بحوث ودراسات وثائقية في تاريخ أفريقيا الحديث

من معرفة المصادر

1 بحوث ودراسات وثائقية في تاريخ أفريقيا الحديث

تأليف: إلهام محمد علي ذهني، ط1.

القاهرة: مكتبة الأنجلو المصري، 2009.

496 صفحة، 17 X 24 سم.

1- أفريقيا – تاريخ – بحوث رقم الايداع: 17353 ردمك: 6-2576 – 05 – 977 تصنيف: ديوى: 960.72

المطبعة: محمد عبد الكريم حسان

تصميم غلاف: ماستر جرافيك

الناشر: مكتبة الأنجلو المصرية.


محتويات

المحتويات

• المقدمة • التمهيد • الباب الأول: غرب أفريقيا بين التنافس الاستعماري الفرنسي البريطاني

- الفصل الأول: مسلمو غرب أفريقيا والاستعمار الفرنسي  أحوال غرب أفريقيا السياسية في القرن التاسع عشر.  التوسع العسكري الفنرسي في غرب أفريقيا. - الفصل الثاني: الاستعمار الفرنسي في ساحل غينيا  أحوال ساحل غينيا السياسية في منتصف القرن التاسع عشر  النشاط الفرنسي في ساحل غينيا  أولا داهومي  ثانيا: ساحل العاج - الفصل الثالث: الاستعمار البريطاني في غرب أفريقيا  أولا نيجيريا (النيجر)  ثانيا : ساحل الذهب (غانا)  ثالثا: سيراليون  رابعا: غمبيا • الباب الثاني: الاستعمار الاوروبي في افريقيا الاستوائية - الفصل الرابع: التوسع الفرنسي البلجيكي في أفريقيا الاستوائية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر  أولا الأقاليم الفرنسية  ثانيا: دولة الكونغو الحرة

- الفصل الخامس: امتداد النفوذ البريطاني الى البحيرات الاستووائية  مملكة اوغندا في القرن 19  البعثات الكشفية والتنصيرية في اوغندا  تصدي المنصرين للنشاط المصري • الباب الثالث: الاستعمار البريطاني في جنوب أفريقيا واقليم الزمبيزي – اللمبوبو - الفصل السادس: اتحاد جنوب أفريقيا والمحميات البريطانية  التوسع البريطاني في جنوب أفريقيا  المحميات البريطانية - الفصل السابع: التوسع البريطاني في اقليم الزمبيزي – اللمبوبو  أولا: بسط السيطرة البريطانية على مملكة الميتابلي والماشونا  ثانيا:الباروتسي  ثالثا: نياسلاند  رابعا: اشتعال المنافسة بين بريطانيا والقوى الاستعمارية المجاورة • الباب الرابع: فرنسا وشرق أفريقيا - الفصل الثامن: سياسة فرنسا التوسعية في شرق أفريقيا  أولا: جزيرة مدغشقر  ثانيا: الحماية على جزر القمر  ثالثا: الصومال الفرنسي  رابعا: التنافس الفرنسي البريطاني في زنجبار  خامسا: حادشة فاشودة والمشروع الاستعماري الفرنسي - الفصل التاسع: العلاقات الفرنسية الأثيوبية  الاتصالات الفرنسية الحبشية حتى 1843  علاقة فرنسا بالحبشة 1843-1868  موقف فرنسا من الأطماع الايطالية 1868-1889  مظاهر التقارب والتعاون بين فرنسا ومنليك الثاني  تغيير المواقف 1913-1936 • الخاتمة • المصادر والمراجع • الخرائط


التمهيد

العوامل الدولية المؤثرة على الاستعمار الاوروبي للقارة الأفريقية في القرن 19

رغم وصول البرتغال الى القارة الأفريقية منذ القرن الخامس عشر الا أن كشف أفريقيا الداخلية واستعمارها تأخر حتى القرن التاسع عشر، واقتصرت معرفة الدول الاوروبية على المناطق الشمالية وبعض المناطق الشرقية والغربية من القارة، ويمكن أن نجمل أسباب تأخر استعمار القارة الأفريقية الى الأسباب التالي:


- قلة الجزر القريبة من الساحل، والملاحظ أن كل قارات العالم القديم باستثناء أفريقيا تتميز بكثرة جزرها وأشباهها، فقارة آسيا يحيط بها نطاق من الجزر وأشباه الجزر يمتمد من شمال اليابان الى أرخبيل جزر الهند الشرقية جنوبا، كما يمتد في الجنوب من أرخبيل جزر الهند الشرقية الى شبه جزيرة العرب، أما أفريقيا فهي كتلة واحدة خالية الأطراف باستثناء بعض الرؤوس الصغيرة التي تفصلها عن بعضها مسافات شاسعة في غرب القارة باستثناء بعض الجزر الساحلية في الشرق مثل زنجبار وبمبا، كذلك بعض الجزر صغيرة الحجم باستثناء جزيرة مدغشقر (1).

كما أدت قلة الرؤوس والخلجان الى قلة تعاريج الساحل مما ترتب عليه خلو الموانئ الطبيعية التي تطل منها المناطق الداخلية على العالم الخارجي.

2- كانت أفريقيا قارة ذات حافات أو هوامش مطروقة من الناحية البحرية ولكنها قليلة الاتصال بالجزء الداخلي من القارة. ولذلك سميت أفريقيا في ذلك الوقت بالقارة المظلمة، وبقصد من هذه التسمية أن معظم الجزء الداخلي منها كان مجهولا الى عهد حديث جدا، باستثناء الأجزاء الشمالية الشرقية فترجع الى أقدم العصور حيث ازدهرت فيها الحضارات، وقلت المعرفة بالأماكن الداخلية الواقعة جنوبا ويرجع ذلك الى أن الاتجاه الذي كانت تتجه منه المدينة في العصور القديمة ظل لمدة طويلة من الشرق الى الغرب لعوامل طبيعية، ولم يمتد على الجنوب الا في أزمة حديثة نسبيا.

(1) صفي الدين محمد، أفريقيا بين الدول الاوروبية، القاهرة 1959، ص 94.

واذا خرجنا الى نطاق البحر المتوسط سنجد أنه كان أقدم جهات أفريقيا استطيانا كذلك البحر الأحمر كان مطروقا أيضا لأنه طريق طبيعي الى الشرق، فلما وجدت ظروف سياسية سد بها هذا الطريق سعى الانسان الى ايجاد طريق آخر، ادى به الى كشف سواحل جديدة في الجزء الغربي من أفريقيا. وكان الدافع في هذه المحاولات هو كشف سواحل القارة الأفريقية فحس ولم يكن كشف القارة نفسها بل ايجاد طريق الى أماكن تقع فيما وراء هذه القارة فكأن هذا الكشف جاء عرضا نتيجة السعي لكشف طريق جديد ولا السعي الى كشف أراضي جديدة (1).

أدت طبيعة تكويت القارة الى تأخر المعرفة بها فهي قارة مندمجة جدا، سواحلها قليلة التعاريج بالنسبة لمساحتها، واذا نظرنا الى خريطة للتضاريس جنوب اقليم الصحراء الكبرى فاننا نجد أن حافة الهضبة الداخلية تصل جنوب اقليم من الساحل في معظم أنحاء القارة. يضاف الى ذلك أن أفريقيا أكثر القارات وقوعا في المناطق المدارية والاستوائية وما يتبعها من صعوبات مناخية وطبيعية (2).

كما تفتقر سواحل أفريقيا الى وجود الجزر الصغيرة التي يمكن استخدامها كمواثب للتوغل نحو الداخلي، كذلك توجد حواجز طبيعية تتمثل في المرتفعات والغابات الكثيفة، كما أدت قلة التعاريج الى عدم وجود موانئ صالحة لرسو السفن (3).

4- اذا نظرنا الى الساحل الشمالي في أفريقيا سنجد أنه يتسم بمناخ ملائم وأماكن صالحة للاستيطان، ولكن هذا الساحل كان أكثر ارتباطا بآسيا واوروبا وسيطرت عليه الدول الاسلامية ولذلك لم تكن الدول الاوربية لتستطيع أن تخترق هذا النطاق الملائم لتصل على الداخل فهو بعيد جدا عن الدول الاوروبية التي بدأت عمليات الكشف. كما أن الهضبة في جنوب أفريقيا مرتفعة وقريبة من الساحل ويزداد ارتفاعها من الناحية الشرقية.

أما الساحل الغربي فهو يعتبر أقرب سواحل أفريقيا لأوروبا ، ورغم كشفه في أواخر القرن الخامس عشر فان استخدامه للوصول الى داخل القارة تأخر حوالي أرعبة قرو، وسبب ذلك أن هذا الساحل تقل فيه المناطق التي تصلح للوثوب الى داخل القارة، وأحسن هذه المواثب الجزر التي تقع قرب السواحل، ولكنها قليلة القيمة لأنها تقابل الصحراء في اليابس الأفريقي (1).

أما قرب خط الاستواء فتوجد جزر أخرى مثل فرناندو بو بالقرب من ساحل الكمرون، وكانت لها فائدة في كشف أجزاء من أفريقيا الوسطى، ولكن فيما عدا ذلك تكاد تخلو سواحل أفريقيا من أمثال هذه الجزر.

كذلك تقل في الساحل الغربي الجنوبي لأفريقيا الموانئ الطبيعية الصالحة فالمنطقة الممتدة من ساحل غانا حتى الكيب تخلو منها الموانئ فهي قليلة ومتباعدة (2).

من أهم أسباب تأخر استعمار القارة الأفريقية أن بعض أنهارها لا تساعد على التوغل نحو الداخل. ففي غرب أفريقيا نجد أن نهر غمبيا لا يصلح للملاحة الا لمسافة بسيطة لا تزيد عن 465 كم من المصب وتكثر المستنقعات والغابات على ضفاف.

أما نهر الديجر فهو يمتد في غرب أفريقيا على شكل قوس يتجه من الجنوب الغربي حتى الشمال الشرقي وينتهي عند المصب بدلتا كثيرة الفروع اشتهرت بانتاج أجود أنواع الزيوت الا أن الدلتا كثيرة الحواجز أعاقت التوغل فيها الى الداخل، واذا اجتزنا مصبات الدلتا فان النهر يصلح للملاحة مسافة كبيرة داخل القارة.

هذا وقد تضاربت الاقوال بخصوص منابع النيجر واتجاهه وخلط الرحالة بينه وبين السنغال وأخطأ البعض منهم في تحديد مساره، وظلت مشكلة النيجر وتحديد اتجاهه قائمة حتى القرن الثامن عشر (3).

ومعظم أنهار غرب أفريقيا لم يتم التعرف عليها الا في فترات متأخرة مثل السنغال، والكازاماس، أما في ساحل غينيا فقد وجد في ساحل العاج عدة أنهار هي بانداما وكافال وكوموية وجميعها تصب في خليج غينيا أما نهر فولتا فيشبه في اتجاهه وخصائصه نهر النيجر ويعيب المجاري المائية في ساحل غينيا أنها كلها تقريبا ضحلة تسود مصباتها الكثبان الرملية، بالاضافة الى كثرة الحواجز الصخرية في المنطقة، وبذلك نلاحظ قلة أهمية الأنهار الأفريقية كشرايين تؤدي للداخل فهذه الأنهار تنتهي الى البحر اما بدلات كثيرة الفروع والمستنقعات أو السدوج أو بمساقط مائية (1).

وفي المنطقة الاستوائية تأخر كشف نهر الكونغو حتى القرن التاسع عشر، وتم الخلط بينه وبين نهر النيل وتشبه دلتا الكونغو المروحة ويعيب النهر كثرة الشلالات فيه (2).

وفي جنوب الكونغو عند الساحل الجنوبي الغربي يوجد نهر الأورانج الذي أو كانت صفاته مختلفة عما هي لأصبح من أكثر الأنهار فائدة بالنسبة للدول الاوروبية وذلك لأن مصبه في الجهة الغربية يجعل الوصول اليه من اوروبا سهلا بخلاف الأنهار الواقعة في الساحل الشرقي، أما عيوبه قد تمثلت في عمق المجرى الذي يسير فيه وتذبذب مستواه وسرعة جريانه في فصل سقوط الأمطار.

أما الساحل الشرقي فهو قليل الفائدة فنهر الزمبيزي له دلتا تشبه النيجر، من حيث كثرة حواجزها، وبعد المسافة في الداخل تعترضه الجنادل، وعدد شلالات فيكتوريا يتعذر نهائيا الوصول الى الداخل عن طريقه.

وان كان الساحل الشرقي لأفريقيا يتسم بتعدد المواقع الطبيعية التي تصلح للموانئ مثل ميناء بيرا في موزمبيق، وكذلك دار السلام، وممبسة، ولكن كان على الدول الاوروبية اذا أرادت الوصول اليه فلابد أن تكون على علاقة مع مصر أضف الى ذلك بعد هذا الاسحل عن اوروبا (3).

هذا وقد اشتهر نهر النيل بالري أكثر منه طريق مواصلات، كذلك كان الجزء الواقع بين أسوان والخرطوم صعب الملاحة تعوقه الجنادل، كما أنه يخترق منطقة صحراوية، أضف الى ذلك أنه لم يتم اكتشاف منابعه الا فترة متأخرة.

6- لم يساعد مناخ القارة الأفريقية على التوغل الاوروبي الى الداخل، فالساحل الغربي مناخه صحراوي ومداري واستوائي، مما يسبب الاجهاد الشديد للمكتشف، ومن الناحية الصحية اشتهر هذا الساحل بأسوأ مناخ في العالم وأطلق على ساحل غينيا مقبرة الرجل الابيض فقد انتشرت فيه الأمراض ولاسيما الملاريا، والحمى، ومرض النوم (1).

ظل تأثير اوروبا في أفريقيا حتى الثلث الأخير من القرن التاسع عشر تاثيرا سطحيا بدرجة نسبية، ولم تكن ثمة أي محاولة للاستيطان الدائم الا في جنوب أفريقيا وبعض المزارع البرتغالية المتفرقة، وقد حل الأفراد المشتغلون بالتجارة محل تجار الرقيق وأصبحوا يمارسون تجارتهم المشروعة، وأقامت الارساليات المسيحية وعددا محدودا من المحطات المنعزلة غير أن هذا النشاط التجاري والارساليات لم يكن لها الطابع الرسمي وكان أغلب هذا النشاط غالب الأحيان موقوتا، وكانت رؤوس الأموال المستثمرة ضئيلة، كما كانت تعتمد على تعاون ومساندة الشعوب الأفريقية المهادنة (2).

ونادرا تجاوز الاوروبيون في توغلهم المناطق الساحلية، بل لقد كان اهتمامهم بهذه المناطق يقتصر على مناطق محدودة تخدم مصالحهم، ولم تبذل محاولات حقيقية لممارسة النفوذ والسيطرة أو حتى لتفهم نظم الأفارقة وثقافتهم وحيثما كانت مناطق الاستيطان الاوربية ومصالحهم ذات طابع دائم كانت تنأى بنفسها عن الأفارقة حتى في الأماكن التي كان يتوغل فيها الاوروبيون الى المناطق الداخلية على النحو الذي حدث في جنوب أفريقيا.

أما الظاهرة الوحيدة التي شذت عن هذه القاهدة فتتمثل في المستوطنين البرتغال إلا أنهم بدورهم كانوا معرضين لأن تستوعبهم العناصر الأفريقية لولا أنهم قد انفصلوا عنصريا وثقافيا عن الحياة الافريقية، ولقد ضمت البرتغال بعض مناطق البانتو الا أن البيض لم يبسطوا سلطانهم على الأفارقة على نطاق واسع ومؤثر الا منذ القرن 19 (1).

أسباب استعمار أفريقيا

يعرف كوامي نكروما الاستعمار بأنه ضم بلاد أو دولة لدولة أخرى، واستخدام تلك الدولة لقوتها الصناعية الفائقة في اخذاع شعب آخر واستغلاله اقتصاديا، فالاستعمار هو السياسة التي بها توثق أو تقيد الدولة (الأم) (2) ذات القوة الاستعمارية مستعمراتها، وتربطها الى نفساه بروابط سياسية من أجل تحقيق غرض جوهري وهو ترضية مصالحها الاقتصادية (3).

هذا وقد عرف الدكتور محمد عوض الاستعمار بأنه العمل أو مجموعة الأعمال التي من شأنها السيطرة أو بسط النفوذ بواسطة دولة أو جماعة منظمة من الناس على مساحة من الأرض لم تكن تابعة لهم أو على سكان تلك الأرض أو على الأرض والسكان في آن واحد (4).

والاستعمار هو استعمال دولة حق السيادة خارج حدود أراضيتها وعللت الدول الاوروبية الاستعمار من الناحية القانونية باسباب شبيهة بطرق اكتساب الملكية في القانون فتارة عللوه بنظرية الاستيلاء أو وضع اليد على الال المباح وتارة عللوه بنظرية نزع الملكية للمنفعة العامة المعروفة في القانون الاداري (5)ز

وأخيرا ان الاستعمار لا اساس له من القانون وهو مرادف للاخضاع والسيطرة والنهب.

ركزت الدول الاوروبية نشاطها الاستعماري في القرن التاسع عشر نحو القارة الأفريقية، ومنطقة الشرق الأقصى بينما كان هذا النشاط مركز فيما مضى نحو أمريكا وكندا وجزر الهند الشرقية (1) وأصبح الاستعمار الاوروبي لأفريقيا في العصر الحديث استعبادا كاملا واستغلالا شاملا تسخر فيه موارد المستعمرة وجهود سكانها لصالح المتسعمرين ، تضيع به معالم الحياة الاجتماعية والثقافية بل والانسانية لسكان المستعمرات (2).

ومع أن الاستعمار الاوروبي الحديث لأفريقيا بدأ في القرن الخامس عشر الا أنه حتى النصف الثاني من القرن 19 ، لم تكن في الحقيقة هناك دوافع قوية تحرك السياسة الاوروبية نحو أفريقيا ، فحتى النصف الأول من القرن 19 لم تكن قد تبلورت وظهرت الدوافع الجامحة التي ظهرت فيما بعد خلال الجزء الأخير من هذا القرن والتي أدت الى التكالب الاستعماري على هذه القارة Scramble for Africa (3).

والحقيقة أننا لو ألقينا نظرة على خريطة أفريقيا عام 1815، أي في مطلع القرن التاسع عشر سنلاحظ بأننا نكاد نلمس آثار اقدام الاوروبيين في المناطق الساحلية من القارة، حيث اتخذوا لهم نقاط ارتكاز تحقيق أهدافهم المحدودة فالبرتغال كانت لها مراكز في غانا البرتغالية، وأنجولا، وموزمبيق، وجزر ماديرا، والراس الأخضر، وسان توماس، وبرنسيب، والأسبان كانت له سبتة، ومليلة، وجزر كناريا، وجزيرة فرناندو بو في خليج غينيا، والهولنديون لم يكن لهم الا منطقة صغيرة على ساحل الذهب، والفرنسيون كانت لهم السنغال ورينون في المحيط الهندي ، وبعض المحلات التجارية في مدغشقر، والبريطانيون كانت لهم سيطرة على ساحل الذهب، وغينيا وبعض أجزاء من سيراليون ، ثم منطقة الكاب في الجنوب، وسانت هيلانه، وهكذا نلاحظ أنه حتى مطلع القرن التاسع عشر لم تكن لدول اوروبا سيطرة الا على أجزاء صغيرة من أطراف القارة (4).

ولكن الدول الاوروبية انتقلت من مرحلة ما يمكن أن نسميه المرحلة الجزرية أو الساحلية من الاستعمار، الى مرحلة التوغل داخل القارة، ووصل الأمر في نهاية القرن التاسع عشر الى درجة من النهم الاستعماري ، كاد يؤدي الى الاصطدام الدموي بين الدول الاوروبية الكبرى المتصارعة، وكانت ضحية هذا الصدام القارة الأفريقية، التي أصبحت نهبا للدول الاوروبية فلم تبق فيها دولة مستقلة سوى أثيوبيا وليبريا ((1).

ويمكن أن نجمل العوامل التي دفعت الدول الاوروبية لاستعمار القارة على النحو التالي:

أولا: أدى قيام الثورة الصناعية في اوروبا الى وجود حوافز قوية دفعت بعجلة الاستعمار، لأن الانقلاب الصناعي أدى الى الانتاج الكبير الذي يفيض عن استهلاك الشعوب المنتجة، والذي أخذ يسعى حثيثا لايجاد أسواق جديدة للتصريف، بالاضافة الى أنه أوجد الحاجة الماسة الى المواد الخام، ووجدت الدول الصناعية وفي مقدمتها انجلترا، وألمانيا ، وفرنسا في القارة الأفريقية مجالا طيبا للنشاط، حيث تتوفر المواد الخام الزراعية، والمعندية، والسكانية، بالاضافة الى السوق الواسعة لتصريف منتجاتها (2).

واذا كانت الثورة الصناعية قد ظهرت في انجلترا قبل غيرها من الدول الاوروبية الا أنها سرعان ما انتقلت في فرنسا، والولايات المتحدة، وبقية الدول الاوروبية، واصبح لهذه الدول في القرن التاسع عشر أساطيل ترتاد الموانئ الآسيوية والأفريقية لتصريف الفائض من منتجاتها (3).

ثانيا: أدى نمو الثورة الصناعية الى تطور الآلات والأدوات العسكرية تطورا كبيرا فظهرت البواخر والقوارب المحملة بالمدافع، والتي أصبحت قادرة على السير في الأنهار عكس التيار مما ساعد الدول الاوروبية على التخلص من مشكلة صعوبة الابحار (4).

ثالثا: عوامل متعلقة بالدول الاوروبية والأوضاع الداخلية في اوروبا، دفعت هذه العوامل الدول لتخرج لمديان الاستعمار، وأرادت كل دولة اظهار قوتها في أفريقيا، ففرنسا على سبيل المثال، أرادت اظهار هيبتها في تكوين مستعمرات فيما وراء البحار وصرف الشعب الفرنسي عن مشكلاته الداخلية (1)، كما لعب التجار والكتاب الانجليز دورا في دفع حكوماتهم للاستعمار، كذلك الكتاب الألمان كان لهم تاثير كبير على الحكومة الالمانية فقد طالبوا بافساح المجال أمام ألمانيا لتكوين المستعمرات (2).

كما أننا لا نغفل ايضا توحيد ألمانيا في نهاية القرن التاسع عشر الى تطلعها الى أن تكون في مصاف الدول الكبرى وخاصة بعد تزايد قوتها العسكرية (3).

رابعا: دوافع استراتيجية ، هناك دوافع دفعت الدول الاوروبية لاستعمار مناطق خاصة في أفريقيا فاحتلال فرنسا للجزائر كان أول ضم لأفريقيا في العصر الحديث وكان الدافع له أن سواحل الجزائر تواجه الساحل الفرنسي على البحر المتوسط، ولموقعها الاستراتيجي أهمية كبيرة في صراع فرنسا وانجلترا كذل لصرف أنظار الشعب الفرنسي عن مشكلاته الداخلية، وكما كانت الجزائر هامة، لموقعها بالنسبة لفرنسا كذلك كان لموقع مصر الاستراتيجي الهام أهمية بالنسبة لانجلترا (4).


خامسا: مما جعل النصف الثاني من القرن التاسع عشر فترة ازدادت فيها التحركات الاستعمارية الاوروبية ان السكان في اوروبا كانوا يتزايدون بصورة كبيرة بسبب الاساليب الصحية التي منعت الأوبئة الكبرى، فضلا عن ارتفاع مستوى المعيشة، والتعليم في اوروبا خفض من نسبة الوفيات، وفي نفس الوقت الذي ظل فيه الانقلاب الصناعي منفيا الحاجة الى الأيدي العاملة ازداد عدد المتطلعين لتحسين أحوالهم المعيشية لاسباب سياسية او اجتماعية فوجدت بعض الدول مثل انجلترا في التوسع خلاصا من مشاكلها (5).

سادسا: كان النمور الكبير في فدات اوروبا التجارية والعسكرية والقدرة على استخدام القوى العسكرية يواكبه تخلف شديد لدى الدول الشرقية ابتداء من الدولة العثمانية حتى الصين. وكانت الفروق الحضارية حتى مطلع القرن الثامن عشر بين الشرق والغرب غير خطيرة، ولكن أصبحت في النصف الثاني منه رغم المحاولات الكبيرة الذي بذلته الدولة الشرقية للنهوض واللحق بركب الحضارة الاوروبية الا أن الدول الكبرى الاوروبية كانت هي القادرة على تقديم أكبر قسط من الحضارة الحديثة الى الدول المتخلفة، ولكن هذه الدول الكبرى نفسها هي التي كانت تسعى الى استعمار هذه الدول المتخلفة، فهذا الاختلاف والفارق الحضاري والدوافع الاقتصادية أسهمت الى حد كبير في اتجاه الدول الكبرى الاوروبية الى الاستعمار والى التنافس الاستعماري، ذلك التنافس الذي كان محصورا في عدد قليل من الدول قبل القرن 19، ولكن في ذلك لاقرن ظهرت دول ذات تطلعات استعمارية ألهبت هذا التنافس الاستعماري (1).

سابعا: كان اتساع أو تعدد أساليب الاستعمار في النصف الثاني من القرن 19 عاملا ملهبا للتصارع بين الدول على اخضاع البلاد الضعيفة، فلم يكن الاستعمار يقتصر على التسلط العسكري أو الاقتصادي على منطقة واقامة البيض فيها وانما تعدد الى (2):

1- ضم بعض المناطق الى الدول الاستعمارية ضما كاملا مثلما حدث في الجزائر التي اعتبرتها فرنسا جزءا من الدولة الفرنسية.

2- مجرد رفع علم الدولة الاستعمارية على أرض شعب متخلف حاصة في أفريقية.

3- مجرد اغراء شيوخ القبائل الأفريقية بتوقيع أوراق تنص على فرض الحماية دون أن يدرك هؤلاء الشيوخ حقيقة مفهوم الحماية مثلما فعل الألماني كارل بيترز مع زعماء القبائل الافريقية في شرق افريقيا ومثل المعاهدات التي عقدها الفرنسيون مع زعماء القبائل الافريقية على الساحل الغيني.

4- استخدام الأساليب الانسانية لتحقيق أهداف وتوسعات استعمارية فقد فرضت بريطانيا استعمارها على زنجبار في شرق أفريقيا باسم مكافحة تجارة الرقيق، واستخدمت فرنسا وبريطانيا النشاط التبشيري في التوسع في آسيا وأفريقيا (1).

5- كانت المكانة التي احرزتها بريطانيا في النصف الأول من القرن 19 قد مكنتها من أن تشن حربا على الصين لتمنعها من انقاذ الصينيين من ادمان الأفيون دون أن تجرؤ دولة على التصدي لها ونظرا لنمو مكانة اوروبا العالمية أصبحت أشد الفظائع ترتكب من أجل فرض الاستعمار في المناطق الاسلامية والهندية والصينية دون أن تتحرك قوة حقيقية لتمنعه.

6- استنزاف القوى البشرية فتجارة الرقيق تجارة مكروهة من المجتمع الاوروبي في القرن 19 ولم تتورع الدول الاستعمارية عن متابعة الاستنزاف باساليب أخرى مثل نقل الفرنسيين لزنوج السنغال الى جزر الأنتيل في النصف الثاني من القرن 19، ومثال استخدام الهنود في الجيش البريطاني بكثرة، وبذلك صدق مؤرخ هندي حين قال أن الدماء الهندية هي التي كونت وحفظت الامبراطورية البريطانية في الشرق الاقصى والى حد ما في الشرق الأوسط.

7- اتخاذ مبدأ نشر الحضارة في الكونغو بواسطة بلجيكا وفي العراق والأناضول بواسطة ألمانيا ومشروعات شق القنوات للملاحة الدولية مثل قناة السويس.

8- استخدام الشركات التجارية والبنوك رأس حربة للاستعمار مثل شركة قناة السويس والشركة الأفريقية الوطنية في نيجريا وشركة أفريقيا الألمانية (2).

ثامنيا: تزايد المعرفة لدى الدول الاستعمارية بالبلاد المستضعفة أو المتخلفة أدى الى زيادة حدة الاستعمار الاوروبي وانطلاقه في مناطق كانت مجهولة من قبل فخلال النصف الأول من القرن 19 كانت المناطق الافرقية والآسيوية هدفا للأمال الاستعمارية واستنفذ الاورويون وقت ليس بالقصير في كشف جغرافية وتاريخ وسكان واقتصاديات هذه المناطق خاصة الأفريقية، وبعد أن استكملت المعلومات الضرورية عن أفريقيا الساحلية والداخلية، وبعد ارتياد المكتشفون والرحالة والتجار الكثير من المناطق الأفريقية، بدأت موجة الاستعمار تشتد وأخذت المناطق الأفريقية تسقط بسرعة مذهلة في النصف الثاني من القرن 19 في قبضة الدول الاوروبية، والى جانب زيادة المعرفة بالبلدان المختلفة، ونمو الدعوات الى تنشيط العمل الاوروبي في افريقيا باسم رسالة الرجل الابيض أو باسم مقاومة تجارة الرقيق التقط رجال السياسة الاوروبية ومجالس الشركات الكبرى الاوروبية هاتين الفكرتين واستخدمتهما بالتعاون مع الدول الاوروبية نفسها ومع دعاة هذين المبدأين في السيطرة على الكثير من البلاد الأفريقية سيطرة استعمارية استغلالية.

تاسعا: كان اكتشاف الماس في كبرلي منذ عام 1867 واكتشاف النحاس في كاتنجا له أثر كبير لافريقيا، فبدأ الاوروبيون يستعيدون الأساطير القديمة عن ثروة وذهب السودان التي ألهبت حماس الشباب الاوروبي كذلك كان انشاء خط حديدي بين نيويورك وسان فرانسيسكو والانتهاء مه عام 1972 ، بعث الأمل في امكانية قهر الطبيعة وتحقيق التقهديم في بناس طرق كبيرة، ومد الخطوط الحديدية ، بالاضافة الى جهود ليوبولد الثاني في الكونغو وكتابات الأدباء والمفكرين لتشجيع الكشف والاستعمار (1) فشهدت القارة في الفترة ما بين 1875 – 1890 تدفق الرحالة عليها في محاولة لتحقيق مشاريع كبرى، وقد كتب بول سولييه عام 1879 عن رحلته الى سيجو قائلا، بأن العصر يشهد غزوا صناعيا وتجاريا أكثر منه غزوا عسكريا. ولكن ليس معنى ذلك بأن كل المشروعات التي عرضت كانت قابلة للتنفيذ فبعضعها كان خياليا ولا يصلح (2) ولكن هذه المشاريع ظهرت احتذاءات بالمثل الأعلى للفرنسيين في ذلك الوقت وهو دي ليسبس (3).

ولكن لا ينبغي بأن نعتبر هذه المشروعات الاستمعارية هي الدافع وراء اهتمام اوروبا بالقارة الافريقية فحسب، وانما اندفعت اوروبا نحو القارة بدافع اظهار الهيبة السياسية ولمصالح صناعية واقتصادية ايضا.


أحوال دول اوروبا الداخلية وأثرها على استعمار أفريقيا

أدت أحوال دول اوروبا الداخلية الى خروجها لميدان الاستعمار على النحو التالي:

1- ألمانيا:

ظلت ألمانيا دول مفككة الأوصال حتى تمت وحدتها في الربع الأخير من القرن الاسع عشر، ولذلك ظلت حتى الثمانينيات من هذا القرن لا تملك موضعا في أفريقيا وحتى انعقاد مؤتمر برلين 1884/1885.

ولكن ينبغي ألا نغفل ان البعثات التنصيرية الألمانية عرفت طريقها على القارة في فترة مبكرة قبل انعقاد مؤتمر برلين ، اضف الى ذلك أن التجار الألمان أسسوا منذ عام 1861 شركة للتجارة في ميناء مدينة هامبورج نشاط مماثل (1).

هذا وقد تركز نشاط التجار الألمان سواحل أفريقيا الغربية والشرقية ونشطت معامتلهم التجارية في ساحل زنجبار الذي تضاعفت أهميته التجارية بعد افتتاح قناة السويس (2).

لعب التجار الألمان دورا واضحا في اقناع الحكومة الألمانية بضرورة تكوين المستعمرات الالمانية لكي تقف المانيا موقفا متساويا مع الدول الاوروبية.

في عام 1878 تأسست الجميعة الألمانية للدراسات الأفريقية في برلين وكان لها نشاط كشفي في القارة الأفريقية ولاسيما في زنجبار وفي ساحل شرق افريقيا، وفي عام1 882 تاسست الجمعية الألمانية للاستعمار في فرانكفورت (3).


وجدير بالذكر أن بسمارك مهندس الوحدة الألمانية كان يعارض في البداية أن يكون لبلاده سياسة توسعية في أفريقيا، ولكن سرعان ما تغير الوضع ولاسيما في أعقاب مؤتمر برلين فاندفع الألمان نحو القارة وكان هذا التغير في موقف الحكومة الالمانية بسبب ضغط التجار والراي العام والجمعيات التنصيرية.

فقد أرادوا أن تظهر ألمانيا بمظهر الدولة العظمى التي لا تقل عن جارتها فرنسا، كذلك ساهم الكتاب الألمان في القاء الضوء على الثورة التي جنتها بريطانيا من مستعمراتها، وأمام اصرار الراي العام حذت الحكومة الالمانية حذو الدول الاستعمارية وتالقت الشركات التجارية الألمانية.

على أن ظهور الحركة الاشتراكية في المانيا وظهور عدد من الفلاسفة أمثال كارل ماركس أدى الى تخوف المسئولين الالمان من انتشار هذه الحركة، فرأت الاتجاه لميدان الاستعمار وفتح الباب أمام العمال لحل المشاكل الاقتصادية ولفت أنظار الشعب الى الخارج بدلا من التركيز على المشاكل الداخلية وعلق أحد الكتاب الألمان على هذه الظاهرة بقولة ثبت تاريخيا صحة النظرية القائمة بأن الوحدة في الداخل يتبعها التوسع في الخارج (1).

ولا جدال أن الحكومة الألمانية شعرت بأهمية التوسع الاستعماري من أجل تقدمها الصناعي والمستعمرات الأفريقية كفيلة بامدادها بالمواد الخام اللازمة للصناعة وهي سوق هام لتصريف المنتجات وقد أوضح هذه الحقيقة الرحالة والمكتشفون الذين نشروا نتائج رحلاتهم ولذلك رغم معارضة بسمارك لسياسة التوسع الاستعماري الا أنه اضطر أمام ضغط الراي العام الالماني الى العدول عنها.


2- بلجيكا:

أراد الملك ليوبولد الثاني أن يكون لبلاده نشاط استعماري وقد اعتلى الحكم وهو في الثلاثين من عمره، وعرف عنه حبه للرحلات واهتمامه بالجغرافية وأراد تخليد ذكراه ورفع شأن بلاده، وذلك لأنها لا تملك قوات عسكرية قوية أضف الى ذلك أنها كانت فقيرة وكان من الصعب توسيع حدود بلاده في اوروبا، فاتجه نظره في البداية إلى آسيا ثم استقر في أفريقيا وركز جهوده في الكونغو باعتباره الميدان الذي يحقق فيه أحلامه (2).

3- ايطاليا:

نزلت ايطاليا ميدان الاستعمار متأخرة نظرا لتأخر الوحدة الايطالية، ولكن كان لايطاليا علاقاتها القديمة مع القارة الأفريقية منذ عهد الامبارطورية الرومانية، ولذلك حرصت بعد استكمال وحدتها على الانطلاق والتوسع في أفريقيا لتعويض ما فاتها من احتلال فرنسا لتونس كما أرادت نشر نفوذها السياسي في سواحل البحرين الأحمر والبحر الأبيض (1).

4- انجلترا:

لا يمكن أن نغفل دور الكتاب، والمفكرين ، في انجلترا على حث تحقيق أمجاد لبلاده، عن طريق المزيد من المستعمرات ، ورأوا ضرورة سيطرة بريطانيا على البحار، كما يرجع الفضل الى دزرائيلي في التركيز على ضرورة وجود مستعمرات بريطانية كدليل على قوتها وكرامتها وهيبتها بين الدول (2) واعتبر الجنس الأنجلزساكسوني لابد أن يأخذ مكان في التقدم فهو قائد الحضارة الاوروبية.

كما أن انجلترا لا يمكن أن تقبل تزايد نفوذ أي دولة في أفريقيا وأرادت دائما أن يبقى ميزان القوى متساويا، فاذا ازداد نشاط فرنسا، أو ألمانيا في افريقيا فانها هي الأخرى تعمل على زيادة نشاطها حتى يستقيم الميزان To Redress the balance (3).

كما دعا المفكرون الى أن انجلترا لها واجب انساني تجاه الشعوب المتخلفة وعلهيا ارسال البعثان لحمل الحضارة ونشر الدين المسيحي، وبلغ غرور بعض الكتاب الانجليز بأن رأوا بأن انجتلرا أعظم دول العالم وهي مهيئة بحكم طبيعتها لحكم غيرها من الشعوب والسيطرة عليهم، وهي تعرف كيف تحتفظ بالشعوب الخاضعة لها دون قوة أو عنف، وقد بلغت عدد الأراضي التي أضيفت الى الامبراطورية البريطانية فيما بين 1884 -1900 حوالي نصف مليون ميل مربع، وكان رواد التوسع كل من تشمبرلين وروزبري ورودوس (4)ز


5- فرنسا:

استطاعت فرنسا خلال تاريخها الاستعماري أن تكون امبراطوريتين الأولى في القرن السابع عشر وكان ميدانها العالم الجديد والهند وجزر المحيط الهندي (موريشيوس بوربون) وقد تقوضت أركان هذ الامبراطورية بعد هزيمة فرنسا في حرب السنوات السبع.

أما الامبراطورية الثانية فقد بدأت باحتلال الجزائر عام 1830 التي ظلت محط أنظار الفرنسيين ولاسيما بعد أن منع مبدأ مونرو الدول الاوروبية من التوسع في العالم الجديد في عام 1810 وبذلك امتنعت فرنسا عن آية محاولة للتوسع في امريكا، والتمست التوسع في القارة الافريقية (1)، وقررت حكومة شارل العاشر انشاء مستعمرة في شمال أفريقيا حيث يستطيع الأسطول الفرنسي أن يجد بعض القواعد على الساحل الأفريقي المقابل، تكفل له حرية التنقل في البحر المتوسط كما كان الغرض من ذلك أيضا لفت أنظار الفرنسيين الى خارج بلادهم، بدلا من التركيز على مشاكلهم الداخلية، فصرح رئيس الوزراء الفرنسي وليناك في مجلس الوزراء بأن الحملة على الجزائر ستجعل أنظار الشعب الفرنسي متجهة الى الخارج وأن النصر الخارجي سيساعد على تقوية الملكية (2).

يعتبر استيلاء فرنسا على الجزائر عام 1930 أول فتح لأفريقيا في العصر الحديث وكانت السبب المباشر لذلك أنه بعد الحروب النابولونية مرت فرنسا بفترة من الضعف، كادت فيها أن تفقد هيبتها الدولية وكان الشعب الفرنسي في حالة قلق داخلي، فاحتلت الحكومة الفرنسية الجزائر لتحويل نظر الشعب الى الناحية الخارجية ولاظهار مقدرتها على الخروج من ضعفها وأنها اصبحت من جديد قادرة على أن تسلك سلوكا امبراطوريا (3).

وقد حاولت الحكومة الفرنسية تبرير استعمارها باتخاذ شعار نقل الحضارة الى الشعوب الأخرى وكانت كل الحضارة في نظرهم هو تحويل السكان الى الديانة المسيحية ونشر الثقافة الفرنسية (1) واعتبر الفرنسيون بأن لهم واجبا حضاريات عليهم الالتزام به ولم يقبل الفرنسيون أنفسهم هذا التبرير وادركوا أنه كان لتضليل ولالباس الاستعمار ثوبا جديدا (2).

وفي عهد الامبراطورية الثانية اتخذ نابليون الثالث سياسة استعمارية فقد اعتمدت حكومته على أنصار التوسع والاستعمار وعلى الأحزاب الدينية، واستمرت تلك السياسة حتى هزيمة فرنسا في الحرب السبعينية، ويمكننا القول أنه في هذه الفترة الممتدة من 1851 حتى 1870 تم وضع القواعد الاساسية للتوسع والاستعمار في افريقيا وآسيا.


ثم اضطربت أحوال فرنسا السياسية بعد الحرب السبعينية فطمعت القوى السياسية المختلفة في السلطة والنفوذ واعتقد كل فريق بأنه أحق واصلح من غيره في ادارة شئون البلاد (3) وعندما وصلت الى باريس أنباء تسليم سيدان ووقوع الامبراطور الثالث أسيرا في يد الالمان أعلن على الفور فريق من الجمهوريين اقامة جمهورية في 4 سبتمبر 1870 وتاليف حكومة مؤقتة لاستئناف القتال ولكن لم تلبث المقاومة الفرنسية أن انهارت واضطرت باريس الى التسليم للجيش الألماني ووضعت الحرب أوزارها (4).

وفي عام 1875 وضع دستور الجمهورية الثالثة وتم انتخاب جول جريفي Jules Grevy رئيس للجمهورية عام 1879 (5).

ويعتبر عصر الجمهورية الثالثة من أزهى عصور فرنسا الاستعمارية فبعد توقف التوسع اثر هزيمة 1871 عادت فرنسا عام 1879 الى السياسية الاستعمارية مع قوة تزيدها الرغبة في التعويض عن فقدان الالزاس واللورين وكان روح هذه السياسة الاستعمارية جول فري Jules Ferry (1).

وقد اختلفت الآراء في كيفية تعويض فرنسا عن فقدان الإلزاس واللورين فرأى كاليمنصو Clemenceau بأن خير وسيلة لمحو هذا العار هو الانتقام من ألمانيا، أما فري فرأى بأن التوسع الاستعماري مفيد للأمة الفرنسية من الناحيتين النفسية والمعنوية وسوف يعيد لها هيبتها المفقودة وقد وجدت آراؤه قبولا من الساسة الفرنسيين (2) وذلك لأن الإلزاس واللورين كانت مشكلة كبيرة بالنسبة للشعب الفرنسي ، وكان مفكروا فرنسا، وقادتها، يبحثون عن كل وسيلة لاستردادهما، ولكن كان عجز الحكومة الفرنسية خلال السبعينات والثمانينات من القرن التاسع عشر عن تحديد زمن معين لتحقيق هذا الهدف القومي، قد آثار بلبلة في نفس الشعب واضطرابا في تفكيره السياسي، وشعر الشعب الفرنسي بحالة من الضياع السياسي، لدرجة أنه ظهرت آراء نادت ان استرداد الإلزاس واللورين أهم في المرتبة الأولى من المحافظة على الامبراطورية الفرنسية الواسعة. ورأوا بأن توزيع الجيوش الفرنسية على المستعمرات الفرنسية في الشمال الأفريقي يقضي على أمل فرنسا في استرداد الاقليمين، وأنه من الأجدى لفرنسا أن توقف نمو امبراطورياتها وتركز جيوشها ضد ألمانيا (3).

وفي نفس الوقت ظهرت آراء أخرى نادت بأن المجال المناسب لتعويض فرنسا عن الإلزاس واللورين هو التوسع الاستعماري في أفريقيا، وذلك لصرف نظر الشعب الفرنسي عن القارة الاوروبية، وعن الانتقام وشجعت ألمانيا هذا الاتجاه وذلك لكي تشعل العداوة بين فرنسا وانجلترا وذلك لصالحها ولكي تصرف الشعب الفرنسي عن التفكير المستمر في الثأر (4).

ورأى جمبتا Gambeta ضرورة أن تقوم فرنسا بتعويض كارثة الراين عن طريق تكوين مستعمرة كبيرة في أفريقيا، واصبح التوسع الفرنسي في غرب أفريقيا من أهم أهداف السياسة الفرنسية (1). ولذلك ان الاستعمار أمرا حيويا بعد هزيمة الإلزاس، وأرادت الحكومة الفرنسية فتح مناطق جديدة ونشر الثقافة الفرنسية والحضارة، فقد كلفت هذه الحرب فرنسا الكثير من الأموال والرجال كما حطمت طموح فرنسا في السيادة على اوروبا (2).

وجاء تعيين جول فري في الوزالارة بمثابة مرحلة جديدة في السياسة الاستعمارية الفرنسية، وقد عبر فري في رأيه عن توسع فرنسا في أفريقيا بقوله :"لسنا فلاسفة وانما رجال عمل نريد لمستعمراتنا التوسع والقوة ولذلك يجب علينا التصرف عمليا وفعليا " (3).

واذا كانت فرنسا قد وضعت يدها على تونس في عام 1881 الا أن هذا العمل كان المقصود به هو اظهار سيطرتها على البحر المتوسط وهيبتها (4) في غرب هذا البحر. ولكن احتلال انجلترا لمصر عام 1882 أخل بموازيين القوى في شرق هذا البحر فثارت فرنسا ثورة كبيرة (5)، وصممت على ضرورة اتخاذ سياسة توسعية في القارة الافريقية ولاسيما وأنها شعرت بالتهديدات الايطالية بسبب استيلائها على تونس كذلك ينبغي الا نغفل أن هزيمة فرنسا في الشرق الأقصى وتقهقر الحملة الفرنسية من لانج سون قد أطاح بوزارة فري الثانية، ولذلك اصبحت أفريقيا هي المجال المناسب للنشاط الاستعماري الفرنسي بها (6).

ورغم هذا التطور في السياسة الفرنسية الا أن التوسع العسكري الفرنسي لم يتم بصورته الكبيرة في افريقيا الا بعد انعقاد مؤتمر برلين 1884/1885.


البعثات الكشفية لأنهار أفريقيا واثرها على الاستعمار

بدأت مرحلة الكشوف العظمى لأفريقيا بانشاء الجمعية الجغرافية في لندن 1788 ، فبدأت البعثات الكشفية داخل القارة الأفريقية لاكتشاف أنهارها مما ساعد على توغل الدول الاوروبية داخل القارة وسوف نجمل الحديث هنا عن أهم الأنهار الأفريقية:

1- نهر النيل:

يرجع الفضل على جيمس بروس الاسكتلندي James Bruce في حل كثير من الغموض الذي أحاط بنهر النيل، هذا وقد قام بروس بعدة جولات في اوروبا، ومنها سافر الى سورية ومنها الى الاسكندرية، فوصلها في عام 1768 ثم اتجه الى القاهرة وتوغل في مدن مصر الجنوبية وقنا والصعيد، والقصير في 1789، كذلك طاف بمدن البحر الأحمر الى جدة ومنها حصل على خطابات توصية من شريف مكة للتوجه الى الحبشة واتجه بروس الى شرق أفريقيا واتصل بحكام الحبشة، ويعتبر بروس من أهم الشخصيات التي لفتت الأنظار الى الحبشة، وقد تضمنت ملاحظاته عنها معلومات هائلة في الجغرافيا والتارخي والاثنوجرافية والعلوم، هذا وقد زار أكسوم وجوندار وقدم مؤلفاته الى جورج الثالث ملك انجلترا (1).

وجدير بالذكر أن معرفة بروس بالطب أدت الى تقربه من حاكم الحبشة الذي أنعم عليه باحدى القرى وجعله رئيسا للخيالة وحاكما لاحدى المقاطعات وأعطاه حرية التجول في انحاء البلاد، وقد نشر بروس رحلته في ستة مجلدات مدعمة بالخرائط وأعطى وصفا كاملا لبحيرة تانا والجزر المنتشرة بها (2).

هذا وقد ظلت منابع النيل غير معروفة حتى تعاقب المكتشفون على المنطقة حتى تم التأكد بأنها المنبع الأساسي لنهر النيل وكان من أبرز هؤلاء سبيك وبرتون (3).

ثم أرسلت الجمعية الجغرافية البريطانية سبيك في رحلة ثانية في عام 1860 وبصحبته الكابتن جيمس جرانت فوصلا زنجبار عام 1861 ومنها الى تابورة وكان الغرض الرئيسي من الرحلة هو التحقق من أن النيل يخرج حقيقة من بحيرة فيكتوريا، وحققت الرحلة هدفها، وفي عام 1862 اتجها مع النهر حتى وصلا غندكور حيث التقيا بالسير صمويل بيكر الذي وفد من الخرطوم لمساعدتهما.

هذا وقد واصل بيكر جهود من سبقوه ونجح في عام 1864 في اكتشاف بحيرة البرت وشلالات مرشيزون، ثم كان له جولة أخرى في منابع النيل الاستوائيلة عام 1869 لاخضاع الاقاليم الواقعة جنوب غندكور للادارة المصرية (1).

تتابعت الرحلات الكشفية لكشف غموض روافد النيل والاقاليم التي يجري فيها ومنها رحلة الألماني جورج شواينفورث الذي تجول في اقليم بحر الغزال وقدم وصفا عنه خلال 1869، 1871 (2)، وعن تقسيم المياه بين النيل والكونغو فالقى الضوء عليها كما اكتشف وجود الأقزام لأول مرة (3)ز

اذا تحدثنا عن الجهود الكشفية لنهر النيل لا نستطيع ألا نذكر دور البكباشي سليم قبطان الذي اوفده محمد علي لكشف منابع النيل فقام بثلاث رحلات الأولى توغل في نهر السوباط وجمع البيانات عن النيل الابيض ، وفي رحلته الثانية في عام 1840 وصل الى غندكور، ولم ينجح في متابعة الحرلة لانخفاض مياه النيل. أما الرحلة الثالثة فقد كان الغرض منها متابعة الجهود السابقة ووصل حتى خط عرض 4:42 شمال خط الاستواء، ولعل أهم النتائج الجغرافية التي أسفرت عنها هذه البعثان هي دراسة جغرافية النيل الابيض ورسم خريطة توضح مجراه والمناطق المحيطة به (4).

اثارت هذه المعلومات الهيئات التجارية والعملية وحفزتها لاكتشاف الاقاليم التي يمر بها نهر النيل، ومهدت رحلة سليم البكباش لمزيد من الحملات الكشفية، رغم أنه لم يصل الى منابع النيل الاستوائية ، أما أهمية رحلاته فقد أثبتت أن النيل الابيض هو النيل الاساسي وأن هناك مجرى طويل آت من الجنوب وأن النيل الأزرق الذي اكتشفه بروس يلتقي بالنيل الأبيض بعد خروجه من بحيرة تانا.

ثم أكمل جون بتريك John Patherick جهود سليمان قبطان ولاسيما بعد أن دخل في خدمة محمد علي ثم قام بعدة رحلات خلال 1853 و1854 في غرب السودان، ووصل الى منطقة بحر الغزال ووضع مؤلفا باسم مصر والسودان ووسط أفريقيا.

هذا وقد أدى كشف ربيمان وكراف الالمانيان لجبل كليمنجارو في كينيا الى تزويد اوروبا بمعلومات عن البحيرات الكبرى في المنطقة. كما أشعل حماس المستكشفين الآخرين (1).

ويعزى الفضل الى سبيلك وهو ضابط بريطاني في الوصول الى الشاطئ الجنوبي للبحيرة التي أطلق عليها فكيتوريا نيانزا.


2- نهر الزمبيزي:

يعد نهر الزمبيزي رابع أنهار أفريقيا طولا، ويرتبط كشف هذا النهر باسم الرحالة لفنجستون David Livingstone الذي فتح هذه المناطق أمام البعثات التنصيرية، فعلى الرغم من ذيوع شهرته كمكتشف للقارة الافريقية، وقد أمد الاوروبيين بمعلومات جغرافية واثنوجرافية وطبية الا أنه ظل متعصبا للتنصير حتى آخر يوم في حياته (2).

ولفنجستون اسكتلندي الأصل انضم الى جمعية لندن التنصيرية عام 1838 وعمل في جامعة جلاسجوـ، وتدرب على أعمال الزراعة والصناعة والتجارة ليقوم بنشاطه التنصيرية ، ولكنه ترجاع وفضل العمل في أفريقيا. وذلك بسبب اضطراب أحوال الصين بسبب حرب الافيون (1).

وترجع أهمية وخطورة اكتشافات لفنجستون أنه فتح الباب أمام البعثات التنصيري البريطانية ، فبعد أن كان مركز التنصير الرئيسي في كورومان في جنوب أفريقيا، أصبح هناك العديد من المراكز في داخل القارة، فقد توغل لفنجستون في مناطق لم يصل اليها اوروبي من قبل، وقد ساعده في عمله الكشفي والتنصيري اتصاله بالمنصر البريطاني الدكتور روبرت موفات الذي عمل في جنوب أفريقيا وتزوج من ابنته وتوثقت الصلات بينهما بدرجة كبيرة، قام لفنجستون بثلاث رحلات الى أفريقيا، بدأت الأولى 1841 – 1859 واتخذ من كورومان مركز للانطلاق والتوغل داخل القارة، ثم عبر صحراء كلهاري ونجح في الوصول الى أراضي الباروتسي (في روديسيا الشمالية) وتتبع مجرى نهر الزمبيزي حتى مصبه مكتشفا المساقط المائية التي تعترض مجرى النهر وأطلق عليها شلالات فيكتوريا نسبة الى ملكة بريطانيا (2).

أما الرحلة الثانية 1858 0 1864 فقد استأنفت فيها اكتشاف مجرى نهر الزمبيزي ووصل الى نهر شيريه أحد فروعه ثم وصل الى بحيرة نياسا.

أما رحلته الثالثة 1866 – 1873 تلك الرحلة التي كلفته بها الجمعية الجغرافية الملكية في لندن فقد كان الهدف منها فض لغز شبكة الأنهار في وسط أفريقيا والتأكد من الأنهار والبحيرات فيها وتأكيد اكتشافات غيره من المكتشفين.


3- نهر النيجر:

يعتبر نهر النيجر ثالث أنهار أفريقيا بعد النيل والكونغو وهو يمتد في غرب أفريقيا على شكل قوس يتجه من الجنوب الغربي حتى الشمال الشرقي، وينتهي عند المصب بدلتا كثيرة الفروع، ويتصل به عند مسافة غير قصيرة من المصب نهر بنوي، وقد أطلق المستعمرون الأوائل على مجموعة الأنهار المتصلة اسم أنهار الزيت Oil rivers لأن هذه المنطقة اشتهرت بانتاج أجود أنواع الزيوت.

ينبع النيجر من المنحدرات الداخلية فولتا جارون ويتكون عند بدايته في جنوب باماكو من عدد من المجاري التي تنتشر في مساحات واسعة من الأرض مكونة ما يسمى الدلتا الداخلية للنيجر حيث تتحول هذه الدلتا الى بحيرة عظيمة في موسم الفيضان، ويسير النهر بعد ذلك على هذه الصورة حتى يصل الى تمبكتو وبعدها تتحدد مجاريه ويصنع ثنية عظيمة يتجه بعدها نحو الجنوب ليصب في المحيط الأطلنطي (1).

وتمثل منطقة ثنية النيجر جزءا مهما في أفريقيا الغربية الفرنسية A.O.F.، فقد تقاسم هذه المنطقة كل من ساحل العاج، وغينيا الفرنسية، وداهومي، كما يعتبر نهر النيجر الذي يبلغ طوله أربعة ىلاف كيلو مترا شريانا مهما من شرايين الحياة والعمران والمواصلات في السودان الغربي ولا يفصله عن الأنهار الأخرى كالسنغال أو نهر شاري مرتفعات كبيرة مما سهل على الفرنسيين التوغل في المنطقة (2).

وقد تضاربت الاقوال بخصوص منابع نهر النيجر واتجاهه (3) وخلط الرحالة بين النيجر والسنغال وأخطأ البعض منهم في تحديد مساراه ففي القرن السادس عشر قام الحسن بن الوزان الزياتي (4) برحلة من فاس عبر الصحراء الى سجلماسة وتغازة حتى وصل تمبكتو وجنى ومالي، وأكد بأن النهر يسير نحو الغرب، وظلت مشكلة النيجر وتحديد اتجاهه قائمة حتى القرن الثامن عشر، فقد اهتمت الجمعية الجغرافية البريطانية باستجلاء حقيقة هذا النهر وكانت شركة أفريقيا الغربية قد اتخذت لها بعض المراكز قرب غينيا على الساحل الغربي لأفريقيا ولذا فقد اتجهت الأنظار لاتخاذ هذه المنطقة كنقطة انطلاق نحو الداخل (1).

ومنذ أواخر القرن الثامن عشر (2) بدأت محاولات الوصول الى النيجر واستمرت هذه المحاولات حتى أوائل القرن التاسع عشر (3).

ففي عام 1827 وصل ملاح فرنسي يدعى رنيه كاييه الى تمبكتور قادما من غينيا الفرنسية ، ونجح كاييه في اختراق الصحراء والوصول الى مراكش فحققت رحلته بذلك نصرا للجمعية الجغرافية الفرنسية الناشئة (4).

وجدير بالذكر أنه على الرغم من اكتشاف مصب نهر النيجر والتأكد من اتجاهه، إلا أن محاولات الكشف لم تنته، وذلك للتعرف على المناطق التي يمر بها وعلى جماعات السكان المقيمة حوله. ففي عام 1854 قاد ليرد بتكليف من القنصل البريطاني بيكروفت بمحاولة لاكتشاف منطقة النيجر الأولى وارادا ليرد التأكد من أن نهر بنوي هو أقوى فروع النيجر وأنه صالح للملاحة والتجارة وطريق هام للمناطق الداخلية (5).

وقد اصطحب معه كل من بيكي وكروثر ووضع ليرد تقريرا مفصلا عن منطقة دلتا النيجر، وأكد بأنها تعتبر من أهم المناطق التجارية بالنسبة للاوروبيي، ثم ما لبث ليرد ان تعرض لهجوم من قبل الوطنيين فطلب من حكومته ارسال حملة أخرى استكمالا لجهوده، فارسلت الحكومة البريطانية بيكي – وهو طبيب في البحرية البريطانية نجح في الوصول الى نهر بنوي، فوصل الى لوكوجا ، وبوسا، وأخذ يعمل على تدعيم النفوذ البريطاني في النيجر الأدنى (1).

وفي الوقت الذي اهتم فيه البريطانيون بتدعيم سيطرتهم في النيجر الأدنى لم يهملوا الكشف عن نهر النيجر من جهة الشمال، فارسلوا اربعة من المستكشفين في الجهات الشمالية منه، ولكنهم تعرضوا لهجوم من بعض القبائل. وفي الفترة ما بين 1852 -1854 استطاع هنريك بارث اكتشاف المناطق الداخلية من النيجر فوصل الا بلاد الهوسا وبنوي وتمبكتو (2)، وقد تنكر بارث في زي تاجر عربي، وتجول في سودان النيجر لمدة خمس سنوات زار خلالها المناطق الواقعة بين باجرمي وتمبكتو ، وقدم معلومات قيمة عن المدن التي شاهدها وثروات المنطقة الطبيعية وأثبت هذه المعلومات في خريطة رائعة (3)ز

تابعت انجلترا جهودها لاكتشاف المناطق المحيطة بالنيجر فارسلت عام 1857 بعثة للاتصال بالممالك الاسلامية الواقعة شمال سوكوتو فقد أرادت تدعيم علاقتها بها تمهيدا للسيطرة عليها (4)ز


4 – نهر الكونغو:

يرجع الفضل في اكتشاف نهر الكونغو الى ستانلي، وهو من رحالة ايرلندة، عمل صحفيا لحساب صحيفة النيويورك هيراليد الأمريكية، بدأ رحلته عام 1874 وكان قد ذاع صيته بسبب الرحلة التي قام بها 1869 للبحث عن لفنجستون، وقد كان الهدف من رحلته الطواف حول بحيرة فكتوريا ، وتنجانيقا والوصول الى نهر اللوالابا، وفي أغسطس 1876 عبر ستانلي بحيرة تنجانيقا ووصل الى بلدة نيانجوى، ثم تقدم ستانلي حتى وصل الى المنطقة التي عرفت بشلالات ستانلي في يناير 1877 وفي يوليو 1877 وصل قرب مصب نهر الكونغو عند مدينة بوما.

أثبتت رحلة ستانلي أن نهر اللوالابا متصل بالكونغو وأنه يجري عبر أفريقيا الى المحيط الأطلنطي.

ثم أرسلت فرنسا دي برازا في عدة رحلات الى نهر الكونغو 1874-1879 فاكتشف نهر أوجويه ووصل الى منابعه وأخيرا الى مدينة فرانس فيل.

أما روافد الكونغو الرئيسية والأنهار المجاورة فقد تم كشفها في السنوات الأخيرة من القرن 19 فقد اكتشف كاري كنجزلي نهر أوجوى الذي اصبح ضمن أفريقيا الإستوائية الفرنسية، ثم جاء برازا في عام 1880 واخترق وادي اوجوى الى الكونغو، أما نهر كاساي فقد حدده فيسمان الذي بدأ رحلته من لوندا الى كساي ثم نيانجوى على الكونغو ومنها الى ساحل شرق افريقيا (1).


مؤتمر برلين 1884-1885

يرجع الفضل الى الملك ليوبولد الثاني ملك بلجيكا في القاء الضوء على مناطق كثيرة من القارة الأفريقية ، فقد أرسل البعثات الكشفية والمستكشفين ، وبدأ يتضح للعالم أن هناك قارة جديدة وسلالات جديدة تأخذ دورها في الحضارة العالمية (2)، وكان للملك ليوبولد أطماع استعمارية في الكونغو رئاسة المكتشف المشهور ستانلي، واسفرت عن توقيع عدة معاهدات مع زعماء القبائل والحكام الوطنيين الذين تنازلوا عن سيادتهم نظير بعض الهدايا (3).

وكان هدف ليوبولد من هذه الحملات هو الحصول على اعتراف بدولة الكونغو الحرة، ولذلك حاول اغراء رجال الأعمال البريطانيين بممارسة نشاطهم التجاري في المنطقة وعمل على اقناعهم بأن تجارتهم ستكون أكثر أمنا تحت ادارته مما لو كانت تحت ادارة البرتغال أو فرنسا كما حرص في الوقت نفسه على ضرورة اقناع بسمارك بالاعتراف بدولة الكونغو الحرة (1).

وكان للبعثات الكشفية التي ارسلتها بلجيكا إلى أفريقيا بالاضافة الى انعقاد مؤتمر بروكسل عام 1876 والتقاء سبعة من أشهر المكتشفين في القاء الضوء على الاكتشافات التي تمت في القارة، كما كان لعودة ستانلي عام 1877 من رحلته الشهيرة من أفريقيا الاستوائية واعلان اكتشافاته في أعالي الكونغو اثرا كبيرا على القارة الأفريقية (2).

وكان من أهم نتائج المؤتمر تكوين الهيئة الدولية لكشف أفريقيا، وادخال الحضارة فيها، وتقرر أن تقوم في كل دولة شعبة محلية تابعة لهذه الهيئة فبادرت بلجيكا بتكوين الشعبة البلجيكية، أما فرنسا فقد كانت الشعبة الفرنسية على رأسها دي برازا (3).

وأدى تسابق فرنسا وبلجيكا على الكونغو الى لفت أنظار الدول الاوروبية وسعى بسمارك الوزير الألماني لعقد مؤتمر في برلين لحل مشكلة الكونغو، وعقد المؤتمر في الفترة ما بين 15 نوفمبر 1884 إلى 26 فبراير 1885 وحضر المؤتمر أربعة عشر دولة منها خمس دول كانت لها النصيب الأكبر في الاهتمام بالقارة الأفريقية، والدول الخمس هي: ألمانيا، بريطانيا، البرتغال، فرنسا، وبلجيكا. ولعب بسمار دورا كبيرا في الموازنة الدولية بين الدول (4) فقد أدرك بأنه لابد من منع تصادم الدول الاوروبية وان استعمار أفريقيا لابد وأن يتم دون صدام مسلح، ويجب أن يتم في اطار مؤتمر دولي لذلك كانت الدول الاوروبية مقتنعة الى حد كبير بجدوى هذا الأسلوب الدولي ونجحت فكرة عقد المؤتمر (5).

واذا كان المؤتمر قد عقد لبحث مشكلة الكونغو الا أنه ما لبث أن امتد وشمل عدة مشكلات أخرى وأخيرا تم الاتفاق على الآتي:

(1) حياد اقليم الكونغو وحرية الملاحة والتجارة فيه. (2) حرية الملاحة والتجارة في حوض الكونغو والنيجر وحرية التجارة لكل الأمم. (3) عدم فرض أية دولة حمايتها أو سيطرتها على المناطق الساحلية في أفريقيا دون أن تعلن ذلك الى الدول الأخرى التي وقعت على هذا الاتفاق. (4) عدم اعلان أية دولة الحماية على منطقة من القارة الأفريقية دون أن تكون هذه الحماية مؤيدة باحتلال فعلي. (5) فيما يتعلق بالكونغو فقد تكتلت الدول الاوروبية ضد الاتفاق البريطاني البرتغالي اذ أنها ادركت أن بريطانيا تريد اعطاء الكونغو الى البرتغال كخطوة أولى في تصفية ممتلكات البرتغال واستيلاء بريطانيا عليها واضطرت بريطانيا تجاه التكتل الدولي الموافقة على قيام دولة الكونغو الحرة Congo Free State وعلى ادارة هيئة الكونغو الأعلى التي يرأسها الملك ليوبولد (1).

اذا حاولنا تقييم مؤتمر برلين 1884-1885 سنجد أنه كان أول مؤتمر استعماري عقد بين الدول الاوروبية المعنية بالاستعمار، لاقرار الوضع القائم في افريقيا وتنظيم ما بقى من أراضي القارة، لقد كان انعقاد المؤتمر لتنظيم التجارة، في حوض الكونغو، ولاقرار حرية الملاحة في النيجر، ووضع مبادئ عامة لمنع اصطدام القوى الاستعمارية بعضها ببعض (2). ولذلك فهو يعتبر عملا دوليا لتنظيم السلب والنهب في القارة الأفريقية. لقد أضفى المؤتمر الشرعية الدولية لالتهام القارة، وكان معنى نصوصه أن التملك بوضع اليد جائز في الأراضي غير التابعة لدولة أخرى من الدول الموقعة على الاتفاقية سواء أكانت مسكونة بالقبائل أو الأمم، ولم يكن رؤساء القبائل يقدرون معنى المعاهدات التي وقعوها، ووضعت بلادهم تحت الحماية الاستعمارية على اعتبار أنهم لا وجود لهم في نظر القانون الدولي (1).

وجدير بالذكر أنه عند عقد المؤتمر لم يمثل الأفارقة أي مندوب انما تركت شئون أفريقيا ومصيرها الغامض في يد الدول الاوروبية وكان تقسيم أفريقيا الى وحدات هو الأساس الذي صارت تعرف به حدود الدول الحديثة (2) كما أن المؤتمر لم يهتم بحقوق الوطنيين ولا أملاكهم وانما عنى فقط بضمان سلامة الدول الاوروبية المستعمرة (3).

وقد ترتب على النص الأخير من المؤتمر بأن كل دولة أرسلت تجارتها وشركائها وجواسيسها ليجوبوا أفريقيا، وليحصلوا على توقيع، أو بصمة الزعماء أو الرؤساء الأفارقة. على معاهدات الحماية، خلال الخمسة عشر سنة التالية لعقد المؤتمر كانت أفريقيا قد تم تقسيمها بين الدول الأوروبية، وتم رسم الحدود وتعيين الفواصل السياسية بين حكم رجل ابيض وحكم رجل ابيض آخر (4).

وبعد المؤتمر كان مجرود وصول التجار والارساليات التبشيرية هو الخطوة الأولى عادة للاستعمار، لأنه يتبع ذلك تكوين شركات أو فرض حماية، أو فرض السيطرة السياسية، أو الاقتصادية، وكم من الحالات أدت فيها شره شركة أو اقدام فرد أو تصميم ضابط بحري، أو بري، على رفع العلم الذي أدى الى تقرير مصير أقطار وأمم (5).

اذا فندنا آراء الكتاب الغربيين حول المؤتمر ومدى ما حققه من نجاح نجد أن اميل باننج Emile Banning في تقييمها للمؤتمر رأت، بأنه حقق هدفين رئيسييين:

(1) أقر المؤتمر دولة حرة كبرى في قلب أفريقيا الاستوائية تكون من الناحية التجارية مفتوحة لكل الشعوب، بينما من الناحية السياسية بعيدة، عن المنافسات الدولية. (2) وضع المؤتمر اسس التنظيمات الاقتصادية المتعلقة بالمناطق الداخلية في القارة.

وثبت المؤتمر مبادئ الحرية والمنافسة بين الدول الاوروبية كما أتاح الفرصة لتقسيم القارة شمال وجنوبي خط الاستواء بطريقة سليمة دون سفك الدماء ولا خلافات طاحنة كتلك التي صاحبت استعمار الأمريكتين فتقسيم أفريقيا تم بتخطيط سليم من وجهة النظر الاوروبية.

يلاحظ مما سبق أن راي باننج فيه الكثير من المغالطات والروح الاستعمارية فبالنسبة لدورة الكونغو الديمقراطية لم تستمر تحمل هذه الصفة طويلا فقد أصبحت في عام 1908 مستعمرة بلجيكية (1).

الباب الأول: غرب أفريقيا بين التنافس الاستعماري الفرنسي/البريطاني

مسلمو غرب أفريقيا والاستعمار الفرنسي

أحوال غرب أفريقيا السياسية في القرن التاسع عشر

تعتبر فكرة الجهاد من أهم ما يميز القرن التاسع عشر وقد امتدت الفكرة في أماكن متعددة ومناطق مختلفة وكان هدف روادها هو انشاء حكومات اسلامية (1). ويمكن تلخيص أسباب ظهور وممو فكرة الجهاد الى العوامل التالية:

أولا: اختلاط العقيدة الاسلامية بطقوس الوثنية فانتشرت عبادة الموتى وتقديسهم حتى بين المسلمين في كثير من المناطق الأفريقية فصار الدين الاسلامي غريبا بين السكان.

ثانيا: تلقي بعض الزعماء الأفارقة لتعليمهم الديني في الأزهر الشريف مما كان له أثر كبير عليهم، فعادوا الى بلادهم وكلهم حماس لنشر الدين الاسلامي وتصحيح العقدية الاسلامية (2). فمنذ تأسيس الأزهر في العصر الفاطمي، وهو يقوم بدوره في خدمة الاسلام فقد أصبح الجامعة الاسلامية الأولى التي تطلعت اليها الأنظار في مختلف الاقطار ووفد عليه الوفود من كل صوب وخرجت أفواج العلماء والمدرسين في كل اتجاه، ومن الطبيعي أن يدلل السودان والبلاد المتاخمة لمصر بل خطاها الى مراكز مختلفة بأفريقية فقد انتشر عن طريق النوبة الى اقليم دارفور وكردفان، ودخل مملكة كانم المتصلة ببحيرة تشاد بل تخطى تشاد الى بلاد الهوسا. كما وفد العديد من علماء الأزهر الى تمبكتو للتدريس، وظل الأزهر مفتوحا لعدة قرون للمسلمين من غرب أفريقيا ومن كل مكان، فتدفق الأفارقة عليه للتعليم، وقد غرس الأزهر في نفوس الوافدين اليه ألوانا من المعارف والاتجاهات القومية وكان الأزهر يعد الاقدة ليتولوا مراكز القيادة ، وكانت مصر طريق للحجاج الوافدين من غرب أفريقيا، وطالما انتهز هؤلاء فرصة الحج ليحطوا رحالهم في مصر فترة طويلة يتعرفون فيها على الحضارة الاسلامية (3).

ثالثا: انتشار المراكز الاسلامية في السودان الغربي، مما أدى الى ابراز فكرة الجهاد وانتشارها ومن أهم هذه المراكز سوكوتو وحمدالله (1).

رابعا: انتشار الطرق الصوفية، مثل القادرية، والتيجانية، والسنوسية وقد حرص أتباع هذه الطرق على نشر الاسلام بين الوثنيين، ثم نادوا بعد ذلك باستخدام القوة والعنف ضد الغزو الاوروبي للمنطقة أي أن فكرة الجهاد نفسها تطورت فبد أن كانت ضد الوثنيين شملت الاوروبيين أيضا (2).

خامسا: أدى قيام الزعماء الأفارقة بأداء فريضة الحج الى تاثرهم بالدعوة الوهابية التي نادت أتباعها بالجهاد لاصلاح أحوال المسلمين والقضاء على كل ما يتعارض مع مبادئ الاسلام من البدع والخرافات (3). وقد مثلت هذه الفريضة أهمية كبيرة لدى مسلمي غرب أفريقيا وأدرك الفرنسيون خطورتها فكذر الحاكم العام بونتي (4) بأن الفريضة تحدث تشويش في أذهان الأفارقة وتبدل نفوسهم لالتقائهم باخوانهم المسلمين فتقوي فيهم روح التضامن الاسلامي والثورة ضد الفرنسيين.

سادسا: يلاحظ أن دعوة الجهاد لم تقتصر على منطقة معينة، بل امتدت في كل الغرب الأفريقي، ونتج عن انتشارها ثورة عميقة، شملت جميع جوانب الحياة السياسية، والثقافية، والدينية (5).

وترجع أهمية فكرة الجهاد الى نجاح المسلمين في محاربة الاستعمار الاوروبي، فقد تطورت هذه الفكرة، كما سبق أن ذكرنا – وخاصة في المناطق التي سيطرت عليها فرنسا، فظهرت بشكل أوضح ولكن ليس معنى ذلك أن فكرة الجهاد ضد الوثنيين لم تكن موجودة من قبل في غرب أفريقيا، ولكنها في القرن التاسع عشر تطورت تطورا كبيرا (6).

واذا تحدثنا عن أهم الممالك الاسلامية في غرب أفريقيا فلابد لنا أن نبدأ الحديث عن مملكة الفولاني (1) التي ظلت قائمة لمدة قرن من الزمان في بلاد الهوسا (2) حتى قضى عليها الاستعمار البريطاني نظرا للدور الهام الذي لعبه عثمان (3) دان فويو والذي بدأ في نشر أفكار دعوته منذ 1774 ، وتلخصت أفكار تلك الدعوة في انشاء دولة اسلامية من الفولاني الذي ينتمي اليهم كذلك نشر الاسلام بين الوثنيين وتخليص العقيدة من البدع التي انتشرت في المنطقة (4).

راسل عثمان العديد من قادة الفولاني موضحا أهدافه ثم بدأ في تسليح أتباعه في عام 1895، وقد شعر ملك جوبير نفاته بخطورة الموقف بعد تسلح عثمان ولذلك عمل على التصدي له، واضطهد المسلمين وأصدر مرسوما بعد السماح لأي شخص باعتناق الدين الاسلامي ولبس العمامة ودعا الى سفور النساء وكان هذا المرسوم بداية لمرحلة جديدة من جهاد المسلمين ثم خلفه ابنه نفاته الذي استمر في عداء لعثمان واضطر الأخير للرحيل من دجل وأعلن أنه سيهاجر منها أسوة بهجرة الرسول صلعهم ثم توجه نحو جودو وحصل على البيعة من أتباعه وحمل لقب أمير المؤمنين وكان هذا ايذانا بتأسيس الخلافة الاسلامية. وأصدر الشيخ وثيقة أهل السودان التي صارت اعلانا للجهاد وأن الجهاد واجب.

وجدير بالذكر أن نفاته حاكم جوبير عندما أدرك قوة عثمان أصدر مرسوما في 1803 منع فيه اعتناق الدين الاسلامي الا من ورثه عن اجداده، كما منع لبس العمامة للرجال والخمار للنساء وعدم السماح لاحد بالوعظ الا للشيخ عثمان نفسه وكان المقصود من هذا المرسوم عرقلة مسيرة الجهاد ونشر الدعوة، ولكن لم يطبق هذا المرسوم لفترة طويلة فقد توفي يونفه ليخلفه ابنه الذي ألغى ما جاء في المرسومين ولكنه رغم ذلك خشى من قوة ونفوذ عثمان فانقلب عليه فحاربه عثمان وانتصر عليه في عام 1804 ولاسيما وان يونفه هاجم قرى المسلمين ثم غزا امارة كبي واتخذها عاصمة له ثم سقطت زاريا 1805 ، ودان له زعماء كاتسينا ودورا وكانو وزمفاة بالولاء، وفي عام 1808 تمكن من دخول كلوة عاصمة جوبير وقتل يونفه وأعوانه ثم استوى على كانو ثم اجته نحو سوكوتو واتخذها عاصمة له (1).

في عام 1812 تفرغ عثمان دان فوديو للوعظ والارشاد والتأليف بعد أن قسم امبراطوريته الى قسيمن الشرقي يشرف عليه ابنه محمد بلو والغربي أخيه عبد الله بن فودي وتوفى الشيخ 1817 بعد أن وضع اساس دولة اسلامية استمرت بعده مدة قرن من الزمان حتى سقطت في يد الاستعمار البريطاني (2).

وأخيرا لقد أثرت حركة عثمان دان فوديو على الزعماء الأفارقة فعملوا على بناء دول ومممالك غلى غرار مملكة الفولاني، ولقد نجح عثمان في اثارة الحماس الديني لنشر الاسلام ولم يكتف بذلك وانما حركته أشبه بثورة اجتماعية في شتى المجالات (3).

امبراطورية التكرور

يعتبر الحاج عمر تل (4) هو مؤسس امبراطورية التكرور التي امتدت في أعالي السنغال والنيجر. وقد أصبح زعميا للتيجانية في غرب أفريقيا وبدأ جهاده ضد الوثنيين فأنشأ مركز في دياجوكو بالقرب من تمبو في فوتاجالون. هذا وقد نجح الحاج عمر في نشر الاسلام بين الجماعات الوثنية في فوتاجالون والسنغال كما بنى المراكز التابعة له في بودور، وباقل، ودمبورا وكون جيشا من التكرور اعتمد في تسليحه على الاسلحة الحديثة التي حصل عليها من تجار سيراليون وغمبيا مستغلا مناجم الذهب في بوريه في أعالي النيجر لشراء ما يلزمه من أسلحة (1).

اتجه الحاجة عمر في عام 1849 الى دينجويري التي اصبحت المركز الرئيسي له وكثف نشاطه في فوتاجالون وبامبوك ونجح في عام 1854 في دخول نيورو عاصمة كارته عام 1854. كما شن الغزوات في أعالي السنغال ضد جماعات البمبارا الوثنية في سيجو وكارته (2).

ومنذ عام 1859 وجه الحاج عمر نشاطه نحو النيجر وذلك بعد تزايد النفوذ الفرنسي في السنغال من أحمدوا الثالث حفيد أحمد لوبو ودخل العاصمة حمدالله، كما فرض الضرائب على حكام تمبكتو وبذلك امتدت سيطرته على ميدين في السنغال حتى تمبكتو في النيجر.

لجأت جماعات البمبارة الوثنية الى المكيدة للتخلص من الحاج عمر فتحالفوا مع الطوارق في تمبكتو ونجحوا في حصاره في حمدالله وقطعوا الطريق بين ماسينا وسيجو لمنع وصول الامدادات اليه فاضطر الى الفرار الى احدى المغارات حيث حوصر فيها وقتل في عام 1864 (3).


امبراطورية الماندنجو

كون ساموري توري Samory Toure امبراطورية اسلامية من قبائل الماندنجو التي نجح في توحيدها تحت زعامته. ولم تذكر لنا المراجع اذا كان ساموري قد اعتنق احدى الطرق الصوفية التي انتشرت في غرب افريقيا، ولكن من المؤكد أنه كان من ضمن الزعماء الأفارقة الذين أعلنوا الجهاد ضد الوثنيين ثم الفرنسيين بعد ذلك. وقد لعب ساموري دورا كبيرا في غرب أفريقيا واصطدم بالفرنسيين ودام الصراع بين الطرفين أكثر من عشرين عاما نجح ساموري خلالها في بث الفزع والرعب في قلوب الفرنسيين حتى أن كثيرا من الكتاب الفرنسيين وصفوه بأنه دموي متعطش للدماء، فالف ديبوك كتابا بعنوان Samory le sanglant بينما وصفه بعض القادة الفرنسيين بأنه من أمهر القادة العسكريين حتى شبهه القائد الفرنسي بيروز بأنه بونابرت السودان (1).

ولد ساموري في ساندكورو في جنوب شرق كنكان في أعالي حوض نهر ميلو أحد روافد النيجر. وقد اختلف الباحثون في تاريخ مولده، ولكنت من المرجح بأنه يقع بين سنتي 1830-1835 (2)ز وقد تلقى ساموري في صباه تعليما دينيا على يد والده لافيا توري وأكمل تعليمه الديني على يد أحد المرابطين. وقد وقعت حادثة لساموري كانت لها أكبر الاثر في نشأته العسكرية، فقد حدث أو وقعت والدته في أسر أحد الزعماء ويدعى سيزي عام 1851 وكان على ساموري لكي يفك أسرها أن يعمل لعدة سنوات في خدمة جيش سيزيه فقبل ساموري (3).

أراد ساموري (4) تكوين امبراطورية كبيرة من الماندنجو في أعالي النيجر فاتخذ بيساندوجو 1872 عاصمة له ثم استولى على كنكان 1872 وتطلع لمد نفوذه شمالا جنوب النيجر. هذا وقد نجح سامري في تكوين جيش كبير من الماندنجو وكان يتولى أسر الأطفال ويعمل على تنشئتهم نشأة عسكرية ولتدعيم قواته وامدادها بالأسلحة الحديثة كان يقوم ببيع الرقيق لشراء الأسلحة التي أنشئ لها المصانع لتطويرها.

وفي عام 1881 نقل ساموري عاصمته من بيساندوجو الى جيبليه في الجنوب وذلك لمحاولة الاستفادة من مناجم بوريه الغنية بالذهب والتي استغلها الحاج عمر من قبل لشراء ما يلزمه من الاسلحة، وركز ساموري نشاطه العسكري نحو الضفة اليمنى لنهر النيجر تجاه القرى الغنية بالخيول والملح فهاجم القرى الضعيفة واستولى عليها وأسر عددا كبيرا من أهلها وأجبرهم على العمل في خدمة جيشه (1).

ويمكن تقسيم دولة ساموري الى ثلاث مراحل، الرحلة الأولى اتسمت ببناء مجتمع جديد ودولة جديدة وذلك قبل عام 1884، والمرحلة الثانية امتدت 1885-1888 واتسمت هذه المرحلة بالصبغة الدينية واعلان ساموري الجهاد لنشر الاسلام بين الوثنيين وفتحه العديد من المدارس لتحفيظ القرآن والتوسع في انشاء المساجد، أما المرحلة الثالثة والأخيرة فتبدأ من عام 1889-1898 وقد اصطبغت بالصبغة العسكرية. وقد اصطدم ساموري بالفرنسيين طوال المراحل الثلاث ولكن اختلفت حدة هذا الصدام من مرحلة الى أخرى ، فقبل عام 1884 اقتصرت العلاقة بينه وبين الفرنسيين على مجرد المناوشات العسكرية ولكن بعد عام 1884 هاجم ساموري الفرنسيين بعنف (2).

وصف القائد الفرنسي بيروز امبراطورية ساموري وصفا دقيقا فقد التقى بساموري في عام 1887 وعقد معه اتفاقية وذكر بيروز بأن دولة ساموري انقسمت الى 162 اقليما، احتى كل اقليم عل عشرين قرية تختلف كل منها عن الأخرى من حيث المساحة وقد شملت امبراطوريته العديد من الأسواق مثل سوق الذهب والعاج والماشية ونالت بعض الأسواق شهرة كبيرة مثل سوق كمباي ونورا، وكوروسا، وكانت هذا الأسواق مراكز هامة ربطت بعض أجزاء الامبراطورية بسيراليون وفوتاجالون، كما اشتهرت سنساندنج بأنها سوق كبير للحبوب، أما كنكان فكانت من أشهر المراكز التي حصل منها ساموري على الذهب والعاج ، وذاعت شهرة بيساندوجو بأنها من أهم مراكز النسيح والاسلحة وعرفت كنيبا بأنها مركز تجاري هام للتجارة مع الفرنسيين في الملح، وعرفت كورا بانتاج الذهب والخيول والأرز والمنسوجات والأسلحة (3).

أما بالنسبة للتنظيم العسكرية فقد اعتمد ساموري على جنود السوفا فكان زعيم كل قرية مسئولا عن الأمن وعليه تزويد الجيش بالمجندين من كل القرى وكانت فترة الخدمة في الجيش غير محددة فيبقى المجندون فيه حتى يحل محلهم مجندون آخرون وكان على كل حاكم أن يجند جيشا من أبناء المقاطعة التي يحكمها وفي أوقات السلم يعود المجندون الى ديارهم مرة أخرى لمدة ستة أشهر يقومون خلالها بالأعمال الزراعية الشاقة وفي الستة أشهر الأخرى يتحتم عليهم الحضور على الاقل مرتين أمام زعيمهم المباشر الذي يقرر احتياج الجيش أما العودة مرة أخرى الى الجندية أو العودة الى ديارهم وعلى كل قرية زراعية مساحة من الحقول تكفي لاطعام الجيش في أوقات الحرب (1).

قسم ماسوري قواته الى ثلاث مجموعات المجموعة الأولى ذات البنادق سريعة الطلقات وهدفها محاربة الفرنسيين والتصدي لهم، والمجموعة الثانية كانت مسئولة عن حراسة وحماية المواطنين، أما المجموعة الثالثة فكانت مسئولة عن ضم أراضي جديدة تجاه الشرق وكانت هذه المجموعة تعمل على مد حدود الامبراطورية سنة وراء الأخرى (2).

هذا وقد وجدت دول اسلامية في المنطقة وان لم تكن بنفس تنظيم وقوة الممالك السابقة مثل الولوف في كايور والساراكولي في سنغنميا. أما في موريتانيا (3) فقد اشتهرت امارتي الترازة والبراكنة بمقاومة الاستعمار الفرنسي.













التوسع العسكري الفرنسي في غرب أفريقيا

1- السنغال

تعتبر السنغال من أولى المستعمرات الفرنسية في غرب أفريقيا، وهي أقربها الى اوروبا، وقد اتخذت فرنسا من سانت لويس عاصمة للمستعمرة، ومن داكار ميناءا رئيسيا لها كما اعتبر داكار أيضا من أهم موانئ أفريقيا الغربية الفرنسية. وقد مثلت السنغال أهمية اقتصادية كبيرة، وذلك بفضل ما تنتجه من كميات كبيرة من الفول السوداني، وخاصة في اقليم كاولاك وكايور وسالوفولو (1).

اذا تتبعتنا بداية اتصال السنغال بالاوروبيين سنجد بأن البرتغاليين كانوا من أول (2) الدول الاوروبية التي وصلت الى سواحل غرب أفريقيا وذلك بعد أن نجحت ابرتغال في تطوير سفنها، وزودتها بالبوصلة والاسطرلاب فقضت بذلك على العقبة التي كانت تعترضها وهي مشكلة الرياح وكيفية الابحار في أعالي البحار (3). ولكن النفوذ البرتغالي بدأ ينحسر من المنطقة فيما بين 1580 – 1640 بعد أن انتاب البرتغال الضعف، ونافستها الدول الاوروبية الأخرى وحل النفوذ الفرنسي محل النفوذ البرتغالي، وكان البرتغال هي التي اكتشفت السواحل الغربي لافريقيا وبقية الدول الاوروبية هي التي استفادت منه (4).

نجح ريشيليو الشركات الفرنسية في السنغال فتزايد عددها (5). كما قام كوليير بدعاية كبيرة مؤكدا حق فرنسا التاريخي في المنطقة (6). هذا وقد بذل مديرو السنغال جهودا كبيرة للنهوض بها وتنمية التجارة فيها ونذكر على سبيل المثال (1) أندريه برو الذي أسس الوكالات التجارية في البريدا وغمبيا وبيساو (2).

أدى قيام حرب السنوات السبع الى تعاقب استيلاء الدولتين على السنغال حتى استعادت فرنسا جميع وكالاتها بعد توقيع معاهدة باريس 1814 (3)ز

التزمت الادارة الفرنسية طوال النصف الأول من القرن 19 بسياسة مهادنة القوى الوطنية مع تطوير المستعمرة من الناحية الاقتصادية فتم ادخال خاصلات جديدة مثل السكر والبن والقطن (4) كما تم استقدام الخبراء الزراعيين للتوسع في زراعة الأرز والنيلة اللازمة للصناعة وأدخل صناعة الحرير (5).

كما اهتم حكام السنغال باكتشاف المناطق الداخلية المحيطة بها ولاسيما بوييه ويلوميه (6) كما أرسل خليفته بودان بعثة هيكار الشهيرة 1849 لتفقد منابع السنغال وغمبيا والفاليمي وبوندو (7).

ورغم كل هذه الجهود عانت المستعمرة من اغارات القبائل الموريتانية وكثرة تولي المديرين عليها فكانت من الصعب وضع سياسة عامة ومحددة.

تزايد النشاط الفرنسي في السنغال منذ منتصف القرن التاسع عشر:

جاء تعيين فديريب (8) حاكما على السنغال في عام 1854 مواكبا لطموح فرنسا وسياستها التوسعية الجديدة في المنطقة، فقد انتهجت الامبراطورية الثانية سياسة نابليون أكثر نشاطا في أفريقيا منذ منتصف القرن 19، واتسمت سياسة نابليون الثالث بالتوسع والاستعمار (1)، وسعى لربط المستعمرات الفرنسية في الجزائر مع مستعمرة السنغال في غرب أفريقيا، كما أن حكومته اعتمدت على العسكريين من جهة والحزب الكاثوليكي من جهة أخرى وكلا الحزبين من أنصار التوسع والاستعمار وقد وجهت هذه العناصر سياسة فرنسا من 1852-1870 (2).

كان أهم عمل بالنسبة لفيديرب هو تأمينه لحدود مستعمرة السنغال ضد القبائل الموريتانية من جهة الشمال كذلك تأمين الحدود الشرقية ضد التكرور وتأمين الحدود الجنوبية فضم منطقتي سين وسالوم الى السنغال وأجبر القوى الوطنية على توقيع معاهدات الحماية. هذا وقد وضع فيديرب سياسة محددة للتعامل مع القوى الوطنية المختلفة تلخصت في سياسة السلام أو الحرب (3) أي على القوى الوطنية المختلفة التعاون معه والاستسلام للنفوذ الفرنسي فان لم ترضخ له فليس أمامها سوى الحرب. هذا وقد اتخذ فيديرب من السنغال القاعدة الرئيسية للتوسع الفرنسي في غرب أفريقيا (4).

اذا تتبعنا العلاقة بين الطرفين سنجد بأنها كانت طيبة في بداية الأمر لأن الحاج عمر ركز جهوده ضد الوثنيين لنشر الاسلام ففي عام 1847 قابل عمر دي جرامون مدير الشئون الخارجية للمستعمرة ومعه بول هول وأكد عمر خلال هذه المقابلة بأنه حريص على الابقاء على العلاقات الودية مع الفرنسيين وهو مستعد لتوفير الحماية للتجار الاوروبيين ولكنه اشترط عليهم بيعه الأسلحة وأعلن لهم بأنه صديق للاوربيين يريد العيش في سلام معهم، ولا يبغي سوى أن يدفعوا له الضرائب لكي يتمكنوا من التجارة بحرية (5).

وفيما بين 1852-1854 أصبح الحاج عمر له نفوذ كبير على مسلمي سنغمبيا وبامبوك وخاسو وبوندو (1)، ولم يتقصر تأثيره على مسلمي السنغال وما حولها وانما امتد حتى غمبيا، فعمل على اثارة أهالي المنطقة ضد القوات البريطانية ، ونظم حملة عسكرية اتجه بها صوب بتهورست في غمبيا لولا مسارعة القوى الفرنسية لانقاذ الموقف (2).

بدأ الفرنسيون يدركون مدى قوى الحاج عمر وخاصة وأن مسلمي فوتا السنغالية تطلعوا الى الاتحاد معه، ولذلك كان لابد لفيديرب من الاعتماد على قوى أخرى يواجه بها الكترور فلجأ الى التحالف مع البمبارا الوثنيين الذين مثلوا الد أعداء الحاج عمر، وفي نفس الوقت رحب البمبارا بهذا التحالف على أمل أن يمكنهم من استعادة نفوذهم ومركزهم السياسي الذي سلبهم منهم التكرور (3).

وحتى عام 1857 كان الحاج عمر ما زال على علاقة طيبة بالفرنسيين، ولكن سرعان ما تبدلت هذه العلاقة عندما أرسل لهم يطلب منهم تزويده بالاسلحة الحديثة ولكنهم رفضوا وذلك خوفا من تزايد قوته العسكرية، في الوقت نفسه عملوا على تسليح البمبارا ولذلك تغير موقفه من الفرنسيين ، وأخذ أتباعه يهاجمون المراكز الفرنسية ويهددون التجارة في منطقة باقل. ثم أقدم الحاج عمر على خطوة خطيرة اذ أعلن عن نواياه في محاربة الفرنسيين حتى يدفعوا له الجزية كما دعا أتباعه في سانت لويس الى عدم التعاون والاتفاق مع الخونة الفرنسيين على حد تعبيره، وكتب الى فيديرب بأنه لا يريد اقامة أية منشآت فرنسية في اراضيه كما أنه يعارض ارسال أي سفنية حربية فرنسية (4).

والواقع أن طلب الحاج عمر الجزية من الفرنسيين راجع الى اقتناعه خلال هذه الفترة بقدرته العسكرية وامكانه هزيمتهم وذلك يرجع الى أن فيديرب ركز جهوده خلال هذه الفترة نحو المناطق الشمالية من السنغال لاخضاع الموريتانيين ومنعهم من الاغارة على المستعمرة، كذلك حتى هذه الفترة لم يدخل الحاج عمر في صراع حقيقي مع القوة الفرنسية (1)ز

ونتيجة لتحالف الفرنسيين مع البمبارا الوثنيين قام الحاج عمر بطرد التجار الفرنسيين العالمين في المنطقة الواقع من باقل الى بودور في أعالي السنغال كما هاجم سمبالا حاكم خاسو لترحيبه بالفرنسيين في اراضيه واضطره الى الفرار الى ميدين (2).

وقد قبل سمبالا بناء حصن فرنسي في ميدين ففي خلال هذه الفترة أراد فيديرب توسيع حدود المستعمرة الى ما وراء باقل واعادة النشاط التجاري للمنطقة، فرآى انشاء حصن فرنسي يساعد على رد هجمات الحاج عمر ، وعين فيه القائد الفرنسي بول هول وزود الحصن بأربعة مدافع (3).

وكان رد الحاج عمر على انشاء حصن ميدين عنيفا فقد حاصره عدة أشهر من ابريل حتى يوليو 1857 كما قام بمهاجمة حصن ماتام ومركز جيمو في عام 1859 (4). ولكن رغم اصراره على حصار الحصون الفرنسية الا أنه لم ينجح في التصدي لمخططات الفرنسيين وأدرك أنه لا قبل له على مواجهتهم، ولذلك فضل الاتجاه شرقا صوب النيجر لكي يستكمل بناء امبراطوريته، وأصبح نهر السنغال هو الحاجز بين امبراطورية التكرور ومناطق النفوذ الفرنسي في السنغال هذا وقد أفاد الحاج عمر من غزوه المناطق الواقعة شرق السنغال أي صوب النيجر فغزا سيجو وحارب البمبارة الوثنيين واستولى على ماسينا وحقق نجاحا كبيرا في المنطقة (5).

ولذلك عندما عاد فيديرب الى السنغال خلال فترة ولايته الثانية في عام 1863 وجد أن امبراطورية التكرور بزعامة الحاج عمر قد اتسعت ونمت وأصبحت تشكل خطرا كبيرا على المشاريع الفرنسية التوسعية (1). ولذلك عزم فيديرب على ارسال بعثة الى سيجو لمقابلة الحاج عمر وكلف الضابط البحري أوجين ماج بالتوجه الى سيجو عام 1863 لاقناع الحاج عمر بالتعاون مع الفرنسيين.

كان الهدف الحقيقي للبعثة هو اكتشاف خط يربط بين الممتلكات الفرنسية في أعالي السنغال وأعالي النيجر، وخاصة باماكو أي ربط السنغال بالنيجر.

لم يقدر للبعثة مقابلة الحاج عمر فقد بقيت في سيجو لمدة عامين حتى وفاته رغم تأكيده لأبنه أحمد سيخو بأن هدفهم الحقيقي هو الاهتمام بالتجارة وأن يسمح لهم بانشاء المراكز التجارية ولكن أحمد رفض انشاء أية مراكز في اراضي التكرور (2).


القضاء على المقاومة الوطنية في السنغال

بعد انعقاد مؤتمر برلين نشطت السياسة الفرنسية في غرب افريقيا واتخذت فرنسا من السنغال قاعدة للانطلاق نحو المناطق الداخلية فكان عليها لتحقيق ذلك القضاء على المقاومة الوطنية والتي تمثلت في تلك الفترة في مملكتي كابور والساركولي.

أ - مملكة كايور:

كايور الآن محافظة من محافظات السنغال ولكنها في القرن ا19 كانت مملكة يسكنها الولوف، وقد أمتدت بين سانت لويس في الشمال، وروفسك في الجنوب. وقد لعب لات ديور ملك كايور دورا هاما في مقاومة النفوذ الفرنسي وأعلن عن رغبته واستعداده لقبول السيطرة الفرنسية في عام 1869 الا أنه استأنف الجهاد ضد القوات الفرنسية وفي عام 1871 اعترفت فرنسا به ملكا على كايور في مقابل قبوله الحماية (3).

واذا حاولنا تعليل أسباب قبول الفرنسيين توقيع معاهدة مع ديور ومهادنته خلال تلك الفترة سنجد أن الحرب السبعينية اضطرت القوات الفرنسية للانسحاب من السنغال فأراد القادة الفرنسيون المحافظة على هدوء الموقف في المستعمرة وتجنب التورط في أية اشتباكات جديدة ولكن رغم هذا الاتفاق سرعان ما توترت العلاقة بين الطرفين لرفض لات ديور مد خط حديدي من سانت لويس الى داكار (1). وظل لات ديور يثير المشاكل للفرنسيين فتحالف مع قبائل الترارزة المورياتنية حتى أعلنت فرنسا الحماية على كايور 1883 ثم كثفت حملاتها العسكرية ضد 1884-1886 حتى قتله (2).


ب – مملكة الساراكولي:

أعلن محمدو لامين زعيم الساراكولي الجهاد ضد الفرنسيين في منطقة سنغمبيا (3). وكان هدفه هو تكوين امبراطورية من قبائل الساراكولي التي ينتمي اليها على غرار امبراطورية التكرور التي أسسها الحاج عمر (4).

فيما بين عامي 1868 و1869 أدى لامين فريضة الحاج وعند عودته الى بلاده وقع أسيرا في يد قوات أحمدو شيخو زعيم التكرور فمكث حوالي سبع سنوات في أراضيه مما كان له أكبر الاثر في توتر العلاقات بين الطرفين (5).

ومنذ عام 1885 بدأ الصدام الحقيقي بين محمود لامين والفرنسيين فقد بدأ في مراسلة المدن المجاورة وأعلن عن برنامجه والذي تلخص في اعلان الجهاد وتطوير الجيش وتزويده بأحدث الأسلحة، ثم تحسين علاقته مع جيرانه خاصة حكام فوتاتورو وبوندو وفي عام 1886 أعلن نفسه مهديا وبدأ في ضم العديد من الأراضي فضم ديافونو، وكارته، وبوندو وجويد يمكة (6).

وفي عام 1886 حاصر لامين الحصن الفرنسي في باقل واستولى على القرى المحيطة به (1) كما عمل على قطع طريق المواصلات بين بالقل وكايس لمنع وصول لامين الى الحصن ولكنه فشل، ثم كلف الملازم فري بالتصدي لمحمدو لامين فوصل باقل وشن سلسلة من الهجمات ضد الساراكولي الذين نجحوا في الحاق الهزائم بالفرنسيين ، ثم اتجه إلى أعالي غمبيا وأسس حصن ديانا على بعد مائتي كم من السنغال (2).

حقق لامين انتصارات في سنغمبيا وخشى الفرنسيين من قوته وأخذوا في تحصين حامياتهم العسكرية ومراكزهم على طول نهر السنغال ثم تدهور الموقف العسكري بالنسبة للفرنسيين، حتى تم تعيين جالليني قائدا أعلى للسودان الفرنسي في 15 نوفمبر 1886 بدلا من فري فأراد أن يأمن جانب كل من ساموري زعيم الماندنجو كذلك أحمدو زعيم التكرور وذلك قبل اقدامه على محاربة لامين فقد خشى أن يقدما المساعدة له، فعقد معاهدة مع ساموري لكي يأمن ظهر قواته أثناء تقدمه في سنغمبيا، وحتى لا يتعرض لأي هجوم مباغت من أعالي النيجر، كذلك اتفق مع أحمد شيخو على أن يتعاونا ضد لامين عدومهما الشمترك (3). ولذلك ركز أحمدو شيخو حملات في كل من ديافونو وجويد بمكة التي تركز فيها سويبو ابن محمدو لامين، واستمر الاشتباك بين قوات التكرور والساراكولي حوالي ستة شهور وفي 7 أبريل سنة 1887 حتى تمكن أحمدو من الحاق الهزيمة بقوات الساراكولي في جوري، ولكن القوات الرئيسية كانت مع لامين في ديانا فحاول سويبو اللحاق بفرق ابيه، وأثناء عبوره نهر السنغال تمكن الملازم رشيمبرج من القاء القبض عليه في قرية ديوكوكوي القريبة من معسكر جالليني في اروندو (4) حيث تم اعدامه رميا بالرصاص بينما ظل لامين في أعالي غمبيا مسيطرا على ضفاف الفاليمي وبامبوك (5).

وجه جالليني حملتين للقضاء على لامين تحركت الأولى من اروندو صوب ديانا، والثانية تحركت من ديامو بقيادة فاليير على أن تلتقي الحملتان في ديانا. وجدير بالذكر أن الطريق الى ديانا كان صعبا وشاقا فقد سارت الحملتان في بلاد مجهولة بالنسبة للفرنسيين ، تغطيها الأشجار الكثيفة. ولذلك نجح لامين في الحاق الهزائم بالفرنسيين ولكن اضطر في نهاية الأمر الى الفرار أمام كثافة الهجمات الفنرسية وفر الى غمبيا ولكن جالليني تعقبه وقام الكابت فورتن بتمشيط المنطقة عام 1887 مما أدى الى تخوف ملك منطقة فردو من عقاب الفرنسيين فقتل لامين وأحضر راسه الى فورتن (1).

وبموت لامين انتهت المقاومة العنيفة التي واجهت الفرنسيين في السنغال مما أتاح لهم فرصة العمل بشئ من الهدوء النسبي في تقوية مراكزهم، واعادة تنظيم مواصلاتهم كما يلاحظ أن جالليني اتبع أسلوب التغلب على الزعماء المحليين منفردين والحيلولة دون تكتلهم، ولذلك فقد أسرع بعقد معاهدة مع أحمدو شيخو، ولكن لم يكن ذلك يعني بأن الفرنسيين تخلو عن عدائهم لهم أو أنهم سيتركونه وشأنه، وانما كانوا في حاجة اليه للتخلص من خطر محمدو لامين أولا ثم التخلص منه بعد ذلك.

من العرض السابق نلاحظ بأن السنغال كانت من أهم المستعمرات الفرنسية في غرب افريقيا فهي المستعمرة الأم الرئيسية، وقد تطورت فيها السياسة الفرنسية ، ففي البداية عملت فرنسا على مهادنة القوى الوطنية مع حرصها في الوقت نفسه على تطوير المنطقة ولكن دون اقدام على احتلالها أو غزوها. ولكن بمجيئ فيديرب تغيرت هذه السياسة كلية، فقد استخدم القوى العسكرية ضد معارضيه وارسى دعائم التوسع العسكري الفرنسي في المنطقة ولكن دون اقدام على احتلالها أو غزوها. وبعد رحيله عانت المستعمرة من الاضطرابات وخاصة بعد هزيمة فرنسا في الحرب السبعينية، ولكن سرعان ما استعاد الفرنسيون نشاطهم مرة أخرى في المنطقة متخذين من السنغال قاعدة للتوسع نحو المناطق الداخلية واستتبع ذلك تدعيم سيطرتهم عليها بالقضاء على المقاومة الوطنية فيها والتي تمثلت في لاديور في كايور، ومحمدو لامين زعيم الساراكولي.


ثانيا: غينيا الفرنسية:

تحتل غينيا الفرنسية موقعا خطيرا، فهي في الانحناء الجنوبي الغربي لمنطقة أفريقيا لغربية، ومحطة هامة بين جنوبي افريقيا وأفريقيا الغربية ويحدها شرقا ساحل العاج وشمالا السنغال وغينيا البرتغالية وجنوبا ليبريا وسيراليون وتطل من ناحية الغرب على المحيط الأطلنطي (1). وتعتبر غينيا أكثر المستعمرات الفرنسية كثافة، وتمتاز بسواحلها المغمورة وكثرة الخلجان ومرتفعاتها الداخلية حيث هضبة فوتاجالون الغزيرة بالأمطار التي تلائم ظروفها سكان غير الأفريقيين (2).

وجدير بالذكر أن اسم غينيا اطلق على المستعمرة في أواخر القرن التاسع عشر، وقد انصب اهتمام الفرنسيين على المنطقة الساحلية التي عرفت باسم أنهار الجنوب، كذلك على المنطقة الداخلية في فوتاجالون، ولكن سرعان ما دعمت فرنسا سيطرتها على المنطقة ودمجت المناطق الداخلية والساحلية ومدت حدود المستعمرة حتى شملت أجزاء من السودان الفرنسي وأودية النيجر (3).

ومنذ القرن الثامن عشر كون المسلون في المنطقة حكومات اسلامية، وخاصة في المناطق الداخلية في فوتاجالون، وقسموها الى عدة دول أو أقاليم يحكم كل منها حاكم يلقب فاما. وقد حرصت فرنسا على تدعيم سيطرتها على الساحل وفوتاجالون وحققت المنطقتان اتصالات سهلة مع أعالي النيجر (4).

ولما كانت منطقة أنهار الجنوب تمثل أهمية كبيرة لموقعها وتجارتها فقد أقام التجار الفرنسيون عدة مراكز لهم في ريو كاسيني ونوفية ، وبونجو، وميلاكوري، واسكاريا ولكن كان من المتعذرة على الوطنيين قبول انشاء مراكز فرنسية أو وكالات في أراضيهم وكذلك فانهم سرعان ما كانوا يدمرونها بني حين وآخر رغم المعاهدات التي عقدوها مع الفرنسين (5).

هذا وقد شهدت منطقة أنهار الجنوب وفوتاجالون صراعات عنيفا بين القوتين الفرنسية والبريطانية حسم لصالح فرنسا فقد سعى حاكم سيراليون البريطاني صموائيل روي لمد نفوذ بلاده من سيراليون شمالا الى أنهار الجنوب في الوقت الذي سعى حاكم السنغال بريير دي ليل لمد نفوذ فرنسا من السنغال شمالا الى أنهار الجنوب جنوبا فأنشأ الفرنسيون العديد من المراكز في المنطقة ثم انتهى الأمر باعلان الحماية الفرنسية على منطقة أنهار الجنوب.

كذلك دعمت فرنسا نفوذها في المنطقة الداخلية في فوتاجالون واستطاع ايميه اوليفيه دي سندرفال أن يدعم سيطرة فرنسا على فوتاجالون ولذلك لا نستطيع أن نغفل دوره الهام في تثيبيت النفوذ الفرنسي . فقد عمل دي سندرفال على اقامة علاقات طبية مع الزعماء الوطنيين في فوتاجالون، واستطاع اثنان من عملائه اكتشاف منابع النيجر من فوتاجالون فقد ارسل مدير الوكالة فرمنك كلا من زويفل وموستيه الى فوتاجالون ونجحا في الوصول الى قرية فوريا حيث اكتشاف المنبع الرئيسي لنهر تمبيكو، وهو من روافد نهر النيجر الرئيسية. وفي عام 1789 وقعت معاهدة مع زمعاء منطقة سامو لاقرار النفوذ الفرنسي في الأراضي القريبة من النيجر وفي عام 1880 حصل دي سندرفال على حقوق في جزيرة تمبو فمد النفوذ الفرنسي في دوبريكا وقد تبع ذلك ميناء كونكاري، كما حصل دي سندرفال ايضا على موافقة أئمة فوتاجالون على مد خط حديدي من فوتاجالون حتى الساحل. وقد لقبه سكان المنطقة بالملك وضرب النقود باسمه، وبفضل جهوده امتد النشاط البريطاني في فوتاجالون، كم قدم الكثير من المساعدات للبعثات الفرنسية مثل بعثة الملازم بلات التي أرسلت عام 1888 وبعثة ليفاسير ، وساعد القوات الفرنسية في حملاتها ضد الزعماء المعارضين لها. وعندما دعمت فرنسا سيطرتها في فوتاجالون، سلم حقوقه ومنشآته الى الفرنسيين ثم رحل الى فرنسا (1).


وبعد عودته الى فرنسا نشر كتبا عنم فترة اقامته في فوتاجالون ولقب بالكونت دي سندرفال (1).

وعندما وصل جالليني الى السودان نادى بضرورة تدعيم النفوذ الفرنسي في فوتاجالون، واقامة مواصلات بين أعالي النيجر ومنطقة ميلاكوري، وقد ساعد جالليني في تحقيق مشاريعه في تأييد ايتيان وكيل وزارة المستعمرات له ، وكانت منطقة فوتاجالون هي محط أنظار الفرنسيين خلال هذه الفترة (2). وقد عهد على الدكتور بايول وهو طبيب في البحرية الفرنسية بتدعيم السيطرة الفرنسية على فوتاجالون من أجل بناء امبارطورية تجارية في تمبو فوقع معاهدة 1881 مع الزعيم ابراهيما سوري لتدعيم النفوذ الفرنسي واستبعاد النفوذ البريطاني.

وفي 1882 تم توقيع اتفاق فرنسي بريطاني حددت (3) فيه الحدود بين منطقة أنهار الجنوب، وسيراليون.


ثالثا: السودان الفرنسي:

1 - القضاء على امبراطورية التكرور:

خلف أحمدو شيخو والده الحاج عمر الذي عهد اليه بادارة مملكة البمبارة قبل وفاته، ولقبه خليفة التيجانية في السودان كما لقب بأمير المؤمنين (1).

اذا حاولنا تتبع العلاقة بين التكرور والفرنسيين سنجد أنه كانت هناك محاولات للاتفاق السلمي بين الطرفين فالفرنسيون أرادوا مد نشاطهم التجاري في منطقة السودان الغربي، كذلك أراد أحمدو استكمال الجهاد ضد الوثنيين وتدعيم سيطرته على الأراضي التابعة له وتحقيقا لذلك ارسل فيديرب بعثة ماج الى سيجو في 28 فبراير 1863 ولكن التكرور استبقوها فترة من الزمن ثم استؤنفت المفاوضات بعد وفاة الحاج عمر وأسفرت عن توقيع معاهدة ماج وكان من أهم شروطها اعتراف الفرنسيين بسلطة أحمدو في الأراضي التي يسيطر عليها والسماح لتكرور بشراء ما يحتاجون اليه من سانت لويس وتوفير الحماية للتجار الفرنسيين (2).

أثارت معاهدة ماج قلق حاكم سيراليون البريطاني الذي سعى للتقرب من أحمدوا ولكن الكابت جالليني استطاع أن يعقد اتفاقا مع أحمدو في 1880 عرفت بمعاهدة نانجو وافق فيها أحمدو على السماح للفرنسيين بالتجارة ولكنه تمسط بشرط عدم اقامة حصون فرنسية في أراضيه أو مد خطوط حديدية (3).

هذا وقد اختلفت نصوص معاهدة نانجو فتضمنت النص العربي السماج للتجار بالتجارة أما في النص الفرنسي فقد ورد لفظ الحماية وبناء المنشآت على طول نهر النيجر وقد أدى اختلاف النصين الى توتر العلاقة بين الطرفين منذ عام 1880 واستطاع القادة الفرنسية انشاء الحصون في كينيا وبافولابي وباماكو وذلك لابعاد النفوذ البريطاني ولايجاد اتصال مباشر مع النيجر، ونتيجة لهذا النشاط الفرنسي المكثف نقل أحمدو عاصمة بلاده من سيجو الواقعة قرب باماكو الى نيورو عاصمة كارته. وفي عام 18896 عين جالليني قائدة على السودان الفرنسي وظهر لأول مرة اصطلاح السودان الفرنسي بدلا من أعالي النهر (1).

وركز جالليني جهوده ضد محمدو لامين ولذلك رأى أن من الضروري التعاون مع أحمدو وأسفر هذا التعاون عن توقيع معاهدة جوري في 12 مايو سنة 1887 وافق فيها أحمدو على وضع بلاده تحت الحماية الفرنسية (2).

ثم خلف ارشنيار (3) جالليني وتلخصت سياسته في ضرورة القضاء على التكرور فقاد ثلاث حملات عسكرية ضدهم أسفرت عن تدمير امبراطوريتهم واحتلال سيجو العاصمة القديمة، كما استولى على حصن كونيا كاري في 15 يونيو 1890 مما أدى الى انسحاب أحمدو الى نيورو فتتبعه اليها مما اضطره لهجرها عام 1891 والفرار الى سوكوتو التي استقر فيها وتوفى 1898 (4).


2- القضاء على امبراطورية الماندنجو:

دام الصراع بين الفرنسيين وساموري فترة طويلة 1881-1898 ولاسيما وأنه دعم سيطرته في أعالي النيجر في الوقت الذي سعى الفرنسيون لمد نفوذهم عليه وبعد عدة مصادمات بين الطرفين تم توقيع معاهدة كينيا كورا 1886 والتي نصت على اعترافه بالنفوذ الفرنسي على الضفة اليسرى للنهر، واعتراف فرنسا بنفوذه على الأراضي الواقعة على الضفة اليمنى ولكن الحكومة الفرنسية لم ترض عن هذه المعاهدة ورأت ضرورة توقيع اتفاقية أخرى (5) فتم توقيع معاهدة بيساندوجو في 25 مارس 1887 والتي كانت أشمل وأدق في نصوصها لأنها كانت أكثر تحديدا في توضيح مناطق النفوذ الفرنسي (6).

وقد مكنت هذا المعاهدة ساموري من التفرغ لعدوه اللدود تيبا حاكم كيندوجو.

ولم يكتف ساموري بمخالفة الفرنسيين وانما عمل على الاستفادة من التنافس البريطاني الفرنسي فعمل على استمالة حاكم سيراليون وارسل 1880 رسالة الى سير روي من أجل تشجيع التجارة بين الطرفين، وكذلك ارسل مبعوثيه 1885 الى فريتاون وعرض وضع بلاده تحت الحماية البريطانية (1).

ولكن بعد توقيع ساموري معاهدة بيساندوجو مع الفرنسيين اصبح لفرنسا سيطرة تامة على الأراضي الداخلية لسيراليون، مما حال دون امتداد انجلترا للداخل ولذلك أرسل حاكم سيراليون ضابطا بريطانيا 1888 يدعى فستنج لتوقيع معاهدة مع ساموري وقد اختير فيستنج لهذه المهمة لنظرا لالمامه باللغة العربية ودرايته بالعادات والتقاليد الاسلامية وكان قد سبق له التفاوض من قبل مع الزعماء الوطنيين فله اذن خبرة في مثل هذه الأمور (2). وقد اقنع فستنج ساموري بمد خط حديدي بين أراضيه وسيراليون فوافق ساموري ولكنه اشترط ضمان استمرار تجارته مع فريتاون، واتفق الطرفان على توقيع معاهدة بينهما وأدى التقارب بين ساموري وفريتاون الى غضب السلطان الفرنسية التي رأت في ذلك الاتفاق خطورة على مصالحها (3).

وقد حذرت وزارة الحربية البريطانية من خطورة معاهدة بيساندوجو لأنه بمقتضاها سيطرت فرنسا على الأراضي الداخلية لسيراليون التي تعتبر من أهم المحطات الرئيسة البريطانية والمؤدية الى مستعمرة الراس، التي أنفقت عليها بريطانيا الكثير من الأموال، ولذلك فان تركيز النشاط الفرنسي في هذه المناطق بالاضافة الى فوناجالون شكل خطرا على بريطانيا، وخاصة وأن جالليني أعلن في 19 أبريل 1887 بأن حماية فرنسا تمتد على طول ضفة النيجر اليمنى من سيجو حتى سيراليون للتوغل في سنغمبيا والنيجر وعملت على ربط النيجر بمنطقة أنهار الجنوب، وربط أعالي النيجر بساحل العاج، ولذلك فان السياسة الفرنسية تعتبر أكثر فعالية ونشاط من السياسة البريطانية، ولابد من اتخاذ الاجراءات اللازمة للحيلولة دون توغل النفوذ الفرنسي في غرب أفريقيا، ولذلك يجب عليها التحرك وعقد معاهدات مماثلة مع الزعماء الوطنيين ولتضع في اعتبارها توقيع معاهدة مع ساموري باعتباره من أهم الزعماء في المنطقة (1).


وقد عملت حكومة سيراليون على الاتصال بساموري وتوثيق الصلة معه فاستقبل حاكم يسراليون عام 1889 بانتي كارموكو وهو من أقرباء ساموري للتفاوض على العمليات التجارية، وتوثيق الصلة بين الطرفين.

وعلى الرغم من الاتصال بين سيراليون وساموري الا أن هاي حاكم سيراليون كتب على حكومته منددا باعتداء الفرنسيين على أهالي سامو وهي تقع في دائرة النفوذ البريطاني، وقد قام الجنود الفرنسيون بتمزيق العلم البريطاني برمز الحماية البريطانية على أراضيهم، كما قام تجار سيراليون بتقديم شكوى بخصوص احراق وكالاتهم التجارية (2).

ويرجع تصرف فرنسا مع أهالي سامو بأنها أرادت اثبات حقها في هذه الجهات، وخاصة وبعد أن أمنت نفسها بمعاهدتها مع ساموري التي أتاحت لها فرصة الامتداد نحو مستعمرة سيراليون.

وقد استمر ساموري في توطيد صلته بسيراليون، وخاصة وأنها مثلت بالنسبة له المصدر الرئيسي للسلاح، حيث كان التجار البريطانيون يبيعون له الأسلحة المتطورة وقد احتجت فرنسا وارسل وادنجتون السفير الفرنسي في لندن الى وزير الخارجية الفرنسي ريبو في 6 نوفمبر 1891 يخبره بأنه لفت نظر اللورد سولسبوري بخصوص تجارة الأسلحة السريعة الطلقات التي يقوم التجار البريطانيون في الوكالات البريطانية ببيعها لساموري ، وأنه طلب منه ضرورة منع تجارة الأسلحة والذهيرة في المستعمرة البريطانية سيراليون وكذلك في الأراضي الفرنسية في منطقة أنهار الجنوب (1). وكذلك دعا وزير الخارجية الفرنسي في عام 1892، لالغاء هذه التجارة (2).

كان مجئ أرشينار الى السودان بداية الصدام المسلح مع ساموري وان كان قد طلب توقيع معاهدة جديدة بين الطرفين وقعت في عام 1889 وعرفت بمعاهدة نباكو سمح فيها ساموري للفرنسيين بانشاء مركز في كوروسا على الضفة اليسرى للنهر.

كما سعى ساموري لتوقيع معاهدة ثانية مع البريطانيين في سيراليون فعقد معاهدة عام 1890 مع القائد البريطاني جاريت وأرسل الى ارشينار النسخ الخاصة به من معاهدة نباكو معلنا تخليه عنها (3).

يلاحظ أن ساموري سعى للوقيعه بين الفرنسيين والبريطانيين فعندما وقع معاهدة بيساندوجو مع الفرنسيين وقع في العام التالي معاهدة مع فستنج القائد البريطاني، كذلك بعد توقيعه لمعاهدة نباكو وقع معاهدة جاريت.

غير أن ارشينار كان مصمما على القضاء على ساموري فأسرع بالاستيلاء عل كنكان وبيساندوجو أمام كثافة الحملات الفرنسية اضطر ساموري للانتقال الى الأراضي الداخلية لساحل العاج 1893، ولكن أدى ذلك الى توتر العلاقة بينه وبين البريطانيين لأنه اقترب من المستعمرة البريطانية في ساحل الذهب والتي رفض المسئولون فياه اقامة أية علاقات معه. كما رفض التجار البريطانيون في المنطقة تزويده بالأسلحة (4).

نجح ساموري في توطيد مركزه في ساحل العاج ولكن ما كادت فرنسا تثبت أقدامها في أعالي النيجر حتى عاود الضباط الفرنسيون تعقب ساموري منذ عام 1898 وعندما شعر ساموري بصعوبة الاستمرار في القتال عرض على الفرنسيين السماح له بالعودة الى مسقط رأسه ولكن القائد لارتينج أراد اذلاله فاصر على تسليم اسلحته وأولاده واستكمل تعقب ساموري حتى تم القاء القبض عليه في جيمو ونفي الى جزيرة أوجيه وظل فيها حتى توفي في عام 1900 (1).

وبعد الاستيلاء على السودان الفرنسي استولت القوات الفرنسية على مدينة تمبكتو عام 1894 وقضت على مقاومة الطوارق ثم قام وليم بونتي بشن سلسلة من الحملات في المنطقة الواقعة بين النيجر وتشاد وقد كلف الكولونيل ايمريش بادارة الأراضي الواقعة بين تمبكتو وزندر فعمل علىانشاء أربع مراكز في كل من زندو وتشاد، وفي عام 1905 أنشئ مركز فرنسي في اجادس وفي عام 1905 أنشئ مركز آخر في بيلما من أجل مراقبة القوافل المتجهة الى تبستي وفزان (2).


رابعا: الامارات الموريتانية:

توترت العلاقة بين فيديرب حاكم السنغال وقبائل الترارزة والبراكنه وهدد محمد الحبيب السنغال ولكن الفرنسيون نجحوا في اقناع زعيم الترارزة بتوقيع معاهدة 1858 التي حققت الاستقرار للفرنسيين فمبقتضاها تنازل محمد الحبيب عن الاقاليم الواقعة جنوب نهر السنغال، واعترف بالحماية الفرنسية على منطقة اوالو (1)، كما اطمأن فيديرب على تأمين الحدود الشمالية لمستعمرة السنغال مما أتاح له الفرصة لتوجيه جهوده وعملياته الحربية ضد كل من الحاج عمر زعيم التكرور في الشرق ومابا زعيم منطقة سين وسالوم في الجنوب، ليضمن عدم تعرض قواته لأي هجوم مفاجئ من الشمال (2). أما محمد الحبيب فكان الدافع لقبوله المعاهدة أنه أدرك مدى قوة الفرنسيين، وشعر بأنه لا يقوى على التصدي للقوات الفرنسية، وخاصة وأن فيديرب ركز حملاته خلال الاربع سنوات الأولى من حكمه ضد الترارزة وغيرها من القبائل، ولعل أهم خطوة اتخذها فيديرب لاحتكار تجارة الصمغ وقصرها على الفرنسيين فقط دون غيرهم من الدول الاوروبية هو توقيعه معاهدة مع انجلترا عام 1857 وافقت بمقتضاها على التخلي عن حقوقها في التجارة في منطقة بورتنديك ذلك الحق الذي احتفظت به بمقتضى معاهدة باريس 1814 (3).


لقد اعتمد فيديرب على الحملات العسكرية لتأمين مستعمرة السنغال فشن الاغارت على الامارات الموريتانية بين حين لآخر، فقد اعتبر بأن الاتاوات والضرائب التي تدفعها فرنسا لزعماء هذه القبائل تعتبر مهينة لمكانة وهيبة فرنسا في المنطقة، كما أراد في الوقت نفسه اقتلاع نفوذ القبائل الموريتانية على مسلمي السنغال (4).

وبقيت المعاهدات التي عقدها فيديرب مع القبائل الموريتانية هي أساس التعامل الفرنسي مع هذه القبائل، وحددت العلاقة بين الطرفين خلال الخمسين سنة التالية (5).

يمكن تقسيم الاحتلال الفرنسي لموريتانيا الى ثلاث مراحل، الأولى هي مرحلة التغلغل السلمي من 1900-1905 بدأت بقدوم كوبولاني الذي اقنع رئيس وزراء فنسا بضرورة احتلال موريتانيا، وتم وضع لجنة لدراسة خطة ربط الجزائر بمستعمرات فرنسا في غرب أفريقيا فكانت لابد من وضع يد فرنسا على موريتانيا (1).

هذا وقد وقع كوبولاني فور تعيينه معاهدة حماية 1903 مع أمراء الترارزة والبراكنة، ثم حاول التوسع فيما وراء هاتين الامارتين في اقيمي ادرار وتجانت ولكنه اصطدم بمقاومة عنيفة تمثلت في مقاومة أحمد بن الديد وغيره، وكان من أهم نتائجها مقتل كوبولاني أثناء بعثته الاستطلاعية بالقرب من تيجيقية في شهر مايو 1905 واعتبر هذا الحادث نهاية لمرحلة التغلغل السلمي (2).


أما المرحلة الثانية فتمثلت في الفترة من 1905-1914 وقد خلفه في ادارة المنطقة القائد العسكري مونتانيه كاب دوبوسك الذي عمل على القضاء على الاضطرابات فيها (3).

أما القائد مونتانيه فقد كلف بالبحث وتقصى الحقائق حول مقتل كوبولاني وعلم بأن زميله قتل بتحريض من الشيخ ماء العيدين وهو زعيم ديني له نفوذ في منطقة ادرار استقر في الساقية الحمراء في الأراضي الاسبانية وقد ساعده في قتل كوبولاني أحمد ولد عيد حاكم ادرار (4) وقد لجأ الشيخان الى سلطان مراكش مولاي عبد العزيز يطلبان مساعدته ضد التدخل الفرنسي فأرسل السلطان ابن عمه ادريس من أجل بحث الوضع في المنطقة وذلك في 6 اكتوبر 1906 وقابل مبعوث السلطان مولاي ادريس الكابتن تيسو قائد حصن تيجيقجة وطلب منه باسم سلطان المغرب اخلاء تجانت ولكن تيسو لم يستمع اليه فتحرك مولاي ادريس نحو تجانت للاستيلاء عليها ، فارسل تيسو قوة من الرماة السنغاليين بقيادة كل من الملازم أندريو وفرانسو في 24 اكتوبر للتصدي لقوات مولاي ادريس الذي تحرك وشن هجوما جنوب تيجقجة حتى وصل نيملان الواقعة جنوب تيجقجة وقتل كلا من الملازم اندريو وزميله فرانسو، وقد بادرت ادارة السنغال بارسال نجدة سريعة بقيادة الملازم ميشار ثم حدث أن استولى مولاي عبد الحفيظ على السلطة في المغرب من السلطان عبد العزيز فكلفت الحكومة الفرنسية المندوب الفرنسي في فاس بالاعتراض لدى السلطان الجديد على تصرفات أولاد عمه وتحريضهم للقبائل الموريتانية (1) . كذلك احتج القنصل الفرنسي في المغرب على ارسال المساعدات الى ادرار ولكن السلطان عبد الحفيظ وعد ببحث الأمر والتحقيق فيه. وفي الوقت نفسه أرسلت تعليمات مشددة من الادارة الفرنسية في السنغال بعدم قيام الضباط الفرنسيين بأية مغامرة عسكرية في منطقة ادرار والاكتفاء بالمواقع الحالية (2).

وهكذا بدأ العداء بين فرنسا والشيخ ماء العيدين والذي اتهمته السلطات الفرنسية بالتحريض على قتل كوبولاني، وقد ولد الشيخ ماء العييدن في ولاته، واستقر في الساقية الحمراء جنوب مراكش وهو ابن محمد فضل – أحد المصلحين الدينين وسرعان ما أصبح للشيخ ماء العيدين مكانة كبيرة وقد اتصل بسلطان المغرب وحصل على تأييده ضد الفرنسيين واعتقدت القبائل الموريتانية بأن سلطان مراكش سيقف معهم ضد الفرنسيين ولذلك فقد استمروا في الاغارة على شواطئ السنغال وسببوا المتاعب للادارة الفرنسية فيها ولكنهم أصيبوا بخيبة أمل بعد تخلي سلطان مراكش عنهم (3) فعندما احتل الفرنسيون وجدة واقليم الشاوية في المغرب اضطر السلطان الى التوقف عن مساعدة وتأييد القبائل الموريتانية الثائرة (4).


أصبح للشيخ ماء العيدين سيطرة روحية وعسكرية على المنطقة الصحراوية الواقعة في شمال موريتانيا وجنوب المغرب، واعتنق الطريقة الفاضلية التي أسسها والده محمد فاضل وهي فرع من فروع القادرية. وقد استقر الشيخ في الساقية الحمراء منذ 1884 حيث عمل على محاربة الفرنسيين والتصدي لمطامعهم في منطقة ادرار ويلاحظ بأن الشيخ ماء العيدين تلقى مساندة من بعض القوى الأجنبية اذ كانت السفن الألمانية واليونانية وغيرها تزوده بالأسلحة والذخيرة كذلك راجت الاشعات حول اتصاله بالمانيا التي كان لها توغل اقتصادي معروف في مراكش، كذلك اتصاله بالسلطان العثماني مما أزعج السلطات الفرنسية (1).

وفي عام 1907 أصبح الكولونيا جورو مفوضا في المنطقة وكان من أنصال التوسع العسكري ولذلك رأى ضرورة الاستيلاء على تجانب ولذلك بنى حصنا في اكجوشت في عام 1908، وقد اثار بناء هذا الحصن أحد ولد عيدا فقام بتهديد الحصن كما قام حسان أحد أبناء الشيخ ماء العيدين بمهاجمة الفرنسيين.

اتخذت فرنسا خطوات حاسمة للقضاء على المقاومة الوطنية فأرسلت حملة لاحتلال ادرار عام 1908 واستولت على اطار عاصمة ادرار ولكنها تكبدت خسائر فادحة وتراجعت قوات ماء العيدين لتنظيم أنفسها ولشن هجوم جديد ولكن القوات الفرنسية تعقبته فاضطر للفرار الى ريودي اورو – ورغم هزيمته لقب نفسه سلطان وسار على راس حملة الى فاس ولكنه هزم في تادله في 1910 وتوفى في نفس العام.

عمل الفرنسيون على تنظيم البلاد فقام الملازم بانيه بارسال بعثة لدراسة منطقة هضبة ادرار وفي 1911 أرسلت حملة استولت على تيشيت الواقعة شرق تاجدت وتم أسر أحمد ولد عيدا أمير ادرار والذي سبب للفرنسيين الكثير من المتاعب (2).

ويرجع سبب تركيز الحملات الفرنسية على منطقة ادرار أنها كانت مركز تجميع القبائل الموريتانية التي كانت تغير على السنغال ثم تتراجع سريعا متخذة ادرار مركزا للحماية بالاضافة الى أن فرنسا أرادت القضاء على المقاومة الوطنية التي تزعمها أحمد ولد عيدا (1).

خلف الهيبة والده ماء العيدين وعمل هو الآخر على مقاومة الفرنسيين واستمر في هجومه على الحصون الفرنسية حتى بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى (2)، وقد أعلن الهيبة نفسه سلطانا على المغرب في مايو 1912 . وحاول محاربة سلطان مراكش (3). وفي 18 أغسطس بدأ الهيبة وأتباعه يتقدمون نحو منطقة الشاوية، كما تمكن بعض أتباعه من احتلال أغادير وتفاقمت حركة الهيبة بعد تناول مولاي عبد الحفيظ فاتجهت الأنظار إليه، وتكتلت حوله النفوس الوطنية ولجأ الفرنسيون الى الدس بينه وبين اتباعه لاحداث بلبلة في صفوفه ونجحوا في الانتصار عليه في 7 سبتمبر 1912 بقيادة الكولونيل مونجان ثم بدأوا في تأمين مواصلاتهم بين فاس ومكناس والرباط (4)، ولكن الهيبة استمر في ثورته ضد الفرنسيين، واستمرت المقاومة الوطنية عنيفة حتى 1913 كما شارك فيها يدالاغدف ابن ماء العيدين ولاسيما في ريودي اورو.

وهكذا نلاحظ أن المرحلة الثانية اشتدت فيها المقاومة الوطنية ولم تنجح فرنسا في تدعيم سيطرتها العسكرية التامة على المنطقة. ويرجع سبب تعثر الفرنسيين في اخضاع شمال موريتانيا الى أن الاسبان لم يسمحوا لهم بتتبع المسلمين الثائرين في منطقة النفوذ الاسبانية فكثيرا ما كان زعماء المقاومة يلجأون الى القسم الشمالي من الصحراء ويختبئون فيها ولكن بعد استيلاء فرنسا على المغرب واعلان الحماية عليها عملت على ارسال الحملات العسكرية من الشمال الأفريقي كذلك ارسلت ايضا حملات عسكرية من السنغال للقضاء على مقاومة القبائل الموريتانية، وحوصرت هذه القبائل بين الحملات المكثفة من السنغال في الجنوب وحملات المغرب من الشمال (1).

أما المرحلة الثالثة لاخضاع موريتانيا فقد استمرت من 1914 حتى 1934 ، واتسعت المقاومة الوطنية طوال هذه الفترة وخاصة من جانب قبائل الرقيبات وبني دليم ورغم اعلان أولاد دليم استسلامهم للنفوذ الفرنسي في عام 1918 كذلك استسلام أحد ابناء الشيخ ماء العيدين عام 1919 الا أن تعسف الادارة الفرنسية وفرضها الضرائب على القبائل أدى الى حدوث ثورة واضطربات في المنطقة لم تنقطع الا بعد عام 1934 (2).



الفصل الثاني: الاستعمار الفرنسي في ساحل غينيا

أحوال ساحل غينيا السياسية في منتصف القرن 19

ممالك ساحل غينيا الوثنية

في منطقة ساحل غينيا يقابلنا مملتكين على جانب كبير من الأهمية هما مملكة داهومي ومملكة الموسى، وقد تكونت داهومي منذ القرن السابع عشر وارتبطت بعلاقات تجارية مع الاوروبييين ، أما مملكة الموسى فقد تم اكتشافها في أواخر القرن التاسع عشر، وقد اختلفت المملكتان عن الممالك الاسلامية السابقة من حيث النظام الديني والسياسي والاجتماعي.

1- مملكة داهومي: شملت داهومي في القرن التاسع عشر ثلث الجزء الجنوبي من بدين الحالية (داهومي سابقا) وقد امتدت الحدود الشرقية للملكة بحذاء مجرى اويمه، أما الحدود الغربية فامتدت علىطول مجرى نهر كوفو بينما شملت الحدود الشمالي الأراضي الواقعة بين النهرين السابقين وامتدت حدود داهومي الجنوبية من جران بوبو في الغرب حتى كونونو في الشرق. وقد اتخذ ملوك داهومي من ابومي عاصمة لهم واختيرت لموقعها البعدين وصعوبة الوصول اليها حتى في موسم الجفاف (1).

وقد ظهرت قوة داهومي في القرن السابع عشر عندما أسس المملكة جماعة من الأدجا الذين قدموا من توجو الحالية، ونجحو في السيطرة على القبائل التي تعيش في المنطقة، وأسسوا ثلاث ممالك واحدة في أبومي، والثانية في بورتونوفو، والثالثة في الاده، وبفضل جهود وجبدجا ملك ابومي قويت مملكة ابومي وتوارثت أسرته الحكم، ونجحت ابومي في فرض سيطرتها على الاده واستمرت في التوسع والنمو السريع وفرض ملوكها الضرائب على الممالك الصغيرة بينما ظلت بوتونفو الخصم العنيد لابومي حتى مجئ الفرنسيين فاستغلوا هذا العداء لمد سيطرتهم في المنطقة (2).

عمل ملك ابومي على توسيع نفوذهم على حساب جيرانهم فدخلوا في حروب مع ملوك اويو، وكانوا من قبل تابعين لهم ويدفعون لهم الضرائب رمزا لهذه التبعية. ولكن بعد تزايد قوة داهومي رفض ملوكها هذه التبعية فأغاروا على أراضي اوبو. واسروا عددا كبيرا من سكانها وذلك في عهد الملك جيزو (1).

وفي القرن التاسع عشر امتدت مملكة داهومي وسيطرت على كوتونو وأجوني وويده وظهرت دولة قوى نجحت في جمع الفون في مملكة واحدة. كذلك نجحت في ضم بوتونوفو لتصبح تابعة لها منذ 1820 (2).

اذا ألقينا نظرة عل النظام الاجتماعي في داهومي نجد أن الملك على راس السلم الاجتماعي، وقد تكون المجتمع الداهومي من أربع طبقات رئيسية الطبقة الأولى هي طبقة الملوك وأبنائهم والمنتسبين لسلالته، والطبقة الثانية من الموظفين، والثالثة من العامة والرابعة من العبيد، الذين تم أسرهم أثناء الحروب وهم الطبقة العاملة (3).

وقد اعتمدت المملكة في اقتصادها على تجارة الرقيق لتدبير الأموال اللازمة لشراء الأسلحة، وكان للملك مندوب في المنطقة الساحلية مهمته ادارة حرية التجارة الخارجية مع الاوروبيين (4).

وكان للملك في داهومي الحق في اختيار خليفته من أبنائه، وغالبا ما يكون الابن الأكبر، وعند تقلد الملك الجديد لمهام منصبه فانه يحصل على قصر أبيه وخدمه وعبيده، ونسائه أيضا، ولملك داهومي سلطات مطلقة لا يستطيع أحد مناقشته فيها. وقد لاحظ كل من زار المملكة من الرحالة والمكتشفين طاعة الشعب للأسرة المالكة وقبول مواطني داهومي أي عمل يسند لهم من قبل الملك مهما بلغت مشقته، فالولاء التام للملك كان المظهر الأساسي للعلاقة بين الطرفين ولا يستطيع أي فرد مخالفة أوامر الملك فقد اعتقد الناس بأن أرواحهم ملك للملك له الحق في التصرف فيها (1).

وكان الملك هو صاحب النفوذ السياسي والعسكري في البلاد وهو الذي يتولى تعيين الحكام والوزراء والموظفين حتى الكهنة كن يتولى بنفسه الاشراف على تعيينهم كما كان يتولى أمور القضاء يعاونه زعماء القرى والاقاليم، وكانت وظيفة زعماء القرى هي النظر في النزاعات بين الأفراد دون أن يكون لهم الحق في تطبيق العقوبات بينما زعماء الاقاليم كانت سلطتهم القضائية أوسع، وكان من حقهم فرض العقوبات على الناس مثل الجلد أو السجن أما توقيع عقوبة الموت فكانت من حق الملك وحده، وكانت الأحكام تنفذ في السوق العام في ابومي (2).

أقام ملك داهومي في العاصمة أبومي مع نسائه وأطفاله وبقية أفراد الأسرة المالكة وقد عهد الى نساء الأمازون بحماية الملك ولذلك دربن على مختلف فنون القتال تدريبا قاسيا (3).

وكان من العادات المتبعة بعد وفاة الملك أن يتم دفن عدة أشخاص معه من النساء والرجال والأطفال غالبا ما يتم اختيارهم من أسرى الحرب فكان يقام احتفال كبير يتم فيه قطع رؤوس الأسرى وعدد من العبيد بحجة ارسالهم الى العالم الآخر لخدمة الملك والملوك السابقين (4).

وقد تمسك أهل داهومي بعادة تقديم القرابين البشرية إلى الآلهة ولذلك اكتسبت المملكة سمعة سيئة لدى الاوروبيين وقد بالغ الرحالة الاوروبيين في وصف مشاهدة من تقديم هذه القرايبن، ولكن يرجع السبب في الواقع الى أهل داهومي في اضفاء الصورة الوحشية عن بلادهم لاصرارهم على عدم التخلي عن هذه العادة فاستمروا في ذبح الاسرى ومعاملتهم بوحشية شديدة (5).

ولكن ينبغي أن نذكر أن عادة تقديم القرابين البشرية لم تقتصر على داهومي وحدها، وانما عرفت أيضا في مملكة بدبين الواقعة غربي المجرى الأوسط لنهر النيجر والتي يحدها من الغرب شعب اليوربا ومن الشرق شعب الايبو، وقد خضعت هذه المملكة لبريطانيا ومورست فيها هذه العادة. وقد كتب الرحالة البريطانيون عما شاهدوه فخصص بيرتون جزءا كبيرا من كتاباته لوصف الفظائع التي شاهدها عند زيارته لبنين عام 1862 وذكر بأن جثث الضحايا كانت تلقى خارج المدينة مقطوعة الراس عند مدخل الطرق التجارية لارهاب التجار الاوروبيين ومنعهم من الاقتراب من المناطق الداخلية (1).

كان المورد الرئيسي للاقتصاد تجارة الرقيق وعندما شرعت بريطانيا في محاربة هذه التجارة فرضت حصارا على سواحل داهومي لمنع هذه التجارة حتى عام 1830، فاضطر ملك داهومي الى البحث عن مورد آخر وعملوا على التوسع في زراعة النخيل بكميات كبيرة واقاموا مزارع خاصة للنخيل في المناطق الداخلية من البلاد وشجعوا السكان على الاقبال على هذه الزراعة.

وقد انتعشت هذه التجارة بسبب اقبال الاوروبيين عليها (2).

أما عن التنظيم العسكري في داهومي فنلاحظ اعتماد ملوك داهومي على جيش الأمازون لحمايتهم وتقد تألف من فرتقين الأولى وهي الفرقة الاساسية والثانية هي الفرقة الخاصة بحماية العاصمة والقصر الملكي في زمن الحرب (3) وكانت نساء الأمازون يعيشن في القصر الملكي وقد منعت من الزواج الا بعد منتصف العمر وكان لهن شعارات خاصة بهن وقد سلحت بأحدث الاسلحة كما أن البعض منهم تدخلن في السياسة وقد تميزن بضخامة أجسامهم واشتهرن بالقسوة والضراوة في القال وحرم عليهم الاختلاط بالرجال (4).

عنى ملوك داهومي بتسليح الجيش فقد كانوا يخشون من قبائل اليوروبا المجاورة لهم فقد كانت الحروب لا تنقطع بين الطرفين وقد قدر فوريز عام 1845، الجيش الداهومي بحوالي 12 ألف جندي خمسة آلاف من نساء الأمازون كما كان لداهومي جيشان الجيش الأول تألف من نساء الأمازون والرجال المحاربين والثاني جيش احتياطي تألف من الرجال والنساء القادرين على حمل السلاح (1).

وأخيرا لقد كانت سياسة ملوك داهومي سياسة عدائية وكثيرا ما كانوا يغيرون على جيرانهم للحصول على الرقيق وقد سبب هذا الجيش الرعب لجيرانه واستمرت حروب الفون منذ عام 1818 أي منذ تولي الملك جيزو حتى عام 1889 عند وفاة الملك جليجيلية اي أكثر من سبعين عاما دامت فيه الحروب في ظل ملكين فقط (2) لقد ساعد ملوك داهومي في تحقيق أحلامهم التوسعية لما كانوا يتمتعون به من سلطات مطلقة ولا نقابل هذه الصورة من الملكية المطلقة في أي جزء من غرب أفريقيا سوى في داهومي (3).

2- امبراطورية الموسى: أما عن امبراطورية الموسى في اراضي فولتا العليا أو الاراضي الداخلية لساحل العاج وهو التبعير الذي كان سائدا على هذه المنطقة قبل التقسيم السياسي وقد اكتشفت مملكة الموسى (4) في آواخر القرن التاسع عشر على يد الفنرسي بنجر الذي قام باستكشاف المنطقة عام 1889 وقد صحبه في رحلته كل من الدكتور كروزا ومونيه (5).

وكان للملكة الموسى تنظيم خاص بها من الناحية السياسية، الملك على رأس السلطة يليه طبقة المنحدرين من سلالة الحكم والنبلاء وتتكون الطبقة الثانية من موظفي الدولة والطبقة الثالثة هي طبقة العاملين.

ويرجع تاسيس امبارطورية الموسى الى القرن الحادي عشر أو الثالث عشر وفقا للروايات الشعبية فان ابنة ملك داجومبا وتدعى ينينجا تزوجت من أحد الصياديين وانجبت منه ولدا هو يوديراوجو مؤسس مملكة الموسى (1).

تمتع ملك الموسى بحقوق كثيرة وكان من عادته تلقي الهدايا من الرعايا وقد كون ملوك الموسى ثروات طائلة منها وكانت تقام احتفالات سنوية اطلق عليها فيليجا في أول العام الجديد ويقوم النبلاء وزعماء القرى باحضار الهدايا للقصر الملكي ولكن عند موت حاكم أي اقليم كان الملك يقوم بمصادرة ممتلكاته وضمها اليه (2).

واذا كان أغلبية لاموسى وثنيين الا أن البعض منهم اعتنق الاسلام فانشترت بعض المساجد في واجادوجو، ومن الملاحظ بأن الاسلام لم يتغلغل في هذه المنطقة نظرا لوجود الغابات الكثيفة التي شكلت حاجزا طبيعيا حال دون التوغل في المنطقة (3).

أما النشاط الاقتصادي فقد كانت الزراعة هي الحرفة الرئيسية للسكان وكانت كل أسرة تنتج ما يكفيها من غذاء وفي بعض الأحياء مجموعة من الأسر تتحد فيما بينهما وتنشئ مزارع جماعية ويطلق عليها اسم نام.

وكان للموسى أسواق لبيع منتجاتهم الزراعية وقبل قدوم الفرنسيين كان لهم في ياتنجا ستة اسواق وعندما زار الكاتب نويه المنطقة وجد بأن عدد الأسواق تضاعف عما كان عليه وربما تعليل هذه الظاهرة أن البلاد قبل قدوم الفرنسيين تمتعت بالسلم فنشطت فيها التجارة وبالتالي ازداد عدد الأسواق وقد تولى الكهنة الاشراف على هذه الاسواق (1). وتعتبر كونج من أهم المراكز التجارية.


النشاط الفرنسي في ساحل غينيا

وقد توطدت الصلة بين سودجي ووكالة ريجي الفرنسية فسمح لها ببناء المراكز التجارية اللازمة لتجارة زيت النخيل في مقابل دفع مبلغ سنوي له أبدى استعداده لقبول الحماية الفرنسية على أراضيه. وقد اطلع ريجي وزارة الخارجية الفرنسية ووزارة البحرية عام 1862 على ضرورة تدعيم السيطرة الفرنسية على بورتونوفو وأبدى مخاوفه من وقوعها في يد بريطانيا. وقد استجابت الحكومة الفرنسية للالحاح وكالة ريجي، وأرسلت بعثة برئاسة الألب بلانك وكان مسئولا عن جمعية البعثات الأفريقية في ليون لاستطلاع الموقف وأرسلت بعثة أخرى الى ميناء ويده، وفي 18 فبراير 1863 عين دوماس قنصلا فرنسا في ويده، فوقع مع سودجي اتفاقا في 23 فبراير 1863 نص على السماح للرعايا الفرنسيين بالتجارة في بورتونوفو كما وقع اتفاقا ثانيا في 25 فبراير 1863 وضع بمقتضاه سودجي أراضيه تحت الحماية الفرنسية كذلك أعطى لفرنسا من خلال هذا الاتفاق الحق في ادارة الشئون الخارجية لبورتونوفو (2).

وقد تبع اعلان الحماية على بورتونوفو ضرورة استكشاف المنطقة، فأرسلت وزارة البحرية الفرنسية عدة ضباط الى بورتونوفو منهم بروساردي كومبيني الذي ارسل في عام 1863 الى منطقة ادو في بورتونوفو وهي بحيرة تصلها منتجات الشمال والشرق (3).

ولكن رغم توقيع الحماية مع بورتونوفو، لم يستقر الأمر للفرنسيين بسبب سياسة العداء التي أبداها الملك جليجليه ملك ابومي فقد اعتبر بأن كل من بورتونوفو وكونونو مناطق تابعة له، ولا حق لفرنسا في عقد معاهدة حماية مع بورتونوفو ومع حاكمها سودجي، ورغم محاولات فرنسا التقرب من جليجليه وارضائه، الا أنه رفض الاعتراف بالمعاهدة فزار ابومي القنصل دوماسي، وحاول تأكيد حسن نوايا فرنسا، ولكن جليجليه رفض الاعتراف بالمعاهدة، ولم يكتف بهذا الرفض، وانما اتخذه موقفا عدائيا تجاه الفرنسيين، كنوع من العقاب لهم، فهجام التجار الاوروبيين في الساحل عام 1864 وآثار المتاعب في كل من بورتونوفو وكونونو (1).

ونتيجة لاضطرار الموقف حذر القائد البحري لافون دي لاديبه من تصرفات ملك ابومي وخاصة وان البحرية الفرنسية عجزت في ذلك الوقت عن الدفاع عن بورتونوفو وكونونو وكذلك فشلت في صد اغارات جليجليه على ميناء ويده (2).

وفي الواقع أن سبب تفوق جليجليه في ذلك الوقت يرجع الى قوة جيشه وتنظميه، وخاصة فرق نساء الأمازون اللاتي عرفن بالشراسة في القتال كذلك رجحت كفة ملك ابومي اثناء اغارته على الساحل بسبب عجز فرنسا خلال هذه الفترة في ارسال حملات عسكرية كبيرة . وقد حاولت فرنسا تهديد جليجليه بانسحاب التجار الاوروبيين من الساحل مما يترتب عليه انهيار تجارته. ولكنه لم يهتم ، وذلك لأن هذا التهديد من الفرنسيين أكثر منه، ومن مصالح التجار الاوروبيين بصفة عامة فلجأت السلطات الفرنسية الى محاولة التفاوض معه وأرسلت له بعثة برئاسة الكابتن ديفو في محاولة لاقناعه بوقف اغاراته ونشاطه العدواني ولكن رغم بقاء ديفو أكثر من شهرين في ابومي، الا انه فشل في تحقيق أي نجاح، ولذلك بدأت فرنسا تفكر في الانسحاب من المنطقة (3)، ومما زاد الموقف حرجا خلال هذه الفترة أن الملك ميكبون الذي خلف سودجي في بورتونوفو رفض الاعتراف بالمعاهدة التي عقدها سلفه مع الفرنسيين، وبذلك لم يعد أمام فرنسا سوى الانسحاب وأصدر لافون دي لاييه أوامره بالانسحاب من بورتونوفو في عام 1864، وأعلن بأن فرنسا أخطأت في توقيع معاهدة الحماية مع سودجي دون أن تؤمن القوات العسكرية الكافية للدفاع عن المنطقة (1).

وجدير بالذكر أنه بعد انسحاب فرنسا من المنطقة انتهزت السلطات البريطانية الفرصة فحاولت مد نفوذها من لاجوس صوب بورتونوفو وكونونو وعللت ذلك بأنه لمنع ملك ابومي من الاستمرار في تجارة الرقيق، وتصديرها من الساحل ومنعه أيضا من تقديم القرابين البشرية، إلا أن محاولات لاجوس فشلت بسبب تصدي وكالة ريجي الفرنسية لها. حيث بقيت هذا الوكالة تمارس نشاطها في المنطقة حتى بعد انسحاب الفرق الفرنسية عنها (2).

والواقع أن فرنسا رأت بعد انسحابها ضرورة العودة الى المنطقة مرة أخرى ومهادنة جليجليه خوفا من اتساع نفوذ بريطانيا، كذلك كان لتقارير ريجي ودعوته الدائمة للحكومة باعادة السيطرة على المنطقة دورا في الرجوع مرة ثانية اليها وفي عام 1868 وقع الملازم البحري الفرنسي جان باتيست ارنو معاهدة حماية ملك كونونو (3)، واعترف جليجليه بهذه المعاهدة وقبل تسليم كونونو للفرنسيين في مقابل تعهدهم بدفع مبلغ سنوي له، كما تعهد باحترام الحدود بينه وبين كونونو والبلاد الواقعة جنوب ابومي، كذلك تعهد باحترام الحدود بين بلاده، وبين بورتونوفو الواقعة شرقا (4).

يلاحظ بأن ملك ابومي جليجليه وافق على معاهدة الحماية التي تمت بين الفرنسيين وكونونو، وذلك لأنها تمت عن طريقه وليس كالمعاهدة السابقة التي تمت بين الفرنسيين وبورتونوفو دون الرجوع اليه فهو يؤكد بذلك سيطرته على الساحل وبأن هذه المناطق تابعه له، وقد قوبل هذا الاتفاق بالارتياح من قبل السلطات الفرنسية، كذلك من قبل حكام كونونو، ولكن رغم عودة نشاط فرنسا الى المنطقة عام 1686 الا أنها اضطرت لهجر مراكزها مرة ثانية بسبب قيام الحرب السبعينية (5).

بعد انتهاء الحرب السبعينية عادت فرنسا الى المنطقة وأعلنت سريان معاهدة 1868 التي وقعت مع كونونو، كما أعلنت أيضا بان كلا من ليتل بوبو، وبورتو سيجورو، وأجوبه الواقعة شرق كونونو، تقع تحت النفوذ الفرنسي حسب معاهدة عام 1868 فاعترفت بريطانيا على ذلك لأن هذه الأراضي لم تكن تابعة لداهومي، وسوف تتنازل فرنسا عن هذه الأراضي فيما بعد، لتشكل جزءا من مستعمرة توجو الألمانية (1).

والاقع ان الاهتمام بمنطقة كونونو لم يكن محط أنظار الفرنسيين فقط وانما التجار الألمان وتجار البرازيل وترجع أهمية المنطقة الى أن كونونو اعتبرت مدخل لبورتونوفو. ولذلك سعت فرنسا الى المنطقة مرة ثانية والى توقيع معاهدة مع ملك ابومي لتأكيد نفوذ فرنسا في كونونو بمقتضى معاهدة 1868 فوقع الكابت دي فرجات في 9 أبريل 1878 معاهدة مع ملك داهومي وأخرى مع ملك كونونو للفرنسيين وتم تقبول تعيين نائب فرنسي في كل من ويده وكونونو (2).

وقد نصت المادة الأولى من المعاهدة أن يستمر السلام والصداقة بين فرنسا وداهومي، تلك الصداقة التي دامت منذ معاهدة 1868 وان الغرض الرئيسي لهذا الاتفاق هو استمرار الصداقة بين البلدين.

المادة الثانية: رعايا فرنسا لهم الحق في الاستقرار والتجارة في الموانئ والمدن الواقعة تحت نفوذ جليجليه، ولهم حق امتلاك الوكالات والمحلات التجارية من أجل تجارتهم وصماعاتهم وسوف يتمتعون بالحرية التامة والأمان من قبل ملك داهومي.

المادة الثالثة: يتمتع رعايا فرنسا – التجار والمندوبون في داهومي بحماية خاصة يوفرها لهم أهالي داهومي ، ويعلن الملك جليجليه لرعاياه بأن رعايا فرنسا لهم وضع مميز، ولابد من احترامهم.

المادة الرابعة: يتمتع رعايا فرنسا بحرية التجارة، ولهم حق ادخال بضائعم الى داهومي.

المادة الخامسة: يتم الافراج عن الأسرى في داهومي وويده.

المادة السادسة: يسلم الملك جليجليه كل حقوقه في أراضي كونونو الى فرنسا بدون شرط، وعليه احترام الحدود بين من الجنوب ومن الغرب لمسافة 6 كم من وكالة ريجي (1).

بعد توقيع المعاهدة عاد العلم الفرنسي يرفرف من جديد على كونونو في 4 فبراير 1879، وعين مندوب فرنسي في المنطقة، ولكن رغم ذلك لم يستقر الأمر للفرنسيين بسبب تذبذب موقف الملك جليجليه تجاههم (2).

وجدير بالذكر أنه ظهرت لفرنسا مشكلة أثناء تدعيم سيطرتها على ساحل العبيد، فبالاضافة الى منافسة بريطانيا لها من لاجوس، بدأت البرتغال في المطالبة بميناء ويده باعتباره جزءا من ممتلكاتها، واعتبرت بأن لها حقوقا تاريخية في المنطقة كما استندت على أن التاجر البرتغالي جوليانو داسوزا عقد في 1885 معاهدة مع ملك ابومي سمح له برفع الاعلام البرتغالية في كونونو، والواقع أن نصوص المعاهدة اختلف فيها النص البرتغالي عن نص المعاهدة الخاص بداهومي فالنص البرتغالي ذكر بأنه معاهدة حماية بينما في النص الخاص بابومي ذكر بأنها معاهدة للتجارة فقط، وقد قام القائد البرتغالي سيلفا داكورودا بزيارة جليجليه ملك ابومي تأكيدا للصداقة بين البلدين، وقد اعترض الملازم البحري الفرنسي روجيه على رفع العلم البرتغالي في كونونو (3).

وسرعان ما حلت هذه المشكلة بين الدولتين ففي 21 يناير 1889 أعلن الوزير البرتغالي في لندن عن عزم بلاده على الانسحاب من الخط الساحلي لمملكة داهومي، وفي 22 ديسمبر 1887 أعلنت البرتغال انسحابها نهائية من المنطقة الساحلية (1). ولكن بريطانيا لم ترحب بانسحاب البرتغال من المنطقة وقد علمت وزارة الخارجية البريطانية بأن هناك مفاوضات بين البرتغال وفرنسا للانسحاب من ويده، وتخوفت الخارجية البريطانية من قيام ابومي بالاغارة على ميناء ويده فطلبت من حاكم ساحل الذهب صموئيل روي ارسال مبعوث الى ابومي لكي يوضح للملك رغبة الحكومة البريطانية لتوطيد الصداقة معه، وأنها على استعداد لتحل محل البرتغال بعد انسحابها من المنطقة (2).

واذا كانت فرنسا قد بدأت في حل مشاكلها مع الدول الاوروبية المجاورة فحددت الحدود مع مستعمرة لاجوس البريطانية ، واتفقت مع البرتغال على الانسحاب من المنطقة وأعلنت حمايتها على كونونو 1878 ، إلا أنها واجعت من جديد عداء ملك ابومي لها ذلك العداء الذي كلف الفرنسيين الكثير من الجهد واستمر لعدة سنوات حتى تسنى لهم اخضاع المنطقة. وقد تفاقهم هذا العداء بين الطرفين خاصة بعد اعتلاء الملك نوفا حكم بورتونوفو فقد اعتبره جليجليه عدوه اللدود فهاجم أراضيه، واضطر توفا في احدى هذا الغارات الى الفرار واللجوء الى لاجزس. مما سبب ارتباكا للادارة البريطانية فيها وقد أرسل مدير لاجوس دانتون الى حكومته بأن داهومي مازالت تشن اغاراتها على بورتونوفو، وأن الملك نوفا اتجاه في أول ابريل 1889 ومعه اربعمائة من قواته الى لاجوس طالبا الخبرة كذلك القى جليجليه القبض على عدد من التجار الاوروبيين (3).

وجدير بالذكر أن جليجليه شعر بخطورة وأثر غزواته، وما ترتب عليها من ابتعاد الاوروبيين عن التجارة معه فحاول تحسين علاقته مع الادارة البريطانية في لاجوس، وارسل في 26 يناير 1889 الى مدير لاجوس دانتون يعلن ترحيبه لقدوم التجار البريطانيين من لاجوس للتجارة مع ابومي، مؤكدا حسن نواياه كما طالبه بعدم الاستماع الى الدعايات الكاذبة ضده (1). وقد رد دانتون على جليجليه طالبا منه التخلي عن سياسة العنف، وذلك من أجل فتح طرق جديدة للتجارة، وطالبه بالامتنع عن الاغارة على بورتونوفو، كما أخبره بأن الملك نوفا فر الى لاجوس وهو في حماية البريطانيين (2).

ولكن جليجليه استمر في اغاراته على البلاد، وعلى المناطق الداخلية في بورتونوفو مما سبب ازعاجا للسلطات البريطنية وكان لدانتون مدير لاجوس رأي خاص وهو ضرورة خلع توفا ملك بورتونوفو، لأن اغارات جليجليه لن تنتهي ما دام نوفا في الحكم (3). وقد ازدادت حدة هذه الاغارات بعد اعلان الحماية الفرنسية على بورتونفو 1888 (4).

أما من وجهة نظر الحكومة الفرنسية فقد راى اوجدين ايتيان وكيل وزارة المستعمرات، ضرورة ارسال بعثة سلمية الى ابومي لبحث اعتداءات جليجليه المتكررة على بورتونوفو (5). وكذلك أرسلت بعثة الدكتور بايول حاكم أنهار الجنوب، وقد شرح ايتيان لاعضاء البرلمان الفرنسي الهدف من البعثة وأوضح بأن لبايول خبرة طويلة في العمل في أفريقيا ، وقد زود بايول بعدة تعليمات منها:

(1) تحديد حدود كوتونو (2) منع الاغارات السنوية التي يقوم بها ملك انومي على الأراضي الخاضعة للحماية الفرنيسة، والمقصو بها بورتونوفو. (3) الامتناع عن تقديم القرابين البشرية.

كما زود بايول بمجموعة من الهدايا الثمنية لتقديمها الى جليجليه، ولكن فور وصوله الى ابومي عومل معاملة سيئة من جانب السلطات فيها، فلم يحسن الملك استقباله وأعلنه له عدم اعترافه بمعاهدة 1878 مع كونونو، كما أعلن له رفضه عبور السفن الفرنيسة في نهر اويميه. وظل بايول فترة طويلة في ابومي وفشلت بعثته في تحقيق هدفها وكان لهذا الفشل اثر كبير لدى ايتيان الذي رأى تدهور الوضع في داهومي، مما هدد المصالح الفرنسية وكرامة فرنسا (1). فقد رفض ولي العهد الأمير كوندو مقابلة بايول لمدة خمسين يوما كما أخبره بأن الأشخاص الذين وقعوا معاهدة 1878 تم اعدامهم لأن بلاده لا تسمح لتسلم أراضيها الى قوة أجنبية (2).

وقد كتب بايول بأنه لا جدوى من المفاوضات مع داهومي لأم الملك جليجليه متمسك بحقه في بورتونوفو وان المحادثات بين الطرفين، وخلال هذه الفترة توفى جليجليه، فخلفه ولي العهد في داهو كوندو الذي عرف فيما بعد باسم بيهانزن ، وانتج سياسة أكثر تشددا مع الفرنسيين من سلفه (3).

3- بيهانزن والمقاومة ضد الفرنسيين 1889-1894:

تولى بيهانزن الحكم 1889-1894 واستمر في سياسته العدائية تجاه بورتونوفو، وقد بدأ حكمه بالقاء القبض على التجار الفرنسيين 1890 في ميناء ويده، كذلك استولت قواته على كونونو فدخلها فرق نساء الأمازون ونكلت بالأهالي (4). ولكن الملازم الفرنسي تريلون نجح في استعادة كونونو، وصد هجمات قوات داهومي وفي 15 فبراير 1890 أرسل بيهانزن انذارا شديد اللهجة الى البعثات الكاثوليكية في ويده يطلب منها الرحيل وإلا ألقى بها في البحر، فاحتمى رجال الدين المسيحيين مع خمسة من الرعايا الفرنسيين باحدى الوكالات التجارية، ولكن قوات بيهانزن ألقت القبض عليهم جميعا وأرسلوا مكبلين بالأغلال الى ابومي، وأعلن بيهانزن بأنهم أصبحوا أسرى لديه. ولم يقتصر بيهانزن على مهاجمة كونونو وويده، وانما هاجم أيضا بورتونوفو، وفشل الملازم تريلون في صد هجمات قوات نساء الأمازون، واضطر الى التراجع بعد أن تكبد خسائر فادحة (1).

والواقع أن هجوم بيهانزن على كل من ويده وكنونو وبورتونوفو، انما يعني أنه قرر شن الحرب على الفرنسيين كذلك لاظهار هيبته وقوته أمامهم فور توليه العرش وكأنما بهذه الهجمات هو ينبههم الى قوته وسلطاته، ولكن كان لأسر أعضاء البعثة المسيحية، رد فعل كبير لدى الفرنسيين، وقد طلب القائد الفرنسي فرونيه من وزير بيهانزن في ويده ضرورة الافراج عن أفراد البعثة ولكنه ماطل في الرد وأرسل رسالة الى رئيس الجمهورية الفرنسية قال فيها أن البيض لا يتورعون عن شن الحروب من أجل التجارة، وأكد أن كونونو تابعة له ولن يتنازل عنها، ولكنه أبدى استعداده لاثبات حسن نواياه واطلاق سراح البعثة الكاثوليكية. وازاء مهادنة بيهانزن للفرنسيين رأت السلطات ايفاد بعثة الى بيهانزن لمحاولة تحسين العلاقة معه (2).

أرسلت البعثة الى بيهانزن برئاسة آلان دورجير وكان من ضمن أسرى ويده الذين أفرج عنهم بيهانزن ونجح دورجير في توقيع معاهدة مع بيهانزن في ويده في 30 اكتوبر 1890.

نصت المادة الأولى من المعاهدة بأن يحترم ملك داهومي الحماية الفرنسية على بورتونوفو باحتلال فرنسا في كونونو.

المادة الثانية: تباشر فرنسا سلطاتها على ملك بورتونوفو بحيث تتعهد لبيهانزن بأنه لن يشكو من تصرفاته. وتعهدت فرنسا بدفعت عشرين ألف فرنك لبيهانزن بعد اعترافه بالحماية الفرنسية على كونونو (1).

وتبع توقيع المعاهدة ارسال بعثة سلمية الى ابومي، فقد أوفد القائد الفرنسي دي كوفرفيل الكابتن اوديود الى بيهانزن كل الغرض منها جمع المعلومات أم هي مجرد بعثة لارسال الهدايا الى بيهانزن. وجدير بالذكر أن الحكومة الفرنسية ارادت انتهاز فرصة تقديم الهدايا الى بيهانزن وطلبت من مختلف ضباط البعثة كتابة تقرير عما شاهدوه في ابومي، فكتب الملازم شاسل تقريرا عن طبوغرافية داهومي وعزز تقريره بالرسوم والصور وكتب اوديود عن الناحية العسكرية وأوضح مدى قوة الجيش الداهومي كذلك كتب عن النظم السياسية السائدة في البلاد، كما صاحب البعثة ضباط من البحرية الفنسية منهم هيكار ودوكير وقد شكا بيهانزن لأفراد البعثة من تصرفات بايول عندما زار ابومي لأنه زعم له بأن لديه سلطات تماثل سلطات ملك فرنسا وأعلن بيهانزن أنه يريد العيش في سلام مع الفرنسيين (2).

وكان من أهم نتائج هذه البعثة التعرف على داهومي والنظم السياسية فيها ووضعها العسكري .

وجدير بالذكر أنه رغم التأكيدات لأفراد البعثة عن رغبته في العيش في سلام مع الفرنسيين إلا أنه اتصل بالتجارة الألمان في الكاميرون للحصول على الأسلحة الحديثة والمتطورة (4). وكذلك استأنف اغارته على البلاد ولكن على البلاد الواقعة غرب ابومي فهاجم اوتشي في سبتمبر 1891 وأسر عددا كبيرا من أهلها وأجبرهم على العمل في المزارع الجماعية كما هاجم كلا من أفوماي وكينكبودون والقرى الواعة على الضفة اليمنى لنهر اويميه وامتدت هجماته حتى وصلت على مقربة من بورتونوفو (1).

وفي 15 فبراير 1892 تولى بالو حكم وادارة المنطقة وكان أول حاكم فرنسي في المنطقة بعد انفصالها عن أنهار الجنوب فقد صدر مرسوم في 17 ديسمبر 1891 انفصلت بمقتضاه منشآت فرنسا في خريج بدين عن منطقة أنهار الجنوب. وقد قانم بالو بتفقد المناطق التي أغار عليها بيهانزن وأرسل له في 28 مارس 1892 رسالة احتجاج ولكن بيهانزن رد عليها قائلا: "أني مندهش من غضبمك نتيجة هجومي على القرى وأنا اتسائل هل أعلنت الحرب على فرنسا، أنا مذهول من العودة لهذا الأسلوب وأنا على استعداد لملاقاتك ، وهذا الاحتجاج اعتبره سخرية مني ولا أحب أن يسخر أحد مني أنا الملك، ثم قام بيهانزن بتجميع اربعة آلاف رجل أمام بورتونوفو وكونونو وحشد الفين بين ويده وسافي والفا أمام الاده وأعلن بأنه ملك السود البيض معا وليس لأحد التدخل في أعماله (2).

وزاء تطور الموقف اجمع البرلمان الفرنسي في ابريل 1892 على ضرورة اعلان الحرب في داهومي وتم رصد ثلاثة مليون فرنك لهذا الغرض ولعل هذا يدلنا على مدى خطورة وتزايد قوة بيهانزن الذي هدد وجود الفرنسيين في داهومي، وعندما علم بيهانزن باعلان فرنسا الحرب عليه كتب رسالة في اقبريل 1892 ذكر فيها:

"أنا أعلم بأن الحكومة الفرنسية أعلنت الحرب على داهومي وأن الأمر قد تقرر في البرلمان الفرنسي وأنا أنذركم اذا بدأتهم الحرب فسوف أعلنها أنا الآخر واذا دمرت أي قريبة بنيران مدافعكم فسوف اتجه مباشرة لسحق بورتونوفو وأنا مستعد للحرب ولن أخدمها ولو بعد مائة عام (3)".

بدأت الاستعدادات لارسال حملة عسكرية الى ابومي وقد وكل الى الكولونيل دودز (1) قيادة الحملة فوصل في 20 مايو 1892 الى كونونو بتعليمات صريحة باستخدام القوة العسكرية في مختلف المناطق. وقد استغرف في تجميع القوات العسكرية وتدريبها ثلاثة أشهر، واتخذ دودز من بورتونوفو قاعدة ومركزا للهجوم على العصامة أبومي (2). كما فرض حصارا على الساحل ومنع بيهانزن من التجارة وفي يونيو 1892 هاجمت قوات بيهانزن السفن الفرنسية المتجهة عند نهر اويمة فبدأ دودز في الزحف على ابومي وأبحر في النهر حتى بلغ رادفه زو وضرب كلا من ابومي وجودوني وكفالي بالمدافع، ثم تحركت فرق المشاة مصحوبة بست فرق من الرماة السنغاليين والهوسا متجة شمالا نحو ابومي ولكن قوات داهومي فاجأت معسكر الفرنسين في دوجبا فتلت عددا كبيرا منهم (3) ولذلك أسرع دودز بتنظيم قواته واحتل كانا وأصبحت داهومي على وشك السقوط ما أبدا الجيش الداهومي من سالة في القتال وما ابدته فرق الأمازون من شجاعة (4) ولذلك أرسل بيهانزن الى دود طالبا منه التفاوض فاشترط عليه الأخير تسليم أسلحت والتنازل عن الأراضي الساحلية الواقعة على الضفة اليسرة لنهر اويمه وحتى اقليم زجناندو وقد حمل هذه الشروط الى بيهانزن المندوب الفرنسي بالموت والذي كان على عداء معه. كما طلب منه دودز ثلاثة وزراء كرهائن (5).

وقد حاول بيهانزن لفط أنظار الدول الاوروبية له لمساعدته ولكن كل من انجلترا وألمانيا رفضتا التفاوض معه (6) فلجأ الى الاتصال المباشر مع الحكومة الفرنسية وكلف صحفيا يرجع أصله لليوريا ويدعى هنري كاجادون للسفر الى باريس لعرض قضيته على الحكومة الفرنسية، ولكنه لم يتكمن من مقابلة أحد من المسئولين فنشر في انجلترا رسالة موجهة من بيهانزن إلى الأمم الكبرى المتحضرة في العالم طالبا عدم السماح لدولة تملك الأسلحة الحديثة مثل فرنسا أن تقضي على شعب داهومي الذي لم يقترف أي جرم سوى أنه ضعيف وجاهل. ولكن لم تنجح محاولات بيهانزن ولم تعر نداءاته اهتمام أي دولة اوروبية. ولذلك حاول التفاوض مع الفرنسيين وارسل الى الكولونيل لامبينيه عارضا عليه الصلح في 29 أبريل 1893 واستعداده للاستسلام ولكن وفقا لعدة شروط:

(1) ألا تهاجم جماعات ناجو أهالي داهومي. (2) أن يمتنع الملك نوفا ملك بورتونوفو عن مهاجمة بيهانزن ونشر الدعايات السيئة عنه وترديد الأكاذيب. (3) يعلن عن رغبته في السلام مع فرنسا ويتعهد بعدم شن الحرب علهيا. (4) الاقامة في ابومي مرة ثانية والتخلي عن المراكز التي تحصن بها في شمال بلاده في لاما (1).

ولم يتلق بيهانزن أي رد من المسئولين الفرنسيين، في المنطقة ويلاحظ من عرضه السابق أن بيهانزن أدرك مدى ضعفه أمام القوات العسكرية الفرنسية، وأنه لا قبل له بمحاربتها ولذلك جنح الى السلم. وحاولا الاحتفاظ بماء وجهه وكبريائه فاشترط على الفرنسيين عدة شروط لهذا السلم. ومنها بقاءه مرة ثانية في بلاطه في ابومي. مع تعهده بعدم شن أي حرب ضد فرنسا. ولكن العسكريون الفرنسيون قرروا القضاء عليه، ولم يعد هناك مجال لأية مفاوضات (2).

وبجد بيهانزن أنه لا مفر أمامه سوى الحرب مرة ثانية فنداؤه الى العالم لم يأت بالفائدة المرجوة، ولم ينتبه اليه أحد. كذلك عروضه من أجل الصلح لم تلق اهتماما من أي مسئول ومرد ذلك أن الحكومة الفرنسية كانت قد اتخذت قرارا لا رجعة فيه ألا وهو اعلان الحرب وضرورة القاء القبض عليه لاقرار الأمن في المنطقة (3).

وفي 30 أغسطس 1893 جمع دودز قواته في كونونو ثم اتجه الى انشربيه حيث تمركز بيهانزن وعندما علم الأخير بذلك ارسل الى دودز وفدا من خمس وعشرين من الزعماء لكي يعرضوا عليه الصلح ولكنه رفض ثم تقدم دودز الى انشربيه فوجدها خالية وفر بيهانزن منها الى ماهي (1). وقد اتخذ دودز عدة اجراءات هامة في المنطقة.

(1) أ‘لن ضم اقليم الاده الى ابومي كما أعلن في 5 يناير 1894 بأنه يقبل خضوع أمراء وزعماء وأهالي داهومي. كذلك أعلن ضم ماهي – داسا – ناجو والبلاد الواقعة على الضفة اليسرة لنهر اويمه، وأعلن بأن هذه المناطق أصبحت تابعة لفرنسا. (2) قسمت داهومي الى مملكتين أبومي – والاده ، وتكونت الأولى من البلاد الواقعة بين كوفو في الغرب واقليم ماهي في الشمال واويمه في الشرق ولاما في الجنوب. وتكونت مملكة الاده في البلاد الواقعة بين كوفو في الغرب ومملكة ابومي في الشمال واويمة في الشرق بالاضافة الى الأراضي التي تم ضمها في الجنوب. (3) أعلن بأن تعيين ملوك أبومي والاده باختيار زعماء البلاد بعد اجتماعهم في مجلس عام ولكن تحت اشراف الادارة الفرنسية. (4) وضعت الاده وابومي تحت الحماية الفرنسية. (5) تعقد معاهدات سياسية وتجارية بين حكام داهومي الجدد وممثلي الحكومة الفرنسية (2).

في أوائل 1894 نصب جوتشيللي شقيق بيهانزن ملكا في داهومي خلفا لشقيقه، الذي أعلن على الفور قبول الحماية الفرنسية على أراضيه (3). وحسب تقاليد داهومي تلقب الملك الجديد باسم اجولي اجبو أما بيهانزن فقد وجد أنه لا أمل له في استمرار نضاله ضد الفرنسيين فوصل الى اوميجانيه قرب ابومي حيث سلم نفسه 1894 ، وتم ترحليه الى داكار ومنها الى مارتينك ثم الجزائر ثم بليده من جزر الهند الغربية حيث توفى بها عام 1909 (1).

وقد حاول بيهانزن (2) في عام 1905 قبل وفاته لفت نظر الدول الاوروبية اليه فنشر في جريدة ديموكراتيك التي تصدر في جواديلوب رسالة وجهها على فرنسيس دي برنسيسه رئيس جمعية حقوق الانسان طالبه فيها بعودته الى داهومي. وانتقد السياسة الفرنسية وألقى اللوم على المسئولين الفرنسيين الذين دأبوا على الاساءة اليه ونصرة ملك بورتنوفو عليه وبرر حروبه ضد الفرنسيين بأنها كانت نتيجة لاعتداءاتهم عليه. وانه اضطر للرد عليهم حتى لا يلحقه العار أمام القبائل الأفريقية، وأعلن بيهانزن أنه على الرغم من نفيه الا أن الفرنسيين مازالوا ينكلون بأهالي داهومي. ولكن رغم جهود جمعية حقوق الانسان الا أن السلطات الفرنسية رفضت عودة بيهانزن الى داهومي، في عام 1928 ثم نقل رفات بيهانزن الى داهومي (3).

وهكذا نجحت فرنسا في بسط سيطرتها على داهومي ولكن بعد أن تكبدت هي الأخرى خسائر فادحة. ولقد حاول الفرنسيون تعليل قوة المقاومة والاستقلال ورفض الشعب الداهومي للخضوع للقوى الخارجية. كذلك اغفل الفرنسيون الدافع الوطني وهو الدافع الرئيسي لمقاومة الاستعمار الاوروبي في أفريقيا كلها (4).

وأخيرا فقد تسببت عدة عوامل في هزيمة بيهانزن رغم عدم كفاءة قواته العالية في القتال، وحسن تدريبها من هذه العوامل أن بيهانزن لم يجمع قواته ضد الفرنسيين، ولم يركز هجماته ضدهم. ففرقه العسكرية كانت مشتتة لقتال البوروبا من جهة، كذلك انشغلت بشن الغارات على بورتوفونو حيث عدوه اللدود توفا حليف الفرنسيين، هذا بالاضافة الى كثافة الحملات العسكرية الفرنسية التي زودت بالمدافع وبأحدث الأسلحة وبرفق مدربة تدريبا عاليا من الرماة السنغاليين والهوسا (1). وفي عام 1894 أعلنت الحماية الفرنسية على داهومي (2).


ثانيا: ساحل العاج

1- الحصون الفرنسية في ساحل العاج

اذا كانت منطقة ساحل العبيد قد جذبت التجار الفرنسيين فضغطوا على حكومتهم للاهتمام بها ولفت النظر اليها فان منطقة ساحل العاج كان لها نفس الظروف المشابهة فقد كانت جهود التجار الفرنسيين بالنجاح فيها بعد أن وافقت الحكومة الفرنسية على انشاء ثلاث حصون في منطقة ساحل غرب أفريقيا كان نصيب ساحل العاج فيها حصنان في كل مرة من جران بسام وأسيبي، أما الحصن الثالث فقد تم بناؤه في جابون التي أصبحت قاعدة بحرية للنشاط الفرنسي في المنطقة (1).

ويرجع الفضل الى بوبيه ويلوميه والكابتن بروكان في بناء الحصنين السابقين، فقد كلفا من قبل الحكومة الفرنسية للاتطلاع على المنطقة، ونجحا في عقد معاهدة تجارية مع زعماء منطقة جارواه الواقعة على بعد عدة أميال شمال غرب رأس النخيل (ليبريا). كذلك وقع بوبيه عدة معاهدات مع زعماء منطقة جران بسام وأسيني وأنشأ مركزين فرنسيين فيهما، وعاد الى فرنسا حاملات معه معلومات قيمة عن المنطقة (2). وقد أطلقت على هذه المراكز والحصون التجارية اسم وكالات الجنوب ولكن اهتمام الحكومة الحقيقي بها تأخر قليلا عن غيرها من المناطق (2). بسبب صعوبة الملاحة في أنهارها، ولذلك ظلت أماكن كثيرة منها مجهولة تماما بالنسبة للاوروبيين بالاضافة الى الحرارة والطقس، وصعوبة تأقلم الاوروبيين فيه كذلك الحروب الأهلية بين القبائل الوطنية في المنطقة (4) ولذلك قل اهتمام الحكومة الفرنسية بهذه المنطقة ولكن رحلة بوبيه لفتت أنظار فرنسا الى الساحل. كما أن وكالة ريجي التي مارست التجارة في داهومي كان لها نشاط أيضا في ساحل العاج وشجعت هذه الوكالات الحكومة على الاهتمام بالمنطقة (1).

وفي 19 فبراير 1842 وقع الملك بيتر ملك جران بسان معاهدة مع الفونس فلوريو الملازم البحري وقائد السفينة لا ماليون عن اداورد بوبيه قائد المحطة البحرية لسواحل غرب أفريقيا جاء في المادة الأولى .. أن لحاكم فرنسا فيليب الأول السيادة المطلقة على بلاد وأنهار جران بسام وللفرنسيين الحق في انشاء الحصون التي يقررون أنها نافعة وضرورية ولهم الحق في شراء الأراضي وامتلاكها ولا يحق لأي دولة أن يكون لها سيادة في المنطقة غير فرنسا.

المادة الثانية .. يتنازل ملك جرام بسام بيتر وزعماء البلاد عن ألف متر من الأراضي لصالح فرنسا.

المادة الثالثة .. في مقابل هذه الامتيازات يدفع الفرنسيون لملك جران بسام بعد التصديق على المعاهدة الآتي: عشر قطع من الأقمشة الصناعية وعشر بنادق، كيسا من التبغ، مظلة، خمس قبعات بيضاء.

المادة الرابعة ... يكون لفرنسا حق الملاحة في الأنهار وروافدها.

المادة الخامسة .. في حالة حدوث خلاف بين الطرفين، يكون الاحتكام فيه لأول قائد سفينة حربية تصل الى البلاد وعليه الالتزام بالعدل في حكمه.

المادة السادسة .. يجب توفير الأمن للتجار.

المادة السابعة.. يسري مفعول المعهدة من اليوم الأول 19 فبراير 1842 (2) ، وهكذا نرى أن فرنسا أرادت تدعيم سيطرتها على جران بسام، والحصول على الامتيازات السابقة وحق استغلال الأراضي والأنهار في مقابل بعض الأقمشة ومظلة وبعض القبعات.

وبعد التصديق على المعاهدة، انتشرت الوكالات الفرنسية في المنطقة وكتب الأميرال دوبريه في 19 ديسمبر 1842 بأن المنطقة تشهد بناء عدة وكالات تجارية فرنسية ، هي ثمرة النشاط الفرنسي وبفضل جهود هذه الوكالات دعمت فرنسا سيطرتها التجارية على المنطقة وطالب دوبريه من الحكومة تقديم المساعدة لهؤلاء التجار لتقوية نفوذهم، ودعم وكالاتهم التجارية، كذلك دعا الى قامة منشآت عسكرية في المنطقة لكي يشعر المواطنين بمدة السيطرة الفرنسية ، وفي نفس الوقت يتحقق الأمن للتجار الفرنسيين أثناء ممارستهم تجارتهم (1).

لم يقتصر النشاط الفرنسي على عقد المعاهدة وانشاء المراكز والوكالات التجارية، فقام بوبيه بالاتصال بالقبائل الوطنية، ونجح في بناء حصن دي جوانفيل عام 1843 في اسيني كذلك شيد حصن نيمور في جران بسام. وفي الفترة الواقعة ما بين 1844-1845 قام المكتشفون الفرنسيون خلال تلك الفترة باكتشاف الأنهار القريبة من البحر – كما اتصل الفرنسيون بزعماء مناطق ساسندرا – فرسكو، وجران لاهو (2).

ولكن الحكومة الفرنسية كانت على علم باحتياجات التجار البريطانيون فأرادت توضيح موقفها للحكومة البريطانية فأكدت لها بأن انشاء الحصون أو الوكالات الفرنسية لن يعرقل التجارة وأرسل جيزو وزير الخارجية الفرنسية الى اللورد كويلي في 11 نوفمبر 1844 يخبره بأن وجود فرنسا في عدة نقااط على الساحل لن يضر التجار البريطانيين بل سوف يعطيهم الأمان للعمل بحرية وأنه لا يوجد نوايا فرنسية لتغير الوضع القائم في غرب أفريقيا (3). وقد طمأنت الحكومة البريطانية التجار البريطنيين، وأكدت لهم بأنها حصلت على تأكيدات قطاعة من السفير البريطاني في باريس بأنه ليس هناك نوايا لفرنسا لعرقلة تجارتهم، وأن اقامة المنشآت الفرنسية ليس معناه تخلي التجار عن حقوقهم في المناطق التي يعملون فيها، ولا التخلي عن ممتلكاتهم ومنشآتهم فيها (4).

ولم تقتصر السيطرة الفرنسية على ساحل العاج وانما امتدت الى جابون فوقع التاجر الفرنسي امورو معاهدة مع ملك جابون جلاس اعترف فيها الأخير بالسيادة الفرنسية على أراضيه، وترجع أهمية جابون الى أنها اصبحت منطقة وقاعدة لمراقبة ساحل غينيا. وقد ارسل بوبيه تقريرا الى وزير المستعمرات في 23 مايو 1844 يطلعه فيه على موقف فرنسا في جابون وقبول الملك توقيع المعاهدة فقاموا باثارة الملك جلاس ضد الفرنسيين (1). واقنعوه بأن هذه المعاهدة التي وقعها للقضاء على سلطانه، ولتسليم أراضيه للفرنسيين فغضب جلاس وأرسل رسالة احتجاج الى القائد البحري بوبيه يلومه فيه على خداعه وتوقيع المعاهدة، مؤكدا له سيطرته على جابون (2). ولكن الحكومة الفرنسية أسرعت لتأكيد حقوقها ونفوذها في جابون وأرسل الكونت دي جرنك الى ايرل ابردين في 26 سبتمبر 1844، بأن المعاهدة التي تمت بين فرنسا وملك جابون قام بها ضباط فرنسيون مسئولون أمام الحكومة الفرنسية كما أرسل له نسخة من المعاهدة (3). كذلك أرسل جيزو وزير خارجية فرنسا الى السفير الفرنسي في لندن كونت أنولير في نوفمبر 1884 بأن وزارة البحرية الفرنسية ترد على شكوى التجار البريطانيين في خليج غينيا بأن التجار والضباط الفرنسيين هم الذين يشكون من تصرفات البريطانيين لأنهم حرضوا الملك جلاس على رفض المعاهدة، وقاموا بتأليب الوطنيين ضد الفرنسيين، ويطلب جيزو من السفير الفرنسي ابلاغ الحكومة البريطانية بضرورة احترام المنشآت الفرنسية في ساحل غرب أفريقيا (4). وقد دعا وزير الخارجية الفرنسي الى تأكيد حقوق فرنسا في جابون كما أبلغ السفير البريطاني في باريس المعاهدة المعقودة مع الملك جلاس لم تكن سرية وأنها أعلنت فور توقيعها، وأن رفض الملك جلاس لها بايعاز من التجار البريطانيين ويجرع السبب في تمسك الفرنسيون بجابون الى أنها قاعدة بحرية هامة في سواحل غينيا (1).

وبرعم كل الاحتجاجات التي أثيرت حول انشاء الحصون الفرنسية ومخاوف التجار البريطانيين على مصالحهم التجارية الا أن الحكومة الفرنسية والتجار الفرنسيين ظلوا يمارسون تجارتهم في ساحل العاج، ولكن في الواقع لم تهتم فرنسا بهذه المنطقة قدر اهتمامها بالسنغال مثلا، فنجد أن فيدريب حاكم السنغال ابدى استعداده لترك المنطقة لكي تعلن بريطانيا حمايتها عليها وقد لقيت رسائله ترحيبا من الحكومة البريطانية، وخاصة من اللورد أبردين الذي رأى ضرورة توفير الحماية للتجار البريطانيين (2).

وقد توالت احتجاجات التجار البريطانيين بعد انشاء الحصون الفرنسية في كل من جران بسام وجران لاهو، فأرسل التجار البريطاني لوكاس الى ايرل ابردين في 8 ـأغسطس 1844، يخبره بأن اقامة حصون فرنسية في هذه المناطق يشكل خطرا على التجارة البريطانية. وبلغ الأمر بلوكاس أن طالب من حكومته التدخل لحماية التجارة مذكرا اياها بأن التجار البريطانيين انما يتجارون في التجارة الشرعية ولا يتاجرون في الرقيق، وذلك لاثارة حماس حكومته للتدخل واتخاذ موقف حازم ازاء انشاء الحصون الفرنسية (3).

واذا كان التجار البريطانيون قد احتجوا لدى حكومتهم لانشاء حصن جران بسام، فأنهم احتجوا أيضا من قبل لانشاء حصن اسيني فأرسل بعض تجار بريستول الى وكيل المستعمرات اللور ستانلي في 7 يونيو 1842 محتجين على انشاء حصن فرنسي في المنطقة (4).

وقد استمرت احتجاجات التجار البريطانيين لمنع الفرنسيين من اقامة أية منشآت في اسيتي أو جران بسام أو عند نهر جابون بتدخل حكومتهم (1).

وجدير بالذكر أن انشاء الحصون الفرنسية قد قوبل بعدم الترحاب من جانب السلطات البريطانية وخاصة بعد رفع العلم الفرنسي عند مصب نهر أسيني فكتب المسئول عن الحصون البريطانية في ساحل الذهب تقريرا الى وكيل وزارة المستعمرات البريطانية يخبره بنشاط فرنسا وبمدى الاستياء الذي ابداه التجار البريطانيون من انشاء الحصون الفرنسية في كل من جران بسام وأسيني، بالاضافة الى جابون ولكن اللورد أبردين رد على هؤلاء التجار بأنه ليس من حق بريطانيا التدخل في شئون التجار الفرنسيين ومصالحهم التجارية (2) ولكن رغم ذلك كان لالحاح التجار البريطانيين ورجال البحرية دور في دفع الحكومة البريطانية لاتخاذ موقف ضد هذه الحصون فارسلت الى ادنجتون في 25 نوفمبر 1843 تندد بالاستقرار الفرنسي في أسيني، لأنه يمثل تهديد لمصالح البريطانيين في ساحل الذهب (3). كذلك أرسل المسئولون البريطانيون في المنطقة يحذرون حكومتهم من امتداد النشاط الفرنسي في المنطقة الممتدة بين نهر جابون وساحل الذهب وطالبوا الحكومة البريطانية في 30 يونيو 1843 بالتدخل لمنع الفرنسيين من اختيار أفضل النقاط على الساحل والاستقرار فيها، وخاصة وأنهم تقدموا بالفعل في منطقة راس النخيل (4).

وجدير بالذكر أنه كان وراء هذه الرسائل الى الحكومة البريطانية تيودور، كانوت وهو تجار بريطاني أقام فترة طويلة في كاب مونت وعمل بالتجارة، وأبدى استعداده لترك المنطقة لكي تعلن عليها بريطانيا حمايتها ولقيت رسالته ترحيبا من الحكومة البريطانية (5).

وعلى الرغم من كل الاحتجاجات التي أثيرت حول انشاء الحصون الفرنسية ومخاوف التجار البريطانيين ظل التجار الفرنسيون يمارسون تجارتهم في ساحل العاج ولكن الحكومة الفرنسية لم تهتم قدر اهتمامها بمستعمرة السنغال التي كانت في نظر فيديرب أفضل من وكالات الجنوب. وسرعان ما هجرت هذه المراكز تماما بعد الحرب السبعينية وسرعان ما أعادت فرنسا الاهتمام بها كغيرها من مناطق غرب أفريقيا (1).


2- اكتشاف امبراطورية الموسى Mossi:

رغم انسحاب فرنسا من مراكزها في ساحل العاج، الا أن النشاط التجاري لم يتوقف في المنطقة بفضل جهود التجار الفرنسي فردييه اذ ظل يعمل لمدة عشرين عاما، بنى خلالها العديد من المنشآت والوكالات وامتد نشاطه التجاري الى المناطق الداخلية. وتذكرنا جهود فردييه بنشاط وكالة ريجي في ساحل العبيد، وبفضل جهود التجار الفرنسيين احتفظت فرنسا بحقها في الادعاء بتبعية هذه المناطق لها، كذلك ظهرت في منطقة ساحل العاج محاولات فردية لاكتشاف المنطقة. فنجح بونات في اكتشاف 280 كم من مجرى نهر فولتا، كما أسس وكالة في سالاجا 1876 وظل بونات يعمل في المنطقة لمدة أربع عشرة عاما وكذلك وقع كرسبن عام 1868 عدة اتفاقيات مع زمعاء مناطق فرسكو وسان بدرو وافقوا بمقتضاها على السماح له باقامة مراكز تجارية في اراضيهم (2).

ومن الأسماء التي لمعت في المنطقة اسم تجار مارسيل 1861-1890، وقد عمل هذا التجار في خدمة فردييه حتى 1883 واكتسب منه الخبرة واستطاع التعرف على عادات وتقاليد السكان وكان لابلين طموحا في وضع اساس مستعمرة ساحل العاج. اذ حول مجموعة الوكالات التجارية الفرنسية الى مستعمرة حقيقية. وقام لابلين ببناء مدرسة في اسيني تولى ادارتها والتدريس فيها، وجعلها نواة لتخريج عملاء سياسييين انجزوا الخدمات العديدة لفرنسا. كما نجم لابلين في مد النفوذ الفرنسي خارج نطاق الوكالات التجارية ، ففي 1884 عقد معاهدة مع زعماء منطقة جران لاهو (3).


وفي 16 يونيو 1886، صدر مرسوم بوضع المنشآت الفرنسية في ساحل العاج تحت ادارة حاكم أنهار الجنوب (1) فأدت هذه الخطوة الى عرقلة جهود لابلين لأنه فقد السيطرة المطلقة، ولكن بايول حاكم أنهار الجنوب أدرك أهمية مركز لابلين وخبرته، وأراد الاستفادة منه للعمل في المنطقة، فكلفه بتفقد أحوالها ومراقبة المناطق الشمالية فيها، وخاصة وأنه تراءى له أن الادارة البريطانية في ساحل الذهب تزمع مد نشاطها الى المناطق الداخلية من ساحل العاج. ولذلك اتجه لابلين في 2 مايو 1887 نحو نهر كوميه، ووصل الى بيتيه وعقد مع زعماء المنطقة معاهدة حماية، كما وقع في 25 يونيو معاهدة وافق بمقتضاها على وضع أراضيه تحت الحماية الفرنسية (2).

وهكذا نجح لابلين حتى يوليو 1887 في توقيع عدة معاهدات في المناطق الواقعة بين وادي نهر كومويه وبيتيه وجران بسام وبذلك منع بريطانيا من الامتداد نحو المناطق الشمالية من ساحل العاج وأغلق الطريق أمامها في هذه الجهة (3).

أما عن رحلة لابلين الشهيرة التي قام بها مع القائد الفرنسي بنجر لاكتشاف المناطق الداخلية لساحل العاج، فقدجلبت هذا الرحلة الشهرة لكليهما، فقد قام بنجر برحلة لمدة عامين لاكتشاف البلاد والمدة الواقعة عند ثنية النيجر وحوض نهر فولتا ووصل الى ساحل العاج عن طريق نهر كوميه (4). وفي خلال هذه الفترة اصدر اوجين ايتيان وكيل وزارة المستعمرات 1887 الى لابلين أمرا بالقيام برحلة من ساحل العاج والالتقاء مع بنجر الذي رحل من باماكو ووصل كونج عام 1888 وكان أول اوروبي يصل هذه المدينة (5). وقد اشتهرت كونج بتجارتها وهي مدينة صغيرة في منطقة السافانا تقع شمال ساحل العاج وقد نمت واتسعت بفضل جهود زعماء الماندنجو الذين سيطروا على بوبو ديولاسو من الشمال حتى الحدود الجنوبية (1). وقد رافق بنجر الى كونج مونييه الذي كتب تقريرا عن كل ما شاهده فيها من صناعة وتجارة. على اعتبار أنها من أ÷م مدن السودان الغربية. وقد أحسن أهالي المنطقة استقبال بنجر وأعرب زعماؤهم عن رغبتهم في توطيد العلاقات التجارية بين كونج والمراكز الفرنسية على الساحل وخاصة وأن المدينة لها تجارة نشطة مع المناطق الشمالية وخاصة تمبكتو (2).

وجدير بالذكر أن مدينة كونج كانت مطمع الدول الاوروبية الأخرى، نظرا لموقعها الهام فحاول الألمان الوصول الياه كذلك البريطانيون غير أن كان أول اوروبي يدخل المدين، ولذلك حققت رحلته نجاحا منقطع النظير (3).

أما لابلين فقد اتجه الى سيكاسو ومنها الى تنجريلا ثم اتجه نحو كونج حيث تقابل مع بنجر ولعل أ÷م النتائج التي حققها لابلين، أن تعرف على أراضي جديدة، كما وقع معاهدة حماية مع ملك أبرون، كذلك أعلن وضع كونج وملحقاتها تحت الحماية الفرنسية (4). ولكن أهم كشف حققه بنجر من رحلته هو اكشتاف امبراطورية الموسى لأول مرة. فلقد كان الاوروبيين يجهلون تماما وجود امبارطورية كبيرة هي امبراطورية الموسي التي تقع في فولتا العليا وقد شملت أهم أقاليمها وجادوجو – دوري – بوبوديولاسو – ياتنجا – تجورما. وقد توحدت هذه الامبراطورية وأصبح لها جيش قوي واشتهرت بتجارة الرقيق فتاجرت مع المناطق الجنوبية ولكنها بقيت على عزلتاه وساعدها على ذلك وجود الغابات الكثيفة التي حالت دون الوصول الياه ، كما ظل أهلما على وثنيتهم حتى أوائل القرل التاسع عشر (5).

وجدير بالذكر أن الرحلات التي قام بها الاوروبيون لقيت تمجيدا كبيرا من قبل دولهم فقد اعتبر الفرنسيون بأن اكتشاف امبراطورية الموسى نصرا كبيرا يدل على عبقرية بنجر ولكنهم تناسوا بأن هذه المناطق اذا كانت مجهولة بالنسبة للاوروبيين الا أن العرب وصلوا الهيا كتجار منذ زمن بعيد فقد وجد في كونج عدد كبير من المسلمين الى جانب الوثنيين.

أعطى بنجر تفاصيل دقيقة عن امبراطورية الموسى ووصفها بأنها أقل تحضرا من البلدان الاسلامية في السودان الغربي ولكنه دعا الى تطويرها، والاستفادة من ثرواتها، وكتب بأن الطريق ممهدا أمام الفرنسيين لغزوها. ولكن على الرغم من زيارة بنجر لهذه المنطقة الا أن ملكها بوكاري رفضا استقباله في وجادوجو كما رفض السماح له بالسفر الى باتنجا لانه تشكك في نواياه، وأعلن له رأيه في الاوروبيين بأنهم يريدن أن يكونوا أسياد السود كذلك رفض الملك بوكاري قبول الحماية الفرنسية وطلب من بنجر مغادرة البلاد (1).

ترك لابلين وبنجر كونج 1889 وأثناء عودتهما وقعا معاهدات حماية مع زمعاء يونميني وأنو ثم وصلا جران بسام فزودت بتفاصيل هامة اقتصادية وسياسية عن المناطق التي قاما بزيارتها ولكن بنجر ظل يتمنى توقيع معاهدة حماية مع ملك موسى، ولذلك كتب الى حكومته بالاسراع في توقيع هذه المعاهدة خوفا من منافسة اي دولة اوروبية أخرى (2).

أما ملك موسى وباجو الذي خلف بوكاري – فقد خشى على دولته من النفوذ الفرنسي، وخاصة بعد تدمير الفرنسيين امبراطورية التوكولور وايقن بأنه سيواجه نفس المصير فرأى ضرورة اللجوء الى قوة اوروبية اخرى تتولى حمايته ولذلك وقع معاهدة في 2 يوليو 1894 مع الضابط البريطاني فرجسون الذي ارسلته الادارة البريطانية في ساحل الذهب ولكن السلطات الفرنسية رفضت الاعتراف بالمعاهدة وأرسل القائد الفرنسي دستناف عام 1895 الى واجادوجو لمقابلة الملك الموسى الذي صرح للقائد الفرنسي بأنه يعلم تماما بأن الفرنسيين يريدون قتله لادارة بلاده وأكد له بأنه ليس في حاجة الى التعاون معهم، وأنه يدرك تماما مصلحة بلاده وهدد الملك المبعوث الفرنسي بقطع راسه اذا لم يبادر بالرحيل (1).

وكانت الأوامر الصادرة للمبعوث الفرنسي عدم استخدام القوة ضد الموسى ومحاولة توقيع المعاهدة بالوسائل السلمية ولكن جهود الفرنسيين فشلت، اذ أصر الملك على عدم التفاوض معهم. ولم يعد أمام الفرنسيين سوى استخدام القوة وخاصة وان القائد العسكري المسئول في ذلك الوقت كان أرشيدار الذي عرف بميوله العسكرية ولذلك قرر اتخاذ سياسة أكثر حزما مع الملك، فطلب من المسئولين الفرنسيين ضرورة غزو امبراطورية الموسى، ولذلك ارسل الكابتن فوليه عام 1896 على رأس حملة عسكرية كبيرة نجحت في الاستيلاء على واجادوجو عاصمة الموسى ثم تحرك فولييه بقواته جنوبا واستولى على ساتي عاصمة اقليم جوارنو وأجبر الزعماء الوطنيين على توقيع معاهدة حماية مع فرنسا، وفر الملك وباجو الى ساحل الذهب حيث توفى 1897 وحل محله أخو نورو نابو سوجيري الذي قبل على الفور توقيع المعاهدة مع الفرنسيين، ورغم محاولات وباجو قبل وفاته احياء معاهدة فرجسون التي وقعها مع البريطانيين الا أنه لم ينصت اليه أحد. واصبحت أراضي الموسى تحت السيطرة الفرنسية (2).

وجدير بالذكر أن الادارة البريطانية في ساحل الذهب أدركت أنه من الصعب عليها احياء معاهدة فرجسونوخاصة وأن الفرنسيين دعموا سيطرتهم على المنطقة بتوقيع العديد من معاهدات الحماية.وقد أثيرت الاستفسارات في مجلس العموم البريطاني عن منطقة ساحل العاج وخاصة بلاد الموسى بعد توقيع معاهدة الحماية الفرنسية عليها، فخشى الأعضاء بأن تكون واجادوجو أو أراضي الموسى ضمن الأراضي التابعة لانجلترا، ولكن وكيل وزارة المستعمرات البريطانية أكد بأن هذه الأراضي كان بها مركز فرنسي، وأن الفرنسيين لهم سيطرة عليها (1).

أما عن لابلين فقد توجت جهوده باختياره مديرا ومندوبا لفرنسا فيها، اذ أصدر مرسوم 1889 فصل أنهار الجنوب عن ساحل العاج التي أصبحت مستعمرة مستقلة بذاتها وعين لابلين لادارتها (2).

وقد توالت الاكتشافات وانشاء المراكز الفرنسية في المنطقة، ففي 1890 انشأ الكابتن دي تفرنو مركزا في تيساليه وفي 1891 اكتشف الملازم مجرى نهر ساسندرا من مصبه حتى كواتي، كما اكتشف كل من الملازم كينكوريه ودي سوجنزاك الأراضي الداخلية فاغفلت الطريق أمام البعثات الالمانية والبريطانية (4).

وفي عام 1893 صدر مرسوم بتعيين بنجر حاكما على سواحل العاج فعمل على انشاء الحصون على طول الساحل كذلك عمل على تدعيم سيطرة فرنسا في المناطق الداخلية وأرسل العديد من البعثات (5) وهكذا نجحت فرنسا في وضع الملامح الفرنسية لمستعمرة ساحل العاج ففي الشرق استقر الفرنسيون في كل من أسيني وبوندوكو واندنيه وفي الشمال امتدت السيطرة الفرنسية الى المناطق الداخلية وتوغلت فرنسا في واجادوجو وبوبو ديولاسو (حاليا فولتا العليا ) (6).

وبتعيين أنجولفان حاكما في ساحل العاج عام 1908 انتهج سياسة أكثر حزما تجاه الوطنيين وتركزت خطته في ضرورة دعم السيطرة الفرنسية في المناطق المختلفة والقضاء على المنازعات بين القبائل واستخدام القوة العسكرية من أجل تحقيق هذا الغرض ولاجبار الوطنيين على الاعتراف بالفرنسيين كسادة لهم وكان يتهم الزنوج دائما بأنهم عاجزون عن التفكير ولابد من قيادتهم بشدة (1).

وقد نجح أنجولفان في تدعيم السيطرة الفرنسية في ساحل العاج فقضى على الثورات التي نشبت في المناطق الداخلية من البلاد كذلك في الجنوب وفي شرق اسيني، ولجأ الى العنف في اخماد الاضطرابات في مناطق مان، زيله، دان تونجوم وغيرها من المناطق (2). كما واجه ثورة قبائل أبه التي تقطن في شمال أبيدجان وكان السبب في ثورتها هو مد الخط الحديدي في اراضيها فكانت هذه القبائل تقوم بتدمير الخط والمحطات المقامة وفي 1910 هاجم أفراد القبائل قطارات كانت تحمل ركابا وذبحوا من فيها كما هجموا محطة أجيوفيل ولذلك اسرع الجولفان بارسال حملة عسكرية بقايدة داوم ولكنه فشل في القضاء عليهم واستمرت هذه القبائل تثير الاضطرابات أمام الفرنسيين وامتدت سيطرتهم حتى شمال ديمبروكو وقد حذي حذوهم الاقاليم الأخرى حتى احتدت الثورة في وادي نزي وعند نهر كومويه وأسرعت الفرق الفرنسية لاخمادها (3).

ولكن أنجولفان تمكن من اخماد هذه الثورات واتخذ عدة اجراءات للحيلولة دون نشوب ثورات مماثلة منها ما يلي:

(1) نزع سلاح الوطنيين حتى ولو كان من أجل لاصيد، وكان هدف انجولفان من هذا الاجراء تجريد الوطنيين من أسلحتهم كذلك اجبارهم بعد ذلك على العمل على الزراعة من أجل تنمية اقتصاد المستعمرة واجبارهم على التخلي الصيد في الغابات.

(2) قام لأنجولفان بنفي الزعماء المسئولين عن الثورة وتم نفي عشرين منهم.

(3) عاقب انجولفان الثوار بدفع غرامة حربية كبيرة مع الالتزام بدفع الضرائب.

(4) أجبر انجولفان الأهالي على فتح الطرق.

(5) عمل على انقضاء على تجمعات القرى. فقد كان سكان الغابات يعيشون في تجمعات تضم المنحدرين من عائلة واحدة.

وبفضل هذه الاجراءات التعسفية بدأ الهدوء يسود في المستعمرة نسبيا حتى عام 1916 (1). وفي عام 1919 انفصلت الأراضي الداخلية لمستعمرة ساحل العاج مكونة مستعمرة فولتا والتي أضيف اليها الأراضي المتقطعة من أعالي السنغال والنيجر (2).

وأخيرا يلاحظ مما سبق أن مقاومة الممالك الوثنية للتوسع العسكري الفرنسي في ساحل غينيا اختلف في داهومي عنه في مملكة الموسى. فقد واجه الفرنسيون في داهومي مقاومة عنيفة أما في مملكة الموسى فرغم مقاومة ملوكها للغزو الفرنسي الا أن تلك المقاومة لم تكن بنفس قوة داهومي وذلك أن مملكة الموسى لم تملك جيشا نظاميا بعكس الحال في داهومي التي اشتهر جيشها بالتنظيم القيق والمقدرة القتالية العالية.

الفصل الثالث: الاستعمار البريطاني في غرب أفريقيا

نشطت بريطانيا خلال السبعينات والثمانينات من القرن التاسع عشر نشاطا استعماريا كبيرا، وجاء توقيت هذه الموجة الاستعمارية ملائما لظروف بريطانيا، وذلك لأنها حتى النصف الأول من القرن التاسع عشر لم يكن في وسعها اضافة مساحات أو مستعمرات جديدة الى امبراطوريتها، وخاصة وأن الاستعمار البريطاني لم يكن قد استقر بعد في بعض الأجزاء المهمة في الامبراطورية البريطانية، ولكن عندما أخمدت بريطانيا ثورة الهند 1857 وأذلت روسيا في حرب القرم 1856، وإيران 1857 والصين 1859 شرعت في موجة جديدة كان ميدانها هو القارة الأفريقية (1).

وفي الوقت الذي سعت فيه انجلترا لتكوين مستعمرات في القارة الأفريقية كان لفرنسا نشاط استعماري في القارة، وخاصة في منطقة غرب أفريقيا, ورغم أن فرنسا اصبح لها نصيب الأسد في المنطقة الا أن بريطانيا منعتها من الاستحواذ على المنطقة بأسرها، فامتدت المستعمرات البريطانية محاصرة المستعمرات الفرنسية وقد حدثت منافسة شديدة في منطقة غرب أفريقيا بين الدولتين ففي النيجر استأثرت بريطانيا بالنيجر الأدنى وفرنسا بالنيجر الأوسط، وأعالي النيجر، كذلك تسابقت الدولتان في كل من لاجوس البريطانية وداهومي الفرنسية على الاستحواذ على المزيد من الأراضي، كما احتدم الصراع بين مستعمرة ساحل العاج البريطانية، وساحل العاج الفرنسية، أما في سيراليون فقد نجحت فرنسا في منع بريطانيا من مد نشاطها في المناطق الداخلية للمستعمرة واستاثرت فرنسا بمنطقة فوتا جالون الداخلية وأعالي النيجر، أما غمبيا فظلت كالأسفين الذي شق مستعمرة السنغال شمالها عن جنوبها ، وقد فشلت محاولات فرنسا لمبادلتها مع بريطانيا.

اذا تحدثنا عن المنافسة الفرنسية البريطانية في غرب أفريقيا سنلاحظ أنها تركزت في المناطق التالية:

أولا: نيجيريا

ازدادت المنافسة بين الدولتين في النيجر وكادت أن تتحول الى صدام مسلح لولا تدارك الدولتين للموقف عن طريق عقد عدة معاهدات لتحديد الحدود فيما بينهما. وقد تقدمت بريطانيا في منطقة النيجر تقدما ملموسا منذ عام 1830-1878 حيث تكونت أربع شركات تجارية بريطانية صنعت صغار التجار الذين عرفوا طريقهم الى دلتا النيجر (1).

وفي الواقع ان انشاء هذه الشركات لم يقابل بالترحاب من قبل المواطنين فدأبوا على مهاجمتها مما اضطر بريطانيا لارسال حملات عسكرية في دلتا النيجر ضربت بعض المدن الساحلية بالمدافع في الفترة من 1871-1879 واتسمت تلك الحملات بالسرعة وكان الهدف منها اظهار قوتها ولم يكن لها صفة الاستقرار فكانت السفن الحربية تبحر في نهر النيجر ثو تعود سريعا للساحل (2).

وفي أغلب الأحيان كانت المدن المتمردة تضطر للرضوخ وقبول عقد معاهدة مع بريطانيا، فعلى سبيل المثال زعماء منطقة اونيتشا رفضوا في بداية الأمر التعاون مع البريطانيين فأمر ايستون القنصل البريطاني اطلاق النار على هذه المدينة لاجبار سكانها على حسن استقبال التجار، وتوقيع معاهدة مع بريطانيا (3).

انصب اهتمام بريطانيا بمنطقة دلتا النيجر على تجارة زيت النخيل، وكان من أشهر السلع في ذلك الوقت وانتعشت تجارته في كل من بوني وكالابار وقد تحول الاهتمام اليه من قبل التجار البريطانيين كسلعة بديلة، بعد الغاء تجارة الرقيق، وشجعت الحكومة البريطانية هذه التجارة على أساس أنها التجارة الشرعية البديلة عن تجارة الرقيق (4).

1- شركة النيجر الملكية

بوصول جورج جولدن تاويمان عام 1877 الى دلتا النيجر بدأ عهد جديد لبريطانيا في المنطقة، فكان لتاويمان اهتمامات عديدة في افريقيا، قام بعدة رحلات استطاع خلالها صعود نهر النيجر حتى بنوى، ونجح في الوصول الى أعالي النيجر، وكان جولدي يأمل في بناء امبراطورية كبيرة في غرب أفريقيا، ورأى أنه بامكانه اخراج هذه الأمنية الى حيز التنفيذ في حوض النيجر فلم تكن هناك قوة اوروبية مسيطرة على تلك المنطقة سوى بريطانيا (1). وتحقيقا لهذا الهدف قام جولدي بزيارة منطقة النيجر عام 1877 ووصل الى قرار هام، ألا وهو توحيد الشركات التجارية البريطانية العاملة في المنطقة في شركة واحدة وذلك بعد أن لمس مدى الضعف الذي تعانيه تلك الشركات (2). وبالفعل نجح جولدي في عام 1879 في توحيد الشركات البريطانية تحت ادارة واحدة عرفت باسم شركة أفريقيا المتحدة United African Company، ثم تغير اسمها ليصبح أفريقيا الوطنية National African Company، وكان الهدف الرئيسي للشركة هو الاشراف على أقاليم النيجر الأدنى وأحكام السيطرة البريطانية عليها (3).

وفي يوليو 1886 صدر مرسوم ملكي يمنح الشركة امتياز العمل في حوض النيجر، وأسند اليها مسئولية ادارة هذه المنطقة والمناطق الأخرى التي سوف يمتد اليها نشاطها (4) وقد ركزت الشركة الوطنية نشاطها في المناطق الداخلية والساحلية، ونجح جولدي في انشاء العديد من المراكز التجارية مستخدما الطرق الدبلوماسية عن طريق عقد المعاهدات مع الزعماء المحليين حتى أنه اطلق عليه مؤسس نيجريا نظرا لجهوده في المنطقة، ثم سرعان ما تحول الشركة الوطنية الى شركة النيجر الملكية واتخذت الشركة من أسابا مركز لادارة عملياتها المختلفة (6).

وينبغي ألا نغفل بأن جولدي لم يكن نزيها في تعامله مع الوطنيين (7)، فعمل على خداعهم لتوقيع المعاهدات معه كذلك عمل على محاربة الزعماء المعارضين لنفوذ الشركة والذين رفضوا الانطواء تحت لواءها، وتخلت بذلك عن السياسة السابقة، ألا وهي عدم التدخل أو التورط في المشكلات الداخلية (1).

وقد نجح قناصل بريطانيا في عقد المعاهدات مع الزعماء الأفارقة في منطقة دلتا النيجر وأحواض الأنهار التي عرفت باسم أنهار الزيت حتى أن بريطانيا أرادت الاستفادة من هذه المعاهدات لتدعي بأن لها حقوقها قديمة في المنطقة، واستندت بالفعل الى تلك المعاهدات التي وقعها قناصل الشركة عند انقعاد مؤتمر برلين 1884-1885، فأكدت بأن لها حقوقا في هذه المناطق مما جعل الدول المشتركة في المؤتمر تعترف بالمصالح البريطانية في دلتا النيجر (2). فعلى سبيل المثال أرسلت الشركة القنصل البريطاني حويت لعقد المعاهدات مع زعماء المنطقة الممتدة من خليج بدين الى بيافرا في 16 مايو 1884، وبفضل جهوده، أصبحت تلك الأراضي تحت الحماية البريطانية قبيل انعقاد مؤتمر برلين مباشرة فلما عقد المؤتمر أقرت هذه الحماية (3).

وكان ارسال هويت بناء على تعليمات من جرانفيل الذي أراد ابعاد النفوذ الفرنسي عن دلتا النيجر فأصدر تعليماته بضرورة عقد سلسلة من المعاهدات مع زعماء منطقة بنوى وأنهار الزيت (4).

وبعد انتهاء المؤتمر اندفعت بريطانيا شأنها شأن معظم الدول الاوروبية نحو القارة الأفريقية، وأسرعت بفرض حمايتها على الكثير من جهات النيجر، ففي 5 يونيو 1885 أعلنت حمايتها على المنطقة الواقعة بني لاجوس والضفة اليمنى والغربية من نهر ديودل ري وكذلك الأراضي الواقعة على ضفة النيجر عند التقائه برافده بنوى في لوكوجا في النيجر وأيضا أعلنت الحماية على الأراضي الواقعة على ضفتي نهر بنوى بما في ذلك ايبي (1). وقد تم اعلان الحماية على أقاليم النيجر في 18 اكتوبر 1887، كما تم توقيع اتفاقية بين الحكومتين الألمانية والبريطانية على احترام مناطق نفوذ كل منهما، كذلك أعلنت الحماية على محمية ساحل العاج (2)، والتي كانت تسمى أنهار الزيت (3).

وكان لشركة النيجر الملكية دور كبير في احتكار بريطانيا للتجارة في حوض النيجر فقد منحتها الحكومة البريطانية الكثير من السلطات ويعتبر تاريخ الشركة جزءا من تاريخ أفريقيا، وبفضل جهود هذه الشركة تم اقصاء النفوذ الفرنسي نهائيا عن منطقة دلتا النيجر (4).

توالت الدراسات لتقييم شركة النيجر الملكية ما بين مؤيد ومعارض، فرأى المعارضين لها بأنها مثلت نوعا من الاستعمار، وأنها لم تحقق أي نفع للأفارقة أما أنصارها فقد رأوا بأنها أملت القانون، وأقرت النظام في المنطقة (5)ز

والواقع أن شركة النيجر الملكية كانت شركة استعمارية بالدرجة الأولى، فلم تهتم سوى بالمصالح البريطانية وتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب والفوائد ، فقد احتكرت التجارة في المنطقة وحاربت نشاط الدول الاوروبية الأخرى، كما نصبت من نفسها حاكما على الوطنيين، ومنعتهم من التجارة الا معها. وكانت المدن التي تحاول التجارة في غير نطاق الشركة تلقى عقابا شديدا فلم تتورع الشركة عن ارهاب هذه المدنـ، ولذلك فهي لم تحقق أي فائدة للوطنيين وانما سعت لتحقيق الأرباح لنفسها.

ويلاحظ بأن الحكومة البريطانية أولت الشركة اهتماما كبيرا فدأب أعضاء مجلس العموم عن الاستفسار عن نشاطها ومدى ما تحققه من نجاح في المنطقة لتثبيت النفوذ البريطاني . فطالب بعض الأعضاء من السير جراي وكيل وزارة الخارجية للاطلاع على مدى ما تحققه الشركة من خدمات ونشاط في المنطقة (1). كما طالبوا الحكومة بالتأكد من عدم وجود أي شكوى من الرعايا البريطانيين في المنطقة وطالبوا بتعيين ضباط عسكريين لاقرار النظام في منطقة النيجر (2).

كما طالب أعضاء مجلس العموم أيضا من زارة الخارجية ضرورة وجود مندوب عن الحكومة في أراضي الشركة، ولكن السير جراي أكد بأن الشركة هي المسئولة عن النواحي الادارية في المنطقة، وانه لا داعي لوجود مندوب للحكومة في الأراضي التابعة لها (3)، وقد طالب بعض الأعضاء تقديم تقارير عن مساحة الأراضي والسكان في المنطقة الخاضعة لنفوذ الشركة، وتحديد نوعية التجارة فيها. وقد أكد السير جراي بأن الشركة ملزمة بارسال تقارير سنوية للحكومة البريطانية، وان الأراضي الخاضعة لها تغطي حوالي 500.000 ميل مربع وعدد السكان يتراوح بين 20.000.000 و25.000.000 (4).

كما يلاحظ أن الحكومة البريطانية تدخلت في كثير من الاحيان لدعم الشركة، ففي عام 1889، بلغ جملة ما نفقته الحكومة على أعمال الشركة 250.000 جنيه استريلي خصص هذا المبلغ لبسط حماية البريطانية على أراضي النيجر ومد التجارة في مختلف المناطق (5).

وأخيرا رأى أنصار الشركة بأنها يكفيها فخرا بأنها نجحت في النهاية في بسط حماية بريطانية على النيجر الأدنى وجزء من النيجر الأوسط وفروع بنوى الى بولا ووقعت معاهدات مع سلطان سوكوتو وجواندو (6).

واذا تحدثنا عن المنافسة الفرنسية البريطانية في النيجر فينبغي لنا أن نذكر الكونت دي سميليه وهو ضابط فرنسي ، يرجع اليه الفضل في تثبيت نفوذ فرنسا التجاري في النيجر الأدنى، وقد نجح في تكوين الشركة الفرنسية لأفريقيا المدارية واستطاعت هذه الشركة اقامة وكالات تجارية في كل من أبو واونيشتا واجبيبه وايجا على النيجر كما أقامت وكالة في لوكو علىنهر بنوى. وظل دي سميليه يمارس نشاطه في المنطقة حتى توفى في 18 اكتوبر 1880 (1).

وجدير بالذكر أن المنافسة الفرنسية البريطانية تزايدت بعد احتلال بريطانيا لمصر عام 1882، فأدى ذلك الحدث الى ضغط فرنسا على بريطانيا في غرب أفريقيا وبخاصة في منطقة النيجر الأدنى، فأعلن جور جيبري وزير البحرية والمستعمرات بأن النيجر من الدلتا حتى بنوى لابد وأن يكون منطقة حرة للتجارة الفرنسية، فمن منطقة بنوى تستطيع فرنسا أن تكسب وضعا خاصا لها عن طريق توقيع الاتفاقيات السياسية والاقتصادية مع الزعماء المحليين، كما أن هذه المنطقة توفر لها سبل التجارة مع بحيرة تشاد، والوصول الى أسواق بورنو وآدماواة المشهورة بثرائها وتجارتها (2).

وعلى الرغم من وجود شركة النيجر ومستعمرة لاجوس البريطانية الا أن التجار الفرنسيين كانوا يأملون في أن يجدوا لهم مكانا في دلتا النيجر، وخاصة بعد تصريحات جورجيبري الذي شجعهم على منافسة التجار البريطانيين ودعاهم الى عقد سلسلة من المعاهدات مع الزعماء الوطنيين على طول نهر بنوى، وأرسل تعليماته الى القنصل الفرنسي ماتيه الذي خلف سميليه بضرورة فتح الطريق أمام التجارة الفرنسية، فأسرع ماتيه بتوقيع معاهدة مع أحمد زعيم لوكو كما حصل من أمير نوب على الموافقة بتسهيل التجارة أمام الفرنسيي، وهكذا نرى بان جورجيبري بذل جهودا كبيرة من أجل توطيد النفوذ الفرنسي في دلتا النيجر حتى أنه طلب من الحكومة الفرنسية زيادة ميزانيتها المعتمدة في منطقة النيجر، والتي كانت تقل بكثير عن الميزانية التي رصدتها الحكومة البريطانية للمنطقة (3) وقد التزم ماتيه بتعليمات جورجيبري، وحققت الشركة الفرنسية لأفريقيا المدارية نجاحا كبيرا في عهده فتضاعفت عدد الوكالات الفنرسية الى 33 وكالاة وامتد نشاط الشركة الى النيجر وفروعه ونهر بنوى (1).

وفي عام 1882 تكونت شركة السنغال والتي كان لها نفس سياسة شركة أفريقيا المدارية، ونظرا لتزايد عدد التجار الفرنسيين بدأ القلق ينتاب التجار البريطانيين وخشوا من حدة المنافسة الفرنسية، ولذلك اضطروا الى تخفيض أسعار منتجاتهم لتشجيع الأفارقة على الشراء والانصراف عن الشركة الفرنسية (2).

ورغم جهود جورجيبري ونجاحه المؤقت في مد النفوذ الفرنسي في دلتا النيجر الا أن التجار الفرنسيين عجزوا عن الصمود لمنافسة الشركة البريطانية التي تعقبت نشاطهم في كل مكان، ففي عام 1883 قامت الشركة باطلاق المدافع على كل من ايدا وآبو لتعاونهما مع الفرنسيين. ولذلك أدرك الفرنسيون قصور امكانياتهم في التصدي للنفوذ البريطاني، واضطر جول فري الى الادلاء بتصريح ذكر فيه لا مانع لدينا أن تحتفظ بريطانيا بنفوذها في النيجر الأدنى طالما أن الفرنسيين يبسطون نفوذهم وسيطرتهم على أعالي النيجر (3). ولذلك اضطرت شركة السنغال عام 1884 الى بيع منشآتها ، وحاول ماتيه يائسا لفت نظر الحكومة الفرنسية الى أهمية المنطقة ولكن دون جدوى، وفي عام 1885 سلمت الشركة مراكزها للشركة البريطانية (4).

انفردت الشركة البريطانية في العمل في منطقة النيجر الأدنى، ورغم أن مؤتمر برلين أقر حرية الملاحة في النيجر لجميع الدول، الا أنه لم يضع لجنة للمراقبة مثلما حدث في نهر الكونغو ولذلك استاثرت بريطنيا بالمنطقة وعملت على احتكارها ومع تسرب أي نشاط تجاري لاي دولة اوروبية فيها ولم يعد في وسع أي دولة انشاء وكالات تجارية في هذه المنطقة – وعندما حاولت الحكومة الألمانية ارسال فليجل من الكاميرون الى النيجر الأدنى، وذلك من أجل انشاء وكالة ألمانية في المنطقة، رفض الزعماء الوطنيين التفاوض معه خوفا من العقوبة التي يمكن أن تنزلها بهم شركة النيجر، وهكذا يتضح لنا مدى الراقبة الصارمة التي فرضتها الشركة على المنطقة لكي تسأثر بها بريطانيا فقط (1).

وقد ندد الكثيرون (2) بانسحاب فرنسا من النيجر الأدنى لأن ذلك سيترتب عليه ضياع جهود فرنسا في المنطقة، وضياع مصالحها وحقوقها في هذا الاقليم (3).

وبانسحاب فرنسا من النيجر الأدنى كان لابد من توقيع اتفاق بينها وبين بريطانيا لتحديد الحدود في المنطقة فتم توقيع اتفاق في 15 اغسطس 1890.

نصت المادة الأولى: على اعتراف بريطانيا بالحماية الفرنسية على جزر مدغشقر مع تمتع بريطانيا بكافة الحقوق.

المادة الثانية: كانت خاصة بفرنسا، ونصت على اعتراف بريطانيا بمناطق النفوذ الفرنسي جنوب ممتلكاتها في البحر المتوسط، ومن خط يمتد من ساي على النيجر حتى بارواه الواقعة على بحيرة تشاد، وتم رسم خط الحدود بطريقة تتضمن مناطق نفوذ شركة النيجر الملكية كذلك أراضي وممتلكات سوكوتو ويرسم الخط بواسطة لجنة يتم تحديد موعدها (4)ز

وكان معنى هذا الاتفاق أن تتخلى فرنسا عن مناطق نفوذها جنوب خط بارواة، وتتخلى عن كل من اقليم بوسا وموري ويلا وجزء من ادماواة. ولذلك كان لابد من عقد اتفاق لتعديل الحدود بين الدولتين (5).

وقد حصل أعضاء مجلس العموم البريطاني على تأكيدات من كركون بأن سوكوتو دخلت ضمن ممتلكات بريطانيا وذلك نظرا لأهميتها، مما يدلنا على مدى حرص الحكومة البريطانية على تدعيم مركزها في النيجر الأدنى (1).

يعد أن استبعدت بريطانيا النفوذ الفرنسي من المنطقة ، وعقدت اتفاقية 1890 بادرت بعقد اتفاق آخر مع ألمانيا لاحترام مناطق نفوذ كل منهما حتى بحيرة تشاد، واعترفت ألمانيا بنفوذ بريطانيا في بولا (2).

2 – بعثة ميزون:

رغم توقيع اتفاقية 1890 المعقودة بين فرنسا وبريطانيا أرسلت فرنسا الملازم البحري ميزون للوصول الى النيجر، ولكن فلنت مندوب شركة النيجر الملكية أوقفه ومنعه من اكمال رحلته، وذلك في أكاسا، فاتجه ميزون الى بلا وأعالي بئول (3). ثم قام ميزون برحلة ثانية في عام 1892، ونجح في الوصول الى يولا وعقد معاهدات سياسية مع زعماء ادماواة وأنشئ مركزا فرنسيا في موري وقد حققت بعثته نتائج كبيرة ونجاحا تجارية وعلميا وقد ارسل وزير الخارجية الفرنسي في 8 أغسطس 1892 الى وادنجتون السفير الفرنسي في لندن بنتائج بعثة ميزون، ومدى ما حققه من فوائد (4).

وقد اثارت بعثة ميزون استياء الحكومة البريطانية، فارسلت احتجاجا الى السفير الفرنسي في لندن بشأن هذه البعثة، فكان رد وادنجتون بأن حرية الملاحة مكفولة في النيجر للجميع، حسب مقررات مؤتمر برلين، وأنه لا يحق لبريطانيا ابداء استيائها بسبب هذه البعثة (5) ولكن الحكومة البريطانية أصرت على موقفها وأرسل اللورد دوفرين السفير البريطاني في باريس الى دوفيل وزير الخارجية الفرنسي في 30 اكتوبر عام 1893 الاحتجاج الآتي:

"بناء على التعليمات التي تلقيتها من حكومة صاحبة الجلالة لي الشرف في أن أخبركم بعدة نقاط أرسلتها شركة النيجر الملكية منها أن ميزون يقوم بعمليات عسكرية، فالهدف من اكتشافاته هدف علمي بحت، ولكنه مصر على اختراق مناطق النفوذ البريطانية في النيجر الأدنى المتعارف عليها، فالمعروف أن نهر بنوى حتى نقطة بولا تحت الحماية البريطانية ويجب تذكيره بأن هناك اتفاقا بين الحكومتين في 5 أغسطس 1890 بمقتضاه تحددت مناطق النفوذ الفرنسية والبريطانية ، كما أ، هنك خط يفصل بين المنطقتين يمتد من ساي على النيجر ويتجه شمالا على طول حدود سوكوتو حتى بارواة في بورنو وفي بحيرة تشاد ويبدو أن ميزون قد نسى هذه الاتفاقية، فقد أعلن الحرب في بعض مناطق النفوذ البريطاني كما أنه أعلن أن سلطان ادماواة، وسلطان موري قد قبلا الحماية الفرنسية، ورغم تأكيدات السفير الفرنسي في لندن بأن بعثة ميزون لها طابع علمي تجاري الا أنه في حقيقة لاأمر أخذ يبيع الأسلحة لسلطان موري، كما أحضر معه، عددا كبيرا من الأسلحة والذخيرة. كما أنه أوضح لعملاء شركة النيجر بأنه تاجر، وهو في حقيقة الأمر ضابط في البحرية الفرنسية وقد لجأ على التجارة داخل الأراضي الواقعة في نطاق النفوذ البريطاني.

أن حكومة صاحبة الجلالة تنظر بعين الاعتبار الى الصداقة بين البلدين وتحرص عليها وأن اعمال ميزون التي يرتكبها من الممكن أن تهدد صداقة البلدين وتفسد العلاقة بينهما" (1).

ولو حاول تبرير ارسال فرنسا لبعثة ميزون رغم اتفاقها مع انجلترا عام 1890 على تحديد مناطق النفوذ للبلدين، سنجد أن فرنسا كانت ومازالت تأمل في أن تجد لها مكانا في دلتا النيجر لكي تتمكن من التحكم فيه من منابعه حتى مصبه، ويكون لها الكلمة العليا في المنطقة كلها، كذلك لا نغفل سببا آخر وهو وصوول ميزون الى أسواق ادماواة الشهيرة بتجارتها وثرائها، كما أن ميزون بامداده القوى الوطنية بالأسلحة فمن الممكن أن نعتبره رد من الحكومة الفرنسية على بريطانيا التي أمدت بها من قبل الزعماء الوطنيين الثائرين على فرنسا.

أرادت بريطانيا بعد ذلك اغلاق الطريق الجنوبي لتشاد عن طريق اقتسام بورنو وادماواة، ولكن الاتفاق الفرنسي الألماني عام 1894 أعطى لفرنسا المناطق الجنوبية من بحيرة تشاد ونهر شاري وأراضي باجرمي وسنجا ومدينة بيفارا (2).


3- السباق نحو نيكي وبورجو:

لما كانت شركة النيجر الملكية تبسط نوفذها على دلتا النيجر، فقط طمعت في مد هذا النفوذ نحو نيكي التي اعتبرت من أهم مدن بورجو فأرسل جولدي الضابط البريطاني فردريك لوجارد لتوقيع معاهدة مع زعماء تلك المنطقة، وفي نفس الوقت الذي اتجهت فيه أنظار فرنسا الى المنطقة فأرسل الحاكم الفرنسي في داهومي بالو الضابط الفرنسي دوكير لتوقيع معاهدات حماية مع الزعماء الوطنيين (1) كما كان اقليم بورجو موضع طمع من قبل الألمان، فأرسلت الحكومة الألمانية جرونر من توجو متوجها الى نيكي ولكن كان سبق الوصول الى هذه المدينة من نصيب لوجارد فوصلها قبل دوكير بخمسة أيام ووقع مع زعماء المدينة معاهدة قبل فيها الأخير الحماية البريطانية على أراضيه (2).

وترجع أهمية اقليم بورجو في أنه يمثل الأراضي الداخلية لكل من مستعمرة لاجوس البريطانية وداهومي الفرنسية، وجزءا من توجو الألمانية، ويحيط به النيجر، وتصل حدود هذا الاقليم الجنوبية الشرقية الى الأجزاء الصالحة للملاحة في نهر النيجر الأدنى، وقد تمثلت أهمية هذا الاقليم ايضا في موقعه الجغرافي فهو يقع في الطريق المؤدي الى مركز باندي وساجادا في الغرب ونوب وكانوب في الشرق ولذلك اهتمت الدول اثلاث بالوصول اليه لكل منها دوافعها الخاصة لتأمين مستعمراتها (3).

ارادت فرنسا احتلال ولو جزء صالح للملاحة وكانت الوسيلة الوحيدة أمامها هو تدعيم سيطرتها على نيكي الواقعة في اقليم بورجو (4) كذلك تمسكت بريطانيا بها ونشر جولدي في 14 نوفمبر 1894 مقالا دافع فيه عننه حق بريطانيا ولا سيما وأنها وقعت في 20 يناير 1890 معاهدة مع ملك بورجو نشرت نصوصها في الصحف البريطانية والفرنسية والألمانية دون اعتراض من أحد أما الولايات الواقعة غرب بورجو فلم تكن حتى عام 1890 تخضع لأي قوة (1).

ويمكن تعليل عدم اقدام فرنسا على الاعتراض على معاهدة 1890 إلى أن نفوذ العسكري لم يكن قد استقر بعد في داهومي فأرادت تأمين المناطق الداخلية بها.

ولكن هذا لم يمنع من استمرار المحاولات الفرنسية لتوقيع المعاهدات مع القوى الوطنية في بورجو مما اعتبرته بريطانيا تدخلا سافرا في مناطق اعتبرتها تابعة لها فاعترضت عندما وقع الضابط الفرنسي توتيه 1895 معاهدة مع ملك بورجو. وتم تبادل الاحتجاجات في العاصمتين لندن وباريس على أحقية كل منهما في بورجو (2).

أرسلت بريطانيا لوجارد لحسم الموقف فأسرع باحتلال نيكي رغم اعتراض فرنسا على اعتبار أن منطقة النيجر الأوسط ومنحنى النيجر تابعة لها بعد أن وقع دوكيرمن قبل معاهدة مع حكامها (3).

وجاء الرد الفرنسي سريعا فارسلت قوة استولت على نيكي وتقدمت صوب سوكوتو في شمال النيجر ولكن القوات البريطانية أجبرتها على الانسحاب (4).

وبعد عدة مباحثات دبلوماسية تم الاتفاق على توقيع اتفاق 14 يونيو 1898 بين الدولتين لتحديد الحدود وبمقتضاه تخلت بريطانيا عن نيكي وحصلت فرنسا على الجزء الغربي من بورجو أما الجزء الشرقي فكان من نصيب بريطانيا كما تم تعديل خط ساي بارواة لتكون بدايته من ايلو بدلا من ساي وسمح للفرنسيين بالملاحة والتجارة في هذه المنطقة واتاح الاتفاق لفرنسا التفرغ لتحقيق مشروعها الاستعماري من السنغال غربت حتى جيبوتي شرقا فاندفعت نحو بحيرة تشاد كما أتاح لبريطانيا تدعيم نفوذها على النيجر وفي عام 1899 قررت الحكومة شراء جميع حقوق – شركة النيجر الملكية .


وفي عام 1900 اعلنت بريطنيا حمايته على شمال نيجريا ولوكوجا واستولى لوجاد على أراضي أمراء كابا وايلوزين، وبورجو، واخضع كونت جورا وزاريا، وبنوى الأعلى والأدنى (1). كما اهتم بالقضاء على تجارة الرقيق في شمال نيجريا بناء على أوامر مشددة من الحكومة البريطانية كما اهتم مجلس العموم البريطاني بالاطلاع على مدى التقدم الذي أحرزته بريطانيا في المنطقة (2).

وبدأ لوجارد في وضع اسس نظام الحكم البريطاني وهو نظام الادارة غير المباشرة، فقد وجد بأنه يصلح لغرب أفريقيا حيث تمسكت القبائل بعاداتها وتقاليدها وخاصة وأن بريطانيا قد طبقته من قبل في كل من الهند واوغندا (3).

ويمكن تلخيص المنافسة الفرنسية البريطانية في النيجر على النحو التالي:

(1) منافسة حدثت قبل 1884 حيث نشطت خلال هذه الفترة الشركات التجارية الفرنسية، بفضل جهود كل من ميليه وماتيه ولكن فنسا رغم هذا النشاط لم تستطيع الصمود للشركة البريطانية التي حاصرتها في كل مكان، وارهبت المواطنين ومنعتهم من التعاون مع الفرنسيين ، فاضطرت شركة السنغال الفرنسية الى بيع منشآتها الى بريطانيا عام 1884 ، وسلمت مراكزها للشركة البريطانية عام 1885 (4). (2) حددت الحدود بين الدولتين بموجب اتفاق عام 1890 اعترف فيه بريطانيا بنفوذ فرنسا جنوب البحر المتوسط من خط يمتد من ساي على النيجر حتى بارواة على بحيرة تشاد. وكان معنى هذا الاتفاق أن بريطانيا تركت البحر الأوسط لفرنسا التي اعترفت بدورها بالنفوذ البريطاني حتى النيجر الأدنى (5)ز (3) حدثت منافسة بين الدولتين حول اقليم بورجو وسعت كل منهما للسيطرة عليه ، من أجل تأمين الأراضي الداخلية لكل من مستعمرة لاجوس البريطانية ومستعمرة داهومي الفرنسية، وبمقتضى اتفاق 1898 حصلت فرنسا على الجزء الغربي من بورجو وبريطانيا على الجزء الشرقي، كما عدل خط الحدود الخاص بمعاهدة 1890 ليمتد النفوذ الفرنسي جنوب حتى ايلو على النيجر بدلا من ساي كما أصبح لفرنسا حق الملاحة في بوسا (1).

2 – لاجوس

أعلنت بريطانيا عام 1807 الغاء تجارة الرقيق، وفي عام 1847 اتفقت مع أسبانيا على اتخاذ جزيرة فرناندوبو مقرا للمندوب البريطاني ليستطيع رعاية المصالح البريطانية بالاضافة الى تنفيذ قرار تحرير تجارة الرقيق (2). واذا كانت بعض الدول الاوروبية قد ظلت متمسكة بهذه التجارة إلا أنها اضطرت في النهاية الى الانسحاب من محطاتها التجارية (3) فانسحبت كل من الدنمارك وهولندا من منطقة ساحل غينيا وعقدت الدنمارك اتفاقا مع بريطنيا في 17 أغسطس 1850 تخلت فيه عن ممتلكاتها في المنطقة، كذلك هولندا تنازلت عن ممتلكاتها بمقتضى معاهدة وقعتها مع بريطانيا (4)ز

وللقضاء نهائيا على هذه التجارة وضع الكولونيل نيكولس (5) خطة في 2 0يوليو 1842 تلخصت في ضرورة احلال التجارة الشرعية محل تجارة الرقيق، عن طريق اتخاذ الاجراءات التالية:

(1) تعليم الأفارقة وتثقيفهم. (2) نشر المسيحية والحضارة الاوروبية. (3) رصد الأموال اللازمة لمحاربة تجارة الرقيق. (4) القيام بجولات تفيتشية في سواحل غرب أفريقيا مع ضرورة تجول السفن باستمرار أمام السواحل لارهاب سكان المنطقة ولاظهار قوة بريطانيا البحرية. (5) تقسيم الساحل الى ستة مناطق، سيراليون، غمبيا، كاب كوست، امبوزيس، سانت هيلانة. (6) اجراء محاكمة لأي بريطاني يثبت تورطه في هذه التجارة (1).

وهكذا اتخذت بريطانيا وسائل فعالة للتغلب على هذه التجارة، ومراقبة السواحل وتوقيع العقوبة عل السفن التي تحمل الرقيق. وقد استغرق القضاء نهائية عليها بعض الوقت، وكانت البحرية البريطانية تلجأ الى معاقبة المدن التي مازالت تمارس هذه التجارة، كذلك مراقبة نشاط بقية الدولة الاوروبية الأخرى، وخاصة فرنسا. ففي عام 1843 أرسل القائد البحري فوت الى وزارة البحرية البريطانية تقريرا بشأن تهديد سفينتين فرنسيتين هما البوكيرك ولافيجي لكل من ملكي ايو وايوميا الواقعتين عند نهر كالابار وذلك لأنهما رفضتا تزويدهما بالعبيد (2).

ولكن وزارة الخارجية الفرنسية سارعت بتكذيب ذلك وارسل جيزو الى اللورد كولي السفير البريطاني في باريس توضيحا بأن السفينتين لم تتجارا في الرقيق، وانما قام زعماء كالابار بسرقة محتويات السفينتين فكان لابد من توقيع العقوبة عليهما (3).

ولعل ذلك يدلنا على مدى حرص بريطانيا على انهاء هذه التجارة فقد كثرت في هذه الفترة المراسلات بين الدولتين والتي دارت كلها حول موضوع واحد وهو ضرورة القضاء نهائيا على هذه التجارة. وفي عام 1894 عين الكابتن جون بيروكروفت قنصلا في خليجي بيافرا نبدين لمراقبة التجارة في دلتا النيجر وفي المناطق الداخلية، وحرص على استمرار تشجيع التجارة الشرعية بدلا من تجارة الرقيق (1) كما أرسل بيروكروفت البعثات لاكتشاف منطقة النيجر وخلال هذه الفترة نشطت جهود الجمعيات والهيئات لدراسة المنطقة جغرافيا وطبيعيا مثل الجمعية الجغرافية الملكية والرابطة البريطانية (2).

وجدير بالذكر أن منطقة لاجوس اختلفت عن منطقة دلتا النيجر التي كانت على اتصال دائم بالاوروبيين، أما حكام لاجوس فقد رفضوا تدخل بريطانيا في شئونهم وشئون تجارتهم (3)

كانت لاجوس تحت سلطة الملك كوسوكو عندما حاولت بريطانيا التدخل في شئونها ولكن كوسوكو رفض التدخل البريطاني بحجة منع تجارة الرقيق فعملت السلطات البريطانية على التخلص منه ونفى من لاجوس، وتم توقيع العقوبات على لاجوس نظرا لاستمرار أهلها في تجارة الرقيق فضربت بالمدافع، وعين اكيتوى ملكا على لاجوس في أول مارس 1852، فقبل توقيع معاهدة مع بريطانيا في أول يناير 1853 (4) وتعهد أكيتوى بمنع تجارة الرقيق داخل حدود مملكته، كما قبل اصدار قانون بقضي بتوقيع عقوبة صارمة على كل من يخالفه أو يحاول تجديد المباني أو المؤسسات التي كانت مخصصة لتجارة الرقيق، كما نصت المعاهدة على تيسير التبدال التجاري بين رعايا مملكة لاجوس، ورعايا بريطانيا في كافة السلع المشروعة، وتعهد اكيتوى بمنع تقديم القرابين البشرية، كذلك قتل أسرى الحرب، كما تعهد بحماية كافة البعثات التنصيرية لأداء رسالتها، وعدم التعرض لرعاياه الذين يوافقون على الدخول في المسيحية (5).

ورغم توقيع تلك المعاهدة الا أن بريطانيا قررت الاستيلاء على لاجوس عام 1890، وذلك لاضطراب التجارة في المنطقة، كذلك أرادت تأمين مصالحها التجاري وخشيت من المنافسة الفرنسية في بورتونوفو القريبة منها (1).

وفي 6 أغسطس 1861 وقعت بريطانيا مع ملك لاجوس كوسوكو بعد السماح له بالعودة من المنفى معاهدة وافق فيها على تسليم ميناء وجزيرة لاجوس الى بريطانيا.

وقد نصت المادة الأولى من المعاهدة بأ، الملك دوكيو كوسوكو وأولاده من بعده يتعهدون باعطاء ملكة بريطانيا جزيرة وميناء لاجوس، ولبريطانيا الحق في الانتفاق بها ولها كل الحقوق في المنطقة.

المادة الثانية: يسمح للملك دوكيمو بالاحتفاظ بلقبه.

المادة الثالثة: يوضع ختم الملك على المعاهدة اعترافا منها بها.

المادة الرابعة: يتلقى دوكيمو مبلغا سنويا من المال من الحكومة البريطانية (2).

وفي نفس اليوم أعلن كل من نورمان بدنجفيلد قائد المحطة البحرية في بنين، والقنصل البريطاني احتلال حكومة صاحبة الجلالة لاجوس التي أصبحت ضمن ممتلكات الملكة فيكوتريا ملكة بريطانيا (3).

وكان لضم لاجوس عدة مزايا وفوائد لبريطانيا منها:

(1) أن انجلترا سوف تتولى حماية ابيوكوتا الواقعة في الأراضي الداخلية، وذلك ضد هجمات مملكة داهومي القوية، وبذلك يتاح للبعثات التنصيرية فيها العمل بأمان وحرية. (2) تنمية تجارة النخيل بدلا من تجارة الرقيق. (3) سوف تتمكن بريطانيا من مراقبة نشاط فرنسا في بورتونوفو (1).

وتبع احتلال لاجوس، اعلان الحماية البريطانية عل كل من ادو في 27 يونيو 1863، وبوكرا في 29 يونيو 1863 واوكيودن في 4 يوليو 18632 وفي 7 يوليو 1863 وقع زعماء باداجري اتفاقا مع الحكومة البريطانية سلموا بمقتضاه أراضيهم لها (2).

وجدير بالذكر أنه رغم نشاط بريطانيا في دلتا النيجر ولاجوس الا أنه ظهرت أصوات في مجلس العموم البريطاني، نادت بهجر المراكز البريطانية في غرب أفريقيا خوفا من تورط بريطانيا في عمليات عسكرية جديدة. وفي السبعينات من القرن التاسع عشر، أصبح الاتجاه العام في بريطانيا هو إما هجر هذه المراكز أو السيطرة الكاملة على المنطقة وفرض النفوذ البريطاني عليها (3).

ولكن بريطانيا لم تنسحب من مراكزها في غرب أفريقيا وانما توسعت في المنطقة توسعا كبيرا، وذلك تحت تاثير ثلاث قوى – التجار – الحكومة – البعثات الاستكشافية والتنصيرية حتى تم لها الغزو الفعلي للمنطقة بعد مؤتمر برلين 1884-1885 (4).

اذا تحدثنا عن المنافسة الفرنسية البريطانية في المنطقة سنجد أن انجلترا تطلعت لمد نفوذها من لاجوس صوب بورتونوفو، وبالتالي حاولت فرنسا بدورها التغلغل في الأراضي الداخلية لمستعمر لاجوس، واستمر التنافس بين الدولتين حتى تم عقد عدة اتفاقيات لتحديد الحدود فيما بينهما، فمنذ عام 1840 والحكومة البريطانية تحاول الوصول الى منطقة بورتونوفو التي ترجع أهميتها بأنها همزة الوصل بين لاجوس ومنطقة اليوريا (1) ولذلك سعت السلطات البريطانية في لاجوس السيطرة عليها فقام جون دنكان بزيارة ميتناء ويده وكانت لديه تعليمات من الحكومة البريطانية ببحث امكانية عقد معاهدة هماية مع زعماء بورتونوفو. وقد أفادت هذه الزيارة في اعطاء بريطانيا معلومات قيمة عن أجزاء من مملكة داهومي ثم تبعت بعثة دنكان بعثة أخرى قام بها القنصل البريطاني بيروكروفت فزار ملك داهومي جيزو وكان يصطحب معه القائد لابحري فوربز وفي 2 فبراير 1852 وقع فوربز معاهدة مع زعماء منطقة أجوية لالغاء تجارة الرقيق في أراضيهم (2).

نصت المادة الأولة من المعاهدة على الغاء تجارة الرقيق في أراضي أجوية ومنع الاتجار فيها أو بيعها، ومعاقبة كل ما يخالف ذلك.

المادة الثانية: لا يحق لأي اوروبي أن يتجول في أراضي زعماء أجوية من أجل الاستمرار في تجارة الرقيق. كذلك لا يتم تشييد أي مبنى لهذا الغرض ولا سوف يقو الضابط البريطاني بهدمه.

المادة الثالثة: تقوم البحرية البريطانية باعتراض طريق أي سفينة تحمل الرقيق، وسوف توقع بريطانيا عقوبات مشددة على زعماء أجوية الذين يثبت تواطؤهم في هذه التجارة.

المادة الرابعة: سيتم نقل العبيد المحررين الى مستعمرات إنجلترا.

المادة الخامسة: يغادر البلاد أي اوروبي يتورط في تجارة الرقيق.

المادة السادسة: على رعايا ملكة بريطانيا التجارة مع سكان أجوية والقيام بمختلف العمليات التجارية وفي كافة أنواع البضائع.

المادة السابعة: يتعهد زعماء أجوية بعدم تقديم القرابين البشرية وعدم قطع رقاب الأسرى.

المادة الثامنة: يسمح للبعثات التنصيرية بالعمل لنشر الثقافة والديانة المسيحية، من أجل تقدم ومصلحة البلاد، ويجب ألا يتخوف سكن أجوية من هذه البعثات وعليهم مساعدتها في أداء رسالتها.

المادة التاسعة: على جمهورية فرنسا الاعتراف بهذه المعاهدة، لأنها اعترفت من قبل بالغاء تجارة الرقيق (1).

يلاحظ أن المعاهدة السابقة كان الغرض منها الغاء تجارة الرقيق ومحاربة هذه التجارة في أراضي أجوية ، ولكن المعاهدة تناولت بنودا أخرى غير التجارة فنصت على السماح للبعثات التنصيرية بالعمل في المناطق، وعلى السكان تقديم كافة التسهيلات اليها ويلاحظ في معم المعاهدات التي وقعتها بريطانيا في المنطقة من أجل الغاء تجارة الرقيق سرعان ما تضيف اليها بندا خاصة بحرية العمل للبعثات التنصيرية، وبذلك تمهيد لبسط النفوذ البريطاني السياسي على هذه المناطق فيما بعد.

حاولت بريطانيا الاتصال بملك ابومي الملك جيزو بسبب اصراره على ممارسة تجارة الرقيق، وعندما فشلت ورفض الملك الاتصال بها، فرض القائد البحري البريطاني بروس حصارا على سواحل داهومي لاجبار كل من ابومي وبورتونوفو على توقيع معاهدة تجارية معه لمنع تجارة الرقيق ، كان لهذا الحصار رد فعل لدى وكالة ريجي الفرنسية، فأسرعت بتقديم احتجج لدى وزير الخارجية الفرنسي في 24 يناير 1852، بأن بروس فرض الحصار على ميناء ويده وبورتونوفو حيث يعمل التجار الفرنسيون بينما لم يفرض هذا الحصار على منطقة باداجري وكانت منطقة تجارية يعمل فيها التجار البريطانيون وكلن جاء وزير الخارجية الفرني بضرورة مهادنة السلطات البريطانية في لاجوس، من أجل التعاون على القضاء على تجارة الرقيق (2).

ويلاحظ أنه على الرغم من فرض الحصار على سواحل داهومي ومحاولة بروس وادارة لاجوس التقرب من الملك جيزو، الا أنه رفض توقيع أي معاهدة مع البريطانيين الذين حاولوا التقرب لكسب صداقته، نظرا لتزايد قوته وقوة مملكة ابومي خلال هذه الفترة، فزار ابومي القائد البحري البريطاني ويتموت عام 1862 كما زار القنصر برتون ميناء ويده عام 1863 وكتب تقريرا مفصلت عن النشاط الفرني على سواحل داهومي (1).

أما عن فرنسا فقد تزايد نشاطها في منطقة بورتونوفو، وخاصة بعد أن وافق ملكها سودجي قبول الحماية الفرنسية على أراضيه عام 1863 واستتبع اعلان الحماية الفرنسية على بورتونوفو ضرورة تحديد الحدود بينها، وبين مستعمرة لاجوس البريطانية المجاورة لها فعقد اتفاق فرنسي بريطاني في أول أغسطس 1863 تنازلت بمقتضاه فرنسا لمستعمر لاجوس عن الأراضي الممتدة من بحيرة ادو حتى كرودو ووقع الاتفاق ديدلو رئيس البحرية الفرنسية والملازم الحاكم في لاجوس جلوفر وجاء في صيغة الاتفاق بأنه من أجل تطوير العلاقات بين لاجوس وبورتونوفو واعتبرت الاراضي الواقعة على الضفة اليسرى لبحيرة ادو هي خط الحدود الغربي للأراضي الانجليزية في لاجوس، أما الأراضي الواقعة على الضفة اليمنى للبحيرة فهي تمثل الحدود الشرقية، وتتبع بورتونوفو (2).

على الرغم من توقيع الاتفاق السابق بين الدولتين لتحديد حدود مستعمراتها الا أن فرنسا سرعان ما انسحبت من منطقة ساحل غينيا بعد الحرب السبعينية وهجرت مراكزها ومنشآتها فيها، ولذلك سنحت الفرصة لبريطانيا مرة أخرى لمد نفوذها من لاجوس صوب سواحل داهومي، وكان هدفها خلال هذه الفترة هو التوسع من لاجوس وضم بورتونوفو اليها، ولكن ملك بورتونوفو في ذلك الوقت توفا رفض محاولات الادارة البريطانية التقرب منه، فحاولت ارهابه وأرسلت عام 1872، سفينة حربية أمام مياه بورتونوفو بحجة وضع حد لتجارة الرقيق ومحاصرة سواحل المنطقة، فأرسل التجار الفرنسيون العاملون في الساحل احتجاجا الى حاكم لاجوس الذي أجابهم ، بأن ملك بورتونوفو لا يتبع لنفوذ أي دولة اوروبية، وأن السفن البريطانية لن تتراجع عن مياه بورتونوفو الا بعد اقرار الوضع وضمان حرية التجارة للبريطانيين ومنع تجارة الرقيق (1).

وكان معنى رد حاكم لاجوس ، بأنه لا يعترف بحماية فرنسا على بورتونوفو وذلك لأنه ما دامت فرنسا قد سحبت فرقها وهجرت منشآتها في ساحل غينيا بعد الحرب السبعينية، فلا حق لها أو لتجارها في ادعاء أي حقوق لها في المنطقة (2).

ولكن فرنسا بعد انتهاء الحرب السبعينية، سعت مرة أخرى لاسترداد نفوذها واستعادة نشاطها في ساحل غينيا فسعت لتأكيد معاهداتها السابقة مع حكام بورتونوفو وعملت على تجديدها، فوقعت مع الملك توفا ملك بورتونوفو في 14 أبريل 1882 معاهدة حماية، ثم وقعت معه في 25 يوليو 1883 معاهدة صداقة (3).

وكان رد الفعل البريطاني على اعادة معاهدات فرنسا مع بورتونوفو، أن سعت ادارة لاجوس الى محاول الغاء هذه المعاهدات، وعدم الاعتراف بها فكتب جريفث حاكم لاجوس الى سير روى حاكم ساحل الذهب في 19 نوفمبر 1883 بأنه لابد من اعادة التفكير في حماية فرنسا على بورتونوفو والعمل على الغائها ومد النفوذ البريطاني من لاجوس صوب بورتونوفو (4).

وانطلاقا من هذا الموقف أي من أجل مد النفوذ البريطاني صور بورتونوفو دأبت ادارة لاجوس على ارسال القواد العسكريين من لاجوس صوب بورتونوفو، وقد احتج جرما المندوب الفرنسي في بورتونوفو على وجود قوات عسكرية في توشيه باعتبار أن هذه المنطقة تدخل ضمن نفوذ ملك بورتونوفو، وهي بالتالي تعتبر تابعة لفرنسا وأرسل احتجاجا الى سير روى حاكم ساحل الذهب في 13 يناير 1884 (5) ثم تبعه باحتجاج آخر في 3 فبراير 1884 وذلك لوجود قوات عسكرية بريطانية في منطقة اجيجيه التابعة أيضا لملك بورتونوفو، كما ندد بتصرف الجنود البريطانيين، وانزالهم العلم الفرنسي وقد لخص جرما احتجاجه في ثلاث نقاط:

(1) انزال العلم الفرنسي مما يعتبر انتهاكا لكرامة فرنسا. (2) وجود قوات عسكرية في اجيجيه. (3) حمل جرما حاكم ساحل الذهب مسئولية اضطراب التجارة في المنطقة بسبب انتهاكه الأراضي التابعة للنفوذ الفرنسي. (1).

وقد دافع حاكم لاجوس جريفث عن تصرف الجنود البريطانيين، وبرر عملية انزالهم للعلم الفرنسي من اجيجيه بأنه كان بناء على رغبة سكان المنطقة، كما أكد بأن اجيجيه تابعة للنفوذ البريطاني وليس للنفوذ الفرنسي أو لنفوذ ملك بورتونوفو وذلك لأن سكانها يرفضون التبعية الفرنسية (2).

ورغم تأكيدات الحكومة البريطانية بحقها في منطقة اجيجيه الا أناه اضطرت الى تقديم اعتذار للحكومة الفرنسية عن انزال العلم الفرنسي ، فأرسل ايرل جرانفيل الى وادنجتون في 13 أبريل 1884 اعتذارا. وألقى مسئولية هذا العمل على الوطنيين كما أعرب عن رغبة حكومته في الابقاء على العلاقات الحسنة بين البلدين (3).

وقد أرسل جرانفيل برسالة أخرى الى وادنجتون، بأن فرنسا انسحبت بقواتها عام 1865 من الساحل ومن بورتونوفو، ولذلك فان هذه المناطق لا تعتبر تابعة لها. واستدل جرانفيل على عدم وجود القوات الفرنسية في المنطقة بتصريح الادميرال لافون دي لادبه ، عندما أعلن بأن الحماية الفرنسية على بورتونوفو لم يعد لها وجود، ولذلك فان اجيجيه لا تعتبر تابعة لبورتونوفو ولا لفرنسا (4).


ولم تكتلف الحكومة البريطانية باعلان حمايتها على اجيجيه، فسرعان من نشبت مشكلة أخرى من أجل منطقة أبا ، فقد أعلنت بريطانيا الحماية عليها في 15 مارس 1884 (1). ووقع المعاهدة روبرت رمزي قائد البحرية الملكية نيابة عن حاكم ساحل الذهب، وقد نصت المعاهدة على التالي.

المادة الأولى: يعترف زعماء أبا بالحماية البريطانية على ممتلكاتهم التي تمتد من البحر جنوبا حتى بحيرة لاجوس شمالا، وفي الشرق يمتد خط يفصل أبا عن المقاطعة الغربية من لاجوس والتي تعرف باسم باداجري ومن الغرب يرسم خط الحدود من قرية تايكيت تاوه حتى قرية كرايكي على الساحل.

المادة الثانية: يرفع أي نزاع بين القبائل الى حاكم لاجوس.

المادة الثالثة: يرفع العلم البريطاني فوق أبا.

المادة الرابعة: يتعهد ملك وامراء وزعماء أبا عدم الدخول في مفاوضات مع أي دولة أجنبية الا بعد موافقة الحكومة البريطانية.

المادة الخامسة: يجب أن تتم أي تسوية عن طريق الحكومة البريطانية.

المادة السادسة: تمنع عادة تقديم القرابين البشرية، وتجارة الرقيق.

احتج القنصل الفرنسي دي ليكا والمقيم في لاجوس على وضع أراضي ابا تحت الحماية البريطانية وأرسل احتجاجا الى حاكم لاجوس جريفت في 20 مارس 1884 مؤكدا له أن أراضي أبا تمثل جزءا هاما من ممتلكات بورتونوفو (2).

وهكذا عقدت بريطنيا سلسلة من المعادات مع الزعماء المحليين التابعين لنفوذ ملك بورتونوفو، وذلك من أجل توسيع مناطق نفوذها، وكان تعليل الحكومة البريطنية وردها الوحيد للحكومة الفرنسية بأن فرنسا هجرت مراكزها في ساحل غينيا .

ولكن الادارة الفرنسية لم تتخذ موقفا سلبيا ازاء اعلان الحماية البريطانية على أراضي اعتبرتها تابعة لبورتونوفو فدأبت على اثارة الوطنيين في هذه المناطق فحرضت الملك نوفا ضد الادارة البريطانية في لاجوس (1) فاستمر توفا في اثارة المتاعب للبريطانيين فحرض أعالي اجيجيه للثورة ضدهم، وقد اضطربت الأحوال في هذه المنطقة، وخاصة بعد اعتداء جنود الهوسا البريطانيين على الفرنسيين فيها (2). فأسرعت فرنسا بتقديم احتجاج الى الحكومة البريطانية التي أسرعت بدورها في الاعتذار لجول فري في 24 أبريل 1884، ثم أصدرت أوامرها بسحب الفرق العسكرية من أجيجيه لمنع أي صدام مع القوات الفرنسية (3).

وسرعان ما نشبت مشكلة أخرى بين الطرفين بسبب منطقة افوتونو فقد ارسلت ادارة لاجوس الفرق العسكرية الى هذه المنطقة واعترض القائد الفرنسي جودان على هذه التصرفات وأرسل احتجاجه الى حاكم لاجوس في 14 مارس، معلنا له تبعية افوتونو لفرنسا (4).

وقد كتب الكولونيل الفرنسي دورا تقرير عام 1884 علل فيه تصرفات الحكومة البريطانية في المنطقة، بأنها تهدف الى ربط ممتلكاتها في لاجوس بتلك في ساحل الذهب وخاصة بعد أن دعمت سيطرتها على خليج بنين ومصب النيجر، ولذلك فهي تقوم بفرض حمايتها على المدن الصغيرة التابعة لبورتونوفو، فرفعت العلم البريطاني عليها وأعلنت الحماية على كل من اوبكرا، اوكيدان وكويمه وقرية كيتونون وهي كلها مناطق تابعة لنفوذ ملك بورتونوفو الذي يتبع بالتالي الحكومة الفرنسية. ونبه دورا في تقريره الى خطورة الموقف وطالب الحكومة الفرنسية باتخاذ اجراء فعال لحماية مصالحها التجارية وحقوقها في هذه المناطق (5).

وأخيرا كان لابد من اتفاق بين الدولتين لوضع حد للتنافس فيما بينهما فكان اتفاق أغسطس 1889 الذي وافقت فيه فرنسا على التخلي عن بوكره في مقابل تخلي بريطانيا عن اجيجيه وافوتونو وكيتونو (1).

أما المناطق الداخلية فقد تم تحديد الحدود نهائيا بين الدولتين في اتفاق آخر، عقد في 14 يوليو 1898 حيث تم تكوين لجنة لتحديد الحدود بين لاجوس ومستعمرة داهومي (2).

وكان هذا الاتفاق الأخير نتيجة لاضطراب الموقف وتوغل الفرق الفرنسية في الأراضي الداخلية لمستعمرة لاجوس وحاول البعض منها انزال العلم البريطاني في بعض الجهات أسوة بما فعله البريطانيون من قبل (3). وقد أثار ذلك أعضاء مجلس العموم البريطاني فطالبوا الحكومة باقرار النفوذ البريطاني في المناطق الداخلية لمستعمرة لاجوس وتدعيم السيطرة عليها، وفتح هذه المناطق أمام التجار البريطانيين لمزاولة نشاطهم التجاري (4).

وبذلك انتهت المنافسة البريطانية الفرنسية في منطقة لاجوس، ولم تحقق بريطانيا هدفها في مد نفوذها من لاجوس صوب ساحل الذهب وذلك بسبب سيطرة فرنسا على سواحل داهومي وتدعيم نفوذها في بورتونوفو.

واذا كانت بريطانيا قد دعمت سيطرتها على لاجوس ومنطقة النيجر فانها عملت أيضا على الاستيلاء على مملكة بنين (5) في جنوب نيجريا، وذلك لاستكمال سيطرتها على المنطقة بأسرها، وتقع هذه المملكة غربي المجرى الأوسط لنهر النيجر وقد أهملت لفترة نظرا لانتشار الحروب الأهلية، ولكن عندما اعترف مؤتمر برلين بالحماية البريطانية على الأراضي الساحلية الواقعة بين محمية لاجوس والشاطئ الأيمن لنهر ريودل ري فقد ترتب على ذلك الاعتراف بخضوع الأراضي الداخلية الواقعة أمام لاجوس لبريطانيا وأصبح الاستيلاء على مملكة بنين مسألة وقت. وفي عام 1896 عين مور قنصلا عاما للمنطقة فصمم على اخضاعها للنفوذ البريطاني فاستولى عليها عام 1898 (1).

ثانيا: ساحل الذهب (غانا)

شهدت مستعمرة ساحل الذهب البريطانية منافسة شديدة بينها وبين مستعمرة ساحل العاج الفرنسية، فتسابقت الدولتان لمد نفوذها على الأراضي الداخلية للمستعمرتين، وظل الصراع قائمة بينهم حتى عقد اتفاقا عام 1899 لتحديد مناطق نفوذ كل منهما.

جذبت منطقة ساحل الذهب (2) اهتمام الاوروبيين بتجارة الرقيق شأنها في ذلك شأن باقي أجزاء ساحل غانا، وعندما ألغيت هذه التجارة تنازلت الدور الاوروبية وخاصة هولندا والدنمارك عن مراكزها وحصونها لبريطانيا (3). وقد أسهمت الأخيرة بدور كبير في القرن الثامن عشر في تجارة الرقيق وأنشئت لهذا الغرض عدة حصون، لعل أ÷ما كاب كوست كاسل (4)، ومارست انجلترا نشاطها عن طريق الشركات التجارية وكانت شركة افريقيا الملكية من أكبر هذه الشركات، ثم سرعان ما توحدت الشركات العاملة في المنطقة باسم شركة افريقيا للتجارة وكان للبرلمان البريطاني حق في مناقشة حساباتها، وخاصة أنها كانت تحصل على منح مالية سنوية من الحكومة البريطانية تذكرنا عملية توحيد الشركات في منطقة ساحل الذهب بما حدث في النيجر من قبل، عندما توحدت الشركات العاملة فيه باسم شركات النيجر الملكية (5).

وقد عانت بريطانيا من انتشار الحروب الأهلية في المنطقة، وخاصة بين القبائل فقد اشتدت الحروب بين الأشانتي والفانتي (1).

ولاعطاء ساحل الذهب كيانها كمستعمرة مستقلة، انفصلت في 13 يناير 1866 عن مستعمرة سيراليون، واصبحت غير تابعة لها (2) ، استتبع ذلك ضرورة تدعيم السيطرة البريطانية على المنطقة (3) فعملت الادارة البريطانية على فتح الطرق التجارية بين الجهات الداخلية والساحل، ولكن رغم هذه الجهود الا أن الاضطرابات استمرت في المستعمرة حتى عام 1890 فبدأ بريطانيا تعسى لفرض حمايتها على الأشانتي، فأرسلت بعثة الى كوماسي ولكن ملكها رفض قبول الحماية البريطانية (4) ولذلك لجأت بريطانيا الى استخدام القوة لاقرار الوضع في المستعمرة ووافق مجلس العموم البريطاني على ارسال حملة عسكرية، بل طالب الحكومة امداد الفرق البريطانية بالأسلحة والمعدات (5).

أرسلت الحملة في عام 1899 ونجحت في دخول كوماسي بقيادة فرانسيس سكوت، وألقت القبض على الملك. وباخضاع الأشانتي توسعت انجلترا في المنطقة وبدأت في استغلال مناجم الذهب فكونت عدة شركات تجارية للبحث عنه (6).

وجدير بالذكر أن مجلس العموم البريطاني تابع باهتمام كبير اضطراب الأوضاع في ساحل الذهب ، فكان يطلب من الحكومة تقديم تقارير وافية عن الأوضاع التجارية، وأكد المجلس ضرورة فرض النفوذ البريطاني في فتح الطرق للتجارة لتأكيد السيادة البريطانية (7).

أما عن المنافسة الفرنسية البريطانية فقد قام الرحالة الفرنسي الشهير لابلين بتوقيع معاهدة عام 1886 مع ملك منطقة جمان واعتقد الملك بأنها معاهدة تجارية ولكن سرعان ما أعلنت تخليه عنها بعد أن علم أن الغرض منها فرض السيادة والحماية الفرنيسة على أراضيه فارسل المعاهدة والعلم الفرنسي الى حاكم ساحل الذهب ثم قبل بعد ذلك توقيع المعاهدة مع البريطانيين (1).

وقع المعاهدة البريطانية كوربورال فانديك في 30 يوليو 1887 نيابة عن لوندسال مفتش الشئون الملكية وقد قبل ملك جمان رفع العلم البريطاني على أراضيه وتم الاتفاق على الآتي:

(1) تجديد صداقة ملك جمان مع بريطانيا. (2) تتعهد بريطانيا بفتح طريق تجاري من منطقة جمان حتى الساحل ليتمكن أهالي المنطقة من التجارة. (3) تحذير ملك جمان من التعاون مع الفرنسيين (2).

وكانت سياسة فرنسا في ذلك الوقت تدعيم سيطرتها على مستعمرتها في ساحل العاج فعملت على مد نفوذها من اسيني صوب منطقة ساحل الذهب وقد وقعت فرنسا معاهدة في 13 نوفمبر 1888 مع كل من زعماء ابرون وبوند وكو وقع المعاهدة حاكم السنغال بتفويض من وزير المستعمرات دي لابورت.

نصت المادة الأولى: على أن يضع ملك ابرون وبوندوكو بلاده تحت حماية وصداقة فرنسا.

المادة الثانية: يعترف حاكم السنغال بالملك أدجيمين ملكا على كل من ابرون وبوندوكو، ويتعهد بتقديم الحماية له والمساعدة.

المادة الثالثة: تتم التجارة بحرية بين المواطنيين الفرنسيين في بلاد اسيني وجران بسام وبين رعايا ابرون وبوندوكو.

المادة الرابعة: يتعهد الملك بحماية القوافل التي تأتي الى بلاده ويسمح لها بالتجارة في حرية.

المادة الخامسة: تفتح الحكومة الفرنسية طريقا للتجارة بين ابرون واسيني.

المادة السادسة: لأهالي ابرون واسيني حرية التجول والتنقل في البلاد الأخرى من أجل حرية التجارة.

المادة السابعة: ترفع المنازعات بين ابرون وجيرانها الى السلطات الفرنسية للتولى حلها.

المادة الثامنة: يدفع مبلغ ثلاثة آلاف فرنك لملك ابرون وبونودوكو دليلا على صداقة فرنسا، كما يتعهد الملك بالمحافظة على سلامة الطرق في بلاده.

المادة التاسعة: يتعهد ملك ابرون بعدم عقد أي اتفاقيات مع دولة أخرى غير فرنسا.

المادة العاشرة: تكون المعاهدة أساس التعاون بين الطرفين.

وجدير بالذكر أن بوندوكو ، كانت عاصمة لجمان التي وقعت عليها بريطانيا حمايتها من قبل: ولذلك فور توقيع المعاهدة الفرنسية أرسل المفتش البريطاني في ساحل الذهب بنصوص المعاهدة الى جريفث حاكم المنطقة ليتخذ الاجراءات اللازمة (1).

وقد خشيت بريطانيا أن تقوم فرنسا على توقيع معاهدة أخرى مع ملك جمان تأكيدا للأولى فأسرعت بتوقيع معاهدة جديدة معه في 24 يناير 1889، وقد وقع المعاهدة هنري ليثبريدج مساعد المفتش في ساحل الذهب بناء على تعليمات من حاكمها بروند فورد جريفث ووثع المعاهدة الملجي أدجيمين ملك جمان.

نصت المادة الأولى: يضع ملك جمان وزعماء البلاد أنفسهم تحت الحماية البريطانية، وعليهم ألا يتورطوا في عقد آية معاهدة مع أية قوى اوروبية أخرى.

المادة الثانية: يضع حاكم مستعمرة ساحل الذهب أهالي وبلاد جمان تحت حماية بريطانيا العظمى.

المادة الثالثة: يعتبر ملك وزعماء جمان حاكم ساحل الذهب صديقا لهم وعليه التدخل في أي نزاع يقع في بلادهم.

المادة الرابعة: يتعهد ملك وزعماء وأهالي جمان بابقاء طرق التجارة في حالة جيدة، وتشجيع التجارة وتسهيل مهمة التجارة وعليهم ألا يقبلوا حماية أي دولة اوروبية أخرى، ولابد من أخذ مشورة حكومة بريطانيا عن طريق حاكم مستعمرة ساحل الذهب.

المادة الخامسة: حكومة صاحب الجلال لها الحق في رفض أي بند من بنود المعاهدة.

وبذلك جددت بريطانيا معاهدتها مع ملك جمان في 1887 بتلك التي عقدتها من قبل في عام 1884 كذلك ألغت المعاهدة الفرنسية (1).


ورغم احتجاج فرنسا والسفير الفرنسي في لندن بسبب الغاء هذه المعاهدة ورفع العلم الفرنسي من بوندوكو، إلا أن وزارة المستعمرات البريطانية ردت على ذلك في 18 يونيو 1889 بأن ملك وزعماء جمان عندما وقعوا معاهدتهم مع فرنسا كانوا يعتقدون بأنها معاهدة تجارية فقط، وليست معاهدة حماية (2).

أما ملك جمان المسكين فقد وجد نفسه في حيرة فالدولتان تتنافسان لتوقيع الحماية على أراضيه ، ورفع أعلام كل منهما في مناطق نفوذه، وفي الواقع كان هو نفسه لا يدري أهمية هذه الأعلام ولا يميز الفرق بين الأعلام الفرنسية والبريطانية (3).

وأخيرا تم توقيع الاتفاق في 10 أغسطس 1889 بين الدولتين لتحديد مناطق نفوذ كل منهما، وقد جرت عدة محاولات من قبل من أجل تحديد الحدود بين ساحل الذهب واسيني في ساحل العاج وتكونت بالفعل لجنة في ديسمبر 1883 ، ولكنها لم تتفق على مناطق الحدود واضرت بريطانيا الى اشراك الدنمارك في المفاوضات، الا أن هذه المحاولات لم تسفر عن توقيع اتفاقية بين الطرفين فكان اتفاق أغسطس 1889، لتحديد الحدود بين فرنسا وانجلترا في ساحل غرب أفريقيا (1).

كانت انجلترا حريصة على مراقبة النشاط الألماني في توجو خوفا من أطماعها في ساحل الذهب وفي 28 فبراير 1884 كتب مدير سيراليون الى حكومته عن تحرك الألمان فذكر أن الكابتن ستوينروخ الألماني زار منطقة ليتل بويو وبذل مجهودا كبيرا لتسوية الخلافات بين التجار والوطنيين (1) كذلك حاول الألمان أن يكون لهم نفوذ في داهومي أيضا فزار القنصل الألماني بورتونوفو وذلك لتسوية خلافات بين التجار الألمان وملك بورتونوفو، وقد تخوف حاكم لاجوس من هذه الزيارة فارسل تقريرا الى سير روي حاكم ساحل الذهب، ليطلعه على أنباء هذه الزيارة في 23 فبراير عام 1884 (2).

ولكن بالنسبة لبريطانيا أو بالنسبة لمستعمرة ساحل الذهب تمثل الخطر الألماني بصورة أوضح في ليتل بويو، فخشيت السلطات الحاكمة امتداد النفوذ الألماني صوب ساحل الذهب، ولذلك تعددت التقارير التي كتبت خلال هذه الفترة عن النشاط الألماني في المنطقة ففي 28 فبراير عام 1884، وصلت الأنباء الى حاكم ساحل الذهب أن هناك رجل ألماني وصل الى ليتل بويو، وألح على ملكها توقيع بعض الأوراق التي تحوي على تأجير بعض الوكالات للألمان في مقابل مبلغ من المال ولكن الملك رفض فتم استدعاؤه على ظهر سفينة ألمانية حيث أجبر على توقيع هذه الأوراق ثم سمح له بالانصراف (1)، وكان ملك ليتل بويو في ذلك الوقت هو إيزكالي أكيته الذي درس في لندن ولقب نفسه جورج لاوسون، وكان لأسرته النفوذ السياسي في المنطقة منذ فترة طويلة (1).

وعندما علم حاكم ساحل الذهب بأنباء هذه الزيارة اسرع هو الآخر الى ليتل بويو لاستطلاع الموقف، وقد اعتبر التجار البريطانيون هذه الزيارة ضمانا لهم بحماية الحكومة البريطانية لممتلكاتهم ومصالحهم التجارية وطالبوا برفض النفوذ البريطاني على ليتل بويو (3). وقد أرسل الملك لاوسون بوثيقة الى حاكم ساحل الذهب، وطلب منه وضع بلاده تحت الحماية البريطانية وأبدى استعداده لقبول هذه الحماية وذلك لتخوفه من النفوذ الألماني والفرنسي (4).

وفي 5 يوليو عام 1884 أرسلت بعثة بزعامة نخهتيجال الذي أعلن الحماية على توجو لاند، بعد توقيع اتفاقية مع ملكها وبذلك فصلت توجو المستعمرات البريطانية في ساحل الذهب عن لاجوس (5). وبعد توقيع الحماية على توجو تزايدت البعثات الألمانية فيها ففي عام 1885 تم تأسيس محطات في كيتو وأنياكا وبلغ عدد البعثات في ايوه حوالي مائة بعثة (5).

وأخيرا اعترفت بريطانيا بالحماية الألمانية على توجو في 26 يوليو عام 1886 واعترضت بها فرنسا في 24 ديسمبر 1886 (7).

وفي أول يوليو عام 1890 تم توقيع اتفاق بين الحكومتين البريطانية والألمانية لتحديد نفوذ كل منهما في شرق وغرب وجنوب أفريقيا وقد تضمنت المادة الرابعة من الاتفاق والخاصة بتحديد الحدود بين مستعمرة ساحل الذهب البريطانية ومحمية توجو الألمانية واقليم فولتا وريودال ري (1).


ثالثا: سيراليون

سيراليون مستعمرة بريطانية تأسست في أوائل القرن 19 وكانت مركز من مراكز تجمع الرقيق، ثم أصبحت بعد ذلك مأوى للعتقاء منهم فنقل بعض من حرر من الرقيق من زنوج أمريكا ممن حاربوا الى جانب بريطانيا خلال حرب الاستقلال الأمريكية، كذلك وفد اليها بعض زنوج جمايكا. وقد سمى نسل هؤلاء الأرقاء الذين تختلط فيهم العناصر الزنجية غير الأفريقية بعناصر أخرى بالكريول وبالنسبة لموقع سيراليون ، أحاط بها كل من ليبريا وغينيا مما حال دون امتدادها للداخل، وقد أنشئ ميناء فريتاون عام 1892 وأتاح له موقعه حراسة قواف السفن في المحيط الأطلنطي ومراقبة تجارة الرقيق (2).

يرجع نشاط بريطانيا في المنطقة الى القرن السادس عشر (3)، ولكن يلاحظ أن دوافع بريطانيا في المنطقة لم تكن دوافع اقتصادية كما حدث في دلتا النيجر من حيث الاهتمام بالتجارة، وانما كان هدفها الرئيسي هو مراقبة تجارة الرقيق (4) ومنذ عام 1808 أصبحت سيراليون مستعمرة تابعة للتاج البريطاني ، وتزايد عدد سكانها بفضل تزايد العبيد المحررين (5).

أما عن المنافسة البريطانية الفرنسية في المنطقة فيلاحظ أن بريطانيا حرصت على مراقبة سواحل المنطقة، وكتابة تقارير مفصلة عنها ففي 9 يناير 1843، كتب تقريرا عن توجه سفينة فرنسية نحو ساحل غينيا، وقد استقبلت السلطات في سيراليون قائد السفينة الأمير دي جوانفيل ووجهت اليه الأسئلة عن وجهته، وعن نوايا فرنسا في المنطقة (1) كذلك حرصت بريطانيا على تعقب تجارة الرقيق ووقعت معاهدة في 13 فبراير عام 1841 مع علي دالا في بورتولوكو تعهد فيها لحاكم سيراليون بالغاء تجارة الرقيق في مقابل تعهد بريطانيا بدفع مبلغ سنوي له ولكن المعاهدة لم تنفذ لأن علي دالا لم يكف عن الاتجار في الرقيق وقد كتب ليمون تقريرا الى لورد ستانلي وكيل المستعمرات في 5 يونيو 1844 طالبا منها اتخاذ اجراء حاسم ضد الزعماء الأفارقة لعدم التزامهم بوعودهم أو معاهداتهم مع بريطانيا كذلك نبه على خطر تزايد نفوذ المسلمين في المنطقة (2).

لقد حاولت انجلترا التوسع مرارا في المناطق الداخلية من سيراليون ومد نفوذها نحو الداخل لصد التغلغل الفرنسي وتأمين أنهار سيراليون التي تنحدر من الداخل صوب المحيط الأطلنطي ، ولكن فرنسا كانت لها بالمرصاد وحالت دون ربط المستعمرات البريطانية في كل من غمبيا وسيراليون وساحل الذهب، ولذلك نشطت فرنسا في المناطق الداخلية من سيراليون، واكتسبت بعض الحقوق لها في ريونونيه على ساحل غرب أفريقيا في شمال سيراليون، كذلك احتلت بوكي القريبة من الساحل ثم توافدت الفرق العسكرية على المنطقة واحتلت فرنسا الأجزاء الساحلية، كذلك توغلت في الأراضي الداخلية قبل أن يتمكن البريطانيون من ربط سيراليون وغمبيا، وانتهى هذا الأمر بتوقيع اتفاق عام 1865، واستقر الفرنسيون في دوبريكا وحصلوا على حقوق في تمبو ثم احتلوها عام 1887 (3).

أما بريطانيا فلم تكف عن محاولة توسيع نفوذها في المناطق الداخلية من سيراليون، وقد قام السير صمويل روي حاكم منشآت غرب أفريقيا بحملة نحو المناطق الداخلية ن أجل مد نفوذ بريطانيا التجاري فيها وأكدت الحكومة البريطانية لأعضاء مجلس العموم بأن الحملة تلقى نجاحا كبيرا وأن بريطانيا تنوي مد نفوذها بالوسائل السلمية لاحلال الأمن وانعاش التجارة وجدير بالذكر أن التجار البريطانيون اهتموا أيضا بهذه الحملة لأنها سوف تؤدي الى زيادة نشاطهم التجاري في المناطق الداخلية وعلقوا عليها آمالا كبيرة (1).

ونلمس مدى اهتمام أعضاء مجلس العموم بمستقبل مستعمرة سيراليون عندما اتفقت الحكومتان البريطانية والألمانية في أول أبريل ومايو 1885، على التجارة في الأراضي الواقعة على الضفة اليمنى لنهر ريودل ري أو أي رافد من روافد الضفة اليمنى للنهر، فتساءل الأعضاء عما اذا كانت هذه الأراضي سوف تكون تحت الحماية البريطانية، فأكد لهم وكيل وزارة الخارجية بأن هذه المنطقة تعتبر داخل نفوذ بريطانيا وأن حرية التجارة مكفولة لرعاياها، وللتجار ليتاجروا بحرية تامة (2).

واذا كانت فكرة المبادلة قد أثيرت من قبل لمبادلة غمبيا مع فرنسا، فقد أثار أعضاء مجلس العموم فكرة مبادلة سيراليون مع فرنسا في مقابل الحصول على المنشآت الفرنسية في ساحل غينيا ولكن الحكومة البريطانية أكدت بأن ليس هناك نوايا للتخلي عن سيراليون (3) وقد تمسكت بريطانيا بالفعل بمستعمرتها وحرصت على ربطها مباشرة بانجلترا، فتم ربط فريتاون بلندن بواسطة كابل جعل الاتصال بينهما مباشرة (4).

كان لابد من تحديد الحدود بين فرنسا وانجلترا في سيراليون ففرنسا أسرعت بالاتجاه نحو الشرق من سيراليون، حتى بلغت منحنى نهر النيجر وأرسلت الحملات الى المناطق الداخلية وقد حدثت عدة مصادمات بني القوتين البريطانية والفرنسية في هذه المناطق ولذلك عقدت عدة اتفاقيات لتسوية الحدود بين سيراليون وغينيا الفرنسية، فتم توقيع عدة اتفاقات في الفترة ما بين 1882 و1895 ففي 28 يونيو عام 1882 ابرم اتفاق بين فرنسا وانجلترا لتحديد حدود شمال سيراليون (5).


خامسا: غمبيا

1- التدخل الفرنسي في غمبيا:

توافد التجار البريطانيون على منطقة غمبيا معتقدين في البداية أن نهر غمبيا يمثل فرعا من فروع النيجر، وقد استمر هؤلاء التجار في ممارسة تجارتهم حتى بعد أن تم تصحيح المعلومات الجغرافية وتم التأكيد بأنه نهر مستقل بذاته (1).

وفي عام 1664 أسس الانجليز حصن بالقرب من مصب النهر فكان من أول الحصون البريطانية وقد اكتسب أهمية استراتيجية وتجارية نظرا لوقوعه على بعد عدة أميال من المصب (2).

هذا وقد انتشرت لوكالات التجارية البريطانية في المنطقة ومارس التجار البريطانيون نشاطهم التجاري فيها وحتى الثمانينات من القرن الثامن عشر كانت انجلترا كغيرها من الدول تكتفي باقامة نقاط وحصون على السواحل فلم يكن هناك دوافع قوية في ذلك الوقت تدفعها للمغامرة والمخاطرة والتوغل في الأراضي الداخلية (3).

وجدير بالذكر أن بريطانيا احتفظت بنفوذها في غمبيا طوال القرن الثامن عشر ففي 3 سبتمبر 1786 وقعت معاهدة مع فرنسا في منطقة البريدا (4).

وفي عام 1806 اشترت الحكومة البريطانية جزيرة سانت ماري الواقعة عند مصب نهر غمبيا حيث أقامت عليها فيما بعد مدينة بتهورست (5).

واذا كان التجار الفرنسيون قد مارسوا تجارتهم في منطقة البريدا المجاورة للمنشآت البريطنية في بتهورست لمدة أربعين عاما فان معاهدة باريس في 30 مارس 1814 أعطت فرنسا الحق في البقاء في البريدا ولكن مقابل حق انجلترا في ممارسة تجارة الصمغ في منطقة بورتنديك (6).

رغم اعتراف انجلترا بالنفوذ الفرنسي في البريدا الا أن الصراع بين الدولتين لم ينته لأن فرنسا حاولت دوما مد نفوذها من البريدا صوب المناطق المجاورة لها فقد حاول حاكم السنغال عام 1817 عقد معاهدة مع الزعماء المحليين في المنطقة فقعد معاهدة مع ملك منطقة بارة الذي وافق فيها على السماح بوجود مندوب فرنسي في اراضيه ولكن الحكومة والدارة البريطانية في لاجوس سارعت بالغاء هذه المعاهدة (1).

حرصت بريطانيا على تدعيم نفوذها عن طريق عقد سلسلة من المعاهدات مع الزعماء المحليين فتم عقد معاهدة في يوليو 1826 مع ملك منطقة بارة تعهد فيها بتسلم الأراضي الواقعة على الضفة اليمنى للنهر لمسافة ميل الى الداخل من بوجادو في الغرب حتى اوكادو في الشرق ومنعا لحدوث مشاكل مع فرنسا تم تحديد حصن البريدا في 19 يونيو 1826 (2).

كذلك وقعت بريطانيا معاهدة في 29 مايو 1827 مع ملك منطقة بيركاما تعهد فيها الملك بوضع أراضيه تحت الحماية البريطانية وعينت بريطانيا ملكا على هذه المنطقة (3) فأعلن قبوله الحماية البريطانية (4) كما حرصت بريطانيا عل تجديد معاهدتها مع ملك بارة في 4 يناير 1832 (5) وفي 13 يوليو سلم الملك كومبو أراضيه لبريطايا وفي 23 ابريل 1841 وقعت بريطانيا معاهدة حماية على أراضي كارتابا لمساحة ميل (6).

وجدير بالذكر أن انجلترا حرصت على تدعيم سيطرتها على المنطقة فحرمت على الفرنسيين الابحار فيما وراء جزيرة حميس منذ عام 1775 الا أن الضباط الفرنسيين دأبوا على تخطي هذه المنطقة فتعددت شكاوى الادارة البريطانية في غمبيا من هؤلاء الضباط ودأبت الحكومة البريطانية على ارسال احتجاجات الى فرنسا لتجاهل هؤلاء الضاط مناطق النفوذ البريطاني، ففي 23 فبراير 1843 أرسل ايرل ابردين الى كونت انوليز السفير الفرنسي في لندن شكوى سببها أن الأمير دي جرانفيل أبحر بسفينة فرنسية أمام ميناء بتهورست في طريقه الى البريدا وتعمد جرانفيل عدم أداء التحية للعلم البريطاني. كذلك تعمد تجاهل الاتصال بالمسئولين البريطانيين في المنطقة ولم يكن هذا الحادث هو الأول من نوعه (1) فقددأب القواد الفرنسيون على مثل هذه الأعمال وتجاهل السيادة البريطانية على غمبيا، ولذلك طالبت بريطانيا بضرورة احترام السفن الفرنسية المارة أما بتهورست العلم البريطاني لأن بريطانيا لها سيطرة على المنطقة، تماثل سيطرة فرنسا على السنغال، وذلك بمقتضى المعاهدات التي عقدتها مع الحكمام الوطنيين وطالبت ابردين بضرورة احترام السيادة البريطانية في غمبيا حرصا على المعاهدات بين الدولتين (2).

وكان سبب تزايد التوتر بين الادارة البريطانية في غمبيا، والضباط الفرنسيين في السنغال هو اصرار الآخرين على عدم تأدية التحية للعلم البريطاني أثناء ابحارهم في نهر غمبيا كذلك لتورط الكثير منهم في تجارة الرقيق. وفي مارس 1857 تنازلت فرنسا عن منشآتها في البريدا، مقابل تخلي بريطانيا عن التجارة في الصمغ في بورتنديك الواقعة شمال السنغال (3).

ولكن بانسحاب فرنسا من البريدا، لم يستقر الوضع في غمبيا لانجلترا فقد قابلت العديد من المشاكل من قبل الوطنيين بالاضافة الى انتشار الحروب الأهلية في المنطقة مما كان له أثره الضار على التجارة البريطانية. وقد اضطرت الادارة البريطانية في غمبيا الى استخدام العنف ضد الوطنيين للحد من الاضطرابات في البلاد فقد طالب حاكم غمبيا جورج دارس من ملك منطقة بديبو دفع تعويض للتجار البريطانيين بسبب ما اتلفه اتباعه من بضائع، ولكن ازاء رفض الملك قام دارس بارسال حملة حاصرت منطقة بديبو وطالب قوات عسكرية اضافية من سيراليون لمعاونة قواته، وعندما رفض الملك في 16 فبراير عام 1861 اضطر الملك الى مغادرة المنطقة وأطلقت السفر البريطانية النار على أراضي فقام بتوقيع معاهدة في 26 فبراير 1861 تعهد فيها بدفع تعويض مناسب للتجار البريطانيين، كما ألزم باللجوء الى الحاكم البريطاني في بتهورست اذا ما نشبت بينه وبين جيرانه أي نزاع في المستقبل. وفي نفس العام عقدت بريطانيا معاهدة ثانية معه تعهد فيها بالسماح للتجار البريطانيين والفرنسيين بالتجارة في أراضي باديبو بشرط أن يحملوا تصريحا موقعا من قبل حاكم بتهورست (1). وعندما تولى جولدسبوري ادارة غمبيا عمل على اقرار الوضع فيها، ففي عام 1881 قام بعدة حملات في وادي غمبيا لتدعيم النفوذ التجاري البريطاني فيها، كما قام بسلسلة من الهجمات والحملات ضد المناطق التي كانت ما تزال تتاجر في الرقيق، وفي يناير 1881، وقع حاكم غمبيا جولدسبوري معاهدة بينه وبين الزعماء البريطانيين في أعالي غمبيا نصت على الآتي:

(1) يعم السلام والصداقة بين رعايا مملكة بريطانيا والوطنيين. (2) حماية أرواح وممتلكات الأفارقة المحررين وغيرهم من رعايا ملكة بريطانيا. (3) يعترف الزعماء الوطنيين بحرية وحق رعايا بريطانيا في التجارة الشرعية ويتعهدون بحماية أرواحهم. (4) يتعهد رعايا الحكومة البريطانية بعدم التورط في الحروب الأهلية بين الزعماء الوطنيين بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. (5) تظل طرق التجارة مفتوحة في البلاد، وللتجار البريطانيين الحق في نقل البضائع. (6) تحفظ ملكة بريطانيا صداقتها مع الزعماء الوطنيين (1).

ورغم توقيع تلك المعاهدة بين بريطانيا والزعماء الوطنيين ، إلا أن الفرنسيين في السنغال دأبوا على اثارة الاضطرابات في غمبيا فقد قام بعض الضباط الفرنسيين برفع العلم الفرنسي على أراضي بادييو فاحتجت بريطانيا لهذا العمل لأن هذه المنطقة كانت ضمن مناطق نفوذها وقد حدثت عدة مناقشات في مجلس العموم البريطاني بخصوص هذا الحادث، وتسائل الاعضاء عن الخطوات التي اتخذتها بريطانيا لمنع التدخل الفرني في الضفة الشمالية للنهر ورد وكيل وزارة الخارجية السير جيمس فرجسون بأن منطقة باديبو شهدت اضطرابات وحروبا أهلية اضرت بمصالح كل من فرنسا وانجلترا، وهناك اتصالات مع الحكومة الفرنسية لتسوية الموقف ومنع تدخل ضباط السنغال في مناطق النفوذ البريطاني مستقبلا (2).

ويمكن تبرير تصرفات الضباط الفرنسيين في غمبيا واصرارهم في كثير من الأحيان على تخطي مناطق النفوذ الفرنسي وتوقيع معاهدات مع الزعماء الوطنيين الى أن فرنسا كانت لديها الرغبة حتى ذلك الوقت لمبادلة غمبيا، وظلت هذه الرغبة قائمة حتى أواخر القرن التاسع عشر واستمرت الفرق الفرنسية تغزو الأراضي المحيطة بغمبيا، وقد ناقش مجلس العموم البريطاني هذه المشكلة في 1888 وطالب الحكومة باتخاذ اجراءات حاسمة لسحب الفرق الفرنسية، وأكد جيمس فرجسون بأن هناك مناقشات بين الدولتين لتسوية مناطق الحدود فيما بينهما (3).

واستمرت محاولات التدخل الفرنسي في غمبيا فحاولت في عام 1889 ضم منطقة كومبو اليها، ولكن الأهالي في هذه المنطقة رفضوا توقيع معاهدة مع أي دولة اوروبية أخرى غير انجلترا، ولذلك أسرع مدير غمبيا كارت باقناع زعيم كومبو بقبول الحماية البريطانية، وكانت منطقة كومبو تمثل أهمية كبيرة بالنسبة للبريطانيين وذلك لقربها من أنهار الكازامانس، وعن طريقها تستطيع انجلترا تحقيق اتصال ميسر بين غمبيا والكازماس (1).

وفي اتفاقية 10 أغسطس 1889 في غرب أفريقيا تم تسوية الحدود بين فرنسا وانجلترا وقد خصصت المادة الأولى منها لغمبيا على النحو التالي:

(1) في شمال غمبيا (الضفة اليمنى) يمتد الخط من كيناك كريك ويسير بحذاء الساحل ثم يقطع النهر عند مواجهة جزيرة في مدخل سارمي كريك في بلاد نياميونا ومن هذه الضفة يسير خط الحدود عند الضفة اليمنى للنهر في يارباتيندا على بعد 10 كم من النهر. (2) من الجنوب (الضفة اليسرى) يمتد الخط من مصب بحيرة سان بدرو حتى 10-13 درجة عرضية شمال الضفة لايسرى حتى سادينج، ثم يسير الخط في اتجاه النهر.

وبذلك تم تسوية الحدود بين غمبيا والسنغال، واحتفظت بريطانيا بشريط طوله 10 كم (2).

ورغم توقيع هذا الاتفاق الا أن فكرة مبدالة غمبيا ما زالت قائمة، فقد انطلقت شائعة نشرتها جريدة التميس في عام 1890 بأن الحكومة البريطانية تنوي عقد اتفاق مع فرنسا للتخلي عن غمبيا، ولكن الحكومة أسرعت بنفي وتكذيب هذا الخبر (3).

وجدير بالذكر اتفاق 10 أغسطس 1889 يعتبر من أهم الاتفاقات التي عقدت بين فرنسا وانجلترا كل مشاكل الحدود فيما بينهما فمنذ عام 1868 ومشاكل الحدود بين الدولتين تتزايد في غرب أفريقيا، وكان لابد من رسم خط حدود معين تلتزم به الدولتان بقيام الحرب البروسية انقطعت المفاوضات لرسم الحدود ولكنها سرعان ما اعيدت في عام 1876. وفي عام 1881 تم تكوين لجنة في باريس لبحث مشاكل الحدود ورغم توقيع بعض المعاهدات الا أنها كلها لم تكن كافية حتى توقيع معاهدة 10 أغسطس 1889، وبمقتضى الاتفاق الأخير رسم خط حدود غمبيا وسيراليون وساحل الذهب ولاجوس، ولكن هذا الاتفاق أدى في نفس الوقت الى خلق حدود داخلية جديدة فاضطرت الدولتان الى عقد اتفاق آخر (1).

2 – فكرة المبادلة ومحاولة توسيع حدود مستعمرة السنغال:

أرادت فرنسا توسيع حدود مستعمرة السنغال وخاصة حدودها الجنوبية وذلك بضم غمبيا الى السنغال، ولذلك فقد ظهرت فكرة مبادل غمبيا بين فرنسا وانجلترا منذ منتصف القرن التاسع عشر ودارت عدة مناقشات بين الدولتين لتحقيق هذه الفكرة في مقابل تخلي فرنسا عن منشآتها في ساحل غينيا.

وقد مثل نهر غمبيا أهمية كبيرة لفرنسا، وذلك لأنه كن يفوق السنغال أهمية كشريان هام يؤدي الى المناطق الداخلية كما أنه طريق سهل الى أقاليم السودان الداخلية (2) أما انجلترا فقد أرادت بدورها أن تتخلى فرنسا عن منطقة البريدا المواجهة لبتوهرست في غمبيا، في مقابل تنازل بريطانيا عن حقوقها التجارية في منطقة بورتنديك الواقعة شمال السنغال حيث كان التجار البريطانيون يتاجرون مع قبائل الترارزة، أي أنها ارادت أيضا الانفراد بغمبيا وابعاد النفوذ الفرني عنها. وقد ارسل اللورد كاولي السفير البريطاني في فرنسا الى ايرل ابردين في 10 مارس 1845 بضرورة مناقشة هذه الفكرة مع وزير الخارجية الفرنسي لأن في ذلك مصلحة للطرفين، فتأمن فرنسا المنافسة البريطانية التجارية في السنغال، وتأمن بريطانيا بدورها منافسة فرنسا لها في البريدا في غمبيا (3). ولكن فرنسا رفضت خلال هذه الفترة التخلي عن البريدا ودارت المناقشات في 23 يونيو 1845 ابدت خلالها فرنسا استعدادها للتخلي عن منشآتها في ساحل غينيا لبريطانيا مقابل حصولها على غمبيا من بريطانيا (4).

وقد كتب فيدهرب عندما تولى ادارة السنغال للامبراطور نابليون الثالث مذكرة في يوليو 1864 يوضح فيها بأن من مصلحة فرنسا الامتداد والتوسع من مستعمرة السنغال، ورأى ضرورة هجر المنشآت الساحلية الفرنسية في جابون وساحل غينيا وتركيز التجارة في أماكن أخرى أكثر نجاحا. وكانت هذه الأماكن في نظر فيدهرب هي سانت لويس وما حولها. والامتداد منها والتوسع صوب الساحل. ولذلك رأى فيدهرب ضرورة الاتفاق مع بريطانيا لمشاركة فرنسا في هذه المنطقة وأن تتنازل عن غمبيا مقابل حصولهما على كل من جابون وجران بسام واسيني ودابو في ساحل غينيا وبذلك تستطيع مستعمرة السنغال الامتداد نحو الجنوب ويصبح لها حدود واسعة وتستطيع فرنسا ايضا تدعيم سيطرتها على أعالي النيجر (1).

ولكننا اذا تساءلنا ما دام فيدهرب مهتما بغمبيا على هذا النحو وأراد مبادلتها مع بريطانيا، فلماذا اذن وافق على عقد معاهدة 1857 والتي بمقتضاها تنازلت فرنسا عن البريدا، سنجد بأن فيدهرب انشغل في هذه الفترة بحروبه ضد قبائل الترارزة التي هددت السنغال، ولذلك فضل أولا تأمين الحدود الشمالية للمستعمرة. ما أن غمبيا خلال هذه الفترة كانت عرضة للحروب والفتن الداخلية، واشتددت فيها المنافسة بين الزعماء المحليين وكان المرابطون في ذلك الوقت لهم آمال وطموح من أجل بناء امبراطورية اسلامية في سنغمبيا ولذلك هددت الحروب والفتن في غمبيا مصالح التجار البريطانيين ولذلك فضل فيدهرب تأمين السنغال وابعاد النفوذ البريطاني عنها وبالفعال بعد أن ساد الهدوء في السنغال بدأ يفكر في مبادلة غمبيا (2).

على أن فكرة المبادلة بدأت ايضا عام 1861 عندما زار دارسي حاكم غمبيا سانت لويس، واقتنع بامكانية مبادلة غمبيا في مقابل الحصول على الجابون ولكن رغم ذلك ورغم تداول الفكرة الا أنها لم تناقش على المستوى الرسمي حتى عام 1865 ، عندما عرض هذه الفكرة السفير الفرنسي بصورة شبه رسمية على اللورد كلارندون ولكن في الوقت نفسه كان على فرنسا أن تحسب حساب الرأي العام الفرنسي الذي كان من الصعب ان يتقبل هذه الفكرة (1).

ولذلك نلاحظ أن فكرة المبادلة لم تلق نجاحا خلال هذه الفترة لعدة أسباب:

(1) عداء فرنسا التقليدي مع انجلترا وعدم قبول الرأي العام الفرنسي تخلي فرنسا عن أي جزء من منشآتها. (2) انشغال نابليون الثالث بنمو قوة بروسيا العسكرية. (3) رغبة وزارة البحرية الاحتفاظ بالقاعدة البحرية في الجابون وخاصة بعد توقيع معاهدات مع الزعماء المحليين عام 1866 وخاصة في منطقة وادي نهر اوجويه واندفاع البعثات الكشفية الى هذه المناطق فأصبح لجابون أهمية كبيرة كمركز للتوغل الى الداخل. (4) اهتمام الحكومة الفرنسية بالسيطرة على أراضي النيجر، ولذلك كان لابد من تركيز الاهتمام على سواخل غينيا، وخاصة بورتونوفو حيث نشطت الوكالات الفرنيسة فعن طريق بورتونوفو يمكن التوغل الى النيجر (2).

أما بالنسبة لبريطانيا فقد ارسلت عام 1864 الكولونيل اورد الى غرب أفريقيا كمندوب عنها لتفقد الأوضاع في المنشآت البريطانية وكتابة تقرير عن الأحوال الاقتصادية فعاد ارود عام 1865، وكتب تقريرا بأنه لابد من وضع مستعمرة بريطانيا في غرب أفريقيا تحت ادارة واحدة ومركز واحد وان الاضطرابات التي تشهدها المستعمرات سببها عدم وجود قوة عسكرية، واقترح بأن تكون سيراليون عاصمة الحكومة المركزية ودعا الى عدم تخلي بريطانيا عن مستعمراتها في سواحل غرب أفريقيا لأن ذلك سيؤدي لى نشاط تجارة الرقيق في المنطقة مرة أخرى ووضع أورد تقريره في 26 يونيو 1865 وتضمن الآتي:

(1) استحالة انسحاب بريطانيا من أي مركز من مراكزها في سواحل غرب أفريقيا. (2) لابد من العمل على مد النفوذ البريطاني من غمبيا الى الداخل. (3) اتخاذ سيراليون مركزا للمنشآت البريطانية لأنها منطقة استراتيجية هامة ومنها يمكن احكام السيطرة ومراقبة المنطقة. (4) في حالة تخلي بريطانيا عن غمبيا فهذا معناه عدم التوسع وعدم انشاء أي منشآت جديدة. (5) اذا تخلت بريطانيا عن غمبيا فلابد من الابقاء وتدعيم السيطرة البريطانية في سيراليون (1).

وكان معنى تقرير أورد عدم انسحاب بريطانيا من غمبيا ومبادلتها مع فرنسا وكان من أهم نتائج هذا التقرير أن أرسلت في 19 فبراير 1866 لجنة ملكية الى كل من غمبيا وسيراليون وساحل الذهب، ولاجوس وعملت على ضم منشآت بريطانيا في هذه المناطق متخذة في فريتاون في سيراليون عاصمة ومركزا لهذه المنشآت كما أصلت اللجنة بضرورة قيام حاكم سيراليون كل عام بزيارة تفتيشية على بقية المنشآت في غرب أفريقيا. (2).

ولكن رغم ذلك طالب السفير الفرنسي في لندن في مارس 1866 من الحكومة البريطانية تبادل الأراضي التابعة لكل من الدولتين في سواحل غرب أفريقيا واقترح مرة ثانية تسليم انجلترا لمنشآتها في غمبيا في مقابل تنازل فرنسا عن حصونها في سواحل غينيا وجران بسام واسيني ولكن المباحثات انتهت بين الطرفين دون نتائج (3).

وبنشوب الحرب السبعينية قطعت المفاوضات ولكنها اعيدت بعد الحرب في عام 1876 ورغم المعارضة الكبيرة التي لاقتها هذه الفكرة في مجلس العموم البريطاني الذي رفض التخلي عن أي أراضي تابعة لبريطانيا (4) الا أنه ظهرت آراء نادت بالتخلي عن غمبيا وذلك لأنها لا تمثل أهمية كبيرة لبريطانيا لأن تجارتها في تناقص مستمر بينما تنمو التجارة الفرنسية في السنغال وتزدهر وقد رأى أنصار هذا الرأي بأن غمبيا سوف تفيد السنغال اذا ما ضمت اليها لأنه من الممكن العمل على تطويرها بينما تشكل عبء على بريطانيا ولكن أعضاء مجلس العموم رفضوا التنازل عنها.

وفشلت فكرة المبادلة في عام 1876 وأغلق باب المفاوضات فيها (1).

أعيدت فكرة المبادلة من جديد بعد انتهاء مؤتمر برلين ولكن خلال هذه الفترة ظهر تقرير سري صدر من المكتب العربي البريطاني الى دارة الشئون الخارجية وفي هذا التقرير توصيات بعدم تسليم غمبيا للفرنسيين وذلك لأنهم سيحققون فوائد كثيرة عند الحصول عليها ويكون من السهل عليهم ربط السودان الفرنسي بالساحل (2).

وفي 25 أبريل عام 1889 تناقش السفير البريطاني في باريس مع البارون داستورنلي بوزارة الخارجية ومعهم حاكم السنغال بابول الذي حضر كندوب عن ادارة المستعمرات وأنه لابد من تحديد الحدود بين الدولتين في هذه المنطقة وأوضح بأن غمبيا ما زالت تمثل أهمية كبيرة لبريطانيا.

وجدير بالذكر بأن فرنسا لم تيأس، وأحاطت غمبيا (3) بسلسلة من المعاهدات مع الزعماء المحليين بناء على أوامر بايول حاكم السنغال، ورغم احتجاج السفير البريطاني اجرتون في باريس بأن بريطانيا سبق وأن عقدت عدة معاهدات مع زعماء غمبيا (4).

ثم كانت هناك محاولات أخيرى لمبادلة غمبيا دارت مناقشتها في 1891 ولكنها لم تسفرعن أي اتفاق بين الطرفين واحتفظت بريطانيا بقطعة من الأرض اتساعها عشرة كيلومترات على ضفتي نهر غمبيا سرعان ما اعلنت حمايتها عليها عام 1893 (5).

وأخيرا فقد لعب التجار البريطانيون دورا كبيرا في تدعيم سيطرة الحكومة البريطانية على غمبيا ذلك مثلوا أداة ضغط على الحكومة لمنع تسليمها الى فرنسا لأن ذلك سيتعارض مع مصالحهم التجارية. وبذلك فشلت فرنسا في توسيع حدود مستعمرتها السنغال في الجنوب على حساب غمبيا (1).

من العرض السابق يتضح لنا بأن كلا من فرنسا وانجلترا عملتا على عقد سلسلة من الاتفاقيات لتحديد حدود مستعمراتها في غرب أفريقيا، فالسنبة للنيجر تم عقد اتفاق 1890 الذي اعترف فيه بريطانيا بنفوذ فرنسا جنوب ممتلكاتها في البحر المتوسط من خط يمتد من ساي على النيجر حتى بارواة الواقعة على بحيرة تشاد (2) ثم عدل هذا الاتفاق باتفاقية 1898 لتمتد الحدود من ايلو بدلا من ساي حتى باروة (3).

أما بالنسبة لباقي مناطق غرب أفريقيا فقد كانت تسوية 10 أغسطس 1889 حي التي حددت الحدود بين الدولتين بين الممتلكات الفرنسية والبريطانية في غرب أفريقيا حيث تناولت الادة الأولى تحديد غمبيا والسنغال المادة الثانية خاصة بتحديد حدود مستعمرة سيراليون البريطانية وغينيا الفرنسية.

المادة الثالثة خاصة بساحل الذهب البريطاية ومستعمرة ساحل العاج الفرنسية.

المادة الرابعة خاصة بساحل العبيد وتحديد الحدود مع مستعمرة لاجوس البريطانية وداهومي.

المادة الخامسة تكونت بمقتضاها لجان لبحث تحديد الحدود بين ممتلكات الدولتين (4).

ولكن ليس معنى هذا ان اتفاق 10 أغسطس 1889 كان هو الأخير لتحديد الحدود بين الدولتين فقد تم عقد عدة اتفاقيات أخرى بشأن هذا الغرض.

يلاحظ في اتفاق 10 أغسطس 1889 بـأن بنود الاتفاق اتخذت من الأنهار أو البحيرات نقاطا لتحديد الحدود فمثلا في غمبيا حدد نهر غمبيا الحدود بين السنغال الفرنسية وغمبيا البريطانية، كذلك في سيراليون حدد الحدود الشمالية للمستعمرة بين حوض نهر سكرسيس ونهر الميلاكوري فحصلت بريطانيا على السيادة الكاملة لنهر سكرسيس وفرنسا دعمت سيطرتها على الميلاكوري، أما في ساحل الذهب فقد حددت الحدود في اتجاه مستقيم نحو بحيرة تندو بحيث يترك لفرنسا حرية العمل في غرب خط الحدود بينما انجلترا يترك لها حرية العمل في شرق هذا الخط.





الباب الثاني: الاستعمار الاوروبي في أفريقيا الاستوائية

الفصل الرابع: التوسع الفرنسي/البلجيكي في أفريقيا الاستوائية في النصف الثاني من القرن 19

أولا: الأقاليم الفرنسية

كونت فرنسا من الأقاليم التي سيطرت عليها في أفريقيا الغربية ما عرف باتحاد أفريقيا الغربية الفرنسية A.E.F. كما وحدت الأراضي التي سيطرت عليها في افريقيا الاستوائية فيما عرف باتحاد أفريقيا الاستوائية الفرنسية، وكانت اقاليم الاتحادين متجاورة، ولذلك كان من السهل عليها تجميعها في وحدة واحدة لتسهيل ادارتها والتحكم فيها ومن ثم عرفت باسم الأقاليم المجمعة أو المتجاورة ، أما في شرق أفريقيا فقد كونت فرنسا مستعمرات في كل من مدغشقر وجزر القمر، الصومال الفرنسي ، وكانت هذه المستعمرات متباعدة، فمدغشقر وجزر القمر في المحيط الهندي بينما الصومال الفرنسي على ساحل البحر الاحمر المواجه لعدن، ولذلك وحدت فرنسا هذه المستعمرات وأطلقبت عليها اسم الموحدة تمييزا لها عن الأقاليم المجمعة التي تجاورت فيها المستعمرات الفرنسية (1).

تكونت أفريقيا الاستوائية الفرنسية من أربع أقاليم الجابون وعاصمته ليبرفيل، والكونغو الأوسط وعاصمته بونت نوار، واوبانجي، تشاري وعاصمته بانجي، وتشاد وعاصمته فورلامي وكانت هذه الأقاليم تعرف من قبل باسم الكونغو الفرنسي ثم صدر مرسوم 15 مارس 1910 أعطاها هذا الاسم (2).

لم تكن مهمة فرنسا ميسرة للسيطرة على اقاليم أفريقيا الاستوائية، وتحقيق هدفها الاستعماري، فقد واجهت مصاعب داخلية تمثلت في المقاومة العنيفة التي ظهرت في بعض الأقاليم وخاصة في تشاد، كذلك كان عليها التصدي لأطماع الدول الاستعمارية الأخرى الطامعة بالمنطقة، فدارت بينها وبين بلجيكا منافسة شديدة في الكونغو وبينها وبين بريطانيا في الجابون، وبينها وبين ألمانيا في منطقة اوبانجي تشاري، ولذلك فقد كانت مهمة فرنسا لتكوين أفريقيا الاستوائية صعبة تطلبت منها الكثير من الجهد، ولكنها نجحت في النهاية في تحقيق مشروعها الاستعماري الكبير في المنطقة.


الجابون

حينما نتحدث عن أفريقيا الاستوائية الفرنسية، فينبغي لنا أن نبدأ الحديث عن الجابون باعتبارها من أولى المناطق التي وصل اليها الفرنسيون وقد تشابهت الجابون مع السنغال، حيث لعبت الأخيرة دورا هاما في التغلغل الفرنسي في غرب القارة وكانت بمثابة القاعدة الاساسية للفرنسيين للانطلاق نحو المناطق الداخلية حتى وصلوا الى تشاد، ولعبت الجابون دورا هاما ايضا في التغلغل الفرني في أفريقيا الاستوائية، واتخذت منها فرنسا قاعدة ومركزا رئيسيا لها في المنطقة، بالاضافة الى تمتع الجابون بخاصية هامة وهي غناها بمواردها الطبيعية، اذ تكثر فيها الغابات والمناجم مما أتاح للفرنسيين فرصة كبيرة لاستغلالها (1).

وقع عبء اكتشاف أفريقيا الاستوائية بصفة عامة والجابون بصفة خاصة على عاتق رجال البحرية الفرنسية والمستكشفين الفرنسيين، ومن المعروف أن رجال البحرية الفرنسية لعبوا دورا هاما في أفريقيا الاستوائية، وانما في غرب وشرق القارة الأفريقية ومهدوا لتعميق النفوذ الفرنسي في تلك الجهات (2).

ولا جدال في أن البرتغال كانت من أولى الدول الاوروبية التي وصلت الى ساحل غينيا والى المناطق الواقعة جنوبه (3) فأرسلت البعثات التنصيرية كما حاولت الاتصال بالأفارقة في المناطق الداخلية لخدمة أغراضها التجارية، ونجحت في احتكار وتصدير بعض المنتجات كالمعادن والزجاج واستبدلتها بالذهب والعاج والرقيق (4).

ولكن لم تستفد البرتغال من كشوفها في المنطقة قدر استفادة الفرنسيين الذين أسسوا الشركات التجارية فاحتكروا التجارة من سيراليون حتى رأس لوبيه، كما احتكرت شركة الهند الشرقية الفرنسية وشركة غينيا للتجارة حتى راس الرجال الصالح وعلى طول ساحل انجولا، وفي القرن الثامن عشر كان البحارة الفرنسيون على علم تام بهذه السواحل وبلغ عدد الوكالات الفرنسية العاملة في المنطقة في عام 1785 أكثر من سبعين وكالة أسسها التجار الفرنسيون القادمون من نانت ومرسيليا وبوردو (1).

اعتمدت التجارة الفرنسية على المبادلة فحمل الفرنسيون الأقمشة والمنسوجات والطباق والأغذية من أجل الحصول على المنتجات الأفريقية مثل العاج والذهب والأخشاب وجوز الهند بالاضافة الى الرقيق واستمر التفوق التجاري الفرنسي حاسما في المنطقة الممتدة من الجابون حتى راس الرجاء الصالح حتى أواخر القرن الثامن عشر (2).

وبالاضافة الى اهتمام الفرنسيين بالتجارة اهتموا بنشر ثقافتهم وديانتهم. فقدمت البعثات التنصيرية الى الجابون وساهم رجال الدين في اكتشاف المنطقة والقاء الضوء عليها مثل القس برويار الذي عمل في جنوب الجابون في لوانجو ونشر عام 1776 كتابا هاما عن المنطقة (3). وتركز عمل البعثات التنصيرية في الجابون في المناطق الواقعة جنوبها فتوغلت هذه البعثات في لوانجو وبوانت نوار. بينما تركزت في الجابون في المنطقة التي تأسست فيها مدينة ليبرفيل الحالية (4).

جذبت المنطقة اهتمام رجال البحرية الفرنسية في أوائل القرن التاسع عشر ورأوا أن الجابون تصلح لكي تكون قاعدة للبحرية الفرنسية ، ففي عام 1805 كتب الأدميرال لينوا الى وزير البحرية الفرنسية يدعوه للاهتمام بالجابون وتقوية الصلات معها ومع المناطق الواقعة جنوبها نظرا لأهمية موقعها على الساحل (5).

واذا كانت فرنسا قد انشغلت بالحروب النابوليونية عن الجابون، الا أن منطقة ساحل غينيا جذبت انتباه رجال البحرية الفرنسية منذ الثلاثينات من القرن التاسع عشر فعملوا على انشاء الحصون على ساحل العبيد، ولعب التجار الفرنسيون دورا بارزا في ساحل غينيا حتى تم انشاء حصنين في ساحل العاج في كل من جران بسام واسيني كذكل تم انشاء حصن فرنسي ثالث في الجابون التي أصبحت تمثل قاعدة بحرية هامة للنشاط الفرنسي في المنطقة (1).

وفي الواقع أن الاهتمام بالجابون لم يقتصر على الضباط الفرنسيين فحسب وانما اهتم بالمنطقة رجال البحرية البريطانية فقد أرسلت بعثة مكونة من الكابتن توكي والملازم هوكي الى المنطقة منذ عام 1816 وتجول الكابتن توكي في سواحل الجابون ووصل الى رأس لوبيه وتعرف على أجزاء من نهر الجابون، ولكن البحرية البريطانية خلال هذه الفترة فضلت العمل في ساحل غينيا مما أتاح للفرنسيين الفرصة لتدعيم سيطرتهم في الجابون (2).

يرجع الفضل الى بوييه ويلوميه القائد البحري الفرنسي في تدعيم سيطرة بلاده على ساحل غينيا، فعقد المعاهدات التجارية في ساحل العاج ودعم صلاته بالزعماء المحليين وأطلق على المراكز التجارية في ساحل العاج اسم وكالات الجنوب واستتبع تدعيم السيطرة الفرنسية في ساحل العاج تدعيمها في الجابون أيضا فزار بوييه المنطقة في عام 1837 ثم زارها للمرة الثانية عام 1839 على ظهر السفينة الفرنسية ماليون ونجح بوييه في التفاوض مع زعماء القبائل الشمالية وزعماء القرى في الجابون، وفي 9 فبراير 1839 وقع مع زعيم الضفة الشمالية للجابون الملك دنيس أول معاهدة فرنسية وافق فيها الملك على اقامة المنشآت الفرنسية، وكانت هذه المعاهدة بداية لتكوين أفريقيا الاستوائية الفرنسية وقبل الملك دنيس اعلان الحماية الفرنسية على أراضيه. وقد قدر لهذا الملك أن يلعب دورا هاما في المنطقة فقد عمل كوسيط تجاري بين الفرنسيين وبين سكان المناطق الداخلية في الجابون واعتنق المسيحية وأرسل أولاده الى مدارس البعثات التنصيرية وتوفى في عام 1876 بعد أن ساهم بدور كبير في تركيز النشاط الفرنسي في الجابون (1).

وفي عام 1841 وقع بوييه مع الملك لويس في منطقة بوانت بنجارا معاهدة حماية، وقد حذي بقية الزعماء المحليين حذو الملك لويس فوقعوا معاهدات الحماية في أبريل عام 1843 مع القائد الفرنسي بودان، كذلك قبل ملك منطقة كوابينز الحماية الفرنسية على أراضيه، وفي يوليو 1844 وقع القائد الفرنسي داريكو معاهدات حماية مع زعماء الجزر وشبه الجزر الواقعة عند روافد الجابون، ومنهم الملك جلاس وبناء على أوامر حاكم السنغال تم بناء حصن فرنسي في الجابون وهو حصن دومال وذلك في 11 يونيو 1843 (2).

على أن توقيع هذه المعاهدات أثار غيرة وحسد ضباط البحرية البريطانية العاملين في ساحل غينيا، فبدأوا في اثارة المتاعب للفرنسيين، وحرضوا الملك على رفض المعاهدة التي وقعها من قبل مع الفرنسيين ولكن فرنسا تمسكت بالمعاهدات التي عقدتها مع الزعماء المحليين في الجابون فقد تزايدت أهمية المنطقة خلال هذه الفترة واعتبرتها فرنسا من أهم قواعدها البحرية على أن تمسك فرنسا بالمعاهدات التي وقعتها لم ينه التنافس بينها وبين بريطانيا في المنطقة فسرعان ما أثيرت مشكلة أخرى بين الطرفين بشأن تجارة الرقيق، وصدرت التعليمات الى الضباط الفرنسيين بمحاربة هذه التجارة ابتداء من السنغال حتى الجابون، ففي نوفمبر 1845 صدرت التعليمات من جوريه في السنغال الى قادة الجابون بضرورة اصدار اعلام رسمي الى سكان الجابون تضمن عدة مواد نصت المادة الأولى منه بأنه على السكان الخاضعين للنفوذ والقوانين الفرنسية عليهم الامتناع عن تجارة الرقيق وعن التجاري مع التجار البرازيليين، ونصت المادة الثانية من الاعلام على أن يقوم قائد حصن دومال بتعريف الزعماء المحليين بأخطار هذه التجارة وضرورة منعها في أراضيهم وابلاغهم أنها محرمة قانونا. وأن الفرنسيون سوف يحاولون تعويض هؤلاء الزعماء عن الاسرى من الرقيق عن طريق الاستفادة منهم بدلا من بيعهم، ونصت المادة الثالثة على قائد حصن دومال اعطاء الحرية التامة للتجارة الشرعية، وحرية اقامة المنشآت للاوروبيين ولكن بشرط أن تكون هذه المنشآت خاضعة للحماية الفرنسية وتحت اشراف فرنسا. ونصت المادة الرابعة على معرفة الجهة التي يقصدها تجار الرقيق، ومعرفة المنشآت التي تتاجر في هذه التجارة والعمل على تدميرها، كذلك اكد الاعلام على ضرورة مصادرة السفن التي تصل الى الجابون ولا تحمل أوراق رسمية ونصت المادة الخامسة على ضرورة مراقبة التجار البرازيليين ومنعهم من التجارة اذ شكل هؤلاء التجار خطرا كبيرا لنشاطهم في هذا المجال (1).

وقد تعقب الضباط البريطانيون بدورهم تجار البرازيل لمنعهم من تجارة الرقيق وترتب على ذلك توتر العلاقة بينهم وبين الفرنسيين لأن عملية مطاردة تجار الرقيق تمت في بعض الأحيان بدون الحصول على اذن مسبق من السلطات الفرنسية وتوغل الضباط البريطانيون في أراضي اعتبرتها فرنسا تابعة لها ولذلك أرسل الكونت انولير الى اللورد ابردين في عام 1846 يشكو تصرفات هؤلاء الضباط وذلك منهم القائد البريطاني بوسنكيه قائد السفينة ألرت الذي قام بعدة عمليات عسكرية في الجبون أثناء مطاردته للتجار البرازيليين دون استئذان السلطات الفرنسية، كذلك رفض أوامر التحية للعلم الفرنسي (2).

وقد خشيت الحكومة البريطانية من توتر العلاقة بينها وبين فرنسا ولذلك قامت بمساءلة الكابتن بوسنكيه لتوضيح موقفه أمام الحكومة الفرنسية (3).

وقد دافع بوسكنيه عن موقفه بأنه تلقى معلومات عن وجود تجار رقيق في المنطقة وأكد أن العمليات العسكرية التي قام بها ضدهم كانت على بعد خمسة أميال من منشآت فرنسية في الجابون وعلل تصرفه بأنه علم بوجود شحنة كبيرة من الأرقاء على وشك الابحار من الجابون فحاول منعها (1).

وهكذا نلمس حرص فرنسا على التمسك بالجابون ومنع أي دولة اوروبية اخرى من أن يكون لها نفوذ فيها، واكتسبت المنطقة أهمية جديدة بالاضافة الى كونها قاعدة بحرية وذلك عند انشاء مدينة ليبرفيل عام 1849 على غرار فريتاون وقد بدأ الفرنسيون في انزال العبيد المحررين على الساحل منذ عام 1848 واصبحت ليبرفيل محطة هامة لتموين السفن الفرنسية بما تحتاج اليه وخاصة الفحم (2).

وخلال عهد حكومة الامبراطورية الثانية اتبع الفرنسيون سياسة أكثر نشاطا في المنطقة فتزايدت البعثات العلمية والاستكشافية والتنصيرية وفي 1875-1859 استطاع بول دي شيلو اكتشاف نهر اوجوية والتعرف على روافده ودون ملاحظاته في كتاب قيم، وفي عام 1862 اعلن الأدميرال ضم بنجوار الواقعة على الضفة الشمالية للجابون وتم رفع الاعلام الفرنسية عليها (3).

رغم اهتام حكومة الامبراطورية الثانية بالجابون الا أنه ظهرت خلال الستينات من القرن التاسع عشر فكرة تدعو الى مبادلة الجابون مع بريطانيا في مقابل حصول فرنسا عل غمبيا وكان من أنصار هذا الرأي فيدهرب حاكم السنغال وكتب مذكرة الى الامبراطور نابوليون الثالث وقد استند في رأيه عن أن من مصلحة فرنسا التوسع جنوبا من السنغال وضم أراضي غمبيا ولكن الحكومة البريطانية رفضت التخلي عن غمبيا واثيرت الفكرة مرة أخرى في الثمانينات من القرن التاسع عشر عندما بدأت بريطانيا تسعى لتكوين حزام من الأراضي يمتد من ساحل غمبيا ويسير جنوبا حتى الجابون ففكر بعض الساسة البريطانيون في امكانية ضم الجابون ولكن كان من الصعب على الفرنسيين في ذلك الوقت التخلي عنها لتزايد أهميتها كذلك لتزايد أهمية ساحل غمبيا (1).

على أن هذا النشاط الفرنسي المكثف في الجابون خلال عهد الامبراطورية الثانية سرعان ما تعرض للتقلص والانهيار بسبب نشوب الحرب السبعينية مما أدى الى هجر فرنسا لمنشآتها في الجابون، وفي ساحل غينيا وساحل العاج والعبيد ولكن سرعان ما بدأت فرنسا تستعيد نشاطها في المنطقة مرة أخرى ولكن بصورة أكثر عمقا عن السنوات السابقة (2).

وجدير بالذكر أن بريطانيا خلال فترة السبعينات من القرن التاسع عشر فكرت في مد نفوذها جنوب ساحل غينيا أي من لاجوس حتى المنشآت الفرنسية في الجابون واستندت على سبب هام وهو انسحاب فرنسا من تلك المنطقة وهجر منشآتها ورغم وجود مشجعين لهذه الفكرة الا أناه لقيت معارضة من قبل بعض الساسة البريطانيين لأنهم رأوا أن تدعيم السيطرة البريطانية على هذه الرقعة الكبيرة الممتدة من لاجوس حتى الجابون سيؤدي الى ارهاق ادارة ساحل الذهب التي تركزت فيها ادارة ساحل العاج (3).

عادت فرنسا الى الجابون أكثر نشاطا ووطدت نفوذها من جديد في ساحل العبيد وساحل العاج واستعادت منشآتها في تلك المناطق منذ عام 1879 (4).

كان نشاط دي برازا في الجابون من أهم العوامل التي ساهمت في تعديم السيطرة الفرنسية عليها ورغم ان اسم دي برازا يقترن بالكونغو الفرنسي الا أنه بدأ عمله في المنطقة في الجابون أولا واستطاع دي برازا الوصول الى نهر اوجويه خلال عشرين شهرا كشف عن 70 كم من النهر وتعرف على المنابع العليا فيه، وذلك في عام 1876، كما نجح دي برازا في تأسيس مدينة فرانسفيل، وعاد الى فرنسا عام 1878 ثم ما لبث أن عاد الى المنطقة موفدا من الشعبة الفرنسية للجمعية الأفريقية عام 1879 ولكن في هذه المرة ركز جهوده صوب الكونغو (1).

ويرجع السبب في تركيز نشاط دي برازا في الكونغو أنه أكد أن نهر الجابون لا يساعد كثيرا على التوغل في داخل القارة للتوسع وأن نهر الكونغو يتيح لفرنسا فرصة أكبر للتوسع في المناطق الداخلية ولكنه أد على أهمية الجابون كقاعدة بحرية هامة (2).

والواقع أن قادة الجمهورية الثانية انتهجو سياسة توسعية في أفريقيا وحرصوا على ربط السنغال بالنيجر واكتشاف الأراضي الداخلية لداهومي وساحل العاج مع تحقيق الاتصال بينهما وبين النيجر والعمل على ربط غرب أفريقيا بكل من شمال أفريقيا وأفريقيا الاستوائية ومد النشاط الفرنسي من البحر المتوسط حتى الكونغو وقد تحققت هذه السياسة بالفعل (3).

كثف الفرنسيون نشاطهم في الجابون باعتبارها مفتاح أفريقيا الاستوائية ونظرا لتزايد أهميتها لم تعد تابعة للسنغال ونما انفصلت عنها عام 1881 وأصبحت هي بدورها قاعدة هامة ومركزا رئيسيا للانطلاق نحو المناطق الداخلية وحلت ليبرفيل محل داكار في ادارة المنطقة (4).

وفي عام 1883 بلغ عدد المراكز الفرنسية الممتدة على طول وادي اوجويه حوالي عشرين مركز ووقعت معاهدات مع القبائل الوطنية في المنطقة (5).

ونجح دي برازا في تحقيق هدفه في الجابون اذ تكونت جمعية اعالي اوجويه كانت مهمتها الأساسية هي التوسع في أعالي هذا النهر ولفتح طريق من مصب الكونغو الى اعالي النيل والافادة من المنطقة من الناحية التجارية (6).

وهكذا حقق الفرنسيون هدفهم في الجابون ودعموا مركزهم فيها لكي يتمكنوا من التوغل في المناطق الداخلية.


الكونغو الفرنسي

أما الاقليم الثاني من أقاليم أفريقيا الاستوائية التي اهتمت فرنسا بالسيطرة عليه فهو الكونغو الأوسط أو ما عرف بالكونغو الفرنسي. وفي الواقع أن فرنسا لم تكن الدولة الوحيدة المهتمة بهذه المنطقة فالملك ليوبولد ملك بلجيكا كانت له أطماع استعمارية في القارة الأفريقية وخاصة في الكونغو، فقد أدرك أو اوروبا ليست الميدان الصحيح لنشاطه وأن أفريقيا هي الميدان الذي يمكنه من تحقيق أحلامه التوسعية (1).

ووضع ليوبولد نصب عينيه هدفا هاما وهو تكوين مستعمرة بلجيكية في الكونغو، وأعلن ذلك أمام البرلمان البلجيكي وبرر سياسته أن بلاده بلاد صناعية وتجارية، وأنه لم يعد أمامه مجال للتوسع في اوروبا، وأن الجهود التي يمكن الافادة منها وتؤتي ثمارها هي في القارة الأفريقية، ولذلك بث دعاية كبيرة عن القارة ساعده في ذلك السياسي البلجيكي الشهير اميل باننج (2)ز

ولكن اهتمام ليوبولد بأفريقيا وبمنطقة الكونغو لم يأت من فراغ فقد سبقه جهود المستكشفين الاوروبيين وخاصة البريطانيين ففي عام 1872 أرسلت الجمعية الجغرافية الكابتن كاميرون الذي وصل الى زنجبار ومنها اندفع نحو المناطق الداخلية من القارة حتى وصل الى نهر اللوالابا وهو أحد فروع نهر الكونغو ونجح كمرون في عقد عدة معاهدات مع الحكام الوطنيين في منطقة الكونغو الأدنى، وفي عام 1875 عاد الى بلاده وأشار إلى أهمية المنطقة وثروتها الطبيعية (3). شجعت كبار الشخصيات في بريطانيا ارسال البعثات التنصيرية والكشفية الى المنطقة ، كذلك شارك في هذا التشجيع كبار رجال الصناعة مثل روبرت ارثنجتون الذي خصص أموالا للبعثات الكشفية والتصيرية في أعالي حوض الكونغو، وأكد أن وصول كمرون الى الوالابا سيفتح الفرصة للبعثات المسيحية للعمل في المنطقة (4).


ورغم اهتمام بريطانيا بمنطقة الكونغو الا أن الفضل الأكبر في القاء الضوء عليها يرجع على ستانلي وهو من أصل ايرلندي عمل لحساب صحيفة النيويورك هيراليد الأمريكية، وبدأ رحلته 1874 وكان الهدف منها الطواف ببحيرة فيكتوريا وبحيرة تنجانيقا، والوصول الى نهر اللوالابا، وأثبت ستانلي في رحلته أن نهر اللوالابا متصل بالكونغو، وفي عام 1877 وصل الى الشلالات التي عرفت باسمه ثم وصل الى المدينة التي عرفت فيما بعد باسم ستانلي بول، وأخيرا تابع رحلته حتى وصل قرب مصب الكونغو عند مدينة بوما. ويرجع أهمية رحلة ستانلي أنها أوضحت شبكة المجاري المائية الأفريقية وكشفت الغموض عن الكثير منها (1).

جذبت جهود ستانلي في الكونغو في الفترة ما بين 1874-1877 أنظار الملك ليوبولد فدعا الى عقد مؤتمر في بروكسل في عام 1876 وكان الهدف من المؤتمر الكشف عن الأقاليم الواقعة في داخل أفريقيا، وخاصة الأقاليم الواقعة بين المحيطين الأطلنطي والهندي، والكشف عن الأقاليم الشمالية والجنوبية بين حدود مصر والسودان في الشمال وحوض الزمبيزي في الجنوب، كذلك ارسال المكتشفين لاقامة المحطات العلمية والطبية لتكون قاعدة للعمليات التوسعية (2). وكذلك العمل على القضاء على تجارة الرقيق المنتشرة في المناطق الداخلية، ووضع حد لها واقامة مراكز لمراقبتها (3).

أسفر المؤتمر عن صدور عدة قرارات منها تأليف الهيئة الدولية لاكتشاف أفريقيا وادخال الحضارة فيها وأكد ليوبولد بعد المؤتمر أن بروكسل ستكون مركز الحركة الحضارية في اوروبا، كما نتج عن المؤتمر تكوين شعبة محلية تابعة للهيئة الدولية فتكونت الشعبة الفرنية على رأسها دي برازا كذلك تكونت الشعبة البلجيكية والتي انبثقت منها لجنة عرفت باسم لجنة دراسة الكونغو الأعلى.

جذب ليوبولد ستانلي للعمل معه فقبل وخاصة بعد أن فشلت جهود الأخير لجذب انتباه الحزب الحاكم في بريطانيا ، وقد أفاد ليوبولد من ستانلي فائدة كبيرة ، فقد عاد الى الكونغو عام 1878 وكان الهدف الأساسي لبعثته، هو فتح طريق المواصلات والملاحة بين الكونغو ومدينة ستانلي بول في الداخل والمناطق الساحلية، ونجج ستانلي في مهمته وأسس عام 1880 عدة محطات في الكونغو باسم لجنة دراسة الكونغو الأعلى كما عقدت المعاهدات مع الزعماء المحليين، وفي عام 1881 أسس مدينة ليوبولد فيل تخليدا لاسم الملك ليوبولد (1).

بعد أن حقق ستانلي نجاحا كبيرا في منطقة الكونغو أصبح هدف ليوبولد هو الحصول على اعتراف بدولة الكونغو الحرة ولذلك حاول اقناع رجال الأعامل البريطانيين بممارسة نشاطهم التجاري في المنطقة، وأكد لهم أن تجارتهم ستكون أكثر أمنا تحت ادارته مما لو كانت تحت ادارة فرنسا أو البرتغال (2).

كذلك سعى لاحتكار تجارة الصمغ والعاج في حوض الكونغو ، مما أثار الشركات التجارية الفرنسية العاملة في الضفة اليمنى لنهر الكونغو (3).

وفي الوقت الذي كان فيه ستانلي يعمل جاهدا لنشر نفوذ الملك ليوبولد على أكبر مساحة من حوض الكونغو ، فعقد مع الزعماء الوطنيين المعاهدات التي تربطهم به حتى قيل أنه عقد ما يقرب من خمسمائة معاهدة، كان دي برازا يعمل على الضفة اليمنى لنهر الكونغو (4).

والواقع أننا لانستطيع الحديث عن الكونغو الفرنسي دون أن نذكر جهود دي برازا في المنطقة لأن اليه يرجع الفضل في اقرار وتدعيم نفوذ فرنسا، وان كانت هناك جهود أخرى بذلت في المنطقة، إلا أنها لم تكن بنفس أهمية جهود دي برازا، فقد عمل في المنطقة من قبل الملازم ايمس الذي تعرف على أجزاء من مصب نهر اوجيه ونجح في عقد المعاهدات مع الزعماء الوطنيين.

وقد عهد الى دي برازا استكمال أعمال الملازم ايمس ولكنه كان على درجة كبيرة من الطموح. فقدم مشروعات الى وزير البحرية والمستعمرات طالب فيه بضرورة اقرار النفوذ الفرنسي في الكونغو وكتب مذكرة بذلك في 23 يناير 1874 قال فيها: "رأيت أثناء وصولي الى الجابون امكانية اكتشاف مجرى نهر اوجويه ولهذا النهر اهمية اقتصادية كبيرة تمكننا من التوغل في المناطق الداخلية للقارة الأفريقية " (1).

وبذلك يمكن أن نقول أن دي برازا افاد من اكتشافاته في نهر اوجويه في الجابون للتوسع في المناطق الداخلية وقد قبل وزير البحرية مشروع دي برازا الذي وصل الى داكار 1875 ومنه اتجه الى الجابون ثم الكونغو وتقدم في المنطقة حتى وصل الى بحيرة اليما وتقع على ضفة الكونغو اليمنى ومنها اتجه ال أراضي جماعات باتيكيه ونجح في التعرف على أجزاء من نهر الكونغو كان ستانلي قد وصل اليها من قبل (2).

عاد دي برازا الى الكونغو مرة ثانية عام 1879 موفدا من قبل جمعية الدراسات الأفريقية لكشف المنطقة الممتدة من الجابون الى تشاد، في الوقت الذي تقدم ستانلي في المنطقة موفدا من قبل الشعبة البلجيكية ولذلك دار سباق بين الطرفين كل منهما يحاول ربط الكونغو بالجهة التي يعمل لحسابها (3)ز

نجح دي برازا في عقد المعاهدات مع الزعماء الوطنيين لقبول السيطرة الفرنسية وأسس قرب مصب الكونغو على الضفة اليمنى محطة لخدمة أغراض الفرنسيين في المكان الذي أطلق عليه اسم برازافيل تخليدا لذكراه (4).

على أن أهم نجاح حققه دي برازا هو أنه استطاع الاتفاق مع الملك ماكوكو الذي تقع بلاده بين قرية ننتشو الواقعة على نهر الكونغو وبين ممبه في الداخل. وترجع أهمية الاتفاق مع ماكوكو انه كان له نفوذ كبير على جماعات باتيكية التي تقع على الضفة اليمنى للنهر، كذلك كان له سيطرة على المناطق الداخلية، وقد تقابل دي برازا مع مبعوث الملك ماكوكو الذي أطلعه برغبة الملك في توطيد عرى الصداقة مع الفرنسيين فقاد دي برازا بنفسه بزيارة الملك ونجح في اقناعه بتوقيع معاهدة حماية في 10 سبتمبر 1880 تنازل بمقتضاها عن الأراضي الواقعة شمال محطة برازفيل وعن منطقة نيومبي وقبل رفع العلم الفرنسي على أراضيه (1).

كذلك وقع دي برازا معاهدات حماية مع الزعماء المحليين الذين تقع أراضيهم قرب أملاك الملك ماكوكو وأسس محطة فرنسية في ضفة كيلا (2) ثم أسس دي برازا محطة ثالثة في اليما، ويبدو أن مهمة دي برازا في هذه المنطقة لم تكن ميسرة اذ رفض سكان اليما انشاء محطة في أراضيهم ولكنهم سرعان ما اضطروا لقبول الأمر الواقع، ولذلك وصفهم دي برازا في تقاريره بالوحشة، ولكنه في الوقت نفسه دعا حكومته لتوطيد الصلات معهم، كما أرسل الى المنطقة الكابتن فرومان في نوفمبر 1885 لدراسة السكان وعادتهم وتقاليدهم (3).

وهكذا في خلال عامين من وصول دي برازا الى الكونغو حصل لفرنسا على مساحات شاسعة من الأراضي واسس العديد من المحطات الفرنسية لتدعيم النفوذ الفرنسي بالاضافة الى تدوينه الملاحظات العلمية القيمة وكتابة التقارير التي أفادت منها الحكومة الفرنسية فائدة كبيرة (4).

عاد دي برازا الى فرنسا عام 1882، ووافق البرلمان الفرنسي على المعاهدة التي عقدها مع الملك ماكوكو، ويرجع السبب في موافقة البرلمان الفرنسي أن أعضاء البرلمان كانوا مدفعوين بدافع الحماس الوطني وخاصة بعد احتلال بريطانيا لمصر أكثر من دافع الدراسة السلمية للمزايا الاقتصادية المنتظرة للمعاهدة (1).

كما أحدثت معاهدة ماكوكو رد فعل في عواصم الدول الاوروبية، وخاصة بلجيكا فأعلن الملك ليوبولد عن تخوفه من أعمال دي برازا في المنطقة ودفع ستانلي الى مهاجة بعض المراكز الفرنيسة الواقعة على الضفة اليمنى للكونغو ولكن القوات الفرنسية تصدت لها (2).

كذلك احتج التجار البريطانيون على نشاط دي برازا في الكونغو وحذروا الحكومة البريطانية من تصاعد النفوذ الفرنسي الذي من الممكن أن يؤدي الى عرقلة الملاحة والتجارة في النهر، ورفع أعضاء غرفة مانشستر التجارية مذكرة الى اللورد جرانفيل في 12 نوفمبر 1883 حثوا فيها الحكومة البريطانية على اتخاذ موقف حاسم ازاء التغلغل الفرنسي وطالبوا بانشاء مركز بريطاني على النهر، وذلك لأن القنصلية البريطانيا في لوندا من الصعب عليها مراقبة المنطقة. كما أكدوا على الحكومة بضرورة مراعاة مصالح البريطانيين التجارية (3).

وقد وجهت الحكومة البريطنية التساؤلات للسفير الفرنسي في لندن للتأكد من عدم عرقلة تجارة البريطانيين في المنطقة، ولكن أنصار التوسع البريطاني مثل ماكينون وكيرك (4) لعبوا دورا بارزا في الضغط على الحكومة البريطانية فأكد كيرك خطورة معاهدة ماكوكو التي وقعها دي برازا وأرسل الى اللورد جرانفيل في 19 مارس 1883 مذكرة طالب فيها بضرورة عقد معاهدة بريطانية مماثلة مع الملك ماكوكو تتيج لبريطانيا حرية الملاحة والتجارة في الكونغو (5).

عاد دي برازا الى الكونغو في مهمة علمية، وحصل على لقب مفوض حكومة الجمهورية الفرنسية في الغرب الافريقي، واسفرت بعثته الثالثة 1883 عن التوغل في الكونغو. ونجح في السيطرة على عدة نقاط على الساحل ، وخاصة في بوانت نوار كما عمل علىمراقبة عملاء ستانلي وفتح الطريق بين الما والكونغو. وهكذا يتضح لنا عند انقعاد مؤتمر برلين 1884، 1885 كان دي برازا قد دعم بالفعل السيطرة الفرنسية على الضفة اليمنى لنهر الكونغو، وحصل لفرنسا على مكاسب كبيرة أفادت منها في تأكيد نفوذها عند انعقاد المؤتمر (1).

أرادت بريطانيا أن تثبت وجودها في المنطقة وخاصة بعد نشاط دي برازا المكثف ونشاط ستانلي، فتفاوضت مع البرتغال لعقد معاهدة بينهما في 26 فبراير 1884، اعترفت فيها بأحقية البرتغال في الاستيلاء على اقليم الكونغو بين خطي عرض 8،92 جنوبا، على أن تكفل حرية الملاحة في كل من الكونغو والنيجر وأن تعمل الدولتان سويا على محاربة تجارة الرقيق (2) ولكن ذاع خبر المعاهدة قبل التصديق عليها واحتجت فرنسا على ادعاءات البرتغال في الكونغو وأبلغ ليونز السفير البريطاني حكومته في 23 مايو 1883 أن المسيو لاكور يعارض ادعاءات البرتغال وأن فرنسا لن تعترف بالمعاهدة التي وقعت بين الطرفين، كذلك أثارت المعاهدة بلجيكا فقد أدركت أن المعاهدة تمهيدا لسيطرة بريطانيا على المنطقة، واعترضت الولايات المتحدة الأمريكية عل المعاهدة، أما ايطاليا واسبانيا فلم تعترضا لأن لم تكن لهما مصالح في الكونغو (3) وواصلت فرنسا ضغطها على الحكومة البريطانية واتخذت من المسألة المصرية واحتلال بريطانيا لمصر وسيلة للضغط وقدم جول فري احتجاجا على المعاهدة في مذكرة رفعها الى الحكومة البريطانية في 13 مارس 1884. وقد اقتنعت بريطانيا في نهاية الأمر بضرورة تخليها عن المعاهدة لأن دول اوروبا أيضا لوحت لها بالمسألة المصرية (4).

أصبح واضحا أن الخلاف بين فرنسا وبلجيكا على الكونغو لابد من حله عن طريق مؤتمر دولي وذكر السياسي البلجيكي أميل باننج أن المسألة الافريقية برمتها هي الشغل الشاغل للدول الاوروبية (1)ز وقد سعى بسمارك لعقد مؤتمر برلين لحل مشكلة الكونغو وكان المؤتمر محاولة منه ومن جول فري وزير خارجية فرنسا لاستخدام الكونغو وكان المؤتمر محاولة منه ومن جول فري وزير خارجية فرنسا لاستخدام الطرق الدبلوماسية لاقتطاع القارة، وحضر المؤتمر الدول الاوروبية المعنية بالقارة ولعب بسمارك دورا هاما في الموازنة بين هذه الدول (2). واذا كان المؤتمر قد عقد أساسا لبحث مشكلة الكونغو الا أنه ما لبث أن امتد ليشمل عدة مشكلات وتم فيه التوصل الى اتفاقات هامة تلتزم بها الدول الاوروبية (3). على أن أهم ما أسفر عنه المؤتمر هو أن الدول الاوروبية تكتلت ضد الاتافق البريطاني البرتغالي، اذ أدركت أن بريطانيا تريد اعطاء الكونغو للبرتغال كخطوة تمهيدية لتصفية ممتلكاتها ووضع يدها عليها. كما اعترفت الدول الاوروبية بدولة الكونغو الحرة (4).

سعت فرنسا لتحديد الحدود بين دولة الكونغو الحرة وبين مناطق نفوذها على الضفة اليمنى للنهر فدارت المفاوضات بين الدولتين الى أن تم في النهاية تحديد الحدود فيما بينهما. وقد أرسل رئيس الهيئة الدولية للكونغو الى وزير الخارجية الفرنسي يؤكد تمسك الهيئة ببعض المناطق مثل وادي نيادي-كويلو ولكن بعد عدة مراسلات بين رئيس الهيئة الدولية للكونغو وجول فري قرر الطرفان ضرورة تبادل المذكرات فيما بينهما تمهيدا لتحديد الحدود (5).

تم الاتفاق بين فرنسا والهيئة الدولية على اعتبار الفواصل الطبيعية حدا وخطا للفصل بين ممتلكات كل منهما. كذلك تم تكوين لجنة للقيام بعملية تحديد الحدود، وطالب الجانب البلجيكي بضرورة اعتراف فرنسا بعلم الهيئة الدولية للكونغو وتم توقيع اتفاق في 12 مارس 1885 (1).

ورغم هذه الاتفاقات الا أنه حدث خلاف بين الدولتين بشأن اقليم مايونجا كان أن يؤدي الى توتر الموقف بينهما، ولكن أمكن التوصل الى اتفاق بشأن تحديد الحدود في هذا الاقليم، وذلك في 22 نوفمبر 1885 وبذلك تم حصر الخلاف فيما بينهما (2).

على أن أهم اتفاق عقد بين الجانبين كان معاهدة 29 أبريل 1887 تعهدت فيها دولة الكونغو الحرة على أن يكون نهر الاوبانجي وهو فرع من فروع الكونغو الغربي هو الحد الفاصل بين الحدود الفرنسية وحدود دولة الكونغو الحرة واعتبرت المنطقة الواقعة شمال الاوبانجي تابعة لفرنسا، والمنطقة الواقعة جنوبا تابعة لدولة الكونغو الحرة، كذلك تعهدت دولة الكونغو الحرة بعدم التدخل في الشئون السياسية للضفة الشمالية للاوبانجي وتعهدت فرنسا أيضا من جانبها بعدم التدخل في أي عمل سياسي في الضفة الجنوبية للاوبانجي (3).

ومن المعروف أن الملك ليوبولد تنازل عن جميع حقوقه في الدولة الكونغو الحرة وأعلن تسليمه لبلجيككا بعد وفاته. وقد أثار ذلك مخاوف الحكومة الفرنسية فطلب وزير الخارجية الفرنسي ربيو من بوريه السفير الفرنسي في بروكسل في 12 يوليو 1890، أن يؤكد على الحكومة البلجيكية أنه في حالة تسلمها دولة الكونغو الحرة بعد وفاة ليوبولد، عليها الالتزام بالاتفاقيات المعقودة بين الطرفين 1884-1885 بخصوص تحديد الحدود بينهما (1). وقد أكدت الحكومة البلجيكية كذلك أكد رئيس الهيئة الدولية للسفير الفرنسي التزام الهيئة والحكومات بالمعاهدات السابق عقدها بين الطرفين (2). وأعلنت الحكومة البلجيكية بأنها تريد وتسعى لحسن الجوار مع فرنسا في الكونغو فهما في اوروبا دولتان متجاورتان ولذلك فمن الضروري أن تتسم علاقات الدولتين في افريقيا ايضا بالتفاهم وحسن الجوار (3).

واذا كانت فرنسا قد سعت لتسوية حدودها مع بلجيكا فأنها سعت أيضا لتسوية حدود الكونغو الفرنسي مع البرتغال فعقدت اتفاقا في 17 مايو 1885 لتحديد الحدود الشرقية للكونغو بين كابندا البرتغالية تنازلت فيه البرتغال عن الضفة اليمنى عند شيلوانجو (4).

كذلك عقدت فرنسا مع ألمانيا اتفاقا في 24 ديسمبر 1885 لتحديد الحدود بين الكونغو الفرنسي، والكاميرون الألماني (5). ورغم توقيع هذا الاتفاق الا أن الألمان عملوا على مد نفوذهم من الكاميرون صوب حدود الكونغو الفرنسي ونجح نختيجال الألماني في رفع العلم الألماني على مدينة دوالا على الساحل قرب مصب نهر سنجا وهو من روافد الكونغو وأعلن بسط الحماية الألمانية على هذه الجهات فندلع خلاف حاد بين الدولتين على أساس أن الفرنسيين عقدوا في منطقة سنجا العديد من معاهدات الحماية مع الزعماء المحليين وظل الخلاف قائمة بين الدولتين حتى بدأت فرنسا تتجه لمد نفوذها على مراكش في شمال أفريقيا فوقفت ألمانيا في وجه الأطماع الفرنية وتمثل ذلك في حادثة أغادير الشهيرة عام 1911 ولكن توصلت الدولتان في النهاية الى اتفاق وافقت فيه ألمانيا على اطلاق يد فرنسا في مراكش مقابل تنازل فرنسا لألمانيا عن بعض الأراضي وبموجب هذا الاتافق وسعت ألمانيا مستعمراتها في الكاميرون شرقا فوصلت الى نهر اوبانجي والساحل الشمالي للجابون وضمت بذلك حوض نهر سنجا وهو طريق مائي ورافد من روافد الكونغو الهامة وبذلك وضعت ألمانيا يدها على منطقة غنية في أفريقيا الاستوائية الفرنسية (1).



اوبانجي تشاري

أما الاقليم الثالث الذي سعت فرنسا لدعم سيطرتها عليه فهو اقليم اوبانجي- تشاري (أفريقيا الوسطى حاليا). والواقع ان اهتمام دي برازا بكشف روافد الكونغو هو الذي أدى الى الكشف عن منطقة اوبانجي تشاري فقد اهتم لفنجستون بالكشف عن نهر سنجا، وهو من روافد الكونغو اليمنى يصب بالقرب من الاوبانجي أمام منطقة بدلتا كبيرة، وقد أدى اكتشاف دي برازا لهذا الرافد الى اثارة فضوله للتقدم شمالا واكتشاف المنطقة، فوصل الفرنسيون الى قاليم كبير مجهول بالنسبة اليهم يقع بين تشاد في الشمال والاوبانجي في الجنوب وشاري في الشرق والكاميرون في الغرب (2).

وقد أصبح اقليم اوبانجي-تشاري ضمن اقاليم أفريقية الاستوائية منذ عام 1894 واقرب طريق له الى البحر عن طريق الكاميرون ويجري في الاقليم أعالي نهر شاري، وروافده العديدة التي تنبع من خط تقسيم المياه بين النيل والكونغو وتصب هذه الروافد في نهر الاوبانجي (3).

وجدير بالذكر أن هذا الاقليم بحكم موقعه بين تشاد والسودان والكونغو والكاميرون كان ملتقى الهجرات ، كما أنه تبع الممالك الاسلامية التي ظهرت في المنطقة فخضعت أجزاؤها الشمالية والشمالية الشرقية للمالك الاسلامية التي قامت في منطقة تشاد وفي غرب الوسدان كما وصل اليه الدعاة السنوسيين قادمين من ليبيا (4)ز

اهتم دي برازا بارسال البعثات الكشفية الى منطقة اوبانجي-تشاري، وفي عام 1889 تم بناء ميناء بانجي على الضفة اليمنى لنهر الاوبانجي، وعمل دي برازا على فتح الطريق بين الاقليم وتشاد، وساعده على تحقيق هدفه أن لجنة أفريقيا الفرنسية التي تكونت في باريس 1890، عملت على ارسال المكتشفين الى المنطقة وخصصت ميزانية لهذا الغرض – وفي عام 1890 توغل كرامبل من بانجي حتى دار الكوتى (1).

كذلك تجول القائد الفرنسي كلوزيل في المنطقة حتى وصل الى حوض بحر سارا، وقام فورنو بالتجول في المنطقة الواقعة من حوض نهر سنجا الى ليبرفيل – أما كازمير فقد ارسل في بعثة الى الاوبانجي فاتجه نحو الشمال الغربي ووقع معاهدة مع زعماء بحر سارا ثم وصل الى بنوى ويولا (3). على أن كل تلك الجهود كللت بالنجاح عندما وقع دي برازا معاهدات حماية عام 1891 على المنطقة الواقعة شرق الاوبانجي وسنجا واعتبرت هذه المناطق تحت السيادة الفرنسية (3).

على أن أهم البعثات التي أرسلت الى المنطقة كانت بعثة ميزون الذي دعا الى ضرورة تدعيم الاتصال بالساحل الغربي الافريقي والكونغو الاوسط واكتشاف الاقاليم الداخلية (4) وقد تجول ميزون بين بنوى وتشاد وصل الى نهر سنجا في 29 يناير 1892 وأعلن أنه يمكن ربط النيجر وبنوى وسنجا والكونغو الفرنسي وتحقيق الاتصال بينهم (5).

والواقع أن تدعيم السيطرة الفرنسية على اقليم اوبانجي-تشاري لم يقابله مقاومة وطنية عنيفة أو مقاومة منظمة على نحو ما حدث في تشاد مثلا، ولكن هذا لا يعني عدم وقع بعض المصادمات بين القوى الوطنية والفرنسيين. ففي عام 1890 قتل الوطنيون قائد مركز بانجي ويدعى موسى، وفي عام 1892 قتل القائد الفرنسي دي بوميراك عند منطقة ابيرا وهي أحد روافد نهر موبومو (1)ز

والواقع أن سيطرة فرنسا على هذا الاقليم لم تتم عن طريق غزو عسكري كبير وحملات عسكرية، كما حدث في تشاد أو في معظم مناطق غرب أفريقيا، ولكن كان على فرنسا أن تخوض عدة معارك سياسية كبيرة مع الدول المنافسة لها في المنطقة، فعقدت عدة تسويات مع كل من المانيا وبلجيكا ليخلص لها الاقليم في النهاية. فقد واجهت فرنسا خطورة تقدم الالمان في المنطقة وخاصة من مستعمرتهم في الكاميرون ووصلت البعثات الألمانية الى الاوبانجي وأسست المحطات والوكالات منذ عام 1886. وقد ساعد على نشاط هذه البعثات تأسيس لجنة أفريقية الألمانية في بريلن عام 1885 والتي عملت على تشجيع كشف أفريقيا. وقد رفع أعضاء اللجنة في 19 يناير 1886 مذكرة الى الحكومة الالمانية طالبوها بضرورة انشاء المراكز الألمانية المجاورة له وبسط السيادة الالمانية من الكاميرون حتى الاوبانجي. كذلك دعا الدكتور زنتجراف المكتشف الألماني الى ضرورة تقدم ألمانيا من الكاميرون وضم مزيد من الأراضي (2).

ولكن الحكومة الالمانية رفضت في ذلك الوقت المبكر فكرة ارسال بعثات كشفية في مناطق مجهولة لها تماما، إلا أن هذا الرفض لم يمنع الحكام الألمان في الكاميرون من ارسال البعثات، ففي عام 1887 وصل كل من الكابت كوند والملازم تانبنك الى حوض الكونغو وفي عام 1889 تقدوم مورجن نحو الشرق وفي الواقع أن هذه البعثات لم تحرز تقدما كبيرا في المنطقة ولم يكن لها نتائج سياسية تذكر (3).

أرادت بريطانيا قطع الطريق على فرنسا ومنعها من الامتداد والتوسع في منطقة اوبانجي – تشاري فعقدت في 15 نوفمبر 1893 اتفاقا مع ألمانيا حدد الحد الغربي لمستعمرة الكاميرون سمح للألمان بالامتداد نحو تشاد (1).

وقد سبب ذلك حرجا لموقف فرنسا فقد حددت فرنسا حدود الكاميرون الجنوبي مع ألمانيا وفقا لمعاهدة 24 ديسمبر 1885، ولكن ظل الحد الشرقي مفتوحا وان كانت المادة الرابعة من الاتفاق قد تضمنت بأن النفوذ الألماني سوف لا يمتد شرقا أبعد من حوض نهر شاري ودافور وكردفان وبحر الغزال، ولذلك كان لابد أن تتوصل فرنسا لعقد اتفاق ثاني مع ألمانيا لتحديد الحدود الشرقية لمستعمرة الأقاليم التي خضعت لفرنسا فتم توقيع اتفاق 15 مارس 1894 الذي اعتبر نصرا كبيرا لفرنسا اذ أنه في مقابل بعض الامتيازات البسيطة للالمان وافقوا على تحديد الحد الشرقي للكاميرون مما ترك لفرنسا حرية التوسع في الشمال حتى بحيرة تشاد وفي الشرق. وقد اثار هذا الاتفاق غضب بريطانيا فحاولت الدس بين الألمان والفرنسيين ولكن دون جدوى فقط أرسلت الحكومة الفرنسية الكابتن مونتي الى برلين للتفاوض وسارت المحادثات في جو جودي، وفي 4 فبراير تم التوصل الى الاتفاق الذي وقع في 15 مارس 1894 (2).

ولتدعيم السيطرة الفرنسية في منطقة اوبانجي تشاري كان لابد من الوصول الى اتفاق مع بلجيكا أيضا نظرا لأطماعها في المنطقة.

فقد أرسل دي برازا ليوتار في ابريل 1890 وكان قد قام بكشوف في الجابون ليوطد النفوذ الفرنسي في أعالي الاوبانجي والمناطق المجاورة ولكن تكون هذه الأراضي مدخلا للفرنسيين إلى النيل (3). وفي 5 فبراير 1891 كتب دي برازا الى ليوتار بأنه لابد من العمل تجاه الشمال الشرقي والامتداد نحو أعالي النيل ولم يكن مع لوتار قوة صغيرة من الجنود السنغاليين(4) . هذا في الوقت الذي ابدى فيه الملك ليوبولط نشاطا كبيرا لمد نفوذه من الكونغو الى أعالي النيل. ولذلك أرسل قوة بلجيكية بقيادة فان كركهوفن وصلت في أكتوبر 1892 الى النيل عند دولاي، وصلت حملات البلجيكيين الى الشاطي الأيمن لنهر اولى الذي يعتبر امتدادا لنهر الاوبانجي (1), ولذلك فتحت فرنسا باب المفاوضات مع بلجيكا لتحديد النفوذ بين نهري اولي والموبومو وهما الفرعان اللذان يتفرع اليهما الاوبانجي في أعاليه وفي النهاية عقدت اتفاقية اعترف فيها بأن يكن الحد هو نهر شنكو وخط عرض 7 شمالا، وفي مقابل هذا الامتياز يبدو أن ليوبولد كان موافقا على أن يقسم مع الفرنسيين المنطقة الواقعة على الجانب الغربي من النيل الأعلى حيث تحصل دولة الكونغوالحرة على المنطقة الواقعة في الشمال حتى لادوويترك الباقي للفرنسيين ورغم موافقة المسيو ربيووزير الخارجية الفرنسي على التسوية الا أنه رفضها بضغط من الفريق الاستعماري في مجلس النواب (2).

ثم توتر الموقف بين الطرفين عندما عقدت حكومة الكونغو الحرة في 12 مايو 1893 اتفاقا مع بريطنيا سمحت فيها الأخيرة لبلجيكا بتأجير منطقة كبيرة من بحر الغزال تقع بين خطي غرض 30، و25 شرقا وخطي عرض 10، 14 شمالا – كذلك أجر الملك ليوبولد ولمدى الحياة المنطقة الواقعة على الشاطر الأيسر للنيل عند ماهاجي على الشاطئ الغربي لبحيرة ألبرت الى فاشودة وفي مقابل ذلك أجرت دولة الكونغو الحرة لبريطانيا شريطا من الارض يمتد من بحيرة ألبرت حتى بحيرة تنجانيقا، أي أنه بمقتضى هذا الاتفاق تنازلت بريطانيا لدولة الكونغو الحرة عن نصف حوض الاوبانجي وكل بحر الغزال (3).

اعتبرت فرنسا الاتفاق البلجيكي البريطاني مناقشا للاتفاقات الدولية كما أنه يعرض مصالح الفرنسيين في منطقة الاوبانجي العليا للخطر كما أن فيه اعتداء على حقوق مصر السيادية والسيادة على بحر الغزال والمديرية الاستوائية وهددت فرنسا باستخدام القوة وأرسلت حملة بقيادة الكولونيل مونتي لطرد البلجيكيين من الاوبانجي العليا (4).

وفي الوقت نفسه لجأت الى استخدام أسلوب الاحتجاج ضد كل من بلجيكا وبريطانيا وخاصة بعد تأكدها من توقيع الاتفاق السابق بين الطرفين وأنه أصبح ساري المفعول (1) كذلك حاولت فرنسا التقرب من ألمانيا فأرسل المسيو هربت السفير الفرني في برلين الى كزمير وزير الخارجية الفرنسي في 27 مايو 1894 يخبره بضرورة مقاومة الاتفاق البريطاني البلجيكي ، مذكرا اياه بأن فرنسا وألمانيا قد نجحتا من قبل في الغاء المعاهدة البريطانية البرتغالية التي عقدت في عام 1884 وأن الدولتين في الوقت الحالي بامكانهما الضغط على بلجيكا وبريطانيا لمنع تنفيذ اتفاق 12 مايو (2).

كذلك لم تكتف فرنسا بإغراء ألمانيا بالتحالف معها وانما وجهت اتنتقادا الى دولة الكونغو الحرة فارسلت مذكرة الى الكونت دي جريل روجيه وكيل وزارة شئون الخارجية لدولة الكونغو الحرة نددت فيها بالاتفاق المعقود بين بريطانيا ودولة الكونغو الحرة وأكدت ضرورة تمسك دولة الكونغو الحرة بالاتفاقيات السابقة المعقودة بينها وبين فرنسا كما أوضح المذكرة الوضع الدولي للاقاليم الواقعة في حوض وأعالي النيل ودعت دولة الكونغو الحرة الى عدم نسيان هذا الوضع (3).

وقد حرصت فرنسا على ارسال الاحتجاجات على المعاهدة المعقودة بين بريطانيا ودولة الكونغو الحرة الى لندن والى بروكسل (4) وأكدت بأن المنطقة التي سيمتد اليها نفوذ بلجيكا انما هي تعتبر أملاك تابعة للخديوي في مصر وللدولة العثمانية (5).

ولكن رغم كل هذا النشاط الدبلوماسي المكثف لفرنسا وسلسلة الاحتجاجات التي ارسلتها عن طريق سفرائها الى معظم عواصم الدول المعنية الا أن السفير الفرنسي في بروكسل أكد لحكومته بأن الملك ليوبولد لن يستطيع المضي قدما في هذا الاتفاق فهو يعتمد على ثروته الخاصة وسوف يجد نفسه في النهاية عاجزا عن مواصلة جهوده في أفريقيا وعن مواصلة ارسال البعثات والمستكشفين، وأن المستقبل لفرنسا لأن ليوبولد سيصل الى مرحلة لن يستطيع تخطيها. ودعا السفير الفرنسي بلاده الى شن مزيد من الحملات في الصحف ضد الملك ليوبولد شخصيا، وبالفعل شنت الصحف الفرنيسة سلسلة من الحملات ضد ليوبولد وشبهته بالقياصرة (1).

والواقع أن الضغط الفرنسي قد أثمر فقد أصدرت بريطانيا بالاتفاق مع ليوبولد تصريحا في يونيو 1894 يتضمن الغاء المادة الثالثة من الاتفاق البريطاني البلجيكي يمتد من تنجانيقا حتى بحيرة ألبرت (2). ومن أسباب معارضة فرنسا لهذا الاتفاق أنها أيقنت أنه كان ضمن مخططات الاستعماري الكبير سييسل رودس لربط شمال القارة بجنوبها وأنه تمهيد لتحقيق هذا المشروع (3).

وأخيرا عقد اتفاق 14 اغسطس 1894 بين فرنسا ودولة الكونغو الحرة اعترفت بلجيكا بالنفوذ الفرنسي بين فرعي الاوبانجي موبومو وولي – وأن يكون لفرنسا حقوقا سياسية في موبومو (4) وتنازل ليوبولد عن فكرة احتلال منطقة بحر الغزال ليبقى الميدان مفتوحا أمام الفرنسيين ومن ناحية أخرى تركت فرنسا لدولة الكونغو الحرة استئجار منطقة اللادو (5).

على أن فرنسا حاولت الاستفادة فيما بعد من تواجدها في المنطقة لمد نفوذها الى حوض النيل الا أن بريطانيا وقفت لها بالمرصاد وتمثل ذلك في حادثة فاشودة الشهيرة 1898 التي استبعدت فيها فرنسا نهائية من أعالي النيل، كذلك فشلت في ربط ممتلكاتها الواقعة في غرب القارة بممتلكاتها في شرق القارة. رغم المساعدات التي حصلت عليها حملة مارشان من لاجارد حاكم الصومال الفرنسي ومن الملك منليك ملك الحبشة (1) وهكذا سيطرت فرنسا على اقليم اوبانجي تشاري بواسطة سلسلة من المعاهدات ولكنها رغم ذلك لم تنجح في مد نفوذها منه الى منطقة أعالي النيل.

تشاد

أما تشاد فهو الاقليم الرابع الذي وضعت فرنسا يدها عليه لتستكمل تكوين افريقيا الاستوائية الفرنسية، كما أن تشاد كانت تمثل نهاية للتوسع الفرنسي وللحملات العسكرية القادمة من السنغال. تميل أرض تشاد بشكل عام نحو الجنوب الغربي، يدل على ذلك اتجاه المياه من مختلف الجهات نحو بحيرة تشاد التي أخذت البلاد اسمها وتتقاسم تشاد هذه البحيرة مع كل من النيجر ونيجريا والكاميرون، ويجري في تشاد كل من نهر تشاري الذي ينبع من أفريقيا الوسطى، كذلك نهر لوجون الذي شكل خط الحدود بينها وبينا الكاميرون (2).

ذكرنا من قبل أن التوسع الفرنسي في الكونغو الأوسط واوبانجي تشاري والكونجو اتسم الى حد ما بالهدوء النسبي اذا ما قورن بحركات المقاومة الوطنية التي واجهتها فرنسا أثناء توسعها في غرب أفريقيا وكوين ما عرف بأفريقيا الغربية الفرنسية حيث واجهت فرنسا مقاومة عنيفة وخاصة من قبل الممالك الاسلامية في هذه المناطق والتي أعلن معظمها الجهاد ضد الفرنسيين، ولعل تشاد كانت الوحيدة ضمن اقاليم افريقيا الاستوائية التي قدر لها أن يظهر فياه حركة جهاد أقاليم أفريقيا الاستوائية وتزعم حركة الجهاد ضد الفرنسيين فيتنشاد رابح الزبير الذي كون دولة إسلامية في حوض نهر شاري ونجح في نشر الاسلام بين الجماعات الوثنية في المنطقة.

كما أن فرنسا حققت أهدافها في غرب أفريقيا، ونجحت في اكتساح الاقاليم الواقعة بين السنغال والنيجر، ودمرت في سبيل تحقيق هدفها العديد من الممالك والدول، ولاتمام هذا النجاح العسكري كان لابد من تدعيم السيطرة الفرنسية على بحيرة تشاد وما حولها، ورغم أن تشاد دخلت فيما بعد ضمن منطقة افريقيا الاستوائية الفرنيسة غلا أننا لابد من الحديث عنها لأنها فرنسا اثناء توسعها شرقا استتبع ذلك الاستيلاء على الكثير من الاراضي فيما بين النيجر وتشاد مثل زندو ونيامي وغيرها من الاراضي التي كونت فيما بعد جمهورية مالي.

وقد ترتب على الامتداد نحو تشاد ضرورة اصطدام الفرنسيين برابح الزبير الذي كان لا يقل صلابة عن غيره من الزعماء الأفارقة الذين اصطدمت بهم فرنسا من قبل. وقد تضاربت الأقوال في حقيقة نسب رباح الزبير (1) وان كان من الأرجح ما كتبه عنه القائد اميل جنتيل انه كان ابنا لاحد ملوك القبائل التي استوطنت حوص بحر الغزال وقد نشأ نشأة حربية خالصة فشارك أباه وهو لازال صغيرا في المعارك التي خاضها ضد القبائل المجاورة حتى لقى والده مصرعه (2).

وقبل أن نتحدث عن رابح لازبير ينبغي أن نذكر بأن القبائل العربية استقرت في تشاد وانتشر الاسلام بين السكان وان احتفظت بعض القبائل بصفاتها ولم تختلط بغيرها، وانعزلت في بعض المناطق الجبلية مثل قبائل السارا ومن أشهر القبائل العربية بيلي والتيبو ويندا في الشمال والهوسا والفولني في الوسط والكانوري وهو مزيج من العرب والزنوج.

هذا وقد تأسست الممالك الاسلامية في تشاد وأهمها ثلاث ممالك لكل منها سياسيتها الداخلية والخارجية ولم تكن العلاقات تتسم بالود في أغلب الأحيان (3).

1- مملكة كانم بورنو شمال شرق تشاد:

ازدهرت في العصور الوسطى واشتهرت بتصدير النطرون والباقون والذهب والجلود وسن الفيل واستوردت الأسلحة والملح وكانت سوقا لتبادل السلع ووصل اليه التجار المصريون والليبيون والمغاربة، واتخذ ملوكها اللغة العربية لغة رسمية في دواوينهم، وقد بلغت كانم ذروة مجدها في القرن 13-16 ومع بداية القرن 19 هدد الفولاني المملكة ولاسيما بعد ظهور حركة عثمان دان فوديو الاسلامية في شمال نيجريا فهاجموا كانم، واستدعى الأهالي محمد الكانمي ليتولى تقاليد الحكم فيها وبنى عاصمة لبلاده في كوكا. هذا وقد زار كانم العديد من البعثات لعل أشهرها البعثة البريطانية برئاسة بارث كذلك زار المنطقة الألماني جوستاف ناخينجال في عام 1872 عن طريق طرابلس وفزان وقدم وصفا لما شاهده وظلت المنطقة تابعة للكانمي وابنه حتى استولى عليها رابح الزبير عام 18793 (1).

2 - مملكة الباجرمي: وتقع في الجنوب الشرقي من كانم تدهورت أحوالها الاقتصادية بسبب حروبها المستمرة من واداي من جهة وبورنو من جهة أخرى وقد استقلت عن كانم وبورنو في عام 1874 وظلت مستقلة حتى غزاها رابح الزبير وحكمها خلال تلك الفترة السلطان عبد الرحمن جوارنج.

3 - مملكة وادي أسسها الزغاوة وكان عاصمتها كتم وبسطت وادي نفوذها على دارفور (2) المجاورة لها ثم قوى نفوذ الأخيرة وفي عام 1833 غزا سلطان دارفور وادي وخلع سلطانها أدم وأجلس على الحكم محمد لاشريف الذي شن الهجمات ضد كانم وبورنو 1835-1875 ثم نقل عاصمة البلاد الى ابشة في عام 1857 (3) هذا وقد لعبت وادي دورا هاما في نشر الاسلام والثقافة الاسلامية ويرجع ذلك الى عدة عوامل منها أن عناصر السكان فيها من العرب كذلك لأنها متاخمة للسودان ولاسيما مملكة دارفور كما كان لحاكمها اتصال بالباب العالي.

في أواخر القرن 19 ظهر في تشاد قوتان كان من الصعب على أحداهما أن تفرض نفسها على الأخرى ففي الشمال سادت الحركة السونسية وفي الغرب والجنوب الغربي سيطرة رابح الزبير وقد عملت فرنسا بعد احتلال اقليم الاوبانجي على التربص بالقوتين.

بدأ رابح في تكوين دولته الاسلامية فاتجه غربا وجمع القبائل المتفرقة حوله وركز جهوده في حوض نهر شاري وعلى بحيرة تشاد واحتل مناطق قبائل الملتوس والبواسي والسارسي وغيرها من القبائل واستطاع تجميع القبائل الوثنية في وحدة واحدة وأخذ في نشر الاسلام بينها (1).

وجدير بالذكر أن رابح وطد سلته بالسنوسيين وخاصة السيد محمد المهدي السنوسي الذي اتصل بها وقويت تلك الصلة بالمصاهرة بين الطرفين وكان السيد السنوسي شديد الكراهية للفرنسيين ولنشاطهم في المنطقة ولذلك اتفق الطرفان على الحد من نفوذ الفرنسيين وحماية البلاد من تسرب البعثات الفرنسية ولذلك قام رابح 1891 بقتل المستكشف الفرنسي بول كرامبل عند بلدة كوتي مما أدى الى اصطدامه بالفرنسيين ذلك الصدام الذي استمر عشر سنوات وان كان السنوسي قد تنصل من مقتل كرامبل خوفا من الفرنسيين وتبادل معهم البعثات تاركا رابح يواجه الموجات المتتالية من الحملات الفرنسية (2).

استمر رابح في تكوين دولته الاسلامية في الغرب واتخذ من بلاد شاري مركزا ودعم سيطرته على نهر شاري وأقام ببلدة كوتي فغزا بلاد سوامراي واقام سنة 1892 في بلدة بوسو على نهر شاري ثم جهز حملة للاستيلاء على باجرمي (3). وترجع أهمية باجرمي نظرا لموقعها جنوب بحيرة تشاد وقد أهملها الاوروبيون فترة من الزمن حتى قام دنهام بزيارة الجزء الشمالي منها عام 1824، كما زار المدينة د. يارث عام 1852. وكان عاصمتها ماسينا ثم تزايد الاهتمام الفرنسي بالمنطقة وتطلعوا للاستيلاء عليها (4) وحكم باجرمي خلال فترة التنافس الفرنسي السلطان عبد الرحمن جوارنج وكان احتلال المدينة امر ضروري لرابح لكي يفتح طريقا له الى ما وراء نهر شاري وقد أحكم رابح الحصار حول بلدة مانهافا الواقعة جنوبة لمدة خمسة أشهر حتى سقطت 1894 وبسقوطها فتح الطريق أمام باجرمي (1). ثم اتجه رابح نحو بورنو وتمكن من احراز النصر على جيوشها وبذلك اتسعت دولته فشملت دارفور التي احتلها وتمكن من احراز النصر على جيوشها وبذلك اتسعت دولته فشملت دارفور التي احتلها قبل سقوط الخرطوم ووادي وبعض أجزاء باجرمي وبورنو واتخذ رابح دكوه عاصمة له بدلا من كوكا. وشهدت مدينة دكوع عصرا زاهيا في عهده فاستتب فيها الأمن ونشطت فيها حركة التجارة (2).

وقد ارسلت الحكومة الفرنسية مونتي في بعثة من سانت لويس حتى تشاد في عام 1890، وذلك خلال فترة تولي اشينار القيادة العسكرية في السودان، ورحل مونتي من السنغال واتجه نحو سيجو على النيجر وعقد معاهدات مع الزعماء المحليين في كل من بورنو وزندو وكوكا ولذلك كان ظهور رابح الزبير واكتساحه هذه المناطق بشكل خطرا للنفوذ الفرنسي ومعناه الغاء الاتفاقيات التي سبق وأن عقدتها فرنسا مع زعماء هذه البلاد (3) كما أن فرنسا بمقتضى الاتفاق الفرنسي البريطاني 1890 حددت مناطق النفوذ الفرنسي والبريطاني بين النيجر وتشاد وضمنت فرنسا استحواذها على هذه الأاضي بمقتضى هذا الاتفاق (4). ولذلك كان لابد من ارسال بعثة فرنسية لاستطلاع الموقف في المنطقة فأرسل الكابتن كزماجو في بعثة من النيجر الى تشاد فوصل شمال سوكوتو وبورنو كما زار زندو التي كان يحكمها أحمد ماداني وتقع بين النيجر وتشا ولكن السلطان أحمدو قتله لأنه ارتاب في نوايا البعثة وقتل معه من أفراد البعثة وهاجم معسكرهم وفر الناجون الى دوسو وهو حصن في شمال داهومي وقام أحمدو بالقاء جثث الفرنسيين في الآبار (5).

وجدت الحكومة الفرنسية أن الموقف تدهور بالنسبة لها في المنطقة الواقعة بين تشاد وزندر وأنه لابد لها من تعديم السيطرة العسكرية على هذه المنطقة فعملت على ارسال الحملات العسكرية واذا كان نهر شاري قد لعب دورا كبيرا في اقامة دولة رابح الا أنه لعب دورا أيضا في انهيار هذه الدولة وذلك بتسهيله تسلل القوات الفرنسية الى مناطق السودان الوسطى فقد نقلت هذه القوات الى هذه المناطق المئونة والعتاد وذلك لأن النهر صالح للملاحة في أكثر أجزائه. وهو ينبع من المرتفعات الواقعة عند الشمال الغربي في سهل كبير ليصب في النهاية في جنوب بحيرة تشاد بدلتا واسعة (1).

ارتبط تاريخ المنطقة في الفترة الواقعة من 1895 حتى 1900 باميل جنتل الذي لعب دورا كبيرا في سقوط دولة رابح. وقد وقع اختيار الحكومة الفرنسية عليه لارتياد الكونغو ومنطقة نهر شاري واستغرقت بعثته من 1895 حتى 1898 منح خلالها الميدالية الذهبية الكبيرة من الجمعية الجغرافية الفرنسية وكان أولى نتائج رحلته تسوية الموقف بين السنوسيين والفرنسيين وعقد معاهدة حماية مع سلطان باجرمي جوارنج سنة 1897 ولكن ما كاد جنتيل يغادر المنطقة حتى أعاد رابح الوضع الى ما كان عليه قبل وصول بعثة جنتيل (2). أما جورانج فقد أسرع يطلب الحماية من فرنسا وترك بلاده ودخل رابح ماسيدا ولكن ما كادت أنباء تقدم رابح في الباجرمي تصل الى الحكومة الفرنسية حتى هب جيلان وزير المستعمرات لاتخاذ الاجراءات الحاسمة فصدرت الأوامر الى جنتيل بقطع اجازته والعودة الى منطقة نهر شاري لمعاونة السلطان جورانج. وعين الضابكط بروتونية في المنطقة أثناء غياب جنتيل. فعسكر في بلدة كانو، وفي 17 يوليو 1899 هاجم رابح برتونيه واستولى على المواقع الفرنسية وأشاع الاضطراب في الفرق الفرنيسة وذبح عددا كبيرا من رجال برتونيه وعرفت هذه المذبحة بمذبحة تجابو ولم ينج من القوات الفرنسية سوى ثلاث من السنغاليين فر واحد منهم الى جنتيل وأخبره بما حدث (1) وقد أسرع جنتيل لمحو عار هزيمة برتونيه وعسكر في فور اشمبولت الواقعة على بعد مائة ميل من كانو وأصدر أوامره في أكتوبر 1899 الى الكابتن روبيلوت بأ، عليه محو عار هزيمة تجباو، وخلال هذه الفترة جرت حادثة أخرى اثارت الفرنسيين ضد رابح فقد قتل فرديناندي بيهاجل وكان يعمل مندوبا لاحدى المؤسسات التجارية في فرنسا ثم اتجه في بعثة لانشاء مركز تجاري حول بحيرة تشاد ونهر شاري وقد أحسن رابح استقباله في بداية الأمر وعلم رابح أنه يملك عددا من البنادث فعرض عليه شراءها ولكن دي بيهاجل رفض فاحتجزه رابح في دكوة وعاد يفاوضه من جديد ولكنه رفض فألقى القبض عليه وبعد انتصار رابح على برتونيه أمر باعدام دي بيهاجل (2).

وأدت هذه الحادثة الى زيادة سخط الفرنسيين على رابح فهاجمت قوات جنتيل كانو واضطر رابح الى اخلائها وايقنت وزارة المستعمرات بأن الأمور لن تستقر لها في تشاد وفي أفريقيا الغربية الفرنسية الا بالقضاء على رابح ولذلك تكونت ثلاثة حملات كان هدفها جميعا الوصول الى تشاد والقضاء على دولة رابح خرجت الحملة الأولى 1899 من السنغال بقيادة كل من فولييه وشانوان والحملة الثانية خرجت من الجزائر بقيادة فورو-لامي أما الثالثة فجاءت من الكونغو بقيادة اميل جنتيل وكان هدف البعثات الثلاث الالتقاء في تشاد والقضاء على دولة رابح التي امتدت في افريقيا الوسطى من بورنو حتى تشاد. ولكن هذه الحملات الثلاثة عانت الكثير من أجل الوصول الى تشاد، فعبثه فوليه وشانوان القادمة من السنغال عانت من نقص المياه وعداء السكان الذين هاجموا افراد الحملة أثناء اختراقهم الاقليم الصحراوي في تيساوا ، كذلك حملة فورولامي القادمة من الجزائر تعرضت للكثير من المخاطر حتى وصلت الى زندو ومنها الى تشاد، وقد وصلت البعثتان بعثة فورومي لامي القادمة من الجزائر وبعثة جنتيل القادمة من الكونغو الى تشاد (3) أما بعثة شانوان وفوليه القادمة من السنغال فبالاضافة الى عداء الأهالي ارتكب أفراد البعثة الكثير من المخالفات، فقد حدث نزاع على القيادة بين كل من شانوا وفوليه، فأرسل اليهم القائد الأعلى للقوات العسكرية في السودان كلا من جلوب وباليه لتولي القيادة منهم ولكن شانوان رفض وأطلق النار على كلوب ولكن سرعان ما قتل الفرنسيون كلا من شانوان وفوليه وأصبحت القيادة في يد باليه الذي تقدم واحتل تسانوا وزندو (1) وعاد باليه تاركا القيادة لجولان الذي قام بقتل أحمدو مادراني سلطان رندو انتقاما لمقتل كزماجو وجدير بالذكر أن الحملة ارتكبت الكثير من الفظائع أثناء تقدمها جنوب تشاد. كما قامت بذبح العديد من النساء والأطفال. وخلفت الحملة وراءها جثث هؤلاء وقد حاول المؤرخون الفرنسيون تعليل هذه المذابح والاضطرابات التي حدثت لأفراد الحملة مثل اقدام شانوان على قتل زميله الفرنسي كلوب ورفضه تسليمه القيادة الى أن العداء الذي لقيه أفراد الحملة ومهاجمة الوطنيين لهم أثناء تقدمهم هو العامل الرئيسي الذي ادى الى ارهاق أعصابهم بالاضافة الى رداءة الطقس (2).

ولكن في الواقع كما ذكرنا من قبل أن الضباط الفرنسيين أرد كل منهم أن يحقق لنفسه مجد عسكري ولذلك كان من لاصعب أن يتنازل عن القيادة لقائد آخر ولا يمكن تعليل أو تبرير قتل شانون لزميله كذلك المذابح التي ارتكبت ضد النساء والأطفال أنها كلها كانت بسبب ارهاق الجنود وقوادهم، فهو عمل اجرامي أولا وأخيرا. ولكن يحق للكتاب الفرنسيين تبرير أعمال وتصرفات جنودهم العدائية والاجرامية بينما يصفون الزعماء الوطنيين الذين قاوموا النفوذ الفرنسي بأنهم دمويون، فقد وصف رباح الزبير كما وصف ساموري من قبل بأنه دموي متعطش للدماء في حين نجد أن هدف رابح كان أسمى بكثير من أهداف القادة الفرنسيين، فلقد أراد تكوين دولة اسلامية موحدة والتصدي للخطر الفرنسي.

عمل جولان بعد توليه القيادة أن يعيد تنظيم قواته، فاتجه نحو نجيمي الواقعة على بعد عدة كيلومترات شمال تشاد ووقع جوالان معاهدة حماية في هذه المنطقة، ثم اتجه الى نهر شاري وسار نحو جولفي فوجد قوات رابح تحتل المدينة فلم يحاول مهاجمتها وانتظر وصول قوات جنتيل (3) وفي 21 أبريل 1900 التقى جنتيل بالبعثات الثلاث في كوسري فعمل على تنظيمها وقام الجيش الفرنسي بمهاجمة رابح الزبير الذي هزمت قواته وقتل هو نفسه وقطعت رأسه وأحضرت الى معسكر كوسري وحققت البعثات الثلاث هدفها وقضت على رابح. ما حققت هدفا آخر فقد تأكد الفرنسيون من امكانية ربط مستعمراتهم في أفريقيا في كل من الجزائر والسنغال والكونغو (1).

ولكن رغم القضاء على رابح الا أن مقاومة أبنائه استمرت في الباجرمي حتى عام 1902 واستمر ابنه فضل الله يقاوم النفوذ الفرنسي حتى قتل هو الآخر، ولقى نفس مصير والده. واستمرت مقاومة الوطنيين في تشاد حتى 1911 عندما تمكنت فرناس من سيطرتها على شمال تشاد (2).

وجدير بالذكر أن فضل الله ابن رابح الزبير حاول الفرنسيون التفاوض معه ولكنه قطع رؤوس المبعوثين الذي ارسلتهم فرنسا وحاول التفاوض مع السلطات الفرنسية في النيجر الأدنى، ولكن عند عودتهم الى بورنو قتل في فوجيه في أراضي المستعمرة الانجليزية (3). وقد أصارت تحركات فضل الله واتجاهه نحو بريطانيا قلق الفرنسيين كذلك اثارت التساؤلات في مجلس العموم البريطاني فوجهت الأسئلة الى وكيل وزارة المستعمرات عن الأوضاع السائدة في بورنو، وعن مدى تأثير القتال الدائر بين فرنسا وفضل الله على المستعمرة البريطانية (4).

أما عن السنوسيين الذين كانوا على الحياد في الصراع الدائر بين رابح والفرنسيين، فسرعان ما أدركوا الخطر الذي يهددهم وخاصة بعد مقتل رابح فشنوا عدة هجمات من واحة جغبوب مركزهم الرئيسي على القوات الفرنسية في المنطقة فقاد سيدي محمد البراني الهجمات على الفرنسيين ولكن سرعان ما سقطت المراكز السنوسية في أيدي الفرنسيين خلال عامي 1902-1903 وانتى الأمر بانسحابهم نحو الشمال تاركون الجنوب غنيمة للفرنسيين (1).

وجدير بالذكر أنه في الوقت الذي اهتمت فيه الحكومة الفرنسية باستئناف المفاوضات مع ألمانيا بشأن تحديد الحدود حول بحيرة تشاد، اهتمت الحكومة الألمانية أيضا بهذا الموضع، فطلب وكيل وزارة الخارجية الألمانية البارون مارشال من السفير الفرنسي بضرورة ابلاغ حكومته بتحديد الحدود، وخطورة الموقف وأعرب عن تخوفه من قيام نزاع بين البلدين بخصوص الأراضي الداخلية للكاميرون ، خاصة بعد جهود المكتشفين والرحالة الفرنسيين في المنطقة وطالب مارشال من السفير الفرنسي ضرورة الاتفاق على تحديد الحدود عند سواحل بحيرة تشاد، فأرسل السفير الفرنسي الى وزير الخارجية دوفيل في 9 مايو 1893 يخبره بموقف الحكومة الألمانية (4) كما طالب السفير الفرنسي من حكومته في 11 مايو سنة 1893 بضرورة تحديد الحدود بين فرنسا وألمانيا في الكاميرون مع مراعاة أن يكون مصب نهر شاري منطقة نفوذ فرنسية (1)ز

وقد قبلت الحكومة الفرنسية استئناف المفاوضات مع ألمانيا، وأرسل دوفيل وزير الخارجية الى هيريت السفير افرنسي في برلين برقية تفيد قبول الحكومة التفاوض مع ألمانيا في 15 مايو سنة 1893 (2). ورغم اسئناف المباحثات بين الجانبين الا أنه تمت تسوية بين الحكومتين الألمانية من جانب والبريطانية من جانب آخر من أجل الاتفاق على تحديد حدود الكاميرون واعترفت ألمانيا بحقوق بريطانيا في يولا حتى تشاد، ولذلك فقد أسرع السفير الفرنسي بتوضيح حقوق فرنسا في المنطقة للحكومة الألمانية وأرسل برقية بذلك الى حكومته في 18 نوفمبر 1893 (3) وقد احتجت فرنسا في تشاد، تلك الحقوق التي اكتسبتها بفضل جهود المكتشفين الفرنسيين وطالبت كل من ألمانيا وبريطانيا باحترامها وعدم اغفالها (4).

وأخيرا تم الاتفاق بين الحكومتين الفرنسية والألمانية في عام 1894 فتتضمن الاتفاق حصول فرنسا على المناطق الجنوبية لبحيرة تشاد، متضمنة ضفتي نهر شاري وراضي باجرمي ووادي ومعظم سانجا ومدينة بيفارا (5).

وكان معنى هذا الاتفاق هو تحديد الحدود الشرقية لمستعمرة الكاميرون الألمانية، وعدم السماح لألمانيا بعد نشاطها في المناطق الشمالية كذلك انفراد فرنسا وانجلترا بمنطقة النيجر، ويتضح لنا ذلك من رسالة ارسلها القائم بالأعمال الفرنسية في برلين برنييه الى وزير الخارجية الفرنسية دلكاسيه في 20 سبتمبر 1910 وضح فيها بأن ألمانيا ترقب نشاط كل من انجلترا على حدود ليبريا والكاميرون ونشاط فرنسا في تشاد، وانها عاجزة عن تطوير مستعمرة الكاميرون وهي تبحث عن أفضل الوسائل لتطوير وانعاش المستعمرة واكتشاف الطرق التجارية في المناطق الداخلية وقد ارسلت بعثة صغيرة بقيادة الملازم دومنيك لبناء مركز مراقبة في جاروا (1).

وهكذا يتضح لنا بأن الاتفاق الفرنسي الألماني 1894 حدد حدود الكايرون ومنع ألمانيا من مد نشاطها صوب تشاد جنوبا كذلك منعها من أن يكون لها سيطرة على منطقة النيجر غربا وخاصة بعد قبولها الاعتراف بنفوذ بريطانيا في الجابون وساحل غينيا، وتولى الادارة قواد البحرية الفرنسية. وفي 24 يناير 1881 صدر مرسوم جعل ادارة ممتلكات فرنسا في ساحل غمبيا والجابون تحت قيادة قائد أعلى من البحرية الفرنسية حمل لقب القائد الأعلى للمنشآت الفرنسية في خليج غينيا وعندما قام دي برازا برحلته الثالثة الى المنطقة حصل على لقب مفوض من الحكومة الفرنسية وفي 16 ديسمبر 1883 قسمت المنشآت الفرنسية في خليج غينيا الى قسمين الجابون ويتولى ادارته قائد يشرف على كوتونو وبورتونوفو (داهومي) والقسم لاثاني من المنشآت الفرنسية في جران بسام واسيني (ساحل العاج) وفي 27 ابريل 1886 صدر مرسوم أعطى لبرازا ادارة الجابون فعهد بدوره الى الملازم الفرنسي نويل باليه الذي تولى ادارة المنطقة وفي 29 يونيو 1886 صدر مرسوم أعطى دي برازا لقب مفوض عام للحكومة وخوله ادارة المستعمرتين الجابون والكونغو ثم صدر مرسوم في 11 ديسمبر 1888 وحد الجابون والكونغو ، وفي 30 أبريل 1891 اعطيت المنشآت الفرنسية في المنطقة اسم الكونغو الفرنسي وكانت هذه الخطوة تمهيدا لانشاء اتحاد أفريقيا الاستوائية الفرنسية الذي صدر مرسوم تكوينه في عام 1910 (2).

نلاحظ مما سبق أن فرنسا نجحت في تحقيق هدفها في أفريقيا الاستوائية فدعمت سيطرتها على المنطقة ، ساعدها في ذلك الظروف الدولية خاصة بعد انعقاد مؤتمر برلين، كذلك الظروف الداخلية التي مرت بها المنطقة، حيث أننا لا نلمس مقاومة عنيفة ضد الفرنسيين ابان فترة توسعهم في اقاليم الجابون والكونغو واوبانجي تشاري، ولكن تتضح لنا هذه المقاومة في تشاد التي قادها رابح الزبير وابنه فضل الله وربما يرجع السبب في ذلك الى أن تشاد فيها أغلبية مسلمة تأثرت بحركات الجهاد التي ظهرت في ممالك غرب أفريقيا ابان فترة التوسع الفرنسي.

خاضت فرنسا عدة معارك سياسية مع الدول الاوروبية الطامعة في المنطقة فعقدت سلسلة من المعاهدات مع كل من بلجيكا، ألمانيا، والبرتغال الى أن تمكنت من تحديد أقاليهما لتخلص لها أفريقيا الاستوائية، ونجحت في وضع يدها على مساحة كبيرة من الأراضي الا أنها اخفقت في تحقيق حلمها التوسعي في ربط ممتلكاتها في غرب القاربة بممتلكاتها في شرقها على شكل حزام متصل من الأملاك الفرنسية، أي أن يمتد النفوذ الفرنسي من النسغال في غرب القارة حتى جيبوتي في شرق القارة وذلك لأن بريطانيا كانت لها بالمرصاد فلم تمكنها من أن تقطع ممتلكاتها في القارة عرضيا. وتمثل ذلكف ي حادثة فاشودة حيث أجبرت فرنسا على التوقف بفتوحاتها حتى تشاد، ولكن رغم ذلك نجحت فرنسا في تحقيق سياستها التوسعية في ربط ممتلكاتها في شمال القارة بممتلكاتها في أفريقيا الاستوائية فامتدت الأملاك الفرنسي متصلة من البحر المتوسط حتى الكونغو.

وأخيرا اعتمدت فرنسا في توسعها على أنصار التوسع وغلاة الاستعماريين أمثال دي برازا واميل جنني وغيرهم ممن يؤمنون بضرورة تكوين امبراطورية فرنسية فيما وراء البحار.

وفي عام 1900 صدر مرسوم بانشاء الاقاليم العسكرية لمحمية تشاد، وفي عام 1906 تم انشاء مستعمرة اوبانجي – تشاري ثم احتلت القوات الفرنسية أراضي تشاد وابشة وملحقاتها في 1909 ثم دار مساليت 1910-1911، وتشاري الأوسط 1911، ومرتفعات أبو تلفان وجيرا 1911-1913 ودار سيلا ورونقا 1916 وبوركو 1913، وتسبتي 1915-1918.

وفي 12 أبريل 1916 صدر مرسوم ألغى روابط التبعية مع اوبانجي – تشاري وأصبحت أراضي تشاد تابعة للحاكم العام لأفريقيا الاستوائية في برازافيل ثم تحولت الى مستعمرة على أثر مرسوم 17 مارس 1920 (1).


ثانيا: دولة الكونغو الحرة والملك ليوبولد

القضاء على حميد المرجبي

جذبت أفريقيا أنظار الملك ليوبولك ملك بلجيكا وأراد أن تحذو بلاده حذو الدول الاستعمارية الكبرى، ولاسيما أن بلجيكا مملكة صغيرة الموارد، ولم يكن لديها جيش قوي ولا أسطول فوجد في الكونغو ضالته المنشودة لتكيون مستعمرة بلجيكية تخدم سياسته التجارية والصناعية.

وكما سبق أن ذكرنا اهتمام ليوبولد بأفريقيا وبمنطقة الكونغو ولم يأت من فراغ فقد سبقه جهود المكتشفين ولاسيما البريطانيين وعلى رأسهم ستانلي الذي نجح في الوصول الى بحيرتي فيكتوريا وتنجانيقا في وسط القارة كما أدت اكتشافاته أن نهر اللوالابا متصل بنهر الكونغو. وقد أدت جهود ستانلي الى كشف الغموض عن كثير من المجاري المائية الافريقية مما دعا الى الملك ليوبولد لعقد مؤتمر في بروكسل في عام 1876 وكان الهدف منه الكشف عن الأقاليم الواقعة بين المحيطين الأطلنطي والهندي وجنوب الكونغو.

وأسفر المؤتمر عن صدور عدة قرارات منها تأليف الهيئة الدولية لاكتشاف أفريقيا وادخال الحضارة فيها، وأكد ليوبولد بعد المؤتمر أن بروكسل ستكون مركز الحضارة في اوروبا (2). وكلف ليوبولد ستانلي بالعمل في خدمته وارسله الى الكونغو في عام 1879، وكان الغرض الرئيسي من بعثته هو فتح طريق المواصلات والملاحة بين الكونغو والمناطق الساحلية ونجح ستانلي في مهمته واسس عدة محطات في الكونغو، كما أسس مدينة ليوبولد فيلد في عام 1881 ونجح ستانلي في عقد عدة معاهدات للحماية مع الزعماء الوطنيين . هذا وقد أدت تحركات ستانلي الى ضرورة الصدام مع دي برازا المكتشف الفرنسي والذي كان يعمل على الضفة اليمنى لنهر الكونغو، وقد تم حسم الخلاف بين الدولتين كما ذكرنا في مؤتمر برلين، وتم الاعتراف بدولة الكونغو الحرة تابعة للملك ليوبولد الثاني ثم تتبع بعد ذلك اتفاق لتحديد الحدود في 29 أبريل 1887 تعهد فيه دولة الكونغو الحرة أن يكون نهر الاوبانجي هو فرع من فروع الكونغو الغربي وهو الحد الفاصل بين حدود الكونغو الفرنسي ودولة الكونغو الحرة (1).

وجدير بالذكر أن الملك ليوبولد الثاني ما كاد يحصل على الاعتراف كحاكم ومالك لدولة الكونغو الحرة حتى ألقى جانبا بالمبادئ الانسانية التي ينادي بها ووضع بدلا منها سياسة الاستغلال والاحتكار وسخر الأهالي بطريقة غير انسانية لتحقيق الاستغلال التي رسمها وأصدر عدة قوانين وأصبحت الكونغو بموجبها ضيغة تستغل وتستثمر لحساب التاج البلجيكي وأصدر أمرا ملكيا في عام 1885 باعتبار دولة الكونغو الحرة ملكا خاص لها (2).

لم يستقر الأمر للملك ليوبولد بعد تدعيم سيطرته على دولة الكونغو الحرة، فقط كان عليه مواجهة عقبة كبيرة ظهرت في شرق دولته أي من المنطقة الواقعة بين بحيرة تنجانيقا وشلالات ستانلي وتمثلت العقبة فيحميد محمد المرجبي والذي اشتهر باسم تيبوتيب ونجح في تكوين دولة عربية عصامتها كاونجو وقد وصف الاوروبيين دولته بأ،ها جزيرة محمدية وسط مجتمع وثني ووسط البعثات التنصيرية (3).

وجدير بالذكر أن نشاط التجار العرب في الكونغو يرجع الى عدة عوامل:

1- طول مدة استقرار العرب في شرق أفريقيا وتأسيس المدن وخبرتهم بالتجارة مما أدى الى اندفاعهم من شرق القارة وتوغلهم فيها غربا فأقاموا المراكز التجارية ولا ننسى وجود الطرق التجارية بين الساحل الشرقي الى داخل القارة.

كذلك كان لاجادة وخبرة العرب بفنون الملاحة أثرا كبيرا في سهولة توغلهم داخل القارة ونجمو في استغلال أفرع الكونغو واستخدموها في التوغل في داخل غابات الكونغو مثل نهر اللوالابا ، واللوماجي، كذلك ينبغي ألا نغفل ثورة الكونغو بالمنتجات الاستوائية مع تزايد الطلب العالمي علهيا ولاسيما العاج والذي تنقل لمسافات طويلة من الكونغو حتى الساحل وهو سلعة تتحمل النقل ولا تتعرض للتلف (1).

وأمام انتشار التجار في منطقة شرق الكونغو وارتباطها بالعرب عاش العرب في تجمعات أو مراكز خاصة بهم (2) وكانت علاقة العرب بالزنوج في تلك المناطق تتسم بحسن الجوار.

ويرجع الفضل الى حميد المرجبي التاجر العربي في تنظيم التجارة في الكونغو وحماية الاوروبيين والمكتشفين عند توغلهم في تلك المناطق أمثال بيروتون ولفنجستون وستانلي. هذا وقد قام حميد المرجبي بعدة رحلات داخل الكونغو قبل أن يستقر فيه خلال 1850-1862، 1874، حتى أقام دولته. وقد هادنت بلجيكا في بداية الأمر بل اعترفت بسيطرته على الاقليم الشرقي من البلاد (3).

ولاجدال في أن التجار العرب أسدوا الخدمات الجليلة لبلجيكا وساعدوهم على التوغل داخل القارة والكونغو فقد كانوا يجهلون أهدافهم الحقيقية ولم ينتاب الشك حميد المرجبي حتى عندما وجد البواخر البلجيكية في نهر الكونغو وعندما أقامت بلجيكا المحطات على طول النهر المزودة بالأسلحة زودت حميد أيضا وأهدته بعض منها.

ثم بدأ التوتر بين الطرفين عندما غير ستانلي أسلوب تعامله مع العرب فبدأ يحتكر تجارة العاج ويكره العرب على الاتجار في سلع أخرى والزمهم بتصديرها من غرب أفريقيا وليس من سواحلها الشرقية كما اعتداوا وكان الهدف الرئيسي هو تمهيد الطريق لسيطرة البلجيكية (4).

وجاء رد فعل حميد المرجبي عنيفا فعمل على تجميع التجار العرب حوله ومنع التعامل مع التجار البلجيك وحققت هذه السياسة نجاحا مما اضطر الادارة البلجيكية الى التراجع عن سياستها هذه وبعد وانعقاد مؤتمر برلين وقيام دولة الكونغو الحرة اعترفت الأخيرة بسلطة حميد المرجبي في عام 1887 في الاقليم الشرقي من الكونغو بل منحته راتبا شهريا باعتباره ممثلا للملك ليوبولد في هذه المناطق على أن يعمل لاستتاب الأمن وأن يسمح باقامة قوى بلجيكية صغيرة من الجنود في الجزر المقابلة لشلالات ستانلي (1).

هذا وقد انتهز التجار العرب الفرصة خلال تلك الفترة لكي يحصلوا على ما يحتاجون اليه من الاسلحمة ثم سارعت القبائل للانضمام تحت زعامة حميد المرجبي باعتباره ممثلا للقوة الوطنية في المنطقة.

ولكن سرعان ما ساءت العلاقة بين الطرفين ساعد على ذلك عدة عوامل منها نشاط المهدية في السودان وتاثر حميد المرجبي بها فبدأ ينظر لرجال الادارة البلجيك على أنهم يمثلون سلطة أجنبية لها خطورتها، كذلك استطاع الملك ليوبولد تدعيم سيطرته على دولة الكونغو الحرة وأراد مد نفوذه الى باقي أنحاء البلاد.

فبدأ في شن سلسلة من الهجومات على التجار العرب وشنت الصحف البلجيكية الحملات ضدهم واتهمتهم بالاغارة على المراكز البلجيكية.

استغل ليوبولد هذه الفرسة وبدأ في الاستعداد لمحاربة العرب وحميد المرجبي فأوفد بعثة عسكرية بقيادة دين وهو من أصل بريطاني، هاذ فتصدى سيفو بن حميد المرجبي لقوات دين وتحصن في ساحل شرق افريقيا ونجح في قتل دين والتصدي للقوات البلجيكية.

وصمم الملك ليوبولد على التصدي لحميد المرجبي فقادت القوات البلجيكية عدة معارك ضده استمرت حتى عام 1889 نجح خلالها ليوبولد في التوسع على حساب دولة حميد. وفي عام 1891 تم تكثيف الحملات العسكرية في وسط الكونغو بواسطة القائد هوديستر وفي عام 1893 تم ارسال دنيس الذي نجح في الحاق الهزيمة بالزعيم جونجولونتي وكان متحالفا مع العرب فنقض تحالفه وانضم الى القوات البلجيكية، وامدهم بالمؤن والرجال. كما سمح لهم بدخول محطة كابندا التابعة له (1).

سعى سيفو ابن حميد المرجبي للانتقام من القوات البلجيكية ونجح في أسر القائد دنيس الذي ارسل في 1892 يستغيث بقوات بلاده حيث سجنه سيفو (في قصره) كما خرج سيفو من كاسونجو على رأس عشرة آلاف مقاتل مسلحين وطالبوا القوات البلجيمية بتسليم الزعيم جونجو لوتني حيا أو ميتا وهدد بعبور نهر لوماجي ليقضي على القوات البلجيكية وهدد بالتقدم نحو مدينة ليوبولدفيل.

وفي عام 1892 عبرت القوات البلجيكية نهر لوماجي وهزمت سيفو واستولت على الحصون التابعة له وقتلت أكثر من ثلاثة آلاف من قواته واضطر سيفو للعودة الى عاصمة بلاده غير أن مقتل قائد قواته موهارا 1893 أدى الى اضعاف الروح المعنوية لقواته فقد كان من أفضل القادة، وأثر مقتله على الجيش العربي وتقدمت قوات ليوبولد جنوب نيانجوي الواقعة على الضفة اليمنى لنهر اللولابا وكانت من أهم المراكز التجارية فسقطت في عام 1893 وتم تخريب المدينة وتشتيت سكانها والتنكيل بهم وفي 17 أبريل نجحت القوات البلجيكية في دخول كاسونجو عاصمة تيبوتيب.

ورغم سقوط كاسونجو الا أن المقاومة استمرت حتى شهر ديسمبر 1893 غير أن مقتل سيفو جعل كفة القوات البلجيكية ترجع.

هذا وقد تدفقت الامدادات على سيفو قبل مقتله من العرب والمسلمين لشد ازره في مقالته القوات البلجيكية ومن أشهر هذه الشخصيات روماليزا الذي قدم من بحيرة اوجيجي وعبرة بحيرة تنجانيقا ووضع نفسه في خدمة سيفو، وأقام ثلاث حصون صغيرة قوية في الطريق المؤدي الى كوسونجو، كذلك قدم الخبرات الزعيم نزيجي ابن جونجولوتتي الذي أعدمها البلجيك رغم المساعدات القيمة التي قدمها لهم. كما كون راشد بن نزيجي قوة كبيرة من العرب واستمر تدفق الامدادات العربية والأفريقية من المنطقة المحيطة ببحيرة تنجانيقا مما اضطر القوات البلجيكية الى طلب النجدات من بلادها لتعزيز قوتها العسكرية، وكثفت حملاتها لاقاء القبض على روماليزا واضطرت نزيجي للفرار الى زنجبار وفي عام 1894 استولت على حصون روماليزا الذي فرى الى الغابان واتجهت القوات البلجيكية للقضاء على آخر الحصون العربية (1).

وفي عام 1894 كثفت القوات البلجيكية هجماتها على حميد المرجبي واضطر الى الانسحاب الى زنجبار ولاسيما بعد مقتل ابنه وقواده ولكن القوات البريطانية في ساحل شرق أفريقيا خشيت من وجوده في المنطقة فألقت القبض عليه وسجن الى ان توفي في عام 1906.

وأخيرا يمكننا القول أن دولة حميد المرجبي العربية في شرق الكونغو كان لها آثار بالغة الأهمية نذكر منها:

1- انتشار الاسلام في المناطق الاسلامية.

2- مد حميد المرجبي نشاطه التجاري في مناطق متعددة منها نياسالاند وأراضي الباروتسي ووطد علاقته التجارية مع القبائل ونجح في مد النفوذ العربي حتى أفريقيا الوسطى الجنويبة (2).

3- لم يجبر العرب السكان على الدخول الى الاسلام مثلما فعلت البعثات التنصيرية بل تركوهم حتى فضلوا الدين الاسلامي طواعية وقد اعترفت بيرتون بأن عرب ادنيا مويزي لم يكونوا مستعمرين.

4 - ترك العرب آثارا حضارية في الكونغو ففي المجال الثقافي سهلوا مهمة المكتشفين الاورويين فكانوا بمثابة الجنود المجهولين الذين اعتمد عليهم لفنجستون وستانلي في التوغل، كما أنهم نشروا الأمن على طول الطرق التجارية.

5- أقام العرب المدن العربية في شرق الكونغو مثل نيانجوي وكاسونجو وكبيونجي وكاسوكو، وربياربيا وكابانجا وكانت محطات لتجميع تجارة الكونغو.

6 – انتشرت اللغة العربية والسواحيلية ولم يتدخل العرب في حياة السكان الاجتماعية وأقاموا الكتاتيب.

7 – طور العرب التجارة الافريقية وساهموا في تقدم الزراعة وأدخلوا حاصلات زراعية مثل الصمغ، والقطن، الليمون والعنب، كما استغلوا ثروة الكونغو بالمعادن، ولاسيما الحديد والذهب والفضة والفحم فاستخرجوا هذه المعادن وطوروا صناعات النسيج والزيوت والصابون ولكن تلك الحضارة التي اقاموا العرب في الكونغو عمل البلجيكيون على القضاء عليها (1).


محاولة التوسع شمالا في غرب السودان "حفرة النحاس"

لم يقف الملك ليوبولد الثاني بأطماعه عند حدود الكونغو وانما عمل وحاول مد نفوذه في النيل، وأتاحت له الظروف الداخلية المضطربة في مصر والسودن الفرصة لتحقيق الأطماع فاتصل بجوردون القائد المكلف باخلاء السودان للاستعانة به في تحقيق أطماعه في حوض النيل (2) وفي غرب السودان خاصة في المنطقة الواقعة جنوب غرب دارفور المسماة بحفرة النحاس والتي اشتهرت بثروتها المعدنية فتتبع أحداث الثورة المهدية على أمل أن يسيطر على هذه الجهات عندما تتنتاب الضعف قوات الدراويش (3).

وتحقيقا لهذا الهدف اتصل ستانلي في عام 1888 بأمين باشا الحاكم المصري في المنطقة الاستوائية وكان لها مركز حرج بسبب انتشار الثورة المهدية وانقطعت صلاته بالمناطق الشمالية وكانت المديرية الوحيدة التي لم تقع في يد الدراويش بعد انسحاب القوات المصرية فعرض عليه ستانلي أن يبقى في المنطقة مديرا وحاكما عليها ولكن في خدمة الكونغو الحرة وان يورد ايرادا معقولا للمديرية ولكن أمين باشا رفض هذا العرض (4).

وفي عام 1893 أرسل ليوبولد حملة بقيادة فان كركهوفن وصلت الى وادلاي على النيل فتخوفت دول اوروبا من أطماع ليوبولد واسرعت بريطانيا بعقد معاهدة 1894 مع بلجيكا بمقتضاها أجرت بريطنيا المنطقة الواقعة غرب بحيرة ألبرت بين خطي 35و25 درجة شرقا جرينتش وخط عرض 40،10 درجة الى الملك ليوبولد شخصيا مدى حياته فقط على أن تسترجع بريطانيا المنطقة بعد وفاته في مقابل أن تعطي بلجيكا بريطانيا معبرا شريطا من بحيرة ادوارد الى بحيرة تنجانيقا (1).

والذي يهمنا من هذه المعاهدة أن الأراضي التي منحت الى الملك ليوبولد امتدت على الشاطئ الايسر للنيل عند ماهاجي على الشاطئ الغربي لبحيرة ألبرت حتى فاشودة (2).

وقد اعترضت فرنسا على هذه المعاهدة وتمسكت بحقوق وسيادة مصر على بحر الغزال حسب فرمانات الدولة العثمانية والتي اعترف بها مؤتمر برلين من قبل. وضغط هانوتو وزير الخارجية الفرنسي على ليوبولد الثاني عن الابحار ونظم ديلكاسية وزير المستعمرات حملة لطرد القوات البلجيكية، وعملت فرنسا على التقرب من ألمانيا من أجل مقاومة الاتفاق البلجيكي البريطاني – والغريب في موقف فرنسا هو تمسكها بأن هذه المناطق تابعة لمصر وللدولة العثمانية وضرورة تخلي بلجيكا عن احتلال بحر الغزال. والاكتفاء باستئجار حاجز اللادو، ولكن عندما جاء مارشان بحملته على فاشودة تغير الموقف الفرنسي حسب ما تقتضيه مصالحها الاستعمارية فأعلنت الحكومة الفرنسية أن السودان أرض مباح منذ انسحاب القوات المصرية منه (3).

وأما ضغط فرنسا تنازلت بلجيكا عن هذه المناطق من بحر الغزال مقابل تعهد فرنسا بعدم معارضتها في استئجار حاجز اللادو، وقامت القوات البلجيكية باحتلال حاجز اللادو (4) ولكن القوات البلجيكية لم تكتف بالوقوف عند اللادو وانما تطلعت للتقدم منه شمالا الى منطقة حفرة النحاس جنوب دارفور فتوغلت في منطقة بحر الغزال عام 1895 ومنها الى حفرة النحاس ولكن التعايشي أرسل حملة بقيادة الخدم موسى لطرد القوات البلجيكية (1).

وبعد انسحاب فرنسا من فاشودة عام 1898 عاودت الآمال الملك ليوبولد وتطلع لمد نفوذه في غرب السودان حتى منطقة حفرة النحاس فحاول عقد معاهدة جديدة مع بريطانيا لمد خط حديدي من الكونغو حتى أعالي النيل ولكن مشروعه رفض فقد كانت بريطانيا مصممة على ابعاد بلجيكا عن السيطرة على أي قسم من النيل واستمرت المفاوضات بين الدولتين من أجل عقد المعاهدة منذ عام 1901 ثم قطعت عام 1903 لعدم اتفاق الطرفين، ثم اقترحت بريطانيا في عام 1902 ارضاء بلجيكا باستبدال حاجز اللاود بأراضي بحر الغزال الواقعة جنوب عرض 6،30 شمالا وهذا التعويش أكبر من حاجز اللادو ستبقى هذه الأراضي في حوزة بلجيكا بعد وفاة ليوبولد بينما حاجز اللادو تنتهي سيطرة بلجيكا عليها بعد وفاة ليوبولد ولكن الأخير رفض فقد كان مصرا على أن يحصل على المناطق الواقعة عند حدود دارافور أي منطقة حفرة النحاس (2).

وفي عام 1903 أرسل الملك ليوبولد بعثة الى منطقة حفرة النحاس بقيادة لاندهام تقدمت من حاجز اللادو الى دارفور ولكنها قوبلت بالاحتجاجات البريطانية فطلب ليوبولد بالتحكيم ولكن بريطانيا رفضت هذا المبدأ. وبرر ليوبولد ارسال بعثة لاندهام الى دافور بانها بعثة طبوغرافية ليست لها أي أهداف سياسية أو عسكرية ولكن بريطانيا أصرت على انسحاب البعثة من جنوب دارفور وكادت الدولتان أن تشتبكا في عام 1903 بسبب هذه لابعثة مثلما حدث في فاشودة من قبل عام 1898 عندما كادت بريطانيا أن تشتبك في حرب مع فرنسا لولا أن الأخيرة سارعت بسحب قواتها من المنطقة وهو ما فعلته بلجيكا أيضا فقد أثرت الانسحاب من حفرة النحاس، ولكن تباطأت قوات القائد البلجيكي لميير في الانسحاب من الأراضي السودانية فهددت بريطانيا باستخدام القوة في عام 1905. وكان كرومر في مصر يؤكد دوما أن البعثة البلجيكية سوف تضطر للانسحاب عن المنطقة وذلك أن موسم الأمطار اقترب في بحر الغزال وسوف تنقطع صلاتها بمراكزها. كذلك بسبب النفقات الطائلة التي سوف تسنفذها البعثة وأنه من الأفضل لبريطانيا الاستمرار في الضغط الدبلوماسي على بلجيكا (1).

وهكذا اقتضت مصلحة بريطانيا الضغط على بلجيكا واجبارها على الانسحاب من حفرة النحاس وذلك لكي تستخلص السودان لنفسها فتصدت لبلجيكا بمختلف الوسائل الدبلوماسية وثم بواسطة الضغط والتهديد حتى أجبرتها على التراجع من المنطقة والاكتفاء بحاجز اللادو (2).

وفي عام 1906 تم تسوية حدود السودان وتنازل ليوبولد عن المطالبة باستئجار بحر الغزال واكتفى باستئجار حاجز اللادو على أن تعود هذه المنطقة الى السودان في ظرف ستة أشهر من انقضاء تمل ليوبولد لها.

الفصل الخامس:امتداد النفوذ البريطاني الى البحيرات الاستوائية (اوغنده)

مملكة اوغندا في القرن 19

تقع مملكة اوغنده غرب بحيرة فيكتوريا يحدها سودان وادي النيل شمالا والكونغو الحرة غربا، وأفريقيا الشرقية الألمانية جنوبا، وأفريقيا الشرقية البريطانيا (كينيا) شرقا.

وتوجد في أراضي اوغندا أشهر البحيرات الأفريقية ففيها بحيرة فيكتوريا، وبحيرت ألبرت، وإدوارد وكيوجا. كما تضم مجاري نهرية هامة مثل نيل فيكتوريا ونيل ألبرت وتمثل هذه المسطحات بأكملها منابع النيل العليا في هضبة البحيرات (1).

وتتنوع مظاهر السطح في اوغنده من البحيرات الأخدودية غربا الى جبل الجون عند حدودها مع كينيا شرقا، وتمتد المرتفعات الغربية جنوب بحيرة ألبرت. وتتميز المناطق المرتفعة بغزارة الأمطار، أما الهضبة الوسطى فتتميز بكثرة المستنقعات والتلال الغابية في مقاطعة اوغنده، والمقاطعة الشرقية.

وتشغل بحيرة فيكتوريا حوضا ضحلا بين فرعي الأخدود الأفريقي الشرقي الغربي، والى الشمال منها يوجد عدد من التلال ذات قمم مسطحة وتفصل مستنقعات بحيرة كيوجا بين اقليم البحيرة جنوبا وهضبة اوغندا الشمالية المرتفعة شمالا وتغزر الأمطار قرب البحيرة (2).

أما في شمال شرقي اوغنده وقرب حدودها مع كينيا يتميز السطح بعدد من الحافات البركانية التي تنحدر نحو بحيرة فيكتوريا. وأبرز الملامح جبل إليجون والى الشمال منه توجد هضبة واسعة يصل ارتفاع بعضها إلى أكثر من ثلاثة آلاف متر. ورغم أو اوغنده ذات موقع استوائي الا أن مناخها ليس حارا بسبب الارتفاع ووجود مسطحات مائية واسعة بها مما أدى الى سهولة عمل البعثات التنصيرية في المنطقة (3).

أما عن السلالات فعلى الرغم من صغر المساحة فان عدد سكان اوغنده كبير نسبيا، وينتمي السكان الى سلاسلة البانتو، وهي أكثر الجماعات انتشارا، ومنهم جماعة التوزنو والباجندا، ويعتبر الباجندا أذكى الشعوب يليهم الباسوجا (1).

والبانتو مجموعة زنجية لغوية واحدة يعكس زنوج غرب أفريقيا، وتمتد أوطانهم شمالا من خليج بيافرا عند الحدود الشرقية لنيجريا ثم تمتد في اتجاه شرقي مع تعرجات عديدة الى الشمال ثم الجنوب عبر الكونغو حتى منطقة بحيرات أعالي النيل وحول بحيرة فيكتوريا (2).

أما النيليون الحاميون أو أنصاف الحاميون فيعيشون بين الحاميين والزنوج في أجزاء من أعالي حوض النيل وهضبة شرق أفريقيا. وجرت العادة على تسمية هذه السلالة بالنيليين الحاميين وتشمل أوطانهم الجزء الجنوبي الشرقي من اوغنده والغربي من كينيا والشمالي من تجانيقا (3).

ومن أشهر القبائل في هذه المجموعة الأتيسو وهم يعيشون في الاقليم الواقع شرق بحيرة يكوجا في المستنقعات الواقعة شمال تلك البحيرة ويمتاز اقليمها بالخصوبة وتوجد مجموعة صغيرة تسمى كاراموجا وهم رعاة بقر (4).

النيليون عددهم كبير وينتشرون في أعالي النيل جنوب خط الاستواء ومنهم الاتشولي في الأجزاء الشمالية وجماعة لو في خليج كافير وندو، وجماعة اللانجو شمال بحيرة كيوجا.

أما الأقزام فيعيشون في جماعات محدودة في جبل رونزوي في غابة اتوري وتتركز جماعات البامبوتي في ا حدى المراكز الجبلية حول بحيرة ادوارد في اقليم كيجيري، وهناك جماعات عددهم أكبر منهم البامبا في روتزوري (5).

أما عن الوضع السياسي في اوغنده، فقد وجدت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر عدة ممالك أولهما وأقواهما مملكة بوغندة أو اوغندة وهما اسمان لمملكة واحدة وتقع شمال غرب بحيرة فيكتوريا تحدها مملكة بونيورو أو اونيورو، ومملكة بوسوجا شرقا ، ونورو غربا (1) وكاراجوي جنوبا.

هذا وقد وصلت مملكة اوغندا من الناحية السياسية الى درجة متقدمة لم تشهدها بقية الممالك الاستوائية أما اونيورو فقد ظلت محتفظة بقوتها لمدة قرنين حتى القرن التاسع عشر فتولت اوغنده الزعامة (2).

وللمملكة نظام هرمي فالملك أو الكاباكا على رأس الهرم الاجتماعي يتمتع بسلطات مطلقة على رعاياه وهو الميئول عن ادارة المملكة يساعده مجلس المملكة اللوكيكو يرأسه رئيس الوزراء في يده السلطة المركزية، ثم حكام الاقاليم، ويعتبر موتيسا وابنه موانجا من أشهر ملوك اوغنده في النصف الثاني من القرن التاسع عشر فقد عاصرا فترة التدخل الاوروبي، ونشاط البعثات التنصيرية (3)ز

وكان أهالي البلاد يدينون بالوثنية، وانتشرت بينهم عبادة التواتم. ويعتبر الاسلام أول الأديان السماوية دخولا الى اوغنده. فقد انتقل اليها عن طريقين الأول طريق السودان ولو أن وجود منطقة السدود كان عقبة في سلبيل انتشاره، ولكن وصول القوات المصرية وامتداد الامبراطورية المصرية الى المديرية الاستوائية في أقصى جنوب السودان شمال اوغنده في عقد الخديوي اسماعيل كان عاملا هاما في نشر الاسلام.

أما الطريق الثاني الذي لا يقل أهمية وهو الأكثر قدما فهو طريق ساحل أفريقيا الشرقي حيث لعب عرب مسقط وعمان دورا هاما في نشر الاسلام في المناطق الداخلية وانتشر الاسلام سلميا بين السكان (4).

ويرجع الفضل الى التاجر المسلم أحمد بن ابراهيم في دخول الاسلام اوغنده قادما من زنجبار، وقد توغل في مملكة كاروجوي الواقعة جنوب اوغنده غرب بحيرة فيكتوريا 1844 باحثا عن العاج والرقيق. وقد اقنع هذا التاجر ملك اوغندا الملك سونا باعتناق الاسلام ، ورحب الملك بالتجار العرب الذين اشتركوا معه في حملاته العسكرية ضد أعدائه، ولكن سرعان ما حدث سوء تفاهم بين الطرفين وذلك لأن قوافل العرب كانت تحمل الأسلحة فخشى الملك سونا من أن يمد العرب أعدائه بالاسلحة فأصدر أمرا بمنع دخول التجار وعبور نهر كاجيرا ومنع التجار العرب من دخول اوغندا حتى تولى أميدسا أو موتيسا (1857-1884) الذي سمح لهم بدخول البلاد باعتبارها أقوى الممالك وانما تجاروا ايضا مع رومانيكا ملك كاراجوي (1)ز

واقام العرب في اوغنده عدة مراكز تجارية، كما أقاموا مخازن لحفظ السلع وازداد الطلب في اوغنده على الأسلحة النارية والملابس القطنية، ومما ساعد على تقوية العلاقة في عقد الملك موتيسا عدة عوامل منها انتقال عاصمة البوسعيد من مسقط الى زنجبار كما أوضحنا من قبل، فتزايدت القوافل العربية القادمة من ساحل شرق أفريقيا للحصول على منتجات أفريقيا الداخلية، كذلك أدى صعوبة الاتصال بالمملكة في موسم الأمطار على حاجة العرب الى اقامة المراكز الدائمة في اوغنده مما أدى الى ازدياد انتشار الاسلام (2).

هذا وقد أفاد التجار العرب من سماح موتيسا لهم بالاستقرار في العاصمة، فاستغلوا بحيرة فيكتوريا في نقل متاجرهم وسلعهم والاتصال بمستعمراتهم ومستودعاتهم التجارية الواقعة جنوب بحيرة فيكتوريا، واستخدموا الأدوات والمراكب الشراعية التي بنوها بأنفسهم وصارت تخترق مياه البحيرات من أقصاها وانتهز العرب الفرصة فأخذوا ينشرون الاسلام ولم تكن علاقة العرب ودية مع موتيسا ملك اوغندا فحسب بل مع رومانيكا حاكم كاراجوي ومع ميرامبو حاكم اونيا مويزي ومع جواوا حاكم اوهيهي وكان هؤلاء الزعماء يشنون الاغارات على جيرانهم ويقومون بتسليم اسراهم كرقيق للتجار العرب ويحصلون مقابل ذلك على الأقمشة التي كانوا يدفعونها رواتب لجنودهم ولما كان التجار العرب يعترفون بنفوذ السيد سعيد بن سلطان في زنجبار، فقد نقلوا هذا النفوذ الى اقليم البحيرات العظمى والمجاري العليا للكونغو والنيل (1).


البعثات الكشفية والتنصيرية في اوغنده

ساهمت البعثات التنصيرية والكشفية في استعمار اوغندا، وكانت حركة كشف منابع النيل الاستوائية هي بداية الخطر الذي لحق بالبلاد. فقد ظلت منابع لانيل (2) تشغل أذهان الكثيرين حتى تم جلاء الغموض عنها في القرن التاسع عشر ، ويعزى الى محمد علي الفضل في ارسال البعثات الى النيل، فقد أوفد أولى هذه البعثات في عام 1839 ثم وصلت بعثة كشفية أخرى الى غندكرو (3).

وفي عام 1843 أرسلت جمعية الارساليت البريطانية المنصر الألماني كراف الى سواحل أفريقيا الشرقية، الذي استطاع لفت أنظار الدول الاوروبية الى ضرورة التوغل في داخل القارة. كما زودها بمعلومات جغرافية عن أفريقيا الشرقية. وكان كشف كراف بداية لدخول البعثات التنصيرية الى اوغندا اذ أسفرت جهوده عن انشاء عدة محطات للتنصير، كما أنه لفت الأنظار لوجود بحيرة عظيمة في اونيامويزي، وفي عام 1849 نجح في الكشف عن جبل الجون عند الحدود الشرقية لاوغنده (4) ومنها اتجه شمالا الى بلاد اتشولي ولانجو. وكان سبيك أثناء رحلته قد سمع بالبحيرة الغربية الكبرى والتي تعرف الآن باسم ألبرت نيانزا ولكنه لم يتمكن من الوصول اليها وعند وصول غندكرو في فبراير 1863 قابله صمويل بيكر فأوصاه سبيك باكتشاف البحيرة والتي أطلق عليها اسم بحيرة ألبرت (5).

وبعد عودة سبيك الى انجلترا اخذ يروج لفكرة انشاء مستعمرة تنصيرية في هذه الاقاليم ولاسيما في ممالك اونيوزو وكاراجوي واوغنده وذكر، يجب على جميع ارساليات الكنيسة أن توجه بصفة خاصة انتباهها لأنها سوف تجد ملوكا أقوياء لحمايتها ولسوف تجد تربة خصبة لسد حاجتها وشعبا ثريا (1).

أنا صمويل بيكر فقد عمل في مصر وحصل من سعيد باشا على فرمان بمساعدة عدد من موظفي الحكومة المصرية في السودان، فقضى عاما متتبعا روافد النيل عند الحبشة، وطاف بالبلاد عند نهر عطبرة والنيل الأزرق، والنيل الأبيض حتى ملتقاه عند السوباط ونشر رحلته في عام 1867 (2).

ثم عاد من رحلته الى الخرطوم ومنها تقدم جنوبا في النيل الابيض حيث عرضت عليها الجمعية الجغرافية الملكية أن يتقدم في النيل جنوبا باحثا عن سبيك وجرانت. وعندما علم بوصولهما الى منابع النيل اتجه الى البحيرة التي أطلق عليها اسم بحيرة البرت (3) 1864 تكريما لزوج الملكة فيكتوريا وشاهد المساقط المائية التي سماها شلالات مرشيزون تكريما لرئيس الجمعية الجغرافية (4).

وكان لبيكر جولات أخرى في منابع النيل الاستوائية فقد أوفدته الحكومة المصرية عام 1869 لاخضاع الاقاليم الواقعة جنوب غندكرو للادارة المصرية وانشاء عدة مراكز عسكرية وتجارية في تلك الأقاليم وفتح النيل للملاحة من غندكرو الى البحيرات الاستوائية العظمى ونقل السفن الى بحيرة البرت وذلك بهدف ادخال الحضارة والمدنية في هذه الجهات (5).

ولما كانت مشكلة منابع النيل ومساحة البحيرات الاستوائية لم تحل الا جزئيا على أيدي لفنسجتون وبرتون وسبيك وجرانت، فقد استطاع ستانلي أن يقنع أصحاب صحيفتي "تليك جراف" و"نيويورك هيرالد" بالتعاون معا لتمويل حملة كشفية هدفها حل المعضلات المتبقية عن جغرافيا أفريقيا الوسطى. وكانت النتيجة تكليف ستانلي بالقيام برحلة الى أفريقيا استغرقت حوالي عامين. وقد غادر ستانلي في 11 نوفمبر 1874 باجامايو وسلك طريق طابورة ثم وصل في فبراير 1875 الى الشاطئ الجنوبي الشرقي لبحيرة فيكتوريا وقام بالملاحة فيها وزار عام 1875 الملك موتيسا في عاصمته الجديدة روباجا ثم عاد الى الركن الجنوبي الشرقي من البحيرة واثبت أن بحيرة فيكتوريا بحيرة واحدة متصلة كما ذكر سبيك وليست مجموعة من البحيرات الصغيرة كما ذكر لفنتجستون وبرتون. ثم وصل ستانلي الى بحيرة ألبرت وأكل استكشاف منابع النيل. ثم توجه جنوبا الى تنجانيقا ثم قام بعدة اكتشافات في نهر الكونغو (1).

وفي عام 1874 اكتشف الكولونيل الأمريكي شايي لونج بحيرة ابراهيم احدى البحيرات التي ينبع منها نهر النيل وهي الواقعة شمال بحيرة فيكتوريا وسماها باسم ابراهيم باشا والد الخديوي اسماعيل وكانت تسمى بحيرة كيوجا مما يدل على دور مصر الحضاري في هذه الجهات (2) هذا وقد ذكرها جورج سفانيفورت في خريطته التي وضعها باسم بحيرة ابراهيم. كما اكتشف مجرى الني لمن واروندجانيالي مرولي وفويره (3).

وكان كشف الغموض عن المسطحات المائية أولى الخطوات التي مهدت لاستعمار هذه المناطق.

هذا وقد ارتبط التنصير بالبعثات الكشفية فقد ظلت المناطق الداخلية من القارة مجهولة من قبل الاوربيين حتى تم استكشاف معالمها الجغرافية خاصة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وكان المنصرون هم الرواد الأوائل لحركة الكشف الجغرافي في أفريقيا الشرقية حيث سلكوا في توغلهم من الساحل الى الداخل طرق القوافل العربية واسترشدوا بادلاء من العرب والسواحيلية (1).

التزم المنصرون بخطة اثارة الأفارقة ضد العرب، سواء في شرق افريقيا في زنجبار أو في افريقيا الداخلية ووضعوا نصب أعينهم مقاومة الدين الاسلامي، والنفوذ العربي وعملت كل طائفة من المنصرين لتدعيم نفوذ ومصالح دولهم التي ينتمون اليها، كذلك مهدت البعثات الكشفية للدول الاوروبية وضع ايديها على المناطق الداخلية في أفريقيا (2).

ويمكننا لاقوم بأن أهم وأول الهيئات التنصيرية في شرق أفريقيا بصفة عامة كانت جمعية الكنيسة التنصيرية والتي تأسست في لندن عام 1799 باسم جمعية الارساليات الى أفريقيا والشرق وهي أول الهيئات البروتستانتية الانجليزية التي اهتمت بالتنصير في أفريقيا الشرقية والوسطى وأنشأت في راباي في عام 1844 أول مركز تنصيري في المنطقة بعد طرد البرتغاليين وكان مبعوثوها المنصر الألماني كراف (3) وبيمان وايرهادرت الذين كانوا يعملون لحسابها على الرغم من رعويتهم الألمانية (4).

وصل كراف زنجبار عام 1844 يحمل توصية من لورد ابردين وزير الخارجية البريطاني الى السيد سعيد بن سلطان الذي رحب به وزوده بتوصية الى ولاته بالساحل يدعوهم فيها الى تقديم المساعدة الى هذا الرجل الأبيض الذي جاء يدعو الله، ويعزى هذا الموقف من جانب السيد سعيد اما لاعتقاده بان المنصر الاوروبي لم يأتي الى أفريقيا الى لهداية القبائل الوثنية فحسب وليس لمحاربة الاسلام واعاقة انتشاره أو لرغبته في التودد للحكومة البريطانية ومحاولة استرضائها.

ولاشك أن توصية لسطان زنجبار كانت بالغة الاثر ولولاها ما استطاع كراف أن يحصل على مساعدة قاضي لامو المسلم في ترجمة الكتاب المقدس الى اللغة السواحيلية أو أن ينزل آمنا مطمئنا على حياته بأراضي قبيلة وانيكا الوثنية فيما رواء ممبسة. والتي كانت تدين بالولاء لزنجبار، وذلك بعد أن تعذر عليها مباشرة عمله وسط قبائل الجالا الصومالية (1).

ومنذ عام 1844 اتخذ كراف وزميلاه من ممبسة قاعدة للتوغل في الاقاليم الداخية وبحثو عن الاماكن التي تصلح لاقامة مركز للتنصير فأسسوا في راباي مركز للتنصير كما تجولوا في المنطقة في الفترة ما بين 1848-1849 هذا بينما كان ريبمان يسعى جاهدا لاكتشاف جبال كينيا خاصة كبيمناجارو (2).

بذل كراف جهادا كبيرا للاطاحة بالنفوذ العربي خاصة في شرق افريقيا ولكن رغم كل هذه الجهود لم يحقق مركز راباي للتنصير تقدما في أعماله وعجز عن جذب الأهالي اليه وذلك لأن التنصير في ساحل أفريقيا الشرقي لقى تحديا من جانب الاسلام، وقد عاد كراف الى اوروبا عام 1853 وتبعه ابرهارد وظل ريبمان بمفرده ثم عاد الى وطنه عام 1875 وتوقف النشاط التنصيري ابان العقد السادس الا أنه استؤنف بشكل جديد عقب زيارة فرير لزنجبار عام 1876 وانشئت جمعية الكنيسة التنصيرية بايعازه مستعمرة الرقيق المحررين في السهل الساحلي المقابل للمبسة واطلق عليها فريرتون نسبة اليه وتحت اشراف المنصر، ثم توالت البعثات الكشفية، ولعل أهممها بعثة ريتشارد بيرتون Richard Burton وسبيك Speke. وكان برتون ضابطا في الجيش الانجليزي اتقن اللغة العربية. وفي عام 1854 عمل في لندن، ثم قام بعدة رحلات الى شرق افريقيا بهدف الوصول الى النيل وفي عام 1856 اسندت اليه الجمعية الجغرافية اكتشاف ساحل أفريقيا الشرقي ومعه سبيك وفي عام 1857 وصلا زنجبار ونزلا عند الساحل الشرقي عند باجامايو ومنها توجها صوب الجنوب الغربي ومنها الى طابورة عام 1857 قرب بلدة اوجيجي. وعلما في طابورة بوجود ثلاث بحيرات عظمى هي نياسالاند وفيكتوريا و تنجانيقا. ثم استأنفا الرحلة فوصلا اوجيجي عند بحيرة تنجانيقا، والتي تم اكتشافها عام 1858. وتعتبر أول بحيرة يتم اكتشافها من تلك البحيرات الثلاث ثم عاد الى طابورة وعلما بأ، هناك بحيرة شمالا أعظم من تنجانيقا، فواصل سبيك الرحلة بمفرده بعد مرض برتون، ونجح في الوصول الى البحيرة وأطلق علهيا فيكتوريا نيانزا عام 1858. وقد سمع عن هذه البحيرة من التجار العرب فأكد بأنها منبع النيل ثم عاد الى زنجبار عام 1859 (1).

هذا وقد أثار نجاح سبيك حماس الجمعية الجغرافية فقررت ارساله في رحلة ثانية عام 1860 بصحبة ضابط من الجيش الهندي هو جيمس جرانت فوصلا الى زنجبار ومنه اتجها الى الشمال الغربي الى بحيرة فيكتوريا، وكان الهدف الرئيسي من الرحلة هو التأكد من خروج النيل من البحيرة وقد اتجها عبر نهر كاجيرا واخترقا مملكة كاراجوي في اوغنده فأحسن ملكها رومانيكا استقبالهما وديا. وألبغ موتيسا ملك اوغندا بوصولهما الى أراضيه فدعاهما لمقابلته، ووصل سبيك الى العاصمة باندا، فوجد أن سكان اوغنده على جانب كبير من الحضارة والتقدم، واكرم الملك موتيسا وفادته، وكان سبيك وجرانت هما أول من دخل مملكة اوغنده من الاوروبنيين. وهذا وقد حاول سبيك الافادة من الموقف فتحدث مع موتيسا عن المسيحية ومبادئها، ولكنه مني بخيبة أمل بسبب ميل الملك الى العرب والمسلمين، ولذلك قرر فور عودته ضرورة المطالبة بالقضاء على النفوذ العربي وارسال المنصرين الى اوغنده واتخاذها قاعدة للتوسع البريطاني في أفريقيا الوسطى (2).

واصل سيبك وجرانت الرحلة وطافا حول ساحل البحيرة الشمالي، حتى تتبعا مخرج نهر النيل من الجهة الشمالية حيث الشلالات التي أطلق عليها سبيك "شلالات ريبون" في يونيو 1862. ثم قصد في سبتمبر 1862 البريطاني بريس وبدأت أعمالهما في عام 1875.

وأخذ المنصرون يشجعون العبيد على الهرب من أسيادهم العرب، والالتجاء الى المستعمرة التي صارت تستقبلهم وتمنحهم حماية الجمعية ثم تقوم بتهيئتهم للخدمة عند الاوروبيين دون أجر أو بأجور زهيدة فاصبحوا أحرارا من الناحية النظرية واستقبلت المستعمرة الوافدين ليس فقط من ساحل القارة وانما من المناطق الداخلية ودعا فرير الى تعليم فرق من الافارقة وتهيئتهم كي يصبحوا كهنة فيكونوا أقدر على العمل التنصيري في المناطق الداخلية (1).

وجدير بالذكر أن الفرنسيين اسهموا في النشاط التنصيري وكما المنصرون الكاثوليك قد عملوا في زنجبار منذ عام 12860 ثم أنشأت جمعية الروح المقدسة عام 1863 مركزا تنصيريا دائما في زنجبار عرف باسم محطة او مركز الآباء السود وفي عام 1868 أنشأ آباء الروح المقدسة على الساحل مستعمرة العبيد المحررين (2).

ومضى المنصرون الفرنسيون في مزاولة أعمالهم ولقوا التشجيع من الأسقف شارل لافيجيري 1825-1892 الذي عمل كردينالا كما عمل أسقفا من قبل في الجزائر ووضع عام 1868 نظام الآباء البيض التنصيري ثم أخذ يدعو لشن حملة صليبية جديدة للقضاء على الاسلام. وفي 24 فبراير 1878 أصدر البابا ليو الثالث عشر مرسوما بانشاء اسقفيتين في أفريقيا الشرقية لتتوليا أعمال النصير وتختص أحداهما ببحيرة فيكتوريا والثانية ببحيرة تنجانيقا وان تكون هاتان الاسقفيتان تابعتين لاسقفية الآباء البيض في الجزائر برئاسة لافيجري (3).

استمر عمل الارساليات البريطانية رغم نشاط الارساليات الفرنسية ونجح ستانلي في زيارة الملك موتيسا ملك اوغندا عام 1875 الذي أحسن استقباله ويمكننا القول أن بعثات المنصرين بدأت تغزوا اوغندا بعد مقابلة ستانلي لموتيسا فطلب من بلاده ارسال المزيد من الارساليات التي مارست نشاطها في اوغنده، اونيورو، بوسوجا، تورو، والجون (4).

وهناك حقيقة هامة ينبغي ألا نغفلها وهي أن اوروبا راقبت بعين القلق والحسد نشاط مصر في أفريقيا وامتداد نفوذها في أفريقيا الوسطى فعملت على الحيلولة دون امتداد هذا النشاط جنوبا ولذلك لقيت دعوة ستانلي بارسال المزيد من البعثات لاوغنده تأييدا كبيرا وأقبل الشعب البريطاني على التبرع من أجل تاسيس ارسالية مسيحية في اوغنده فتم جمع أربعة وعشرين ألف جنيه ، وعرض المبلغ على جميعة الكنيسة التصنيرية في مقابل الزامها بارسال بعثتين الأولى في كاراجوي والثانية في اوغنده خاصة وأن شعب كاراجوي مسالم كما أن رومانيكا أكثر هدوءا من موتيسا.

وأوحت اللجنة بأن يسلك المنصرون طريق افريقيا الشرقية وأن يرسل كتابا الى جوردون لطلب مساعدته وأن يطلب حماية سلطان زنجبار لتأمين طريق الارساليتين حتى انيانيمبي وان تقدم الهدايا لموتيسا ورومانيكا (1).

تطوع للعمل كل من الضابط البحري شير جولد سميث والمهندس ألكسندر ماكاي والقس ويلسون والمهندس المعماري اونيل ، وجون سميث، وهو طبيب من أدنبره وفي 22 يونيو 1877 سمع موتيسا للبعثة بدخول ابلاد فكان سيرجولد سميث وويلسون أول من دخل المملكة من جمعية الكنيسة التنصيرية (2).

تمكنت الارساليات المسيحية سواء البروتستانتية أو الكاثوليكية خلال خميسن عاما من غرس المسيحية ونشر تعاليمها في جميع أنحاء البلاد وزاولت البعثات الانجليكانية نشاطها في اوغندا، بونيرو، تورو، بوسوجا، وألجون. أما البعثات الكاثوليكية الفرنسية ويمثلها جمعية الآباء البيض فقد مارست عهملها في بونيرو وتورو وبوجندا جنبا الى جنب مع الارساليات البروتستانتية (3).


تصدي المنصرين للنشاط المصري في اوغنده

بدأت علاقة مصر بمملكة أوغنده (بوجندة) منذ أن أوفدت الحكومة المصرية السير صمويل بيكر الى أعالي النيل عام 1869 للقضاء على تجارة الرقيق ومكافحتها في الاقاليم الاستوائية وفتح هذه الاقاليم للتجارة المشروعة ومع أن بيكر اعتقد أن الغرض من ارساله الى غندكرو انما كان توسيع ممتلكات مصر في جهات خط الاستواء قبل أي اعتبار آخر فأخذ على عاتقه اثارة الحروب وخوض المعارك والفتك بالأهالي (1).

وجدير بالذكر أن اختيار بيكر جاء بناء على مساهمته في كشف منابع النيل وخبرته في هذه المناطق (2). هذا وقد نجح بيكر في مهمته وبسطت مصر سيطرتها على أعالي النيل في المنطقة المعروفة باسم المديرية الاستوائية والتي امتدت من جنوب مديرية فاشودة الى جنوب خط الاستواء 1869-1889 كما بسطت سيطرتها على الادو ولابوري والرجاف على النيل الأبيض ومكركة جنوب بحر الغزال ومرولي على نيل فيكتوريا وماجنجو في بحيرة ألبرت وماسندي في اورندجاني على مدخل بحيرة فيكتوريا وفي البلاد الواقعة حولها وحول بحيرة البرت وكيوجا (3).

كما أصبحت غندكرو محطة هامة لتجارة الرقيق والعاج. وفي عام 1874 رفع بيكر العلم المصري عليها وأطلق عليها الاسماعيلية وجعلها عاصمة لمديري خط الاستواء (4).

ثم اتجه بيكر جنوبا ودخل مملكة اونيرو 1872-1873 والي كان يحكمها الملك كاباريجا، وتقدمت قواته في 22 مارس 1872 الى فويرا، وأسس بها محطة. وفي 15 أبريل وصل الى كوكي ثم دخل ماسندي عاصمة اونيورو. وكان كاباريجا قد أظهر الولاء للحكومة لامصرية وارسل هدى الى بيكر وفي 14 مايو 1872 أعلن بيكر دخول اونيرو تحت الحماية المصرية وبحضور الملك كاباريجا الذي تظاهر بالولاء لمصر ثم ما لبث أن قام بعدة اضطرابات فتم طرده من الحكم وعين ريونجا بدلا منه ولكن بسبب هذ الاضطرابات اضطر بيكر للتراجع الى ماسندي (1).

وعندما علم الملك موتيسا ملك اوغنده بدخول قوات بيكر اونيورو، أرسل لمقابلته ووجه اليه الدعوة لزيارة اوغنده. وكان هدف موتيسا هو التحالف مع بيكر ضد كاباريجا خصمهما المشترك . ولذلك ارسل قوات وامدادات لبيكر قدرت بستة آلف رجل ضد كاباريجا الذي ظل مسيطرا على الموقف بسبب التفاف الأتباع حوله في اونيورو وظل هو الحاكم الفعلي في البلاد فبدأ يفكر في خطب ود ممثلي الحكومة المصرية من جديد (2).

ثم هيأت الظروف في مصر لكاباريجا الفرصة لتحسين علاقته بها، لأن الحكومة لامصرية ارادت خلال هذه الفترة دعم نفوذها في المديرية الاستوائية جنوب السودان ومد سلطانها الى اقاليم النيل العليا وفتح هذه المناطق للتجارة ولذلك عهدت الى تشارلز جوردون بهذه المهمة وطلب منه ضرورة توطيد الصداقة مع الزعماء الوطنيين خاصة في المناطق المجاورة للبحيرات الاستوائية وأكد الخديوي اسماعيل في تعليماته لجوردون في عام 1873، بأنه لا يريد ضم أرضا وانما يريد فتح هذه الاقاليم للعالم والقضاء على تجارة الرقيق (3).

وبفضل هذا التعاون انفتح أمام مصر طريق التجارة ليس بينها وبين أعالي النيل فحسب وانما بين أعالي النيل وزنجبار (4).

وتم تعيين جوردون مديرا لخط الاستواء 1874-1876 ثم عين حكمدار لعموم السودان عام 1877 وعين ابراهيم فوزي بدلا منه في خط الاستواء ثم أمين باشا. واتجه الى السودان عن طريق البحر الأحمر ثم وصل الخرطوم ومنها اتجه جنوبا على ظهر البواخر المصرية، وصحبه ابراهيم افندي فوزي، ووصلت البعثة فاشودة ثم تابعت سيرها الى السوباط ثم غندكرو (الاسماعيلية) ومنها الى اللادو عاصمة مديري خط الاستواء بدلا من غندكرو، ثم تابعت سيرها جنوبا في بحيرة ألبرت وأنشأت بالدفلاي شمال البحيرة ترسانة لتنظيم الملاحة لأعالي النيل والبحيرة (1).

وعند وصول جوردون الى غندكرو قاعدة مأموريته في 17 أبريل 1874 وصل اليها مبعوثون من قبل موتيسا وكاباريجا محملين بالهدايا للخديوي اسماعيل وكانت هدية موتيسا تتكون من كمية من العاج وبعض منتجات بلاده وستة من الأطفال الرقيق، وأبدى الملك على لسان مبعوثيه رغبته الأكيدة في عقد أواصر الصداقة مع الحكومة المصرية وطلب ارسال فقيه لكي يلقن شعبه القرآن الكريم (2).

وكانت نتائج هذه الزيارة هامة بالنسبة لمصر وذلك من أجل تنمية تجارة السودان فقد وجد موتيسا أن التجارة مع السودان أيسر وأسهل وأسرع من التجارة مع ساحل زنجبار فالرحلة الى المنطقة الأخيرة تستغرق ثلاثة اشهر بينما كانت المسافة بين مملكة موتيسا وغندكرو قاعدة مصر لا تزيد عن عشرين يوما فقامة علاقات تجارية بين الطرفين أي بين اوغنده والسودان لا يوفر الوقت فحسب بل يوفر الحماية لموتيسا ايضا من خطر الاعتماد على زنجبار وحدها في امداده بالبضائع التجارية والأسلحة النارية (3).

هذا وقد أوصى جوردون الحكومة المصرية بارسال الفقهاء الى اوغنده وتلقين موتيسا وشعبه القرآن الكريم كما أوصى بارسال الهدايا اليه وأكد أن موتيسا في اوغنده يفوق كاباريجا حاكم اونيورو نفوذا وقوة وأنه لابد من توطيد أواصر الصداقة بين الطرفين. ويبدو أن الحكومة المصرية أرادت اقامة الصلات مع الحاكمين فأرسلت الهدايا الى حاكم اونيورو وكاباريجا (4).

أرادت مصر تدعيم سيطرتها على اوغنده فأرسلت الضابط الأمريكي شاليه لونج (1)، الذي عمل في خدمة مصر 1870 ثم عين رئيسا لأركان حرب جوردون 1874 فولاه مديرية خط الاستواء وكانت التعليمات الصادرة اليه هو العمل على تقوية روابط الصداقة بين الحكومة المصرية وموتيسا وتنمية التجارة بين السودان واوغنده واقناع الملك موتيسا بتصدير العاج لمديرية خط الاستواء بدلا من تسليمه للتجار في زنجبار واكتشاف منابع النيل ما بين غندكرو وبحيرة فيكتوريا تمهيدا لعمل السفن المصرية في المنطقة وقد اتجه لونج الى موتيسا في عاصمة روباجا واقام في اوغنده حوالي شهر تعددت خلاله مقابلاته مع موتيسا كما تفقد بحيرة فيكتوريا ثم غادر روباجا عائدا الى مديرية خط الاستواء ، واكتشف بحيرة ابراهيم (كيوجا) ووضع مؤلفا عند رحلاته في أفريقيا (2).

هذا وقد اكد شريف باشا، وزير خارجية مصر أن مصر ضمت منطقة البحيرات اليها بعد أن استولى جوردون على مرولي عند نيل فيكتوريا، وأن الجنود المصريين أسسوا عدة محطات في ماسندي عاصمة اونيورو، كذلك في اورندجاني وعند شلالات ريبون وفي الدفلاي، وبذلك تكون مصر قد بسطت سيطرتها حول بحيرتي فيكتوريا والبرت هذا وقد نشرت الوقائع المصرية عام 1876 أن جوردون أكد أن الملك موتيسا طلب منه عساكر وتم وضع ثلاثين جنديا في بلدة اورندجاني وذلك تأكيدا لما ذكره لونج.

وفي رسائل جوردون أكد أن الملك موتيسا أقام يمين الولاء لمصر عام 1876 وأن الحامية المصرية استقرت في روباجا عاصمة الملك. هذا وقد حصل لونج على اعتراف الجمعية الجغرافية والأمريكية على جهوده في شواطئ البحيرات الاستوائية وادخاله في زمرة المكتشفين والجغرافيين وأكثر التقارير الى الجمعيات العلمية والهيئات المسئولة (3) فرحبت به الجمعيات العلمية الفرنسية في باريس وروان وذلك لأنه انحاز لفرنسا وأكد أن لها السبق في أفريقيا عن بريطانيا كما ندد بسياسة بريطانيا الاستعمارية في افريقيا الشرقية والوسطى.

هذا وقد ظل يونج حتى آخر أيامه يؤكد توقيع معاهدة 1874 مع الملك موتيسا بينما رفضت السلطات البريطانية الاعتراف بها لمد نفوذها على المنطقة (1).

وقد انتهز لونج فرصة القاء محاضرة أمام الجمعية الجغرافية النورماندية في روان بفرنسا فذكر أنه أبرم المعاهدة ونشر المحاضرة بعنوان منابع النيل (2). وفي عام 1892 نشر كتابا عن مصر وأقاليمها المفقودة (3) وأكد فيه من جديد توقيع معاهدة 1874 مع موتيسا وأكد أن المعاهدة تمت بمساعدة أحد المترجمين العرب وأرسل خطابا الى الجمعية الجغرافية 1908 فيه نص المعاهدة. ولكن اختلفت التفسيرات حول هذه المعاهدة فقد انكرتها السلطات البريطانية وأكدت أن لونج كان مريضا خلال فترة اقامته لدى موتيسا لم تكن الفرصة سانحة له لتوقيعها ولكن الذي يهمنا سواء وقعت المعاهدة أم لا أن هناك حقيقة هامة إلا وهي امتداد النفوذ المصري المسلم الى منطقة البحيرات الاستوائية ودعم السيطرة المصرية حول بحيرتي فيكتوريا وتوطيد الصلات مع ملك اوغنده موتيسا (4).

أرسل جوردون ارنست لينان دي بلفون الى اوغنده بعد عودة لونج وأرسل معه نسخ من القرآن الكريم واتجه لبنان الى فاتيكو 1875 ثم فويرا ثم مرولي ودخل اوغنده حيث قابل الملك موتيسا في 13 أبريل 1875 وطلب لبنان انشاء محطات عسكرية في المناطق المؤدية الى البحيرات الاستوائية ونصحه موتيسا بمساندة ريونجا خصم كاباريجا ملك اونيورو وقد حرص جوردون على انشاء المحطات بين فويرا وألبرت لتسيير دخول المراكب البخارية (5).

وأخذ لينان يشجع موتيسا وشعبه للدخول الى الاسلام ثم اتجه الى بحيرة فيكتوريا لمقابلة المكتشف الشهير ستانلي الذي يقوم بجولات كشفين في منطقة البحيرات الاستوائية وعندما علم بمهمة لينان في اوغنده أرسل خطابه الشهير الى صحيفة الديلي تلجراف من روباجا في 14 أبريل داعيا المنصرين البريطانيين للقدوم الى اوغنده. وحاول ستانلي اقناع موتيسا باعتناق المسيحية مؤكدا له أن البلاد في حاجة الى الشباب المسيحي لبناءها وانقاذها. ونشر ستانلي رسالته الشهيرة في نوفمبر 1875 داعيا المنصرين للعمل في اوغندا "أنني أتكلم الى ارسالية الجامعات في زنجبار والى الأحرار في ممبسة والى زعماء الأنسنيين والى شعب انجلترا الورع اغتنموا فرصتكم أن سكان شواطئ البحيرة يدعونكم (1).

نلاحظ هنا مدى حقد ستانلي فما كاد يعرف بوصول ارنست لينان الى اوغنده حتى بدأ في اثارة الهيئات التنصيرية البريطانية لتسرع الخطى وتجد لها موضع قدم في اوغنده.

هذا وقد قتل ارنست لينان أثناء اشتباكه مع احدى القبائل الوطنية فأسرعت الحكومة المصرية بارسال رومولو جيسي في 7 مارس 1876 الى اوغنده وقد نجح جيسي في ارتياد سواحل ألبرت وقدم بيانات عن شواطئها ورفع العلم المصري عليها وعلى ماجونجو (2).

وفي نفس العام أرسل الكولونيل مانسون للقيام برحلة حول بحيرة البرت ونشرت الجمعية الجغرافية تقريره الى جوردون عن المنطقة ثم ارسلت مصر بعثة نوراغا مدير فاتيكو في السودان في 1876 الى موتيسا لكي يتفق معه على اقامة مركزين في الطريق الى بحيرة فيكتوريا وظل موتيسا على علاقته الطيبة مع جوردون وسمح لنور أغا بالاقامة في روباجا العاصمة واقام الأخير محطتين في أورندجاني وروباجا عاصمة موتيسا ورفع العلم المصري عليها (3).

ولكن بسبب دسائس المنصرين تخوف موتيسا من النفوذ المصري فانقلب على نور أغا لأنه لم يتنازل عن استقلاله لمصر وجرد الجنود المصريين من أسلحتهم وأصبحوا تحت رحمته في روباجا ومنع وصول الحمالين اليهم وأكد أن رفع العلم المصري على قصره كان نوعا من التكريم فقط وأصبحت هناك مشكلة بالنسبة لجوردون إلا وهي تخليص الحامية المصرية في روباجا من موتيسا خاصة وأن الأخير جلب الأسلحة من تجار الساحل الشرقي (1).

وخلال تلك الأزمة زار موتيسا أمين أفندي (2) أحد موظفي خط الاستواء وهو الألماني ادوارد شنتزر الذي اعتنق الاسلام وعمل طبيبا في الخرطوم فكلفه بالذهب الى اوغنده لتحسين العلاقات مع حاكمها فوصل العاصمة روباجا في 22 يوليو 1876 (3).

حرص أمين أفندي على اخراج الحامية المصرية سالمة من روباجا واقنع موتيسا بارسال بعثة الى القاهرة للتفاوض مع المسئولين كذلك اقترح عليه أن تعترف الحكومة المصرية به ملكا على اوغنده ونجح أمين أفندي في مهمته ولكن موتيسا رفض ابرام معاهدة مع مصر أو ارسال سفارة الى القاهرة ولكنه وافق على خروج قوات نور أغا سالمة من روباجا في 31 أغسطس 1876 (4).

خرجت القوات المصرية سالمة من روباجا وعلل جوردون ذلك الانسحاب من جانبه أنه علم أ، الملك موتيسا يشتري كميات كبيرة من البارود من زنجبار، وأنه عقد العزم على القيام بعمل عدائي ضد القوات المصرية كما أنه رفع العلم البريطاني الذي تركه ستانلي في العاصمة، وأنه أي جوردون اضطر لسحب القوات المصرية من ماسندي في أونيورو رغم فرار كاباريجا من العاصمة ولكن الحقيقة أن الموقف في أونيورو لم يكن يستدعي الانسحاب ولكن جوردون أراد افساح العمل لبلاده لنشر النفوذ البريطاني في اوغنده واستبعاد مصر (5).

ويمكن القول بأن المنصرين البريطانيين في روباجا أثاروا شكل الملك موتيسا تجاه النوايا المصرية وبالغوا في تجسيم الخطر المصري في اقليم البحيرات ولعب المنصر سير جولد سميث وزميله ويلسون دورا هاما في هذا المجال. وأيدت وزارة الخارجية البريطانية نشاط هؤلاء المنصرين كذل اعضاء البرلمان البريطاني والجمعيات الانسانية. ولعل أبلغ دليل على ذلك أنه عام 1877 اجتمع برئاسة اسقف كنتبري نفر من البرلمان قدموا الى اللورد دربي وزير الخارجية مذكرة احتجاج ضد ما اسموه توسع الحكم المصري جنوبا الى بحيرة فيكتوريا نيانزا وتدخل مصر في استقلال موتيسا. كذلك لا ننسى دور القنصل العام البريطاني في زنجبار جون كيرك الذي قاد حملة شعواء ضد النفوذ المصري كما طلب من التجار البريطانيون في ساحل شرق افريقيا وفي زنجبار من الحكومة البريطانية حمايتهم وقد استجابت وزارة الخارجية البريطانية وأبلغت الخديوي اسماعيل 1877 بأن أية محاولة للاعتداء على أراضي موتيسا ستقابل بالاستنكار من جانب بريطانيا كما قوبلت من قبل محاولاته للتوسع على حساب أملاك سلطان زنجبار (1).

ولا ننسى دور جوردون في سحب الحاميات المصرية ليس من اوغندا وروباجا فحسب وانما من أونيورو وعلل ذلك بأن المنطقة غير حصية ورغم أن الموقف لم يكن يمثل خطورة على القوات المصرية في هذه الجهات وانما أراد تهيئة المنطقة للنفوذ البريطاني.

ولكن على الرغم من انسحاب مصر من اوغندا واونيورو الا أن ذلك لم يكفل الراحة للمنصرين البريطانيين لأنه سوف يتورطوا في نزاع مع الملك موتيسا نفسه بعد أن يشعروا بأنه تخلص من النفوذ المصري وسوف تتوتر العلاقة بين الطرفين حتى وفاته.

وجدير بالذكر أنه في الوقت الذي وصل فيه المنصرون البريطانيون الى اوغنده كانت المملكة قد بلغت درجة كبيرة من القوة وبدأت في السيطرة على مملكة بونيورو في الغرب ومملكة بوساجا في الشرق والمناطق الجنوبية الواقعة في مواجهة الشاطئ الغربي لبحيرة فيكتوريا ايضا هذا في الوقت الذي ارسل فيه سلطان زنجبار الدعاة الى المملكة لنشر الاسلام فيها وحققت الدعوة نجاحا اذ اعتنق موتيسا الاسلام غير أن المنصرين البريطانيين لم يتركوا موتيسا الا وقد ارتد عن الاسلام واعتنق المسيحية خاصة وان التأثير الاسلامي تزايد في المملكة من محورين شرقي أي من ساحل شرق افريقيا ومن محور شمالي قادما من مصر. هذا وقد ظلت الصحف البريطانية تشن حملاتها ضد الاسلام.

فنشرت الديلي تلجراف مقالا في 17 سبتمبر 1870 ذكرت فيه: وسوف يعقد لواء النصر للاسلام في الوقت الذي تمحق فيه المسيحية (1).

ولذلك جاهدت بريطانيا منذ فترة مبكرة لمحاربة النفوذ المصري في اقليم البحيرات وكتب جولد سميث: "بأن موتيسا ضم نفسه الى مصر، وعلق على ذلك "لسوف يكون يوما سيئا على الارساليات المسيحية عندما يحل القمر المشرف على الزوال محل نور الشمس"، ولذلك بذلت الجمعيات التنصيرية في لندن جهدا كبيرا لمنع مصر من ضم اوغنده، والعمل على الحد من نفوذ السلطات المصرية فضغطوا على جوردون الذي كان يعمل في خدمة الخديوي اسماعيل خلال هذه الفترة لمنع ضم اوغنده واحترام استقلالها وشاركت حكومة دزرائيلي 1874-1800 في ذلك فقد شعرت بالقلق من التوسع المصري في أعالي النيل ورأت ضرورة محاربة هذا النفوذ (2).

هذا وقد شارك في الحملة ضد مصر قنصل زنجبار جون كيرك وكان حريضا على ارتداد موتيسا عن الاسلام فكتب لحكومته محذرا "اذا اعتنق موتيسا المسيحية فسوف يعمل على نشرها بين أفراد شعبه وسوف ينقذ أفريقيا الوسطى من نفوذ الاسلام الذي يقطع علينا سبل الرجاء ولذلك يجب علينا ابعاد المصريين عن المنطقة واذا مد جوردون نطاق الحكم المصري الى أقصى الجنوب فأنه سيصبح أكبر عقبة تقابلها المسيحية" ان اوغندا يجب أن تكون حرة وكذلك يجب أن تكون الحبشة اننا نرتكب خطأ مميتا، اذا سمحنا باستمرار اعتداء المسلمين الحالي على كلا الدولتين" (1).

وجدير بالذكر أن شركة افريقيا الشرقية البريطانية لعبت دورا هاما في مساندة المنصرين البريطانيين في اوغندا، فلم تكتف بدعم النفوذ البريطاني في ساحل شرق افريقيا وزنجبار، وانما أرادت التوغل وتوسيع هذا النفوذ الى المناطق الداخلية ساعد على ذلك أن جون كيرك تغرب من سلطان زنجبار خلال تلك الفترة وهو السلطان برغش حتى أصبح له نفوذا كبيرا استغلته في خدمة مصالح بريطانيا والتقت أهدافه التوسعية ورغبته في التوسع في شرق افريقيا مع آراء وأهداف وليم ماكينون (2) الذي قام بدور هام في تأسيس شركة أفريقيا الشرقية عام 1888 وأراد مد نفوذ بريطانيا الى الاقاليم الداخلية لبحيرة نياسا وبحيرة فيكتوريا ومملكة اوغنده. متخذا من زنجبار قاعدة للتوسع لتأسيس امبراطورية بريطانية في القارة فقامت الشركة بدور كبير في دعم السيطرة على بوغنده (3).

تدفق المنصرون البريطانيون على اوغنده ولكن هذا لم يمنع الأهالي من اغتيالهم فتم قتل اثنين من المنصرين هما اونيل وسير جولد سميث مما أثار عاصفة من الاحتجاج في بريطانيا فتم ارسال المنصر ماكي من ساحل شرق أفريقيا فالتقي المنصر ويلسون واستطاع الرجلان توطيد صلاتهما بموتيسا واستأثر ماكي بنفوذ كبير حتى أصبح بمثابة مستشار الملك. وفي عام 1879 تم ارسال فوج آخر من جمعية الكنيسة التنصيرية عن طريق النيل الى روباجا ثم بدأ ارسال عدد آخر عن طريق النيل وزودا بحرس من الجنود المصريين والسودانيين مما اثار هواجس وشكوك موتيسا. ولاسيما وأن تجار زنجبار اتهموا هؤلاء المنصرين بأنهم جواسيس لمصر ثم تبع ذلك وصول منصري جمعية الآباء البيض الفرنسية من الجزائر في 17 فبراير 1879 فرفض موتيسا استقبالهم ولكنه اضطر لاستقبال رئيسهم ليفنهاك (4).

تخوف موتيسا من تدفق المنصرين على بلاده خاصة وان البريطانيين منهم عملوا على نشر المذهب الكاثوليكي مما أحدث تفرقة في البلاد وخشى موتيسا من تزايد النفوذ البريطاني فطلب من ليفنهاج وضع اوغنده تحت الحماية الفرنسية. ولكن خلال تلك الفترة لم تكن فرنسا مستعدة لوضع يدها على المنطقة لانشغالها في غرب افريقيا وفي الهند الصينية (1).

ولم يكتف المنصرون البريطانيون بما وصلوا اليه من نفوذ في اوغنده وعكفوا على دراسة وتعلم لغة البلاد الحلية وأحرزوا تقدما في نشر المسيحية واستطاعوا ترجمة الانجيل الى اللغة المحلية، وكلما أبدى موتيسا تخوفه من تزايد نفوذ المنصرين كان ماكاي يقوم بخداعه مؤكدا له أن بريطانيا لا تهدف سوى مصلحته وأقنعه بارسال بعثة الى بريطانيا (2).

ولكن أمام تزايد النفوذ البريطاني ارتد موتيسا الى وثنيته فأصبح الموقف خطيرا بالنسبة للبعثات التنصيرية واضطرت البعثة الفرنسية للانسحاب في عام 1882 الى الشاطئ الجنوبي لبحيرة فيكتوريا ولم يقدر لها العودة الى اوغنده الى في عام 1885 بينما ظلت الارسالية البريطانية تمارس عملها. وفي مارس 1884 توفى موتيسا وخلفه ابنه موانجا الذي انضم الى انصار العرب والمسلمين وأمر باغتيال الأسقف هاننجتون في عام 1885 كما حكم على العديد من أتباعه بالموت في عام 1886 فاصبح في اوغنده ثلاث اتجاهات فريق اعتنق المسيحية على المذهب البروتوستانتي وآخر على المذهب الكاثوليكي وفريق احتفظ باسلامه (3).

وفي الوقت الذي أخذ فيه موانجا ينكل بالارساليات سقطت الخرطوم وقتل جوردون في يناير 1885 ولم يبق لمصر من اقاليم السودان سوى مديرية خط الاستواء التي لم تقع في يد المهدي وكانت تحت ادارة أمين باشا هذا وقد ساعد على استمراره في المقاومة وجود منطقة السد الى الجنوب من التقاء نهر السوباط بالنيل الأبيض وهو مساحة واسعة منبسطة من الأراضي تعيش فيها قبائل النوير والدنكا وتغطيها الحشائش الطويلة ويجري في وسطها كثير من روافد النيل مما أدى الى وجود حاجز طبيعي يفصل هذه المديرية ومركز الثورة في الشمال كذلك كان أمين باشا يمتمع بسمعة طيبة بين الأهالي، واقام علاقات وطيدة مع الرؤساء الوطنيين ولكنه كان في عزلة عن العالم (1).

وبعد استيلاء قوات المهدي على بحر الغزال كان من المتوقع اتجاهها الى المديرية الاستوائية فاتجهت اليها قوات كرم الله الكركاوي الذي طلب أمين باشا الاستسلام فتظاهر بالمافقة حتى يجمع قواته. وضرب كرم الله الحصار على أمادي في نوفمبر 1884 فسقطت في مارس 1885 وهدد بالاستيلاء على بقية البلاد ولكن أمين باشا صمم على المقاومة ووزع قواته على مراكز بحر الجبل بين اللادو والرجاف والدفلاي وادلاي وأخذ يستعد للقتال ولكن ما لبث المهديون أن انصرفوا نظرا لسقوط الخرطوم في 26 يناير 1885 فتحول نشاطهم الى ميادين أخرى (2).

وفي أول نوفمبر 1885 كتب أمين باشا الى القاهرة طالبا الامدادات عن طريق زنجبار لأنها الطريق الوحيد المتصل بالعالم الخارجي ، وارسل الى كيرك رسالة 1886 فوصله كتاب من نوبار باشا في فبراير 1886 بأن مصر ليست في قدرتها مساعدته وفوضته في اخلاء البلاد والعودة عن طريق زنجبار فانسحب أمين باشا مع جنوده المصريين والسودانيين من اللادو الى وادلاي عن الطريق الشمالي لبحيرة ألبرت واتخذ من وادلاي عاصمة جديدة لمديريته (3).

أدى انعزال أمين باشا في خط الاستواء الى تسابق كل من بريطانيا وبلجيكا وألمانيا لضم المديرية الى أملاكهم مما اضطر أمين باشا الى الكتابة للمنصر البريطاني ماكاي في اوغنده يطلب منه العون (4).

أخذ وليم ماكينون من شرق أفريقيا يضغط على الحكومة البريطانية لارسال حملة انقاذ الى أمين باشا فهذا العمل الانساني في ظاهره سيحقق لبريطانيا العديد من الاهداف السياسية وفي أواخر عام 1866 أرسل كيرك الى ماكينون يشجعه على العمل للاستفادة من انعزال أمين باشا والقيام بحملة لانقاذه. ووقع الاختيار على ستانلي 1886 وتشكلت في بريطانيا لجنة لانقاذ أمين باشا، ومما يلفت النظر أن عددا كبيرا من أعضاء لجنة الانقاذ التي شكلت من أجل أمين باشا أصبحوا فيما بعد أعضاء مؤسسين في مجلس ادارة شركة أفريقيا الشرقية البريطانية وكان الهدف الحقيقي هو اقامة مستعمرة داخلية تجارية متصلة بممبسة (1).

كان ليوبولد ملك بلجيكا يراقب الموقف من دولة الكونغو الحرة فعرض ارسال حملة انقاذ عن طريق الكونغو لأنه أراد أن يقوم ستانلي فتح طريق بين الكونغو والنيل وقد تحرك ستانلي من مصر الى زنجبار في 24 فبراير 1887 واستطاع الاتفاق مع حميد المرجبي واتجه الى مديرية خط الاستواء ثم استخدم ستانلي طريق الكونغو والتقى أمين باشا الذي رفض عرض ملك بلجيكا وهو أن يعمل في المنطقة كمدير في خدمة دولة الكونغو الحرة (2).

قبل أمين باشا العمل مع بريطانيا وأن تنسحب قواته الى الشمال الغربي لساحل فيكتوريا وأن ينشئ المراكز بها وينتظر وصول قوات الشركة من شرق افريقيا. هذا بينما تقدمت قوات الخليفة التعايشي الى اللادو وارسلت رسلها لاقناع أمين باشا بالاستسلام فقام بقتلهم. ولكن قوات المهدي انسحبت الى الجراف واجبر ستانلي أمين باشا على الانسحاب وذلك بسبب تكلفة حملة الانقاذ وعلى اعتبار أنه المسئول أمام لجنة الانقاذ أضف الى ذلك خوف ستانلي من ضم هذه المناطق الى ألمانيا خاصة وأن كارل بيترز تطلع لضمها الى ممتلكات ألمانيا، وبالفعل أرغم أمين باشا على الانسحاب، وبرفقته أتباعه.

ولكن رغم الانسحاب بقى النزاع على مديرية خط الاستواء بين المهديين بقيادة عمر صالح في الرجاف وبين بقايا جيش أمين باشا الذين رفضوا الانسحاب مع ستانلي في الدفلاي ثم وادلاي. وفي ديسمبر 1889 وصل أمين باشا الى باجامبو سالما واستغرقت حملة الانقاذ ثث سنوات. وفشل ماكيدون في ضم هذه المديرية الى السيطرة على اقليم البحيرات عن طريق أمين باشا وجنوده (1).


لوجارد واستبعاد النفوذ الاسلامي

كان موانجا ملكا ضعيفا متقلب الأهواء أظهر العداء للنشاط التنصيري وأمر باغلاق حدود مملكته من جهة الشرق وحرم دخول الاوروبيين وأعدم عددا كبيرا من المنصرين منهم الاستقف هاننجتون وأظهر العداء للمنصرين الكاثوليك والبروتستانت ثم وضع خطة لانعاش الوثنية في عام 1888 واشترك مع أتباع الوثنيين في اغتيال جميع المنصرين وتدبير مذبحة لهم وقد حاول ريس وزارته ومستشاريه نصيحته بالعدول عن الفكرة فرأى أن ينفيهم الى جزيرة مهجورة ويتركهم ولكنه فشل في تحقيق مخططه واضطر للفرار من البلاد ونصب العرب المسلمون شقيقه كيويوا بدلا منه ولكن ما لبث الأخير ان استبعد من الحكم بسبب تزايد النفوذ العربي وتم تعيين شقيقه كاليما بدلا منه في ديسمبر 1888 ولكن موانجا لم يكن من السهل عليه الاستسلام فقرر استعادة حكمه ولجأ الى الآباء البيض الكاثوليك في جنوب بحيرة فيكتوريا في انكول وتعهد لهم بحماية المذهب الكاثوليكي في مقابل مساعدته في العودة الى الحكم هذا وقد وافق المنصرون الكاثوليك على عودته للحكم لكن لكي يدين لهم بالولاء بينما رفض ماكاي المنصر البريطاني ارجاعه ولكن الفرنسيون نجحوا في تقديم المساعدات القيمة لموانجا (1).

كانت الخطوة التالية بالنسبة لبريطانيا هي ضرورة العمل على ضم اوغندا لأنها كانت تخشى استفحال النفوذ الفرنسي فيها كذلك كانت تخشى امتداد النفوذ الالماني الى منطقة البحيرات الاستوائية اتضح ذلك من محاولات كارل بيترز الاستفادة من وجود أمين باشا لمد نفوذ بلاده (2).

هذا وقد ساعدت الظروف الدولية بريطانيا على تحقيق هدف ضم اوغنده خاصة منذ انعقاد مؤتمر برلين 1884-1885 وهو المؤتمر الاستعماري الذي نظم عملية سلب ونهب القارة الأفريقية، ووافقت فيه الدول الاوروبية على تنظيم استعمار القارة. وبعد المؤتمر عقدت بريطانيا وألمانيا في أول نوفمبر 1886 اتفاقا بمقتضاه تم تقسيم النفوذ في ممتلكات سلطان زنجبار وفي ساحل شرق افريقيا. وكان صاحب الاقتراح هو جون كيرك فتم الاتفاق على تقسيم المنطقة الساحلية الى منطقتين منطقة نفوذ بريطانية في الشمال ومنطقة نفوذ ألمانية في الجنوب، واعترفت بريطانيا وألمانيا بحقوق سلطان زنجبار في بمبا ولامو ومافيا وشريط ساحلي يمتد من راس تونجي جنوبا الى كييني عند مصب نهر تانا مالا وهو شريط طوله ستمائة ميل وعرضه عشرة أميال كما تم تقسيم الاقليم الواقع بين نهر روفونا وتانا الى منطقة نفوذ بريطانية وألمانية واصبحت بريطانيا تتحكم في منطقة واسعة المساحة تمتد من ساحل ممبسة حتى بحيرة فيكتوريا وكانت نواة لمستعمرة أفريقيا الشرقية البريطانية (كينيا) أما ألمانيا فقد وضعت يدها على الجزء الجنوبي من نهر اومبا حتى جبال كليمنجارو في الداخل والطرف الشرقي لبحيرة فيكتوريا حتى نهر روفوما (1).

وفي عام 1890 عقدت بريطانيا معاهدة هيلجولاند بمقتضاها حلت المشاكل بين البلدين في شرق افريقيا فاعترفت ألمانيا بحماية بريطانيا على زنجبار، وعلى مستعمرة أفريقيا الشرقية البريطانية (كينيا) واتفق على أن تمتد حدود الدولتين الى بحيرة فيكتوريا والى الكونغو الحرة وبذلك تدخل اوغنده ضمن منطق نفوذ بريطانيا في مقابل اعطاء المانيا هيلجولاند في بحر الشمال واطلاق يد فرنسا في مدغشقر (2).

ولاجدال ان اعتراف ألمانيا باوغنده كجزء من منطقة نفوذ بريطانيا وقد أدى الى توجيه الأنظار اليها اصبح هدف الشركة البريطانية في شرق افريقيا هو الاستثمار والاستفادة من موارد البلاد من نهر جوبا الى أعالي النيل شرقا كما أرادت مد خط حديدي من ممبسه على الساحل حتى بحيرة فيكتوريا الى الداخل لأن هذا الخط سيمكن بريطانيا من التوغل نحو الداخل. واصبح هذا الخط لا غنى عنه للابقاء على النفوذ البريطاني حول منابع النيل (3).

ولكن انتشار الحروب الأهلية في اوغنده بين أنصار المذاهب المختلفة الكاثوليكية والبروتستانتية وتورط الزعماء المحليين في هذا النزاع أدى الى تعطيل المصالح البريطانية وظهرت آراء تدعو الى الانسحاب من اوغنده وعدم القيام بمشاريع فيها ولكن الصحف البريطانية نددت بفكرة الانسحاب ونتائجها على البعثات التنصيرية ومستقبل المذهب البروتستانتي في البلاد وأبدت تخوفها من تصاعد النفوذ الاسلامي.

ولذلك كان الحل الأمثل لبريطانيا هو ارسال بعثة الى اوغنده بقيادة فريدريك لوجارد (1) الذي انضم للعمل في خدمة الشركة البريطانية في شرق افريقيا. وكانت تعلميات الشركة واضحة وهي تعزيز موقف ومركز المذهب البروتستانتي الذي يمثل النفوذ البريطاني مع استمال الكاثوليك واشعار الملك موانجا بقوة ونفوذ الشركة وتخفيف حدة التوتر بين البعثات التنصيرية الكاثوليكية والبروتستانتية.

أقام لوجارد معسكرا فوق تل كمبالا في مواجهة ارسالية الكنيسة البريطانية والآباء البيض ورفع علم الشركة في كمبالا (2).

واجه لوجارد عدة مصاعب في اوغنده منها انقسام الزعامات الوطنية الى فريقين كذلك تنافس البعثات التنصيرية الكاثوليكية والبروتسنتانية وكان مولنجا يؤيد الحزب الكاثوليكي والتابع لفرنسا أو حزب Wa Fansa ولم يعضد الحزب البروتستانتي البريطاني Wainglezia ولكن الحزبان تناسا خلافاتهما وقاما بطرد المسلمين من أونيورو 1889 ورغم ذلك نشبت الحرب الأهلية بين أتباعهما 1889، وفي عام 1890 وصف الأسقف تكر أحوال اوغندا "ان البلاد أشبه بالبركان وان الموقف يوحي بالانفجار"، ولاسيما وان رجال الدين المسيحي تسلحوا بالأسلحة وذلك كان على لوجارد ضرورة الاسراع بتوقيع معاهدة مع مولنجا تجعل لشركة أفريقيا الشرقية البريطانية اليد العليا في شئون أوغنده وبالفعل وقعت المعاهدة في 26 ديسمبر 1890 اعترف فيها بحماية الشركة وسيادتها وحصلت الشركة على حق التدخل في شئون اوغنده الداخلية بالاضافة الى مسئوليتها للحفاظ على الأمن والنظام وحاول لوجارد ارضاء الحزبين ومنع موانجا من تأييد المذهب الكاثوليكي (1).

وبعد توقيع المعاهدة واجه لوجارد مشكلة النزاع بين الحزبين المسيحيين منذ 1889 ولاسيما أن الوظائف كانت مقسمة بين مؤيدي المذهبين وذلك من أجل الحفاظ على توازن القوة ثم الاتفاق على أن من يخرج من مذهب ويعتنق مذهبا آخر من الزعماء المسيحيين فلابد أن يتنازل عن وظيفته، وحاول لوجارد اقناع الزعماء المسيحيين بوضع قوائم لمشاكلهم لمناقشتها ولكن على الرغم من كل هذه المحاولات استمرت المنازعات بين الطرفين (2).

كانت الخطوة التالية هي استبعاد النفوذ المسلم وشن حملة ضد الباجددة المسلمين الذين تجمعوا منذ عام 1890 على حدود بونيورو وقد اختاروا ميوجو أحد أخوة كاليما بعد وفاته ملكا لهم فخشى من حصولهم على مساعدات مالية من كابريجا في بونيورو، ومن المهديين في السودان ولاشك أ، وجود الباجندة المسلمين على حدود بونيورو كان مصدر تهديد مستمر للمسيحيين في بوغنده ومن وجهة نظر لوجارد كان الحزب الاسلامي الباجندي أكثر الأحزاب الوطنية عداء للاوروبيين وبالتالي مصدر تهديد خطير لمركزه هو نفسه في اوغنده وللحزبين المسيحيين البروتستانتي والكاثوليكي الموالين لفرنسا وبريطانيا ولذلك رأى لوجارد ضرورة شن حملة ضد المسلمين في الغرب لتعزيز سلطته ولتوحيد صفوف الكاثوليك والبروتستانت والتفافهم حوله وعلق لوجارد في كتابه بقوله (3): "أنه لن يقف مسيحي ضد مسيحي ونحن أي لوجارد ضد الاثنين بل أصبحنا نقف الآن في جانب واحد وعلى وشك أن نصبح زملاء في ساحة الحرب" (4).

خرج لوجارد من كمبالا في أبريل 1891 على رأس جيش كبير من جنود الشركة ومن المسيحيين وأغار على قبائل الباجندة المسلمة شمال سينجو ثم عاد الى بوجندة (1).

بعد محاربة الباجندة المسلمين اتجه لوجارد غربا ووقع معاهدات مع زعماء تورو وانكولي وكانت خطة لوجارد هي الحاق بقايا جنود أمين باشا السوادنيين في خدمة الشركة على اعتبار أنهم من أحسن العناصر التي تصلح للخدمة العسكرية في أفريقيا، وتقدم لوجارد في الجنوب الغربي وبمقتضى اتفاق بينه وبين سليم بك في كافالي في 13 سبتمبر 1891، انضم سليم بك الى قوات الشركة وأسس لوجارد خمس قلاع ووضع فيها قوات سليم بك على طول الحدود الجنوبية لمملكة بونيورو ليكونوا حاجزا لمنع أي تصادم محتمل بين ملك بونيورو من ناحية والمسلمين الباجندة من ناحية أخرى ثم واصل لوجارد سيره غربا وضم مملكتي انكولي وتورو (2).

رغم جهود لوجارد الا أن الحرب الأهلية نشبت مرة أخرى بين البروتستانت والكاثوليك وتم تصفية هذا الصراع لصالح شركة أفريقيا البريطانية فارغم لوجارد الحزبين على الاعتراف بنفوذ الشركة وتم ابرام تسوية بين الفريقين وعقد معاهدة جديدة 1891 وهي المعاهدة التي ارتبط بها موانجا ارتباطا ابديا ببريطانيا واعترف بنفوذ الشركة وان تقوم بحمايته في بوغنده (3).

وفي عام 1892 عقد لوجارد معاهدة مع مبوجوز زعيم الباجندة المسلمين تنازل الأخير فيها عن المطالبة بحكم اوغنده ووافق على الاقامة في كمبالا وضم أتباعه المسلمين في ثلاث اقاليم صغيرة، تقع بين المنطقتين اللتين يقيم فيهما الحزبان المسيحييان وبذلك أصبحت أقاليم المسلمين في اوغنده محصورة بين مناطق النفوذين الكاثوليكي والبروتستنانتي (4).

وفي 16 يوليو غادر لوجارد اوغنده الى بريطانيا ثم حلت الحكومة البريطانية محل الشركة.

وجدير بالذكر أن الحكومة البريطانية أرسلت قنصلها العام في زنجبار جيرالد بورتال الى اوغنده في أول يناير 1893 لدراسة أوضاع البلاد وفور وصوله قرر وضع يده على جميع الحاميات السودانية ورفع العلم البريطاني مكان علم الشركة ثم أخذ بروتال في ارسال التقارير المفصلة عن الأحوال في اوغنده وطالب من الحكومة البريطانية ارسال بعض الضباط البريطانيين الملمين باللغة العربية ليتولوا ادارة البلاد (1).

ثم اتفق بورتال مع موانجا الا يعقد أية معاهدات او اتفاقيات مع أي اوروبي بدون موافقة مندوب الحكومة البريطانية وتم هذا الاتفاق في 29 مايو 1893.

وفي أول نوفمبر لخص بورتال آراؤه في تقرير أرسله من زنجبار الى بريطانيا لفت فيه النظر الى أهمية موقع اوغنده ووصفه بأنه موقع استراتيجي ذو أهمية كبيرة يسيطر على الشواطئ الشمالية والغربية لبحيرة فيكتوريا وعلى الطريق الوحيد الطبيعي لكل وادي النيل وأغنى مناطق وسط أفريقيا فاذا انسحبت بريطانيا فان دولة أخرى ربما ألمانيا سوف تستولي عليها فتفقد بريطانيا تلك المنطقة الشاسعة التي أكدت معاهدة هيلوجلاند بقائها ميدانا للنفوذ البريطاني وأن سيطرة دولة أخرى سوف تمتد حتما لا على أوغنده وملحقاتها فحسب بل ستسلم اليها كل البلاد المجاورة والبحيرات العظمى ووادي النيل، والمرتفاعت الطبيعية في الداخل ان السيطرة على اوغند تعني السيطرة على أكثر المناطق ازدحاما بالسكان (2).

هذا وقد أدى تقرير بورتال الى التعجيل باحتلال اوغنده وقام الكولونيل كولفيل باخضاع ملك اونيورو وارسل الماجور اوين لمطاردته.

ووقع كولفيل المعاهدة مع موانجا في 1894 في كمبالا، أكدت معاهدة بورتال التي وقعت في عام 1893 (3).

وأقامت بريطانيا المحطات الحصينة بين بحيرتي فيكتوريا والبرت وارتفع العلم البريطاني على ودلاي في عام 1895 (1).

بعد اعلان الحماية البريطانية اعلن سولزيري رئيس الوزراء البريطاني بقوله بفخر "ان أمة متحضرة عظيمة مثل بريطانيا لابد وأن تتصل بالبرابرة لتحقيق التقدم والمدنية" (2).

امتدت الحماية البريطانية تدريجيا فضمت أونيورو 1896 وأبرمت اتفاقية مع بوجندا 1900 ومع تورو 1901 عقدت اتفاقية مع انكولي وبذلك تمكنت السلطات البريطانية في اوغنده من ضم هذه الممالك تحت نفوذها (4).

وعلق لوجارد على الاحداث في اوغنده 1893 بقوله "أن قيام امبراطوريتنا الشرقية الأفريقية حق مكتسب لنا بطول الزمن كذلك احتلال شرق أفريقيا وبحيراتها اذ اكتشفها رحالة بريطانيون ودخلت ارسالياتنا المسيحية أولا على أثر مكتشفينا".

وهكذا كان لوجارد أكثر صاحة وصدقا من جونستون الذي أعلنت أن بريطانيا بدأت في فرض حمايتها على هذه الجهات بدافع من الوازع الانساني الخالص. أما لوجارد فقد أعلن صراحة أن الغرض من هذا الاستعمار هو ايجاد أسواق للمصنوعات والتجارة البريطانية لترويجها (6).

وعين كولفيل أول حاكم لمحمية اوغنده 1894 فعمل على توطيد ودعم الاحتلال البريطاني بالقضاء على الثورات والمنازعات الداخلية والقضاء على ثورة الجند السودانيين إم بسوقهم لخمد الفتن وانهاك قواهم في مهمات بعيدة في غابات اوغنده واونيورو ثم أسر موانجا رغم تعاونه مع السلطات البريطانية وكاباريجا ملكي اوغنده واونيورو تم نفيهما الى جزيرة سيشل (1).







الباب الثالث: الاستعمار البريطاني في جنوب أفريقيا واقليم الزمبيزي-اللمبويو

الفصل السادس: اتحاد جنوب أفريقيا والمحميات البريطانية

أولا: التوسع البريطاني في جنوب أفريقيا

تنقسم جنوب أفريقيا حاليا الى أربع مقاطعات هي الكاب، الترنسفال، الأورانج الحرة، ناتال، وأغلب السكان ينتمون الى مجموعة البانتوا الجنوبيين وأهم القبائل الزولو، الاكسوزا، والتسوانا (1).

بدأ الهولنديون نشاطهم البحري منذ 1595 واستطاعوا أن يحلوا محل الأسبان والبرتغال، وفي عام 1602 تأسست شركة الهند الشرقية الهولندية. وفي عام 1652 أرسلت الشركة بعثة مكونة من ثلاث سفن بقيادة فان ريبك لانشاء محطة تموين سفنهم المتجهة الى المحيط الهندي في منطقة خليج تيبل (2).

وكان نزول الهولنديين في خليج تيبل بداية الاستعمار الهولندي للمنطقة والذي دام قرن ونصف. وبدأ فان ريبك في ارسال البعثات الكشفية للتعرف عل الوطنيين والمناطق الداخلية. وعلى امتداد قرن ونصف استمر تدفق المستوطنين البيض من هولنده وفرنسا وألمانيا وتطور الوجود الهولندي في الجنوب من مجرد محطة صغيرة الى مستوطنة تضم مهاجرين اوروبيين ثم أضفت عليهم ظروف العزلة في الجنوب وعداء الأفارقة لهم صلابة كبيرة (3).

وقد عمل الهولنديون على تقوية مراكزهم في كيب تاون ثم بدأوا في الاتجاه شمالا بحثا عن المناطق الصالحة للزراعة في الشمال والشرق حيث اهتموا بزراعة الكروم والزيتون واطلق على هؤلاء المزارعين لفظ بوير ومعناه المشتغلين بالزراعة وقد اختلطوا بالسكان وتزاوجوا من الوطنيات مما أكسبهم صلابة كبيرة ثم اتسع اللفظ وأصبح يطلق في القرن 19 على الاوروبيين المستقرين في جمهوريتي الأورانج والترنسفال (4).

مد المستوطنون الهولنديون نشاطهم غربا حتى نهر جريت فيش وشمالا حتى سينوبرجن، وتمركزا في جراف رايديت، وامتدت مزارعهم حتى حافة منطقة الكارو الصغرى، كما استولت الشركة الهولندية على الأراضي المحيطة بمحطة الكاب. وكانت قبائل الهتنتون أولى الجماعات الوطنية اتصالا بالهولنديين ولكنهم لم يندمجوا معهم وقد قضي عليهم الهولنديون وطردوا المتبقي منهم الى صحراء كلهاري ونامبيا الحالية.

وفي عام 1794 غزت فرنسا هولندا فهرب الملك وليم أورانج الى بريطانيا مكونا حكومة في المنفى، وانعكست أحوال هولنده الداخلية على منطقة الكيب فقد خشى ملك هولندا من اقدام الفرنسيين على احتلال المنطقة واتفقت بريطانيا معه على احتلالها لكي تحول دون قيام فرنسا بهذا العمل وقد دام هذا الاحتلال ثماني سنوات.

ومن عام 1795 احتلت بريطانيا كيب تاون مما اضطر المستوطنون الأوائل من البوير والفلاحين الى الاتجاه نحو الداخل فعبروا الأجزاء الشرقية من هضبة جنوب أفريقيا وأسسوا مقاطعتي الأورانج الحرة والترنسفال.

وبمقتضى معاهدى اميان 1802 اعادت بريطانيا منطقة الكيب لهولندا ولكن سرعان ما استعادتها وذلك على اثر استمرار نابليون في سياسته التوسعية في اوروبا ونجاح نلسون في الحق الهزيمة بالأسطول الفرنسي في الطرف الأغر، فارسلت بريطانيا قوة بحيرة تتكون من عدة سفن حوالي 61 سفينة لتضع يدها على منطقة كيب تاون، حتى لا تفكر هولندا في وضع العراقيل أمام التجارة البريطانية. هذا وقد اعترف مؤتمر فيينا بضم بريطانيا لمستعمرة الكيب (1).

شجعت بريطاني مواطنيها على الهجرة للمنطقة والاستقرار بها فاستقروا في خليج الجوا واسسوا مدينة بورت اليزابيث ساعد على ذلك ما أذيع عن خيرات المنطقة أضف الى ذلك موقعها الجغرافي الهام في الطريق الى الشرق مع اعتدال مناخها عن باقي مناطق القارة الأفريقية لابتعادها عن خط الاستواء ومن مستعمرة الكيب الانجليزية سوف تنجح بريطانيا في مد نفوذها شمالا لتضم أراضي البوير والأراضي المجاورة لها خلال القرن 19.


البوير وجمهورية ناتال

قبل أن نتتبع النشاط البريطاني في جنوب أفريقيا واتساعه ينبغي لنا أن نشير الى مملكة أفريقية قوية كانت لها علاقاتها مع كل من البوير والبريطانيين الا وهي مملكة الزولو.

تعتبر مملكة الزولو من أقوى الممالك التي ظهرت في جنوب القارة الأفريقية وقد استطاع زعميها (1) شاكا توحيد القوى المحلية والقبائل تحت حكمه وقد استمرت هذه المملكة قرنا من الزمان ووقفت سد منيع أما التقدم الاوروبي وأما زحف البوير المستمر في أراضيها.

وكانت من أهم عوامل الصدام بين الطرفين هو وصول البوير الى منطقة ناتال الواقعة على ساحل أفريقيا حيث استقرت الزولو.

وتعتبر قبائل الزولو عشيرة من عشر قبائل النجوني (2) ويرجع الفضل الى دانجوايو في توحيدها مكونا مملكة قوية من الزولو ما لبث أن انخرط شاكا فيها وأصبح من أكبر قوادها ولاسيما بعد أن دخل دانجوايو في حروب أهلية نتج عنها هزيمته واعدامه وتفتت الاتحاد الذي كونه وعرف باسم اتحاد ميثاو (3).

آلت السلطة الى شاكا فعمل بدوره على تكوين قوات عسكرية منظمة لكل فرقة زيها الخاص ودروعها من لون خاص، واستقر شاكا في بولاوايو وطور الأسلحة الموجودة باستخدام الحراب القصيرة المدببة وفرض على رجاله تدريبات عسكرية قاسية كما درب قواته على الوسائل الجديدة في القتال ، ووزع قواته على أنحاء مملكته كما منع جنوده من الزواج حتى سن الأربعين وهو نفسه لم يتزوج وعاش في معسكرات حربية (1). وكان يغير مواقعه دائما بحثا عن صراع جديد، وأصبحت المدن التابعة له بمثابة قلاع عسكرية كما جمع شاكا السلطة في يديه واصبح من الاثرياء.

هذا وقد استمرت زعامة شاكا أربعين عاما ووضع التنظيمات العسكرية وأسس دولة كاملة امتدت من حدود مستعمرة الكيب البريطانية حتى بحيرة تنجانيقا وتوفى 1828 وهو صاحب أقوى دولة عسكرية في جنوب أفريقيا بعد أن نظم شباب الدولة في فرق عسكرية لا هم لها سوى القتال والحرب.

وأما توسع شاكا فرت القبائل وعبرت جبال دراكنز برج فكان ظهوره منذ مطلع القرن 19 عاملا هاما في تغير الخريطة السياسية لمعظم أراضي جنوب أفريقيا حيث فرت القوى المنهزمة أمامه لتؤسس دولة جديدة على حساب القوى المحلية الضعيفة (2).

تولى السلطة بعد شاكا شقيقه دنجان ولكنه فشل في الابقاء على وحدة مملكة الزولو وسد الفراغ الذي تركه شقيقه فحدث الانقسام في المملكة ودب الضعف فيها هذا في الوقت الذي بدأ فيه الاوروبيون يتطلعون لمد نفوذهم شمالا نحو ناتال والمناطق المحيطه بها أي في أراضي الزولو ولاسيما البوير. الذين توترت العلاقة بينهم وبين السلطات البريطانية في مستعمرة الكاب.

فأخذ البريطانيون يضيقون الخناق على البوير في معيشتهم وجعلوا اللغة الانلجيزية هي اللغة الرسمية الوحيدة، كما عملوا على ارضاء البانتو فأعادوا لهم أراضيهم شرق نهر جريت فش، ومنحوا الحقوق المدنية للهوتنتون وألغوا تجارة الرقيق، وحرروا الرقيق في حوزة البوير فاضطروا للهجرة للشمال في جماعات متعاقبة على أمل أن يجدوا مجالا أوسع يمارسون فيه نشاطهم دون تدخل من الادارة البريطانية في شئونهم. وهكذا بدأت الهجرات التي تعتبر من أعجب حركات الهجرة الاختيارية في العالم في عام 1830 وهي التي عرفت باسم الزحف العظيم The Great Trek وخلال هذه الفترة برزت العديد من أسماء قيادات البوير الذين قادوا أهاليهم الى الشمال (1).

ويمكننا اجمال العوامل التي دفعت البوير للهجرة فيما يلي:

1- شعر البوير بالضيق من الأفكار الجديدة التي حاول البريطانيون فرضها عليهم مثل الغاء تجارة الرقيق.

2- اطلع البوير من أخوانهم الذين سبقوهم في ارتياد الأماكن الشمالية الكثير من المعلومات عن توافر المراعي والأراضي الخصبة وثراء المناطق الجديدة أضف الى ذلك الموقع الجديد سيتيح لهم الاقتراب من موانئ المحيط الهندي فيستطيعون التجارة بحرية بعيدا عن بريطانيا.

3- حب المغامرة والرغبة في الابتعاد عن قيود الادارة البريطانية.

اندفع البوير في هجرات متتالية وعبروا نهر الأورانج في عام 1837 اختير بيتر رتيف حاكما للجماعة.

هذا وقد اختلف البوير أثناء نزوحهم نحو الشمال فريق رآى الاتجاه شرقا وعبر جبال دراكنزبرج الى منطقة ناتال الخصبة وفريق رأى الاتجاه شمالا وعبر نهر الفال (2).

اتجه بيتر رتيف الى ناتال 1837 حيث التقى بملك الزولو دنجان الذي وعده بمنحه قطعة من الأراضي في ناتال بشرط أن يظهر البوير حسن النية. وعندئذ اندفع البوير حول نهر توكيلا وفروعه وفي محاولة لاراضاء ملك الزولو قام رتييف بمساعدته في القاء القبض على أحد منافسيه وهو الزعيم سيكونيلا (3) زعيم منطقة تلوكوا فكافكأ دانجني على ذلك.

اتسمت العلاقات بين دانجان والبوير بالود في البداية لكن سرعان ماتدهورت وقام بطرد عدد من البيض والملونين واضطر البوير للتراجع نحو توكيلا. ولكن القائد اندرياس برتيوريوس رأى ضرورة استخدام القوة ضد الزولو ولاسيما وأنه كان لديه المام بالمنطقة فاستخدم المدافع في محاربة الزولو وقتل أعداد كبيرة في 16 ديسمبر 1838 مما أدى الى تخلي دونجان عن المناطق التابعة له.

وبعد هزائم الزولو المتكررة أرسل دنجان السفراء الى ناتال وتعهد بعدم التقدم صوب توكيلا وأن يدفع تعويضات عن الماشية ولكن سرعان ما نشب القتال مرة ثانية بين الطرفين لأن دنجان لم يف بوعوده ولم يرسل التعويضات وازداد الموقف سوءا بانضمام أحد أخوة دنجان ويدعى مباندي الى جانب البوير في ناتال وتعهد بشن الحرب على أخيه.

وفي عام 1840 تحركت قوتان نحو مملكة جيش مباندي والجيش الثاني من البوير بقيادة برتيوريوس وانتهت المعركة بمقتل دنجان وأعلن برتيوريوس تنصيب مباندي ملكا على الزولو على أن يكون تابعا لجمهورية ناتال. وقد حكم مباندي من منطقة بافالو توكيلا حتى بونجالا. واتبع سياسة سلمية مع البوير وظل يحكم حتى 1872 ثم تولى بعده ستشاوايو الذي دخل في صراع مع القوات البريطانية (1).

وقد حاول جورج نابير حاكم كيب تاون اقناع البوير بالعودة الى الكيب ولكنهم رفضوا لأنهم كانت لهم أطماع في اقامة جمهورية مستقلة فأرسل قوة بريطانية الى ميناء دربان في الساحل الشرقي لناتال للاستيلاء عليه 1838 وعلى المناطق المجاورة ولكنه اضطر للانسحاب عام 1840 وذلك لأنه وجد أن البوير قد اتفقوا مع الزولو.

ولكن في عام 1845 أعلنت بريطانيا ضم ناتال الى مستعمرة الكيب ويرجع عدد كبير من البوير الهجرة مرة أخرى الى الفلد العلوي وييرجع عوامل نجاح بريطانيا في ضم ناتال الى ما يلي:

1- لم تستطع جمهورية ناتال الناشئة الصمود في وجه الأطماع البريطانية ولاسيما بعد اكتشاف الفحم فيها وتضاعف الأهمية التجارية لميناء دربان.

2- لم تستطع جمهورية ناتال مقاومة القوة العسكرية البريطانية ولاسيما في عام 1842 حينما أرسل حاكم الكيب حملة الى ميناء دربان بقيادة الكابتن سميث. وأرسل الخبرات لتعزيز مركزه واستمرت المفاوضات لمدة عامين بين انجلترا والبوير لضم ناتال.

3- لم تستطع جمهورية ناتال مقاومة القبائل الأفريقية وهجماتها المتواصلة.

4- لم يحاول البوير الخضوع لسلطة واحدة نظامية وركزوا اهتمامهم على الاسيتلاء على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي. أضف الى ذلك الاختلافات بين البوير أنفسهم وجهلهم بشئون الادارة والحكم وعجز ميزانية الدولة (1) بينما حققت المستعمرتان ناتال والرأس تقدما كبيرا.

وجدير بالذكر أن الأمر لم يستقر للبريطانيين في ناتال وذلك لأنهم اصطدموا بزعيم الزولو ستشاوايو الذي تولى الحكم منذ 1872 وتمكن من اعادة بناء قواته وأصبح من أهم الزعماء وحافظ على مملكته فترة طويلة وأعاد التجنيد الاجباري واتبع نظاما عسكريا صارما ثم بدأت الخلافات بين الطرفين عام 1878 عندما عملت بريطانيا على تدعيم سيطرتها على ناتال فأرسلت الى ستشاوايو لحل الجيش وطلبت منه السماح للبعثات التنصيرية بالعمل على أراضيه، كذلك قبول مقيم بريطاني في عاصمة بلاده في اولندي ولكنه رفض الانذار فبدأت بريطانيا في غزو أراضيه في عام 1879 ولكنه نجح في مهاجمة القوات البريطانية المجتمعة في ارساند هلاونا وقتل 1600 منها.


أرسلت بريطنيا الامدادات الى قواتها وتمكنت من تدمير عاصمة الزولو وتم نفي ستشاوايو الى الكيب وسمح له في عام 1882 بالسفر الى انجلترا. وبنفيه لم يعدل للزولو زعيم وقسمت المملكة الى 13 اقليم يحكمها رؤساء يختارهم حاكم ناتال (1).


جمهورية الترنسفال والاورانج الحرة

زحف البوير في مجموعات تمركزت كل منها حول قرية أصبحت مركزا للنشاط فمنها مجموعات عبرت نهر الفال واستقرت في شماله في بوتشخستروم، بينما استقرت مجموعة أخرى في ونبرج وهكذا تعددت مناطق استقرارهم.

وفي عام 1852 عقدت برطيانيا اتفاقا مع البوير الساكنين عبر نهر الفال واعترفت باستقرارهم في هذه المناطق ، كما عقدت في عام 1854 اتفاقية أخرى اعترفت فيها باستقلال البوير الساكنين بين نهر الاورانج والفال.

وهكذا تكونت جمهورية الترنسفال من البوير الذين وحدوا مراكزهم عبر نهر الفال متخذين من بريتوريا عاصمة لهم وكان اسمها الرسمي جمهورية جنوب أفريقيا كذلك تكونت دولة الاورانج الحرة التي اتخذت من مدينة ونبرج عاصمة لها وقدر للجمهوريتين العيش لمدة نصف قرن حتى عاد الضغط البريطاني عليهما من جديد (2).

غير أن هناك عوامل حالت دون نمو هاتين الجمهوريتنين فقد تم اكتشافا لماس في كمبرلي في الصحراء الواقعة غرب دولة الاورانج الحرة كذلك تم اكتشاف الذهب في الراند حول جوهانسبرج في الترنسفال مما ترتب عليه هجرة أعداد كبيرة من البريطانيين لمشاركة البوير في هذه الثروات وأصبحت كمبرلي من أ÷م مدن جنوب أفريقيا وثاني مدينة بعد الكاب من حيث العمران والحركة وتم مد الخطوط الحديدية فيها وربطها بالمدن الساحلية (3).

في عام 1871 وصل الى جنوب افريقيا سيسل رودس الذي لعب دورا هاما في تاريخ المنطقة وبدأ في تكوين الشركات لاستغلال مناجم الذهب والماس كما مد الخطوط الحديدية بين جوهانسبرج ولورانزو ماركيز ودربان ووايت لندن وبورت اليزابيث والكاب أي أنه ربط الموانئ الواقعة في جنوب أفريقيا بغيرها في الشرق. كما شجع على تدفق البريطانيين شمالا مما أثار المشاكل مع جمهورية الترنسفال (جنوب أفريقيا) ولاسيما أن المهاجرين الجدد تركزوا عند حدودها الجنوبية في جوهانسبرج وبريتوريا (1).

وكان رودس يؤمن بضرورة تغلغل النفوذ البريطاني في الأراضي الداخلية للقارة الأفريقية ليس في جنوب أفريقيا فحسب وانما كان من غلاة المستعمرين يرى ضرورة أن تقطع الممتلكات والمستعمرات البريطانية فكان شعاره الرئيسي من الكيب حتى القاهرة (2).

اصطدمت أطماع سياسة رودس ورغبته في التوسع شمالا بالبوير وجمهورية الترنسفال (جنوب أفريقيا ) وكان زعيمها في ذلك الوقت هو بول كروجر الذي لعب دورا هاما في المنطقة وكانت له أيضا أحلامه التوسعية فكان يطمع في أن يمتد نفوذ البوير ودولته شمالا نحو نهر الزمبيزي وايجاد منفذ بحري لدولته حتى لا يكون تحت رحمة انجلترا والمواني البريطانية (3).

هذا في الوقت الذي قررت فيه الحكومة البريطانية ضم المناطق الواقعة شمال الكيب وناتال أي ضم الترنسفال كلها وجميع الاراضي الواقعة من جبال داركنزبرج ونهري الاورانج والفال الى السيادة البريطانية أي ضم دولة الاورانج الحرة أيضا.


ولكن البوير قرروا اللجوء الى القوة وحاصروا الحاميات البريطانية في بريتوريا وعدة مناطق أخرى وهزموا القوات البريطانية الزاحمة من ناتال في معركة حاسمة عند تلال ماجويو في عام 1881 ففضلت الحكومة البريطانية سياسة المسالمة مع البوير فعقدت اتفاق بريتوريا بمقتضاه اتفق على وضع جمهورية جنوب أفريقيا تحت الحماية البريطانية ولكنها تتمتع باستقلالها الداخي ولكن في اتفاق لاحق عام 1884 ألغيت الحماية واعترفت بريطانيا من جديد باستقلال الترنسفال (4).

ولكن الأمور لن تستقر بين الطرفين من جديد بسبب عدة عوامل:

1- ظهور ألمانيا كقوة استعمارية منافسة لبريطانيا بسطت نفوذها على المنطقة المقابلة لأراضي البوير في جنوب غرب أفريقيا فتخوفت بريطانيا من التقارب بين الألمان والبوير. 2- أرادت بريطانيا مد نفوذها شمالا نحو أراضي ممكلة الميتابلي عند نهر الزمبيزي وكان بور كروجر زعيم البوير على وشك الاتفاق معهم. ولكن بريطانيا سارعت ورفعت العلم البريطاني على مدينة سالسبوري في عام 1890 في روديسيا الجنوبية. 3- تأسيس شركة جنوب أفريقيا البريطانية في عام 1889 واستطاع سيسل رودس أن يحصل للشركة على حق استغلال الأراضي الواقعة شمالا وفي عام 1890 أصبح رودس رئيسا للوزراء في الكيب مما مكنه من تحقيق أطماعه الاستعمارية. 4- تدبير رودس لما عرف بغارة جيمسون (1).

في عام 1895 أراد رودس الاستيلاء على اراضي الترنسفال فدبر مؤامرة لقيام ثورة في جوهانسبرج التي تدفق عليها المهاجرين البريطانيين وحصلوا على امتيازات باستغلال مناجم الذهب بحجة عدم حصول هؤلاء البريطانيين على حقوقهم السياسية ورفض كروجر منحهم هذه المطالب على أنهم دخلاء فتحرك جميسون نحو جوهانسبرج وهاجم حدود الترنسفال دون أن تكون هناك أية ثورة في جوهانسبرج تسانده وانتهى الأمر بقتل عدد من رجال وأسره.

أدت غارة جيسمون الى توسيع الخلاف بين الطرفين، وأثارات الاستياء بين المسئولين البريطانيين أنفسهم كما أرسل قيصر ألمانيا تهنئة الى بول كروجر لنجاحه في القضاء على جملة جميسون والتي وصفها بالغوغاء. وكانت هذه فرصة ذهبية لبول كروجر فطالب التخلص من المهاجرين البريطانيين في الترنسفال كما قدم رودس استقالته، وأدته هذه الغارة الى التقارب بين جمهوريتي الترنسفال والاورانج الحرة محالفة دفاعية بينهما.

وفي عام 1898 اعيد انتخاب كروجر للمرة الرابعة رئيسا للجمهورية وكان عمره 72 سنة.

كثرت الشكاوى من البريطانيين في الترنسفال بسبب سوء المعاملة فأرسلت بريطانيا لجنة ملنر للتحقيق، وذلك في محاولات للتقريب بين كروجر والمسئولين البريطانيين في الكيب فعقد مؤتمر في بلو مفتين (\1) 1899 ولكنه فشل.

وفي اكتوبر 1899 أرسل كروجر انذارا الى بريطانيا بسحب قواتها التي حشدتها على حدود الترنسفال وقد رفضت الحكومة هذا الانذار فاندلعت الحرب بين الطرفين في 11 اكتوبر وانضمت جمهورية الاورانج الحرة للترنسفال تنفيذا للمعاهدة الدفاعية بينهما.

وفي بداية لاقتال غزا البوير ناتال وسقطت كمبرلي ومافيكنج ولكنهم وقعوا في خطأ فادح وهو أنهم لم يحاولا احتلال ميناء دربان وغيره من الموانئ ونظم سيسل رودس المقاومة وكون قوة من الفرسان من رجال شركته. ولكن جاء تعيين كتشنر قائدا عاما للقوات البريطانية نقطة تحول في الحرب (2).

ومنذ عام 1900 وجهت القوات البريطانية الضربات لجمهوريات الاورانج الحرة ونجحت في فك الحصار في كمبرلي واستولت على بلومفتين عاصمة دولة الاورانج الحرة مما أدى الى حدوث ارتباك في صفوف البوير فسقطت مدنهم في يد الانجليز، ثم سقطت بريتوريا واضطر بول كروجر أن يلجأ الى هولندا على أمل مساندة الدول الاوربية له. ولكنه توفى في سويسرا عام 1904 ولم يسانده أحد حتى ألمانيا التي كانت تشجعه على قتال البريطانيين.

هذا وقد استخدم كتشنر كل الأساليب الوحشية ضد البوير من حرق وابادة كاملة للسكان من أطفال ونساء وشيوخ لافساح الطريق أمام المهاجرين البريطانيين ولكن البوير صمدوا طويلا وشنوا حرب عصابات ضد بريطانيا.


وفي عامة 1901 حاول الجنرال بوتا توقيع معاهدة صداقة وسلام مع كتشنر الا أن الأخير تمسك بضرورة خضوع البوير وتنازلهم عن حريتهم وقد اضطر البوير القبول بذلك. وفي عام 1902 بمقتضى معاهدة بريتوريا في 31 مايو 1902 التي فقدت بمقتضاها جمهورية البوير استقلالهما (1).

وهكذا قام اتحاد جنوب أفريقيا عام 1910 من الكيب وهي المستعمرة الرئيسية لبريطانيا ثم ناتال والتي ضمت الى بريطانيا ثم الترنسفال والاورانج الحرة.

وأصبح جنوب أفريقيا يشهد نوعين من المستوطنين البيض احداهما البوير والآخر بريطانيا وما زال تلك المجموعاتان تختلفان حتى اليوم في الثقافة والمذهب والسياسة.

لم يكن الاستعمار في جنوب افريقيا استعمارا عاديا مناظر لمثيله في أنحاء القارة الأفريقية بل انه كان استعمارا استيطانيا شبيها بالصهيونية التي اقامت دولة اسرائيل في فلسطين وشبيها أيضا باستعمار أمريكا على حساب هنودها الحمر، أن الاستعمار البريطاني في الجنوب رتب الناس حسب درجة لونهم (2).

ثانيا: المحميات البريطانية في جنوب أفريقيا

بتشوانا لاند Bechinana Land

تقع بتشوانا لاند بين مستعمرة نامبيا وردويسيا (زيمبابوي) وجمهورية أفريقيا عاصمتها جابرون وهي دولة مغلقة يقع معظمها في نطاق صحراء كلهاري (3).

يقطن المنطقة قبائل البتشوانا والبانتو التي عرفت الأوروبيين كمنصرين اذ قصدتها البعثات التنصيرية منذ عام 1818 وأنشأت محطات لها في الطريق المؤدي عبر أراضي بتشوانا لاند لداخل القارة وكن لجمعية لندن التنصيرية محطات متعددة عبر هذا الطريق المؤدي من جنوب القارة لقلبها. وكان المركز الرئيسي للدكتور روبرت موفات المنصر البريطاني الشهير في جنوب افريقيا.

وقد شهدت المنطقة اندفاع موجات من البوير اليها أثناء هجرتهم الكبرى، كذلك هاجر اليها البريطانيون من الكيب، وتكونت فيها الشركات التجارية البريطانية وشركة المعادن واصلاح الأراضي، شجع سيسل رودس حكومته لبسط نفوذها عل المنطقة بحجة تخليص سكانها استرقاق البوير لهم.

هذا وقد حاول البوير مد نفوذهم من الترنسفال الى بتشوانا لاند ولكن القوات البريطانية كانت لهم بالمرصاد واستطاعت بريطانيا خلال 1884/1885 أن تحطم طموحات البوير وأعلنت الحماية البريطانية على بتشوانا لاند في عام 1885 وضمتها الى مستعمرة الكيب (1).


سوازيلاند Swazi Land

تقع سوازي لاند في أقصى شرق جنوب افريقا أحاطت بها الترنسفال، وناتال، موزمبيق البرتغال، استقرت بها قبائل سوازي منذ أوائل القرن التاسع عشر ثم تعرضت لضغط من قبائل الزولو ولكنهم استعادوا حريتهم بعد وفاة شاكا ملك الزولو وكونوا مملكة مستقلة سميت سوازي لاند. وقد منحت هذه القبائل للبوير الحق في الاقامة في أراضيهم، كما منحتهم الامتيازات ثم تدفق عليها الاوروبيون لاستغلال المعادن والمزارع في عام 1894 بسطت حكومة البوير الحماية على سوازي لاند ولكن بعد هزيمتهم من قبل بريطانيا عام 1902 بسطت الأخيرة الحماية على المنطقة.

باسوتولاند Basuto Land (ايسوتو)

تعد باسوتو لاند جيبا صغيرا داخل جمهورية جنوب أفريقيا وهي من المناطق الفقيرة المارد عاصمتها ماسيرو يسكن المنطقة قبائل الباساتو التي نجح زعميها موشيش في تجميعها وتعرضت لهجمات الزولو كغيرها من قبائل المنطقة.

اتسمت العلاقة بين قبائل الباستوتو والبوير بالمودة ولكن سرعان ما دب النزاع بين الطرفين بسبب تحديد الحدود الشرقية لدولة الاورانج الحرة عام 1858، ولكن استطاعت قبائل الباساتو هزيمة البوير بفضل قيادة موشيش لها وتدخلت السلطات البريطانية في جنوب أفريقيا لعقد صلح بين الطرفين.

ولكن هذا الصلح كان بمثابة هدنة مؤقتة لأن البوير كانوا في حاجة ماسة لأراضي جديدة لمواجهة الاعداد الجديدة من المهاجرين وكان الباسوتو أيضا في حاجة الى المزيد من الأراضي الزراعية لتوفير المراعي لاغنامهم. وكانوا يتهمون البوير بأنهم أثناء هجرتهم وضعوا أيديهم على جزء من أراضي الباسوتو وطردوا أهلها.

وفي عام 1865 تجدد القتال بين الباسوتو ودولة الاورانج الحرة المجاورة لهم فاستولى البوير على أراضي الباسوتو الخصة واضطر زعيمهم موشيش القبول بتوقيع معاهدة 1866 استسلم فيها لشروط البوير.

رفضت السلطات البريطانية في الكيب الاعتراف بمعاهدة 1866 مما أدى الى تجديد القتال بين الباسوتو والبوير ثم انهت بريطانيا هذا الموقف بفرض الحماية البريطانية على أراضي الباسوتو (1) في عام 1868 والحقت بمستعمرة الكيب في عام 1871.


الفصل السابع: التوسع البريطاني في اقليم الزمبيزي واللمبوبو

مقدمة

يعد حوض نهر الزمبيزي واللمبوبو رابع أكبر الأحواض النهرية في أفريقيا ويتحدد الاقليم الشرقي لصحراء كلهاري، وفي الجنوب بمنخفض نهر اللمبوبو، ويشمل الاقليم حاليا دول زيمبابوي (روديسيا الجنوبية)، وزامبيا (روديسيا الشمالية)، وملاوي (نياسالاند) التي كانت من نصيب الاستعمار البريطاني وموزمبيق التي استحوذت عليها البرتغال (1) مذن حركة الكشوف الجغرافية (2).

وتتشابه ظروف المنطقة الطبيعية والبشرية بوجه عام، فهي منطقة انتقال من حوض الكونغو الاستوائي في الشمال الغربي وهضبة شرق أفريقيا المدارية في الشرق، وبين شمال منطقة جنوب أفريقيا بمناطق دون المدارية (3).

وكان هذا الاقليم من نصيب بريطانيا في القرن التاسع عشر ، فقد نجحت بريطانيا خلال هذا القرن من تكوين امبراطورية استعمارية عظيمة الامتداد في القارة الأفريقية (4)، ولم تكتف بذلك بل سعى الاستعماري البريطاني سيسل رودس (5) Cecil Rhodes لأن تقطع المستعمرات البريطانية القارة رأسيا ،وكان شعاره من الكيب الى القاهرة. هذا في الوقت الذي سعت فيه منافستها فرنسا لأن تقطع مستعمراتها القارة أفقيا، وكان شعار هانونو Hanonos وزير الخارجية الفرنسي من السنغال غربا الى جيبوتي شرقا (1).

ولكي تحقق بريطانيا هدفها الاستعماري اتخذت من قاعدتها في الجيب جنوب أفريقيا (2) مركزا للانطلاق صوب الشمال، فكان لابد من ضم اقليم الزمبيزي واللمبوبو باعتباره طريقا مثاليا نحو الشمال، وعندما بدأت بريطانيا في العمل الجدي لضم هذه المناطق وجدت الطريق ممهدا بالفعل وذلك بفضل نشاط البعثات التنصيرية البريطانية، وعملها الدائب في المنطقة، فقد كانت هذه البعثات سلسلة متعددة الحلقات تتم كل منها الأخرة. فجاء استعمار هذا الاقليم بمساندة وتأييد أعضاء هذه البعثات لسيسل رودوس ثم لشركة جنوب أفريقيا ثم للتاج البريطاني، فالتنصير هذا سبق الاستعمار بل سبق عمل الشركات التجارية التي دفعت بحكومتاتها في كثير من مناطق القارة لدخول ميدان الاستعمار، وكانت رائدة لحكوماتها في عملية استغلال القارة، فقد اكتشفت هذه الشركات في القارة مجالا طيبا لنشاطها، حيث تتوافر المواد الخام بالاضافة للسوق الواسعة لتصريف الفائض من منتجاتها ، ولذلك يمكننا القول بأنه في أفريقيا جاء الاستعمار في أعقاب التجارة دائما (3).

قبل أن نتحدث عن نشاط البعثات التنصيرية في الاقليم ينبغي أن نلقي نظرة سريعة على جغرافية المنطقة، فقد ضم هذا الاقليم (1)، والذي أطلق اسمه على المصورات الجغرافية لشركة جنوب أفريقيا باسم الزامبيزي – اللمبوبو ثلاث مناطق عامة:

(1) زيمبابوي (روديسيا الجنوبية):

زيمبابوي الحالية أو ما كانت تعرف باسم روديسيا الجنوبية (أراضي الميتابلي والماشونا) ، وهي اقليم هضبي تقع فوق هضاب ميتبلي لاند وماشونا لاند وفي الجنوب الغربي تلال ماتوبا (2)، وهو يشغل منطقة مرتفعة من هضبة أفريقيا الجنوبية، ويتكون من حزام من الهضاب (3)، يزيد ارتفاعه عن 3500 قدم من الجنوب الغربي الى الحدود الشرقية وتحيط بها الأراضي المنخفضة لنهر الزمبيزي (4) واللمبوبو وأراضي موزمبيق من الشمال والجنوب والشرق (5).

ويجرى في المنطقة أنهار تسير الى الشمال والشمال الغربي والشمال الشرقي، وتضم الزمبيزي وروافده (1) ، وأ،هار تسير الى الجنوب والجنوب الشرقي وهي روافد نهر اللمبوبو وسابي (2).

ويكن القول أن روديسيا الجنوبية كانت صالحة لاستيطان البيض بحكم موقعها الجنوبي، بالمقارنة بروديسيا الشمالية ونياسالاند نظرا لارتفاع الجزء الأوسط فيها ووفرة أمطارها ومن أهم مدنها بولاوايو، وسالزبري (3).

(2) زامبيا أو رودسيا الشمالية (أراضي الباروتسي والبمبا):

لروديسيا الشمالية شكل شاذ عن بقية الدول الافريقية، اذ تضيق في قسمها الأوسط ضيقا شديدا ، ثم تعرض على شكل جناحين يمتد أحدهما نحو الغرب في زامبيزيا العليا (باروتسي لاند)، والثاني نحو الشمال الشرقي ليصل الى حدود نياسالاند (مالاوي) وتنجانيقا (تنزانيا( وكاتنجا (في زائير حاليا)، ومعظم المنطقة تقع على ارتفاع ألف متر فوق سطح البحر، وتصل الى ارتفاع أكثر من 150 متر في بعض اقسام جبال موشنجا التي تطل على وادي لونجوا، وكذلك بعض نواحي الشمال الشرقي (4).

ويجري في المنطقة نهر الزمبيزي، وهو من أهم الأنهار التي لعبت دورا هاما في التغلغل الاوروبي في مناطق كانت مجهولة تماما (5). وينبع الزمبيزي من منطقة الأمطار في جنوب كاتنجا بالقرب من منابع نهر الكونغو، وله روافد عدة من شمال وشرق أنجولا، ولكن النهر في مجراه الأعلى وروافده الجنوبية قليل المياه، ثم يتجه النهر جنوبا مخترقا بعض أجزاء أنجولا الشرقية ، ثم يخترق اقليم الباروتسي في روديسيا الشمالية، ويغير اتجاهه الى الجنوب الشرقي تدريجيا ثم الى الشرق، ثم يسقط على شلالات فيكتوريا قبل مدينة فلنجستون، وقبل شلالات فيكتوريا يتصل به أهم رافد له في مجراه الأعلى وهو نهر كواندو الذي ينبع من المنحدرات الشرقية لهضبة بيهي حتى وسط أنجولا وشلالات فيكتوريا من الشلالات الكبرى في أفريقيا، ثم يتجه شرقا ثم الى الشمال في خانق طويل في نهايته يسمى منطقة كاريبا، وبعد كاريبا يلتقي الزمبيزي بأهم روافده وهو نهر كافوي، الذي يأخذ منابعه من منطقة الحدود مع الكونغو، وتقترب هذا المنابع من نهر لوفيرا، ويتجه كافوي جنوبا ثم يرسم قوسا الى الجنوب الغربي فالغرب فالجنوب، وأخيرا الى الشرق حيث يتصل بنهر الزمبيزي، وفيما بين الزمبيزي الأعلى وكافوي توجد هضبتا باتشو وكلومبوي، وباتوكا اللتان تكوننان معا أراضي الباروتسي، ويتابع الزمبيزي مساره شرقا في منطقة خانقية أيضا ولكنها تتميز بأنها أقل وعورة من خانق كاريبا وتمهد للزمبيزي كي يدخل سهوله الدنيا في موزمبيق، حيث ينحرف مساره الى الجنوب الشرقي ويصل في مجرى عريض ودلتا صغيرة في مضيق موزمبيق (1).

وروديسيا الشمالية أقل دول حوض الزمبيزي –اللمبوبو كثافة، وذلك لأنها دولة مغلقة بعيدة عن سواحل جنوب أفريقيا، كذلك تغطي الحشائش والمستنقعات منطقة كبيرة بنجويلو، والروافد العليا لنهر الزمبيزي وكافوي، كما أن مناطق الري محدودة في هضبة باتوكا وسهول كافوي وأراضي الباروتسي (2).

(3) نياسالاند (مالاوي):

تقع في الجزء الجنوبي من الأخدود الأفريقي العظيم، وتمتد في قلب موزمبيق الى الجنوب، وطول مالاوي من الجنوب الى الشمال 900 كم وأكبر عرض لها 120 كم، ولها حدود مع تنزانيا في الشمال والشمال الشرقي، وتقع موزمبيق في شرقها وجنوبها وجنوبها الغربي، وتقع روديسيا الشمالية في غربها (3). وتعتبر بحيرة نياسالاند ثالث بحيرات افريقيا طولا حيث يصل طولها الى 360 ميلا والارض حولها مرتفعة، وتعتبر من مجموعات بحيرات الزمبيزي – نياسا – مالومبي – ويرتبطان بالزمبيزي بنهر شيرية (1) اذ يضيق مجراه في الاخدود نحو الجنوب حتى يتصل بنهر الزمبيزي، والى الغرب من البحيرة يوجد سهل بحيري يصل متوسط عرضه 5 كم، والى الشرق من نهر شيرية مرتفعات ملانج (2).

وتمتاز نياسالاند رغم صغر حجمها ومساحتها بتباين ظروفها الطبيعية وبخاصة المطر، وتضم أنواعات متعددة من المناخ المداري ودون المداري، واذا كانت الجهات المنخفضة المحيطة بسواحل البحيرة ووديان نياسا وبخاصة وادي شيرية، ولا تصلح لسكنى الاوروبيين فقد استقر بها الوطنيون للزراعة (3)، والأجزاء الغربية من البحيرة والجنوبية أكثر ملاءمة لاستقرار الاوروبيين، والأجزاء الشمالية فقيرة بينما الجنوبية غنية، ولذلك فهي أكثر كثافة حيث توجد المدن الهامة مثل بلانتير وزومبا (4).

ينتمي سكان المنطقة الى البانتو، وهي مجموعة زنجية لغوية واحدة (5)، وقد درج بعض الكتاب على تقسيم البانتو الى ثلاثة اقسام، البانتو الشرقيون في اوغنده ورواندا وبوروندي وكينيا وتنزانيا ونياسالاند وروديسيا الشمالية والبانتو الجنوبيون في روديسيا الجنوبية وموزمبيق وجنوب أفريقيا وبتسوانا وليسوتو وأجزاء من جنوب غرب أفريقيا ، والبانتو الغربيون في الكونغو والكاميرون والجابون، ومن أ÷م جماعات البانتو الجنوبيين جماعات السوتو وتشوانا والزولو واكوزا والنجوني (6).

هذا وقد شهدت المنطقة تجمعات عسكرية مثل مملكة الميتابلي في روديسيا الجنوبية، كذلك تجمعات لشعوب رعوية مثل الباروتسي والبمبا في ردويسيا الشمالية، وكانت المجموعة القوية تدفعه بالمجموعة الاضعف نحو الداخل (1).


وتعتبر مملكة الميتبلي من أقوى الممالك في المنطقة، ويرجع أصولهم الى الزولو الذين هجروا من جنوب أفريقيا واستقروا في غرب روديسيا الجنوبية مكونين مملكة عسكرية اعتمدوا فيها على محاربة جيرانهم وتعزيز قواهم بالأرقاء، وكانت الحرب هي وسيلة لمضاعفة حصيلتهم من الأغنام (2)، وقد نجحوا في اخضاع قبائل الماشونا التي استقرت في شرق روديسيا منذ زمن بعدي ، ومثل الماشونا للميتابلي مصدرا هاما للماشية النساءن فتعرضوا للاغارات السنوية عليهم (3).

ويرجع الفضل الى ميزيليكازي في تكوين مملكة الميتابلي وكان زعيما لقبائل الكومالو الواقعة تحت سيطرة زويدي ثم نقل ولاءه الى شاكا ملك الزولو فعينه رئيسا لاحدى فرقه والتي كانت تتكون من الكومالي، ومالبت مزيليكازي في عام 1821 أن خلع طاعة شاكا وأعلن استقلال شعبه، ولكن الأخير تعقبه وأغار على الكومالو وشتتهم ولذلك بدأت ميزيليكازي في الهروب من سطوة شاكا ونصب نفسه رئيسا على قبيلة جديدة هي النديبلي والتي أطلق عليها البوير اسم الميتابلي (4).

واتتجه ميزيليكازي بعيدا عن أراضي الزولو عام 18723، فعبر جبال دركنزبرج واخترق دولة الاورانج الحرة، ثم اتجه في عام 1832 غربا نحو وادي ماريكو الخصب (5)، وفي عام 1829 شهد ميزيليكازي تراجعا في خططه بعد أن أحرز عدة انتصارات في المنطقة الشمالية والوسطى من الترنسفال، ففي هذا العام قامت قبائل الكورونا بالتعاون مع قبائل التونج والرولونج بالهجوم على الميتابلي (1)، على أن أخطر الصدامات التي تعرض لها الميتابلي كانت مع البوير الذين بدأوا ما عرف بالزحف العظيم نحو الشمال بعد أن ضيق الانجليز عليهم الخناق في معيشتهم في جنوب افريقيا، فهاجروا في جماعات متعاقبة، مما أدى الى قيام دولة الاورانج الحرة بقيادة بوتجتير بهجوم عنيم حطم فيه مستعمرات الميتابلي وحطمها تحطيما كاملا، وأجبرهم على ترك ناتال ووادي ماريكو، فاضطر ميزيليكازي الى الاتجاه شمالا مرة ثانية وعبر نهر اللمبوبو ليستقر مع الميتابلي بين اللمبوبو جنوبا والزمبيزي شمالا وذكر لأعوانه "نحن ذاهبون للنهر العظيم" (2).

وهكذا استقر الميتابلي في روديسيا الجنوبية وأسقطوا امبراطورية الروزي آخر شعوب دولة زيمبابوي وقتلوا آخر حكامها ولم يصادفوا مقاومة فعالة في المنطقة، ثم نمت قوة الميتابلي في موطنهم الجديد. واشتهرت مراكزهم في أنياتي وماهلو كوهلو وهلاندهيلا (3).

وكانت ممكلة الميتابلي تشبه مملكة الزولو (4) في جنوب أفريقيا في كثير من جوانبها، فقد آثر الزولو فيها بدرجة كبيرة خاصة في النظام الاداري والعسكرية، فما كان في كل مملكة من ممالك الزولو معسكر أو تجمع سكاني على رأسه أندونا من قبل الحكام من بين العشائر العادية، هؤلاء الأوندونات هم الذين يدعمون النظام الملكي وينفذون تعليماته، وكان الحاكم يمد الفرق بالسلاح والطعام، وكانت فرق النديبلي مثل نظريتها عند الزولو متفرغة للخدمة العسكرية ويديبون معظم الشعوب التي يهزمونها مثل الشوانا والتسوانا وشعوب أخرى، ولكن اختلف النديبلي عن الزولو من ناحيتين، الأولى أن كل سكان النديبلي يمثلون جيشا من المحاربين وكان هناك طبقتان من المحاربين، طبقة مكونة من قوات نظامية من شباب غير متزوجين باسم (الماشاكا)، والطبقة الثانية من محاربين قدماء متزوجين يستدعون للقتال حال اعلان التعبئة العامة، وفي الأحوال العادية يقومون بالزراعة. ولم يكن هناك زعماء عسكريين واداريون مثل الزولو، وانما الأمة كلها جيش واحدة كبير، فالجيش مركز السلطة يرأسه الملك (1).

وهكذا يتضح لنا استقرار الميتابلي في اراضي روديسيا الجنوبية بعد أن اضطروا للهجرة من جنوب أفريقيا مدفوعين من زعيمهم السالف شاكا زعيم الزولو كذلك مدفوعين من البوير. ولكن ينبغي علينا ألا نغفل شاكا زعيم الزولو الذي غير وبدل خريطة جنوب أفريقيا في القرن التاسع عشر حتى بحيرة نيجانيقا لأنها دفع بالميتابلي الى هذه الجهات، كما أنه كون قوة حربية ووسع ملكه على حساب جيرانه (2).

أما في روديسيا الشمالية فقد ظهرت تجمعات رعوية لقبائل الباروتسي في الغرب ولقبائل البمبا في الشرق، فقد شهدت المنطقة هجرات قليلة من الكونغو خاصة في القرن الثامن عشر، هذه القبائل غير منظمة ولا يجمعها ولاء واحد، حتى نجح الباروتسي في الاستقرار في غرب البمبا بينما استقر في الشرق، كما تعرضت المنطقة لهجرات أخرى من جنوب أفريقيا، فقد ذكرنا من قبل أن توسعات وتحركات شاكا ملك الزلو أدت الى هجرة الميتابلي شمالا واستقروا في روديسيا الجنوبية، كما أدت أيضا الى فرار الزعيم زوانجندابا واشتهر باسم نجوني حيث اتجه الى روديسيا الجنوبية محطما امبراطورية المونوماتابا الشهيرة وعبر نهر الزمبيزي واثار الرعب في ممالك شرق أفريقيا في كلا من تنجانيقا (تنزانيا) ونياسالاند التي استقرت بها هذه القبائل في النهاية (3).

كما شهدت المنطقة ضغطا من قبائل الميتابلي على قبائل الكولولو التي اضطرت للتحرك شمالا والاستقرار في أعالي الزمبيزي في اراضي الباروتسي والتي كانت ممزقة الأوصال بسبب الحروب الأهلية ، وحدث صراع كبير بين الباروتسي وبين القادمين الجدد من الكولولو والذين نجحوا في عهد سيكيليتو ثم ابنه سيبتوان في الحاق الهزائم بالباروتسي، واستمرت الحروب الأهلية بين الطرفين حتى قام أحد النبلاء من الباروتسي ويدعى سيوبويا بهزيمة الكولولو وقتال رجالهم، ثم جاء لوانيكا ليدعم سيطرته على أراضي الباروتسي (1).

وكان لمملكة الباروتسي نظام اقتصادي على شئ من التقدم، قائم على الزراعة وصيد الأسماك والرعي، وكانت كل قبيلة في المملكة تتداخل مع شقيقاتها في شبكة معقدة من نظام تبادلي تتخصص فيه كل منها في انتاج معين، وكان وادي الباروتسي قليل السكان مما جعل الطبقة الارستقراطية الحاكمة تحاول استيراد الأيدي العاملة بدلا من تصديرها، وكان من وسائلهم للاستزادة من القوة العاملة تشجيع المهاجرين الى أراضيهم أو السبي أو فرض ضرائب بشرية (2).

أما قبائل البمبا فقد نشطت في عمليات الوساطة التجارية لتجارة الرقيق، فكانوا يهاجمون جيرانهم الضعفاء ويقايضون على الأسرى والبنادث (3). وكونت تلك القبائل اتحادا في المنطقة ظل محافظا على قوته حتى أواخر القرن التاسع عشر، وذاعت شهرتهم في تجارة الملح والعاج، ونجحوا في تدعيم سيطرتهم على غرب البلاد (4).

أما نياسالاند فقد استقرت بها قبائل التجوني (5) التي عبرت نهر اللمبوبو متجهة نحو روديسيا الجنوبية، وانتشرت تلك القبائل التابعة للزعيم زوانجبدابا الى الشمال حتى بحيرة فيكتوريا تاركة أثارا من التخريب قبل أن تستقر في بحيرة نياسا (6)، كذلك استقرت في منطقة قبائل الياو وهي قبائل ترجع أصولها الى أفريقيا الشرقية البرتغالية، غزت المنطقة في القرن التاسع عشر، وقد اشتهرت هذه القبائل بتجارة الرقيق، وكانت لها صلاتها التجارية الوطيدة مع التجار العرب (1). وفي الغرب من بحيرة نياسا استقرت قبائل اللوزي القادمة من الكونغو (2).

المكتشف دافيد لنفجستون

لعب المنصرون البريطانيون دورا هاما في استعمار اقليم الزمبيزي اللمبوبو، وقد مهد لاكتشاف هذا الاقليم المجهول بالنسبة للاوروبيين المكتشف الاسكتلندي الشهير دافيد لفنجستون David Livingstone الذي فتح هذه المناطق أمام البعثات التنصيرية، فعلى الرغم من ذيوع شهرته كمكتشف في القارة الأفريقية، خاصة وقد أمد الاوروبيين بمعلومات جغرافية قيمة وثنوجرافية وطبية، الا أنه كان منصرا متعصبا للتنصير حتى آخر يوم في حياته (3).

ولفنجستون اسكتنلندي الاصل انضم الى جمعية لندن التنصيرية في عام 1838، ودرس اللاهوت والطب وحصل على درجته العلمية كطبيب من جامعة جلاسجو، وتدرب على أعمال الزراعة والصناعة والتجارة ليقوم نشاطه التنصيري في الصين. ولكنه تراجع وفضل العمل في أفريقيا وذلك بسبب اضطراب أحوال الصين بسبب حرب الأفيون (4).

وترجع أهمية وخطورة اكتشافات لفنجستون أنه فتح هذا الاقليم أما البعثات التنصيرية البريطانية ، فبعد أن كان مركز التنصير الرئيسي في كورومان في جنوب أفريقيا، أصبح هناك العديد من المراكز داخل القارة فقد توغل لفنجستون في مناطق لم يصل اليها اوروبي من قبل. وقد ساعده في عمله الكشفي والتنصيري التصاله بالمنصر البريطاني الدكتور روبرت موفات الذي عمل في جنوب أفريقيا، فتزوج من ابنته وتوثقت الصلات بينهما بدرجة كبيرة، وقد لعبت أسرة مورفات بصفة خاصة دورا بارزا في التمهيد للاستعمار البريطاني في داخل القارة معتمدة على قوة صلاتها بالحكام والوطنيين (1).

قام لفنسجتون بثلاث رحلات إلى أفريقيا، بدأت الأولى (1841-1856)، وقد اتخذ من كورمان مركزا لانطلاق والتوغل داخل القارة حتى وصل نهر اللمبوبو حيث افتتح فيها مدرسة لتعليم أطفال الأفارقة، وفي عام 1844 تزوج من ماري ابنة روبرت موفات، وعمل فترة في المنطقة وعكف على دراستها ونجح في اكتساب ثقة الأهالي، وفي عام 1850 عبر صحراء كلهاري، ويصور لنا معظم الاوروبيين معاناة لفنجستون وهو يعبر صحراء كلهاري تصحبه زوجته وكانت حاملا ثم وفاة ابنه بسبب حرارة الطقس وقلة المياه، وتضحيته والتضحية العظيمة التي بذلها للقيام بواجبه الديني (2).

هذا وقد نجح لفنجستون في نهاية الأمر في الوصول الى أراضي الباروتسي (في روديسيا الشمالية)، وأقام علاقات قوية مع الكولولو خاصة الملك سيكيليتو وابنه سيبيتوان اللذين رحبا به على أمل الاستعانة بالاوروبيين ضد أعدائهم حاكم ممكلة الميتابلي في الجنوب (روديسيا الجنوبية) ، ولم يدرك هؤلاء الحكام أنهم كالمستجير من الرمضاء بالنار (3). وقد أقنع لفنجستون الكولولو بأن هدفه الرئيسي هو نشر المحبة ورسالة الله في أفريقيا، وأنه يسعى لتحسين أوضاعهم الصحية، وبدأ بالفعل عدة حملات للتطعيم ضد الأمراض والعلاج، واتخذ من ذلك وسيلة لنشر المسيحية بين السكان (4).

ثم اكمل لفنجستون رحيلته، وتتبع أثناء عودته نهر الزمبيزي حتى مصبه مكتشفا المساقط المائية التي تعترض مجرى النهر، والتي سميت شلالات فيكتوريا حيث توجد الآن مدينة لفنجستون (5).

وفي عام 1856 وصل لفنسجتون عند التقاء الزمبيزي مع نهر لوانجوا، ثم وصل الى ساحل شرق أفريقيا، وعاد الى بلاده ومنحته جامعة اكسفورد الدكتوراه الفخرية في القانون، كما منحته جامعة جلاسجو الدكتوراه الفخرية في الآداب ، ونشر تفاصيل رحلته في لندن عام 1857 (1).

وبذلك كان من أهم نتائج رحلة لفنجستون الأولى أنه اكتشف أجزاء كبيرة من روديسيا الشمالية وأراضي الباروتسي ، وهي مكاطق ظلت مجهولة تماما بالنسبة للاوروبييي، فعلى الرغم من التواجد البرتغالي في سواحل شرق أفريقيا، الا أن البرتغال لم تتوغل نحو هذه المناطق، وكانت المعلومات قليلة وشحيحة عن هذه المناطق وعن الأراضي الداخلية للزمبيزي (2).

لم يكتف لفنجستون باكتشاف المنطقة، بل عمل على تقوية صلته بالحكام الوطنيين مستغلال مهارته كطبيب، لأنه كان من رواد طب المناطق الحارة، ففي الوقت الذي تساقط فيه العديد من مكتشفي القارة بسبب الحمى، استطاع لفنجستون الصمود، واستخدم الكينين وعالج به الأفارقة أنفسهم، ووجد من الطب مدخلا للتنصير ونشر المسيحية، هذا ولم يتقصر اهتمامه بنشر المسيحية وانما اهتم بالتجارة، ورأى أنه من الممكن أن تقيم بريطانيا مزارع شاسعة للقطن في المنطقة تغني لانكشير عن استيراده من أمريكا الشمالية، وقد أوصى أن تستخدم السفن البخارية في أعالي الزمبيزي لتنشيط التجارة (3).

كما كانت رحلته الى وسط أفريقيا لم تكن صحراويا كما كان يعقتد، وأن مناجم الذهب ذاعت شهرتها في مملكة المونوماتابا الشهيرة في روديسيا الشمالية قد تدهورت (4).

وأخيرا أوصى لفنسجتون باقامة مستعمرة في كافو في أراضي الباروتسي، ولكن الحكومة البريطانية في ذلك الوقت المبكر خشيت اقامة مستعمرات جديدة بعدية عن جنوب افريقيا، فقد كان الاهتمام الفرنسي لبريطانيا في منطقة جنوب أفريقيا، فهي محط أنظار الساسة لتدعيم السيطرة البريطانية عليها، كذلك لم يكن الصراع والتنافس بين بريطانيا والبوير في جنوب أفريقيا قد وضحت معالمه بعد (1).

أما الرحلة الثانية فكانت في الفترة ما بين (1858-1864)، وفيه عين لفنجستون قنصلا بريطانيا في شرق أفريقيا والمستمعرات الواقعة جنوبي زنجبار ورئيسا لبعثة كشف شق ووسط أفريقيا، وقد تابع لفنجستون رحلته من خط سيره القديم، فبدأ من كيب تاون واستأنف سيره شمالا الى مصب الزمبيزي محاولا الابحار والتقدم في النهر فوصل مدينة تيتي، ولم يتسطيع الابحار لمسافة أطول بسبب الشلالات التي اعترضت طريقه، فاتجه الى نهر شيريه أحد روافد الزمبيزي وصعد في مجراه حتى بحيرة نياسا، ثم قام بعدة جولات حول الشاطي الغربي للبحيرة ثم في المنطقة الواقعة بين بحيرتي نياسا وتنجانيقا، ثم عاد للساحل الأفريقي حيث أبحر للهند ومنها الى بريطانيا (2).

وفي رحلته الثانية طالب لفنجستون باستخدام البواخر البخارية في بحيرة نياسا، وذلك لأن المنطقة تشتهر بتجارة العاج كذلك كان اكتشافه للبحيرة من أكبر الاكتشافات، فقدم وصفا عنها وعن نهر شيريه، وأكد أن ضفاف نياسا تمتاز بالخصوبة الشديدة، فهي جنة خضراء في وسط أفريقيا، وأكد أن البرتغال لم تصل الى هذه المناطق، وأنهم لم يحاولوا صعود نهر شيريه، وأدى البرتغاليون أنهم قاموا بالتوسع من قاعدتهم في تيتي في موزمبيق، ولكن لفنجستون أنكر عليهم هذا الكشف.

كما نبه الى ضرورة القضاء على عصابات الرقيق في تيتي واعترض على تصريحات لفنجستون حاكم تيتي انطونيو دالمدا شقيق الحاكم العام لموزمبيق، ولكن جون كيرك (1) في ساحل زنجبار (كينيا) أصر على مساندة لفنجستون، وارسل الى الحكومة البريطانية مؤكدا انتشار تجارة الرقيق في البحيرة، وأن هناك طرق معروفة تسلكها القوافل الى ساحل شرق أفريقيا، وأن سلطات زنجبار نفسها متورطة في هذه التجارة، وأن لها أسواقا في الخليج والهند، وأثارت كتابات لفنجستون عن تجارة الرقيق الراي العام البريطاني، خاصة وأنه في تلك الفترة نشطت الجمعيات الانسانية لمحاربتها والقضاء عليها (2).

على أن أخطر نتائج رحلة لفنجستون الثانية هو تأسيس محطة تنصيرية في جنوب بحيرة نياسا أعالي نهر شيريه، وعين القس تشارلز ماكيزني (1862-1825) فيها ، ثم تلى ذلك ارسال المزيد من البعثات خاصة من كنيسة اسكتلندا الحرة، كما أنه فتح نهر الزمبيزي أمام التجارة العالمية (3).

ثم قام لفنجستون برحلته الثالثة (1866-1872) بتكليف من الجمعية الجغرافية الملكية في لندن، وكان الهدف الرئيسي منها هو فض لغز شبكة الأنهار والبحيرات في وسط أفريقيأن وبذل جهد ضد تجارة الرقيق، وقد وصل لفنجستون الى زنجبار عام 1866، وبدأ جولته في هذه الرحلة من ساحل شرق أفريقيا وليس من كورومان، فقد اتضحت المنطقة أمامه بعد الرحلتين السابقتين، وتوغل لفنجستون من ساحل شرق أفريقيا حتى وصل الى مصب نهر روفوما، ومنه اتجه صوب بحيرة نياسا ثم شمالا نحو بحيرة تنجانيقا، وقام بكشف الطرف الشمالي لبحيرة تنجانيقا، وكان بصحبته المكتشف الشهير ستانلي، فأكدا أ،ها ليست منبعا للنيل كما كان يعتقد بيرتون، وعاد ستانلي من شرق أفريقيا حاملا معه مذكرات ويوميات لفنجستون التي نشرتها الصحف البريطانية (4)، بينما بقى لفنجستون في المنطقة حتى توفى في تشيتامبو الواقعة على أحد روافد الكونغو عام 1873، وحمل الخدم جثته الى زنجبار ومنها الى بريطانيا حيث دفنه في كنيسة وستمنستر عام 1874 (1).

ويمكننا القول أن اكتشافات لفنجستون في داخل أفريقيا قد كشفت النقاب عن اقليم الزمبيزي واللمبوبو، وفتحت أمام اوروبا للمرة الأولى جهات ومناطق أفريقيا الوسطى الجنوبية، وقد لازم اكتشافاته قيامه بالتنصير، وفتح هذه المناطق للبعثات التنصيرية البريطانية، وقد نجح في تقوية صلاته بحكام الباروتسي، الذين قبلوا فتح أراضيهم لاستقبال البعثات التنصيرية ، كما وضع أساس المركز التنصيري في نياسالاند، والذي لعب دورا في نشر المسيحية (2).



أولا: مملكة الميتابلي والماشونا

لعب المنصرون البريطانيون دورا هاما لوضع أراضي الميتابلي والماشونا تحت النفوذ البريطاين، ساعدهم على ذلك التواجد البريطاني في جنوب أفريقيا، فقد اتخذوا من كورومان في جنوب أفريقيا مركزا لهم للتوسع والتنصير، وينسب الى الأب روبرت موفات اقامة أقدم مركز للتنصير في كورومان في عام 18196، فكانت المحطة الرئيسية للبعثات التنصيرية للتوغل داخل القارة لمدة ثلاثين عاما. وقد تم اختيارها لأنها تقع في قلب جنوب أفريقيا، وقد وصفها روبرت موفات أنها عدن الحقيقية في الصحراء ومركز مثالي للتنصير. ومنها بدأت البعثات بالفعل في الانطلاق شمالا الى أراضي بتسوانا لاند، ومنها أيضا اتجه المنصرون نحو الشمال الشرقي أي نحو أراضي الميتابلي (1).

هذا وقد حرص روبرت موفات على كسب ود وصداقة زعيم الميتابلي مزيليكازي، والذي ذكرنا من قبل أنه انفصل عن الزولو وبدأ في تكوين مملكة جديدة، وقد تقابل موفات معه عام 1829، في الوقت الذي اتجه فيه ميزييليكازي شمالا بعديا عن الزولو نحو شمال بريتوريا، ثم اتجه نحو وادي ماريكو في الترنسفال، فتوطدت اذن أواصر الصداقة بينهما قبل استقرار ميزيليكازي في موطنه الجديد، حتى أن الأخير أطلق عليه لقب الأب وفي الوقت نفسه أدرك موفات أن ميزيزليكازي سوف يكتب له اقامة مملكة كبيرة، ولذلك يجب عليه توطيد أواصر الصداقة معه، فنصحه بتوطيد أواصر الصداقة مع البريطانيين في الكيب، فالملاحظ اذن أن موفات عمل على خدمة مصالح بلاده، حرص على استقطاب الزعيم الجديد، كما حرص أيضا على أن يبعده عن البوير المنافس الرئيسي لبريطانيا في جنوب أفريقيا، ولتحقيق هذا الغرض أقنع موفات الملك بتوقيع معاهدة مع البريطانيين في الكيب في عام 1836 (2).

وبتوجيه من موفات خرجت بعثة علمية من الكيب بقيادة سير أندرو سميث وكان يعمل مديرا وطبيبا عاملا للادارة الطبية في الجيش البريطاني، وكان هدف البعثة تنمية العلاقات مع القبائل المحلية وتبادل الرسائل والهدايا بين الطرفين، وأقنع موفات الملك بارسال مبعوثيه الى الكيب ، فارسل مومنباتا قبل التوقيع معاهدة مع ممثل الحكومة البريطانية بنجامين دربن في 3 مارس 1836، وصت على أنها معاهدة صداقة وسلام بين الرجل الأبيض ومزيليكازي، وقب لاملك تعيين ممثين برطانيين في أراضيه.

واذا تساءلنا عن سبب قبول الملك توقيع المعاهدة، سنجد أنه كان في حاجة الى الأسلحة الحديثة والمتطورة من البيض، وذلك للدفاع عن نفسه ضد هجمات البوير، وضد أعدائه ومنافسيه من الزولو، وتعتبر هذه المعاهدة فريدة من نوعها وذلك لأن معظم المعاهدات التي وقعت بين الاوروبيين والأفارقة وقعت في بلاط الملوك، أما هذه المعاهدة فقد تم توقيعها في معقل البريطانيين في الكيب (1).

غير أن هذه المعاهدة لم يتب لها التنفيذ، وأصيب موفات بخيبة أمل، وذلك عندما اندفع البوير بقيادة الهولندي بوتجتير صوب وادي المريكو في الترنسفال ليقوموا بالاغارة على مزيليكازي، ويتم حرق مدن الميتابلين ويضطر الملك لقيادة شعبه شمالا، وعبور نهر اللمبوبو، والاستقرار فميا بين نهري اللمبوبو والزيبمازي بعيدا عن الزولو وبعيدا عن البوير، على أن اتجها الميتابلي شمالا أوجب ضرورة تحديد الحدود بينه وبين البوير، وخاصة وأن العلاقات قد تأزمت بين الطرفين بسبب ما ارتكبه البوير من فظائع في وادي ماريكو، ولكن لصالح لشعبة اضطر مزيليكازي الى توقيع معاهدة مع القائد الهولندي وبتجتير لتحديد الحدود بين الطرفي، واعتبار نهر اللمبوبو هو خط الحدود بين الطرفي، ورغم توقيع المعاهدة ظل مزيليكازي يمنع عبور البوير الى أراضيه (2).

ظل روبرت موفات على اتصال بمزيليكازي بعد استقراره في موطنه الجديد (روديسيا الجنوبية)، وأدرك أن مملكة الميتابلي تمثل مجالا خصبا لعمل البعثات التنصيرية، فزار الملك الذي أحسن استقباله في عام 1854 في احتفال رائع، ونجح روبرت موفات في الحصول على اذن من الملك بفتح أراضي الميتابلي واستقبال البعثات التنصيرية، وظل روبرت موفات موضع ثقة الملك حتى توفى عام 1868 ليتولى ابنه لونبجويلا الحكم من بعده (1).

هذا وقد شجع وجود روبرت موفات (2) في أراضي الميتابلي على قدوم البعثات التنصيرية، فارسلت جمعية لندن التنصرية عدة بعثات، وخصص للعمل في المنطقة ثلاث شخصيات رئيسية، الأول المنصر جون موفات ابن روبرت موفات، والثاني سيكس، والثالث توماس مورجان. وكان جون موفات انشطهم في الدباية، فرأى أن يسير على خطى والده وفضل العمل في مملكة الميتابلي مع زوجته، أما المنصر ويليام سكيس فقد عمل من قبل في كورومان بجنوب أفريقيا ثم انتقل عام 1859 الى مملكة الميتابلي وظل بها لمدة ثلاثين عاما، وكان بصحبته زميله توماس مورجان، وقد رحب مزيليكازي ببعثة مورجان وسيكس في البداية، وأقام لهما معسكرا، ولكنه رفض السماح لهم بالسفر شمالا في بداية الأمر، ولكنهما نجحا في كسب ثقة الملك، فسمح لهم للتنصير في أنياتي (3).

هذا ومن الملاحظ أن معظم ما كتب عن هذه البعثات حرص كتابها على تصوير معاناة البعثات التنصيرية وهي تخترق صحراء كلهاري تعاني من العطش والجوع ولا تجد المؤونة الكافية، كل ذلك من أجل تحقيق هدف سامي بالنسبة لهم، وهو نشر المسيحية في اراضي الميتابلي، وذلك لأنها مملكة متوحشة متعطشة للدماء. وهي في حاجة الى التهذيب والرقي والتحضر وهذا لن يحدث الا بعد اعتناقها المسيحية (4). وسوف نرى مدى زيف هذه الادعاءات ودور رجال الدين المسيحي في استعمار بل استبعاد شكل هذه المناطق في ضوء شعارات انسانية زائفة اطلقوها لاقناع أنفسهم بها وعالمهم المتحضر، فقد كان هؤلاء أشد بدائية في سلوكهم تجاه سكان هذه المناطق والتس تضاعفت أهميتها بعد اكتشاف الذهب فيها.

وقد أدى اكتشاف مناجم الذهب في مملكة الميتابلي الى جذب انتباه الاوروبيين الى المنطقة، ولكن الملك مزياكيازي رفض في البداية أن يعطي حقوق استغلال هذه المناجم لأحد، فعندما حاول أحد الصيادين (1) شراء بعض الأراضي لاستغلال الذهب فيها رفض الملك وكانت اجابته لا يوجد ملكان في بلد واحد، مؤكدا أنه لن يبيع أي جزء من أراضيه، ولكن بعد وفاته سوف يتغير الأمر (2). فقد اجتذبت المنطقة أنظار القوى الاوروبية المحيطة بها، وكان هناك شبه سباق أو تكالب لاستغلالها، فتحرك الوبير من الجنوب والترنسفال والبرتغال تراقب الموقف من الشرق (موزمبيق)، والألمان من الغرب (أفريقيا الجنوبية الغربية – نامبيا حاليا) والبريطانيين من الكيب (3).

وجدير بالذكر أنه تكونت خلال تلك الفترة عدة شركات لاستغلال المناجم والمعادن مثل شركة دي بيرز للتعدين (4)، وكان سيسل رودس الاستعماري البريطاني صاحب أكبر أسهم فيها، وأراد أن يمد نفوذ بريطانيا من الكيب صوب البحيرات الاستوائية وحتى تتصل بالممتلكات البريطانية في القاهرة، وأدرك رودس أهمية مملكة الميتابلي لتحقيق هذا الغرض، ولكن كان عليه الاقدام على خطوة السيطرة على هذه المملكة أن يؤمن ظهره، فأقنع بلاده بضرورة الاستيلاء على بتسوانا لاند أولا لاتخاذها قاعدة للانطلاق في أراضي الميتابلي، كذلك سوف تتمكن بريطانيا من مد نفوذها شمالا فهي بمثابة قناة السويس الداخلية كما أطلق عليها، وهي مفتاح المستقبل لبريطانيا، كذلك سوف تغلق الطريق أمام منافسيهم البوير من التوسع، فقد كانت بتسوانا لاند تمثل مخرجا ومتنفسا طبيعيا للبوير ، الذين بدأت تضيق بهم أراضي الترنسفال، كذلك سوف تقضي على أية اتصالات كان من الممكن أن تحدث بين الألمان الذين تصاعد نفوذها في جنوب غرب أفريقيا عام 1884 وبين البوير، ولكن هذه الأسباب مجتمعة اقنعت الحكومة البريطانية باقتراح سيسل رودس، وتم فرض الحماية البريطانية على بتسوانا لاند في عام 1885، وقبل الملك هذه الحماية بسبب تخوفه من تزايد وتعاظم نفوذ مملكة الميتابلي، فكان يخشى يوما من اغارتهم على بلاده، ففضل الاحتماء بالاوروبيين (1).

كانت الخطوة التالية بالنسبة لسيسل رودس وهي وضع يده على أراضي المياتبلي لتسود بريطانيا، ويتضح لنا مدى تعصب رودس مما كتبه "أن الله يريد أن يوجد الانسان في أحسن هيئة ليعبر العالم على ارادة الله، وليعلم الناس لعيشوا شرفاء، ولتسود المبادئ السامية، ويمثل الانسان في أحسن هيئة له في الجنس الأنجلو ساكسوني، ولذلك يجب أن يمد هذا الجنس نفوذه على مختلف أنحاء العالم، اننا الجنس الأسمى، وأنه يقدر ما تتسع سيطرتنا على أكبر بقعة في العالم، بقدر ما يعم الخير الجنس البشري، وأن كل شبر يشاف الى حدود بلادنا يزيد من نفوذ انجلترا وقوتها، وهذا يقلل من فرص الحروب، لأنه الشعوب الأخرى سترهبها وتعمل لها حسابا (2)".

معاهدتي جروبلر 1887 وجون موفات 1888

انتبه البوير لأطماع بريطانيا في اراضي الميتابلي، خاصة بعد فرض الحماية على بتسوانا لاند، ولذلك حرص بول كرومر زعيم البوير على الاتصال بالملك لوينجويلا ملك الميتابلي لتجديد الصداقة بين الطرفين، كما حدث من قبل مع والده الملك مزيليكازي، وكان ليونجويلا نفسه معجبا بصمود البوير ضد بريطانيا 1880-1881 (3)، فأرسل يهنئهم بالنصر وحمل مبعوثه الهدايا القيمة من العاج اليهم، واستغل جروبلر أحد التجار البوير علاقته الوطيدة مع الملك لوينجويلا فعرض عليه توقيع معاهدة للتجارة والصداقة بينه وبين البوير، والتي تم توقيعها بالفعل في 30 يوليو عام 1887 (1).

وجاء في بنود المعاهدة بأنها لحفظ السلام بين البوير والميتابلي ولتحديد الحدود الشمالية للبوير، واعتبار لوينجويلا حليفا لهم يقدم لهم المساعدة، كما وافق الملك على أن تعين جمهورية الترنسفال قنصلا له في بولاوايو (2)، وان البند الخطير الذي أثار السلطات البريطانية هو سماح الملك بالتعدين في أراضيه فحاول موفات منع الملك من توقيع المعاهدة، وأخذ يذكره بصداقته مع والده، ولكن لوينجويلا وقع المعاهدة في نهاية الأمر (3).

أحدثت المعاهدة ردود فعل كبيرة في الكيب، وشعر روبنسون المندوب السامي البريطاني في جنوب أفريقيا بالقلق، ورأى ضرورة الغاء المعاهدة، ولم يجد خيرا من جون موفات رجل الدين الذي يعمل في مملكة الميتابلي لالغاء المعاهدة، والذي نجح بالفعل في التأثير على الملك لالغائها، موضحا له أن هذه الخطوة لصالح بلاده (4).

وهكذا يتضح لنا مدى تدخل المنصرين في توجيه سياسة بلادهم والتمهيد لتدعيم سيطرتها، والأخطر من ذلك هو استغلال رجال الدين لحض الحكام للحصول على الامتيازات، فقد وضع لوينجويلا ثقته في جون موفات، وكان بمثابة الدبلوماسي الخاص للملك، كما كان يشرف على علاجه بالمورفين، وقد استغل ذلك أسوأ استغلال.

ثم أقنع جون موفات الملك بضرورة توقيع معاهدة مع السلطات البريطانية في جنوب أفريقيا، فوافق الملك بالفعل ، وعرفت هذه المعاهدة بمعاهدة جون موفات، والتي تم توقيعها في 11 فبراير 1888، وقد نصت على أن يسود السلام والصداقة بين الميتابلي ورعايا ملكة بريطانيا ، كما تعهد لوينجويلا بعدم توقيع أية معاهدة مشابهة مع أية دولة أجنبية، وألا يسمح له بالتنازل أو البيع عن أي جزء من أراضيه دون موافقة المندوب السامي البريطاني في جنوب أفريقيا (1).

وبذلك ضمن موفات لبريطانيا منع تغلغل نفوذ البوير الى أراضي الميتابلي، كذلك القوى الاوروبية الأخرى ولاسيما البرتغال، كما أدخلت المعاهدة أراضي المملكة لدائرة النفوذ البريطاني (2).

امتياز رود عام 1888

لم يكتف جون موفات بالغاء معاهدة جروبلر وتوقيع معاهدة 1888 مع الملك لوينجويلا ، بل عمل أيضا على خدمة مصالح غلاة المستعمرين أمثال سيسل رودس ، فعندما اكتشف الذهب في مملكة الميتابلي، كلف رودس تشارلز رود بالذهاب الى بولاوايوا على راس بعثة للحصول على موافقة الملك على امتياز استخراج واستغلال المعادن في أراضيه لصالح شركة يكونها رود، فلم يجد رود خيرا من رجلي الدين جون موفات وزميله هلمز لاقناع لونيجويلا بمنح رود الامتياز (3).

وكانت المشكلة بالنسبة لرود ورفاقه ليس الحصول على موافقة الملك فحسب وانما استبعاد الاوروبيين العالمين في مجال التنقيب عن المعادن في المنطقة، فقد تدفق الاوروبيون على مملكة الميتابلي وتقربوا الى الملك لمنحهم الامتيازات، فحصل السير جون سوينبورن على حق التنقيب في منطقة تاتي لمدة عشرة سنوات، ثم جدد الامتياز بواسطة صمويل ادوارز ، وحصل توماس بانز على حق التعدين عند نهر شاش، كما حصل آخرون على حق الصيد في بولاوايو خاصة جوزيف وود.

ولكن عندما أرسل رودس بعثة رود (1)، ضغط جون موفات على الملك حتى منح رود زملائه حق التنقيب عن المعادن في اراضي الميتابلي والماشونا (2)، وحق التنقيبت عن المعادن بين نهري شاش وماكلوتس من منابعهما الى مصبهما، واقمة الطواحين اللازمة لصهر الذهب وتشكيل المعادن، واقامة المباني اللازمة للآلات والعمال مقابل أن يحصل بوينجويلا على ايراد سنوي مائة جنيه استرليني، بالاضافة الى 1200 بندقية وزورق مسلح في نهر الزمبيزي، ومليون طلقة، كما تعهد رود بطرح الباحثين عن الذهب في اراضي المياتبلي، ووافق لوينجويلا على اتخاذ الاجراءات الصارمة لطرد الاشخاص الذين يدخلون أراضيه للتنقيب عن الذهب، وتعهد بالامتناع عن منح أية امتيازات الا بموافقة رود (3).

وبحصول رود على هذا الامتياز تحكم في الخط الجنوبي لمناجم الذهب فيما وراء اللمبوبو، وكان شهود الامتياز وأبطاله جون موفات وهلمز اللذان لعبا دورا هاما في اقناع الملك حتى وافق على منح رود الامتياز (4).

ركز رودس جهوده بعد حصول رود على الامتياز، على ضرورة تأسيس شركة لاستغلال الثروات في أفريقيا الداخلية، فأرسل لوزارة المستعمرات البريطانية مطالبا بسرعة منحه تصريح تاسيس شركة لاستغلال المناجم، ثم سافر بنفسه الى لندن عام 1889، وبذل جهدا كبيرا لاقناع مجلس العموم البريطاني والصحافة، ولاخماد أصوات المعارضين لمشروعاته من الجماعات الانسانية، مستخدما كل الأسلحة الممكنة من سلاح الرشوة الى سلاح الترغيب والترهيب، وأثارت هذه الرشاوى ضجة كبيرة في البرلمان البريطاني، ولكنه نجح في نهاية الأمر في الحصول على المرسوم بتأسيس شركة جنوب أفريقيا في 3 أبريل عام 1889 (5).

هذا وقد بدأ الملك لوينجويلا يشعر بالقلق بعد توقيعه امتياز رود، فقد كان يعمل في أراضيه ثلاث من الاوروبيين (1)، حذروه من نتائج هذه الامتيازات لأنهم كانوا يريدون الحصول على حق التعدين لأنفسهم، وأقنع الملك بارسال خطابا على ملكة بريطانيا يستفسر فيها عن بعثة رود، فجاء رد الملكة على لوينجويلا مؤكدة لشكوكه، وأن بريطانيا لم تفكر في مملكة الميتابلي، وحذرته من منح أية شركة مثل هذه الامتيازات، وكتبت الملكة فيكتوريا عبارتها الشهيرة "إن الملك يمنح أي غريب ثورا ولكن لا يعطيه كل قطيع الأغنام الذي يملكه". فتأكدت شكوك لوينجويلا وصمم على الغاء الامتياز (2)، فأسرع رودس بارسال دكتور جيمسون، وكان يتولى علاج الملك بالمورفين، وكان موضع ثقته فحاول اقناعه بعدم الغاء الامتياز، كذلك تدخل موفات وأخذي يهدئ من روع الملك، مؤكدا له أن الامتياز لا يمثل أية خطورة على بلاده (3).

ولكن اوشر عمل على أن يوغر صدر الملك على رود ورودس، وأطلعه على خبر تاسيس شركة جنوب أفريقيا وصدر مرسوم ملكي بذلك وأحضر له نسخة من جريدة الكيب الصادرة في 26 يوليو عام 1889، مؤكدا له أن الشركة تمثل خطرا كبيرا على بلاده، خاصة وأن رود باع الامتياز الى الشركة (4)، وهنا تدخل موفات بعد أن استشعر الخطر الكبيرة من اوشر، فبدأ وهو رجل الدين يدس له لدى لوينجويلا حتى يكرده من أراضيه، وأكد له أن شركة جنوب افريقيا ما هي الا شركة تجارية اهتمامها منصب على العمليات التجارية (5).

ولم يكن المنصر جون موفات صادقا فيما ذكره للملك، لأن الشركة الجديدة اصبح لها النفوذ المطلق، وحق التعرف على الأراضي الواقعة شمال نهر الزمبيزي ومنطقة نياسالاند بما فيها منطقة شيريه، واصبح لها حق تشجيع الهجرة والاستعمار في مناطق جنوب أفريقيا شمال بتسوانالاند وشمال غرب الترنسفال وغرب أفريقيا الشرقية البرتغالية، كذلك تنمية التجارة البريطانية في هذه المناطق واستغلال المناجم (1).

وبتأسيس الشركة لم ينقطع عمل المنصرين البريطنيين، بل كانوا على العكس أداة هامة من أدوات الشركة ، اعتمدت عليهم في مد نفوذهم رغم ادراكهم نظرة الشركة العنصرية الى سكان المنطقة فرودس كان يرى أن الأفارقة لا يمكن أن يشتركوا في حكم البلاد مع الرجل الاوروبي الابيض، فهو مولود من والدين عرة متوحشين (2).

كانت الخطوة التالية لسيسل رودس بعد أن حصل على حق استغلال الأراضي التي كانت في حوزة لوينجويلا ، هي القضاء على نفوذ الأخير، فبدأ في التمهيد للاستيلاء على أراضي الماشونا التابعة له، وأقنع الدكتور جيمسون الملك بتسليمها، وضغط عليه أثناء مرضه ومعالجته بالمورفين، وارسل رودس فرقة من المتطوعين عبرت نهر ماكلوتس من بتسوانا لاند ، وتم اختيارهم من بين ألفين من جنوب أفريقيا، على اساس القدرة السريعة في القتال والتصويب والمهارة الفنية، وهؤلاء المتطوعين باعطائهم أراضي الماشونا، وأثناء سيرهم بنوا العديد من الحصون في تولي وفيكتوريا، كما شيدوا المراكز بين بتسوانالاند وسالزبري، وفي 12 شهر تم الاستيلاء على أراضي الماشونا.

ويعلق دافيد مارتين على ذلك لقد تم هذا العمل بفضل الرواد أمثال لفنجستون الذين لفتوا الأنظار الى القارة السوداء التي يسكنها أناس غير متحضرين في حاجة الى المرشد الاوروبي لتمدينهم وتحديث أفريقيا يساعدهم الكنيسة التي تقوم بالتنصير (3).

هذا وقد اعتقد الماشونا بأن تقدم قوات الشركة انما جاء لتحميهم من اغارات البوير، واذا تساءلنا عن سبب صمت البوير عن تقدم القوات العسكرية البريطانية لشمال أراضيهم ، فسنجد ان الاجابة بأن رودس خدع زعيم البوير بول كروجر ووعده باعطائه ميناء على الساحل الشرقي، وبذلك أمر كروجر رجاله بعدم التقدم واعتراض قوات الشركة (1).

ولكن خاب أمل سيسل رودس فلم تعثر شركة جنوب أفريقيا على كميات كبيرة من الذهب في اراضي الماشونا، ولذلك كانت الخطوة التالية هي ضرورة احتلال أراضي مملكة الميتابلي وايجاد حجة أو سبب للاغارة على الملك لوينجويلا وجاءت الفرصة بمهاجمة الأخير للماشونا، فقد نظر المياتبلي للماشونا على أنهم مصدر للنساء والماشية، وكان من الصعب على الملك أن يغير من نمط وأسلوب الميابلي، فقام بغارة عام 1892 لم يمس فيها اوروبي واحد، ولكن رودس انتهر فرصة سرقة مجهولون لخمسمائة ياردة من أسلاك التلغراف بين تولي وحصن فيكتوريا، وكان الجناة من الماشونا بقيادة زعيمهم جومالا فطلب جيمسون من الملك تسليمه بعد أن استولى على جزء كبير من الماشية، فاحتج لوينجويلا على هذا العمل ولكنه وعد بمعقابة الماشونا، وتأزم الموقف بين الطرفين عندما اتخذ لوينجويلا في مطاردة الماشونا، واحتج في الوقت نفسه على مصادرة الماشية، فأرسل الى المندوب السامي الدكتور هاريس في جنوب افريقيا رسالة ذكر فيها اعتدت أنكم جئتم الى بلادي من أجل الذهب ولكنهم سرقتهم بلادي وشعبي (2).

حاول المندوب السامي في جنوب افريقي تهدئة لوينجويلا مؤكدا أن الشركة لن تهاجم أراضيه، بينما كانت الاستعدادات تجرى على قدم وساق لغزو مملكة الميتابلي، وهنا يبرز لنا دور المنصر مستشار الملك جون موفات الذي بذل جهدا كبيرا لاقناع الملك بالتريث وعدم اتخاذ أي موقف عدائي تجاه الشركة، كما عمل على خداعهه واقناعه بحسن نوايا الشركة، وأكد له أن سيسل رودس لا يعتزم غزو أراضيه وهو يدرك تماما كذب ادعائه وأن ما فعله مع الملك كان لصالح بلاده، ففي الوقت الذي استمر فيه موفات في خداع الملك كانت قوات جيمسون تعبر النهر وخط الحدود الفاصل بين المنطقتين في طريقها الى أراضي الميتابلي ثم ارسل جيمسون في 2 أكتوبر برقية للمندوب السامي البريطاين يؤكد فيها اعتداء الميتابلي على قرى الماشونا، وأنهم قاموا باطلاق النيران على جنوب الشركة ، كما اقتنع وزير المستعمرات اللورد ريبون بأن جميع المحاولات للوصول الى حل سلمي بين الشركة ولوينجويلا قد باءت بالفشل.

وتم مهاجمة أراضي الميتابلي من جبتهين فتقدمت قوات الشركة من سلسبري وقوات الحكومة بقيادة جولد أدامز من قلعة فيكتوريا، والتقت القوتات في 16 اكتوبر عند نهر اومنياتي وعبرتها الى أراضي الميتابلي، والتقت بقوات لوينجويلا في 22 أكتوبر (1)، وكان لقاء غير متكافئ بين القوات المسلحة بمدافع الهاون والبنادق وقوات الميتابلي المسلحة بالحراب والسهام، فهزم لوينجويلا وتقدمت قوات الشركة الى العاصمة بولاوايو، وأخلى لوينجويلا العاصمة وظلت القوات تطارده ولكنه نجح في الفرار الى مكان سري (2)، حيث أخفى كنوزه في احدى المغارات ثم قتل حارسه الخاص لكي لا يتعرف على مكان ثروته، ثم توفى لوينجويلا في 24 يناير عام 1894 (3).


وبالقضاء على مملكة الميتابلي تم القضاء على اكبر قوة عسكرية في المنطقة كانت تحول دون امتداد النفوذ البريطاين شمالا وقفت كالسد المنيع أمام طموحات الاستعماري سيسل رودس الذي ماكان يستطيع أن يحقق هاذ النجاح لولا مساندة ومؤازرة رجال الدين امثال مورفات ولم يكتف رودس بغزو أراضي الميتابلي وانما عمل على تغيير هوية المنطقة، فكان الاسم الرسمي للمنطقة في أوراق شركة جنوب أفريقيا هي زامبيزيا المنطقة الممتدة من الترنسفال الى الطرف الجنوبي لبحيرة تنجانيقا، ولكن تم تغيير الاسم الى روديسيا في عام 1895، تتويجا وتخليدا لجهود رودس.

أما ما اقترفه البيض في هذه المناطق فهو يتنافى مع تعاليم أي دين سماوي ويتنافى مع دعايات المنصري، فقد عملت الشركة على عزل الميتابلي في مكان خاص بهم، واستولت على أجود أراضيهم وأجبرتهم على العمل في الأراضي العامة والخاصة والخدمة في منازل البيض وفي مناجم التعدين ثم جاء المستطونون ليتم طرد الوطنيين، واستخدم الشركة قوات شرطة كان أغلب أعضائها من الخدم السابقين في أراضي الميتابلي، وكان وضع هؤلاء في مثل هذا المركز على علاقة بأسيادهم السابقين وضعا غير مناسب، اذ أساءت هذه القوات للسلطات الممنوحة لهم وأساء أفرادها الى اسيادهم السابقين خاصة وأنه لم يكن من بينهم موظفين أكفاء من البيض ليوقفوا مثل هذا الاتجاه.

ثم جاء انتشار الطاعون عام 1869 كارثة وليزداد الموقف سوءا بالنسبة للميتابلي الذين لاقوا كل ما حل بهم من كوارث بسبب البيض، ولم يكن لديهم ما يخشون ضياعه (1) فقاموا بثورة كبيرة في 23 مارس عام 1869 وثار الماشونا أيضا في نفس العام، وكانت الضرائب المفروضة عليهم – خاصة ضريبة الكوخ – من أهم أسباب الثورة، كذلك أتباع الشركة نظام العمل الاجباري ومعاقبة الهاربين من الوطنيين بقسوة وعنف، واستمرت الثورة حتى أواخر سبتمبر عام 1869، ولجأ الثوار الى الكهوف فقامت الشركة بنسفها بالديناميت لاجبار الثوار على الاستسلام (2).

هذا ويعتبر ثورة عام 1869 من أكبر الثورات ضد البيض، شن فيها الثوار ما يشبه حرب العصابات، ووحد فيها الميتابلي والماشونا صفوفهم، واثرت الثورة على مركز شركة جنوب أفريقيا الالي التي لجأت الى استخدام ابشع الوسائل للقضاء عليها، كما أنشئت فشل دعايات البيض وصعوبة تقبل الأفارقة للحكم العنصري (3).


وهكذا ترك المنصرون بصماتهم في أراضي الميتابلي منذ أن وصل لفنجستون على المنطقة وفتحها أمام البعثات التنصيرية ، ولعب الدكتور روبرت موفات دورا هاما في تدعيم نفوذ بلاده في المنطقة منذ أن بدأ اتصالاته بالملك مزيليكازي حتى قبل استقراره في موطنه الجديد، وظل على اتصال به وأرسل العديد من البعثات، ثم أكمل دوره انبه جون موفات المهندس والمخطط الرئيسي للاستيلاء على أراضي الميتابلي، فلعب دورا هاما في ابعاد الملك لوينجويلا عن البوير، وذلك لصالح جنوب افريقيأ، واقنع الملك بالغاء معاهدة جروبلر عام 1887، ثم عقد معه في العام التالي عام 1888 معاهدة حملت امسه وهي معاهدة جون موفات، واستغل الأخير مرض الملك وعلاجه بالمورفين ليحصل منه على العديد من المكاسب بل وصل به الأمر وهو رجل الدين أن يجعل الملك يوقع على العديد من الامتيازات اثناء مرضه، كما امتدت خدمات جون موفات لسيسل رودس، فاقنع الملك بامتياز رود عام 1888، وذلك ليتحكم الاوروبيون في مناجم الذهب في أراضي الميتابلي، واستمر جون موفات في خداع لاملك وابعاد الشكوك عن نوايا سيسل رودس وشركة جنوب أفريقيا حتى غزت قواتها أراضيه.


ثانيا:الباروتسي

لعبت البعثات التنصيرية دورا هاما في السيطرة على أراضي روديسيا الشمالية (زامبيا الحالية)، فمدت سيطرة في الشمال الغربي أو فيما عرف باسم أراضي الباروتسي حيث تجمعات قبائل الباروتسي الرعوية، كذلك في شمال شرق البلاد أي في أراضي قبائل البمبا والنجوني. وقد ذكرنا من قبل أن قبائل الكولولو استقرت في أراضي الباروتسي، وكان من أشهر ملوكها سيكيليتو ثم ابنه سيبتوان، ولكن بعد وفاة الأخير انتشرت الاضطرابات في البلاد حتى نجح الملك لوانيكا في تدعيم سيطرته على أراضي الباروتسي (1878-1916).


هذا وقد وثق أعضاء البعثات التنصيرية علاقاتهم بحكام الباروتسي منذ أن قدم لفنجستون الى المنطقة في بعثته الأولى (1853-1856)، وعمل على نشر المسيحية وركز جهوده في هضبة الباتوكا لفتح طريق بين هذه المناطق الداخلية وساحل شرق افريقيا، ونجح لفنجستون في كسب صداقة وثقة ملك الكولولو وسيكيليتو وأقنعه بضرورة التجارة مع الاوروبيين ، بل شجعه على تسويق كميات من العاج اتلى المصانع البريطانية، ولما كانت هضبة الباتوكا منطقة مرتفعة ذات تربة خصبة ومناخ مناسب عما حولها، فقد رأى لفنجستون بأنها من أصلح الأماكن لبداية نشاط البعثات التنصيرية واقامة المزارع، ولقيت دعوته قبولا كبيرا بين الهيئات التنصيرية والتي اتخذت شعارات انسانية منها محاربة تجارة الرقيق، وتشجيع التجارة الشرعية (1).

كما وجدت دعوة لفنجستون ترحيبا من ملك الكولولو سكيليتو وذلك لأنه كان يعاني من اغارات جيرانه الميتابلي جنوب بلاده، فرأى في الصداقة البريطانية خير فرصة للاحتماء من هذه الغارات، ولذلك أعطى الملك رسالة الى لفنجستون لتسليمها الى الحكومة البريطانية معربا فيها عن ترحيبه بالتواجد البريطاني في اراضيه، وعرض لفنجستون على ويلمرستون اقامة مستعمرة بريطانية في كافو في أراضي الكولولو، ولكنه رفض لأنه خلال تلك الفترة المبكرة كانت المعلومات قليلة عن هذه المناطق، كما كانت مجهولة تماما بالنسبة للاوروبنيين حتى كشفت رحلات لفنجستون عنها النقاب، ولذلك اكتفى بتشجيع البعثات التنصيرية على العمل في المنطقة (1).

تدفقت البعثات التنصرية على هضبة الباتوكا أو أراضي الباروتسي خاصة بعد ظهور ونشر كتاب لفنجستون عن المناطق الداخلية في أفريقيا، مما دفع جمعية لندن التنصيرية لارسال بعثة مكونة من هلمور وروجر برايس وجون ماكنزي عام 1859 الى أراضي الكولولو، وقد وصلت البعثة الى كورومان مركز التنصير الرئيسي في جنوب أفريقيا ، ومنها تقدمت شمالا الى شوشونج ثم عبرت نهر روجا، وعانت البعثة من ندرة المياه وشده الحرارة حتى وصلت الى نهر شوبي ومنها الى ليناتي (2).

واستغرقت البعثة عدة أشهر حتى وصلت الى أراضي الملك سيكيليتو الذي أحسن استقبال البعثة في البداية، ولكنه سرعان ما انتابته الشكوك حولها، خاصة بعد أن كتبت البعثة تقريرا عن تجارة الرقيق في أراضيه، ولذلك أمر الملك بالابقاء على أفراد البعثة في ليناتي ومنعهم من مغادرة البلاد أو التحرك شمال الزمبيزي، وعانت البعثة أثناء احتجازها من الأمراض خاصة الملاريا، وتوفى هلمور وزوجته واثنين من أولاده، بينما أسرع برايس بمغادرة البلاد واتجه جنوبا الى كورومان، وهكذا كانت نهاية البعثة مأساوية، وقيل أن الملك سكيليتو دس السم لهم (3).

قام لفنجستون بزيارة المنطقة مرة ثانية وعمل على بث الطمأنينة في نفس الملك سيكيليتو وأقنعه بحسن نوايا البريطانيين تجاه بلاده وأنه لا هدف لهم سوى صداقته، فاقتنع الملك ووافق على استقبال بعثات جديدة في اراضيه، ووعد بعدم التعرض لها (4).

ثم انتشرت الاضطرابات في اراضي الباروتسي ، وتم التغلب على الكولولو وقتل رجالهم وسبي نساءهم، واستمرت الاضطرابات والحروب الأهلية في المنطقة حتى تولى الملك لوانيكا (1)، الذي اتجه لتقوية شعبه وحماية أراضي الباروتسي من اغارات الميتابلي، ولذلك وقع الملك في نفس خطأ الملك سيكيليتو، فقد عمل على الاحتماء بالبعثات التنصيرية البريطانية ضد الميتابلي، الذين يهددون حدوده الجنوبية وضد البرتغال في الشرق والألمان في الغرب.

هذا وقد وجد أعضاء ههذ البعثات فرصة ذهبية لتوطيد نفوذ بلادهم والتمهيد للسيطرة على المنطقة، ومن أشهر البعثات التي عملت في المنطقة بعثة بليموت عام 1882 وفريدريك أرنوت، وكان الأخير قد قام ببناء العديد من لمحطات التنصيرية في أنجولا، ثم اجته للاستقرار في أراضي الباروتسي، هذا وقد لعبت هذه البعثات بتقاريرها المختلفة دورا هاما في احتلال أراضي الباروتسي، في الوقت الذي كانت بريطانيا لا تفكر في ضم هذه المنطق (2).

وجدير بالذكر أنه يقابلنا في أراضي الباروتسي شخصية هامة لعبت دورا خطيرا في مد النفوذ البريطاني، وهي شخصية المنصر الفرنسي كويار التابع لجمعية باريس التنصيرية وقد عمل من قبل في باسوتولاند ثم سمح له الملك لوانيكا بالعمل في اراضيه، وكان لكويار صلة قوية بسيسل رودس وشركة جنوب أفريقيا.

ويمكننا أن نعقد مقارنة بينه وبين المنصر جون موفات في اراضي الميتابلي، فقد كان كويار مقربا من الملك لوانيكا أسدى اليه النصائح التي أدت في نهاية الأمر الى وقوع بلاده في يد البيض، فعندما شعر لوانيكا بالقلق من جراء الاتصالات البريطانية بأعوانه الميتابلي وامدادهم بالأسلحة، نصحه كويار بطلب الحماية البريطانية في عام 1889. وذلك لكي يأمن على شعبه من اغارات الميتابلي (3)، ثم ساعد كويال سيسل رودس في الحصول على الامتيازات في أراضي الباروتسي، وأقنع لوانيكا باستقبل مبعوث رودس هاري وير الذي زاره وهو محمل بالهدايا والبنادق الحديثة والمؤونة، فمنحه لوانيكا امتياز التعدين في أراضيه في المنطقة الواقعة شرق نهر شاشيلي، ثم أراد رودس شراء الامتياز من وير، فارسل لوشير الى الملك لوانيكا لاقناعه بذلك، ولكن الملك رفض منحه الامتياز بدلا من وير، فقد كان يدرك ان اتفاقه مع وير انما هو اتفاق مع رجل أعمال، وان اتفاقه مع لوشنر يختلف بصفته ممثلا لشركة جنوب أفريقيا.

وأعرب لوانيكا عن رغبته في قبول حماية بريطانيا الرسمية على أراضيه، وليس حماية الشركة، ولكن كويار نجح في اقناع الملك بقبول الحماية البريطانية وعقد اتفاق مع لوشنر قرب ليالوي عام 1890، تنازل فيه عن حقوق التعدين والتجارة، كما تعهد بعدم التفاوض مع أية دولة اوروبية أخرى كما تعهدت الشركة بارسال مندوب عنها ليقيم في المنطقة، وتعهدت بدفع ألف جنيه استرليني للملك، وادخال الصناعات الحديثة في بلاده وتنمية التجارة (1).

هذا ويمكننا القول أن السبب في قبول لوانيكا الحماية جاءت تأثرا بصديقه الملك جاما في بتشوانا لاند، الذي قبلها عام 1885لحماية بلاده من اغارات الميتابلي، كذلك بضغط من كويار وكان بمثابة مستشار الملك، وشجعه لطلب الحماية بحجة حماية بلاده، بينما كان هدف كويار هو الاستقرار في المنطقة ومد نشاطه التنصيري الى أبعد الحدود، ولاشك أن عمله في ظل الحماية البريطانية سيوفر له الأمان والنجاح، لأنه كان يعلم بأن بلاده لا مطامع لها في هذه المنطقة، وكان من مصلحته العمل تحت المظلة البريطانية (2).

وبعد رحيل لونر شعر لوانيكا بأنه خدع، فعهد الى أحد التجار وهو جورج ميدلتون بكتابة رسالة الى الحكومة البريطانية رافضا امتياز لوشنر، ثم ارسل الى الملكة فيكتوريا طالبا مد النفوذ البريطاني على بلاده، فقد اراد حماية بريطانية وليس حماية الشركة (3).

ورغم توقيع اتفاق عام 1890 الا أن المنطقة ظلت بدون مندوب بريطاني، وذلك بسبب الحروب الأهلية واغارات الميتابلي حتى عين روبرت كوريندون أول مندوب في المنطقة، فوقع معاهدة مع لوانيكا عام 1898 أكد فيها اتفاق عام 1890، وفي 28 نوفمبر عام 1899 أصدر مجلس الوزراء البريطاني أمرا بأن تكون أراضي الباروتسي تحت سيطرة المندوب السامي البريطاني في جنوب افريقيا (1).

أرادت شركة جنوب افريقيا تدعيم سيطرتها على شمال شرق روديسيا، فكان لابد لها من اخضاع قبائل البمبا والنجوني، وكانت سياسة الشركة أن تتحاشى الصدام مع قبائل البمبا، ولكنها أرادت اضعافهم بمهجامة تجارتهم مع شرق أفريقيا خاصة مع العرب، وكان أشهر زعماء البمبا مالوزي يتركز فيكارونجا وله تجارة نشيطة مع الحرب، فتقدمت قوات الشركة في عام 1887 وقامت باحراق مركزه، ثم حاولت في عام 1888 التفاوض مع العرب، ولكنها فشلت، وتم تكليف القائد البريطاني لوجارد بشن الهجمات ضد مالوزي، ولكن الأخير صمد أمام زحف القوات البريطانية، مما اضطر لوجارد لطلب النجدة من هاري جونستون المندوب في نياسالاند، فارسل اليه قوة عسكرية نجحت في الحاق الهزيمة بالزعيم مالوزي عام 1895، الذي تم شنقه في عام 1896.

ويتضح لنا حقد البريطانيين في اعرابهم عن سعادتهم في التخلص من مالوزي حليف التجار العرب في شرق افريقيا، فكان موته يعني استبعاد أي تواجد عربي في داخل أفريقيا، وقد صرح كوريدندون قائد شركة جنوب افريقيا في عام 1900 معربا عن سعادته، فذكر، لقد انتهبت سيطرة وقوة العرب، لقد تحدوا لوجارد في كارونجا في عام 1887، وأغلقوا طريق نياسا-تنجانيقا، وجاءت هزيمتهم بواسطة جونستون لينهي تواجدهم ونتخلص منهم نهائيا (2).

بعد هزيمة ومقتل مالوزي نجحت قوات الشركة في السيطرة على باقي زعماء البمبا الأقوياء، فقد برز خلال تلك الفترة الزعيم موامبا وكان له نفوذ كبير في البلاد، فتقرب من المنصر ديبون زعيم الآباء البيض وقوى علاقته به، ثم حدثت منافسة قوية بين موامبا والزعيم وشيتا موكولو، واستمر هذا الصراع في عهد سامبا الذي خلف شيتا، وعندما مرض الزعيم موامبا في عام 1898 قدم له الأسقف ديبون المساعدة الطبية ، وبعد وفاته في عام 1898 أدعى الأسقف بأن الزعيم موامبا سلمه بلاده قبل وفاته، وأظهر توقيع الملك، ولكن شركة جنوب افريقيا انتهزت فرصة وفاة موامبا باعتباره من أقوى الزعماء، وقامت بطرد الأب ديبون من المنطقة، وأعلنت وضع يدها على أراضي البمبا (1).

اتجهت قوات الشركة نحو الشمال الشرقي لتدعيم سيطرتها على أراضي النجوني، فبدأت بمهاجمة زعيم النجوني مبزني وكان النجوني يكونون دولة صغيرة تتزايد أعدادها بأسرى الحرب. وقد توسع حاكمها مبزني ووسع حدود أراضيه مثلما فعل البمبا، وسرعان ما دخل النجوني في صراع مع الاوروبيين الذين أرادوا استغلال مناجم الذهب، كذلك أرادوا الاستفادة من الأيدي العاملة وأن يستخدموا النجوني في العمل كعمال زراعيين.

هذا وقد توترت العلاقة بين مبزني والبريطانيين، عندما منح امتياز التجارة والصيد والتعدين في أراضيه للالماني كارل ويز وتوثقت العلاقة بين الطرفين بدرجة كبيرة ، وزاد من خطورة الموقف أن زوجة كارول كانت برتغالية فحاول ويز تقوية علاقة مبزني مع البرتغال في شرق افريقيا، ولذلك كان على رودس سرعة العمل لاحتواء المنطقة خوفا من وقوعها تحت النفوذ البرتغالي، خاصة وأن مبزني رفض توقيع أية اتفاقات مع ممثلي الشركة.

ولكن في عام 1891 وبعد توقيع الاتفاق البريطاني البرتغالي لتحديد الحدود بين مستعمرات البلدين، وقعت أراضي النجوني في دائرة النفوذ البريطاني ، ولذلك اضطر كارل ويز لبيع امتيازه لشركة لندن، وحاول جونستون التقرب من الملك. فارسل له في عام 1896 ليسمح للبريطانيين بالعمل في اراضيه، وزعم أن الملك مبزني تفهم الأوضاع الجديدة، ولذلك لم يحاول محاربة البريطانيين ، ولكن ابنه نسنجو شن عدة هجمات على شركة جنوب افريقيا في عام 1898 التي قامت بارسال ضباطها الى المنطقة، وحصدت مدفعيتهم قوات نسنجو الذي اسر وأعدم رميا بالرصاص، لتدعم الشركة بدورها سيطرتها على أراضي النجوني (2).

ولم يأت عام 1899 الا وتوقفت نهائية كل مقاومة ضد الاوروبيين في المنطقة، وقام كورندون بنقل عاصمته من بلانتير في نياسالاند الى فورت جيسمون في شمال شرق روديسيا، ومع استقرار الأمور تحول النشاط السياسي الى نشاط اقتصادي، وفتح المجال أمام الاوروبيين لبيع متاجرهم وللزراعة لاستغلال الأراضي البكر الشاسعة (1).


ثالثا: نياسلاند

اكتشف لفنجستون بحيرة نياسا في سبتمبر عام 1859، فوصفها بأنها أراضي خصبة في وسط أفريقيا تغطيها الخضرة والغابات، وأكد أنه على الرغم من التواجد البرتغالي في ساحل شرق أفريقيا، الا أنها لم تصل الى هذه المناطق، وظلت تجهلها حتى وصوله اليها، وذلك لأنها لم تحاول صعود نهر شيريه (1).

وبذلك يمكننا القول أن بعثة لفنجستون فتحت العيون الى أهمية الجهات الواقعة حول بحيرة نياسا (2).

وبعد اكتشاف لفنجستون لبحيرة نياسا، تدفقت البعثات التنصيرية عليها، خاصة وأن لفنجستون كان عضوا في جمعية لندن للتنصير، وكان لفنجستون متحمسا لنشر الدين المسيحي بين الأفارقة، واعتبر ذلك حسب قوله "واجبه التنصيري" الذي عليه القيام به حتى آخر يوم في حياته، فذكر في كتابه " إن الانجيل هو الجدير بالحضارة الحديثة" (3).

وفي عام 1861 وصل الأسقف تشارلز ماكنزي الى جبال شيري بتوجيه من لفنجستون، فقد تبنت الجامعات البريطانية ارسال البعثات خاصة جامعة كامبردج، وبناء على طلب لفنجستون وبتشجيع منه تم ارسال ارسالية الجامعات الأفريقية الوسطى التي عملت في المنطقة، ولكنها سرعان ما فضلت الانسحاب والعمل في ساحل زنجبار (4). بينما ركزت ارسالية الكنائس الحرة الاسكتلندية برئاسة جيمس ستيوارت العمل في نياسا وكان طالبا في جامعة أدنبره، خطط للقيام ببعثة الى الزمبيزي، وقضى عدة أشهر يكتشف الاراضي الواقعة شرق شيري، ثم عاد الى أعالي الزمبيزي، ومنها الى الحدود الشرقية لمستعمرة الرأس، وقد قدر له بعد وفاة لفنجستون أن يتولى الاشراف على المراكز التنصيرية في وسط أفريقيا، وأن يعود مرة ثانية الى المنطقة عام 1874 (1).

هذا وقد اتخذ أعضاء البعثات التنصيرية من لفنجستون مركزا لعملهم في جنوب بحيرة نياسا، وأسست ارسالية كنيسة اسكتلندا الرسمية مركزا لها في بلانتير (2).

واجتذبت المنطقة العديد من المنصري، فعمل فيها بارث فرير وكان مكلفا من قبل بالعمل في الصومال عند نهر روفوما، ثم جذبته نياسالاند كما جذبت جيمس ستيوارت من قبل، ومن أشهر الشخصيات التي اهتمت بالمنطقة جون كيرك الذي ذكرنا من قبل أنه رافق لفنجستون في رحلاته لكشف الزمبيزي، ثم رشحه الأخير للعمل في زنجبار، ثم عين كيرك قنصلا في زنجبار، وظل على صلاته القوية بالبعثات التنصيرية في نياسالاند (3).

وفي عام 1875وصل الدكتور هندرسون من الكيب الى الزمبيزي بصحبة الدكتور لوز يرافقه الدكتور يونج ولا جدال ان وجود الأطباء ضمن فريق التنصير قد أدى الى دفع العملية التصنيرية الى الأمام، خاصة وأن هؤلاء الأطباء قدموا خدماتهم الصحية لسكان نياسالاند والمناطق الداخية، مما أدى الى جذب المزيد من المواطنين اليهم، ووكل الى الدكتور لوز العمل في منطقة الساحل الغربي لبحيرة نياسا، وكان هو المسئول عن محطة راس ماكلير، واستطاع الدكتور لوز وزوجته اقامة جسور قوية مع القبائل والوطنيين في شمال بنداو وأصبحت له صلاته القوية مع الزعماء المحليين، بل قام بالتعاون مع فريدريك مور بمحاولة اكتشاف الهضبة الداخلية في المنطقة (4).

وفي عام 1876 عاد جيمس ستيورات الى نياسا لاستكمال عمله التنصيري، وقال عبارته الشهيرة "نحن ذاهبون للتنصير والتعليم"، وقد تقابل مع الدكتور لوز وتعاون معه على نشر نفوذ البعثات التنصيرية ، ثم جاء في نفس العام روبرت ارثنجتون بتكليف من جمعية التنصير في لندن وكان الهدف الرئيسي لبعثته هو فتح الطريق من الساحل نحو بحيرة نياسا (1).

وهكذا تدفقت البعثات التنصيرية والمنصرين في نياسا، وتم فتح المدارس التي اجتذبت سكان المنطقة، وانتهش مركز لفنجستون التنصيري، كذلك مركز بلانتير، وقدمت هذه المراكز العون للبعثات الكشفية البريطانية، وظلت هذه المراكز على اتصال بالقنصل البريطاني كيرك في زنجبار، وعلى اتصال بالرحالة والمكتشفين، فطالب الرحالة كوتريل الحكومة البريطانية وضع يدها على نياسالاند خوفا من أطماع البرتغال في المنطقة، وأيد طلبه هذا الدكتور يونج (2).

ولعل أبلغ دليل على اقتناع المنصرين بدورهم لخدمة أهداف دولهم ما ذكره فان شوماكير "أننا هنا فقط من أجل مساعدة الرسميين من الحكومة البريطانية في السيطرة على الوطنيين واعدادهم ليكونوا شعبا من الخدم" (3).

وفي نياسالاند تحولت الارساليات الى اجهزة ادارية حاكمة، وثمة ملاحظة تجدر الاشارة اليها، وهي أن مراكز التنصير اجتذبت اعداد غفيرة من اللاجئين الوطنيين، والتي أقبلت على اعتناق المسيحية مقابل الطعام والمأوى، وبذلك دخلت هذه البعثات الدينية في الصراع الاداري والقبلي الدائر وترتب على ذلك أن وجدت هذه البعثات أن من الصعب أن تستمر في مباشرة نشاطها دون تدعيم اداري من وطن يحميها ويوفر لها حاجاتها الاقتصادية الاساسية، واستجابة لهذا المطلب قامت جماعة من التجار وبنائي السفن في ميناء جلاسجو بتشكيل أول تنظيم تجاري عام 1878 عرف باسم شركة البحيرات الافريقية. بقصد مساعدة الارساليات على استئناف مهامها وتزويدها بالسلع الضرورية، وتدعيمها في الوقت نفسه بتشجيع التجارة المشروعة، وبدأت تلك الشركة تحاول جاهدة الاتصال بالقبائل للمتجارة معها ثم وسعت نشاطها التجاري في الطرف الشمالي لبحيرة نياسا (1).

وكونت الشركة قوة بوليسية تحت رئاسة فريدريك لوجارد بحجة منع ومحاربة تجارة الرقيق، وأنشأت عدة محطات تجارية حول بحيرة نياسا، كما ربطت طريقا بريا يربط البحيرة ببحيرة تنجانيقا، وأسدت الشركة وقواتها البوليسية خدمات جليلة للبعثات التنصيرية ولرواد الاستعمار خاصة هاري جونسون وغيره ممن كانوا يمهدون للاستعمار البريطاني في المنطقة (2). ونجحت الشركة في فتح طريق من الزمبيزي الى شيريه في نياسالاند ومنها الى تنجانيقا، أي ربطت المناطق الداخلية بالساحل ، وكان جوزيف تومسون عام 1879 هو أول من عبر هذه المناطق، ووضع مؤلفا دون فيه خبرته بالمنطقة (3).

وفي عام 1886 عين الكابت فوت قنصلا في نياسالاند، وكان يعمل ضابطا في شرق أفريقيأ، وكانت مهمته الرئيسية هي محاربة تجارة الرقيق، وقد اسرعت البعثات التنصيرية بتقديم العون له، خاصة مبركز لفنجستونيا وشركة البحيرات (4).

أدى هذا النشاط التنصيري والكشفي والتجاري في نياسالاند الى اصطدام البريطانيين مع الزعيم الوطني مولزي وكان قد نصب نفسه سلطانا (1887-1889) في نياسالاند، وقد ساعده تدخل البريطانيين الأجانب في منطقة نفوذه وكانت له صلاته الوطيدة مع التجار العرب على الساحل، وقد أدى ذلك الى اصطدامه مع البريطانيين على التدخل وبسط سيطرتها على المنطقة، بحجة حماية التجارة الشرعية واقصاء العرب من المناطق الداخلية (5).

وتزايدت أهمية نياسالاند ، وبدأت البرتغال تتطلع لمد نفوذها عليها، وبدأت تتحوف من نشاط البعثات التنصيرية ، خاصة وان مركز لفنجستونيا لم يعد المركز الوحيد للتنصير، وانما ذاعت شهرة مركز بلانتير الذي عمل فيه دون ماكدونالد ثم جيمس ستيوارت وغيرهم من المنصرين التابعين لارسالية الكنيسة الاسكتلندية الرسمية، كذلك نظرت المانيا بعين الحقد الى النشاط البريطاني التنصيري في نياسالاند، خاصة وان الشائعات انطلقت تفيد بوجود الذهب ايضا في المنطقة، وأكد الألماني كارل موخ وجود مناجم الذهب فيها (1).

وفي الواقع لم يتحمس اللورد سالسبري في بداية الأمر لنداءات أعضاء البعثات التنصيرية في بلانتير و لفنجستونيا، والتي تلخصت في اعلان الحماية البريطانية على المنطقة، ورفض سلسبري فكرة ارسال قوة عسكرية لمساندة البعثات، ولكن تحت ضغط جماعية الانسانيين وضغط البرلمان البريطاني والصحف البريطانية، فرضت بريطانيا حمايتها على نياسالاند (2) في عام 1891، وعين جونستون أول مندوب للتاج في نياسالاند، وكان من المتوقع أني شعر سيسل رودس بالاحباط بسبب خروج نياسلاند من دائرة نفوذ الشركة وتبعيتها مباشرة للتاج البريطاني (3).

وهكذا دفعت البعثات التنصيرية في نياسالاند الحكومة البريطانية لوضع يدها على المنطقة، ولكن رغم كتابات الاوروبيين المتعددة والتي تلخصت في تمجيد دور المراكز التي أقامتها البعثات الا أن أفرادها تورطوا في العديد من المشاكل خاصة في المنازعات بين القبائل المحلية، كذلك كان الأمر لا يخلو من منازعات بين أفراد هذه البعثات والزعماء الوطنيين، كما حدث مع البعثة الاسكتلندية التي عمل معها فنويك وكان فنانا ورساما، اختلف مع أحد الزعماء المحليين ويدعى تشيباتولا وكان يحكم رافد من روافد أنهار أيو، وتناول الاثنان الخمر وسكرا ثم اختلفا فقام فنويد بقتله، ولذلك عندما وصل الكابتن فوت الى المنطقة وتولى مهام مصبه ، حرص على ارضاء شيكوزي واصلاح العلاقات معه، ولذلك نلمس أن ما قيل من دعاية حول عمل هؤلاء المنصرين وتلقيبهم بالرواد والشهداء أمرا مبالغا فيه (1).

وكانت المرحلة التالية بعد وضع يد بريطنيا على نياسالاند بفضل نشاط البعثات التنصيرية هو التخلص من التجار العرب الذين توغلوا من سواحل شرق أفريقيا الى نياسالاند وشمال الزمبيزي، فقد لعب هؤلاء التجار دورا هاما في الوساطة بين البرتغال على الساحل وسكان المناطق الداخلية، وأسسوا المراكز التجارية في سنا وتيتي وكيليمان جنوب نياسالاند (2).

وعندما ازداد نفوذ آل بوسعيد في ساحل زنجبار بفضل نشاط سعيد بن سلطان، ذلك النشاط الذي اسفر في نهاية الأمر على السيطرة على هذا الساحل، ونقل العاصمة الى زنجبار، ازداد التوغل العربي في المناطق الداخلية، وأقيمت المحطات التجارية في داخل أفريقيا، فقد أدرك سعيد بن سلطان أهمية منتجات أفريقيا الداخلية بعد أن تزايد الطلب الاوروبي عليها ، ولذلك تم تنظيم عدة طرق تجارية تربط المناطق الساحلية بأفريقيا الداخلية عبر أوجيجي وبحيرة تنجانيقا، ومن هذه المحطات التجارية توغل العرب الى شمال زامبيا (روديسيا الشمالية) ، كذلك في كوتاكوتا عبر بحيرة نياسا، هذا وقد التقى لفنجستون خلال رحلته الاستكشافية بهؤلاء التجار، ونبه في كتاباته الى خطورة تواجدهم، وذلك لتزايد حجم تجارتهم ونفوذهم وصلاتهم ببعض القبائل الأفريقية (3).

ويمكننا القول أن أهم الطرق التجارية التي ربطت المناطق الساحلية بالداخل وتاجر العرب منها ، الطريق الأول وهو الطريق الشمالي من ممبسا ومالندي الى هضبة البحيرات، والطريق الأوسط ويبدأ من الموانئ المواجهة لزنبجار ويوجمايو فرع جنوبي غربي الى اوجيجي وحوض الكونغو، أما الطريق الجنوبي فيبدأ من كلوة وجنوب تنزانيا الحالية وشمال موزمبيق الى بحيرة نياسا (1).

ومن أشهر القبائل والجماعات التي كانت لها صلاتها مع العرب، قبائل اليكي في كاتنجا، وقد كان لزعميها ميسيدي نفوذا كبيرا في المنطقة، واشتهر بتجارة العاج والرقيق، وقد امتد نشاطه التجاري في نياسلاند وشمال روديسيا، وتعاون مع العرب للتجارة في هذه المناطق، خاصة مع قبائل النجوني والبمبا، وظلت امبراطوريته التجارية قائمة في الكونغو حتى قضى عليها الاستعمار البلجيكي في المنطقة (2).

كذلك اشتهر من التجار العرب حميد بن حمد المرجبي الملقب بتيبوتيب، ويرجع اليه الفضل في توطيد النفوذ العربي في الكونغو، واقام دولته في شرق البلاد فكانت بمثابة جزيرة محمدية وسط البعثات التنصيرية، على حد وصف ريتشارد هول، والتي استمرت لمدة سبعين عاما (3)، وقد هادنتها بلجكيا في بداية الأمر، نظرا لتعاظم نفوذ تيبوتيب، والذي اتخذ من كسونجا عاصمة لدولته، ولذلك اضطرت بلجيكا أو دولة الكونغو الحرة الى الاعتراف بسيطرته على الاقليم الشرقي من الكونغو ومنحته راتبا شهريا، على أن يعمل على استتباب الأمن في المنطقة (4).

ولكن عندما دعم الملك ليوبولد الثاني نفوذه في دولة الكونغو الحرة بدأ يتطلع للقضاء على الزعيم العربي، فبدأت في ارسال الحملات ضده، فتم ارسال حملة بقيادة دين والتي انتهت بالفشل اذريع، وحقق العرب انتصارات كبيرة عام 1889، ولذلك تم ارسال حملة ثانية عام 1891 بقيادة هوديستر وحملة ثالثة بقيادة دانيس عام 1893 وحملة فان كركهوفن (5)، واشتعلت الحرب بين العرب والحملات البلجيكية، والتي انتهت بانتصار بلجيكا، واضطر تيوتيب الى الانسحاب الى ساحل زنجبار خاصة بعد أن اصابه المرض وقتل ابنه سيفو (1).

والذي يهمنا من نشاط تيبوتيب في الكونغو أنه مد نشاطه التجاري الى مناطق نياسالاند وأراضي الباروتسي ، ووطد علاقاته التجارية مع القبائل في هذه المناطق، ولاسيما قبائل البمبا، وزعمائها، فوصل نفوذ هذه الدولة العربية من الكونغو وحتى مناطق افريقيا الوسطى الجنوبية، ولعبت الوساطة لنقل متاجر هذه المناطق الى السواحل الأفريقية (2).

وبذلك نلمس تخوف الاوروبيين من النشاط العربي الذي حذر منه المكتشف البريطاني لفنجستون، ودعا بلاده لتدعيم سيطرتها على المنطقة واستبعاد النفوذ العربي، وعندما دعمت بريطانيا بالفعل سيطرتها على نياسالاند حرصت على القضاء على التجار العرب في هذه المناطق بحجة مكافحة تجارة الرقيق، كذلك التقت مصالح بريطانيا وأهدافها مع الملك ليوبولد الثاني ملك بلجيكا والذي أراد بدوره التخلص من التواجد العربي بدولة الكونغو الحرة.

وهكذا لم تقترب نهاية القرن التاسع عشر حتى كانت جحافل التنصير قد قطعت في أفريقيا شوطا كبيرا وتوغلت في قلب القارة، وساهمت هذه البعثات في بسط الحماية البريطانية، وقد تعمد المنصرون التظاهر بالتعاون مع الوطنيين كأطباء أو رجال تعليم وتدرجوا لنشر مذهبهم ونشر نفوذ دولتهم بريطنيا التي ينتمون اليها.

يتضح لنا مما سبق تعدد الارساليات في المنطقة وكانت جمعية الارساليات الى أفريقيا والتي تأسست في عام 1799 من أول الهيئات التي اهتمت بالتنصير في شرق أفريقيا، تلاها جمعية لندن التنصيرية والتي تأسس عام 1895، وبدأت عمليتها في الشرق الأقصى، ثم اتجهت الى جنوب افريقيا ، وركزت عملها في أراضي الميتابلي والماشونا، ومن أشهر أعضائها لفنجستون، أما ارسالية الجامعات الى أفريقيا الوسطى فقد عملت في أعالي نهر شيريه في نياسالاند برئاسة الاسقف ماكنزي، ولكنها آثرت الانسحاب الى زنجبار وتركيز العمل فيها منذ عام 1863، هذا بينما أسست ارسالية الكنائس الحرة الاسكتلندية مركزا هاما في لفنجستونيا بفضل نشاط جيمس ستيوارت ، كما أسست ارسالية كنيسة اسكتلندا الرسمية، مركزا في بلانتير في بحيرة نياسا، وقد لعبت كل هذه البعثات دورا هاما وخطيرا في محاربة الاسلام والمسلمين.

رابعا:اشتعال المنافسة بين بريطانيا والقوى الاستعمارية المجاورة

بعد أن دعمت بريطانيا سيطرتها على المنطقة، كان لابد لها من توقيع سلسلة من الاتفاقيات مع القوى الاستعمارية المجاورة لمناطق نفوذها، ألا وهي البرتغال وألمانيا وبلجيكا ، خاصة وأن فترة النصف الثاني من القرن التاسع عشر اتسمت بالتكالب الاستعماري على القارة الأفريقية، ذلك التكالب الذي نظم في مؤتمر برلين 1884-1885، الذي اندفعت بعده هذه الدول في صراع محموم لضم المزيد من المستعمرات.

هذا وكانت البرتغال من أهم الدول التي سعت بريطانيا للاتفاق معها، فقد كانت رائدة الدول الاوروبية في مجال الكشوف الجغرافية، ونجحت منذ القرن السادس عشر في الاستيلاء على الموانئ (1) الهامة في سواحل شرق افريقيا، واحتفظت بالسيادة على هذا الساحل، كما كانت البرتغال في طليعة الدول التي شجعت تجارة الرقيق في المنطقة، كذلك تطلعت لاستغلال مناجم الذهب، فتم انشاء الأسواق التجارية في مدينة سيدا والتي أصبحت المركز الرئيسي لتجارة الزمبيزي، كذلك أنشأت مدينة تيتي في أعاي الزمبيزي ومركز كيليمان عند مدخل الزمبيزي، ثم حاولت البرتغال التوغل في المناطق الداخلية للبحث عن الذهب، ولكن هذه المحاولات باءت بالفشل (2) بسبب سوء الطقس والجهل بالمنطقة، وانتشار الأمراض، واكتفت البرتغال بانتزاع مساحات شاسعة من الأراضي الصالحة حول ضفاف الزمبيزي لاستغلالها، كما شجعت البعثات التنصيرية خاصة الدومينيكان للعمل في المنطقة (3).

ويمكننا القول أن التواجد البرتغالي في ساحل شرق أفريقيا اقتصر على المناطق الساحلية، ثم تقلص الوجود البرتغالي بعد طرد البوسعيد لهم من ساحل زنجبار، فاقتصر على موزمبيق واكتفت البرتغال بها كميناء ومحطة للسفن البرتغالية في المحيط الهندي، وظل اتصال البرتغال بالسكان سطحيا ولم تجرؤ على التوغل نحو الداخل، واكتفت بانشاء المزارع ونشاط المنصرين (1)، كذلك لم تحاول الافادة من نهر الزمبيزي ومن روافده مثل شريه للتوغل نحو بحيرة نياسا، وظلت مناظق كثيرة مجهولة في الداخل، ثم انتاب الضعف المستعمرة البرتغالية في موزمبيق، حتى أصبحت موئلا للمتسولين والمجرمين واللصوص، كما عانى الضباط من ضعف مرتباتهم، ولذلك لم يكن غريبا عندما زار لفنجستون المنطقة في عام 1856 ووجد المنشآت البرتغالية في الزمبيزي في حالة يرثى لها، حتى أن الضعف امتد الى المراكز الرئيسية في سينا وتيتي ومناطق استغلال الذهب، كما أنه وجد أن البرتغاليين أنفسهم في حالة سيئة يعانون من الأمراض وهجمات الوطنيين (2).

ولكن على الرغم من الضعف الشديد الذي انتاب المنشآت البرتغالية، واهمال مستعمرة موزمبيق، الا أن الحكومة البرتغالية بدأت منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر تفكر في الاهتمام بربط مستعمراتها في شرق القارة وغربها، أي ربط موزمبيق بمستعمرة أنجولا في الغرب، وكان هذا يعني السيطرة على المناطق الداخلية والأراضي بينهما، والتي كانت محل اهتمام البعثات التنصيرية البريطانية في ذلك الوقت، وكانت هناك بعض المحاولات التي تمت خلال عامي 1831-1832، وعندما أرسلت بعثة مونتيرو جانتيو في شمال الزمبيزي، وفي عام 1854 وصل التاجر البرتغالي سلفا بورتو بمعاونة الوطنيين الى روديسيا الشمالية أو أراضي الباروتسي (3).

على أن أهم هذه البعثات كانت بعثة سريو بنتو الاستكشافية، والتي جاءت الى المنطقة بتكليف من وزير البحرية البرتغالي في عام 1869، وكان هدفها الوصول الى مصب الزمبيزي والتعرف على مناطق الداخلية، وكان السبب الرئيسي لهذه البعثات هو حالة القلق التي سببتها رحلات لفنجستون في البرتغال، هذا وقد عاد سريو بنتو الى المنطقة مرة ثانية عام 1877، ولكنه في رحلته الثانية بدأ من لواندا في أنجولا غرب أفريقيا، وليس من موزمبيق كما حدث في رحلته الأولى، وكان الهدف الرئيسية من رحلته هو التعرف على الاراضي الداخلية الواقعة بين أنجولا في الغرب وموزمبيق في الشرق، تمهيدا لربط هذه المناطق وتحقيق الاتصال بينهما لمد السيطرة البرتغالية عليها (1).

ثم تزايدت هذه البعثات الاستكشافية خلال فترة انعقاد مؤتمر برلين لتحصل البرتغال على أكبر قدر من المكاسب، فأرسلت بعثة عام 1884-1885 بقيادة ضابطين من البحرية هما ايفانز وكابيللو بهدف التوغل في المناطق الداخلية، ولكنهما واجها عداء القبائل ، فلم يسمح لهما بحرية التوغل في المنطقة.

ووجدت البرتغال أن البعثات البريطانية قد نجحت في تدعيم سيطرتها على المناطق الداخلية، ولم ينتاب اليأس البرتغال في بداية لاأمر وذلك لأن مراكزاها التجارية امتدت في شرق أفريقيا حتى رأس دلجادو في الشمال حتى خليج لورنز ماركيز في الجنوب، ولذلك ظلت تأمل في التوسع في المناطق الداخلية، وربط موزمبيق بأنجولا في الغرب، ونجحت في الحصول على معاهدة مع فرنسا وألمانيا عام 1886ـ، تفيد أحقيتها في ربط المستعمرتين ، وكان من الطبيعي أن تحتج بريطانيا على هذه المعاهدة وألا تسمع بتنفيذها (2).

هذا ولم تقتصر المنافسة بين الدولتين على الصعيد الرسمي وانما اشتدت بين الشركات والهيئات العامة في المنطقة، فوقفت شركة جنوب افريقيا بزعامة سيسل رودس في وجه الشركات البرتغالية خاصة شركتي زمبيزي وشركة زمبيزي جازا، وعملت الشركات بأعمال التنقيب عن المعادن والمناجم في منطقة اعتبرها رودس من مناطق نفوذ بلاده، ولذلك قامت شركة جنوب أفريقيا بتدمير منشآت الشركتين لمنعهما من محاربة أي نشاط في المنطقة (1).

وسرعان من أدركت الحكومة البرتغالية صعوبة منافسة التواجد البريطاني في المنطقة، ولم يعد من مفر سوى توقيع المعاهدات والاتفاقات لتحديد الحدود بين المستعمرة البرتغالية موزمبيق ومناطق نفوذ بريطانيا، وكان لابد من تحديد الحدود الشرقية لرودسيا الجنوبية (مملكة الميتابلي)، وخاصة بعد أن ثبت فشل البرتغال في ربط ممتلكاتها في شرق القارة بغربها لسيطرة بريطانيا على المناطق الداخلية بينهما، والتي أصبحت في دائرة النفوذ البريطاني.

وتم توقيع معاهدة في أغسطس عام 1890 أعطت الاتفاقية البرتغال حق العمل في أراضي اقليم مانيكا مما أدى الى غضب سيسل رودس، وذلك لأن هذا الاقليم يحتوي على العديد من المعادن خاصة الذهب، وكذلك اعترض البرلمان البريطاني على المعهدة، ثم جائت الظروف مواتية في صالح رودس، وذلك لأن البرلمان البرتغالي بدوره لم يوافق على المعاهدة، لأنها لا تتفق مع أطماع البرتغال، فانتهز رودس الفرصة واسرع الى أراضي مانيكا وعقد اتفاقا مع الزعيم أومتاسا في 14 سبتمبر عام 1890، تنازل فيه الزعيم عن كل حقوق التعدين لصالح شركة جنوب أفريقيا مقابل حمايته من أي هجوم خارجي، ومساعدته في نشر المسيحية، وأعلنه أنه لن يخضع مطلقا للحكومة البرتغالية، وأنه لن يتنازل عن أراضيه لصالح البرتغال، وأن النشاط البرتغالي في الاقليم اقتصر على اقامة محفة بخارية (2).

هذا وقد أسرع كولكهون أول حاكم بريطانيا لشركة جنوب افريقيا في اراضي الماشونا (رودسيا الجنوبية) بزيارة اقليم مانيكا وترك أحد رجال البوليس التابعين للشركة، وفي أثناء عودته عقد المعاهدات مع الزعماء المحليين، ثم أرسل قوة من رجال الشركة بقيادة فوربز لحماية الاقليم، ثم ارسل كولكهون مبعوثه سيلوسي الى مركز شركة موزمبيق ليطلق داندرادا مندوب البرتغال على وثيقة الامتياز التي حصلت عليها شركة جنوب افريقيا البريطانية ، هذا وقد حاول الضباط البرتغاليون الاعرتاض، وأكدوا ان الاقليم الواقع غرب مانيكا يقع تحت سيطرتهم ونفوذهم، وأدى ذلك الى الاصطدام بينم داندرادا المندوب البترغالي والضابط البريطاني فوربز الذي ألقى القبض عليه، وتم ارسال داندرادا الى سلسزبري، ومنها الى مدينة الرأس حيث أطلق سراحه (1).

ثم ازداد التوتر بين الطرفين بسبب النزاع على منطقة أخرى، وهي اقليم جازا لاند، فلم يكتف رودس بتدعيم سيطرة الشركة على اقليم جازا، وكانت البرتغال تعتبره من مناطق نفوذها، وأرسل رودس جيمسون الى قرية الزعيم جازجيانيانا فحصل منه على امتياز التعدين في أراضيه مقابل عشرة آلف بندقية وعشرين ألف طلقة ومبلغ خمسمائية جنيه (2).

ورغم ما أثير من خلافات بين الدولتين ، إلا أن الاتفاق البريطاني في معاهدة 11 يونيو عام 1891 (3) حدد مناطق نفوذ الدولتين، فقد نصت المادة الأولى من المعاهدة على ألا يكون للبرتغال ممتلكات الى الغرب من خط طول 30، 32 درجة شرق جرينتش، وألا يكون لبريطانيا اقاليم أو ممتلكات الى الشرق من خط طول 33 درجة شرق جرينتش، ويمكن أن ينحرف خط الحدود بحيث يجعل اقليم الزعيم أومتاسا زعيم مانيكا تحت النفوذ البريطاني، أم اقليم ماسي كيزي وجازالاند فقد كانت تابعا للنفوذ البرتغالي، كما أعطت المعاهدة كلا الجانبين حرية التحرك عبر الزمبيزي (4).

وكان معنى المعاهدة أن اقليم جازالاند اصبح تابعا للبرتغال مما أدى الى احتجاج الزعيم جانجيانا، لأنه كان يفضل البقاء تحت نفوذ شركة جنوب افريقيا ، فقام الزعيم بمهاجمة لورنزو ماركيز على ساحل شرق افريقيا، الا أن القوات البرتغالية نجحت في الحاق الهزيمة به، وتم نفيه الى جزر الكناريا (1).

كذلك كان هناك بعض المناطق ارادت بريطانيا ادخالها في تبعيتها، منها أراضي الزعيم ماكومبيه جنوب الزمبيزي، وكانت البرتغال لها علاقاتها به بواسطة الكابتن داندرادا، فظل بالفعل خارج نفوذ الشركة ، كذلك أرادت بريطانيا ضم الجزء الشرقي لأعالي وادي جافرسي، وكان سكان المناطق يماثلون سكان اقليم مانيكا في العادات والتقاليد (2).

هذا وقد تشكلت لجنة لتحديد الحدود بين مناطق نفوذ الدولتين، وعانت اللجنة بسبب صعوبة المنطقة، واضطرت لوقف أعمالها أثناء فصل الأمطار، وكان من أهم أهدفها دراسة طبوغرافية المنطقة لتحديد ورسم الحدود والخطوط وفقا لاتفاق 11 يونيو عام 1891 (3).

ويتضح لنا من مراسلات الكابتن داندرادا البرتغالي والماجور ليفرسوت البريطاني الى وزارة الخارجية مدى الصعوبة التي عانتها اللجنة لتحديد الحدود الشرقية بين الدولتين خاصة هضبة مانيكا وماسي كيزي (4).

وكانت الاوامر الصادرة الى اللجنة هي ضرورة تحديد الحدود وفقا لاتفاق يونيو عام 1891 بين الدولتين ولكن كان هناك العديد من الصعوبات التي واجهت اللجنة في بعض المناطق خاصة في ماسي كيزي، فاقترح سنهور أينز أحد أعضاء اللجنة اعتبار الشلال الذي يفصل أحواض نهري بازي وبنجويه خط حدود بين مناطق نفوذ الدولتين الى جانب نهر ساف الذي اعتبر أيضا خط الحدود الرئيسي بينهما (5).

ولكن رغم طبيعة المنطقة الجغرافية القاسية، الا أن اللجنة نجحت في نهاية الأمر في تحديد خطوط الطول والعرض في اقليم ماسي كيزي، وتم وضع الخرائط اللازمة للحدود، والتي حوت أدنى التفاصل للمنطقة (1).

ولم يخل الأمر من حدوث بعض المنازعات بين أعضاء اللجنة، خاصة بين سنهور أينز ممثل البرتغال والماجو ليفرسون ممثل بريطانيا، فقط اختلفا بشأن تحديد حدود بعض المناطق، ولذلك امتنع سنهو أينز من مقابلة ليفرسون خوفا من معاملته واصراره على رأيه وأرسل له رسالة بهذا المعنى ، فأنه لن يقابله خوفا من مماطلته واصراره على رأيه وأرسل له رسالة بهذا المعنى، فأنه لن يقابله في ماسي كيزي خوفا من أن يعرض عليه حدودا جديدة، وأخبره بأن التعليمات واضحة ومحددة من الحكومة البرتغالية وأنه ملتزم بالعمل بها (2)، هذا وقد أكد له ليفرسون بأن نواياه سليمة وأنه يقوم بمسح المنطقة، وانه كلف بعثة جغرافية بذلك (3).


كذلك لم تكتف الدولتان بتحديد الحدود بين موزمبيق البرتغالية والحدود الشرقية لروديسيا الجنوبية، وانما كان لابد من تحديد الحدود بين موزمبيق وجنوب أفريقيا ايضا، أي تحديد الحدود الجنوبية لموزمبيق مع أراضي جنوب أفريقيا الشمالية، الا أن البرتغال اتهمت سيسل رودس بمحاولة اثارة المتاعب، خاصة عند خليج دلجو جنوب موزمبيق، وأكدت أنه يسعى لضم هذه المنطقة الى جنوب أفريقيا، وانه وصلت المعلومات الى موزمبيق بأن رودس يستعد للتقدم الى المنطقة لكي يحولها الى مالطة ثانية.

هذا وقد أثارت مخاوف وتصريحات المسئولين البرتغاليين المخاوف في اوروبا خاصة فرنسا، فانهالت الصحافة الفرنسية بالتأنيبواللوم لسيسل رودس وكيف بأنه يعتقد نفسه نابليون أفريقيا بفرقته التي يقودها والمكونة من اليهود، وقد تخوفت الحكومة البريطانية من هذه الضجة، فقامت باستجواب رودس فانكر كل ما وجه اليه من تهم، وأكد أيضا بأنه لا يسعى لضم خليج دلجوا ولم يقم بأي أعمال تنقيب في المنطقة، والحقيقة أن الحكومة البريطانية كانت حريصة على ارضاء البترغال والاعتراف بأحقيتها في خليج دلجوا جنوب موزمبيق، فقد سيطرت عليه منذ فترات طويلة (1).

والغريب أن فرنسا رغم احتجاجها السابق على محاولات سيسل رودس التدخل في منطقة خليج دلجوا، الا أنها حاولت هي الأخرى أن تجد لها موطأ قدم في المنطقة، خاصة بعد أن دعمت سيطرتها على جزيرة مدغشقر، وعلى جزر القمر الأربع الواقعة بالقرب من رأس دلجادو شمال موزمبيق، فطالب رئيس الحكومة الفرنسي ببعض النقاط على الساحل الشرقي لموزمبيق خاصة جزيرة اينياك وجزيرة الفيلة، وقد اثارت هذه التصريحات المسئولين البرتغاليين، فأعلنت الحكومة في مذكرة بأنها أكدت من قبل في 17 يونيو عام 1875 عند عدم عزمها التنازل لأي دولة عن الأراضي التي وضعت يدها عليها من قبل، هذا وقد اسرعت الحكومة البريطانية باعلان تأييدها للبرتغال وأحقيتها في مستعمرتها موزمبيق (2).

واذا حاولنا تبرير مطالب فرنسا في هذه المنطقة، سنجد أن فرنسا تم استبعادها من ساحل زنجبار بمقتضى الاتفاق الفرنسي البريطني في عام 1890، الذي اعترفت فيه بريطانيا لفرنسا بالنفوذ في جزيرة مدغشقر في مقابل اعتراف فرنسا بنفوذ بريطانيا في ساحل زنجبار، أو في المناطق الشمالية من ممتلكات البوسعيد، وهي المنطقة التي عرفت باسم أفريقيا الشرقية البريطانية (كينيا)، كذلك اعترفت فرنسا من قبل بالنفوذ الالماني في جنوب زنجبار أي في أفريقيا الشرقية الألمانية (تنجانيقا)، مقابل اعتراف ألمانيا بنفوذها في جزيرة مدغشقر، ولذلك حاولت فرنسا تلمس بعض المراكز في ساحل شرق أفريقيا، ولو على حساب موزمبيق البرتغالية، ولكن بريطانيا وقف تؤيد البرتغال وفشلت هذه المحاولة (1).

وباتفاق بريطانيا مع البرتغال لتحديد الحدود الشرقي لروديسيا الجنوبية والحدود الشمالية لجنوب أفريقيا ، كان لابد لها من الاتفاق أيضا لتحديد الحدود بين روديسيا الشمالية والقوى المجاورة. فتم تخطيط الخدود الشرقية لرودسيا الشرقية مع موزمبيق التي تمسكت بضم منطقة زامبو اليها، كذلك تم تسوية الحدود الغربي لرودسيا الشمالية مع مستعمرة أنجولا البرتغالية (2)، وتم تسوية الحدود الشمالية الغربية بصفة نهائية عام 1905، وتم ضم بالوفا غرب ليالوي الى روديسيا الشمالية (3).

كان لابد لبريطانيا من الاتفاق مع ألمانيا والتي تطلعت بعد وحدتها الى انشاء المستعمرات، وأرادت أن تحذو حذو الدول الاستعمارية، وأن تثبت تواجدها على الساحة الدولية، وفي عام 1884 أسس الدكتور كارل بيترز الجمعية الألمانية للاستعمار، وأعلن أن غرضها الرئيسي هو القيام بمشروعات استعمارية وتعضيد وتأييد مجهودات الهيئات الأخرى التي تعمل في هذا المجال، وركز كارل بيترز عمله في المناطق الداخلية من سواحل زنجبار فتوغل في داخل القارة ونجح في توقيع العديد من المعاهدات مع زعماء القبائل الوطنية، ثم تاسست الشركة الألمانية والتي نجحت في بسط سيطرتها على شرق أفريقيا، فوضعت يدها على أجزاء كبيرة من أملاك السلطان برغش سلطان زنجبار، ثم جاء مؤتمر برلين ليؤيد الاتفاقات الألمانية، ثم ما لبث التنافس الألماني البريطاني في ممتلكات بوسعيد بن سلطان أو تحدد، فاتفقت الدولتان على تقسيم ممتلكات السلطان برغش بن سعيد بن سلطان في 29 أكتوبر عام 1886، فحصلت بريطانيا كما ذكرنا من قبل على المناطق الشمالية، بينما حصلت ألمانيا على المناطق الجنوبية من أملاك بوسعيد (4).

ولم تكتف ألمانيا بذلك وانما كان لها نشاطها المكثف في جنوب غرب القارة الافريقية (ناميبيا حاليا) حيث انتشرت البعثات التنصيرية الألمانية والشركات التجارية، كما لعبت الجمعية الألمانية للدراسات الأفريقية والتي أنشئت عام 1878 دورا في كشف المناطق الداخلية لأفريقيا، وفي عام 1882 حصل الألماني لوديريتز على حق امتلاك مساحات من الأراضي جنوب أفريقيا، خاصة في ليج بكوينا، وتم رفع العلم الألماني عليه، كان نواة للنفوذ الألماني في جنوب غرب أفريقيا (1).

وأرادت ألمانيا كما أرادت البرتغال من قبل ربط مستعمراتها في شرق القارة بغربها، وكان هذا يعني الاستيلاء على المناطق التي أصبحت في حوزة النفوذ البريطاني، ولذلك كان لابد للدولتين من الاتفاق ، فتم الاتفاق بين ألمانيا من جانب والبرتغال وبريطانيا من جانب آخر على تحديد حدود أفريقيا الجنوبية الغربية، والتي أصبحت تمتد شمالا حتى حدود أنجولا البرتغالية، وفي الجنوب حتى نهر الاورانج، ويحدها شرقا مستعمرة بتسوانالاند التابعة لبريطانيا.

ولكن الذي يهمنا من هذه الاتفاقات هو اتفاق عام 1890 بين بريطانيا وألماينا، فقد تخوفت بريطانيا من امتداد النفوذ الألماني من أفريقيا الجنوبية الألمانية نحو أراضي روديسيا الشمالية المجاورة لها، ولذلك أرادت تحديد الحدود الغربي لروديسيا الشمالية ، كذلك أعطت وسمحت لألمانيا بالحصول على ممر كابريفي على طول نهر شوبي في جنوب غرب أفريقيا، وكان يقع ضمن نفوذ قبائل اللوزي في روديسيا الشمالية، وكان هذا الممر يصل جنوب غرب أفريقيا الالمانية بنهر الزمبيزي عبر الممتلكات البريطانية، وهو شريط ضيق، كما وضعت المعاهدة المنطقة الممتدة من بحيرة تنجانيقا باسم طريق ستفسون تحت النفوذ الألماني وذلك لارضاء ألمانيا ومنعها من التوسع في أراضي روديسيا الشمالية، كذلك اعترفت ألمانيا في مقابل ذلك بالنفوذ البريطاني في نياسالاند (2).

أما القوة الاوروبية الثالثة التي كان لابد لبريطانيا من الاتفاق معها فكانت بلجيكات التي ركزت جهدها الاستعمارية في دولة الكونغو الحرة التي جاورت روديسيا الشمالية، وكان الملك ليوبولد الثاني ملك بلجيكا حريصا على تعدين سيطرته على دولة الكونغو الحرة، وعندما ظهر النحاس بكميات وفيرة في اقليم كاتنجا، أسرع ليوبولد وعقد الاتفاقات والمعاهدات مع زعماء القبائل في هذه الجهات للحصول على الامتيازات في الاقليم، كما تأسست شركة كاتنجا الخاصة وشركة الاتحاد التعديني لكاتنجا، وحصلت هذه الشركات على امتيازات واسعة لمزاولة نشاطها في هذه الجهات (1).

وكان من الطبيعي أن يحاول سيسل رودس مد نشاطه الى اقليم كاتنجا الغني بالمعادن، فسعى لضم هذا الاقليم من روديسيا الشمالية، وارسل مبعوثيه خاصة ألفريد شارب الذي تجول في كاتنجا ونجح في توقيع معاهدة مع قبائل أليك للحصول على الامتيازات، غير أن هذه المعاهدة لم يكتب لها النجاح بسبب اعتراض الملك ليوبولد الثاني (2).

وانتهى التوتر بين البلدين بتوقيع معاهدة عام 1894، وفيها حددت الحدود بين دولة الكونغو الحرة وبين روديسيا الشمالية ، كما تأكد تبعية اقليم كاتنجا الى بلجيكا وتم رسم الحدود على طول نهر لوابولا حتى بحيرة ميرو ومنها امتد الخط حتى بحيرة تنجانيقا (3).

وهكذا دعمت بريطانيا سيطرتها على المنطقة بفضل المعاهدات واتفاقات الحدود التي وقعتها مع الدول الاستعمارية المجاورة لها.

كما دعملت بريطانيا سيطرتها على المنطقة بفضل نشاط البعثات التنصيرية أولا ثم الشركات التجارية والتي دمجت وتوحدت في شركة واحدة وهي شركة جنوب أفريقيا (1889-1923)، التي ادارت شئون روديسيا الشمالية والجنوبية خلال تلك الفترة، أما نياسالاند فقد كانت تابعة للتاج البريطاني منذ عام 1891 (1).

وقد غير سيسل رودس هوية المنطقة، فتغير اسم زمبيزيا الشمالية والجنوبية الى روديسيا الشمالية والجنوبية، وقام بالعديد من المشروعات الاستعمارية فيهما، ورغم ثناء المؤرخين البريطانيين على هذه المشروعات، إلا أنها كانت كلها لخدمة الأغراض الاستعمارية، فقد تم مد خطوط السكك الحديدية لربط الروديسييين بجنوب أفريقيا وموزمبيق وبكاتنجا الشمالية، فتم مد هذه الخطوط الى بولا وايو عام 1897 وسلسبري عام 1899، ولعبت هذه السكك الحديدية دورا في تدعيم السيطرة الاستعمارية، ولهذا تجدها أصبحت مناطق عقدية تتلاقى عندها خطوط المواصلات، فمثلت روديسيا الجنوبية قطبا للطرق الحديدية بعد اكتشاف الذهب، فتم مد خط حديدي من كمبرلي الى بولاوايو، وخط من بيرا الى بولا وايو، فسهلت هذه الخطوط التوغل الاقتصادي ودعمته، كما امتدت هذه الخطوط الى روديسيا الشمالية وساهمت في اكتشاف حقول الفحم في وانكي ومناجم الذهب والرصاص في بروكن (2).

ثم جاء انهاء امتياز (3) الشركة بسبب زيادة مصروفاتها وبدأت الحكومة تتخذ الترتيبات لتصفيتها، ثم أعلنت بريطانيا ضم روديسيا الجنوبية الى التاج البريطاني، ومنحت مستعمرة روديسيا الجنوبية حكما ذاتيا داخل الكومنولث البريطاني في عام 1923 (4) ، أما روديسيا الشمالية فقد تم ضمها في عام 1924 بعد اتحاد اقليميها باروتسي لاند وروديسيا الشمالية الغربية والشمالية الشرقية، وقد استمرت تبعيتها للتاج البريطاني من عام 1923-1952 (5).

وبعد أن استقر الامر لبريطانيا بدأت تفكر في تكوين اتحاد من هذه الأقاليم الثلاثي روديسيا الشمالية والجنوبية ونياسالاند، وقد سبق وان اقترحت شركة جنوب أفريقيا البريطانية ادماج اقليمي روديسيا الشمالية والجنوبية، ولكن الفكرة لقيت معارضة من الاوروبيين في روديسيا الجنوبية، كما نادى بالفكرة الدكتور جيمسون عام 1915، ولم تلق دعوته التأييد الكافي، ولكن حين كشف نطاق النحاس في روديسيا الشمالية، بدأ تدفق المهاجرين البيض، فارتفعت الاصوات بتكوين اتحاد بين الأقاليم الثلاث لتحقيق التكامل الاقتصادي خاصة لوجود مناجم النحاس في روديسيا الشمالية والأيدي العاملة في نياسالاند للعمل في المناجم والمزارع، كذلك كان اتجاه السياسة البريطانية في الفترة ما بين الحربين وبعد الحرب العالمية الثانية هو اعادة تجميع المستعمرات البريطانية في وحدات كبيرة ليسهل تدعيمها سياسيا واقتصاديا (1).

فتم تكوين اتحاد وسط أفريقيا من الأقاليم الثلاث ، واستمر هذا الاتحاد من عام 1952 حتى عام 1963، وكانت سلسبري هي العاصمة (1). ولكن بسبب سيطرة البيض تم حل هذا الاتحاد (3).

والغريب في الأمر ورغم كل ما عاناه الأفارقة من حكم البيض ومن الفظائع التي ارتكبوها ومن خداع البعثات التنصيرية لهم ذلك الخداع الذي اسفر عن سقوط مملكة الميتابلي ومملكة الباروتسي ونياسالاند، ثم أعقب ذلك استغلال مجحف لثروات هذه المناطق ، وبعد مرور هذه الأعوام الطويلة منذ أن وضعت بريطانيا يدها على المنطقة عندما فكرت الحكومة البريطانية في تكوين اتحاد وسط أفريقيا من الاقاليم الثلاث السابقة لم تخجل واستعانت برجال الدين لاقناع الأفارقة، فبدأوا من جديد يطلقون شعارات معاونة الأفارقة والاتحاد الأبوي، وادخال الحضارة والأيدي الاوروبية المتحضرة، ولكن لم يحققوا نجاحا كبيرا في هذه الفترة، فلم يستمر هذا الاتحاد الا سنوات قليلة ثار في أعقابها الأفارقة مطالبين بحريتهم واستقلالهم . (1).







الباب الرابع: فرنسا وشرق أفريقيا

الفصل الثامن: سياسة فرنسا التوسعية في شرق أفريقيا في النصف الثاني من القرن 19

أولا: جزيرة مدغشقر

استطاعت فرنسا في تاريخ الاستعماري في العصر الحديث، أن تكون امبراطوريتين الأولى بدأت في القرن السابع عشر، وقوضت أركانها بعد هزيمة فرنسا ونابليون بونابرت عام 1814، وكان ميدان النشاط الفرنسي خلال هذه الفترة هو العالم الجديد، والهند، وجزر المحيط الهندي (ايل دي فرانس، ويوريون) (1)، وقد اشتد خلال هذه الفترة التنافس بين فرنسا وبريطانيا، وتزايد هذا التنافس في القرن الثامن عشر سواء في العالم الجديد، أو القديم واستطاعت بريطانيا أن تتفوق على فرنسا خلال حرب السنوات السبع التي انتهت عام 1763، وفقدت فرنسا على اثرها مستعمرتي كندا ولويزيانا، وغيرهما من ممتلكاتها في أمريكا الشمالية ومعظم ممتلكاتها في الهند، ولم يبق لفرنسا الا جزر الأنتيل في الهند الغربية، وبعض المراكز التجارية على ساحل الملبار وجزيرتي ايل دي فرانس ويوريون في المحيط الهندي (2) كما ذكرنا من قبل.

لعب حكام جزيرتي يوريون وايل دي فرانس دورا هاما خلال هفترة التنافس الاستعماري الفرنسي البريطاني في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فاستماتوا في الدفاع عن مصالح فرنسا في المحيط الهندي، ومن أشهر هؤلاء الحكام ديكان الذي عرفه بميوله الاستعمارية ، وأفاد من علاقته الوطيدة مع وزير البحرية الفرنسي دوكريه لتدعيم نفوذ بلاده في المنطقة، فكتب الى حكومته يحثها على ضرورة المحافظة على هيبتها، الا أنه عجز رغم جهوده عن توجيه ضربة فعالة ضد التواجد البريطاني وذلك لضعف امكاناته، فطلب مقابلة الامبراطور نابليون بونابرت والح عليه في زيادة عدد السفن المخصصة لجزيرة بوريون وبلغ من شدة حماسه لنشر نفوذ بلاده أن أطلق على الجزيرة اسم جزيرة بونابرت (3). وعندما ضيق البريطانيون الحصار على المنطقة اتصل بحكام مسقط لاستخدام السفن العمانية في الاتصال بالهند، لأن جميع وسائل الاتصال بين المستعمرات الفرنسية ومراكز تموينها في الهند كانت مقطوعة (1).

وقد استجاب حكام مسقط للفرنسيين واتجه السيد سعيد لعقد معاهدة مع الفرنسيين في عام 1807 ولكنها لم تخرج الى حيز التنفيذ فقد ركز نابليون اهتمامه على تطبيق الحصار القاري، ولذلك اتجه السيد سعيد الى بريطاينا كلية بعد استيلائها على ايل دي فرانس (مورشيوس) (2).

ولا جدال في أن الحصار القاري أصاب كافة الدول الاوروبية بضائقة مالية شديدة وعانت فرنسا من الحصار القاري وخاصة من الناحية الاقتصادية أكثر من معاناة انجلترا التي لم يحدث فيها أزمة مستعصية أو هزة شديدة، بينما كان الحال على العكس من ذلك بالنسبة لفرنسا، كما أن اتساع مساحة الامبراطورية الفرنسية حمل نابليون على أعباء عسكرية ضخمة مما دفعه الى تكتيل جهوده في اوروبا (3).

وبانتهاء الحروب النابليونية تمكنت بريطانيا من دعم سيطرتها البحرية في المحيط الهندي، باستيلائها على مستعمرة الرأس وسيلان، وسيشل، وايل دي فرانس، وكان الفرنسيون يتخذون من الأخيرة قاعدة لمهاجمة السفن البريطانية في المحيط الهندي، وعبر أحد الضباط المعاصرين عن أهمية هذه الجزيرة للمشروعات الفرنسية في المحيط الهندي بقوله: "بما أن جبل طارق هو مفتاح البحر المتوسط فان الفرنسيين يعتبرون اي دي فرانس مفتاح المحيط الهندي"، ومن هنا جاء سقوطها في يد بريطانيا عام 1810 ايذانا بانحسار النفوذ الفرنسي في المحيط الهندي (4) والواقع أن هذه الجزيرة وقفت حجر عثرة أمام المصالح البريطانية في الهند فقد اتخذت منها فرنسا قاعدة للاتصال بالقوى الوطنية في بحار الشرق (5).

ولكن رغم سقوط اي دي فراسن الا أن الفرنسيين لم يطردوا نهائيا من المحيط الهندي فقد سمحت لهم تسوية 1814-1815 بالاحتفاظ بمركز لهم على ساحل الهند الغربي في ماهي. ومعنى ذلك أن الوجود الاستعماري الفرنسي كان لا يزال قائما في القسم الغربي من المحيط الهندي، وبالرغم من أنه لم يكن من المستبعد أن تستعيد أجلا أو عاجلا قوتها ومطامعها الاستعمارية وهو ما حدث (1)، فقد سمح لفرنسا بالاحتفاظ بجزيرة بوريون وبعض المراكز في جزيرة مدغشقر والتي قدر لها أن تلعب دورا هاما.

وجدير بالذكر أن جزيرة مدغشقر رغم تزايد اهميتها بالنسبة للاوروبيين منذ القرن الثامن عشر، إلا أنها لم تلعب في مجال اكتشاف القارة الأفريقية الدور الذي يتناسب مع عظيم مساحتها، فلم تلعب الدور الذي لعبتها بعض جزر ساحل شرق أفريقيا مثل زنجبار، وبمبما، وهي جزر استخدمت في بعض الأحيان في عصر الكشوف الجغرافية كموثب للداخل، ولكن من الانصاف أيضا أن نذكر أن معظم جزر ساحل أفريقيا الشرقي لم تلعب دورا حيويا في اكتشاف القارة، وهذه الظاهرة التي تنفرد بها جزر أفريقيا ترجع أساسا الى صغر حجمها (2).

أما مدغشقر فهي أحد أكبر أربع جزر في العالم، تمتاز باتساع مساحتها التي تبلغ 590.000 كم2 ولكن رغم اتساعها الا أنها انعزلت عن اليابس الأفريقي بسبب تيار موزمبيق الذي كان له أكبر الاثر في هذه العزلة، كذلك بسبب بعدها عن الساحل الأفريقي بنحو 400 كم (مضيق موزمبيق)، ولذلك فالدور الذي لعبته في مجال الكشوف الجغرافية لا يقاس بالدور الذي لعبته جزيرة زنجبار والتي كان لها أثر كبير في استعمار المناطق الشرقية من أفريقيا فكانت للتوسع في افريقيا الشرقية ابان فترة السيطرة الاستعمارية على القارة. أما مدغشقر فقد مثلت فائدة كبيرة للاوروبيين وخاصة الفرنسيين كقاعدة في الطريق المؤدي الى الهند ومركز لهم في القسم الغربي من المحيط الهندي (3).

اكتشف البرتغاليون جزيرة مدغشقر، وأشار اليها بيترو دي كوفيلهام أثناء رحلاته المتجددة الى الهند، ولكن سرعان ما حذت الدول الاوروبية حذو البرتغال، فوصل الى الجزيرة العديد من الرحالة والوقاد وأعضاء البعثات التنصيرية، الذين انتموا لجنسيات مختلفة وفي عام 1529 حاول بعض القواد الفرنسيين اكتشاف الجزيرة ومن أهم هؤلاء جان راوؤل برمنتيه، ولكنهما تعرضا للهجوم من قبل الوطنيين فأثروا الانسحاب، وفي عهد الملك فرانسوا الأول، وصل القائد الفرنسي جان فونتيني الى الجزيرة عام 1547 فكتب تقريرا ذكر فيه بعض مواقفها الهامة كذلك وفدت على الجزيرة عدة بعثات اوروبية منها بعثة دانماركية وصلت في عام 1548 ولكنها عجزت عن مزاولة عملها بسبب عداء السكان وتم قتل أفراد هذه البعثة (1).

وقد تزايدت أهمية الجزيرة في القرن السابع عشر باعتبارها محطة هامة في الطريق المؤدي الى الهند، مما دفع القواد البريطانيون في المنطقة الى لفت أنظار حكومتهم اليها فبالغوا في تقدير ثرواتها وألحوا على ضرورة اتخاذها مستعمرة بريطانية (2). فقد وصف سير توماس هربرت جزيرة مدغشقر بأنها امبراطورية بين الجزر، ووصفها الادميرال وليم منسون بأنها تنافس مستعمرة فرجينيا ودعا لاستغلال ثرواتها. كما حدث الايرال اروندال حكومة بلاده على ضرورة اتخاذها مستعمرة بريطانية، وقد استجاب الملك شارل الأول لآراء المقربين منه وخاصة وليم كورتين الذي نصحه بتكوين مستعمرة في مدغشقر فمنحه الملك حق التجارة، وانشاء الوكالات التجارية، فأثارت هذه الامتيازات حكام شركة الهند الشرقية البريطانية في الجزيرة على المناطق القريبة من الساحل، مثل خليج سانت أوجستين وفي جزيرة نوسي بي (3).

وكما اهتمت بريطانيا بجزيرة مدغشقر، فان فرنسا أولتها هي الأخرى اهتماما كبيرا فسعت للسيطرة عليها ، وأرسل ريشيليو القائد الفرنسي لي سيور ريجوت الى مدغشقر عام 1642 وأصدر تعليماته الى القائد برونيس باحتلال الجزيرة وحصل الفرنسيون على الموافقة من زعيم المنطقة على بناء حصن دوفان في جنوب شرق الجزيرة (1).

وفي الفترة الواقعة بين أعوام 1642 حتى 1674 تركز النشاط الفرنسي في جنوب الجزيرة، ولكن رغم كل هذه الجهود الا أنه لم تكن هناك معلومات مفصلة عنها حتى منتصف القرن السابع عشر عندمانشر فلاكور كتابه الشهير عن تاريخ الجزيرة (2) في عام 1658، فقد قام بزيارة المنطقة في الفترة ما بين 1642 حتى 1655 وتعرف على الزعماء الوطنيين فيها وارتبط معهم بعلاقات صداقة. فكان كتابه من أهم المصادر التي اعتمد عليها الاوروبيون للتعرف على الجزيرة (3).

ورغم الجهود السابقة التي بذلها القواد والرحالة الفرنسيون الا أن الحكومة الفرنسية أصدرت تعليماتها في عام 1674 بهجر حصن دوفان بسبب عداء الأهالي وتكرار اعتدائهم عليه، الا أن الملك لويس الرابع عشر أصدر مرسوما في عام 1675 باعادة العمل في الحصن (4).

وجدير بالذكر أن جزيرة مدغشقر جذبت القراصنة للعمل فيها، فوفد عليها عدد كبير منهم، وانتموا لجنسيات مختلفة وتركز نشاطهم في الجزيرة في الفترة ما بين 1685-1730 وقد فود على مدغشقر القراصنة البريطانيون والفرنسيون الذين جاءوا الهيا من جزر الأنتيل ومن نيوانجلند وبيرو، وتزوج البعض منهم من الوطنيات فأتاحت لهم هذه الزيجات حكم بعض المناطق، ومن أشهر هؤلاء القراصنة الكابتن كيد ، وافيري وقد أصبح للأخير نفوذ كبير في المنطقة فكتب عن اكتشافاته في المحيط الهندي، وقد عاش هؤلاء القراصنة في مجتمعات صغيرة، فكانت لهم قوانينهم الخاصة ونظمهم، واشتهروا بالقسوة واستخدام العنف وقد أفادت فرنسا من القراصنة الفرنسيين الذين أسدوا اليها الكثير من الخدمات فعندما ارادت تدعيم سيطرتها على الجزيرة قاموا بتسليم أسلحتهم اليها (1).

ولقد ارتبطت جزيرة مدغشقر طوال القرن الثامن عشر بحكام بوريون وايل دي فرانس فكان هناك اتصال دائم بين هذه الجزر بعضها ببعض، مما أدى الى دعم العلاقات التجارية بينهم، وقد عمل الحكام الفرنسيون على تركيز النفوذ الفرنسي في الساحل الشرقي من مدغشقر وخاصة في فول بوانت وفيدريف (2). كذلك طلب هؤلاء الحكام من الحكومة الفرنسية ضرورة بسط سيطرتها على الجزيرة مؤكدين أهميتها الاستراتيجية (3).

ومن أبرز الشخصيات التي لعبت دورا هاما في مدغشقر خلال القرن الثامن عشر كل من مونداف والبارون بينيوفسكي فقد استطاع الأول أن يقوي النفوذ الفرنسي في حصن دوفان وظل يراسل وزارة البحرية الفرنسية لاقناعها بدعم سيطرتها على الجزيرة خلال أعوام 1771-1772 وكتب الى وزير البحرية بأنه يحتاج الى ثلاثمائة رجل فقط ليحول الجزيرة الى مستعمرة فرنسية حقيقية مثمرة، وسوف ترون في وقت قصير اقليم شاسع يتحول بأكمله الى المسيحية (4) أما البراون بينيوفسكي فقد عهد اليه وزير البحرية انشاء مركز فرنسي في مدغشقر، ولكن البارون أراد أن يكون لهذا المركز طابعا عسكريا، فعمل على تقوية صلاته مع الزعماء الوطنيين، واهتم بالزراعة واختار خليج انتوجيل لاقامة المركز الفرنسي وذلك في عام 1774 كما كتب الى الملك لويس الخامس عشر يؤكد له ضرورة اقامة مستعمرة فرنسية في مدغشقر، وطلب منه أن تكون الجزيرة مستعمرة منفصلة عن ايل دي فرانس ، وأنه من الافضل تحويلها الى مستعمرة بدلا من اقامة مركزا فرنسيا بها، ولكن ترجو الذي كان يتولى الاشراف على البحرية الفرنسية خلال هذه الفترة كتب اليه في عام 1774 بضرورة نبذ فكرة اقامة مستعمرة فرنسية في مدغشقر، وضرورة الالتزام بالتعليمات الصادرة اليه، وهدده باستدعائه اذا لم ينفذ الأوامر الصادرة اليه (1).

كذلك لفتت الجزيرة أنظار القواد البريطانيين العاملية في المنطقة فكتبروا بدورهم الى حكومتهم عن أهمية الجزيرة، وخاصة الأدميرال بلانكت الذي كان من المؤيدين لسياسة توسيع نطاق التجارة البريطانية وازدياد قوة بريطانيا البحرية فيما وراء البحار، فكتب أنه يعتقد أن الموانئ العربية بالجزء الشمالي من ساحل أفريقيا الشرقي لا تتمتع بقيمة بحرية او استراتيجية كبيرة ، بل يرى رجال البحرية الإنجليز أن مدغشقر والجزر المجاورة لها تفوق تلك الموانئ بالنسبة لمصاحل بريطانيا التجارية والبحرية في المحيط الهندي، وكان بلانكت بالذات شديد الاعجاب بحجم الجزيرة، وخوصبتها، ووفرة الماشية فيها، وكثر أسماكها، وخضرواتها، وفواكهها، وفي مذكرة رفعها الى اللورد كوسبري في عام 1879، اقترح فيها بأن تشتري بريطانيا من الأهالي مكانا مناسبا على ساحل مدغشقر، لاتخاذه مستعمرة لنفي المجرمين، وتنبأ بلانكت بأن تصبح مدغشقر مركزا تجارية واستراتيجيا ممتازا، ومن الممكن اتخاذه مستودعا، أو مخزنا للبضائع بين اوروبا وآسيا، ومكانا ترسو فيه جميع السفن الذاهبة الى الهند والآتية منها بهدف التموين، وأكد أنها ستصبح قاعدة بحرية في آية حرب مقبلة قد تخوضها بريطانيا في القسم الغربي من المحيط الهندي (2).

ورغم تقرير الأدميرال بلانكت الا أن الحكومة البريطانية لم تركز اهتمامها في المنطقة الا منذ بداية القرن التاسع عشر، أما الفرنسيون فقد حاولوا ارسال البعثات الى داخل مدغشقر للاستقرار فيها فقام بزيارة المنطقة دي مايو الذي تمكن من اختراق الجزء الشمالي من البلاد، كما تمكن من الوصول الى مملكة ايمرينا في الداخل وزار عاصمتها تاناناريف، وكتب عن التنظيم الاجتماعي فيها، ودخل في عام 1785 في مفاوضات مع ملك الوفا لانشاء مركز فرني في البلاد، كذلك قام دومير في الفترة ما بين أعوام 1782-1795 بزيارة تاماناف الواقعة على المحيط الهندي حتى وصل ماجونجا على قناة موزمبيق، وفي عام 1791 زار مدغشقر دانيل دي ليسكليه بتكليف من حاكم بوربون فتجول في المناطق الساحلية وكتب تقريرا بوضع الجزيرة تحت الحماية الفرنسية (1).

وعلى الرغم من توافد الرحالة والبعثات الى داخل جزيرة مدغشقر طوال القرن الثامن عشر، ومحاولات الفرنسيين الاستقرار فيها، الا أن السيطرة الفعلية لم تتم بسبب عداء الوطنيين، فكثيرا ما كان القادة والحكام الفرنسيين يضطرون الى التخلي عن المراكز التي أقاموها (2).

ولكن بوصول الحاكم الفرنسي ديكان الى جزيرة اي دي فراسن بدأ عهد جديد في المنطقة، فقد عمل على تقوية العلاقات مع جزيرة مدغشقر، فحصل منها على الامدادات والمؤونة اللازمة له، كذلك ارسل البعثات الى الجزيرة للتعرف عليها والكتابة عنها، ورسال نابليون بونابرت في عام 1803 فكتب اليه أني أعمل على التعرف على مدغشقر التي عرف الفرنسيون قيمتها منذ عدة قرون، وقد أرسلت البعثات الى جنوب الجزيرة من أجل البحث عنمركز لاقامة المنشآت الفرنسية ، كما أني اعمل على دراسة الثروة الطبيعية فيها والسكان، وقد قويت بالفعل صلة مدغشقر بجزيرة ايل دي فرانس فترة حكم ديكان (3).

ولكن جهود ديكان كادت أن تذهب هباء بسبب تردد صدى الحروب النابوليونية في المحيط الهندي، واستيلاء بريطانيا على بعض المواقع الفرنسية الهامة، الا أنه بعد انتهاء هذه الحروب تم تسليم جزيرة سانت ماري الى الفرنسيين في 15 اكتوبر 1818 ، كمااستعادوا في 4 نوفمبر ميناء تنتنج وفي أول أغسطس استعادت فرنسا سيطرتها على حصن دوفان في الجزيرة، وفي 11 نوفمبر 1819 دعمت فرنسا سيطرتها على الجزيرة بأكملها (1). أما جزيرة ايل دي فراسن فقد تم تسليمتها الى البريطانيين وعين فركوهر حاكما عليها فعمل على مد النفوذ البريطاني خارج جزيرته وتطلع الى جزيرة مدغشقر وشجتعه الظروف الداخلية بالجزيرة على ذلك، وشهد القرن التاسع عشر منافسة شديدة بين كل من الدولتين فرنسا وبريطانيا للاستئثار بالجزيرة وانتهت هذه المنافسة في منتصف القرن التاسع عشر (2).

ولكي نتتبع الصراع الفرنسي في الجزيرة حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فلابد لنا أن نلقي الضوء على مملكة الاميرينا، أقوى ممالك مدغشقر (3)، خلال هذه الفترة، والتي تكونت من شعب الوفا، فقد تقربت كل من الدولتين الى حكام هذه المملكة، وأقامت كل منهما علاقات سياسية وتجارية معها (4).

وجدير بالذكر أن سكان مدغشقر ينتمون لعدة سلالات فمنهم من ترجع أصوله الى جنوب شرق آسيا والهند، وبالاضافة الى الزنوج والعرب الذين وصلوا الى الشاطئ الشرقي للجزيرة ونشروا الاسلام عن طريق التجارة والدعوة، وقد كتب عن المسلمين في مدغشقر جبريل فران الذي كان يعمل في المنطقة ابان الغزو الفرنسي فذكر أن المسلمين تركزوا في الساحل الجنوبي الشرقي من الجزيرة من أشهر القبائل الاسلامية قبيلة الانتيمورونا والتي استخدمت الأبجدية العربية وتركزت في المنطقة الواقعة قرب ماننجارا، وقد اشار فران الى وجود مساجد مشيدة في هذه المناطق وأن السكان فيها يؤكدون أنهم ينتمون لسكان مكة، كذلك تركز المسلمون في الشمال الغربي من الجزيرة وفي الساحل الغربي وخاصة في ماجونجا التي استخدم سكانها الأبجدية العربية ، كما انتشر الاسلام بين جماعات الساكالافا في الشمال مع بقاء عدد كبير من هذه الجماعات على وثنيته (1).

وعلى الرغم من وجود الجماعات والقبائل المسلمة في جزيرة مدغشقر الا أن الكثير منهم قد اختلطت عقائده بقطوس الوثنية، ولم تعرف هذه الجماعات الوحدة السياسية ولذلك وقع عبء مقاومة الاستعمار الفرنسي في مدغشقر علىعاتق مملكة الايمرينا وشعبها من الهوفا (2).

وضع الصراع الفرنسي البريطاني في عهد الملك راداما الأول (3)، الذي اتبع سياسة توسعية في الجزيرة، فسيطرة على مساحات شاسعة منها وكان الملك راداما الأول شغوفا بكل ما هو اوروبي، فتعلم اللغات الاوروبية واهتم بالتعرف على المخترعات الغربية (4).

توثقت صلة راداما بحاكم مورشيوس فركوهو الذي سعى لتدعيم نفوذ بريطانيا في الجزيرة، فكتب الى حاكم بوريون الفرنسي بأن بريطانيا هي وريثة حقوق فرنسا في مدغشقر، ولها حق التجارة فيها كما امتد طموحه الى المناطق الداخلية من الجزيرة، واتصل بمملكة الايمرينا وارسل عدة بعثات الى تاناناريف لكسب صداقة راداما الأول وعقد عدة معاهدات تجارية معه (5).

أرسلت البعثة الأولى برئاسة تاجر فرنسي يدعى شردنو الذي مجح في اقناع راداما بالفوائد التي تعود عليه من انضوائه تحت النفوذ البريطاين، مما يتيح له الفرصة لفتح بلاده أمام الحضارة الاوروبية الحديثة وقد نجح شردنو في مهمته واصطحب أثناء عودته الى موريشيوس اثنين من أبناء راداما للتعلم فيها، أما البعثة الثانية فكانت برئاسة لي ساج (1).

وكان من أهم نتائجها توقيع معاهدة في 4 فبراير 1817 مع الملك راداما (2) أما البعثة الثالثة فكانت بقيادة هستي الذي نجح في اقناع راداما بالغاء تجارة الرقيق في مملكة الهوفا، مقابل تعويض سنوي تدفعه له بريطانيا (3). وقد واجه راداما معارضة كبيرة في بلاده نتيجة لقبوله توقيع المعاهدة في 23 اكتوبر 1817 وخاصة منق بل الأمراء، والتجار الذين كانت هذه التجارة مصدرا هاما من مصادر ثروتهم (4).

توترت العلاقة بين الفرنسيين والبريطانيين من جراء نشاط فركوهر في مدغشقر فارسل حاكم بوريون بعثة الى لندن عام 1816 لتوضيح حقوق فرنسا في الجزيرة تلك الحقوق التي عمل على تدعيمها سيلفان الذي عمل في مدغشقر لفترة طويلة منذ عام 1807، فأنشا الوكالات الفرنسية في فينريف، واتصل بالزعماء المحليين وعمل على تقوية علاقته معهم، كذلك اتسمت علاقتنه مع حكام مملكة الايمرينا بالود والصداقة، وحين استولت بريطانيا على جزيرة اي دي فرانس رفض التعاون مع حكامها وظل يمارس نشاطه في مدغشقر حتى استعادة فرنسا لمراكزها الساحلية في الجزيرة بعد تسوية 1815، وقد افاد رو بصلاته القوية مع زعماء مدغشقر بلاده، فوطد حكام بوريون صلتهم معه وازاء تزايد النفوذ البريطاني في مملكة الايمرينا كتب رو الى البارون بورتل في عام 1816 يقترح عليه ضرورة العمل على تدعيم السيطرة الفعلية الفرنسية في المنطقة (5).

والواقع أن على الرغم من جهود فركوهر في مدغشقر، إلا أن حكومته رفضت التوقيع على معاهدة هستي، فقد اعتبرت أن المبلغ المخصص لتعويض واداما الأول عن الغاء تجارة الرقيق مبلغ مبالغ فيه (1). كما أصدرت الحكومة البريطانية أوامرها الى فركوهو بارجاع الممتلكات التي ما كانت عليه في أول يناير 1792، ولكنه تمسك بأن الجزيرة كانت مستقلة، وانه لم يقم بانشاء وكالات بريطانية محل الوكالات الفرنسية التي كانت في المنطقة ، وأكد فركوهر أن سكان الجزيرة لديهم رغبة قوية في الابقاء على العلاقات التجارية بينهم وبين جزيرة موريشيوس (2).

انتهز حكام بوريون فرصة الحكومة البريطانية توقيع معاهدة هستي فتقربوا الى راداما وكتب البارون ميليس الى راداما أن ملك فرنسا يريد تدعيم العلاقات بين بوريون ومدغشقر، وذكره بأن هناك صلات تجارية قديمة بين الطرفين، منذ وصول سيلفان رو الى المنطقة، وأن علاقة مملكة الايمرينا بالفرنسيين أسبق من علاقتهم بفركوهر حاكم موريشيوس، وقد استجاب راداما للفرنسيين وسمح لهم بتدعيم مراكزهم على الساحل وفي سانت ماري، وفي عام 1819 وصل روبن من جزيرة بوريون الى تاناناريف وافتتح مدرسة فرنسية في مملكة الايميرينا، وأصبح لربون منزلة كبيرة في القصر الملكي حتى وفاة راداما (3).

وعلى الغرم من تقوية الصلات بين الفرنسيين ومملكة الايميرينا، الا أن اليأس لم ينتاب فركوهر حاكم موريشيوس فعاود الاتصال براداما، وأرسل هستي في بعثة ثانية اليه، أسفرت عن توقيع معاهدة في أكتوبر 1820، وعين فركوهر برادي مندوبا بريطانيا في مدغشقر (4). ولكن لم تمنع هذه المعاهدة الفرنسيين من مواصلة جهودهم في تدعيم مراكزهم في الجزيرة، فعاود سيلفان رو الاتصال بالزعماء المحليين، ونجح في اقناع زعماء فينريف، وفول بوانت بقبول التبعية الفرنسية وذلك في عام 1882 كذلك أرسل بعض القوات العسكرية الى فول بوانت، فغضب راداما من تصرفات رو، وقام في عام 1823 بمهاجمة الممتلكات الفرنسية في فول بوانت وتنتنج (1).

توفى سيلفان رو في عام 1823 فخلفه دي بلفاك الذي عمل على استئناف بناء الحصون الفرنسية في جنوب مدغشقر ، وأرسل الى راداما الأول مبعوثا للتفاوض معه، ولكن راداما رفض مقابلة المبعوث الفرنسي وأرسل الى دي بلفاك رسالة فحواها أنه قبل الاعتراف بحقوق فرنسا في سانت ماري، ولكن هذا لا يعني أن يحتكر الفرنسيون المنطقة، لأنه سيسمح لباقي الدول الاوروبية بالاستقرار في مملكته (2).

يلاحظ أنه على الرغم من توتر العلاقة بين راداما الأول والبريطانيين في موريشيوس، بسبب رفض حكومتهم توقيعه معاهدة هستي الأول والتي عقدت في عام 1817 وعلى الرغم من تأثر علاقته كذلك بالفرنسيين بسبب تصرفات سيلفان واتصالات الزعماء المحليين في مدغشقر، الا أن هذا التوتر لم يمنعه من استقبال البعثات التنصيرية المسيحية في بلاده، والسماح للاوروبيين بانشاء المدارس الأجنبية في اراضيه، كما أنه وافق على ادخال الطباعة في مملكته، واستبدال الحروف العربية بالحروف اللاتينية، كذلك استقدام الضباط البريطانيين والاوروبيين لتقوية جيشه، وقد أدى شغف راداما بالانفتاح على الحضارة الاوروبية الى فتح أبواب بلاده الى مصراعيها أمام التغلغل الأجنبي (3).

لقد اتسم عهد راداما الأول بالتنافس بين حكام بوريون الفرنسيين وحكام موريشيوس لتدعيم سيطرة بلادهم على مدغشقر، وفي الواقع أن راداما شجع هذا التنافس فقد استقبل المبعوثين البريطانيين ، كما استقبل أيضا الفرنسيين، وفضلا عن هذا فان هناك سمة أخرى هامة في فترة حكم راداما الأول الا وهي غزوه لأراضي مدغشقر وتوسيع حدود مملكته من قبل أن مملكة الايميرينا امتدت في وسط البلاد ولكن راداما قام بغزو مساحات شاسعة من مدغشقر فغزا الساحل الشرقي حتى ديجو سواريز وفي عام 1823 غزا ماننجاري، ثم اجتاح أراضي جماعات الساكالافا فيما بين 1824-1825، ووصل بحدود مملكته الى المناطق القريبة من قناة موزمبيق، ونتيجة لذه الحروب المتصلة مع جيرانه لقبه بعض الفرنسيين بأنه بونابرت مدغشقر (1).

وفي عام 1828 توفى راداما الأول لتخلفه على الحكم زوجته رانا فالونا الأولى التي اشتهرت بعدائها للاوروبيين وجاءت فترة حكمها مواكبة لنشاط فرنسا الاستعماري خلال عهد نابليون الثالث كما سنرى في الفصل الثاني.

واذا كانت فرنسا قد نشطت في جزيرة مدغشقر حتى منتصف القرن التاسع عشر فموقع الجزيرة الهام في الطريق المؤدي الى الهند، إلا أننا لا نلمس هذا النشاط بنفش القدر في جزرة القمر رغم قربها من مدغشقر، والتي كانت أقرب اليهم بحكم موقعها من جزر القمر، ولكن هذا لا يعني أن نشاط فرنسا كان منعدما في هذه المناطق، بل أننا نلاحظ أنه في عام 1842 وقعت فرنسا حمايتها على جزيرة مايوت، ولكن هذه الحماية كانت بناء على طلب حكام الجزيرة، أما باقي جزر القمر فقد فرضت عليها الحماية الفرنسية في فترة التكالب الاستعماري التي أعقبت انعقد مؤتمر برلين 1884/1885 (2).

جزيرة مدغشقر من منتصف القرن 19 حتى اعلان الحماية الفرنسية عليها

الملكة رانافالونا الأولى ومقاومة النفوذ الاوروبي:

تعرضت جزيرة مدغشقر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر لمنافسة الدولتين الاستعماريتين فرنسا وبريطانيا، شأنها في ذلك شأن دول غرب وشرق أفريقيا ولعب تجار وقواد كل من الدولتين دورا هاما، ورئيسيا في هذا الصراع فحاولوا التقرب الى حكام البلاد، وخاصة حكام مملكة الايميرينا على اعتبار أنها أكبر قوة سياسية في الجزيرة لها تنظيمها السياسي والاجتماعي الواضح، واذا كنا قد رأينا جانبا من هاذ التنافس في عهد الملك راداما الأول، الا أن المنافسة كانت قد تزايدت بين الدولتين في عهد خلفاؤه الى ان وقعت الجزيرة بأكملها في يد فرنسا.

بعد وفاة راداما تولت زوجته الملكة رانافالونا الأولى (1) حكم البلاد، وقد اشتهرت هذه الملكة بالقوة والعنف، فعند توليها الحكم أمرت بقتل جميع منافسيها، ولذلك فر من البلاد حكام بعض المقاطعات واتجهوا الى جزر القمر خوفا من بطشها، فقد حكمت الملكة على معارضيها بالموت بالسم البطئ كذلك ألقت بهم من المناطق المرتفعة (2).

أبدت الملكة كراهية شديدة للاوروبيين، فاتبعت سياسة مخالفة لزوجها تماما، ولكنها لم تنجح في منع التغلغل الفرنسي في أراضيها، وذلك لعدة عوامل منها عوامل داخلية متعلقة بسياسة الملكة الداخلية تجاه معارضيها، الذين لجأوا الى طلب الحماية الفرنسية على أراضيهم خوفا من اكتساح قواتها لبلادهم، كذلك عوامل خارجية تتعلق بظروف فرنسا السياسية ، فقد واكب فترة حكم الملكة قيام حكومة لويس فيليب في فرنسا، واذا كانت هذه الحكومة لم تنتهج سياسة توسعية الا أن حكومة نابليون الثالث التي أعقبتها انتهجت سياسة توسعية في افريقيا، وانعكست تلك السياسة بطبيعة الحال على مدغشقر (3).

قامت الملكة رانافالونا فور توليها العرش بالغاء المعاهدة التي عقدها زوجها راداما الأول مع بريطانيا، ورفضت استقبال المندوب البريطاني ليال واتخذت نفس الموقع العدائي تجاه فرنسا أيضا، وأرسلت فرقها العسصكرية الى فول بوانت لطرد الفرنسيين منها، وأصدرت قرارا منعت فيه السكان من المتاجرة مع الفرنسيين (1). فاعتبر القائد جوربير هذا القرار بمثابة تحد له، كذلك أرسلت الملكة قواتها لتعقب الفرنسيين في تنتنج ، ورغم أن جوربير نجح في صد هجمات الهوفا، إلا أنه فقد عددا كبيرا من قواته، بينما نجحت قوات الملكة في أن تظل بعدية عن مرمى المدفعية الفرنسية لكي لا تتكبد خسائر كبيرة، وتحرج موقف القوات الفرنسية، وانهكت الحمى الجنود الفرنسيين، واضطر جوربير الى سحب قواته الى سانت ماري، وانتهزت رانافالونا الفرصة، وعرضت عليه الصلح فواق لأنه كان في موقف لا يسمح له باجراء المزيد من العمليات العسكرية (2).

واذا كانت الحكومة الفرنسية قد شغلت في عام 1830 بنشوب الثورة الفرنسية عن التفكير في جزيرة مدغشقر، الا أن حكام بوريون لم يهملوا الجزيرة مطلقا حتى عهد ملكية يوليو، وظلت سفنهم تعمل بانتظام بين مدغشقر وبوريون ووصل البعض منها حتى الهند والغريب أن الملكة رانافالونا الأولى رغم اضطهادها للمسيحيين وكراهيتها للنفوذ الاوروبي، إلا أنها سبحت لبعض الفرنسيين بالاستقرار في الجزيرة، فأفادت منهم، وكان على رأس هؤلاء جان لابورد الذي وصل الى الجزيرة في عام 1831 وظل بها حتى وفاته 1870 وكالان لابورد على صلة وثيقة بحكام بوريون، وقد عمل في تاناناريف عاصمة الوفا وقربته الملكة اليها، وأفادت منه، فأدخل لابورد صناعة النحاس والفضة، والمعادن في مملكة الايمرينا، ثم قام في عام 1825 ببناء وكالة في منتساوا (3) وأنشأ مصانع للصابون والحديد، حتى أصبحت منتساوا العاصمة الثانية للبلاد وقد تعاون لابورد مع التاجر الفرنسي لامبير فعمل على تدعيم سيطرة فرنسا في المنطقة، واستطاع لامبير أن يحصل من الملكة على حق احتكار التجارة والاقتصاد في البلاد، فضرب النقوذ باسمه، واهتم برصف الطرق وتمتع بالعديد من الامتيازات التي أقلقت أعضاء البعثات التنصيرية البريطانية الذين رأوا فيه خطرا كبيرا يهدد وجودهم ومصالحهم، وزاد من خطورة الموقف بالنسبة للبريطانيين تقرب لابورد من ولي العهد راكوتو (1)، ولذلك نشط البريطانيون في الجزيرة للدس بين الملكة ولابورد حتى قامت في النهاية بطرده من البلاد (2).

وهكذا قدر للتجار الفرنسيين العمل في مدغشقر، والتمهيد للغزو العسكري لها، وبفضل هؤلاء احتفظت فرنسا بحقها في الادعاء بتبعية هذه المناطق.

والواقع أن هذه الظاهرة لم تقتصر على مدغشقر فحسب أو في شرق أفريقيا فقط، وانما نلمس ذلك بوضوح أيضا في غرب أفريقيا فبفضل نشاط التجار الفرنسيين في كثير من المناطق وتركزهم فيها، أدعت فرنسا أن لها حقوقا تاريخية فيها (3).

هذا ويكن تعليل تقبل الملكة رانافالونا الأولى لوجود لابورد، رغم كراهيتها للاوروبيين، لأنها نفسها أفادت منه لأنه طور الصناعة في مملكتها، بالاضافة الى تنمية التجارة مما عاد بالفائدة عليها، ولكنها عندما لمست منه خطرا أحاط بابنها وولي العهد راكوتو، لم تتردد من طرده من البلاد، فقد اتسمت سياسة الملكة بصفة عامة كما ذكرنا من قبل – بالعداء للاوروبيين ومحاربة اعضاء البعثات التنصيرية ولمحاربة هذه البعثات ومنها من عملها أصدرت الملكة عام 1835 قانونا يمنع اي شخص من اعتناق الديانة المسيحية، وفي عام 1839 طلبت الملكة من البعثات التنصيرية الرحيل الى مدغشقر (4). كما حكمت على المسيحين بالموت، واضطر عدد كبير منهم الى الفرار للجزر القريبة من مدغشقر، ولم تكتف الملكة بمحاربة المسيحيين، وانما عملت على مهاجمة الساكالافا فلجأوا الى طلب الحماية من سلطان زنجبار السيد سعيد بن سلطان الذي ارسل اليهم سفينة حربية في عام 1838 وأسس حصنا في مدغشقر في خليج بافاتوبه فحاول الهوفا الاستيلااء علي الحسن بعد رحيل السفينة ولكنهم فشلوا وازاء هجمات الهوفا فر الساكالافا الى الجزر القريبة التابعة لمدغشقر، فاتجهوا الى نوسي-بي، والى نوس فالي ونوسي ميتسيو ونوسي كومبا، وقد طلب الساكالافا الحماية من القائد الفرنسي باسو أثناء مروره بسواحل مدغشقر، فابلغ بدوره الأدميرال دي هيل برغبة الساكالافا (1) وقد انتهز حاكم بوريون لاستيل هذه الفرصة فواق على احتلال القائد البحري دي هيل لنوسي – بي في 14 يوليو (2). وقد وافقت الحكومة الفرنسية على هذه المعاهدة وارتفع العلم الفرنسي على نوسي بي في عام 1841، كذلك قام دي هيل ببعض العمليات العسكرية في الشمال الغربي من الجزيرة، واقنع باقي زعماء الساكالافا بالدخول في التبعية الفرنسية، وتمكن من رفع الأعلام الفرنسية على الساحل الشرقي (3).

وجدير بالذكر أن السيد سعيد بن سلطان حاول محالفة مدغشقر لمد نفوذه نحو جنوب زنجبار، فعرض الزواج على ملكتها في عام 1832، فقد أدرك أن هذه المصاهرة سوف تمكنه من تدعيم نفوذه في ساحل شرق أفريقيا، ولكن وزراء الملكة اعتذروا له بأنهم لا يستطيعون تقديم ملكتهم ولأن تقاليدهم لا تسمح لهم بمثل هذا الزواج، وأعربوا له عن استعدادهم لمساعدته في توطيد حكمه في شرق افريقيا (4).

اصرت الملكة رانافالونا على سياستها العدوانية، وعملت على مضاعفة قواتها العسكرية في تاماتاف متحدية الفرنسيين، فتم الاتفاق بين القواد الفرنسيين والبريطانيين على ضرورة تأديب الملكة، وقامت السفن البريطانية بقيادة القائد كيلي، والسفن الفرنسية بضرب تاماتاف بالنيران وقطعوا تجارة الملكة عن المناطق الساحلية، فاضطرت في عام 1857 إلى الموافقة على قبول استقرار التجار الاوروبيين في بلادها وفي تاناناريف عاصمة الهوفا (1).

وانتهز حاكم ريونيون فرصة قبول الملكة اقامة الاوروبيين في مدغشقر فأرسل البعثات لكتابة التقارير عن الجزيرة وأهميتها، فكتب دي ليل في عام 1855 العديد من الدراسات عن مدغشقر، كما أوضح حكام ريونيو لحكومتهم أهمية السيطرة على الجزيرة وفرض هيبة ونفوذ فرنسا عليها، ولاقت دعوتهم قبولا كبيرا من الامبراطو نابليون الثالث (2).

وجدير بالذكر أن وضع الفرنسيين في ريونيو اختلف كثيرا عن وضعهم في مدغشقر فريونيون هي المستعمرة الفرنسية التي تكونت منذ فترة طويلة، وهي تقع في المحيط الهندي في جنوب موريشيوس على بعد 420 ميلا من مدغشقر احتلها فرنسا منذ عام 1642 (3). وقبل سكانها التبعية الفرنسية بسهولة عن باقي المستعمرات الفرنسية، مثل مدغشقر، أو الجزائر، حتى أن هانوتو وزير المستعمرات الفرنسي أكد أن الاستعمار الفرنسي فيها أكثر فعالية حتى من استعمار بريطانيا لجنوب أفريقيا، وأرجع ذلك الى طول عهد ريونيو بالحكم الفرنسي، والى نشاط الفرنسيين في المنطقة، فقد أدخلوا فيها زراعة السكر واهتموا بالصناعة وتوافد عليها المهاجرون الفرنسيون، أما باقي المستعمرات الفرنسية والتي كونتها خلال فترة امبراطوريتها الاستعمارية الثانية فلم يتقبل كسانها السيطرة بسهولة والذي يهمنا أن لوي رينيو ضغط على الحكومة الفرنسية لفرض سيطرتها على مدغشقر (4).

عند ختام الحديث عن سياسة الملكة رانافالونا الأولى سنجد أنها في بداية عهدها امتازت بمقاومة النفوذ الاوروبي واضطهاد المسيحيين من رعايا ومن أعضاء البعثات التنصيرية ، وتحدت الحكام الفرنسيين في ريونيو، كما تحدت الحكام البريطانيين في موريشيوس، ولكنها اضطرت الى قبول التواجد الاوروبي في مملكتها بعد أن اتفقت الدولتان على توجيه ضربة قوية ضدها بضرب موانيها، وقطع اتصالات مملكتها التجارية مع الساحل (1).

وفي 26 فبراير 1859، فرضت فرنسا حمايتها على المنطقة الساحلية من الجزيرة وخاصة السواحل الغريبة، وفي 10 أغسطس 1859 وقعت فرنسا اتفاقا مع زعماء منطقة ماهافاليس بفرص الحماية عليهم، وفي 19 أغسطس 1859 قبلت باقي جماعات الساكالافا توقيع الحماية الفرنسية على بلادهم وذلك بسبب استمرار الملكة رانافالونا في محاربتهم.

وقد تمسكت فرنسا بهذه المعاهدات التي عقدتها حكومة نابليون الثالث وأفادتها ابان توسعها العسكري في الجزيرة (2).

وأخيرا اتسمت معظم كتابات المؤرخين الاوروبيين عن الملكة رانافالونا الأولى بالتحيز، وذلك لاضطهادها لرعاياها من المسيحيي، فوصفوها بالوحشية والقسوة، وأن عهدها كان عهدا مظلما على الجزيرة، والواقع أن الملكة رانافالونا أرادت قضاء على النفوذ الأجنبي في مملكتها خوفا من استفحاله فاتبعت سياسة عنيفة، ولكن هذه السياسة لم تقتصر على رعاياها من المسيحيين فقط، فقد أرادت الملكة الانفراد بالحكم في الجزيرة فحاربت جماعات الساكالافا أيضا واضطر البعض منهم الى الفرار، وطلب البعض الآخر الحماية من سلطان زنجبار السيد سعيد بن سلطان، ولكن حكام ريونيو كانوا يرصدون اي تحرك في الجزيرة ولذلك كانوا لا يسمحون لأية قوة أخرى بالتدخل في شئونهم فعملوا على تدعيم السيطرة الفرنسية على جاماعات الساكالافا وفرض الحماية عليهم وبذلك لم تنجح جهود الملكة في منع التغلغل الفرنسي في أراضيها فقد أجبرت في عام 1857 على قبول استقرار الاوروبيين في مدغشقر (1).


راداما الثاني وتزايد النفوذ الفرنسي (1861-1863):

اختلفت سياسة راداما الثاني عن أمه رانافالونا الأولى، فلم يكن في مثل قوتها، كذلك امتاز عهده بتصاعد نفوذ الاوروبيين في بلاده، وخاصة الفرنسيين فتزايد نفوذ كل من لابورد ولامبيرن كما عادت البعثات التنصيرية في عهده لممارسة نشاطها في الجزيرة بعد أن استبعدت امه من قبل (2).

وقد اهتم راداما الثاني بتقوية صلاته مع الفرنسيين فعقد معهم في عام 1863 معاهدة أعاد فيها لفرنسا حقوقها في مدغشقر، وأقرت حكومة نابليون الثالث هذه المعاهدة فيها واعترف راداما الثاني بالحرية الدينية في مدغشقر، وحق الفرنسيين في اقامة المنشآت الفرنسية، كما سمح لهم باقامة المراكز التجارية وخاصة في أراضي الساكالافا (3).

هذا وقد توافدت على الجزيرة نتيجة لسياسة راداما الثاني الدينية رجال الدين القادمون من مستعمرة ريونيو فوجودا منه التشجيع والترحيب، ولم يعد لرجال الدين البريطانيين من البروتستانت أية مزايا، وانما تمتع بالحظوة رجال الدين الكاثوليك الفرنسيين الذي حرص دائما على تلبية جميع مطالبهم، حتى أنه ألغى عقوبة الاعدام بالسم البطئ وكانت من العادات المتأصلة في بلاده (4).

عملت حكومة نابليون الثالث على تدعيم النفوذ الفرنسي في مدغشقر، وساعدها في تحقيق هدفها وجود رواد فرنسيين عملوا في الجزيرة منذ فترة طويلة أمثال لابورد ولامبير، فلم يضيع لابورد الفرصة منذ استدعاءه الى الجزيرة مرة ثانية وعمل على زيادة نفوذ بلاده، وقام بربط مدينة هينتساوا الصناعية بتاناناريف، كذلك عمل على ربط سواحل الجزيرة بالسفن التجارية الفرنسية، فاتسع بذلك حجم التبادل التجاري، فقد سمح له راداما الثاني في عام 1862 باستغلال مناجم الجزيرة والغابات وثروات البلاد، وعملت شركة مدغشقر الفرنسية في البلاد، وحققت مكاسب كبيرة (1)، ونتيجة لجهود لابورد عين قنصلا فرنسيا في 15 أغسطس 1862 وتمتع بثقة كبيرة لدى راداما الثاني، وتقرب اليه التجار الاوروبيين وخاصة البريطانيين ليحصلوا منه على امتيازات لهم، ذلك حصل لابورد على موافقة راداما على عدم محاكمة الاوروبيين الا عن طريق قناصلهم، ونظرا لثقة راداما فيه عينه ممثلا عن حكومة الهوفا، فوكل اليه مهمة استقبال التجار الفرنسيين والاوروبيين (2).

وهكذا تزايد النفوذ الفرنسي في مدغشقر، في عهد راداما الثاني ، وانتهز الفرنسيون الفرصة من ضباط وقواد وتجار ورجال دين لتثبيت نفوذ فرنسا في المنطقة. فقد كانت فترة حكمه فرصة ذهبية للجميع، ونجح القائد الفرنسي فلريوا دي لانجل في توقيع الاتفاقيات والمعاهدات مع زعماء الساحل الغربي للجزيرة الذين تنازلوا عن أراضيهم لفرنسا وخاصة المنطقة المواجة لقناة موزميبق وذلك في الفترة ما بين 1858-1860، كذلك عقد معاهدات مماثلة مع سكان الجنوب الغريب خلال أعوام 1861-1863، كما تردد على مدغشقر العديد من القادة الفرنسيين أشهرهم الفريد جرند يديه (3).

ولكن سياسة راداما الثاني المخالفة تماما لسياسة والدته رانافالونا الأولى وارتمائه في أحضان الفرنسيين جرت عليها مشاكل فتذكر رجال الدولة في مدغشقر من تصرفاته، وتم تدبير مؤامرة ضده، أسفرت عن مقتله مخنوقا وقد دبر المؤامرة رئيس الوزراء راهارو مع عدد من رجال البلاط والوزراء ثم أعلن الشعب انتحارة الى أن تم كشف الحقيقة (4).


توتر العلاقة بين الفرنسيين والملكة رازو هيرينا:

بعد مقتل راداما الثاني ، تولت زوجته الملكة رازو هيرينا (1) الحكم، ويتميز عهدها بتوليى راينيلايفوني (2) رئاسة الوزراء في الفترة ما بين 1864-1895 فكان المحرك الرئيسية لسياسة مدغشقر حتى الغزو، وكان حريضا على دعم استقلال البلاد فعمل على تنظيم الجيش وغزا الأقاليم المجاورة لمملكة الايمرينا (3).

اتبع رئيس الوزراء سياسة معادية لفرنسا، وتقرب من البريطانيين مما أثار قلق الفرنسيين، فكتب جوان القنصل الفرنسي الى حكومته يقول: "ان البريطانيين أصبحوا هم سادة الجزيرة الآن والمقربين للملكة " (4). وقد ألغى رئيس الوزراء عند توليه السلطة معاهدة عام 1862 التي عقدها راداما الثاني مع الفرنسيين، فحاول كل من لامبير ودوبريه قائد المحطة البحرية في المحيط الهندي اقناعه بعدم الغاء المعاهدة التي وقعها الامبراطور نابليون بنفسه الا أنه رفض، وتوتر الموقف في الجزيرة، بقتل عدد من الفرنسيين، وصمم القائد الفرنسي دوبيه على ضرورة احترام المعاهدة فقام بضرب ميناء تاماتاف بالمدافع (5).

ونظرا لأن رئيس الوزراء كان هو الحاكم الفعلي في البلاد فقد اقنع الملكة بضرورة استبعاد النفوذ الفرنسي من مدغشقر، وعقد في 27 يونيو 1865 معاهدة مع بريطانيا نصت على تقوية علاقات الصداقة والتجارة بين الدولتين، وأعطى للبريطانيين الحق في التجارة في الجزيرة، ونشر المسيحية وفتح المدارس التنصيرية واستقبال مبعوث بريطاني في الجزيرة، كما وافق على ارسال مبعوث من الهوفا الى لندن كذلك وافق على تنظيم التحاكم والغاء القرصنة وتجارة الرقيق والغاء عقوبة الاعدام بالسم البطئ (1). ثم عقد معاهدة مماثلة مع الولايات المتحدة الأمريكية في عاح 1867 وبقيت فرنسا هي الدولة الوحيدة التي رفضت الملكة رازو هيرينا توقيع أية معاهدة معها (2).

هذا وقد تزايد غضب الفرنسيين ازاء اصدار الملكة ورئيس وزرائها على عدم توقيع معاهدة مع فرنسا فهدد القائد الفرنسي دوبريه الملكة ورئيس وزرائها بضرورة التمسك بمعاهدة عام 1862، وتوترت العلاقات بين الطرفين، وأرسل الامبراطور نابليون الثالث الكونت دي لوفيير الى تاماتاف فرفضت الحكومة استقباله فتوجه بعد ذلك الى تاناناريف وأصدر تصريحا بأن فرنسا لابد وأن تكون على قدم المساواة مع بريطانيا في حقوقها في الجزيرة، ولن تقبل أن تكون أقل منها، ويجب توقيع اتفاق بهذا المعنى مع حكومة الهوفا (3). وحاول لابورد التوسط بين الطرفين، وأضح للملكة المخاطر التي تنتظرها اذا ما أصرت على موقفها من تجاهل الفرنسيين، فقبلت الملكة في النهاية توقيع معاهدة مع فرنسا مماثلة في بنودها لتلك التي عقدتها مع بريطانيا ووقع المعاهدة القائد الفرنسي جرنيه واعترفت فرنسا في المعاهدة برازو هيرينا ملكة عل مدغشقر كلها وأفادت الملكة من ذلك الاعتراف فعملت على التوسع وضم أراضي جديدة (4).

وبذلك جاءت معاهدة 1868 مماثلة لتلك التي عقدتها مدغشقر من قبل مع بريطانيا عام 1865 ونصت على أنها معاهدة صداقة وسلام بين الدولتين وأعطت المعاهدة للفرنسيين حق بناء المدارس والمستشفيات ودور العبادة (5).

ورغم توقيع المعاهدة الا أن الفرنسيين كتبوا الى حكومة نابليون الثالث بضرورة دعم السيطرة الفعلية على الجزيرة والح القائد الفرني جرنديه على حكومته بارسال البعثات العملية والاستكشافية في الجزيرة (1).

توفيت الملكة رازو هيرينا في عام 1868 أي بعد توقيع المعاهدة مع فرنسا بفترة بسيطة فرشح رئيس الوزراء احدى بنات عمها وتدعى رامونا لتتولى الحكمم فاعتلت العرش باسم رانافالونا الثانية. ثم تزوج بها رئيس الوزراء الذي ظل يوجه سياسة البلاد في عهدها أيضا كما فعل في عهد رازو هيرينا من قبل (2).


رانافالونا الثانية والحملة الفرنسية على مدغشقر:

يعتبر عهد رانافالونا الثانية (3) هو عهد السيطرة الأجنبية ، فقد اندفعت فرنسا نحو القارة الافريقية بصفة عامة بعد هزيمتها في الحرب السبعينية وانتهجت الحكومة الفرنسية سياسة توسعية للمحافظة على هيبة فرنسا وعظمتها بين دول اوروبا.

وقد تصاعد نفوذ حكام ريونيون الفرنسية خلال هذه الفترة وكذلك جماعات التنصير الكاثوليكية وطالبوا حكومتهم بضرورة فرض حمايتها على الجزيرة واكدوا بانها اذا كانت فرنسا حريصة في القرن الثامن عشر على التمسك بمراكزها التجارية التي كونتها فانه من الأجدى الآن بعد النصف الثاني من القرن التاسع عشر أن تتمسك بضرورة فرض حمايتها على المناطق التابعة لها وشجع هذا الاتجاه الكتاب الفرنسيون. وقد أعلنت الفكرة رسميا في البرلمان الفرنسي وطالب لوبي ريونيون بضم مدغشقر، ولاقناع الرأي الفرني في البرلمان بهذها لافكرة قام أصحابها بدعياة كبيرة عن مملكة الايمرينا ونظامها الديكتاتوري القائم على تجارة الرقيق، وقد اثرت هذه الدعاية على اعضاء البرلمان الفرنسي فتعال الأصوات مطالبة باحتلال الجزيرة وتكوين قاعدة بحرية فرنيسة في المحيط الهندي في جزيرة مدغشقر وخاصة وان افتتاح قناة السويس قد ضاعف من أهمية هذا المحيط (1).

وهناك عامل هام أثار مخاوف حكام ريونيو ورجال الدين الكاثوليك وهو أن الملكة رانافالونا الثانية بعد اعتلائها بفترة قصيرة أعلنت هي ورئيس وزرائها في 21 فبراير اعتناقها المذهب البروتستانتي ، وهذا معناه تصاعد نفوذ رجال الدين البروتستانت من البريطانيين (2). وقد تزايد النفوذ البريطاني ووضعت بالتعاون مع رجال الدين البريطانيين برنامجا لمحاربة المذهب الكاثوليكي وهددت رعايا من معتنقي هذا المذهب ، بأنهم سيعاملون كغرباء عن المملكة وسوف يفقدون حقوقهم ولن يتم دفنهم في مدافن أجدادهم (3).

وقد زاد من خطورة الموقف بالنسبة للفرنسيين وفاة لابورد (4) خلال هذه الفترة وكان يتمتع بنفوذ كبير لدى حكام مدغشقر وكانت الحكومة الفرنسية تأمل في أن يتولى اصلاح الموقف المتوتر في الجزيرة والتأثير على الملكة (5).

وانتهز أعضاء البعثات التنصيرية البريطانية هذه الفرصة فتقربوا من الملكة ومن رئيس وزرائها وأصدرت الملكة رانافالونا قانونا في عام 1868 بلغت عدد مواده 101 مادة واستكمل العمل به في عام 1881 فتضاعفت مواده الى 305 مادة، ونص هذا القانون على حرية الكنيسة البروتستانتية وعدم المساس بالتقاليد والعادات في الجزيرة، وقام باريت مدير المطبعة الملكية البريطانية والمستشار المقرب من رئيس الوزراء باقناع الملكة بزيادة عدد الوزراء في مملكة الهوفا، وتكوين مجلس من هؤلاء الوزراء (1) وهكذا أحلت الملكة المستشارين البريطانيين محل المستشارين الفرنسيين وقد انتهز المستشارون البريطانيون الفرصة وطالبوا بضرورة تقوية الجيش وشراء الأسلحة من اوروبا وأمريكا، وأبدوا استعدادهم لمساعدة الملكة في شئون مملكتها الداخلية وأعربوا لها عن رغبتهم في التصدي للخطر الفرنسي المحدق بها، فقام الأدميرال جونس بمعاونة الملكة في حملتها ضد جماعات الساكالافا، وكانت هذه الجماعات قد خضعت من قبل لفرنسا وقبلت الحماية الفرنسية وتمادى جونز فطالب هذه الجماعات بالتخلي عن المعاهدات المعقودة بينهم وبين الفرنسيين (2).

وتوترت العلاقات بين فرنسا وحكومة الهوفا، واعتبرت الحكومة الفرنسية انحياز الملكة التام لبريطانيا وتجاهلها للفرنسيين بمثابة انتهاك لمعاهدة 1868 فطالب حكام ريونيون الحكومة الفرنسية بضرورة معالجة الموقف في مدغشقر، وفي 9 يناير 1880 تم كتابة مذكرة عن الموقف في أراضي الهوفا ورفعت هذه المذكرة الى وزير البحرية الفرنسي لاتخاذ اللازم (3).

وزاد من خطورة الموقف قيام الهوفا بتدمير الوكالات والمصانع الفرنسية وخاصة في الساحل الغربي للجزيرة، مما أدى الى انقطاع الصلات بين فرنسا وحكومة الهوفا وأصر الفرنسيون على ضرورة العمل بمعاهدة 1868 ، ولكن رئيس وزراء مدغشقر تهرب من الرد عليهم هذا وقد أكد بوديه القنصل الفرنسي في تاناناريف على ضرورة المحافظة على هيبة فرنسا في المنطقة كما أكد أن الموقف في تاناناريف لم يعد آمنا وأن فرنسا لابد لها من القيام بعمل يحفظ لها كرامها لأنها تبدو الآن كدولة عاجزة أمام سكان الهوفا (4).

وازاء تفقاهم الموقف في الجزيرة قررت الحكومة الفرنسية ارسال حملة الى مدغشقر وافق عليها البرلمان الفرنسي وعهد على القائد الفرنسي لي تمبر مسئوليتها وكان يشغل وظيفة قائد المحطة البحرية في المحيط الهندي وأرسل وزير الخارجية الفرنيس بتعليمتها الى القنصل الفرنيس بوديه في الجزيرة بالتزام توجيهات لي تمبر (1).

خشيت حكومة الهوفا من تصاعد الموقف بينها وبين فرنسا فارسل رئيس الوزراء عدة بعثات دبلوماسية الى كل من اوروبا وامريكا ليشرح وجهة نظر بلاده والواقع أن حكومة الهوفا أرادت بهذه البعثات منع التصادم مع القوات الفرنسية في محاولة للوصول الى حل سلمي يرضي الطرفين، ولكن وزير الخارجية الفرنسي أرسل الى سفير فرنسا في لندن في اكتوبر عام 1882 يخبره بوصول بعثة الملكة رانافالونا الثانية الى باريس وأنه حتى الآن لم يتم الاتفاق بين الطرفين، وقد عهدت الحكومة الى الأدميرال بيرون تمثيل الجمهورية الفرنسية في المحادثات التي سوف تتم بين الطرفين، وأكد له أن الحكومة الفرنسية ستعمل على تأكيد حقوقها ومعاهداتها التي عقدتها مع زعماء الساحل الشمالي الغربي من جماعات الساكالافا في الفترة ما بين 1840-1841، ولن تتنازل عنها ولن تسمح للهوفا برفع أعلام فرنسا عن هذه الجهات، كذلك سوف تتمسك الحكومة بالمعاهدة المعقودة بين الطرفين عام 1868 وبذلك يمن لفرنسا الوقوع في وجه أطماع بريطانيا في الجزيرة. وقد أكد وزير الخارجية للسفير افرنسي في باريس بضرورة التمسك بهذه الحقوق واعلانها (2). والواقع أن الحكومة الفرنسية رغم اصرارها على التمسك بحقوقها في مدغشقر وتأكيداتها السابقة للسفير الفرنسي في لندن، الا أنها تخوفت من المتاعب التي من الممكن أن تثيرها حكومة لندن نظرا للمنافسة القديمة بين البعثات الكاثوليكية الفرنسية والبعثات البروتستانتية الانجليزية (1). كذلك وصول بعثة الهوفا الى لندن (2)، وقد تقابلت مع اللورد جرانفيل الذي ارسل بدوره يستفسر من الحكومة الفرنسية عن بعض المسائل التي تهم الدولتين وأوضح للحكومة الفرنسية أن لبريطانيا وفرنسا مصالح مشتركة في مدغشقر ولابد من اتفاق وجهات النظر بين الدولتين (3).

ويتضح لنا خوف الحكومة الفرنسية من نتائج المحادثات الدائرة بين بريطانيا وحكومة الهوفا فهي شغوفة لمعرفة تفاصيل هذه المباحثات، وفي الوقت نفسه ارسلت الحكومة البريطانية الى السفير الفرنسية تحذره من اقدام فرنسا على غزو الجزيرة لأن ذلك سوف يعرض أرواح الاوروبيين للخطر وتطلب منه التريث وعدم اقدام حكومته على اتخاذ هذه الخطوة (4).

ونظرا لأن الحكومة الفرنسية قررت ارسال حملة لي تمبر الى الجزيرة الا أنها أرسلت الى الحكومات الاوروبية في لندن وبرلين تبرر موقفها والأسباب التي دعتها لشن الحرب على حكومة الهوفا، وألقى وزير الخارجية الفرنسي دوليرك المسئولية على حكومة الهوفا لتجاهلها معاهداتها السابقة مع فرنسا واصرار الملكة رانافالونا الثانية على الاعتداء على حقوق فرنسا في الأجزاء الشمالية الغربية ورفعها الأعلام الفرنسية عن أراضي الساكالافا (5).

والذي يهمنا هنا هو ان الاشتباك بني القوتين الفرنسية والهوفا كان قد بدأ بالفعل وفشلت البعثات الدبلوماسية التي أرسلتها الملكة الى اوروبا وأمريكا في تحقيق أية نتائج دبلوماسية، ولم يعد أمام حكومة الهوفا الخيار وكان عليها سرعة العمل للتصدي للقوات الفرنسية الزاحفة على الجزيرة ولكن الملكة رانافالونا الثانية توفيت بعد وصول القوات الفرنسية بفترة قصيرة لتخلفها الملكة رانافالونا الثالثة (1).


الملكة رانافالونا الثالثة واعلان الحماية الفرنسية:

حكمت الملكة رانافالونا الثالثة (2) البلاد وسط ظروف قاسية فالقوات العسكرية الفرنسية ما زالت في الجزيرة، ولكنها رغم ذلك أصرت على مجابهة الفرنسيين وأعلنت في خطاب توليها العرش بأنها لن تتنازل عن أي جزء من أراضيها لفرنسا، وأنها ستحارب للدفاع عن مملكتها ، وقادت الملكة المعارك وعملت على تنظيم قواتها العسكرية رغم أن سنها في ذلك الوقت لم يكن يتجاوز 22 سنة (3).

وجدير بالذكر أن الحملة الفرنسية على مدغشقر 1882-1885 اثارت مخاوف الحكومات الاوروبية وخاصة الانجليزية والألمانية، ففي بريطانيا طالب أعضاء مجلس العموم البريطاني من الحكومة ضرورة ارسال سفن حربية أمام سواحل مدغشقر لكي تتولى حماية البريطانيين المقيمين في الجزيرة من تجار وأعضاء بعثات تنصيرية وغيرهم (4). وقد وصلت بالفعل السفينة البريطانية دراياد أمام مياه مدغشقر وحاول القائد البريطاني النزول الى البر ولكن القوات الفرنسية رفضت السماح له بذلك وطلبوا منه الرحيل وترك تاماتاف خلال 24 ساعة (5).


أما ألمانيا فقد وصلت الهيا بعثة الهوفا والتي اخدت تبحث عن امكانية توقيع معاهدة تجارية مع ألمانيا، ولما شعرت الحكومة الألمانية بقلق السفير الفرنسي في بلين دي كورسيل أكدت له أنها لن تعقد أي اتفقا يكون ضمن بنوده ما يضر بمصالح فرنسا، فاكد دي كورسيل بدوره للحكومة الألمانية تمسك حكومته بالمعاهدات التي عقدت من قبل مع زعماء الهوفا (1) وبذلك ضمنت الحكومة عدم مساعدة الحكومة الألمانية للهوفا فأرسل وزير الخارجية الفرنسي الى برن وزير البحرية والمستعمرات يؤكد له تعهدات الحكومة الألمانية وان فرنسا لها حرية الحركة كيفما تشاء في الجزيرة (2).

قام الأدميرال بيير بضرب سواحل مدغشقر وموانئ الساحل الشمالي الغربي والشرقي للجزيرة، واحتلت القوات الفرنسية تاماتاف وطلبت من رئيس الوزراء في مدغشقر تسليم المناطق الواقعة في الشمال لفرنسا فحاول رئيس الوزراء فتح باب المفاوضات مع فرنسا الا أن القادة الفرنسيين رفضوا، وتقدمت القوات الفرنسية بسرعة كبيرة على الساحل، واحتل القائد الفرنسي بييرنوسي بي كذلك استولى على ماجونجا، وأرسل الى وزير البحرية والمستعمرات يهنئه باختفاء أعلام الهوفا من الساحل الغربي وان استيلاءه على ماجونجا فتح له الطريق للوصول الى عاصمة الهوفا نفسها (3).

وازاء اصرار فرنسا على التواجد العسكري في مدغشقر اضطرت بعثة الهوفا الى العودة من باريس الى مدغشقر، فقد وجدت أنه لا جدوى من بقائها في فرنسا طالما أن الغزو العسكري قد تم بالفعل في الجزيرة (4).

وعلى الرغم من احتلال القوات الفرنسية تاماتاف وماجونجا الا أن الحكومة الفرنية تخوفت من بقاء القوات لفترة طويلة في هذه الجهات، وذلك خوفا من انتشار الحمى بين الجنود، أو تعرضهم لاغارات الهوفا، فقد أرادت الحكومة أن يكون موقف الجنود الفرنسيين موقفا هجوميا وليس دفاعيا، وذلك أنه على الرغم من ارسال الحملة ورغم بقاء القوات الفرنسية في مدغشقر الا أنها لم تحرز انتصارات ذات قيمة كبييرة، فقوات الهواف مازالت تقاوم وتقاتل الفرنسيين في كل مكان (1).

وعندما طالت العمليات العسكرية الفرنسية في الجزيرة احتجت الحكومة البريطانية لدى السفير الفرنسي في لندن واستندت على أن الحكومة الفرنسية عندما ضربت تاماتاف بالمدافع لم تحذر الحكومة البريطانية لكي تتولى بدورها تحذير رعاياها في المدينة (2) كذلك توترت العلاقة بين الطرفين بسبب قضية شو وهو من رجال الدين البريطانيين ، تقرب الى رانافالونا الثالثة والى زوجها رئيس الوزراء وعمل على تدعيم المذهب البروتستانتي في الجزيرة وعندما نزلت الحملة الفرنسية على مدغشقر قدم المساعادات الى الملكة فاتهمه الجنود الفرنسيين بأنها حاول دس السم لهم، وقاموا بالقاء القبض عليه تمهيدا لمحاكمته فاحتجت الحكومة البريطانية وطالبت وزير الخارجية الفرنسي باطلاق سراحه، وقد أطلق القائد الفرنسي بيير سراح شو ولكنه توفى في الطريق أثناء عودته الى لندن (3).

أثارت قضية شو الرأي العام البريطاني لأن القواد الفرنسيين القوا القبض على عضو بعثة تنصيرية، ولكن السفير الفرنسي في لندن وادنجتون عمل على تهدئة الحكومة البريطانية، وأكد أن شو عومل معاملة حسنة وأنه أطلق سراحه بعد أن تبين للفرنسيين براءته، وطالب وزير الخارجية الفرنسي لاكور من وادنجتون ضرورة توضيح الموقف الى اللورد جرانفيل لأنه يواجه ضغطا من الجمعيات الدينية والبرلمان البريطاني بسبب هذه القضية (1).

وبالاضافة الى توتر العلاقة مع بريطانيا، حدثت أزمة مع الحكومة الألمانية اثناء وجود القوات الفرنسية في مدغشقر لأن القنصل الفرنسي وجه اتهاما للقنصل الالماني في تاماتاف بأن التجار الألمان يمدون الهوفا بالاسلحة وأن السفينة الألمانية بلايندن التابعة لوكالة فيديل الألمانية تقوم بالمتاجرة في الاسلحة وأنها امدت بالفعل المملكة بالاسلحة وقد اصدرت الحكومة الفرنسية تعليماتها الى قناصلها في مدغشقر باحكام السيطرة ومراقبة سواحل وموانئ الجزيرة (2).

ويلاحظ على الرغم من تواجد القوات الفرنسية في مدغشقر لفترة طويلة الا أنها لم تصل الى نتائج حاسمة فالهوفا استمروا في المقاومة واذا تساءلنا لماذا اذن لم تكتف الحكومة الفرنسية قواتها في الجزيرة سنجد أنه خلال هذه الفترة وبعد هزيمة فرنسا في تونكين كان من الصعب على جول فري أن يطلب امدادات من حكومته لتدعيم الموقف العسكري في مدغشقر، كذلك كانت احتمالات موافقة البرلمان الفرنسي على دفع المزيد من النفقات ضعيفة وأحس فري أنه في وضع تأنيب ولوم دائم منذ حدوث هزيمة تونكين، ولكن عندما طلب فري في مارس 1885 من البرلمان الفرنسي زيادة نفقات القوات العسكرية في مدغشقر وافق البرلمان وذلك أن الظروف السياسية تغيرت في ذلك الوقت وسادت حالة من الهدوء في الشرق الأقصى على ذلك.

وعلى الرغم من ظهور أصوات عارضت الانفاق العسكري في مدغشقر الا أن باقي أعضاء البرلمان رأوا أن فرنسا لها حقوقا تاريخية لا يمكن أن تفقدها في مدغشقر (3).

وهكذا نلاحظ أنه رغم مرور عامين على ارسال الحملة على مدغشقر الا أن الملكة استمرت في المقاومة وأعلنت في اكتوبر 1885 بأه لن تعترف بمعاهدات الحماية التي عقدتها فرنسا مع الزعماء الوطنيين في الجزيرة وأنها لن تتخلى عن استغلال بلادها، وقبلت الملكة تعيين الجنرال البرطياني (1) ويلوجبي قائدا لجيشها، ونجحت في احراز بعض الانتصارات (2).

عينت الحكومة الفرنسية القائد الفرنسي ميوت خلفا لبيير وصرح ميوت فور وصوله بأنه جاء الى المنطقة لا لمناقشة حقوق فرنسا وانما لاستعادتها كما أعلن بأن الهوفا يجب ألا يأملوا في رفع أعلامهم مرة ثانية على الساحل الغربي لأنه تحت الحماية الفرنسية ووضع شروطا للاتفاق مع الملكة منها دفع غرامة ثلاثة مليون فرنك، والعمل بمعاهدة 1868 وعدم التفاوض مع أية دولة أخرى سوى فرنسا (3).

ولكن الملكة استمرت في المقاومة رغم تهديدات ميوت – فبدأت تظهر في فرنسا آراء تنادي بالاكتفاء بالسيطرة على المناطق الساحلية خوفا من احراج الحكومة الفرنسية في العمليات العسكرية، وفي الوقت نفسه انهكت الحرب قوات الملكة رانافالونا الثالثة، ووضح أن الطرفين في حاجة الى توقيع صلح فيما بينهما فوضع فرنسينيه أما البرلمان الفرنسي شروط الصلح والمعاهدة (4).

وقعت المعاهدة بين فرنسا ومملكة الايمرينا في 17 ديسمبر 1885 في تاناناريف ووضعت المعاهدة حدا للحرب بين الطرفين، وأعطت المعاهدة الحق لفرنسا في تمثيل مدغشقر في جميع شئونها وعلاقتها الخارجية، وقبلت الملكة وجود مندوب فرنسي في اراضيها كما نظمت المعاهدة العلاقة بين الفرنسيين والأجانب، فوافقة الملكة على انشاء محكام للنظر في المنازعات بين الفرنسين واهالي الجزيرة كذلك تعهدت الملكة بحسن معاملة جماعات الساكالافا الذين قبلوا الحماية الفرنسية منذ منتصف القرن التاسع عشر، كذلك اعترفت الملكة باحتلال الفرنسيين لديجور سواريز مع دفع الملكة لغرامة قدرها عشرة ملايين فرنك، واعترفت فرنسا في المعاهدة بالملكة حاكمة على مدغشقر كلها.

بعد توقيع المعاهدة ارتفع العلم الفرنسي في مدغشقر من سانت اوجستين حتى سانت ماري (1).

ولكن يلاحظ بأن نص أو لفظ الحامية لم يرد في المعاهدة التي وقعتها الملكة رانافالونا الثالثة باللغة المالاجاشية، بينما ورد هذا اللفظ في النسخة الفرنسية (2)، كذلك ورد في النص الفرنسي بأن مندوب فرنسا يمثل الملكة في علاقاتها الخارجية، بينما في النص المالاجاشي ورد فيه بأنه يمكن لممثل فرنسا التدخل في العلاقات الخارجية لمدغشقر.

وقد ترتب على ذلك توتر العلاقة بين الطرفين مرة ثانية (3)، كذلك ترتب على اعتراف فرنسا بأن الملكة رانافالونا الثالثة حاكمة على الجزيرة كلها وليس على مملكة الهوفا فقط، ان استفادت الملكة من هذا النص في توسيع حدود بلادها والاغارة على المناطق المجاورة لها، كذلك تزايد العداء بينها وبين جماعات الساكالافا والتي ورد في المعاهدة حماية فرنسا لهم (4).

وفي الواقع كان الاعتقاد السائد بين القواد الفرنسيين ان حملة 1883 لن تستغرق فترة طويلة، الا أنهم وجودوا مقاومة منظمة انهكتهم لمدة عامين واعتقدوا ان من السهل احتلال المراكز الساحلية والموانئ داخل البلاد ولذلك نجد أن قات القائد الفرنسي بيير لم تكن مزودة بعدد كبير من الجنود ولولا المساعدات التي قدمت له من قبل حكام رينيون لهلك مع جنوده (5) والواقع أنه وجه الكثير من النقد لحملة 1883-1885 لأنها أنهكت الجنود الفرنسيين (6).

بعد توقيع المعاهدة عين لي ميردي فيليه (1) ممثلا لفرنسا في تاناناريف واصبحت ديجو بواريز مستعمرة فرنسية فعمل على تثبيت نفوذ بلاده فقام بدراسة السلالات والثروات الطبيعية في الجزيرة وقام المهندس الفرنسي سوبر بي بمد خط حديدي بين تاناناريف وتاماتاف كما قام استيب بدراسة السلالات والبلاد (2).

ولكن لم يعد مقبولا استمرار المنافسة البريطانية الفرنسية في الجزيرة وخاصة بعد توقيع معاهدة 1885، وكان لابد من وصول الدولتين الى اتفاق لحسم النزاع فيما بينهما، فتم توقيع اتفاق 5 أغسطس 1890 بين الدولتين اعترفت فيه فرنسا بنفوذ بريطانيا في زنجبار، وكان معنى ذلك الاتفاق أن تكف كل من الدولتين عن مضايقة الاخرى في مناطق نفوذها (3).

كذلك عملت فرنسا على الاتفاق مع ألمانيا فارسل السفير الفرنسي في برلين الى وكيل وزارة الخارجية الألمانية بيير ستين في نوفمبر 1890 بأن ألمانيا اذا اعترفت بالحماية الفرنسية على مدغشقر فان فرنسا لن تعترض على ضم ألمانيا للجزء الشرقي من القارة من أملاك سلطان زنجبار وجزيرة مافيا، وسيكون لرعايا الجزء ألمانيا في مدغشقر حق التجارة وحسن المعاملة من قبل فرنسا، كذلك يكون لرعايا فرنسا في زنجبار نفس الحقوق وكان رد الحكومة الألمانيا بأنها لن تعترض على اعلان الحماية الفرنسية على مدغشقر مادامت الحكومة الفرنسية لن تعترض بدورها على الحماية الألمانية في زنجبار ومافيا (4).

ورغم موافقة بريطانيا على عقد اتفاق 5 أغسطس 1890 الا أن اللورد سولسبوري اعرب عن تخوفه من مقاومة الهوفا للحماية الفرنسية ولكن ديتورينل المسئول الفرنسي في لندن أكد له أنه لا محل لهذه المخاوف وأن عملية المقاومة من قبل الوطنيين لا تنصب على الفرنسيين فحسب بل تنصب أيضا على المستعمرات البريطانية ايضا، كذلك أبدى سولسبوري تخوفه على مستقبل البعثات التنصيرية البروتستانتية، حيث تعرض لضغط من قبل رجال الدين في بريطانيا الا أن ديتورنيل أكد له حماية فرنسا لرجال الدين البريطانيين وضمان سلامتهم، والواقع أن سولسبوري كان يقع عليه بالفعل ضغطا كبيرا من قبل أعضاء مجلس النواب البريطاني وكان لرجال الدين المسيحيين صوت مسموع في بريطانيا ولكنه في النهاية واحتراما للاتفاق المعقود بين الدولتين في عام 1890 أصدر أوامره الى القناصل البريطانيين في مدغشقر بعدم الدخول في علاقات مع الهوفا الا بواسطة الممثل الفرنسي (1).

ولكن يتم الالتزام بهذه الاوامر من قبل بعض القناصل البريطانيين مثل الصراع بين القنصل البريطاني بيكر سجيل والفرنسيين الذين اتهموه بتقديم المساعدات للهوفا ويحثهم على ضرورة مقاومة الفرنسيين، ولذلك طالب السفير الفرنسي في باريس من الحكومة البريطانية استدعائه، فوافق اللورد سالسبوري (2). وكان لاستعداء بيكر سجيل صدى طيب في باريس الا أن الموقف كان عكس ذلك في بريطانيا فقد وجه اللوم الى اللورد سالسبوري لأنه ظهر بصورة الحريص على ارضاء فرنسا وتحقيق رغباتها (3) وفي والواقع ان استدعاء القنصل البريطاني أكد لملكة الايمرينا أن بريطانيا لن تقدم لهم يد المسعادة بعد اليوم (4).

وكان استدعاء بيكر سيجيل أمرا طبيعيا لأن بريطانيا بتوقيعها اتفاق 1890 مع فرنسا حسمت الخلاف حول جزيرة مدغشقر ولكن الملكة رانافالونا الثالثة استدعت بيكر سيجيل قبل رحيله الى لندن واعطته رسالة خاصة الى ملكة انجلترا كذلك سلمه رئيس وزرائها رسالة الى سالسبوري يطالب فيها الحكومة البريطانية بالتدخل لصالح حكومة الهوفا، وقد قام سالسبوري باطلاع السفير الفرنسي على هذه الرسالة في مارس 1892 مؤكدا له حسن نوايا بريطانيا (1).

عملت فرنسا بعد اتفاق 1890 على اقامة محاكم فرنسية في البلاد وأدخلت الاصلاحات القضائية والمائية والاددارية وكانت الحكومة البريطانية حريصة على التأكد من أن هذه الاصلاحات لن تمس مصالح رعاياها من تجارة أو رجال دين فطالب اللورد سالسبوري بأن تكون المحاكم الفرنسية في مدغشقر على غرار المحاكم الفرنسية في تونس الا أن وادنجتون السفير الفرنيس في لندن أوضح له أن هناك اختلاف كبير من الناحية الحضارية والمدنية بين تونس ومدغشقر، وأكد له أن البريطانيين لن يصيبهم أي ضرر من التحاكم أمام المحاكم الفرنسية أسوة بالفرنسيين في زنجبار الذين يحاكمون أمام المحاكم البريطانية وكأنه يذكره بالاتفاق المعقود بين الطرفين (2). وقد أقر اللورد سالسبوري في النهاية سلطة المحاكم الفرنسية في مدغشقر (3).

لم تحاول كلا الدولتين الاهتمام بمصالح أهالي البلاد الأصليين وانما اهتمت كل منهما برعاية مصالح مواطينها والعمل على توفير أفضل السبل لهم أثناء اقامتهم في الجزيرة فتجاهلتا بذلك الشعور الوطني لدى سكان الجزيرة كذلك لم تعد الحكومة البريطانية تهتم بذكر مصالح مملكة الايمرينا وسكانها من الهوفا.

ناقدت الصحف البريطانية نفسها فبعد أن كانت تشن الهجمات على سياسة فرنسا بدأت تثني على سياستها في مدغشقر ولكنها بين الحين والآخر كانت تطالب الحكومة البريطانية بضمان حرية العمل للبعثات التنصيرية البريطانية في الجزيرة، وتبدي تخوفها من نفوذ حكام ريونيون بأن يعملواعلى استبعاد البريطانيين من الجزيرة، ولكن الحكومة الفرنسية كانت تسارع بتبديد هذه المخاوف وتقدم الوعود والضمانات للبعثات التنصيرية البريطانية في الجزيرة وللتجار البريطانيين (4).

وبعد أن أمنت فرنسا نفسها بتوقيع اتفاق 1890 مع بريطانيا وحصولها على موافقة ألمانيا على فرض الحماية الفرنسية على مدغشقر بدأت جولة ثانية لوضع يدها نهائيا على الجزيرة وكان هانوتو من أنصار احتلال الجزيرة فكتب الى حكومته عن أهميتها الاستراتيجية لتأمين طريق المحيط الهندي وامكانية استيعابها الأيدي العاملة الفرنسية، وتكونت لجنة في باريس من ممثلي وزارات الخارجية والمستعمرات والبحرية والحربية لبحث الموقف ووضع تقدير عن المنطقة وأيد التقرير بطبيعة الحال احتلال الجزيرة (1) واتخذ البرلمان الفرنسي قرارا باحتلالها في 23 نوفمبر 1894 بعد خطبة طويلة ألقاها هانوتو موضحا أهمية مدغشقر وتم الاتفاق على رصد مبلغ 65 مليون فرنك للحملة وعهد الى القائد الفرنسي دوشن بقيادتها (2).

وقد وصلت الحملة الى مدغشقر فأرسل اليها حكام ريونيوم المساعدات اللازمة، وتم احتلال تتاماتاف في 12 ديسمبر 1894 وماجونجا في 15 يناير 1895 (3) وأصدرت الملكة رانافالونا الثالثة تعليماتها باعلان الحرب المقدسة ضد الفرنسيين، ولكن القوات الفرنسية بدأت تقدمها نحو عاصمة الهوف تاناناريف، ولم يكن هذا التقدم يسيرا فمملكة الايمرينا مشيدة فوق منطقة جبلية مرتفعة وعرة يفصلها عن الساحل مجموعة من الغابات التي يصعب اختراقها ولذلك كان تقدم القوات الفنسية صوب العاصمة عملا شاقا، فتعرضوا لهجمات الهوفا عليهم، واذا كانت القوات الفرنسية مجهزة ومدربة الا أن قوات الهوفا كانت أيضا على جانب كبير من التنظيم العسكري فقد تدرب الجنود على أساليب القتال الاوروبية مستخدمين الأسلحة الحديثة، ويرجع السبب في ذلك الى وجود الاوروبيين منذ فترة طويلة في مملكة الهوفا (4).

وقد حافظت رانافالونا الثالثة على رباطة جأشها فتحدثت الى الشعب وطلبت منه ضرورة العمل على تحقيق النصر على الفرنسيين وأنها واثقة من قدراتها فألهبت حماس الهوفا وقام الثوار بطلاء وجوههم باللون الأحمر دليلا على اصرارهم على القتال لآخر رمق (1).

ولكن في 30 سبتمبر 1895 بدأت القوات الفرنسية في احراز المزيد من الانتصارات واستولت على تانانا ريف وأجبرت الملكة في اكتوبر 1895 على توقيع معاهدة الحماية (2).

ورغم احتلال تاناناريف واجبار الملكة على توقيع معاهدة الحماية الا أن الثورة اندلعت في الجزيرة وأصدرت الملكة تعليماتها بالتزام الهدوء الا أن الثوار هاجموا العاصمة نفسها في مارس 1896 وتم قطع خطوط البرق وذبح بعض الأجانب وازداد الموقف خطورة بانضمام جماعات الساكالافا الى الثوار وكانوا قد قبلوا الحماية الفرنسية من قبل، وقطع الثوار المواصلات في ماجونجا فتم تعيين القائد الفرنسي جالليني (3) لاحلال السلام في مدغشقر (4).

وفي يونيو 1896 اضطر القواد الفرنسيين الى الاعتراف أمام البرلمان الفرنسي بأنه رغم دخولهم تناناريف الا أنه لم يتم اخضاع مدغشقر بعد، بسبب شدة مقاومة أهلها (5). ولذلك اصدر البرلمان الفرنسي قانوان في 6 أغسطس 1896 بتحويل مدغشقر والجزر التابعة لها الى مستعمرة فرنسية وتم نشر ذلك في الصحيفة الفرنسية في 9 أغسطس (6).

وقد لجأ جالليني منذ وصوله الى مدغشقر الى استخدام العنف مع الوطنيين فأعدم اقارب الملكة في اكتوبر 1896 كذلك ألغى الملكية في 28 فبراير 1897 وقام بنفي الملكة رانافالونا الثالثة الى ريونيو (7) وأصدر أوامره للقواد الفرنسيين باستخدام العنف وارتكب الجنود الفرنسين الفظائع وقاموا بذبح الثوار حتى بعد استسلامهم واستمرت عملية اخضاع الجزيرة الثائرة من 1897-1904 حتى أعغلن جالليني استكمال غزو الجزيرة (1).

هذا وقد قسم جالليني الجزيرة الى عدة مراكز ليسهل ادارتها ووضع على كل مركز قائد فرنسي. وقد أحكم بذلك سيطرته على المناطق الساحلية والداخلية من البلاد، وربط المناطق الداخلية بالساحل، وربط العاصمة تاناناريف بالمناطق الساحلية، فمد خطا حديديا منها حتى ديجوسواريز، وأجبر السكان على المل لمدة خمسين يوما كل سنة لخدمة المصالح الفرنسية، وفرض هذا القانون على كل الرجال من سن 16 سنة حتى سن 60، كما شجع على زراعة حاصلات زراعية معينة كالأرز والبن والمطاط، وعمل على تنشيط صناعة المنسوجات واحتكر الصناعة والزراعة، وأقام في ديوا سواريز قاعدة بحرية وصناعية (2).

وأصدر جالليني في 18 يناير 1897 قرارا بجعل الفرنسية هي اللغة الرسمية في الجزيرة واعتمد جالليني على ضباط ومديرين من ذوي النزعة الاستعمارية أمثال ليوتي (3)، ورغم أن جالليني نجح الى حد كبير في اخماد الثورات الوطنية وفي قتل ونفي الزعامات الوطنية من البلاد مدعما بذلك نفوذ فرنسا في مدغشقر، الا أنه ظهرت في فرنسا اعتراضات على اجبار المواطنين على العمل والسخرة ونددت بعض الجمعيات الانسانية بسياسة جالليني في الجزيرة، وأعلنت أن وضع الوطنيين في مدغشقر لا يقل عن وضع العبيد (4).

وأخيرا نلاحظ أنه رغم اعتناق مملكة الايمرينا وشعب الهوفا المسيحية، الا أن ذلك لم يرحمهم من فظائع الغزو الفرنسي، وكان من سوء حظ الملكة رانافالونا الثالثة أنها عاصرت فترة من أحلك فترات تاريخ مدغشقر ففي عهدها تعرضت الجزيرة لحملتين فرنسييتين 1883-1885، ورغم أن الملكة قاومت الحملة الأولى بشجاعة، منطقة النظير وأخذت تحث الهوفا على المقاومة والقتال فلم يمكن الفرنسييين من احراز انتصارت حاسمة، الا أنها خلال الحملة الثانية ورغم مقاومتها لم تحقق انتصارات فعالة ضد القوات الفرنسية الزاحفة، ولكن المقاومة الوطنية استمرت مع ذلك في البلاد حتى بعد نفيها وذلك بفضل حماسها.

ثانيا:الحماية الفرنسية على جزر القمر

تقع جزر القمر (1) في شرق أفريقيا، بينها وبين شمالي جزيرة مدغشقر وعلى بعد متساو تقريبا من كلا الجانبين يقرب من 275 كم وعلى عتبة بحرية لا يزيد عمقها على 300 متر (2). وتتكون جزر القمر من أربع جزر وهي جزيرة القمر الكبرى وعاصمتها موروني، وانجوان وموهيلي ومايوت وعاصمتها اودزي، وقد ارتبطت هذه الجزيرة بمصير مدغشقر نظرا لوقوعها بالقرب منها، ولأنهاتقع في منتصف الطريق بينها وبين القارة الأفريقية، واللغة العربية هي اللغة السائدة الى جانب اللغة السواحيلية التي تستعمل في الحياة اليومية (4).

وعلى الرغم من وصول البرتغال (5) الى جزيرة القمر الكبرى، الا أن الاوروبيين فضلوا الاستقرار في بداية الأمر في موزمبيق. ولكن هذا لا يعني أنهم انقطعوا عن زيارة الجزيرة، فقد زارها في القرن السابع عشر العديد من الرحالة (6) الذين انتموا لجنسيات مختلفة. على أن من أهم هؤلاء الرحالة خلال هذه الفترة من سلالات عربية، وفارسية، وزنجية، زار فلاكور جزيرة مايوت أيضا، فوصف الشواهد العربية فيها، وبينها وبين مدغشقر، وطلب فلاكور من حكومته ضرورة انشاء مستعمرة فرنسية في هذه الجزر، وأنه يمكن لفرنسا الاستفادة منها، وتحويلها الى مستعمرات فرنسية على غرار المستعمرات الأمريكية فمن الممكن زراعة القطن والطباق والبنجر فيها، وتوجيه السكان لزراعة أنماط زراعية معينة،’ وكتب فلاكور أنه رغم وجود أغلبية مسلمة بالجزيرة، إلا أنه من الممكن ارسال البعثات التنصيرية اليها (1).

واذا كان الرحالة الفرنسيون قد زارو جزر القمر خلال القرن السابع عشر والثامن عشر، الا أن السيطرة الفرنسية على هذه الجزيرة لم تتم الا منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى نهايته، بالاضافة الى أن حكام ريونيو لم يهتموا بهذه الجزر قد اهتمامهم بجزيرة مدغشقر.

ورغم وجود أغلبية مسلمة سنية في جزر القمر، إلا أنهم للأسف لم يحاولوا توحيد جهودهم ضد الغزو الفرنسي، بل انشغلوا في حروب أهلية طاحنة والبعض منهم طلب بنفسه فرض الحماية الفرنسية على مناطق نفوذه، وقد سقطعت جزر الكومور الأربع في يد فرنسا على التوالي ففي عام 1843 فرضت فرنسا حمايتها على مايوت وفي عام 1886 أعلنت حمايتها على موهيلي، وعلى جزيرة القمر الكبرى، وفي عام 1887 أعلنت حمايتها على انجوان.


أولا: اعلان الحماية على مايوت:

كانت مايوت هي أولى جزر القمر التي وقعت في يد فرنسا، وكانت هذه الجزيرة تتبع أمراء جزيرة انجوان، وقد جذبت الجزيرة أنظار العديد من الرحالة الاوروبيين الا أن وزارة المستعمرات الفرنسية لم تهتم بها الا في القرن التاسع عشر عندما لفت لابورد انظار حكومته اليها، وقد ذكرنا من قبل أن لابورد طرد من مدغشقر بعد أن عمل فيها فترة طويلة، فقد طردته الملكة رانافالونا الأولى بسبب تزايد نفوذه وتقربه من ابنها ولي العهد راداما الثاني، فاتجه لابورد الى جزيرة مايوت للاقامة فيها، وكتب الى الحكومة الفرنسية بضرورة فرض الحماية على هذه الجزيرة التي تمتاز بثرواتها الطبيعية، وموقعها الممتاز بالاضافة الى ان الظروف الداخلية في الجزيرة كانت مهيأة لذلك لأنه لم تكن هناك قوة سياسية كبيرة في البلاد، على عكس الحال بالنسبة لمدغشقر حيث كان الهوفا يسيطرون على أجزاء كبيرة من مملكة نشطة، ولها تكوينها السياسي المعروف (1).

ولقد ساعدت الظروف الداخلية في مايوت فرنسا على فرض حمايتها عليها ففي عهد الملكة رانافالونا الأولى اتسمت سياستها في جزيرة مدغشقر بالتوسع وضم أراضي جيرانها فتوسعت الى جزيرة مايوت وعينت السلطان اندريات صولي لحكم الجزيرة، ولكنه خشى أن ينافسه أخد في حكمها فطلب بنفسه من الفرنسيين وقبل تعليم أولاده في جزيرة بوريون الفرنسية، ووقعت المعاهدة في 10 فبراير 1843، وأصبحت مايوت مستعمرة فرنسية، فكان بذلك أول مستعمرة من بين جزر القمر (2) وانعزلت بذلك نهائيا عن انجوان (3).

كسبت فرنسا العديد من الفوائد باعلان حمايتها على مايوت، فقد أصبحت لها حقوق في المنطقة، واستطاعت خلال هذه الفترة المبكرة أن تستبعد من الجزيرة النفوذ البريطاني نهائيات، كذلك شبه الساسة الفرنسيون جزيرة مايوت بأنها تبدو وكأنها بندقية مصوبة في قلب مدغشقر ومملكة الهوفا وذلك لنظرا لقربها منها. وقد تم وضع مايوت تحت قيادة قائد فرنسي مستقل عن حكام بوريون (ريونيون) وأصبحت الجزيرة تمثل قاعدة بحرية هامة لها قيمتها بالنسبة لفرنسا، وعندما أراد الفرنسيون احتلال مدغشقر بعد أربعون عاما من فرض حمايتهم على مايوت، أفادوا من تواجدهم، واستخدموها في عملياتهم العسكرية والبحرية ضد مدغشقر (4).

ثانيا: جزيرة موهيلي:

كانت جزيرة موهيلي، تتبع أمراء انجوان شأنها في ذلك شأن مايوت ويسكن الجزيرة جماعات فارسية من شيراز، كذلك من مدغشقر إلا أن أغلب السكان كانوا على المذهب السني وذلك بسبب وجود سلالات عربية فيها، وقد انتشرت الحروب الأهلية في جزيرة موهيلي، حتى وقعت في يد أحد أقارب راداما الأولى – ملك الهوفا في مدغشقر وكان يدعى رامانانيكا الذي أصبح سلطانا على البلاد واعتنق الاسلام وسمى نفسه عبد الرحمن (1).

ونلاحظ مدى الصلات الوثيقة بين جزيرة مدغشقر وجزر القمر فهناك اتصال دائم بين الطرفين، وللأوضاع الداخلية في مدغشقر صدى في جزر القمر، فكما استقر راماناتيكا في جزيرة موهيلي في عهد راداما الأول، نجد أن أندريان صولي فر من مدغشقر واستقر في مايوت وذلك في عهد الملكة رانافونا الأولى التي اتبعت سياسة توسعية في مدغشقر.

ظل عبد الرحمن أو رامانانيكا يحكم موهيلي، حتى توفى عام 1842 وقد اتسمت فترة حكمه بالقوة وتدعيم نفوذه في الجزيرة، وقد تولت ابنته حكم الجزيرة بعد وفاته، مما أدى الى تزايد أطماع جيرانها في مملكتها وخاصة سلطان زنجبار السيد سعيد بن سلطان الذي تطلع لمد نفوذه نحو الجنوب واراد تدعيم سيطرته على موهيلي اما عن طريق الزواج من السلطانة الجديدة، أو عن طريق اعلان تبعية الجزيرة له، كذلك تطلعت مملكة الهوفا في مدغشقر لوضع يدها على موهيلي، وخاصة وأن حكامها ينتمون لأصول من مدغشقر، ونتيجة لتزايد أطماع جيران جزيرة موهيلي فيها لجأت الملكة الى البحث عن حليف لها يقيها من أطماع الطامعين في عرشها، فاتصلت بالفرنسيين وقربت اليها سيدة فرنسية من بوند شيري تدعى مدام دورية، والتي أصبحت من أقرب مستشاريها ، ثم دخلت الملكة في مفاوضات مع الفرنسيين وقبلت اعلان الحماية الفرنسية على أراضيها في عام 1849، ولكن رغم اقدام الملكة على هذه الحطوة لتأمين مركزها في الجزيرة إلا أن سلطان زنجبار والأمراء العرب لم يرضوا بذلك ونجحوا في اقناع الملكة والضغط عليها لتغير موقفها والتخلي عن استبقائها الفرنسيين في مايوت، فقامت الملكة باستبعاد مدام دورية عام 1851، ثم قبل بعد ذلك الزواج من ابن عم سلطان زنجبار الذي حكم قبضته على البلاد، ولكن سرعان ما ضاقت الملكة بتقيد سلطانها ولم تقبل أن يدين سكان جزيرة موهيلي بالتبعة لزنجبار فقامت بثورة ضد زوجها فر على أثرها من البلاد عام 1890 (1).

وجدير بالذكر أن الفرنسيين تزايد نشاطهم في موهيلي، فقد عمل لابورد فيها كما عمل في مايوت من قبل على أثر طرده من مدغشقر، وقد تعاون مع لامبير لاكتشاف ثروات البلاد، وأنشأ شركة موهيلي، واصبح لامبير مستشارا خاصة للملكة، ونجح في اقناعها بادخال حاصلات زراعية جديدة في البلاد وقد وافقت الملكة على جميع مطالبه فسيطرة على الزراعة والصناعة والنواحي المالية في الجزيرة، وتركت له الملكة توجيه شئون الجزيرة السياسية والاقتصادية (2).

ولكن الأمور لم تستقر في جزيرة موهيلي مما دفع سكانها الى تشكيل وفد منها لطلب الحماية المصرية من الخديوي اسماعيل ففي عام 1875، وصلت حملة ماكيلوب باشا حتى قسمايو وسواحل أفريقيا الشرقية، فرأى سكان موهيلي انتهاز هذه الفرصة وكونوا وفدا منهم لمقابلة المسئولين المصريين الذين نصحوهم بالكتابة الى الخديوي وزيارة مصر لعرض طلبهم هذا (3).

ونتيجة لعدم استقرار الامور في موهيلي أجبرت الملكة على التنازل عن الحكم لابنها بعد فترة من الاضطرابات التي شهدتها الجزيرة في أعقاب طرد زوجها من البلاد، ولكن تعيين حاكم جديد في موهيلي لم ينه الاضطرابات بها، وعجز مجلس الوزراء عن السيطرة على الموقف فطلب من فرنسا اعلان الحماية الفرنسية على موهيلي وتم عقد معاهدة الحماية في 26 أبريل 1886، وهكذا نلاحظ ان اضطراب الأوضاع الداخلية في كل من مايوت وموهيلي دفع سكانهما لطلب الحماية الفرنسية (1).


ثالثا:جزيرة القمر الكبرى:

أما جزيرة القمر الكبرى فقد كانت مقسمة في زمن السيطرة الاستعمارية الى اثنى عشر مقاطعة كل منها عليه سلطان وأكبرهم يلقب باسم سلطان تيبه، يخضع له جميع السلاطين، وكان صاحب هذا اللقب هو السلطان أحمد الذي تولى الحكم منذ عام 1850 وحكم عاصمة الجزيرة موروني، ولكنه دخل في حروب أهلية مع جيرانه وأوصى بالحكم لابن أخيه السيد علي، ولكن مضى السلاطين رفض تنفيذ هذه الوصية بعد وفاته وتنصيب السيد علي سلطانا على جزيرة القمر الكبرى، واتجه البعض منهم الى الأمير موسى فومو سلطان مقاطعة ايتساندرا الذي رحب أن يكون هو صاحب لقب السلطان تيبه، فدارت الحرب بين الطرفين وهزم موسى، ويرجع السبب في انتصار السيد علي على منافسه المساعدات التي قدمها حكام انجوان وموهيني كذلك حكام مقاطعة بادجيني (2).

هذا وقد حاولت بريطانيا الافادة من الموقف في جزيرة القمر الكبرى فعرضت على السيد علي فرض حمايتها على السكان ولكنه رفض، وطلب المساعدة من الفرنسيين في مايوت ، فعرض عليه القائد الفرنسي فرض الحماية الفرنسية على بلاده، وقد لاحظ السلطان خلال هذه الفترة تزايد المنافسة الاوروبية في ساحل شرق أفريقيا وخاصة في زنجبار وتطلعت الدول المنافسة الى الجزر القريبة من هذا الساحل فطلب الألمان في زنجبار من السيد علي رفع العلم الألماني على جبال فومبوني ولكنه رفض، كذلك قرب اليه البريطانيون في زنجبار، أما فرنسا فقد قامت بارسال العالم الفرنسي همبلو في مهمة علمية وسياسية الى الجزيرة الغرض منها اكتشاف الجزيرة والتعرف على أوضاعها السياسية، وقد أفاض همبلو في وصف ثروة الجزيرة وخصوبة أراضيها وامكانية افادة فرنسا منها، وخلال فترة وجوده في الجزيرة عاد الأمير موسى فومو لمنافسة السيد علي، وعمل على طلب الحماية الفنسية من همبلو (1).

اتفق همبلو على نصوص معاهدة الحماية في 5 أكتوبر 1885 مع السيد علي الذي تعهد بقبول الحماية ، وعدم الاتفاق مع أية دولة اوروبية الا بعد مشورة فرنسا، وان يكون لفرنسا الامتياز والافضلية في الجزيرة على غيرها من دول اوروبا، كما أعطى السيد علي لهمبلو الحق في استغلال أراضي الجزيرة، وأصبح السيد علي بمقتضى المعاهدة سلطانا على خمس مقاطعات (2). وحكم العاصمة موروني، كذلك تعهد بعدم اعلان الحرب الا بعد موافقة فرنسا (3).

اعترفت الدولتان البريطانية والألمانية بالمعاهدة التي وقعها همبلو مع السيد علي، الذي وقع هو الآخر معاهدة الحماية في أول يناير 1886 (4).

وفي عام 1886 عين ويبر معتمدا فرنسيا في الجزيرة فدار صراع بينه وبين همبلو، واعتبر الأخير نفسه أحق من غيره لتولي ادارة الجزيرة، لأنه صاحب الفضل في استثمارها، وهو الذي لفت نظر الحكومة الفرنسية لها، كذلك لصلاته القوية مع السيد علي سلطان الجزيرة، بل أن شجع السلطن على غزو الجزيرة كلها وعدم الاكتفاء بالمقاطعات التي يحكمها (5).

أثارت المعاهدة التي وقعها السيد علي الوطنيين واتهموا السلطان بأنه جاء بالفرنسيين الى الجزيرة لاذلالهم فقامت ثورة في عام 1899 في مقاطعة بادجيني والتي كانت موالية للسلطان من قبل وتزعم امير يدي شيمون ولكن فرنسا نجحت في اخماد الثورة وقتل الأمير الثائر.

ولكن سرعان ما اندلعت ثورة أخرى في عام 1890 واضطر السيد علي الى الفرار ليلا من الجزيرة الى جزيرة مايوت في 13 فبراير 1891 حملته اليها سفينة فرنسية حاول الفرنسيون اقناع الأهالي بأن فرنسا ما زالت تعترف بالسيد عليى سلطانا على الجزيرة الا أنهم رفضوا الاستماع لهم فأرسلت فرنسا قوة صغيرة قمعت الثورة في 6 يناير 1892 عقدت فرنسا اتفاقا ألغت بموجبه السلطات الخمس وقسمت الجزيرة الى اثني عشرة مقاطعة وجعلت على كل مقاطعة قاضي، وعلى رأس كل قرية شيخا وانتقلت السيادة التي كانت للسلطان الى مجلس القضاة الذي ينعقد بحضور المقيم الفرنسي (1) كما فرضت فرنسا ضريبة على السكان من سن 12 الى 60 سنويا (2).

رغم كل الاجراءات التي اتخذتها فرنسا في الجزيرة الا أن الثورات لم تنقطع فيها، وجرت محاولة لقتل همبلو، فانتهز المقيم الفرنسي الفرصة، واتهم السلطان السيد علي رغم اقتناعه ببراءته، ولكنها كانت فرصة مثالية لنفيه والتخلص منه وقد تم نفيه الى ديجو سواريز في مدغشقر، ثم رينيون وبذلك انتهت فترة حكمه لينفرد الفرنسيون بالمنطقة (3).

رابعا: انجوان:

أما جزيرة أنجوان ، فقد كانت آخر جزيرة من جزر القمر، التي فرضت عليها الحماية الفرنسية في عام 1887، وقد تمكن فرنسا من تحقيق غرضها بسهولة في هذه الجزيرة بسبب انتشار الحروب الأهلية. فقد دار صراع عنيف بين علوي بن عبد الله حاكم انجوان ، وعمه سالم الذي عمل على محاصرتها في موتسامودو، وتحالف مع راماناتيكا (عبد الرحمن) حاكم موهيلي، ولم يتمكن علوي من التصدي لعمه فهرب الى جزيرة القمر الكبرى، ومنها الى موزمبيق، ثم استقر به المقام في موريشيوس حيث توفى بها عام 1842 (4).

ورغم انفراد سالم بالحكم في انجوان، إلا أن الأمور لم تستقم له، وذلك بسبب انتشار القوى والحروب الأهلية، فقام وفد من سكان الجزيرة بمقابلة القائد المصري رضوان باشا في 27 نوفمبر 1875 أثناء تواجد القوات المصرية في شرق افريقيا وطلبوا منه دخول الجزيرة تحت الحماية المصرية (1).

وفي الواقع كانت الحكومة المصرية وخلال هذه الفترة مشغولة بتدعيم سطيرتها على ساحل شرق افريقيا، أكثر من اهتمامها بهذه الجزيرة الصغيرة.

وتوفى سالم ليخلفه في حكم انجوان ابن عمه عبد الله الذي تقرب من البريطانيين ووقع معهم معهدة في عام 1882، نصت على الغاء تجارة الرقيق في انجوان، ولكن ترتب على توقيعه هذه المعاهدة ثورة التجار ضد عبد الله، لأنه هذه التجارة مثلت لهم مصدر رزق، فاندلعت الحروب الأهلية من جديد في انجوان واضطر عبد الله للابقاء على عرضه الى طلب الحماية الفرنسية على الجزيرة (2).

وتم توقيع معاهدة الحماية الفنرسية على انجوان في 15 اكتوبر 1887 تعهد حكام الجزيرة بقبول ممثل فرنسي في أراضيهم، وأعطوا لفرنسا حق انشاء المدارس، كما أعطت المعاهدة للممثل افرنسية حق التجارة في المنطقة، وقبل السلطان فتح الجزيرة لرجال الأعمال، والتجار الفرنسيين وتشكيل محاكم فرنسية للتقاضي فيها، كذلك الاعتراف بحقوق الأجانب الذين استقروا في الجزيرة منذ فترة طويلة، وحرية الملاحة، واستقبال السفن الفرنسية، كذلك تعهد السلطان بعدم نقل الأسلحة الى بلاده ومنع تجارة الرقيق (3).

وافق اذن عبد الله بن سالم على قبول الحماية الفرنسية ، ولكنه رفض عرض قدمه ترويل المعتمد الفرنسي بأن تكون الادارة الداخية في الجزيرة في يد فرنسا، واعتبر ذلك مساسا بحقوقه، واندلعت الثورة في انجوان وقام المسلون بمهاجمة مقر المعتمد الفرنسي وأهانوا العلم الفرنسي ، ثم توفي عبد الله ليخلفه أخاه عثمان فاندلعت الثورة في انجون والحروب الأهلية من جديد لأن أهالي موتسا مودو والعرب بايعوا السيد سالم بن عبد الله، بينما بايع الزنوج عثمان، واضطر سالم الى الفرار الى دوموني فتعقبهم عثمان وقبض على ابن اخيه سالم، وخلال فترة الحروب الأهلية بين عثمان وابن أخيه أفادت فرنسا من الموقف فأنزلت جنودها الى الجزيرة وقامت بنفي كل من عثمان وسالم الى نيو كاليدونيا (1)، ونصب الفرنسيون السيد عمر أميرا على انجوان فعين حاكما عليها في الفترة ما بين 1891-1892 وأعلن في 21 أبريل 1892 قبوله الحماية الفرنسية (2)، تلك الحماية التي وافق عليها من قبل السلطان عبد الله بن سالم.

ونلاحظ أنه على الرغم من فرض الحماية الفرنسية على انجوان وقبول السلطان عبد الله بن سالم توقيع معاهدة مع الفرنسيين بهذا المعنى في عام 1887، الا أن السلطان الجديد السيد عمر الذي نصبه الفرنسيون على الجزيرة بعد فترة الحروب الأهلية اعترف هو الآخر بهذه الحماية مرة ثانية في عام 1892، مؤكدا حق فرنسا في المنطقة فدفع لهم بذلك ثمن تنصيبه سلطان على بلاده.

رغم وجود أغلبية مسلمة في جزر القمر الأربع، الا أنه للأسف لم يكن لهم دور فعال في مقاومة النفوذ الفرنسي فلم يحاولوا تنظيم أنفسهم، وانما انشغلوا جميعا بالحروب الأهلية فيما بينهم، كذلك لا نجد في جزر الكومور تنظيما سياسيا قويا كالذي وجدناه في مدغشقر.

عند ختام الحديث عن جزر القمر، نذكر أنه صدر قرارا في عام 1912 أصبحت بموجبه هذه الجزر مستعمرة فرنسية وكانت محميات من قبل باستثناء مايوت. ثم ألحقت هذه الجزر بمدغشقر، وبقيت تتبعها لمدة عامين حتى عام 1814، ثم عادت مستعمرة منفصلة واستمر ذلك الوضع حتى ما بعد الحرب العالمية الثانية (3).

وكغيرها من المستعمرات الفرنسية لم يكن لجزر القمر الحق في ارسال مبعوثين الى البرلمان الفرنسي، وانما كان له ممثل خاص في مجلس المستعمرات الأعلى، وكان فرنسيا من أصحاب الأملاك المستعمرين في تلك الجزر، وبدأت هذه الجزيرة تأخذ طريقها للاصطباع بالصبغة الفرنسية كغيرها من المناطق التابعة لفرنسا (1).


ثالثا: الصومال الفرنسي

تكوين مستعمرة الصومال الفرنسي

مستعمرة الصومال الفرنسية، هي المستعمرة التي كونتها فرنسا في شرق افريقيا والتي شملت أوبوك وجيبوتي والأراضي المحيطها بهما.

ويلاحظ أن الاستقرار الفرنسي فيها، لم يخل من منافسة بينهما وبين الدول الاوروبية وخاصة من جانب ايطاليا وبريطانيا، فقد شهدت سواحل الصومال منافسة دولية خاصة بعد قيام الدول المهدية واجبار مصر على اخلاء سواحل شرق أفريقيا، فقد استطاعت مصر في عهد الخديوي إسماعيل (1)، أن تثبت أقدامها في المناطق الهامة على البحر الأحمر وفي سواحل أفريقيا الشرقية، قبل أن تسبقها الدول الاستعمارية بل أن السياسة المصرية كانت ترمي الى بسط السيطرة المصرية على سواحل البحر الأحمر الغربي كله، وعلى الساحل الأفريقي الشرقي المواجه للمديرية الاستوائية (2) وأعلنت ذلك في معاهدة 1877، وامتدت السيادة المصرية الى رأس جردفون ثم راس حافون جنوب المحيط الهندي وأخذت بريطانيا على مصر عهدا بأن تتنازل لدولة أجنبية على أي جزء من تلك البلاد (3).

وقد علل سالسبوري اعتراف بريطانيا بنفوذ مصر في هذه المناطق بقوله: "ان هذه الخطوة هي الأمان الوحيد لنا ضد أطماع الدول الاوروبية التي تطمع في وضع يدها على الجزء المواجه لعدن في ساحل أفريقيا (4)".

ولكن الدول الاوروبية سرعان ما عملت ما عملت على اقتسام المنطقة، فكونت ايطاليا مستعمرة ارتريا بفضل جهود المبشرين الايطاليين وأشهرهم سابيتو الذي اراد أن يكون لايطاليا نفوذ كبير في البحر الأحمر واستطاع في عام 1869 أن يستأجر ميناء عصب في ساحل اريتريا، وفي يوليو 1882 اقر البرلمان الايطالي احتلال عصب وما كانت ايطاليا تثبت أقدامها في المنطقة، حتى أسرعت بمد سلطانها شمالا وجنوبا منتهزة فرصة انسحاب المصريين من بيلول فأرسلت فرقة من رجال البحرية الايطالية احتلها في 25 يناير 1885، ثم اتجهت انظار الايطاليين الى ميناء مصوع ، فهو مخرج طبيعي لاقليم الحبشة الشمالية، فوضع يدها عليه، وردد مانشيني أن مفاتيح البحر الأبيض هي في الحقيقة في البحر الأحمر ، وفي عام 1890 أصدرت الحكومة الايطالية مرسوما بتوحيد الممتلكات الايطالية في البحر الأحمر باسم ارتريا (1).

كذلك كونت ايطاليا ما عرف بالصومال الايطالي وشمل الأراضي الواقعة على الجزء الجنوبي من اوبيا، وقد أجبرت ايطاليا الشيوخ المحليين على توقيع عدة اتفاقات معها لفرض الحماية على أراضيهم، وفي عام 1889 وضع سلطان أوبيا أراضيه تحت الحماية (2).

أما بريطانيا فقد كونت ما عرف بالصومال البريطاني الذي تكون من بربره، وزيلع وبلحار بعد أن أجبرت مصر على اخلاء السودان (3).

وجدير بالذكر أن فرنسا وافقت على احتلال ايطاليا لارتريا، فقد حاول السفير الايطالي أن يشرح أمام وزير الخارجية الفرنسية أسباب تدخل الحكومة الايطالية في مصوع فذكر الجنرال منابريا لفري أن ايطاليا لم يكن لها غرض عندما أنزلت قواتها في نقط معينة من الساحل الأفريقي للبحر الأحمر الا أن تضمن بهذا الاحتلال الموقت المحافظة على النظام، فانتهز جول فيري الفرصة، وطلب الى ديكوية سفير فرنسا في روما أن يبلغ الحكومة الايطالية أن فرنسا قد أخذت علما بهذه التصريحات التي تحدد الحالة الناتجة عن ارسال قوات عسكرية ايطالية على السواحل الغربية للبحر الأحمر، وهكذا حدد جول فري حرية عمل الايطاليين في هذه المناطق لأنه اتضح بالفعل أن الايطاليين استقروا في المنطقة وكأنهم سيصبحون السادة الفعليين فيها (1)

كما تم الاتفاق بين الدولتين على تحديد الصومال الايطالي بتوقيع بروتوكل في روما في 10 يوليو 1901 (2).

أما عن الصومال الفرنسي فمنذ تأسيس شركة الهند الشرقية الفرنسية وفرنسا تحاول العمل بنشاط في شرق أفريقيا، وحذت حذوها الشركات التجارية الفرنسية. حتى أن بريطانيا عندما بدأت علاقتها بشرق أفريقيا وجدت أن اللغة الفرنسية معروفة في زنجبار، وكلوه وغيرها من موانئ أفريقيا الشرقية نتيجة الاحتكاك الطويل مع التجار الفرنسيين (3).

وكانت الحملة الفرنسية على مصر واتجاه فرنسا للتوسع في الشرق الأدنى ومحاولاتها الاستيلاء على بلاد الشام بالأمراء العرب في الخليج بمثابة الخطر الذي نبه بريطانيا بضرورة العمل على القضاء على محاولات فرنسا وتقوية النفوذ البريطاني في البحار الشرقية وبصفة عامة عند مدخل البحر الاحمر والخليج العربي بصفة خاصة وهذا هو تصور السياسة البريطانية في القرن التاسع عشر (4).

وقد تبلور اهتمام فرنسا بساحل البحر الأحمر المطل على خليج عدن فكونت ما عرف بالصومال الفرنسي، والواقع أن هذه المستعمرة أفادت منها فرنسا لموقعها الهام فقط فهي مستعمرة صغيرة فقيرة الموارد، بها ساحات كبيرة قاحلة، تكثر بها المرتفعات مثل مرتفعات بارادين في الجنوب، وهضبة ويما في الوسط، ومرتفعات جماراداكا ويتخلل هذه المرتفعات بعض المنخفضات التي يشغل بعضها البحيرات مثل بحيرة أبي وعسل في الجنوب الغربي، وتنتشر المصهورات البركانية التي تغطي بعض المناطق المنخفضة والحافات المرتفعة (1). والمناطق المأهولة فيها تتركز حول تاجورة وجيبوتي وكان من الصعب على الفرنسيين استغلال ثروة البلاد بسبب وعورة الأرض، ونظرا لضعف موارد المستعمرة عبر عضو البرلمان الفرنسي دي لانسيو عن رايه في عام 1884 ، أن فرنسا لن تستفيد شيئا من هذه الأراضي (2).

ولكن كان للحكومة الفرنسية راي آخر، لأنها اهتمت بهذه المنطقة المطلة على خليج عدن، ووضعت مشروعا تجاريا لانشاء محطة تجارية فيها منذ منتصف القرن التاسع عشر، وذلك لموقعها الاستراتيجي الهام، ولذلك نشطت الشركات التجارية الفرنسية في المنطقة مثل شركة نانت الفرنسية، التي كانت ملك لأحد الفرنسيين وهو كومب الذي أندى نشاطه في ساحل البحر الأحمر الغربي الى انزعاج شركة الهند الشرقية البريطانية التي رأت في استقرار دولة أجنبية مثل فرنسا على الشاطئ المقابل لمستعمرة عدن يضر اضرارا بالمصالح البريطانية، ولذلك عملت الشركة على تكليف الكابتن هينز حاكم عدن بالعمل على احتفاظ بريطانيا بمركز ممتاز بين سكان الشاطئ الأفريقي المواجه لعدن سواء عن طريق الوسائل السياسية أو عن طريق الوسائل التجارية أو عن طريقهما معا، وعلى ذلك فقد اتجهت بريطانيا أيضا بأنظارها الى ساحل الصومال لرصد نشاط فرنسا (3)، التي واصلت ارسال البعثات مثل بعثة كومب، وتموسيير في الفترة ما بين 1853-1837 وبعثة فريه، وجالليني ، وروجيه في الفترة ما بين 1839-1842 وأفادت فرنسا من هذه البعثات في ادعاء حقوق لها بالمنطقة، وفي الفترة ما بين 1838-1848 تجول في أراضي شرق أفريقي أنتوان دايدي فكان من أوائل الفرنسيين الذين زاروا أثيوبيا وكتب عن عادات السكان وعن اكتشافاته في المنطقة ودعا حكومته الى ضرورة الاهتمام بشرق أفريقيا (4).

ولكن أهم هذه البعثات كانت بعثة هنري لامبير التي وصلت الى خليج تاجورة وعمل لامبير على ايجاد خط ملاحي بين عدن وموريشيوس، ونجح في ذلك وفي عام 1857 عين لامبير ممثلا وقنصلا لفرنسا في المنطقة وقد قدم خدماته الى أبي بكر أحد زعماء تاجورة الذي وافق على اعطاء فرنسا ميناء تاجورة والبلاد التابعة له ولكن تسليم الميناء لم يتم لان حاكم زيلع قتل لامبير أثناء استعداده للرحيل الى فرنسا في 4 يونيو 1859 فأحدث مقتله صدى كبير في فرنسا وأرسل نابليون الثالث الأدميرال فلريو الى المنطقة للقبض على القتلة والجناة فانتهز الفرصة، وعمل على التجول في المنطقة وعلى تأكيد حقوق فرنسا التي حصلت عليها في خليج تاجورة بفضل جهود لامبير (1). وقررت حكومة فرنسا انزال العقاب بالجناة الذين قتلوا لامبير واتهمت الشيخ علي شرماكي حاكم زيلع فبض عليه وحكم على أهل زيلع بدفع دية لاسرة لامبير ثم عين القائد الفرنسي فلريو أبا بكر ابراهيم حاكما على زيلع (2).

وحين كان فلريو دي لانجل يقوم بمهمة القبض على شرماكي، بعث اليه بعض الشيوخ يطلبون منه أن يشملهم نابليون بحمايته، وأبدى الدناقل نفس الرغبة ولذلك اصطحب دي لانجل معه، أحد ممثلي الدناقل ويدعى ديني أحمد أبو بكر، سلطان رهيطة حيث أبرمت الحكومة الفرنيسة معه في 11 مارس 1862، معاهدة نصت على أن يتنازل شيوخ الدناقل وعلىوجده الخصوص ديني سلطان رهيطة للامبراطور نابليون الثالث عن ميناء اوبوك وخليجه، بالاضافة الى المنطقة الممتدة من رأس علي جنوبا الى رأس دوميرا شمالا في مقابل 10.000 تاليزي، كما نصت المعاهدة على أن يوافق شيوخ الدناقل ويتعهدوا باطلاع المسئولين الفرنسيين في اوبوك على أي عرض يقدم اليهم ولا يلقى قبولا من الحكومة الفرنسية (3).

وفي 20 مايو 1862 حصلت فرنسا على أبوك واقامت مركزا فيها وتم رفع العلم الفرنسي عليها (4).

وجدير بالذكر أن حاكم عدن البريطاني بلايفير احتج وذكر أن الفرنسيين استولوا على أراضي تابعة للامبارطورية العثمانية وانه اذا كانت تركيا لا تباشر سيطرتها عن طريق رفع علمها وارسال أحد موظفيها الرسميين، فان أحد لا يستطيع أن يذكر أنها الدولة صاحبة السيادة على كل الأراضي، وردد والى الحديدة أحمد باشا نفس العبارات ، مؤكدا السيادة العثمانية على هذه المنطقة (1).

ولكن فرنسا طمعت ايضا في المنطقة الواقعة عند خليج عادولي، وسنحت لها الفرصة عندما طلب النجاشي من نابليون الثالث العون، في مقابل اعطاء فرنسا أراضي على الساحل، وارسل نابليون في 13 اكتوبر 1859 الكابتن روسل الذي وقع معاهدة مع النجاشي الذي أبدى استعداده للتنازل عن شاطئ خليج عادولي في مواجهة زيلع، كما زار روسل مصوع وعصب ثم أوبوك، وتاجورة (2) وأكد روسل بعد عودته الى فرنسا في عام 1860 أهمية تأكيد حقوق فرنسا في سواحل البحر الأحمر (3).

ورغم توقيع معاهدة روسل الا أن فرنسا رأت أن تاجورة هي المخرج الطبيعي للمنتجات وللتجارة القادمة من أراضي الشوا أقوى ممالك أثيوبيا، وانه من الأفضل لها دعم سيطرتها علىخليج تاجورة (4).

ورغم أن فرنسا اشترت أوبوك منذ عام 1862 لاقامة محطة بحرية فيها، الا أنها لم تستغل الموقع لعدة سنوات،واصلت السفن الفرنسية التردد على عدن للتزود بما تحتاج اليه، (5)، ولذلك دعى دنيس دي ريفور (6) في عام 1868 بلاده لتأكيد سيطرتها على اوبوك وخاصة وأنه قام بزيارة المنطقة، وكتب تقريرا بضرورة دعم السيطرة الفرنسية في المنطقة وطالب دنيس بانشاء مركز عسكري في أوبوك، كما كتب بأن فرنسا اذا أرادت تدعيم سيطرتها على الهند الصينية فلابد لها من أن تدعمها أولا في أوبوك، وقد أثمرت نداءات دي ريفور فتأسست في عام 1881 وكالتان تجاريتان في أوبوك، كذلك تأسست جمعية أوبوك الفرنسية وعلى رأسها بول سوليه (1) الذي وصل من أوبري الى اوبوك لانشاء محطة للفحم، خوفا من أن تقدم بريطانيا على عدم مساعدة فرنسا في الزود بالفحم من عدن (2).

ومنذ هذه الفترة بدأت البوارج الفرنسية تكثر في مياه خليج عدن وفي أثناء الحرب الصينية (1881-1885) اتخذت فنسا من أوبوك محطة للفحم والذخائر لتموين السفن الحربية المتجهة الى الشرق الأقصى (3).

لم تقم فرنسا باحتلال أوبوك عسكريا حتى عام 1882، بينما أيقظت الأحداث التي كانت تجري في مصر أذهان الفرنسيين الى أهمية المنطقة التي وضعت فرنسا يدها عليها، فأسرعت بارسال قواتها لاحتلال أوبوك كما ضغطت على السلطان ليتنازل لها عن بقية ممتلكاته المحيطة بهذه المنطقة بما في ذلك سواحل خليج تاجورة وامتدت حدود المنطقة التي وضعت فرنسا يدها عليها في الداخل حتى قرب ميناء هرر (4)، ولم يكن الاحتلال البريطاني لمصر هو السبب الوحيد لاندفاع فرنسا نحو أوبوك وانما كان الاحتلال الايطالي لعصب وزيادة النشاط التجاري بينهما وبين أثيوبيا من العوامل التي شجعت فرنسا لدعم سيطرتها على المنطقة (5).

وقد عهدت الحكومة الفرنسية الى ليونس لاجارد لاحتلال المنطقة وصدر مروم في 24 يونيو 1884 بتأسيس مستعمرة أوبوك فدخل لاجارد في مفاوضات مع الزعماء المحليين ، ووقع في نفس العام سلاطين رهيطة وتاجورة، معاهدتين وافقتا فيهما على وضع أراضيهما تحت الحماية الفرنسية (1).

ولم يكتف لاجارد أن أوبوك أصبحت مستعمرة فرنسية في 1885، فعمل على تدعيم سيطرة بلاده في منطقة أخرى في جنوب خليج تاجورة وخاصة في جيبوتي، فقد تنبه لاجارد الى ضرورة تغيير مركز الحكم في المنطقة من أوبوك وخاصة وأن مينائها كان غير ذات قيمة، وكان الايطاليون يهددونه بسهولة من الشمال عند رأس دوميرا، كما كانوا يقومون باغراء الدناقل بالمال والهدايا، وغيرها من وسائل المستعمرين المتننافسين وذلك لكي لا يعملوا في خدمة السلطات الفرنسية في أوبوك ولذلك اختار لاجارد مكانا يقع على طريق القوافل ، بعيدا عن الايطاليين والدناقل، ويصلح بدرجة أكثر للملاحة فاختار جيبوتي التي تقع في بلاد العيسى، في الصومال، ولم تمانع الحكومة الفرنسية في ذلك (2) وكانت جيبوتي تقع في طريق التجارة والمواصلات العالمية ومن الممكن أن تتحكم في تجارة المناطق الداخلية من القارة وخاصة القادمة من الحبشة وهرر كما كان لها طابع المدينة المأهولة بالسكان فيها يعيش الأرمن، والسوريون والأتراك والمصريون والهنود، والعرب، كذلك لم تكن فرنسا ستخسر كثيرا اذا ما نقلت ادارتها من أوبوك وهي هدفهم فقط، ولم تقم فرنسا بانشاء المنشآت في المنطقة الواقعة جنوب خليج تاجورة الا منذ عام 1888 (3).

ولما كانت بريطنيا قد استولت على زيلع وبربرة، فقد عملت فرنسا بدورها على التوسع في الأراضي التي اشترتها في أوبوك واتخذتها نقطة للتوسع في السواحل المصرية المجاورة باستيلائها على قبة الخراب وتاجورا فوقع تنافس دولي بين بريطانيا وفرنسا وأثير حقول الدولة العثمانية، وانتهى التنافس بحصول فرنسا على جيبوتي ولكن كان لابد من الوصول الى اتفاق بين الدولتين (4).

وأظهرت فرنسا لانجلترا رغبتها في الوصول الى حل للمسألة والاتفاق معهها فتعترف بريطانيا بملكية فرنسا للساحل الجنوبي تاجورة من قبة الخراب حتى راس جيبوتي في مقابل أن توافق فرنسا على الاعتراف بنفوذ بريطانيا من زيلع الى الشرق منها نظير حصولها على المناطق الواقعة الى لغرب من الميناء الهام في تلك المناطق واقترحت فرنسا أن تنشئ خطا مستقيما يمتد على الخريطة من زيلع الى هرر، كأساس للحدود بين المحميتين الفرنسية والبريطانية، ولكن السلطات البريطانية اعترضت على هذا الاقتراح، فاقترحت أن تقيم خطا آخر يمتد من رأس جيبوتي الى هرر، كما اقترحة حرية التجارة على طوريق القوافل الذي رسمت عليه هذه الحدود، ووافقت فرنسا على ذلك واعدت وزارة الخارجية البريطانية الوثائق للتوقيع، وعندئذ تنبهت فرنسا الى أنها ترغب في الاستيلاء على رأس جيبوتي نفسها، فأبلغت بريطانيا بذلك (1).

تم توقيع الاتفاق البريطاني لتحديد حدود الصومال في 9 فبراير 1888 بعد مفاوضات بين كل من سالسبوري والسفير الفرنسي وادنجتون واعترف بريطانيا بحماية فرنسا على سواحل خليج تاجورة، ورسم خط للحدود بين الدولتين وشملت هذه الحماية السكان والقبائل غرب الخط المرسوم للحدود واعترفت حكومة فرنسا بحماية بريطانيا على السواحل وشرق الخط المسروم من بندر زيادة وشملت الحماية القبائل والسكان، كما تعهدت الدولتان بعدم التدخل في مناطق نفوذ كل منهما كذلك نصت المعاهدة على عدم ضم هرر وعدم السماح لأية قوة بضمها، وتم الاتفاق على فتح طريق القوافل من زيلع الى هرر والسماح بحرية التجارة، وقد تعهدت الدولتان بحسن معاملة الشيوخ والزعماء والقبائل في المناطق الواقعة تحت حمايتها وأكد اللورد سالسبوري بعد توقيع المعاهدة للسفير الفرنسي في لندن وادنجتون أن حكومة بريطانيا ستعمل في المستقبل كما عملت في الماضي على عدم التدخل في حقوق سلطان تركيا (2).

كما تعهدت الدولتان باتخاذ كافة الاجراءات لمنع تجارة الرقيق وتجارة الاسلحة في الأراضي الخاضعة لكل منهما (3).

رابعا:التنافس الفرنسي البريطني في زنجبار

تعرض ساحل زنجبار لمنافسة بريطانية فرنسية، وكانت هذه المنافسة جزءا من المنافسة التي دارت بين الدولتين في سواحل المحيط الهندي والخليج العربي، والبحر الأحمرن انتهت هذه المنافسة بتدعيم نفوذ بريطانيا عل المنطقة واستبعاد النفوذ الفرنسي منها (1).

اشتدت المنافسة الفرنسية البريطانية على أملاك سلطان زنجبار السيد سعيد بن سلطان (1806-1856) وأولاده من بعده والواقع أن مسقط شهدت جانبا من هذا التنافس قبل نقل السيد سعيد لعاصمة بلاده منها الى زنجبار وقد حرص طوال فترة حكمه على الابقاء على العلاقات الطيبة مع الدول الاوروبية لأنه أيقن أن بلاده ستكون فريسة لهم، وكان السيد سعيد في بداية حكمه في مسقط يميل ويفضل تنمية العلاقات التجارية بين نقط روبورت لويس في جزيرة اي دي فرانس وفي عام 1807 أرسل أحد وجهاء عمان ماجد بن خلفان للتفاوض مع ديكان حاكم اي دي فرانس على عقد معاهدة تجارية بين الطرفين (2).

ولكن بعد استيلاء بريطانيا على ايل دي فرانس لم يصبح هناك مجال للتردد بين الدولتين الاوروبيتين فقوى السيد سعيد علاقة مسقط مع بريطانيا (3).

وقد اهتم سعيد بالسيطرة على ساحل أفريقيا الشرقي المطل على المحيط الهندي بما فيه جزر زنجبار ومافيا وبمبا، وأعلن أن أجداده خلصوا هذه المناطق من البرتغاليين فمن حقه دعم سيطرته على ممبسة فاصطدم بالمزروعي الذين كانوا في ذلك الوقت يحكمم عبد الله المزروعي الذي وجه خطابا اليه يكيل فيه السباب كذلك رافق مع الخطاب بعض البارود تعبيرا عن عدائه له (4).

وقد سافر عبد الله المزروعي الى بومباي بنفسه لطلب النجدة من البريطانيين ولكن المسئولين لم يستمعوا له ، فحتى ذلك الوقت لم تقدر بريطانيا الأهمية الاستراتيجية للمنطقة، ثم خلف سالم أباه وخلال فترة حكمه الأولى 1820-1822 طلب الحماية البريطانية وكتب في 1823 الى البريطانيين يقول: "بأن الامام يحاول الاستيلاء على بلادي ولن أعطيها له"، وقد انتهز سالم وصول سفينة بريطانية بقيادة الكابتن أوين فطلب منه اعلان الحماية البريطانية على ممبسة، وكتب اوين الى حكومة الهند أننا لو تجاهلنا المزروعين فانهم سوف يدعون الفرنسيين لحمايتهم ووجود فرنسا في ممبسة سيكون شوكة خطيرة تقض مضاجع الامبراطورية، وقبل أن يتلقى اوين الرد أعلن الحماية البريطانية على ممبسة، تلك الحماية التي استمرت من 1823-1826.

ولكن بريطانيا سحبت هذه الحماية بعد اعتراض السيد سعيد عليها (1)، ثم تطور الموقف في ممبسة نفسها، وطلب الأهالي الوحدة من السيد سعيد بسبب انتشار الفوضى فيها فضمها الى أملاكه في شرق افريقيا(2).

ولم يكتف السيد سعيد بدعم سيطرته على زنجبار والجزر التابعة لها، وانما عمل على مد نفوذه نحو الجنوب، وحاول ربط زنجبار بمدغشقر فعرض على ملكتها في عام 1832 الزواج كما سبق أن ذكرنا ولكنها رفضت، فعمل على دعم سيطرته على جزيرة نوسي بي التي تقع على بعد مائة ميل شمالي مدغشقر عن طريق عقد معاهدة تجارية معها، وافقت بمقتضاها على دفع عوائد قيمتها 5% على الصادرات التي تعد اليها وذلك في نظير الحصول على حماية السيد سعيد لها، ولكن السيد سعيد أخفق في جهوده نظرا لتزايد النشاط الفرنسي في مدغشقر (3).

كذلك حاول السيد سعيد الارتباط بجزر القمر وخاصة جزيرة موهيلي، وانتهز فرصة وفاة السلطان عبد الرحمن وتولية ابنته الحكم على الجزيرة فطلب منها مصاهرته، وتزوجت الملكة بالفعل من ابن عم السلطان ولكن أثرت الانضواء نحو النفوذ الفرنسي (1).

وفي الواقع يمكن تقسيم فترة حكم السيد سعيد الى فترتين رئيسيتين الأولى تمتد من عام 1806 وهو تاريخ فاصل الى الحكم في عمان حتى 1840 وهو تاريخ اقامته في زنجبار، وتتميز هذه الفترة وخاصة حتى عام 1832 ، وهو تاريخ نقله عاصمة بلاده من مسقط الى زنجبار بأنه كان يهتم هذه الفترة بتوطيد حكمه في عمان وتركيز سياسته صوب الخليج العربي.

أما الفترة من عام 1832-1840 فقد اتسمت بعدم استقراره في عمان أو في افريقيا فكان يوزع جهوده بينهما حتى انتقل نهائيا الى زنجبار عام 1840.

الفترة الثانية وتمتد من عام 1840 وهو تاريخ اقامته الدائمة في زنجبار حتى وفاته 1856، ويتسم هذا القسم بأن مكانا سلطانا على زنجبار أكثر منه سلطانا على عمان (2).

نقل السيد سعيد عاصمة بلاده الى زنجبار عام 1840 والتي امتازت بخصوبة أراضيها، وعمق مياهها ومركزها المتوسط، فوجد أنه من الممكن تنمية وانعاش المنطقة من الناحية الاقتصادية ، وزراعة المطاط فيها، وجذب الدول الاوروبية اليها وأن يجعل من زنجبار مستودعا لجميع المواد الخام التي ينقلها ويستخرجها العرب من أفريقيا، وفرض الرسوم الجمركية على موانيها ، وقد أصبحت هذه الرسوم من أهم موارد دولته (3).

لقد اهتم السيد سعيد بتاسيس امبراطورية عربية في شرق افريقيا ونجح بالفعل في السيطرة على الأراضي الساحلية من رأس فون شمالا حتى رأس دلجادو جنوبا، وقد أفادته هذه السيطرة الساحلية في السيطرة على التجارة الداخلية فتوغلت داخل أفريقيا بواسطة ثلاث طرق الأول من بجامايو الى تايورة ثم بحيرة تنجانيقا وفيكتوريا والثاني من كلوة الى بحيرة نياسا وكاتنجا والطريق الثالث من تنجانيقا الى فكيتوريا وقد تزياد طلب الاوروبيين على المنتجات الأفريقية وخاصة الصمغ والعاج والزيوت (1).ط

والذي يهمنا هو أن السيد سعيد اقام علاقات طيبة مع حكام بوريون في بداية حكمه ولكن سرعان ما توترت العلاقة بين الطرفين فقد صحب انتقاله الى زنجبار شروع سرطات بوريون في اتباع سياسة نشطة في القسم الغربي من المحيط الهندي أو بمعنى آخر على الخط الممتد من مسقط الى تاماتاف بجزيرة مدغشقر وكان محرك هذه السياسة هو القبطان جيان الذي كان يدعو لاستيلاء فرنسا على أحدى جزر القمر لاتخاذها مستودعا لأفريقيا الشرقية (2).

وقد حدث في عام 1840 أن قامت سفينة حربية فرنسية بزيارة زنجبار وطلبت من ممثلي السلطان التصريح لهم بناء بعض الحصون في مقديشو وبراوة لخدمة أعراضهم التجارية فرفضوا لغياب السلطان في مسقط (3).

وقد تمكنت فرنسا بعد ذلك من الاستيلاء على جزيرة نوسي بي الواقعة شمال غرب مدغشقر، كما احتلت أحد جزر الكومور في الفترة ما بين 1840-1843 ، ولكن رغم قلق السيد سعيد من تصاعد النفوذ الفرنسي في المنطقة الا أنه عمل على ارضاءها وعقد معاهدة تجارية معها وذلك في 17 نوفمبر 1884 (4) وقد منحت هذه المعاهدة فرنسا نفس الامتيازات التجارية والقضائية التي نصت عليها المعاهدة المعقودة بين السيد سعيد وبريطانيا من قبل في عام 1839، وكان غرض فرنسا الأساسي هو الاستفادة من التجارة مع القسم الأفريقي من السلطنة (5) وقد أقرت المعاهدة السماح للفرنسيين بحرية الدخول في ممتلكات السلطان دون أية عقبات، كما نصت على معاملة رعايا الدولتين بشروط الدولة الأكثر رعاية، وأعطت للفرنسيين بعض الامتيازات القضائية كما سمحت لهم بتأسيس المراكز التجارية في عمان وتوابعها واتخذت المعاهدة تعديلها الأخير في عام 1846، وتأسست قنصلية فرنسية في زنجبار في عام 1847 (1).

رغم توقيع معاهدة 1844 بين الطرفين، الا أن الأطماع الفرنسية تزايدت في الساحل الشرقي من أفريقيا، وخاصة بعد تدعيم السيطرة الفرنسية على مايوت ونوسي بي، وقد بدأت بريطانيا في مراقبة نشاط فرنسا في المنطقة فأرسلت تجارها وعملائها الى الساحل، كما زارت السفن الحربية البريطانية في زنجبار وارسل القواد العسكريين البريطانيين تقاريرهم العسكرية عن امكانية الافادة من زنجبار لخدمة مصالح بريطانيا في الهند كذلك نبهوا الحكومة البريطانية الى نوايا فرنسا التوسعية في المنطقة (2).

وقد اتبعت فرنسا بالفعل سياسة نشطة في ساحل زنجبار فحاولت خلال هذه الفترة شراء كلوة وغيهرا من موانئ الساحل الأفريقي الشرقي ولكن السيد سعيد رفض واستنج بالبريطانيين طالبا مساعدتهم وهددهم بالدخول في مفاضوات مع الفرنسيين (3).

وضغط السيد سعيد على بريطانيا واعتمد على صداقته معها فارسل الى بلمرستون كتابا يذكره فيه بالصداقة بين البلدين، وينبهه الى أن الفرنسيين يضعون أعينهم على بلاده وأن لابد من وضع حد لأطماع الفرنسيين في شرق افريقيا (4).

بعد وفاة السيد سعيد 1856 حدثت الأزمة الشهيرة بين أبنائه فتدخلت فرنسا، ووصلت بعض القطع البحرية الفرنسية أمام مياه أفريقيا الشرقية بقيادة فلريودي لانجل الذي وصل الى زنجبار وطلب مقابلة ماجد ابن السيد سعيد وأخبره بأن بريطانيا لا يحق لها التدخل في النزاع القائم بينه وبين أخيه برغش وان الحكومة الفرنسية حريصة على ألا يرفع علم أجنبي على زنجبار، وحاول دول لانجل تصفية الخلاف بين ماجد وبرغش مما أدى الى استياء القنصل البريطاني رجبي الذي صرح لحكومته ان الفرنسيين يتطلعون لخلع ماجد وتعيين برغش للحصول على موطن قدم في ساحل أفريقيا الشرقي (1).

وقد حاول ثويني مساعدة أخيه برغرش واقتلاع ماجد من زنجبار، فأرسل الى نابليون الثالث رسالة يخبره فيها بأنه يتطلع لرؤية السفن الحربية الفرنسية في موانئ بلاده، وانه يريد توطيد العلاقة مع الفرنسيين، كذلك كان لبرغش صلات مع المسئولين في غرفة التجارة الفرنسية في مارسيليا فأعرب لهم عن رغبته في مساعدة فرنسا في الوصول الى الحكم في زنجبار نظير أن يمنحهم امتيازات في بلاده أكثر مما قررته لهم معاهدة 1884 (2).

وفي عام 1861 أصدر نائب الملك في الهند تحكيمه المشهور وحكم ماجد زنجبار بينما حكم ثويني في مسقط وتزايد اهتمام بريطانيا بزنجبار فكتب القنصل رجبي أن بريطانيا يهمها المحافظة على المنطقة الممتدة من ناتال الى رأس جردوفوي، كما أنها تهتم بزنجبار لان سكانها يعملون بنشاط مع الهند ومع العرب ومع اقاليم افريقيا الداخية (3) ، كذلك تزايد النشاط الفرنسي في زنجبار خلال هذه الفترة ففي 4 سبتمبر 1860 بعث هنري كيبل قائد محطة الرأس بتقرير الى وزايرة البحرية البريطانية ذكر فيه أن الفرنسيين يعملون على دعم سيطرتهم في قلب زنجبار وانهم أقاموا ثكنة رحيبة في البلاد بحجة استخدامها كمستشفى ونقلت وزارة البحرية البريطانية على الفور تلك الأنباء الى وزارة الخارجية التي طلبت من السفير البريطاني في باريس الاستفسار عن هذا الموضوع وقد رد توفنل وزير الخارجية الفرنسي بأن هاذ المبنى خصص لأغراض دينية بناء على أوامر من أسقف ريونيو وانه تم وضعها تحت تصرف وزارة البحرية الفرنسية لانشاء مخزنا فيه (4)، وهكذا نلمس أن المنافسة اشتدت بين الدولتين خلال الستينات من القرن التاسع عشر فبمجرد انشاء مبنى فرنسي اثار قلق ومخاوف الحكومة البريطانية ولذلك كان لابد من حدوث اتفاق بين الدولتين فتم اصدار التصريح الثنائي الشهير عام 1862 أعلنت الدولتان استقلال مسقط وزنجبار.

والواقع أن فرنسا رغم اهتمامها بساحل زنجبار الا أنها ركزت جهودها خلال هذه الفترة على مدغشقر وجزر القمر (1).

ورغم اصدار تصريح 1862 الذي كان يحول دون انفراد احدى الدولتين بالنفوذ في سلطنة زنجبار، الا أن القنصل البريطاني رجبي عمل على مراقبة النشاط الفرنسي وذكر لحكومته انه لا يتخذ طابعا سلميا وان السفن الحربية الفرنسية تزور المنطقة باستمرار وقد مارس الفرنسيون تجارة الرقيق في ساحل زنجبار وعينوا مندوبين لهم على طول الساحل وكان الفرنسيون لا يدفعون أية ضرائب على الأرقاء الذين يصدرونهم سرا من الموانئ والجزر التابعة لسلطنة زنجبار الى جزيرة ريونيو ومايوت وقد حاول ماجد وقف هذه العملية واحتج لدى قنصل فرنسا في زنجبار ولكن الأخير رفض الاحتجاج فتدخل القنصل البريطاني لمؤازرة ماجد (2).

توفى ماجد ليخلفه برغش في الفترة من 1870-1888 وقد شهدت فترة حكمه تدعيم السيطرة الاوروبية على بلاده، وخاصة السيطرة البريطانية، ففي عام 1872 أسس وليم ماكيدون شركة الملاحة الأنجلوهندية هدفها العمل بين كل من زنجبار والهند واوروبا، ووضع ماكيدون عدة مشاريع لاستغلال المنطقة ساعده على ذلك تعيين جون كيرك عام 1873 قنصلا عاما على زنجبار، وقد أصبح لكيرك نفوذ هائل في المنطقة، فقام بخدمة مصالح بلاده, عقد المعاهدات مع الزعماء المحليين وكان له هدف واحد، وهو أن يخلص هذه المنطقة من ساحل شرقي أفريقيا لبريطانيا، وان يعمل على ابعاد النفوذ الاوروبي منها، ولذلك تظاهر بحماية مصالح السلطان برغش (3).

ولكن فرنسا هي الأخرى عملت على تدعيم نفوذها في المنطقة خلال فترة حكم برغش، ولعب المبشرون الفرنسيون دورا كبيرا في المنطقة وخاصة الاسقف لافيجيري 1825-1892 الذي وضع نظام الآباء البيض، وكان من رأيه تقسيم أفريقيا الاستوائية بين البعثات التنصيرية، وبعد أن أسس جماعة الآباء البيض في شرق أفريقيا عام 1878 بدأت أفواج النزول الى المنطقة (1)، وقد أرسلت فرنسا في عام 1878 حنملة من أكبر الحملات التنصيرية الى أراضي برغش بقيادة ميشيل ديبار وهو من رجال الدين الفرنسيين كان يعتقد أن الله وحكومته تنادية للعمل في افريقيا، لنشر المسيحية وقد فوضته الحكومة الفرنسية بدعم سيطرتها في المنطقة التي يصل اليها، ورصد له البرلمان الفرنسي مبلغ مائة ألف فرنك لتجهيز الحملة وقد وصل ديباز الى زنجبار ومنها اتجه الى تابورة عام 1879 ثم اوجيجي وكتب الى حكومته بأنه يعمل في سبيل مجد الله ومجد فرنسا، وقد خطط للوصول الى الكونغو ولكنه توفي 1879 (2).

وفي عام 1879 طلبت شركة الهند الشرقية الفرنيسة من برغش مد خط حديدي من بجامايو حتى اوجيجي ولكنه رفض بناء على نصائح كيرك، ورغم ذلك تأسست شركة فرنسية في عام 1880 في تابورة، كذلك عملت شركة أخرى في لامو (3).

وطوال السبعينات والثمانينات من القرن التاسع عشر وفرنسا تتابع جهودها في ساحل زنجبار من بعثات تنصيرية وشركات تجارية وتجارة مع السواحل، كذلك زار المنطقة الرحالة الفرنسيون فوصل جورج رفوال عام 1879 الى زنجبار ثم توغل في داخل البلاد عام 1883 – كذلك قدم الى الساحل فيكتور جيرو وحاول قطع القارة عرضيا للوصول الى ساحل المحيط الأطلنطي فحققت رحلته نجاحا كبيرا (4).

واذا كانت المنطقة قد شهدت تنافسا بين فرنسا وبريطانيا فان التجار الألمان والشركات التجارية الألمانية عملت بنشاط في المنطقة ووقع كارل بيترز المعاهدات مع شيوخ ورؤساء القبائل، وقد توصلت بريطانيا الى عقد اتفاق مع ألمانيا لتحديد مناطق نفوذ كل منهما في أملاك سلطان زنجبار فوقع اتفاق 1886 بين الدولتين حصلت بريطانيا بمقتضى الاتفاق على الجزء الشمالي من أملاك سلطان زنجبار فتحكمت في مساحة كبيرة امتدت من ساحل ممبسة حتى بحيرة فيكتوريا، وعرفت مناطق نفوذها باسم أفريقيا الشرقية البريطانية، والتي عرفت فيما بعد باسم كينيا، أما ألمانيا فقد حصلت على ما عرف باسم أفريقيا الشرقية الألمانية تنجانيقا ثم جنوبا حتى نهر روفوما (1).

قضى الاتفاق الألماني البريطاني على أمال برغش ولم يعد له سوى جزيرة صغيرة وعشرة أميال تمتد من روفوما على طول الساحل الشرقي وأجبر برغش على قبول السيطرة البريطانية في المناطق الساحلية ثم توفي في العام التالي (2).

أما فرنسا فقد جاء توقيع اتفاق عام 1890 حلال للمشكلة بينها وبين بريطانيا فقد اعترفت فرنسا بنفوذ بريطاينا في زنجبار وتعهدت بريطانيا بحماية رعايا فرنسا وبعثاتها التنصيرية وبنفوذ فرنسا في جزيرة مدغشقر وتعهدت بحماية رعايا بريطانيا وبعثاتها التنصيرية في الجزيرة (3).

وبتوقيع اتفاق 1890 تم استبعاد النفوذ الرنسي من زنجبار نهائية.

خامسا:حادثة فاشودة والمشروع الاستعماري الفرنسي

أرادت فرنسا ربط مستعمراتها في غرب القارة بمستعمراها في شرقها اي أن تمتد هذه المستعمرات من السنغال غربا حتى جيبوتي شرقا واستتبع ذلك ضرورة السيطرة على أعالي النيل مما أثار مشكلة كبيرة في العلاقات بين الدول الاستعمارية الكبرى تمثلت هذه المشكلة في حادثة فاشودة الشهيرة.

طمعت فرنسا في السيطرة على أعالي النيل، وفي 5 مايو 1892 عقد الرئيس الفرنسي كارنو اجتماعا في قصر الاليزيه حضره ديلكاسيه وكيل وزارة المستعمرات ومعه أحد الضباط ويدعى مونتي وقال رئيس الجمهورية أنه ينوي اعادة فتح باب المسألة المصرية وأنه من أجل تحقيق هذا الغرض ينبغي تجريد حملة فرنية لتضع يدها على نقط معينة من الأراضي المصرية (1)، وتم اختيار فاشودة لهذا الغرض، ويرجع اختيارها الى أنها تعد مفتاحا لمصر لموقعها الجغرافي عند ملتقى نهر السوباط بحيث يمكن الوصول اليها بسهولة (2).

ترددت الشائعات في لندن عن قيام هانوتور بارسال حملة الى أواسط النيل وقد صرح السير ادوارد جراي وكيل وزارة الخارجية البريطنية بأن هذا العمل لن يكون وديا اذا ما أقدمت عليه فرنسا، وقد تخوفت الحكومة البريطانية بالفعل من قيام حملة فرنسية في المنطقة فأرسل اللورد روزبري 1895 الى اللورد كرومر العديد من الأسئلة والاستفسارات عن الموقف ولكن الحكومة الفرنسية قررت بالفعل ارسال حملة تصل الى أعالي النيل، وتقطع القارة الأفريقية من الغرب حتى الشرق وخصص البرلمان الفرنسي مبلغ مليون وثمانمائة ألف فرنك للدفاع عن المصالح الفرنسية في أفريقيا (3).

عهدت الحكومة الفرنسية الى القائد مارشان بقيادة الحملة فوصل الى غرب أفريقيا 1896، في الوقت الذي كانت فيه القائد الفرني ليوتار قد تقدم حتى وصل نهر سويح عند طمبورة وهي أعلى نقطة في خط تقسيم المياه بين النيل والكونغو، ثم اتجه نحو ديم الزبير في ابريل 1897 وتقع عند ملتقى عدة طرق تؤدي الى كردفان ودارفور والكونغو، وفتح ليوتار طريقا جديدا في بحر العرب في الوقت الذي واصل مارشان تقدمه من لوانجو صوب النيل وكتب في عام 1898 ان كل مديرية بحر الغزال قد خضعت للمحطات الفرنسية المسلحة وأصبح بحر الغزال لا يخص إنجلترا (4).

وبدأ مارشان في التقدم في المنطقة حتى وصل فاشودة في 10 يوليو 1898 ورفع العلم الفرنسي على أنقاض القلعة المصرية القديمة (1).

وكتب مانجان أحد أعضاء الحملة أن الغرض منها هو وضع حد لأطماع وأحلا البريطانيين لربط القارة رأسيا من مصر حتى الكاب أو ربط أملاكهم في شرق القارة بأملاكهم الخاضعة لشركة النيجر الملكية في غرب القارة، بالاضافة الى اتخاذ مركز هام في النيل الأعلى لاستخدامه رهينة في المفاوضات حول مصر مع بريطانيا (2).

وقد دخل الطرفان بالفعل في مناقشات قانونية مع تفنيد الحجج والأسانيد التي تؤيد موقف كل منهما وكان رأي وزير الخارجية الفرنسي أن السودان يعد بمثابة أرض بلا مالك أو ملك مباح وأن مصر فقدت السودان منذ زمن طويل وان انجلترا نفسها عاملت السودان على هذا الأساس ففتحت باسم المديرية الاستوائية وبلاد اوغنده واونيورو وزيلع وبربرة، وانه ليس من العدالة ابعاد فرنسا عن النيل بينما يسمح للألمان والبلجيك باقتطاع أجزاء من السودان وان مارشان رغم صغر قواته الا أنه نجح في وضع يده علىمديرية بحر الغزال (3).

أصدرت فرنسا تعليمات الى لاجارد حاكم الصومال بتقديم الخدمات لمارشان فأرسل اليه الكابتن كلوشن، ولما كان لاجارد على علاقة وثيقة مع منليك حاكم الحبشة لأنه وافق على السماح للقوات الفرنسية القادمة من الصومال الفرنسي باختراق اراضي الحبشة، وعمل على تسهيل مهمتها ولكن رغم التسهيلات التي قدمت للقوات الفرنسية الا أنه واجهته العديد من المتاعب بسبب فيضان النيل مما اضطرها الى العودة الى ساحل الشرقي مرة أخرى (4).

وكان من الطبيعي ازاء النشاط الفرنسي المتزايد في المنطقة، ان تتخذ انجلترا موقفا حاسما فأرسلت تعليماتها لكتشنر بالتقدم محو فاشودة فوصلها في ديسمبر 1898، ورغم تبادل المراسلات الودية بينه وبين مارشان الا أنه سرعان ماتبادل الطرفان الرسائل ذات اللهجة الحادة والعنيفة مما أدى الى اضطراب الموقف (1).

وتمسكت الحكومة البريطانية بضرورة جلاء مارشان عن فاشودة وضغط على وزير الخارجية المصري بطرس غالي لكي يوضح موقف حكومته فأرسل مذكرة جاء فيها أن حكومة الخديوي لم تتخل يوما عن فكرة استرداد مديريات السودان وان الحكومة المصرية عملت بالمباحثات الفرنسية البريطانية بشأن فاشودة ولذلك فهي تطلب من الحكومة البريطانية بذل المساعي للاعتراف بحقوق مصر في جميع المديريات التي كانت تحتلها حتى قيام ثورة المهدي (2).

ولكن الحكومة الفرنسية بذلت عدة مساعي مع بريطانيا فعرض السفير الفرنسي في لندن دي كورسيل استعداد حكومته لأن تستدعي مارشان للعودة من نفس الطريق الذي قدم منه، اذا وافقت انجلترا على الدخول في مفاوضات لاقتسام السودان بين الدولتين على أساس أنه ملك مباح، ولكن سالسبوري رفض هذا الاقتراح، وشنت الصحف البريطانية حملة شعواء ضد فرنسا، ووصفت مارشان بأنه دخيل ولابد من طرده من المنطقة كما أبلغت الحكومة البريطانية ديلكاسيه في 8 سبتمبر 1898 بأ، تدخل فرنسا في وادي النيل عمل غير ودي (3).

أما مارشان فقد تحرج موقفه في فاشودة وانتابه اليأس من وصول الامدادات والتعزيزات العسكرية من الصومال الفرنسي (4).

واذا قارنا بين الموقفين الفرنسي والبريطاني بالنسبة لحادثة فاشودة سنلاحظ أن موقف فرنسا كان أضعف من بريطانيا، ففي الوقت الذي وصلت فيه الأنباء من باريس بوصول مارشان وكتشنر الى فاشودة ظهرت قضية (1) ديرفوس التي هددت مركز رئيس وزراء فرنسا حتى أن وزير البحرية الفرنسي أعلن أن فرنسا في أزمة حقيقية حتى اغلاق ملف القضية، كذلك عانى مارشان من ضعف قواته بينما بريطنيا لها جيش قوي في المنطقة منذ غزت السودان فمركز كتشنر كان مدعما أكثر من مركز مارشان، كذلك بينما كان سالزبوري على راس حكومة موحدة كان ديلكاسيه على رأس حكومة منقسمة ولذلك كانت العبارة السائدة في بريطانيا لابد أن ينسحب مارشان (2).

وأخيرا تم استدعاء حملة مارشان وصدرت التعليمات اليها بالعودة من فاشودة عن طريق السوباط والحبشة والصومال الفرنسي (3).

دعت الحكومة الفرنسية بريطانيا لتحديد مناطق الدولتين، وفي 21 مارس 1899 تمت تسوية الخلاف الذي أثارته حملة مارشان بالاتفاق على اصدار تصريح مشترك يدخل تعديلا مكملا على المادة الرابعة من اتفاق 14 يونيو 1898 الخاص بتحديد مناطق النفوذ بين المستعمرات الفرنسية والبريطانية الواقعة الى الغرب والى الشرق من نهر النيجر، وبمقتضى التصريح خرج حوض بحر الغزال وبحر العرب بأجمعه بما في ذلك دارفور من دائرة النفوذ الفرنسي، وقد وقع على هذا التصريح كل من سالسبوري وبول كامبول السفير الفرنسي في لندن (4).

وهكذا استبعدت فرنسا تماما من حوض النيل، وفي 26 مارس 1899 قابلت ملكة بريطانيا سالزبوري وأبلغته عن سرورها للوصول الى اتفاق بين بريطانيا وفرنسا ذلك الاتفاق الذي أعطى بريطانيا امتلاك وادي النيل (5).

والواقع أن حملة مارشان الى فاشودة، لم تكن من أجل دعم سيطرة فرنسا على أعالي النيل فحسب، وارغام انجلترا على اتفاق قخصوص المسألة المصرية متخذة من وجودها في هذه المنطقة عند التقاء النيل الأبيض والسوباط سلاحا للتهديد والتدخل في أعالي النيل وانما لاتخاذ فاشودة ايضا مركزا لربط ممتلكات فرنسا في غرب القارة بممتلكاتها في شرق القاهرة (1).

وجدير بالذكر أن فكرة ربط المستعمرات الفرنسية من غرب القارة الى شرقها لم تكن فكرة جديدة كان له مؤيدوها من الاستعماريين الفرنسييين والقواد العسكريين، وكان من أهم روادها فيديرب حاكم السنغال ورغم أن فرنسا خلال فترة ادارته لم تكن قد توسعت شرقا من السنغال بدرجة كبيرة الا أنه نادى بضرورة مد السيطرة الفرنسية من الغرب الى الشرق، وان تقسم الممتلكات الفرنسية القارة أفقيا (2).

وبقيت هذه الفكرة في أذهان الساسة الفرنسيين، وخاصة بعد ان اكتسحت فرنسا الغرب الأفريقي، وقضت على المقاومة الوطنية ووصلت قواتها العسكرية حتى بحيرة تشاد مما ضاعف الآمال في امكانية تحقيق هذه الفكرة وربط المستعمرات الفرنسية في غرب وشرق القاهرة، وكان هانوتو من مؤيدي هذه الفكرة فوضع مع لاجارد حاكم الصومال الفرنسي خريطة لافريقيا تتحكم فرنسا بها في المنطقة الممتدة من السنغال غربا حتى جيبوتي شرقا، وكان هذا معناه ضرورة تدعيم السيطرة الفرنسية في أعالي النيل (3).


توحيد المستعمرات الفرنسية في شرق القارة

بعد أن فرغت فرنسا من دعم سيطرتها على شرق القاهرة، جمعت مستعمراتها الثلاث في منطقة واحدة، ولكن هذه المستعمرات انفصلت بعضها عن الآخر بمساحات شاسعة على عكس المستعمرات الفرنسية في غرب أفريقيا والتي كونت منها ما عرف باتحاد أفريقيا الغربية الفرنسية، كذلك مستعمراتها في أفريقيا الاستوائية التي كونت منها ما عرف بأفريقيا الاستوائية الفرنسية فكانت الأخيرتان أقاليم مجمعة متجاورة عرفت، أما في شرق افريقيا فقد عرفت مستعمرات فرنسا بالاقاليم الموحدة لأن مستعمرات فرنسا فيها كانت متباعدة فمدغشقر وجزر القمر في المحيط الهندي، بينما الصومال الفرنسية على ساحل البحر الأحمر عند مدخل خليج عدن، ولذلك وحدت فرنسا هذه المستعمرات وأطلقت عليها اسم الأقاليم الموحدة تمييزا لها عن الاقاليم التي تجاورت فيها المستعمرات الفرنسية وقد اعتبرت فرنسا مستعمراتها أملاكا تابعة لها فيما وراء البحار لها الحق في الحكم فيها وفي توجيه ساستها (1).

وقد وضعت فرنسا مستعمراتها في شرق أفريقيا تحت دارة موحدة في الصومال الفرنسي منذ عام 1896 واتخذت جيبوتي مقرا للحاكم الفرنسي ووضعت فرنسا السلطة في يد الحاكم يعاونه مجموعة من الموطفين الفرنسيين يخضعون جميعا لوزارة المستعمرات الفرنسية، وقد اتسمت الادارة الفرنسية في شرق افريقيا باستخدام القسوة ضد الأهالي الذين حرموا تماما من الحقوق السياسية ومن الاشتراك في ادارة البلاد (2).

وقد اتبعت فرنسا في المنطقة ما عرف باسم السياسة الفرنسية او الاندماج ومعناها صبغ المستعمرات بالصبغة الفرنسية، وفرض التقاليد والنظم الفرنية وتشرب الأفارقة الثقافة الفرنسية والارتباط تاريخيا واجتماعيا وسياسيا بالأم الكبرى فرنسا (3).

واعتقد الفرنسيون أن اعظم منه ومنحه يقدومنها للأفارقة في المستعمرات هي ثقافتهم ولغتهم ونظمهم، وانه يجب على الأهالي معرفة محاسن ومآثر النظم الفرنسية وان كل تقدم ورقي يصيبهم لن يأتي الا عن طريق الثقافة الفرنسية (1).

ولكن رغم جهود فرنسا لم تنجح المحاولة في فرض السياسية الفرنسية فنادى بعض الكتاب الفرنسيين بضرورة اتباع سياسة جديدة في المستعمرات وفي مقدمة هؤلاء جول هارموند الذي دعا الى ما عرف بسياسة المشاركة ويعتبر جول فري احد أعلام هذا الاتجاه وتتلخص هذه السياسة في ان يتم التعاون بين الادارة الحكومية الفرنسية ، وبين الافراد المحليين من اجل تكوين زعامات أفريقية تقود الشعب والمجتمعات الى طريق الحضارة والمدنية ويكون من اهداف هذه السياسة الفرنسية الزعامات والقيادات او فرنسة النخبة بدلا من الفرنسة الجماعية للشعب، وهكذا أصبح هدف الرسالة تكوين نخبة تستوعب التراث الفرنسي، وتشكل نفسيتها ومفاهيمها وقيمتها بالتراث والقيم الفرنسية (3).







الفصل التاسع:العلاقات الفرنسية الأثيوبية 1843-1936

الاتصالات الفرنسية بالحبشة حتى عام 1843

تعد أثيوبيا اقليما فريدا (1) في مظاهره الطبيعية والبشرية، يختلف عما يحيط به من الاقاليم، بحيث يبدو كجزيرة قائمة وسط محيط يغايرها تماما، كما أنها تضم بين أرجائها (2) المتباعدة تنوعا شديدا، فهناك اختلاف ملموس بين الجهات الساحلية المجاورة (في الصومال)، وبين هضبة الحبشة، وقد أدى وجود الأخاديد العميقة كالفرع الشرقي في الأخدود الكبير الذي يجري فيه نهر هواش وأودية الأنهار السحيقة التي تتحللها الربى، جعلت التفكك والتمزق والعزلة بين الجهات المختلفة من أهم المظاهر التي تميز العلاقات البشرية السائدة في أنحاء الهضبة، فتعددت عناصر السكان بين زنوج حاميين وساميين اختلطوا حينا ولكنهم ظلوا في عزلتهم أحيانا وهكذا ضعف الشعور بالوحدة، وأزكت هذه الظروف الروح الاقليمية فاصبح الامبراطور ينظر الى حكام الاقاليم أو الرؤوس نظرته الى ملوك ليسوا دونه مقامان، وهكذا صار التعدد والتنوع جنبا الى جنب مع العزلة والانطوار والتفكك، واستطاعت أمهارا التي تمتاز بغناها وتأثرها العميق بالحضارة السامية أن تجعل من الجهات المجاورة فيها تدريجيا دولة تدين بالولاء لحاكم أمهارا، فمثلت النوارة التي نمت حولها الوحدة السياسية في البلاد (3).

فلم تعرف أثيوبيا الوحدة السياسية الا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، الذي شهدت أيضا فيه البلاد التكالب والتنافس الاستعماري الاوروبي خاصة من قبل بريطانيا وايطاليا، فاستغلت غريمتهما فرنسا الفرصة، وعملت على ارتباط بأوثق الروابط مع حكام أثيوبيا.

هذا وقد حرصت فرنسا على الاتصال باثيوبيا منذ أواخر القرن السابع عشر، عندما بدأ الاهتمام الفرنسي بالشرق ودراسته ودراسة امبراطورياته المتنوعة، كذلك ارتبطت في نشر مذهبها الكاثوليكي، فتم ارسال البعثات الدينية وتحويل السكان عن مذهبهم الأرثوذكسي، ومن أشهر هذه البعثات بعثة الطبيب الفرنسي شارل جاك بونسييه (1)، الذي اقام في القاهرة منذ أواخر القرن السابع عشر، وقد كلفه القنصل الفرنسي بينو دي ميليه بالسفر الى أثيوبيا لاقامة علاقات تجارية بينها وبين فرنسا، والعمل على نشر المذهب الكاثوليكي، وتحقيق الآمال ومشروعات اليسوعيين (الجزويت) فيها .

وقد سنحت الظروف للقنصل الفرنسي لارسال بعثة بونسييه عندما طلب ملك الحبشة من الحاج علي رئيس قافلة تجارة القاهرة ارسال طبيب فرنسي من مصر لمعالجته من الجذام، فتوجه بونسييه في عام 1698 وبصحبته أحد اليسوعيين ويدعى بريد فان الى اثيوبيا، وبينما توفى الأخير في جوندار عام 1699 الا أن بونسييه أكمل رحلته حيث قابل ملك الحبشة وأقنعه بارسال بعثة الى باريس، وقد سافرت البعثة بالفعل بصحبة بونسييه في عام 1703 يدس له لدى السلطات في فرنسا (2).

وجدير بالذكر أن بعثة بونسييه لم تكن الأولى وانما سبقتها بعثة الأب فرزيان في عام 1697 وكان من اليسوعيين، أراد نشر المذهب الكاثوليكي، وقد أوضح هذه الحقيقة في كتاباته الى غرفة تجارة مرسيليا، حيث ذكر أمرني الملك أن أقيم المنشآت في القاهرة لأسهل الخطط التي يجب تنفيذها في بلاد الحبشة البعيدة من أجل نشر المسيحية، ولكن لم يقدر لبعثة فرزيان النجاح بسبب مقاومة رجال الدين الأرثوذكسي في الحبشة للبعثات اليسوعية، أضف الى ذلك مقاومة بعثات الفرنسيسكان الايطالية للبعثات اليسوعية، خاصة وأنهم اتخذوا من أخميم في صعيد مصر محطة لهم في الطريق الى الحبشة بعد أن سمحت لهم السلطات المصرية باقامة مستشفى خاص بهم فيها (1).

وتبع بعثة بونسييه الى الحبشة بعثة لي نوار رول وكان يعمل نائبا للقنصل الفرنسي في طرابلس، ثم عمل في دمياط في عام 1701، وقد كلفته الحكومة الفرنسية بالاتصال بالحبشة لاقامة علاقات بين البلدين، وقد سافر لتصريف المنتجات الفرنسية الصناعية الى جانب نشر المذهب الكاثوليكي وفتح أسواق تجارية، وقد سافر لي نوار في عام 1704 بصحبة الطبيب الفرنسي ليبي، في قافلة مؤلفة من ستين جملا الى أسيوطة ومنها الى الواحات الخارجة وموها الى الشلال الثاني جنوب وادي حلفا، وعبرا النهر الى دنقلة ومنها الى كورتي ومروي، وفي عام 1705 وصلت البعثة الى سنارتم وتم ابادة معظمها بتحريض من الفرنسيسكان الذين حرصواعلى الدس (2) للبعثة لدى حكام سنار (3).

والحقيقة أن البعثات التنصيرية الفرنيسة خاصة اليسوعية قد واجهت مصاعب عنيفة من أجل نشر مذهبها في الحبشة لتمسك الأحباش بمذهبهم، كذلك تواجد البعثات الايطالية خاصة الفرنسيسكان الذين اعتبروا أنفسهم أحق من الفرنسيين في مجال التنصير لأنهم سبقوهم في دخول الحبشة والاقامة فيها، وقد أوضح لي رول هذه الحقيقة قبل مقتله، فكتب الى الوزير الفنرسي بونشرتران ان مسألة التنصير اليسوعي في الحبشة أمر شائك مظلم مثل الدخول في قصر التيه (4).

وهكذا انصب الاهتمام الفرنسي بالحبشة والاتصال بها حتى نهاية القرن الثامن عشر لاسباب دينينة تمثلت في رغبة فرنسا في نشر مذهبها الكاثوليكي ، ورغم ارسال البعثات الى الحبشة الا أن جيمس بروس (1) يعتبر من أهم الشخصيات التي لفتت الأنظار الى الحبشة، وقد تضمنت ملاحظاته عنها معلومات هائلة في الجغرافيا والتارخي والأنثروجرافية والعلوم، قام بزيارة شمال اثيوبيا بما فيها أكسوم وجوندار وكان بصحبته سكرتيره الايطالي ليوجي بالوجاني وقدم بروس مؤلفات رحلته الى جورج الثالث ملك بريطانيا، وأهم ما تضمنته رحلته أنه جمع مخطوطات هائلة عن البلاد فتحت الباب أمام دراسة لغتها وتاريخها، وأصبح لاثيوبيا فرع من المدرسة الشرقية ، كذلك لا ننسى الأهمية الكبرى لرحلته باكتشافه منابع النيل (2).

وقد عاصر بروس فترة الاضطرابات في أثيوبيا والمنازعات على السلطة، فسجل في عام 1772 قبل مغادرتها أخيرا "سأهرب من هذه البلاد الدموية" (3).

وقد أدى معرفته بالطب الى تقربه من حاكم الحبشة الذي أنعم عليه باحدى القرى وجعله رئيسا للخيالة وحاكما لاحدى المقاطعات واعطاه حرية التجول في أنحاء البلاد، وقد نشر روس رحلته في سبع (4) مجلدات مدعمة بالخرائط وأعطى وصفا كاملا لبحيرة تاتا(5) والجزر المنتشرة بها (5).

ومع مطلع القرن التاسع عشر ازدادت أهمية طريق البحر الأحمر كطريق تجاري ، خاصة بعد انتهاء الحملة الفرنسية على مصر وتزايد الاهتمام البريطاني باستخدام هذا الطريق الملاحي، وقد أوضح هذه الحقيقة اللورد فالنشيا الذي وصل الهند على رأس بعثة بريطانية ، وأكد في تقرير له الى وزارة الخارجية ضرورة العمل على ايجاد السبل لتدعيم السيطرة البريطانية على هذا البحر، وقام بزيارة معظم الموانئ الهامة في البحر الأحمر، وأوصى بالتفاوض مع الأحباش لضمان المصالح التجارية البريطانية في البحر الأحمر، ووضع مؤلفا تضمن رحلته الى هذه المناطق (1).

ثم ارسل فالنشيا خنري صولت في بعثة الى الحبشة عاد بعدها ليوصي بضرورة بذل الجهود لكي يحصل الأحباش على منفذ بحري لبلادهم على البحر الأحمر يتيح لهم الاتصال بالمستعمرات البريطانية في الشرق، وقد وصل صولت الى مصوع مومها الى تيجري في الحبشة حيث قدم الهدايا الى بحر نيجوس حاكم المنطقة، غير أن صولت لم يجد ما يشجعه على اقامة علاقات تجارية مستقرة نتيجة لرفض الأحباش هذا الاتجاه ولضعفهم في السيطرة على المنطقة الساحلية (2).

ثم توالت الرحلات والبعثات البريطانية الى الحبشة، لعل أ÷ما رحلة هوسكنر الذي نشر مؤلفا عنها قدم فيها وصفا كاملا للبلاد (3).

ويمكننا القول أن هذه التحركات البريطانية منذ مطلع القرن التاسع عشر قد تمت بتوجيه من قبل شركة الهند الشرقي البريطانية ومن وزارة الخارجية بهدف الحصول على امتيازات بريطانيا في منطقة البحر الأحمر (4).

هذا ولم ينقطع اهتمام فرنسا بطريق البحر الأحمر بعد رحيل الحملة الفرنسية عن مصر، فقد اهتم بونابرت بمراقبة هذا الطريق، وأرسل بعثة سيستياني في مصر لدراسة الاوضاع فيها، كذلك أعاد البوريون الاهتمام بهذا الطريق خاصة في عهد ملكية يوليو، وفي عهد لويس فيليب ملك فرنسا الذي راى ضرورة الاهتمام بالتجارة واقرار السلام في البلاد لتحقيق أكبر الفوائد لفرنسا، وكان لابد من ارسال البعثات الكشفية الى المناطق المهمة وبحث أفضل الطرق لتطوير التجارة الفرنسية، فكانت اثيوبيا محط أنظار الفرنسيين خلال تلك الفترة (1).

ويمكننا القول أيضا أنه حتى عهد لويس فيليب لم يكن لفرنسا علاقات قوية مع منطقة البحر الأحمر وشرق افريقيا، بينما كان لشركة الهند الشرقية البريطانية نشاط ملحوظ في هذه الجهات منذ مطلع القرن التاسع عشر، أضف الى ذلك زيارة الرحالة البريطانيين الى أثيوبيا كما أوضحنا (2)، ولذلك فكرت شركة نانت وبوردو الفنسية في ارسال البعثات الى داخل الحبشة، ولعل أهما بعثة تاميزييه وكومب في الفترة ما بين عام 1835-1837 (3)، وترجع أهمية هذه البعثات أنها أتاحت لأول مرة للفرنسيين التوغل داخل الحبشة، وكانت من البعثات الرائدة، والحقيقة أن هدف البعثة لم يكن هدفا علميا بحتا أو للكشف عن أراضي مجهولة بالنسبة للفرنسيين، وانما كانت تعليمات وزارة البحرية الفرنسية واضحة، فالبعثة رسمية لاكتشاف الحبشة وسواحل البحر الأحمر، ولكن رغم هذا المظهر العلمي الا انه طلب من أعضائها تقرير يوضح مدى امكانية قيام الفرنسيين ببسط سيطرتهم على الحبشة (4).

ولكن لم يكتب النجاح تماما للبعثة، فقد حاول كومب اقامة منشأة تجارية فرنسية في مصوع، ولكنه قوبل بمعارضة من السلطات المصرية في زيلع (5) الى جوندار حيث عتيش قبائل الجالا، وأوضح المبعوثان تفاصيل رحلتهما في كتاب صدر في باريس عام 1838 بعنوان رحلة الى الحبشة (1).

هذا وقد طلب كومب في تقرير له الى وزارة البحرية ضرورة ارسال بعثات اخرى الى الحبشة، كما أكد أنه أول من وصل الى الحبشة من الفرنسيين، ولذلك تم ارسال بعثة روجيه وجالينيه وفريه في الفترة ما بين 1839-1841، والذين أكدوا بضرورة العمل على زيادة الاتصالات بالحبشة، كما أكدوا بأن وجود البريطانيين في عدن قد ساعدها على الانطلق منه صوب سواحل البحر الأحمر، ووحذروا من نشاط شركة الهند الشرقية البريطانية، وأوضح الملازم فريه في تقريره بأنه من الممكن تفادي فشل بعثة كومب السابقة، ويمكن التغلب على رفض السلطات المصرية في زيلع باقامة منشأة فرنية في مصوع باقناع محمد علي والي مصر بالتنازل عن مصوع، خاصة وأن حصيلة الجمارك في ذلك الميناء بسيطة ولا يصل الى القاهرة منها الا خمسين ألف فرنك، كذلك أوضح فريه بأن البريطانيين لن يتخلوا عن عدن ولن يتراجعوا في سبيل دعم نفوذهم في البحر الأحمر، وأنهم قاموا بمحاولات لشراء مصوع وحنفيلة لكي يمنعوا الفرنسيين من الاقامة في هذين المينائين (2).

كذلك قدم فريه وجالينيه وصفا شالا لتجارة الحبشة ومدنها المختلفة وتجارتها الداخلية وأشهر المراكز التجارية فيها خاصة في تيجري وجودجام وبيجمدار وأنكوبار، وأكد أن جوندار هي مركز تجارة البحر الأحمر ولها تجارتها النشطة مع الهند والجزيرة العربية والسودان (3).

هذا كما عملت بعثة فريه وجالينيه في جوندار عمل الضابط البحري لوفيفر م عام 1839-1843 (4)، في مرتفعات أثيوبيا في الشمال الشرقي ووضع مؤلفا عنها دون فيه ملاحظاته عن البلاد، وقد قابل حاكم تيجري الذي أبدى استعداده للتنازل عن خليج حنيفلة للفرنسييين (1).

وكان من الطبيعي أن تعمل بريطانيا علىمراقبة نشاط فرنسا وذلك في قاعدتها البحرية في عدن، وتحركت اللجنة السرية التي تدير امور شركة الهند الشرقية في لندن وأبلغت هينز المقيم السياسي البريطاني في عدن بتحركات فريه وجالينيه، وطلبت منه اللجنة ارسال ضابط بريطاني الى زيلع للعمل على احباط محاولات الفرنسيين لبسط نفوذهم على أن يمنح كافة الصلاحيات لشراء محطة تتحكم في ميناء تاجورة، ولذلك بادر هينز بارسال الكابتن مورسبي عام 1840 الى ميناء تاجورة فنجح في شراء جزر موسى الواقعة في راس خليج تاجورة، وعقد معاهدة صداقة وتجارة مع القبائل المحلية (2).

على أن هذه البعثات الكشفية والتجارية من الجانبين الفرنسي والبريطاني أوضحت حقيقة مهمة في البلاد، الا وهي أن الحبشة مقسمة وان الفوضى تسود فيها، وقد ظهر في النصف الأول من القرن التاسع عشر ثلاث قوى رئيسية، هي الملك سهلا سلاسي ملك شوا، ثم الرأس علي في أمهارا (جوندار)، ثم رأس اوبي في تيجري، وقد تصارعت هذه القوى في البلاد (3)، كذلك تنازع النبلاء فيما بينهم مما أدى الى اختفاء قوة وهيبة الدولة، وقد ساعد على هذا الانقسام كما أوضحنا الطبيعة الجبلية لأثيوبيا، والتي لعبت دورا في صنع تاريخها فلم تساعد هذه الطبيعة على قيام دولة متحدة ذات حكومة مركية، فالجبال منعت الاتصال بين الكسان وكنت الحواجز واعاقت أي سلطة للحكومة ان تبسط سيطرتها، كما ساعدت على استقلال السكان أنفسهم (4).


علاقة فرنسا بالحبشة 1868

ازداد النشاط الفرنسي في البحار الشرقية منذ الأربعينيات من القرن التاسع عشر، وخاصة بعد أن نجحت فرنسا في اعلان الحماية على جزيرة نوسي بي، الواقعة شمال غرب مدغشقر في عام 1841، وعلى جزيرة مايوت في عام 1843، وبذلك اوجدت قواعد لها في المحيط الهندي، أضف الى ذلك قاعدتها القديمة في ريونيون (بوريون)، كذلك كثفت فرنسا نشاطها التنصيري في الهند الصينية والشرق الأقصى، واستتبع ذلك الاهتمام بالبحر الاحمر وبالقوى السياسية المهمة فيه، فاتجهت فرنسا بنظرها الى الحبشة (1)، وساعدها على ذلك أن رحلات ومؤلفات كومب وفريه فتحت الطريق أمامها الى الحبشة، وفي عام 1839 قام العالم الفرنسي روشيه ديركور بالسفر الى تاجورة ، ثم اتجه نحو أراضي الحبشة الداخلية فوصل شوا حيث أحسن ملكها سهلاسيلاس استقباله وارسل معه الهدايا الى لويس فيليب ملك فرنسا، وقد أكد روشيه بعد عودته لفرنسا على ضرورة الاتفاق مع شوا فهي قلب اثيوبيا وحاكمها من أقوى الحكام، وانه من الافضل لفرنسا اقامة علاقات تجارية معه (2).

راقبت السلطات البريطانية في عدت بعثة دير كور الى مملكة شوا وارادت احباط محاولات الفرنسيين لبسط نفوذهم فيها، ولذلك وافقت حكومة الهند الى ارسال بعثة الى شوا، فتم ارسال بعثة كرايف الى شوا في عام 1840، وأحسن سهلا سيلاس استقبالها وطلب مساعدة بريطانيا له بارسال الأسلحة الحديثة لقواته، كما ارسل الهدايا الى المقيم السياسي في عدن (3)، هذا وقد أوصى كرايف بضرورة تدعيم النفوذ البريطاني في شوا باعتبارها تتحكم في واحد من أهم الطرق التجارية المهمة التي تخترق القارة الأفريقية، بل انه يمكن بالسيطرة عليها وقف تجارة الرقيق وبسط النفوذ البريطاني في وسط القاهرة وفي شرقها.

ونظرا لاستمرار النشاط الفرنسي في البحر الأحمر ارسلت الحكومة البريطانينة بعثة الكابتن وليم هاريس وهو أحد مهندسي شركة الهند الشرقية البريطانية وكان مزودا بسلطات كافية لعقد معاهدة الصداقة والتجارة باسم الملكة فيكتوريا مع سهلاسيلاسي ملك شوا والجالا، والتي تم توقيعها في 16 نوفمبر 1841 تعهد فيها كل من الملكة فيكتوريا وسهلاسيلاسي ببذل كل ما في وسعهما لكي تبقى طرق التجارة مفتوحة، ولتأمين المواصلات بين ساحل البحر الأحمر وبلاد الحبشة، وللمحافظة على سلامة التجار، وبضائعهم وأموالهم، كما تعهدت الحبشة بألا تقيم أية عقبات أمام المسافرين البريطانيين سواء منم كان يرغب منهم في الاقامة في الحبشة أو من كان يرغب في مواصلة السفر فيها، فيما وراء حدود تلك المنطقة (1).

لم تقف فرنسا موقف المتفرج من معاهدة وليم هاريس مع ملك شوا، فأسرعت بارسال روشيه في بعثة ثانية الى الحبشة عام 1842-1843، وكلف بمهمة رسمية وسياسية الا وهي عقد معاهدة مع شوا، وقد أحسن سهلاسيلاسي استقباله في أنجوليلا حيث عقدت المعاهدة في 7 يناير 1843 حصلت بمقتضاها فرنسا على امتيازات لرعاياها (2).

ونصت المعاهدة على أن يعتبر حاكم شوا أعداء فرنسا اعداء له سواء من المسلمين أو الاجانب، كذلك اقر بأن لويس فيليب هو حامي المسيحيين في القدس وعليه رعاية حجاج شوا أيضا، كذلك أعطت المعاهدة الفرنسيين حق شراء العقارات والبيع والتصرف فيها، وأن يكون للفرنسيين الأفضلية في التعامل.

وحققت معاهدة روشيه ديركور مع أثيوبيا امتيازات سياسية وتجارية لفرنسا، واعتبرت رحلته الثانية الى أثيوبيا مصدرا رسميا وهاما للمعلومات عن اقليم شوا لسنوات طويلة.

ورغم أن المعاهدة ظلت حبرا على ورق، فلم يحضر التجار الفرنسيين الى شوا للتجارة، الا أن فرنسا تمكت بها خاصة في عهد منليك الثاني (3).

لم تكتف فرنسا بتوقيع معاهدة عام 1842، وعملت على ارسال البعثات الى الحبشة، منها بعثة دي فوسييه في عام 1844، وهو قائد محطة يوريون ومدغشقر، وكلف باستكمال الدراسات الخاصة بالبحر الأحمر (1).

لم تشعر بريطانيا بالقلق بسبب تحركات الفرنسيين النشطة فحسب، وانما تخوفت من نشاط محمد علي في سواحل البحر الأحمر، فاذا ما شدد قبضته على سواكن ومصوع فانه سوف يتدخل في التجارة الأفريقية، وسوف ينشئ علاقات مع سكان المناطق الداخلية في القارة، مما يؤثر على التجارة والمصالح البريطانية، ولذلك قام بملرستون بتعيين والتر بلودن قنصلا لبريطانيا في مصوع في عام 1848، وكلف بت