده الرحمن من ممدوحه ) ( فر من أدناس تلك الناس إذ * كان مشتاقا إلى سبوحه ) ( قال روح القدس في تاريخه * إن في الجنات مأوى روحه ) (8/13)

14 وفيها أم الخير أمة الخالق الشيخة الأصلية المعمرة ولدت سنة إحدى عشرة وثمانمائة وحضرت على الجمال الحنبلي وأجاز لها الشرف بن الكويك وغيره وهي آخر من يروي البخاري عن أصحاب الحجاز نزل أهل الأرض درجة في رواية البخاري بموتها رحمها الله تعالى وفيها حبيب القرماني العمري من جهة الأب البكري من جهة الأم العارف بالله تعالى أحد شيوخ الروم اشتغل في أول عمره بالعلم وقرأ في شرح العقائد ثم ارتحل إلى خدمة السيد يحيى بن السيد بهاء الدين الشيرازي فلقي في طريقه جماعة من مريديه فقال لهم هل يقدر شيخكم أن يريني الرب في يوم واحد فلطمه أحدهم لطمة خر مغشيا عليه فعلم السيد يحيى بهذه القصة فدعا الشيخ حبيب وقال له لا بأس عليك أن الصوفية تغلب الغيرة عليهم وأن الأمر كما ظننت وأمره بالجلوس في موضع معين وأن يقص عليه ما يراه ثم قال لمريديه أنه من العلماء فحكى عنه أنه قال لما دخلت هذا الموضع جاءتني تجليات الحق مرة بعد أخرى وفنيت عن كل مرة ثم داوم خدمة السيد يحيى اثنتي عشرة سنة ثم استأذنه وعاد إلى بلاد الروم وصحب الأكابر من سادات الروم وكان له أشراف على الخواطر ولم يره أحد راقدا ولا مستندا إلا في مرض موته توفي بأماسية ودفن بعمارة محمد باشا وفيها شمس الدين أبو الجود محمد بن شيخ الإسلام برهان الدين إبراهيم بن عبد الرحيم الأنصاري الخليلي الشافعي الإمام العلامة ولد بمدينة الخليل عليه الصلاة والسلام في شعبان سنة خمس وأربعين وثمانمائة وحفظ القرآن والمنهاج وألفية بن مالك والجزرية وبعض الشاطبية واشتغل على والده ثم أخذ العلم عن جماعة من علماء مصر أجلهم الشرف المناوي والكمال بن إمام الكاملية الشافعيان وأخذ العلوم عن التقي الشمني الحنفي وفضل وتميز وأجيز بالافتاء والتدريس وله تصانيف منها شرح الجرومية وشرح الجزرية وشرح مقدمة الهداية في علم (8/14)

15 الراواية لابن الجزري ومعونة الطالبين في معرفة إصلاح المعربين وقطعة من شرح تنقيح اللباب للولي العراقي وغير ذلك رحمه الله وفيها الحافظ شمس الدين أبو الخير محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد السخاوي الأصل القاهري المولد الشافعي المذهب نزيل الحرمين الشريفين ولد في ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة وحفظ القرآن العظيم وهو صغير وصلى به في شهر رمضان وحفظ عمدة الأحكام والتنبيه والمنهاج وألفية ابن مالك وألفية العراقي وغالب الشاطبية والنخبة لابن حجر وغير ذلك وكلما حفظ كتابا عرضه على مشايخه وبرع في الفقه والعربية والقراءات والحديث والتاريخ وشارك في الفرائض والحساب والتفسير وأصول الفقه ولاميقات وغيرها وأما مقروآته ومسموعاته فكثيرة جدا لا تكاد تنحصر وأخذ عن جماعة لا يحصون يزيدون على أربعمائة نفس وأذن له غير واحد بالافتاء والتدريس والاملاء وسمع الكثير على شيخه الحافظ ابن حجر العسقلاني ولازمه أشد الملازمة وحمل عنه ما لم يشاركه فيه غيره وأخذ عنه أكثر تصانيفه وقال عنه هو أمثل جماعتي وأذن له وكان يروي صحيح البخاري عن أزيد من مائة وعشرين نفسا ورحل إلى الآفاق وجاب البلاد ودخل حلب ودمشق وبيت المقدس وغيرها واجتمع له من المرويات بالسماع والقراءة ما يفوق الوصف وكان بينه وبين النبي عشرة أنفس وحج بعد وفاة شيخه ابن حجر مع والديه ولقي جماعة من العلماء وأخذ عنهم كالبرهان الزمزي والتقى بن فهد وأبي السعادات بن ظهيرة وخلائق ثم رجع إلى القاهرة ولازم الاشتغال والاشغال والتأليف لم يفتر أبدا ثم حج سنة سبعين وجاور وحدث هناك بأشياء من تصانيفه وغيرها ثم حج في سنة خمس وثمانين وجاور سنة ست وسبع وأقام منهما ثلاثة أشهر (8/15)

16 بالمدينة النبوية ثم حج سنة اثنتين وتسعين وجاور سنة ثلاث وأربع ثم حج سنة ست وتسعين وجاور إلى أثناء سنة ثمان فتوجه إلى المدينة فأقام بها أشهرا وصام رمضان بها ثم عاد في شوالها إلى مكة وأقام بها مدة ثم رجع إلى المدينة وجاور بها إلى أن مات وحمل الناس من أهلهما والقادمين عليهما عنه الكثير جدا وأخذ عنه من لا يحصى كثرة وألف كتبا إليها النهاية لمزيد علوه وفصاحته من مصنفاته الجواهر والدرر في ترجمة الشيخ ابن حجر وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث لا يعلم أجمع منه ولا أكثر تحقيقا لمن تدبره والضوء اللامع لأهل القرن التاسع في ست مجلدات ذكر فيه لنفسه ترجمة على عادة المحدثين والمقاصد الحسنة في الأحاديث الجارية على الألسنة وهو أجمع وأتقن من كتاب السيوطي المسمى بالجواهر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة وفي كل واحد منهما ما ليس في الآخر والقول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيه وعمدة المحتج في حكم الشطرنج والإعلان بالتوبيخ على من ذم علم التوريخ وهو نفيس جدا والتاريخ المحيط على حروف المعجم وتلخيص تاريخ اليمن والأصل الأصيل في تحريم النقل من التوراة والانجيل وتحرير الميزان وعمدة القارىء والسامع في ختم الصحيح الجامع وغنية المحتاج في ختم صحيح مسلم بن الحجاج وغير ذلك وانتهى إليه علم الجرح والتعديل حتى قيل لم يكن بعد الذهبي أحد سلك مسلكه وكان بينه وبين البرهان البقاعي والجلال السيوطي ما بين الأقران حتى قال السيوطي فيه ( قل للسخاوي إن تعروك نائبة * علمي كبحر من الأمواج ملتطم ) (8/16)

17 ( والحافظ الديمي غيث السحاب فخذ * غرفا من البحر أو رشفا من الديم ) وتوفي بالمدينة المنورة على ساكنها الصلاة والسلام يوم الأحد الثامن والعشرين من شعبان وصلى عليه بعد صلاة صبح يوم الإثنين ووقف بنعشه تجاه الحجرة الشريفة ودفن بالبقيع بجوار مشهد الإمام مالك ولم يخلف بعده مثله وفيها العلامة محمد بن مصطفى بن يوسف بن صالح البرسوي الحنفي الصوفي المشهور بخواجه زاده صاحب كتاب التهافت والده ولي القضاء والتدريس ببعض مدارس بروسا ثم تركها في حياة والده ورغب في طريق التصوف واتصل بخدمة العارف بالله الحادي خليفة ثم ذهب مع بعض ملوك العجم إلى بلاده وتوفي هناك سنة ثلاث وتسعمائة فيها توفي شهاب الدين أحمد الشهير بابن شكم العالم العلامة الشافعي الصالح الناصح الدمشقي الصالحي اشتغل على البدر بن قاضي شهبة والنجم ابن قاضي عجلون وغيرهما وكان على طريقة حميدة ساكنا في أموره مطرحا للتكليف نحيف البدن على وجهه أثر العبادة وانتفع به جماعة من أهل الصالحية وغيرهم لاسيما في علوم العربية وتوفي يوم الأربعاء ثامن عشر رمضان وفيها جمال الدين جمال بن خليفة القرماني الحنفي العالم العارف بالله كان مشتغلا بالعلم فاضلا في فنونه قرأ على قاضي زاده وخدم المولى مصلح الدين القسطلاني وكان خطه حسنا استكتبه السلطان محمد خان كافية ابن الحاجب وأجازه بمال حج به ثم رجع إلى قسطنطينية وصحب الشيخ حبيب القرماني ولزم خدمته واشتغل بالرياضات والمجاهدات حتى أجازه بالإرشاد وأقام مدة في بلاد قرمان ثم دخل القسطنطينية وبنى له الوزير بيري باشا بها زاوية فأقام بها حتى مات وكان يتكلم في التفسير ويعظ الناس (8/17)

18 ويذكرهم ويلحقه عند ذلك وجد وحال وربما غلب عليه الحال فألقى نفسه من على المنبر ولا يسمعه أحد إلا ويحصل له حال وتاب على يديه جماعة وأسلم كافر وكان عابدا زاهدا ورعا متضرعا يستوي عنده الغني والفقير يغسل أثوابه بنفسه مع ماله من ضعف المزاج ويقول أن مبنى الطريقة على رعاية الأحكام الشرعية رحمه الله تعالى وفيها عز الدين عبد العزيز ابن ناصر الدين محمد الجرباوي البغدادي نزيل دمشق الشيخ الصالح كان من أولياء الله تعالى وسمع على محدثي بغداد وقطن دمشق وبها مات ليلة الخميس خامس عشرى جمادى الأولى وفيها زين الدين عبد القادر بن محمد ابن منصور بن جماعة الصفدي ثم الدمشقي الشافعي الفرضي الحيسوب المعروف في صفد بابن المصري وفي دمشق ببواب الشامية البرانية لأنه نزلها حين دخل دمشق وكان بوابها سنين ثم سكن السميساطية ولد بصفد سنة أربع وثلاثين وثمانمائة وأخذ عن الشمس بن حامد الصفدي والشمس البلاطنسي والبدر بن قاضي شهبة وزين الدين خطاب والنجم بن قاضي عجلون والشمس الشرواني وغيرهم وكان له يد طولى في الحساب والفرائض وقلم الغبار لم يكن له نظير بدمشق وكان نحيف البدن ضعيف البصر شرس الأخلاق انتفع به جماعة ولما توفي شيخه ابن حامد أخذ عنه نظر المدرسة الصارمية داخل باب الجابية وتدريسها وسكن بها وانقطع عن الناس وبها توفي سادس عشر ذي الحجة ودفن ببا الفراديس وفيها علاء الدين علي بن يوسف بن أحمد الرومي الحنفي سبط المولى شمس الدين الفناري رحل في صباه إلى بلاد العجم فدخل هراة وقرأ على علمائها ثم سمرقند وبخارى وقرأ على علمائها أيضا وبرع في العلوم حتى جعلوه مدرسا ثم غلب عليه حب الوطن فعاد إلى بلاد الروم في أوائل سلطنة محمد خان بن عثمان وكان المولى الكوراني يقول له لا تتم سلطنتك إلا أن يكون عندك واحد من أولاد (8/18)

19 الفناري فلما دخل المترجم بلاد الروم أعطاه السلطان محمد مدرسة بمدينة بروسا بخمسين درهما ثم درسة والده مراد خان بها بستين ثم ولاه قضاءها ثم قضاء العسكر ومكث فيه عشر سنين وارتفع قدر العلماء في زمن ولايته إلى أوج الشرف وكانت أيامه تواريخ ثم لما تولى أبو يزيد جعله قاضيا بالعسكر في ولاية روم ايلي ومكث فيه ثمان سنين وكان شديد الاهتمام بالعلم لا ينام على فراش وإذا غلبه النوم استند والكتب بين يديه فإذا استيقظ نظر فيها وشرح الكافية وكتابا في الحساب وكان ماهرا في سائر العلوم ثم خدم العارف بالله حاج خليفة ودخل الخلوة عنده وحصل له في علم التصوف ذوق لكنه كان مغري بصحبة السلاطين بحيث كان يغلب عليه الصمت إلا إذا ذكر له صحبة سلطان يورد الحكايات اللطيفة والنوادر وحكى عنه تلميذه الخيالي أنه قال ما بقي من حوائجي إلا ثلاث الأولى أن يكون أول من يموت في داري والثانية أن لا يمتد بي مرض والثالثة أن يختم لي بالإيمان قال الخيالي فكان أول من مات في داره وتوضأ بها للظهر ثم حم ومات مع أذان العصر فاستجيب له وفيها جمال الدين محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد الشهير بابن علي بأفضل السعدي نسبة إلى سعد العشيرة الحضرمي ثم العدني قال في النور السافر المتفق على جلالة قدره علما وعملا وورعا ولد بحضرموت بتريم سنة أربعين وثمانمائة ثم ارتحل إلى عدن وأخذ عن الإمامين محمد بن مسعود باشكيل ومحمد بن أحمد باحميش وجد في الطلب ودأب حتى برع في العلوم وانتصب للتدريس والفتوى وكان من أعلام الدين والتقوى إماما كبيرا عالما عاملا محققا ورعا زاهدا مقبلا على شأنه تاركا لما لا يعنيه ذا مقامات وأحوال وكرامات حسن التعليم لين الجانب متواضعا صبورا مثابرا على السنة معظما لأهل العلم وكان هو وصاحبه عفيف الدين بامخر عمدة الفتوى بعدن وكان بينهما من (8/19)

20 التودد والتناصف ما هو مشهور حتى كأنهما روحان في جسد وأفرد المترجم بالترجمة وله تصانيفه نافع منها مختصر الأنوار المسمى نور الأبصار وشرح تراجم البخاري واختصر قواعد الزركشي وشرحه وكتاب العدة والسلاح لمتولى عقود النكاح وشرح المدخل وشرح البرماوية وغير ذلك ومن شعره ( إن العيادة يوم بعد يومين * واجلس قليلا كلحظ العين بالعين ) ( لا تبر من مريضا في مساءلة * يكفيك من ذاك تسآل بحرفين ) وتوفي يوم السبت خامس عشر شوال بعدن وفيها بدر الدين الحسين ابن الصديق بن الحسين بن عبد الرحمن الأهدل اليمني الشافعي ولد في ربيع الثاني سنة خمس وثمانمائة بأبيات حسين من اليمن ونشأ بنواحيها واشتغل بها في الفقه على الفقيهين أبي بكر بن قصيص وأبي القسم بن مطير وغيرهما وفي النحو على أولهما وغيره ثم دخل زبيد فاشتغل بها ثم حج سنة اثنتين وسبعين وجاور التي تليها وأخذ عن علمائها وزار النبي وسمع بالمدينة من أبي الفرج المراغي ثم رجع إلى بلاده وكان إماما فقيها حافظا محدثا بارعا في أشتات العلوم ومن شعره ( أما لهذا الهم من منتهى * أما لهذا الحزن من آخر ) ( أما لهذا الضيق من فارج * أما لناب الخطب من كاسر ) ( أما لهذا العسر من دافع * باليسر عن هذا الشجي العاثر ) ( بلى بلى مهلا فكن واثقا * بالواحد الفرد العلي القادر ) توفي ببندر عدن ليلة الإثنين سلخ ذي القعدة وفيها عبد الرحمن بن أحمد بن علي بن أحمد بن إبراهيم بامخرمة الحميري الشيباني الهجراني الحضرمي العدني الشافعي ولد ليلة الأربعاء ثامن عشر رجب سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة بالهجرين وحفظ القرآن بها ثم ارتحل إلى عدن وتفقه بالإمامين محمد باشكيل ومحمد بأحميس ودأب واجتهد وأكب (8/20)

21 على الاشتغال ليلا ونهارا وكان فقيرا لا يملك شيئا وقاسى في أيام طلبه من الجوع والمكابدة ما هو مشهور عنه وبرع في سائر العلوم وحقق الفنون وساد الأقران وسارت بفضله الركبان ووقع على تقدمه الاجماع وابتهجت بذكره النواظر والاسماع وصار عمدة يرجع إلى قوله وفتواه في زمن مشايخه وقرت به عيونهم وزوجه شيخه أبو شكيل بابنته ورزق منها أولادا فضلاء نجباء وكان مهابا جدا تخضع له الملوك آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر لا يراعى أحدا في دين الله تعالى ولا يخاف في الله لومة لائم وكلفه علي بن طاهر قضاء عدن فدام قريب أربعة أشهر ثم ترك وتوجه لنفع الطلبة خاصة وعمل على جامع المختصرات نكتا في مجلدة وكذا على ألفية النحو وشرح الملحة شرحا حسنا ولخص شرح ابن الهائم على هائميته إلى غير ذلك من الرسائل في علم الهندسة وغيرها قاله السخاوي وممن تخرج به عفيف الدين ابن الحاج ومحمد باقضام والعلامة محمد بحرق وغيرهم وله نظم كثير جدا منه ( اعط المعية حقها * واحفظ له حسن الأدب ) ( واعلم بأنك عبده * في كل حال وهو رب ) وتوفي بعدن يوم السبت حاجي عشرى المحرم وفيها جمال الدين محمد بن إبراهيم المكدش بفتح الميم وسكون الكاف وكسر الدال المهملة آخره شين معجمة فقيه اللامية ومفتيها ببلده سامر وكان له بها مشهد عظيم وبنو المكدش هؤلاء أخيار صالحون اشتهر منهم جماعة بالولاية التامة وظهور الكرامات وقريتهم يقال لها الأنفة بفتح الهمزة وفتح النون والفاء آخره تاء تأنيث جهة بوادي سهام وهي محلة مقصودة للزيارة والتبرك ونسبهم في الغنميين وهم قبيلة مشهورة من قبائل عك بن عدنان ومسكنهم فيما بين وادي سهام ووادي سردد قاله في النور السافر وفيها جمال الدين محمد بن حسين بن محمد بن حسين القماط الزبيدي الشافعي ولد بزبيد في صفر (8/21)

22 سنة ثمان وعشرين وثمانمائة ونشأ بها واشتغل بالعلم ولازم القاضي الناشري صاحب الإيضاح وغيره وبرع في الفقه وأفتى ودرس وكان لا يمل الاشتغال والاشغال إماما عالما توفي بزبيد في سحر ليلة الأربعاء سادس عشر جمادى الأولى وفيها جمال الدين محمد النور بن عمر الجبرتي الفقيه الصالح المعمر من بقية أصحاب الشيخ إسمعيل الجبرتي توفي يوم الإثنين ثاني ربيع الآخر عن خمس وثمانين سنة ودفن قريبا من ضريح شيخه وفيها رضى الدين الصديق بن محمد الحكم الشهير بالوزيغي كان فقيها علامة متقنا متفننا توفي بزبيد ليلة الجمعة ثالث جمادى الأولى ودفن بتربة القضاة الناشريين سنة أربع وتسعمائة فيها توفي غرس الدين أبو القسم خليل بن خليل الفراديسي الصالحي الحنبلي قال ابن طولون حفظ القرآن ثم قرأ المحرر للمجد بن تيمية وأخذ عن النظام بن مفلح والشهاب بن زيد والشيخ صفي الدين ولازم شيخنا القاضي ناصر الدين بن زريق وأكثر من الأخذ عنه ثم أقبل على الشهادة والمباشرة لأوقاف مدرسة أبي عمر وغيرها وأجاز لنا وكتبنا عنه وتوفي في حبس كرتباي الأحمر ملك الأمراء بدمشق وفيها زين الدين شعبان الصورتاني الحنبلي أحد عدول دمشق سكن الصالحية وولي قضاء صفد وأخذ عن النظام بن مفلح وابن زيد وأكثر عن أبي البقاء بن أبي عمر وكان لا بأس به وتوفي في شوال وفيها الملك الناصر أبو السعادات محمد ابن قايتباي بويع بالسلطنة بعد موت أبيه بيوم واحد وهو في سن البلوغ (8/22)

23 فأقام ستة أشهر ويومين ثم خلع وتولى الملك الأشرف قانصوه مملوك قايتباي فأقام نحو أحد عشر يوما وتحرك عليه العسكر فهرب إلى غزة ثم فقد في وقعة خان يونس ولم يعرف موته ولا حياته ثم عاد الملك الناصر بعد ثبوت رشده فأقام سنة وستة أشهر ونصف شهر ثم شرع في اللهو واللعب والشعبذة ومخالطة الأوباش وارتكاب الفواحش وأمور لا يليق ذكرها فقتل شر قتلة قبل غروب شمس يوم الأربعاء خامس عشرى ربيع الأول قال القطبي في تاريخ مكة يحكي عنه أمور قبيحة منها أنه كان إذا سمع بامرأة حسناء هجم عليها وقطع دائر فرجها ونظمه في خيط أعده لنظم فروج النساء ومنها أو والدته وكانت من أعقل النساء وأجملهن هيئة هيأت له جارية جميلة جدا وجمعتها به في بيت مزين أعدته لهما فدخل بها وقفل الباب على نفسيه وعليها وربطها وشرع يسلخ جلدها عنها كالجلادين وهي حية فلما سمعوا صوت بكائها أرادوا الهجوم عليه فما أمكنهم لأنه قفل الباب من داخل فاستمر كذلك إلى أن سلخها وحشا جلدها بالثياب وخرج يظهر لهم استاذيته في السلخ وأن الجلادين يعجزون عن كماله في صنعه انتهى وفيها المولى لطف الله الشهير بمولانا لطفي التوقاني الرومي الحنفي العالم الفاضل قال في الكواكب تخرج بالمولى سنان وقرأ على القوشنجي العلوم الرياضية بإشارة المولى سنان ولما كان المولى سنان وزيرا عند السلطان محمد خان جعله السلطان أمينا على خزانة الكتب فاطلع على الغرائب منها ثم لما ولي السلطان أبو يزيد أعطاه مدرسة السلطان مراد بمدينة بروسا ثم أعطاه إحدى الثمان ثم ولاه مدرسة مراد خان ثانيا وأقام ببرسا وكان ذكيا عالما خاشعا قرىء عليه صحيح البخاري إلى آخره وكان حال الاقراء يبكي حتى تسقط دموعه غير أنه كان يطيل لسانه على أقرانه حتى أبغضه علماء الروم (8/23)

24 نسبوه إلى الإلحاد والزندقة وفتش عليه واستحكم في قتله المولى أفضل الدين فلم يحكم فحكم المولى خطيب زاده بإباحة دمه فقتلوه وكان يكرر كلمتي الشهادة وينزه عقيدته عما نسبوه إليه من الإلحاد حتى قيل أنه تكلم بالشهادة بعدما سقط رأسه على الأرض وقيل في تاريخه ولقد مات شهيدا وله من المؤلفات شرح المطالع وحواشي على شرح المفتاح للسيد الشريف ورسالة سماها بالسبع الشداد مشتملة على سبعة أسئلة على السيد الشريف في بحث الموضوع ولو لم يؤلف إلا هذه الرسالة لكفته فضلا ورسالة ذكر فيها أقسام العلوم الشرعية والعربية بلغ فيها مقدار مائة علم أورد فيها غرائب وعجائب رحمه الله تعالى وفيها قاضي القضاة نور الدين أبو الفضل محمد بن محمد بن يوسف الخزرجي الدمشقي الحنفي الصالحي المعروف بابن منعة ولد بصالحية دمشق رابع شعبان سنة ست وثلاثين وثمانمائة وحفظ القرآن العظيم ودرر البحار للقونوي والمنار للنسفي وسمع بعض مسانيد أبي حنيفة على قاضي القضاة حميد الدين وتصحيح القدوري على الشيخ قاسم قطلوبغا وتفقه بالشيخ عيسى القلوجي وولي تدريس الجمالية وكانت سكنه وبها ميلاده والجوهرية والشبلية الجوانية والمرشدية وأفتى ودرس وناب في الحكم زمانا وكانت سيرته فيه حسنة يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أمينا صابرا وحصل كتبا وانفرد في آخره برياسة مذهب أبي حنيفة بدمشق وولي في أواخر عمره قضاء قضاة الحنفية بعد أن أكره عليه واعتقل بقلعة دمشق ثم أطلق وتوفي مطعونا بقرية الفيجة في مستهل الحجة وفيها الإخوان قوام الدين أبو الخير محمد وشهاب الدين أبو المكارم أحمد ابنا القاضي رضى الدين الغزي قال حفيده في الكواكب السائرة الشابان الفاضلان توفيا شهيدين بالطاعون في دمشق ثانيها وهو الأصغر قيل أولها وهو الأكبر وكان بينهما اثنان وعشرون يوما وكان والدهما (8/24)

25 إذ ذاك بمصر ولم يبق له بعدها ولد فبشره القطب كما قيل بأن يعوضه الله تعالى بولد صالح فعوضه الوالد الشيخ بدر الدين ولد في هذه السنة وفيها كمال الدين موسى بن عبد المنعم الضجاعي اليمني الفقيه العلامة الخطيب مرض طويى ودفن إلى جنب قبر جده الفقيه الصالح علي بن قاسم الحكمي وفيها كمال الدين موسى بن أحمد اليمني الدوالي المعروف بالمكشكش قال في النور السافر كان إماما علامة توفي قرب مدينة تعز ليلة الأربعاء سلخ ربيع الأول ودفن بمقبرة زبيد سنة خمس وتسعمائة فيها طلع من مشرق نجد نجم ذو ذؤابة وكان طلوعه من برج الحمل وذؤابته في اليمن وسيره في الشام فسبحان القادر على ما يشاء وفيها القاضي شهاب الدين أحمد بن محمد بن محمد بن محمد بن أبي بكر بن عبية المقدسي الأثري الشافعي الشهير بابن عبية نزيل دمشق ولد في ثاني عشر ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة واشتغل بالقدس الشريف وحصل وولي قضاء بيت المقدس وامتحن بسبب القمامة ثم رحل إلى دمشق وقطن بها ووعظ وذكر الناس وكان إماما عالما ومن شعره ( وناعورة أنت فقلت لها اقصري * أنينك هذا زاد للقلب في الحزن ) ( فقالت أنيني إذ ظننتك عاشقا * ترق لحال الصب قلت لها أني ) توفي بدمشق ليلة السبت ثالث جمادى الأولى ودفن بباب الصغير شمالي ضريح الشيخ حماد رحمه الله تعالى وفيها أبو العباس أحمد بن محمد الغمري الصوفي كان رضي الله عنه جبلا راسيا وطودا راسخا في العلوم والمعارف وكان يحب بناء المساجد والجوامع حتى قيل أنه بنى خمسين جامعا منها جامعه المعروف به بمصر المدفون فيه وكان معانا على نقل العمد والرقام (8/25)

26 وغيرها من الكيمان والبلاد الكفرية حتى أن عمد جامعيه بمصر والمحلة يعجز عن نقلها سلطان ذكر عنه إمام جامعه بمصر الشيخ أمين الدين بن النجار أنه أقام صف العمد التي على محراب الجامع المذكور كلها في ليلة واحدة والناس نائمون وذكر المناوي أنه عمر هذا الجامع من عثماني وضعه تحت سجادته وصار يأخذ منه ويصرف وكراماته رضي الله عنه كثيرة مستفيضة وأطنب الشعراوي في ذكره وتوفي بالقاهرة في رابع عشر صفر ودفن في جامعه وفيها سراج الدين أبو بكر بن علي بن عمران اليمني كان إماما علامة وولي قضاء قضاة تعز وتوفي بزبيد يوم الإثنين الثاني عشر من جمادى الأولى وفيها بركات بن حسين الفيجي المقرىء أخذ عن والده وغيره وأجازه البدري حسن بن الشويخ وتوفي في هذه السنة ظنا وفيها زين الدين خالد بن عبد الله بن أبي بكر المصري الأزهري الوقاد به النحوي اشتغل بالعلم على كبر قيل كان عمره ستا وثلاثين سنة فسقطت منه يوما فتيلة على كراس أحد الطلبة فشتمه وعيره بالجهل فترك الوقادة وأكب على الطلب وبرع وأشغل الناس وصنف شرحا حافلا على التوضيح ما صنف مثله وإعراب ألفية ابن مالك وشرحا على الجرومية نافعا وآخر على قواعد الأعراب لابن هشام وآخر على الجزرية في التجويد وآخر على البردة والمقدمة الأزهرية وشرحها وكثر النفع بتصانيفه لإخلاصه ووضوحها توفي ببركة الحاج خارج القاهرة راجعا من الحج وفيها زين الدين خطاب بن محمد بن عبد الله الكوكبي ثم الصالحي الحنبلي حفظ القرآن في مدرسة الشيخ أبي عمر وأخذ عن الشيخ صفر والنظام بن مفلح والشهاب بن زيد وغيرهم واشتغل في العربية على الشهاب بن شكم وحل عليه ألفية العراقي في علم الحديث واعتنى بهذا الشأن وأنشد له ابن طولون (8/26)

27 ( بطشت يا موت في دمشق * وفي بنيها أشد بطش ) ( وكم بنات بها بدورا * كانت فصارت بنات نعش ) وقال عرض له ضعف في بعض الأحيان وكان عند الناس أنه فقير فأوصى بملبغ من الذهب له كمية جيدة ثم برأ من ذلك الضعف فشنق نفسه بخلوته بالضيائية في سابع عشر جمادى وفيها الملك العادل سيف الدين طومان باي كان من أعيان مماليك قايتباي بويع بالسلطنة بعد خلع جان بلاط الآتي ذكره في السنة التي بعد هذه في الشام وجلس على السرير بعد ظهر يوم السبت ثامن عشرى جمادى الآخرة من هذه السنة وكانت مدته من حين تغلبه بالشام أربعة أشهر وخمسة عشر يوما ومن حين بويع بقلعة الجبل ثلاثة أشهر وثلاثة وعشرون يوما وبنى مدرسة العادلية وتربته خارج باب النصر ثم هجم عليه العسكر وقتلوه قاله في نزهة الناظرين وفيها علاء الدين علي بن يوسف بن أحمد الدمشقي العاتكي الشافعي الشهير بالبصروي الإمام العلامة ولد سنة اثنتين أو ثلاث وأربعين وثمانمائة واشتغل في العلم على الشيخ رضي الدين الغزى ولازمه وأخذ عن غيره وبرع في الفقه وغيره وهو والد الخطيب جلال الدين البصروي وتوفي في نهار الأربعاء سادس عشر شهر رمضان وفيها شمس الدين محمد بن عثمان بن إسماعيل البابي المعروف بابن الدغيم قاضي قضاة حلب وكاتب سرها وناظر جيوشها كان ذكيا فقيها متمولا قاله النجم الغزي وفيها نور الدين محمود بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن أيوب بن محمد الحمصي ثم الدمشقي الشافعي الشهير بابن العصباتي الإمام العلامة ولد في ذي الحجة سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة وأخذ عن والده والتقي بن الصدر الطرابلسي وقدم دمشق سنة تسعمائة فاستوطنها ووعظ بالجامع وغيره وتوفي راجعا من الحج بمنزلة رابع يوم الجمعة مستهل المحرم (8/27)

28 سنة ست وتسعمائة فيها توفي الملك الأشرف جان بلاط بن عبد الله أبو النصر سلطان مصر اشتراه بشتك الدوادار وقدمه للأشرف قايتباي بعد طلبه له فجعله خاصكيا وقربه إليه وعلمه القرآن والحساب والرمي وصار رئيسا محتشما ثم رقاه حتى أعطاه تقدمة ألف ثم ولي الدوادارية الكبرى في زمن ولده الناصر ثم أنعم عليه بنيابة حلب فأقام بها سنة ثم نقله إلى نيابة الشام فأقام بها سبعة أشهر ثم قدم القاهرة في زمن الظاهر فولاه الإمرة الكبرى وزوجه بأخته وصار العادل طومان باي يرمي الفتنة بينه وبين الظاهر إلى أن تنافرا وقدر جان بلاط على الظاهر فخرج من قلعة مصر وتركها له فتسلطن في ضحوة يوم الإثنين ثاني القعدة سنة خمس وتسعمائة فأقام نصف سنة وستة عشر يوما وبنى المدرسة الجنبلاطية خارج باب النصر وخلع ونفى إلى الأسكندرية وقتل بها خنقا ودفن فيها نحو شهر ثم نقل إلى القاهرة ودفن بتربة استاذه قايبتاي ثم رد إلى تربته التي أعدها لنفسه خارج باب النصر فنقل إليها ولم تتغير جثته ثم تولى الملك الأشرف أبو النصر قانصوه الغوري يوم الإثنين عيد الفطر من هذه السنة وفيها زين الدين حامد بن عبد الله العجمي الحنفي العلامة قال ابن طولون هو شيخنا اشتغل ببلاده وحصل وبرع وقدم دمشق فدرس بها وكان فقيها بارعا توفي يوم السبت سابع عشر ذي الحجة ودفن بباب الصغير وفيها تقريبا بدر الدين حسن بن محمد العلامة المقرىء الصوفي المقدسي الشافعي المعروف بابن الشويخ أخذ القراآت ولبس خرقة التصوف من الشمس إمام الكاملية بحق لباسه لها من ابن الجزري المقرىء ولبسها أيضا من (8/28)

29 الشيخ محمد البسطامي وأخذ عليه العهد ولقنه الذكر بمكة في السنة التي قبلها وأخذ الحديث عن الحافظ الديمي وكان إماما عالما صالحا رحمه الله تعالى وفيها غرس الدين أبو سعيد خليل بن عبد القادر بن عمر الجعبري الأصل الخليلي الشافعي سبط الشهاب القلقشندي ولد في محرم سنة تسع وستين وثمانمائة بالقدس الشريف واشتغل في العلم على جماعة منهم الكمال بن أبي شريف والشيخ برهان الدين الخليلي الأنصاري وغيرهما وجمع معجما لا سيما شيوخه وولي حصة من مشيخة حرم الخليل عن والده المتوفى في محرم سنة سبع وتسعين وثمانمائة وكان رجلا خيرا إماما عالما متواضعا توفي في أحد الربيعين وفيها علاء الدين علي بن أبي عمرو عبد الله الخطيب الحنبلي المؤذن بجامع بني أمية بدمشق الشهير بعليق بضم العين المهملة وتشديد اللام المفتوحة وبعد المثناة التحتية قاف ولد سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة قال النعيمي وهو آخر من سمع صحيح مسلم كاملا على الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين في سنة ست وثلاثين وتوفي في هذه السنة وفيها كمال الدين أبو المعالي محمد بن الأمير ناصر الدين محمد بن أبي بكر بن علي بن أبي شريف المقدسي الشافعي المري سبط الشهاب العميري المالكي الشهير بابن عوجان الشيخ الإمام شيخ الإسلام ملك العلماء الأعلام ولد ليلة السبت خامس ذي الحجة سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة بالقدس الشريف ونشأ بها وحفظ القرآن العظيم والشاطبية والمنهاج الفقهي وعرضهما على ابن حجر العسقلاني والمحب بن نصر الله الحنبلي والسعد الديري والعز المقدسي في سنة تسع وثلاثين وثمانمائة ثم حفظ ألفية ابن مالك وألفية الحديث وقرأ القرآن بالروايات على أبي القسم النويري وسمع عليه وقرأ عليه في العربية والأصول والمنطق والعروض واصطلاح أهل الحديث (8/29)

30 وأذن له بالتدريس فيها وتفقه على العلامة زين الدين ماهر والعماد بن شرف وحضر عند الشهاب بن أرسلان والعز القدسي ورحل إلى القاهرة سنة أربع وأربعين وأخذ عن علمائها منهم ابن حجر وكتب له إجازة وصفه فيها بالفاضل البارع الأوحد والشمس القاياني والعز البغدادي وغيرهم وسمع الحديث على ابن حجر والزين الزركشي الحنبلي والعز بن الفرات الحنفي وغيرهم وحج فسمع بالمدينة المنورة على المحب الطبري وغيره وبمكة على أبي الفتح المراغي وغيره ودرس وأفتى وأشير إليه ثم توجه في سنة إحدى وثمانين إلى القاهرة واستوطنها وانتفع به أهلها وارتفعت كلمته وعظمت هيبته ثم عاد إلى بيت المقدس وتولى بها عدة مدارس وقد استوفى ترجمته تلميذه صاحب الانس الجليل فيه ومن مصنفاته الاسعاد بشرح الارشاد لابن المقرىء والدرر اللومع بتحرير جمع الجوامع في الأصول والفرائد في حل شرح العقائد والمسامرة بشرح المسايرة وقطعة على تفسير البيضاوي وقطعة على المنهاج وقطعة على صفوة الزبد لشيخه ابن أرسلان وغير ذلك ومن شعره ما أنشده في بيت المقدس ( أحيى بقاع القدس ما هبت الصبا * فتلك رباع الأنس من معهد الصبا ) ( وما زلت من شوقي إليها مواصلا * سلامي على تلك المعاهد والربى ) وتوفي يوم الخميس خامس عشرى جمادى الآخرة عن أخويه شيخ الإسلام البرهاني وكان حينئذ بمصر والعلامة جلال الدين وكان عنده بالقدس وخلف دنيا طائلة وفيها شمس الدين أبو الفتح محمد بن محمد بن علي بن صالح العوفي يتصل نسبه بعبد الرحمن بن عوف أحد العشرة رضي الله عنهم الأسكندري المولد الأفاقي المنشأ العاتكي المزي الشافعي الصوفي المحدث الفقيه اللغوي المرشد ولد بالأسكندرية في أول محرم سنة ثمان عشرة وثمانمائة ولما حملت به والدته دخل والده الشيخ بدر الدين العوفي (8/30)

31 على الشيخ الإمام العارف بالله الشيخ عبد الرحمن الشبريسي وسأله لها الدعاء فقال له أن زوجتك آمنة معها ولدان أحدهما يموت بعد سبعة أيام والآخر يعيش زمنا طويلا وسمه بأبي الفتح وسيكون له فتح من الله تعالى وتوكل على الله وسيره إلى الله يعيش سعيدا ويموت شهيدا يخرج من الدنيا كيوم ولدته أمه يضع قدمه على جبل قاف المحيط يسوح زمانا وينال من الله أمانا فاستوص به خيرا واصبر عليه وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا فلما وضعته أمه كان الأمر كما قال الشيخ عبد الرحمن فصنع والده وليمة بعد تمام أربعين يوما من ولادته ودعا الشيخ عبد الرحمن وجماعة من الفقراء والصالحين وأضافهم فلما رفعوا السماط حمله أبوه ووضعه بين أيديهم فأخذه الشيخ عبد الرحمن وحنكه بتمرة مضغها وعصرها في فيه ثم طلب شيئا من العسل فأحضر له فلعق الشيخ ثلاث لعقات ثم ألعق المولود ثلاثا ثم وضعه بين يدي الفقراء وأمرهم فلعقوا منه ثم قرأ الفاتحة سبع مرات ثم قال لوالده ارفع هذا لأمه لا يشاركها فيه أحد ولا تخش على الولد المبارك فوالله إني لأرى روحه تجول حول العرش ثم خرج من ساعته وكان والد الشيخ أبي الفتح يقول ما بات الا بشبريس ذكر ذلك صاحب الترجمة في كتابه المسمى بالحجة الراجحة قال ثم أني رأيته يعني الشيخ عبد الرحمن بعد مدة فلما أقبلت عليه قبل بين عيني ونظر بعين لطفه إلي ثم لقنني الذكر وأخذ علي العهد ثم قال عش في أمان الله مؤيدا بالله هائما بالله فانيا عما سواه باقيا به أنت إمام زمانك وفريد أوانك مقدما على أقرانك مباركا على أحوالك رعاك الله حفظ الله أواك الله فرحين بما آتاهم الله من فضله الآية قال ثم ألبسني الخرقة الشريفة ثم قال أيامنا انقضت وساعاتنا انقرضت قال فلما تم لي سبع سنين لبستها من يد الشيخ الإمام الورع العارف أبي الحسن الدمنهوري الصوفي ومن يد الشيخ أبي إسحق إبراهيم الأتكاوي بلباسهما من الشبريسي ثم نشأ الشيخ أبو الفتح وطلب العلم (8/31)

والحديث وتفقه 32 بجماعة أولهم جده لأبيه القاضي نور الدين أبو الحسن علي وسمع الحديث علي ابن حجر والتقى الرسام وعائشة بنت عبد الهادي ومريم بنت أحمد الأذرعي والعز بن الفرات الحنفي وغيرهم وقرأ على الحافظ شمس الدين أبي الخير المقدسي الحموي صحيحي البخاري ومسلم وعوارف المعارف للسهروردي وكتاب ارتقاء الرتبة في اللباس والصحبة للقطب القسطلاني والسيرة لابن هشام وسنن ابن ماجه وجامع الترمذي ومسند الرافعي ومجالس من مسند ابن حيان ومن الموطأ وسنن أبي داود وغير ذلك وأجازه بجميع ما تجوز له روايته وألبسه خرقة التصوف أيضا ولبسها من جماعة متعددة قال في الكواكب السائرة وممن أخذ عن الشيخ أبي الفتح شيخ الإسلام الجد واستجازه لشيخ الإسلام الوالد وأحضره إليه وهو دون السنتين فلقنه الذكر وألبسه الخرقة وأجازه بكل ما تجوز له روايته والشيخ أبو المفاخر النعيمي وتلميذه الشيخ شمس الدين بن طولون والشيخ شمس الدين الوفائي وغيرهم وألف كتابا حافلا في اللغة وآخر سماه بالحجة الراجحة في سلوك المحجة الواضحة وآخر في آداب اللباس والصحبة وغير ذلك ومن شعره ( يا ناظرا منعما فيما جمعت وقد * أضحى يردد في أثنائه النظرا ) ( سألتك الله إن عاينت من خطأ * فاستر علي فخير الناس من سترا ) ومنه ( لم أنس مذ قالوا فلان لقد * أضحى كبير النفس ما أجهله ) ( فقلت لا أصل لهذا وقال * الناس لم يكبر سوى المزبله ) ومنه ( من كان حقا مع الرحمن كان معه * نعم ومن ضر فيه نفسه نفعه ) ( ومن تذلل للمولى فيرفعه * ومن يفرق فيه شمله جمعه ) وأخبرت عن شيخ الإسلام الوالد أنه كان يحكي عن شيخه الشيخ أبي (8/32)

33 الفتح المزي أنه ذكر عن بعض شيوخه بدمشق أنه قال له يوما تعال إلى عند صلاة العشاء فجاء إليه فصلى معه العشاء ثم خرج الشيخ المذكور وخرج معه أبو الفتح حتى كانا بالربوة خرج به من المكان المعروف بالمنشار وتعلقا بسفح قاسيون فلما أشرفا على الجبل قال الشيخ للشيخ أبي الفتح أنظر إلى هذه المشاعل وعدها واحفظ عددها ثم سار به على السفح حتى وصلا إلى مقام إبراهيم الخليل عليه السلام ببرزة فلما كانا هناك قال الشيخ لأبي الفتح كم عددت مشعلا قال ثمانمائة قال تلك أرواح الأنبياء المدفونين بهدا السفح المبارك عليهم الصلاة والسلام وتوفي الشيخ أبو الفتح ليلة الأحد ثامن عشر ذي الحجة بمحلة قصر الجنيد قرب الشويكة ودفن بالجانب الغربي في الأرض التي جعلت مقبرة وأضيفت لمقبرة الحمرية رحمه الله تعالى انتهى ملخصا وفيها القاضي جمال الدين محمد بن عبد السلام الناشري اليمنى الشافعي كان إماما عالما عاملا عابدا من عباد الله الصالحين وهو خاتم القضاة الناشريين بزبيد وتوفي بها ليلة الإثنين ثامن عشرى المحرم سنة سبع وتسعمائة فيها توفي أبو بكر بن عبد الله المعروف بفغيس اليمنى العلامة الفقيه الشافعي توفي بزبيد يوم الخميس تاسع عشر شوال ودفن بتربة المرجاني وفيها القاضي شهاب الدين أبو العباس أحمد بن حجي الحسباني الدمشقي الأطروش الشافعي ولد ليلة الأربعاء خامس ذي الحجة سنة ثمان عشرة وثمانمائة وسمع قبل طرشه على الحافظ ابن حجر والمسند علاء الدين بن بردس البعلي وغيرهما وأذن للنعيمي في الرواية عنه وأجازه بكل ما تجوز له روايته وتوفي يوم الأربعاء سابع رمضان ودفن بمقبرة باب الفراديس وفيها شهاب الدين أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الكريم النابلسي ثم (8/33)

34 الدمشقي الشهير بابن مكية الشافعي ولد سنة أربع وأربعين وثمانمائة واشتغل على الشمس بن حامد الصفدي وكان أول دخوله إلى دمشق سنة ست وتسعين فوعظ بها في جامع دمشق على كرسي ابن عبية وكان حاضرا إذ ذاك فتكلم المترجم على البسملة وأسماء الفاتحة ونقل كلام العلماء في ذلك فأحسن وصار من مشاهير الوعاظ بالجامع الأموي وتوفي بدمشق في آخر أيام التشريق ودفن عند قبر الشيخ إبراهيم الناجي غربي سيدنا معاوية رضي الله تعالى عنه بمقبرة باب الصغير وفيها شهاب الدين أحمد بن نور الدين علي بن شهاب الدين الشعراوي الشافعي والد الشيخ عبد الوهاب اشتغل في العلم على والده ووالده حمل العلم عن الحافظ ابن حجر والعلم صالح البلقيني والشرف يحيى المناوي وكان المترجم عالما صالحا فقيها نحويا مقرئا وله صوت شجي في قراءة القرآن يخشع القلب عند سماع تلاوته بحيث صلى خلفه القاضي كمال الدين الطويل فكاد أن يخر إلى الأرض من فرط الخشوع وقال له أنت لا يناسبك إلا إمامة جامع الأزهر وكان ماهرا في علم الفرائض وعلم الفلك وكان يعمل الدواير ويشد المناكيب وكان له شعر وقوة في الإنشاء وربما أنشأ الخطبة حال صعود المنبر وكان مع ذلك لا يخل بأمر معاشه من حرث وحصاد وغير ذلك وكان له توجه صادق في قضاء حوائج الناس ويشهد بينهم ويحسب ويكتب محتسبا في ذلك وكان يقوم كل ليلة بثلث القرآن أو بأكثر قال ولده الشيخ عبد الوهاب وقد كنت أقرأ عليه يوما في سورة الصافات فلما بلغت قوله تعالى ( ^ فاطلع فرآه في سواء الجحيم قال تالله إن كدت لتردين ) بكى حتى أغمي عليه وصار يتمرغ في الأرض كالطير المذبوح قال وصنف عدة مؤلفات في علم الحديث والنحو والأصول والمعاني والبيان فنهبت مؤلفاته كلها فلم يتغير وقال لقد ألفناها لله فلا علينا أن ينسبها الناس إلينا أم لا توفي في هذه (8/34)

35 السنة ودفن في بلدته بناحية ساقية أبي شعرة بزاويتهم إلى جانب قبر والده وفيها القاضي شهاب الدين أحمد ابن العلامة الوي المقرب جمال الدين محمد الطاهر بن أحمد جعمان قاضي مدينة حيس الشافعي كان إماما مفتيا مفننا صالحا توفي سحر ليلة الثلاثاء سلخ السنة ودفن ببيت الفقيه عند قبر أبيه وجده بوصية منه ولم يخلف بعده مثله في بني جعمان علما ومعرفة وفيها عماد الدين إسمعيل النحاس الشهير بالشويكي الشافعي ولد سنة ست وعشرين وثمانمائة وكانت وفاته في عشرى رمضان وفيها الشيخ الصالح حسن الحلبي الشافعي الشهير بالشيخ حسن الطحينة قرأ في الفقه على الشيخ عبد القادر الأبار الحلبي ثم صار من مريدي الشيخ موسى الأريحاوي وانقطع بالجامع الكبير بحلب بالرواق المعروف يومئذ بمصطبة الطحينة نحو أربعين سنة بحيث لا يتغير من مكانه صيفا ولا شتاء وحكيت عنه مكاشفات وهرع الناس إليه بالأموال وغيرها فيصرفها في وجوه الخير من عمل بعض الركايا واصلاح كثير من الطرقات وإزالة ما فيها وكان يخلط المآكل المنوعة إذا وضعت له فإذا قيل له في ذلك قال الكل يجري في مجرى واحد رحمه الله تعالى وفيها عفيف الدين عبد العليم بن أبي القسم بن إقبال القربتي نسبة إلى باب قربت باليمن أو إلى أبي قربتة جد الحنفي ولد سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة وكان إماما فقيها نبيها توفي بزبيد يوم الجمعة خامس ذي الحجة وفيها جمال الدين محمد بن بدير بن بدير المقرىء قال في النور السافر كانت إليه النهاية في القراءات السبع وتوفي ليلة الثلاثاء الثالث والعشرين من رجب عن تسعين سنة ممتعا بسمعه وبصره وعقله انتهى وفيهاجمال الدين محمد بن علي الطيب اليمني الحنفي إمام الحنفية بجامع زبيد كان إماما علامة فقيها توفي ليلة الأربعاء ثامن عشر شوال ودفن إلى جنب أبيه وأخيه بمقبرة باب سهام (8/35)

36 وفيها محب الدين محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن هشام النحوي المصري الحنفي نزيل دمشق ولد في جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين وثمانمائة وتفقه بالعلامة قاسم بن قطلوبغا والتقي الشمني وغيرهما وأخذ النحو عنهما والحديث عن ابن حجر وغيره وكان إماما علامة توفي بدمشق يوم السبت رابع القعدة ودفن بباب الصغير جوار مزار سيدي بلال الحبشي رضي الله تعالى عنه سنة ثمان وتسعمائة فيها حصل بمدينة عدن زلازل عظيمة تواترت ليلا ونهارا ووقع بها حريق عظيم احترقت فيه دور كثيرة بلغ عدتها تسعمائة بيت وذهب من الأموال والأنفس ما لا يعلمه إلا الله تعالى وفيها توفي الإمام أبو السعود قاضي مكة المشرفة قتله الشريف بركات وفيها برهان الدين أبو الطيب إبراهيم بن محمود بن أحمد بن حسن الأقصرائي الأصل القاهري الشافعي الحنفي المواهبي نسبة لتلميذه أبي المواهب التونسي قرأ طرفا من العلم على شيوخ عصره كالسخاوي وغيره وصحب الشيخ الكامل أبا الفتوح محمد الشهير بابن المغربي وأخذ عند التصوف ثم أخذ بإذنه عن الولي الكبير أبي المواهب محمد التونسي فعادت عليه بركات عوارفه وانهلت على قلبه أمطار ذوارفه وفتح الله له على يديه قال جار الله بن فهد أقول وقد جاور صاحب الترجمة بمكة سنة أربع وتسعمائة وأقام بها ثلاث سنين وألف بها شرحا على الحكم لابن عطاء الله سماه أحكام الحكم لشرح الحكم وشرح رسالته المسماة أصول مقدمات الوصول وشرح كلمات علي بن محمد وفا المعروف يا مولانا يا واحد يا أحد سماء شرح التمويل في بيان مشاهد يا مولانا يا واحد يا أحد وشرح الرسالة السنوسية في أصول الدين وله ديوان (8/36)

37 نظم وعدة رسائل وسبعة أحزاب ومؤلفات في الزيارات النبوية وغير ذلك وأخذ الناس عنه التصوف رحمه الله انتهى وتوفي ليلة الخميس ثامن عشرى جمادى الثانية وفيها شهاب الدين أحمد بن يوسف بن حميد الصفدي ثم الدمشقي الحنفي الشيخ المفيد الزاهد قال ابن طولون اشتغل وحصل بعد أن حفظ القرآن وكان له يد في القراآت والرسم وكتب عدة مصاحف والكشف الكبير المسمى بكشف الأسرار وهو شرح على كتاب أصول الفقه المنسوب إلى أبي الحسن علي بن محمد البزوري تصنيف الإمام عبد العزيز بن أحمد البخاري والكشف الصغير وهو شرح على المنار في أصول فقهنا كلاهما للزاهد حافظ الدين عبد الله بن أحمد النسفي قرأت عليه المختار والمنار والخلاصة الألفية وتلخيص المفتاح حفظا واستفدت منه أشياء وقطن بالسميساطية المعدة للعزبان إلى أن توفي في سادس رمضان ودفن بباب الصغير انتهى وفيها رضي الدين أبو بكر بن عمر البليما كان فقيها لغويا نحويا توفي ليلة الأربعاء الثالث من شوال بزبيد ودفن عند أخواله بني الناشري وفيها قاضي القضاة عماد الدين إسمعيل بن إبراهيم بن علي الناصري أخو محي الدين كبش العجم قال ابن طولون اشتغل على القاضي حميد الدين النعماني وغيره وتعانى الشهادة ثم ولي نيابة الحكم لابن قاضي عجلون ثم ولي قضاء دمشق مرات وفي آخرها أهين بالقاهرة ثم عاد إلى دمشق واستمر معزولا إلى أن مات بالمدرسة المعينية داخل دمشق وكانت سكنه يوم الخميس سابع عشرى ربيع الأول ودفن قرب قبر سيد بلال الحبشي بمقبرة باب الصغير انتهى وفيها القاضي بدر الدين حسن بن علي المنوفي المصري ثم الدمشقي المالكي الشهير بابن مشعل قال ابن طولون حدث بدمشق عن جماعة منهم الحافظ شمس الدين السخاوي وقرأت عليه في دار الحديث وغيرها قطعا من كتب وأربعينيات وأجزاء ومنه وصلت المسلسل بالمالكية سنة سبع وتسعمائة (8/37)

38 رحمه الله انتهى وفيها حميد الدين حمد الله بن أفضل الدين الحسيني الحنفي العالم العلامة قرأ على والده وكان والده عالما صالحا زاهدا قانعا صبورا وقرأ على غيره ثم خدم المولى يكان ثم ولي تدريس مدرسة السلطان مرادخان ببروسا وعزل عنها في أوائل دولة السلطان محمد خان فأتى القسطنطينة فبينما هو مار في طرقاتها لقي السلطان محمد وهو ماش مع عدة من غلمانه وكان ذلك عادته قال فعرفته ونزلت عن فرسي ووقفت فسلم علي وقال أنت ابن أفضل الدين قلت نعم قال احضر الديوان غدا قال فحضرت فلما دخل الوزراء عليه قال جاء ابن أفضل الدين قالوا نعم قال أعطيته مدرسة والدي السلطان مرادخان ببروسا وعينت له كل يوم خمسين درهما وطعاما يكفيه من مطبخ عمارته قال فلما دخلت عليه وقبلت يده أوصاني بالاشتغال بالعلم وقال أنا لا أغفل عنك ثم أعطاه السلطان محمد إحدى المدارس الثمانية ثم جعله قاضيا بالقسطنطينية ثم صار مفتيا بها في أيام السلطان أبي يزيد خان واستمر حتى مات وكان عالما كبيرا ذكر تلميذه المولى محي الدين الفناري أنه لم يجد مسألة شرعية أو عقلية إلا وهو يحفظها وهذه مبالغة وكان حليما صبورا لا يكاد يغضب حتى تحاكم إليه وهو قاض رجل وامرأة فحكم للرجل فاستطالت عليه المرأة وأساءت القول في حقه فلم يزدها على أن قال لا تتعبي نفسك حكم الله لا يغير وإن شئت أن أغضب عليك فلا تطعمي وله حواش مقبولة متداولة على شرح الطوالع للأصبهاني وحواش مقبولة أيضا على شرح المختصر للسيد الشريف وتوفي في هذه السنة وفيها خليل بن نور الله المعروف بمنلا خليل الشافعي نزيل حلب تلميذ منلا على القوشجي قطن حلب وأكب على القراءة عليه بها جماعة منهم الشمس السفيري وكتب على الفتوى وكان يختمها بخاتم له على طريقة الأعجام وكانت له مواعيد حسنة بالجامع الكبير وكان علامة ألف رسالة في المحبة ورسالة (8/38)

39 الفتوح في بيان ماهية النفس والروح ورسالة في بيان نكتة التثنية في قوله تعالى ( ^ رب المشرقين ورب المغربين ) مع الافراد في قوله ( ^ رب المشرق والمغرب ) والجمع في ( ^ رب المشارق والمغارب ) وتوفي بحلب وحمل سريره برسباي الجركسي كافل حلب ودفن خارج باب المقام وفيها سراج الدين عبد اللطيف بن محمد بن يحيى الجهمي صاحب قرية المصباح من أصاب كان معتمد أهل أصاب ومرجعهم وعالمهم وحاكمهم قرأ على الفقيه أبي بكر البليما والقاضي جمال الدين القماط وغيرهما وكان فقيها علامة صالحا توفي ليلة الأربعاء التاسع عشر من رجب ببلده قرية المصباح قاله في النور السافر وفيها القاضي فخر الدين عثمان بن يوسف الحموي ثم الدمشقي الشافعي ولد سنة أربع وأربعين وثمانمائة واشتغل بحل الحاوي الصغير على العلامة مفلح الحبشي وكان يحوكه ثم صار بوابا بالبدرائية ثم تعانى صنعة الشهادة بخدمة شرف الدين بن عيد الحنفي ثم فوض إليه نيابة الحكم القاضي شهاب الدين بن الفرفور وتوفي بدمشق يوم الإثنين ثامن عشر القعدة ودفن بمقبرة باب الفراديس سنة تسع وتسعمائة فيها توفي الشيخ الصالح العارف بالله تعالى أبو بكر بن عبد الله الشاذلي المعروف بالعيدوس مبتكر القهوة المتخذة من البن المجلوب من اليمن وكان أصل اتخاذه لها أنه مر في سياحته بشجر البن فاقتات من ثمره حين رآه متروكا مع كثرته فوجد فيه تجفيفا للدماغ واجتلابا للسهر وتنشيطا للعبادة فاتخذه قوتا وطعاما وشرابا وأرشد أتباعه إلى ذلك ثم انتشرت في اليمن ثم في بلاد الحجاز ثم في الشام ومصر ثم سائر البلاد واختلف العلماء في أوائل (8/39)

40 القرن العاشر في القهوة حتى ذهب إلى تحريمها جماعة منهم الشيخ شهاب الدين العيثاوي الشافعي والقطب بن سلطان الحنفي والشيخ أحمد بن عبد الحق السنباطي تبعا لأبيه والأكثرون ذهبوا إلى أنها مباحة قال النجم الغزي في الكواكب السائرة وقد انعقد الاجماع بعد من ذكرناه على ذلك وأما ما ينضم إليها من المحرمات فلا شبهة في تحريمه ولا يتعدى تحريمه إلى تحريمها حيث هي مباحة في نفسها قلت وقد ذكر أخوه العلامة الشيخ أبو الطيب الغزي في مؤلف له بخصوص القهوة أن ابتداء ظهورها كان في زمن سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام قال ما ملخصه كان سليمان صلى الله عليه وسلم إذا أراد سيرا إلى مكان ركب البساط هو ومن أحب من جماعته وظلتهم الطير وحملتهم الريح فإذا نزل مدينة خرج إليه أهلها طاعة له وتبركا به فنزل يوما مدينة فلم يخرج إليه أحد من أهلها فأرسل وزيره على الجن الدمرياط فرأى أهل المدينة يبكون قال ما يبكيكم قالوا نزل بنا نبي الله وملك الأرض ولم نخرج إلى لقائه قال ما منعكم من ذلك قالوا لأن بنا جميعا الداء الكبير وهو داء من شأنه أن يتطير منه وتنفر منه الطباع خوف العدوى فرجع وأخبر سليمان بذلك فدعا ابن خالته آصف بن برخيا الله تعالى باسمه الأعظم أن يعلم سليمان ما يكون سببا لبرئهم من ذلك فنزل جبريل على سليمان وأمره أن يأمر الجن أن تأتيه بثمر البن من بلاد اليمن وأن يحرقه ويطبخه بالماء ويسقيهم ففعل ذلك فشفاهم الله تعالى جميعا ثم تناسى أمرها إلى أن ظهرت في أوائل القرن العاشر انتهى ملخصا ثم قال النجم الغزي وأما مبتكرها صاحب الترجمة فإنه في حد ذاته من سادات الأولياء وأئمة العارفين وقد ألف كتابا في علم القوم سماه الجزء اللطيف في علم التحكيم الشريف وذكر فيه أنه لبس الخرقة الشاذلية من الشيخ الفقيه الصوفي العارف بالله تعالى جمال الدين محمد بن أحمد الدهماني المغربي القيراوي الطرابلسي المالكي في المحرم سنة أربع وتسعمائة (8/40)

41 كما لبسها من الشيخ إبراهيم بن محمود المواهبي بمكة في صفر سنة ثلاث وتسعمائة كما لبسها من شيخه الكامل محمد أبي الفتوح الشهير بابن المغربي كما لبسها من الشيخ أبي عبد الله محمد بن حسين بن علي التيمي الحنفي كما أخذ من الشيخ ناصر الدين بن الميلق الأسكندري الأصولي عن الشيخ تاج الدين بن عطاء الله الأسكندري عن الشيخ أبي العباس المرسي عن الشيخ أبي الحسن الشاذلي رضي الله تعالى عنهم انتهى بحروفه وفيها أبو الخير الكليباتي قال النجم الغزي الشيخ الصالح الولي المكاشف الغوث المجذوب كان رجلا قصيرا يعرج بإحدى رجليه وله عصا فيها جلق وخشاخيش وكان لا يفارق الكلاب في أي مجلس كان فيه حتى في الجامع والحمام وأنكر عليه شخص ذلك فقال رح وإلا جرسوك على ثور دائر مصر فشهد ذلك النهار زورا فجرسوه على ثور دائر مصر وأنكر عليه بعض القضاة ذلك فقال هم أولى بالجلوس في المسجد منك فإنهم لا يأكلون حراما ولا يشهدون زورا ولا يستغيبون أحدا ولا يدخرون عندهم شيئا من الدنيا ويأكلون الرمم التي تضر رائحتها الناس وكان كل من جاءه في ملمة يقول له اشتر لهذا الكلب رطل لحم شواء وهو يقضي حاجتك فيفعل فيذهب ذلك الكلب ويقضي تلك الحاجة قال الشعراوي أخبرني سيدي على الخواص أنهم لم يكونوا كلابا حقيقة وإنما كانوا جنا سخرهم الله تعالى له يقضون حوائج الناس وقال الحمصي بعد ترجمته بالقطب الغوق كان صالحا مكاشفا وظهرت له كرامات دلت على ولايته وكان يصحو تارة ويغيب أخرى وكان يسعى له الأمراء والأكابر فلا يلتفت إليهم وتوفي في ثالث جمادى الآخرة وحمل جنازته القضاة والأمراء ودفن بالقرب من جامع الحاكم بالقاهرة وبنى عليه عمارة وقبة وفيها شهاب الدين أحمد بن شقير المغربي التونسي المالكي النحوي الإمام العلامة المحقق المتقن الفهامة (8/41)

42 المعروف بابن شقير وربما عرف بشقير نزيل القاهرة قال النجم الغزي عده شيخ الإسلام الجد ممن اصطحب بهم من أولياء الله تعالى من العلماء وهو من مشاهير المحققين من علماء القاهرة أخذ عنه السيد عبد الرحيم العباسي وغيره وتوفي يوم الإثنين سادس القعدة بمصر وفيها شهاب الدين أحمد بن محمد العالم الزاهد المعروف بإمام الكاملية توفي بالقدس الشريف في هذه السنة وفيها المولى أمر الله بن محمد بن حمزة الشيخ العارف بالله تعالى المعروف باق شمس الدين الدمشقي الأصل الرومي المولد والمنشأ الحنفي قرأ على علماء عصره ثم اتصل بخدمة الخيالي ولما توفي والده أخذت أوقافه من يده فجاء شاكيا إلى السلطان محمد خان فعوضه الوزير محمد باشا القرماني عن أوقاف والده بتولية أوقاف الأمير البخاري بمدينة بروسا وصار متوليا على أوقاف السلطان مراد خان بها أيضا ثم ابتلي بمرض النقرس واختلت منه رجلاه وإحدى يديه وأقعد سنين كثيرة حتى مات وأعطى تقاعدا وكان يبكي ويقول ما أصابتني البلية إلا بترك وصية والدي فإنه كان يوصي أولاده أن لا يقبلوا منصب القضاء والتولية وفيها غرس الدين خليل القاضي الأوسي الرملي الشافعي العالم قاضي الرملة المعروف بابن المدققة توفي بالقاهرة يوم الجمعة خامس شوال وفيها زين الدين المقدسي الأصل الدمشقي عبد الرزاق بن أحمد بن أحمد بن محمود بن موسى المعروف جده أحمد بالعجيمي وجده الأعلى موسى بالتركماني كان إماما فاضلا مقرئا مجودا شافعيا ولد في سادس عشر جمادى الآخرة سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة وأخذ القراآت وغيرها عن والده وغيره وتوفي بدمشق ودفن بمقبرة المزرع المعروف الآن بالجورة عند ميدان الحصى عند أخيه الشيخ إبراهيم القدسي رحمه الله وفيها عفيف الدين عبد المجيد بن عبد العليم إقبال المعروف بالقربتي الحنفي (8/42)

43 قال في النور السافر كان إماما فقيها علامة صالحا رأس المفتين بمدينة زبيد توفي بها يوم الإثنين الرابع والعشرين من شهر رمضان انتهى وفيها علاء الدين علي البكاي الرومي الحنفي قرأ على علماء عصره وصار مدرسا ببعض مدارس الروم ثم درس في سلطانية بروسا ثم بإحدى الثمان ثم نصب مفتيا ببروسا وكان عالما سليم الطبع شديد الذكاء انتفع به كثيرون وتوفي في هذه السنة وقيل في تاريخه وحيد مات مرحوما سعيدا وفيها الشيخ الإمام العلامة يس الشافعي شيخ المدرسة البيبرسية توفي في سادس عشرى ذي الحجة واستقر عوضه في المشيخة العلامة كمال الدين الطويل وفيها جمال الدين يوسف بن حسن بن أحمد بن عبد الهادي الشهير بابن المبرد الصالحي الحنبلي ولد سنة أربعين وثمانمائة وقرأ على الشيخ أحمد المصري الحنبلي والشيخ محمد والشيخ عمر العسكريين وصلى بالقرآن ثلاث مرات وقرأ المقنع على الشيخ تقي الدين الجراعي والشيخ تقي الدين بن قندس والقاضي علاء الدين المرداوي وحضر دروس خلائق منهم القاضي برهان الدين بن مفلح والبرهان الزرعي وأخذ الحديث عن خلائق من أصحاب ابن حجر وابن العراقي وابن البالسي والجمال بن الحرستاني والصلاح بن أبي عمر وابن ناصر الدين وغيرهم وكان إماما علامة يغلب عليه علم الحديث والفقه ويشارك في النحو والتصريف والتصوف والتفسير وله مؤلفات كثيرة وغالبها أجزاء ودرس وأفتى وألف تلميذه شمس الدين بن طولون في ترجمته مؤلفا ضخما وتوفي يوم الإثنين سادس عشر المحرم ودفن بسفح قاسيون وفيها شمس الدين محمد بن عبد الكافي المصري الخطيب بجامع القلعة الشهير بالدمياطي قال الشعراوي كان يقضي خارج باب القوس والناس يقرأون عليه العلم وكان لا يأخذ على القضاء أجرا وكان طويلا سمينا جدا ومع ذلك يتوضأ لكل صلاة من الخمس قال وما سمعته مدة قراءتي عليه يذكر (8/43)

44 أحدا من أقرانه الذين يرون نفوسهم عليه إلا بخير وكان كثير الصمت كثير الصيام طالبا للهزال فيزيد سمنه حلو المنطق حلو المعاشرة كريم النفس انتهى توفي بالقاهرة في ثاني عشر جمادى الآخرة ودفن بالقرافة وفيها قاضي القضاة محب الدين أبو الفضل محمد بن علي بن أحمد بن جلال بن عثمان بن عبد الرحمن المعروف بابن القصيف الدمشقي الحنفي ولد سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة بمنزلة ذات حج من درب الحجاز وحفظ القرآن العظيم والمختار وعدة كتب واشتغل وبرع وأفتى ودرس بالمدرسة القصاعية عدة سنين وسمع الحديث على أبي الفتح المدني والتقي بن فهد وغيرهما وصنف كتاب دليل المحتار إلى مشكلات المختار ولم يتم وولي قضاء الشام مرات قال ابن طولون وظلم نفسه بأمور سامحه الله فيها وتوفي يوم الخميس سادس ربيع الأول وفيها شمس الدين محمد بن شرف الدين موسى بن عيسى العجلوني الدمشقي الصالحي الشافعي ولد بالصالحية سنة ثمان وأربعين وثمانمائة وكان عالما صالحا توفي يوم الخميس ثاني ربيع الأول ودفن بمسكنه بزاوية محمد الخوام الشهير بالقادري بالصالحية وفيها ولي الدين محمد بن محمد الشيخ الفاضل ابن الشيخ العالم محب الدين المحرقي المباشر بالبيمارستان المنصوري بالقاهرة توفي بها في هذه السنة ختام ربيع الأول وفيها أقضى القضاة ولي الدين محمد بن فتح الدين محمد النحريري المصري المالكي الإمام العلامة توفي سابع ربيع الأول بالقاهرة ودفن بالصحراء سنة عشر وتسعمائة فيها حصل بمدينة زبيد ومدينة زيلغ زلزلة عظيمة شديدة هائلة وقع منها دور وخرج أهل زيلع إلى الصحراء خوفا وفيها انقض كوكب (8/44)

45 عظيم وقت العشاء من اليمن في الشام وتشظى منه شطايا عظيمة ثم حصل بعده هدة عظيمة وفيها وجد بمدينة عدن كنز ذهب وبقرية هقدة بين مدينتي عدن وموزع كنز آخر من ذهب أعظم من الأول كان بها مسجد قد خرب فأراد رجل عمارته فوجد الحفارون في الأساس الكنز شخوصا من ذهب مضروبة بسكة لا تشبه سكة الإسلام وزن كل شخص ربع وقية وفيها توفي العلامة شهاب الدين أحمد بن يحيى بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عمر بن حسين الشهير بابن المهندس الشيرازي الأصل الدمشقي العاتكي الشافعي ولد سنة أربع وثلاثين وثمانمائة قال النعيمي رافقناه على جماعة من العلماء ثم انتهى إليه الأتقان في كتابه الوثائق والتواقيع حتى صار أكبر من يشار إليه في ذلك وكان عالما مورقا متقنا توفي ليلة الخميس سادس عشرى رجب وفيها قاضي القضاة عفيف الدين أبو الطيب حسين بن محمد بن محمد القاضي ابن القاضي ابن القاضي ابن الشحنة الحنفي وقيل الشافعي ولد سنة ثمان وخمسين وثمانمائة وحصل بالقاهرة طرفا من العلم وأخذ البخاري عن الشهاب الشاوي المصري الحنفي الصوفي وهو خاتمة من يروي عن ابن أبي المجد الخطيب الدمشقي وقرأ شرح جمع الجوامع للمحلى بحلب على العلامة المنلا درويش الخوارزمي قراءة تحقيق وتدقيق وولي قضاء حلب وكتابة السر بها وتوفي بالقاهرة مطعونا يوم الثلاثاء حادي عشرى شوال وفيها السلطان العادل عبد الله بن جعفر الكثيري سلطان الشحر من بلاد اليمن كان عادلا مشهورا بأفعال الخير وإقامة الشرع سيرته من أحمد السير وأحسنها توفي بالشحر يوم الأحد سلخ المحرم وفيها شمس الدين عبد الله بن محمد السبتي المالكي قاضي المالكية بصفد وابن قاضيها ولد سنة إحدى وأربعين وثمانمائة وكان إماما علامة وتوفي بصفد يوم الأربعاء ثامن عشر رجب وفيها الحافظ تقي الدين عبد الرحيم بن الشيخ محب الدين (8/45)

46 محمد الأوجاقي المصري الشافعي قرأ القرآن على والده وسمع منه وأخذ عنه العلوم الشرعية وغيرها وقرأ على خلائق منهم العلامة ابن حجر والولي بن العراقي والشمس القاياتي وصالح البلقيني ولازم الشرف المناوي في المنهاج والتنبيه والبهجة وغيرها قال وهو آخر شيخ قرأت عليه العلوم الشرعية وسمع من مسندي عصره وروى صحيح البخاري عن جمع كثير يزيد عددهم على مائة وعشرين نفسا ما بين قراءة وسماع ومناولة لجميعه مقرونة بالإجازة ولبس الخرقة القادرية من جماعة وكان إماما علامة مسندا رحلة حافظا حجة ناقدا ومن شعره ( تقول نفسي أتخشي * من هول ذنب عظيم ) ( لا تختشي من عقاب * وأنت عبد الرحيم ) ومنه ( يا راحمي ورحيمي * ومانحي كل نعمه ) ( ابن الوقاجي عبد * مراده منك رحمة ) ومنه ( إذا كنت الرحيم فلست أخشى * وإن قالوا عذاب النار يحمي ) ( وكم عبد كثير الذنب مثلي * بفضلك من عذاب النار يحمي ) وقال في مرضه الذي مات فيه ( لما مرضت من الذنوب وثقلها * وأيست من طب الطبيب النافع ) ( علقت أطماعي برحمة سيدي * وأتيته متوسلا بالشافعي ) وتوفي بالقاهرة يوم الإثنين ثاني أو ثالث جمادى الآخرة وفيها تقي الدين عبد السلام بن القاضي محمد بن عبد السلام الناشري الشافعي الفقيه الصالح توفي بمدينة زبيد ضحى يوم الخميس العشرين من ذي القعدة وفيها محي الدين عبد القادر بن محمد بن عمر بن عيسى بن سابق بن هلال بن يونس بن يوسف بن جابر بن إبراهيم (8/46)

47 ابن مساعد المزي ثم الصالحي الحنبلي المعروف بابن الرجيحي وجده الأعلى الشيخ يونس هو العارف بالله تعالى شيخ الطائفة اليونسية ولد صاحب الترجمة في ثاني عضر ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة وحفظ القرآن العظيم والخرقي واشتغل في العلم ثم تصوف ولبس الخرقة من جماعة منهم والده والعلامة أبو العزم المقدسي نزيل القاهرة والشيخ أبو الفتح الأسكندري ولازمه كثيرا وانتفع به وأخذ عنه الحديث وقرأ عليه الترغيب والترهيب للمنذري كاملا وقرأ عليه غير ذلك وسمع منه وعليه أشياء كثيرة وناب في الحكم عن النجم بن مفلح وكانت سيرته حسنة وسكن آخرا بالسهم الأعلى من الصالحية وبنى به زاوية وحماما وسكنا وكان من كبار العارفين بالله تعالى وتوفي ليلة الخميس رابع عشر المحرم ودفن بسفح قاسيون عند صفة الدعاء وفيها علاء الدين علي بن السيد ناصر الدين أبي بكر الشهير بابن نقيب الأشراف بدمشق الحنفي الدمشقي ولد في نصف شوال سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة وهو اليوم الذي ولد فيه قاضي القضاة شهاب الدين بن الفرفور وكان إماما علامة توفي ليلة الإثنين رابع عشر ذي الحجة ودفن بتربتهم لصيق مسجد الذبان بدمشق ومات في أوائل هذه السنة شهاب الدين بن الفرفور المذكور وفيها علاء الدين علي بن أحمد بن عربشاه الإمام العالم أخو قاضي القضاة بدمشق تاج الدين عبد الوهاب بن عربشاه وأخو بدر الدين حسن أحد الشهود المعتبرين بدمشق ولد سنة ثمان وأربعين وثمانمائة وتوفي يوم الثلاثاء حادي عشر شوال ودفن بالروضة بسفح قاسيون وفيها زين الدين عمر الشيخ العلامة الأبشيمي الشافعي قاضي قلعة الجبل بالقاهرة كان له فضيلة تامة وتوفي يوم السبت ثاني عشر شعبان قاله النجم (8/47)

48 الغزي وفيها أقضى القضاة زين الدين محمد بن عبد الغني الشيخ العلامة الشهير بابن تقي المالكي المصري قال الحمصي كان شابا عالما صالحا توفي في حادي عشري المحرم ودفن بالقرافة وفيها قاضي القضاة بهاء الدين محمد بن محمد بن قدامة المقدسي الصالحية ثم المصري الحنبلي ولد في ربيع الأول سنة ثلاثين وثمانمائة واشتغل في العلم وحصل وبرع وأفتى ودرس ثم ولي قضاء الحنابلة بالشام فلم تحمد سيرته لكن كان عنده حشمة وتوفي يوم الجمعة عاشر ربيع الآخر وصلى عليه بجامع الحنابلة بسفح قاسيون ودفن بالروضة وفيها بهاء الدين محمد بن قاضي القضاة جمال الدين يوسف بن أحمد الباعوني الشافعي ولد سنة سبع أو تسع وخمسين وثمانمائة بصالحية دمشق وقرأ القرآن العظيم وحفظ المنهاج وأخذ عن البرهان الباعوني والبرهان بن مفلح والبرهان المقدسي الأنصاري والبرهان الأذرعي وولده شهاب الدين وغيرهم وغلب عليه الأدب وجمع عدة دواوين وكان قليل الفقه وتوفي ليلة السبت حادي عشر شهر رمضان المعظم قاله النجم الغزي وفيها إمام الزيدية محمد بن علي إمام أهل البدعة ورئيسهم قال في النور السافر أسر في جمع عظيم أمره السلطان عامر بن عبد الوهاب في وقعة عظيمة على باب صنعاء اليمن وتوفي أسيرا في يوم الجمعة رابع عشر ذي الحجة بمدينة صنعاء سنة إحدى عشرة وتسعمائة فيها كما قال في النور السافر حصل بمدينة زبيد وسائر جهاتها ريح شديدة اقتلعت أشجارا كثيرة وكسرتها وهدمت بعض البيوت وفيها توفي بامخرمة أحمد بن عبد الله بن أحمد اليمني ولد بعدن بعد وقت طلوع فجر يوم (8/48)

49 الأربعاء أول يوم من صفر سنة ست وستين وثمانمائة وأخذ عن والده وبرع في الفقه وغيره من العلوم لا سيما الفرائض والحساب فإنه لم يكن له فيهما نظير حتى أن والده مع تمكنه من هذين الفنين كان يقول هو أمهر مني فيهما وكان يحفظ جامع المختصرات في الفقه وممن أخذ عنه من الأئمة الأعيان الفقيه العلامة محمد بن عمر باقضام وانتفع به كثيرا توفي عشية الجمعة عاشر جمادى الآخرة وفيها قاضي القضاة شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمود بن عبد الله بن محمود الشهير بابن الفرفور الدمشقي الشافعي ولد في نصف شوال سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة وأخذ عن البرهان الباعوني وأبي الفرج بن الشيخ خليل والنجم بن قاضي عجلون والشمس محمد بن محمد السعدي وأبي المحاسن بن شاهين وغيرهم وبرع وتميز على أقرانه وكان جامعا بين العلم والرياسة والكرم وحسن العشرة بحيث أن الحمصي قال أنه ختام رؤساء الدنيا على الإطلاق وسلطان الفقهاء والرؤساء ولي قضاء قضاة الشافعية بدمشق ثم جمع له بينه وبين قضاء مصر يوم الخميس رابع ربيع الأول سنة عشر وتسعمائة وأبيح له أن يستنيب في قضاء دمشق من يختار فعين ولده القاضي ولي الدين واستمرت عليه هاتان الوظيفتان إلى أن مات وكان له شعر متوسط منه قصيدته التي مدح به سلطان مصر الأشرف قانصوه الغوري التي مطلعها ( لك الملك بالفتح المبين مخلد * لأنك بالنصر العزيز مؤيد ) ( وأنت العزيز الظاهر الكامل الذي * هو الأشرف الغوري وهو المسدد ) ( تملكته والسيف كاللحظ هاجع * بأجفانه والرمح هاد ممدد ) وهي طويلة فلما وقف عليها لسلطان الغوري ابتهج بها وقرأها بنفسه على من حضر وكافأه عنها بقصيدة من نظمه وجهزها إليه مطلعها ( أجاد لنا القاضي ابن فرفور أحمد * مديحا به أثنى عليه وأحمد ) (8/49)

50 ومنها ( وقاضي قضاة الشام جاء يزورنا * ويثبت دعوى حبنا ويؤكد ) وهي طويلة أيضا وأقرب إلى الحسن من الأولى ومدح المترجم علاء الدين ابن مليك وغيره وتوفي بالقاهرة في سابع جمادى الآخرة قال الحمصي ضرع في وضوء صلاة الصبح فتوفي وهو يتوضأ وكان مستسقيا وحمل تابوته الأمراء وكانت جنازته حافلة ودفن بالقرافة بالقرب من الإمام الشافعي رضي الله عنه وفيها أم الهنا بنت محمد الشيخة المباركة الصالحة بنت القاضي ناصر الدين البدراني المصرية قال الحمصي كانت فاضلة ولها رواية في الحديث وتوفيت بالقاهرة في ثامن جمادى الأولى وفيها نور الدين أبو الحسن علي بن القاضي عفيف الدين عبد الله بن أحمد بن علي بن عيسى بن محمد بن عيسى بن محمد بن عيسى بن جلال الدين أبي العلياء بن أبي الفضل جعفر بن علي بن أبي الطاهر بن الحسن بن أحمد بن محمد بن الحسن بن محمد بن حسن بن محمد بن إسحق بن محمد بن سليمان بن داود بن الحسن المثنى ابن الحسن الأكبر بن علي بن أبي طالب الحسني ويعرف بالسمهودي نزيل المدينة المنورة وعالمها ومفتيها ومدرسها ومؤرخها الشافعي الإمام القدوة الحجة المفنن ولد في صفر سنة أربع وأربعين وثمانمائة بسمهود ونشأ بها وحفظ القرآن والمنهاج الفرعي وكتبا ولازم والده حتى قرأه عليه بحثا مع شرحه للمحلى وشرح البهجة وجمع الجوامع وغالب ألفية ابن مالك وسمع عليه بعض كتب الحديث وقدم القاهرة معه غير مرة ولازم الشمس الجوجري في الفقه وأصوله والعربية وقرأ على الجلال المحلى بعض شرحيه على المنهاج وجمع الجوامع ولازم الشرف المناوي وقرأ عليه الكثير وألبسه خرقة التصوف وقرأ على النجم بن قاضي عجلون تصحيحه للمنهاج وعلى الشمس البامي تقاسيم المنهاج وغيره وعلى الشيخ زكريا في الفقه والفرائض وعلى السعد الديري وأذن له (8/50)

51 في التدريس هو واليامي والجوجري وقرأ على من لا يحصى ما لا يحصى قال السخاوي وسمع مني مصنفي الابتهاج وغيره وكان على خير كثير وقطن بالمدينة المنورة من سنة ثلاث وسبعين ولازم فيها الشهاب الأبشيطي وقرأ عليه تصانيفه وغيرها وأذن له في التدريس وأكثر من السماع هناك على أبي الفرج المراغي وسمع بمكة من كمالية بنت النجم المرجاني وشقيقها الكمال والنجم عمر بن فهد في آخرين وانتفع به جماعة الطلبة في الحرمين وألف عدة تآليف منها جواهر العقدين في فضل الشرفين واقتفاء الوفا بأخبار دار المصطفى احترق قبل تمامه ومختصر الوفا ومختصر خلاصة الوفا لما يجب لحضرة المصطفى وحاشية على الإيضاح في مناسك الحج للإمام النووي سماها الإفصاح وكذا على الروضة وسماها أمنية المعتنين بروضة الطالبين وصل فيها إلى باب الربا وجمع فتاويه في مجلد وهي مفيدة جدا وحصل كتبا نفيسة احترقت كلها وهو بمكة في سنة ست وثمانين وزار بيت المقدس وعاد إلى المدينة مستوطنا وتزوج بها عدة زوجات ثم اقتصر على السراري وملك الدور وعمرها قال السخاوي قل أن يكون أحد من أهلها لم يقرأ عليه وبالجملة فهو إمام مفنن متميز في الأصلين والفقه مديم العلم والجمع والتأليف متوجه للعبادة والمباحثة والمناظرة قوي الجلادة طلق العبارة مع قوة يقين وعلى كل حال فهو فريد في مجموعه انتهى وتوفي بالمدينة النبوية يوم الخميس ثامن عشر ذي القعدة وفيها الحافظ جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمن ابن أبي بكر بن محمد بن ساق الدين أبي بكر بن عثمان بن محمد بن خضر بن أيوب بن محمد بن الشيخ همام الدين الخضيري السيوطي الشافعي المسند المحقق المدقق صاحب المؤلفات الفائقة النافعة ولد بعد مغرب ليلة الأحد مستهل رجب سنة تسع وأربعين وثمانمائة وعرض محافيظه على العز الكناني الحنبلي فقال له ما كنيتك فقال لا كنية لي فقال أبو الفضل وكتبه بخطه وتوفي والده وله (8/51)

52 من العمر خمس سنوات وسبعة أشهر وقد وصل في القرآن إذ ذاك إلى سورة التحريم وأسند وصايته إلى جماعة منهم الكمال بن الهمام فقرره في وظيفة الشيخونية ولحظه بنظره وختم القرآن العظيم وله من العمر دون ثمان سنين ثم حفظ عمدة الأحكام ومنهاج النووي وألفية ابن مالك ومنهاج البيضاوي وعرض ذلك على علماء عصره وأجازوه وأخذ عن الجلال المحلى والزين العقبي وأحضره والده مجلس الحافظ ابن حجر وشرع في الاشتغال بالعلم من ابتداء ربيع الأول سنة أربع وستين وثمانمائة فقرأ على الشمس السيرامي صحيح مسلم إلا قليلا منه والشفا وألفية ابن مالك فما أتمها إلا وقد صنف وأجازه بالعربية وقرأ عليه قطعة من التسهيل وسمع عليه الكثير من ابن المصنف والتوضيح وشرح الشذور والمغنى في أصول فقه الحنفية وشرح العقائد للتفتازاني وقرأ على الشمس المرزباني الحنفي الكافية وشرحها للمصنف ومقدمة ايساغوجي وشرحها للكاتي وسمع عليه من المتوسط والشافية وشرحها للجاربردي ومن ألفية العراقي ولزمه حتى مات سنة سبع وستين وقرأ في الفرائض والحساب على علامة زمانه الشهاب الشارمساحي ثم دروس العلم البلقيني من شوال سنة خمس وستين فقرأ عليه ما لا يحصى كثرة ولزم أيضا الشرف المناوي إلى أن مات وقرأ عليه ما لا يحصى ولزم دروس محقق الديار المصرية سيف الدين محمد بن محمد الحنفي ودروس العلامة التقي الشمني ودروس الكافيجي وقرأ على العز الكناني وفي الميقات على مجد الدين ابن السباع والعز بن محمد الميقاتي وفي الطب على محمد بن إبراهيم الدواني لما قدم القاهرة من الروم وقرأ على التقي الحصكفي والشمس البابي وغيرهم وأجيز بالافتاء والتدريس وقد ذكر تلميذه الداودي في ترجمته أسماء شيوخه (8/52)

53 إجازة وقراءة وسماعا مرتبين على حروف المعجم فبلغت عدتهم أحدا وخمسين نفسا واستقصى أيضا مؤلفاته الحافلة الكثيرة الكاملة الجامعة النافعة المتقنة المحررة المعتمدة المعتبرة فنافت عدتها على خمسمائة مؤلف وشهرتها تغني عن ذكرها وقد اشتهر أكثر مصنفاته في حياته في أقطار الأرض شرقا وغربا وكان آية كبرى في سرعة التأليف حتى قال تلميذه الداودي عاينت الشيخ وقد كتب في يوم واحد ثلاثة كراريس تأليفا وتحريرا وكان مع ذلك يملي الحديث ويجيب عن المتعارض منه بأجوبة حسنة وكان أعلم أهل زمانه بعلم الحديث وفنونه رجالا وغريبا ومتنا وسندا واستنباطا للأحكام منه وأخبر عن نفسه أنه يحفظ مائتي ألف حديث قال ولو وجدت أكثر لحفظته قال ولعله لا يوجد على وجه الأرض الآن أكثر من ذلك ولما بلغ أربعين سنة أخذ في التجرد للعبادة والانقطاع إلى الله تعالى والاشتغال به صرفا والاعراض عن الدنيا وأهلها كأنه لم يعرف أحدا منهم وشرع في تحرير مؤلفاته وترك الافتاء والتدريس واعتذر عن ذلك في مؤلف سماه بالتنفيس وأقام في روضة المقياس فلم يتحول منها إلى أن مات ولم يفتح طاقات بيته التي على النيل من سكناه وكان الأمراء والأغنياء يأتون إلى زيارته ويعرضون عليه الأموال النفيسة فيردها وأهدى إليه الغوري خصيفا وألف دينار فرد الألف وأخذ الخصى فأعتقه وجعله خادما في الحجرة النبوية وقال لقاصد السلطان لا تعد تأتينا بهدية قط فإن الله تعالى أغناها عن مثل ذلك وطلبه السلطان مرارا فلم يحضر إليه ورؤى النبي في المنام والشيخ السيوطي يسأله عن بعض الأحاديث والنبي يقول له هات يا شيخ السنة ورأى هو بنفسه هذه الرؤيا والنبي يقول له هات يا شيخ الحديث وذكر الشيخ عبد القادر الشاذلي في كتاب ترجمته أنه كان يقول رأيت النبي يقظة فقال لي يا شيخ الحديث فقلت له يا رسول الله أمن أهل الجنة أنا (8/53)

54 قال نعم فقلت من غير عذاب يسبق فقال لك ذلك وقال الشيخ عبد القادر قلت له كم رأيت النبي يقظة فقال بضعا وسبعين مرة وذكر خادم الشيخ السيوطي محمد بن علي الحباك أن الشيخ قال له يوما وقت القيلولة وهو عند زاوية الشيخ عبد الله الجيوشي بمصر بالقرافة أتريد أن تصلي العصر بمكة بشرط أن تكتم ذلك على حتى أموت قال فقلت نعم قال فأخذ بيدي وقال غمض عينيك فغمضتهما فرحل بي نحو سبع وعشرين خطوة ثم قال لي افتح عينيك فإذا نحن بباب المعلاة فزرنا أمنا خديجة والفضيل بن عياض وسفين ابن عيينة وغيرهم ودخلت الحرم فطفنا وشربنا من ماء زمزم وجلسنا خلف المقام حتى صلينا العصر وطفنا وشربنا من زمزم ثم قال لي يا فلان ليس العجب من طي الأرض لنا وإنما العجب من كون أحد من أهل مصر المجاورين لم يعرفنا ثم قال لي إن شئت تمضي معي وإن شئت تقيم حتى يأتي الحاج قال فقلت اذهب مع سيدي فمشينا إلى باب المعلاة وقال لي غمض عينيك فغمضتهما فهرول بي سبع خطوات ثم قال لي افتح عينيك فإذا نحن بالقرب من الجيوشي فنزلنا إلى سيدي عمر بن الفارض وذكر الشعراوي عن الشيخ أمين الدين النجار إمام جامع الغمري أن الشيخ أخبره بدخول ابن عثمان مصر قبل أن يموت وأنه يدخلها في افتتاح سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة وأخبره أيضا بأمور أخرى فكان الأمر كما قال ومناقبه لا تحصر كثرة ولو لم يكن له من الكرامات إلا كثرة المؤلفات مع تحريرها وتدقيقها لكفى ذلك شاهدا لمن يؤمن بالقدرة وله شعر كثير جيده كثير ومتوسطه أكثر وغالبه في الفوائد العلمية والأحكام الشرعية فمه وأجاد فيه ( فوض أحاديث الصفات * ولا تشبه أو تعطل ) ( الا رمت إلا الخوض في * تحقيق معضله فأول ) ( إن المفوض سالم * مما تكلفه المؤول ) (8/54)

55 وقال ( حدثنا شيخنا الكناني * عن أبه صاحب الخطاب ) ( أسرع أخا العلم في ثلاث * الأكل والمشي والكتابة ) وقال ( عاب الاملاء للحديث رجال * قد سعوا في الضلال سعيا حثيثا ) ( إنما ينكر الأمالي قوم * لا يكادون يفقهون حديثا ) وقال ( لم لا نرجى العفو من ربنا * وكيف لا نطمع في حلمه ) ( وفي الصحيحين أتى أنه * بعبده أرحم من أمه ) وتوفي في سحر ليلة الجمعة تاسع عشر جمادى الأولى في منزله بروضة المقياس بعد أن تمرض سبعة أيام بورم شديد في ذراعه الأيسر عن إحدى وستين سنة وعشرة أشهر وثمانية عشر يوما ودفن في حوش قوصون خارج باب القرافة وفيها علاء الدين علي بن أحمد الإمام العلامة الحنفي نقيب أشراف دمشق كان عالما مفننا ذكيا بارعا في العلوم العقلية والنقلية توفي يوم الإثنين سادس عشرى ذي القعدة وفيها الشيخ العارفي بالله تعالى الصوفي محمد بن سلامة الهمذاني الشافعي قال الحمصي ضرب بالمقارع إلى أن مات بسبب أنه تزود بامرأة خنثى واضح ودخل بها وأزال بكارتها وكان لها ابن عم مغربي أراد أن يتزوجها فلم تقبل عليه فذهب إلى رأس نوبة الأمير طرباي واشتكى عليهما فأحضرهما وضربهما بالمقارع وجرسهما على ثورين وأشهرهما في القاهرة فما وصل إلى باب المقشرة حتى مات ولم يسأل عنه ولا حول ولا قوة إلا بالله قال وتأسف الناس عليه كثيرا وكان موته في حادي عشر شهر رمضان رحمه الله تعالى وفيها شمس الدين محمد بن محمد بن أبي بكر الشيخ العلامة الموقت التيزيني الدمشقي الحنفي ولد في رجب (8/55)

56 سنة ثمان وعشرين وثمانمائة وكان عنده عقل وتؤدة وحسن تصرف وكان رئيس الموقتين بالجامع الأموي وتوفي يوم السبت ثالث صفر وفيها شمس الدين محمد بن مصطفى بن الحاج حسن المولى الفاضل الرومي الحنفي قرأ على علماء عصره واتصل بخدمة المولى يكان وولي التدريس والولايات وتنقلت به الأحوال إلى أن ولاه السلطان محمد بن عثمان قضاء العسكر الأناضولية ولما تولى السلطان أبو يزيد أقره في منصبه ثم جعله قاضيا بالعساكر الروميلية وبقي فيه حتى توفي قال في الشقائق وكان رجلا طويلا عظيم اللحية طلق الوجه محبا للمشايخ بحرا في العلوم محبا للعلم والعلماء ألف حاشية على سورة الأنعام من تفسير القاضي البيضاوي وحاشية على المقدمات الأربع في التوضيح وكتابا في الصرف سماه ميزان التصريف وكتابا في اللغة جمع فيه غرائب اللغات ولم يتم وبنى مدرسة بالقسطنطينية ومسجدا ودارا للتعليم وبها دفن وقد جاوز التسعين وفيها جمال الدين يوسف الحمامي المصري المالكي القاضي الإمام العلامة قال الحمصي كان صالحا مباركا وباشر نيابة الحكم العزيز بمصر القاهرة وتوفي بها سابع عشر شعبان وفيها يوسف الحميدي المشهور بشيخ بستان الرومي الحنفي العالم الفاضل اشتغل بالعلم أشد الاشتغال ولم يكن ذكيا لكن كان طبعه خالصا من الأوهام وصار معيدا عند قاضي زاده ثم وصل إلى خدمة خواجه زاده ثم صار مدرسا ببعض المدارس ولي مدرسة أحمد باشا ابن ولي الدين ببروسا وكان ساكنا ببروسا في بعض رباطاتها متجردا عن العلائق راضيا بالقليل من العيش ولم يتزوج وله حواش على شرح المفتاح للسيد مقبولة وتوفي ببروسا سنة اثنتي عشرة وتسعمائة وفيها توفي شهاب الدين أحمد بن عبد الرحيم بن حسن التلعفري الدمشقي (8/56)

57 القبياتي الشافعي العلامة الشهير بابن المحوجب ولد في ربيع الأول سنة إحدى أو اثنتين وأربعين وثمانمائة وطلب العلم وكان له خط حسن كتب به كثيرا وكان مهابا عند الملوك والأمراء وله كرم وافر وسماطه من أفخر الأطعمة يأكل منه الخاص والعام حتى نائب دمشق وقاضيها وكانت له كلمة نافذة يأوي إليه كل مظلوم وكان قد جزأ الليل ثلاثة أثلاث ثلثا للسمر والكتابة وثلثا للنوم وثلثا للتهجد والتلاوة وكان يتردد إليه أكابر الناس العلماء والأمراء وغيرهم خصوصا شيخ الإسلام زين الدين خطاب وبالجملة فقد انتهت إليه الرياسة والسيادة بالشام وتردد إلى مصر كثيرا ووجه إليه السلطان قايتباي خطابة القدس وهو بمصر فقبلها ثم نزل عنها لبعض المقادسة لما رأى من شدة عنايتهم بطلبها وكان كث اللحية والحاجبين أشعر الأذنين واسع الصدر توفي بدمشق يوم السبت ثالث عشرى ربيع الأول ودفن قبلي قبر الشيخ تقي الدين الحصني وفيها شهاب الدين أحمد بن العسكري الصالحي الدمشقي الحنبلي مفتي الحنابلة بها كان صالحا دينا زاهدا مباركا يكتب على الفتاوى كتابة عظيمة ولم يكن له في زمنه نظير في العلم والتواضع والتقشف على طريقة السلف منقطعا عن الناس قليل المخالطة لهم ألف كتابا في الفقه جمع فيه بين المقنع والتنقيح مات قبل تمامه في ذي الحجة ودفن بالصالحية وفيها حسين بن أحمد بن حسين الموصلي الأصل العزازي الحلبي الشافعي المعروف بابن الأطعاني قال ابن الحنبلي كان صالحا فاضلا حسن الخط له اشتغال على البدر السيوفي في العربية والمنطق توفي في هذه السنة بمكة قال بعض السقائين طلبوا له مني ماء من سبيل الجوخي لقلة الماء بمكة إذ ذاك فذكرت أني الآن فارقته خاليا من الماء فصمموا على في الذهاب إليه فذهبت لآتي بالماء من غيره فمررت به فإذا هو ممتلىء فملأت قربتي وعدت وعد ذلك من كراماته رحمه الله تعالى (8/57)

58 وفيها نور الدين حمزة المولى العالم الروم الحنفي الشهير بليس جلبي قرأ على علماء عصره وخدم المولى خواجه زاده ثم صار حافظا لدفتر بيت المال والديوان في زمن السلطان محمد هان ثم صار مدرسا بمدرسة السلطان مراد خان ببروسا ثم صار حافظا لدفتر بيت المال أيضا في زمن السلطان أبي يزيد خان ثم عزل وبقي متوطنا ببروسا وبنى بها زاوية للفقراء ومات بها ودفن بزاويته المذكورة وفيها علم الدين سليمان البحيري المصري المالكي العلامة شيخ المالكية ومفتيهم بمصر توفي في ثامن شعبان ودفن بالصحراء بالقاهرة وفيها الشرف بن وهيب الإمام العالم العلامة مفتي مدينة تعز باليمن توفي عشية الثلاثاء عشرى شوال وفيها عبد الله بن عمر بن سليمان بن عمر بن نصر الكناوي الصفدي الشافعي جد موسى الكناوي لأمه كان عالما عاملا مؤثرا للصمت والعزلة عن الناس لا يحضر مجالسهم إلا لحضور الصلوات والجنائز والتدريس وقراءة صحيح البخاري على كرسي بصوت حسن ونغمة طيبة وترتيل وتأن وحضور قلب وسكون جوارح وكان يقرر معاني الأحاديث لمن يحضر مجلسه وكان إماما بالمسجد الذي يجري إليه الماء خارج كفركنا وكان يفتي أهل تلك البلاد ويقرىء الطلبة في الحديث والفقه والفرائض والنحو ومكث على ذلك نحو خمسين سنة وكان صوته في القرآن لطيفا ومع ذلك كان يسمعه من يتسمع لقراءته وهو يتهجد في هدوء الليل من نحو ميل وانتفع كثيرا بابن أرسلان ولازمه بالقدس الشريف مدة وتوفي ببلده كفركنا في غرة شوال وهو في عشر التسعين وفيها شمس الدين أبو عبد الله محمد بن حسن الشاوي الشافعي الشيخ الإمام شيخ الإسلام توفي يوم الجمعة سابع عشر شعبان وفيها محب الدين أبو الفضل محمد بن عرب المصري الشافعي الإمام العلامة أقضى القضاة خليفة الحكم العزيز (8/58)

59 بالديار المصرية قال الحمصي كان عالما فاضلا مفننا ذكيا فقيها كثير الأدب توفي بالقاهرة ثامن عشرى المحرم وفيها أقضى القضاة شمس الدين محمد بن عيسى الدمشقي الحنفي الإمام العلامة قاضي دمشق ومفتيها قال الحمصي كان عالما فاضلا مفننا يعرف صناعة التوريق والشهادة معرفة تامة ذكيا متضلعا من العلوم محجاجا لا يجاري في بحثه توفي بدمشق في رجب ودفن بالصالحية وتأسف الناس عليه وفيها أقضى القضاة بدر الدين محمد بن الشيخ العلامة شمس الدين محمد القرافي المالكي خليفة الحكم بالديار المصرية كان إماما علامة توفي بالقاهرة يوم الثلاثاء ثالث عشر ذي القعدة ودفن بالصحراء وكانت جنازته حافلة وفيها أمين الدين محمد بن شيخ الإسلام شمس الدين محمد الجوجري المصري الشافعي شارح الإرشاد والده كان هو شابا عالما فاضلا بارعا مفننا توفي بالقاهرة مستهل صفر وفيها شمس الدين محمد بن أبي عبيد المقرىء الشافعي الإمام العالم العلامة خليفة الحكم العزيز بالقاهرة قال الحمصي كان فاضلا ذكيا مفننا توفي بالقاهرة يوم الجمعة ثالث عشرى شهر رمضان وكانت جنازته حافلة وفيها تقريبا بدر الدين محمود بن محمد الرومي الحنفي العالم الفاضل كان إماما للسلطان أبي يزيد خان ثم ولاه قضاء العسكر بولاية أناضولي سنة إحدى عشرة بعد أن ولاه قضاء بروسا أكثر من عشر سنين ثم عزل عن قضاء العسكر وأعطى تقاعدا عنه كل يوم مائة عثماني ومات بعد زمن يسير قال في الشقائق كان كريم النفس حميد الأخلاق محبا للعلماء والصلحاء رحمه الله تعالى وفيها شرف الدين موسى بن عبد الغفار المالكي خليفة الحكم العزيز بالقاهرة وكاتب مستندات السلطان الغوري كان إماما علامة توفي يوم الجمعة خامس عشرى رجب (8/59)

60 سنة ثلاث عشرة وتسعمائة فيها غلب الفرنج على مدينة هرموز وأخذوها وفيها توفي السيد الشريف برهان الدين إبراهيم بن محمد الحسني نقيب الأشراف بدمشق ولد سنة ثمان وأربعين وثمانمائة قال الحمصي وكان رجلا شجاعا مقداما على الملوك ووقع له مع السلطان الأشرف قايتباي وقائع يطول شرحها ومات بالقاهرة وهو يومئذ نقيب الأشراف بدمشق في يوم الخميس خامس المحرم وأسند الوصايا على أولاده لكاتب الأسرار المحب بن أجا قال ابن طولون وتقلد أمورا في حياته وبعد موته رحمه الله تعالى وفيها برهان الدين إبراهيم الدميري المالكي قاضي قضاة المالكية بالقاهرة كان إماما علامة توفي ببيته بالقرب من الصالحية بين القصرين من القاهرة في يوم الأربعاء ثالث عشرى رمضان وكان سبب موته خطبته بين يدي السلطان الغوري لما أراد أن يسمع الخطباء وفيها شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن خليل الحاضري الأصل ثم الحلبي الحنفي عرف بابن خليل أخذ عن الحافظ برهان الدين الحلبي سبط ابن العجمي وكان إماما علامة يفتي بحلب ويعظ بجامعها وكان وعظه نافعا يكاد يغيب فيه لفرط خشوعه وكان دينا خيرا تلمذ له شيخ الشيوخ بحلب الموفق بن أبي ذر المحدث قال ابن الحنبلي وأخبرني أنه كان يتمثل بقول القائل ( وكان فؤادي خاليا قبل حبكم * وكان بذكر الخلق يلهو ويمرح ) ( فلما دعا قلبي هواك أجبته * فلست أرى قلبي لغيرك يصلح ) وتوفي بحلب وتأسف الناس عليه وفيها شهاب الدين أحمد بن علي المقرىء القاهري شيخ القراء بها كان إماما عالما توفي يوم الأحد (8/60)

61 عاشر القعدة وفيها شهاب الدين أحمد الأعزازي الدمشقي الصالحي كان صالحا مباركا دينا ناب في القضاء بدمشق وتوفي بها في نهار الجمعة ثالث عشر ربيع الأول وصلى عليه بالأموي بعد صلاة الجمعة ودفن بمقبرة باب الصغير وفيها شهاب الدين أحمد الخشاب الدمشقي العلامة الشافعي كان خطيبا بجامع القصب وتوفي في ذي الحجة وفيها شهاب الدين أحمد بن محمد بن محمد الزهيري الصالحي ثم الدمشقي الشاب الفاضل قال ابن طولون اشتغل معنا على الشيخ محمد بن رمضان وغيره وبحث وتوفي يوم الأربعاء سابع عشر ربيع الأول ودفن بمقابر باب الصغير انتهى وفيها نجم الدين طلحة بن محمد بن يحيى الجهمي صاحب المصباح كان أماما فقيها جليلا توفي باليمن ببلدة من أصاب ودفن هناك بجوار جده يحيى بن أحمد الجهمي وكثر عليه الأسف وفيها زين الدين عبد الغفار المصري الضرير الشافعي الإمام العلامة المفنن قال الحمصي مات قتلا ببلدة يقال لها مطبوس بالقرب من الأسكندرية قال وسبب ذلك أن هذه كانت جارية في أقطاع الأمير طرباي رأس نوبة النوب وبها رجل متدارك لمالها اسمه ابن عمرو فوقع بينه وبين أهل البلدة لفسقه وظلمه فشكوا حالهم للأمير طرباي فأرسل أخاه للبلد يحرر ذلك فلما حضر شكا أهل البلدة إليه ظلم ابن عمرو فضرب أخو طرباي واحدا من أهل البلدة بالدبوس فرجمه أهل البلدة فأمر بضرب السيف فيهم فقتل منهم ما يزيد على ثلاثين نفرا فقال الشيخ عبد الغفار هذا ما يحل فضربت عنقه وألقى في البحر فساقه البحر إلى قرية تسمى كوم الأفراح بها جمع من الأولياء فدفن بها وكانت له جنازة لم يشهد مثلها وكان قتله رحمه الله تعالى يوم الجمعة سادس المحرم سنة أربع عشرة وتسعمائة فيها كان حريق عظيم بمدينة عدن احترق به من الآدميين نحو ثلاثين (8/61)

62 نفسا وتلف من الأموال والبيوت ما لا يحصى وفيها توفي الشيخ العارف بالله تعالى إبراهيم الشاذلي المصري كان ينفق نفقة الملوك ويلبس ملابسهم وذلك من غيب الله تعالى لا يدري أحد له جهة معينة تأتيه منها الدنيا ولم يطلب الطريق حتى لحقه المشيب فجاء إلى سيدي محمد المغربي الشاذلي وطلب منه التربية فقال له يا إبراهيم تريد تربية بيتية والأسوقية فقال له ما معنى ذلك قال التربية السوقية هي أن أعلمك كلمات في الفناء والبقاء ونحوهما وأجلسك على السجادة وأقول لك خذ كلاما وأعط كلاما من غير ذوق ولا انتفاع والتربية البيتية بأن تفنى اختيارك في اختياري وتشارك أهل البلاء وتسمع في حقك ما تسمع فلا تتحرك لك شعرة اكتفاء بعلم الله تعالى فقال أطلب التربية البيتية قال نعم لكن لا يكون فطامك إلا بعدي على يد الشيخ أبي المواهب وكان الأمر كذلك ولذلك لم يشتهر إلا بالمواهبي ثم قال له الشيخ محمد قف غلاما اخدم البيت والبغلة وحسن الفرس وافرش تحتها الزبل وكب التراب فقال سمعا وطاعة فلم يزل يخدم عنده حتى مات فاجتمع على سيدي أبي المواهب ولم يزل عنده يخدم كذلك ولم يجتمع مع الفقراء في قراءة حزب ولا غيره حتى حضرت سيدي أبا المواهب الوفاة فتطاول جماعة من فقرائه إلى الاذن فقال الشيخ هاتوا إبراهيم فجاءه فقال افرشوا له السجادة فجلس عليها وقال له تكلم على إخوانك في الطريق فأبدى الغرائب والعجائب فأذعن له الجماعة كلهم وكان له ديوان شعر وموشحات وشرح حكم ابن عطاء الله شرحا حسنا وتوفي في هذه السنة ودفن بزوايته بالقرب من قنطرة سنقر وقبره بها ظاهر يزار وفيها القطب الرباني شمس الشموس أبو بكر بن عبد الله باعلوي قال في النور السافر ولد بتريم وتريم بتاء مثناة فوقية ثم راء مكسورة ثم تحتية ثم ميم على وزن عظيم بلدة من حضرموت اعدل أرض الله هواء وأصحها تربة وأعذبها ماء وهي قديمة معشش الأولياء (8/62)

63 ومعدنهم ومنشأ العلماء وموطنهم وهي مسكن الأشراف آل باعلوي روى أن الفقيه محمد بن أبي بكر عباد رحمه الله تعالى كان يقول إذا كان يوم القيامة أخذ أبو بكر الصديق رضي الله عنه آل تريم كلهم قبضة في يده ورمى بهم في الجنة قال في النور ولما كانت خير بلاد الله بعد الحرمين وبيت المقدس أكرمها الله تعالى بخير عباده وأكرمهم عليه الذين زينهم باتباع السنة الغراء مع صحة نسبهم المتصل بالسيدة الزهراء ويذكر أنها تنبت الصالحين كما تنبت الأرض البقل واجتمع بها في عصر واحد من العلماء الذين بلغوا رتبة الافتاء ثلثمائة رجل وأن بتربتها ممن شهد بدرا مع رسول الله وغيرهم من الصحابة سبعين نفرا انتهى ملخصا ثم قال في النور ولد المترجم بتريم سنة إحدى وخمسين وثمانمائة وأخذ عن عمه الشيخ علي والفقيه محمد بن أحمد بافضل وقرأ الكثير وأجازه علماء الآفاق كالسخاوي والشيخ يحيى العامري اليمني وغيرهما وعده جار الله بن فهد في معجمه من شيوخه في الحديث وقد ذكر العلامة محمد بن عمر بحرق في كتابه مواهب القدوس في مناقب ابن العيدروس من مناقبه جملة كافية شافية تنشرح بمطالعتها الصدور ثم قال في النور وكان من أكابر الأولياء بل هو قطب زمانه كما شهد به العارفون بالله تعالى شرقا وغربا ولم يمتر في ذلك ذو بصيرة من أهل الطريق وكان في الجود آية من آيات الله تعالى يذبح لسماطه في رمضان كل يوم ثلاثين كبشا ولذلك بلغت ديونه مائتي ألف دينار فقضاها الأمير الموفق ناصر الدين باحلوان في حياته فإنه كان يقول إن الله وعدني أن لا أخرج من الدنيا إلا وأدى عني ديني وحكى من مجاهداته أنه هجر النوم بالليل أكثر من ثلاثين سنة ومن كراماته أنله ما رجع من الحج دخل زليع وكان الحاكم بها يومئذ محمد بن عتيق فاتفق أنه ماتت أم ولد للحاكم المذكور وكان مشغوفا بها فكاد عقله يذهب لموتها فدخل عليه سيدي لما بلغه عنه من شدة الجزع ليعزيه (8/63)

64 ويأمره بالصبر وهي مسجاة بين يديه بثوب فعزاه وصبره فلم يفد فيه ذلك وأكب على قدمي الشيخ يقبلهما وقال يا سيدي إن لم يحي الله هذه مت أنا أيضا ولم تبق لي عقيدة في أحد فكشف سيدي عن وجهها وناداها باسمها فأجابته لبيك ورد الله روحها وخرج الحاضرون ولم يخرج سيدي الشيخ حتى أكلت مع سيدها الهريسة وعاشت مدة طويلة قال وقد صنف في مناقبه غير واحد من العلماء الأعلام وله مؤلفات منها ثلاثة أوراد بسيط ووسيط ووجيز وديوان شعر منه ( أنا الجواد ابن عبد الله إن عرضت * للجود مكرمة أني لها الشاري ) ( وأني العيدروس ابن البتول إذا * حر تسلسل من أصلاب أطهار ) ( أما ترى أنني قضيت دين أبي * وكان ذاك ثلاثون ألف دينار ) ( مجدي قديم أخير لا يسايره * مجد لما حزت من صبر وإيثار ) توفي ليلة الثلاثاء رابع عشر شوال بعدن وقبره بها أشهر من الشمس الضاحية يقصد للزيارة والتبرك من الأماكن البعيدة انتهى ملخصا قلت ولعله هو مبتكر القهوة المتقدم ذكره في سنة تسع وتسعمائة فليحرر والله سبحانه وتعالى أعلم وفيها شهاب الدين أحمد بن كرك الصالحي الحنفي العدل قال ابن طولون اشتغل على شيخنا الزيني بن العيني وغيره وذهب إلى مصر صحبة التاج نائب ديوان القلعة فمرض في بيت أمير مجلس سودون العجمي فتوفي يوم السبت تاسع عشر شوال وأوقف وقفا على ذريته وعتقائه وقراءة بخارى انتهى وبخط القاضي أكمل بن مفلح هذا جد والدتي أبو أمها وهو حلبي الأصل يعرف بابن شموا معلم دار الضرب بها ولابن شموا وقف بحلب وفي آخره كتبه أكمل بن ستيته بنت آمنة بنت أحمد بن كرك انتهى وفيها شهاب الدين أحمد بن عيد الحنفي ولي نيابة القضاء بالقاهرة وسافر إلى دمشق وولي بها نيابة القضاء عن ابن يوسف وتزوج بدمشق زوجة (8/64)

65 القاضي إسماعيل الحنفي وطلع هو وهي إلى البستان بالمزاز فنزل عليه السراق ليلا فقتلوه وقتلوا غلامه فأصبح نائب الشام سيباي رسم على زوجته بسببه وكان ذلك يوم الخميس ثاني عشرى ذي الحجة قاله في الكواكب وفيها محي الدين عبد القادر بن محمد بن عثمان بن علي المارديني الأصلي الحلبي المولد والمنشأ والدار والوفاة الشافعي الشهير بالأبار هو وأبوه لأنه كان يصنع الابر بحانوت له ثم اشتغل بالعلم ورحل في طلبه وأخذ الحديث عن السخاوي وكتب له إجازة حافلة وسمع منه المسلسل بالأولية وغيره وأخذ الفقه وغيره عن الشمس الجوجري وغيره وأجازه وأذن له بالافتاء وأثنى عليه ومدحه وأنشده لنفسه ملمحا ومضمنا ( كانت مساءلة الركبان تخبرنا * عن علمكم ثم عنكم أحسن الخبر ) ( ثم التقينا وشاهدت العجاب من * غزير علم حمته دقة النظر ) ( فقلت حينئذ والله ما سمعت * أذناي أحسن مما قد رأى بصري ) وبالجملة فقد بزع وساد وأكب واجتهد حتى صار فقيه حلب ومفتيها وأخذ عنه فضلاؤها كالبرهان العمادي والزين بن الشماع وكان مع البراعة حسن العبارة شديد التحري في الطهارة طارح التكلف ظاهر التقشف حسن المحادثة حلو المذاكرة اتفق على محبته الخاص والعام وكانت علامة القبول والصدق ظاهرة في أقواله وأفعاله قال ابن الحنبلي وكان يقول نحن من بيت بماردين مشهور ببيت رسول وجدنا الشيخ أرسلان الدمشقي غير أني لا أحب بيان ذلك خوفا من أن أنسب إلى تحميل نسبي على الغير وأن يقدح في بذلك وتوفي في يوم الثلاثاء خامس عشر ذي القعدة وفيها بدر الدين محمد بن جمعة الفيومي الحنفي أحد أعيان علما مصر ومشاهيرهم دخل إلى الروم مرتين ودخل فيهما دمشق قال النجم الغزي وكتب بدمشق عند جوازه بها قاصدا للملك أبي يزيد بن عثمان في نصف (8/65)

66 صفر سنة ست وتسعين وثمانمائة لغزا صورته ( يا من له أدب وفضل لا يحد * ومحاسن فوق الحساب فلا تعد ) ( ويحل أن نفث البليغ معانيا * في مبهمات اللفظ فهي لها عقد ) ( ما اسم تركب من حروف مثلما * قد قامت الأركان منا بالجسد ) ( فاعجب لها من أربع قد ركبت * فردين مع زوجين في اللفظ انعقد ) ( فرد وزوج أولان اتصلا * كأن ذا وذاك روح وجسد ) ( وآخران انفصلا بعدهما * كعاشق معشوقه عنه انفرد ) ( فبين فردين أتى زوج كذا * ما بين زوجين لنا فرد ورد ) ( والأول النصف لثان عده * والثالث النصف لرابع العدد ) ( والثالث الثلث لأول كما * رابعه ثلث لثانيه يعد ) ( وعد حرف منه ساوى عدد الباقي * لمن قابل ذا بذا وعد ) ( حرف له نصف وحرف ثلث * وحرف السدس حسابا لن يرد ) ( ذاك ثلاثة وهذا اثنان * والآخران تطلبه واحد أحد ) ( يلقى الذي يلقاه أو لم يلقه * جوى بقلب واجب طول الأبد ) ( قد بان ما قد بان من لغز يرى * طردا وعكسا في نظام اطرد ) ( فهاك لغزي إن ترد جوابه * تجده دونه بدا ياذا الرشد ) ( فأت به مبينا مفصلا * وحل ما في النظم حل وانعقد ) فأجابه شيخ الإسلام الجد بقوله ( يا سيدا حاز الفضائل وانفرد * بمعارف قد جد فيها واجتهد ) ( مازلت تبدي كل حين تحفة * بعجائب من بحر عرفان ثمد ) ( أرسلت لي لغزا بديعا وصفه * عقدته بنوادر لا تنتقد ) ( في اسم تركب من حروف أربع * معلومة مثل الطبائع في العدد ) ( فردين مع زوجين فيها ركبا * من أول مع آخر أيضا ورد ) (8/66)

67 ( مع ما ذكرت به من الألغاز في * نظم ببحر كامل منه استمد ) ( وطلبت فيه جواب ما ألغزته * مني بتفصيل يحلل مع انعقد ) ( وجواب لغزك بين أوضحته * بصريح لفظ فيه بالمعنى اتحد ) ( النصف منه الربع أو إن شئت قل * نصف وربع نصفه من غير رد ) ( والربع نصف ربعه أو ضعفه * من طرده أو عكسه حيث اطرد ) ( والربع نصف سدسه أو سدسه * هندسة ما ثم من لها جحد ) ( والقلب واجبا إذا انتدبته * لذا وليس خافيا على أحد ) ( وهو الصوابان حذفت أولا * عوضته بسورة بلا فند ) ( وهو الجوي بحذف آخر وان * يبدل بدال فجواد ذو مدد ) ( وأنه المسئول عنه ظاهرا * فدم بجنة الرضا إلى الأبد ) توفي الشيخ بدر الدين بن جمعة صاحب الترجمة في يوم الخميس ثاني جمادى الآخرة انتهى وفيها محمد بن زرعة المصري أحد أتباع الشيخ إبراهيم المتبولي قال المناوي في طبقاته كان مشمولا بالبركة مقبولا في السكون والحركة أعلام ولايته مشهورة وألوية مصارفه منشورة وكان زمنا أقعده الفقراء بقنطرة قد يدار ولم يزل قاعدا بالشباك الذي دفن فيه وكان يتكلم ثلاثة أيام ويسكت ثلاثة أيام ويتكلم على الخواطر انتهى توفي في هذه السنة ودفن في الشباك الذي كان يجلس فيه وفيها شمس الدين محمد بن محمد بن إسمعيل الشيخ الإمام العالم العلامة الصالح الشهير بالقيراطي الدمشقي الشافعي ولد في سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة قال الحمصي وكان فاضلا مفننا حفظ المنهاج للنووي والتصحيح الكبير عليه للشيخ نجم الدين بن قاضي عجلون وتوفي ليلة الثلاثاء ثاني عشر رمضان وفيها أقضى القضاة محي الدين يحيى بن شهاب الدين أحمد بن حسن بن عثمان الزرعي الشهير بالأخنائي (8/67)

68 الشافعي خليفة الحكم العزيز بدمشق ولد في خامس عشر رمضان سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة وخطب مرة بالجامع الأموي عن قريبه قاضي القضاة نجم الدين بن شيخ الإسلام تقي الدين بن قاضي عجلون لضعف حصل للخطيب سراج الدين فحصل له ارتعاد في الخطبة وكان ذلك تاسع شوال هذه السنة ثم توفي يوم الإثنين سابع القعدة ودفن بباب الصغير عند أبيه وأخيه غربي القلندرية سنة خمس عشرة وتسعمائة فيها كما قال في النور ظهر في السماء في آخر الليل من مطلع العقرب على هيئة قوس قزح أبيض له شعاع وهو أزج له رأس مائل نحو مطلع سهيل واستدام يطلع كل ليلة في الوقت المذكور نحو ثلاث عشرة ليلة ثم اضمحل وفيها توفي برهان الدين إبرهيم بن حسن الشيخ العلامة النبيسي الشيشري ونبيس قرية في حلب والشيشر من بلاد العجم قاله النجم وقال كان من فضلاء عصره وله مصنفات في الصرف وقصيدة تائية في النحو لا نظير لها في السلاسة وله تفسير من أول القرآن إلى سورة يوسف ومصنفات في التصوف وقتل في أرزنجان قتله جماعة من الخوارج انتهى وفيها شهاب الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن أحمد بن أحمد الإمام العالم المحدث الدمشقي الشافعي الشهير بابن طوق ولد في ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وثمانمائة وتوفي يوم الأحد ثالث أو رابع رمضان بدمشق وفيها شهاب الدين أحمد بن محمد بن عثمان الشيخ الإمام الفرضي الشهير بابن أمير غفلة الحلبي الحنفي قال ابن الحنبلي كان عالما عاملا منور الشيبة حسن السمت فقيها فرضيا حيسوبا تلمذ للعلامة الفرضي الحيسوب جمال الدين يوسف الأسعردي ثم الحلبي وعلق على نزهة الحساب تعليقا حمله على وضعه (8/68)

69 شيخنا العلامة الموصلي كما نبه على ذبلك في ديباجته ولم يزل على ديانته يتعاطى صنعة التجارة إلى أن مات وكان الناس مضطرين إلى الغيث فأنزله الله في أول ليلة مكث في قبره رحمه الله تعالى انتهى وفيها فقيه بيت الفقيه باليمن عبد الله بن الخطيب بن أحمد بن حشيبر اليمني قال في النور توفي ببلده يوم الإثنين خامس عشر ربيع الآخر وكان فقيه بلده وعالمها وفيها زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن إبراهيم الشيخ الإمام القدوة الزاهد الرباني الدمشقي الصالحي الحنبلي حفظ القرآن العظيم ثم قرأ المقنع وغيره واشتغل وحصل وأخذ الحديث عن ابن زيد وابن عبادة وغيرهما وكان يقرىء الأطفال في مكتب مسجد ناصر الدين غربي مدرسة أبي عمر وكان يقرأ البخاري في البيوت والمساجد وجامع الحنابلة بسفح قاسيون وكان إذا ختم البخاري في الجامع المذكور يحضر عنده خلائق فإنه كان فصيحا وله في الوعظ مسلك حسن ثم انجمع في آخر عمره عن الناس وقطن بزاوية المحيوي الرجيحي بالسهم الأعلى إماما لها وقارئا للبخاري وتوفي في هذه السنة ودفن بالروضة وفيها العارف بالله تعالى عبد القادر ابن محمد بن عمر بن حبيب الصفدي الشافعي صاحب التائية المشهورة قال في الكواكب أخذ العلم والطريق عن الشيخ العلامة الصالح شهاب الدين بن أرسلان الرملي صاحب الصفوة وعن غيره وكان خامل الذكر بمدينة صفد مجهول القدر عند أهلها لا يعرفون محله من العلم والمعرفة وكان يقرىء الأطفال ويباشر وظيفة الأذان حتى لقيه سيدي علي بن ميمون فسمع شيئا من كلامه فشهد له بالذوق وأنه من أكابر العارفين وأعيان المحبين فهنالك نشر ذكره وعرف الناس قدره كما ذكر ذلك الشيخ علوان الحموي في أول شرح تائية ابن حبيب قال النجم وحدثني بعض الصالحين الثقات أن السيد علي بن ميمون كان سبب رحلته من المغرب طلب لقى جماعة أمره بعض رجال المغرب (8/69)

70 بلقيهم منهم ابن حبيب وأنه لا يزال يتطلع ويتنشق ويتصفح البلاد والناس حتى دخل صفد فتنشق أنفاس ابن حبيب فدخل عليه المكتب فأضافه الشيخ عبد القادر وأكرمه ثم لما أطلق الأولاد قال لابن ميمون يا رجل أني أريد أن أغلق باب المكتب فنظر إليه سيدي علي وقال أعبد القادر أما كفاك ما أتعبتني حتى تطردني الآن فقال له يا أخي استرني قال بل والله لأفضحنك وأشهرنك فما زال به حتى أشهره انتهى ملخصا وقال الشيخ علوان هذا وهو متسبب بأسباب الخمول متلبس بأمور لا تسلمها علماء النقول ولا تسعها منهم العقول إذ كان ممن أقيم في السماع وكشف القناع والضرب ببعض الآلات والبسط والخلاعات ثم اعتذر عن ضربه بالآلات بما هو مذكور في شرح التائية وبالجملة فكان ابن حبيب رضي الله عنه متسترا بالخلاعة والنفخ في المواصيل والضرب على الدف على الإيقاع حيثما كان في الأسواق والمحافل كل ذلك لأجل التستر ويأبى الله إلا أن يتم نوره ويظهر أمره حتى رسخ في النفوس أنه من أكمل العارفين وكان حيثما سمع الأذان وقف وأذن وكان ربما مشى بدبوس أمام نائب صفد وكان لا يمكن أحدا من تقبيل يده وإنما يبادىء بالمصافحة ويطوف على أهل السوق فيصافحهم في حوانيتهم واحدا واحدا وكان يداعب الناس ويباسطهم وكان يقول يأتون فيقولون سلكنا وغزلهم معرقل وكان يقول لو جاءني صادق لطبخته في يومين وكان في ابتدائه يثور به الغرام وتسري فيه المحبة والشوق حتى يفيض على رأسه المال في إناء كبير فلا يصل إلى سرته من شدة الحرارة الكائنة في بدنه وكان ينفرد الأيام والليالي في البراري والصحاري حتى فجأته العناية ووافقته الهداية وجاءته الفيوض العرفانية والمواهب الربانية وكان لا يتكلم في رمضان إلا بالإشارة خوفا من النطق بما لا يعني وكان لا يقبل هدايا الأمراء وإذا جاءته رسالة من إخوانه لا يأخذها إلا وهو متوضىء وقال مرة لبعض أصحابه تقدم فامش (8/70)

71 أمامي ثم أخبره عن سبب ذلك أنه كان معه كتاب فيه بسم الله الرحمن الرحيم ففعل ذلك تعظيما وكان مبتلى بأمراض وعلل خطيرة حتى عمت سائر جسده وربما طرحته في الفراش وهو على وظائفه ومجاهداته وكان يعاقب نفسه إذا اشتهت شيئا بإحضار الشهوة ومنعها إياها أياما وكان يعتقد ابن عربي اعتقادا زائدا ويؤول كلامه تأويلا حسنا ومن شعره الدال على علو همته وسمو رتبته التائية التي ذيل بها على أبيات الشافعي رضي الله تعالى عنه التي أولها ( لما عفوت ولم أحقد على أحد * أرحت نفسي من حمل المشقات ) وقد تلقاها الناس بالقبول وأداروا أبياتها فيما بينهم إدارة الشمول وخدمت بالشروح وهي جديرة بذلك وقد اتفق لناظمها أنه رأى روحانية النبي وهو يقظان وعرضها عليه وأصلح له بعض أبيات وكان إذا ذكر فيها وصفا حسنا قال له بلغك الله ذلك يا عبد القادر وإذا نفر من وصف قبيح قال له أعاذك الله من ذلك يا عبد القادر ومن شعره أيضا ( أنا الضيغم الضرغام صمصام عزمها * على كل صعب في الغرام مصمم ) ( وما سدت حتى ذقت ما الموت دونه * كذا حسن عشقي في الأنام يترجم ) وتوفي بصفد يوم الأحد عاشر جمادى الأولى وفيها تقريبا زين الدين عبد القادر المنهاجي الإمام العلامة المقرىء الشافعي المعروف بالمنهاجي نزيل مكة المشرفة قرأ على البرهان العمادي أحاديث من الكتب الستة وأجازه برباط العباس وفيها عبد الودود الصواف الشيخ الصالح العابد الزاهد المقيم بنواحي قلعة الجبل بالقاهرة وكان ينسج الصوف ويتقوت منه وكانت عمامته قطعة من الصوف الأحمر وكان سيدي محمد بن عنان يقصده بالزيارة وكانت له مكاشفات وعليه أنس عظيم وفيها علاء الدين علي بن ناصر المكي الإمام العلامة الشافعي أخذ صحيح البخاري عن المسند زين الدين عبد الرحيم (8/71)

72 المكي الأسيوطي وعن غيره وتفقه بالشرف المناوي عن الولي بن العراقي عن أبيه عن ابن النعماني عن النووي ومن مؤلفاته مختصر المنهاج وشرحه وتأليف في الحديث والتفسير والأصول وأجاز البراهن العمادي وفيها شرف الدين موسى بن أحمد النحلاوي الأصل الحلبي الدار الأردبيلي الخرقة الشافعي المذهب الشهير بالشيخ موسى الأريحاوي لسكناه بأريحا قديما وكان إماما عالما زاهدا صوفيا فتح الله تعالى عليه من غير تعب بل من فضل الله تعالى وتوفي في أواخر ذي الحجة بحلب ودفن بتربة الخشابين داخل باب قنسرين وفيها تقريبا شمس الدين محمد بن علي الصمودي المالكي القاضي كان فقيها فاضلا ناب عن العفيف بن حنبل قاضي المالكية بحلب وكتب بها على الفتوى وفيها محي الدين يحيى بن كمال الدين محمد بن سلطان الحنفي كان عالما فاضلا توفي بمكة المشرفة رابع عشر ذي الحجة وفيها جمال الدين محمد الطيب بن إسماعيل مبارز اليمني قال في النور كان فقيها إماما عالما عاملا علامة فهامة مدققا توفي عشية يوم الإثنين خامس شهر ربيع الآخر انتهى والله تعالى أعلم سنة ست عشرة وتسعمائة فيها كما قال في النور انقض كوكب عظيم من نصف الليل آخذا في الشام وأضاءت الدنيا لذلك إضاءة عظيمة حتى لو أن الإنسان حاول رؤية الذر لم يمتنع عليه ثم غاب في الجهة الشامية وبقي أثره في السماء ساعة طويلة وفيها زلزت مدينة زبيد زلزالا شديدا ثم زلزلت مرة أخرى ثم ثالثة وانقض في عصر ذلك اليوم كوكب عظيم من جهة المشرق آخذا في جهة الشام ورئى نهارا وحصل عقبه رجفة عظيمة كالرعد الشديد وزلزت مدينة موزع ونواحيها زلزالا عظيما ما سمع بمثله واستمرت تتردد ليلا ونهارا (8/72)

73 زلازل صغار وزلازل كبار وقد أضرت بأهل الجهة إضرارا عظيما حتى تصدعت البيوت ولم يسلم بيت من تشعث وتشققت الأرض المعدة للزراعة وتهدمت القبور واختلطت الآبار انتهى وفيها توفي برهان الدين إبراهيم بن محمد بن سليمان بن عون بن مسلم بن مكي بن رضوان الهلالي الدمشقي الحنفي المعروف بابن عون مفتي الحنفية بدمشق ولد سنة خمس وخمسين وثمانمائة وأخذ الحديث عن جماعة منهم الحافظان السخاوي والديمي وترجمه الثاني في إجازته بالشيخ الإمام الأوحد المقرىء المجود العالم المفيد وتفقه بجماعة منهم ابن قطلوبغا وأخذ عنه ابن طولون وتوفي ليلة الأحد سادس عشر شوال بدمشق ودفن بباب الصغير قبلي جامع جراح وفيها شهاب الدين أحمد بن شعبان بن علي بن شعبان الإمام العلامة العمدة قال في الكواكب أخذ العلم والحديث عن الشهاب الحجازي والشرف المناوي والجلال أبي هريرة وعبد الرحمن القمصي والمسند الشمس الملتوني الوفائي وتلقن الذكر من العارف بالله زين الدين الحافي الشبريسي والجمال بن نظام الشيرازي بجامع الأزهر وغيرهما ولبس الخرقة القادرية والسهرودية والأحمدية من جماعات وتوفي بغزة وفيها السلطان العادل المجاهد أبو الفتح أحمد بن محمد صاحب كجرات من بلاد الهند قال السخاوي في الضوء ولد سنة ثمان وأربعين وثمانمائة تقريبا أسلم جده مظفر على يد محمد شاه صاحب دلى وكان عاملا له على فتن من كجرات فلما وقعت الفتن في مملكة دلى وتقسمت البلاد كان الذي خص مظفرا كجرات ثم وثب عليه ابنه وسجنه ولم يلبث أن استفحل أمر الأب بحيث قتل ولده ثم بعد سنين انتصر أحمد لأبيه وقتل جده واستقر في كجرات وخلفه ابنه غياث الدين ثم ابنه قطب الدين ثم أخوه داود فلم يلبث سوى أيام وخلع واستقر أخوهم أحمد شاه صاحب الترجمة وذلك في سنة ثلاث (8/73)

74 وستين حين كان ابن خمس عشرة سنة ودام في المملكة إلى الآن وأخذ من الكفار قلعة الشبابانير فابتناها مدينة وسماها أحمد أباد ومن جملة ممالكه كنباية انتهى وقال في النور قال جار الله بن فهد أقول وعمر بمكة رباطا مجاور باب الدربية عرف بالكنباتية وقرر به جماعة ودروسا وغير ذلك وكان يرسل لهم مع أهل الحرمين عدة صدقات ثم قطعها لما بلغه استيلاء النظار عليها واستمر على ويلاته إلى أن توفي يوم الأحد ثاني رمضان بأحمد أباد وفيها شهاب الدين أحمد بن محمد الفرغاني الإمام العلامة الصالح القاضي توفي يوم الأربعاء ثامن عشرى المحرم بمدينة تعز وفيها محب الدين أبو بكر أحمد بن شرف الدين أبي القسم محمد بن محمد بن أحمد بن محمد الشيخ الإمام خطيب الخطباء بالمسجد الحرام وإمام الموقف الشريف القرشي الهاشمي العقيلي النويري المكي الشافعي أخذ عن أبي الفتح المراغي وسمع ثلاثيات البخاري على جدته لأمه أم الفضل خديجة وتدعى سعادة بنت وجيه الدين عبد الرحمن بن أبي الخير محمد بن فهد المكي وعلى العلامة البرهان الزمزمي وعلى أخيه المحب الزمزمي كلهم عن أبي إسحق إبراهيم بن محمد الرسام عن الحجار وله شيوخ آخرون وأجاز البرهان العمادي في السنة التي قبلها وتوفي في هذه السنة ظنا وفيها القاضي بدر الدين حسن بن القاضي زين الدين أبي بكر بن مزهر كاتب أسرار القاهرة قال في الكواكب صودر وحبس ثم ضرب بحضرة السلطان الغوري ثم عصر ثم لف القصب والمشاق على يديه وأحرقت ثم عصر رأسه ثم أحمى له الحديد ووضع على يديه وقطع ثديه وأطعم لحمه واستمر في العذاب إلى أن مات بقلعة مصر وعذب عذابا شديدا رحمه الله تعالى وكانت وفاته يوم الأربعاء رابع رجب سنة ست عشرة وتسعمائة انتهى قلت الصحيح موته في اليوم المذكور من الشهر المذكور لكن سنة عشر والله أعلم وفيها بدر الدين (8/74)

75 أبو علي حسن بن علي بن عبيد بن أحمد بن عبيد بن إبراهيم المرداوي ثم الدمشقي الصالحي الحنبلي حفظ القرآن العظيم وعدة كتب واشتغل على جماعة من آخرهم الشيخ زين الدين بن العيني وقرأ عليه شرحية على الألفية والخزرجية وأخذ الحديث عن ابن السلمي وابن الشريفة والنظام بن مفلح ورحل مع الجمال بن المبرد إلى بعلبك فسمع بها غالب مسموعاته وسمع على جماعة كثيرين وكان له خط حسن وكان يتكسب بالشهادة وهو من شيوخ ابن طولون ومجيزيه توفي يوم الخميس تاسع رمضان وفيها رضى الدين الصديق بن عبد العليم إقبال القربتي قال في النور كان فقيها نبيلا سريا توفي عصر يوم الثلاثاء من عشر ذي الحجة ودفن بمجنة باب القرتب بجوار مشهد الفقيه أبي بكر بن علي الحداد انتهى وفيها شمس الدين علي بن موسى المشرع عجيل كان فقيها خيرا توفي بزبيد ليلة الإثنين خامس جمادى الأولى وفيها تقريبا زين الدين عبد الرحيم بن صدقة المكي الشافعي كان إماما علامة ورعا زاهدا قرأ عليه البرهان العمادي الحلبي أحاديث من الكتب الستة وأجازه برباط العباس تجاه المسجد الحرام في العشر الأول من الحجة سنة خمس عشر وتسعمائة قاله في الكواكب وفيها القاضي جلال الدين محمد بن عمر بن محمد بن محمد بن أحمد بن عبد القادر بن هبة الله النصيبي الحلبي الشافعي سبط المحب أبي الفضل بن الشحنة ولد في ربيع الأول سنة إحدى وخمسين وثمانمائة بحلب وحفظ المنهاجين والألفيتين وجمع الجوامع وعرض ذلك على الجمال الباعوني وأخيه البرهان والبدر بن قاضي شهبة والنجم بن قاضي عجلون وأخيه التقوي وأخذ الفقه عن أبي ذر والأصول والنحو عن السلامي وولده الزيني عمر ثم قدم القاهرة على جده لامه سنة ست وسبعين وثمانمائة فأخذ عن الجوجري وغيره وقرأ شرح الألفية لابن أم قاسم على الشمني وقرأ على السخاوي بعض مؤلفاته وبرع (8/75)

76 وتميز وناب في القضاء بالقاهرة ودمشق وحلب وولي قضاء حماة وقضاء حلب أنشد فيه بعضهم لما ولي قضاء حماة ( حماة مذ صرت بها قاضيا * استبشر الداني مع القاصي ) ( وكل من فيها أتى طائعا * إليك وانقاد لك العاصي ) وكان ذا فطنة وحافظة مع رفاهية وجمع تعليقا على المنهاج سماه الابتهاج في أربع مجلدات واختصر جمع الجوامع وجمع كتابا كبيرا فيه نوادر وأشعار وله شعر حسن منه تخميس الأبيات المشهورة لابن العفيف ( غبتم فطرفي من الهجران ما غمضا * ولم أجد عنكم لي في الهوى عوضا ) ( فيا عذولا بفرط اللوم قد نهضا * للعاشقين بأحكام الغرام رضا ) ( فلا تكن يا فتى بالعذل معترضا * ) ( أنا الوفي بعهد ليس ينتقض * وإن هم نقضوا عهدي وإن رفضوا ) ( فقلت لما بقتلي بالأسى فرضوا * روحي الفداء لأحبابي وإن نقضوا ) ( عهد الوفاء الذي للعهد ما نقضا * ) ( أحبابنا ليس لي عن عطفكم بدل * وعن غرامي ووجدي لست انتقل ) ( يا سائلي عن أحبائي وقد رحلوا * قف واستمع سيرة الصب الذي قتلوا ) ( فمات في حبهم لم يبلغ الغرضا * ) ( قد حملوه غراما فوق ما يسع * وعذبوا قلبه هجرا وما انتفعوا ) ( دعى أجاب توالي سهده هجعوا * رأى فحب فرام الصبر فامتنعوا ) ( فسام صبرا فاعيا نيله فقضى * ) وتوفي في ثالث عشر رمضان وفيها بدر الدين محمد بن محمد الشهير بابن الياسوفي الدمشقي الشافعي المفتي المدرس ولد سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة وسافر إلى القاهرة مرارا آخرها مطلوبا مع جماعة مباشري الجامع الأموي في جمادى الآخرة سنة ست عشرة وتسعمائة فحصل له قبل دخول القاهرة توعك واستمر إلى رابع يوم من وصوله إليها فتوفي يوم الإثنين تاسع (8/76)

77 رجب منها وفيها شرف الدين موسى بن عبد الله بن عبد الله الشهير بابن جماعة القدسي الشافعي الإمام العلامة خطيب المسجد الأقصى ولد في حادي عشرى رجب سنة خمس وأربعين وثمانمائة وأجازه الشيخ زين الدين ابن الشيخ خليل وغيره قال في الأنس الجليل اشتغل في العلم على والده وغيره وخطب بالمسجد الأقصى وله نحو خمس عشرة سنة واستقر في الخطابة مشاركا لبقية الخطباء هو وأخوه الخطيب بدر الدين محمد قال وأعاد الخطيب شرف الدين بالمدرسة الصلاحية وفضل وتميز وصار من أعيان بيت المقدس وهو رجل خير من أهل العلم وعنده فصاحة في الخطبة وعلى صوته الأنس والخشوع والناس سالمون من لسانه ويده انتهى ودخل دمشق مع والده حين أسمع والده بها غالب مسموعاته وكان والده من الأكابر يرحل للأخذ عنه وكان صاحب الترجمة رجلا مهيبا وتوفي ببيت المقدس في رجب أو شعبان سنة سبع عشرة وتسعمائة فيها كما قال في النور السافر ولدت مولودة بقرية النويدرة من اليمن وطلب من يؤذن في أذنها فحين بلغ أشهد أن محمدا رسول الله سمع الطفلة تقول الله أكبر الله أكبر ثلاث مرات وفيها خسف بفيل السلطان عامر بن عبد الوهاب المسمى مرزوق بقرية يقال لها الركز من زوايا الشيخ شهاب الدين قطب زمانه احمد بن علوان قريبا من قرية يغرس وكان قد أدخله بيت بعض فقراء الشيخ كرها وسألهم ما لا طاقة لهم بتسليمه فلم يشعروا حتى غاب أكثر الفيل في الأرض من قبل رجليه فصرح صرخات ومات لا رحم الله سايسه فكان عبرة لمن رأى ولم يقدر أحد على إخراج شيء منه من موضع الخسف انتهى وفيها توفي برهان الدين إبراهيم بن عمر بن إبراهيم بن محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج بن عبد الله الحنبلي مفتي الحنابلة الإمام العلامة ولد في ربيع الأول سنة ست وخمسين وثمانمائة (8/77)

78 وأخذ عن أبيه وغيره وتوفي بقرية مضايا من الزبداني ليلة الجمعة سادس عشر شعبان وحمل ميتا إلى منزله بالصالحية ودفن بالروضة قرب والده وفيها تقي الدين أبو بكر بن الحافظ ناصر الدين محمد بن زريق الحنبلي الدمشقي الصالحي كان إماما علامة توفي يوم السبت ثاني عشر صفر وفيها تقريبا أبو الخير بن نصر قال في الكواكب هو شيخ البلاد الغربية من أعمال مصر ومحيى السنة بها توفي في أواسط حدود هذه الطبقة رحمه الله تعالى انتهى وفيها صفي الدين أحمد بن عمر المزجدالي قال في النور كان فقيها إماما عاملا صالحا مفتيا مدرسا توفي ضحى يوم الخميس رابع المحرم وأسف عليه والده أسفا كثيرا وصبر انتهى وفيها أبو القسم بن علي بن موسى المشرع قال في النور كان فقيها صالحا حصل له في ليلة الجمعة حادي عشر ربيع الأول وهو قاعد في بيته بين الناس لقراءة مولد النبي من ضربه على رأسه فانكسر فأقام تسعة أيام ثم مات ولم يعلم قاتله ودفن بمرجام إلى جنب أبيه وجده انتهى وفيها شهاب الدين أحمد الفيومي قال في الكواكب هو الشيخ العلامة خطيب جامع بردبيك بدمشق وهو المعروف بالجامع الجديد خارج بأبي الفراديس والفرج أي وهو المعروف الآن بجامع المعلق توفي ثاني رمضان وأخذ عنه الخطابة صاحب والد الشيخ يونس العيثاوي واستمرت في يده إلى أن مات وفيها المولى باشا جلبي العالم ابن المولى زيرك الرومي الحنفي كان من الأفاضل وله ذكاء تام ولطف محاورة وتخرج عنده كثير من الطلبة وكان من مشاهير المدرسين وتنقل في التدريس حتى ولي إحدى المدرستين المتجاورتين بادرنة وتوفي وهو مدرس بها في حدود هذه السنة وله شريك في اسمه سيأتي إن شاء الله تعالى وفيها السيد الشريف الحسين بن عبد الله العيدورس ولد سنة إحدى (8/78)

79 وستين وثمانمائة وكان عالما بالكتاب والسنة حافظا لكتاب الله تعالى مواظبا على تلاوته ليلا ونهارا قائما بما جرى عليه سلفه من الأوراد والأذكار وإكرام الوافدين والفقراء والمساكين وبذل الجاه في الشفاعات للمسلمين وإصلاح ذات بينهم ولله در من قال فيه ِ ( إن الحسين تواترت أخباره * في فضله عن سادة فضلاء ) ( غيث يسح على العفاة سحابه * سحا إذا شحت يد الأنواء ) ( تال لآثار النبي محمد * متمسك بالسنة البيضاء ) ( ورث المكارم والعلى عن سادة * ورثوا عن الآباء فالآباء ) وروى عن والده أنه كان يقول كنت كثير الدعاء في سجودي أن يرزقني الله ولدا عالما سنيا وأرجو أن يكون هو الحسين قال في النور وكان مشاركا في جميع العلوم المنطوق منها والمفهوم ومن مشايخه الفقيه عبد الله ابن أحمد باكثير والقاضي إبراهيم بن ظهيرة والشيخ عبد الهادي السودي قبل أن ينجذب وكانت له اليد الطولى في علم الفلك وحج وجاور بمكة سنتين وزار قبر جده مرتين وتوفي بتريم في سادس عشر المحرم ودفن عند أبيه انتهى وفيها خليل العالم الفاضل المولى الرومي الحنفي المشهور بمنلا خليل كان حليما كريما متواضعا متخشعا إلا أنه كان يغلب عليه الغفلة في سائر أحواله درس في بعض مدارس الروم ثم بإحدى الثمانية ثم بمدرسة أدرنة ثم أعطى قضاء القسطنطينية في دولة السلطان أبي يزيد ثم قضاء العسكر الأناضولي ثم الروم أيلي ومات على ذلك في أوائل دولة السلطان سليم خان قاله في الكواكب وفيها العارف بالله تعالى رستم خليفة الرومي البرسوي الحنفي أصله من قصبة كونيك من ولاية أناضولي وأخذ الطريق عن العارف حاجي خليفة الرومي وكان له خوارق ويتستر بتعليم الأطفال ولا يتكلم إلا عن ضرورة وله أنعام تام على الأغنياء والفقراء وإذا أهدى إليه أحد شيئا كافأه (8/79)

80 بأضعافه ولم يكن له منصب ولا مال وحكى عن نفسه أنه رمد مرة فلم ينفعه الدواء فرأى رجلا فقال له يا ولدي اقرأ المعوذيتين في الركعتين الأخيرتين من السنن المؤكدة قال فداومت على ذلك فشفى بصري وكان بعض جماعته يرى أن ذلك الرجل هو الخضر عليه السلام وتوفي ببروسا ودفن بها وفيها تقريبا المولى عبد الوهاب بن عبد الكريم الفاضل ابن الفاضل المولى ابن المولى الرومي الحنفي قرأ على جماعة منهم المولى عذارى والمولى لطفي التوقاتي والمولى خطيب زاده والمولى القسطلاني وكان ذكيا عارفا بالعلوم الشرعية والعقلية مهيبا طارحا للتكلف مع أصحابه ودرس بالقسطنطينية ثم صار حافظا لدفتر الديوان السلطاني ثم ولي قضاء بعض البلاد قاله في الكواكب وفيها علاء الدين علي بن محمد بن علي بن عبد الله بن مليك الحموي ثم الدمشقي الفقاعي الحنفي الشاعر ولد بحماة سنة أربعين وثمانمائة وأخذ الأدب عن الفخر عثمان بن الصد التنوخي وغيره وأخذ النحو والعروض عن بهاء الدين بن سالم وقدم دمشق فتسبب ببيع الفقاع عند قناة العوني ثم تركه وصار يتردد إلى دروس الشيخ برهان الدين بن عون وأخذ عنه فقه الحنفية وصارت له فيه يد طولى وشارك في اللغة والنحو والصرف وكان له معرفة بكلام العرب وبرع في الشعر حتى لم يكن له نظير في فنونه وجمع لنفسه ديوانا في نحو خمس عشرة كراسة وخمس المنفرجة ومدح النبي بعدة قصائد ومن لطائفه قوله ( لم أجعل الفقاع لي حرفة * إلا لمعنى حسنك الشاهد ) ( أقابل الواشي بالحد * والعاذل أسقيه من البارد ) ومنها ( ولما احتمت منا الغزالة في السما * وعزت على قناصها أن تنالها ) ( نصبنا شباك الماء في الأرض حيلة * عليها فلم نقدر فصدنا خيالها ) (8/80)

81 ومن لطائفه ( يا من به رق شعري * وزاد بالنعث وصفه ) ( قد مزق الشعر شاشي * والقصد شيء ألفه ) وكان له صوف عتيق فقلبه وقال ( قد كان لي صوف عتيق طالما * قد كنت ألبسه بغير تكلف ) ( والآن لي قد قال حين قلبته * قلبي يحدثني بأنك متلفي ) وحكى عنه أنه مر بالمرجة على قوم جلوس للشرب وكانوا يعرفونه فدعوه إلى الزاد فقعد عندهم يذاكرهم فبينما هم كذلك إذ جاءهم جماعة الوالي فأخذوهم وأخذوه معهم فلما وصلوا للقاضي للتسجيل عليهم عرفه القاضي فلامه فقال ( والله ما كنت رفيقا لهم * ولا دعتني للهوى داعيه ) ( وإنما بالشعر نادمتهم * لأجل ذا ضمتني القافية ) ( فخلوا عنه وله دوبيت ( الطرف يقول قد رماني القلب * والقلب لناظري يقول الذنب ) ( والله لقد عجبت من حالهما * هذا دنف ودمع هذا صب ) وشعره كله جيد وتوفي في شوال بدمشق ودفن بمقبرة باب الفراديس وفيها العارف بالله سيدي علي بن ميمون بن أبي بكر بن علي بن ميمون ابن أبي بكر بن يوسف بن إسماعيل بن أبي بكر بن عطاء الله بن حسون بن سليمان بن يحيى بن نصر الشيخ المرشد المربي القدوة الحجة ولي الله تعالى السيد الحسيب النسيب الشريف أبو الحسن بن ميمون الهاشمي القرشي المغربي الغماري التباسي أصله من جبل غمارا بالغين المعجمة من معاملة فاس وسكن مدينة فاس واشتغل بالعلم ودرس ثم ولي القضاء ثم ترك ذلك ولازم الغزو على السواحل وكان رأس العسكر ثم ترك ذلك أيضا وصحب مشايخ الصوفية منهم الشيخ عرفة القيرواني فأرسله إلى أبي العباس أحمد (8/81)

82 التوزي الدباسي ويقال التباسي بالتاء ومن عنده توجه إلى المشرق قال الشيخ موسى الكناوي فدخل بيروت في أول القرن العاشر وكان اجتماع سيدي محمد بن عراق به أولا هناك ولما دخل بيروت استمر ثلاثة أيام لم يأكل شيئا فاتفق أن ابن عراق كان هناك فأتي بطعام فقال لبعض جماعته أدع لي ذلك الفقير فقام السيد علي وأكل وقال ابن عراق لأصحابه قوموا بنا نزور الإمام الأوزاعي فصحبهم ابن ميمون لزيارته ففي أثناء الطريق لعب ابن عراق على جواده كعادة الفرسان فعاب عليه ابن ميمون فقال له أتحسن لعب الخيل أكثر مني قال نعم فنزل ابن عراق عن فرسه فتقدم إليها ابن ميمون فحل الحزام وشده كما يعرف وركب ولعب على الجواد فعرفوا مقداره في ذلك ثم انفتح الأمر بينهما إلى أن أشهر الله تعالى سيدي علي بن ميمون وقال في الشقائق أنه دخل القاهرة وحج منها ثم دخل البلاد الشامية وربى كثيرا من الناس ثم توطن مدينة بروسا ثم رجع إلى البلاد الشامية وتوفي بها قال وكان لا يخالف السنة حتى نقل عنه أنه قال لو أتاني السلطان أبو يزيد بن عثمان لا أعامله إلا بالسنة وكان لا يقوم للزائرين ولا يقومون له وإذا جاءه أحد من أهل العلم يفرش له جلد شاة تعظيما له وكان قوالا بالحق لا يخاف في الله لومة لائم وكان له غضب شديد إذا رأى في المريدين منكرا يضربهم بالعصا قال وكان لا يقبل وظيفة ولا هدايا الأمراء والسلاطين وكان مع ذلك يطعم كل يوم عشرين نفسا من المريدين وله أحوال كثيرة ومناقب عظيمة انتهى وكان من طريقته ما حكاه عنه سيدي محمد بن عراق في كتابه السفينة أنه لا يرى لبس الخرقة ولا الباسها وذكر الشيخ علوان أنه كان لا يرى الخلوة ولا يقول بها وكان يقول جواب الزفوت السكوت ومن وصاياه اجعل تسعة أعشارك صمتا وعشرك كلاما وكان يقول الشيطان له وحي وفيض فلا تغتروا بما يجري في نفوسكم وعلى ألسنتكم من الكلام في التوحيد والحقائق (8/82)

83 حتى تشهدوه من قلوبكم وكان ينهى أصحابه عن الدخول بين العوام وبين الحكام ويقول ما رأيت لهم مثلا إلا الغار والحيات فإن كلا منهما مفسد في الأوض وكان شديد الإنكار على علماء عصره ويسمى القضاة القصاة ومن كلامه لا ينفع الدار إلا ما فيها ومنه لا تشتغل بعد أموال التجار وأنت مفلس ومنه أسلك ما سلكوا تدرك ما أدركوا ومنه عجبت لمن وقع عليه نظر المفلح كيف لا يفلح ومنه كنزك تحت جدارك وأنت تطلبه من عند جارك وله من المؤلفات شرح الجرومية على طريقة الصوفية وكتاب غربة الإسلام في مصر والشام وما والاهما من بلاد الروم والإعجام ورسائل عدة منها رسالة لطيفة سماها تنزيه الصديق عن وصف الزنديق ترجم فيها الشيخ محي الدين ابن العربي ترجمة في غاية الحسن والتعظيم وذكر ابن طولون أنه دخل دمشق في أواخر سنة اثنتي عشرة وتسعمائة ونزل بحارة السكة بالصالحية وهرع الناس إليه للتبرك به وممن صعد إليه للأخذ عنه الشيخ عبد النبي شيخ المالكية والشيخ شمس الدين بن رمضان شيخ الحنفية وتسلكا على يديه هم وخلق من الفضلاء وقال سيدي محمد بن عراق في سفينته أنه لم يشتهر في بلاد العرب بالعلم والمشيخة والإرشاد إلا بعد رجوعه من الروم إلى حماة سنة إحدى عشرة ثم قدم منها إلى دمشق في سابع عشري رجب سنة ثلاث عشرة وتسعمائة قال وأقام في قدمته هذه ثلاث سنوات وخمسة أشهر وأربعة عشر يوما يربي ويرشد ويسلك ويدعو إلى الله على بصيرة قال واجتمع عليه الجم الغفير ثم دخل عليه قبض وهو بصالحية دمشق واستمر ملازما له حتى ترك مجلس التأديب وأخذ يستفسر عن الأماكن التي في بطون الأودية ورؤس الجبال حتى ذكر له سيدي محمد بن عراق مجدل معوش فهاجر اليهافي ثاني عشر محرم هذه السنة قال سيدي محمد بن عراق ولم يصحب غيري والولد علي وكان سنة عشر سنين وشحص آخر عملا بالسنة وأقمت معه خمسة (8/83)

84 أشهر وتسعة عشر يوما وتوفي ليلة الإثنين حادي عشر جمادى الآخرة ودفن بها في أرض موات بشاهق جبل حسبما أوصى به قال ودفن خارج حضرته المشرفة رجلان وصبيان وامرأتان وأيضا امرأتان وبنتان الرجلان محمد المكناسي وعمر الأندلسي والصبيان ولدي عبد الله وكان عمره ثلاث سنين وموسى بن عبد الله التركماني والإمرأتان أم إبراهيم وبنتها عائشة زوجة الذعري والإمرأتان الأخريتان مريم القدسية وفاطمة الحموية وسألته عند وفاته أين أجعل دار هجرتي فقال مكان يسلم فيه دينك ودنياك ثم تلا قوله تعالى ( ^ الذين تتوفاهم الملائكة ) الآية وفيها سراج الدين أبو حفص عمر بن عبد العزيز الفيومي الأصل الدمشقي قال في الكواكب كانت له مشاركة جيدة وقال الشعر الحسن ولد ديوان شعر في مجلد ضخم ومدح الأكابر والأعيان وخمس البردة تخميسا حسنا ورزق فيه السعادة التامة واشتهر في حال حياته وكتبه الناس لحسنه وعذوبة ألفاظه ومن شعره ( إن كان هجري لذنب حدثوك به * عاتب به ليبين العبد أعذاره ) ( وإن يكن حظ نفس ماله سبب * فلا تطعها فإن النفس أمارة ) وتوفي بدمشق ودفن بمقبرة باب السريجة على والده وفيها شمس الدين أبو الفضل محمد بن صارم الدين إبراهيم الرملي الشافعي الشهير بابن الذهبي الإمام العالم أحد الشهود المعتبرين بدمشق ذكر النعيمي أنه كان قائما بخدمة الشيخ رضى الدين الغزي وأن ميلاده كان سنة تسع وخمسين وثمانمائة وقال البدر الغزي كان يعرف القراءات وتوفي بدمشق ليلة الجمعة ثالث عشر المحرم بعد عوده من القاهرة وفيها عز الدين محمد بن شهاب الدين أحمد الكوكاجي الحموي ثم الدمشقي الحنبلي أقضى القضاة ولد بعد الأربعين وثمانمائة وتوفي عشية الثلاثاء تاسع (8/84)

85 عشر ذي القعدة بدمشق وصلى عليه بالجامع الأموي ودفن بالروضة من سفح قاسيون وفيها جمال الدين محمد بن إسمعيل المشرع عجيل اليمني قال في النور كان إماما عالما صالحا توفي بمدينة زبيد ضحى يوم الخميس الثالث عشر من شهر رمضان ودفن إلى جنب أبيه قبلي تربة الشيخ إسمعيل الجبرتي انتهى وفيها شمس الدين محمد بن خليل الشيخ الإمام العالم الطرابلسي الشافعي خليفة الحكم بمدينة طرابلس دخل إلى دمشق في ضرورة له فتوفي بها غريبا يوم الأربعاء سابع شعبان ودفن بباب الفراديس وفيها محمد بن عبد الرحمن الأسقع باعلوي اليمني الشافعي قال في النور حفظ الحاوي ومنظومة البرماوي في الأصول وألفية ابن مالك وقرأ الكثير ودأب في الطب وأخذ عن الكثير من الأعلام منهم إبراهيم بن ظهيرة والسخاوي وله منه إجازة ومكث في مكة مدة لطلب العلم وحصل الكثير من العلوم وأقبل على نفع الناس إقراء وإفتاء مع الدين المتين والتحقيق والإتقان وشدة الورع والزهد والعبادة والخمول وكان حسن التقرير أخذ عنه غير واحد وتوفي بتريم في شوال ومن كراماته أن بعض خدمه سرق داره فقال له اذهب إلى المكان الفلاني تجد ما أخذ لك ففعل فوجد ما سرق له في ذلك المكان الذي عينه انتهى وفيها تقريبا المولى قوام الدين يوسف العالم الفاضل الشهير بقاضي بغداد كان من بلاد العجم من مدينة شيراز وولي قضاء بغداد مدة فلما حدثت فيه فتنة ابن أردبيل ارتحل إلى ماردين وسكن بها مدة ثم رحل إلى بلاد الروم فأعطاه السلطان أبو يزيد سلطانية بروسا ثم إحدى الثمانية وكان عالما متشرعا زاهدا وقورا صنف شرحا عظيما على التجريد وشرحا على نهج البلاغة وكتابا جامعا لمقدمات التفسير وغير ذلك رحمه الله تعالى (8/85)

86 سنة ثمان عشرة وتسعمائة فيها توفي العلامة برهان الدين إبراهيم بن علي القرصلي ثم الحلبي كان من قرصة بفتح القاف وسكون الراء وضم الصاد المهملة قرية من القصير وكان من جملة فلاحيها فتعلم الخط ثم رأى في المنام أنه على لوح في البحر وبيده عصى يحركه فأول له ذلك بأنه يكون من أهل الملم وكان كما أول له من العلماء ودرس بمسجد العناتبة بحلب وغيره قال ابن الحنبلي وأكب على دروسه جماعة في العقليات لمهارته فيها وإن كان في النقليات أمهر وفضله فيها أظهر انتهى وفيها السلطان الأعظم أبو يزيد خان بن السلطان محمد خان ابن السلطان مراد خان بن السلطان محمد خان بن السلطان بايزيد خان ابن السلطان مراد خان بن السلطان أورخان بن السلطان عثمان خان سلطان الروم وهو الثامن من ملوك بني عثمان ولد سنة ست وخمسين وثمانمائة قال الشيخ مرعي في كتابه نزهة الناظرين ولي السلطنة سنة سبع وثمانين وثمانمائة وكان محبا للعلماء والمشايخ والأولياء وله رياضات وفي أيامه تزايد الفتح ببلاد الروم وفتح عدة قلاع وحصون وبنى المدارع والجوامع والتكايا والزوايا والخوانق ودار الشفاء والحمامات والجسور ورتب للمفتي الأعظم ومن في رتبته من العلماء لكل واحد في كل عام عشرة آلاف عثماني وكان يرسل للحرمين في كل سنة أربعة عشر ألف دينار نصفها لمكة ونصفها للمدينة وفي أيامه قاتله أخوه السلطان جم على السلطنة ثم انهزم جم إلى مصر وحج في زمن السلطان قايتباي ثم عاد فأكرمه قايتباي إكراما عظيما ثم رجع إلى الروم وقاتل أخاه ثانيا فهزمه فهرب جم إلى بلاد النصارى فأرسل بايزيد إليه من سمه فحلق رأسه بموسى مسموم فمات وفي أيامه كان ظهور إسمعيل شاه فاستولى على ملوك العجم وأظهر مذهب الإلحاد والرفض وغير (8/86)

87 اعتقاد أهل العجم إلى يومنا هذا وفي أيامه قدم عليه خطيب مكة الشيخ محي الدين عبد القادر بن عبد الرحمن العراقي والشيخ شهاب الدين أحمد بن الحسين شاعر البطحاء وامتدحه بقصيدته التي أولها خذوا من ثنائي موجب الحمد والشكر ومن در لفظي أطيب النظم والنثر فأجازه عليها ألف دينار ورتب له في دفتر الصر كل سنة مائة دينار فكانت تصل إليه ثم إلى أولاده من بعده انتهى وقال في الكواكب وكان قد استولى على المرحوم السلطان أبي يزيد في آخر عمره مرض النقرس وضعف عن الحركة وترك الحروب عدة سنين فصارت عساكره يتطلبون سلطانا شابا قوي الحركة كثير الأسفار ليغازي بهم فرأوا أن السلطان سليم خان من أولاد أبي يزيد أقوى أخوته وأجلدهم فمالوا إليه وعطف عليهم فخرج إليه أبوه محاربا فقاتله وهزمه أبوه ثم عطف على أبيه ثانيا لما رأى من ميل العساكر إليه فلما رأى السلطان أبو يزيد توجه أركان الدولة إليه استشار وزراءه وأخصاءه في أمره فأشاروا أن يفرغ له عن السلطنة ويختار التقاعد في أدرنة وأبرموا عليه في ذلك فأجابهم حين لم ير بدا من إجابتهم وعهد إليه بالسلطنة ثم توجه مع بعض خواصه إلى أدرنة فلما وصل إلى قرب جورا وكان فيها حضور أجله فتوفي بها ووصل خبر موته هو وسلطان مكة قايتباي بن محمد بن بركات الشريف وسلطان اليمن الشيخ عامر بن محمد إلى دمشق في يوم واحد وهو يوم الأحد ثامن عشرى ربيع الأولى من هذه السنة انتهى وفيها شهاب الدين أحمد بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن منجك الأمير الدمشقي قال في الكواكب لم يحمد ابن طولون سيرته في أوقافهم وكانت وفاته بطرابلس وحمل إلى دمشق في محفة ودخلوا به دمشق يوم الأحد سابع عشر المحرم ودفن بتربتهم بميدان الحصا وتولى أوقافهم بعده الأمير عبد القادر بن منجك انتهى (8/87)

88 وفيها شهاب الدين أحمد بن حسن مفتي مدينة تعز من اليمن توفي بها يوم الأربعاء ثالث عشر جمادى الأولى وفيها الفقيه عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر بأفضل الحضرمي قال في النور ولد سنة خمسين وثمانمائة وارتحل لطلب العلم إلى عدن وغيرها وأخذ عن الإمامين محمد بن أحمد بأفضل وعبد الله بن أحمد مخرمه ولازم الثاني وتخرج به وانتفع به كثيرا وأخذ أيضا عن البرهان بن ظهيرة وتميز واشتهر ذكره وبعد صيته وأثنى عليه الأئمة من مشايخه وغيرهم وكان حريا بذلك وكان إماما عالما عاملا عابدا ناسكا ورعا زاهدا شريف النفس كريما سخيا مفضالا كثير الصدقة حسن الطريقة لين الجانب صبورا على تعليم العلم متواضعا حسن الخلق لطيف الطباع آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر له حرمة وافرة عند الملوك وغيرهم حافظا أوقاته لا يرى إلا في تدريس علم أو مطالعة كتاب أو اشتغال بعبادة وذكر ولي التدريس بجامع الشحر وانتصب فيها للاشغال والفتوى وصار عمدة القطر وانتهت إليه رايسة الفقه في جميع تلك النواحي ولم يزل على ذلك حتى توفي يوم الأحد خامس شهر رمضان ودفن في طرف بلد الشحر من جهة الشمال في موضع موات وهو أول من دفن هناك ودفن الناس إلى جانبه حتى صارت مقبرة كبيرة انتهى وفيها زين الدين عبد الحق بن محمد البلاطنسي الشافعي الإمام العلامة ولد في سنة ست وخمسين وثمانمائة وتوفي فجأة يوم الأربعاء سابع شعبان وصلى عليه غائبة بجامع دمشق يوم الجمعة ثالث رمضان قاله في الكواكب وفيها عفيف الدين عبد العليم بن القاضي جمال الدين محمد بن حسين القماط اليمنى قال في النور كان نعم الرجل فقها وصلاحا ودينا وأمانا وعفة وصيانة قدم في السنة التي قبلها من مدينة أب متوعكا إلى زبيد بعد طلوع ولده عفيف الدين عبد الله إليه فجعله نائبا له وقدم المدينة فلم يزل بها مريضا (8/88)

89 إلى أن وصل ابنه عبد الله باستدعائه إليه فمات بعد قدومه في ليلة الإثنين سادس عشر المحرم ودفن إلى جنب والده بمجنة باب سهام انتهى وفيها المولى مظفر الدين علي بن محمد الشيرازي العمري الشافعي قطن حلب سنة ست عشرة وتسعمائة وأخذ بها عن جماعة منهم الشمس بن بلال وكتب حواشي على الكافية وكان صهرا لمنلا جلال الدواني وكان ماهرا في المنطق حتى كان يقول عنه منلا جلال الدين لو كان المنطق جسما لكان هو منلا مظفر الدين وذكر في الشقائق أنه دخل بلاد الروم وكان المولى ابن المؤيد قاضيا بالعسكر وكان المنلا مظفر الدين مقدما عليه حال قراءتهما على الدواني فأكرمه ابن المؤيد إكراما عظيما وعرضه على السلطان أبي يزيد فأعطاه مدرسة مصطفى باشا بالقسطنطينية فدرس بها مدة ثم أعطاه إحدى المدارس الثمان فدرس بها مدة أيضا ثم أضرت عيناه فعجز عن إقامة التدريس فعين له السلطان سليم خان كل يوم ستين درهما بطريق التقاعد وتوطن مدينة بروسا قال وكانت له يد طولى في الحساب والهيئة والهندسة وزيادة معرفة بعلم الكلام والمنطق خاصة في حاشية التجريد وحواشي شرح المطالع قال ورأيت على كتاب اقليدس من فن الهيئة أنه قرأه من أوله إلى آخره على الفاضل أمير صدر الدين الشيرازي قال وكتب عليه حواشي محال مشكلات قال وكان سليم النفس حسن العقيدة صالحا مشتغلا بنفسه راضيا من العيش بالقليل واختار الفقر على الغنى وكان يبذل ماله للفقراء والمحاويج وقال ابن الحنبلي أنه مات مطعونا في هذه السنة وقال في الشقائق أنه مات بمدينة بروسا سنة اثنتين وعشرين فالله أعلم وفيها القاضي علاء الدين علي الرملي الفاضل خليفة الحكم العزيز بدمشق قال في الكواكب قتل بين المغرب والعشاء ليلة السبت حادي جمادى الآخرة بسوق الرصيف بالقرب من الجامع الأموي وهو السوق المعروف الآن بدرويش باشا عند باب البريد خرج عليه جماعة (8/89)

90 فقتلوه ولم يعرف قاتله واتهم بقتله القاضي شهاب الدين الرملي إمام الجامع الأموي لما كان بينهما من المخاصمات الشديدة انتهى وفيها محمد بن أحمد بن أبي بكر بن عبد الله العيدروس باعلوي الشافعي قال في النور كان مشاركا في العلوم وقرأ المنهاج الفقهي ومن محفوظاته الإرشاد وملحة الإعراب وتوفي بتريم ودفن بمشهد جده الشيخ عبد الله انتهى سنة تسع عشرة وتسعمائة فيها توفي الشيخ المعتقد إبراهيم بن محمد بن عبد الرحمن الدسوقي الشافعي الصوفي الرباني ولد في سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة ولبس خرقة التصوف من الشيخ شهاب الدين بن قرا وتفقه به ولقنه الذكر أبو العباس القرشي وأخذ عليه العهد عن والده عن جده قال الحمصي وكان صالحا مباركا مكاشفا وقال ابن طولون كان شديد الإنكار على صوفية هذا العصر المخالفين له خصوصا الطائفة العربية قال ولم تر عيناي متصوفا من أهل دمشق أمثل منه لبست منه الخرقة ولقنني الذكر وأخذ على العهد الجميع يوم السبت سادس عشرى ذي الحجة سنة اثنتي عشرة وتسعمائة انتهى وذكره الجمال يوسف ابن عبد الهادي في كتابه الرياض اليانعة في أعيان المائة التاسعة فقال اشتغل وتصوف مشاع ذكره وعنده ديانة ومشاركة وللناس فيه اعتقاد انتهى وتوفي بدمشق ليلة الإثنين ثالث شعبان ودفن بمقبرة باب الصغير وفيها برهان الدين إبراهيم بن عثمان بن محمد بن عثمان بن موسى بن يحيى المرداوي الدمشقي الصالحي الحنبلي المعروف بجابي بن عبادة ولد في رمضان سنة سبع وأربعين وثمانمائة وسمع على البرهان بن الباعوني والنظام بن مفلح والشهاب بن زيد وكان من الأفاضل وتوفي يوم الخميس مستهل رجب وفيها القاضي تقي الدين أبو بكر الشيخ العلامة الدمشقي الشافعي المعروف بابن قاضي زرع كان أحد خلفاء الحكم بدمشق وتوفي يوم الثلاثاء عاشر شهر رمضان (8/90)

91 وفيها شهاب الدين أحمد بن صدقة الشيخ الفاضل الشافعي أحد العدول بدمشق توفي وهو متوجه إلى مصر بالعريش في أواخر جمادى الآخرة وفيها قاضي القضاة العلامة شهاب الدين أحمد الشيشي المصري الحنبلي ولي قضاء الحنابلة بمصر سنين وكان إماما علامة وتوفي في صفر وولي قضاء الحنابلة عوضه ولده قاضي القضاة عز الدين وفيها زين الدين ومحب الدين بركات بن إبراهيم بن محمد بن إبرهيم الأذرعي الدمشقي العاتكي الشافعي الشهير بابن سقط الشيخ الإمام الفاضل ولد في سابع عشر شعبان سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة وكان أحد عدول دمشق وتوفي ليلة الجمعة ثاني عشر شوال وفيها تقريبا شرف الدين شرف الصعيدي الشيخ الصالح الورع الزاهد دخل مصر في أيام الغوري وأقام بها حتى مات وكان يصوم الدهر ويطوي أربعين يوما فأكثر وبلغ الغوري أمره فحبسه في بيت وأغلق عليه الباب ومنعه الطعام والماء ثم أخرجه فصلى بالوضوء الذي دخل به فاعتقده الغوري اعتقادا عظيما وكان يكاشف بما يقع للولاة وغيرهم قاله في الكواكب وفيها شيخ بن عبد الله بن العيدروس الشريف اليمني الشافعي قال حفيده في النور السافر كان من أعيان عباد الله الصالحين وخلاصة المقربين حسن الأخلاق والشيم جميل الأوصاف معروفا بالمعروف والكرم سليم الصدر رفيع القدر صح بغير واحد من الأكابر كأبيه الشيخ عبد الله العيدروس وعمه الشيخ علي وعمه الشيخ أحمد وأخيه الشيخ أبي بكر ومن في طبقتهم وأخذ عنهم وتخرج بهم وصار وحيد عصره ومن المشار إليهم في قطره ومحاسنه كثيرة وبحار فضائله غزيرة لا سبيل إلى حصرها والأولى الآن طيها دون نشرها وفيه يقول حفيده وسميه سيدي الشيخ الوالد قدس الله روحه ( وفي شيخ ابن عبد الله جدي * معاشرة لحسن الخلق تبدي ) ( له قلب منيب ذو صفاء * سليم الصدر بالإنفاق يسدي ) (8/91)

92 ( له في الأولياء حسن اعتقاد * كريم الأصل ذو فخر ومجد ) ( تربي بالولي القطب حقا * أبوه العيدروس الخير يهدي ) انتهى بحروفه وفيها قاضي القضاة نجم الدين عمر بن إبراهيم بن محمد بن مفلح الراميني الأصل الدمشقي الصالحي الحنبلي ولد سنة ثمان وأربعين وثمانمائة وأخذ عن والده وغيره وولي قضاء قضاة الحنابلة بدمشق مرارا آخرها سنة عشر وتسعمائة واستمر فيه إلى أن توفي ليلة الجمعة ثاني شوال ودفن بالصالحية على والده وكانت له جنازة حافلة حضرها نائب الشام سيباي والقضاة الثلاثة وخلائق لا يحصون وفيها سراج الدين عمر بن شيخ الإسلام علاء الدين علي بن عثمان بن عمر بن صالح الشهير بابن الصيرفي في الدمشقي الشافعي ولد سنة أربع أو خمس وعشرين وثمانمائة وقيل سنة ثلاثين وكان إماما عالما علامة خطيبا مصقعا له أسانيد عالية بالحديث النبوي وولي نيابة القضاء بدمشق مدة طويلة والعرض والتقرير وباشر خطابة الجامع الأموي نحو أربعين سنة وتوفي ليلة الأحد سابع شوال وصلى عليه السيد كمال الدين بن حمزة بالأموي ودفن بمقبرة باب الصغير على والده الحافظ علاء الدين الصيرفي غربي مسجد النارنج وفيها أبو حفص عمر البجائي المغربي المالكي الإمام العلامة القدوة الحجة الفهامة ولي الله تعالى والعارف به قدم إلى مصر في زمان السلطان الغوري وصار له عند الأكابر وغيرهم القبول التام وكان له كشف ظاهر يخبر بالوقائع الآتية في مستقبل الزمان فتقع كما أخبر وهو ممن أخبر بزوال دولة الجراكسة وقتالهم لابن عثمان وقال أن الدولة تكون للسلطان سليم ومر على المعمار وهو يعمر القبة الزرقاء للغوري تجاه مدرسته فقال ليس هذا قبر الغوري فقالوا له وابن قبره فقال يقتل في المعركة فلا يعرف له قبر وكان الأمر كما قال وكان شابا طويلا جميل الصورة طيب الرائحة على الدوام حفظ المدونة الكبرى للإمام مالك وسمع الحديث الكثير وكان يصوم الدهر وقوته في الغالب الزبيب ولم يكن على رأسه (8/92)

93 عمامة إنما كان يطرح ملاءة عريضة على رأسه وظهره ويلبس جبة سوداء واسعة الأكمام وسكن جامع الملك بالحسينية ثم انتقل إلى جامع محمود ثم عاد إلى قبة المارستان بخط بين القصرين وبقي بها إلى أن مات ولما سكن بجامع محمود قال فيه الشيخ شمس الدين الدمياطي أبياتا منها ( سألتني أيها المولى مديح أبي * حفص وما جمعت أوصافه الغرر ) ( مكمل في معانيه وصورته * كمال من لابه نقص ولا قصر ) ( مطهر القلب لا غل يدنسه * ولا له قط في غير التقى نظر ) ( فهن جامع محمود بساكنه * لإنه الآن محمود ومفتخر ) ( وقل له فيك بحر العلم ليس له * حد فيا لك بحرا كله درر ) وتوفي في هذه السنة أو التي بعدها ودفن بالقرافة في حوش عبد الله بن وهب بالقرب من قبر القاضي بكار وفيها أو في التي بعدها مصلح الدين مصطفى الرومي الحنفي الشهير بابن البركي الإمام العالم طلب العلم وخدم المولى قاسم الشهير بقاضي زاده ثم صار معيدا لدرسه ثم درس في بعض المدارس ثم جعله السلطان أبو يزيد معلما لولده السلطان أحمد وهو أمير باماسية ثم أعطاه إحدى الثمانية ثم قضاء أدرنة وكان في قضائه حسن السيرة محمود الطريقة واستم رقاضيا بها مدة طويلة إلى أن عزله السلطان سليم في أوائل سلطنته وعين له كل يوم مائة وثلاثين عثمانيا وكان مفننا فصيح اللسان طلق الجنان رحمه الله تعالى وفيها نجم الدين محمد بن أحمد الشهير بابن شكم الدمشقي الشافعي الإمام العلامة قال الحمصي كان عالما صالحا زاهدا وقال ابن طولون كتب على أربعين مسئلة بالشامية سأله عنها مدرسها شيخ الإسلام تقي الدين بن قاضي عجلون فكتب عليها وعرضها عليه يوم الأربعاء سادس عشرى ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وتسعمائة عند ضريح الواقفة فأسفر عن استحضار حسن وفضيلة تامة وتوفي (8/93)

94 يوم الإثنين خامس عشر شوال ودفن بصالحية دمشق وفيها محي الدين محمد بن حسن بن عبد الصمد الساموني الرومي الحنفي العالم العامل الزاهد قرأ على والده وعلى المولى علاء الدين العربي ثم ولي التدريس وترقى فيه ثم صار قاضي أدرنة من قبل السلطان سليم وتوفي وهو قاض بها قال في الشقائق كان مشتغلا بالعلم غاية الاشتغال بحيث لا ينفك عن حل الدقائق ليلا ونهارا وكان معرضا عن مزخرفات الدنيا يؤثر الفقراء على نفسه حتى يختار لأجلهم الجوع والعرى راضيا من العيش بالقليل له محبة صادقة للصوفية وله حواش على شرح المفتاح للسيد الشريف وحواش على حاشية التجريد للسيد أيضا وحواش على التلويح للتفاتازاني انتهى وفيها شمس الدين أبو عبد الله محمد بن حسن بن محمد بن أبي بكر البابي المولد الحلبي المنشأ الشافعي المعروف بابن البيلوني الإمام العالم العامل لازم الشيخ بدر الدين بن السيوفي وحدث عنه وقرأ على الكمال محمد بن الناسخ الطرابلسي وهو نزيل حلب في شعبان سنة خمس وتسعمائة من أول صحيح البخاري إلى أول تفسير سورة مريم وأجازه ومن معه وأجازه جماعة آخرون منهم الحافظ السخاوي وألبسه الطاقية وصافحه وأسمعه الحديث المسلسل بالمصافحة ومنهم الكمال والبرهان ابنا أبي شريف المقدسيان وذلك عن اجتماع وقراءة عليهما وحدث بجامع حلب على الكرسي بصحيح البخاري وغيره وولي إمامة السفاحية والحجازية بجامع حلب دهرا وكان متقشفا متواضعا يعبر عن نفسه بلفظ عبيدكم كثيرا وتوفي بحلب يوم السبت ثاني عشرى القعدة وفيها شمس الدين محمد بن جلال الدين محمد بن فتح الدين عبد الرحمن ابن وجيه الدين حسن المصري المالكي ويعرف كسلفه بابن سويد قال في النور ولد في سادس شعبان سنة ست وخمسين وثمانمائة ونشأ في كنف أبيه فحفظ القرآن وابن الحاجب الفرعي والأصلي والفية النحو وغير ذلك وعرض على (8/94)

95 خلق واشتغل قليلا على والده وورث عنه شيئا كثيرا فأتلفه في أسرع وقت ثم أملق وذهب إلى الصعيد ثم إلى مكة وقرأ هناك على الحافظ السخاوي الموطأ ومسند الشافعي وسنن الترمذي وابن ماجه وسمع عليه شرحه للألفية وغير ذلك من تصانيفه ولازمه مدة وذكره السخاوي في تاريخه فقال كان صاحب ذكاء وفضيلة في الجملة واستحضار وتشدق في الكلام وكانت سيرته غير مرضية وأنه توجه إلى اليمن ودخل زيلع ودرس وحدث ثم توجه إلى كنباية وأقبل عليه صاحبها وقال الشيخ جار الله بن فهد وقد عظم صاحب الترجمة في بلاد الهند وتقرب من سلطانها محمود شاه ولقبه بملك المحدثين لما هو مشتمل عليه من معرفة الحديث والفصاحة وهو أول من لقب بها وعظم بذلك في بلاده وانقاد له الأكابر في مراده وصار منزله مأوى لمن طلبه وصلاته واصلة لأهل الحرمين واستمر كذلك مدة حياة السلطان المذكور ولما تولى ولده مظفر شاه أخرج بعض وظائفه عنه بسبب معاداة بعض الوزراء فتأخر عن خدمته إلى أن مات قال ولم يخلف ذكرا بل تبنى ولدا على قاعدة الهند فورثه مع زوجته ولم يحصل لابنته التي بالقاهرة شيئا من ميراثها لغيبتها ودفن بأحمداباد من كجرات انتهى سنة عشرين وتسعمائة فيها توفي المولى إبراهيم الرومي الحنفي الشهير بابن الخطيب العالم الفاضل أحد الموالي العثمانية قرأ على أخيه المولى خطيب زاده وعلى غيره وولي التداريس وترقى فيها حتى صار مدرسا بمدرسة السلطان مراد خان ببروسا وتوفي وهو مدرس بها قال في الشقائق كان سليم الطبع حليم النفس منجمعا عن الخلق مشتغلا بنفسه أديبا لبيبا إلا أنه لم يشتغل بالتصنيف لضعف دائم في مزاجه انتهى وفيها شهاب الدين أحمد بن حمزة الشيخ الإمام العالم العلامة الصالح التركي الطرابلسي الدمشقي الشافعي الصوفي ولد في شوال سنة (8/95)

96 أربع وثلاثين وثمانمائة وكان إماما لكل طرابلس الشام ولما جاء من كفالة طرابلس إلى كفالة دمشق صحبه المترجم وكان على طريقة حسنة قال الحمصي كان رجلا عالما صالحا ومن محاسنه أنه صلى بالجامع الأموي في شهر رمضان بالقرآن جميعه في ركعتين وقال النعيمي أصيب في بصره سنة خمس عشرة وتسعمائة بعد أن أصيب في أواخر القرن التاسع بأولاد نجباء وصبر ثم انقطع عن الناس بالمدرسة التقوية إلى أن توفي يوم الخميس خامس ذي القعدة وفيها تقريبا شهاب الدين أحمد بن عمر بن سليمان الجعفري الدمشقي الشافعي الصوفي الوفائي له كتاب لطيف شرح فيه حكم ابن عطاء الله وضعه على أسلوب غريب كلما تكلم على حكمة اتبعها بشعر عقدها فيه فمن ذلك قوله ( أجل أوقات عارف زمن * يشهد فيه وجود فاقته ) ( متصفا بالذي يقربه * من ربه من وجود زلته ) عقد فيه قول ابن عطاء الله خير أوقاتك وقت شهدت فيه وجود فاقتك وترد إلى وجود زلتك وقال أيضا ( خير ما تطلب منه * هو ما يطلب منكا ) ( فاطلب التوفيق منه * للذي يرضيه عنكا ) عقد فيه قول ابن عطاء الله خير ما تطلبه منه ما هو طالبه منك وقال أيضا ( إن وسع الكون صغير جرم جثما نيتك * ) ( فإنه يضيق عن عظيم روحانيتك * ) عقد فيه قول ابن عطاء الله وسعك الكون من حيث جثمانيتك ولم يسعك من ثبوت روحانيتك وفرغ من تأليف هذا الكتاب يوم الجمعة ثالث عشرى القعدة من السنة التي قبلها بمكة المشرفة تجاه البيت الحرام وفيها أحمد الشيخ الصالح المعتقد المعروف بأبي عراقية أصله من العجم وأقام بدمشق وكان للأروام فيه اعتقاد زائد قال ابن طولون وهو ممن أخذ عنه وقد أخبرنا (8/96)

97 كثيرا عن استيلائهم على هذه البلاد وعمارتهم على قبر المحيوي بن العربي وعنده تكية قبل موته وقد وقع ذلك بعد موته بسنتين كما قال انتهى توفي في هذه السنة ودفن عند صفة الدعاء أسفل الروضة من سفح قاسيون وفي حدودها صاحب خزانة الفتاوى وهو القاضي جكن بضم الجيم وفتح الكاف وسكون النون وهي كلمة هندية جعلت علما ومعناها بلسان الهند كثير المال كان رحمه الله تعالى أحد إخوة أربعة كلهم فقهاء فضلاء ولوا القضاء بنهر واله من إقليم الكجرات واسم القصبة التي نشأوا بها كرى بفتح الكاف وكسر الراء آخره ياء مثناة تحت وكان في أواخر سلطنة السلطان محمود شاه بن محمد شاه بن أحمد شاه الكجراتي وفيها حسام الدين حسين بن عبد الرحمن الرومي الحنفي العالم الفاضل قرأ على علماء عصره ودخل إلى خدمة المولى أفضل زاده ثم قرأ على المولى عبد الرحمن بن المؤيد ثم خدم المولى خواجه زاده ثم ولي التداريس حتى صار مدرسا بمدرسة السلطان محمد ببروسا ثم بمدرسة أبي يزيد باماسية ثم بإحدى الثمانية ومات وهو مدرس بها وكان فاضلا بارعا حسن الصوت لطيف المعاشرة له أدب ووقار وله حواش على أوائل حاشية التجريد وكلمات متعلقة بشرح الوقاية لصدر الشريعة ورسالة في جواز استخلاف الخطيب ورسالة في جواز الذكر الجهري وغير ذلك قاله في الكواكب وفيها عمر بن معوضة الشرعي قال في النور كان فقيها عالما صالحا مات يوم الأربعاء ثاني عشر شوال بزبيد انتهى وفيها أبو الوفا محمد بن عبد الله بن محمد بن محمد الموصلي الأشعري الشافعي الشيخ الصالح المسلك المربي قال في الكواكب كان من أعيان الصوفية بدمشق وأصلائهم أبا عن جد توفي في ثامن عشر شهر رمضان ودفن بمقبرة القبيبات رحمه الله تعالى وفيها جمال الدين محمد بن الصديق الصائغ قال في النور كان فقيها إماما علامة توفي بمدينة زبيد ليلة السبت الحادي عشر من (8/97)

98 شهر ربيع الأول ودفن غربي مشهد الشيخ أحمد الصياد انتهى سنة إحدى وعشرين وتسعمائة في حدودها توفي الشيخ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن حسين بن محمد العليني المكي نزيل المدينة الشافعي ولد سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة وسمع على جماعة وأجازه آخرون قال ابن طولون أجازني في استدعاء بخط شيخنا النعيمي مؤرخ في سنة عشرين وتسعمائة قال وربما اجتمعت به انتهى وفيها بدر الدين حسن بن ثابت بن إسمعيل الزمزمي المكي خادم بئر زمزم وسقاية العباس نزيل دمشق الشافعي الإمام الحيسوب المفيد قال في الكواكب أخذ العلم عن قريبه الشيخ إبراهيم الزمزمي وغيره ثم اعتنى بعلم الزيارج وبتصانيفه الشيخ جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى وتوفي بالمدرسة البادرائية داخل دمشق في سابع عشر ربيع الأول تقريبا سنة إحدى وعشرين وتسعمائة تحقيقا ودفن بمقبرة باب الصغير انتهى وفيها قاضي القضاة سرى الدين أبو البركات عبد البر بن قاضي القضاة محب الدين أبي الفضل محمد بن قاضي القضاة محب الدين أيضا أبي الوليد محمد بن الشحنة الحنفي ولد بحلب سنة إحدى وخمسين وثمانمائة ورحل إلى القاهرة فاشتغل في علوم شتى على شيوخ متعددة ذكرهم السخاوي في ترجمته في الضوء اللامع منهم والده وجده ودرس وأفتى وتولى قضاء حلب ثم قضاء القاهرة وصار جليس السلطان الغوري وسميره قال الحمصي كان عالما متقنا للعلوم الشرعية والعقلية وقال ابن طولون ولم يثن الناس عليه خيرا وذكر الحمصي أن عبيد السلموني شاعر القاهرة هجاه بقصيدة قال في أولها ( فشا الزور في مصر وفي جنباتها * ولم لا وعبد البر قاضي قضاتها ) وعقد على السلموني بسبب ذلك مجلس في مستهل محرم سنة ثلاث عشرة (8/98)

99 بحضرة السلطان الغوري وأحضر في الحديد فأنكر ثم عزر بسببه بعد أن قرئت القصيدة بحضرة السلطان وأكابر الناس وهي في غاية البشاعة والشناعة والسلموني المذكور كان هجاء خبيث الهجو ما سلم منه أحد من أكابر مصر فلا يعد هجوه جرحا في مثل القاضي عبد البر وقد كان له في ذلك العصر حشمة وفضل وكان تليمذه القطب بن سلطان مفتي دمشق يثني عليه خيرا ويحتج بكلامه في مؤلفاته وكان ينقل عنه أنه أفتى بتحريم قهوة البن وله رحمه الله تعالى مؤلفات كثيرة منها شرح منظومة ابن وهبان في فقه أبي حنيفة النعمان ومنها شرح الوهبانية في فقه الحنفية وشرح منظومة جده أبي الوليد بن الشحنة التي نظمها في عشرة علوم وكتاب لطيف في حوض دون ثلاثة أذرع هل يجوز فيه الوضوء أولا وهل يصير مستعمل التوضى فيه أولا ومنها الذخائر الأشرفية في ألغاز الحنفية وله شعر لطيف منه ( أضاروها مناقبي الكبار * وبي والله للدنيا الفخار ) ( بفضل شائع وعلوم شرع * لها في سائر الدنيا انتشار ) ( ومجد شامخ في بيت علم * مفاخرهم بها الركبان ساروا ) ( وهمة لوذع منهم تسامى * وفوق الفرقدين لها قرار ) ( وفكر صائب في كل فن * إلى تحقيقه أبدا يصار ) وقال ناظما لأسماء البكائين في غزوة تبوك وهم الذين نزلت فيهم ( ^ ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تورعا وأعينهم تفيض من الدمع ) ( ألا إن بكاء الصحابة سبعة * لكونهم قد فارقوا خير مرسل ) ( فعمرو أبو ليلى وعلية سالم * كذا سلمة عرباص وابن مغفل ) وذيل عليه البدر الغزي فقال ( كثعلبة عمرو وصخر وديعة * وعبد ابن عمرو بن أزرق معقل ) (8/99)

100 قال البدر المذكور وكنت قبل أن أقف على بيتي القاضي عبد البر المذكور قد استوفيت أسماءهم ونظمتها في هذه الأبيات ( وفي الصحب بكاءون بضعة عشر قد * بكوا حزنا إذ فارقوا خير مرسل ) ( فمنهم أبو ليلى وعمرو بن عتمة * وصخر بن سلمان وربع بمعقل ) ( كذلك عبد الله وهو ابن أزرق * كذاك ابن عمرو ثم نجل مغفل ) ( وثعلبة وهو ابن زيد وسالم * هو ابن عمير في مقال لهم جلي ) ( أبو علية أو علية ووديعة * وبالأمجد العرباض للعد أكمل ) وذكر ابن الحنبلي في تاريخه أن القاضي عبد البر نظم أبياتا في أسماء البكائين المذكورين وبين فيها اختلاف المفسرين وأهل السير فيهم وشرحها رسالة لطيفة ومن لطائفه قوله ( حبشية ساءلتها عن جنسها * فتبسمت عن در ثغر جوهري ) ( وطفقت أسأل عن نعومة ما طفى * قالت فما تبغيه جنسي امحري ) وتوفي يوم الخميس خامس شعبان بحلب وفيها تقريبا عز الدين عبد العزيز بن عبد اللطيف بن أحمد بن جار الله بن زايد بن يحيى بن محيا بن سالم المكي الشافعي المعروف كسلفه بابن زايد وله سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة بمكة وحفظ القرآن العظيم وسافر مع أبيه في التجارة إلى الهند واليمن وسواكن وغيرها وسمع على أبي الفتح المراغي جميع البخاري خلا أبواب وبعض مسلم وكتبا كثيرة منه السنن الأربعة وسمع على الحافظ تقي الدين بن فهد ومنه أشياء كثيرة وعلى الشهاب الزفتاوي المسلسل بالأولية وجزء أيوب السختياني والبردة للبوصيري وغير ذلك وأجاز له جماعة منهم الحافظ ابن حجر وأحمد بن محمد بن أبي بكر الدماميني والعز عبد الرحيم بن الفرات والسعد الديري وجماعة آخر وفيها تقريبا أيضا الحافظ عز الدين أبو الخير أبو فارس عبد العزيز بن العمدة المؤرخ الرحال نجم الدين (8/100)

101 أبي القسم وأبي حفص عمر بن العلامة الرحلة الحافظ تقي الدين أبي الفضل محمد بن محمد بن محمد الشريف العلوي الشهير كسلفه بابن فهد المكي الشافعي ولد في الثلث الأخير من ليلة السبت سادس عشرى شوال سنة خمسين وثمانمائة بمكة المشرفة وحفظ القرآن العظيم والأربعين النووية والإرشاد لابن المقري والفية ابن مالك والنخبة لابن حجر والتحفة الوردية والجرومية وعرضها جميعها على والده وجده والثلاثة الأولى على جماعة غيرهما واستجاز له والده جماعة منهم ابن حجر وأسمعه على المراغي والزين الأسيوطي والبرهان الزمزمي وغيرهم ثم رحل بنفسه إلى المدينة المنورة ثم إلى الديار المصرية وسمع بهما وبالقدس وغزة ونابلس ودمشق وصالحيتها وبعلبك وحماة وحلب وغيرها ممن لا يحصى وجد واجتهد وتميز ثم عاد إلى بلده ثم رجع إلى مصر بعد نحو أربع سنوات وذلك في سنة خمس وسبعين وقرأ على شيخ الإسلام زكريا والشرف عبد الحق السنباطي في الإرشاد وعلى السخاوي الفية الحديث وغيرها ورجع إلى بلده ثم سافر في موسم السنة التي تليها إلى دمشق وقرأ بها على الزين خطاب والمحب البصروي وكان قد أخذ عنه بمكة أيضا وحضر دروس التقوى بن قاضي عجلون وسافر إلى حلب ثم رجع وسافر إلى القاهرة ثم عاد إلى بلده ثم عاد إلى القاهرة ولازم السخاوي وحضر دروس إمام الكاملية والسراج العبادي ثم رجع إلى بلده وأقام بها ملازما للاشتغال والاشغال ولازم فيها عالم الحجاز البرهان ابن ظهيرة في الفقه والتفسير وأخاه الفخر والنور الفاكهي في الفقه وأصوله وأخذ النحو عن أبي الوقت المرشدي والسيد السنهوري مؤرخ المدينة والنحو والمنطق عن العلامة يحيى المالكي وبرع في علم الحديث وتميز فيه بالحجاز مع المشاركة في الفضائل وعلو الهمة والتخلق بالأخلاق الجميلة وصنف عدة كتب منها معجم شيوخه نحو ألف شيخ وفهرست مروياته وجزء في (8/101)

102 المسلسل بالأولية وكتاب فيه المسلسلات التي وقعت له ورحلة في مجلد وكتاب الترغيب والاجتهاد في الباعث لذوي الهمم الغلية على الجهاد وترتيب طبقات القراء للذهبي وتاريخ على السنين ابتدأ فيه من سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة وذكر ابن طولون أنه أجازه مرارا وسمع منه الحديث المسلسل بالأولية ثم المسلسل بالمحمدين ثم المسلسل بحرف العين وذلك يوم الإثنين سادس ذي الحجة سنة عشرين وتسعمائة بزيارة دار الندوة انتهى وفيها جمال الدين محمد بن محمد النظاري قال في النور كان نعم الرجل فقها وعقلا وصيانة ودينا وأمانة وبذلا للمعروف كافا للأذى معينا للملهوف له صدقات جليلة سرا وعلانية وكان قطب رحى المملكة السلطانية الظافرية وعين الأعيان في الجهة اليمانية ومن آثاره بناء المسجد ببيت الفقيه عجيل عمره عمارة متقنة إلى الغاية وبنى مدرسة بمدينة اب ووقف عليها وقفا جليلا وجملة من الكتب النفيسة وله من الآثار الحسنة ما يجل عن الوصف وتوفي يوم الخميس الثاني والعشرين من جمادى الأولى بمدينة اب بعد أن طلع إليها متوعكا من نحو شهر وترك ولده الفقيه عبد الحق عوضا عنه بزبيد انتهى سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة فيها زالت دولة الجراكسة بملوك بني عثمان خلد الله دولتهم وأبد سيادتهم وفيها توفي القاضي برهان الدين إبراهيم السمديسي المصري الحنفي قال في الكواكب ولي نيابة القضاء والوظائف الدينية بالقاهرة وناب عن عمه القاضي شمس الدين السمديسي في إمامة الغورية وتوفي يوم الإثنين سادس عشر جمادى الأولى وصلى عليه في الجامع الأزهر انتهى وفيها برهان الدين أبو الوفا إبراهيم بن زين الدين أبي هريرة عبد الرحمن ابن شمس الدين محمد بن مجد الدين إسمعيل الكركي الأصل القاهري (8/102)

103 المولد والدار والوفاة الحنفي إمام السلطان ويعرف بابن الكركي قال في النور السافر ولد وقت الزوال من يوم الجمعة تاسع شهر رمضان سنة خمس وثلاثين وثمانمائة بالقاهرة وأمه أم ولد جركسية وحفظ القرآن وأربعين النووي والشاطبية ومختصر القدوري والفية ابن مالك وغيرها وعرض محفوظاته على أئمة عصره كالشهاب بن حجر والعلم البلقيني والقلقشندي واللولوي السقطي وابن الديري وابن الهمام وجماعة آخرين وكتبوا كلهم له وسمع صحيح مسلم أو أكثره على الزين الزركشي وأقبل على العلم وتحصيله فأخذ الفقه والعربية عن الشمس إمام الشيخونية وكذا أخذ عن النجم الغزي والعز عبد السلام البغدادي وسمع عليه الشفا وقرأ الصحيحين على الشهاب بن العطار وحضر دروس الكمال بن الهمام ولازم التقي الحصني والتقي الشمني والكافيجي وعظم اختصاصه بهم وأخذ عن الشمني التفسير وعلوم الحديث والفقه والأصلين والعربية والمعاني والبيان ورتبت له الوظائف الكثيرة من جملتها دينار كل يوم ونوه به في قضاء الحنفية وكان شأنه أعلى من ذلك إذ كان القضاة وغيرهم يترددون إليه ومال الأفاضل من الغرباء وغيرهم من الاستفادة منه والمباحثة معه ولم يزل يزيد اختصاصه بالسلطان قايتباي بحيث لم يتخلف عنه في سفر ولا غيره قال السخاوي أنه تمنى بحضرته الموت فانزعج من ذلك وقال بل أنا أتمناه لتقرأ عند قبري وتزورني وصنف وأفتى وحدث وروى ونظم ونثر ونقب وتعقب وخطب ووعظ وقطع ووصل وقدم وأخر ومن تصانيفه فتاوى في الفقه مبوبة في مجلدين وحاشية على توضيح ابن هشام هذا كله مع الفصحاة والبلاغة وحسن العبارة والضبط وجودة الخط ولطف العشرة والميل إلى النادرة واللطف ومزيد الذكاء وسرعة البديهة والاعتراف بالنعمة والطبع المسقتيم إلى أن تنكد خاطر (8/103)

104 السلطان من جهته في سنة ست وثمانين فمنعه من الحضور في حضرته فتوجه للاقراء في بيته فنون العلم والفتيا وحج ثلاث حجات وأخذ عن أهل الحرمين وأخذوا عنه انتهى كلام صاحب النور وقال ابن فهد أنه تولى قضاء الحنفية بالقاهرة في زمن الأشرف بن قايتباي في سنة ثلاث وتسعمائة ثم عزل سنة ست واستمر معزولا إلى أن مات وقال في الكواكب السائرة كانت وفاته يوم الثلاثاء خامس شعبان غريقا تجاه منزله من بركة الفيل بسبب أنه كان توضأ بسلالم قيطونه فانفرك به القبقاب فانكفأ في البركة ولم يتفق أحد يسعفه فاستبطأوه وطلبوه فوجدوا عمامته عائمة وفردة القبقاب على السلم فعلموا سقوطه في البركة فوجدوه ميتا ونال الشهادة ودفن من الغد بفسقيته التي أنشأها بتربة الأتابك يشبك بقرب السلطان قايتباي وتردد الأمير طومان باي الذي صار سلطانا بعد موت الغوري إلى بيته وذهب ماشيا إلى جنازته هو ومن بمصر من الأعيان انتهى وفيها برهان الدين أبو الفتح إبراهيم بن علي بن أحمد القلقشندي الشيخ الإمام العلامة المحدث الحافظ الرحلة القدوة الشافعي القاهري أخذ عن جماعة منهم الحافظ ابن حجر والمسند عز الدين بن الفرات الحنفي وغيرهما وخرج لنفسه أربعين حديثا قال البدر العلائي أنه آخر من يروي عن الشهاب الواسطي وأصحاب الميدومي والتاج الشرابشي والتقي الغزنوي وعائشة الكنانية وغيرهم وقال الشعراوي كان عالما صالحا زاهدا قليل اللهو والمزاح مقبلا على الأعمال الآخرة حتى ربما يمكث اليومين والثلاثة لا يأكل انتهت إليه الرياسة وعلو السند في الكتب الستة والمسانيد والأقراء قال وكان لا يخرج من داره إلا لضرورة شرعية وليس له تردد إلى أحد من الأكابر وكان إذا ركب بغلته وتطيلس يصير الناس كلهم ينظرون إليه من شدة الهيبة والخفر الذي عليه وتوفي فقيرا بحصر البول يوم الثلاثاء عاشر جمادى الآخرة عن إحدى وتسعين سنة لا تزيد (8/104)

105 يوما ولا تنقص يوما وصلى عليه بالجامع الأزهر ودفن بتربة الطويل خارج باب الحديد من صحراء القاهرة قال الشعراوي وكأن الشمس كانت في مصر فغربت أي عند موته وفيها برهان الدين إبراهيم بن موسى بن أبي بكر بن الشيخ علي الطرابلسي ثم الدمشقي نزيل القاهرة الحنفي الإمام العلامة أخذ عن السخاوي والديمي وغيرهما وكان منقطعا في خلوة بالمؤيدية عند الشيخ صلاح الدين الطرابلسي ثم طل بالعلم واشتغل وترقى في مقامه عند الأتراك بواسطة اللسان ثم صار شيخ القجماسية وتوفي في آخر هذه السنة وصلى عليه وعلى البرهانين ابن الكركي المتقدم وابن أبي شريف الآتي في السنة التي بعد هذه غائبة بجامع دمشق وفيها أحمد بن أبي بكر العيدروس الشيخ الصالح الولي العجيب قال في النور أمه بهية بنت الشيخ علي بن أبي بكر بن الشيخ عبد الرحمن الشقاف وأمها فاطمة بنت الشيخ عمر المحضار بن الشيخ عبد الرحمن الشقاف فولده الشيخ عمر من الجهتين كما ولده أيضا الشيخ أبو بكر بن عبد الرحمن مرتين وقد تميز بهذا عن غيره من بني عمه كما أشار إليه العلامة بحرق حيث يقول فيه ( أصيل السيادة لا ينتمي * إلى جد الا هو السيد ) ( لئن شاركته بنو العيدروس * بفخر هو الشمس لا يجحد ) ( فقد خصه الله من بينهم * بآيات مجد له تشهد ) ( حوى سر جديه من أمه * فطاب له الفرع والمحتد ) فهو الوارث لأبيه وجده وحامل الراية من بعده وولي عهده فقد قام بالمقام أتم قيام ونهض بما نهض به آباؤه الكرام فساد وجاد وبنى معاقل المجد وشاد وأحيا الرواتب التي أسسها أبوه والأوراد وواظب على إطعام الطعام وصلة الأرحام والإحسان إلى الفقراء والأيتام باذلا جاهه وماله في إيصال النفع إلى أهل الإسلام واتفق أن ثمن الكسوة التي اشتراها في (8/105)

106 آخر ختمة لرمضان صلاها بلغ خمسة آلاف دينار أو أكثر وحكى أن خبز مطبخه كان إذا ركموه يبلغ إلى سطح الدارودور عدن عالية جدا بحيث أنها تكون على ثلاثة قصور غالبا قال الراوي فعجبت وقلت ما كان بعدن إذ ذاك سائل قالوا لا ما كان في زمنه وزمن والده في عدن سائل أصلا ومحاسنه رحمه الله تعالى أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر ورثاه العلامة بحرق بمرثية حسنة منها ( لمن تبنى مشيدات القصور * وأيام الحياة إلى قصور ) إلى أن قال ( وروعت الأنام بفقد شخص * رزيته على بشر كثير ) ( شهاب ثاقب من نور بدر * تبقى من شموس من بدور ) وهي طويلة وتوفي في سلخ المحرم بعدن ودفن بها في قبة أبيه وعمره يومئذ أربعون سنة تقريبا انتهى ملخصا وفيها السيد أحمد البخاري العارف بالله تعالى الشريف الحسيني قال في الكواكب صحب في بدايته الشيخ العارف بالله تعالى خواجه عبيد الله السمرقندي ثم صحب بأمره الشيخ الالهي وسار معه إلى بلاد الروم وترك أهله وعياله ببخارى وكان الشيخ الالهي يعظمه غاية التعظيم وعين له جانب يمينه وكان يقول أن السيد أحمد البخاري صلى بنا الفجر بوضوء العشاء ست سنين وسئل السيد أحمد عن نومه في تلك المدة قال كنت آخذ بغلة الشيخ وحماره في صبيحة كل يوم وأصعد الجبل لنقل الحطب إلى مطبخ الشيخ وكنت أرسلهما ليرتعا في الجبل واستند إلى جبل وأنام ساعة وذهب بإذن شيخه إلى الحجاز على التجريد والتوكل وأعطاه الشيخ حمارا وعشرة دراهم وأخذ من سفرة الشيخ خبزة واحدة ولم يصحب سوى ذلك إلا مصحفا ونسخة من المثنوي فسرق المصحف وباع المثنوي بمائة درهم وكان مع ذلك على حسن حال وسعة نفقة (8/106)

107 وجاور بمكة المشرفة قريبا من سنة ونذر أن يطوف بالكعبة كل يوم سبعا ويسعى بين المروتين سبعا وكان كل ليلة يطوف تارة ويجتهد أخرى وتارة يستريح ولا ينام ساعة مع ضعف بنيته وزار القدس الشريف وسكنه مدة ثم رجع إلى شيخه وخدمته ببلدة سيما ثم وقع في نفسه زيادة مشايخ القسطنطينية فاستأذن من شيخه فأذن له فذهب إليها ثم كتب إلى شيخه يرغبه في سكناها فرحل إليه شيخه ثم لما مات شيخه كان خليفة في مقامه ورغب الناس في خدمته حتى تركوا المناصب واختاروا خدمته وكان على مجلسه الهيبة والوقار وكان له أشراف على الخواطر ولا يجري في مجلسه ذكر الدنيا أصلا وكانت طريقته الأخذ بالعزيمة والعمل بالسنة والتجنب عن البدعة والعزلة والجوع والصمت وإحياء الليل وصوم النهار والمحافظ على الذكر الخفي وتوفي بقسطنطينية ودفن عند مسجده وقبره يزار ويتبرك به قيل ولما وضع في قبره توجه هو بنفسه إلى القبلة وصلى على النبي انتهى وفيها أحمد الزواوي الشيخ الصالح العباد أخذ الطريق عن الشيخ شعبان البلقطري وكان ورده في اليوم والليلة عشرين ألف تسبيحة وأربعين ألف صلاة على النبي قال المناوي في طبقات الأولياء كان عابدا زاهدا جزل الألفاظ لطيف المعاني يفعل قوله في النفوس ما لا تفعله المثالث والمثاني ولما سافر الغوري إلى قتال ابن عثمان جاء إلى مصر ليرد ابن عثمان عنها فعارضه بعض أوليائها فلحقه داء البطن فتوجه إلى دمنهور الوحش فمات في الطريق ودفن بدمنهور انتهى وفيها بدر الدين حسن بن عطية بن محمد بن فهد العلوي الهاشمي المكي الشافعي الإمام المسند ولد يوم الأربعاء تاسع المحرم سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة وأخذ عن والده وعمه الحافظ تقي الدين وأبي الفتح المراغي وعبد الرحيم الأسيوطي وابن حجر العسقلاني واجتمع به ابن طولون في سنة عشرين وأجازه ولم يسمع (8/107)

108 منه وتوفي في هذه السنة وفيها حسام الدين حسين بن حسن بن عمر البيري ثم الحلبي الشافعي الصوفي قال في الكواكب وصفه شيخ الإسلام الوالد في رحلته وغيرها بالشيخ الإمام الكبير العلامة المفتي العارف بالله تعالى ولد ببيرة الفرات ثم انتقل إلى حلب وجاور بجامع الطواشي ثم بالالجيهية ثم ولي في سنة أربع وتسعمائة النظر والمشيخة بمقام سيدي إبراهيم ابن أدهم وكان له ذوق ونظم ونثر بالعربية والفارسية والتركية وله رسالة في القطب والإمام وعرب شيئا من المثنوي من الفارسية وشيئا من منطق الطير من التركية منه ( اسمعوا يا سادتي صوت اليراع * كيف يحكي عن شكايات الوداع ) ومنه ( ما ترى قط حريصا قد شبع * ما حوى الدر الصدف حتى قنع ) ومن شعره رضي الله عنه ( بقايا حظوظ النفس في الطبع أحكمت * كذلك أوصاف الأمور الذميمة ) ( تحيرت في هذين والعمر قد مضى * إلهي فعاملنا بحسن المشيئة ) انتهى ملخصا وفيها المولى سعدي بن ناجي بيك أخو المولى جعفر جلبي بن ناجي بيك الرومي الحنفي العالم الفاضل قرأ على جماعة من الموالي منهم المولى قاسم الشهير بقاضي زاده والمولى محمد بن الحاج حسين وبرع واشتهرت فضائله ودرس في مدرسة السلطان مرادخان الغازي ببروسا ثم أعطى مدرسة الوزير علي باشا بقسطنطينية ثم إحدى الثمانية ثم حج وعاد فأعطى تقاعدا بثمانين عثمانيا وكان فاضلا في سائر الفنون خصوصا العربية وله باللسان العربي إنشاء وشعر في غاية الجودة وله حواش على شرح المفتاح للسيد الشريف وحاشية على باب الشهيد من شرح الوقاية لصدر الشريعة ونظم عقائد النسفي بالعربية وله رسائل أخرى قاله في الكواكب (8/108)

109 وفيها المولى عبد الرحمن بن علي المعروف بابن المؤيد الأماسي الرومي الحنفي العالم العلامة المحقق الفهامة ولد بأماسية في صفر سنة ستين وثمانمائة واشتغل بالعلم بللده ولما بلغ سن الشباب صحب السلطان أبا يزيد خان حين كان أميرا بأماسية فوشى به المفسدون إلى السلطان محمد خان والد السلطان أبي يزيد فأمر بقتله فبلغ السلطان أبا يزيد ذلك قبل وصول أمر والده فأعطاه عشرة آلاف درهم وخيلا وسائر أهبة السفر وأخرجه ليلا من أماسية ووجه إلى بلاد حلب وكانت إذ ذاك في أيدي الجراكسة فدخلها سنة ثمان وثمانين وثمانمائة فأقام هناك مدة واشتغل بها في النحو فقرأ في الفصل ثم أشار عليه بعض تجار العجم أن يذهب إلى المولى جلال الدين الدواني ببلدة شيراز ووصف له بعض فضائله فخرج مع تجار العجم وقصد المنلا المذكور فقرأ عليه زمانا كثيرا وحصل عنده من العلوم العقلية والعربية والتفسير والحديث كثيرا وأجازه وشهد له بالفضل التام بعد أن أقام عنده سبع سنين فلما بلغه جلوس السلطان أبي يزيد على تخت السلطنة سافر إلى الروم فصحب موالي الروم وتكلم معهم فشهدوا بفضله وعرضوه على السلطان فأعطاه مدرسة قلندرخانه بالقسطنطينية ثم إحدى الثمانية ثم قضاء القسطنطينية ثم أدرنه ثم قضاء العسكر بولاية أناضولي ثم بولاية روم إيلي ثم عزل وجرت له محنة ثم لما تولى السلطان سليم خان أعاده إلى قضاء العسكر في سنة تسع عشرة وسافر معه إلى بلاد العجم لمحاربة الشاه إسمعيل ثم عزل عن قضاء العسكر بسبب اختلال حصل في عقله في شعبان سنة عشرين وعين له كل يوم مائتي درهم ورجع إلى القسطنطينية معزولا وكان قبل اختلاله بالغا الغاية القصوى في العلوم العقلية والعربية ماهرا في التفسير مهيبا حسن الخط جدا ينظم الشعر بالفارسية والعربية وله (8/109)

110 مؤلفات بقي أكثرها في المسودات منها رسالة لطيفة في المواضع المشكلة من علم الكلام ورسالة في تحقيق الكرة المدحرجة وتوفي بالقسطنطينية ليلة الجمعة خامس عشر شعبان وقيل في تاريخ وفاته ( نفسي الفداء لحبر حل حين قضى * في روضة وهو في الجنات محبور ) ( مقامه في علا الفردوس مسكنه * أنيسه في الثرى الولدان والحور ) ( قل للذي يبتغي تاريخ رحلته * نجل المؤيد مرحوم ومغفور ) وفيها قاضي القضاة محي الدين عبد القادر المعروف بابن النقيب القاهري الشافعي الإمام العلامة قرأ على جماعة من الأعلام منهم الكمال بن أبي شريف وزكريا الأنصاري وتولى قضاء مصر مرات وكان لا يصلي الصبح صيفا ولا شتاء إلا في الجامع الأزهر يمشي كل يوم من المدرسة الناصرية إليه وكان متواضعا سريع الدمعة وكان بيده مشيخة الخانقاة الصلاحية سعيد السعداء وتدريس الظاهرية الجديدة برقوق بين القصرين وكان مارا بالقصبة ليلة الإثنين حادي عشر ربيع الأول فرفسه بغل فانكسر ضلعه أو فخذه ومات في اليوم الثاني وفيها تاج الدين عبد الوهاب الذاكر المصري الشيخ الصالح المسلك المربي المجد الداعي إلى الله تعالى ربى يتيما بمكتب مدرسة الحسامي فلما ترعرع تعلق على صنعة البناء ثم وفقه الله تعالى للاجتماع على الشيخ نور الدين بن خليل عرف بابن عين الغزال فلازمه وصار يحضر المحافل ويتردد إلى الشيخ تقي الدين الأوجاقي حتى اشتهر فجمع الناس ولازم الذكر والخير وأقرأ البخاري والشفا والعوارف بروايته لها عن العز بن الفرات وعن التقي الأوجاقي ونازع العلائي أن يكون سمع من العز بن الفرات وكان نير الوجه حسن السمت كثير الشفاعات شديد الإهتمام بقضاء حوايج الناس مجدا في العبادة دائم الطهارة لا يتوضأ عن حدث إلا كل سبعة أيام وسائر طهاراته تجديد وانتهى أمره آخرا إلى أنه كان يمكث اثنى عشر (8/110)

111 يوما لا يتوضأ عن حدث ولم يعرض ذلك لأحد في عصره إلا الشيخ أبي السعود الجارحي وامتحنه قوم دعوه وجعلوا يطعمونه سبعة أيام ولم يحدث ثم علم أنهم امتحنوه فدعا عليهم فانقلبت بهم المركب فقيل له في ذلك فقال لا غرق وإنما هو تأديب وينجون فكان كذلك ثم ندم على الدعاء عليهم وقال لا بد لي من المؤاخذة فمرض أكثر من أربعين يوما ومكث خمسا وعشرين سنة لم يضع جنبه على الأرض إنما ينام جالسا على حصير وقال عند موته لي أربعون سنة أصلي الصبح بوضوء العشاء وقد طويت سجادتي من بعدي وتوفي يوم الخميس ثالث عشرى جمادى الآخرة ودفن بزاويته قريبا من حمام الدود قاله في الكواكب وفيها عز الدين الصابوني الحلبي الحنفي المعروف بابن عبد الغني ابن عم أبي بكر بن الموازيني كان خطيبا جيد الخطبة ولي خطابة جامع الأطروش بحلب فلما دخل السلطان سليم خان حلب في هذه السنة صلى الجمعة بالجامع المذكور خلف المذكور فحظي بسبب ذلك ولم يلبث أن توفي في هذه السنة وكان في قدميه اعوجاج بحيث لا يتردد في الشوارع إلا راكبا وفيها عاشرة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر بنت الباعوني المعروفة بالباعونية الشيخة الصالحة الأريبة العالمة العاملة أم عبد الوهاب الدمشقية أحد أفراد الدهور ونوادر الزمان فضلا وأدبا وعلما وشعرا وديانة وصيانة تنسكت على يد السيد الجليل إسمعيل الخوارزمي ثم على خليفة المحيوي يحيى الأرموي ثم حملت إلى القاهرة ونالت من العلوم حظا وافرا وأجيزت بالافتاء والتدريس وألفت عدة مؤلفات منها الفتح الحنفي يشتمل على كلمات لدنية ومعارف سنية وكتاب الملامح الشريفة والآثار المنيفة يشتمل على إنشادات صوفية ومعارف ذوقية وكتاب در الغائص في بحر المعجزات والخصائص وهو قصيدة رائية وكتاب الإشارات الخفية في المنازل العلية وهي أرجوزة اختصرت فيها منازل (8/111)

112 السائرين للهروي وأرجوز أخرى لخصت فيها القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع لسخاوي وبديعية وشرحتها وغير ذلك ومن كلامها وكان مما انعم الله به على أنني بحمده لم أزل أتقلب في أطوار الإيجاد في رفاهية لطائف البر الجواد إلى أن خرجت إلى هذا العالم المشحون بمظاهر تجلياته الطافح بعجائب قدرته وبدائع إرادته المشوب موارده بالأقدار والأكدار الموضع بكمال القدرة والحكمة للابتلاء والاختبار دار ممر لا بقاء لها إلى دار القرار فرباني اللطف الرباني في مشهد النعمة والسلامة وغذاني بلبان مداد التوفيق لسلوك سبيل الاستقامة وفي بلوغ درجة التمييز أهلني الحق لقراءة كتابه العزيز ومن على بحفظه على التمام ولي من العمر حينئذ ثمانية أعوام ثم لم أزل في كنف ملاطفات اللطيف حتى بلغت درجة التكليف في كلام آخر ولما دخلت القاهرة ندبت لقضاء مآرب لها تتعلق بولد لها كان في صحبتها المقر أبو الثنا محمود بن اجا الحلبي صاحب دواوين الانشاء بالديار المصرية فأكرمها وولدها وأنزلها في حريمه وكانت قد مدحته بقصيدة أولها ( روى البحر أصباب العطا عن نداكم * ونشر الصبا عن مستطاب ثناكم ) فعرضها على شيخ الأدباء السيد عبد الرحيم العباسي القاهري فأعجب بها وبعث إليها بقصيدة من بديع نظمه فأجابت عنها بقصيدة مطلعها ( وافت تترجم عن حبر هو البحر * بديعة زانها مع حسنها الخفر ) ومن شعرها ( نزه الطرف في دمشق ففيها * كلما تشتهي وما تختار ) ( هي في الأرض جنة فتأمل * كيف تجري من تحتها الأنهار ) ( كما سما في ربوعها كل قصر * اشرقت من وجوهها الأقمار ) ( وتناغيك بينها صارخات * خرصت عند نطقها الأوتار ) ( كلها روضة وماء زلال * وقصور مشيدة وديار ) (8/112)

113 وذكر ابن الحنبلي أنها دخلت حلب في هذه السنة والسلطان الغوري بها لمصلحة لها كانت عنده فاجتمع بها من وراء حجاب البدر السيوفي وتلميذه الشمس السفيري وغيرهما ثم عادت إلى دمشق وتوفيت بها في هذه السنة.

850هـ

فيها السلطان الملك الأشرف أبو النصر قانصوه بن عبد الله الجركسي المشهور بالغوري وسماه ابن طولون جندب وجعل قانصوه لقبا له والغوري نسبة إلى طبقة الغور أحد الطبقات التي كانت بمصر معدة لتعليم المؤدبين قال ابن طولون كان يذكر أن مولده في حدود الخمسين وثمانمائة وترقى في المناصب حتى صار نائب طرسوس فانتزعها منه جماعة السلطان أبي يزيد بن عثمان فهرب منها وعاد إلى حلب فلما انتصر عسكر مصر على الأروام عاد إلى طرسوس مرة ثانية ثم اخذها الأروام مع ما والاها فهرب منها أيضا إلى حلب ثم نصر عسكر مصر ثانيا فعاد إليها مرة ثالثة ثم أعطى نيابة ملطية فلما مات الملك الأشرف قايتباي رجع إلى مصر ووقعت له أمور في دولة الملك الناصر بن قايتباي ثم أعطاه تقدمة ألف ثم في دولة جان بلاط أعطاه رأس نوبة النوب ثم تنقلت به الأحوال إلى أن صار سلطانا قال الشيخ مرعي الحنبلي في كتابه نزهة الناظرين تولى الملك يوم الإثنين عيد الفطر مستهل شوال سنة ست وتسعمائة بعد أن هاب أمر الجلوس على تخت الملك وجعل بعضهم يحيل على بعض في الجلوس عليه فاتفقوا على الغوري لأنهم يروه لين العريكة سهل الإزالة أي وقت أرادوا وليس الأمر كما ظنوا فقال لهم أقبل ذلك بشرط أن لا تقتلوني بل إذا أردتم خلعي وافقتكم فاستوثق منهم وبويع بقلعة الجبل بحضرة الخليفة المستنصر بالله القضاة الأربع وأصحاب الحل والعقد فأقام سلطانا خمس عشر سنة وتسعة أشهر وخمسة وعشرين يوما وكان إذا رأى وفطنة كثير الدهاء والعسف قمع الأمراء وأذل المعاندين حتى اشتد ملكه وهيبته فهادته الملوك وأرسلت قصادها إليه كملك الهند واليمن والمغرب والروم والمشرق والعبد والزنج وفك الأسرى منهم وكان له المواكب الهائلة ومهد طريق الحج بحيث كان يسافر فيه النفر اليسير وكانت فيه خصال حسنة.

وكان يصرف لمطبخ الجامع الأزهر في رمضان ستمائة وسبعين دينارا ومائة قنطار عسل وخمسمائة أردب قمح للخبز المفرق فيه وفي أيامه بني دائرة الحجر الشريف وبعض أروقة المسجد الحرام وباب إبراهيم وجعل علوه قصرا شاهقا وتحته ميضأة وبنى عدة خانات وآبار في طريق الحج المصري منها خان في العقبة والأزلم وأنشا مدرسة بسوق الجملون بالقاهرة والتزبة المقابلة لها والمأذنة المعتبرة بالجامع الأزهر والبستان تحت القلعة والمنتزه العجيب بالملقة وأنشأ مجرى الماء من مصر إلى القلعة وعمر بعض أبراج الأسكندرية وغير ذلك من جوامع وقصور ومنتزهات إلا أنه كان شديد الطمع كثير الظلم والعسف مصادرا للناس في أخذ أموالهم وبطل الميراث في أيامه بحيث كان إذا مات أحد أخذ ماله جميعا كذا قال القطبي فجمع أموالا عظيمة وخزائن وأمتعة.

وافتتح اليمن واتخذ مماليك لنفسه فصاروا يظلمون الناس وأظهروا الفساد وأضروا العباد وهو يغضي عنهم ويحكي أن بعض مماليكه اشترى متاعا ولم يرض صاحبه بقيمته فقال له شرع الله فضربه بالدبوس فشج رأسه وقال هذا شرع الله فسقط مغشيا عليه وذهب بالمتاع ولم يقدر أحد يتكلم فرفع بعض الصالحين يديه ودعا على الجندي وعلى سلطانه بالزوال ثم قالت له نفسه كيف يزول ملك هذا السلطان العظيم الذي ملأت جنوده وسطوته الأرض فلم يمض إلا قليل ثم وقعت بينه وبين السلطان سليم ملك الروم بسبب إسمعيل شاه فقصد كل منهما الآخر في عسكرين عظيمين فالتقيا بموضع يسمى مرج دابق شمالي حلب بمرحلة خامس عشرى رجب فانهزم عسكر الغوري بمكيدة خير بك والغزالي من جماعته وفقد الغوري تحت سنابك الخيل في مرج دابق وأقام السلطان سليم بعد الوقعة في بلاد الشام أشهرا.

وأمر بعمارة قبر الشيخ محي الدين بن عرب بصالحية دمشق ثم تولى في تلك المدة بمصر الملك الأشرف طومان باي الجركسي ابن أخي الغوري ووقع بينه وبين السلطان سليم حروب يطول ذكرها ثم سلم نفسه طائعا فقتل بباب زويلة وأمر السلطان سليم بدفنه بجانب مدفن الغوري المشهور وبه انقرضت دولة الجراكس.

وفي آخر أيام الغوري في حدود العشرين ظهرت الفرنج البرتقال على بنادر الهند استطرقوا إليها من بحر الظلمات من وراء جبال القمر منابع النيل فعاثوا في أرض الهند ووصل أذاهم وفسادهم إلى جزيرة العرب وبنادر اليمن وجدة فلما بلغ السلطان الغوري ذلك جهز إليهم خمسين غرابا مع الأمير حسين الكردي وأرسل معه عسكرا عظيما من الترك والمغاربة واللوند وجعل له جدة أقطاعا وأمره بتحصينها فلما وصل حسين الكردي شرع في بناء سورها وأحكام أبراجها وهدم كثيرا من بيوت الناس مع عسف وشدة ظلم بحيث بنى السور جميعه في دون عام ثم توجه بعساكره إلى الهند في حدود سنة إحدى وعشرين فاجتمع بسلطان كجرات خليل شاه فأكرمه وعظمه وهر بالفرنج عن البنادر لما سمعوا بوصوله ثم عاد حسين الكردي على اليمن فافتتحها من بني طاهر ملوكها وقتل سلاطينها في هذه السنة وترك بها نائبا في زبيد اسمه برسباي الجركسي وتم الأمر الذي لا مزيد عليه له وللسلطان الغوري وإذا تم أمر بدا نقصه ثم عاد حسين إلى جدة وقدم مكة فبلغه زوال دولة الغوري وورد أمر السلطان سليم بقتل حسين الكردي فأخذه شريف مكة بغتة وقيده وشمت به وأرسله لبحر جده فغرقه فيه فائدة تولى مصر اثنان وعشرون سلطانا مسهم الرق من الجراكسة وغيرهم أيبك التركماني وقطز المعزي والظاهر بيبرس وقلاوون وكتبغا ولاجين وبيبرس الجاشنكير وبرقوق والمؤيد شيخ وططر وبرسباي وجقمق وإينال وخشقدم وبلباي وتمربغا وقايتباي وقانصوه وطومان باي وجنبلاط والغوري وطومان باي ابن أخيه آخر الدولة المصرية الجركسية ومما قيل فيه ( وكان شخصا حسن المجالسه * وهو انتهاء مدة الجراكسة ) وعدد سلاطين الجراكسة اثنان وعشرون أيضا ومدتهم مائة وثمان وأربعون سنة والله أعلم وفيها القاضي بدر الدين محمد بن أبي العباس أحمد البهوتي المصري العالم الشافعي كان من أعيان المباشرين بمصر وكان ذا ثروة ووجاهة زائدة حتى هابه بنو الجيعان وغيرهم من أرباب الديوان وكان قد عرض بعض الكتب في حياة والده على الشرف المناوي والجلال البكري والمحب بن الشحنة والسراج العبادي وغيرهم وكان ملازما للشيخ محمد البكري النازل بالحسينية وله فيه اعتقاد زائد ولما دخل السلطان سليم مصر وتطلب الجراكسة ببيوت مصر وجهاتها خشي القاضي بدر الدين على نفسه وعياله فحسن عنده أن يتوجه بهم إلى مصر القديمة عند صهره نور الدين البكري فأنزلهم في الشختور فاختلت به فسقط في النيل فغرق فاضطربوا لغرقه فانحدر الشختور إلى الوطاق العثماني فظنوا أنهم من الجراكسة المتشبهين بالنساء فأحاطوا بهم وسلبوهم ما معهم بعد التفتيش فبينما هم كذلك إذ أتى زوجة القاضي بدر الدين المخاضر فرحمها شخص بقرب قنطرة قيدار فوضعت ولدا ذكرا في منزله وكان القاضي بدر الدين يتمنى ذلك وينذر عليه النذور فلم يحصل إلا على هذا الوجه وأحيط بماله وبما جمعه فاعتبروا يا أولي الأبصار وكان ذلك في آخر هذه السنة وفيها محمد بن حسن الشهير بابن عنان الشيخ العالم صالح الناسك العارف بالله تعالى الشافعي الجامع بين علمي الشريعة والحقيقة قال المناوي في طبقاته إمام تقدم في جامع الإيمان وعارف أشرقت بضوء شمسه الأكوان كثير التعبد غزير التهجد وافر الجلالة عليه القبول أي دلالة عالي الرتبة لا يقاس به غيره ولا يشبه عظيما في الديانة ممدودا من الله بالإعانة سلك طريق الهداية واعتنى بالتصوف أتم عناية أخذ عنه الشعراوي وقال ما رأيت مثله وكان مشايخ عصره بين يديه كالأطفال وله كرامات منها أنه أشبع خمسمائة فقير من عجين أمه وكان وصف ويبة ومنها أنه كان بالأسكندرية رجل إذا غضب على رجل قال يا قمل رح إليه فيمتلىء قملا فلا ينام ويعجز عن تنقيته فذهب إليه وقال ما تعمل يا شيخ القمل وأخذه بيده ورماه في الهواء فلم يعرف له خبر ومنها أنه سافر هو والشيخ أبو العباس الغمري فاشتد الحر وعطش الغمري وليس هناك ماء فأخذ ابن عنان طاسة وغرف بها من الأرض اليابسة وقال اشرب فقال الغمري الظهور يقطع الظهور فقال لولا خوف الظهور جعلتها بركة يشرب منها إلى يوم القيامة ومنها أنه أتى برجل أكل محارتين فسيخا وحملين تمرا في ليلة واحدة فوضع له رغيفا صغيرا في فمه فلم تزل تلك أكلته كل يوم حتى مات وكانت أوقاته مضبوطة لا يصغي لكلام أحد ويقول كل نفس مقوم على صاحبه بسنة وغضب من أهل بلاده لعدم قبولهم الأمر بالمعروف فقدم مصر وسكن بسطح جامع الغمري وكان كل مسجد أقام به لا يقيم إلا على سطحه شتاء وصيفا وكان يقول لصحبه احرصوا على إيمانكم في هذا الزمان فإنه لم يبق مع غالب الناس عمل يعتمد عليه وأما الأعمال الصالحة فقد تودع منها لكثرة العلل فيها وقال من أراد أن يسمع كلام الموتى في قبورهم فليعمل على كتم الأسرار فإن المانع من سماعه عدم القدرة على الكتمان ولما احتضر بسطح جامع باب البحر مات بنصفه الأسفل فصلى وهو قاعد فاضجعوه لما فرغ فما زال يهمهم بشفتيه والسبحة في يده حتى صعدت روحه وذلك في شهر ربيع الأول عن نحو مائة وعشرين سنة ودفن خلف محراب جامع المقسم وبنى عليه والده الشيخ أبو الصفا قبة وزاوية وفيها شمس الدين

 محمد بن رمضان الشيخ الإمام العالم العلامة الدمشقي مفتي الحنفية بها قال الحمصي كان قد انعزل عن الناس وتنصل من حرفة الفقهاء ولازم العزلة إلى أن مات قال النجم الغزي وكان سبب عزلته انقطاعه إلى الله تعالى على يد سيدي علي بن ميمون وكانت وفاة صاحب الترجمة في تاسع ربيع الآخر بدمشق وفيها أبو الفتح محمد بن عبد الرحيم بن صدقة الشيخ الواعظ المصر يقال في الكواكب كان يعظ بالأزهر وغيره إلا أنه تزوج بامرأة زويلية فافتتن بها فيما ذكره العلائي حتى باع فتح الباري والقاموس وغيرهما من النفائس وركبته ديون كثيرة ثم خالعها وندم وأراد المراجعة فأبت عليه إلا أن يدفع إليها خمسين دينارا فلم يقدر إلا على ثلاثين منها فلم تقبل فبعث بها إليها وبعث معها سما قاتلا وقال إن لم تقبلي الثلاثين وإلا اتحسي هذا السم فردتها عليه فتحسى السم فمات من ليلته في ربيع الأول انتهى وفيها جمال الدين محمد بن الفقيه موسى الضجاعي أحد المدرسين بمدينة زبيد قال في النور كان فقيها عالما فاضلا توفي بزبيد يوم الخميس الثاني من صفر انتهى سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة فيها توفي برهان الدين أبو إسحق إبراهيم بن الأمير ناصر الدين محمد بن أبي بكر بن علي بن أيوب المعروف بابن أبي شريف المقدسي المصري الشافعي الشيخ الإمام والحبر الهمام العلامة المحقق والفهامة المدقق شيخ مشايخ الإسلام ومرجع الخاص والعام ولد بالقدس الشريف سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة ونشأ بها واشتغل بفنون العلم على أخيه الكمال بن أبي شريف ورحل إلى القاهرة فأخذ الفقه عن العلم البلقيني والشمس القاياتي والأصول عن الجلال المحلى وسمع عليه في الفقه أيضا وأخذ الحديث عن شيخ الإسلام ابن حجر وغيره وتزوج بابنة قاضي القضاة شرف الدين يحيى المناوي وناب عنه في القضاء ودرس وأفتى ونظم ونثر وصنف وترجمه صاحب أنس الجليل فيه في حياته وقال ولي المناصب السنية وغيرها من الأنظار بالقاهرة المحروسة واشتهر أمره وبعد صيته وصار الآن المعول عليه في الفتوى بالديار المصرية قال وهو رجل عظيم الشأن كثير التواضع حسن اللقاء فصيح العبارة ذو ذكاء مفرط وحسن نظم ونثر وفقه نفس وكتابة على الفتوى نهاية في الحسن ومحاسنه كثيرة وترجمته وذكر مشايخه يحتمل الإفراد بالتأليف ولو ذكرت حقه في الترجمة لطال الفصل ثم قال قدم من القاهرة إلى بيت المقدس سنة ثمان وتسعين وثمانمائة بعد غيبة طويلة ثم عاد إلى وطنه بالقاهرة انتهى وقال ابن طولون قدم دمشق يوم الجمعة ثاني الحجة سنة ثمان وتسعين وثمانمائة ونزل بالسميساطية وقرأنا عليه فيها وقال النعيمي فوض إليه قضاء مصر في تاسع عشر ذي الحجة سنة ست وتسعمائة عوض محي الدين بن النقيب أي وبقي في القضاء إلى سنة عشر وتسعمائة فعزل بالشهاب بن الفرفور كما ذكره الحمصي ثم أنعم عليه الغوري بمشيخة قبته الكائنة قبالة مدرسته الغورية بمصر واستمر في المشيخة إلى سنة تسع عشرة فوقعت حادثة بمصر وهي أن رجلا اتهم أنه زنى بامرأة فرفع أمرهما إلى حاجب الحجاب بالديار المصرية الأمير انسباي فضربهما فاعترفا بالزنا ثم بعد ذلك رفع أمرهما إلى السلطان الغوري فأحضرا بين يديه فذكرا أنهما رجعا عما أقرا به من الزنا قبل فعقد السلطان لذلك مجلسا جمع فيه العلماء والقضاة الأربع فأفتى صاحب الترجمة بصحة الرجوع فغضب السلطان لذلك وكان المستفتي القاضي شمس الدين الزنكلوني الحنفي وولده فأمر السلطان بهما فضربا في المجلس حتى ماتا تحت الضرب وأمر بشنق المتهمين بالزنا على باب صاحب الترجمة فشنقا وعزل صاحب الترجمة من مشيخة القبة الغورية والقضاة الأربعة الكمال الطويل الشافعي والسري بن الشحنة الحنفي والشرف الدميري المالكي والشهاب الشيشني الحنبلي واستمر صاحب الترجمة ملازما لبيته والناس يقصدونه للأخذ عنه والاشتغال عليه في العلوم العقلية والنقلية قال الشعراوي وكان من المقبلين على الله عز وجل ليلا ونهارا لا يكاد يسمع منه كلمة يكتبها عليه كاتب الشمال وكان لا يتردد لأحد من الولاة أبدا وكان يتقوت من مصبنة له بالقدس ولا يأكل من معاليم مشيخة الإسلام شيئا وكان قوالا بالحق آمرا بالمعروف لا يخاف في الله لومة لائم وكان الناس يقولون جميع ما وقع للغوري بسر الشيخ انتهى ومن فوائده ما ذكره الزين بن الشماع في عيون الأخبار قال وقد حضرت دروسه بالقاهرة سنة إحدى عشرة فأتى بفوائد كثيرة وختم المجلس بنكتة فيها بشارة جليلة فقال ما حاصله اختم المجلس ببشارة عظيمة ظهرت في قوله تعالى ( ^ نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم ) قال قوله تعالى نبىء أي يا محمد عبادي شرفهم بياء الإضافة إلى تقدس ذاته فأوقع ذكره بينه وبين نبيه فعباد وقع ذكرهم بين ذكر نبيهم وذكر ربهم لا ينالهم إن شاء الله تعالى ما يضرهم بل المرجو من كرم الله تعالى أن يحصل لهم ما يسرهم انتهى ومن مؤلفاته شرح المنهاج في أربع مجلدات كبار وشرح الحاوي وكتاب في الآيات التي فيها الناسخ والمنسوخ وغير ذلك ومن شعره من قصيدة ختم بها صحيح البخاري ( دموعي قد نمت بسر غرامي * وباح بوجدي للوشاة سقامي ) ( فأضحى حديثي بالصباية مسندا * ومرسل دمعي من جفوني هامي ) وتوفي في فجر يوم الجمعة ليومين بقيا من المحرم ودفن بالقرب من ضريح الإمام الشافعي رضي الله عنه وفيها شمس الدين أحمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن زهير بن خليل الرملي ثم الدمشقي

(8/120)

121 الشافعي الإمام العلامة ولد بالرملة في ربيع الأول سنة أربع وخمسين وثمانمائة ونشأ بها وكان يعرف قديما بابن الحلاوي وبابن الشقيع ثم تحول إلى دمشق وحفظ المنهاج وألفية النحو والحديث والشاطبيتين والدرة في القراءات الثلاث وعرض على جماعة وأخذ عن ابن نبهان وابن عراق وأبي زرعة المقدسي وابن عمران وعمر الطيبي والزين الهيثمي والمحب بن الشحنة وابن الهائم وجعفر السنهوري وآخرين وسمع علي الجمال عبد الله بن جماعة خطيب المسجد الأقصى المسلسل بالأولية وغيره وناب في الحكم بدمشق فحسنت سيرته وولي مشيخة الإقراء بجامع بني أمية وبدار الحديث الأشرفية وبتربة الأشرفية وبتربة أم الصالح بعد البقاعي وكان لازمه حين إقامته بدمشق وأخذ عنه كثيرا وعادى أهل بلده أو الكثير منهم بسببه قال السخاوي وقصدني في بعض قدماته إلى القاهرة وأخذ عني وأنشدني قصيدة من نظمه امتدح فيها الخيضري وكان نائبه في إمامة مقصورة جامع بني أمية قال وبالجملة فهو خفيف مع فضيلة انتهى وقال في الكواكب ناب في إمامة الجامع الأموي عن العلامة غرس الدين اللدي ثم لما مات استقل بها فباشرها سنين حتى مات وانتهت إليه مشيخة الإقراء بدمشق وكان له مشاركة جيدة في عدة من العلوم وله نظم حسن وتوفي يوم السبت عشرى ذي الحجة ودفن بمقبرة باب الصغير وفيها الحافظ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن أحمد بن محمد بن حسين بن علي القسطلاني المصري الشافعي الإمام العلامة الحجة الرحلة الفقيه المقرىء المسند قال السخاوي مولده ثاني عشر ذي القعدة سنة إخدى وخمسين وثمانمائة بمصر ونشأ بها وحفظ القرآن وتلا للسبع وحفظ الشاطبية والجزرية والوردية وغير ذلك وذكر له عدة مشايخ منهم الشيخ خالد الأزهر يالنحوي والفخر المقسمي والجلال البطري وغيرهم وأنه قرأ صحيح البخاري في خمسة مجالس (8/121)

122 على الشاوي وتلمذ له أيضا وأنه قرأ عليه أعنى السخاوي بعض مؤلفاته وأنه حج غير مرة وجاور سنة أربع وثمانين وسنة أربع وتسعين وأنه أخذ بمكة عن جماعة منهم النجم بن فهد وولي مشيخة مقام سيدي الشيخ أحمد الحرار بالقرافة الصغرى وعمل تأليفا في مناقب الشيخ المذكور سماه نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار وكان يعظ بالجامع الغمري وغيره ويجتمع عنده الجم الغفير ولم يكن له نظير في الوعظ وكتب بخطه شيئا كثيرا لنفسه ولغيره وأقرأ الطالبة وتعاطى الشهادة ثم انجمع وأقبل على التأليف وذكر من تصانيفه العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية والكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز وشرحا على الشاطبية زاد فيه زيادات ابن الجزري مع فوائد غريبة وشرحا علي البردة سماه الأنوار المضية وكتاب نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس والروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر وتحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري ورسائل في العمل بالربع المجيب انتهى ما ذكره السخاوي ملخصا وقال في النور ارتفع شأنه بعد ذلك فأعطى السعادة في قلمه وكلمه وصنف التصانيف المقبولة التي سارت بها الركبان في حياته ومن أجلها شرحه على صحيح البخاري مزجا في عشرة أسفار كبار لعله أجمع شروحه وأحسنها وألخصها ومنها المواهب اللدنية بالمنح المحمدية وهو كتاب جليل المقدار عظيم الوقع كثير النفع ليس له نظير في بابه ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه ويستمد منها ولا ينسب النقل إليها وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد مواضع قال أنه نقل فيها عن البيهقي وقال أنه للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ذكره في أي مؤلفاته لنعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته وكان الواجب عليه أن يقول نقل السيوطي عن البيهقي وحكى الشيخ جار الله بن فهد أن الشيخ رحمه الله قصد إزالة ما في (8/122)

123 خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة إلى باب السيوطي ودق الباب فقال له من أنت فقال أنا القسطلاني جئت إليك حافيا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي فقال له قد طاب خاطري عليك ولم يفتح له الباب ولم يقابله قال في النور وبالجملة فإنه كان إماما حافظا متقنا جليل القد رحسن التقرير والتحرير لطيف الإشاة بليغ العبارة حسن الجمع والتأليف لطيف الترتيب والترصيف زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره ولا يقدح فيه تحامل معاصر به عليه فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر توفي ليلة الجمعة سابع المحرم بالقاهرة ودفن بالمدرسة العينية جوار منزله انتهى وقال في الكواكب كان موته بعروض فالج نشأ له من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاء الله المكي بحيث سقط عن دابته وأغمي عليه فحمل إلى منزله ثم مات بعد أيام انتهى وفيها شهاب الدين أحمد بن محمد بن علي الرملي ثم الدمشقي الشافعي الشهير بابن الملاح ولد سنة تسع وخمسين وثمانمائة وكان على جانب كبير من العلم والديانة وصفاء القلب إماما في القراءات تولى مشيخة الإقراء بالمدرسة السيبائية والإمامة بها وناب في إمامة الأموي مرات وتوفي يوم الإثنين تاسع عشر شهر رمضان وفيها المولى شجاع الدين الياس العالم الفاضل الرومي كان من نواحي قسطموني واشتغل بالعلم وتقدم في الفضل حتى صار معيدا للمولى خواجه زاده ثم اشتغل بالتدريس حتى صار مدرسا بإحدى الثمانية ثم أعطى تقاعدا وكان كريم النفس متخشعا مشتغلا بنفسه منقطعا عن الخلق يقال أنه تجاوز التسعين وتوفي في هذه السنة وفيها نور الدين أبو الفتح جعفر بن الشيخ صارم الدين أبو إسحاق إبراهيم السنهوري المصري الشافعي المقرىء البصير الإمام العلامة أخذ القراءات عن الشيخ شهاب الدين أبي جعفر الكيلاني المعروف بالحافظ وغيره وفيها أو في التي بعدها المولى خضر بك بن المولى أحمد باشا الرومي الحنفي (8/123)

124 الشيخ العارف تربى في حجر والده وحصل فضيلة وافرة من العلم وصار مدرسا بمدرسة السلطان مراد الغازي ببروسا وانتفع به الطلبة وفضلوا عنده ثم مال إلى التصوف وتهذيب الأخلاق وصار خاشعا وقورا ساكنا مهيبا متأدبا متواضعا مراعيا لجانب الشريعة حافظا لآداب الطريقة مقبوى عند الخاص والعام إلى أن توفي قاله في الكواكب وفيها السلطان الملك الظافر عامر بن عبد الوهاب سلطان اليمن قال في النور كان على جانب عظيم من الدين والتقوى والمشي في طاعة الله تعالى لا تعلم له صبوة وكان ملازما للطهارة والتلاوة والأوراد لا يفتر عن ذلك آناء الليل وأطراف النهار كثير الصدقات وفعل المبرات ومآثره بأرض اليمن من بناء المساجد والمدارس وغير ذلك مخلدة لذكره على الدوام وموجبة لحلوله دار السلام في جوار الملك العلام استمر ملكا تسعا وعشرين سنة وفيه وفي أخيه صلاح الدين يقول العلامة الديبع ( تحطم من ركن الصلاح مشيده * وقوض من بنيانه كل عامر ) ( فما من صلاح فيه بعد صلاحه * ولا عامر والله من بعد عامر ) وتوفي يوم الجمعة الثالث والعشرين من ربيع الآخر شهيدا رحمه الله تعالى انتهى وفيها المولى حليمي عبد الحليم بن علي القسطموني المولد الرومي الحنفي العالم الفاضل اشتغل بالعلم وخدم المولى علاء الدين العربي ثم ارتحل إلى بلاد العرب وقرأ على علمائها وحج ثم سافر إلى بلاد العجم وقرأ على علمائها وصحب الصوفية وتربى عند شيخ يقال له المخدومي ثم عاد إلى بلاد الروم واستقر بها ثم طلبه السلطان سليم الفاتح قبل جلوسه على سرير السلطنة وجعله إماما له وصاحبا فرآه متفننا في العلوم متحليا بالمعارف فلما جلس على سرير السلطنة نصبه معلما لنفسه وعين له كل يوم مائة عثماني وأعطاه قرى كثيرة ودخل معه بلاد الشام ومصر وتوفي بدمشق بعد عوده (8/124)

125 في صحبة سلطانه إليها من مصر يوم الجمعة عشرى شوال ودفن بتربة الشيخ محي الدين بن عربي إلى جانب الشيخ محمد البلخشي من القبلة وفيها العارف بالله تعالى عبد الرحمن بن الشيخ علي بن أبي بكر العيدروس الشافعي ولد سنة خمسين وثمانمائة وقرأ على والده وغيره من الأعلام فمن جملة ما قرأ على والده الأحياء أربعين مرة وكان يغتسل لكل فرض ومن مجاهداته وهو صغير أنه كان يخرج هو وابن عمه إلى شعب من شعاب تريم يقال له النعير بعد مضي نصف الليل فينفرد كل منهما يقرأ عشرة أجزاء في صلاة ثم يرجعان إلى منازلهما وكان يحفظ الحاوي في الفقه والوردية في النحو وكان يغطي إحدى يديه فلا يكشفها فألح عليه بعضهم أن يخبره بالسبب فقال كنت شاعرا وامتدحت النبي بجملة قصائد ثم اتفق أن قلت قصيدة في مدح بعض أهل الدنيا فرأيت النبي في النوم وهو يعاتبني على ذلك ثم أمر بقطع يدي فقطعت فشفع في الصديق فعادت والتحمت فانتبهت والعلامة ظاهرة في يدي ثم كشف له عن يده فإذا محل القطع نور يتلألأ وممن أخذ عنه من أكابر العلماء الفقيه عبد الله باقشير والفقيه عمر باشيبان وتوفي في المحرم بتريم ودفن بها قاله في النور وفيها زين الدين عبد الرحمن الصالحي الشافعي الإمام العالم الصالح المحدث توفي بالقاهرة في صفر وفيها عبد الفتاح بن أحمد بن عادل باشا الحنفي العجمي الأصل ثم أحد موالي الروم كان عالما محققا وله خط حسن قرأ على جماعة منهم المولى محي الدين الأسكليبي والمولى عبد الرحمن بن المؤيد ثم صار مدرسا بمدرسة المولى يكان ببروسا ثم بمدرسة أحمد باشا بن ولي الدين بها بمدرسة إبراهيم باشا بالقسطنطينية ومات وهو مدرس بها وفيها كريم الدين عبد الكريم بن الأكرم الدمشقي الحنفي القاضي الشيخ العلامة توفي بمنزله بالعنابة خارج دمشق يوم الخميس سادس عشر صفر ودفن (8/125)

126 بمقبرة الشيخ أرسلان قاله في الكواكب وفيها الشيخ عبد النبي المغربي المالكي الشيخ الإمام العلامة الحجة القدوة الفهامة مفتي السادة المالكية بدمشق أحد إخوان سيدي علي بن ميمون توفي بدمشق يوم الجمعة ثالث عشرى شهر رمضان ووافق حضور جنازته بالجامع الأموي حضور السلطان سليم فصلى عليه مع الجماعة وفيها ولي الله عبد الهادي الصفوري ثم الدمشقي الشافعي الشيخ الصالح الصوفي المسلك المربي توفي بمنزله بمحلة قبر عاتكة يوم الأحد سادس عشر شوال ودفن بتربة بالقرب من مسجد الطالع بالمحلة المذكورة وتعرف الآن بالدقاقين وقبره الآن ظاهر يزار وفيها محب الدين المقدسي إمام المسجد الأقصى الشيخ العلامة قاله في الكواكب وفيها شمس الدين محمد بن حسين الداديخي ثم الحلبي الشافعي المقرىء المجود كان دينا خيرا له أخلاق حسنة أخذ القراءات عن مغربي كان بداديخ وبرع فيها وفي غيرها وأخذ عن البازلي بحماة وعن البدر السيوفي بحلب وهما أجل شيوخه وكان يشغل الطلبة في قبة بجامع عيسى ويؤدب الأطفال وفيها كمال الدين محمد بن العلامة شمس الدين محمد ابن داود البازلي الكردي الأصل الحموي الشافعي الإمام العالم العلامة قال الحمصي باشر نيابة القضاء بدمشق ومشيخة المدرسة الشامية وكان عالما مفننا توفي بدمشق يوم السبت تاسع عشري شوال وكان والده إذ ذاك حيا انتهى وفيها شمس الدين محمد بن نصير الدمشقي الميداني الضرير المقرىء المجود العلامة النحوي كان من أهل العلم بالقراآت وله في النحو مؤلفات منها كتاب مطول سماه ذخر الطلاب في علم الاعراب وكتاب مختصر سماه تنقيح اللباب فيما لا بد أن يعتني به في فن الاعراب وكان فقيرا من الدنيا وكان ابن طولون يتردد إليه كثيرا وانتفع به جماعة وتوفي يوم الخميس قبل المغرب سابع عشرى صفر ودفن بمقبرة الجوزة بمحلة الميدان قال في (8/126)

127 الكواكب وفيها سادات كالشيخ إبراهيم القدسي كاتب المصاحف وكانت وفاته قبل المغرب العاشر في ثاني رمضان سنة أربع وتسعين وثمانمائة انتهى وفيها محي الدين محمد بن يعقوب الرومي الحنفي الشهير باجه زاده الإمام العالم قرأ على علماء عصره ثم وصل إلى خدمة المولى خطيب زاده ثم ولي الولايات وتنقل فيها حتى صار قاضي بروسا ثم عزل ومات معزولا قال في الشقائق كان عالما فاضلا ذكيا سليم الطبع مبارك النفس مقبلا على الخير متواضعا متخشعا صاحب كرم وأخلاق انتهى وفيها مفتي زبيد وعالمها كمال الدين موسى بن زين العابدين بن أحمد بن أبي بكر الرداد البكري لصديقي الشافعي الجهبذ المصقع المدقق قال في النور كان شافعي زمانه ورئيس أقرانه علما وعملا بحرا من بحار العلم وجبلا من جبال الدين له القدم الراسخة في المذهب والباع الطويل في كل مشرب رحل إليه الطالبون ورغب في الأخذ عنه الراغبون وتفقه بالقاضي الطيب الناشري ونجم الدين المقري الجبائي وغيرهما وروى فقه الإمام الشافعي من طريق العراقيين والمراوزة عن الإمام علي بن عطيف نزيل مكة وأهل طبقته وأفتى ودرس وانتشر صيته في جميع الآفاق واعترف له الأكابر بالإمامة وقصد للفتوى من كل نجد وتهامة وتفقه به الجلة منهم ابنه المحقق فخر الدين أبو بكر وأبو العباس الطنبذاوي وغيرهما وله الأجوبة الرائقة والبحوث الفائقة والمصنفات المقبولة والشروح المتداولة المنقولة منها الكوكب الوقاد شرح الإرشاد في أربع وعشرين مجلدا وله شرح صغير على الإرشاد وفتاوى جمعها ولده ورتبها (8/127)

128 ترتيبا حسنا وزاد عليها زيادات لا غناء عنها قال تلميذه الناشري اتفق له ما لم يتفق لأحد قبله وذلك أنه زرع البر في أرضه واستغله وحرث غيره وكان غالب قوته في غالب الأحوال اللوز والعسل ومن نعم الله عليه أنه مكث أربعين سنة ما رزىء بأحد من بيته ولم تخرج من بيته جنازة وتوفي عصر يوم الجمعة التاسع والعشرين من المحرم انتهى وفيها نصوح الطوسي العارف بالله تعالى قال في الكواكب كان عالما صالحا يحفظ القرآن العظيم ويكتب الخط الحسن ثم انتسب إلى الطريقة الزينبية وخدم الشيخ تاج الدين القرماني وبلغ عنده رتبة الإرشاد وقعد على سجادة التربية بعد وفاة الشيخ صفي الدين في زاوية شيخه المذكور ومات في وطنه انتهى وفيها شرف الدين يونس بن إدريس بن يوسف الحلبي ثم الدمشقي الشافعي الصوفي الهمداني الخرقة الصالح المسلك ولد بمدينة حلب سنة سبع وستين وثمانمائة واشتغل على جماعة في عدة فنون وتوجه إلى مكة ثلاث مرات وجاور في حدود الثمانين وسمع بها الحديث على السخاوي والمحب الطبري وولده أبي السعادات وقرأ عليه في النحو ولبس الخرقة الهمدانية وتلقن الذكر من السيد عبيد الله التستري الهمداني وصار له أتباع كثيرون يتداولون الأوراد الصحيحة بالمدرسة الرواحية بحلب وهاجر إلى دمشق وأقام بدار الحديث بقرب قلعة دمشق وتوفي بدمشق يوم الإثنين عشرى سنة أربع وعشرين وتسعمائة فيها توفي برهان الدين إبراهيم بن قاسم بن محمد الشهير بابن الكيال الدمشقي الشافعي الفاضل المحدث توفي يوم الثلاثاء حادي عشر صفر ودفن بمقبرة باب الصغير قاله في الكواكب وفيها شهاب الدين أحمد بن (8/128)

129 علي بن إبراهيم الباعوني الأصل من قرية باعونة بالموصل الحلبي المولد والدار والوفاة الشاعر المعروف بابن الصواف والمعروف أبوه بالصغير بالتصغير كان أديبا شاعرا ذكره جار الله بن فهد في رحلته إلى حلب سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة وذكره في معجم الشعراء الذين سمع منهم الشعر وأنشد له ( روحي الفداء لذي لحاظ قد غدت * بسوادها البيض الصحاح مراضا ) ( كالغصن قدا والنسيم لطافة * والياسمين براقة وبياضا ) وله قصيدة التزم فيها واوين أول كل بيت وآخره مطلعها ( وواد به الغيد الحسان قد استووا * وورد ظباء الحي في ظله ثووا ) توفي بالحريق في داره بحلب وفيها شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن محمد بن أبي بكر الشهير بابن بري الخالدي البابي الحلبي ثم الدمشقي الحنفي الصوفي ولد في ثالث صفر سنة أربعين وثمانمائة وكان من أعيان الناس الصلحاء وتوفي بدمشق يوم الاحد سادس عشر رجب ودفن بمقبرة الحمرية وفيها زين الدين عبد الرحمن بن جماعة المقدسي الشافعي العلامة شيخ الصلاحية بالقدس الشريف توفي بالقدس في هذه السنة وصلى عليه وعلى الشيخ عبد القادر الدشطوطي غائبة بجامع بني أمية بدمشق يوم الجمعة ثاني عشر رمضان قاله في الكواكب وفيها الشيخ زين الدين عبد القادر بن محمد الشيخ الصالح المعمر المعتقد المجرد العفيف العارف بالله تعالى الدشطوطي كذا ضبطه العلائي وضبطه السخاوي في الضوء الطشطوطي بطاءات مهملات بينهما شين معجمة وواو نسبة إلى دشطوط من قرى الصعيد قال الشيخ عبد الرءوف المناوي في طبقاته هو المعروف بالكرامات المشهورة بخوارق الآيات البينات والكشف العام والقبول التام عند الملوك فمن سواهم من الأعلام ذوو الصفات التي اشتهرت والعجائب التي بهرت عند مظهرا كان ضريرا وعمر جوامع بمصر وقراها ووقف الناس عليه أوقافا كثيرة ومن كلامه (8/129)

130 أوصيك بعدم الالتفات لغير الله تعالى في شيء من أمر الدارين فإن جميع الأمور لا تبرز إلا بأمره فارجع فيها لمن قدرها وقال إذا استحكمت هيبة الله في قلب عبد أخذ عن إدراك التكليف وقامت به حالة حالت بينه وبين الحركة والصلاة وصار عليه كل بلاء أهون من صلاة ركعتين وقال في بعض الكتب المنزلة يقول الله يا عبدي لو سقت لك ذخائر الكونين فنظرت بقلبك إليها طرفة عين فأنت مشغول عنا لا بنا وكان صاحيا لكن حافيا مكشوف الرأس عليه جبة حمراء وكان لقبة بين الأولياء صاحب مصر توقف النيل ثم هبط أيام الوفاء ثلاثة أذرع فخاض في البحر وقال اطلع بإذن الله فطلع فورا فاقتتل الناس عليه يتبركون به وحج ماشيا حافيا طاويا فلما وصل باب السلام وضع خده على العتبة فما أفاق إلا بعد ثلاث وكان يرى مع الدليل تارة ومع الساقة أخرى ويخفى ويظهر وكان قايتباي إذا زاره يمرغ وجهه على أقدامه وقال طلبت من الله مقام الحضور بين يديه فتجلى لي من حضرته أمر ذابت منه مفاصلي وصرت أطلب طلوع روحي فما أجاب فتوسلت بالمصطفى فرحمني وأسدل على الحجاب ولما عمر القبة التي دفن بها بزاويته صار يقول للشيخ جلال الدين البكري أسرع فالوقت قرب وقال له لا تجعل لأحد من الشهود والقضاة وظيفة في زاويتي إنما جعلتها وقفا لمكشفي الركب من كل مقيم ووارد انتهى وبالجملة فمناقبه كثيرة وترجمه الحافظ السيوطي بالولاية وألف بسببه تأليفا في تطور الولي ذكر في أوله أن سبب تأليفه أن رجلين من أصحاب الشيخ المذكور حلف كل واحد منهما أن الشيخ عبد القادر بات عنده ليلة كذا فرفع إليه سؤال في حكم المسئلة قال فأرسلت إلى الشيخ عبد القادر وذكرت له القصة فقال لو قال أربعة أني بت عندهم لصدقوا قال السيوطي فأجبت بأنه لا يحنث واحد منهما ثم حمل ذلك على تطور الولي وهو جزء لطيف حافل نقل فيه كلام فحول العلماء كابن السبكي والقونوي وابن أبي المنصور وعبد الغفار (8/130)

131 القوصي واليافعي رضي الله تعالى عنهم وعنه وفيها قوام الدين أبو يزيد محمد بن أبي بكر بن محمد بن أبي بكر بن نصر بن عمر بن هلال الحبيشي الأصل الحلبي الشافعي العلامة قال في الكواكب كان عالما فاضلا مناظرا له حدة في المناظرة وذكاء مفرط وحفظ عجيب حفظ الشاطبية وعرضها بحلب سنة ثلاث وثمانين وثمانمائة وسافر مع أبيه إلى بيت المقدس فعرض أماكن منها ومن الرائية على إمام الأقصى عبد الكريم بن أبي الوفا ثم جاور بمكة سنين واشتغل بها وسمع مع أبيه على الحافظ السخاوي ثم عاد من مكة إلى حلب واشتغل على عالمها البدر السيوفي فقرأ عليه الإرشاد لابن المقري وسمع بقراءته الشيخ زين الدين بن الشماع ودرس بجامع حلب ووعظ به وكان يأتي في وعظه بنوادر الفوائد وسرد مرة النسب النبوي طردا وعكسا ثم أعرض عن ذلك وصار صوفيا بسطاميا كأبيه يلف المئزر ويرخي له عذبة رعاية للسنة وكانت وفاته في حياة أبيه في شوال بحلب انتهى سنة خمس وعشرين وتسعمائة فيها توفي شهاب الدين أحمد بن القاضي محي الدين عبد القادر النبراوي المصري الحنبلي الشاب الفاضل توفي يوم الخميس خامس عشرى ربيع الأول وفيها شهاب الدين أبو العباس أحمد بن عبد الملك بن علي بن عبد الله الموصلي الشيباني المقدسي ثم الدمشقي الشافعي الصوفي الصالح الورع الزاهد العابد المحقق المسلك أحد مشايخ الصوفية بدمشق والقدس وشيخ زاويتي جده بهما ولد بالقدس في ربيع الأول سنة أربع وأربعين وثمانمائة وأخذ عن القطب الخيضري وغيره ولبس الخرقة من ابن عمه الشيخ زين الدين عبد القادر بلباسه لها من والده الشيخ إبراهيم بلباسه لها من يد والده الشيخ العارف بالله تعالى سيدي أبي بكر الموصلي وهو جد المترجم أيضا قال ابن طولون (8/131)

132 جالسته كثيرا بالجامع الأموي وانتفعت به وأجاز لي شفاها غير مرة وكتبت عنه أشياء انتهى وتوفي يوم الإثنين حادي عشرى ذي القعدة ودفن جوار قبر الشيخ إبراهيم الناجي بباب الصغير وفيها شهاب الدين أحمد الحسامي القاهري الشافعي النحوي الإمام العلامة المحقق المجد الصوفي كان بارا بأمه قائما بمصالحها صابرا متواضعا يخدم نفسه ويشتري حوائجه من السوق ويحملها بنفسه ولا يمكن أحدا يحملها عنه وكان يتعمم بالقطن من غير قصارة وثيابه قصيرة اقتداءا بالسلف وكان ملازما للطهارة لا يكاد يدخل عليه وقت وهو محدث وكان كثير الصمت قليل الكلام تجلس معه اليوم واليومين فلا تسمع منه كلمة لغو كثير الصيام والقيام يقوم النصف الثاني من الليل كل ليلة وكان يتورع عن صدقات الناس ولا يقبل هدية من أحد وأخذ التصوف عن الشيخ علي المرصفي وكان يذهب إلى مجلسه كل يوم جمعة وكان العلماء مع ذلك يرجعون إليه في المعقولات ويعدلونه في العربية بابن مالك وابن هاشم وتوفي بالقاهرة يوم الثلاثاء خامس عشر ربيع الثاني وفيها تقريبا المولى إدريس بن حسام الدين العجمي ثم الرومي الحنفي العالم الفاضل قال في الشقائق كان موقعا لديوان أمراء العجم ولما حدثت فتنة ابن أردويل ارتحل إلى الروم فأكرمه السلطان أبو يزيد غاية الإكرام وعين له مشاهرة ومسانهة وعاش في كنف حمايته عيشة راضية وأمره أن ينشىء تواريخ آل عثمان بالفارسية فصنفها وكان عديم النظير فاقد القرين بحيث أنسى الأقدمين ولم يبلغ إنشاءه أحد من المتأخرين وله قصائد بالعربية والفارسية تفوت الحصر وله رسائل عجيبة في مطالب متفرقة وبالجملة كان من نوادر الدهر ومفردات العصر انتهى وفيها بدر الدين حسن بن إبراهيم بن أحمد بن خليل بن أحمد بن عيسى بن عثمان بن عمر بن علي بن سلامة العجمي الأصل المقدسي (8/132)

133 ثم الصالحي الحنبلي حفظ المحرر للمجد بن تيمية وحله على شارحه الشيخ علاء الدين البغدادي ولازم شيخ الحنابلة الشهاب العسكري في الفقه وقرأ توضيح ابن هشام على الشهاب بن شكم ولازمه مدة طويلة وتسبب بالشهادة في مركز العشر وتوفي يوم الخميس حادي عشر المحرم بالصالحية ودفن بتربة القاضي علاء الدين الزواوي وفيها بدر الدين حسن بن علي بن يوسف بن المختار الأربلي الأصل الحصكفي الحلبي الشافعي الشهير بابن السيوفي العلامة شيخ الإسلام ولد تقريبا كما ذكره السخاوي في الضوء اللامع في سنة خمسين وثمانمائة بحصن كيفا ونشأ به وحفظ القرآن العظيم والمنهاج للنووي والإرشاد لابن المقري وألفيتي العراقي في الحديث وفي السيرة ومنهاج البيضاوي الأصلي والطوالع له أيضا والشاطبية والكافية لابن الحاجب والألفية لابن مالك وتصريف العزى والشمسية وقرأ الشاطبية والقرآن العظيم بمضمونها على ابن مبارك شاه الهروي وهو على الجلال الهروي وهو على ابن الجزري وقرأ على الهروي المذكور في العروض وأنهى عليه كتاب القسطاس للزمخشري قرأه بحلب وقرأ أيضا بعض السبع على أبي الحسن الجبرتي نزيل سطح الجامع الأزهر في دخلته إلى القاهرة وقرأ ثمن حزب أو دونه للأربعة عشر على الزين جعفر السنهوري وأخذ الفقه وغيره بها عن الشمس الجوجري وسمع عليه وأخذ بالقدس عن الكمال بن أبي شريف وأجازه وأخذ الفقه والحديث أيضا عن الشمس السلامي الحلبي بها والأصول والمنطق والمعاني والبيان عن علي قرا درويش والحديث أيضا عن البرهان الحلبي وقرأ عليه الصحيحين والشفا وعن الشيخ نصر الله كافية ابن الحاجب وعن منلا زادة تفسير البيضاوي والنحو عن المنلا عبد الرحمن الجامي وحج سنة ست وستين وثمانمائة فأخذ بمكة عن التقي بن فهد وسمع بدمشق على الشيخ عبد الرحمن بن خليل (8/133)

134 الأذرعي وأخذ عن البرهان البقاعي وأجازه بالافتاء والتدريس جماعة وصار أعجوبة زمانه وواسطة عقد أقرانه ثم تصدر ببلده للإفادة وانتفع الناس به وصار شيخ بلده ومفتيها ومحققها ومدققها مع الديانة والصيانة قال في الكواكب غير أنه كان يكثر الدعوى والتبجح والمشاححة لطلبة العلم في الألفاظ وغيرها وكان طويل القامة نير الشيبة مهيبا يخضب لحيته بالسواد في أول شيبه ثم ترك آخرا ومن مؤلفاته حاشية على شرح المنهاج للمحلى وحاشية على شرح الكافية المتوسط ومن شعره ( إذا ما نالت السفهاء عرضي * ولم يخشوا من العقلاء لوما ) ( كسوت من السكوت فملي لثاما * وقلت نذرت للرحمن صوما ) وتوفي بحلب في ربيع الأول بعد أن ألمت به كائنة بغير حق من قبل قاضي حلب زين العابدين محمد بن الفناري وفي تاريخ ابن طولون أنه مات قهرا بسبب تلك الكائنة ولم تطل مدة القاضي بعده وفيها شيخ الإسلام قاضي القضاة زين الدين الحافظ زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري السنيكي ثم القاهري الأزهري الشافعي قال في النور ولد سنة ست وعشرين وثمانمائة بسنيكة من الشرقية ونشأ بها وحفظ القرآن وعمدة الأحكام وبعض مختصر التبريزي ثم تحول إلى القاهرة سنة إحدى وأربعين فقطن في جامع الأزهر وكمل حفظ المختصر ثم حفظ المنهاج الفرعي والألفية النحوية والشاطبية والرائية وبعض المنهاج الأصلي ونحو النصف من ألفية الحديث ومن التسهيل إلى كاد وأقام بالقاهرة يسيرا ثم رجع إلى بلده وداوم الاشتغال وجد فيه وكان ممن أخذ عنه القاياتي والعلم البلقيني والشرف السبكي والشموس الوفائي والحجازي والبدرشي والشهاب بن المجدي والبدر النسابة والزين البوشنجي والحافظ ابن حجر والزين رضوان في آخرين وحضر دروس الشرف المناوي وأخذ عن الكافيجي وابن الهمام ومن لا يحصى كثرة ورجع (8/134)

135 إلى القاهرة فلم ينفك علن الاشتغال والاشغ ال مع الطريقة الجميلة والتواضع وحسن العشرة والأدب والعفة والانجماع عن أبناء الدنيا مع التقلل وشرف النفس ومزيد العقل وسعة الباطن والاحتمال والمداراة وأذن له غير واحد من شيوخه في الافتاء والأقراء منهم شيخ الإسلام ابن حجر وتصدى للتدريس في حياة شيوخه وانتفع به الفضلاء طبقة بعد طبقة وشرح عدة كتب وألف ما لا يحصى كثرة فلا نطيل بذكرها إذ هي أشهر من الشمس وقصد بالفتاوى وزاحم كثيرا من شيوخه فيها ورويته أحسن من بديهته وكتابته أمتن من عبارته وعدم مسارعته إلى الفتاوى يعد من حسناته وله الباع الطويل في كل فن خصوصا التصوف وولي تدريس عدة مدارس إلى أن رقي إلى منصب قضاء القضاة بعد امتناع كثير وذلك في رجب سنة ست وثمانين واستمر قاضيا مدة ولاية الأشرف قايتباي ثم بعد ذلك إلى أن كف بصره فعزل بالعمى ولم يزل ملازم التدريس والافتاء والتصنيف وانتفع به خلائق لا يحصون منهم ابن حجر الهيتمي وقال في معجم مشايخه وقدمت شيخنا زكريا لأنه أجل من وقع عليه بصري من العلماء العاملين والأئمة الوارثين وأعلى من عنه رويت ودريت من الفقهاء الحكماء المهندسين فهو عمدة العلماء الأعلام وحجة الله على الأنام حامل لواء المذهب الشافعي على كاهله ومحرر مشكلاته وكاشف عويصاته في بكره وأصائله ملحق الأحفاد بالأجداد المتفرد في زمنه بعلو الإسناد كيف ولم يوجد في عصره إلا من أخذ عنه مشافهة أو بواسطة أو بوسائط متعددة بل وقع لبعضهم أنه أخذ عنه مشافهة تارة وعن غيره ممن بينه وبينه نحو سبع وسائط تارة أخرى وهذا لا نظير له في أحد من أهل عصره فنعم هذا التمييز الذي هو عند الأئمة أولى به وأحرى لأنه حاز به سعة التلامذة والأتباع وكثرة الآخذين عنه ودوام الانتفاع انتهى وتوفي رحمه الله تعالى يوم الجمعة رابع ذي الحجة بالقاهرة ودفن بالقرافة (8/135)

136 بالقرب من الإمام الشافعي رضي الله عنه وجزم في الكواكب بوفاته في السنة التي بعدها وقال عاش مائة وثلاث سنين انتهى وفيها عبد الله بن أحمد بن با كثير بفتح الكاف وكسر المثلثة الحضرمي ثم المكي الشافعي قال في النور ولد في سنة ست أو سبع وأربعين وثمانمائة بحضرموت ونشأ بها سبع سنين ونقله والده إلى غيل باوزير فحفظ القرآن في سنة وعمره ثمان سنين وحفظ المنهاج والبهجة لابن الوردي وخلاصة ابن ظفر وألفية ابن مالك وغيرها ثم سأل والده الاجتماع بشيخ من الصوفية فأشار عليه بالشيخ عبد الله العيدروس فتوجه إلى تريم وأخذ عنه وتربى على يديه وكان يقول لو اجتمع شيوخ الرسالة في جانب الحرم وأنا في جانبه الآخر ما كنت أهتز إلى عندهم لما ملأني به الشريف يعني الشيخ عبد الله ورحل إلى مكة وأقام بها إلى أن مات ولقي جماعة من العلماء وأجيز بالافتاء ورحل إلى مكة وأقام بها إلى أن مات ولقي جماعة من العلماء وأجيز بالإفتاء والتدريس فتصدى لذلك وانتفع الناس به ونثر ونظم من ذلك الدرر اللوامع في نظم جمع الجوامع وتتمة التمام وسفك المدام في عقائد الإسلام ومن شعره ( من كان يعلم أن كل مشاهد * فعل الاله فما له أن يغضبا ) ( بل واجب أن يرتضي ما شاهدت * عيناه من ذاك الفعال ويطربا ) وكان كثير الفوائد عالما عاملا عين المدرسين بمكة مع الزهد والصلاح والعفة والاحتمال والسكون والانجماع عن أبناء الدنيا وتوفي بمكة ليلة السبت الثالث عشر ربيع الثاني ودفن بالمعلاة وخلف نحو عشرة أولاد ذكورا وإناثا انتهى وفيها السيد تاج الدين عبد الوهاب بن أحمد السيد الشريف ابن نقيب الأشراف وأمه الفاضلة البارعة زينب بنت الباعوني أخذ الفقه عن الشيخ برهان الدين الطرابلسي الحنفي المصري بها وقرأ عليه مصنفه في الفقه على طريقة المجمع وتردد إلى سيدي محمد بن عراق إلى أن توفي ليلة (8/136)

137 السبت في ربيع الأول بصالحية دمشق عن نحو ثلاثين سنة وصلى عليه بمدرسة أبي عمر ودفن بالروضة وفيها علاء الدين أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الرحيم بن محمد بن علي بن إبراهيم بن مسعود بن محمد الحصكفي الموصلي الشافعي العلامة المفنن المتقن قطن دمشق أولا مع أبيه وقرأ بها على الشيخ عماد الدين المعروف بخطيب السقيفة والبرهان بن المعتمد وغيرهما وحج ماشيا ثم قطن حلب وقرأ بها على الفخر عثمان الكردي والبدر السيوفي والشمس البازلي وغيرهم ودرس بها وأفاد وأفتى وجلس بمكتب الشهادة بحلب تحت قلعتها وتردد الطلبة إليه وتلقى منه جمع جم من الأفاضل حتى ترقى بعضهم إلى الإفادة ثم لما أبطلت الدولة العثمانية مكاتب الشهود ترك ذلك وأقبل على الاشتغال والاشغال وكان له يد طولى في النحو والصرف والمنطق والعروض والقوافي وله تقرير حسن في الفقه ومشاركة كلية في الأدب وشعره لطيف منه ( تمر الليالي والحوادث تنقضي * كأضغاث أحلام ونحن رقود ) ( وأعجب من ذا أنها كل ساعة * تجد بنا سيرا ونحن قعود ) وله ملغزا ( يا إماما في النحو شرقا وغربا * من له باب سره المكنون ) ( أيما اسم قد جاء ممنوع صرف * وأتى الجر فيه والتنوين ) وأجاب هو عنه بقوله ( علم كان للمؤنث جمعا * سالما جمع ذين فيه يكون ) وأجاب عن قول بعض فضلاء النحو ( سلم على شيخ النحاة وقل له * عندي سؤال من يجبه يعظم ) ( أنا إن شككت وجدتموني جازما * وإذا جزمت فإنني لم أجزم ) بقوله (8/137)

138 ( قل في الجواب بأن إن في شرطها * جزمت ومعناها التردد فاعلم ) ( وإذا بجزم الحكم إن شرطية * وقعت ولكن شرطها لم يجزم ) وتوفي يوم الثلاثاء سابع شوال وفيها فاطمة بنت يوسف التادفي الحنبلي الحلبي قال ابن الحنبلي وهو ابن أخيها كانت من الصالحات الخيرات وكان لها سماع من الشيخ المحدث برهان الدين وكانت قد حجت مرتين ثم عادت إلى حلب وأقلعت عن ملابس نساء الدنيا بل عن الدنيا بالكلية ولبست العباءة وزارت بيت المقدس ثم حجت ثالثة وتوفيت بمكة المشرفة انتهى وفيها شمس الدين أبو عبد الله محمد بن داود البازلي الكردي ثم الحموي الشافعي شيخ الإسلام مفتي المسلمين العلامة ولد في ضحوة يوم الجمعة سنة خمس وأربعين وثمانمائة في جزيرة ابن عمر ونشأ بها وانتقل إلى أذربيجان فحفظ بها كثيرا من الكتب منها الحاوي الصغير وعقائد النسفي وعروض الأندلسي والشمسية وكافية ابن الحاجب وتصريف العزي وأخذ المعقولات عن منلا ظهير ومنلا محمد القتجفاني ومولانا عثمان الباوي والمنقولات عن والده وغيره وقدم الشام سنة تسعين وثمانمائة وحج سنة خمس وتسعين وعاد من الحجاز إلى حماة فقطنها وكان زاهدا متقشفا كثير العبادة يصوم الدهر ويلازم التدريس وألف عدة مؤلفات منها حاشية شرح جمع الجوامع للمحلى وكتاب سماه غاية المرام في رجال البخاري إلى سيد الأنام وكتاب تقدمة العاجل لذخيرة الآجل وأجوبة شافية عن إشكالات كانت ترد عليه وأسئلة ترفع إليه وتوفي بحماة رحمه الله تعالى وفيها شمس الدين محمد بن علي بن الدهن الحلبي الشافعي المعمر شيخ القراء والاقراء بحلب وإمام الحجازية بجامعها الكبير قرأ على جماعة منهم منلا سليمان بن أبي بكر المقري الهروي وغيره وكان من العلماء المنورين وفيها قاضي القضاة جلال الدين محمد بن قاسم المصري المالكي العلامة قال الشعراوي كان كثير المراقبة لله (8/138)

139 في أحواله وكانت أوقاته كلها معمورة بذكر الله تعالى وشرح المختصر والرسالة وانتفع به خلائق لا يحصون وولاه الغوري القضاء مكرها وكان حسن الاعتقاد في طائفة القوم قال وكان أكثر أيامه صائما لا يفطر في السنة إلا العيدين وأيام التشريق وكان حافظا للسانه في حق أقرانه لا يسمع أحدا يذكرهم الا ويبجلهم توفي بمصر في هذه السنة وفيها محب الدين أبو الثناء محمود بن محمد بن محمود بن خليل بن أجا التدمري الأصل الحلبي ثم القاهري الحنفي كاتب الأسرار الشريفة بالممالك الإسلامية المعروف بابن أجا قال السخاوي ولد سنة أربع وخمسين وثمانمائة بحلب واشتغل بالعلم في القاهرة إلى سنة ثمان وثمانين ثم زار بيت المقدس ورجع إلى حلب وتميز بالذكاء ولطف العشرة وولي قضاء حلب في شهر رمضان سنة تسعين وحج سنة تسعمائة ثم رجع إلى حلب وطلبه السلطان الغوري وولاه كتابة السر بالقاهرة عوضا عن ابن الجيعان في أول ولايته سنة ست وتسعمائة واستمر فيها إلى آخر الدولة الجركسية وهو آخر من ولي كتابة السر ثم حج في دولته سنة عشرين فقرأ عليه المسند جار الله بن فهد عشرين حديثا عن عشرين شيخا وخرجها له في جزء سماه تحقيق الرجا لعلو المقر بن أجا ثم عاد إلى القاهرة فشكا مدة فركب إليه السلطان وزاره لمحبته له ثم سافر صحبة الغوري إلى حلب سنة اثنتين وعشرين وأقام بها حتى قتل الغوري فرجع إلى القاهرة فولاه السلطان طومان باي كتابة السر بها ثم لما دخل السلطان سليم إليها أكرمه وعرض عليه وظيفته فاستعفى منها واعتذر بكبر سنه وضعف يديه ثم سأل السلطان سليم الإقامة بحلب فأجابه وعاد معه إلى حلب واستقر في منزله إلى أن توفي بها وكان ذا هيبة وشكالة حسنة وشيبة نيرة ظريفا كيسا يحب التواريخ ويرغب في خلطة الأكابر ومدحه الناس كثيرا بالمدائح الحسنة منهم عائشة الباعونية حين قدمت عليه القاهرة بقصيدتها الرائية التي أولها (8/139)

140 ( حنيني لسفح الصالحية والجسر * أهاج الهوى بين الجوانح والصدر ) وتوفي بحلب في العشر الأول من شهر رمضان وفيها أو في التي بعدها نهالي بن عبد الله الرومي الحنفي المولى الفاضل المشتهر بهذا اللقب قال في الشقائق ولم نعرف اسمه وكان عتيقا لبعض الأكابر وقرأ في صغره مبادىء العلوم ثم خدم العلماء وفاق على أقرانه ومهر في العربية والأصول والتفسير وكان له نظم بالعربية والتركية والفارسية ووصل إلى خدمة المولى محمد بن الحاج حسن ودرس بالمدرسة التي بناها المولى المذكور بالقسطنطينية ثم بمدرسة مصطفى باشا بالقسطنطينية أيضا ثم فرغ عن التدريس وسافر إلى الحج فلما أتم الحج مرض فعاهد الله تعالى إن صح من مرضه لم يعاود التدريس وندم على ما مضى من عمره في الاشتغال بغير الله تعالى فأدركته المنية في مرضه ذلك بمكة المشرفة ودفن بها سنة ست وعشرين وتسعمائة فيها توفي أبو النور التونسي المالكي نزيل المدرسة المقدمية بحلب كان حافظا لكتاب الله تعالى مقرئا يؤدب الأطفال بالمدرسة المذكورة وكان من عادته أنه يقرأ ثلث القرآن بعد المغرب وثلثه بعد العشاء ومن غريب ما اتفق له أنه لما ركب البحر من تونس إلى أسكندرية حصل لملاح السفينة وكان فرنجيا حمى غب أشغلته عن مصلحة السفينة وعجز ركابها عن علاج ينفعه وطلب من الشيخ أبي النور ما يكتب للحمى فكتب له في ورقة ( ^ خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه ) ولف الورقة ودفعها له فوضعها في رأسه فما مضت تلك الليلة حتى ذهبت عنه الحمى وتوفي الشيخ بحلب ودفن بمقبرة الرحبي وفيها الشيخ أحمد بن بترس الصفدي الشيخ العارف بالله تعالى المكاشف بأسرار غيب الله كان (8/140)

141 ظاهر الأحوال بصفد مسموع الكلمة عند حكامها وكان الناس يترددون إليه فيشفع لهم ويقضي حوائجهم ويقربهم ويضيفهم وكان ذا شيبة نيرة وكان إذا أراد أن يتكلم بكشف يطرق رأسه إلى الأرض ثم يرفعه وعيناه كالجمرتين يلهث كصاحب الحمل الثقيل ثم يتكلم بالمغيبات وكان في بدايته ذا رياضة ومجاهدة وتوفي بصفد قال ابن طولون صلى عليه غائبة بجامع دمشق يوم الجمعة ثامن عشرى ذي القعدة سنة ست وعشرين وتسعمائة انتهى وفيها شهاب الدين أحمد بن الحسين بن محمد بن الحسين بن عيسى بن محمد بن أحمد بن مسلم الشهاب بن البدر المكي ويعرف كأبيه بابن العليف بضم العين المهملة تصغير علف الشافعي قال في النور ولد بمكة سنة إحدى وخمسين وثمانمائة ونشأ بها وحفظ القرآن والألفية النحوية والأربعين النووية والكثير من المنهاج وسمع بمكة على التقي بن فهد وولده النجم والزين عبد الرحمن الأسيوطي وأبي الفضل المرجاني ولازم النور الفاكهي في دروسه الفقهية والنحوية وبالقاهرة من الجوجري وغيره ودخل القاهرة مرارا قال السخاوي وكنت ممن أخذ عنه بها وبالحرمين وتكسب بالنساخة مع عقل وتودد وحسن عشرة وتميز ومع ذلك فلم يسلم ممن يعاديه بل كاد أن يفارق المدينة لذلك قال وأغل بإقامته الآن بطيبة على خير وانجماع وتقلل ونعم الرجل انتهى وألف لسلطان الروم بايزيد بن عثمان الدر المنظوم في مناقب سلطان الروم ومدحه وغيره من أمرائه فرتب له خمسين دينارا في كل سنة ومدح السيد بركات الحسني صاحب مكبة واقتصر على مدحه وحظى عنده لبلاغته حتى صار متنبي زمانه ثم أصيب بكثرة الأمراض في آخره ومن نظمه الفائق القصيدة العجيبة التي منها ( خذ جانب العليا ودع ما يترك * فرضا البرية غاية لا تدرك ) ( واجعل سبيل الذل عنك بمعزل * فالعز أحسن ما به تتمسك ) (8/141)

142 ( وامنح مودتك الكرام فربما * عز الكريم وفات ما يستدرك ) ( وإذا بدت لك في عدو فرصة * فافتك فإن أخا العلا من يفتك ) ( ودع الأماني للغبي فإنما * عقبى المنى للحر داء مهلك ) ( من يبتغي سببا بدون عزيمة * ضلت مذاهبه وعز المدرك ) ( تعست مداراة العدو فإنها * داء تحول به الجسوم وتوعك ) وهي طولة وتوفي بمكة المشرفة يوم الثلاثاء من ذي الحجة ودفن بالمعلاة وفيها تقي الدين باكير الرومي الشيخ الفاضل ناظر التكية السليمية وولي نظارة الجامع الأموي قال في الكواكب نزل عند شيخ الإسلام الجد وكان من أصحابه وتلاميذه وترجمه بالولاية والفضل ثم عزل من الجامع الأموي وأعطى تولية التكية السليمية ثم عزل عنها بالشيخ أبي الفتح بن مظفر الدين المكي ثم سافر إلى الروم وعاد بتولية الجامع والتكية معا ودخل دمشق عاشر رجب هذه السنة فصرفه نائب الشام في تولية التكية دون الجامع وتوفي ليلة الجمعة خامس ذي الحجة الحرام ودفن بالقرب من الشيخ محي الدين ابن عربي تحت السماء وفيها المولى التوقاتي الحنفي العالم المدرس ببلدة أماسية قال النجم الغزي كان فاضلا منقطعا عن الناس بالكلية مشتغلا بالدرس والعبادة وكان لا يقدر على الحضور بين الناس وحشة منهم وحياءا وكان صالحا مباركا مات بأماسية في أوائل سلطنة السلطان سليمان خان انتهى وفيها حمزة بن عبد الله بن محمد بن علي بن أبي بكر بن علي بن محمد الناشري اليمني الشافعي قال في النور ولد ثالث عشر شوال سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة وأخذ الفقه والحديث عن العلامة قاضي القضاة الطيب بن أحمد الناشري مصنف الإيضاح على الحاوي وعن والده قاضي القضاة عبد الله وغيرهما وروى عن القاضي مجد الدين الفيروزابادي صاحب القاموس وغيره وأجازه شيخ الإسلام ابن حجر (8/142)

143 العسقلاني وكتب له بالإجازة هو وعلماء مصر كالشيخ زكريا الأنصاري والجوجري والسيوطي وابن أبي شريف وغيرهم ومن الحجاز أبو الخير السخاوي واشتهر باللطافة والعلم وكان كثير الزواج قارب المائة وهو يفتض الأبكار ورزق كثيرا من الأولاد مات غالبهم وتفقه به خلائق كثيرون كالحافظ ابن الديبع وأبي البركات الناشري وله مصنفات حسنة غريبة منها الأربعون التهليلية ومسالك التحبير من مسائل التكبير ومختصره التحبير في التكبير وانتهاز الفرص في الصيد والقنص وكتاب النبات العظيم الشان المسمى حدائق الرياض وغوصة الفياض وعجائب الغرائب وغرائب العجائب وسالفة العذار في الشعر المذموم والمختار وغير ذلك وله شعر لطيف منه ( إذا نظرت إلى العيناء تحسبها * جاما من التتر فيه فص ياقوت ) ( أو خد غانية يحمل من خجل * أو قرص عاشقة أدماه كالتوت ) وتوفي يوم الخميس تاسع عشر ذي الحجة بمدينة زبيد ودفن بمقبرة سلفه الصالح بباب سهام قريبا من قبر الشيخ إسماعيل الجبرتي انتهى وفيها السلطان سليم بن أبي يزيد بن محمد السلطان المفخم والخاقان المعظم سليم خان بن عثمان تاسع ملوك بني عثمان هو من بيت رفع الله على قواعده فسطاط السلطنة الإسلامية ومن قوم أبرز الله تعالى لهم ما ادخره من الاستيلاء على المدائن الإيمانية رفعوا عماد الإسلام وأعلوا مناره وتواصوا باتباع السنة المطهرة وعرفوا للشرع الشريف مقداره وصاحب الترجمة منهم هو الذي ملك بلاد العرب واستخلصها من أيدي الجراكسة بعد ما شتت جمعهم فانفلوا عن مليكهم وجدوا في الهرب ولد بأماسية في سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة وجلس على تخت السلطنة وعمره ست وأربعون سنة بعد أن خلع والده نفسه عن السلطنة وسلمها إليه وكان السلطان سليم ملكا قهارا وسلطانا جبارا قوي البطش كثير السفك شديد التوجه إلى أهل النجدة والباس (8/143)

144 عظيم التجسس عن أخبار الناس وربما غير لباسه وتجسس ليلا ونهارا وكان شديد اليقظة والتحفظ يحب مطالعة التواريخ وأخبار الملوك وله نظم بالفارسية والرومية والعربية منه ما ذكره القطب الهندي المكي أنه رآه بخطه في الكوشك الذي بنى له بروضة المقياس بمصر ونصه ( الملك لله من يظفر بنيل غنى * يردده قسرا ويضمن عنده الدركا ) ( لو كان لي أو لغيري قدر أنملة * فوق التراب لكان الأمر مشتركا ) قال الشيخ مرعي الحنبلي في كتابه نزهة الناظرين وفي أيامه تزايد ظهور شأن إسمعيل شاه واستولى على سائر ملوك العجم وملك خراسان وأذربيجان وتبريز وبغداد وعراق العجم وقهر ملوكهم وقتل عساكرهم بحيث قتل ما يزيد على ألف ألف وكان عسكره يسجدون له ويأتمرون بأمره وكاد يدعي الربوبية وقتل العلماء وأحرق كتبهم ومصاحفهم ونبش قبور المشايخ من أهل السنة وأخرج عظامهم وأحرقها وكان إذا قتل أميرا أباح زوجته وأمواله لشخص آخر فلما بلغ السلطان سليم ذلك تحركت همته لقتاله وعدد ذلك من أفضل الجهاد فالتقى معه بقرب تبريز بعسكر جرار وكانت وقعة عظيمة فانهزم جيش إسمعيل شاه واستولى سليم على خيامه وسائر ما فيها وأعطى الرعية الأمان ثم أراد الإقامة بالعجم للتمكن من الإستيلاء عليها فما أمكنه ذلك لشدة القحط بحيث بيعت العليقة بمايتي درهم والرغيف بمائة درهم وسببه تخلف قوافل الميرة التي كان أعدها السلطان سليم وما وجد في تبريز شيئا لأن إسمعيل شاه عند انهزامه أمر بإحراق أجران الحب والشعير فاضطر سليم للعود إلى بلاد الروم وفي أيامه كانت وقعة الغوري وذلك أن سليم لما رجع من غزو إسمعيل شاه تفحص عن سبب انقطاع قوافل الميرة عنه فأخبر أن سببه سلطان مصر قانصوه الغوري فإنه كان بينه وبين إسمعيل شاه محبة ومراسلات وهدايا فلما تحقق سليم ذلك صمم علي قتال الغوري أولا ثم بعده يتوجه لقتال إسمعيل (8/144)

145 شاه ثانيا فتوجه بعسكره إلى جهة حلب سنة اثنتين وعشرين كما تقدم فخرج الغوري بعساكر عظيمة لقتاله ووقع المصاف بمرج دابق شمالي حلب ورمى عسكر سليم عسكر الغوري بالبندق ولم يكن في عسكر الغوري شيء منه فوقعت الهزيمة على عسكر الغوري بعد أن كانت النصرة له أولا ثم فقد تحت سنابك الخيل كما مر عند ذكره وكان ذلك بمخامرة خير بك والغزالي بعد أن عهد إليهما السلطان سليم بتوليتهما مصر والشام ثم بعد الوقعة أخليا له حلب لأنهما معه في الباطن فأقبل سليم إلى حلب فخرجوا إلى لقائه يطلبون الأمان ومعهم المصاحف يتلون جهارا ( ^ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) فقابلهم بالإجلال والإكرام ثم حضرت صلاة الجمعة فلما سمع الخطيب خطب باسمه وقال خادم الحرمين الشريفين سجد لله شكرا على أن أهله لذلك ثم ارتحل للشام بعد أن أخلاها له خير بك والغزالي فخرجوا للقائه ودعوا له فأكرمهم وأقام بها لتمهيد أمر المملكة وأمر بعمارة قبة على الشيخ محي الدين بن عربي بصالحية دمشق ورتب عليها أوقافا كثيرة ثم توجه إلى مصر فلما وصل إلى خان يونس بقرب غزة قتل فيه وزيره حسام باشا ثم لما دخل مصر وقع بينه وبين طومان باي سلطان الجراكسة حروب يطول ذكرها وقتل بها وزير سليم يوسف باشا سنان باشا وكان مقداما ذا رأي وتدبير فأسف سليم عليه بحيث قال أي فائدة في مصر بلا يوسف وقاتل طومان باي ومن معه من الأمراء قتالا شديدا وظهر لطومان باي شجاعة قوية عرف بها وشهد له بها الفريقان وأوقع الفتك بعسكر السلطان سليم ولولا شدة عضده بخير بك والغزالي ومكيدتهما ما ظفر بطومان باي ثم لما ظفر به أراد أن يكرمه ويجعله نائبا عنه بمصر فعارضه خير بك وخاف عاقبة فعله وقال لسليم أنك إن فعلت ذلك استولى على السلطنة ثانيا وحسن له قتله فقتله وصلبه بباب زويلة ودفنه كما أسلفنا ونزل السلطان سليم بالمقياس مدة (8/145)

146 إقامته بمصر بعدا عن روائح القتلى وحذرا من المكيدة إلى أن مهدها ثم ولي خير بك أمير الأمراء على مصر وولي الغزالي على الشام وولي بمصر القضاة الأربع وهم قاضي القضاة كمال الدين الشافعي وقاضي القضاة نور الدين علي بن يس الطرابلسي الحنفي وقاضي القضاة الدميري المالكي وقاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن النجار الحنبلي واستولى على الأرض الحجازية وغيرها ورتب الرواتب وأبقى الأوقاف على حالها ورتب لأهل الحرمين في كل سنة سبعة آلاف أردب حب ثم عاد للقسطنطينية وقد أصرف غالب خزائنه فأخر السفر عن بلاد العجم ليجمع ما يستعين به على القتال فظهر له في ظهره جمرة منعته الراحة وحرمته الاستراحة وعجزت في علاجه حذاق الأطباء وتحيرت في أمره عقول الألباء ولا زالت به حتى حالت بينه وبين الأمنية وخلت بينه وبين المنية فتوفي رحمه الله تعالى في رمضان أو شوال بعد علة نحو أربعين يوما وذكر العلائي في تاريخه أنه خرج من القسطنطينية إلى جهة أدرنة وقد خرجت له تلك الجمرة تحت إبطه وأضلاعه فلم يفطن بها حتى وصل إلى المكان الذي بارز فيه أباه السلطان أبا يزيد حين نازعه في السلطنة فطلب له الجرايحية والأطباء فلم يدركوه إلا وقد تأكلت ووصلت إلى الأمعاء فلم يستطيعوا دفعا عنه ولا نفعا ومات بها ودفن بأدرنة عند قبر أبيه انتهى وفيها تقريبا عبد الله بن إبراهيم الفاضل العلامة الشهير بابن الشيشري الحنفي قال في الكواكب قرأ على علماء العجم وبرع هناك في العربية والمعقولات ثم دخل بلاد الروم وعين له السلطان سليم كل يوم ثلاثين عثمانيا وعمل قصيدة بالفارسية نحو ثلاثين بيتا أحد مصراعي كل بيت تاريخ لسلطنة السلطان سليمان والمصراع الثاني من كل بيت تاريخ فتح رودس وله حواش على حاشية شرح المطالع للسيد الشريف وشرح على الكافية ورسالة في المعمى فارسية انتهى وفيها تقريبا أيضا جمال الدين عبد الله بن أحمد (8/146)

147 الشنشوري المصري الشافعي الإمام العلامة له شرح التدريب للسراج البلقيني رحمهما الله تعالى وفيها جمال الدين عبد الله بن عبد الله بن رسلان البويضي من قرية البويضة من أعمال دمشق ثم الدمشقي الشافعي الشيخ الإمام العلامة ولد سنة إحدى وخمسين وثمانمائة وكان رفيقا للشيخ تقي الدين البلاطنسي على مشايخه وأخذ عنه الشيخ موسى الكناوي صحيح البخاري وغيره توفي بالبيمارستان النوري يوم الخميس سادس أو سابع ذي القعدة وصلى عليه إماما رفيقه البلاطنسي ودفن بمقبرة باب الصغير جوار الشيخ نصر المقدسي بصفة الشهداء وفيها قاضي القضاة بدر الدين أبو البقاء محمد بن محمد بن عبد الله بن الفرفور الدمشقي الحنفي قال في الكواكب اشتغل يسيرا في الفقه على البرهان بن عون ثم ولي كتابة السر عوضا عن أمين الدين الحسباني ثم استنزل له عمه قاضي القضاة شهاب الدين بن الفرفور قاضي القضاة محب الدين القصيف عن نظر القصاعية وتدريسها وأسمعه الحديث على جماعة من الدمشقين ثم ولي قضاء قضاة الحنفية بالشام مرارا عزل عن آخرها في شوال سنة ثلاث عشرة وتسعمائة وفيها المولى زين الدين وقيل زين العابدين محمد بن محمد الفناري الرومي الحنفي العالم الفاضل أول قضاة القضاة بدمشق من الدولة العثمانية قرأ على علماء عصره منهم المولى الفاضل علاء الدين الفناري ثم وصل إلى خدمة المولى ابن المعرف معلم السلطان أبي يزيد ثم تنقلت به الأحوال إلى أن صار قاضيا بدمشق ثم بحلب قال في الشقائق كان عالما فاضلا ذكيا صاحب طبع وقاد وذهن نقاد قوي الجنان طلق اللسان صاحب مروءة وفتوة محبا للفقراء والمساكين يبرهم ويرعى جانبهم وكان في قضائه مرضي السيرة محمود الطريقة انتهى وذكر ابن طولون أن سيرته بدمشق كانت أحسن منها بحلب وتوفي وهو قاض بحلب في أول ربيع الأول (8/147)

148 وفيها قاضي القضاة صلاح الدين محمد بن أبي السعود بن إبراهيم الشيخ الإمام قاضي قضاة مكة المشرفة ابن ظهيرة المكي الشافعي جرت له محنة في أيام الجراكسة وهي أن السلطان الغوري حبسه بمصر من غير جرم ولا ذنب بل للطمع في مال يأخذه منه على عادته ولما خرج بعساكره من مصر لقتال السلطان سليم بن عثمان أطلق كل من في حبسه من أرباب الجرائم وغيرهم ولم يطلق صاحب الترجمة فلما قتل الغوري أطلقه طومان باي ثم لما وصل السلطان سليم إلى مصر جاء إليه القاضي صلاح الدين فأكرمه وعظمه وخلع عليه وجهزه إلى مكة معزوزا مكرما مع الإحسان إليه وجعله نائبه في تفرقة الصدقات السليمية في تلك السنة وخطب عامئذ في الموقف الشريف خطبة عرفة وبقي بمكة إلى أن توفي بها في أواخر هذه السنة وفيها نبهان بن عبد الهادي الصفوري الشافعي العالم الفاضل العارف بالله تعالى قال في الكواكب ذكره شيخ الإسلام الوالد في معجم تلامذته قال وكان من عباد الله الصالحين سريع الدمعة خاشع القلب ساكن الحواس قرأ على الوالد ألفيته في التصوف كاملة وحضر دروسي كثيرا واستجازني فأجزته انتهى سنة سبع وعشرين وتسعمائة فيها توفي برهان الدين إبراهيم بن أبي الوفاء بن أبي بكر بن أبي الوفاء الأرمنازي ثم الحلبي الشافعي الشيخ الصالح المعمر كان من حفاظ كتاب الله تعالى وكان إماما للسلطان الغوري حين كان حاجب الحجاب بحلب فلما تسلطن توجه الشيخ إبراهيم إليه إلى القاهرة وحج منها في سنة ست وتسعمائة ثم عاد إليها واجتمع به فأحسن إليه وأمره بالإقامة لاقراء ولده فاعتذر إليه فقبل عذره ورتب له ولأولاده من الخزينة في كل سنة ثلاثين دينارا ثم عاد (8/148)

149 إلى حلب قال ابن الحنبلي واتفق له أنه قرأ في طريق الحاج ذهابا وإيابا وفي إقامته بمصر قدر شهرين ما يزيد على ثلثمائة وخمسين ختمة قيل وكان راتبه في الإقامة مع قضاء مصالحه في اليوم والليلة ختمة وبدونه ختمة ونصفا وكان يمشي في الأسواق فلا يفتر عن التلاوة وتوفي بحلب رحمه الله تعالى وفيها تقي الدين أبو بكر الظاهري المصري نزيل دمشق الشيخ الفاضل العالم توفي بدمشق في مستهل رمضان وفيها المولى أحمد باشا بن خضر بك بن جلال الدين الرومي الحنفي قال في الكواكب كان عالما متواضعا للفقراء ولما بنى السلطان محمد خان المدارس الثمانية أعطاه واحدة منها وسنه يومئذ دون العشرين ثم تنقل في المناصب حتى صار مفتيا بمدينة بروسا في سلطنة السلطان بايزيد وأقام بها مدة متطاولة وله مدرسة هناك بقرب الجامع الكبير منسوبة إليه وله كتب موقوفة على المدرسة وتوفي في هذه السنة قال في الشقائق وقد جاوز التسعين وفيها شهاب الدين أحمد بن القاضي علاء الدين علي بن البهاء بن عبد الحميد بن إبراهيم البغدادي ثم الدمشقي الصاحلي الحنبلي الإمام العلامة ولد ليلة الإثنين عاشر ربيع الأول سنة سبعين وثمانمائة وأخذ العلم عن أبيه وغيره وانتهت إليه رياسة مذهبه وقصد بالفتاوى وانتفع الناس به فيها وفي الاشغال وتعاطى الشهادة على وجه اتقان لم يسبق إليه وفوض إليه نيابة القضاء في الدولة العثمانية زين العابدين الفناري ثم ترك ذلك وأقبل على العلم والعبادة ومن تلاميذه البدر الغزي وللبدر عليه مشيخة أيضا وهو الذي أشار عليه بالكتابة على الفتوى بمحضر من والده الشيخ رضى الدين وكان يمنعه أولا من الكتابة في حياة شيوخه فاستأذنه له فيها وتوفي صاحب الترجمة بدمشق بكرة نهار الجمعة حادي عشرى رجب ودفن بتربة باب الفراديس وفيها شهاب الدين أحمد المعروف بابن نابتة المصري الحنفي حضر في (8/149)

150 الفقه على العلامة الشمس قاسم بن قطلوبغا والجلال الطرابلسي والقراءات عن الشمس الحمصاني وكان متزهدا متقللا وأقبلت عليه الطلبة واشتغل الناس عليه وأصيب بالفالج أشهرا ثم توفي ليلة الأربعاء حادي عشر ربيع الثاني وهو في أواخر الثمانين ودفن بتربة الجلال السيوطي وفيها شهاب الدين أحمد الموفي الشيخ الفاضل المحصل المعتقد الشافعي متولي الظاهرية القديمة بمصر ولي قضاء بلده منوف العليا فباشر القضاء بعفة ونزاهة وطرد البغايا من تلك الناحية وأزال المنكرات واستخلص الحقوق بحيث كانت تأتيه الخصوم من بلاد بعيدة أفواجا وتستخلص بهمته وعدله حقوقا كانت قد ماتت قال العلائي وقد أوقفني على عدة مختصرات له في الفقه والفرائض والحساب والعربية حوت مع الاختصار فوائد وفرائد خلت منها كثير من المختصرات والمطولات وتوفي في مستهل شوال وفيها صدر الدين إدريس المارديني القاهري الإمام العالم المؤرخ المنشىء توفي بالقاهرة في هذه السنة وفيها جان بردى بن عبد الله الجركسي الشهير بالغزالي السخيف الرأي كان في الدولة الجركسية كافل حماة ثم دمشق ثم خامر على الغوري كما تقدم ووعده السلطان سليم بنيابة دمشق ومع هذا فإنه لما فر من ميسرة الغوري بمرج دابق مخامرة رجع إلى مصر ولحق بطومان باي وأعانه على السلطان سليم ولما افتتح السلطان سليم مصر ثبت على ميثاقه ووعده وولاه نيابة الشام وخرج في ركابه من مصر إلى دمشق ثم خرج في وداعه ثم عاد إلى دمشق وقد ولي السلطان سليم قاضي القضاة ابن الفرفور بعد أن تحنف وكان شافعيا وأبطل القضاة الأربعة إلا ابن فرفور فكان قاضيا وكان الغزالي نائبا فأعاد الشهود إلى مراكزهم على عادتهم في الدولة الجركسية ووقع بينه وبين ابن فرفور بهذا السبب غير أن الغزالي نشر العدل في دمشق وأعمالها وأبطل ما كان حدث بها من اليسق ومنع البوابين أن يأخذوا شيئا من الداخلين (8/150)

151 إلى المدينة وجرد السيف على كل من تعرض من الأروام لامرأة أو صبي وكتب بذلك إلى السلطان سليم وأخبره بأن دمشق غير معتادة لشيء من هذه المناكير فأجيب بأنا قلدناك أمر الرعية فافعل ما هو الشرع وعرض بالقضاء لقاضي القضاة شرف الدين بن مفلح بدلا عن ابن فرفور فأجيب إلى ذلك فباشر الغزالي النيابة وابن مفلح القضاء بسيرة حسنة إلى سنة ست وعشرين فكان الغزالي ببيروت وجاءه الخبر بموت السلطان سليم فركب من ساعته إلى دمشق وحاصر قلعتها ثم سلمها إليه أهلها ونفي نائبها إلى بيت المقدس وجعل نيابتها للأمير إسمعيل بن الأكرم وأمر الخطباء أن ينوهوا بسلطنته ويدعوا له على المنابر وفرح بذلك جهلة العوام دون عقلاء الناس ثم توجه إلى طرابلس وحمص وحماة وحلب وحاصر قلاعها ولم يظفر بطائل لكنه قبض على كافل حمص وقتله ثم دخل حماة وقد فر كافلها وقاضيها إلى حلب فأخذ من كان معه في النهب وقتل من كان له غرض في قتله وكان فر ابن فرفور أيضا إلى حلب خوفا من معرته ولما بلغ السلطان سليمان خبره جهز إليه جيشا فصار الغزالي يحصن قلعة دمشق وما حولها ونصب بها منجنيقا ليرمي به المحاصرين وصار يركب من دار السعادة إلى القلعة ومن القلعة إلى دار السعادة وضاقت عليه الأرض وهم بالهرب فثبت جأشه جهلة عساكره الذي جمعهم من القرى وقالوا نحن فينا كفاية قال الحمصي وفي يوم الجمعة الثالث والعشرين من شهر صفر أمر جان بردى الغزالي أن يخطبوا له بالسلطنة ويلقبوه بالأشرف وصلى بالجامع الأموي في المقصورة وخطب له بالأشرف ووقف على المقصورة بساط في اليوم المذكور قال وفي يوم السبت جمع مشايخ الحارات بالجامع الأموي وحلفهم أن لا يخونوه وأن يكونوا معه على كلمة واحدة ثم خرج يوم الثلاثاء سابع عشريه هو والعساكر وأهل الحارات إلى مسطبة السلطان بالقابون ووصل العسكر العثماني إلى القصير وعدته اثنان وستون ألفا باشهم الوزير الثالث فرحات وصحبته نائب حلب قراجا باشا والأمير شاه سوار وقاضي القضاة ولي الدين بن فرفور وقد أعيد إلى القضاء على عادته وكان صحبة الغزالي الأمير يونس بن القواس بعشيره والأمير عمر بن العزقي بعشيره فالتقى العسكران بين دوما وعيون فاسريا والقصير ففر ابن القواس بعشيره وثبت الغزالي وقليل ممن معه فقتلوا وقتل معه عمر بن العزقي واستأصل جميع عسكره الأسافل وذكروا أن عدة القتلى كانت سبعة آلاف ثم دخل العسكر العثماني دمشق فرأوا الأبواب مفتحة وسلمهم ابن الأكرم مفاتيح القلعة ولو قصدوا قتل العوام لفعلوا وكان ذلك يوم الثلاثاء سابع عشرى صفر وفيها بدر الدين حسن بن عيسى بن محمد الفلوجي البغدادي الأصل العالم الحنفي قال في الكواكب اشتغل قليلا على الزيني ابن العيني واعتنى بالشهادة ثم تركها وحصل دنيا واسعة وحج سنة عشرين وجاور وولي نظر الماردانية والمرشدية ونزل له أخوه شمس الدين عن تدريسها وعدة مدارس ولم يكن فيه أهلية فتفرقها الناس مع أنه كان كثير الشر كما قال ابن طولون ومات يوم الثلاثاء تاسع عشر صفر ودفن يوم الأربعاء بالسفح وفيها سيدي ابن محمود المولى العالم الصالح الرومي الحنفي الشهير بابن المجلد كان أصله من ولاية قوجه ايلي واشتغل بالعلم وحصل وصار مدرسا بمدرسة عيسى بيك ببروسا ثم رغب في التصوف وعين له كل يوم خمسة عشر درهما بالتقاعد ثم صحب الشيخ العارف بالله تعالى السيد البخاري وكان فاضلا مدققا حسن الخط صالحا دينا يخدم بيته بنفسه ويشتري حوائجه ويحملها من السوق بنفسه ملازما للمسجد منعزلا عن الناس وتوفي في حدود هذه السنة تقريبا وفيها القاضي محب الدين عبد الرحمن بن إبراهيم الشيخ العابد الدين الصالح الدسوقي ولد في ذي الحجة سنة ثمان وستين وثمانمائة وكان ناظر الأيتام بدمشق وفوض إليه نيابة القضاء في سنة ست عشرة وتسعمائة وتوفي ليلة السبت سابع ربيع الآخر فجأة ودفن بمقبرة باب الصغير عند والده.