زوربا اليوناني - الفصول 6 - 10

من معرفة المصادر

زوربا اليوناني (رواية)


محتويات

الفصل السادس

كان المطر يتساقط في هدوء وسكون عندما اشعل زوربا النار في الموقد قبل أن ينطلق إلى المنجم. وقد قضيت النهار كله قابعا أمام النار، فلم أتناول طعاما ولم أبرح مكاني وانصرفت بكل حواسي إلى الاصغاء إلى أول أمطار الموسم. كان عقلي في خمول وراحة، ولكن أذني المرهقتين كانتا تسمعان أبسط حركة للأرض وهي تتفتح وللأمطار وهي تسقط وللبذور وهي تنمو وتتضخم.. بل لقد كنت أشعر بالأرض والسماء تتلاقحان كما في دبي الخليقة وكما يتلاقح الرجل والمرأة وينجبان أطفالا.. واسمع البحر يزأر على الشاطئ زئير الوحوش ويخرج لسانه ليطفئ ظمأه. كنت سعيدا وأعرف ذلك..

ان الانسان قلما يحس بالسعادة وهو يمارسها، فاذا ما انتهت سعادته ورجع ببصره إليها، أحس فجأة، وبشيء من الدهشة في بعض الأحيان.. بروعة السعادة التي كان ينعم بها. وتوقفت الامطار قبيل المساء وصفا الجو وشعرت بالجوع وسعدت بهذا الشعور، وأخذت ارتقب عودة زوربا لكي يشعل النار ويطهو الطعام كما اعتاد أن يفعل كل يوم. وكثيرا ما قال زوربا وهو يضع الوعاء على النار: - هذا شيء آخر لاغناء للرجل عنه، لا غناء للرجل عن المرأة لعنها الله، ولا عن الطعام.. كان تناول الطعام على هذا الشاطئ المقفر متعة لم يسبق لي أن شعرت بها. وكان زوربا يوقد النار بين حجرين كل مساء ويطهو الطعام، فاذا فرغ من طهوه أكلنا وشربنا وتجاذبنا أطراف الحديث، وقد أدركت أخيرا أن تناول الطعام عمل روحي وان اللحم والخبز والنبيذ هي الخامات التي تصنع العقل. وكان زوربا حين يعود من عمله الشاق، وقبل أن يتناول طعامه، وشرابه، يبدو متبلدا زاهدا في الكلام، ولكن ما أن يملأ معدته، حتى تدب الحياة في جسده، حتى تتألق عيناه، وتتجلى ذاكرته، ويرقص كأنما قد نبتت لقدميه أجنحة.

كان يقول: - قل لي ماذا تصنع بالطعام الذي تأكله؟ أقل لك من أنت، ان بعض الناس يحولون الطعام إلى دهن وسماد، وبعضهم يحولونه إلى عمل ومرح، وطائفة أخرى تحوله إلى عبادة.. ومعنى ذلك أن الرجال ثلاثة أنواع، وأنا لست من أسوأ الأنواع، ولست كذلك من أفضلها، ان ما آكله يتحول إلى عمل ومرح، فأنا اذن وسط بين النوعين الاخرين. ثم ينظر إلي في خبث ويضحك ويستطرد قائلا: - أما أنت، فانني أعتقد انك تبذل قصارى جهدك لتحويل ما تأكله إلى عبادة، ولكنك لا تستطيع ، وذلك ما يعذبك ويؤرقك، ان ما يحدث لك قد حدث للغراب قبلك. - وماذا حدث للغراب يا زوربا؟ - كان يمشي مشية محترمة سليمة كما يمشي سائر الغربان، وكلن خطر له ذات يوم أن يجرب مشية الحمامة ومنذ ذلك اليوم استحال عليه أن يذكر مشيته الأولى، واختلط عليه الأمر.. فأصبح يقفز كما ترى.. ورفعت رأسي، فقد سمعت وقع خطى زوربا وهو قادم من المنجم، ولم ألبث أن رأيته مقبلا، وهو مغبر الوجه، وساعداه يتأرجحان إلى جانبيه. قال بصوت لا حياة فيه: - طاب مساؤك يا سيدي. - كيف كان العمل اليوم يا زوربا؟ فلم يجب . وقال: - سأوقد النار وأعد الطعام. وتناول بعض قطع الخشب من ركن الكوخ وخرج بها، ورتبها بين الحجرين بطريقة خاصة وأشعل فيها، ثم وضع الاناء في الموقد، ووضع فيه ماء وبصلا وبعض الطماطم والارز، أما أنا فقد بسطت الغطاء فوق المائدة. وقطعت بضع شرائح من الخبز، وملأت قدحين بالنبيذ. وجثا زوربا أمام الاناء وراح يحملق في النار ولا يقول شيئا. سألته فجأة: - هل لك أولاد يا زوربا.. - لماذا تسأل؟ لي ابنة. - متزوجة؟ فضحك. - لماذا تضحك يا زوربا؟ - يا له من سؤال!! طبعا متزوجة. انها ليست بلهاء.. كنت أعمل في منجم للنحاس بالقرب من (برتفيشتا) حين جائتني ذات يوم رسالة من أخي (يني).. آه.. نسيت أن أقول لك أن لي أخا عاقلا يقرض الناس بالربا ويتردد على الكنيسة كغيره من المنافقين.. انه يقال في (سالونيك) ويعد من أعمدة المجتمع هناك.. كتب في رسالته يقول: (أخي العزيز اليكسيس.. ان ابنتك (فروسو) قد ضلت سواء السبيل.. ولطخت اسم الاسرة بالاوحال.. فقد اتخذت لنفسها عشيقا ورزقت منه بطفل، لقد ضاعت سمعتنا، سأذهب إلى القرية لأقطع رقبتها). - وماذا فعلت يا زوربا؟ فهز كتفيه وأجاب: - قلت : "هكذا النساء" ومزقت الرسالة. وحرك الأرز في القدر، وأضاف إليه قليلا من الملح، واستطرد قائلا: - ولكن صبرا حتى تسمع الجانب المضحك من القصة.. بعد شهرين أو ثلاثة، تسلمت رسالة أخرى من أخي الأبله، قال فيها، "أتمنى لك الصحة والسعادة يا أخي العزيز، لقد نجا شرف الاسرة. وفي استطاعتك الان أن ترفع رأسك عاليا، فقد تزوجت (فروسو) من عشيقها". ونظر زوربا إلي من فوق كتفه، ورأيت على ضوء سيجارته ان عينيه تتألقان... ثم هز كتفيه وقال باحتقار شديد: - هكذا الرجال!! ثم استطرد قائلا بعد صمت قصير: - ماذا تنتظر من النساء غير أن يحملن من أول عابر سبيل. وماذا تنتظر من الرجال غير أن يقعوا في الفخ!! ورفع القدر عن النار. وبدأنا نتناول عشاءنا، ولاحظت أن زوربا مستغرق في التفكير. كان واضحا ان هناك ما يهمه ويشغله، فقد نظر إلي، وفتح فمه ليقول شيئا، ثم عاد إلى صمته.. ورأيت على ضوء المصباح الزيتي، نظرة القلق التي ترتسم في عيينه، ولم أطق أن أراه على هذه الحال فقلت: - انت تريد أن تقول لي شيئا يا زوربا.. فتكلم .. أن الكلام سيرفه عنك. ولكنه لزم الصمت، وتناول حصاة صغيرة وقذف بها من النافذة بقوة. - دع الحصى يا زوربا وتكلم. فمط رقبته المغضنة، وسألني وهو ينظر في عيني في قلق. - هل تثق بي؟ - نعم، انني أثق بك.. واعتقد أنك مهما فعلت فلن تخطئ.. حتى لو أردت أنك كالاسد، او كالذئب، فكلاهما لا يتصرف تصرف الخروف أو الحمار.. وكلاهما لا يتنكر لطبيعته.. وانت زوربا من قمة رأسك إلى أخمص قدميك.. ولن تكون الا زوربا، فأطرق برأسه وقال: - ولكني لم أعد أدري في أي طريق نحن نسير. - أنا أدري، فلا تنزعج.. بحسبك أن تمضي قدما. فصاح: - قل ذلك مرة أخرى لتشجعني. - امض قدما. فلمعت عينا زوربا وقال: - الآن أستطيع أن أنبئك.. - لقد كانت تراودني في الأيام الأخيرة فكرة مجنونة.. - اذن فأنفذها . فاشرأب بعنقه، ونظر إلي بمزيج من الفرح والحزن. قال: - حدثني بصراحة يا سيدي.. ألم يكن الغرض من قدومنا هو البحث عن الفحم؟ - كان الفحم مجرد ذريعة يا زوربا لكي نسكت ألسنة الفضوليين من أهل القرية.. لقد أردت أن ينظر إلينا كرجال أعمال فلا يقذفوننا بالطماطم.. هل فهمت؟ فذهل، وحاول جاهدا أن يفهم، ثم ألجمته الدهشة والشعور بالسعادة المفاجئة، فهم علي، وأمسك بكتفي وصاح: - هل ترقص؟ هل تجيد الرقص؟ - كلا. - كلا؟ وأحس بخيبة الأمل، وتدلى ساعداه على جنبيه... قال بعد لحظة: - حسنا اذن ، سارقص وحدي.. أرجو أن تبتعد قليلا حتى لا اصطدم بك. ووثب إلى خارج الكوخ، وخلع حذاءه ورداءه وصداره، وطوى سرواله حتى ركبتيه، وشرع يرقص. كان وجهه لا يزال مغبرا من تراب الفحم ، ولكن بياض عيينه كان يتألق... راح يرقص، ويصفق بيديه، ويثبت في الهواء، ويسقط على ركبتيه، ثم يثب مرة أخرى رافعا ساقيه في الفضاء، كما لو كان جسده من المطاط.. وفجأة، راح يثب في الهواء وثبات هائلة، كما لو كان يريد التغلب على نواميس الطبيعة ويطير.. وخيل إلي أن في جسده المتهالك روحا قوية تحاول أن تجعل منه شهبا في الفضاء وأن الجسد يهتز بعنف ويهوي على الأرض لانه لا يستطيع البقاء طويلا في الفضاء. وارتسمت في وجهه صرامة مزعجة. وكف عن الصياح وأطبق اسنانه وهو يحاول القيام بالمستحيل فصحت به: - كفى يا زوربا . كفى. وخشيت أن ينهار جسده، ويتبدد في الهواء بفعل الجهد العنيف الذي يبذله.. ولكن كيف تصل إليه صيحاتي وهو يحملق في الهواء كالطير؟؟ وراقبته في قلق وهو يرقص هذه الرقصة الهمجية. كنت وأنا صبي أطلق العنان لخيالي وأسرد على أصدقائي حكايات غير معقولة.. انتهى بي الأمر إلى تصديقها والاقتناع بها. فلقد سألني أحد أصدقائي الصغار ذات يوم: - كيف مات جدك؟ فتفتق ذهني على الفور، عن أسطورة عجيبة، ما لبثت أنا نفسي أن صدقتها. قلت له: - كان جدي رجلا متقدما في السن ذا لحية بيضاء، وقد تعود أن ينتعل حذاء من المطاط، وحدث ذات يوم أن وثب من فوق سطح بيتنا. ولكن ما أن مست قدماه الأرض حتى ارتفع مرة أخرى كالكرة ، وتجاوز ارتفاعه سطح البيت، وما زال يهبط ويرتفع، ويزداد ارتفاعه كل مرة حتى اختفى بين السحب.. هكذا مات جدي. وكنت كلما ذهبت إلى الكنيسة بعد أن اخترعت هذه الاسطورة أشير إلى صورة السيد المسيح وأقول لأصدقائي: - انظروا .. هو ذا جدي بحذائه المصنوع من المطاط. تذكرت هذه القصة وأنا أرى زوربا يثب في الهواء، فاشفقت أن يختفي في السحب وصرخت، مرة أخرى: - كفى يا زوربا!! كفى!! واستقر أخيرا على الأرض وهو لاهث الأنفاس، ووجهه يتألق بالعرق والسعادة وقد التصقت خصلة من شعره بجبينه، بينما سال العرق على خديه مختلطا بتراب الفحم.. وانحنيت فوقه، فقال بعد لحظة: - انني الآن أحسن حالا.. وأستطيع الكلام.. وعاد إلى الكوخ ، وجلس أمام الموقد وقد أشرق وجهه. سألته: - ماذا دهاك حتى ترقص كما رقصت؟ - وماذا أستطيع أن أفعل غير ذلك، كاد الفرح أن يخنقني، وكان يجب أن أجد له متنفساً.. - عن أي فرح تتكلم؟ فاكفهر وجهه مرة أخرى وبدأت شفتاه ترتجفان. قال: - أي فرح؟ هل ما قلته لي منذ لحظة كان مجرد دخان في الهواء؟ لعلك تفهم معنى ما قلت. ألم تقل أننا ما جئنا للبحث عن الفحم، وانما لقضاء الوقت، وتضليل أهل القرية حتى لا يحسبوننا مجانين ويقذفوننا بالطماطم؟ واننا نستطيع أن نضحك ونلهو كما نشتهي حين لا يكون هناك من يرانا؟ أقسم لك ان هذا ما كانت أنا نفسي أريده دون أن أعرف.. لقد كنت طول الوقت نهبا موزعا بين المنجم وبين بوبولينا وبينك.. فاذا تناولت الفأس وأهويت به على حجارة المنجم قلت لنفسي: ان الفحم هو ما أريد.. فاذا انتهى العمل وخلوت إلى بوبولينا قلت لنفسي: ليذهب المنجم وصاحب المنجم إلى الشيطان.. وأنا معهما. ولكني لا أكاد أخلو إلى نفسي بعد العمل حتى أفكر فيك فيذوب قلبي وأحس بوخز الضمير وأصيح عار عليك يا زوربا أن تخدع هذا الرجل وتأكل أمواله. الحق انني لم أكن أعرف أين أنا أو ماذا أريد.. كان الشيطان يدفعني إلى ناحية، والله يدفعني إلى ناحية أخرى وأنا أكاد أن أنشطر بينهما.. ولكنك نطقت الان بالحكمة بارك الله فيك.. لقد أصبحت أرى بوضوح، ونحن متفقان كم بقي معك من المال؟ أعطنيه.. ودعنا نأتي عليه. وراح يجفف عرقه، ويجيل البصر حوله. وكانت بقايا الطعام لا تزال على المائدة الصغيرة فقال: - معذرة.. لقد جعت وسآكل مرة أخرى. وتناول كسرة خبز وبصلة وحفنة من الزيتون، وأكل في نهم ورفع قدح النبيذ فوق فمه، وأفرغ الشراب في حلقه دون أن يمس القدح شفتيه ثم غمز بعينه وقال: - لماذا لا تضحك؟ لماذا تنظر إلي هكذا؟ ان في أعماقي شيطانا يوسوس لي فأطيعه، وكلما غلبني التأثر والانفعال قال لي: ارقص فارقص، وأبح أحسن حالا.. وعندما مات ولدي الصغير ديمتري، رقصت أمام الجثة فهجموا علي ليمنعوني وصاحوا لقد جن زوربا.. ولكن لولا انني رقصت، لجننت حزنا وأسى، فقد كان أول أولادي وكان في الثالثة من عمره، فعز علي أن أفقده.. أتسمعني يا سيدي؟.. أم تراني أتحدث إلى نفسي.. - انني أسمعك يا زوربا. - وحدث مرة أخرى.. وكنت وقتئذ في روسيا.. نعم.. انني ذهبت أيضا إلى روسيا لأعمل في مناجم النحاس هناك بالقرب من (نفوروسيسك) . وتعلمت من اللغة الروسية خمس أو ست كلمات.. أي القدر الذي يكفيني في عملي، مثل نعم، لا، خبز، ماء، أحبك، تعال، بكم.. وهناك توثقت أواصر الصداقة بيني وبين رجل روسي أصيل، فكنا نذهب في المساء إلى حانة على الشاطئ حيث نشرب عددا كبيرا من زجاجات (الفودكا) .. وحدث ذات ليلة اننا شربنا حتى ثملنا، وأحسسنا برغبة في الحديث. وأراد الروسي أن يحدثني عن قصة حياته، وما حدث له خلال الثورة الروسية، وأردت بدوري أن أحدثه عن نفسي وعن قصة حياتي.. فلقد شربنا معا وثملنا، وقربت الخمر بين قلبينا فأصبحنا كأخوين. وتم الاتفاق بيننا بالاشارة على أن يبدأ هو الكلام، حتى اذا عجزت عن فهمه صحت به (قف) فينهض واقفا ويرقص، ويعبر بالرقص عما يريد أن يقوله.. فعلت مثله، وعبرنا بأقدامنا وأيدينا وبطوننا، عما عجزنا عن قوله بأفواهنا وكان الروسي هو البادئ بالكلام فحدثني كيف حمل بندقيته وكيف امتدت الحرب، وكيف وصل العدو إلى (نوفوروسيسك) ، ولما عجزت عن متابعة حديثه صحت به (قف) فكف عن الكلام ووثب واقفا وراح يرقص كالمجنون. وراقبت يديه وقدميه وصدره وعينيه وفهمت كل شيء.. فهمت كيف دخل الاعداء (نوفوروسيسك) واعملوا فيها السلب وكيف أنشب النساء أظافرهن في وجوههن ثم في وجوه الرجال.. وأخيرا كيف استسلمن وأغمضن عيونهم لذة واستمتاعا .. كما هو شأن النساء جميعا.. ثم جاء دوري، ويبدو أن صديقي كان على جانب كبير من الغباء، لأنني ما كدت أنطق ببضع كلمات حتى صاح: (قف)، وذلك ما كنت أنتظره بفروغ صبر، وعلى الفور، نهضت من مكاني وأبعدت المقاعد والمواقد وأشرعت ارقص.. أواه يا صديقي.. ماذا أصاب الناس وهوى بمستواهم !! لقد أصيبت أجسامهم بالبكم فأصبحوا لا يتحدثون الا بأفواههم.. ولكن ماذا تستطيع الافواه أن تقول؟ ليتك رأيت كيف كان الروسي يصغي إلى من رأسي إلى قدمي. وكيف تابع قصتي من بدايتها إلى النهاية!! لقد رقصت له متاعبي ورحلاتي وعدد زيجاتي والاعمال التي مارستها ، وكيف عملت تاجرا، وبائعا جائلا، وخزافا وعازفا على السانتوري وحدادا ومهربا، وعاملا في المناجم، وكيف سجنت ثم هربت ووصلت الى روسيا. وعلى الرغم من بلادته وغبائه فقد فهم كل شيء.. فقد تكلمت يداي وقدماي بوضوح، كذلك تكلم شعر رأسي وثيابي، والخنجر الذي يتدلى من حزامي. وعندما فرغت من قصتي، أقبل صديقي يعانقني ثم ملأنا كؤوسنا بالفودكا وشربنا وبكينا وضحكنا، وفي المساء تقابلنا مرة أخرى. أتضحك يا سيدي؟ ألا تصدقني؟ لعلك تقول لنفسك الان: ما هذه الخزعبلات التي يرويها هذا السندباد؟ وهل يمكن لانسان أن يتكلم بالرقص، ولكني أقسم لك أن الالهة والشياطين هكذا يتكلمون.. أراك تغالب النعاس، انك انسان رقيق تفتقر إلى النشاط والحيوية، فاذهب إلى فراشك وغدا نستأنف حديثنا، ان لدي خطة.. خطة رائعة سأحدثك عنها غدا.. أما الآن فانني سأدخن لفافة تبغ أخرى، وربما ألقيت بنفسي في ماء البحر.. ان جسمي يتلظى ويجب أن أطفئه.. طابت ليلتك. وقضيت في فراشي وقتا طويلا أعالج النوم ولا أظفر به؟ ووجدتني على الرغم مني استعرض ما انقضى من أيامي.. وقلت لنفسي: ان حياتي قد ذهبت سدى ، فليتني أستطيع أن أمحو بقطعة من القماش كل ما تعلمته وكل ما رأيته وسمعته، وان أذهب إلى مدرسة زوربا لأتعلم من جدد الحروف الابجدية الحقيقة، لو انني فعلت لتغير مجرى حياتي، ولتعلمت الجري والوثب والمصارعة والسباحة وركوب الخيل واطلاق النار، ولجمعت بين النقيضين الخالدين.. متعة الروح ومتعة الجسد. وحانت مني التفاتة، فرأيت زوربا قابعا فوق صخرة على الشاطئ كطائر من طيور الليل، وحسدته.. انه هو الذي اكتشف الحقيقة وسلك اقوم السيل! لو أنه عاش في العصور البدائية لأصبح زعيم احدى القبائل .. الرجل الذي يتقدم الصفوف ويشق الطريق بفأسه..أما في هذا العصر الجاحد الذي نعيش فيه، فانه يتضور حول المزارع كالذئب الجائع.. ورأيته ينهض فجأة، ويخلع ثيابه، ويقذف بها على الرمال، ثم يلقي بنفسه في البحر.. وفي ضوء القمر الشاحب، رأيت رأسه الضخم يظهر ويختفي وسمعته ينبح كالكلب تارة ويصيح كالديك تارة أخرى.. وفي هدوء ، ودون أن أشعر، غلبني النعاس، فاستغرقت في نوم عميق.. وعندما استيقظت في الصباح، رأيت زوربا واقفا أمامي يبتسم ويهم بأن يجذب قدمي ليوقظني. قال: - استيقظ ودعين أعترف لك بخطتي.. هل أنت مصغ إلي؟ - نعم. فجلس القرفصاء على الأرض، وراح يوضح لي كيف انه سيقيم سلكا هوائيا يل ما بين قمة الجبل والشاطئ، وبهذه الطريقة يمكن نقل الاخشاب التي نحتاج إليها في دعم جدران السراديب حتى لا تنهار على العمال. وما زاد عن حاجتنا نستطيع بيعه لاعمال البناء. وكنا قد قررنا استئجار غابة من اشجار الصنوبر يملكها المدير، ولكننا عجزنا عن استغلالها لقلة البغال وفداحة نفقات النقل، ولهذا فكر زوربا في مد سلك هوائي، واقامة سقالات من الخشب تنهض على أعمدة خشبية وتنحدر من قمة الجبل إلى الشاطئ. قال بعد أن فرغ من شرح مشروعه: - هل توافق؟ - أوافق يا زوربا. فأشعل الموقد واعد القهوة والقى غطاء على قدمي حتى لا أصاب بالبرد، وقال قبل أن ينصرف: - سنشق سردابا جديدة اليوم، فلقد عثرت على عرق فحم جديد. وتناولت مسودات كتابي عن (بوذا)، وأخذت أشق السراديب بدوري، وقضيت النهار كله في الكتابة، وكلما فرغت من تدبيج صفحة، أحسست بمزيد من الحرية. وشعرت بالجوع فتناولت بعض الزبيب والخبز، وانتظرت ان يعود زوربا فيعود معه كل ما يبهج القلب.. الضحكات البريئة، والكلمات الطيبة والطعام الشهي. وجاء زوربا في المساء وأعد الطعام، وأكلنا.. ولكنه كان مشغول البال، وما لبث أن جثا على ركبته، وراح يغرس قطعا من الخشب في الأرض، ثم شد خيطا فوقها، وحاول أن يجد الانحدار المناسب حتى لا ينهار التصميم كله. قال موضحا: - اذا كان الانحدار شديدا، ضاع كل شيء.. يجب أن نجد الانحدار المناسب، وهذا يتطلب مخا ونبيذا. فقلت ضاحكا: - لدينا الكثير من النبيذ، أما المخ.. فجلس ليستريح، وأشعل لفافة تبغ وقال: الحق انك ذكي.. ثم استطرد بعد قليل قائلا: - اذا نجح هذا المشروع، استطعنا ان ننقل الغابة كلها.. وان ننشئ مصنعا لتحويل خشب الاشجار إلى أعمدة والواح وسقالات وغيرها، وحينئذ تمتلئ جيوبنا بالمال. فنبتاع سفينة ندور بها حول العالم. وانطلق يتحدث عن النساء في الموانئ البعيدة وعن المدن والاضواء والعمائر الضخمة. قال: - لقد شاب رأسي، وسقطت أسناني، ولم تبق أمامي فسحة من العمر، أما أنت فانك ما زلت في ريعان شبابك ولن يضرك ان تصبر، ويخطئ من يقول ان الشيخوخة تزيد الانسان اتزانا. وكيف تتسم تصرفات الانسان بالاتزان وهو يرى الموت مقبلا عليه؟! أتراه يمد له عنقا ويقول له: أرجوا أن تقطع عنقي لكي أذهب إلى الجنة!! انني كلما امتد بي العمر، ازددت تمردا. وتناول (السانتوري) من مكانه على الجدار وراح يحدثه بقوله: - تعال إيها الشيطان... لماذا تتدلى فوق الجدار ولا تقول شيئا؟ دعنا نسمع غناءك. ولم أكن أضيق قط باسرافه في العناية بالآلة الموسيقية وبما يبدي من رقة ورفق حين يخرجها من غلافها. كما لو كان يزيل قشور ثمرة ناضجة من ثمار التين، أو غلالة رقيقة عن جسد امرأة فاتنة. ووضع السانتوري على ركبتيه وانحنى فوقه، ولمس أوتاره في رفق، كما لو كان يسألها عن نوع النغمة التي تريد ان ترسلها، أو كما لو كان يرجوها أن تستيقظ لتؤنس وحشته، وعالج احدى الأغنيات ، ولكن الاوتار لم تخرد النغم المنشود، فانتقل إلى أغنية أخرى، ولكن الاوتار أخرجت صوتا أشبه بالحشرجة، كأنها لا تريد أن تغني. وجفف زوربا العرق الذي تصبب فجأة على جبينه، وقال وهو ينظر إلى السانتوري في جزع: - انه لا يريد أن يغني. ووضعه في غطائه بعناية، وأعاده إلى مكانه على الجدار، ثم ألقى ببعض حبات الكستناء في النار، وملأ قدحينا بالنبيذ وقال: - ثمة أشياء لا أفهمها يا سيدي، فهل تستطيع أن تجد لها تفسيرا؟ يخيل إلي في بعض الاحيان أن كل شيء في العالم له روح: الخشب والحجارة، والنبيذ الذي نشربه والأرض التي نسير عليها – أعني كل شيء بلا استثناء. ورفع قدحه وقال: - نخب صحتك . وأفرغ النبيذ في جوفه وقال: - هذه الدنيا بغي عجوز، أشبه ما تكون ببوبولينا. فلما أتمالك نفسي من الضحك. قال: - اصغ إلي. ولا تضحك.. نعم، ان الدنيا بغي مثل بوبولينا.. وبوبولينا عجوز، ولكن لها مفاتنها.. انها تعرف طريقة أو طريقتين لكي تشدك إليها.. ولو انك أطفأت النور واحتويتها بين ساعديك لخيل إليك أنها صبية في العشرين. - ولا ضرورة لأن تقول لي أنها تجاوزت مراحل النضج، انها استمتعت بالحياة بطريقتها، وعاشرت الاميرالات والبحارة والجنود والفلاحين والممثلين والقسس والرهبان ورجال البوليس والقضاة والاساتذة والتلاميذ.. ولكن ماذا في ذلك؟ انها تنسى بسرعة، ولا يمكن ان تذكر أحدا من عشاقها القدامى. وحين تكون معها يحمر وجهها خجلا وتضطرب كما لو كانت ترى رجلا لأول مرة في حياتها.. ان المرأة لغز غامض، وحتى لو سقطت ألف مرة، فانها تنهض ألف مرة عذراء.. ولعلها تسأل: ولكن كيف يحدث ذلك؟ والجواب هو: لأنها لا تذكر. فقلت لأضايقه: - ولكن الببغاء تذكر.. انها تردد دائما اسما غير اسمك.. أفلا يزعجك كلما حلقت في السماء السابعة أن تسمع الببغاء تصرخ في كانافارو.. كانافارو؟؟ ألا تشعر وقتئذ برغبة في أن تمسك بها وتدق عنقها؟ لقد آن لك أن تعلمها أن تصيح زوربا.. زوربا. فصاح وهو يضع يديه على أذنيه: - كلام فارغ!! ولماذا أدق عنقها؟ انني أحب أن أسمعها تردد هذا الاسم .. ان المرأة تضعها فوق فراشها كل ليلة.. وللببغاء الخبيثة عينان تبصران في الظلام، فلا اكاد أشرع في مغازلة المرأة حتى تصيح الببغاء.. كانافارو.. كانافارو.. وأقسم لك انني أشعر عندئذ كأن في قدمي حذاء طويلا، وكأن على رأسي قبعة مثلثة الاركان تزينها ريشة بيضاء، وكأن لها لحية حريرية تنبعث منها رائحة العطر.. ويخيل إلي أن مدافع بارجتي ترسل آلاف القذائف من حولي. وضحك زوربا من كل قلبه، واغمض عينه اليسرى، ونظر إلي باليمنى وقال: - معذرة يا سيدي.. فانني على شاكلة جدي اليكسيس رحمه الله، فقد كان بعد أن بلغ المائة من عمره يجلس في المساء أمام باب البيت ليرقب الفتيات وهو في طريقهن إلى البئر. وكان نظره قد ضعف وأصبح لا يرى بوضوح.. فاذا مرت به الفتيات دعاهن إليه، وسأل احداهن من أنت يا بنية؟ فتجيبه بقولها: انا كسيينو، ابنة مستر اندوني، فيقول لها: أحقا تقولين؟ اقتربي مني اذن ودعيني المسك.. تعالي ولا تخافي. وتقترب منه الفتاة، فيتحسس وجهها ببط ولذة ، وتطفر الدموع من عينيه. وقد سألته ذات مساء: لماذا تبكي يا جدي؟ فأجاب: - وكيف لا أبكي يا بني وأنا على أبواب القبر، وسأترك ورائي كل هؤلاء الفتيات الفاتنات. وتنهد زوربا واستطرد قائلا: - كلما تذكرت حديث جدي تمنيت لو ان جميع النساء الفاتنات يمتن معي في ذات اللحظة. ولكن الفاجرات سيعشن بعدي، وسينعمن بالحياة بين أحضان رجال آخرين، بينما أكون قد تحولت إلى تراب تحت أقدامهن.


الفصل السابع

جلسنا صامتين أمام الموقد حتى ساعة متأخرة من الليل.. وأحسست مرة أخرى بأن السعادة لا تكلف الا القليل: قدح نبيذ وكستناء مشوية، وموقد حقير، وصوت تلاطم الأمواج.. هذه هي العناصر التي يمكن أن تتألق منها السعادة ولا شيء غيرها.. وكل ما ينبغي لكي تشعر بأن هذه هي السعادة، هو أن يكون لك قلب راض ونفس قانعة. سألت زوربا: - كم مرة تزوجت يا زوربا؟ ولكنه لم يسمع سؤالي، ولعله كان في واد آخر لا يصل إليه صوتي، فمددت يدي إليهن ولمسته بأطراف أصابعي وكررت سؤالي: - كم مرة تزوجت يا زوربا؟ وسمعني هذه المرة وأفاق من ذهوله وأجاب: - عم تبحث الآن؟ أو تظن أنني لست رجلاً؟ لقد فعلت ما يفعله غيري من الرجال وارتكبت (الحماقة الكبرى) .. انني أسأل المتزوجين المعذرة.. ولكني هكذا اسمي الزواج.. نعم، لقد ارتكبت الحماقة الكبرى وتزوجت. - وكم مرة تزوجت؟ فحك زوربا رأسه بقوة وقال: - كم مرة؟ انني تزوجت زواجا شريفا مرة واحدة، وزواجا نصف شريف مرتين، وزواجا غير شريف الفين أو ثلاثة آلاف مرة. - حدثني عن زيجاتك يا زوربا.. ان غدا الاحد وسوف نحلق ذقوننا ونرتدي خير ثيابنا ونذهب إلى بوبوليتا لنقضي وقتا طيبا.. والآن خبرني.. - ماذا أقول لك؟ هذه امور لا تصلح موضوعا للحديث.. ان الزيجات الشريفة لا طعم لها .. انها طبق خلو من التوابل، والناس في قريتنا يقولون: "ان اللحم الشهي، هو اللحم المسروق" وزوجة الانسان ليست لحما مسروقا. أما الزيجات غير الشريفة، فكيف يمكن ان يذكرها الانسان، هل يمسك الديك سجلا؟ ولماذا؟ انني كنت في شبابي احتفظ بخصلة من شعر كل امرأة أتصل بها.. كنت أحمل مقصا لهذا الغرض، وكنت أذهب إلى الكنيسة والمقص في جيبي.. فنحن رجال على كل حال، ومن يدري ماذا يمكن ان يحدث في أية لحظة! وهكذا اجتمعت لدي مجموعة كبيرة من خصلات الشعر، منها الأسود والأشقر والأحمر، وبعض خصلات بيضاء. فماذا أصنع بها؟ لقد حشوتها في وسادتي وكنت أنام على الوسادة شتاء، وأهملها صيفا بسبب الحر، إلى أن انبعث منها رائحة كريهة فاحرقتها. وضحك واستطرد قائلا: - هذه الوسادة كانت سجل مغامراتي، وقد ضقت بها ذرعا فاحرقتها.. ولم أكن أتوقع ان تجتمع لي كل هذه الخصلات.. ووجدت أنها تزداد بسرعة مدهشة، فتخلصت من المقص. - وماذا عن زيجاتك نصف الشريفة يا زوربا؟ فتنهد وأجاب: - آه.. ان لها سحرا خاصا.. وأولئك النساء السلافيات! أية متعة! وأية حرية! انهن لا يسألنك: أين كنت؟ أو لماذا تأخرت؟ أو أين قضيت ليلتك؟ انهن لا يلقين عليك أسئلة.. وأنت لا تسألهن.. تلك هي الحرية!! واحتسى قدح نبيذ، وراح يمضغ كستناءة ويتكلم قال: - كانت احداهما تدعى صوفنكا، والثانية تدعى نوسا.. وقد قابلت صوفنكا في قرية صغيرة بالقرب من (نوفوروسيسك). كان الوقت شتاءا، والثلوج تغطي الأرض، وكنت في طريقي إلى المنجم الذي أعمل ففيه، فتوقفت في القرية، لأن اليوم كان يوم السوق، والرجال والنساء يتوافدون من القرى للبيع والشراء، وكان هناك قحط، والناس يبيعون كل ما يملكون ليبتاعوا خبزا. وفيما أنا أطوف بالسوق اذ وقع بصري على فلاحة شابة تثب من عربتها. كان طولها ستة أقدام، ولها عينان زرقاوان كالبحر. وفخذان مليئتان كفخذي الفرس الولود. وما أن رأيتها حتى جمدت في مكاني وقلت لنفسي "مسكين أنت يا زوربا.. كيف سيغمض لك جفن بعد أن رأيت فاتنة الفاتنات". وسرت في أثرها، دون أن أقوى على تحويل بصري عنها.. وقلت لنفسي: لماذا تذهب إلى المنجم أيها الأحمق المسكين! هذا هو المنجم الذي يجب أن تعمل في سراديبه! وتوقفت الفتاة، وبدأت تساوم، وابتاعت كومة من الخشب حملتها إلى عربتها.. وعندئذ رأيت ذراعيها.. وأي ذراعين ثم ابتاعت بعض الخبز وخمس سمكات أو ست وسألت: بكم هذا؟ وذكر لها البائع الثمن، ولم يكن معها نقود فمدت يدها إلى قرطها الذهبي لتقدمه ثمنا للخبز والسمكات. ووثب قلبي بين ضلوعي. هل أدع امرأة تتخلى عن قرطها.. عن حليها.. عن عطرها؟ اذا فعلت المرأة ذلك فقل على الدنيا السلام! ومن يدعها تفعل ذلك يكون كمن يجرد الطاووس من ريشه.. هل يطاوعك قلبك على نتف ريش الطاووس؟. قلت لنفسي: كلا.. ذلك لن يحدث أبدا طالما زوربا على قيد الحياة!! وفتحت كيس نقودي، ودفعت. ولم يكن للنقد الروسي في ذلك الوقت أية قيمة، وكان في استطاعتك أن تشتري الفرس بمائة دراخمة يونانية والمرأة بعشرة دراخمات. دفعت ثمن الخبز والسمك. فتحولت الفتاة، وصعدتني بنظرة من ركن عينها. ثم تناولت يدي لتقبلها ولكن جذبت يدي، فهتفت بالروسية: - سباسيبا.. سباسيبا.. أي شكرا.. شكرا. ووثبت إلى العربة، وتناولت عنان الجواد ورفعت سوطها فقلت لنفسي: - حذار يا زوربا.. انها ستفلت من بيد أصابعك. وبوثبة واحدة ، كنت بجانبها في العربة، فلم تقل شيئا، بل ولم تنظر حولها. واهوت بسوطها على ظهر الجواد، وانطلقت بنا العربة. وفي الطريق، أدركت انني أريدها.. وكنت أعرف من اللغة الروسية ثلاث كلمات.. ولكن هذه الأمور لا تحتاج إلى كلام كثير.. فقد تفاهمنا بالعيون، والايدي والسيقان. ووصلنا إلى القرية وتوقفنا أمام دارها، ففتحت الفتاة الباب بدفعة من كتفها ودخلت. وعاونتها في نقل الخشب إلى فناء الدار، وحملنا الخبز والسمك إلى غرفتها. وكانت بالغرفة امراة عجوز تجلس أمام الموقد الخامد وترتجف من البرد، وكان البرد من القسوة بحيث أحسست أن أظافري ستسقط. ونظرت إلى العجوز وابتسمت، وقالت لها الفتاة كلاما لم أفهمه.. أما أنا فقد أشعلت النار، بينما كانت الفتاة تعد المائدة. وأحضرت الفتاة بعض الفودكا وشربنا، وأعدت الشاي، وجلسنا نتناول الطعام ، وأعطينا العجوز نصيبها منه. وأخيرا. نهضت الفتاة إلى الفراش فأبدلت أغطيته، ثم أشعلت مصباحا زيتيا أمام تمثال السيدة العذراء، ورسمت علامة الصليب على صدرها ثلاث مرات، وأومأت إلي، فجثونا أما العجوز، التي وضعت يديها على رأسينا وغمغمت ببضع كلمات، ولعلها كانت تباركنا فهتفت بالروسية: - سباسيا .. سباسيا. وأحطت الفتاة بساعدي، وحملتها إلى الفراش. وهنا صمت زوربا.. وأرسل بصره بعيدا.. إلى البحر، وقال بعد قليل: - كان اسمها صوفنكا. ولاذ بالصمت. فسألته: - وماذا حدث بعد ذلك. - ماذا تعني يا أستاذي؟ وهل ما حدث بعد ذلك يمكن الخوض فيه؟ ان المرأة ينبوع متجدد، تنحني فوقه فترى ظلك في مائه، وتشرب حتى تبلى عظامك، ومن ثم يأتي رجل آخر ظمآن فينحني ويرى ظله، ويشرب.. ثم يأتي ثالث... - هل هجرتها بعد ذلك.. - ماذا تتوقع؟ قلت لك انها ينبوع متجدد، وما أنا الا عابر سبيل. لقد مكثت معها ثلاثة شهور.. ثم تذكرت المنجم فقلت لها ذات يوم: - ان لدي عملا لا بد من انجازه.. ويجب أن أذهب. - اذهب اذن، وسأنتظرك شهرا، فاذا لم تعد، أصبح حرة.. وكذلك أنت.. فاذهب على بركة الله. - وهل عدت بعد شهر؟ - معذرة اذا قلت لك انك غبي، كيف كان يمكن ان أعود؟ هل تدعك النساء وشأنك؟ لم تمض عشرة أيام على رحيلي حتى قابلت (نوسا). - حدثني عنها اذن. - سأحدثك عنها في مناسبة أخرى.. يجب ألا نخلط بينهما.. والان، دعنا نشرب نخب صوفنكا. وجرع قدح النبيذ ثم استند إلى الجدار وقال: - حسنا ، سأحدثك عنها. ومسح شاربه، وبدأ قصته عن نوسا، قال: - انني قابلتها أيضاً في احدى القرى الروسية.. كان الوقت صيفا، والحقول مليئة بالبطيخ.. وفي استطاعتك أن تأخذ منه ما تشاء دون أن يتعرض لك أحد. ان كل شيء موجود بوفرة في روسيا.. كل شيء في أكوام، البطيخ والسمك والزبد والنساء.. وبحسبك ان تمد يدك وتأخذ ما تريد، على خلاف الحال هنا في اليونان فانك اذا لمست بطيخة، اخذوك إلى الشرطة ثم الى المحكمة واذا لمست امرأة هجم عليك اخوها وبيده سكين.. قبح الله هذا البلد اذهب إلى روسيا يا سيدي وستجد انك تستطيع ان تعيش هناك كالامراء. وقد حدث أنني مررت بمدينة (كوبان) فرأيت امرأة في مطبخ أحد البيوت وأعجبتني. والمرأة السلافية، ليست كالمرأة اليونانية النحيلة الجشعة التي تعطيك الحب قطرة فقطرة. وتأخذ منك أكثر مما تعطيك، وتحاول جاهدة أن تخدعك وتسرقك.. ان المرأة السلافية توفي الكيل والميزان وتعطيك أكثر من حقك في النوم والحب والطعام.. انها كحيوان الحقل، وكالأرض نفسها.. تعطي عن طيب خاطر.. وتعطي بسخاء. سألتها: ما اسمك؟ فأجابت: نوسا.. وأنت؟ فقلت: اليكسيس.. ثم قلت لها على الفور: - انني معجب بك يا نوسا. فنظرت إلي بامعان، كما ينظر الانسان إلى الحصان قبل أن يشتريه وقالت: - وأنت لا بأس بك. فأسنانك سليمة . ولك شارب كبير، وكتفان عريضتان، وساعدان قويان، انك تعجبني. ولم نقل أكثر من ذلك.. فقد تفاهمنا في غمضة عين وطلبت إلي أن أزورها في المساء.. سألتني: - هل لديك معطف من الفراء؟ - نعم.. ولكن في هذا الحر.. - لا بأس.. يحسن بك أن ترتديه، لكي تبدو أنيقا. وفي المساء، ارتديت أفضل ثيابي، وحملت عصاي ذات المقبض الفضي، وانطلقت في طريقي إلى بيت نوسا. كان بيتا ريفيا كبيرا به حظائر للابقار وقاعات للتقطير ورأيت في فنائه قدرين كبيرين فوق موقدين فسألت ما هذا؟ فقالوا انه عصير البطيخ وانهم يصنعون منه خمرا. فقلت لنفسي أرأيت يا زوربا.. انهم يصنعون خمرا من عصير البطيخ! حقا ان هذه هي الأرض الموعودة، فوداعا أيها الفقر، انك وقعت واقفا هذه المرة كما يقع الفأر على قرص من الجبن. وارتقيت سلما خشبيا كبير، وفي الطابق الأول، التقيت بوالدي نوسا. كانت ثيابهما تدل على الثراء وسعة العيش فاستقبلوني بالأحضان والقبلات، وقالا لي كلاما كثيرا لم أفهم منه حرفا واحدا ولكن ما أهمية ذلك، طالما انه كان واضحا من ملامحهما انهما لا يضمران لي شرا! ودخلت قاعة فسيحة فماذا رأيت؟ موائد تئن تحت ثقل الطعام والشراب، موائد كانها السفن الشراعية. وكان الجميع وقوفا، الاقارب والاصدقاء، نساء ورجالا، تتصدرهم (نوسا) في ثوب سهرة يكشف عن صدر بارز كأنه مقدم السفينة، وتضع على رأسها منديلا أحمر، وقد طرز فوق قلبها شعار المنجلة والمطرقة. كانت تتألق شبابا وجمالا. فقلت لنفسي: - زوربا ، أيها الخاطئ الكبير، هل هذا هو الجسد الذي ستضمه إلى صدرك الليلة! عفا الله عن ابويك اللذين جاءا بك إلى هذه الدنيا! وانقضضنا جميعا على الطعام ، وأكلنا كالخنازير وشربنا كالسمك وكان والد نوسا يجلس إلى جواري ويتكلم دون أن يحول عينيه عن عيني، وكانه يوجه الحديث إلي، أما ماذا قال، فهذا ما يعلمه الله.. كل ما أعلمه أنني تعبت من الوقوف، خاصا وقد كنت ثملا، فجلست. والصقت ركبتي بركبة نوسا، وكانت تجلس إلى يمين. وخيل إلي أن أباها لن يكف عن الكلام.. إلى أن تصبب العرق على جبينه فهجم عليه المدعوون ليسكتوه، ونجحوا أخيرا في اسكاته ، وحينئذ اومأت إلي وقالت: - الآن جاء دورك.. يجب أن تتكلم. فنهضت واقفا، والقيت خطابا نصفه بالروسية، ونصفه اليونانية، ولا أدري ماذا قلت ، ولكني اذكر فقط انني ختمت خطابي باحدى الاغنيات اليونانية الشائعة وما ان فرغت منها حتى ألقيت بنفسي بين ساعدي نوسا وقبلتها. وصمت زوربا لحظة وتنهد واستطرد: - وقضينا معا ستة شهور، وكل ما أرجوه الا يمحو الله ذكرى هذه الشهور الستة من مخيلتي.. وأغمض عينيه، وظهر عليه التأثر، وكانت هذه أول مرة أراه فيها وقد هزته احدى الذكريات البعيدة.. فسألته بعد لحظة: - هل أحببتها إلى هذا الحد.. ففتح عينيه وقال: - انك ما زلت شابا، ولن تفهم، وعندما يشتعل رأسك شيبا مثلي، حينئذ نستطيع أن نتحدث في هذا الموضوع الخالد. - أي موضوع خالد؟ - موضوع النساء طبعا، كم مرة يجب أن أقول لك ان المرأة لغز خالد. - وماذا كان من أمر نوسا؟ فأجاب وهو يرسل بصره إلى البحر: - عدت إلى البيت ذات مساء فلم أجدها، وبحثت عنها في كل مكان دون جدوى. ثم علمت ان جنديا وسيما قدم أخيرا إلى القرية وانها هربت معه.. وخيل إلي أن الدنيا قد انتهت وان قلبي قد انسحق، ولكن هذا القلب الشقي ما لبث أن التأم، ولعلك رأيت أشرعة السفن وما فيها من رقع حمراء وصفراء وسوداء لا تمزقها العواصف والاعاصير، ان قلبي كهذه الاشرعة، مليء بالثقوب والرقع.. وليس هناك ما يخشى عليه منه.. - ألم تنقم على نوسا يا زوربا؟ - ولماذا؟ ان المرأة مخلوق غير مفهوم، وقد اساءت إليها الشرائع الدينية والدنيوية، ولو كان الأمر بيدي، لما اخضعت الرجال والنساء لنفس القوانين، ان الرجل يستطيع مواجهة ما يفرض عليه من قيود، أما المرأة فمخلوق ضعيف لا حول له ولا قوة.. دعنا نشرب نخب نوسا، ونخب المرأة.. ولنسأل الله أن يهبنا نحن الرجال مزيدا من العقل.


الفصل الثامن

وأمطرت السماء مرة أخرى في اليوم التالي. وكنت جالسا بباب الكوخ، أرى السماء تظلم، والبحر يتألق بلون فسفوري أخضر، وكان الشاطئ مقفرا تماما، ولا أثر لشراع أو لطيرن فنهضت واقفا، ومددت يدي إلى المطر، كما يمد السائل يده مستجديا، وشعرت فجأة برغبة في البكاء.. كان ينبعث من الأرض الرطبة نوع من الحزن، أشد عمقا وغموضا من أحزان نفسي، وأردت أن أصرخ، فقد أحسست بأن ذلك سيرفه عني، ولكني خجلت.. وكانت السحب تتكاثف وتدنو من الأرض، فنظرت من النافذة، وشعرت بقلبي ينبض في رفق. ما أمتع الحزن الذي يملأ النفس من مرأى المطر الهادئ المتصل! ان جميع الذكريات المريرة الراسبة في أعماق النفس تطفو حينئذ فوق السطح، ذكرى الأصدقاء الذين هبوا، والابتسامات الحلوة التي ذبلت، والآمال العزيزة التي فقدت أجنحتها. وتراءت لي وسط خيوط المطر، صورة صديقي الذي رحل إلى القوقاز، فتناولت قلما وورقة وشرعت أتحدث إلى صديقي لكي أفرق ستار المطر وأتمكن من التنفس: - صديقي العزيز.. - انني أكتب إليك من شاطئ مقفر في كريت، حيث اتفقت مع القدر على قضاء بضعة شهور ألعب خلالها دور الرأسمالي، فاذا نجحت لعبتي قلت انها لم تكن لعبة، وانما هي قرار خطير غير مجرى حياتي. ولا شك انك تذكر كيف وصفتني يوم رحلت بأنني (عث كتب)، لقد بلغ من شيقي بهذا الوصف انني قررت تحطيم قلمي وهجر الكتابة بعض الوقت – وربما إلى الأبد – لأمارس حياة أكثر واستخدمت بعض العمال، واعددت الفئوس والمعاول والمصابيح والسلال وعربات النقل، وحفرت السراديب وسرت فيها ، كل ذلك لكي أضايقك وأغيظك. ان سعادتي هنا لا حد لها، لأنها تنبع من العناصر الخالدة، الهواء النقي والشمس والبحر ورغيف الخبز، وفي المساء ، يجلس القرفصاء أمامي سندباد عجيب غريب الأطوار ويتحدث إلي، فأشعر كأن الدنيا تزداد اتساعا. وفي بعض الأحيان عندما لا تسعفه الألفاظ، يثب من مكانه ويرقص، وحين تعجز رقصاته عن التعبير، يضع السانتوري على ركبتيه ويعزف، وكثيرا ما يعزف مقطوعات همجية تحس حين تسمعها بانك تختنق، لأنها تشعرك بأنك تعيش حياة لا لون لها ولا طعم ، حياة بائسة لا تخلق بانسان.. واذا عزف مقطوعة حزينة، أحسست بأن حياتك تمضي وتنساب كما تنساب الرمل بين اصابعك.. ان قلبي يتحرك بين ضلوعي جيئة وذهابا كالمنسج، انه ينسج هذه الشهور التي أقضيها في كريت، وأعتقد غفر الله لي – انني سعيد.. هل تذكر يوم عبرنا ايطاليا في طريقنا إلى اليونان للدفاع عن اقليم (بونتاس) الذي كان وقتئذ معرضا لخطر الغزو؟ لقد غادرنا القطار لقضاء بعض الوقت في المدينة حتى يحين موعد سفرنا بالقطار التالي.. وسرنا في حديقة واسعة على مقربة من المحطة.. وكانت أحواض الزهور حولنا من الجمال وحسن التنسيق بحيث خيل الينا أننا في حلم.. وما كدنا ننحرف في واحد مسالك الحديقة حتى وجدنا أنفسنا أمام فتاتين تسيران جنبا إلى جنب وتقرآن كتابا واحدا.. انني لا أذكر الآن مبلغ حظهما من الجمال ولكني أذكر أن احداهما كانت شقراء والأخرى سمراء، وانهما كانتا ترتديان ثياب الربيع. وبمثل الجرأة التي نترف بها في الأحلام، اقتربنا منهما، وقلت انت تحدثهما: مهما يكن موضوع الكتاب الذي تقرآنه، فاننا على استعداد لمناقشته معكما. وكان الكتاب من تأليف (جوركي) ولم يكن لدينا متسع من الوقت، فدار الحديث بيننا بسرعة عن الحياة والفقر، وثورة العقل والحب.. ولن أنسى ما احسسنا به وقتئذ من سرور وأسى.. فقد خيل إلينا والفتاتين المجهولتين أصدقاء قدامى، بل وعشاق قدامى.. وأقبل القطار، فأخرجنا من حلمنا الممتع وشددنا على ايدي الفتاتين، فامتقع وجه احداهما، بينما راحت الاخرى تضحك وترتجف. واذكر انني قلت لك في تلك اللحظة، ما معنى اليونان؟.. وما معنى الوطن؟؟ وما معنى الواجب ؟ ان الحقيقة هنا.. فكان جوابك : ان اليونان والوطن والواجب لا تعني شيئا.. ... انها لا شيء... ولكن هذا اللاشيء اذا دعانا، لبينا دعوته بلا تردد، وبذلنا حياتنا في سبيله عن طيب خاطر. وعلك تسأل: لماذا اكتب اليك كل هذا؟ انني أريدك أن تعلم انني لم أنسى لحظة واحدة من اللحظات التي عشناها معا. وما ان فرغت من الرسالة التي تحدثت فيها إلى صديقي حتى سرى عني وشعرت بالارتياح.. ودعوت زوربا. كان قابعا تحت احدى الصخور حتى لا يبتل بماء المطر، وبين يديه انموذج صغير للسلك الهوائي يقوم باختباره. قلت له: هلم بنا نذهب إلى القرية. - ان المطر ينهمر.. الا تستطيع الذهاب وحدك؟ - لا أريد أن أشعر بالملل، هلم بنا فضحك وقال: - يسرني ان تكون بحاجة إلي. وارتدى معطفا من الصوف كنت قد أعطيته له. وخرجنا إلى الطريق. وكان الهواء ساكنا، والضباب يحجب الجبل. وانحنى زوربا والتقط زهرة نرجس، ونظر إليها طويلا، وكأنه يرى النرجس للمرة الأولى في حياته. وقال وهو يتأملها بعد أن شمها: - ليتنا نعلم ماذا تقول الصخور والامطار والزهور؟! لعلها تدعونا ونحن لا نسمعها.. ترى متى يفتح الناس عيونهم وآذانهم ليروا ويسمعوا؟ ومتى نفتح سواعدنا لنحتضن كل شيء: الصخور والامطار والزهور والناس؟ ما قولك في ذلك يا استاذ؟ وماذا تقول كتبك في هذا الموضوع؟ - لتذهب الصخور والامطار والزهور إلى الشيطان.. هذا ما تقوله الكتب.. فأمسك بساعدي وقال: - خطرت لي فكرة أرجو ألا تغضبك.. ضع كل كتبك في كومة واحدة وأشعل النار فيها، فلعلنا نستطيع أن نصنع منك شيئا بعد ذلك. وقلت لنفسي: انه على حق، ولكني لا أستطيع أن أفعل ذلك.. ووصلنا إلى القرية. ورأينا الفتيات يعدن بالخراف من المراعي، والرجال يطلقون الثيران من نير المحاريث ويتركون الحقول بغير حرث.. والنساء يعدون وراء أطفالهن في الشوارع الضيقة. كان يسود القرية منذ بدأت الامطار نوع من الذعر المرح، فالنساء يصرخن وعيونهن تضحك، والرجال يصطنعون الجد والرزانة، وقطرات المطر تتساقط من لحاهم وشواربهم، ورائحة البلل تفوح من الارض والحجارة والعشب. ودخلنا مقهى (التواضع) والماء يقطر من ثيابنا، وكان المقهى مزدحما بالرجال، وبعضهم يلعبون الورق وبعضهم يتحدثون بأعلى اصواتهم كما لو كانوا يتصايحون عبر الجبال، بينما دار شيوخ القرية حول مائدة في ركن قصي من أركان المقهى وراحوا يتداولون: العم اناجنوستي بقميصه الأبيض ذي الاكمام الفضفاضة، ومفراندوني وهو يدخن غليونه الطويل وعيناه تنظران إلى موقع قدميه، وناظر المدرسة وقد استند إلى عصاه وأخذ ينصت إلى شاب ضخم الجسم عاد لتوه من (كانديا) وراح يصف عجائب هذه المدينة الكبيرة. وصاحب المقهى وهو يصغي من مكانه ويضحك ويرقب اواني القهوة المرصوصة أمامه. وما أن رآنا العم اناجنوستي حتى نهض واقفا ودعانا للجلوس إلى مائدته وقال وهو يشير إلى الشباب: - ان سكافيانو نيكولي يحدثنا عن مشاهداته في (كانديا).. وحديثه لا يخلو من الطرافة. ثم التفت إلى صاحب المقهى وقال: - قدحان من العرق يا مانولاكي. وجلسنا، وما ان وجد الشاب نفسه في حضرة أجنبيين حتى انطوى على نفسه ولزم الصمت. فقال له ناظر المدرسة ليحثه على الكلام: - وهل ذهبت إلى المسرح كذلك يا نيكولي؟ فمد الشاب يده الغليظة وتناول قدحه، واحتسى النبيذ وجمع أطراف شجاعته وقال: - نعم، لقد ذهبت إلى المسرح.. كانوا يتكلمون في كل مكان عن ممثلة معروفة.. وفي احدى الامسيات ، رسمت علامة الصليب على صدري وقلت لنفسي، حسنا، لماذا لا أرى بنفسي تلك التي تثير كل هذه الضجة. فقال العم اناجنوستي: - وماذا رأيت يا فتى!! حدثنا بحق السماء. - الحق انني لم أر شيئا يستحق الذكر، انك تسمعهم يتحدثون عن المسرح فتظن انك ستشهد شيا.. ثم تدرك بعد قليل انك أضعت نقودك سدى.. فالمكان عبارة عن حانة كبيرة مستديرة كالجرن، مليئة بالمقاعد والانوار والناس.. ولم أدر في الواقع أين انا، وبهرتني الأضواء فلم أتبين شيئا، وخشيت أن يسحروني فهممت بالخروج فامسكت بيدي فهتفت بها: - إلى أين تذهبين بي؟؟ ولكنها جذبتني خلفها، ومرت بي بين الصفوف واجلستني في أحد المقاعد.. ولم أر الا أناسا حولي وأمامي وخلفي وفي كل مكان حتى السقف. وشعرت بالاختناق، اذ لم يكن هناك هوا على الاطلاق.. وأخيرا التفت إلى جاري وسألته: - هل لك أن تدلني ايها الصديق من أين تخرج الممثلات؟ فأجابني: - انهن يخرجن من هناك. وأشار إلى الستار. وكان على حق، اذ لم تمض لحظة حتى دق جرس، وتحركت الستار، وظهرت الممثلة التي عنها يتحدثون.. ظهرت أمامنا على المسرح بدمها ولحمها.. وأخذت تروح وتغدو وتحرك ذيلها، وتدور حول نفسها، حتى صفق الناس فتوارت عن الأبصار.. وهنا أغرق القرويون في الضحك، فبدا الخجل على وجه نيكولي ونظر إلى الباب وقال ليغير مجرى الحديث: - لا تزال الامطار تهطل.. فاتجهت الابصار إلى حيث كان ينظر. وفي هذه اللحظة مرت بالمقهى امرأة تعدو.. وقد رفعت ذيل ثوبها الاسود إلى ما فوق ركبتها.. وانسدل شعرها على كتفيها. كانت رشيقة القوام، وقد التصق ثوبها بجسدها.. فأبرز مفاتنه وأهلني جمال تكوينها.. وقلت لنفسي: يا لها من وحش مفترس!! وخيل إلي أنها امرأة خطرة.. من الطراز الذي يلتهم الرجال. وحولت المرأة رأسها بفترة يسيرة.. وألقت على داخل المقهى نظرة ساحرة خاطفة.. وهتف شاب كان يجلس بجوار النافذة قائلا: يا اله السموات. وصاح مانولاكاس ، شرطي القرية: - قبحها الله من فاجرة تشعل النار في قلوب الرجال وتدعهم يحترقون. وراح الشاب الجالس بجوار النافذة يترنم باحدى الاغنيات في تردد وبصوت خافت اولا، ثم أخذ صوته في الارتفاع: "وسادة الأرملة لها رائحة السفرجل.. " أنا أيضا عرفت هذه الرائحة "ومن وقتها لم يغمض لي جفن". فصاح مافراندوني: - صه. فصمت الشاب على الفور. وهمس أحد الشيوخ في أذن مانولاكاس قائلا: - ان عمك حانق على الأرملة، واذا وقعت المسكينة بين يديه فسوف يمزقها اربا. فقال مانولاكاس: - وأنت أيها العجوز اندروليو، اعتقد أنك أيضا مفتون بها.. ألا تخجل من نفسك؟ - اصغ إلي.. لا تشك أنك لم تدقق النظر في أطفال القرية الذين ولدوا أخيرا، بارك الله في الأرملة.. في استطاعتك أن تقول انها عشيقة رجال القرية جميعا.. وبعد لحظة صمت، غمغم اندروليو العجوز قائلا: - ما أسعد الرجل الذي يحتويها بين ساعديه!!! وليتني كنت في العشرين من عمري، مثل بافيل، ابن مافراندوني!! فقال أحد الحاضرين ضاحكا: - ستراها الان حين تعود إلى بيتها. فتعلقت عيون الجميع بالباب. وكان المطر قد كف، وبدأ وميض البرق يشق صفحة السماء بين الفينة والفينة.. وتقطعت أنفاس زوربا وفقد سيطرته على نفسه منذ أبصر بالارملة. قال يحدثني: - لقد كف المطر فهلم بنا. وظهر بالباب صبي عاري القدمين اشعث الشعر زائغ البصر فصاح به البعض ضاحكين: - اهذا أنت يا ميميكو؟ ان لكل قرية انسانها الابله، فاذا لم يوجد الابله خلقوه خلقا ليسخروا منه، وقد كان ميميكو ابله تلك القرية. وقال ميميكو بصوت رقيق كأصوات النساء: - أيها الاصدقاء، لقد فقدت الارملة سورمالينا نعجتها، وستعطي جالونا من النبيذ جائزة لمن يجدها. فصاح مافراندوني في غضب: - اخرج من هنا.. اخرج. فذعر ميميكو وانكمش بجانب الباب. فقال له العم اناجنوستي مشفقا: - اجلس يا ميميكو وتناول قدحا من العرق حتى لا تصاب بالبرد.. ماذا تصبح قرييتنا اذا لم يبق فيها مغفل؟ وأقبل على المقهى شاب لاهث الانفاس، تتساقط قطرات المطر من شعر رأسه فصاح به مانولاكاس: - تعال يا بافلي واجلس معنا. فنظر مافراندوني إلى ولده وقطب حاجبيه وتمتم قائلا: اهذا ولدي! من أين هذه الخنوثة، بودي أن أمسك بخناقه واصفع به الأرض! وكان زوربا يجلس متململا، فقد الهبت الارملة حواسه، وشق عليه البقاء بين الجدران الاربعة.. كان يهمس في أذني كل دقيقة: - هلم بنا .. انني أختنق هنا. ثم تحول إلى صاحب المقهى، وساله، متظاهرا بقلة الاكتراث: - من تكون هذه الأرملة؟ فقال المدعو كوندومانوليو: - انها فرس ولود. ووضع اصبعه على شفتيه، ونظر إلى مافراندوني من ركن عينيه نظرة ذات معنى، واستطرد قائلا: - نعم.. انها فرس ولود.. ولكن دعنا لا نتحدث عنها حتى لا تحل علينا اللعنة. ونهض مافراندوني واقفا وقال: - ومعذرة.. انني سأعود إلى بيتي.. اتبعني يا بافلي وخرج وتبعه ابنه، وما لبثا ان غابا عن الأبصار. وانتقل اندومانوليو إلى مقعد مافراندوني وقال بصوت خافت لا يكاد يسمع: - مسكين مافراندوني .. انه سيموت كمدا.. لقد نزلت باسرته كارثة كبرى، وأمس فقط، سمعت بافلي يقول لأبيه: سأقتل نفسي اذا لم تقبلني زوجا لها.. بينما الفاجرة تسخر منه، ولا تريد ان تكون لها أية صلة. وهمس زوربا وقد اثارته كل كلمة قيلت عن الارملة: - دعنا نذهب. فقلت وأنا أنهض واقفا: - هلم بنا اذن. وخرج ميميكو من الركن الذي توارى فيه، وسار في أعقابنا. وبعد لحظة أحسست به يلمس كتفي وسمعته يقول: - أعطني سيجارة أيها السيد. فأعطيته سيجارة فاشعلها وراح يدخنها بلذة فسألته: - إلى أين أنت ذاهب؟ - إلى حديقة الارملة.. لقد وعدتني بطعام اذا أنا أذعت الخبر عن نعجتها. وأسرعنا الخطى، وبدت القرية نظيفة باسمة بعد أن غسلها المطر وتنهد زوربا وسأل الصبي: - هل تحب الارملة؟ - ولماذا لا أحبها أيها الصديق؟ ألم أخرج من المجاري ككل انسان آخر.. فذهلت ، وسألته: - من المجاري؟ ماذا تعني يا ميميكو؟ - ألم أخرج من احشاء أمي؟ ودهشت وفكرت. ان شكسبير هو وحده الذي يستطيع في أفضل لحظاته الخلاقة أن يصف سر الولادة بمثل هذا التعبير الواقعي. سألته: كيف تقضي أيامك يا ميميكو؟ - كأي أمير من الأمراء، استيقظ صباحا وأكل كسرة من الخبز، وأؤدي جميع الأعمال التي يطلبها الناس مني، واجمع القمامة والروث، ثم اصطاد السمك.. انني أعيش مع عمتي، ندابة القرية.. وسوف تعرفها يوما ما.. الجميع يعرفونها.. وفي المساء أعود إلى البيت وأتناول بعض الحساء، وقطرة من النبيذ ان وجد، فاذا لم أجد شربت ماء حتى تمتلئ أمعائي.. - ألا تنوي الزواج يا ميميكو؟ - أنا؟ انني لست مجنونا لكي أبحث عن المتاعب.. المرأة تحتاج إلى أحذية.. فأين أجدها؟ انني أسير عاري القدمين كما ترى. - أليس لديك حذاء؟ - من تظنني؟ عندي حذاء طبعا، فقد مات رجل في العام الماضي فنزعت عمتي حذاءه من قدميه.. ولكني لا أنتعلهما الا في عيد الفصح، او عندما أذهب إلى الكنيسة، ومتى غادرت الكنيسة خلعتهما، ووضعتهما على كتفي، وعدت بهما إلى البيت. - وأي شيء تحبه أكثر من سواه يا ميميكو؟ - الخبز أولاً، وخاصة اذا كان ساخنا ومن القمح.. ثم النبيذ ثم النوم. - والمساء؟ - لا يهمني غير الطعام والشراب والنوم.. أما ما عدا ذلك فمتاعب. - والأرملة؟ - اذا أردت السلامة فابتعد عنها، وتنكب طريقها. - قال ذلك ورسم علامة الصليب على صدره. - هل تعرف القراءة؟ - انني لست غبيا إلى هذا الحد، عندما كنت صغيرا حملوني إلى المدرسة، ولكني كنت حسن الحظ، فأحسست بالتيفوس، وأصبحت أبلها.. وهكذا نجوت من المدرسة. وضاق زوربا بأسئلتي.. لم يكن يفكر في شيء آخر غير الارملة، فأمسك بساعدي، وتحول إلى ميميكو وامره ان يسبقنا ، ثم التفت إلي وقال: - أريد أن أحدثك في امر هام.. انني أعتمد عليك فلا تخذلني، ولا تخذل عنصر الرجال جميعا لقد بعث اليك الله بهذه القطعة المختارة من اللحم. وما دامت لك اسنان فانهش قطعة اللحم باسنانك. امدد يدك وخذها.. لماذا اعطانا الخالق هذه الأيدي؟ انه أعطانا اياها لكي نأخذ بها ما نريد.. فخذ هذه المرأة.. لقد رأيت في حياتي نساء كثيرات ولكني لم أرد أشد فتة من هذه الأرملة. فأجبته في غضب: - انني لا أريد المتاعب . وشعرت بالضيق، اذ كنت في قرارة نفسي قد اشتهيت ذلك الجسد القوي الذي مر بي كما تمر انثى الحيوان البري حين تبحث عن أليف.. وصاح زوربا في ذهول: - لا تريد المتاعب؟ ماذا تريد اذن؟ فلم أجبه. قال: - ان الحياة هي المتاعب، ولا متاعب في الموت.. هل تعرف ما معنى ان يعيش الانسان؟ معناه ان يشمر عن ساعديه ويبحث عن المتاعب. فلزمت الصمت. كنت أعلم ان زوربا على حق، ولكني لم أجرؤ على مصارحته بذلك. لقد سارت حياتي في اتجاه خاطئ، وكانت صلتي بالناس اشبه بحديث من جانب واحد.. وبلغ بي الأمر انني لو خيرت بين الوقوع في حب امرأة، وقراءة كتاب عن الحب، لاخترت الكتاب. واستطرد زوربا قائلا: - لا تحسب حساب شيء يا سيدي، دع الارقام وحطم الموازين، فهذا هو الوقت الذي ستنقذ فيه نفسك او تدمرها.. اصغ الي، خذ منديلا واطوه على جنيهين او ثلاثة، ولتكن جنيهات ذهبية، لأن أوراق النقد لا تبهر الابصار، وارسل ميميكو بالمنديل إلى الأرملة، وعلمه ان يقول لها: ان صاحب المنجم ويبعث اليك بتحيته، ويرجوك قبول هذا المنديل ولكن حبه أكبر من هديته، وانها اذا كانت قد فقدت نعجتها، فانه موجود وسيعوضك عنها.. لقد رآك عندما مررت بالمقهى فطار لبه، ولن يبرئه سواك. وعليك ان تضرب الحديد قبل ان يبرد، فتذهب إليها في المساء، وتدق بابها، وتقول لها انك ضللت الطريق في الظلام، وتسألها أن تعيرك مصباحا.. او تقول انك احسست بدورا فجائين وتطلب منها قدح ماء.. وأفضل من هذا وذاك، ان تبتاع نعجة تذهب بها اليها وتقول لها: ها هي نعجتك التي فقدتها يا سيدي.. لقد وجدتها لك". فتدعوك الارملة للدخول، لتعطيك الجائزة التي وعدت بها من بجد النعجة. فتدخل .. يا الهي!! انك ستدخل الجنة راكبا فرسا! اذا كنت تبحث عن الجنة فهذه هي.. لا تصدق ما يقوله رجال الكنيسة، فليست هناك جنة اخرى: ولا بد اننا اقتربنا من تلك اللحظة من حديقة الارملة، فقد تنهد ميميكو وراح يعبر عن شجونه بالاغنية الصبيانية التالية: النبيذ للكستناء، والعسل للجوز والفتاة للفتى ، والفتى للفتاة وتوقف زوربا عن السير فجأة، وتنهد، وسألني وهو ينظر في عيني: - ما قولك؟ وانتظر بفروغ صبر فأجبته في خشونة: - كفى. وأسرعت الخطى، فهز زوربا رأسه، وقال شيا لم أسمعه. وعندما بلغنا الكوخ جلس القرفصاء ووضع السانتوري على ركبتيه واحنى رأسه فوق دره، واستغرق في التفكير والتأمل. بدا عليه كأنه ينصت إلى أغنيات عديدة ليختار أجملها، وأخيرا حزم أمره، وبدأ يعزف أغنية رقيقة مؤثرة، وكان ينظر الى من ركن عينه بين وقت وآخر حتى شعرت انه يحاول ان يقول بالسانتوري ما لا يجرؤ على التعبير عنه بالكلام، وهو انني أبدد حياتي وأضيعها هباء. واني والارملة حشرتان تعيشان بضع ثواني تحت الشمس ثم تموتان ويتقلص ظلهما الى الابد. واخيرا، نهض زوربا واقفا ولعله أدرك فجأة انه يتعب نفسه بلا فائدة.. فاستند إلى الجدار وأشعل لفافة تبغ وقال: - سأذكر لك الان شيا قاله لي رجل من أهل سالونيك.. سأقوله حتى ولو لم يسفر عن نتيجة. كنت في وقت ما بائعا جائعا في مقدونيا، وكنت أزور القرى لأبيع الابر والخيط والتوابل.. وكان لي صوت عذب كصوت البلبل، ولعلك تعلم ان بعض النساء يفتنهن الصوت الجميل.. وأي شيء لا يفتن أولئك الفاجرات.. الله وحده يعلم ما في صدورهن.. انك قد تكون دميما كالاثم، وقد تكون اعرجا او احدبا.. فاذا كان صوتك جميلا رغم ذلك، وكان في استطاعتك ان تغني.. فان النساء يتهالكن عليك. حتى لتحار ايهن تختار. وكنت أنادي على بضاعتي في سالونيك! وأطوف بها في الحي التركي. ويبدو ان ابنه أحد الباشوات فتنها صوتي، فهجر النوم جفونها، ولما لم تطق صبرا، ارسلت خادمها العجوز في طلبي. ولحق بي الشيخ وقال لي: تعال معي ايها الرومي. فسألته: - إلى أين تريد أن تأخذني. - ان فتاة كالنبع العذب هي ابنة أحد الباشوات تنتظرك في غرفتها فتعال معي ايها الرومي الشاب. ولكني كنت اعلم انهم يذبحون المسيحيين ليلا في الحي التركي فقلت له: - كلا.. لن أذهب معك. - ألا تخاف الله؟ - لماذا؟ - لأن من يستطيع النوم مع امرأة ولا يفعل، يرتكب اثما عظيما يعاقبه الله عليه يوم القيامة وتكون جهنم مصيرة. وتنهد زوربا واردف قائلا: - اذا كانت هناك جهنم فسأذهب إليها لهذا السبب.. ليس لأنني سرقت وقتلت وارتكبت المنكر، وانما لأنني ذات ليلة في سالونيك رفضت الذهاب إلى امرأة تنتظرني في فراشها. وأشعل زوربا الموقد، وبدأ يطهو الطعام وهو ينظر إلي من ركن عينه ويبتسم في سخرية: وأخيرا هز كتفيه وتمتم قائلا: - انني كمن يدق باب رجل أصم.


الفصل التاسع

بدأ النهار يزداد قصراً، والضوء يزداد خفوتاً، والقلوب تضطرب قلقاً كلما أقبل المساء، وبدأ يخامرنا ذلك الهلع الفطري الذي كان يستولي على أسلافنا في شهور الشتاء كلما رأوا الشمس تعجل بالغروب يوما بعد يوم، ولعلهم كانوا يقولون لأنفسهم في يأس، (غدا ستذهب الشمس إلى الأبد) ثم يقضون الليل فوق الجبال وهو يرتجفون خوفا وجزعا. وكان شعور زوربا بالقلق أعمق وأكثر بدائية من شعوري ولكي يهرب من هذا الشعور، كان يقضي في سراديب المنجم أطول وقت ممكن فلا يغادرها الا اذا تألقت النجوم في السماء. وكان قد وقع في أحد السراديب على نوع جيد من الفحم . نوع قليل من الرماد غني بالطاقة الحرارية، وسره ذلك وأثلج صدره.. فقد كان عقله يطور أرباحنا تطويراً عجيباً ويحولها إلى رحلات ونساء ومغامرات جديدة.. كان ينتظر بفروغ صبر ذلك اليوم الذي تجتمع لنا فيه ثروة ضخمة، وتصبح أجنحته – هكذا كان يسمي النقود – كبيرة.. لكي يطير ويحلق في الفضاء.. ولهذا كان يقضي الليالي بطولها في اختبار أنموذجه المصغر للسلك الهوائي، للبحث عن الانحدار المناسب لتحرك جذوع الاشجار ببطء من قمة الجبل إلى الشاطئ. وفي أحد الأيام، تناول ورقة كبيرة وبعض الأقلام الملونة.. ورسم الجبل والغابة، وجذوع الاشجار المعلقة بالسلك الهوائي وهي تنحدر، وجعل لكل جذع جناحين، ثم رسم في الخليج الصغير زوارق سوداء وبحارة يرتدون ثياباً خضراء كالببغاوات، ووضع في الزوارق كتلا صفراء من جذوع الشجر، ورسم راهبا في كل من اركان الورقة الأربعة وكتب أمام فم كل راهب بحروف سوداء كبيرة: تبارك الخالق وما خلق. ولاحظت خلال الأيام الأخيرة أن زوربا يشعل الموقد على عجل، ويعد الطعام ويتناول عشاءه بسرعةن ثم ينطلق إلى القرية، ويعود بعد فترة زائغ البصر مقطب الجبين، فاذا سألته: أين كنت يا زوربا؟ أجاب: - دعنا من ذلك. ويغير مجرى الحديث. وفي احدى الامسيات، كان المطر يهطل مدارا، ونحن أمام الموقد نتدفأ ونشوي بعض الكستناء، حين تحول زوربا إلي، وراح يجحدني بنظرة فاحصة طويلة، كما لو كان يحاول اماطة اللثام عن لغز عويص. ويبدو أن المحاولة أرهقته، لأنه ما لبث أن قال: - ليتني أعرف ماذا يحببني إليك.. لماذا لا تمسك بأذني وتلقي بي إلى الخارج؟ انني سأفسد أعمالك وأجلب عليك الدمار، فالق بي إلى الخارج وانفض يدك مني. فأجبته: - أنا أحبك، وهذا يكفي. - ولكن ألا ترى أن عقلي ليس له الوزن المناسب؟ ربما كان أثقل أو أخف وزناً مما ينبغي، ولكن ليس له الوزن المناسب، سأقول لك الان شيئا أرجو أن تفهمه، انني لم أعرف للراحة طعماً طيلة الأيام الأخيرة بسبب الأرملة.. وأرجوك ألا تسيء فهمي، فأنا لا أريدها لنفسي ولن أمسها لأنني لست من طرازها.. ولكني لا أريد أن يخسرها الجميع ولا أريد أن تنام وحدها. فذلك ليس من الصواب. انني أطوف بحديقتها كل ليلة وهذا سر رحلتي إلى القرية كل مساء فهل تعرف لماذا؟ - كي أرى ما اذا كان هناك من ينام معها، ليرتاح بالي وتطمئن نفسي. فضحكت. قال: - لا تضحك. اذا نامت امرأة وحدها فالذنب ذنبنا نحن الرجال وسوف نحاسب عليه في يوم الدينونة. وصمت لحظة ثم سأل فجأة: هل يمكن أن يعود الانسان إلى الدنيا بعد أن يموت؟ - لا أظن ذلك يا زوربا. - وذلك هو رأيي، ولكن اذا قدر للانسان أن يعود، فأكبر الظن أن أولئك الذين تخلفوا عن وظائفهم كرجال ونساء سوف يعودون إلى الدنيا على شكل بغال.. ومن يدري، فلعل جميع البغال التي نراها في هذه الدنيا هي الرجال والنساء الذين تخلوا عن واجباتهم، ولهذا نراهم دائما يرفسون.. فما رأيك في ذلك؟ فأجبت ضاحكا: - رأيي أن عقلك أقل وزنا مما يجب.. هلم إلى السانتوري يا زوربا. - معذرة يا سيدي.. أنني لن أعزف الليلة.. واذا كنت قد أسرفت في أحاديثي السخيفة فهل تعلم لماذا؟ لأنني أحمل هموم الدنيا بسبب السرداب الجديد.. وهأنتذا تتحدث عن السانتوري. وأخرج الكستناء من الموقد، وملأ القدحين بالعرق. قلت: - أسأل الله أن يرجح كفة الميزان اليمنى على كتفه اليسرى. فقال زوربا: - بل لترجح الكفة اليسرى.. ان رجحان اليمنى لم يفدنا شيئاً حتى الآن. وافرغ الشراب في جوفه وقال . - سأحتاج غدا إلى كل ذرة من قواي لأناضل آلاف الشياطين.. طاب مساؤك. وخرج زوربا إلى المنجم في اليوم التالي مع أول خيوط الفجر. وكان العمال قد شقوا السرداب الجديد فتسرب الماء من جدرانه وسقفه ووجد الرجال أنفسهم يخوضون في أوحال سوداء، فأحضر زوربا بعض جوع الأشجار لدعم جدران السرداب وسقفه. ولكنه كان قلقا، فقد أحس بغريزته التي جعلته يشعر بكل ما يصيب السرداب كما لو كان السرداب جزءا من جسده، بأن جذوع الأشجار وشرائح الخشب ليست من القوة كما ينبغي أن تكون، وسمع قرقعة خفيفة لم تسمعها اذن أخى، توحي بأن سقف السرداب يئن من ثقل ما يحمل. وثمة شيء آخر أشاع القلق في نفس زوربا في ذلك اليوم. فإنه ما كاد يهم بدخول السرداب حتى مر به قس القرية، الأب ستيفانوس، ممتطيا بغلته، وهو في طريقه إلى راهبة تحتضر، ومن حسن الحظ أن زوربا وجد متسعا من الوقت لكي يبصق على الأرض ثلاث مرات قبل أن يتحدث إليه القس. قال رداً على تحية القس: - طاب يومك أيها الأب. ثم أردف بصوت خافت: - ولتهبط لعنتك على. وظن أنه بذلك قد وقى السرداب الجديد من شر القس وحسده. وكان جو السرداب مثقلاً برائحة الفحم والاسيتيلين، وكان العمال قد بدوا فعلا في دعم السقف وتقويته بالاعمدة التي تحمله، فألقى عليهم زوربا تحية الصباح ثم شمر عن ساعديه، وبدأ العمل. وأخذ بعض العمال في تحطيم كتل الفحم، بينما شرع البعض الآخر في وضعه بالعربات تمهيدا لنقله إلى الخارج. وفجأة ، وقف زوربا عن العمل، وأمر العمال أن يحذوا حذوه وأرهف أذنيه. وكما يفني الفارس في جواده، والربان في سفينته، كذلك أصبح زوربا قطعة من المنجم، يشعر بكل تشعب فيه كما يشعر بنبض كل شريان في جسده. فبعد أن أرهف أذنيه الكبيرتين، أرسل بصره إلى جوف السرداب. وفي هذه اللحظة وصلت إلى المنجم.. فقد استيقظت فجأة وأنا متوجس، وكأن يدا خفية تدفعني، فارتديت ثيابي على عجل، وأسرعت بالخروج دون أن أعلم لماذا أسرع. أو إلى أين أذهب، ولكن قدماي حملتاني دون تردد في الطريق إلى المنجم ووصلت إليه في اللحظة التي كان فيها زوربا يصيخ السمع وينظر حوله في قلق. قال بعد لحظة: - لا شيء.. ظننت ان.. ولكن لا بأس.. إلى العمل يا رجال. ودار على عقبيه ورآني وقلب شفته.. - ماذا تفعل هنا في هذا الوقت المبكر؟ واقترب مني واستطرد قائلا في همس: - لماذا لا تذهب لتستنشق بعض الهواء النقي؟ يمكنك أن تأتي في يوم آخر. - ماذا حدث يا زوربا؟ - لا شيء، لقد تخيلت أشياء.. ولعل السبب أن أول انسان وقع عليه بصري اليوم كان قسا.. اذهب. - اذا كان هناك خطر .. أفلا يكون من العار أن أذهب؟ - نعم. - أترحل أنت؟ - كلا. - اذن؟ - ان ما يجب أن يفعله زوربا شيء.. وما ينبغي أن يفعله الآخرون شي آخر.. ولكن اذا كان من العار أن ترحل، فابق.. فهذه جنازتك. وتناول معولا، ونهض على أصابع قدميه ليدق مسمارا في السقف، بينما حملت مصباحا وخضت في الوحل لألقي نظرة على كتل الفحم اللامعة. كانت هناك غابات شاسعة ابتلعتها الأرض منذ ملايين السنين وأحالت أخشابها فحما.. ثم جاء زوربا و .. وأعدت المصباح إلى مكانه بالجدار ووقفت أرقب زوربا وهو يعمل. كان منصرفا إلى عمله.. مستغرقا فيه بكل حواسه.. فهو لا يفكر في أي شيء آخر.. وهو والأرض والمعول والفحم شي واحد، وقد اتحد مع المطرقة والمسامير في نضال ضد شرائح الخشب ليقوم السقف المنبعج.. وهو يعالج جدار الجبل ليخرج الفحم بالقوة تارة وبالحيلة تارة أخرى، ويضرب بمعوله في المواضع الضعيفة التي يمكن التغلب عليها.. ويصدر في كل ذلك عن احساس غريزي لا يخطئ أبدا. رأيته وقد اكتسى بالوحل والتراب الأسود، فلم يبق ظاهرا منه إلا بياض عينيه، وخيل إلي أنه قد لجأ إلى التمويه وتنكر في صورة كتلة من الفحم حتى يستطيع مهاجمة غريمه على غرة منه، والانقضاض عليه في عقر داره. ولم أستطع كتمان اعجابي فهتفت: - أحسنت صنعا يا زوربا.. ولكنه لم يحاول أن ينظر إلي أو يحدثني، وكيف كان يمكنه في تلك اللحظة ان يتحدث إلي عن كثب، أيؤثر القلم والورق على المعول والفأس؟ ونظرت إلى ساعتي. كانت الساعة قد بلغت العاشرة فقلت: - لقد حان وقت الراحة أيها الأصدقاء. وعلى الفور، ألقى العمال بأدواتهم إلى أحد الأركان. وجففوا العرق المتصبب على جباههم، وتأهبوا لمغادرة السرداب. وكان زوربا لا يزال مستغرقا في العمل فلم يسمعني.. ولو سمعني لما تحرك قيد أنملة. وفجأة، أرهف زوربا أذنيه مرة أخرى، وظهرت على وجهه دلائل القلق. فقلت أحدث العمال: صبرا لحظة.. ريثما أقدم لكم بعض السجائر. فدار العمال بي، بينما أخذت أبحث في جيوبي عن علبة السجائر. وفي هذه اللحظة، كف زوربا عن عمله وألصق أذنه بجدار السرداب، ورأيته على ضوء المصباح يفغر فاه دهشة.. فصحت به: - ماذا هنالك يا زوربا. وقبل أن يجيب، حدثت فرقعة فوق رؤوسنا فصاح زوربا بصوت أجش: - اخرجوا جميعا.. اخرجوا. فانطلقنا نعدو نحو فوهة السرداب، وما كدنا نتجاوز السقالة الاولى حتى دوت فرقعة أخرى فوق رؤوسنا. وكان زوربا قد حمل جذع شجرة ضخم، وراح يحاول أن يسند به السقف المتداعي، ولو نجح لاتاح لنا بضع ثوان قد نتمكن فيها من الفرار. وصاح زوربا مرة اخرى: - اخرجوا. ولكن صوته في هذه المرة كان خافتا مختنقا كأنه صادر من بطن الارض. وبالجبن الذي يصيب الناس عادة في لحظات الخطر. اندفعنا جميعا نحو فوهة السرداب، وقد نسينا زوربا تماما. ولكني توقفت بعد بضع ثوان، وعدت ادراجي إلى السرداب وأخذت اصيح: - زوربا.. زوربا. توهمت أنني أصيح، ثم أدركت أن الخوف قد خنقني، وأن صوتي لم يغادر حنجرتي وأحسست بالخجل، فوثبت نحو زوربا ومددت له يدي. وكان قد فرغ لتوه من دعم السقف وبدأ يعدو في الظلام طلبا للنجاة فاصطدم بي، وأحاط كل منا صاحبه بساعديه. وصاح زوربا: - يجب أن نخرج.. اخرج.. وانطلقنا نعدو بأقصى سرعة حتى وصلنا إلى الفوهة. وكان العمال قد اجتمعوا عندها والرعب يملأ نفوسهم. وما أن رأينا ضوء النهار، حتى سمعنا فرقعة ثالثة، أشبه بصوت شجرة تنكسر في العاصفة. اعقبها دوي كقصف الرعد هز المنطقة كلها.. وانهار السرداب. وهتف بعض الرجال وهم يرسمون علامة الصليب على صدورهم: - يا الهي. بينما صاح زوربا في غضب: - أرى أنكم تركتم معاولكم هناك. فصمت الرجال، وصاح زوربا ثانية: - لماذا لم تأخذوا الأدوات معكم؟ فقلت له: - ليس هذا وقت البكاء على الأدوات يا زوربا، دعنا نحمد الله على أن الرجال نجوا بأنفسهم.. شكرا لك يا زوربا اننا جميعا ندين بحياتنا لك. فقال زوربا: - ان ما حدث جعلني أشعر بالجوع. وتناول حقيبة، وكان قد تركها فوق صخرة بالقرب من المنجم ففتحها، وأخرج منها خبزا وزيتونا وبصلا، وقليلا من النبيذ. وقال وفمه مملوء بالطعام: - هلموا يا رجال.. دعونا نأكل. وراح يأكل بنهم، دون أن ينطق بكلمة، ثم رفع اناء النبيذ إلى فمه، وشرب كل ما به. وأفرغ روع العمال، واستردوا شجاعتهم ورباطة جأشهم، فحملوا طعامهم وجلسوا على الأرض حول زوربان وراحوا يأكلون دون أن يحولوا ابصارهم عنه. كان بودهم أن يلقوا بأنفسهم على قدميه.. وان يقبلوا يديه.. ولكنه عرف بينهم بالشدة وغرابة الأطوار فلم يجرؤ أحدهم على الدنو منه. وأخيرا جميع ميشيل – أكبر العمال سنا – أطراف شجاعته وقال محدثا زوربا: - لولاك لأصبح أولادنا الآن أيتاماً أيها السيد اليكسيس. فقال زوربا والطعام في فمه: - صه. ولم يجرؤ أحد بعد ذلك على الكلام.


الفصل العاشر

من اذن خلق هذه المتاهة، هذا الصرح الذي يمثل الغطرسة والقحة، هذا الحقل الذي ينبت آلاف الخدع، هذا الباب الذي يؤدي إلى الجحيم، هذه السلة الملية بالدهاء، هذا السم الذي له مذاق العسل، هذه الأصفاد التي تغل البشر بالأرض المرأة. وفي بطء وصمت، أخذت أسجل هذه الأغنية البوذية وأنا جالس على الأرض أمام الموقد. كانت هذه الأغنية وأمثالها هي بعض التعاويذ التي حاولت بها أن أطرد من ذهني صورة مغرية لامرأة مثيرة، قد بلل ماء المطر ثوبها فألصقه بجسدها وأبرز مفاتنها... امرأة ظلت تلح على خيالي وتتهادي أمام عيني جيئة وذهابا ليلة بعد ليلة، طيلة الشتاء. والواقع، انني منذ حادث انهيار السرداب الذي كاد يودي بحياتي، كنت أشعر بالارملة في دمي، وكانت تدعوني كما تفعل اناث الحيوان وتقول لي في الحاح وعتاب: - تعال.. تعال.. ان الحياة تمر كومضة البرق. فتعال قبل فوات الاوان.. كانت تملأ الجو حولي في وحدتي، وتمر أمامي بلا انقطاع ، لتغريني بمفاتن جسدها، وكنت أقاوم الاغراء في النهار بقوة ارادتي ويقظة عقلي، ولكن ما أن يقبل الليل حتى تنهار ارادتي، ويلقي عقلي سلاحه، وتفتح الابواب.. وتدخل الارملة. وهكذا كنت أستيقظ كل صباح خائر القوى مغلوبا على أمري، لكي أبدأ النضال من جديد.. وكنت أقول لنفسي: انني لست وحدي، فهناك قوة أخرى تخوض المعركة معي.. هي ضوء النهار.. هذا الضوء ينتصر تارة ويهزمه ظلام الليل تارة أخرى.. ولكنه لا ييأس.. وأنا أناضل وآمل مع ضوء النهار. ولا بد أن يكون زوربا قد لاحظ بذكائه الفطري أي شيطان كنت أناضل، فقد قال لي في ليلة عيد الميلاد: - فيم تفكر؟ انك على غير ما عهدتك. فتظاهرت بأنني لم أسمعه ولكنه لم يكن الرجل الذي يتراجع بسهولة. قال: - انك لا تزال في مقتبل العمر.. ثم أردف في غضب ومرارة: - انك شاب قوي البأس تأكل جيدا وتشرب جيدان وتستنشق هواء نقيا، وتختزن قوة هائلة فماذا تصنع بها؟ انك تنام وحدك كل ليلة، وهذا ضار بمن كان مثلك.. فاذهب إليها الليلة ولا تضيع الوقت، كل شيء في هذه الدنيا بسيط، فلا تعقد الأمور.. فأخذت اصغي إليه، وأقلب صفحات كتابي عن بوذا وأصفر بفمي لاخفي مشاعري. ولاحظ زوربا أني لا أريد الاجابة فصاح: - الليلة يا صديقي هي ليلة عيد الميلاد، فأسرع إليها قبل أن تغادر بيتها إلى الكنيسة. فقلت له في ضجر: - كفى يا زوربا.. ان لكل انسان ميوله الخاصة.. والانسان كالشجرة. فهل تشاجرت مع شجرة يوما ما لانها لا تثمر؟ بحسبنا هذا الآن.. لقد كاد الليل ان ينتصف فهلم بنا إلى الكنيسة. فقال زوربا في يأس وهو يضع قبعته على رأسه: - حسنا اذن، هلم بنا إلى الكنيسة.. كانت السماء صافية تماما والنجوم تبدو كبيرة متدلية من السماء ككرات من نار بينما بدا الليل كوحش أسود كبير يجثم على طول الشاطئ. وازدحمت الكنيسة الدافئة بالقرويين ، فوقف الرجال في المقدمة أمام النساء، وعقد الجميع أيديهم فوق صدورهم.. بينما أخذ الأب ستيفانوس بقامته الطويلة، وثوبه الموشى بالذهب، ووجهه الشاحب بعد صيام أربعين يوما. يروح ويغدو بخطى واسعة، ويترنم بأعلى صوته، وبسرعة ، لكي يعود على عجل إلى بيته، حيث تنتظره مائدة مثقلة بالحساء والشواء وسائر الاطعمة الشهية.. ولو لم تقل الكتب المقدسة ان النور ولد في مثل هذه الليلة لما نشأت الاسطورة وملأت الدنيا.. ولمر الحادث كأية ظاهرة طبيعية عادية، دون أن يلهب الاخيلة.. ولكن النور الذي ولد في صميم الشتاء أصبح طفلا، والطفل أصبح الها دانت له النفوس والارواح عشرين قرنا. وغادرنا الكنيسة إلى فندق مدام هورتنس، حيث كانت في انتظارنا مائدة حافلة بالطعام والشراب. وكانت الغانية العجوز ترتدي غلالة طويلة ذات لون باهت وقد عقدت شعرها خلف رأسها، وأحاطت عنقها المجعد بشريط من الحرير الأصفر، وضمخت جسدها في سخاء بعطر زهور البرتقال. وأجال زوربا البصر حوله ثم همس في اذني قائلا: - لكن الظن أن العجوز لن تطلق سراحي الليلة..

وكان الوقت فجرا عندما غادرتهما في المخدع الصغير الدافئ، وسرت في طريقي إلى الكوخ. كنت سعيدا ، وقلت لنفسي هذه هي السعادة الحقيقة ان يعيش الانسان بلا مطامع ويعمل ويكد كأن له ألف مطمع وان يحب الناس ويعمل لخيرهم دون أن يكون في حاجة اليهم وان يأكل ويشرب ويشترك في أعياد الميلاد دون أن يتورط في المتاعب او يقع في الفخاخ.. وان يسير على الشاطئ والنجوم فوقه، والبحر إلى يمينه والأرض إلى يساره وأن يشعر بأن الحياة قد انجزت معجزتها الكبرى فصارت قصة من وحي الخيال. ومرت الأيام، وحاولت أن اصطنع المرح، رغم الحزن الذي كنت أشعر به في قرارة نفسي.. فقد أزال أسبوع الاعياد الغابر عني كثير من الذكريات. ذكريات عن موسيقى بعيدة، وأناس أحببتهم.. وراعني صدق العبارة القديمة التي تقول : ان قلب الانسان حفرة مليئة بالدم، واولئك الاحباب الذين ماتوا يلقون بأنفسهم على حافة الحفرة وينهلون من الدم، وهكذا يعودون إلى الحياة وكلما كان حبكم لهم عظيما زادت الكمية التي ينتهلونها من دمك. وفي صباح اول يوم من العام الجديد. فتحت عيني على زوربا وهو يدق رمانة بباب الكوخ.. وانشقت الرمانة وتناثرت بذورها كحبات الياقوت الصافي الاديم، وسقط بعضها على الفراش.. فتناولت بضع حبات وأكلتها وشعرت بانتعاش. قال زوربا: عام سعيد يا صديقي.. ارجو أن يزخر بالمال والنساء ثم اغتسل وارتدى ثيابه ومعطفه الروسي وفتل شاربيه. - سأذهب الان إلى الكنيسة بصفتي ممثلا للشركة التي تستغل المنجم ، فليس من مصلحة العمل ان يظن القرويون اننا من المفكرين الاحرار.. ان ذلك لن يكلفني شيئا، فضلا عن انه وسيلة لقضاء الوقت. ثم انحنى فوقي وقال وهو يغمز بعينه: - ومن يدري.. فربما اجد الارملة هناك. وسمعت وقع خطاه وهو يبتعد، وعاودني الاحساس بالوحدة، فنهضت وارتديت ثيابي، وخرجت الى الشاطئ. وكان الجو صافيا، والهوا باردا فسرت في الطريق إلى الشاطئ وأنا أسائل نفسي: ترى من سيكون اول انسان التقي به في هذا اليوم الاول من العام الجديد؟ آمل أن يكون طفلا يحمل بين يديه كومة من الهدايا، أو شيخا أشيب الشعر، يرتدي قميصه الابيض المزركش، ويمشي في كبر وخيلاء لأنه أدى واجبه في الحياة بشجاعة. وفجأة أحسست بيداي ترتجفان.. فقد رايت الارملة بخصرها النحيل وجسمها المثير، ومرتدية ثوبا أحمر، وعلى رأسها منديل أسودن وهي تسير بخطى نشيطة في الطريق إلى القرية. كانت تنساب ف رشاقة الفهد الاسود. ووددت لو أستطيع الفرار.. أحسست بأن هذا الوحش لن يعرف الرحمة اذا غضب ، وأن أفضل وسيلة لاتقاء خطره.. هي الفرار.. ولكن كيف؟ كانت الارملة تقترب بسرعة، والحصى يصطك تحت قدميها كما لو كان جيشا برمته يسير فوقه. وأبصرت بي وهزت رأسها – فانزلق المنديل وظهر شعرها اسود لامعا كخافية الغراب. وألقت إلي نظرة مغرية وابتسمت.. وكانت في عينيها عذوبة غير مألوفة. وبسرعة اعادت وضع منديلها على رأسها وكأنما اخجلها ان أرى سرا من أخص أسرار المرأة، وهو شعرها.. وأردت ان اتحدث اليها، واتمنى لها عاما سعيدا، ولكن الكلمات احتبست في حلقي كما احتبست يوم انهار السرداب وكانت حياتي في خطر. وعبث النسيم باعواد النبات التي تحيط بحديقتها، وسقطت أشعة الشمس على ثمار الليمون والبرتقال. وازدهرت الحديقة أمام عيني حتى بدت كقطعة من الجنة. وتوقفت الارملة عن السير ومدت يدها، وفتحت باب الحديقة ومررت بها في هذه اللحظة فانثنت ونظرت إلي. وتركت الباب مفتوحا، وسارت بين أشجار البرتقال، وهي تهز ردفيها. أي رجل في مثل هذا الموقف، كانت يجب ان يغلق الباب، ويلحق بها. أو أن هذا ما كان يفعله جدي.. وما أرجوه أن يفعله حفيدي. أما أنا فقد جمدت في مكاني لازن الامور وافكر. ثم ابتسمت بمرارة وتمتمت قائلا: - قد اتصرف خيرا من ذلك اذا قدر لي ان أعيش في عالم آخر. وأحسست بالبرد، ومرت بجسدي رعدة. وعبثا حاولت أن أطرد الارملة من مخيلتي، وأن أنسى حركة ردفيها، وابتسامتها وعينيها وصدرها. كلها ظلت ماثلة أمامي حتى شعرت بأنني اختنق. ولم تكن الاشجار قد اورقت بعد، ولكن أغصانها كانت تنبض بماء الحياة، حتى لتحس بأن وراء كل نتوء ورقة. كانت معجزة الربيع الكبرى تتحفز سرا في صمت، ليلا ونهار، وفي وسط الربيع.. لكي تفجر الزهور والثمار من الخشب الجاف. وتركت الطريق وجلست تحت احدى الاشجار. ولم أفكر في شيء وأحسست بالسعادة كما لو كنت أجلس تحت شجرة في الجنة.. إلى أن سمعت صوتا يقول فجأة: - ماذا تفعل هنا يا سيدي. انني بحثت عنك في كل مكان وقد انتصف النهار او كاد.. ألم تشعر بالجوع؟ أم لعلك نسيت الخروف الصغير الذي ينتظر في الفرن؟؟ ان رائحة الشواء تثير لعابي! فهلم بنا. كانت حاجات الرجل الاساسية، الطعام والشراب والنساء والرقص، لا تبارح ذهنه ابدا. وكان يلوح في يده بحزمة ملفوفة بالورق الأحمر ومحزومة بخيط ذهبي فسألته وأنا أبتسم: - أهذه هدية السنة الجديدة؟ فضحك ليخفي تأثره، وأجاب: - أنا اردت ألا أدع للمرأة المسكينة سبيلا للشكوى.. وحتى تذكر عصرها الذهبي الذي مضى. أليست امرأة، أليس من شيم المرأة البكاء على مصيرها.. - هلم بنا.. وعندما دنونا من القرية، اقترب زوربا مني وقال بصوت خافت: - لقد رأيتها في الكنيسة يا سيدي. كنت واقفا في الصف الأول عندما اضاءت الايقونات فجأة، وتألق النور في كل مكان فقلت لنفسي، ماذا حدث؟ هل دخلت الشمس الكنيسة؟ ونظرت حولي، واذا بي أرى الارملة. فقلت وأنا أوسع الخطى. - بحسبك هذا يا زوربا.. وكفى. ولكنه أسرع ورائي ومضى يقول: - لقد رأيتها عن كثب.. ورأيت الخال على خدها ، فطار لبي. وهذا الخال يا سيدي !! انه كذلك لغز من الالغاز العويصة. تكون البشرة لينة وناعمة، ثم فجأة تظهر بها نقطة سوداء، تصبح خالا يذهب بصوابك.. ماذا تقول الكتب في ذلك يا سيدي؟ - لتذهب الكتب إلى الشيطان. فضحك زوربا وصاح: - هذا كلام جميل.. الآن بدأت تفهم.

وكانت مدام هوريتش قد فرغت من طهو الحمل ووقفت بالباب تنتظرنا. كانت كالعهد بها، تحيط عنقها بذلك الشريط الاصفر المقيت، وتضع ، على وجهها وشفتيها اكداسا من المساحيق والدهون، وتحرص بذلك على ان تجعل من نفسها شيئا يثير الاشمئزاز.. وأبصرت المرأة بنا فبدا السرور على جسمها كله ورقصت عيناها في محجريهما واستقرتا على شارب زوربا. وأغلق زوربا الباب، واحتوى الغانية العجوز بين ساعديه وهو يصيح: - عام سعيد يا بوبولينا.. انظري ماذا أحضرت لك!! وما ان أطلقها زوربا حتى اختطفت الحزمة وفضتها وافلتت من فمها صيحة فرح. فانحنيت الى الامام لارى الهدية. كانت عبارة عن قطعة سميكة من الورق الكرتون.. رسم عليها زوربا بالالوان اربع بوارج ضخمة ترفرف عليها الاعلام.

وفوق الامواج، بين البوارج الاربع، صورة امرأة يتطاير شعرها في الهواء.. والمرأة تشبه مدام هورتنس بكل قسمات وجهها وجسمها، وبالشريط الاصفر الذي يحيط عنقها، وقد امسكت بزمام اربعة خيوط ثبتت اطرافها باربع بوارج ترفرف عليها الاعلام الانجليزية والروسية والفرنسية والايطالية، بينما برزت في أربعة اركان اللوحة اربع لحى، سوداء وشقراء وحمراء وشهباء. وفهمت الغانية معنى الصورة على الفور وصاحت وهي تشير باصبعها إلى المرأة في اللوحة: - هأنذا. وتنهدت، وقالت في شيء من الخيلاء: - لقد كنت في وقت ما قوة عظمى. ورفعت مرآة صغيرة كانت مثبتة بالجدار على مقربة من قفص الببغاء، ووضعت اللوحة مكانها. وكان زوربا قد تسلل إلى المطبخ. فجاء بالحمل المشوي وزجاجة نبيذ، وملأ الأقداح ثم صفق بيديه وصاح: - إلى الطعام. ثم التفت إلى الغانية واستطرد: - المعدة أولا، وبعد ذلك نهتم بما عداها. ولكن الغانية العجوز عكرت الجو بتنهداتها. كانت بداية كل عام جديد بمثابة يوم الدينونة بالنسبة اليها.. وكلما انصرم عام، نظرت وراءها، واستعرضت ماضيها، وبعثت من قيود ذاكرتها.. ذكريات مدن كبرى، وملابس حريرية، وزجاجات شمبانيا.. وذكريات مدن كبرى، وملابس حريرية، وزجاجات شمبانيا، ولحى معطرة. غمغمت قائلة: - لا رغبة لي في الطعام.

ونهضت الى الموقد فركعت امامه. وراحت تحرك النار بينما جلس زوربا مترددا بين المضي في تناول الطعام الشهي دون ان يعبأ بها، أو مواساتها بكلمة طيبة ترد عليها بهجتها وقابليتها للطعام. واتخذ قراره آخر الأمر فحثا بجانبها وقال يلاطفها : - اذا لم تأكلي يا ساحرتي الصغيرة انتهى كل شيء.. فرحمة بالحمل الوديع، والتهمي هذه القطعة منه. ودس في فمها قطعة من اللحم، ثم أحاطها بساعديه وانهضها وأجلسها بيننا. ومسحت المرأة عينيها الحمراوين بظاهر يدها وأقبلت على الطعام. وقال زوربا وهو يرفع قدحه: - نخب صحتك يا بوبولينا.. اسأل الله أن يهبك في هذه السنة بعض الأسنان الجديدة.. وأن يملأ حاجبيك بالشعر الكثيف، وان يهديك إلى التخلص من هذا الشريط المزعج الذي تحيطين به عنقك، وأن تقوم في كريت ثورة جديدة حتى تعود اليك بوارجك الاربع، ومع كل بارجة اميرال بلحية معطرة، وان تسبحي فوق قمم الامواج مرة أخرى ويرتفع صوتك العذب.. وان تتحطم البوارج على هاتين الصخرتين البارزتين. قال ذلك ومد يده الضخمة إلى صدرها المترهل، فتنهدت المرأة وقالت: - هل يمكن ان يحدث ذلك يا زوربا، ان الشباب اذا ذهب لا يعود.. - اصغ إلي يا صغيرتي، لأحدثك عن الهدية التي سأقدمها اليك.. لقد ظهر طبيب جديد يقوم ببعض المعجزات.. انه يعطيك جرعة من دواء فتعودين إلى سن العشرين، او الخامسة والعشرين على أسوأ تقدير.. لا تبك ايتها العزيزة، فقد ارسلت إلى أوروبا في طلب هذا الدواء. فبهتت الغانية، وأحاطت عنق زوربا بساعدها، وقالت وهي تحتك به كما تفعل الهرة. - شكرا لك ألف شكر.. اذا كان الدواء سائلا فاطلب ملء زجاجة كبيرة، واذا كان مسحوقا.. - واذا كان مسحوقا فسأطلب ملء زكيبة. وجلست الغانية على ركبتي زوربا والقت برأسها على كتفه وتنهدت. كانت قد أسرفت في الشراب وثملت.

وسألها زوربا: - فيم تفكرين يا بوبولينتي المحبوبة؟ - في الاسكندرية وبيروت والقسطنطينية.. في الاتراك والشوارب الطويلة والطرابيش الحمراء. وتنهدت مرة أخرى، وازالت الغبار عن ذكرياتها.. قالت: - عندما كان علي بك يقضي سهرة عندي، كان الموسيقيون يعزفون في فناء البيت وكان علي بك يلقي اليهم حفنات من النقود ليعزفوا حتى الفجر.. وكان جيراني يسمعون الموسيقى ويتميزون غيظا ويقولون في حسد: أن علي بك عندها. وفي القسطنطينية، لم يكن سليمان باشا يسمح لي بمغادرة بيته في أيام الجمعة، خوفا من ان يراني السلطان وهو في طريقه الى في أيام الجمعة، خوفا من ان يراني السلطان وهو في طريقه الى المسجد فيبهره جمالي ويختطفني.. وكان كلما خرج إلى عمله في الصباح، أمر ثلاثة من الاغواث بملازمة بابي، ليمنعوا أي رجل من دخول غرفتي.. آه .. تلك الأيام .. ما كان أجملها !! وتضايق زوربا وتخلص من المرأة بأن أجلسها على مقعد بجواره، وكانت هناك قطتان تموءان وتتشاجران في الخارج فتناول زوربا عصاه وانطلق إلى الخارج، فصحت به ضاحكا: - من ستضرب بعصاك يا زوربا: سليمان باشا؟ - بل سأضرب القطتين اللعينتين اللتين لا تتركانا في سلام. وعندما جاء زوربا كانت مدام هورتنس تغط في نومها وتحلم بالشرق والشوارب والبوارج فنظر اليها زوربا باحتقار وقال: - لقد نامت الفاجرة. - اظن ذلك يا زوربا باشا.. ولعلها تحلم الآن بانها قد تناولت العقار الجديد.. وعادت إلى سن العشرين. قبحها الله من بقرة قذرة!! انظر إليها كيف تبتسم في نومها!! هلم بنا. وخرجنا إلى الهواء البارد وإلى القمر المضيء.. وساد الصمت بيننا بضع لحظات إلى أن قال زوربا: - رحم الله جدي.. قال لي، احذر المرأة فانها شيطان، واذا لمستها فقد لمست الشيطان.. لقد سرقت تفاحتين من جنات عدن وأخفتهما في صدرها، وهي الان تختال بهما، ومن أكل منهما فقد هلك. ومررنا بحديقة الارملة، فتوقف زوربا عن السير.. وكانت الخمر والطعام الجيد ونور القمر كلها قد لعبت برأسه، فاشرأب بعنقه نحو الحديقة وقال بصوت أجش: - وهنا شيطان آخر. وكان الفجر قد بزغ عندما وصلنا إلى الكوخ، فاستلقيت على فراشي وانا متعب منهوك القوى، اما زوربا فقد اغتسل واشعل الموقد وصنع بعض القهوة ثم جلس على الأرض بجوار الباب وراح يدخن في هدوء. وينظر إلى البحر دون أن يأتي بحركة. وتاملته وهو جالس في ضوء القمر كأنه صنم، واعجبت بالمرونة والبساطة اللتين يتأقلم بهما، وبالطريقة التي يتواءم بها جسده وروحه مع كل شيء آخر من نساء وخبز وماء ولحم، ليتكون من الجميع شيء اسمه زوربا. والواقع ، انني لم ار قط مثل هذا التحالف الودي بين انسان والعالم الذي يحيط به. ومال قرص القمر وشحب لونه، وهدأ البحر وسكنت امواجه ، والقى زوربا لفافة التبغ، وتناول قفصا واخرج منه حبلا وقطعا صغيرة من الخشب، ثم أشعل المصباح الزيتي وراح يقوم بتجاربه على انموذج مصغر للسلك الهوائي. ومن الواضح انه كان يقوم بعمليات حسابية معقدة لأنه كان يحك رأسه حينا ويسب ويشتم حينا آخر. وفجأة ضاق ذرعا بالعملية كلها، فركل الانموذج وارسل اجزاءه تتطاير في الهواء.