المعارك الحربية على الجبهة المصرية

من معرفة المصادر

المعارك الحربية على الجبهة المصرية، كتاب من تأليف المؤرخ العسكري جمال حماد، يتناول فيه وقائع حرب أكتوبر 1973.

محتويات

تقديم

الفصل الأول: كيف جرى التخطيط لحرب أكتوبر 1973؟

بعد هزيمة 5 يونيو وإستيلاء القوات الإسرائيلية على شبة جزيرة سيناء وقطاع غزة،وكان الواجب الرئيسى للقيادة العامة للقوات المسلحة ورئاسة الأركان هو إعادة تنظيم وتسليح وتدريب القوات المسلحة المصرية التى أصيبت بالانهيار خلال الحرب على أسس سليمة من النظام والتخطيط والانضباط . ومنذ شهر يوليو67بدأت هيئة العمليات الحربية فى وضع الخطة العسكرية لتحرير الأرض المحتلة بناء على توجيهات القيادة العامة للقوات المسلحة.وقد ظلت خطط العمليات تتبدل وتتغير عدة مرات ،سواء فى اهدافها المرحلية أو فى أهدافها النهائية، حتى استق الرأى فى النهاية على تبنى(الخطة جرانيت2 المعدلة)والتى تم بموجبها تنظيم التعاون بين القيادتين:المصرية والسورية يوم 7 يونيو 73بمقر القيادة المصرية بمدينة نصر..وهى الخطةالتى تم تغيير اسمها الكودى فى شهر سبتمبر73 إلى الخطة (بدر) ولقد تولى منصب القائد العام للقوات المسلحة خلال الفترة من 11يونيو 67حتى بدء حرب اكتوبر 73 (حوالى ست سنوات واربعة أشهر)ثلاثة من القادة.ومما يدعو الى الالتفات الية انهم جميعا تولوا منصب رئيس اركان حرب القوات المسلحة قبل اسناد منصب القائد العام اليهم ،وهم وفقا لترتيب توليهم مناصبهم:

  • الفريق اول محمد فوزى:وقد تولى منصب رئيس الأركان قبل حرب يونيو67، ثم تولى منصب القائد العام للقوات المسلحة من 11يونيو67 حتى تقدم باستقالته فى13 مايو71،وبذايكون قد أ مضى فى منصبة حوالى أربعة أعوام..
  • الفريق أول محمد أحمد صادق: وقد تولى منصب رئيس الأركان اعتبارا من 10 سبتمبر 69 ،وبعد أن أمضى حوالى عشرين شهراً فى هذا المنصب عهد إليه بمنصب القائد العام للقوات المسلحة يوم 13مايو 71على أثر الأحداث المعروفة بحركة1مايو،استمر فى منصبه حوالى عام ونصف العام حتى تمت للسادات تنحيته فى 26 أكتوبر 72.
  • المشير أحمد إسماعيل على :وقد تولى منصب رئيس الأركان اعتبارا من 10مارس 69،على أثر استشهاد الفريق عبد المنعم رياض ،ولم يبقى فى منصبه سوى ستة أشهر فقط،فقد أمر عبد الناصر بتنحيته عن منصبه فى 10 سبتمبر 69 على أثر وقوع الاغارة البرمائية الإسرائيلية على الزعفرانة على خليج السويس فى اليوم السابق ،

ولكن الرئيس الراحل السادات أسند اليه منصب القائد العام للقوات المسلحة فى يوم 26 أكتوبر 72 على أثر تنحية الفريق أول محمد صادق ،أى قبل نشوب حرب أكتوبر بعام واحد فقط . هذا وقد تولى منصب رئيس أركان القوات المسلحة خلال هذة الفترة أربعة من القادة، ذكرنا منهم اثنين وهما:المشير أحمد اسماعيل والفريق أول محمد صادق.

وهناك اثنان اخران توليا هذا المنصب وهما:

  • الفريق عبد المنعم رياض:وقد تولى منصب رئيس الأركان فى 12 يونيو 67 وظل يتولاه لمدة21 شهرا حتى استشهد فى 9 مارس 69خلال حرب الاستنزاف .
  • الفريق سعد الشاذلى : وقد تولى منصب رئيس الأركان يوم 16 مايو 71 على أثر أحداث 15 مايو المعروفة ، أى قبل نشوب حرب أكتوبر بحوالى عامين ونصف العام. وهؤلاء القادة الخمسة كانوا هم بلا شك المسئولين طول الفترة بين الحربين (يونيو67 واكتوبر73)وفقا لترتيب توليهم لمناصبهم عن وضع الأسس والتوجيهات لهيئة العمليات

الحربية، لاعداد خطط العمليات الهجومية لتحرير الأرض السليبة بشتى أشكالها ومراحلها مع مراعاة مدى امكانات وقدرات القوات المسلحة على التنفيذ.وقد تمت لهم بالطبع مناقشة هذة الخطط الموضوعة على المستوى العسكرى مع هيئة العمليات ومديرى الأفرع والأسلحة وقادة الجيوش الميدانية . وعلى المستوى السياسى مع رئيسى الجمهورية الراحلين:عبد الناصر والسادات .ونظرا لأن ثلاثة فقط من هؤلاء القادة قاموا بنشر ارائهم بالنسبة لخطط العمليات الموضوعة وهم :الفريق أول محمد فوزى والفريق أول محمد صادق والفريق سعد الشاذلى ، لذلك سوف نعرض وجهه نظر كل منهم فى الخطة التى كان يتبناها ،وسوف يتضح لنا من مناقشة وتحليل هذة الخطط الصورة الحقيقية لما كان يدور من مناقشات وخلافات فى وجهات النظر سواء بين القيادات العسكرية بعضها وبعض ،أو بينها وبين القيادة السياسية فى تلك الفترة الخطيرة من تاريخ مصر.

ماذاقال الفريق أول فوزى عن خطة تحرير سيناء؟

ذكر الفريق فوزى أنه بناء على توجيهات الرئيس الراحل عبد الناصر الصادرة إليه فى يوليو67 فى أعقاب الهزيمة، أصبحت إستراتيجية العمل العسكرى للقوات المسلحة المصرية هى تحرير الأرض المحتلة فى سيناء بالقوة،والوصول بالقوات المصرية إلى خط الحدوح المصرية الفلسطينية وتأمينها ،ثم استغلال النجاح سياسيا لاسترداد حقوق الشعب الفلسطينى،وكانت الفترة الزمنية التى حددها عبد الناصر لتحقيق ذلك الغرض هى ثلاث سنوات. ونتيجة لدراسة اللجان العسكرية التى شكلت داخل القيادة العامة برئاسة الفريق عبد المنعم رياض رئيس أركان حرب القوات المسلحة التى استمرت لمدة شهر،تم وضع خطة عامة لتحرير الأرض أطلق عليها اسم الخطة 200،وانبثقت من الخطة200 خطط رحلية وخطط نوعية ،وتم تطبيق هذه الخطط فى شكل مشروعات عمليات مشتركة. وانتهت هذة المرحلة بوضع الخطة (جرانيت)التى كانت تحقق المرحلة الأولى من الخطة 200 الشاملة. ويعنى هذا الكلام بوضوح أن القيادة العامة قد تم لها وضع خطة هجومية شاملة هى الخطة 200 للوصول الى الحدود الدولية ، وأن هذه الخطة كان سيجرى تنفيذها على مرحلتين:المرحلة الأولى ، وأطلق عليها اسم جرانيت، وكانت عبارة عن عبور قناة السويس واقتحام خط بارليف والوصول الى منطقة المضايق الجبلية الاستراتيجية. والمرحلة الثانية: كانت عبارة عن التقدم من منطقة المضايق فى عملية هجومية للوصول الى الحدود الدولية،وبذا يتحقق الغرض النهائى وفقا للخطة 200. وأوضح الفريق فوزى بعد ذلك أنه عقب مرور ثلاثة أعوام على هزيمة يونيو 67 وصلت القوات المسلحة المصرية الى مقدرة وامكانات عسكرية ومعنويات عالية، وتم اختيار التشكيلات الميدانية وجميع أفرع القيادة العامة على واجبات عملياتها ،بحيث أصبح فى امكان هذه القوات البدء فى معركة التحرير بمجرد صدور الأمر إليها بذلك. وفى أواخر أغسطس عام 70 وفى اجتماع مصغر دعا إليه عبد الناصر لعرض الموقفين السياسى والعسكرى بعد أن توقفت حرب الاستنزاف فى 7 أغسطس 70،عقب مبادرة روجرز التى كان أول بنودها ينص على أن يتوقف الطرفان عن اطلاق النار فى الأرض وفى الجو عبر خط وقف اطلاق النار لمدة ثلاثة أشهر، ذكر الفريق فوزى أنه أبدى للرئيس الراحل عبد الناصر استعداد القوات المسلحة لبدء معركة التحرير فور انتهاء فترة وقف اطلاق النار المؤقت فى 7 نوفمبر70.وأكد الفريق فوزى فى مذكراتة أنه فى الأسبوع الأول من سبتمبر 70 حصل على تصديق شفهى من عبد الناصر – خلال وجوده معه فى رحلة إلى مرسى مطروح- على تنفيذ الخطة 200،على أن يركز على تنفيذ الخطة جرانيت أولا وهى الوصول الى منطقة المضايق،وعلى أن يتم تنفيذ ذلك بمجرد انتهاء فترة وقف اطلاق النار .وعلل الفريق فوزى سبب حصوله على تصديق شفهى من عبد الناصر على تنفيذ الخطة200دون بحث أو مناقشة القرارات التفصيلية التى كان يحملها معه والخاصة بالخطة 200الشاملة والخطة جرانيت المرحلية كما كان الاتفاق ، بأنه انما يرجع الى ظروف طارئه ، فقد حضر الرئيس الليبى معمر القذافى ومعه اثنان من زملائه فجأة الى مرسى مطروح وانشغل عبد الناصر معهم دون أن يتمكن الفريق محمد فوزى من الانفراد به خلال الأيام الأربعة التى قضاها معه هناك،ثم ما جرى بعد ذلك من تصاعد الموقف فى عمان على أثر الصدام بين الملك حسين والفلسطينيين، وأخيرا حالت وفاة عبد الناصر فى 28سبتمبر 70التى كانت كما ذكر الفريق فوزى- حادثا ذا آثار إستراتيجية خطيرة- حالت دون استمرار التخطيط الزمنى لبدء معركة التحرير. ورغم ما ذكره الفريق فوزى فى مذكراته بشأن الخطة الهجومية 200ومرحلتها الأولى (جرانيت) فان هناك عدة حقائق مهمة تجعانا نشك فى صحة ما سجله الفريق فوزى، سواء من ناحية الخطة الهجومية التى وضعها أو من ناحية إتمام القوات المسلحة استعدادتها لشن الهجوم فى التاريخ الذى حدده. وتتلخص هذه الحقائق فيما يلى : اولا - ليس من المعقول أن يعامل عبد الناصر الذى عرف عنه الالتزام وتقدير المسئولية القرار المصيرى الذى كان يتوقف عليه مصير بلاده بل مصير عبد الناصر نفسه ونظام حكمه بهذه الخفة والاستهانة اللتين لا مثيل لهما. فلقد انشغل عن القائد العام الذى كان يحمل فى حقيبته أخطر قرارات الحرب وأشدها سرية مدة أربعة أيام كاملة،نظرا لوصول القذافى وبرفقته بعض الضيوف من ليبيا،ثم بلغ انشغاله عن قائده العام إلى الحد الذى جعله يعطى الفريق فوزى تصديقا شفهيا على تنفيذ 200،على أن يركز على تنفيذ الخطة جرانيت أولا ، وذلك بعد انتهاء وقف إطلاق النار المؤقت فى 7 نوفمبر 70،دون أى مناقشات أو دراسة أو أطلاع على خرائط الموقف. ثانيا - فى الوقت الذى سجل فيه الفريق فوزى فى مذكراته أن قياس قدرات قواتنا مع قوات العدو فى أواخر عام70وأوائل عام71كان لصالح قواتنا عددا وتسليحا وكفاءه فى كل أفرع القوات المسلحة،وأن توقيت معركة التحرير (فى نهاية عام70)وتنفيذ الخطة الموضوعة التى تم التدريب عليها عمليا وهى الخطة جرانيت واستكمالها بالخطة 200 الشاملة كان توقيتا مخططا وسليما،وأن ميزان القوى كان إلى جانب مصر- نجد أن الفريق سعد الشاذلى يسجل فى مذكراته أنه عندما بدأ عمله بعد تعيينه رئيسا للأركان فى16مايو71بدراسة إمكانات القوات المسلحة الفعلية ومقارنتها بالمعلومات المتيسرة عن العدو،أتضح له نتيجة لهذه الدراسة أنه ليس من الممكن القيام بهجوم واسع النطاق يهدف إلى تدمير قوات العدو وارغامه على الانسحاب من سيناء وقطاع غزة،وأن امكانات القوات المسلحة المصرية الفعلية قد تمكنها-إذا احسن تجهيزها وتنظيمها - من القيام بعملية هجومية محدودة تهدف الى عبور قناة السويس وتدمير خط بارليف ،ثم التحول بعد ذلك الى الدفاع. ولا شك في أن نتيجة الدراسة التى أجراها الفريق سعد الشاذلى تتناقض تناقضا جوهريا مع ما سبق ذكره الفريق محمد فوزى من أن قدرات قواتنا كانت تفوق قدرات قوات العدو،وأن ميزان القوى كان الى جانب مصر خصوصا وأن الفترة الزمنية التى كان يتحدث عنها القائدان هى فترة زمنية واحدة وهي أوائل عام71. ثالثا -أن مجريات الحوادث عقب وفاة عبد الناصر وتسلم السادات مسئولية الحكم لا تدل مطلقا على أن القوات المسلحة المصرية كانت على تمام الاستعداد للمعركة ،وأن الفريق فوزى كان جادا للبدء حقا فى حرب التحرير بمجرد انتهاء فترة وقف اطلاق النار المؤقت فى يوم7نوفمبر70، فان وفاة عبد الناصر فى28سبتمبرلايمكن أن تكون مبرراً معقولاً لمنع القائد العام للقوات المسلحة من شرف البدء فى حرب التحرير التى أتم تجهيزاته وأعد خططه لها لسترجاع قطعة غالية من ارض الوطن.وفضلا عن ذلك، فان اتمام تجديد فترة وقف اطلاق النار لمدة ثلاثة أشهر أخرى انتهت فى7 فبراير71،ثم تجديدها مرة ثانية لمدة شهر انتهى فى7 مارس

  71 أمر يدل بوضوح على عدم استعداد القوات المسلحة وقتئذ لخوض 

المعركة،وبخاصة أن السادات فى كتابة(البحث عن الذات)كان يشكو من أن الفريق محمد فوزى وجماعته الذين أسماهم مراكز القوى كانوا يهدفون خلال اجتماعاته بهم فى اللجنة التنفيذية العليا عند بحث موضوع تجديد فترة وقف إطلاق النار الى توريطه،وذلك عن طريق عدم التجديد واستئناف حرب الاستنزاف.وقد عارض السادات رأيهم خشية تعرض الوجة القبلى وقتئذ للغارات الإسرائيلية لعدم إرسال الاتحاد السوفيتى الصواريخ التى وعد بإرسالها من قبا.ومن هنا يتضح أن أقصى ما كان يطالب به الفريق فوزى بعد انتهاء فترة وقف إطلاق النار هو السماح له باستئناف حرب الاستنزاف.ولم يطالب رئيس الجمهورية إطلاقا بالتصديق له على تنفيذ الخطة 200أو حتى الخطة المرحلية جرانيت رغم أنخ ذكر أن عبد الناصر سبق أن منحه تصديقا شفهيا بتنفيذها فى الأسبوع الأول من سبتمبر70،وفضلا عن ذلك فانه عندما انتهت اخر فترة لتجديد وقف اطلاق النار فى7 مارس 71 وأعلن السادات على أثرها أن مصر غير ملتزمة بوقف إطلاق النار،لم يحرك الفريق فوزى ساكنا ولم يأمر حتى بشن حرب الاستنزاف التى كان يطالب السادات خلال اجتماعاته به بالتصديق له باستئنافها . فهل تتماشى هذه التصرفات مع قائد كان عاقد العزم فى أوائل سبتمبر70على البدءبحرب التحرير فور انتهاء فترة وقف إطلاق النار فى نوفمبر70؟ رابعا - نشر الفريق فوزى أن السادات قد أصدر له يومى29إبريل و9مايو 71 فى منزله بالجيزة التوجيهات النهائية لعمليات تحرير سيناء كما حدد له اليوم الذى تبدأ فيه المعركة،وأنه قام بالاشتراك مع الفريق محمد صادق رئيس الأركان وقتئذ بكتابة وثيقة تحرير الأرض ،ولكن السادات رفض التوقيع عليها عندما عرضها عليه يوم11مايو،وأنه حاول طوال يوم12 مايو اقناعه بالعدول عن رفضه،ولكنه صمم على رأيه ،وأن ذلك كان السبب الحقيقى فى الاستقالة التى قدمها يوم13مايو71.ولكن الفريق محمد صادق نفى هذه الواقعة من أساسها وأنكر اشتراكه فى كتابة أى وثيقة خاصة بالمعركة مع الفريق فوزى .وعلاوة على ذلك فان الوثيقة التى أكد الفريق فوزى أنها كانت تتضمن تنفيذ الخطة جرانيت أى الوصول الى المضايق،اتضح عند عثورنا عليها أن كل ما كانت تتضمنه هو مجرد القيام بعمليات محدودة ابتداء من الأسبوع الأول من شهر يونيو 71، وهى عمليات تماثل الى حد كبير العمليات التى تم التدريج اليها فى نهاية حرب الاستنزاف قبل أن تتوقف فى8 أغسطس70على أثر مبادرة روجرز،أى أنه لا توجد ضمن هذه الوثيقة أى عبارة تشير إلى تحرير الأرض أو الى الخطة جرانيت أو الى الوصول إلى منطقة المضايق. خامسا - سجل الفريق سعد الشاذلى فى مذكراته مايهدم أقوال الفريق أول محمد فوزى من أساسها،فقد أورد فى مقدمة الفصل الثانى من الباب الأول ما يلى بالحرف: عندما عينت رئيساً لأركان حرب القوات المسلحة في 16 مايو 71 (على إثر تقديم الفريق محمد فوزى استقالته واعتقاله فى أحداث 15 مايو)، لم تكن هناك خطة هجومية.لقد كانت لدينا خطة دفاعية تسمى الخطة 300،وكانت هناك أيضا خطة تعرضيةأخرى تشمل القيام ببعض الغارات على مواقع العدو فى سيناء،ولكنها لم تكن فى المستوى الذى يسمح لنا بأن نطلق عليها خطة هجومية ،وكانت تسمى جرانيت .ومما يسترعى الالتفات إليه ،أن السادات قد أيد ما ذكره الفريق سعد الشاذلى فى مذكراته بشأن الخطة200.فلقد ورد فى كتابه(البحث عن الذات) فى الصفحة 248 مايلى بالحرف:“قبل أن يموت عبد الناصربشهر واحد،دعانى وذهبنا معا سويا الى مبنى القيادة العامة للقوات المسلحة فى مدينة نصر،وهناك جمع القادة المصريين والخبراء السوفيت ومحمد

 فوزى وزير الحربية فى ذلك الوقت. ووقف الخبراء السوفيت والقادة

المصريون لمدة 7 ساعات أمام عبد الناصر وأمامى يشرحون الخطة الدفاعية 200التى أقرها الجميع.كان هذا هو الوضع العسكرى الذى تسلمته من عبد الناصر:خطة دفاعية سليمة 100‰،ولكن لا وجود لخطة هجومية”.ترى ما هو رأى الفريق فوزى بعد شهادتى السادات والشاذلى فى خطته 200التى ادعى أنها هجومية ،وأنها كانت تكفل تحرير سيناء والوصول الى الحدود الدولية فى 12 يوما؟ ≡ماذا قال الفريق أول محمد صادق عن الخطة الهجومية؟≡ نشر الفريق أول محمد صادق مقالا له فى نوفمبر84 ذكر فيه أن التفكير فى حرب شاملة لتحرير كل الاراضى المحتلة فى سيناء أمر لم يكن مطروحا عندما كان قائدا عاما للقوات المسلحة مدام ميزان القوى كان وقتئذ لصالح إسرائيل،ومادامت قدرة مصر على الحصول على الإحتياجات المطلوبة لمثل هذه الحرب كانت رهنا بسياسات الاتحاد السوفيتى. وليس بخاف أن القادة السوفيت كانوا ضد فكرة نشوب حرب جديدة بين العرب وإسرائيل.ونتيجة لذلك كان تصور الفريق صادق للعمليات التى ينبغى أن تقوم بها مصر ضد إسرائيل مرتكزا على الأسس التالية:

أولا -على الجانب الذى يبدأ الحرب أن يضع فى حسابه أن يستثمر النجاح الذى يحققه فى البداية للوصول الى خط دفاعى يستند إلى مواقع طبيعية ليتحرش بالعدو من خلفه وليكون قادرا على مواصله الحرب،إلى أن يتحقق وقف اطلاق النار.ومن خلف هذا الخط يعد كل قواه العسكرية والمدنية لتحمل الضغوط العسكرية المتمثلة فى هجمات مضادة متواصلة للاختراق وتدمير رءوس الكبارى التى يكون قد نجح فى انشائها ،وفى ضربات قد توجه الى اهدافه المدنية لتحقيق خسائر يمكنها أ تولد ضغوطا مؤثرة على القرارين السياسى والعسكرى. ثانيا - بالنسبة لمصر فان تنفيذ خطة الاقتحام المدبرة للمانع المائى وخط بارليف الحصين كان يتطلب بعد انشاء رءوس الكبارى مواصلة التقدم السريع لبعض الوحدات المضرعة والمشاة لاحتلال منطقة المضايق الحاكمة فى سيناء،فهذه المضايق هى الخط الدفاعى الأول والرئيسى عن منطقة القناة.وكانت جميع خطط العمليات تتضمن الأسلوب الملائم لتحقيق هذا الهدف،ومن الازم اسقاط وحدات من المظلات وجنود الصاعقة عند المضايق لاحتلالها كواجب رئيسى ، وفى نفس الوقت تقوم بمنع تدخل احتياطى العدو التعبوى الموجود فى العمق فى عمليات قواتنا حتى يتم العبور بالكامل. ثالثا - لو أن الحلفاء قد توقفوا بعد نجاحهم فى إنشاء رأس كوبرى فى نورماندى واكتفوا بالقيام بالدعاية لهذا النجاح الذى أحرزوه، لكانت الفرصة قد

سنحت للقائد الألمانى الفيلدمارشال روندشتد لكى يقوم بالهجوم المضاد

ويقذف بهم الى البحر بسهولة.ولذا فان الاكتفاء بإنشاء منطقة رءوس الكبارى والوقوف قبل المضايق لن يمكن قواتنا من إنشاء خط دفاعى قوى،ويمكن للعدو حشد قواته واختراق دفاعاتنا وعبور قناة السويس إلى الغرب وتطويق قواتنا التى عبرت إلى الشاطىء الشرقى. رابعا - كانت فكرة السادات أن تعبر القوات المصرية القناة وأن تستولى ولو على متر واحد من الضفة الشرقية ،وبعد ذلك نسعى للوصول إلى حل سياسى.ثم تطورت فكرته إلى ضرورة التوقف بعد إقامة روءس الكبارى شرق القناة وتحريك القضية سياسياً .ولكن الفريق صادق ذكرأنه كان معارضاً لهذه الأفكار وأنه شرح للسادات خطته التى كانت ترتكز على الخطوات التالية: 1 – عبور قناة السويس ، ويمكن بسهولة التغلب على كل الصعاب التى تعترض أو تعرقل عملية العبور. 2 - الاقتصار فى مهاجمة النقط الحصينة فى خط بارليف على تلك التى تؤثر على خطة الاقتحام وأجناب القوات القائمة بالعبور. 3 - إسقاط وحدات مظلات وصاعقة وقوات إقتحام جوى فوق المضايق للتمسك بها حين وصول القوات المدرعة والمشاة المدعمة لها،وفى نفس الوقت منع الإحتياطى التعبوى للعدو الموجود فى العمق من التدخل فى المعركة. 4 - إنطلاق مجموعات من القوات المدرعة والمشاة الميكانيكية إلى المضايق الثلاثة للانضمام وتدعيم القوات التى تم ابرارها عند المضايق. 5 - روءس الكبارى ستستند على القناة وتحتمى خلف الخط الدفاعى المرتكز على المضايق 6 – يجرى نقل بطاريات صواريخ الدفاع الجوى إلى شرق القناة لحماية القوات البرية من أى هجمات جوية معادية بالإضافة إلى وحدات الدفاع الجوى الذاتية الحركة مع مراعاة أن جميع القوات سوف تكون تحت مظلة القوات الجوية. 7 - إن مائة طائرة قاذفة مقاتلة ذات مدى طويل كافية لحماية قواتنا حتى الوصول إلى المضايق.

ولكن الفريق سعد الشاذلى أورد فى مذكراته ما يتعارض مع نشره الفريق محمد صادق.فقد ذكر أن فكرة الفريق صادق عن العملية الهجومية عندما ناقشه فيها عقب تعيين الشاذلى رئيسا للأركان بشهرين،كانت ترتكز على أن نقوم بتدمير جميع قوات العدو فى سيناء والتقدم السريع لتحريرها هى وقطاع غزة فى عملية واحدة ومستمرة.وقد اوضح الشاذلى له عدم توافر الامكانات للقيام بذلك فى الوقت الحالى أو المستقبل القريب.وحتى على فرض أن السوفيت سوف يقومون بتزويدنا بالأسلحة الهجومية التى نطلبها،فاننا نحتاج إلى عدة سنيين للحصول عليها والتدريب على استحدامها. وعندما اقتنع الفريق صادق باستحالة تنفيذ خطتة،فى الوقت الذى كان يعارض فيه بشدة خطة الفريق الشاذلى فى القيام بعملية هجومية محدودة نظرا لما فى هذه الخطة من عيوب وثغرات جسيمة ،تم الوصول إلى حل وسط هو تجهيز خطتين،خطة تهدف إلى الإستيلاء على المضايق،وأخرى تهدف إلى الاستيلاء فقط على خط بارليف. وكان تنفيذ خطة الإستيلاء على المضايق يتوقف على مدى ما سيقدمه لنا الاتحاد السوفيتى من صفقات الأسلحة والمعدات التى تم تحرير كشوفات بها بالاتفاق مع المستشارين السوفيت الذين كانوا يتهموننا دائما بالمغالاة فى مطالبنا.ومن أجل ذلك سافر الرئيس الراحل السادات والفريق صادق الى موسكو فى أكتوبر71 حيث تم الاتفاق على صفقة أسلحة كانت تعتبر أكبرصفقة اسلحة مع السوفيت حتى ذلك الوقت. ورغم ضخامة هذه الصفقة فانها لم تغط جميع الأسلحة اللازمة لتنفيذ خطة الوصول الى المضايق. وقد تمت مناقشة هذه المشكلة- كما ذكر الفريق الشاذلى- فى الاجتماع المصغر الذى تم فى يوم 6 يونيو 72 فى استراحة الرئيس بالقناطر الخيرية ،والذى حضرته الدائرة الصغرى من أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة . وفى هذا الاجتماع قرأاللواء عبد الغنى الجسمى رئيس هيئة العمليات تقريرا عن موقف القوات المسلحة ،كما أشير أيضا الى تقرير أعده اللواء أحمد اسماعيل رئيس المخابرات العامة وقتئذ كان يؤكد فيه أن القوات المسلحة ليست فى وضع يسمح لها بالقيام بعملية هجومية.

وقد اتضح خلال الاجتماع أن السادات كان يؤيد رأى الفريق محمد صادق فى عدم بدء المعركة الا بعد أن تتوافر لمصر قوة ردع،أى يكون عندنا طيران يستطيع أن يضرب عمق العدو. ولكنه فى نفس الوقت تساءل عما يكون العمل اذا اضطرنا الموقف السياسى الى بدء المعركة قبل الانتهاء من بناء قوة الردع. وقد أوضح الفريق الشاذلى فى هذا الاجتماع أنه يمكن التغلب على هذه المشكلة فى حالة تنفيذ الفكرة التى أبداها من قبل ،وهى وجوب التخطيط لمعركة هجومية محدودة فى ظل تفوق جوى معاد. وذكر أنه يمكن الاعتماد فى تحدينا للتفوق الجوى الإسرائيلى خلال تلك المعركة على الصواريخ المضادة للطائرات(سام). وقد أكد الفريق الشاذلى فى مذكراته أن اللواء المسيرى الذى حضر الاجتماع مندوبا عن القوات الجوية قد أيد رأيه تماما. ≡ لماذا دعا السوفيت محمد صادق لزيارة موسكو؟ ≡ ظلت العلاقات بين الرئيس الراحل السادات والفريق أول محمد أحمد صادق قوية وثيقة منذ وقوفه الى جانبه فى أحداث 15 مايو عام71. وكانت وجهة نظرهما فى أغلب الأوقات تبدو متفقة، كما رأينا فى اجتماع المجلس الاعلى للقوات المسلحة يوم6 يونيو عام 72 باستراحة القناطر الخيرية فيما يتعلق بوجوب عدم القيام بعمل عسكرى واسع النطاق ضد اسرائيل الا بعد تكوين قوة الردع،أى أن يكون عندنا طيران يستطيع أن يضرب عمق العدو. وقد بلغت ثقة السادات فى الفريق أول محمد صادق الى الحد الذى جعلة ينتدبة أحيانا ليمثله شخصيا فى بعض اللقاءات المهمة سواء مع الرؤساء العرب أو مع القادة السوفيت. وعندما سافر الفريق صادق فى احدى المرات إلى السعودية لمقابلة الملك فيصل،كان يحمل معه رسالة من السادات إلى الملك فيصل قال فيها:"ان الفريق صادق هو موضع ثقتى الكاملة . ان أى شىء يقوله أو يعد به هو باسمى ، وتستطيع أن تتكلم وتتعامل معه كما لو كنت تتعامل معى". وكان السادات قد سافر الى الاتحاد السوفيتى يومى2،1فبراير72. وفى أول لقاء مع القادة السوفيت سألهم عن المسئول عن تأخير صفقة الأسلحة التى وعدوه بها عند زيارته لموسكو فى11 أكتوبر 71،فرد بريجنيف وقال : انه المسئول ، نظرا للاجراءات المكتبية والروتينية . فرد السادات قائلا :" أنا لست مقتنعا بهذا الكلام ، واذا تكرر ما حدث مرة أخرى فسوف أتخذ قرارا ما". ثم أعاد عل مسامعهم نفس الكلام الذى سبق أن قاله فى زيارته السابقة وخصوصا النقطتين الأساسيتين ، وهما أن مصر لا تريد جنديا سوفيتيا ليحارب فى معركتها، فأنهوا المناقشة بتأكيد التزامهم باتفاقية أكتوبر 71 لتوريد الأسلحة واقامة الصناعات

العسكرية ، ووعدوا علاوة على ذلك بامداد مصر خلال عام 72 بالأسلحة التالية:
  • 200 دبابة ت 62 ( T62 )
  • 20 طائرة تى يو 22 ( TU22 )
  • 25 طائرة ميج 17 يتم تسليمها فوراً كهدية .
  • تدعيم وزيادة طاقة مصر فى الحرب الإلكترونية .

ولتنفيذ هذه الاتفاقية سافر الفريق عبد القادر حسن نائب وزير الحربية على رأس لجنة عسكرية فى 10 مارس 72 إلى موسكو للتوقيع عليها وفقاً للأصناف التى تم الاتفاق عليها بين السادات والقيادة السوفيتيه فى الشهر السابق. وعاد الفريق عبد القادر حسن فى 18 دون أن يوقع على البندين الخاصين بالدبابات T62والطائرات TU22حيث إن القادة السوفيت طلبوا أن تدفع مصر ثمنهما والذخيرة الخاصة بهما بالعملة الصعبة وبالثمن الكامل. وكان أسلوب الدفع بين مصر والاتحاد السوفيتى فيما يتعلق بثمن الأسلحة والمعدات منذ أيام عبد الناصر يقوم على أساس أن يبيع لنا الاتحاد السوفيتى الأسلحة بنصف ثمنها ويتنازل عن النصف الثانى . كما أن النصف الذى نقوم بدفعه كان يسدد بالجنيه المصرى . وكان الاتحاد السوفيتى يقوم باقراض مصر قرضا يغطى ثمن السلاح الذى تشتريه (أى اﻠ 50% التى يجب على مصر أن تدفعها) ، ويتم دفع هذا القرض على أقساط سنوية لمدة 10 – 15 عاما بفائدة 2  % ويبدأ القسط الأول بعد فترة سماح طويلة . وكان ذلك يعنى أن الثمن الذى تدفعه مصر ثمنا للسلاح السوفيتى يعادل 25% من ثمنه فى السوق العالمية . وكان معنى ما طلبة الاتحاد السوفيتى من الفريق عبد القادر حسن أن الطائرة TU22 يصبح ثمنها6¸ 5 مليون دولار ، والدبابة 2 6 T يصبح ثمنها ربع مليون دولار.وهذة الأثمان وان كانت ما تزال تعادل حوالى 50 % من ثمن مثيلتها الغربية فإنها اعتبرت من جانب مصر عملاً يكاد يكون عدائياً . وفى 15 مايو حضر المارشال جريشكو وزير الدفاع السوفيتى إلى القاهرة فى زيارة لمدة خمسة أيام بعد انتهاء جولته فى العراق وسوريا. وقد عقد الفريق أول محمد صادق مع المارشال جريشكو اجتماعين فى وزارة الحربية ، وكانت النقطة الأولى المهمة التى طرحت على بساط البحث خلال المباحثات بينهما هى موضوع ثفقة الأسلحة التى تم الاتفاق عليها من قبل السادات والقادة السوفيت خلال زيارته لموسكو فى فبراير 72، والتى لم تقم اللجنة العسكرية برئاسة الفريق عبد القادر حسن التى سافرت إلى موسكو فى 10 مارس بالتوقيع على البندين الخاصين بالطائرات تى يو 22 والدبابات ت 62 . وكان السبب الحقيقى لعدم التوقيع بالنسبة للطائرات تى يو 22 هو رفض اللجنة العسكرية شراءها ، فقد اكتشفت أن عيوبها لم تكن تقل عن عيوب الطائرة تى يو 16 التى وصلت إلى مصر منذ ثلاثة أشهر سابقة، وضج الطيارون المصريون من الشكوى منها بسبب عدم إمكان استخدامها بنجاح فى العمليات الحربية بسبب ثقل حركتها وقلة سرعتها بالنسبة للطائرات المقاتلة القاذفة الاسرائيلية . أما بالنسبة للدبابات ت 62 فقد امتنعت اللجنة عن التوقيع بسبب إصرار الجانب السوفيتى على أن يتم دفع ثمن هذه الدبابة بالعملة الصعبة كما سبق أن ذكرنا مما كان يجعل ثمن الدبابة الواحدة يصل إلى

ربع مليون دولار . هذا وقد تمكن الفريق أول محمد صادق خلال محادثاته مع جريشكو 

من حل هذا الخلاف . فقد تنازل الجانب السوفيتى عن مطلبهم الخاص بالعملة الصعبة بالنسبة للدبابة 62،وبالتالى تم التوقيع على صفقة الدبابات بنفس الشروط السابقة . هذا وقد أثار المارشال جريشكو خلال محادثاته مع الفريق أول محمد صادق عدداًمن الشكاوى التى تتعلق بالمعاملة السيئة التى يلقاها المستشارون والخبراء وأفراد الوحدات السوفيتية من بعض السلطات المصرية ، وكان فى مقدمة تلك الشكاوى الحادث الذى جرى فى مطار القاهرة يوم 8 مايو عندما أصر رجال الجمارك على تفتيش الضباط والجنود السوفيت العائدين إلى بلادهم بعد انتهاء مدة خدمتهم فى مصر. وشكا جريشكو من أن إدارة التوجيه المعنوى للقوات المسلحة المصرية تتبنى نشاطا معاديا للسوفيت، وكذا من تصرفات بعض كبار قادة القوات المسلحة الذين يوجهون هجومهم علانية على الاتحاد السوفيتى أمام الضباط والجنود خلال مرورهم على الوخدات أو فى أثناء انعقاد المؤتمرات العامة . وخلص جريشكو فى النهاية بأن كل هذه الأعمال والتصرفات قد أدت إلى خلق تيار معاد قوى فى القوات المسلحة المصرية ضد الاتحاد السوفيتى . وكانت التعليقات والتلميحات التى أوردها جريشكو فى خديثه لا تترك مجالا للشك فى أن القادة السوفيت كانوا عل يقين من أن الفريق صادق هو شخصيا وراء كل الحملات المعادية للسوفيت فى القوات المسلحة المصرية . وأكد جريشكو أن حطاب الفريق صادق الذى ألقاة فى الاجتماع الذى عقد بالمنطقة المركزية يوم 24 يناير 72، وحضره عدة الاف من الضباط من جميع الرتب والذى هاجم فيه الاتحاد السوفيتى هجوما عنيفا، وغير ذلك من التصرفات المماثلة ، لا يمكن أن يخدم العلاقات بين مصر والاتحاد السوفيتى . وخلال تلك الزيارة التى قام بها جريشكو لمصر وجهت الدعوة إلى الفريق أول محمد صادق لزيارة موسكو . وكان القادة السوفيت يتوقون إلى استقباله على اعتبار أنه المسئول الأول عن خلق هذا التيار المعادى للاتحاد السوفيتى فى القوات المسلحة وفى رفض منحهم قواعد عسكرية فى مرسى مطروح وبرنيس . وكانوا على ثقة من أن الشعبية التى اكتسبها داخل القوات المسلحة كان مرجعها هو ما اشتهر به من ناحية التصدى للسوفيت ورفض مطالبهم . ولهذا السبب قامت السلطات السوفيتية كوسيلة لتحسين علاقاتها بالفريق صادق باستقباله فى موسكو فى 8 يونيو 72 الاستقبال الذى يعد لرؤساء الدول وليس لوزراء الحربية . وقد حمل الفريق صادق معه رسالة من الرئيس السادات إلى الرئيس السوفيتى بريجنيف ، وقد قرر السادات فيها اعتقاده بأنه لا يمكن إيجاد حل سياسى إلا بعملية ضغط مستمرة على الولايات المتحدة وإسرائيل، وحين تقتنع إسرائيل بأن ميزان القوة العسكرية ليس فى صالحها . وأكد فى نهاية رسالته الحاجة إلى سرعة إنجاز البرنامج السابق الاتفاق عليه فيما يتعلق بتزويد مصر بالأسلحة والمعدات . وكان أول لقاء قمة بين الرئيس السوفيتى بريجنيف والرئيس الأمريكى نيكسون قد تم عقده فى 20 مايو 72 بالكرملين بموسكو ، وأى قبل زيارة صادق بحوالى أسبوعين ، ثم صدر أول بيان وفاقى بين موسكو وواشنطن ينادى بالاسترخاء العسكرى فى الشرق الأوسط ، وقد عبر السادات عن مشاعره عقب صدور هذا البيان فذكر أنه كان صدمة عنيفة لنا لأننا كنا خلف إسرائيل عسكريا بعشرين خطوة ، ومعنى الاسترخاء العسكرى فى هذا الوضع هو التسليم من جانبنا لإسرائيل .

وفى يوم 20 يونيو، أى عقب عودة الفريق صادق بأسبوع من موسكو ، دعا إلى عقد مؤتمر مصغر حضره الفريق سعد الشاذلى رئيس الأركان وقادة القوات الجوية والبحرية والدفاع الجوى وقائدا الجيشين الثانى والثالث ومدير المخابرات الحربية . وقد شرح الفريق صادق تفاصيل زيارته للاتحاد السوفيتى ، وذكر أن رأى المارشال جريشكو فى الموقف يتلخص فيما يلى : ●يجب تجهيز القوات المسلحة والدولة والشعب لمعركة طويلة الأمد . ●إن الموقف فى الشرق الأوسط بالغ التعقيد ، فإن إسرائيل تعرض حلولا لا يمكن قبولها سواء من مصر أو مصر أو الاتحاد السوفيتى . ●إن السوفيت يؤمنون مثلنا بأن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة . ●يجب العمل معاً فى المحافل الدولية اعتماداً على قرار مجلس الأمن رقم 242 . ●إن الإبقاء على المستشارين السوفيت فى مصر هو ضرورة دولية . ●لن يقوم الاتحاد السوفيتى بعقد مع أمريكا على حساب مصر . ●إن تحرير الأرض يتطلب أولا بناء الجيش الدفاعى لمنع العدو من توسيع رقعة الأرض التى يحتلها، وبعد ذلك يجرى بناء الجيش الهجومى الذى يقوم بتحرير الأرض . وانتقل الفريق صادق بعد ذلك إلى ذكر انطباعاته الشخصية عن الزيارة التى كانت تتلخص فيما يلى: 1 – إن السوفيت مهتمون جدا بالجبهة الداخلية ، بل إنهم طلبوا تنحية الأشخاص الذين تتعارض سياستهم مع الاتحاد السوفيتى . 2 – لا تغيير فى السياسة السوفيتية بعد مؤتمر قمة بريجنيف – نيكسون . 3 – إن السوفيت يريدون تهدئة الموقف فى المنطقة إلى أن ينجح نيكسون فى الانتخابات فى نوفمبر 72، وبعد نجاحه فإن من المتوقع أن يماطلونا فى إمدادنا بالسلاح لتمييع القضية وعلى أمل الوصول إلى حل سلمى . ومما يدعو إلى العجب ، أن الفريق صادق الذى كان ينظر إليه على أنه العدو رقم واحد للسوفيت فى مصر قد تغير تفكيرة تماما بعد الزيارة الودية التى قام بها إلى موسكو ، وبعد الاستقبال الحافل الذى استقبله به القادة السوفيت ، إلى الحد الذى جعله يعتقد أن السادات قد توهم أن اتفاقا سريا قد تم فى موسكو من وراء ظهره بين صادق وبريجنيف مما حمل السادات على الإسراع باتخاذ قراره بطرد الخبراء السوفيت . وقد أوضح الفريق صادق هذا الاعتقاد بقوله : إن السادات عندما اطلع على محضر جلسة المحادثات التى جرت بين بريجنيف وصادق ، والتى تعهد خلالها بريجنيف بحل مشكلة الشرق الأوسط حلا سليما خلال ثلاثة أشهر بعد نجاح نيكسون فى الانتخابات وإلا فسوف يقوم بإمداد القوات المسلحة المصرية بلأسلحة التى تحتاج إليها ، ثار عليه السادات ، وقال له : إنه لا يمكن أن يتم ذلك ، وإن السوفيت خدعوك . وذكر صادق أنه فهم على الفور – نظرا لأنه يعرف جيدا طريقة تفكير السادات – أنه توهم أن تكون هناك صفقة قد تمت بينه وبين الجانب السوفيتى . وقد يكون الأعتقاد الذى دار فى مخيلة الفريق صادق فيه جانب من الحقيقة ، ولكنه لم يكن هو السبب الرئيسى بالطبع فى قرار السادات بإنهاء الوجود العسكرى السوفيتى فى مصر ، وهو القرار الذى اتخذه يوم 8 يوليو 72 عقب أن أبلغه السفير السوفيتى فينوجرادوف برسالة بريجنيف إليه ردا على الرسالة الحارة العاجلة التى أرسلها إلى بريجنيف ، والتى حدد له فيها الخطة التى يقترحها لتحريك الموقف عسكريا ، وكانت أهم نقاطها مطالبة السوفيت بالاسراع فى تنفيذ برامج إرسال الأسلحة إلى مصر التى سبق الاتفاق

عليها . وعندما مضت ثلاثة أسابيع دون أن يصل أى رد من موسكو ، استدعى الدكتور عزيز 

صدقى – رئيس الوزراء وقتئذ – السفير السوفيتى بالقاهرة حيث عبر له عما يعنيه هذا الصمت السوفيتى من إهانة لا تقبلها مصر ، كما استدعى وزير الخارجية المصرية الدكتور مراد غالب السفير السوفيتى ليبلغه احتجاج مصر على هذا التأخير فى الرد على رسالة الرئيس . وعندما وصلت الرسالة المنتظرة بعد أن تم استعجالها بهذه الطريقة المؤسفة ووجد السادات أن الرسالة لا تحوى شيئا جديدا سوى التسويف والمماطلة ، أبلغ السفير السوفيتى عند لقائه به يوم 8 يوليو 72 أنه يرفض هذه الرسالة شكلآ وموضوعا ويرفض هذا الأسلوب فى التعامل، وأنه قرر الاستغناء عن جميع الخبراء العسكريين السوفيت (حوالى 8000) وأن يعودوا إلى الاتحاد السوفيتى فى فترة أسبوع من ذلك اليوم .

لماذا غير السادات القائد العام قبل المعركة ؟

كان يوم 24 أكتوبر حافلاً بالأحداث السريعة والمتلاحقة . فقد طلب الفريق أول محمد صادق اجتماع المجلس الأعلى للقوات المسلحة فى الساعة الثانية عشرة ظهرا ، وكان الهدف من هذا الاجتماع هو الاستماع إلى رأى القادة عن الموقف العسكرى ، وذلك قبل حضور هم اجتماعا اخر فى الساعة الثامنة والنصف مساء من اليوم نفسه بمنزل الرئيس الراحل السادات بالجيزة. وفى الاجتماع الذى عقده الفريق صادق ، تكلم كل من أعضاء المجلس عن موقف قواته وعن المتاعب والمشكلات التى ما زالت تواجهه. وفى نهاية الحديث علق الفريق صادق قائلآ : "إن كل ما أريده هو أن يقوم كل منكم بإعطاء صورة حقيقية عن موقف قواته أمام الرئيس هذا المساء . إن الرئيس يعتقد أننى أبالغ فى ذكر المشكلات ، ولذلك فهو يريد أن يسمعها منكم شخصيا" . فأجاب الجميع بأنهم سيفعلون ذلك وأن ما قالوه أمام الوزير سوف يقولونه أمام الرئيس . هذا وقد انعقد المجلس الأعلى للقوات المسلحة فى منزل الرئيس السادات فى التاسعة مساء يوم 24 أكتوبر 72،وامتد الاجتماع حتى منتصف الليل . وليس بوسعنا فى هذا المجال أن نسجل كل ما دار فى هذا الاجتماع الخطير الذى استمر أكثر من ثلاث ساعات ، فإن ذلك يحتاج منا إلى عشرات من الصفحات . ورغم أن الأستاذ موسى صبرى قد دون محضرا لهذا الاجتماع فى 55 صفحة(من صفحة 35 إلى صفحة 90) فى كتابه (وثائق حرب أكتوبر) . فإن الفريق محمد صادق صرح لى بأن المحضر السرى للاجتماع النشور فى هذا الكتاب حدث فيه تشويه كبير لحقيقة ما دار فى هذا الاجتماع . والأمر الذى نستطيع أن نؤكده

بالنسبة لحقيقة ما جرى ، هو أن الرئيس الراحل السادات بدأ الاجتماع بكلمه مطولة 

استعرض من خلالها العلاقات بين الاتحاد السوفيتى ومصر منذ توليه مسئولية الحكم ، وكيف استنفد قادة الاتحاد السوفيتى صبره بسبب مماطلتهم وتسويفهم فى إرسال صفقات الأسلحة بما فى ذلك الأسلحة التى كان يتفق عليها خلال زياراته لموسكو منتحلين شتى الحجج والأعذار ، وزاد الطين بلة سوء معاملتهم له وإهمالهم الرد على رسائله إليهم مما اضطره إلى

إصدار قراره بطرد الخبراء والمستشارين السوفيت فى 8 يوليو 72. 

وذكر السادات أنه أخطر القيادة السوفيتية فى إبريل 72 بأن القضية لن تتحرك سياسيا إلا إذا أمكن تحريكها عسكريا ، وأيدهم فى وجهة نظرهم بالعمل على إعادة انتخاب نيكسون فى انتخابات الرئاسة الأمريكية القادمة فى نوفمبر 72، حيث إنه سيكون أفضل من رئيس جديد يصل إلى الحكم وتحكم تصرفاته رغبته فى البقاء فى الحكم لفترة ثانية . وعندما حضر المارشال جريشكو فى مايو 72 أرسل السادات معه كتابا إلى القيادة السياسية السوفيتية طلب فيه تزويد مصر بطائرات ميج 25 ومعدات وأجهزة الحرب الالكترونية ، وأخبرهم صراحة أنه لا يقبل بقاء أى وحدات سوفيتية ليست تحت القيادة المصرية . وأوضح الرئيس السادات بأنه عقب إبلاغ السفير السوفيتى فى 8 يوليو بقراره بإنهاء عمل المستشارين السوفيت والوحدات السوفيتية فى مصر، وأرسل الدكتور عزيز صدقى رئيس الوزراء إلى موسكو فى 17 يوليو 72 قبل إعلان القرار رسميا ، وكان الغرض من إرساله أن يشرح للقادة السوفيت الموقف ويعرض عليهم إصدار بيان مشترك حول هذا الموضوع ، ولكنهم لم يوافقوا وقالوا : إن السادات اتخذ هذا القرار من جانب واحد ، لذلك فإن الاعلان أيضا يجب أن يكون من جانب واحد . لقد كانوا يظنون أن السادات لا يعنى ما يقول ، ولكن عزيز صدقى أكد لهم أنه جاد فى تنفيذ ذلك . وانتقل السادات بعد ذلك إلى شرح الدور الأمريكى والاتصالات العديدة التى أجريت بين الولايات المتحدة ومصر بشأن الحل السلمى ، وأن المعسكرين الآن – الشرقى والغربى – صديقنا وعدونا قد فقدا الثقة فى إمكان أى تحرك من جانبنا ، وكل ما يصلنا من عروض أصبح يأتى من منطق واحد ، هو أننا قد ألقينا السلاح وعلينا أن نستعد لقبول أى شىء يعرض علينا . وأوضح السادات للقادة الحاضرين أنه أخبر الفريق صادق منذ الصيف الماضى بأنه يجب أن تتحرك القضية عسكريا قبل أن ندخل الجولة الثانية مع إسرائيل بعد الانتخابات الأمريكية وأن ذلك يعتبره قرارا يبلغه للقادة وليس لأخذ رأيهم ، حيث إن الموقف يعتبر اختبار للقوات المسلحة . وفى حالة عدم القيام بعمل عسكرى قبل نهاية هذا العام فإن القضية ستنتهى ويفقد المصريون والعرب ثقتهم بأنفسهم . وعلى الرغم من أن بعض القادة قد اشتركوا بعد المقدمة التى ألقاها السادات فى مناقشات معه ، فإنه ظهر بجلاء عدم ارتياح الرئيس للحوار الذى أجراه معه ثلاثة من القادة، هم الفريق عبد القادر حسن نائب وزير الحربية ، واللواء على عبد الخبير قائد المنطقة المركزية واللواء محمود فهمى قائد القوات البحرية ، ويبدو هذا بجلاء من الحوار الذى دار بين الرئيس السادات والفريق عبد القادر حسن والذى نذكر فيما يلى الجزء الأخير منه الفريق عبد القادر:قد نبدأ بمعركة محدودة ولكنها قد تتطور إلى حرب شاملة ، قد ننجح فى المراحل الأولى من المعركة ولكننا سوف نتحول فى النهاية إلى اتخاذ موقف دفاعى . ستبقى إسرائيل فى شرم الشيخ وفى معظم سيناء وستكون فى موقف أفضل من موقفها الحالى ، وقد يدفعها ذلك إلى أن تدعى حقوقها فى تلك الأراضى التى تكون مازالت فى قبضتها . يجب أن نضع فى حسابنا قدرة العدو على ضرب العمق عندنا وعند سوريا أكثر . لا يصح أن ندفع أنفسنا إلى وضع قد يضطرنا إلى أن نصرخ طالبين النجدة من الاتحاد السوفيتى مرة أخرى ونقول له (ولع ) . الرئيس (يغضب) : يا عبد القادر دى ثانى مرة أنت بتغلط فيها قدامى ، وأنا لا أسمح بهذا مش أنت الحريص على استقلال البلد دى . أنت اللى خدت القرارات ؟ الفريق عبد القادر : لا يا فندم . الرئيس : أنا لا أسمح بهذا أبدا . أنا مسئول عن استقلال البلد ، وأنا عارف أنا بعمل إيه ومحبش تتدخل فى شغل غيرك . دى ثانى مرة تغلط فيها . الثالثة هقولك روح . أنا عارف

أنا عملت إيه وأنا وقفت للاتحاد السوفيتى لأحاسبخ لغاية ما أكمل المعركة . إنما أنا مش 

محتاج إنك –تنبهنى لشغلى يا عبد القادر أبدا . لأنك فى المرة دى أنت غلت . الغلطة الأولانية كانت فى الطيارة وأنا يومها فكرت أشيلك . عيب ، الزم حدودك . الفريق عبد القادر : أنا أسف قوى . الرئيس : أنت شغلك عسكرى بس مش سياسى ، والدعم !عايز تنبهنى لواجبى، دعم إيه؟ بتتكلم عن إيه؟ الفريق عبد القادر: أنا آسف خلاص. هذا وقد سألت الفريق عبد القادر حسن أن يكشف لنا سر الغلطة الأولى التى حدثت منه فى الطائرة والتى أشار إليها الرئيس السادات فى أثناء مناقشته معه ، وماذا كان يقصد بعبارة أننا لا ينبغى أن ندفع أنفسنا إلى وضع قد يضطرنا إلى أن نصرخ طالبين العون من الإتحاد السوفييتى ونقول له (ولع). وقد أجاب الفريق عبد القادر أنه عندما عاد من الإتحاد السوفييتي فى 18 مارس 72 بعد أن رفض التوقيع على صفقة شراء الطائرات TU22 والدبابات T60 بسبب طلب السوفيت أن تسدد مصر ثمنها بالكامل وبالعملة الصعبة على خلاف الإتفاقيات السابقة ، تصادف أنه سافر مع الرئيس السادات إلى ليبيا ضمن وفد مصرى لتقديم العزاء إلى الرئيس الليبى معمر القذافى فى وفاة محمد المقريف عضو مجلس الثورة الليبى . وفىلا الطائرة إستدعى السادات الفريق عبدالقادر ، وعندما جلس إلى جانبه سأله عن نتائج محادثاته فى الإتحاد السوفيتى ، فشرح له موقف السوفييت الذى إضطره إلى عدم التوقيع على صفقة الأسلحة ، وعندئذ أخطروه بأن مطالبتهم مصر بتسديد ثمن صفقة السلاح بالعملة الصعبة إنما هو نتيجة لإتفاق تم بينهم وبين الرئيس السادات. وأوضح الفريق عبدالقادر أنه لم يكن يعلم أن الرئيس السادات قد إعتبر أن هذا الحديث الذى وجه إليه من الطائرة بحسن نيه هو غلطة منه إلا عندما ذكره الرئيس السادات بذلك أمام المؤتمر. ومن وجهة كلمة (ولع) التى وردت ضمن العبارة التى سجلت على لسانه فى المؤتمر ، فقد نفى الفريق عبدالقادر أن تكون قد صدرت منه، لأن الكلمة لا معنى لها ولا تتماشى مع سياق حديثه. ويبدو أن الذى سجل محضر المؤتمر كتب العبارة التى صدرت منه بخط رديء مما جعلها تقرأ خطأ وأن العبارة الصحيحة التى ذكرها فى المؤتمر هى أنه لا ينبغى أن ندفع أنفسنا إلى وضع قد يضطرنا إلى أن نصرخ طالبين العون من الإتحاد السوفييتى ونقول له عاوزين وحدات الدعم. ( وحدات الدعم هى أسراب الطائرات السوفيتية الميج21 بطياريها وبطاريات صواريخ سام3 بأطقمها التى وصلت إلى مصر أوائل عام 70 إستجابة لطلب عبدالناصر من الرئيس السوفيتى بريجينيف للتصدى لغارات العمق التى كانت تقوم بها الطائرات الإسرائيلية فى أثناء حرب الأستنزاف.وقد تم للسادات الإستغناء عنها فى القرار الذى أعلنه للسفير السوفيتى يوم 8 يوليو 72 بالإستغناء عن المستشارين والوحدات السوفيتية). وعلى الرغم من أن الفريق محمد صادق قد صرح بأنه خلال إجتماع المجلس الأعلى لم يتقدم برأى ولم يتكلم مطلقاً ، وترك القادة يتكلمون ليستمع الرئيس لهم بدون تدخل منه ، وعلى الرغم من أنه قال للرئيس فى نهاية الاجتماع : إنه القائد الأعلى للقوات المسلحة وإن الجميع ملتزمون بتنفيذ أى أمر يصدره وسينفذونه كجنود، وإن كل ما قيل فى الاجتماع هو مجرد عرض آراء ووجهات نظر، وإن القرار فى النهاية متروك للرئيس ، فإنه يتضح من مجريات الأحداث أن السادات كان عزمه قد استقر على تنحية الفريق صادق عن منصبه هو والقادة الثلاثة الذين استاء من طريقة مناقشتهم له خلال الاجتماع ، وهم: الفريق عبد القادر حسن واللواء على عبد الخبير واللواء محمود فهمى . وكان السادات يعتقد أنهم يشكلون حلفا ضده . وقد ذكر الفريق صادق أنه عقب الاجتماع دعاه السادات إلى تناول فنجان قهوة معه فى مكتبه ، فعاتبه صادق على انفعاله ضد القادة الذين تناقشوا معه وقال له : لماذا عقدت المجلس إذا لم تكن تريد أن تسمع آراء؟ وذكر صادق أن السادات طلب منه إحالة القادة الثلاثة الذين عارضوه فى الاجتماع إلى المعاش ، فعتذر لعدم اقتناعه بأنهم أخطئوا، وعرض استقالته على السادات فرفض وطلب منه السفر فى اليوم التالى إلى سوريا لحمل رسالة إلى الرئيس السورى حافظ الأسد. وقد أكد لى الفريق صادق أنه لم ينخدع بهذا الطلب الذى لم يكن إلا نوعا من تخدير الأعصاب لأنه كان على يقين من أن السادات قد قرر تنحيته ، وأن مسألة سفره إلى سوريا لم تكن إلا حيلة من السادات ليبعث الاطمئنان إلى نفسه وريثما يتم تعيين القائد العام الجديد خشية أن يفكر فى القيام بعمل ضده . ونظرا لأنه كان متأكدا من نوايا السادات نحوه ، فقد اعتذر عن السفر إلى سوريا ورجاه بأن يعهد بالرسالة إلى شخص آخر لأن لديه عملا مهما يحتاج إلى وجوده بالقاهرة . وكان ظن الفريق صادق فى محله ، فقد استدعى السادات يوم 25 أكتوبر اللواء أحمد إسماعيل مدير المخابرات العامة وقتئذ ، وطلب منه أن يأتى فى اليوم التالى لحلف اليمين القانونية كوزير الحربية . وفى اليوم نفسه أرسل السادات سكرتيره الخاص فوزى عبد الحافظ إلى الفريق محمد صادق بعد الظهر (قبل الافطار فقد كان الوقت فى شهر

رمضان المكرم ) ليبلغه أن استقالته ( التى لم تقدم ) قد قبلت . وأعطى أوامره إلى الفريق 

سعد الشاذلى رئيس الأركان بأن يتولى القيادة إلى أن يحلف اللواء أحمد إسماعيل اليمين . فإن السادات كما قال لم يكن فى إمكانه أن يترك أى فراغ فى القوات المسلحة مهما كان بسيطا ولو للحظات . هذا، وقد شرح السادات المبررات التى دعته إلى عزل الفريق محمد صادق من منصبه ضمن الصفحات من 245 إلى 249 من كتابه (البحث عن الذات ) وتتلخص فى أن السادات استدعى وزير الحربية فى صيف عام 72 فى الأسكندرية ، وابلغه أن يجمع المجلس الأعلى للقوات المسلحة ويخطره بأنه قرر أن تكون القوات المسلحة جاهزة للقتال ابتداء من يوم 15 نوفمبر 72 . وكان المفروض أن يقدم وزير الحربية تقريرآ له عن الخطة والهيكل العام لها ، وقد عاد الفريق صادق بعد يومين وقال له إنه جمع المجلس الأعلى للقوات المسلحة وأبلغهم رسالته ، وإن القوات المسلحة ستكون جاهزة ليس فى 15 نوفمبر 72 – كما طلب – وإنما ستكون جاهزة فى أول نوفمبر 72. وذكر السادات أنه قد ثبت له عند اجتماع المجلس الأعلى للقوات المسلحة فى منزله يوم 24 نوفمبر 72 أن وزير الحربية لم يبلغ بعض أعضاء المجلس برسالته ، مما أكد له شكوكه فى أنه لا يريد أن يحارب لأنه يخشى المعركة ، وأن هذا هو السبب الذى دعاه إلى تنحيته عن منصبه .

أهداف خطة المآذن العالية

لقد اتضح لنا من الدراسه التى أجريناها أن خطط العمليات التى سمعنا الكثير عن أسمائها الكودية منذ أن تولى الفريق أول محمد فوزى القيادة العامة للقوات المسلحة فى 11 يونيو 67 إلى حين نشوب حرب أكتوبر 73 ، كانت عبارة عن مشروعات تعبوية بدون جنود ، وكان الغرض منها هو تدريب أعضاء القيادة العامة للقوات المسلحة بأفرعها المختلفة وقيادات القوات الجوية والقوات البحرية وقوات الدفاع الجوى وقيادات الجيوش الميدانية على دور كل منهم فى الخطة الهجومية . ومن أبرز هذه المشروعات ذلك المشروع التعبوى الذى قام بإدارته الفريق أول محمد فوزى والذى أسماه (التدريب العملى الأخير لتطبيق خطة تحرير سيناء) وقد أستغرق تنفيذه 12 يوما متواصلة (من 14 إلى 25 مارس 71)، ولم يتم فى هذا المشروع تحرير سيناء فقط بل تم الاستيلاء كذلك على منطقتى العوجة وإيلات (داخل الحدود اللاسرائيلية ) . ولا يمكن بالطبع اعتبار أن هذا المشروع كان تدريبا على خطة حقيقية موضوعة ، إذ من أين لنا فى بداية عام 71 القوات والأسلحة والمعدات التى كانت تكفل تحقيق أهداف هذه الخطة ؟ ولقد سبق لنا فى كتابنا ( من سيناء إلى الجولان ) القيام بتحليل موضوعى لهذا المشروع ، أثبتنا فيه بالأدلة القاطعة أن الفريق أول فوزى قد استخدم خياله أكثر من اللازم ، سواء فى وضع هذا المشروع أو فى إدارته . هذا وقد أكد الفريق سعد الشاذلى رئيس الأركان السابق فى مذكراته ، أن أول خطة هجومية وضعت فى القوات المسلحة المصرية كانت خطة المآذن العالية ، وأن كل ما وضع قبل هذه الخطة لم يكن سوى مشروعات تعليمية تفترض وجود قوات وأسلحة ومعدات لا نملكها ، وتذكر فقط فى المشروعات لأغراض التدريب . وبالطبع يوجد فرق كبير بين مثل هذه المشروعات التعليمية وخطط العمليات التى توضع على أساس القوات والأسلحة الموجودة بالفعل ، والتى توضع فى خزانة هيئة العمليات الحربية بعد التوقيع عليها من رئيس الأركان ومن وزير الحربية ، وتكون جاهزة للتنفيذ بمجرد صدور القرار السياسى بذلك . وقد وصف الفريق سعد الشاذلى كيف أطلق على الخطة الهجومية الموضوعة اسم (المآذن العالية ) فقال : إنه بعد الانتهاء من تجهيز الوثائق الخاصة بهذه الخطة كان المفترض أن يطلق عليها اسما كوديا ، وعندما حضر إليه رئيس هيئة العمليات وقتئذ اللواء ممدوح تهامى يسأله عن الاسم المقترح سمعا صوت المؤذن يؤذن لصلاة العصر . وفى وسط هذا الجو الروحانى توصلا إلى إطلاق اسم (المآذن العالية ) على الخطة ، وكان الهدف النهائى لخطة المآذن العالية مقصوراً على عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف وإنشاء منطقة رءوس كبارى على عمق 10-12 كم شرق القناة . وقد دافع الفريق سعد الشاذلى عن اقتصار الخطة الهجومية على ذلك الهدف العسكرى المتواضع بقوله : ( لو كان لدى مصر الامكانات العسكرية التى تضمن لنا الاندفاع إلى المضايق واحتلالها فور عبور قناة السويس ولم نقم بتنفيذ ذلك ، فإننا نكون قد ارتكبنا خطأ عسكريا جسيما . ولكن السؤال الذى يطرح نفسه هو : هل كانت لدينا الإمكانات ؟ ويجيب الفريق سعد الشاذلى عن السؤال بقوله : إننا لم نكن نملك وقتئذ الإمكانات التى تتيح لنا الفرصة للاندفاع إلى المضايق للأسباب الآتية : 1 – ضعف قواتنا الجوية وعدم قدرتها على حماية قواتنا البرية فى أثناء تقدمها شرقا فى اتجاه منطقة المضايق . 2 – عدم توافر وحدات دفاع جوى صاروخى (سام 6) نستطيع مرافقة القوات البرية فى أثناء تقدمها نحو الشرق لصد الهجمات الجوية المعادية التى تهاجم قواتنا على الارتفاعات المتوسطة والعالية . 3 – عدم توافر العربات ذات الجنزير لدى القوات البرية بأعداد كافية تسمح لقواتنا بعدم التقيد بالطرق المرصوفة فى أثناء تحركها شرقاً . ≡ مزايا خطة المآذن العالية ≡ كانت خطة المآذن العالية ترمى إلى أن نفرض على إسرائيل أن تخوض حربا بأسلوب ليس من اختيارها بل من اختيارنا نحن ، وهو أسلوب لا يناسبها ولم تهيىء نفسها له عسكريا أو سياسيا او نفسيا . وكانت هذه الخطة تحقق المزايا التالية : 1 – إذا قام العدو بالهجوم على مواقعنا شرق القناة (بعد إنشائنا رءوس الكبارى ) فستكون لدينا الفرصة لأن نحدث خسائر فادحة فى قواته البرية التى تهاجمنا وفى قواته الجوية التى تساندها ، بعد أن نكون قد انتهينا من إعداد أنفسنا لهذا الهجوم المضاد المرتقب وانتظرناه بغاية كثيفة من الصواريخ المضادة للدبابات والصواريخ المضادة للطائرات لم تعرفها الحروب السابقة . وكان الفشل هو النتيجة المؤكدة لمثل هذا الهجوم . 2 – إذا اكتشف العدو أن هذه الهجمات المضادة تكلفة خسائر لا يستطيع أن يتحملها فى الرجال ، وأحجم عن الاستمرار فى هجماته ضد قواتنا ، فإن بقاء قواتنا شرق القناة بهذا الحجم الكبير سيكون مصدر تهديد وقلق دائمين له . لقد كان العدو فى جميع حروبه السابقة مع العرب يحسم المعركة فى وقت قصير مستخدماً فى ذلك أسلوب الحرب الخاطفة ( blitz krieg ) التى تعتمد على سرعة المناورة بالمدرعات والطائرات ، وبذلك لا يضطر إلى تعبئة قواته لمدة تزيد على بضعة أسابيع . وكانت خطة المآذن العالية ترمى إلى إطالة فترة الحرب . ولم يكن الاستيلاء على الأرض هو الأمر المستهدف ، بل كان المهم هو أن نفرض على العدو خيارين أحلاهما مر : فإنما القتال وتحمل الخسائر تحت ظروف ليست مناسبة له ، وإما العزوف عن القتال مع الاستمرار فى تعبئة قواته خوفا من الخطر الذى تسببه له قواتنا التى تتمركز شرق القناة. وحيث إن التعبئة العامة فى إسرائيل تعنى استدعاء 15% من تعداد الشعب اليهودى فإن إطالة مدة التعبئة هى السم الذى يضعف مقاومة إسرائيل يوما بعد يوم . إن الجندى الاسرائيلى الذى يستدعى فى التعبئة هو نفسه الطالب والأستاذ ، وهو نفسه الذى يقوم بجميع النشاطات الأخرى فى الدولة ، فكيف يمكن لهذه الدولة أن تعيش لو امتدت الحرب ستة أشهر فقط وهى بكامل تعبئتها ؟ 3 – كانت مصر شعبا وجيشا وقيادة فى حاجة إلى نصر يرفع معنوياتها ، ويثبت للأعداء والأصدقاء قدرتنا على الأداء فيخشانا الأعداء ويثق بنا الأصدقاء . وليس سرا أن كثيرا من الزعماء العرب كانوا يعتقدون أننا لسنا جادين فى عزمنا على القتال . ولذلك فإنهم كانوا يضنون بتقديم المساعدات العسكرية والمادية . وليس سراً أن الاتحاد السوفيتى كان هو الآخر لا يثق كثيرا بمزايا القيادة السياسية ، وكان يشك فى مقدرة قواتنا المسلحة على عبور قناة السويس ، وبالتالى فإنه كان يضن علينا بالأسلحة الهجومية التى تتطلبها حرب يكون هدفها هو تحرير سيناء بالكامل . وليس سرا أن إسرائيل كانت تعتقد أن الجيش المصرى لا يستطيع أن يعبر قناة السويس ، وأن موشى ديان قال ساخرا فى أحد لقاءاته مع القادة : (لكى يعبر المصريون قناة السويس ، فإنه يلزمهم سلاح المهندسين السوفيتين والأمريكى

مجتمعين لمساعدتهم فى ذلك ) .  

وعلاوة على ذلك ، كان الشعب المصرى قد مل الانتظار الطويل فى فترة اللا سلم

واللا حرب ، وكان بقاء الجنود فى الخنادق لمدة أربع سنوات متتالية قد قتل فيهم الروح 

الهجومية ، وأصبح الدفاع بالنسبة لهم وكأنه هو العقيده القتالية للقوات المسلحة المصرية . وكانت تعبئة الثقفين من خريجى الجامعات فى القوات المسلحة لمدة طويلة قد بدأت تثير الشكوى على المستوى العام وعلى المستوى الخاص . وكان لا بد من عمل شىء يغير كل هذه الأوضاع السيئة . وكانت خطة المآذن العالية هى الحل الوحيد للتغلب على كل هذه المشكلات دفعة واحدة .

عيوب خطة المآذن العالية

على الرغم من المزايا الكبيرة التى كانت خطة المآذن العالية تحققها ، فإن هذه الخطة لم

يكن فى مقدرتها تحقيق الأهداف التى تتطلع إليها مصر، سواء من الناحية السياسية أو 

العسكرية للأسباب الآتية : اولا - من الناحية السياسية : لم يكن تحقيق الخطة يكفل تحريك قضية الأراضى العربية التى احتلتها إسرائيل فى أثناء حرب يونيو 67 سياسيآ ، أو إثارتها على نطاق واسع على المستوى الدولى ، نظرا للعوامل الآتية : 1 – عدم حدوث أى تغيير مؤثر على الوضع الاستراتيجى فى المنطقة ، فإن تحرير شريط ضيق من الأرض طوله 160 كم عل امتداد القناة بعمق 12 كم شرقها لن يغير الوضع الاستراتيجى لسيناء التى سيبقى أكثر من 90% من أراضيها فى يد إسرائيل . 2 – ستبقى جميع المناطق التر بها آبار البترول على الشاطىء الشرقى لخليج السويس فى سيناء فى يد إسرائيل (مناطق أبورديس وأبو زنيمة وسدر) . 3 – ستبقى قناة السويس ، وهى أهم ورقة سياسية فى يد مصر وقتئذ ، مغلقة أمام الملاحة الدولية كما كان الوضع قبل تنفيذ الخطة . إذن سيظل من المستحيل على مصر إجراء أى تطهير بها لاعدادها للملاحة أو إعلان فتحها أمام الملاحة الدولية ما دامت القناة ستستمر واقعة فى مدى مدافع الميدان الإسرائيلية . 4 – سيظل التحكم فى الملاحة فى خليج العقبة كما هو عليه فى يد إسرائيل لاستمرار سيطرتها على شرم الشيخ ومضايق تيران . 5 – لن يلبث التأثير النفسى الكبير الذى سيحدث نتيجة عبور الجيش المصرى لقناة السويس وتحطيم خط بارليف أن يزول بالتدريج بمجرد أن يكتشف العالم أن كل هذا الانتصار المبدئى المذهل قد انتهى إلى مجرد إنشاء خط دفاعى على عمق 12 كم شرق القناة ، وأن الوضع العسكرى بخلاف ذلك لم تحدث به أى تغييرات أخرى جوهرية . ثانيا - من الناحية العسكرية : إن إنشاء مواقع دفاعية على امتداد حوالى 160 كم وعلى عمق 10 – 12 كم شرق القناة فى الصحراء المكشوفة بينما قوات العدو تتحكم فى هذه المواقع من الأراضى المرتفعة فى الشرق فيه أخطار عسكرية جسيمة ، نظرا للعواما اللأتية : 1 – إن لجوء قواتنا للدفاع بعد عملية هجومية ناجحة يتم خلالها اقتحام قناة السويس وتحطيم خط بارليف معناه تسليمنا ميزة المبادأة ( Initiative) للعدو طواعية واختيارا لكى يدبر بعد ذلك الخطط التى تكفل له تحقيق أهدافه الهجومية بقصد القضاء على قواتنا التى تمكنت من عبور قناة السويس . 2 – طبيعة أرض سيناء فى المنطقة ما بين قناة السويس ومنطقة المضايق ترتفع بالتدريج من الغرب إلى الشرق ، مما يعنى أن المواقع الدفاعية المصرية ستكون فى الأرض المنخفضة بينما تشرف عليها المواقع الاسرائيلية من جهه الشرق . 3 – إن إنشاء خط دفاعى فى الصحراء المكشوفة لا يستند هو وأجنابه على موانع طبيعية أو صناعية معناه تعرض هذا الخط الدفاعى إلى أحد احتمالين : إما الاختراق ( Penetration ) بتركيز العدو قوة متفوقة أمام أى جزء ضعيف من أجزائه ، وإما القيام بحركة التفاف ( Outflanking ) بغرض تطويقه من أحد الجانبين أو من كليهما (ncirclement E) . وقد

اتضح بعد الحرب وبعد معرفة الخطط الاسرائيلية التى كانت موضوعة أن العدو لم يكن على استعداد لاتباع الأسلوب الذى بنيت على أسا سه خطة المآذن العالية ، وكان سيحجم عن الهجوم على الخط الدفاعى المصرى عندما يكتشف أن هجماته المضادة على هذا الخط ستكلفه خسائر جسيمة مما سوف يرغمه على إبقاء قواته جامدة شرق مواقعنا الدفاعية مع استمراره فى عملية تعبئة قواته الاحتياطية التى تكلفه غالياً . ولا شك فى أنه من الخطأ الفادح وضع خطة حربية تبنى على أساس أن العدو سيتبع فى القتال أسلوبا خاطئا من الناحيتين الإستراتيجية والتكتيكية . فقد ثبت أن القيادة الإسرائيلية لم تكن على استعداد لترك القوات المصرية داخل منطقة رءوس الكبارى لتستدرج القوات الإسرائيلية للقيام بالهجمات المضادة بقصد استنزافها ، ولذا فقد كان تفكير هذه القيادة متجها إلى إحدى طريقتين : إما تطويق الجناح الأيمن للخط الدفاعى بعبور خليج السويس من الشمال ، والقيام بعملية إنزال برمائية بقوات كبيرة على الشاطىء الغربى للخليج بنفس الأسلوب الذى خططت به الغارة الإسرائيلية البرمائية السابقة على الزعفرانة فى سبتمبر 69، والتى انتهت بإصابة الرءيس الراحل عبد الناصر بنوبة قلبية حادة وإحالة اللواء أحمد إسماعيل رئيس الأركان وقتئذ إلى التقاعد . وكان سيتبع عملية الإنزال على الشاطىء الغربى للخليج تقدم القوات الإسرائيلية شمالا لاتمام تطويق القوات المصرية التى عبرت القناة ، واتخذت مواقعها الدفاعية على الشاطىء الشرقى لها وعزلها عن إتساقها وقواعدها الادارية غرب القناة . إما الخطة الثانية فكانت مبنية على أساس اختراق المواقع الدفاعية المصرية شرق القناة فى أضعف أجزائها وهى منطقة الوصلة بين الجيشين الثانى والثالث عند الدفرسوار شمال البحيرة المرة الكبرى ، ولم تكن خطة الاختراق التى نفذت بالفعل خلال حرب أكتوبر فى هذه المنطقة خاطرا فجائيا طرأ على تفكير القيادة الاسرائيلية فى أثناء احتدام القتال واشتداد المعارك ، بل كانت خطة مسبقة تم تدريب القيادات الإسرائيلية فى سيناء – على المستويات كافة – على القيام بها ، وتم إجراء مناورة تدريبية بالقوات عليها ، وذلك عندما كان الجنرال أريل شارون قائدا للمنطقة الجنوبية . وقد اتضح أنه كان لهذه الخطة اسم كودى هو ( القلب الشجاع ) وملف تفصيلى خاص بها كان محفوظاً بالقيادة الجنوبية . ووصل الأمر إلى حد أن شارون قد حدد على وجه الدقة المنطقة التى اختارها لعبور القناة شمال البحيرة المرة الكبرى ، ووضع فيها علامات لتمييزها وهى عبارة عن حجارة حمراء اللون ، كما تعمد تخفيف الساتر الترابى فى هذه المنطقة بجعله أقل سمكاً من باقى أجزائه الممتدة على طول الشاطىء الشرقى لقناة السويس. 4 – لا يمكن من الناحية التكتيكية أن تكون عملية إنشاء رءوس الكبارى هدفاً حربياً فى حد ذاته ، بحيث يمكن للقوات أن تتوقف بمجرد تحقيقه ، إذ إن الغرض من إنشاء منطقة رءوس الكبارى هو أن تكون قاعدة وطيدة fitm Base تنطلق منها القوات المدرعة والميكانيكية المخصصة لذلك للإندفاع إلى الهدف النهائى. ولعل خير مثال على ذلك ما قامت به جيوش الحلفاء فى الحرب العالمية الثانية ، فعلى أثر نجاحها فى إنشاء منطقة رءوس الكبارى على شاطىء نورماندى شمال غرب فرنسا فى 6 يونيو عام 44 اندفعت الجيوش البريطانية والأمريكية والكندية من منطقة رءوس الكبارى ، ولم تتوقف إلا بعد إجتياحها ألمانيا ، وانتهى الأمر بكسب الحلفاء الحرب واستسلام ألمانيا. ولو كانت قوات الحلفاء إكتفت بإنشاء منطقة رءوس الكباري فى نورماندى دون أن تتبع ذلك بالتقدم الفوري لإحتلال ألمانيا لاستطاع القائد الألمانى فون روندشتيد قذف قوات الحلفاء بسهولة إلى البحر. 5 – لم يثبت حربياً أو تاريخياً أن هناك خطاً دفاعيا غير قابل للإختراق أو التطويق مهما بلغت درجة تحصينه أو مناعته. والأمثلة على ذلك لا تحصى ، كخط ماجينو فى شرق فرنسا وخط سيجفريد فى غرب ألمانيا ، وخط بارليف على الشاطىء الشرقى لقناة السويس. وحتى جدار الأطلنطى الذى تفنن الألمان فى تحصينه وأنفقوا عليه بلايين الجنيهات لم ينجح فى صد قوات الحلفاء، ومنعهم من إنزال قواتهم فى نورماندى. 6 – إذا تأملنا الجولات العربية الإسرائيلية السابقة ، وراجعنا العمليات الحربية

التى وقعت خلال حربى 56 و 67 على الجبهة المصرية ، فسوف نجد أن

جميع الخطوط الدفاعية المصرية فى شمال سيناء التى أقيمت وبذلت

الجهود الكبيرة وأنفقت الأموال الطائلة لتحصينها وزيادة مناعتها : إما أنها

اخترقت وإما أنه تم تطويقها بواسطة القوات الإسرائيلية وأجبرت القوات التى كانت تدافع عنها على الإنسحاب. وأكبر مثال على ذلك المواقع الدفاعية عند جرادة على طريق العريش رفح ، وموقع بيرلحفن جنوب شرق العريش ومواقع ( أبو عجيلة ) وأم قطف. 7 – أثبتت الدروس المستفادة من معارك حرب الصحراء الغربية التى دارت بين القوات البريطانية والقوات الألمانية والإيطالية عام 1942 أن الخطوط الدفاعية التى تقام فى الصحراء دون استنادها على موانع طبيعية خاصة فى الأجناب ، يمكن تطويقها بسهولة عن طريق حركات الإلتفاف. وأكبر مثال على ذلك الخط الدفاعى البريطانى فى ليبيا الذى كان يمتد من الغزالة على البحر المتوسط شمالاً إلى بيرحكيم جنوباً ؛ فقد استطاع ثعلب الصحراء الفيلد مارشال روميل القيام بحركة إلتفاف واسعة النطاق من الجنوب حول هذا الخط بقوات البانزر الألمانية المدرعة وتطويقه ، مما أجبر القائد البريطانى الجينيرال ريتشى على التخلى عن هذا الخط الدفاعى ، والإنسحاب بقوات الجيش الثامن البريطانى – بعد أن دبت فيه الفوضى والإنهيار – فى إتجاه الحدود المصؤية ، بعد أن تكبد خسائر فادحة فى الدبابات.

وعلى العكس عندما أقام الجيش الثامن البريطانى خطاً دفاعيا على عجل عند العلمين مستنداً بجنبه الأيمن على البحر المتوسط وبجنبه الأيسر على منخفض القطارة ، فشل روميل فى اختراق الخط الدفاعى أو القيام بحركة إلتفاف حول أحد جنبيه نظراً لإرتكاز الجنبين على مانعين طبيعيين .

كيف وضعت الخطة جرانيت 2 المعدلة ( بدر ) ؟

عقب تعيين الفريق أحمد إسماعيل وزيراً للحربية وقائداً عاماً للقوات المسلحة فى 26 أكتوبر 1972 ، عرض عليه الفريق سعد الشاذلى رئيس الأركان الخطة الهجومية لمناقشتها معه. وكان الفريق أحمد إسماعيل قد سبق له تقديم تقرير عن الموقف العسكري تضمن وجهة نظره عندما كان مديراً للمخابرات العامة ، وذلك فى النصف الأول من عام 72. وفى هذا التقرير ذكر أن مصر ليست على استعداد للقيام بحرب هجومية ، وحذر من أنه لو قامت مصر بشن الحرب تحت هذه الظروف فإن ذلك يقود إلى كارثة. وقد عرض هذا التقرير فى الاجتماع المصغر الذى تم يوم 6 يونيو 72 فى استراحة الرئيس بالقناطر الخيرية ، والذى حضرته الدائرة الصغرى من أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة . وقد عرض فيه اللواء عبد الغنى الجمسى رئيس هيئة العمليات خلال هذا الاجتماع تقريراً شاملاً عن موقف القوات المسلحة . وعندما عرض الفريق سعد الشاذلى رئيس الأركان على الفريق أحمد إسماعيل القائد العام الجديد الخطة (جرانيت 2) التى كانت تستهدف الوصول إلى المضايق ، وخطة المآذن العالية التى كانت تستهدف مجرد إنشاء منطقة روءس الكبارى على عمق 10- 12 كم شرق القناة ، اقتنع الفريق أحمد إسماعيل بعدم قدرة القوات المسلحة المصرية على تنفيذ الخطة جرانيت 2 ، واستقر رأيه على أنه ينبغى التركيز على خطة المآذن العالية ، وتحدد ربيع عام 73 كميعاد محتمل للهجوم . وفى 10 يناير 73 صدر قرار من مجلس اتحاد الجمهوريات العربية بتعيين الفريق أحمد إسماعيل قائداً عاماً للقوات الاتحادية . وفور صدور تعيينه وتعيين اللواء بهى الدين نوفل رئيسا لهيئة عمليات القيادة الاتحادية . بدأت هذه القيادة تمارس عملها فى التحطيط لعملية هجومية على الجبهتين المصرية والسورية فى توقيت واحد ، ووضع أسس التعاون الوثيق بينهما فى المراحل المختلفة للمعركة ، وأفضل السبل لاستخدام القوات المسلحة فى الدولتين فى عملية واحدة منسقة ، وربط الجبهتين المصرية والسورية بوسائل وثيقة ومستمرة .

ونتيجة لدراسة الوضع الإستراتيجى على الجبهتين المصرية والسورية ، حدث تبدل كبير فى تفكير الفريق أحمد إسماعيل بالنسبة للخطة المصرية (المآذن العالية ) . فقد وجد أنه من الضرورى تعديل هذه الخطة لكى تشمل الاستيلاء على خط المضايق الإستراتيجية فى سيناء (45-55 كم شرق قناة السويس ) . إن ظروف الجبهة السورية من الناحيتين الجغرافية والإستراتيجية كانت تفرض أن يكون غرض الهجوم السورى هو تحرير هضبة الجولان بأكملها ، ووصول القوات السورية إلى الخط : نهر الأردن – الشاطىء الشرقى لبحيرة طبرية ، وذلك نظراً لأن عمق هضبة الجولان فى أوسع أجزائها لا يزيد على 25 كم مع خلوها من أى موانع طبيعية ، مما يجعل أرض المعركة فى هذه الجبهة مع إسرائيل متصلة . وبالتالى يصبح من الصعب توقف القوات السورية إلا عند الوصول إلى الغرض النهائى بسبب الطبيعة الجغرافية للهضبة السورية . وكان نجاح الهجوم السورى فى اجتياح مرتفعات الجولان معناه وصول المدرعات السورية إلى نهر الأردن الذى لا يفصله عن كبرى الموانى الإسرائيلية فى الشمال ، وهما عكا وحيفا ، سوى مسافة 50 كم ، يمكن للمدرعات قطعها فى بضع ساعات ، كما يعنى وقوع شمال إسرائيل المكتظ بالسكان والذى يضم كثيراً من القرى والمدن والأهداف الإستراتيجية المهمة ، مثل مطار رامات دافيد والمطلة وصفد وطبرية ومشروع تحويل نهر الأردن ومشروع روتنبرج الهيدو – كهربائى – تحت رحمة المدفعية السورية والصواريخ بعيدة المدى . ونظراً لأن الوضع الإستراتيجى على الجبهة المصرية لم يكن يشكل بالنسبة لإسرائيل خطورة عاجلة على المركز ذات الكثافة السكانية فى الجنوب ، بسبب وجود حاجز طبيعى متسع وهو صحراء سيناء ( حوالى 225 كم ) ، فقد كان من المنتظر بمجرد بدء الحرب على الجبهتين المصرية والسورية فى توقيت واحد أن تركز إسرائيل المجهود الرئيسى لقواتها على الجبهة السورية ، مما كان يعنى إتاحة الفرصة أمام القوات المصرية لتطوير الهجوم شرقاً والوصول إلى خط المضايق من جهة . ومن جهة أخرى لم يكن فى الإمكان إقناع القيادة السورية بالخطة المصرية عند القيام بعملية تنظيم التعاون بين الجيشين المصرى والسورى قبل المعركة، فبينما تستهدف الخطة السورية الوصول إلى الخط نهر الأردن – الشاطىء الشرقى لبحيرة طبرية الذى يقع على عمق حوالى 25 كم من خط بدء الهجوم ، فإن الغرض النهائى للخطة المصرية كان ذلك الهدف المتواضع ؛ أى مجرد إنشاء منطقة روءس الكبارى على عمق 10- 12 كم شرق قناة السويس . وكان المنتظر أن يثير ذلك الوضع اعتراض القيادة السورية ، إذ إن تركيز المجهود الرئيسى لإسرائيل ضد الجبهة السورية كما كان منتظراً دون أن يقابله قيام القوات المصرية بضغط مركز على القوات الإسرائيلية التى تواجهها كان يعنى إتاحة الفرصة للقيادة الإسرائيلية لكى تقوم بعملية تثبيت للقوات المصرية فى الجنوب بينما تلقى بكل ثقلها ضد القوات السورية المتقدمة فى مرتفعات الجولان فى الشمال . ورغم الاعتراضات التى تقدم بها الفريق سعد الدين الشاذلى رئيس الأركان للقائد العام الفريق أحمد إسماعيل حتى لا تجرى أى تعديلات فى خطة المآذن العالية نظراً لأن إمكانات وقدرات القوات المسلحة المصرية لم تتغير عما كانت عليه منذ وضع هذه الخطة ، فإن الوضع الإستراتيجى على الجبهتين أدى إلى تصميم الفريق أحمد إسماعيل على ضرورة تعديل الخطة المصرية لتتلاءم مع الخطة السورية .

وبناء على ذلك ، أخذت هيئة العمليات الحربية المصرية التى كان يرأسها وقتئذ اللواء محمد عبد الغنى الجمسى فى تجهيز خطة عمليات أخرى خلاف خطة المآذن العالية تشمل تطوير الهجوم شرقاً بعد العبور للوصول إلى خط المضايق . ونظراً لأن الخطة الجديدة كانت بالضبط هى الخطة جرانيت 2 مع إدخال بعض التعديلات عليها ، لذلك سميت هذه الخطة باسم (جرانيت 2 المعدلة ) ولكن تم تغيير اسمها بعد ذلك فى شهر سبتمبر 73 أى قبل شن الهجوم بشهر ليكون ( الخطة بدر ) . وتبعاً لذلك أصبح يطلق على خطة العبور وإنشاء رءوس الكبارى اسم ( المرحلة الأولى ) ، بينما أطلق على خطة التطوير شرقاً للوصوا إلى المضايق اسم ( المرحلة الثانية ) . ولإيجاد فاصل بين المرحلتين كان يقال عند الانتقال من ذكر المرحلة الأولى إلى المرحلة الثانية عبارة ( وبعد وقفة تعبوية ) يتم القيام بتطوير الهجوم شرقاً .

وفى 7 يونيو 73 جرت فى القيادة العامة بمدينة نصر عملية تنظيم التعاون للخطة 

الهجومية المشتركة بين القوات المصرية والسورية التى حضرها الفريق أحمد إسماعيل قائد القيادة الاتحادية والفريق سعد الشاذلى رئيس الأركان واللواء بهى الدين نوفل رئيس عمليات القيادة الاتحادية وعدد من القادة المصريين والسوريين ، حيث تم تحديد أهداف الخطة على الجبهتيين ، وكان الهدف هو وصول القوات السورية إلى الخط نهر الأردن – الشاطىء الشرقى لبحيرة طبرية ، ووصول القوات المصرية إلى خط المضايق الإستراتيجية شرق قناة السويس . وقد قام قائد الجيش الثانى اللواء سعد مأمون وقائد الجيش الثالث اللواء عبد المنعم واصل بعد ذلك بتخصيص المهام لقادة الفرق المشاة الخمس التى تقرر قيامها بعبور قناة السويس كنسق أول للجيشين وفقاً للخطة ، وهما الفرقتان 19 و 7 التابعتان للجيش الثالث ، والفرق 16 و 2 و 18 التابعة للجيش الثانى . كذلك خصص القائدان المهام لقائدى الفرقتين 4 و 21 المدرعتين والأولوية المشاة الميكانيكية المعاونة للفرقتين التى تقرر أن تكون فى النسق الثانى للجيشين ، على أن يدفع بها من خلال روءس الكبارى للاندفاع شرقاً إلى المضايق . وقد قام قادة الفرق المشاة بالنسق الأول وقادة الفرق المدرعة وفرق المشاة الميكانيكية بالنسق الثانى جميعاً بأعمال الاستطلاع الخاصة بعملية العبولر وتنفيذ المرحلة الأولى ، وكذا الخاصة بعملية تطوير الهجوم شرقاً والوصول إلى المضايق وإتمام المرحلة الثانية ، ووضعوا خططهم وتم إجراء عملية تنظيم التعاون داخل كل جيش . والأمر الوحيد الجدير بالملاحظة هو أن المرحلة الأولى من الخطة كانت تناقش خلال عملية تنظيم التعاون على كل المستويات بكل تفصيلاتها الدقيقة ، بينما كان يتم المرور على المرحلة الثانية مروراً سريعاً . وقد برر الفريق سعد الشاذلى رئيس الأركان هذه الظاهرة فى مذكراته بأنه هو شحصياً لم يكن يتوقع مطلقاً أن يطلب من القوات المصرية تنفيذ المرحلة الثانية ، وأن هذا كان هو نفس شعور قائدى الجيشين الثانى والثالث .

التوجيه السياسى والعسكرى لحرب أكتوبر

شهد الإعداد لحرب أكتوبر 73 تغييراً كبيراً فى المفهوم الإستراتيجى لدى القيادة السياسية للدولة ؛ إذ لم يحدث فى جميع الجولات العربية اللإسرائيلية السابقة وضع إستراتيجية شاملة لمصر لتحقيق التنسيق والتوازن بين الهدف السياسى للدولة وقدراتها العسكرية .

وكانت القوات المسلحة المصرية فى الجولات السابقة تصدر لها الأوامر للاحتشاد فى سيناء دون أن يحدد لها الهدف العسكرى المطلوب تحقيقه ،ولذا فعندما كان القتال ينشب فى الماضى كانت تصرفات القيادة العسكرية بعيدة تماماً عن تصرفات القيادة السياسية خاصة كما جرى فى حرب يونيو عام 67 التى كانت فيها القوات المسلحة ضحية من ضحاياها ، ولم تكن أبداً هى السبب فيما حاق بالبلاد من هزيمة منكرة . ولكن قبل حرب أكتوبر 73 تم وضع إستراتيجية شاملة للدولة بهدف إعدادها للحرب ، قامت فيها القوات المسلحة بالدور الرئيسى بمعاونة ومؤازرة جميع القوى الأخرى السياسية والاقتصادية والإعلامية بالدولة . وفى أول أكتوبر 73 أرسل الرئيس السادات بصفته رئيساً للجمهورية توجيها سياسياً وعسكريا إلى الفريق أول أحمد إسماعيل وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة كان يتكون من أربع فقرات رئيسية وهى : اولا – عن الوضع العام . ثانيا – عن إستراتيجية العدو. ثالثا – عن إستراتيجية مصر فى هذه المرحلة . رابعا – عن التوقيت . وسوف نتناول فى دراستنا هذه كل فقرة من هذه الفقرات على حدة بالتحليل والشرح فيما عدا الفقرة الأولى التى سنكتفى بعمل تلخيص عام لها باعتبارها فقرة شبه تاريخية وليس لها علاقة بالتخطيط الإستراتيجى للحرب . ●عن الوضع العام .. ركز الرئيس الراحل السادات فى شرحه لهذه الفقرة على عدة نقاط كانت أولاها خاصة بالمحاولات التى تبذلها إسرائيل بتأييد من أمريكا لفرض إرادتها علينا وعلى إنهاء أزمة الشرق الأوسط على نحو يحقق لها سيطرة شبه مطلقة فى المنطقة العربية ، وسجل السادات أن مصر حاولت بكل الوسائل أن تجد حلا للأزمة ، بداية بقبول قرار مجلس الأمن رقم 242 الصادر فى 22 نوفمبر 67 وانتهاء بالمبادرة التى تقدمت بها مباشرة لحل يكون فيه فتح قناة السويس تمهيداً لمراحل انسحاب شامل تطبيقاً لقرار مجلس الأمن ( المقصود هو مبادرة السادات للسلام التى أعلنها فى 4 فبراير 71 فى خطاب له أمام مجلس الشعب ) ، ولكن كل هذه الجهود إما فشلت وإما حاول أعداؤنا الخروج بها عن مقاصدها . وذكر أن مصر قامت بعمليات عسكرية ذات طابع محدود (يقصد حرب الاستنزاف ) فى سنوات 68 و 69 و 70 ، كما قدمت دعما كبيرا لقوات المقاومة الفلسطينية لمباشرة العمليات الفدائية ، ولكن هذه العمليات كلها رغم ما حققته من نتائج لم تصل فى ضغطها على العدو إلى الحد اللازم . وسجل السادات كذلك ما تحمله شعب مصر من أعباء مادية ومعنوية فادحة كانت أكثر مما كان يتصور خصومه وأصدقاؤه على السواء إيماناً منه بحريته . وبالنسبة للموقف العربى ذكر السادات أن تحسينات مهمة قد طرات عليه مما أثر بشكل واضح فى أوضاع تسليحنا، فإلى جانب ما نحصل عليه من

الاتحاد السوفيتى والكتلة الشرقية ،  فقد أتيحت لنا من مصادر أخرى أنواع من 

السلاح لم تكن متوافرة لنا . وأنهى السادات شرحه للوضع العام بتركيزه على أن العدو أصبح فى شبع عزلة بعد الجهود المصرية الناجحة فى المجالات الدولية .

الإستراتيجية الإسرائيلية

ذكر الرئيس الراحا السادات ضمن توجيهه عن هذه الفقرة ما يلى : ( إن العدو الإسلرائيلى – كما نرى – انتهج لنفسه سياسة تقوم على التخويف والادعاء بتفوق لا يستطيع العرب .. وهذا هو أساس نظرية الأمن الإسرائيلى التى تقوم على الردع النفسى ةالسياسى والعسكرى . إن نقطة الأساس فى نظرية الأمن الإسرائيلى هى الوصول إلى إقناع مصر مالأمة العربية بأنه لا فائدة من تحدى إسرائيل ، وبالتالى فليس هناك مفر من الإذعان لشروطها حتى وإن تضمنت هذه الشروط تنازلات عن السيادة الوطنية. انتهى توجيه السادات .

لقد كانت نظرية الأمن الإسرائيلى حتى ما قبل حرب يونيو 67 مبنية على أساس القدرة على توجيه ضربة إجهاض حاسمة ، ونقل الحرب إلى الأراضى العربية بسبب الوضع الجغرافى السيىء لإسرائيل نظراً لطول حدودها المشتركة مع دول المواجهة العربية ، فى الوقت الذى لم يكن فيه عرضها فى منطقة طولكرم وقلقيلية فى الضفة الغربية للأردن يزيد على 15 كم . ونتيجة للإنتصار الإسرائيلى الساحق فى حرب يونيو 67 ، وبعد أن أصبحت الخطوط التى تقف عليها قواتها تمر فوق موانع طبيعية منيعة تمثلها الهضبة السورية وأخدود نهر الأردن شرقا خليجا العقبة والسويس جنوبا ً والبحر المتوسط وقناة السويس غرباً ، تغيرت نظرية الأمن الإسرائيلية ، إذ إن أى حرب قادمة سوف تجرى بعيدا عن المناطق ذات الكثافة السكانية فى إسرائيل ، وبذلك يتوفر للجيش مهلة من الوقت ومجال للمناورة لمجابهة أى هجوم عربى دون أن تصاب الجبهة الداخلية بأضرار . ووفقا لنظرية الأمن الجديدة ركز الفكر الإستراتيجى على ضرورة الاحتفاظ بالأراضى العربية المحتلة فى حرب يونيو 67 باعتبار أنها الحدود الآمنة لإسرائيل ، وأصبحت الإستراتيجية الإسرائيلية الجديدة ترتكز على الأسس التالية : اولا - القدرة على الردع : بأن تكون إسرائيل أقوى دولة فى منطقة الشرق الأوسط ، وأن تكون قوتها توازى قوى الدول العربية مجتمعة . وتقوم القدرة على الردع على العناصر الآتية : 1 – السبق فى توجيه ضربة الإجهاض . إن السبق فى توجيه هذه الضربة معناه إحباط أى تحضيرات عربية للهجوم والاعتماد فى ذلك على قوات جوية متفوقة من أحدث وأقوى الطائرات وأبعدها مدى لتكون

أداة الردع الرئيسية وذراعها الطويلة للوصول إلى أعماق الدول  

العربية ، مع الاعتماد فى الهجوم البرى على جيش عصرى خفيف الحركة مجهز بقوات مدرعة كافية وعلى درجة عالية من الكفاءة القتالية لإمكان تدمير أى جيش عربى بصورة خاطفة وسريعة وتدمير أى هجوم عربى فى ساعات قليلة ، كما جرى فى حربى 1956 و 1967 . 2 – ضرورة الاحتفاظ بالأراضى العربية المحتلة . إذ إن الخطوط الدفاعية الإسرائيلية المرتكزة على قناة السويس ونهر الأردن ومرتفعات الجولان هى أنسب وأقوى أنواع الدفاعات بالنسبة لإسرائيل ، فهى ترتكز على موانع مائية (قناة السويس ونهر الأردن ) وعلى حاجز جبلى كبير (مرتفعات الجولان ) ، مما يسهل مهمة القوات الإسرائيلية فى الدفاع ويجعل مهمة القوات العربية المهاجمة شاقة ومعقدة ، وعلاوة على ذلك تحقق هذه الحدود الآمنة لإسرائيل أحد مبادىء الحرب الرئيسية وهو مبدأ( الاقتصاد فى القوة ) إذ تحتاج إلى قوات قليلة للدفاع والمراقبة ووقف الهجوم العربى لأطول مدة ممكنة ريثما تتم تعبئة الاحتياطى وتحريك التشكيلات المقاتلة من العمق إلى المواقع المحددة لها فى الخطة . ثانيا - ضرورة الاحتفاظ بميزة المبادأة Initiative فى جميع الظروف والأحوال ،

إذ إن المبادأة وفقا لنظريات الحرب هى الوسيلة الأساسية للحصول على 

المفاجأة التى تعد وفقا لتعريف مشاهير القادة وفلاسفة الحرب أهم مبادىء الحرب وأعظمها أثرا فى إحراز النصر . ثالثا - وجود جهاز مخابرات قدير لجمع المعلومات وفرزها وتحليلها بسرعة فائقة ودقة متناهية لاكتشاف أى نوايا هجومية ضد إسرائيل قبل وقوعها بوقت كاف ، مما يسمح للقوات بالاستعداد للقتال واحتلال المواقع المحددة لها فى الخطة ، وفى الوقت نفسه لتنفيذ عملية التعبئة الشاملة أو الجزئية للقوات الاحتياطية . رابعا - ضمان مؤازرة قوة عظمى كحليف موثوق بنجدته فى كل وقت ،وقد تجلى ذلك باعتماد إسرائيل على بريطانيا وفرنسا فى أثناء العدوان الثلاثى على مصر عام 1956 ، فلم تجرؤ إسرائيل على بدء العمليات الحربية ضد مصر فى 29 أكتوبر إلا بعد التأكد من أن بريطانيا وفرنسا ستشتركان معها فى الحرب ، كما حصلت على تأمين مضمون لحماية جوية فرنسية فوق المدن الرئيسية وميدان القتال بسيناء رغم أن الجيش المصرى لم يكن قد استوعب بعد صفقة الأسلحة التشيكيةالتى حصل عليها فى أواخر عام 195 استيعابا كاملا . وقد نقلت إسرائيل عقب حرب السويس عام 1956 اعتمادها من بريطانيا وفرنسا وألقت بالمسئولية بأكملها على عاتق الولايات المتحدة التى تولت منذ ذلك الحين إمدادها بأحدث الأسلحةوالمعدات المتطورة والتكنولوجيا الحديثة وبالمعونات المالية السخية وبتأييدها الدائم فى المحافل الدولية رغم كل ما ترتكبه من اعتداءات ، وتسخير الفيتو الأمريكى لمنع مجلس الأمن من إصدار أى قرارات بإدانتها .

الإستراتيجية المصرية

ذكر الرئيس الراحل السادات ضمن توجيهه عن هذه الفقرة ما يلى : (إن الهدف الإستراتيجى الذى أتحمل المسئولية السياسية فى إعطائه للقوات المسلحة المصرية ، وعلى أساس كل ما سمعت وعرفت من أوضاع الاستعداد يتلخص فيما يلى  : تحدى نظرية الأمن الإسرائيلى ، وذلك عن طريق عمل عسكرى حسب إمكانات القوات المسلحة يكون هدفه إلحاق أكبر قدر من الخسائر بالعدو وإقناعه بأن مواصلة احتلاله لأراضينا يفرض عليه ثمنا لا يستطيع دفعه ، وبالتالى فإن نظريته فى الأمن – على أساس التخويف النفسى والسياسى و العسكرى – ليست درعا من الفولاز تحميه الآن أو فى المستقبل . وإذا استطعنا بنجاح أن نتحدى نظرية الأمن الإسرائيلى فإن ذلك سوف يؤدى إلى نتائج محققة فى المدى القريب وفى المدى البعيد . فى المدى القريب : فإن تحدى نظرية الأمن الإسرائيلى يمكن أن يصل بنا إلى نتائج محققة تجعل فى الإمكان أن نصل إلى حل مشرف لأزمة الشرق الأوسط . وفى المدى البعيد : فإن تحدى نظرية الأمن الإسرائيلى يمكن أن يحدث متغيرات تؤدى بالتراكم إلى تغيير أساسى فى فكر العدو ونفسيتة ونزعاته العدوانية . انتهى توجيه السادات . لقد بنيت الإستراتيجية المصرية لحرب أكتوبر على أساس مصرى خالص غير مستورد من الشرق أو من الغرب ، وكان الاعتماد فى ذلك يقوم على متابعة واستخدام التقدم العلمى والتكنولوجىفى المجال العسكرى ، وعلى الدروس المستفادة والمستمدة من التجارب المريرة التى شهدتها القوات المسلحة خلال حربى 1956و 1967، وكانت الإستراتيجية المصرية ترتكز على الأسس التالية : أولا - تفويض نظرية الأمن الإسرائيلى: لكى تقوم مصر بتحدى نظرية الأمن الإسرائيلية من الناحية الواقعية ، من الضرورى أن تحصل على ميزةالمبادأة التى كانت تعنى تحديا عمليا لأسلوب الردع المعنوى ، كما كان أمرا جوهريا القيام بهجوم شامل على طول مواجهة القناةوليس على مجرد قطاعات معينة منها حتى يمكن تقويض أسلوب الردع المادى . وكان التخطيط لاقتحام قناة السويس وتدمير خط بارليف بحصونة المنيعة يعنى فى حالةنجاجه أن نظرية الاستناد إلى موانع طبيعية باعتبارها حدودا آمنة ليست سوى وهم كاذب وسراب خداع . ثانيا – خطة الخداع الإستراتيجى : حققت هذه الخطة التى رسمتها ونفذتها القيادة العامة المصرية بالتعاون مع أجهزة الدولة العليا نجاحا كاملا . وقد تم تنسيق الخطط المصرية والسورية الخاصة بالسريةوالأمن والخداع على المستويين الإستراتيجى والسياسى ، ونجحت القيادتان بالفعل بالتعاون مع بعض الأجهزة المدنية كوزارتى الخارجية والإعلام فى المحافظة على سر الهجوم وفى اتباع الأساليب التى تمكننا بها من خداع المخابرات الإسرائيلية والأمريكية اللتين تعدان بلا شك من أبرع أجهزة المخابرات فى العالم ومن أشدها دهاء وحذرا . ثالثاً - إرغام الجيش الإسرائيلى على القتال على جبهتين أساسيتين فى وقت واحد ( الجبهة المصرية والجبهة السورية ) اللتين يفصل بينهما حوالى 500 كم لتشتيت جهوده وبعثرة قواته بين الجبهتين ، ولمنع إسرائيل من ممارسة خطتها التقليدية بتثبيت إحدى الجبهات وتركيز مجهودها الرئيسى ضد الجبهة الأخرى ، وعندما يتم القضاء عليها ينتقل المجهود الرئيسى إلى الجبهة التى تم تثبيتها للقضاء عليها هى الأخرى ، وهو الأسلوب الذى اتبعته بنجاح خلال حرب يونيو 1967 . رابعا - إغلاق مضيق باب المندب : بعد حرب يونيو 1967، أخذت إسرائيل تعلن على الملأ عن عزمها على البقاء فى شرم الشيخ لإبقاء السيطرة على مدخل خليج العقبة ليبقى الطريق من ميناء إيلات إلى إفريقيا وآسيا وبالعكس مفتوحا أمام سفنها التجارية. وقد استهدفت الإستراتيجية المصرية قطع ذلك الشريان الحيوى لإسرائيل وإثبات أن شرم الشيخ ليست مفتاحا لإيلات ، فقد نزل المفتاح إلى أقصى الجنوب بناء على إستراتيجية عربية للبحر الأحمر تم بمقتضاها إغلاق مضيق باب المندب فى وجه السفن الإسرائيلية قبل نشوب الحرب مباشرة . خامساً – إبطال وتحييد عناصر القوة فى الجيش الإسرائيلى وفقا للأساليب التالية : 1 – حرمان العدو من مزايا توجيه الضربة الأولى ، وأن يبدأ الجيشان المصرى والسورى بتوجيه الضربة الأولى فى توقيت واحد للاستفادة بمزاياها . 2 – شل فعالية القوات الجوية الإسرائيلية المتفوقة وإضعاف قوتها من طريق شبكة دفاع جوى متكاملة كانت تعد من أقوى الشبكات الدفاعية فى العالم ، وذلك بالتعاون مع القوات الجوية . 3 – شل فعالية القوات المدرعة الإسرائيلية التى تركز اهتمام إسرائيل بها عقب نجاحها الساحق فى حربى 1956و 1967 ، والحد من تأثيرها عن طريق تزويد المشاة التى تعبر قناة السويس بأكبر عدد من الأسلحة والصواريخ المضادة للدبابات ، تعاونها قوة نيران كثيفة من المدفعية فى المراحل الأولى الحرجة ، على أن يكون القتال معارك أسلحة مشتركة طوال مدة الحرب . ملاحظة : نتيجة لهبوط فعالية القوات الجوية الإسرائيلية بسبب شبكة الصواريخ سام ، غرب قناة السويس وضعف فعالية القوات المدرعة الإسرائيلية بسبب تزويد المشاة المصرية بأعداد وفيرة من الأسلحة والصواريخ المضادة للدبابات ، عجزت إسرائيل عن اتباع أساليب الحرب الخاطفة BlitzKrieg التى كانت تتبعها فى كل حروبها السابقة ، إذ إن الطيران والمدرعات هما السلاحان الرئيسيان فى الحرب الخاطفة التى اعتادت إسرائيل أن تشنها . 4 – عرقلة وصول القوات الاحتياطية الإسرائيلية من العمق . نظراً لأن نظام تعبئة الاحتياطى الإسرائيلى يعد من أفضل النظم الموجودة فى العالم ، ويحقق أحسن المزايا ويتيح الفرصة لتجنيد ثلاثمائة ألف مقاتل وقت الحرب لدفعهم إلى ميدان القتال ، لذلك استهدفت الإستراتيجية المصرية التدخل فى عملية وصول القوات الاحتياطية إلى جبهة سيناء عن طريق التخطيط لإنزال وحدات كاملة من رجال الصاعقة بواسطة طائرات الهيليكوبتر فى عمق سيناء ، وإنزال وحدات صاعقة أخرى عن طريق العريش – رمانة . وكان الغرض من ذلك هو بث الذعر على خطوط مواصلات العدو وتشتيت جهوده وعرقلة وصول احتياطياته إلى ساحة المعركة . التوقيت ذكر الرئيس الراحل السادات ضمن توجيهه عن هذه الفقرة ما يلى : ( إن الوقت من الآن ومن وجهة نظر سياسية ملائم كل الملاءمة لمثل هذا العمل الذى أشرت إليه فى ثالثا من هذا التوجيه ( يقصد إستراتيجية مصر فى هذه المرحلة ) . إن أوضاع الجبهة الداخلية وأوضاع الجبهة العربية العامة بما فى ذلك التنسيق الدقيق مع الجبهة الشمالية ( الجبهة السورية ) وأوضاع المسرح الدولى تعطينا من الآن فرصة مناسبة للبدء . ومع العزلة الدولية للعدو .. ومع الجو الذى يسود عنده بنزعات الانتخابات الحزبية وصراعات الشخصيات – فإن احتمالات الفرصة المناسبة تصبح أحسن أمامنا ) . انتهى توجيه السادات . لقد كانت الأحوال السياسية فى الساحة الدولية بالفعل تسير فى غير صالح إسرائيل ، إذ كانت تعانى وقتئذ من مرارة العزلة السياسيةنتيجة لتحديها المستمر للمجتمع الدولى ولقرارات الأمم المتحدة . وكان الأتحاد السوفيتى إحدى القوتين العظميين ماضيا فى سياسته فى تأييد القضايا العربية وتزويد العرب وخصوصا جيشى مصر وسوريا بكميات ضخمة من أحدث الأسلحة والطائرات والمعدات المتطورة والأجهزة الإلكترونية المتقدمة ، وكان البترول العربى يضغط على دول السوق الأوربية المشتركة وبريطانيا واليابان . وهى الدول الصناعية الكبرى – لتبعد عن الخط الإسرائيلى ولتنتج سياسة أكثر موالاة للعرب . وفى مايو 1973 اتخذ مؤتمر الوحدة الإفريقية الذى عقد فى أديس أبابا عاصمة إثيوبيا قرار ا صريحا بإدانة إسرائيل ، كما قطعت معظم الدول الإفريقية علاقاتها الدبلوماسية معها . وفى الدورة الطارئة لمجلس الأمن المنعقدة فى يونيو 1973 صوت المجلس فى 21 يوليو على قرار يدعم فيه قراره السابق رقم 242 الصادر فى 22 نوفمبر عام 67 بدعوة إسرائيل للانسحاب من الأراضى التى احتلتها فى حرب يونيو عام 1967 ، وحصل القرار على أغلبية 14 صوتا من أى باستثناء صوت واحد هو صوت الفيتو الأمريكى . وفى سبتمبر 1973 أعربت دول عدم الانحياز التى اجتمعت فى مؤتمر القمة بالجزائر عن تأييدها التام للقضية العربية ، ووصفت سياسة إسرائيل بأنها تشكل تهديداً للسلام والأمن العالميين . وبعد أن وصل التأييد العربى والعالمى للقضية العربية فى كل المجالات إلى هذه الدرجة العالية التى لا مجال بعدها لإضافة جديدة إلا إضافة تصنعها القوات المصرية والسورية بقوة السلاح ،بدأ التفكير فى انتخاب أنسب التوقيتات ليوم وساعة الهجوم . ومن ناحية تحديد يوم (ى) يوم الهجوم ذكر الفريق أول أحمد إسماعيل فى حديث له أن البحث كان يدور للاهتداء إلى ليلة تتوافر فيها المميزات التالية : 1 – ليلة مقمرة يتصاعد فيها القمر معنا فى الساعات الحاسمة . 2 – ليلة يكون تيار القناة فيها مناسبا للعبور من ناحية السرعة . 3 – ليلة يكون عملنا فيها بعيدا عن توقعات العدو . 4 – ليلة لا يكون العدو فيها مستعدا للعمل . وهذه المميزات هى التى حددت لنا يوم 6 أكتوبر قبل أن يحل بشهور عديدة الأسباب الآتية : 1 – الحسابات الفلكية كانت تدل على أن القمر فى تلك الليلة ينمو فى أول الليل ثم يغيب فى آخره . 2 – علماء القوات المسلحة بعد دراسة هيئة قناة السويس لسنوات طويلة سابقة من أجل حساب التيارات فى جميع أيام السنة – وجدوا أن يوم 6 أكتوبر أكثرها مناسبة . 3 – العدو لا يتوقع منا العمل فى شهر رمضان . 4 – العدو مشغول بمناسبات مختلفة بينها انتخاباته العامة التى تشد اهتمام الجميع . لقد كان شهر رمضان هو الذى أوحى للقائد العام بتغيير الاسم الرمزى لعملية الهجوم ( الخطة جرانيت 2 المعدلة ) . فقد اختار لها الاسم الرمزى الجديد (بدر) تيمنا بغزوة بدر . وكان السادات من وجهة نظره السياسية يسميها عملية( الشرارة ) . أما من وجهة تحديد ساعة (س) أى ساعة الهجوم ، فقد ذكر الفريق أول أحمد إسماعيل فى حديثه أن الموعد ظل إلى ما قبل بدء القتال موضوع مناقشة بين القيادتين المصرية والسورية . فقد كان السوريون لعدة أسباب من بينها اتجاه الشمس معهم ضد العدو يفضلون العمل مع أول ضوء فى الفجر ، وكان المصريون لعدة أسباب من بينها اتجاه الشمس وضرورات العبور ونصب الكبارى وفتح الطريق لدخول المعدات الثقيلة

كالدبابات والمدافع فى الظلام يفضلون العمل فى آخر ضوء فى المساء . وكان الفريق أول 

أحمد إسماعيل بوصفخ قائداً عاما للجبهتين المصرية والسورية قد بعث إلى السوريين يوم 30 سبتمبر بإشارة التحذير بأن العملية محتملة فى أى وقت ، وسافر هو بنفسه يوم 2 أكتوبر إلى دمشق وحدثت مناقشات عديدة بينه وبين القادة السوريين حول ساعة الهجوم . وبعد دراسة تفصيلية تم الاتفاق على أن تكون الساعة الثانية بعد الظهر موعدا للساعة (س) ، وصدق الرئيس حافظ الأسد على ذلك . وقد كان اختيار ذلك التوقيت أمرا غريبا،

فلم يكن منتظراً ولا مألوفا فى الحروب ،فإن هذا الموعد هو وقت ظهيرة وغداء وراحة ، 

وكان يوافق يوم عيد الغفران لدى إسرائيل وهو إجازة من العمل والطعام والشراب . ومن المعتاد فى الحرب أن تكون الضربات الجوية وبدء الهجوم العام قبل أول ضوء أو قبل آخر ضوء،. أما فى منتصف النهار ، فلم يكن ذلك أمرامألوفا . وكانت إسرائيل تفخر دائما بأنها هى التى تبدأ الحرب وهى التى تنهيها كما حدث فى حربى 1956و 1967 ، ولكننا فى حرب 1973 اختطفنا منها ميزة المبادأة ، ووجدت نفسها لأول مرة فى موقف الدفاع .

التوجيه الإستراتيجى للسادات فى 5 أكتوبر

في يوم 9 من رمضان الموافق 5 من أكتوبر 1973، أرسل الرئيس الراحل السادات بوصفه رئيسا للجمهورية وقائدا أعلى للقوات المسلحة توجيها إستراتيجيا إلى الفريق أول أحمد إسماعيل وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة ، كان نصه كما يلى : 1 - بناء على التوجيه السياسى والعسكرى الصادر لكم منى فى أول أكتوبر 1973، وبناء على الظروف المحيطة بالموقف السياسى والإستراتيجى ، قررت تكليف القوات المسلحة بتنفيذ المهام الإستراتيجية الآتية : أ – إزالة الجمود العسكرى الحالى بكسر وقف إطلاق النار اعتبارا من يوم 6 أكتوبر 1973 . ب – تكبيد العدو أكبر خسائر ممكنة فى الأفراد والأسلحة والمعدات . ج – العمل على تحرير الأرض المحتلة على مراحل متتالية حسب نمو وتطور إمكانات وقدرات القوات المسلحة . 2 – تنفيذ هذه المهام بواسطةالقوات المسلحة المصرية منفردة أو بالتعاون مع القوات المسلحةالسورية . انتهى توجيه السادات . من هذا التوجيه الإستراتيجى ، يتضح لنا أن الهدف السياسى الذى كان الرئيس السادات يروم تحقيقه من الهجوم العسكرى لم يكن استرداد الأراضى التى احتلتها إسرائيل فى حرب يونيو عام 1967 ( شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة ) ، ولم يكن كذلك تدمير الجيش الإسرائيلى وإنزال هزيمة قاصمة به ، ذلك لأن إمكانات مصر العسكرية فى ذلك الوقت لم تكن تسمح لها بتحقيق أى من هذين الهدفين . وعلى ذلك كان الخيار المطروح أمام القيادة العامة المصرية لتنفيذ توجيه الرئيس فيما يتعلق بإزالة الجمود العسكرى وكسر وقف إطلاق النار هو أحد الاحتمالين التاليين : 1 – العودة إلى شن حرب الاستنزاف . ولكن كان من الواضح أن هذه الحرب قد استنفدت أغراضها فى الفترة التى جريت فيها (فى الأعوام 1968 ، 1969، 1970)، كما أن إسرائيل ان تقبل بالعودة إليها تجنبا للخسائر التى سوف تلحق بها فى الأفراد والأسلحة والمعدات . ولذلك فإن أى محاولة من جانب مصر للعودة إلى هذه الحرب كان من المتوقع أن تقابل من إسرائيل برد فعل قوى وعنيف . وقد أثبتت تجارب حرب الاستنزاف أن القيادة الإسرائيلية عندما ضاقت ذرعا بهذا الأسلوب من الحرب قررت إدخال الطيران الإسرائيلى المعركة اعتبارا من 20 يوليو 1969، وانتقلت حرب الاستنزاف وقتئذ إلى مرحلة خطيرة أطلق عليها الإسرائيليون حرب الاستنزاف المضاد . وكانت أخطر نتائج إدخال الطيران الإسرائيلى هى اتساع رقعة حرب الاستنزاف اتشمل الراضى المصرية بأكملها بدلا من منطقة القناة وحدها كما كان الحال فى بادىء الأمر ، وتعرض العمق المصرى لخسائر فادحة من جراء غارات طائرات الفانتوم وسكاى هوك الإسرائيلية ، مما أجبر الرئيس الراحل عبد الناصر على القيام برحلته السريةالشهيرة إلى موسكو فى 22 يناير 1970 حيث تم اتفاقه مع قادة الكرملين وبعد تهديده لهم بالاستقالةمن منصبه على إمداد مصر بفرقة دفاع جوى كاملة من الفرق السوفيتية بأطقمها السوفيت وصواريخها سام 3 ومعدتها ، وكذا بثلاثةألوية جوية كاملة ( بطائرتها الميج 21 وأطقمها السوفيت ) لتتولى الدفاع عن العمق المصرى . وقد قام الرئيس الراحل السادات بإصدار قراره بالاستغناء عن الخبراء والمستشارين السوفيت وكذا عن هذه الوحدات السوفيتية يوم 8 يوليو عام 1972 وعاد الجميع إلى بلادهم . وعلى ذلك ، كانت العودة إلى إستئناف حرب الاستنزاف فيها مخاطرة كبرى ، علاوة على أن حرب الاستنزاف كانت فى حد ذاتها تعد عملية عسكرية ذات طابع محدود ولا جدوى من ورائها من حيث تحريك القضية سياسيا كما أثبتت التجربة العملية من قبل ، وكان رد الفعل المتوقع من العدو أكبر بكثير من قيمتها السياسية أو العسكرية ، وهذا ما دعا إلى استبعاد حرب الاستنزاف من التفكير . 2 – القيام بعملية حربية كبيرة تتفق مع قدرتنا العسكرية – أى أوسع نطاقا من حرب الاستنزاف وفى الوقت نفسه أقل طموحا من حيث الهدف من تحرير الأرض المحتلة كلها – وفى هذه الحالة سوف يتناسب رد فعل العدو المنتظر مع حجم وقوة ضربتنا . والنوع الوحيد من العمليات التى يمكن لمصر أن تحتفظ فيه بالمبادأة أطول فترة ممكنةمع استمرارها فى تكبيد القوات الإسرائيلية أكبر قدر من الخسائر فى الأفراد والأسلحة والمعدات ، هو إنشاء منطقة متماسكة من رءوس الكبارى المتينة على الشاطىء الشرقى لقناة السويس لتهديد القوات الإسرائيلية تهديداً دائما وتكبيدها أكبر كمية من الخسائر عن طريق صد هجماتها المضادة . ونظراً لأن العدو كان يملك أربع ميزات أساسية ، وهى : تفوقه الجوى ومقدرته التكنولوجية الراقية ومستوى تدريب قواته العالى وأخيراً اعتماده على معاونة عاجلة من الولايات المتحدة تكفل له فور بدء العمليات الحربية سيلا مستمراً من الأسلحة والمعدات لتعويض ما يفقده فى ميدان القتال ، فى الوقت الذى كان يعانى فيه من أربع نقاط ضعف رئيسية وهى : طول خطوط مواصلاته وامتدادها على جبهات متعددة يصعب الدفاع عنها ، وأوضاعه البشرية التى لا تسمح له بتحمل خسائر كبيرة ، وظروفه الاقتصادية التى تمنعه من قبول حرب طويلة الأجل ، وأخيرا ما تملكه من صلف وغرور قاتلين عقب نجاجه الساحق فى حرب يونيو 1967 – لذلك وضعت القيادة العامة المصرية خطتها على أساس تلافى وتحييد نقاط امتياز العدو وفى الوقت نفسه استغلال نقاط ضعفه . وقد ساعد على نجاح التخطيط العسكرى المصرى أن التوجيه الإستراتيجى للرئيس لم ينص على أى مهمة محددة خاصة باسترجاع الأراضى المحتلة ، فقد ترك ذلك حسب نمو وتطور إمكانات وقدرات القوات المسلحة. وكانت حكمة بالغة من القيادة العامة المصرية حينما وضعت فى تخطيطها أن يكون الهجوم بخمس فرق على طول مواجهه قناة السويس على خط يمتد حوالى 160 كم من بور سعيد شمالا إلى السويس جنوبا ، فقد حقق ذلك المزايا التالية : 1 – إرغام العدو على توزيع ضرباته الجوية المضادة على قواتنا سواء فى أثناء العبور أو عند إنشاء رءوس الكبارى . 2 – نظرا لاتساع المواجهه فسوف يرغم العدو على بعثرة وتشتيت قواته المدرعة عند قيامه بشن هجماته المضادة التكتيكية . 3 – لن يتمكن العدو بسبب اتساع المواجهة وقوة رءوس الكبارى من اكتشاف اتجاه المجهود الرئيسى لقواتنا مما سوف يجعل رد فعله متأخراً بالنسبة للهجوم المضاد سواء على المستوى التعبوى أو الإستراتيجى . هذا وقد كان التخطيط يقتضى وقفة تعبوية بعد إتمام عملية العبور وبعد القيام بتأمين رءوس الكبارى شرق قناةالسويس . وكان الغرض من هذه الوقفة التعبوية هو إعادة تقدير الموقف والتأهب للمرحلة الثانية من الخطة (بدر) ، وهى تطوير الهجوم شرقا للوصول إلى منطقة المضايق الإستراتيجية الجبلية . ولم يكن فى التخطيط أن تكون الوقفة التعبوية فترة جمود أو سكون ، ولكنها كانت فترة تقبل لهجمات العدو المضادة على المستوى التكتيكى والتعبوى ، بهدف تدميرها وإلحاق أكبر خسائر ممكنة بالعدو، وفى الوقت نفسه عمل الاستعدادات اللازمة والاحتياطات الكافية لكى يتسنى للقوات المصرية بدء المرحلة الثانية من الخطة .

تجهيز وإعداد مسرح العمليات

بدأت القوات المصرية والقوات الإسرائيلية فى تنفيذ مخطط مسرح العمليات لكل منهما فى أعقاب حرب يونيو 1967 بعد أن فقدت إسرائيل الأمل الذى ظل يراودها طويلا ، وهو أن تقبل مصر عقد معاهدة للصلح معها ، وخاصة بعد الهزيمة النكراء التى منيت بها قواتها المسلحة ، وبعد وصول القوات الإسرائيلية إلى الشاطىء الشرقى لقناة السويس . وقد قام الجانبان بتنفيذ مخططيهما على مراحل بدأت بإعداد وتجهيز المواقع والنطاقات الدفاعية بالقرب من القناة وفى العمق ، ثم تطورت إلى التحضير للعمليات التعرضية . واستمرت هذه الأعمال حتى انطلقت الشرارة الأولى لحرب أكتوبر 1973 .

التجهيزات المصرية

ركزت القوات المسلحة المصرية جهودها وطاقتها مستغلة طاقات الشركات المدنية من القطاعين العام والخاص ، وقامت بأعمال ضخمة شملت الأراضى المصرية على اتساعها ، وقد بلغ ما أنفقته الدولة على تلك الأعمال مئات الملايين من الجنيهات ، بالإضافة إلى عرق ودماء أبنائها من العسكريين والمدنيين . وقد شملت تلك الأعمال الهائلة إقامة التحصينات لوقاية الأفراد والأسلحة والمعدات والذخائر وحفر الخنادق ، ومرابض نيران المدفعية الرئيسية والتبادلية والمؤقتة والهيكلية وتجهيز مراكز القيادة والسيطرة الرئيسية والتبادلية على جميع المستويات وإقامة وتعلية السواتر الترابية غرب القناة لتوفير الوقاية لقواتنا من أعمال مراقبة العدو ونيرانه ولتتمكن قواتنا فى نفس الوقت من مراقبة العدو والسيطرة على مواقعة وإنشاء هيئات حاكمة على الساتر الترابى غرب القناة لاحتلالها بالدبابات والأسلحة المضادة للدبابات ، كما تم إنشاء نقط قوية فى الاتجاهات ذات الأهمية الخاصة . ولقد كان إنشاء قواعد شبكة الصواريخ المضادة للطائرات التى تم إنجازها تحت ضغط مكثف من جانب قوات العدو الجوية ، من أضخم ما قامت به القوات المسلحة المصرية والقطاع المدنى من أعمال . ولتسهيل مناورة القوات ، تم إنشاء شبكة مطورة من الطرق والمدقات الطولية والعرضية بلغ طولها فى منطقة الجبهة فقط حوالى 2000 كم ، كما أقيمت السواتر الترابية على أجناب وفى مواجهة تلك الطرق والدقات لإخفاء تحركات قواتنا عليها ، وتم تجهيز عشرات من المخاضات على ترعتى الإسماعيلية والسويس لتسهيل عملية عبور الترعتين فى حالة نجاح طائرات العدو فى تدمير الكبارى المقامة عليهما . ولكى يتيسر لقواتنا إقامة الكبارى على القناة على مسافات متساوية على طول المواجهة من السويس حتى شمال القنطرة ، تم تجهيز نقط الإسقاط لوحدات الكبارى على الضفة الغربية للقناة وكذلك المنازل

اللازمة لاستخدام المعدات . 

وتفاديا لتكرار تعرض قواتنا الجوية للضربة المفاجئة الأولى ، وضمانا لاستمرار تقديمها للمجهود والدعم اللازمين لتأمين سمائنا ، وكذا لتأمين مسرح عمليات قواتنا البرية والبحرية والعمل على إنزال ضربات ساحقة ومستمرة بقوات العدو وفى أثناء سير العمليات ، تم تنفيذ مخطط ضخم لإنشاء دشم وملاجىء خرسانية مسلحة للطائرات والمعدات الفنية بالقواعد الجوية والمطارات زودت بأبواب من الصلب ، كما تم تطوير شبكة القواعد الجوية والمطارات بإنشاء 20 قاعدة ومطارا جديدا . وقد تم تشكيل وحدات هندسية فى كل مطار لصيانة وسرعة إصلاح ممراته بمجرد قصفها بقنابل الطائرات حتى يسترد المطار كفاءته فى أقصى وقت ممكن . وشملت أعمال المهندسين أيضا تجهيز القواعد البحرية ومراكز قيادة المدفعية الساحلية وحواجز الأمواج الخرسانية بالموانى والمراسى بالبحرين المتوسط والأحمر . وحرصا على تأمين عبور قواتنا قناة السويس ، أجرى العديد من التجارب والدراسات للوصول إلى أنسب وأسرع أسلوب لفتح الثغرات فى الساتر الترابى الضخم الذى أنشأه العدو على الحافة الشرقية للقناة . وقد تدرجت هذه التجارب وتلك الدراسات من محاولات نسف الساتر بالمفرقعات ، إلى استخدام نيران مدفعية والصواريخ ، إلى استخدام طريقة التجريف بالمياه باستخدام مضخة مياه قوية تسمح بضخ 500 متر مكعب فى الساعة . وأخيرا تم التوصل إلى استخدام مضخات مياه خفيفة الوزن تعمل بالوقود وذات قدرة عالية على ضخ المياة ويمكن حملها بالأفراد أو فى القوارب ، كما تم إعداد الكميات الكافيةمن معدات ومهمات العبور وتدريب وحدات المهندسين على إنشاء وتشغيل الكبارى والمعديات والناقلات البرمائية ، وكذا تدريب القوات على استخدام القوارب والعبور بوسائل العبور المختلقة . وقد قامت هيئة العمليات بالاشتراك مع إدارة المساحة العسكرية وإدارة المهندسين وإدارة المركبات بإجراء الدراسات والتجارب العملية لتطوير خرائط السير مقياس 1/100.000، وتم بالفعل إعادة طبع مجموعات خرائط السير مقياس 1/100.000 لمنطقتى شمال وجنوب سيناء بعد إيضاح وإضافة الجديد من المعلومات عن الأرض والطرق والمدقات والأهداف المهمة . وقد كان لهذه الدراسات والتجارب الفضل الكبير فى توفير المعلومات بأكبر قدر ممكن لدى القادةعلىالأرض ومسرح العمليات فى أثناء تنفيذ المهام القتالية فى حرب أكتوبر 1973، كما أمكن التغلب على مشكلة عدم قدرة بعض المركبات ذات العجل على السير فى الأراضى الصعبة عن طريق عمل بعض تعديلات فى الإطارات وضغوط الهواء الخاصة بها .

التجهيزات الإسرائيلية

بعد أن نجحت القوات الإسرائيلية فى تعلية الساتر الترابى على الضفة الشرقية للقناة حتى وصل إلى حوالى 25 مترا وإزاحته غربا حتى وصل إلى الحافة الشرقية للقناة بزاوية ميل حادةحوالى 45 درجة ، أنشأت مصاطب للدبابات على أبعاد تصل من 100 إلى 400 متر فيما بينها ، بحيث يمكن للدبابات الصعود إليها وهى مختفية خلف الساتر حتى تصل إلى ارتفاع يظهر منه البرج والمدفع فقط، وبذلك تشتبك وأجنابها غير معرضة للخطر مع تحقيق التعاون فيما بينها . وأقامت القوات الإسرائيلية عدة نقط حصينة فى باطن الساتر الترابى تركزت أساسا على محاور الاقتراب الرئيسية لقواتنا عبر القناة . وقد بلغ إجمالى المواقع الحصينة 22 موقعا تضمنت 35 نقطة دفاعية بلغت مساحة كل منها 4000متر مربع . وتتكون كل نقطة حصينة من عدة طوابق ، ويتكون كل طابق من عدة دشم من الأسمنت المسلح المقوى بقضبان السكك الحديدية وألواح الصلب ، ويفصل كل طابق عن الآخر طبقة من القضبان والخرسانة المسلحة والأتربة والأحجار . ويبلغ سمك هذه الطبقة مترين كما تعلوها لفات كثيفة من سلك الكنسرتينا وصناديق سلك معبأة بالدبش والحجارة للوقاية من أسلحة الضرب المباشر . ويوجد فى كل نقطةحصينة من 3 إلى 6 ملاجىء للأفراد ومخازن ذخيرة ووقود ودشم ومرابض وهاونات وصواريخ أرض – أرض وخنادق مواصلات مكسوة بألواح الصلب وشكاير وصناديق الذخيرة . وكان الملجأ له أكثر من مدخل ويتفرع من أكثر من خندق مغطى ، وكلها مكسوه بالصاج المعرج بالزوايا الحديدية وتتوافر بها كل سبل الراحة ووسائل التهوية والإضائة والتدفئة والاتصال التليفونى . وقد وفرت هذه التحصينات والأعمال الهندسية المختلفة وقاية للنقط القوية ضد القنابل الثقيلة حتى زنة 1000رطل أو أكثر ، وأحيطت كل نقطة حصينة من جميع الجهات بسورين من السلك الشائك بينهما حقل ألغام مضاد للدبابات وبعض الألغام المضادة للأفراد ، وفى مواجهة النقطة يوجد مانع سلك كثيف غير منتظم يصعب فتح ثغرة فيه أو اجتيازه بالمشاة . وأنشأت القوات الإسرائيلية بين الخط الأول على القناة (خط بارليف ) وخط المضايق الجبلية، خطين دفاعيين هما خط الدفاع الثانى والثالث . ويبعد الخط الثانى من 300إلى 500 متر عن الخط الأول ، ويتركز فى الاتجاه الأكثر صلاحية لعبور القناة وتقدم قواتنا شرق القناة ، وهو مجهز أساسا لاحتلاله بالعناصر المدرعة المتمركزة فى الخلف . أما الخط الثالث على مسافة من 3 إلى 50 كم من الخط الأول على بعض الاتجاهات المهمة وعلى أجناب الطرق الرئيسية المؤدية للعمق . وللتغلب على طبيعة الأرض المفتوحة شرق القناة أقامت القوات الإسرائيلية مجموعة من التلال والسواتر الصناعية على أعماق مختلفة حتى خط المضايق ، وجهزتها لكى تحتل بالدبابات لصد الهجمات المعادية أو كخطوط فتح لشن هجماتها المضادة . وتم تجهيز مناطق تجمع للاحتياطيات المدرعة على أعماق مختلفة ، وتتمركز فى هذه المناطق الاحتياطيات المدرعة للقوات الإسرائيلية فى سيناء وكذلك الأسلحة والصواريخ المضادة للطائرات والصواريخ المضادة للدبابات . وتم تجهيز عدد كبير من مرابض النيران الرئيسية والتبادلية لمدفعية الميدان المتوسطة والبعيدة المدى ، بلغ عددها حوالى 240 موقعا مجهزا. وأنشأت القوات الإسرائيلية شبكة ضخمة من الطرق والمدقات الطولية والعرضية شرق القناة لتسهيل حركة القوات فى أى اتجاه والمناورة بها حسب تطور القتال ، وكان أهم هذه الطرق الطريق الذى أسماه الإسرائيليون (الكسيكون) ، وأطلق عليه المصريون اسم (الطريق العرضى رقم 1 ) وهو طريق ممهد يسير بموازاة قناة السويس من الشمال إلى الجنوب وعلى بعد حوالى من 8 إلى 10 كم شرق القناة . وبموازاة طريق (الكسيكون ) يمتد طريق ممهد من الشمال إلى الجنوب أطلق عليه اسم طريق المدفعية أو ( الطريق العرضى رقم 2) . وعلى بعد من 30 إلى 35 كم شرق القناة كان يمتد الطريق الرئيسى الذى عرف بأسم ( الطريق العرضى رقم 3 ) وكان يمتد من بالوظة شملا إلى الطاسة حيث يتقاطع مع طريق الإسماعيلية أبو عجيلة ، ثم يمتد جنوبا غرب ممرى الجدى ومتلا . ≡ تزويد المشاة بمعدات خاصة وبأسلحة الدعم إن الظروف التى خلقتها مشكلة عبور قناة السويس فرضت على القيادة العامةالمصرية ضرورة ابتكار شدة ميدانية تستطيع أن تستوعب جميع أحمال جندى المشاة بطريقة جيدة ، بعد أن ثبت أن ، الشدة الميدانية ( البل ) التى كان معمولا بها فى القوات المسلحة وقتئذ أصبحت لا تتناسب مع الظروف الجديدة . وقد قامت إدارة المهمات بتجارب عديدة حول هذا الموضوع إلى أن توصلت إلى العينات المطلوبة .وقبل نهاية أكتوبر 1972، كان قد تم تشغيل 50 ألف شدة ميدانية من هذه الأنواع الجديدة .كذلك قامت إدارة المهمات بتغيير (زمزمية ) المياة التى يحملها جنود العبور لكى تصبح سعة 2.5 لتر بدلا من القديمة التى كانت تسع ¾ لتر ماء، حتى يكون مع الجندى ما يكفية من المياه لمدة يوم كامل . ونظرا للأحمال الثقيلة التى أصبح جندى العبور مكلفا بحملها ، فقد تم تزويد المشاة بعربات جر يدوية يمكن جرها لمسافة 5 كم بواسطة فردين بعد تحميلها بحوالى 150 كم من الذخائر والمعدات العسكرية عبر أرض غير ممهدة . وعلاوة على ذلك تم تجهيز جندى المشاة بالكثير من المعدات الحديثة . ففى منتصف عام 1972 كان قد تم تجهيز جميع وحدات المشاة بلأجهزة الرؤية الليلية ( كان بعضها يعمل بنظرية الأشعة تحت الحمراء ، وكان البعض الآخر يعمل بنظرية تقوية وتكبير ضوء النجوم Star Lighter ).وإلى جانب هذه الأجهزة الحديثة كان هناك أجهزة ومعدات بدائية بسيطة مثل النظارات السوداء المعتمة التى كانت تصنع من زجاج سميك معتم من نوع الزجاج الذى يستخدمه عمال لحام الأكسجين ، وذلك حتى يلبسها الجنود عندما يستخدم العدو أشعة Zenon البالغة القوة فى تعميتهم . وكان العدو سيتخدم الضوء الباهر المركب على دباباته فى شل أبصار جنودنا ، فكان الرد على ذلك هو أن يلبس الجندى هذه النظارة ثم يوجه قذيفته إلى مصدر الضوء فيدمره . ومن ضمن هذه الأجهزة البسيطة سلم الحبال ، وهو يشبه السلالم المستخدمة فى الوحدات البحرية وأجنابه مصنوعة من الحبال ولكن درجاته من الخشب يسهل طيه وحمله ثم فرده على الساتر الترابى ، وبذلك يستطيع جندى المشاةأن يتسلق الساتر الترابى دون أن تغوص قدماه فى التراب ، كما أنه بوضع سلمين متجاورين يمكن أن تجر مدافعنا ( المدفع

عديم الارتداد ب 10والمدفع عديم الارتداد11 والصاروخ المالوتكا والقاذف آر بى جى 

والصاروخ المضاد للطائرات ستريللا (سام 7) ومدفع الماكينة المتوسط 7.62مم ومدفع الماكينة الثقيل 12.7 مم ) وكذا عربات الجر التى ترافق المشاة ويمكن أن تسير فوق هذا الساتر الترابى دون أن تغوص عجلاتها فى الرمال . وبعد تجهيز جندى المشاة كما رأينا بأفضل الأسلحة والمعدات ، وبعد أ، تم تحميلة بأقصى ما يستطيع أن يحمل ، كان من الطبيعى أن تكون مقدرته القتالية قد زادت زيادة كبيرة ،فقد أصبح خصما قويا وعنيدا للدبابة والطائرة . ولكن المشكلة التى كانت تواجه القيادة العامة هى كيف يمكن لوحدات المشاة التى تم التخطيط لعبورها فى 12 موجة على مدى ثلاث ساعات ، أن تقوم بتحدى قوة العدو التى تتكون من ثلاثةألوية مدرعة ولواء مشاة متحصنة داخل حصون خط بارليف ونقطه القوية ، وأمامهم قناة السويس التى تعد أشد الموانع المائية صعوبة ؟ وإذا جاز لنا أن نتصور أنهم قادرون على العبور والوصول إلى الشاطىء الشرقى للقناة؛ فهل هم قادرون بعد ذلك على صد الهجوم المضاد الكبير الذى من المنتظر أن يقوم به العدو ؟ لقد كان الموقف يدعو إلى الاطمئنان فيما يتعلق بصد هجمات العدو المضادة التكتيكية التى كان من المنتظر أن يستخدم فيها ثلاثة ألوية مدرعة إذا ما قاتل مشاتنا بصلابة وعناد . ولكن الموقف كان لابد أن يتغير إذا ما دفع العدو باحتياطيه التعبوى الذى كان يقدر بثلاث فرق مدرعة بعد 24 ساعة من بدء الهجوم ، لذلك كان لابد من اتخاذ إجراءات معينة لمواجهة هذا الموقف . وكان الإجراء الأول هو تقديم المعاونة بالنيران لقواتنا التى عبرت إلى الشاطىء الشرقى للقناة بجميع الأسلحة الثقيلة المتيسرة فى غرب القناة . أما الإجراء الثانى ، فكان ينحصر فى فرض قيود مشددة على سرعة تقدم المشاة ، وذلك لضمان وجودها دائما فى مدى المعاونة القريبة بالنيران من الضفة الغربية ، وأن تراعى تقصير خطوطها الدفاعية ، وبذا تزداد قدراتها لصد هجمات الدبابات المضادة . وتطبيقا لذلك ، كان من المقرر أن يصل رأس الكوبرى لكل فرقة مشاة بالتدريج إلى عمق 5 كم فى خلال أربع ساعات من بدء الهجوم . وعند الوصول إلى هذا الخط، يجب على المشاة أن تتوقف إلى أن تصلها أسلحة الدعم التى تعبر على المعديات والكبارى ، والتى كان من المنتظر أ، تبدأ فى الوصول بعد عشر ساعات من بدء القتال . وعقب وصول أسلحة الدعم وإجراء عملية إعادة التنظيم ، كان مخططا أن تستأنف فرق المشاة تقدمها ، بحيث يصبح رأس كوبرى الفرقة 8 كم فى العمق ، و16 كم فى القاعدة فى خلال 18 ساعة من بدء الهجوم . وقد نفذت هذه التوقيتات يدقة تامة خلال معركة العبور ففى الساعة الثامنة صباحا يوم 7 أكتوبر ، أى بعد 18 ساعة ، قامت فرق المشاة الخمس التى عبرت قناة السويس بعد تدعيمها بالدبابات وأسلحة الدعم الأخرى ، بدفع رءوس الكبارى إلى عمق 8 كيلو مترات شرق قناة السويس .


الفصل الثاني: العبور العظيم وتحطيم خط بارليف

العبور العظيم وتحطيم خط بارليف

تعتبر عملية اقتحام مانع مائى مثل قناة السويس ضد عدو يتمركز فى نقط قوية محصنة تحصينا جيدا على الجانب الآخر من أصعب العمليات الحربية وأكثرها تعقيداً ، خصوصا أن عبور المانع المائى كان سيتم بواسطة خمس فرق مشاة وعلى مواجهة قدرها 160 كم . وكان التخطيط موضوعاً على أن الموجة الأولى من قوات العبور تتكون من الأنساق الأولى لكتائب النسق الأول على طول القناة ، وكان عليها عبور القناة فى قواربها المطاطية والخشبية تحت ستر غلالة من قصفات المدفعية فى نقط بعيدة عن النقط الإسرائيلية الحصينة ، ثم تتسلق الساتر الرملى الناعم المقام على الشاطىء الشرقى للقناة ، وتلقى السلالم إلى الجانب الآخر لكى يسهل بعد ذلك للموجات الأخرى التى ستتبعها من المشاة اجتياز الساتر الرملى .. وكانت المهمة المخصصة لقوات الموجة الأولى هى الاندفاع السريع نحو خط النسق الثانى للدفاعات الإسرائيلية مع تجاهل النقط الحصينة من حصون خط بارليف المقامة فى النسق الأول على الشاطىء الشرقى للقناة . ولكى يمكن نجاح القوات المصرية فى هذه المهمه ، خصصت عناصر معينة سميت جماعات اقتناص الدبابات لمواجهة الدبابات الإسرائيلية الموجودة بدفاعات النسق الثانى ، والتى كان من المفترض اندفاعها فى اتجاه قناة السويس بمجرد بدء عملية العبور . وكانت كل جماعة من هذه الجماعات تتكون من حوالى عشرة جنود مسلحين بقواذف آر بى جى 7 R.B.G.7)) ( تشبه قوازف البازوكا وتطلق من الكتف ولها القدرة على نسف برج أى دبابة من طراز سنتوريان أو بانون ) ، ومسلحة كذلك بصواريخ موجهة من طراز مالوتكا المسماة فى حلف الأطلنطى باسم صواريخ ساجر.. وكان التخطيط المرسوم يقضى بأن تتجه الموجة الثانية من المشاة بعد عبور القناة نحو اليمين ونحو اليسار فى اتجاه النقط الحصينة من خط بارليف لتطويقها واقتحامها . ونظرا لأنها كانت فى حاجة إلى المعاونة بقذائف ناسفة للتحصينات من مدافع الضرب المباشر ، فقد اتخذت الترتيبات ضمن خطة المدفعية كى تتولى مدافع الضرب المباشر من مصاطبها على الشاطىء الغربى للقناة معاونة المشاة فى اقتحام هذه النقط الحصينة ونظراً لتوقع قيام العدو بإشعال سطح مياه القناة بالنابالم السائل من تجهيزات إشعال اللهب المقامة داخل حصون خط بارليف ، فقد أرسلت جماعات من أفراد الصاعقة والمهندسين المصريين يوم 5 أكتوبر لقص الخراطيم التى كان مفروضا طبقا لخطة العدو أن تحمل كميات هائلة من النابالم وتلقيها فى القناة لكى تشتعل بالنار عند الإحساس ببدء العبور وكان الجنرال جونين قائد القيادة الجنوبية عقب تلقيه تعليمات رئيس الأركان مساء يوم5 أكتوبر 1973 برفع درجةاستعداد الجيش الإسرائيلى إلى الدرجة القصوى (ج ) ، قد كلف رئيس مهندسيه بإعداد تجهيزتى إشعال اللهب فى القناة فى الفردان والدفرسوار (وهما التجهيزتان الوحيدتان الصالحتان للعمل ) لتكونا جاهزتين اعتباراً من اليوم التالى .وفى صباح يوم 6 أكتوبر 1973، وصلت جماعة من المهندسين بقيادة الملازم شيمون تال إلى خط التحصينات الأمامية ، وتوجهت فى بادىء الأمر إلى النقطة القوية فى الفردان ، وشرح الضابط لجنود الموقع طريقة تشغيل النظام الإشعالى . ونظراً لأن جهاز التحكم الكهربائى داخل الحصن كان تالفاً ، فقد كانت الوسيلة الوحيدة للتشغيل - كما أوضح الضابط المهندس هى أن يخرج بضعةأفراد من الحصن ويجرون بضع مئات من الأمتار فى اتجاه القناة ، ثم يقومون بفتح خراطيم النابالم السائل باليد . وعندما يبدأ تدفق السائل فى مياه القناة كان على الجنود أن يقذفوا قنيلة فوسفورية لإشعال النابالم السائل ، وبذا تتحول مياه القناة إلى قطعة كبيرة من النار واللهب تكفى لمنع المصريين من عبور هذا الحاجز الرهيب وبعد أن أنهى الضابط المهندس مهمته فى حصن (هيزايونHIZAYON)فى منطقة الفردان رحلته نحو الجنوب ، وعندما وصل إلى النقطة القوية (متسميد MATZMED) فى منطقة الدفرسوار اكتشف أن أحد الخراطيم خارج الحصن مقطوع ويحتاج إلى إصلاح ، فانهمك على الفور فى إصلاحه . وفى أثناء قيامه بعمله وقع تحت تأثير قصف شديد من نيران المدفعيةالمصرية ، فقد كانت الساعة وقتئذ قد بلغت الثانية وخمس دقائق بعد الظهر ، وكانت المدفعية المصرية قد بدأت فى تلك اللحظة فى عمل أضخم تمهيد نيرانى شهده الشرق الأوسط . واضطر الملازم شيمون تال من أجل الوقاية إلى الالتصاق بالأرض ، وعندما هم بالنهوض بعد انتقال غلالة المدفعية إلى الداخل فوجىء ببعض رجال الصاعقة المصريين يقفون فوق رأسه حيث اقتادوه أسيراً إلى الشاطىء الغربى للقناة . وقد ترتب على ذلك عدم تمكن الإسرائيليين من تشغيل أى تجهيزات لإشعال اللهب فى مياه قناة السويس ، وبالتالى تجنبت القوات المصرية مواجهة هذا الحاجز الرهيب فى أثناء عبور القناة

كيف تمت أروع عملية عبور فى التاريخ ؟

نظراً لأن التوجيه الإستراتيجى الصادر فى 5 أكتوبر 1973 كان ينص على تحرير الأرض المحتلة على مراحل متتالية حسب نمو وتطوير إمكانات القوات المسلحة ، فقد تركت الأهداف العسكرية مرنة تسمح بالتغيير والتبديل على ضوء الموقف العسكرى وكانت الخطة العسكرية (بدر ) مبنية على الأسس التالية المهمة المباشرة : اقتحام قناة السويس ، وتدمير خط بارليف ، وإنشاء منطقة رءوس كبارى على الشاطىء الشرقى للقناة على عمق 10 – 12 كم ، وصدو تدمير الهجمات المضادة التى يقوم العدو بشنها . المهمة الثانية : بعد وقفة تعبوية أو بدون وقفة تعبوية ، تطوير الهجوم نحو الشرق للاستيلاء على خط المضايق الجبلية الإستراتيجية ، وهى من الشمال إلى الجنوب (الختمية- الجدى – متلا رأس سدر). ولتنفيذ الخطة الهجومية (بدر) تم حشد القوات المصرية طبقاً للأوضاع الآتية : أولا - النسق الأول : كان يتشكل من منطقة البحر الأحمر العسكرية والجيشين الثالث والثانى الميدانيين . ● منطقة البحر الأحمر العسكرية : تحت قيادة اللواء إبراهيم كامل ، وكانت تتشكل من نسق أول واحتياطى . النسق الأول ويتكون من لواءى مشاة مستقلين (عدا كتيبة )، والاحتياطى يتكون من الكتيبة المشاة . ● الجيش الثالث الميدانى : تحت قيادة اللواء عبد المنعم واصل ، وكان يتشكل من نسقين واحتياطى . النسق الأول : فى اليمين الفرقة 19 مشاة بقيادة يوسف عفيفى ،ومعها اللواء 22 المدرع (من الفرقة 6 مشاة ميكانيكية ) . فى اليسار الفرقة 7 مشاة بقيادة العميد أحمد بدوى ومعها اللواء 25 المدرع المستقل . النسق الثانى : الفرقة 4 المدرعة بقيادة العميد محمد عبد العزيز قابيل والفرقة 6 مشاة ميكانيكية (عدا لواء ) بقيادة العميد محمد أبو الفتح محرم الاحتياطى : مجموعة صاعقة ولواء إقليمى وفوج سيارات حدود ولواء ● الجيش الثانى الميدانى : تحت قيادة اللواء سعد مأمون ، وكان يتشكل من نسقين واحتياطى . النسق الأول : فى اليمين الفرقة 16 مشاة بقيادة العميد عبد رب النبى حافظ ومعها اللواء 14 المدرع ( من الفرقة 21 المدرعة ) . وفى الوسط الفرقة 2 مشاة بقيادة العميد حسن أبو سعدةومعها اللواء 24 المدرع (من الفرقة 23 مشاة ميكانيكية ) .وفى اليسار الفرقة 18 النسق الأول : 2 لواء مشاة مستقل بقيادة اللواء عمر خالد . النسق الثانى : الفرقة 21المدرعة ( عدا لواء ) بقيادة العميد إبراهيم العرابى . الاحتياطى : الفرقة 23 مشاة ميكانيكية (عدا لواء ) بقيادة العميد أحمد عبود الزمر واللواء 10 مشاة ميكانيكى (من الفرقة 3 مشاة ميكانيكية الموجودة فى احتياطى القيادة العامة بالقاهرة ) . ثانياً - احتياطى القيادة العامة : كان يتشكل من الفرقة 3 مشاة ميكانيكية ( عدا لواء ميكانيكى ) بقيادة العميد محمد نجاتى فرحات ، ومن لواءين مدرعين مستقلين ولواء مظلات ولواءى اقتحام جوى (عدا كتيبة ) ومجموعة صاعقة . فى الساعة الثانية تماما ً ، قامت أكثر من 200 طائرة مصرية من المقاتلات والمقاتلات القذفة من طراز ميج 21 و ميج 17 وسوخوى 7 ، بعبور قناة السويس فى اتجاه الشرق على ارتفاع منخفض ، بعد أن أقلعت من 20 قاعدة جوية لتنفيذ المهمة التى حددها اللواء طيار محمد حسنى مبارك قائد القوات الجوية فى الضربة المركزة الأولى فى عمق سيناء . التى شملت مركز قيادة العدو فى أم مرجم ومركز الإعاقة والشوشرة فى جبل أم خشيب ومطارى المليز وبير تمادا ومناطق تمركز احتياطيات العدو ومواقع بطاريات الصواريخ هوك المضادة للطائرات ومحطات الردار ومدفعيات العدو بعيدة المدى من عيار 175 مم ، وبعض مناطق الشئون الإدارية وحصن بودابست (من حصون خط بارليف ) الذى يقع على الضفة الرملية شرق بور فؤاد . وقد نجحت الضربة الجوية نجاحاً مؤثراً ، وعادت الطائرات فى الساعة الثانية وعشرين دقيقة بعد أداء مهمتها خلال ممرات جوية محددة تم الاتفاق عليها بين قيادة القوات الجوية وقيادة الدفاع الجوى من حيث الوقت والارتفاع . وكانت خسائر الضربة الجوية المركزة عبارة عن 5 طائرات . وفى الساعة الثانية وخمس دقائق ، بدأت 2000 قطعة مدفعية وهاون ولواء صواريخ تكتيكية أرض أرض ، التمهيد النيرانى الذى يعد واحداً من أكبر عمليات التمهيد النيرانى فى التاريخ . وقد قام بالتخطيط له اللواء محمد سعيد الماحى قائد المدفعية ، واشتركت فيه 135 كتيبة مدفعية وعدة مئات من مدافع الضرب المباشر ، كانت تتبع العميد محمد عبد الحليم أبو غزالة قائد مدفعية الجيش الثانى والعميد منير شاش قائد مدفعية الجيش الثالث . وقد تم تنفيذ التمهيد النيرانى على طول خط المواجهة مع العدو فى أربع قصفات استغرقت 53 دقيقة عن طريق الرمى المباشر وغير المباشر على نقط العدو الحصينة واحتياطياته القريبة ومرابض مدفعياته ومراكز قياداته . وقد صبت المدفعية على مواقع العدو ما يبلغ زينته3000 طن من الذخيرة ، وكان عدد دانات المدفعية فى الدقيقة الأولى 10.500دانة ، أى بمعدل 175 دانة كل ثانية . وقد احتلت مدفعية الضرب المباشر مصاطب الدبابات والسواتر الترابية على الشاطىء الغربى للقناة خلال القصفة الأولى من التمهيد النيرانى ، وذلك لمنع العدو من احتلال السواتر الترابية ومصاطب الدبابات على الشاطىء الشرقى للقناة ، وشل حركة النقط الإسرائيلية الحصينة ، ولكى توفر لقواتنا فى أثناء اقتحامها للقناة ومهاجمتها للنقط الحصينة المعاونة المباشرة بإزالة الأسلاك الشائكة وحقول الألغام وتدمير الدشم والمزاغل وأبراج الملاحظة فى النقط القوية . أما المدفعية المتوسطة من مدافع عيار 130 مم وهاونزر عيار 152 مم ذاتى الحركة فكانت مخصصة للتعامل مع البطاريات الإسرائيليةالمتمركزةفى العمق . ومع بدء التمهيد النيرانى ، بدأت مجموعات اقتناص الدبابات عبور قناة السويس بواسطة قوارب مطاطية ، والقيام بمهمة تدمير دبابات العدو ومنعها من التدخل فى عمليات عبور القوات الرئيسية وحرمانها من استخدام مصاطبها بالساتر الترابى على الضفة الشرقية للقناة . ولقد أثبتت وقائع القتال أن العدو، علاوة على المفاجأةالإستراتيجية التى حاقت به ، قد لحقته أيضا مفاجأةتكتيكية ، إذ لم يتمكن من درجة الاستعداد لقواته إلى الحالة القصوى ساعة الهجوم ، ولم تحتل دباباتة الموجودة بالنسق الثانى أماكنها المحددة لها لتدعيم حصون خط بارليف وسد الثغرات التى بين نقاطه القوية . وعندما بدأت هذه الدبابات فى الساعة الثانية وعشرين دقيقة فى التقدم فى اتجاه القناة على أثر انتهاء القصفة الأولى ، من التمهيد النيرانى ونقل المدفعية قصفها إلى العمق ، تصدت لها مجموعات اقتناص الدبابات التى سبقتها فى احتلال بعض المصاطب المخصصة لها فى الخط الدفاعى الأول ، مما أدى إلى تدمير أعداد كبيرة منها بواسطة هذه المجموعات ، علاوة على القذائف التى انهمرت عليها من مدافع الدبابات والمدافع المضادة للدبابات وصواريخ مالوتكا التى كانت تحتل المصاطب والسواتر الترابية على الشاطىء الغربى للقناة . وقد فوجىء العدو بكثافة نيران المدفعية المصرية ،كما فوجئت قواته الجوية بالطائرات المصرية وهى تدك المواقع الإسرائيلية فى عمق سيناء ، إذ لم تكن هناك أى طائرة إسرائيلية فى الجو . ولكن سرعان ما بدأ رد الفعل بعد مرور خمس دقائق فقط من مهاجمة الطائرات المصريةلأهدافها ، وذلك بدفع أسراب من الطائرات الإسرائيلية التى كانت فى وضع الاستعداد فى مطارات سيناء وجنوب إسرائيل لمحاولة صد الضربة الجوية المصرية . وفى الساعة الثانية وعشرون دقيقة ، كانت المدفعية المصرية قد أتمت القصفة الأولى من التمهيد النيرانى التى استغرقت 15 دقيقة ، والتى تركزت على عمق يتراوح بين كيلو متر واحد وكيو مترونصف فى اتجاه الشرق . وفى اللحظةالتى تم فيها رفع نيران المدفعية لتبدأ القصفة الثانية لمدة 22 دقيقة على الأهداف المعادية إلى عمق يتراوح بين 1.5 و 3 كم منالشاطىء الشرقى للقناة ، وفى هذه اللحظة (س +15) بدأ عبور الموجات الأولى من سرايا النسق الأول من كتائب النسق الأول المشاة فى القوارب الخشبية والمطاطية ، وذلك فى الفواصل بين النقط الحصينة فى خط بارليف . وكانت الموجات الأولى تتكون أساساً من عناصر المشاة ومعها نقط ملاحظة الأسلحة المشتركة، وكانت مدعمة بأسلحة وقواذف خفيفة مضادةللدبابات آربى جى 7وصواريخ الكتف المضادة للطائرات سام 7 ستريلا( strella ( ،كملا زودت بسلالم حبال ليتسنى للأفراد تسلق الساتر الترابى وكذا بحبال البرلون وحبال الجر التى كان لها اثر كبير

فى معاونة المشاة فى جر المدافع عديمة الارتداد ب 10 وب 11 المضادة للدبابات والصاروخ المالوتكا والقاذف آر بى جى والصاروخ سام 7 ومدفع الماكينة المتوسط 7.62 مم ومدفع الماكينة الثقيل 1207 مم ، وفى تسلقها جميعا الساتر الرملى بنجاح وفى نفس التوقيت ، بدأت عناصر من كتائب الصاعقة التى تحت قيادة الجيوش الميدانية فى عبور القناة للعمل ضد مراكز القيادة والسيطرة للعدو ومرابض مدفعياته بهدف إفقاده السيطرة على قواته ، ولدفع الكمائن ورص الألغام على طرق اقتراب العدو وطرق تحرك احتياطياته فى اتجاه حصون خط بارليف ونقطه القوية ، ولمنع الدبابات المتحركة من العمق من التدخل فى المعارك الدائرة للاستيلاء على الحصون والنقط القوية ومع تدفق الموجات الأولى من المشاة ، بدأ الإبرار البحرى لمفرزتين من اللواء 130 المشاة الميكانيكى البرمائى المستقل ، وكانت كل منهما تتكون من كتيبة ميكانيكية مدعمة وذلك عبر البحيرة المرة الصغرى بغرض الاندفاع شرقاً والاستيلاء على مدخل مضيق الجدى ومضيق متلا بالتعاون مع قوة الإبرار الجوى التى سيتم إبرارها بطائرات الهيليكوبتر خلف خطوط العدو . وفى الساعة الثانية وخمس وثلاثين ، دقيقة ، قامت طلائع القوات التى عبرت القناة برفع أعلام جمهورية مصر العربية على الشاطىء الشرقى للقناة معلنة بدء تحرير الأرض السليبة . واستمر تدفق الموجات عبر القناة بانتظام ، بفاصل حوالى 15 دقيقة بين كل موجة وأخرى حتى الموجة الرابعة ، حيث بدأ تناقص معدل التدفق نتيجة لإرهاق الأطقم المخصصة للتجديف فى القوارب ولحدوث بعض الأعطال فيها وتسرب المياه بداخلها وقد أدى عدم انتظام تدفق موجات العبور إلى اللجوء إلى المرونة وعدم التقيد بتسلسل العبور ،ولذا أعطيت الأسبقية لعبور الأفراد والأسلحة المضادة للدبابات والمعدات التى تؤثر على سير القتال مع استخدام بعض الناقلات البرمائية K61(حمولة 3 أطنان ) لنقل الألغام . وقد تمت تعبئة الذخيرة فى عربات جر يدوية مجهزة بعجل كاوتشوك ، وبعد أن يتم تحميل هذه العربات فى القوارب يجرى تفريغها بمجرد الوصول إلى الشاطىء الشرقى ويتم عبور عربات الجر فارغة عبر الساتر الرملى ليعاد تحميلها من جديد ، حيث يواصل دفعها فى اتجاه الوحدات الأمامية . وقد اتبعت هذه الطريقة بعد فشل طريقة نقل الذحيرة وهى داخل عربات الجر عبر الساتر الرملى باستخدام سلالم الحبال ، نظراً لتهايل الساتر الرملى وسقوط عدد من هذه العربات فى القناة . وقد أدت عربات الجر دورها بنجاح فى نقل الذخيرة ، وكذا فى الإمداد بالمياه والتعينات فى المراحل التالية وحتى الساعة الرابعة والنصف مساء ، تم عبور 8 موجات من المشاة وأصبح لدينا على الشاطىء الشرقى للقناة خمسة رءوس كبارى ، قاعدة كل منها حوالى 6 كم وعمق كل منها كيلو متران ، واشتد ضغط أفراد المشاة المصريين على حصون خط بارليف ونقطة القوية . وكان الحصن المقام عند علامة الكيلو متر 19 جنوب بور سعيد (حصن لاهتزانيت Lahtzanit) هو أول الحصون التى سقطت ، وكان ذلك فى الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر ، وتوالى بعد ذلك سقوط الحصون فى أيدى قواتنا ، كما تم إسكان نيران بعض النقط القوية . وانتقل منذ هذا التوقيت العبء الرئيسى فى صد الهجمات المضادة المحلية للعدو بواسطة دباباته التى انطلقت من خط دفاعات النسق الثانى على عاتق المشاة وجماعات قنص الدبابات التى عبرت ، وليس على الأسلحة المضادة للدبابات التى كانت لا تزال على الشاطىء الغربى للقناة وكان التحطيط الذى وضعه اللواء جمال قائد سلاح المهندسين مبنياً على أساس تخصيص 60 معبراً على طول مواجهة قناة السويس ، مما كان يتطلب عمل 60 فتحة فى الساتر الرملى ، وخصص لكل معبر فصيلة مهندسين عسكريين مدعمة بعدد 5 قوارب خشبية حمولتها 105 طن و5 مضخات مياه وآلة جرف . وكانت الخطة تقضى بإقامة عدد12 ممراً فى كل قطاع كل فرقة من فرق المشاة الخمس التى عبرت بالطريقة التالية كوبرى اقتحام ثقيل حمولة 70 طناً ( لعبور الدبابات والمدفعية الثقيلة ) ، وكوبرى اقتحام خفيف حمولة 25 طناً (لعبور المركبات بأنواعها والمدفعية الخفيفة والمشاة) وكوبرى هيكلى ( لعبور بعض المركبات الخفيفة ، حتىيعتقد العدو أنه كوبرى حقيقى )، ومعديتان حمولة كل منهما 70 طناً (لنقل الدبابات ) و5 ناقلات برمائية K61وممران احتياطيان . ومع الموجة الأولى من المشاة عبرت عناصر من المهندسين إلى الشاطىء الشرقى للقناة لتأمين مرور المشاة فى حقول الألغام ، وتلا ذلك مباشرة عبور عناصر أخرى من المهندسين لتحديد محاور الثغرات فى الساتر الترابى ،وأماكن رسو القوارب التى تحمل المضخات ، وإعداد مكان الأكتاف اللازمة للترسية حسب خصائص المعبر المخصص له الممر (معبر كبارى أو معديات أو مركبات برمائية ) . ويعد عبور هذه المجموعات بخمس دقائق بدأ عبور المجموعات المكلفة بتشغيل المضخات ، وفور وصولها إلى الشاطىء الشرقى للقناة وضعت الطلمبات على المصاطب التى أعدت من قبل وفى الساعة الثالثة والنصف بدأ تشغيل الطلمبات ، واندفعت المياة من البشايير كالسيل الجارف تكتسح أمامها الرمال ، وتم فتح الثغرة الأولى فى قطاع الجيش الثانى فى زمن قياسى لم يتجاوز الساعة ، وتوالى بعد ذلك فتح الثغرات على طول مواجهه العدو . وفى نفس الوقت اندفعت مئات من العربات الضخمة المحملة بمهمات الكبارى واللنشات من أماكنها المستورة على الشاطىء الغربى إلى ساحات الإسقاط المحددة على القناة ، وعن طريق المنازل السابق تجهيزها اقتربت العربات بظهرها من سطح المياه واسقطت حمولتها من البراطيم واللنشات إلى الماء حيث بدأت وحدات الكبارى فى عمليات تركيبها وبدأت الكبارى تقام أمام الثغرات التى فتحت فى الساتى الرملى . وخلال فترة زمنية من 6 إلى 9 ساعات كانت كل الكبارى الثقيلة والخفيفة والهيكلية والناقلات البرمائية والمعديات الخاصة بالجيش الثانى قد أقيمت وفقاً للخطة المرسومة ، واندفعت على أثر ذلك الدبابات والعربات المجنزرة والمعدات الثقيلة إلى الشاطىء الشرقى للقناة . أما فى الجيش الثالث ، فقد اصطدمت عملية فتح الثغرات فى الساتر الترابى وإنشاء المعابر بعوامل عديدة معوقة وبخاصة ارتفاع الساتر وسمكه وصلابة التربة واحتوائها على عناصر كلسية مما جعل التجريف عملية شاقة ، وأدت هذه المعوقات إلى الاكتفاء بتجهيز ميول حادة فى الممرات حتى يمكن تقليل الوقت والاكتفاء بعبور الدبابات والعربات المجنزرة التى كانت الحاجة ماسة إليها فى الساعات الأولى من صباح 7 أكتوبر ، على أن يتم بعد ذلك استخدام آلات الجرف فى تخفيف حدة الميول فى الممرات المختلفة . هذا ولم يتم إنشاء كبارى الفرقة 7 مشاة من الجيش الثالث إلا فى نحو 16 ساعة بتأخير زمنى قدره سبع ساعات عن التخطيط الموضوع ، وعلى أثر ذلك عبرت دبابات الفرقة وعرباتها المجنزرة ومعداتها الثقيلة إلى الشاطىء الشرقى للقناة . ونظراً لعدم إمكان تشغيل معابر الفرقة 19 مشاة حتى ذلك التوقيت نتيجة لبعض الصعاب الفنية لأعمال العدو المضادة ، فقد قرر قائد الجيش الثالث الميدانى دفع كتائب دبابات الفرقة 19 مشاة وكتائب اللواء 22 المدرع الذى تحت قيادتها من معابر الفرقة 7 مشاة التى على يسارها . وفى حوالى الساعة الخامسة والنصف مساء ، أى قبيل الغروب ، تم إبرار 4 كتائب صاعقة بواسطة طائرات الهيليكوبتر التى كانت تطير على ارتفاع منخفض فى عمق العدو فى أماكن متفرقة داخل سيناء . ونظراً لخروج هذه الطائرات عن نطاق مظلة الصواريخ المصرية غرب القناة ، فقد استطاع العدو إسقاط عدد منها بحمولتها البشرية . وقامت الدبابات والأسلحة الثقيلة طوال الليل بالانضمام إلى وحدات وتشكيلات وقامت الدبابات والأسلحة الثقيلة طوال الليل بالانضمام إلى وحدات وتشكيلات المشاة فى منطقة رءوس الكبارى . وكانت هذه عملية شاقة نظراً لأنه كان من المطلوب انضمام آلاف من الدبابات والعربات والمدافع خلال ساعات الظلام إلى وحدتها التى عبرت من قبل . وقد بذلت الشرطة العسكرية أقصى جهد ممكن لإرشادها عن طريق تمييز الطرق ووضع علامات الإرشاد ذات الألوان المختلفة الخاصة بالتشكيلات المقاتلة . وقد نجحت هذه العملية رغم صعوبتها بسبب تدريب القوات المصرية عليها لشهور عديدة قبل المعركة حتى أتقنتها .

لماذا نجحت الضربة الجوية

إن الإعدادللضربة الجوية المركزة قد بدأت بلا شك بعد هزيمة 5 يونيو 67 مباشرة ، فقد كان لا مفر من إعادة بناء القوات الجوية من نقطة الصفر بعد تدمير معظم طائراتها ومنشآتها صباح ذلك اليوم المشئوم . وكان جميع أفراد القوات الجوية يحلمون بيوم الثأر لمحو ذلك العار الذى ألصق بسلاحهم ظلما لإخفاء مسئولية وأخطاء الذين تسببوا فى هزيمة مصر فى حرب يونيو 67 . وسنحت أول فرصة لاسترداد الطيارين ثقتهم بأنفسهم بعد 40 يوما فقط من الهزيمة ، فقد صدرت أوامر القيادة العامة فى يوليو 1967 بقصف الحشود الإسرائيلية شرق القناة وتفجير تشوينات الذخيرة الضخمة التى تمكن العدو من جمعها من المواقع المصرية فى سيناء . وانقض الطيارون المصريون بطريقة انتحارية على التجمعات الإسرائيلية بشراسة وعنف وكأنما ينفسون عما كانت تختزنه صدورهم فى ذلك الوقت من مرارة وإحساس بالظلم . وأدى القصف الجوى المركز إلى تشتت قوات العدو وانسحابها شرقاً ، وإلى حدوث انفجارات مروعة فى تشوينات الذخيرة ، واضطر الإسرائيليون إلى الاستعانة بمراقبى الأمم المتحدة طلبا لوقف إطلاق النار . واعتمد التخطيط فى إعادة بناء القوات الجوية على أسلوب علمى منظم ، وهو الإعداد السليم للعناصر الثلاثة التى تشكل الهيكل الأساسى للقوات الجوية وهى الطيارون ، والطائرات والمطارات . وكان العنصر الأول – وهو إعداد الطيارين – هو أشق هذه العناصر وأصعبها ، فإن تدريب الفرد ليكون طياراً مقاتلا كفئا هو مهمة شاقة وتحتاج إلى تدريب متواصل لفترة من أربع إلى خمس سنوات . ولم يكن العنصر الثانى – وهو امتلاك القوات الجوية للطائرات التى تكفل لها التفوق الجوى على الطيران الإسرائيلى – أمرايمكن لمصر وحدها تحقيقه ، فقد كان الاتحاد السوفيتى قبل حرب أكتوبر هو المصدر الوحيد لإمداد مصر بالسلاح ، وكانت هذه العملية تخضع لظروف سياسية بالغة التعقيد ، فهى ترتبط بالعلاقات المصرية السوفيتية من جهه ، وبسياسة وإستراتيجية الاتحاد السوفيتى كإحدى الدولتين العظميين من جهة أخرى . وعلاوة على ذلك فقد كانت الطائرات الأمريكية التى تزود بها الولايات المتحدة إسرائيل بكميات ضخمة تتميز بشكل واضح من جهة الخواص والتسليح والمعدات على الطائرات السوفيتية التى يزود بها الاتحاد السوفيتى مصر .وأدت هذه العوامل بالطبع إلى إحراز الطيران الإسرائيلى التفوق من حيث الكم والكيف على الطيران المصرى ، الأمر الذى من أجله بنيت خطة أستخدام القوات الجوية المصرية على أساس حقيقة لم يكن هناك مناص من الاعتراف بها ، وهى أنها ستعمل تحت ظروف تفوق جوى إسرائيلى . أما العنصر الثالث – وهو المطارات – فقد تم تطويرها بما يتلاءم مع تطور العمليات الجوية الحديثة ، وشملت خطة التطوير إنشاء شبكة من المطارات الجديدة فى الأراضى الصحراوية والزراعية ، وزيادة عدد الممرات ببعض القواعد الجوية المهمة . ولتجنب تدمير الطائرات ، وهى جائمة على الأرض كما جرى يوم 5 يونيو 1967 ، فقد تم إنشاء دشم حصينة فى المطارات لوقاية الطائرات من القصف الجوى ، كما تم إنشاء ملاجىء لوقاية المعدات الفنية المتطورة . ولضمان صيانة الطائرات وسرعة إصلاحها فى حالة ضربها شكلت وحدات خاصة لهذا الغرض منعاً لتعطيل أى مطار نتيجة للغارات الجوية . وقد أثبتت هذه الترتيبات كفاءتها فى أثناء الحرب ، فعلى الرغم مما أسقطه العدو من قنابل وما أطلقه من صواريخ جو أرض ، فإنه لم تصب غير دشمة واحدة من دشم الطائرات بإصابة جزئية ولم تدمر طائرة واحدة على الأرض . وعندما نجح العدو فى ضرب مطار المنصورة تمكنت وحدات الصيانة من إصلاحه فى بضع ساعات . وكانت حرب الاستنزاف فرصة ثمينة سنحت للطيارين المصريين لإثبات جدارتهم وللتدريب العملى على الاشتباك وجها لوجه مع الطائرات الإسرائيلية.وإتقان فن المناورة والانقضاض كما أتاحت لهم فرصة الضرب على الأهداف الإسرائيلية فى عمق سيناء . وخلال المرحلة التحضيرية التى سبقت حرب أكتوبر مباشرة ،كان أشد ما أثار قلق اللواء طيار محمد حسنى مبارك قائد القوات الجوية وقتئذ ، هو احتمال اكتشاف إسرائيل للتحضيرات الهجومية المصرية على الضفة الغربية للقناة مما قد يحفزها على التفكير فى توجيه ضربة إجهاض على غرار الضربة التى وجهتها فى 5 يونيو 1967 . وكان لمخاوف قائد الطيران المصرى ما يبررها . فقد اتضح فيما بعد أن القيادة العسكرية الإسرائيلية طلبت من القيادة السياسية قيام السلاح الجوى الإسرائيلى بتوجيه ضربة إجهاض فى الساعة الواحدة ظهرا يوم 6 أكتوبر ، بهدف إجهاض التحضيرات الهجومية العربية وإرغام مصر وسور يا على وقف الهجوم المنتظر ، ولكن القيادة السياسية فى إسرائيل رفضت القيام بهذه المخاطرة لمحاذير عسكريةوسياسية فى ذلك الوقت . ولمواجهة هذا الاحتمال ، كان اللواء طيار حسنى مبارك قد طلب من جميع مراكز الرصد والإنذار تسجيل جميع طلعات الطيران الإسرائيلى فى سيناء ودخل إسرائيل أولا بأول . وفى الوقت نفسه كانت هناك مظلة جوية مصرية تنتشر فى سماء مصر وترقب أى احتمال لتحركات الطيران الإسرائيلى فى اتجاه مصر . ولو كان الإسرائيليون قد قاموا بأى ضربة جوية مضادة لتحولت إلى مصيدة قاتلة لطائراتهم . وعل الرغم من أن الطيران الإسرائيلى كان فى درجة الاستعداد القصوى منذ ظهر الجمعة 5 أكتوبر بناء على الأمر الذى أصدره الجنرال دافيد أليعازر رئيس الأركان العامة إلى الجنرال بانى بيلد قائد الطيران الإسرائيلى ، ورغم أن مراكز الإنذار والرادار الإسرائيلية فى سيناء قامت برصد جميع طلعات الطيران المصرى ظهر يوم 6 أكتوبر بفضل ما تمتلكه من أجهزة إلكترونية متطورة ، فإن المفاجأة الكاملة لحقت بهم بسبب أساليب الخداع التى خططت لها بنجاح قيادة القوات الجوية ، والتى كان أبرعها بلا جدال رفع درجة الاستعداد القصوى وإعلان حالة التأهب فى جميع المطارات والقواعد الجوية المصرية فى الفترة من 22 إلى 25 سبتمبر . وخلال هذه الفترة تتابع خروج الطلعات من مطارات الدلتا والصعيد بشكل متواصل ، مما أصاب الإسرائيليين بأشد أنواع البلبلة والارتباك ، فقد اضطروا إلى إطلاق طائراتهم فى الجو كلما انطلقت أى طائرة من أى مطار مصرى وعندما لم تحدث أى هجمات جوية مصرية كما كانوا يتوقعون دب إلى نفوسهم الهدوء والاطمئنان ، فقد أيقنوا بأن طلعات الطيران المصرى إنما هى لمجرد التدريب . وعندما رصدوا خروج الطائرات المصرية من القواعد الجوية والمطارات بعد ظهر 6 أكتوبر ظنوا كالعادة أنها مجرد طلعات للتدريب ، وبذا وقعوا فى الفخ وانطلت عليهم الخدعة . وخلال الساعات الحرجة الأخيرة التى سبقت الهجوم أضاف اللواء طيار حسنى مبارك وسيلة أخرى من وسائل التمويه . فقد أجرى ترتيبات دقيقة فى القاهرة واتصالات عاجلة مع طرابلس بعد ظهر يوم الجمعة 5 أكتوبر للإعداد لزيارة أوهم المحيطين به أنه سوف يقوم بها إلى ليبيا وبرفقته بعض كبار ضباطه فى مهمة عاجلة تستغرق 24 ساعة . وعندما كان يقترب موعد إقلاع الطائرة التى تحدد فى الساعة السادسة مساء يوم 5 أكتوبر فى بادىء الأمر ، كان اللواء حسنى مبارك يؤجل الموعد المرة بعد الأخرى حتى تم تحديده نهائيا ليكون فى الساعة الثانية بعد ظهر 6 أكتوبر ، أى فى نفس الموعد المحدد لبدء الحرب . وفى الساعة التاسعة والنصف صباح يوم 6 أكتوبر دعا اللواء حسنى مبارك قائد القوات الجوية إلى اجتماع عاجل فى مقر قيادته ،وألقى عليهم التلقين النهائى لمهمة الطيران المصرى ، وطلب منهم التوجه إلى مركز العمليات الرئيسى كى يأخذ كل منهم مكانه هناك استعداداً لتنفيذ الضربة الجوية المنتظرة التى كان نجاحها يعنى نجاح خطة المفاجأة المصرية وبدء معركة التحرير .وفى الساعة الثانية بعد ظهر السادس من أكتوبر انطلقت أكثر من 200 طائرة مصرية من 20 مطاراً وقاعدة جوية فى مختلف أرجاء الجمهورية . وعن طريق الترتيبات الدقيقة والحسابات المحكمة التى أجرتها قيادة القوات الجوية تم لهذا العدد الضخم من الطائرات عبور خط المواجهة على القناة فى لحظة واحدة على ارتفاعات منخفضة جدا . وكانت أسراب المقاتلات القاذفة والقاذفات المتوسطة تطير فى حماية أسراب المقاتلات . وقد استخدمت الضربة التى تركزت على الأهداف الإسرائيلية الحيوية فى عمق سيناء طائرات من طراز ميج 17 وميج 21 وسوخوى 7 وسوخوى 20 . وفى الساعة الثانية وعشرين دقيقة عادت الطائرات المصرية بعد أداء مهمتها خلال ممرات جوية محددة تم الاتفاق عليها بين القوات الجوية وقيادة الدفاع الجوى من حيث الوقت والارتفاع . هذا وقد نجحت الضربة الجوية فى تحقيق أهدافها بنسبة حوالى 90 %، ولم تزد الخسائر على 5 طائرات مصرية . وكانت نتائج الضربةوفقا لما ورد فى المرجع الموثوق بصدقها هى شل ثلاثة ممرات رئيسية فى مطارى المليز وبير تمادا بالإضافةإلى ثلاثة ممرات فرعية وإسكات حوالى 10 مواقع بطاريات صواريخ أرض جو من طراز هوك وموقعى مدفعية ميدان ، وتدمير مركز القيادة الرئيسى فى أم مرجم ومركز الإعاقة والشوشرة فى أم خشيب وتدمير مإسكات عدد من مراكز الإرسال الرئيسة ومواقع الرادار .

وقد اشتركت بعض القاذفات التكتيكية ( إل 28 ) فى الضربة الجوية ، وركزت قصفها على حصن بودابست الإسرائيلى ( من حصون خط بارليف ، ويقع على الضفة الرملية شرق مدينة بور فؤاد ) . وكان من المقرر القيام بضربة جوية ثانية ضد العدو يوم 6 أكتوبر قبل الغروب ، ولكن نظراً لنجاح الضربة الأولى فى تحقيق كل المهام التى أسندت إلى القوات الجوية ، فقد قررت القيادة العامة إلغاء الضربة الثانية . وقد اضطرت القيادة الإسرائيلية الجنوبية فى سيناء إلى استخدام مركز القيادة الخلفى بعد ضرب المركز الرئيسى فى أم مرجم ،كما أصبح مركز الإعاقة والشوشرة فى العريش هو المركز الوحيد المتبقى لإسرائيل فى سيناء بعد تدمير مركز الإعاقة والشوشرة فى أم خشيب ، مما أتاح حرية العمل للطائرات المصرية فى سماء المعركة وفى تلقيها التوجيهات الملاحية بكفاءة ودقة تامتين .

الحصار البحرى الإستراتيجى لإسرائيل

كانت القوات البحرية المصرية فى الفترة التى سبقت حرب يونيو 1967قد أسندت إليها مسئولية تنفيذ القرار السياسى الذى أصدره الرئيس الراحل جمال عبد الناصر فى 18 مايو بإنهاء وجود قوات الطوارىء الدولية على أرض مصر وإغلاق خليج العقبة فى وجه السفن الإسرائيلية ، ولذا تركز اهتمام قيادة القوات البحرية وقتئذ على تجميع قوة بحرية متوازنة بهذه المنطقة للسيطرة على الملاحة بمدخل خليج العقبة ، خاصة بعد ما أذيع من أن بعض الدول البحرية قررت إرسال بعض قطع أسطولها لاقتحام خليج العقبة بالقوة وتحدى القرار الذى أعلنه الرئيس المصرى . وقد تمكنت البحرية المصرية من تنفيذ هذه المهمة الصعبة بكفاءة عالية ، وسيطرت بالفعل على المياه التى تشرف على خليج العقبة . وحاولت أجهزة الدعاية الإسرائيلية بعد حرب يونيو 67 الترويج بأن إسرائيل قد تمكنت بخطة خداع ماكرة من اجتذاب الوحدات البحرية المصرية إلى البحر الأحمر لإبعادها عن البحر المتوسط . وعلى الرغم من أن القطع البحرية المصرية أصبحت عقب انتهاء الحرب وإغلاق قناة السويس عاجزة عن العودة إلى قواعدها بالبحر المتوسط ، فإن ذلك الوضع قد أدى إلى تغيير جذرى فى ميزان القوى بالبحر الأحمر لصالح البحرية المصرية ، كما كان له فضل كبير فى تجميع القوة البحرية التى تمكنت بعد حوالى ست سنوات من فرض حصار إستراتيجى محكم على إسرائيل فى البحر الأحمر وخليج العقبة . وفى 21 أكتوبر 1967 ، أى بعد أقل من خمسة أشهر على انتهاء حرب يونيو 1967 ، تم إغراق المدمرة الإسرائيلية إيلات بواسطة لنشات الصواريخ المصرية . ولم تكن عملية إغراق إيلات فى مياه بور سعيد مجرد معركة بين وحدات بحرية مصرية وإسرائيلية ، بل إنها كانت تمثل حدثا ً مهما اهتزت له الأوساط البحرية . على المستوى العالمى . فقد ثبت أن الصواريخ سطح سطح قد أصبحت سلاحاً فعالاً وذا تأثير خطير على نتائج المعارك البحرية ، وأنها باتت تشكل تهديداً سافرا ضد أضخم القطع البحرية . وخلال حرب الاستنزاف . قامت القوات البحرية ببعض عمليات لا مثيل لها فى الجرأة ، فقد أغارت الضفاضع البشرية المصرية على ميناء إيلات أربع مرات ، وأصابت الميناء الإسرائيلى بخسائر جسيمة فى السفن والأفراد ، كما قامت المدمرات المصرية بقصف بعض الأهداف الحيوية على ساحل العدو . هذا ولم يتولد التخطيط لعملية إغلاق باب المندب فجأة فى الفترة التى سبقت الحرب ، بل إن التخطيط لهذه العملية الإستراتيجية الكبرى بدأ فى الواقع فى أكتوبر 71 أى قبل عامين من نشوب الحرب ، فقد تم إيفاد مجموعة من الخبراء البحريين المصريين إلى منطقة جنوب البحر الأحمر لإعداد الدراسات التفصيلية للموقفين البحرى والجوى فى هذه المنطقة . وفى مايو 1973 تم وضع الخطة التفصيلية وتنسيقها بين القيادات العليا . ومن أجل خداع إسرائيل عن حقيقةالنوايا المصرية ، أرسلت القطع البحرية المصرية فى زيارات مختلفة لبعض الموانى العربية والأجنبية كى تعاد إسرائيل على تحركات هذه القطع البحرية فى اتجاه الجنوب ، وحتى لا يثير تحركها عندما يأزف الموعد المحدد شبهات إسرائيل وشكوكها . وبناء على أمر اللواء بحرى فؤاد أبو ذكرى قائد القوات البحرية تم خروج قوة بحرية تتكون من بعض المدمرات والغواصات ولنشات الصواريخ فى أول أكتوبر 1973من أماكن رسوها فى البحر الأحمر إلى عرض البحر مع الإعلان بأن وجهتها هى الباكستان لإجراء عمرة ولإصلاح بعض الأجهزة والمعدات الحيوية بها . وكان خروج هذه القوة البحرية لتتخذ أوضاع القتال فى باب المندب وتستعد للقيام بالمهام المحددة لها وفقا للتلقين الذى تلقاه قادتها ، يعنى أن الحرب قد بدأت بالنسبة لهذه القوة منذ أول أكتوبر ، فقد فرضت لأغراض المن والسرية ضرورة التزام هذه القطع البحرية بصمت اللاسلكى طوال مدة إبحارها حتى لا يلتقط العدو الإشارات اللاسلكية المتبادلة بينها وبين قيادتها ويضيع عامل المفاجأة ، ولم تكن هناك أى وسيلة للاتصال بهذه القطع البحرية إلا بعد بدء العمليات الفعلية فى 6 أكتوبر وكسر صمت اللاسلكى . وللتأكيد على القيادة العامة بهذه الحقيقة ،اتصل اللواء بحرى فؤاد أبو ذكرى بالقيادة العامة قبل خروج القوة البحرية فى أول أكتوبر لإفادتها بأنه عقب إبحار هذه القوة لن تصبح لديه أى وسيلة للاتصال بها وعندما نشبت الحرب فى الساعة الثانية بعد ظهر السادس من أكتوبر ،تم إبلاغ القوة البحرية المصرية التى كانت قد وصلت إلى مياة باب المندب بالكلمة الكودية عن طريق اللاسلكى لكى تبدأ فى تنفيذ المهام الموكلة إليها . وبهذا سددت البحرية المصرية ضربة إستراتيجية كبرى إلى إسرائيل لم تكن تخطر لها على بال ،فقد تمت سيطرة القطع البحرية المصرية على مضيق باب المندب ( المدخل الجنوبى للبحر الأحمر ) ، وظهرت فجأة المدمرات والغواصات ولنشات الصواريخ لتباشر حق التفتيش واعتراض السفن التجارية التى ترفع العلم الإسرائيلى وكذا السفن الأخرى من مختلف الجنسيات التجهة إلى إسرائيل ، وهو حق يكفله لها القانون الدولى . وقد قطعت البحرية المصرية بهذا الحصار الذى فرضته ، الشريان الحيوى لإسرائيل الذى يربطها بإفريقيا وآسيا والذى اتخذته فى حربى 1956 و 1967 ذريعة لكى تمنع سيطرة مصر على مضايق تيران وشرم الشيخ على مدخل خليج العقبة حتى لا تقطع مصر عنها الطريق إلى ميناء إيلات . لقد أفاد العمق الإستراتيجى للوطن العربى القطع البحرية المصرية وهيأ لها إمكانات ممتازة من حيث التمركز فى موانى صديقة والتزود بكل حاجاتها من الوقود والطعام والمياه ، وكان اختيار مضيق باب المندب المتحكم فى المدخل الجنوبى للبحر الأحمر لفرض الحصار البحرى على إسرائيل والتعرض لخطوط مواصلاتها البحرية عملا إستراتيجياً بارعاً ، إذ لم لم يكن فى مقدرة الطائرات الإسرائيلية ولا القطع البحرية الإسرائيلية الوصول إلى هذا المضيق الذى يبعد عنها أكثر من 2500 كم للقيام بعملية فك الحصار . وقد أثرت هذه الصدمة العنيفة على القيادات الإسرائيلية إلى الحد الذى جعل موشى ديان وزير الدفاع يأمر بمنع نشر أى أنباء عن الحصار البحرى المصرى فى أى وسيلة من وسائل الإعلام الإسرائيلى . وفى الوقت الذى عجزت فيه البحرية الإسرائيلية عن المساس بأمن وسلامة حرية الملاحة إلى المانى الرئيسة المصرية خاصة الإسكندرية على البحر المتوسط وسفاجة على البحر الأحمر ، مما جعل هذه الموانى تستمر فى العمل بحالتها الطبيعية وبنفس طاقاتها المعتادة . كانت نتائج إغلاق باب المندب هى قطع الإمدادات تماما عن ميناء إيلات أى أن نسبة نجاح عمليات البحرية المصريةفى البحر الاحمر وصلت إلى 100%أما فى البحر المتوسط ، فإنه نتيجة لقيام وحدات الأسطولالمصرى بنشر وفتح الغواصات والمدمرات وبث الألغام استطاعت تحقيق مهمة قطع خطوط المواصلات إلى الموانىء الإسرائيلية الواقعة على هذا البحر بنسبة تجاوزت 80 %مما يعد نجاحاً باهراً للقوات البحرية المصرية . وفضلا عن ذلك اشتركت البحرية المصرية فى عملية التمهيد النيرانى للمدفعية التى بدأت فى الساعة الثانية وخمس دقائق فى يوم 6 أكتوبر ، فقد قصفت المدفعية الساحلية فى بور سعيد نقطة العدو الحصينة شرق بور فؤاد (كان الإسرائيليون يطلقون عليها أسم حصن بودابست ) وكذا النقطةالحصينة عند الكيلو متر جنوب بورفؤاد فى منطقة رأس العش (كان الإسرائيليون يطلقون عليها أسم حصن أوركال ) ،كما قصفت المدفعية الساحلية فى السويس الأهداف المعادية التى كانت تواجه قطاع الجيش الثالث وقامت لنشات الصواريخ بتوجيه صواريخها ضد تجمعات العدو فى رمانة ورأس بيرون على ساحل البحر المتوسط وعلى خليج السويس وجهت اللنشات صواريخها على أهداف العدو الحيوية فى رأس سدر ، وهاجمت الضفاضع البشرية منطقة البترول فى بلاعيم ، وتمكنت من تعطيل الحفار الضخم بها وعلى مدخل مضيق تيران فى خليج العقبة وجهت اللنشات صواريخها ضد أهداف العدو فى شرم الشيخ ورأس محمد وقامت وحدات بث الألغام بإغلاق مدخل خليج السويس إلى إيلات . ولقد كان لإغراق لنشات الصواريخ المصرية المدمرة الإسرائيلية إيلات يوم 21 أكتوبر 1967 أثر كبير فى تغيير الفكر الإستراتيجى البحرى على المستوى العالمى . وفى إسرائيل ابتعد التفكير عن حيازة القطع البحرية الكبيرة ، وأخذت تبنى قوتها البحرية على أساس أن اللنشات الصغيرة السريعة والمسلحة بصواريخ سطح سطح هى أساس القوة الضاربة فى البحرية الإسرائيلية . وقد اشترت لهذا الغرض 12 قارباً من طراز سعر SAARمن فرنسا ، وبدأت فى أوائل عام 1973 فى بناء نوع جديد من اللنشات السريعة فى الترسانة البحرية بميناء حيفا أطلق عليه أسم رشيف Reshef، وقد تم تسليح جميع هذه اللنشات بالصواريخ سطح سطح من طراز جبراييل التى قامت بتصنيعها محليا . وقد وقعت عدة اشتباكات بين لنشات من طراز جبراييل التى قامت بتصنيعها محليا . وقد وقعت عدة اشتباكات بين لنشات الصواريخ المصر ية والإسرائيلية قرب بور سعيد وأبى قير وشمال دمياط ، وانتهت بإغراق عدد من لنشات الطرفين

دور المهندسين العسكريين فى ملحمة العبور

إن العبور العظيم الذى تم يوم 6 أكتوبر عام 1973 والذى عبر به العرب من مذلة الهزيمة إلى قمة النصر كان فى مرحلته الأولى عملية مهندسين بحتة ، ولولا فتح الثغرات فى الساتر الترابى على الضفة الشرقية وتركيب الكبارى الثقيلة والخفيفة لعبور المدرعات والمركبات ، وإقامة كبارى الاقتحام لعبور المشاة ، وتجهيز وتشغيل المعديات لنقل الدبابات والأسلحة الثقيلة ، وتشغيل آلاف القوارب التى حملت عشرات الألوف من أفراد المشاة إلى الشاطىء الشرقى للقناة – لولا كل هذه المهام التى قام بها المهندسون فى وقت واحد تقريبا وتحت سيل منهمر من نيرا ن وقذائف وصواريخ العدو من البر والجو لما أمكن لملحمة العبور أن تتم ، ولما تيسر إقتحام قناة السويس أصعب مانع مائى فى العالم خلال ساعات معدودة على مواجهه حوالى 160 كيلو مترا بقوة خمس فرق مشاة تتكون من حوالى 80 ألف جندى بكامل معداتهم وأسلحتهم ومركباتهم فى 12 موجة متتالية ، مستخدمين المعابر والتجهيزات التى أعدها المهندسون لهم لعبور القناة ، ولتعزيز مواقعهم على الشاطىء الشرقى لها فور وصولهم . وكان الذين هيئوا للقوات المصرية فرصة إحراز ذلك النصر العظيم هم ضباط وجنود 35 كتيبة مهندسين من مختلف التخصصات قاموا بعمل خارق كان أشبه بالمعجزات وبعد تطوير أسلحة القتال وإدخال الدبابات والمركبات البرمائية ضمن تنظيم التشكيلات البرية ، لم تعد الأنهار والقنوات تشكل عائقاً كبيرا أمام الجيوش الحديثة كما كان الحال فى الماضى ، إذ أصبح فى مقدور التشكيلات المدرعة والميكانيكية أن تقتحم الموانع المائية بالهجوم من الحركة وعلى مواجهة واسعة عن طريق دفعها لمفارز برمائية أمامها تتولى عبور المانع مباشرة وتقوم بإنشاء رءوس الكبارى الثقيلة والخفيفة التى تعبر عليها القوات الرئيسية بمجرد وصولها إلى المانع المائى . ولا تستغرق عملية تركيب الكبارى الحديثة المتطورة فى الوقت الحاضر أكثر من ساعة ونصف الساعة على أكثر تقدير ، مما يجعل عمليات أقتحام الموانع المائية فى الجيوش الحديثة عملية عادية وخالية من أى تعقيد .. ولكن الوضع بالنسبة للقوات المصرية غرب قناة السويس كان مختلفا أشد الأختلاف ، بل كان على أبلغ درجة من الصعوبة والتعقيد ، إذ كانت القناة فى حد ذاتها تعتبر مانعا مائياً فريدا فى طبيعتة ولا تماثل غيرها من الموانع المائية فى العالم ، كما أن الكبارى البر مائية المتطورة الموجودة فى الجيوش الحديثة لم يكن لها وجود لدى وحدات المهندسين فى مصر ، بل كان كل ما فى حوزتها كبارى قديمة الطراز من النوع الذى استخدم فى الحرب العالمية الثانية ، وبهذا اصبح عبور القوات المصرية للمانع المائى الهائل الذى يواجهها أمرا يكاد يكون مستحيلا سواء من وجهة نظر الأصدقاء أو الأعداء . وقد ثبت أن موشى ديان وزير الدفاع الإسرائيلى خلال حرب أكتوبر ، وفى إحدى المناقشات التى دارت فى رئاسة الأركان الإسرائيلية حول احتمالات عبور المصريين للقناة قال فى صلف وغرور : ( لكى يعبر المصريين قناة السويس ، فإنه يلزمهم سلاح المهندسين الأمريكى وسلاح المهندسين السوفيتى مجتمعين لمساعدتهم فى ذلك ) كما ذكر اللواء جمال على مدير سلاح المهندسين خلال حرب أكتوبر ، أن كبير الخبراء السوفيت قال له ذات مرة قبل رحيل الخبراء السوفيت عن مصر – وهما يتطلعان معا إلى الساتر الترابى الهائل الحجم على الشاطىء الشرقى للقناة : ( إنكم تحتاجون إلى قنبلة ذرية لفتح ثغرة فى هذا الساتر ) ولكن العقل المصرى وما يتميز به من القدرة على الابتكار والإبداع أمكن له القيام بجميع التحضيرات والإنجازات المطلوبة والتغلب على جميع المصاعب والمشكلات ، وتم للقوات البرية المصرية اقتحام القناة دون الحاجة لا إلى تفجير قنبلة ذرية ولا للاستعانة بسلاح المهندسين الأمريكى أو السوفيتى . هذا ويبلغ طول قتاة السويس من بور سعيد شمالا إلى السويس جنوبا نحو 160كيلو مترا،ويتراوح عرضها ما بين 180و 200متر ، ويبلغ عمقها نحوا من 14 – 18 مترا وهى لا تصلح للعبور فى بعض المناطق بقوات كبيرة ، مثل المنطقة الشمالية ما بين بور سعيد حتى جنوب رأس العش ، نظرا لوجود مستنقعات مالحة على الشاطىء الشرقى لا تصلح لسير المركبات ، وكذا منطقة البحيرات المرة نظرا ً لاتساع مسطحها المائى ؛ ولذا فإن أكثر المناطق صلاحية لعبور قوات كبيرة وتأمين طرق إمدادها بواسطة إقامة جسور عائمة ومعديات وكبار هى التى تقع ما بين مدينة القنطرة شمالا إلى مدينة الإسماعيلية جنوبا ، ثم من جنوب بحيرة التمساح حتى شمال البحيرات المرة ، وأخيرامن جنوب البحيرات المرة حتى مدينة السويس وتعد القناة مانعاً صعباً نظراً لأن أجنابها حادة الميل ومكسوة بالدبش والحجارة لمنع انهيار الأتربة والرمال إلى القاع ، مما يجعل من الصعب على أى مركبة برمائية أن تعبرها إلا إذا تم نسف أكتاف الشاطىء وتجهيز منزل ومطلع تستطيع المركبة البرمائية أن تستخدمهما فى النزول إلى الماء والخروج منه . أما بالنسبة للتربة والرمال الناتجة من عمل الكراكات التابعة لهيئة القناة والتى كانت تستخدم قبل حرب يونيو 1967 فى أعمال تطهير القناة وتعميقها لإمكان استقبال سفن ذات غاطس كبير ، فقد كانت تلقى كلها على الضفة الشرقية للقناة باعتبارها صحراء جرداء وغير مأهولة بالسكان ، وقد شكلت هذه الرمال حاجزا يتراوح ارتفاعه ما بين 6 -10 أمتار . وقد زاد المهندسون الإسرائيليون ارتفاع هذا الساتر الترابى إلى حوالى 20-25 مترا فى الأماكن المحتمل اختيارها للعبور ، وبالتالى أصبح الساتر الترابى جزاء مكملا لسلسلة النقاط الحصينة التى أقيمت فى أثناء حرب الاستنزاف على امتداد القناة والتى عرفت بأسم خط بارليف ، وعمل الإسرائيليون بعد ذلك على زحزحة هذا الساتر الترابى إلى القناة حتى أصبح ميله يتقابل مع ميل شاطىء القناة ، وبذا انعدم وجود أى كتف ظاهر أو مصطبة على الشاطىء الشرقى ، وكانت درجة ميل هذا السد الهائل تتراوح ما بين 45 إلى 65 درجة ، وعلاوة على ذلك كانت هناك صعاب طبيعية أخرى إذ إن سرعة اتجاه تيار الماء فى قناة السويس تتبدل أربع مرات يوميا ، كما أن المد والجزر فيها يخلق فرقا فى ارتفاع سطح المياة يتراوح بين نصف متر ومترين ، ولذا فإن الوقت الملائم للعبور يصبح محدودا نسبيا من حيث توافر الوقت المناسب من ناحية سرعة التيار وحالة المد والجزر . وفى أثناء إنشاء تحصينات خط بارليف توصل المهندسون العسكريون الإسرائيليون إلى ابتكار نظام يمكن به عن طريقإشعال النابالم السائل تحول أجزاء كاملة من القناة إلى شعلة من النار واللهب . وكانت الفكرة من إستخدام هذا النظام هى بث الرهبة فى نفوس المصريين على الشاطىء الغربى للقناة ليكفوا عن التفكير فى عبور المانع المائى الذى أصبح من المنتظر أن يعلوه مانع آخر من اللهب أشد منه صعوبة وخطراً ، ويمكن أن يؤدى إلى أحتراقهم بناره . ولتنفيذ هذه الفكرة الجهنمية بنوا خزانات يسع الواحد منها 200 طن من النابالم السائل . ووصلوا هذه الخزانات بخراطيم ممتدة من الخزانات إلى سطح القناة . ونظراً لأن كثافة النابالم أقل من كثافة الماء فإنه يطفو على السطح ، فإذا اشتعل بطريقة كهربائية عن طريق جهاز خاص داخل الحصون الممتدة فى نطاق خط بارليف أو بواسطة إلقاء قنبلة فوسفورية ، تحول سطح المياة إلى قطعة من الجحيم ، ومع استمرار تدفق النابالم تظل المياة مشتعلة . وقد حرصت القيادة الجنوبية للقوات الإسرائيلية على إجراء تجربة عملية يوم 28 فبراير 1971 بواسطة التجهيزات المقامة فى النقطة القوية فى الدفرسوار ليمكن خلق تأثير سيكولوجى رهيب على القوات المصرية . واسترعت تلك التجربة – كما توقع الإسرائيليون أنـظار الوحدات المصرية المرابطة أمام مكان التجربة على الشاطىء الغربى للقناة . وانتقل النبأ بسرعة إلى القيادة العسكرية الأعلى ،حتى وصل إلى القيادة العامة بالقاهرة . وانشغلت القيادة العامة بهذه المشكلةالجديدة التى لم تكن فى الحسبان ،والتى تهدد عملية العبور بأخطار فادحة ، وبدأت فى دراسة الوسائل العلمية التى يمكن بها التغلب عليها . ذلك كان المانع المائى الذى كان على القوات المسلحة المصرية اقتحامه والتغلب على مشكلاته المستعصية . وقد قام اللواء جمال على مدير سلاح المهندسين وأفراد سلاحه بالعمل على حل هذه المشكلات إلى أن تم لهم بالشجاعة والمثابرة والصبر التغلب عليها جميعا . وقد ظل المهندسون العسكريون المصريون أكثر من خمس سنوات يبذلون جهودهم الجبارة ومحاولاتهم المتواصلة لإيجاد الحلول السليمة لمشكلات العبور الصعبة . وقبل حلول 6 أكتوبر 1973 كانت جميع المشكلات قد حلت ،وجميع المصاعب قد ذللت وكانت أهم هذه المشكلات وأعقدها ما يلى :


اولا  :فتح الثغرات فى الساتر الترابى : كان من واجب المهندسين الاهتداءإلى أسلوب عملى لفتح الثغرات فى الساتر الترابى الهائل الذى يمتد على طول الشاطىء الشرقى للقناة حتى يمكن عند بدء العبور إقامة وتشغيل الكبارى والمعديات ، وحتى تجد مركبات القتال من دبابات وعربات وجرارات ثقيلة للمدفعية والصواريخ ميولا رأسية تستطيع استخدامها لاجتياز الساتر الترابى . وقد تم إعداد وتجهيز جزء من فرع دمياط بالقرب من القناطر الخيرية ليماثل قناة السويس تماماً من حيث المواصفات وبنفس ارتفاع الساتر الترابى على الضفة الشرقية للقناة . وقد أجريت من أجل التوصل إلى الحل المطلوب مئات التجارب ، واستحدثت شتى الوسائل والأساليب التى كان من ضمنها : النسف بالمفرقعات ، واستعمال البلدوزرات ، والقصف بالطيران ، والرمى بالمدفعية والصواريخ ، إلا أن كل هذه التجارب فشلت فى تحقيق النتائج المطلوبة . وكانت مجموعة من الضباط والمهندسين برئاسة مدير السلاح قد انهمكت فى البحث عن وسيلة عملية أخرى لحل هذه المشكلة المستعصية التى كانت تهدد عملية اقتحام قناة السويس بالتوقف التام . وفى ينيو 1971 تقدم مدير السلاح باقتراح جديد للقيادة وهو استخدام طريقة التجريف بالمياة بواسطة الطلمبات لفتح الثغرات فى الساتر الترابى . وكانت الفكرة سهلة وبسيطة ، ولقد سبق لبعض المهندسين العسكريين مشاهدتها أثناء عملهم فى مشروع السد العالى بأسوان ،إذ تمكن المهندسون السوفيت بهذه الوسيلةمن إزاحة جبل رملى من متخلفات الحفر كان حجمه يبلغ حوالى 5 ملايين متر مكعب من مكانه إلى مكان آخر يبعد عنه نحو خمسة كيلو مترات ، ووفروا بذلك الكثير من الجهد والمال والوقت . ولكن الطلمبات السوفيتية لم تكن تصلح للاستخدام فى مسرح العمليات بالقناة لضخامة حجمها وثقل وزنها وتعذر نقلها إلى الشاطىء الآخر ، لذا نبتت فكرة استخدام طلمبات مياه خفيفة الوزن قوية الدفع لتغذية مدافع المياة خلال الخراطيم المتصلة بها ، وهو نظام مماثل لنظام إطفاء الحرائق . وقام المهندسون بعمل تجربة لاخيبار الأسلوب الجديد الذى اقترحوه ، واستخدموا فيه ثلاث مضخات مياة صغيرة إنجليزية الصنع ، وكللت التجربة بالنجاح . وكان واضحا أنه كلما زاد ضغط المياة زاد تهايل الرمال وبالتالى سرعة فتح الثغرة ، وبعد عدة تجارب أتضح أن كل متر مكعب من المياه يزيح مترا مكعبا من الرمال ، وأن العدد المثالى لكل ثغرة هو خمس مضخات . وبناء على ذلك تقرر منذ منتصف عام 1971 أن يكون أسلوب المهندسين فى فتح الثغرات فى الساتر الترابى هو أسلوب التجريف (ضغط المياة ) . وتقرر على أثر ذلك شراء 300 مضخة مياة إنجليزية الصنع حيث وصلت خلال عامى 1971 و1972 . وفى أوائل عام 1972 تقرر شراء 150 مضخة أخرى ألمانية الصنع من شركة دوبتس الألمانية بجوار مدينة كولون بألمانيا الغربية ، نظرأً أنها أكثر قوة من المضخة الإنجليزية . وبتخصيص ثلاث مضخات إنجليزية ومضختين ألمانيتين لكل ثغرة ، ثبت أنه من الممكن إزاحة 15الأت00 متلر وبعدد مكعب من ربة خلال ساعتين من الأفراد يتراوح ما بين 10 -15 فردا فقط . وكان ذلك يعتبر حلا عمليا وسهلا ، وتم عن طريقه تلافى جميع عيوب الطرق السابقة . ومما يثير الدهشة أنه رغم إجراء عشرات التجارب على أسلوب فى فتح الثغرات الساتر الترابى بطريقة التجريف ، فإن الإسرائيليين لم يفطنوا إلى أن المهندسين المصريين قد توصلوا إلى هذا الأسلوب الجديد فى فتح الثغرات ، وفوجئوا به مفاجأة تامةيوم 6 أكتوبر 1973 . وكان نظام التشغيل يقضى بوضع الطلمبات فى قوارب يستقلها أطقم من المهندسين لترافق قوارب المشاة فى الموجات الأولى من الأقتحام ، وعند الوصول إلى الشاطىء يمد جنود المهندسين مصاطب بسيطة لوضع مدافع المياه عليها ، وعن طريق تشغيل الطلمبات تندفع المياة بقوة هائلة للبدء فى عمل الفتحات . وكانت ترافق قوارب الطلمبات قوارب خاصة لحمل الوقود اللازم لتشغيلها ، وكانت تقف بجوارها لسرعة إمدادها بالوقود عن طريق خراطيم خاصة لهذا الغرض ثانيا  : إنشاء المعديات والكبارى لم يكن لدى سلاح المهندسين عقب حرب يونيو 1967 سوى عدد محدود من الكبارى السوفيتية الصنع ، وهى الكبارى الثقيلة من طراز TPP( لعبور الدبابات وجرارات المدافع والصواريخ ) والكبارى الخفيفة LPP(لعبور المركبات الخفيفة الحركة ) . وكانت هذه الكبارى بنوعيها من الطراز القديم الذى سبق استخدامه فى الحرب العالمية الثانية والتى يستغرق تركيبها ما لا يقل عن خمس ساعات ، ولم يحاول السوفيت إمداد سلاح المهندسين بالكبارى البرمائية الحديثة التى لا يستغرق تركيبها أكثر من ساعة ونصف الساعة . ولم تكن كمية الكبارى التى فى حوزة سلاح المهندسين تزيد على نصف الكمية اللازمة لعبور قوات الجيشين الثانى والثالث . ولكن مخازنه كانت تضم عددا من الكبارى الإنجليزية الصنع من طراز بيلى سبق الاستيلاء عليها من مخزن القاعدة البريطانية بقناة السويس عقب العدوان الثلاثى عام 1956. ونظراً لانها كانت مصممة للاستخدام فى الخطوط الخلفية وكان تركيب الكوبرى الواحد منها يستغرق 24 ساعة لذلك لم يكن فى الفكر الهندسى أمكن تحويل كبارى البيلى الإنجليزية الثقيلة إلى كبارى اقتحام لا يستغرق الإمكان من الناحية التكتيكيةاستخدامها فى عملية عبور القناة . وعلى أثر دراسات تمت على أعلى مستوى من تركيبها أكثر من بضع ساعات ، وذلك باستخدام البراطيم الخاصة بها فقط والاستغناء عن باقى أجزائها . ولكى يمكن استخدامها لتكون كبارى اقتحام تم تخصيص عربات نقل ضخمة لحمل بر اطيمهابنفس الطريقة المستخدمة فى تحميل البراطيم السوفيتية . ولاستكمال النقص الموجود فى عدد الكبارى تم تشغيل عدد من البراطيم ( وفقا للتصميم السوفيتى ) مع بعض المعدات الفنيةالأخرى المصنعة محليا فى مصانع وورش شركات القطاع العام تحت إشراف سلاح المهندسين بما حقق الزيادة المطلوبة فى عدد الكبارى . ونتيجة لذلك أصبحت الكبارى التى يمتلكها سلاح المهندسين يتكون ثلثها من طراز سوفيتى الصنع ،وثلثها من طراز إنجليزى الصنع ،فى حين كان الثلث الآخر صناعة مصرية خالصة . وكانت المعديات raftsالمصممة للانتقال ما بين الشاطئين عن طريق جرها باللنشات يتم إنشاؤها عن طريق تجميع عدد من البراطيم pontoons، وكانت المعديات مخصصة كى تستخدم فى نقل بعض الدبابات والأسلحة الثقيلة ذات الأسبقية الأولى إلى الشاطىء الشرقى للقناة بعد إتمام فتح الثغرات فى الساتر الترابى وقبل ساعتين من موعد البدء فى تشغيل الكبارى . وبعد إتمام تشغيل الكبارى كانت المعديات مصممة لاستخدامها كوسيلة معاونة وتبادلية لها . وكانت الكبارى تتكون من عدد من المعديات التى تضم بعضها إلى بعض حسب طول الكوبرى ،وفى حالة ضرب أجزاء من الكوبرى بواسطة الطائرات الإسرائيلية كانت الخطة موضوعة على أساس أن المعديات التى أصيبت يستبدل بها على الفور معديات احتياطية . واستعداداً لإقامة الكبارى على القناة ، تم تجهيز ساحات الإسقاط لوحدات الكبارى على الضفة الغربية للقناة ، وكذا المنازل اللازمة لاستخدام المعديات ،وذلك على طول المواجهة من شمال القنطرة إلى السويس على مسافات متساوية حتى لا يتمكن العدو من تحديد قطاعات العبور مبكرا ،فيركز جهوده ضدها بما يفسد عملية العبور أو يحبطها . أما عبور المشاة فى المرحلة الأولى من العملية لتأمين رءوس الكبارى ، فكان الأمر يستلزم تدبير 2500 قارب ،وقد أمكن للمهندسين إعداد هذه الكمية الضخمة بفضل تصنيع نصفها محليا فى مصانع وورش شركات القطاع العام ، ولمعاونة المشاة فى تسلق الساتر الترابى على الشاطىء الشرقى للقناة ، ابتكر المهندسون سلالم من الحبال ،وهى تشبه السلالم المستخدمة فى الوحدات البحرية ؛ إذ إن أجنابها من الحبال ،ولكن درجاتها من الخشب ،بحيث يسهل طيها وحملها ،ثم فردها على الساتر الترابى ،وبذلك يستطيع جندى المشاة ان يتسلق الساتر الترابى دون ان تغوص قدماه فى التراب ،كما أنه بوضع سلمين متجاورين يمكن جر المدافع وعربات الجر التى كانت ترافق المشاة فوق هذا الساتر دون أن تغوص عجلاتها فى الرمال . وقد تم تصنيع سلالم الحبال وزلاقات خاصة من الصاج فى ورش سلاح المهندسين . ورغم بساطة هذه المهمات ،فإنها حققت نجاحا كبيرا إذ مكنت قواتنا خلال الفترة من بدء تشغيل الكبارىوالمعديات أن تنتقل أعدادا كبيرة من الأسلحة الخفيفة المضادة للدبابات والرشاشات المتوسطة والرشاشات المضادة للطائرات وصناديق الذخيرة وغيرها من الأسلحة والإمدادادت اللازمة للمشاة فى الساعات الحر جة الأولى من المعركة ثالثا  : تجهيزات إشعال القناة بالنابالم: وفى خلال شهر يونيو 71،أى بعد ثلاثة أشهر فقط من إجراء التجربة الإسرائيليةفى حصن الدفرسوار لإشعال مياة القناة ، أجرى المهندسون المصريون عدة تجارب للاهتداء إلى الطريقة العملية لمقاومة النيران ، وذلك فى المكان المحدد لإجراء التجارب فى فرع دمياط .وقد استخدمت طريقة مقاومة جزر النيران المشتعلةفى المياة بضربها بسعف النخيل لتقسيمها إلى عدةجزر صغيرة ، وتتكرر العملية عدة مرات حتى يتلاشى اللهب من القناة. فشل هذا وعندما اتضح الاسلوب ،تقدم أحد المهندسين باقتراح جديد وهو أن تستبدل بالقوارب التى تقترب من النيران والقابلة للاشتعال مركبات برمائية،وأن يستبدل بسعف النخيل مواد كيماوية يمكن بها إطفاء الحريق ،ولكن هذا الأسلوب لم توافق عليه القيادة العامة . وكان الحل الذى وافق عليه الفريق أول أحمد إسماعيل القائد العام للقوات المسلحة هو ضرورة إغلاق فتحات الخراطيمالتى تصب السائل الملتهب فى القناة قبل بدء العمليات سدا محكما ،وضرب الخزانات المليئة بالنابالم خلف الساتر الترابى بنيران المدفعيةاثناء فترة تحضيرات المدفعية التى تسبق الهجوم .وكانت الوسيلة التبادلية للتغلب على النيران ،هى اختيار نقط العبور بحيث تكون فوق التيار حيث إن النابالم المحترق يسبح مع التيار ويصبح عديم المفعول ضد أى قوات تعبر من فوق إتجاة التيار . وقد استمرت الجيوش الميدانية المصرية نحو عامين فى مراقبة هذا النظام الإشعالى بدقة وانتظام ، ودفعت لهذا الغرض عشرات من دوريات الاستطلاع إلى الشاطىء الشرقى للقناة . ووفقا للمراجع الإسرائيلية وتقارير المخابرات المصرية ،لم يكن قد أنشىء من هذه التجهيزات سوى مجموعتين فقط فى حصون خط بارليف ، إحداهما فى النقطة القوية القويةالتى التى أسمها الكودى هيزانونHizayonفى منطقة الفردان ،والثانية فى النقطة اسمها الكودى متسميد Matzmedفى منطقة الدفرسوار ،وتوقف الإسرائيليون بعد ذلك عن إنشاء أى تجهيزات جديدة نظراً لاكتشافهم عدم جدوى هذا النظام وضعف تأثيره من الناحيةالعملية فى منع المصريين من عبور القناة بسبب سرعة التيار ،مما سوف يؤدى إلى عدم ثبات الأجزاء الملتهبةفى أمكنتها ،إذ إن التيار سيجرفها فى طريقة ،وقد أدى ذلك إلى عدول القيادة الإسرائيلية عن إنشاء باقى التجهيزات فى حصون خط بارليف وفى الساعة الثانية وعشرون دقيقة يوم 6 أكتوبر ،وبعد أن نقلت المدفعية قصفها إلى عمق دفاعات العدو ،عبرت عناصر من المهندسين مع الموجة الأولى إلى الشاطىء الشرقى للقناة لتأمين مرور المشاة فى حقول الألغام المعادية، وتلا ذلك مباشرةعبور عناصر أخرى من المهندسين لتحديد محاور الثغرات فى الساتر الترابى وتجهيز الأرصفة للمعديات والكبارى . وفى الموجه الثانيةعبرت 80 وحدة هندسية فى قواربهم الخشبية المحملة بالطلمبات والخراطيم والوقود وكل التجهيزات اللازمة لفتح الثغرات فى الساتر الترابى وفور وصولها إلى الشاطىء الشرقى للقناةوضعت الطلمبات على المصاطب التى أعدت من قبل . وبتشغيل الطلمبات اندفعت المياة من البشاير كالسيل الجارف تكتسح أمامها الرمال ، وتم فتح الثغرة الأولى فى زمن قياسى لم يتجاوز الساعة . وتوالى بعد ذلك فتح الثغرات علىطول مواجهة العبور . وفى نفس الوقت اندفعت مئات العربات الضخمة المحملة بمهمات الكبارى واللنشات من أماكنها المستورة على الشاطىء الغربى إلى ساحات الإسقاط المحددة على القناة . وعن طريق المنازل السابق تجهيزها اقتربت العربات من سطح المياة وأسقطت حمولتها من البراطيم واللنشات إلى الماء حيث بدأت وحدات الكبارى فى عمليات تركيبها . وخلال ساعتين من بدء العبور كان حجم قوات المهندسين التى عبرت مع المشاة،والتىتعمل فى فتح الثغرات فى الساتر الترابى، والتى تقوم بعملية تركيب الكبارى والمعديات فوق صفحة القناة قد تجاوز الخمسة عشر ألف مقاتل من مختلف التخصصات الهندسية وبأت الكبارى تقام أمام الثغرات التى فتحت فى الساتر الترابى ،وخلال فترة زمنية من 6 إلى 9 ساعات كانت كل كبارىومعديات الجيش الثانى الذى كان يتولى قيادته اللواء سعد مأمون قد أقيمت وفقا للخطة المرسومة .أما فى قطاع الجيش الثالث الذى كان يتولى قيادته اللواء عبد المنعم واصل فقد اصطدمت عمليةفتح الثغرات فى الساتر الترابى وإنشاء الكبارى بعوامل عديدة معوقة خصوصا صلابةالتربة واحتواءها على عناصركلسية ،مما جعل عملية التجريف شاقة . وادت هذه المعوقات إلى أن يتم إنشاء كبارى الجيش الثالث فى نحو 16 ساعة بتأخير زمنى قدره سبع ساعات عن التخطيط الموضوع ،وإلى أن تعبر مركبات الفرقة 19 على كبارى ومعديات الفرقةالسابعة. وأخيرا نجح المهندسون فى إنشاء عشرة كبار ثقيلة وعشرة كبارى مشاة ،وعدد من الكبارى الهيكلية علاوة على 31 معدية أخذت تعمل بين الشاطئين الغربى والشرقى للقناة . واندفعت الدبابات والمركبات والأسلحة الثقيلة تعبر فوق الكبارى والمعديات إلى الشاطىء الشرقى للقناة .وقام العدو خلال هذه العمليات بتركيز هجماته الجوية ونيران مدفعيته على الكبارى لإحباط عملية العبور . وفى خلال ساعات الظلام نجحت بعض دبابات معادية فى الوصول إلى خط المياة،وتمكنت من تعطيل كوبريين اثنين وتدمير بعض وسائل العبور الأخرى ،ولكن قبل طلوع الصباح كان قد تم تدمير الدبابات التى نجحت فى الوصول خلال الليل ،وقام المهندسون بإصلاح الكبارى التى تعطلت فى أزمنة قياسية وتحت نيران العدو وبحلول الساعة الثامنة من صباح الأحد 7 أكتوبر ، كانت المعابر المختلفة التى أقامها المهندسون لاجتياز أصعب مانع مائى فى العالم قد عبر عليهاحوالى مائة ألف ضابط وجندى ،و800دبابة وما يزيد على 13000 مركبة مختلفة الأنواع فى خلال 18 ساعة فقط ، وهو رقم قيا سى لم تحققه أى عملية عبور فى تاريخ البشرية وقد أصيبت معظم الكبارى وأعيد إصلاحها أكثر من خمس مرات ،وقد ضرب العميد أحمد حمدى نائب مدير سلاح المهندسين وقائد أحد ألوية الكبارى المثل الأعلى فى التضحية والفداء ، إذ استشهد بينما كان يشاركأفراد أحد الكبارى فى عملية إصلاحه ، وقد سمى باسمه النفق الذى يربط حاليا بين الشاطئين شمال السويس تقديرا لبطولته . هذا ولم يقتصر دور المهندسين على إنشاء المعديات والكبارى ،بل قاموا بالاشتراك مع الأسلحة الأخرى فى إنشاء مناطق رءوس الكبارى على الشاطىء الشرقى وتعزيزها ،وأسهموا فى صد الهجمات المضادة للعدو برص الألغام المضادة للدبابات لسد طرق الاقتراب المحتملة . وعن طريق المعدات الهندسية الضخمة التى عبرت إلى الضفة الشرقية عاونت وحدات المهندسين القوات التى عبرت فى تجهيز مواقعها بحفر خنادق المشاو ومواقع الدبابات ومرابض المدفعية وإنشاء السواتر والدراوى . وقد بلغ عدد الألغام التى تم لوحدات المهندسين رصها خلال حرب أكتوبر 73 ما يربو على مليون لغم من مختلف الأنواع ≡ خط بارليف تحت وطأه الحصار عندما تسلم الجنرال أريل شارون قيادة المنطقة الجنوبية فى يناير عام 70 ، وجد نفسه فى وضع يفرض عليه تقويه وتدعيم الخط الدفاعى الأمامى الذى اشتهر باسم خط بارليف رغم أنه كان من أشد المعارضين فى إقامته من قبل . وكان هو صاحب نظرية الدفاع المتحرك التى كانت تتعارض مع نظرية الدفاع الثابت التى كان يتبناها الجنرال حاييم بارليف رئيس الأركان العامة ،والتى تم على اساسها إنشاء جصون خط بارليف . وكان الجو فى بداية عام 72 قد أصبح مهيئا للجنرال شارون لتنفيذ اقتراحه السابق بتخفيض عدد الحصون . فقد أحيل معارضه العنيد الجنرال بارليف إلى التقاعد وخلفه فى منصبه الجنرال دافيد أليعازر ، كما أن حرب الأستنزاف توقفت تماما منذ 8 أغسطس عام 70 إثر مبادرة روجرز، وكان الانطباع الذى رسخ فى نفوس القادة الإسرائيليون أن القوات المصرية ليست لديها أى مقدرة عسكريةللقيام بهجوم واسع النطاق عبر المانع المائى الصعب للوصول إلى الدفاعات الإسرائيلية المقامة على الشاطىء الشرقى للقناة وكانت سياسة تخفيض الحصون تتمشى فى نفس الوقت مع اتجاه الرأى العام الإسرائيلى الذى أثقلته الأعباء الاقتصادية بسبب التوسع الهائل فى ميزانية وزارة الدفاع ، لهذه الأسباب تم تنفيذ اقتراح الجنرال شارون بإخلاء 14 حصنا من حصون خط بارليف واكتفت القيادة الجنوبية ببقاء 16 حصنا فقط تم اختيارها فى الأماكن الحيوية التى تقع على محاور التقدم وطرق الاقتراب المهمةداخل سيناء . وبهذا الحل الوسط الذى اتخذه الجنرال شارون للتوفيق بين نظامى الدفاع الثابت والمتحرك فقد خط بارليف توازنه إذ أصبح أقوى من أن يكون جهازا إنذاريا ، وأضعف من أن يكون خطا دفاعيا ، وكان هذا التميع فى مهمته هو السبب فى فشل الخط فى تأدية الدور المطلوب منه ، وعجزه التام عن صد الهجوم المصرى الكاسح بعد ظهر يوم 6 أكتوبر 73 . وكان عدد حصون خط بارليف 16 حصننا ممتدة على الشاطىء الشرقى للقناة ابتداء من بور فؤاد الواقعة على ساحل البحر المتوسط شمالاً إلى بور توفيق الواقعة على خليج السويس جنوبا ، على مواجهة حوالى 160 كيلو متراً ، وبفواصل من 10 إلى 12 كم . وكانت الحصون التى أطلق عليها الإسرائيليون أسماء كودية موزعة على ثلاثة قطاعات رئيسية كما يلى  : القطاع الشمالى : وكان يضم سبعة حصون منها أربعة تقع فى المنطقة الضيقة ما بين إلى المستنقعات شرقا وقناة السويس غربا ، وهى من الشمال الجنوب : أوركال orkal ولا هتزانيتLahtzanitوداروراDroaraوكيتوباketuba. وكان حصن واحد منها يقع على شاطىء البحر شرق بور فؤاد وهو بودابست Budapest،بينما يقع حصنان آخران شرق مدينة القنطرة وهما ميلانو Milano ومفريكيتMifreket. القطاع الاوسط : وكان يضم أربعة حصون هى هيزايون HizayonوبوركانPurkanومتسميدMatzmedولاكيكانLakekan.القطاع الجنوبى : وكان يضم خمسة حصون وهى بوتزر Botzer وليتوفLituf ومفزياه Mafzeah ونيسان Nissan وكواى Quay (المعروف باسم لسان بور توفيق ).وفى الساعة الثانية ووعشرين دقيقة يوم 6 أكتوبر 73 , وبمجرد أن انتقلت نيران تحضيرات المدفعية المصرية إلى العمق ,انطلقت كتائب الدبابات الثلاث الإسرائيلية التى كانت محتلة خط النسق الثانى إلى الأمام بأقصى سرعة لكى تحتل المواقع المخصصة لها داخل حصون خط بارليف لتدعيمها ولاحتلال المصاطب المحددة لها فى الفواصل بين الحصون لسد الثغرات فى الخط الدفاعى الأول على حافة القناة . وكان واضحا من تأخير تقدم هذه الدبابات حتى ذلك الحين أن القوات الإسرائيلية على جبهة القناة علاوة على المفاجئة الإستراتيجية التى أصيب بها قد لحقت بها مفاجأة تكتيكية , فلقد كان المفترض بعد أن عملت القيادة الجنوبية منذ الصباح أن هجوما مصريا كبيرا سوف يقع على طول القناة مما دفعها إلى إعلان حالة الاستعداد القصوى بين قواتها –أن يجرى تنفيذ الخطة شوفاخ يونيم , وأن يتم احتلال الحصون الأمامية بمشاة النسق الأول من لواء القدس , أن تتقدم لتدعيمها دبابات النسق الثانى ,التى يبلغ عددها نحو 100 دبابة ,وبذا كان العبور المصرى للقناة سيقابل بكمية هائلة من النيران وتتعرض القوات المصرية لخسائر جسيمة . وقد تسبب تأخير تقدم الدبابات المصرية عن التوقيت المحدد فى الخطة إلى تغيير كامل فى مجرى المعركة . فقد تم عبور القوات المصرية قناة السويس بخسائر لا تزيد على 280 شهيدا ,بينما تعرضت الدبابات الإسرائيلية خلال تقدمها من الخلف للأمام لغابة من قذائف الصواريخ والقنابل الخارقة للدروع . وكانت الصورة أمام كتائب الدبابات الثلاث رهيبة ومفزعة ,فلقد انهالت عليها قذائف آر بى جى RBG التى كان آلاف من جنود المشاة المصريين الذين عبروا القناة يحملونها ويوجهونها فى عزيمة وثبات إلى أبراج الدبابات الإسرائيلية واحدة ولراء الآخرى كلما أخذت فى الاقتراب من شاطىء القناة . وكانت أشد الصدمات ثأثيرا عليها حينما اكتشفت الدبابات الإسرائيلية أن معظم المصاطب المعدة لها من قبل على طول خط الحصون والتى كانت تتيح لها الفرصة للاستتار من النيران المهلكة التى تتعرض لها قد سبقها رجال الصاعقة المصريون إلى احتلالها ,وراح هؤلاء يمطرونها بوابل من قذائف RBG مما جعلها تهرول فى كل اتجاه بلا نظام للنجاة من هذا الجحيم .ونتيجة للخطأالتكتيكى الجسيم الذى ارتكبه الجنرال جونين قائد المنطقة الجنوبية بتأخيره إصدارتعليمات لدبابات النسق الثانى باحتلال مواقعها على خط الحصون قبل بدء العبور ,وبفضل شجاعة وعزيمة رجال المشاة والصاعقة المصريين الذين تصدوا للدبابات الإسرائيلية فى ثبات ,ونظرا لدقة وكثافة نيران الدبابات والصواريخ المضادة للدبابات من الشاطىء الغربى للقناة ,ثم للقوات المصرية سحق وتدمير كتائب الدبابات الثلاث الإسرائيلية , ولم تنجح من الدبابات الإسرائيلية المائة من طراز باتو و سنتوريان من الدمار والوصول بعد ذلك إلى حصون خط بارليف سوى حفنة قليلة توزعت على بعض الحصون .ومع غروب شمس يوم 6 أكتوبر كان فى إمكان القيادة الإسرائيلية أن تستغل فرصة حلول الظلام لإصدار تعليماتها الفورية لإخلاء هذه الحصون , وكان هذا حتى ذلك الحين أمرا سهلا ومتيسرا , إذ إن الموجات الأولى من المشاة المصرية عقب عبورها القناة من بين الفواصل القائمة بين الحصون اندفعت فى طريقها إلى العمق لكى تحقق مهمتها المباشرة وهى إنشاء مناطق رءوس الكبارى ,ولم تلقى أهمية كبيرة لهذه الحصون التى تركتها وراءها , إذ إن التعامل مع هذه الحصون ومحاولة اقتحامها كان كفيلا بتعطيل التقدم نحو العمق , وبالتالى تأخير عملية إنشاء رءوس الكبارى , ولذا كان واجب أفراد الموجات التالية من المشاة أن تتجه عقب عبور القناة صوب هذه الحصون لتطويقها وضرب الحصار حولها تمهيدا لاقتحامها . ولم يكن هناك فى الواقع أى واجبات رئيسة يمكن لأفراد هذه الحصون البقاء فى مواقعهم من أجل القيم بها عقب نجاح القوات المصرية فى اقتحام القناة والتقدم فى اتجاه العمق .فلقد قدمت الحصون التغطية الازمة لحامياتها أثناءعملية قصف المدفعية خلال فترة التمهيد النيرانى, و قامت بواجباتها كنقاط ملاحظة للمدفعية الإسرائيلية وكنقاط مراقبة للقيادات الخلفية لإبلاغها بتحركات القوات المصرية , ولكن القيادة الإسرائيلية أضاعت الفرصة الثمينة التى كان فى إمكانها الاستفادة منها وهى سرعة إخلاء هذه الحصون بسبب الغرور والثقة المفرطة فى النفس , إذ لم يكن أحد من كبار القادة يجرؤ على إصدار الأمر بإخلائها , إذ إن ذلك يعنى فى نظرهم الانسحاب وكانوا على ثقة من أن الحصون سوف تستطيع الصمود فى القتال , فإن كل حصن منها مزود بذخيرة وطعام وبمياه تكفيه لمدة أسبوع, ولم يجل فى خاطر أحد منهم أن الجيش الإسرائيلى سوف يعجز عن هزيمة المصريين وردهم على أعقابهم إلى الشاطىء الغربى قبل مرور هذا الأسبوع , وفى الحصون الكبرى كان يوجد أطباء ووسائل إسعاف كافية ولذا كان الجرحى الذين يتم إخلاؤهم من الدبابات الإسرائيلية المصابة بالقرب من القناة يجرى نقلهم إلى الحصون الأمامية على خط بارليف وليس إلى مستشفيات الميدان الخلفية كما كان المفترض وذلك من فرط الثقة بأن الحصون آمنة وانه لم تمضى سوى بضعة أيام إلا وتلتحم القوات الإسرائيلية التى ستقوم بطرد المصرييت وإعادتهم إلى الشاطىء الغربى بهذه الحصون الثانية , ويعود الحال إلى ما كان عليه من قيل . وعلاوة على ذلك الغرور القاتل الذى أصبح سمة من سمات القادة الإسرائيلين عقب انتصارهم فى حرب يونيو 67,اتضح أنه لم تكن هناك أى خطة موضوعة من قبل لإخلاء الحصون بل إن التوجيهات التى تم إعدادها فى قيادة الجنرال ماندلر قائد جبهة سيناء فى بداية الحرب كانت تحدد وظيفة الحصون بواجبين :أولهما أن تكون بمثابة عائق لمنع تقدم المصريين إلى العمق , وثانيهما أن تشكل بوجودها فى مؤخرة القوات المصرية قوة خلفية لإرباك تحرك هذه القوات وعزل أقسام كبيرة منها .ولكن أحداث القتال أثبتت أن الحصون لم تستطع تحقيق أى من هذين الواجبين . وعلى العكس لم تكد قوات الجيش الثانى والثالث تثبت أقدامها على الشاطىء الشرقى للقناة , وفور أن تمكنت الفرق المشاة الخمس التى عبرت من إنشاء مناطق رءوس الكبارى ,كانت حصون خط بارليف قد فقدت تماما قيمتها الدفاعية , إذ أصبحت مطوقة بالمصريين من كل جانب ومعزولة عن باقى القوات الإسرائيلية فى سيناء وبدلا من أن تلعب دورها المحدد لها فى الخطة الإسرائيلية شوفاخ يونيم , وهو القيام بواجب الصد الرئيسى ومنع أى عبور مصرى لقناة السويس والحيلولة دون تقدم أى قوات مصرية إلى عمق سيناء , إذابهذه القوات تجد نفسها سجينة فى مصيدة الحصار المصرى , وأصبح إنقاذ هذه القوات مشكلة خطيرة أقلقت القيادة الجنوبية فى سيناء بل رئاسة الأركان العامة فى تل أبيب .

كيف تم إنهاء أسطورة خط بارليف؟ طوال الأربع والعشرين ساعة التى أعقبت عملية اقتحام القوات المصرية لقناة السويس منذ الساعة الثانية بعد ظهر السبت 6 أكتوبر , أسندت قيادة القطاعات الثلاثة الإسرائيلية على جبهة قناة السويس إلى قادة الألوية المدرعة التى كانت ترابط فى الاحتياطى فى مناطق المضايق الجبلية فى الخلف , فتولى العقيد جابى Gapy قيادة القطاع الشمالى , والعقيد آمنون Amnon قيادة القطع الأوسط والعقيد دان Dan قيادة القطاع الجنوبى , وذلك بصفة مؤقتة إلى حين وصول قادة الفرق الاحتياطية بفرقهم الثلاث . ونظرا لأن كلا من هذه الألوية الثلاثة قد فقد الكتيبة المدرعة التى سبق له دفعها لاحتلال مواقع النسق الثانى فى أثناء تقدمها من مواقعها للانضمام إلى الخط الدفاعى الأول وفقا للخطة الموضوعة , بعد أن انهالت عليها كل أنواع القذائف والصواريخ المضادة للدبابات من الشاطئين الشرقى والغربى للقناة , بحيث لم يتمكن من الوصول إلى مواقع الحصون سوى عدد قليل من الدبابات , فقد أصبح كل لواء يتشكل فقط من كتيبتين مدرعتين مجموعة دباباتهما حوالى 70 دبابة .ولو كانت القيادة الجنوبية الإسرائيلية قد فكرت تفكيرا منطقيا وواجهت الموقف المتحرج أمامها بتصرف تكتيكى سليم بعيدا عن تأثير العاطفة , لكان الواجب عليها هو تركيز الدبابات التى كانت فى حوزتها وقتئذ والتى كان عددها يصل إلى نحو 200 دبابة أمام نقاط العبور الرئيسية للقوات المصرية والاشتباك معها, بهدف عرقلة وإبطاء معدل تقدم هذه القوات إلى العمق لإنشاء مناطق رءوس الكبارى إلى حين وصول الفرق الثلاث الاحتياطية التى كانت متقدمة وقتئذ على وجه السرعة وعلى عدة طرق من مركز تجميع الاحتياط فى بئر السبع إلى جهة القتال . ولكن الأمر الذى جرى كان مثيرا للدهشة , إذ إن القيادة الجنوبية التى كان على رأسها وقتئذ قائدان يعدان من أكفأ القادة الإسرائيليين وهما الجنرال شموئيل جونين قائد القيادة الجنوبية والجنرال ألبرت ماندلر قائد جبهة سيناء الذى كان يعد واحا من أقدر الخبراء فى حرب الدبابات , استخداما الألوية المدرعة الثلاثة بطريقة خاطئة أدت إلى القضاء عليها ويبدو أن ذلك كان مرجعه إلى عاملين مهمين :أولهما, اضطرارهما للانصياع للأوامر الصادرة إليهما من رئيس الأركان العامة الجنرال دافيد أليعازر وعدم قدرتهما على مخالفتها , والأمر الثانى , كان يرجع إلى ناحية إنسانية معنوية وهى ناحية أصبحت بمثابة عرف وتقليد فى الجيش الإسرائيلى منذ عام 1948 , وهو عدم ترك القتلى والجرحى فى صفوف العدو وتحت رحمته , وطوال الجولات العربية الإسرائيلية كانت القوات الإسرائيلية تشن هجمات ضاربة لإنقاذ بضعة أفراد أو لاسترجاع بعض جثث فى الوقت الذى كانت تكلفها فيه هذه الهجمات أعدادا من القتلى والجرحى يفوق عددهم كثيرا أولئك الذين جرى الهجوم من أجل إنقاذهم أو إعادة جثثهم . وهكذا صدرت الأوامر لقادة الألوية الثلاثة بالقيام بواجبين كان من الصعب التوفيق بينهما : الأول هو الالتحام بدباباتهم بحصون خط بارليف الموجودة فى قطاع كل منهم لتدعيم هذه الحصون بعدد من الدبابات وإخلاءالقتلى والجرحى . وكان الواجب الثانى هو القيام بعمليات الصد ومنع القوات المصرية التى عبرت القناة من توسيع وتعميق رءوس الكبارى . وطوال ليلتى 6و 7أكتوبر انهمكت المجموعات المدرعة التى أخرجها قائد الألوية فى القيام ببعض الهجمات المضادة ضد رءوس الكبارى المصرية , وكذا فى عمليات قاسية ومريرة من أجل الوصول إلى بعض حصون خط بارليف . وقد نجحت بعض هذه المجموعات فى عمليات الإنقاذ ولكن بعد أن تكبدت خسائر فادحة , كما نجحت حاميات بعض الحصون فى النجاة بأنفسها بمجهوداتها الخاصة والوصول إلى المواقع الإسرائيلية , ولكن بعض الحصون تحت وطأة الهجمات المصرية العنيفة لم تجد أمامها بدا من التسليم ووقع أفرادها أسرى فى أيدى القوات المصرية . ونتيجة لتكليف الألوية المدرعة بهذين الواجبين المتعارضين , فقد كل منهما خلال المعارك نحو ثلثى دباباته . وفى صباح يوم الأحد 7أكتوبر كان ةعدد الدبابات فى كل لواء لا يزيد على 30 دبابة من أصل 100 دبابة بدأ بها القتال فى الساعة الثانية بعد ظهر يوم 6 أكتوبر . وعند ظهر يوم الأحد 7أكتوبر طرأ تغيير كبير فى الموقف ,فقد توالى وصول الفرق الاحتياطية إلى أرض المعركة وألقيت مسئولية الدفاع عن القطاعات على عاتق الفرق المدرعة بدلا من الألوية .وفى القطاع الشمالى تولى الجنرال إبراهام أدان (برن)مهام القيادة , وفى القطاع الأوسط تولى القيادة الجنرال أريل شارون ,بينما انتقل الجنرال ألبرت ماندلر الذى كان يتولى قيادة جبهة سيناء قبل الحرب وخلال يومها الأول من مقر قيادته ليتولى مسئولية قيادة القطاع الجنوبى . ونتيجة لنجاح الفرق المصرية فى تعميق رءوس الكبارى حتى ثمانية كيلو مترات شرقا, فى الوقت الذى تم لها فيه بمعاونة القوات الجوية سحق الهجمات المضادة التكتيكية التى قامت بها الألوية المدرعة الثلاثة كما سبق أن ذكرنا , أصبح موقف المحاضرين داخل الحصون سيئا للغاية , مما اضطر معه موشى ديان وزير الدفاع عندما وصل إلى موقع القيادة الأمامى وعرف الصورة الحقيقية للموقف أن يقرر أنه لا مناص من التخلى عن جنود التحصينات ,وأنه ينبغى أن يهرب كل من هو قادر على الهرب , أما الباقون بمن فيهم الجرحى فينبغى أن يبقوا فى أماكنهم داخل التحصينات حتى يقعوا فى الأسر. ولكن الجنرال شارون كان مشغولا تماما بأمر إنقاذ الأفراد المحاصرين فى المواقع إذ كان هذا فى نظره واجبا أدبيا , ولذا لم يكد يلتقى مع الجنرال دافيد أليعازر رئيس الأركان فى مقر القيادة الأمامية بسيناء حتى عرض عليه خطته المقترحة لإنقاذ أفراد الحصون .و رفض رئيس الأركان اقتراحه , وذكر له أن خطة الإنقاذ المقترحة من شأنها أن تكلف الجبش الإسرائيلى خمسين دبابة . وكان رئيس الأركان متبنيا فى الواقع رأى الجنرال جونين قائد القيادة الجنوبية الذى قرر التخلى عن إنقاذ حاميات الحصون بعدما تكبدته الألوية الثلاثة المدرعة من خسائر فادحة فى الليلة السابقة , وحتى يمكن تركيز الجهود استعدادا لعمليات الصد المستقبلة والتأهب فى نفس الوقت للهجوم المضاد الكبير الذى تقرر أن تقوم به فرقة الجنرال إبراهام أدان صباح اليوم التالى 8أكتوبر فى الشمال على مواجهة الجيش الثانى ,بهدف تدمير القوات المصرية التى عبرت , والاستيلاء على ثلاثة كبار مصرية سليمة بمنطقة الفردان لتقوم الدبابات الإسرائيلية بالعبور فوقها إلى الشاطىء الغربى للقناة ,على أن يقوم الجنرال شارون بعد ذلك بهجوم مضاد فى الجنوب فى اتجاه السويس بمجرد أن ينجح الجنرال أدان فى مهمته . هذا وقد سجل أفراد حصن بودابست الواقع على شاطىء البحر المتوسط جنوب شرق بور فؤاد قصة بطولة نادرة , وكان هذا الحصن قد تم بناؤه بمجهود كبير نظرا لصعوبة البناء فى هذه المنطقة المحصورة بين البحر والمستنقعات. وبعد معارك دامية دامت ثمانية أيام , قامت القوات المصرية برفع الحصار عن حصن بودابست وأصبح هو الحصن الوحيد الذى لم يسقط من حصون خط بارليف طوال الحرب .ولم تلبث نهاية قصة حصون خط بارليف أن حلت بعد أسبوع واحد من بدء القتال , وكان ذلك فى أقصى الجنوب عند الحصن المقام على لسان بور توفيق فى المدخل الجنوبى للقناة .وكان حصنا منيعا ومحاطا بالمياه من جهات ثلاث , ولم يكن هناك سوى طريق ضيق يؤدى إليه . وعندما انتهى قصف المدفعية يوم 6 أكتوبر تمكنت أربع دبابات إسرائيلية من الوصول إلى ساحة الحصن ولكن ثلاثا منها كانت مصابة وكان أوائل الجرحى من رجال هذه الدبابات , ثم أضيف إليهم بالتدريج جرحى من بين جنود الحصن .ولقد تعرض الحصن لآلاف من القذائف والصواريخ التى سقطت فوقه ,ووصل الجنود المصريون إلى جدرانه وألقوا عشرات من القنابل اليدوية داخل سراديبه , وقد أدرك القائد شلومو أردينست منذ الليلة الأولى أن الحصن محاصر و معزول من جميع الجهات ولكنه لم يكن لديه أى شك فى أن قوات الجيش الإسرائيلى ستأتى سريعا لمساعدته وترفع الحصار المصرى عنه . ولكن بعد مرور بضعة أيام تحرج الوضع داخل الحصن ,فقد أخذت الذخيرة فى التناقض ونفد المورفين والأمصال والضمادات وراح الجرحى يتلوون من آلامهم .وأخذ الدكتور ناحوم فربين طبيب الحصن فى علاج المصابين والقيام بالعمليات بدون تخدير .وفى اليوم الخامس وصلت إلى الحصن رسالة لاسلكية من القيادة كان نصها (إذا لم نستطع خلال 24 ساعة إرسال التعزيزات إليكم يمكنكمالاستسلام).وكان داخل الحصن 42 جنديا منهم 5 قتلى و20 جريحا أحدهم مصاب بجروح خطيرة.وفى صباح يوم السبت 13من أكتوبر ظهر ممثلو الصليب الأحمر فى الجانب المصرى من القناة , وعلى أثر ذلك دار بين القيادة الإسرائيلية وقائد الحصن عن طريق اللاسلكى الحوار الآتى بعد:القيادة :هل تستطيع الصمود؟ قائد الحصن :أخشى ألا أستطيع ,وضعنا صعب جدا.أريد الاستسلام .القيادة:إذا قررت الصمود فسنساعدك على قدر ما نستطيع .قائدالحصن:هذا لا يكفى .القيادة :هذه هى الشروط التى قدمناها إلى الصليب الأحمر .. الأمر يعود إليكم.قائد الحصن:أخشى ألا أستطيع الصمود ..سأستسلم حسب الشروط التى وضعتموها .سنضطر إلى الاقتراف .آمل أن أراك قريبا ,سلامى إلى البيت .القيادة:هل تريد شيئا ما؟ قائد الحصن :العودة إلى الوطن .القيادة:هل حالتنا معروفة لك ؟ قائد الحصن : أبدا. القيادة :حالتنا جيدة ..لقد تم الأمر لأنه إلى حين نستطيع أن نصل إليكم سيكون ذلك متأخرا . قائد الحصن :تقبلنا كل شىء بروح طيبة وإلا لكان يوجد هنا مسادة ثانية (مسادة قلعة يهودية مشهورة فى التاريخ اليهودى القديم انتحر كل المحاربين فيها بعد حصارها ونتج عنها عقدة مسادة فى الشخصية اليهودية). القيادة : سنراكم على الشاشة مرفوعى الرأس .أعط توجيهات بأن تكون الرءوس مرفوعة و أن تكون هناك ابتسامة .. هل لديك ما تضيفه ؟ قائد الحصن : إبلاغ الأسر وتعزية الآباء . إنهم ينقلون الجرحى و الموتى , وقد وعدوا بالتصرف وفقا لاتفاقية جنيف. وباستسلام حصن لسان بور توفيق , انتهت من التاريخ أسطورة حصون خط بارليف إلى الأبد .

لماذا تأخرت إسرائيل فى شن هجومها المضاد الرئيسى ؟

بحلول الساعة الثامنة من صباح يوم الأحد 7 أكتوبر كانت القوات المصرية قد حققت نجاحا حاسما فى معركة القناة , وقد تمكنت من اقتحام أصعب مانع مائى فى العالم , وقضت على أسطورة خط بارليف بعد أن سقطت معظم تحصيناته ونقطه القوية فى يدها . وضربت الحصار حول الحصون الباقية , وقد تم ذلك فى زمن لم يتجاوز 18 ساعة من بدء (ساعة س) وبخسائر لم يكن يتصورها أكثر المخططين تفاؤلا , فقد بلغت 280 شهيدا و5 طائرات و20 دبابة , وكان مقدرا أن عملية العبور ستكلف قواتنا 30 ألف ضابط وجندى منهم عشرة آلف قتلى . وفى المقابل فقد العدو فى معارك يوم 6 وليلة 7 أكتوبر و30 طائرة ونحو 200 دبابة وعدة مئات من القتلى والجرحى .. وفى صباح يوم 7 أكتوبر اتضح أن القوات المصرية قد قامت بتنفيذ الخطة بدر تنفيذا رائعا,فقد نجحت الفرق المشاة الخمس فى العبور إلى الشاطىء الشرقى بكامل أسلحتها الثقيلة , وعبرت معها حوالى 800 دبابة ,فى الوقت الذى دمرت فيه القوات الإسرائيلية المعدة لعملية صد الهجوم المصرى , وهى اللواء 116 مشاة (القدس) وثلاثة ألوية مدرعة تدميرا يكاد يكون كاملا .. وكان عدم تمكن العدو من القيام بهجماته المضادة التعبوية طوال يومى 7و 7 أكتوبر ضد القوات المصرية التى انشأت خمسة رءوس كبارى على الشاطىء الشرقى للقناة فيه الدلالة القاطعة على مدى المفاجأة الإستراتيجية التى حاقت بالعدو والتى أدت إلى تأخير وصول قواته الاحتياطية إلى أرض المعركة طوال هذه المدة . وكانت أفرع القيادة العامة المصرية قد اختلفت تقديراتها قبل المعركة حول الموعد المتوقع لقيام القوات الإسرائيلية الرئيسة التى كانت تتمثل فى القوات الاحتياطية بشن هجومها المضاد الرئيسى على رءوس الكبارى المصرية. فبينما قدرت هيئة العمليات الحربية أن هذا الموعد لن يتأخر عن 24 ساعة من بدء تنفيذ الخطة (بدر) على أساس أن العدو رغم كل الإجراءات الخداعية التى اتبعت سوف يكتشف بلا شك الاستعدادت المصرية النهائية قبل بدء المعركة بثلاثة أيام على الأقل , كانت إدارة المخابرات الحربية قد بالغت فى حذرها فقدرت أن العدو سوف يكتشف حتما النوايا الهجومية المصرية بمجرد بدء مرحلة العد التنازلى أى قبل 15 يوم من ساعة الهجوم مما سوف يتيح له الفرصة لاستدعاء قواته الاحتياطية وإتمام حشدها فى أرض المعركة دون أى تدخل أو ضغط , ووفقا لهذا التقدير كان المتوقع أن يتمكن العدو من القيام بهجومه المضاد الرئيسى فى خلال 8 ساعات على أكثر تقدير من بدء الهجوم المصرى ..ولكن الواقع أثبت أن العدو قد خالف كل التقديرات المصرية . فعلى الرغم من أن نقاط المراقبة الأمامية الإسرائيلية قد رصدت وسجلت وصول معدات العبور الثقيلة و الخفيفة وقوارب الاقتحام المصرية إلى قرب خط المياة و أبلغت ذلك على الفور لرئاستها الخلفية , وهى تحضيرات إلى جانب التحضيات الهجومية الأخرى على جبهتى سيناء والجولان كانت قاطعة الدلالة على أن مصر وسوريا سوف تقومان بشن هجوم مشترك على إسرائيل فى توقيت قريب, فإن المخابرات الإسرائيلية بتأثير ما رسخ فى أذهان رجالها من الاستهانة بمقدرة العرب العسكرية أخطأت فى التوصل إلى التقييم السليم لأنباء الاستطلاع, وتقارير المعلومات التى وصلتها , وأسهمت بتقديرها الخاطىء للموقف فى تضليل المسئولين بالقيادتين السياسية والعسكرية , مما جعل إسرائيل تفاجأ بالحرب وكاد يعارضها لكارثة محققة . ولو لا ذلك التحذير الخفى الذى أبلغ للمخابرات الإسرائيلية الساعة الرابعة صباحا يوم 6 أكتوبر والذى تقلته المخابرات إلى القيادتين السياسية و العسكرية فى إسرائيل قبل نشوب الحرب بعشر ساعات فقط لكانت الضربة العربية على جبهتى سيناء والجولان ساحقة ولكانت المفاجأة شديدة مذهلة . ونتيجة لعدم قدرة العدو على القيام بهجومه المضاد الرئيسى المنتظر طوال يومى 6 و 7 أكتوبر و اقتصار هجماته ضد رءوس الكبارى على هجمات مضادة تكتيكية خلال ليلتى 7 و 8 أكتوبراشتركت فيها الألوية المدرعة الثلاثة التى كانت تحت قيادة الجنرال ألبرت ماندلر و التى تم خلالها سحق الكبارى وسد الثغرات فيما بينها وبين الفرق المجاورة داخل كل جيش , وبحلول صباح الاثنين 8 أكتوبر كانت رءوس كبارى الفرق الخمس قد أدمجت فى رأسى كوبريى جيشين .وكان رأس كوبرى الجيش الثانى يمتد من القنطرة شمالا إلى الدفرسوار جنوبا وكانت الدفرسوار داخلة فى نطاق مسئولية الجيش الثانى . وكان رأس كوبرى الجيش الثالث يمتد من البحيرات المرة شمالا حتى بورتوفيق جنوبا . وكان رأس كوبرى كل جيش يصل فى عمقه من 8 إلى 10 كيلو مترات . ونتيجة لهذا الوضع أصبحت هناك ثغرة تفصل بين رأس كوبرى الجيش الثانى ورأس كوبرى الجيش الثالث طولها حوالى 35 كم وتشمل معظم المسطح المائى للبحيرات المرة , وكانت مسئولية وقايتها موزعة بين الجيشين الثانى والثالث دون تحديد واضح لمدى هذه المسئولية . ولم يكن فى مقدرة الجيش الثالث بالقوات التى تحت قيادته أن تمتد حدود مسئوليته لتغطى هذه المساحة الشاسعة فى سطح البحيرة باعتباره مسئولا وفقا للمبادىء التكتيكية عن حماية نقط اتصاله مع جاره الأيسر (الجيش الثانى ). وربما نشأ هذا الوضع على اعتبار أن البحيرات المرة تعد مانعا طبيعيا أمام العدو لا يمكنه اجتيازه, وعلى ذلك فلا داعى لتخصيص قوات معينة لحمايته , ولكن الموانع الطبيعية وفقا للمبادىء التكتيكية السليمة لا قيمة لها إذا لم تخصص قوات معينة بالذات لحمايتها وتغطيتها بشبكة من النيران وتعزيز الدفاع عنها بالموانع الصناعية كحقول الألغام و الأسلاك الشائكة ..وقد دفعت القوات المصرية فيما بعد ثمنا باهظا لوجود هذه الثغرة بين رأسى كوبرى الجيشين الثانى والثالث دون تأمينها تأمينا كافيا .فلقد اكتشفت سرية استطلاع إسرائيلية من قوة القطاع الأوسط الذى كان يتولر قيادته الجنرال شارون بعد ظهر يوم 9 أكتوبر خلو منطقة البحيرة المرة الكبرى من القوات المصرية , وأمكنها الوصول إلى خط المياه وقضاء الليل بأكمله على شاطىء البحيرة . وقد جاء فى روايته إسحاق آجام قائد أحدى الفصائل فى هذه السرية التى كان يتولى قيادتها رافى بارليف- وفقا لما ورد من المراجع الإسرائيلية –أن السرية المذكورة تمكنت فى هذه الليلة من اكتشاف حدود سيطرة الجيش الثانى الجنوبية , وأنها تقدمت على الرمال إلى البحيرة المرة الكبرى وورد فى روايته بعد ذلك أن سرية الاستطلاع هذه هى التى قادت بعد أسبوع واحد فقط القوات الإسرائيلية التى عبرت فى الدفرسوار وأقامت رأس كوبرى غب قناة السويس ..

ماذا جرى يوم 6 أكتوبر على الجبهة الإسرائيلية ؟

عندما نشبت الحب فى 6 أكتوبر 1973 كان الجنال شموئيل جونين shamuel Gonen يتولى قيادة المنطقة الجنوبية فى مقرها بمدينة بئر السبع و كانت المنطقة الجنوبية تشمل القطاع الجنوبى من إسرائيل وصحراء النقب وشبه جزيرة سيناء . والنقب هى فى الأصل صحراء رملية مقفرة توجد فيها بعض المستوطنات خاصة حول بئر السبع وعند ميناء إيلات على البحر الأحمر . وكان الجنرال جونين قد تسلم مسئولية القيادة الجنوبية فى 15 يوليو عام 1973 , أى قبل حوالى ثلاثة أشهر من قيام الحرب , خلفا للجنرال أريل شارون الذى كان قد أمضى أكثر من ثلاثة أعوام ونصف العام قائدا لهذه القيادة , ثم تقاعد عن الخدمة العسكرية للعمل بالزراعة , واشتغل بالسياسة بعد أن انضم إلى حزب الليكود . وكان الجنرال جونين المعروف بالصرامة والعنف من مواليد القدس أى من جيل السابرا (الجيل الذى ولد أفراده فى إسرائيل) وقد أمضى السنوات المبكرة من عمره فى معهد دينى عرف بتزمته . وفى حرب يونيو 1967 كان الجنرال يتولى قيادة اللواء السابع المدرع , واشترك فى سلسلة من العمليات الحربية عبر سيناء جعلت منه أحد القادة البارزين فى القوات الإسرائيلية . وكان معروفا بانضباطه الشديد إلى الحد الذى كان يجعله يسلك فى بعض الأحيان أسلوبا جافا فى التعامل مع ضباطه , ولكن الثقة التى كان يبعثها فى رجاله كانت تدفعه إلى أن يتبعوه فى المعركة . وكان الجنود يعرفونه باسمه الأصلى جوروديشGorodisch , ويعاملونه بمزيج من الكراهية والاحترام . وعلى خط المواجهة على قناة السويس , كان الجنرال إبراهام ماندلر المعروف باسم (ألبرت ) يتولى القيادة وكان يتمتع بشخصية محبوبة وجذابة , واشتهر بأنه من أشد القادة انضباطا واتزانا فى الجيش الإسرائيلى . وقد كان ألبرت الطويل القامة الأحمر الوجه ذو العينين الزرقاوين النافذتين والذى يناهز الخامسة والأربعين من عمره قد سبق له تولى قيادة اللواء المدرع الذى قام باختراق الدفاعات السورية المنيعة فى مرتفعات الجولان فى حرب يونيو 1967 . ونظرا لأن الأوامر قد صدرت بتعيينه قائدا عاما لسلاح المدرعات , فقد تكرر أن يحل محله فى قيادته فى سيناء الجنرال كلمان ماجن يوم الأحد 7 أكتوبر, وكان الجنرال ماجن قد وصل حديثا إلى إسرائيل بعد جولة دراسية فى بريطانيا . وكانت الجبهة الإسرائيلية على قناة السويس التى تمتد على مواجهة حوالى 160 كم مقسمة إلى ثلاثة قطاعات ,تمثل المحاور الرئيسية للتقدم ,و تتشكل قوتها من مجموعة عمليات (أوجدا) بقيادة الجنرال ألبرت ماندلر و تحت قيادته لواء مشاة و ثلاثة ألوية مدرعة و كانت الخطة الإسرائيلية شوفاخ يوتيم (برج الحمام) قائمة على أن تتولى الألوية المدرعة مسئولية الدفاع مؤقتا عن المحاور الثلاثة الرئيسية فى سيناء إلى حين وصول الفرق الاحتياطية بالطريقة التالية : لواء العقيد جابى يتولى مسئولية الدفاع عن محور القنطرة –العريش - لواء العقيد آمنون يتولى مسئولية الدفاع عن محور الإسماعلية –أبو عجيلة- لواء العقيد دان يتولى مسئولية الدفاع عن محور السويس –الممران الجبليان متلا و الجدى. وكان الدفاع يتم فى نسقين فى الأمام واحتياط فى الخلف ,كما يلى: النسق الأول :خط بارليف ,وكان يحتله اللواء 116 (القدس).وهو لواء احتياط ضعيف التدريب و معظم أفراده من مواطنى مدينة القدس وكان تعداده حوالى 500 مقاتل. النسق الثانى :على مسافة 3-5 كم من النسق الأول ,و يتمركز على طرق الاقتراب المهمة و المحاور الرئيسية المؤدية إلى العمق ,وتحتله ثلاث كتائب مدفوعة إلى الأمام من الألوية المدرعة الثلاثة التى فى الإحتياطى .و عند رفع درجة الاستعداد لتلقى الهجوم تندفع الدبابات التى تبلغ جملتها نحو 100 دبابة إلى الأمام لاحتلال المواقع السابق تجهيزها فى الخط الثانى من النسق الأول (حوالى 300-500متر خلف خط بارليف)لإغلاق الثغرات الموجودة بين الحصون ,و لتدعيم الحصون ذاتها بدخول بعض الدبابات إلى داخلها مرابض معدة لها من قبل الاحتياطى :غرب منطقة الممرات الجبلية على بعد حوالى (25-30كم)شرق القناة,ويتكون من 3ألوية مدرعة (عدا 3كتائب مدرعة مدفوعة للأمام فى النسق الثانى )وتبلغ جملة دباباته حوالى 200دبابة .وعند رفع درجة الاستعداد تندفع الألوية المدرعة الثلاثة التى فى الاحتياط إلى الأمام لاحتلال مواقع النسق الثانى استعدادا لشن الهجمات المضادة التكتيكية على القوات المصرية التى تنجح فى عملية عبور القناة . وفى صباح يوم 6 أكتوبر ,و عقب سلسلة الاجتماعات التى عقدها الجنرال دافيد أليعازر رئيس الأركان مع القيادة السياسية و مع هيئة الأركان العامة فى تل أبيب ,وصل الجنرال جونين بعد استدعائه من مقر قيادته فى الجنوب ,وحضر اجتماعا فى رئاسة الأركان العامة تلقى فيه تعليمات الجنرال أليعازر التى كانت تقضى بتأهب القوات الإسرائيلية فى سيناء استعدادا لتلقى الهجوم المصرى المرتقب فى الساعة السادسة مساء وأن تستعد القوات لامتصاص القصف و القيام بعملية الصد .وبعد الهجوم المضاد و انكسار الهجوم المصرى تقوم القوات الإسرائيلية بعبور قناة السويس إلى الغرب و إنشاء رأس كوبرى وفقا للخطط الموضوعة من قبل ومن رئاسة الأركان العامة فى تل أبيب ,بادر الجنرال جونين بالاتصال هاتفيا بالجنرال ألبرت ما ندلر فى مقر قيادته بسيناء ,وأبلغه أنه قد صدرت الأوامر بتعبئة الاحتياطى ,وأن هجوما عربيا على جبهتى القناة والجولان سوف يبدأفى الساعة السادسة مساء ,وكانت تعليمات جونين إلى ماندلر تقضى بسرعة إبلاغ جميع الوحدات و المواقع بالاستعداد لامتصاص الضرب ,وألاتتحرك الدبابات إلى مواقعها الأمامية إلافى الساعة الخامسة مساء,حتى لا يرى المصريون من وراء سواترهم مما يتيح لهم الفرصة لتغيير أوضاع نيران مدفعيتهم ,وحتى لا يكون لديهم إنذاربأن القوات الإسرائيلية قد رفعت درجة الاستعداد مع مراعاة الاحتراس من تصعيد الموقف ,إذ ربما لا يكون فى نية المصريين القتال .واعترض ماندلر على تأخير تحرك الدبابات حتى الساعة الخامسةمساء إذأن الخطة الدفاعية (شوفاخ يونيم)كانت تتطلب توافر ساعتين على الأقل لتنفيذها واقتنع جونين بوجهة نظره ,ووافق على أن تتحرك الدبابات للأمام فى الساعة الرابعة مساء لاحتلال المواقع المحددة لها وفقا للخطة وبناء على الأوامر التى أصدرها الجنرال ماندلر فى الساعة الواحدة ظهرا إلى قواته فى سيناء ,استعدت القوات التى فى داخل حصون خط بارليف لامتصاص الضرب ,وكان هذايعنى إرسال الأفراد الذين ليسوا فى مهام قتالية إلى المؤخرة وارتداء الأفراد الأردية الواقية والخوذات الصلبة وإخلاء العتاد الزائد من الأراضى المكشوفة والاستعداد لتلقى القصف داخل الملاجىء كما كان الحال يجرى فى أثناء حرب الاستنزاف وفى الوقت نفسه ,استعدت القوات المدرعة التى فى النسق الثانى وفى الاحتياطى للتحرك فى الساعة الرابعة مساء لاحتلال مواقعها الأمامية للاشتراك فى صد الهجوم المصرى المنتظر وللقيام بالهجمات المضادة المحلية .ولكن تحريك الدبابات للأمام لم يتم تنفيذه فى الوقت المحدد .ففى الساعة الثانية ظهرا سمع الجنرال ماندلر و ضباط مركز قيادته فجأة هدير الطائرات ,وعندما تطلعوا إلى أعلى شاهدوا طائرات ميج وسوخوى مصرية تهاجم مطار المليز ,وأدركوا أن الحرب قد بدأت قبل أربع ساعات من الموعد الذى تم إخطارهم به وفى الحظة التى دخل فيها الجنرال ماندلر إلى المخبأفى قيادته فى منطقة بير جفجافا كان الجنرال جونين قد وصل إلى مكتبه فى مقر قيادته ببئر السبع ,ولم يكن قد عرف بعد أن الحرب قد اندلعت ,ولكنه بدافع الحرص والحذر اتصل هاتفيا بالجنرال ماندلر لتعديل أمره السابق . وصاح جونين فى الهاتف :(ألبرت ..ينبغى تحريك الدبابات إلى الأمام الآن وعدم الانتظار إلى الساعة الرابعة مساء).ورد عليه ماندلر فى الحال ساخرا :(نعم ينبغى فإنهم يقصفون مطار المليز الآن ).وأجرى ماندلر اتصالا لاسلكيا على الفور بقادة ألوية الدبابات الثلاثة للإسراع بتحريك دباباتهم إلى الأمام لمواجهة العبور المصرى للقناة وقد أثبتت التحقيقات التى أجريت بعد الحرب لتحديد مسئولية التقصير الذى وقع على الجبهة فى سيناء أن الأوامر الصادرة إلى حصون خط بارليف بالتحذير من الهجوم و امتصاص . الضرب لم تصل إلى الجميع .فقد أكد افراد بعض الحصون أنهم لم يتلقوا هذه الأوامر واستمروا فى تصروفاتهم اليومية المعتادة ,وفوجئوا مفاجأة تامة بالهجوم المصرى إلى الحد الذى جعل أحد المهندسين الإسرائيلين (شيمون تال )الذى أرسل لإصلاح تجهيزات إشعال اللهب فى القناة يفاجأ بقصف المدفعية ثم برجال الصاعقة المصريين يقفون فوق رأسه حيث وقع فى الأسر ,كماأن جنود بعض الدشم كانوا خارجها وهم يرتدون المايوهات عند بدء القصف المدفعى المصرى ولقدكان أكبر الأخطاء التى وقعت على الجانب الإسرائيلى يوم 6 أكتوبر هو ذلك الأمر الذى أصدره الجنرال جونين إلى الجنرال ماندلر بعدم تحريك البابات إلا قبل موعد الهجوم المنتظر بساعتين ,وقد استند هذا الأمر على الافتراض بأنه ليس هناك أى احتمال للشك فى أن الهجوم سيبدأ فى الساعة المحددة بالضبط وفقا للمعلومات التى وردت من المخابرات الإسرائيلية ومن هنا ارتبطت جميع اجراءات الإستعداد بالساعة السادسة مساء ,ولم يحاول أحد من قادة إسرائيل على جميع المستويات الافتراض بأن هذا الموعد قد يكون غير صحيح أو قد قصد به التضليل والخداع .وقد جرى ذلك التصرف من جونين رغم أن الجيش الإسرائيلى سبق له القيام بمناورة عام 1969على مستوى رئاسة الأركان العامة ,وقد قدر فى هذه المناورة أن أفضل موعد بالنسبة للمصريين لبدء عملية العبور هو فى الفترة ما بين الساعة الثانية والساعة الثالثة بعد الظهر إذ أنها أكثر الأوقات ملاءمة لهذه العملية ,لأنها تترك للمصريين عدة ساعات قبل غروب الشمس ,وفى نفس الوقت لا تعرضهم مدة طويلة لغارات الطيران الإسرائيلى . و لقد ترتب على هذا الخطأ التيكتيكى الفادح عدم انضمام حوالى100 دبابة مسلحة كل منها بمدفع 105 مم وبر شاشين ثقيلين ,وكانت تحتل خط النسق الثانى,الى قوة اللواء 116 احتياط الضعيف القوة و التسليح,الذى كان يحتل حصون خط باليف والذى واجه وحده فى الساعة العصيبة الحاسمة من مرحلة العبور اقوى قصفة من التمهيد النيرانى التى استمرت لمدة 15 دقيقة كما تلقى فى نفس الوقت آلاف من طلقات مدفعية الضرب المباشر من مرابضها الحصينة على الشاطىء الغبى للقناه ,ولم تكد المدفعية تنقل قذفها الى العمق حتى فوجىء افراد الحصون بمئات من قوارب الاقتحام,وهىتنقل افراد المشاه المصرين عبر القناه اللى الشاطىء ا لشرقى لها,ووجد افراد الحصون الإسرائيليون انفسهم وسط طوفان من امواج العبور المصرية المتدفقة. وكان عدم تحريك الدبابات الإسرائيلية الى مواقعها الأمامية فى النسقين الأول و الثانى وفقا للخطة الموضوعة منقبل عاملا مهمافى هذا النجاح الباهر و السريع الذى صادفتة عملية العبور يوم 6 اكتوبر,وفى تقليل الخسائر المصرية الى الحد الذى لم يكن احد يتخيله.وكان عدم تحريك الدبابات الإسرائيلية الى الأمام يرجع مباشرة الى الأوامر الصارمة التى اصدرها الجنرال جونينقائد القيادة الجنوبية من مركز قيادته ببئرالسبع الى الجنرال ألبرت ماندلر فى سيناء بألا تتحرك الدبابات قبل الساعة الرابعه مساء يوم 6أكتوبر وقدحمّلت لجنة تقصى الحقائق التى شكلتها الحكومة الأسرائيلية بعد وقف القتال برئاسة القاضى شمعون إجرانات رئيس المحكمة العليا,الجنرال جونين مسئولية التقصير الذى وقع على الجبهة المصرية,وأوصت بإعفائه من منصبه , وعدم إسناد أى منصب قيادى له فى الجيش الإسرائيلى. فقد ود فى تقريلر اللجنة أنه "فى يوم الحرب وفى الأيام التى سبقتها لم يقوم بشغل وظيفتة كما يجب ,كما أنه يتحمل فصل كبير من المسئولية الوضع الخطير الذى واجه القوات الإسرائيلية فى الحرب فى يوم الغفران عندما هاجم العدو المصرى المواقع الإسائيلية". وعندما أصدر الجنرال بانى بيليد قائد السلاح الجوى الإسرائيلى فى الساعة الثانية و النصف بعد الظهر أوامره الى طائراته بمحاولة منع عبور المصريين قناة السويس بأى ثمن وأضطرت كثير من الطائرات التى كانت محملة بالصواريخ استعداد للقيام بضربة الإجهاض ضد التحضيرات الهجومية المصرية والسورية بمجرد صدور الأوامر بذلك-إلى إلقاء ذخيرتها فى البحر لكى يمكنها القيام بالمهمة الاعتراضية الجديدة التى ألقيت على عاتقها .وكانت المهمة صعبة ,فقد تداخل الجنود المصريون بين المواقع الإسرائيلية و أصبح من الصعب التمييز بين الفريقين .وخلال ساعتين فقط خرجت حوالى 200 طلعة طيران إلى قناة السويس و إلى الأدبية والزعفرانة على خليج السويس .ونظرا لأن اهتمام الصواريخ سام 2 وسام 3 المنتشرة على الجانب الغربى للقناة وانحصرت إغارتها على فرق المشاة المصرية الخمس التى كانت تشكيلاتها ووحداتها مستمرة فى عبور القناة فى إصرار وبدون توقف ,وفقد الطيران الإسرائيلى فى هذه الطلعات 5 طائرات سكاى هوك وطائرة فانتوم واحدة. ولم تستطيع طائراته رغم هجماتها المتتابعة تدمير أى معبر من المعابر ,التى انهمك المهندسون المصريون فى إنشائها بشجاعة نادرة . دور الدفاع الجوى فى مرحلة اقتحام القناة

أدت قوات الدفاع الجوى دورارئيسيا فى منع الطائرات الإسرائيلية من اكتشاف التحضيرات الهجومية المصرية الضخمة على الجانب الغربى للقناة قبل بدء الهجوم فى 6 أكتوبر عام 73. وكان لإسقاط الصواريخ أرض جو (سام) يوم 17 سبتمبر عام 71 لأغلى طائرة غستطلاع إلكترونى إسرائيلية من طراز (إستراتو كروزو)فى سيناء ومصرع جميع ركابها وكانوا نخبة من العلماء المختصين فى الحرب الإلكترونية رد فعل عنيف فى إسرائيل ,وبالإضافة إلى ذلك أدت عمليات نصب كمائن من بطاريات الصواريخ خلال ساعات الظلام على الشاطةء الغربى للقناة وهى التى نجحت فى إسقاط عدد كبير من الطائرات الإسرائيلية التى تمكن قوات الدفاع الجوى من مد سيطرتها على المجال الجوى إلى شرق القناة وحرمان إسرائيل من عمليات الاستطلاع الجوى التى تعد أحسن مصدر للمعلومات ,كما ساعد على ردعها عن التفكير فى توجيه ضربة إجهاض ضد التحضيرات المصرية للهجوم .إلا أن التحدى الأكبر الذى واجه الدفاع الجوى المصرى عند بدء عملية العبور يوم 6 أكتوبر كان هو منع الطائرات الإسرائيلية من تدمير الكبارى والمعابر التى أخذت وحدات المهندسين العسكريين إقامتها عبر القناة فى القطاعات المحددة لعبور فق المشاة الخمس بدباباتهاو مركباتها و أسلحتها الثقيلة من الغرب إلى الشرق .إذ‘ن تدميرها كان يعنى فشل العملية بأكملها .وكان من المؤكد أن العدو سيعمل على تركيز معظم مجهوده الجوى فى الساعات الأولى من المعركة لمنع إقامة هذة الكبارى وتدمير ما يتم إنشاؤه منها .وعلاوة على نظام الدفاع الجوى المتكامل الذى قامت قيادة الدفاع الجوى بإنشائه لتوفير الغطاء الجوى اللازم للاهداف الحيوية على مستوى مصر بإكملها ,والذى كان من ضمنه إقامة شضبكة الصواريخ الشهيرة على جبهة قناة السويس , وضع اللواء محمد على فهمى قائد قوات الدفاع الجوى خطة خاصة منفصلة لحماية عملية العبور الضخمة و تغطية أعمال إقامة الكبارى والمعابر على طول قناة السويس وعندما أصدر الجنرال بانى بليد قائد السلاح الجوى الإسرائيلى فى الساعة الثانية والنصف بعد الظهر يوم 6 أكتوبر أوامره إلى طائراته بمحاولة منع عبور المصريين قناة السويس بأى ثمن , جاءت الطائرات الإسرائيلية فى التوقيت الذى توقعته قيادة الدفاع الجوى تماما. ففى الساعة الثانية وأبعين دقيقة أخذت أسراب الطائرات المعادية من طراز فانتوم و سكاى هوك فى أفواج متتابعة فى شن هجماتها على إرتفاعات متوسطة و منخفضة ضد وحدات المهندسين القائمة بإنشاء المعاب على طول القناة ضد القوات المصرية التى عبرت إلى الشاطىء الشرقى أو كانت فى طريقها إليه , وتصدت قوات الدفاع الجوى فى الحال للطائرات المغيرة على إرتفاعتها المختلفة مستخدمة صواريخ أرض جو سام 2وسام3 وسام6 (ذاتى الحركة ) وصواريخ الكف سام 7 (ستريلا) وكذا نيران المدافع المضادة للطائرات من عيار 23 مم ثنلئية المواسير ورباعية المواسير (شيلكا) مما أغم الطائرات

الإسرائيلية على الانسحاب فى اتجاه الشرق بعد ما منيت به من خسائر دون أن تستطيع

تحقيق هدفها ,وهو منع أو عرقلة عملية عبور القوات المصية لقناة السويس.وفى حوالى الساعة الخامسة مساء التقطت أجهزة التنصت المصرية بإشارة لاسلكية مفتوحة باللغة العبرية كانت تحمل أوامر الجنرال بيليد قائد القوات الإسرائيلية إلى طياريه بتحاشى الاقتراب من القناة لمسافة تقل عن 15 كم شرقا .

تدفق القوات الإحتياطية على سيناء

فى حوالى الساعة الثانية والنصف ظهرا يوم 6 أكتوبر,انطلقت صفارات الإنذار فى تل أبيب و عرف الشعب الإسرائيلى عن يقين أن الحرب قد نشبت . وفى حوالى الساعة الثالثة مساء أذاع متحدث عسكرى إسرائيلى على الشعب البيان التالى :(إبتداء من الساعة 1400 تهاجم القوات المصرية والسورية سيناء وهضبة الجولان فى الجو والبر , وبعد سلسلة من الغارات الجوية على مواقعنا ومعسكرات قواتنا , بدأت القوات المترجلة فى هجوم برى ,وقد عبرت قوات مصرية قناة السويس فى عدة أماكن ,وبدأت قوات سورية فى هجوم مدرعات ومشاة على طول الخط فى هضبة الجولان . وتعمل قوات جيش الدفاع الإسرائيلى ضد المهاجمين ,وتجرى فى المنطقتين معارك فى الجو والبر ). ولم يجزع المواطنون الإسرائيليون من أنباء الحرب و قد كان الجميع يتوقعون انتصارا عسكريا سهلا على العرب فى خلال بضعة أيام كما كان الحال يجرى فى كل حروبهم السابقة .وفى الساعة الرابعة مساء التقى موشىديان وزير الدفاع بالصحفيين وقال لهم :(غدا مساء يصل الاحتياطى إلى الخط .سوف تبدء الحرب الحقيقية , وستحول المنطقة إلى مقبرة كبرى لهم).ومن قاعة دار سوكولوف التى شهدت المؤتمرات الصحفية الخاصة بأنباء الانتصارات الاسرائيلية الباهرة فى حرب يوليو 67 , أعلن ديان مساء 6 أكتوبر73فى مؤتمر صحفى :(سوف يدحر جيش الدفاع الإسرائيلى المصريين فى سيناء بضربة شديدة , وسوف ينتهى القطار بانتصارنا فى الأيام القادمة ). ومنذ اللحظة التى بدء فيها عبور القوات المصرية قناة السويس أصبح أن الجيش الإسرائيلى يعانى عجزا شديدا فى المدفعية , إذا كانت أكثر من نصف بطاريات المدافع موجودة شرق خط المضايق فى عمق سيناء ,ولم تكن فى قدرة البطاريات الأمامية تغطية الأهداف الكثيرة التى تواجهها. وتسبب النقص الكبير فى المدفعية والهاونات فى زيادة الأعباء الملقاه على عاتق القوات الإسرائيلية الأمامية , وفى صعوبة مهمتها فى صد هذا الطوفان الهائل من المشاة المصريين الذين كانوا يتبعون أسلوب تكتيكيا بارعا ,فقد انصرفت قلة منهم إلى مهاجمة الحصون وضرب الحصار حولها,بينما اندفع الباقون بين الثغرات الفاصلة بينها إلى داخل سيناء لتحقيق المهمة المباشرة المكلفين بها وهى إنشاء مناطق رؤس الكبارى .

وكان النقص فى المدفعية الذى كلف القوات الإسرائيلية ثمنا باهظا وخاصة فى المراحل الأولى من القتال يرجع إلى السياسة الخاطئة التى اتبعتها إسرائيل عقب انتصارتها السهلة فى حربى عامى 56 و67 بفضل قواتها الجوية وقواتها المدرعة .فقد تركز الاهتمام بهذين السلاحين إلى حد إهمال باقى الأسلحة الأخرى .ومنذ إنتهاءحربيونيو 67 أصبح إلحاح إسرائيل على الولايات المتحدة شديدا من أجل الحصول على أحدث وأسرع أنواع الطائرات والدبابات ,كما خصص قسم كبير من الإنتاج المحلى لتحسين الوحدات المدرعة و الطائرات التى تملكها إسرائيل ,فى الوقت الذى أبدى فيه الإسرائيليون اهختماما قليلا بالمدافع وكادوا يهملون دور المشاة إهمالاتاما. ولم يكد عبور القوات المصرية بالقناة يبدأ وتتلقى الدبابات الإسرائيلية أمر الجنرال ماندلر بالتحرك الى الأمام,حتى أندفعت الدبابات فى اتجاه القناة بسعه فائقة,و كان افراد اطقمها على ثقه تامة ـقياسا على تجاربه فى الحروب السابقة ـ من ان دباباتهم سوف تكنس المشاه المصريين بسهولة تامة و تشتت شملهم وترغيمهم على الفرار, و انهم سيحصدونهم برشاشاتهم حصدا. ولكن المفاجأة اذهلتهم ,فقد ثبت المشاة المصريون فى مواقعهم دون أن توعهم الدبابات كما كان يحدث فى الماضى,وعلى العكس أخذوا يطلقون من مسافات قصيرة على الدبابات الإسرائيلية قذائف البازوكا آربى جى , ومن مسا\فات أطول صواريخ ساجر(مالوتكا) التى تتكون وحدتها من جنديين اثنين,أحدهما يثبت الصواريخ ويشد الأسلاك و يوصل الصماماتplugs, و الثانى الذى يبعد مسافة قريبة يقوم بتوجيه الصاروخ الى هدفه بمساعدة جهاز التوجيه.وقد ألحقت هذه الصواريخ بنوعيها الدبابات الإسائيلية خسائر فادحة .وقد وجهت الدبابات الإسرائيلية صعابا عديدة فى قتال المشاة المصريين بسبب النقص الخطير فى عدد المدافع و الهاونات. وعلاوة على ذلك كانت رشاشات الدبابات غير مؤثرة عند الأشتباك معأفراد المشاة المصريين الذين كانوايطلقون صواريخ المالوتكا على الدبابات على مسافات بعيدة.ولم تكن الدبابات الإسرائيلية مزودة بدانات شديدة الأنفجار لكى يمكن إطلاقها ضد أفراد المشاة المصريين وخاصة ضد جماعات اقتناص الدبابات بقصد اسكاتهم.وكانت ذخيراتهم مقتصرة على الدانات الحاقة للدروع Armour Piercing المخصصة لقتال المدرعات, وكان من الإسراف الشديد بالطبع استخدامها ضد أفراد المشاة بالإضافة الى ان تأثيرها فيهم لم يكن مجديا ن الناحية العملية. إزاء الخسائر الجسيمة فى الدبابات الإسرائيلية أصدر الجنرال جونين أوامر قبل الغروب وم 6 اكتوبر الى قادة وحدات الدبابات بتجنب الأقتراب من المشاة المصريين, وأن يراعى إطلاق نيران رشاشاتهم عليهم من مسافات بعيدة . وقد أدى التأخير فى تقدم الدبابات من مواقعها فى الخلف الى الأمام بسبب أوامر الجنرال جونين _ كما سبق أن

أوضحنا _الى أستخدمها بأسلب تكتيكى خاطىء, فبدلا من دخولها كقوة مركزة وكقبضة 

اليد ,وهو الأسلوب الصحيح فى استخدام الدبابات ,انتشرت القوة ,واستخدمت فيه مجموعات صغيرة ودخلت المعركة فى تشكيل سرايا مما ساعد على سرعة تدميرها وسحقها, سواء بواسطة جماعات اقتناص الدبابات التى عبرت إلى الشاطىء الشرقى فور بدء التمهيد النيرانى للمدفعية ,واحتلت بعض المصاطب ابمعدة أصلا للدبابات الإسرائيلية , وأمطرتها بصواريخها لمنعها من التدخل فى عمليات عبور القوات المصرية ,أو بتأثير النيران الكثيفة الدقيقة التصويب التى انهمرت من الدبابات المصرية و المدافع والصواريخ المضادة للدبابات المصرية الرابضة على قمة الساتر الرملى على الضفة الغربية للقناة .

وبعد أن تأكد الجنرال جونين من أن شبكة الاتصالات بين قيادتيه الأمامية والرئيسية تعمل بكفاءة ,انتقل من مركز قيادته الرئيسى فى بئر السبع إلى مركز قيادته المتقدم في منطقة أم مرجم بالقرب من مطار المليز عند منتصف ليلة 6و7أكتوبر .وفور أن تمكنت الفرق المشاة الخمس التى عبرت من إنشاء مناطق رؤس الكبارى ,كانت حصون خط بارليف قد فقدت تماما قيمتها الدفاعية . وطوال ليلة 6و7أكتوبر انهمكت المجموعات المدرعة التى أخرجتها قادة الألوية فى القيام ببعض الهجمات المضادة المحلية ضد رؤس الكبارى المصرية ,وكذا فى عمليات قاسية ومريرة من أجل الوصول إلى بعض حصون خط بارليف . وقد نجحت بعض هذة المجموعات فى عمليات الإنقاذ ,ولكن بعد أن تكبدت خسائر فادحة كما نجحت حاميات بعض الحصون فى النجاة بأنفسها بمجهوداتها الخاصة والوصول إلى المواقع الإسرائيلية ولكن بعض الحصون تحت وطأة الهجمات المصرية العنيفة لم تجد أمامها بدا من التسليم ووقع أفادها فى أيدى القوات المصرية .وفى القطاع الجنوبى دبر العقيد دان قائد اللواء المدرع عملية إخلاء مشتركة لحصن (ليتوف)الذى يقع على الطرف الجنوبى للبحيرة المرة الصغرى تشترك فيها الدبابات والمدفعية , وكان المفترض من رجال المواقع اختراق الحصار تحت هذا الغطاء ,ولكن رجال الحصن تاهوا ,وبدلا من الاتجاه إلى المكان الذى كانت تنتظرهم فيه وحدة الإنقاذ المدرعة الإسرائيلية اتجهوا إلى الاتجاة المعاكس ووصلوا إلى وحدة مدرعة مصرية وسقطوا جميعا فى الأسر .

وكان قادة الألوية المدرعة فى أشد حالات التذمر بسبب تكليفهم بواجبين متعارضين فى وقت واحد ولذا أجروا أكثر من مرة اتصالاتهم مع قائدهم الجنرال ألبرت ماندلر راجين منه تقدير الموقف ثانية ,وقائلين له :(إما أن ندافع عن الحصون وإما أن نصد الهجوم المصرى ,إذلايمكن لنا القيام بالأمرين معا).وأجابهم ألبرت بأنه لا مفر من تنفيذ المهتمين ,وبأنه ليس من صلاحيته إصدار الأوامر بإخلاء الحصون .ولم يكن أحد من كبار القادة الإسرائيلين يجرؤ على إصدار الأمر بإخلائها ,إذ إن ذلك كان يعنى فى

نظرهم الانسحاب وترك القتلى والجرحى فى صفوف العدو وتحت رحمته مما يخالف 

أعراف وتقاليد الجيش الإسرائيلى التى درج عليها منذ حب عام 1948 .ونتيجة لهذا الموقف العصيب ,فقد كل من الألوية المدرعة الثلاثة خلال المعارك نحو ثلثى دباباته.وفى

صباح يوم الأحد7أكتوبر كان عدد الدبابات فى كل لواء لايزيد على 30 دبابة من أصل 

100 دبابة بدأ بها القتال فى الساعة الثانية بعد ظهر يوم 6 أكتوبر .وعلاوة على ذلك تم للقوات المصرية سحق اللواء 116 (القدس)الذى كان يتولى الدفاع عن خط بارليف سحقا تاما .

وقبل ظهر يوم الأحد 7أكتوبر ,تم وصول قادة الفرق المدرعة الاحتياطية من إسرائيل إلى مقرقيادة الجبهة الجنوبية فى سيناء .وبناء على تعليمات الجنرال شموئيل جونين تحولت القطاعات الثلاثة على خط المواجهة من قطاعات الألوية إلى قطاعات فرق ,وتولى الجنرال إبراهام أدان قيادة القطاع الشمالى والجنرال أريل شارون قيادة القطاع الأوسط. أما الجنرال ألبرت ماندلر الذى كان يتولى القيادة العامة لقوات سيناء قبل الحرب وفى يومها الأول,فقد تولى قيادة القطاع الجنوبى .و كان الجنرال ماندلر قد صدر الأمر قبل الحرب مباشرة بتعيينه قائدا عاما لسلاح المدرعات . وجاء الجنرال كلمان ماجن إلىسيناء لكى يستلم منه منصبه يوم 7 أكتوبروكأنما كان ماندلر يتوقع مصيره عندما أبدى تشاؤمه لضباط فرقته المدرعة فى الحفل الذى اقاموه لتكريمه يوم 4 أكتوبر,فقد قال لهم :(هذه حفلة الوداع ,ولكنى أعرف أننى لن أغادر سيناء..سوف تنشب الحرب).وبالفعل صدقت نبوءته فقد نشئت الحرب قبل يوم واحد نت تسليمه قيادته إلى الجنرال ماجن كما أنه لم يغادر سيناء إلا جثة هامدة ,فقد صرعته قذيفة مصرية صباح يوم 13 أكتوبر عندما كان يستقل مكبة قيادته المدرعة ويقوم باستطلاعه بالقرب من أحد مراكز المراقبة فى الخط الأمامى من قطاعه , ومن العجيب أن الجنرال ماجن الذى جاء قبل الحرب لكى يحل محله فى قيادة قوات سيناء وصدر الأمر له بالانضمام إلى قيادة القطع الشمالى بمجرد نشوب الحرب ,هو الذى خلف ماندلر بعد مصرعه فى قيادة القطاع الجنوبى .

وعلى الرغم من وصول قادة الفرق الاحتياطية إلى الجبهة , فإن الفرق الاحتياطية ذاتها كانت ما تزال متقدمة على جميع الطرق الرئيسية فى اتجاه جبهة القتال فى سيناء ,وقد استغرق وصولها بضعة أيام نظرا لطول المسافة بين مراكز تجميع وحدات الاحتياطى فى منطقة بئر السبع بالنقب وبين قناة السويس التى كانت تبلغ حوالى 250 كم . ونظرا لخطورة الموقف على جبهة القناة بالنسبة للنجاح المصرى الساحق فى عملية اقتحام القناة واجتياح خط بارليف ,فقد اضطر الجنرال جونين إلى العمل على سرعة وصول قوات الاحتياطى إلى الجبهة .وعندما علم أن بعض الوحدات المدرعة الاحتياطية قد تعطلت فى بئر السبع لعدم توافر ناقلات للدباباتTransporters أمر بتحريكها إلى الجبهة على جنازير الدبابات مع ما فى ذلك من إهدار لساعات عمل محركاتها وإستهلاك لجنازيرها وحاجتها إلى كميات كبيرة من الوقود .وكان من الطبيعى حدوث بعض أعطال فى الطريق ,فتوقفت بعض الدبابات وسقطت جنازير دبابات أخرى ,مما أدى إلى سد محاورالتقدم وحدوث تأخير فى وصول بعض الوحدات إلى ميدان المعركة ,واستمر تدفق قوات الاحتياطى على الجبهة المصرية عدة أيام و امتلأت الطرق فى شمال سيناء بالأف المركبات والدبابات وحاملات الجنود المدرعة , وكذا بالقوافل الإدارية التى كانت تحمل الوقود والذخائر والمؤن. ولو كانت القيادة المصرية قد خططت من قبل لضرب هذه المركبات الحربية والقوافل الإدارية الإسرائيلية فى أثناء اجتيازها الطرق الصحراوية الطويلة المكشوفة بواسطة الطائرات المصرية عند دخولها فى مدى عملها لكانت قد أوقعت بها خسائر فاضحة خاصة وأن معظم هذه المركبات كانت ملزمة بالسي على الطرق المرصوفة ,ولم يكن فى مقدرتها الانتشار خارج هذه الطرق لتقليل الخسائر عند مواجهة الهجمات الجوية نظرا لنعومة الرمال وتهايلها فى معظم المناطق فى شمال سيناء, و لوكان ذلك التخطيط قد تم لتعطيل وصول الوحدات المدرعة الاحتياطية و قوافل الإمدادات والمؤن إلى الجبهة الإسرائيلية فى سيناء تعطيلا كان سيؤثر بلا شك على سير المعارك , هذا ولم يحدث أى تدخل مصرى لعرقلة وصول قوات الاحتياطي الإسرائيلية إلى جبهةالقتال إلا بواسطة رجال الصاعقة المصريين الذين نقلوا إلى عمق سيناء عن طريق طائرات الهليكوبتر .وكان من ضمن عمليات الصاعقة المهمة عملية قامت بها سرية من الكتيبة 183 صاعقة وفقد قامت بإعداد كمين على الطريق الشمالى القادم من العريش عند مشارف ( رمانة) التى تقع على مسافة حوالى 30 متر من قناة السويس على إعتبار أنها المكان الذى تتم فيه عملية إنزال الدبابات من فوق الناقلات لكى تنطلق الدبابات منه على جنازيرها إلى مواقعها المحددة فى الجبهة

وفى الساعة السابعة صباحا يوم 7 أكتوبر,وعندما وصل اللواء المدرع بقيادة العقيد نيتكا Natka التابع للفرقة المدرعة الاحتياطية التى يتولى قيادتها الجنرال أدان إلى رمانة وبدأالجنود الإسرائيليون فى إنزال الدبابات من فوق الناقلات –انهالت عليهم فجأة نيران البازوكات آربى جى 7 وصواريخ المالوتكا من وراء الشجيرات على جانبى الطريق من أفراد الكمين المصرى . ووفقا لما ورد فى المراجع الإسرائيلية, أصيب دبابتان وعربية مدرعة وقتل ستة جنود وجرح 14 .وها جمت كتيبة المقدم عسافياجورى المدرعة رجال الصاعقة المصريين واشتبكت معهم فى قتال عنيف لمدة تزيد على الساعة فى التلال المحيطة بالمنطقة .وداست الدبابات بجنازيرها فوق الكثيرون منهم . وقد نجحت هذه العملية الانتحارية الجريئة التى كلفت رجال الصاعقة 75 شهيدا وعددا من الجرحى فى تعطيل تقدم القوات الاحتياطية الإسرائيلية لبضع ساعات .

ولقد تم وصول قوات الاحتياطى الإسرائيلية على مراحل وبطريقة تدريجية إلى جبهة سيناء بسبب الظروف العديدة فى تل أبيب التى أدت إلى تعطيل عملية استدعاء الاحتياطى من جهة , ونظرا لقرار رئيس الأركان العامة بتوجيه القوات الاحتياطية الأولى من القوات المدرعة إلى جبهة الجولان فى الشمال على الفور ,بسبب خطورة الوضع على الجبهة السورية بالنسبة لقربها الشديد من المراكز ذات الكثافة السكانية من جهة أخرى . وقد بنيت الإستراتيجية الإسرائيلية على أساس أن تتولى وحات الجيش النظامى عملية الصد ووقف تقدم العدو إلى حين وصول قوات الاحتياطى التى تعتبر القوة الرئيسية فى الجيش الإسرائيلى , وفور إتمام وصول القوات المدرعة الاحتياطية ,تقوم قيادة الجبهة على الفور بشن هجماتها المضادة على المستوى التعبوى ثم بعد ذلك على المستوى الاستراتيجى إذا تطلب الموقف وفقا للخطط الموضوعة من قبل . إلا أن السياسة الاستراتيجية المرسومة لم يكن فى الإمكان تنفيذها فى المرحلة الأولى من حرب أكتوبر ,فإن القوات النظامية الوحيدة التى قامت بعملية الصد ووقف التقدم المصرى و هى ألوية جابى وآمنون ودان المدرعة تحت قيادة الجنرال ماندلر , قد أصيبت بخسائر فادحة كما أن الوحات الاحتياطية تأخرت فى الوصول إلى جبهة القتالو كان وصولها على مراحل وبطريقة تدريجية مما أرغم الجنرال جونين على تأخير قيامه بشن الهجوم المضاد التعبوى الذى كانت القيادة المصرية تتوقع حدوثه قبل ظهر يوم 7أكتوبر على أكثر تقدير .ونتيجة للوضع المتحرج على الجبهة المصرية ,اضطر الجنرال جونين إلى إشراك بعض الألوية المدرعة الاحتياطية التى وصلت إلى الجبهة فى عمليات الصد إلى جانب القوات النظامية بدلا من إتمام حشدها وراء خطوط الدفع المحددة لها من قبل لشن هجماتها المضادة الرئيسة.مما كان له أثر خطير فى ذلك الفشل الذريع الذى منيت به جميع الهجمات المضادة التى وجهت على عجل ضد رءوس الكبارى المصرية فى المرحلة الأولى من الحرب.

ورغم نجاح عملية العبور المصرية هذا النجاح الباهر واجتياح خط بارليف ,لم تكن بعض القيادات فى الخلف ولا الحكومة الإسرائيلية منتبهة إلى المغزى العسكرى الخطير للتوغل المصرى شرق قناة السويس ولا لخسائر المدرعات الإسرائيلية الفادحة ,وكان هناك وزراء يعتقدون أنه لن تمر أيام إلا ولم يتم اكتساح القوات المصرية والقذف بها إلى ما وراء القناة .

المفارز البرمائية عبر بحيرة التمساح والبحيات المرة كان من ضمن التخطيط المرسوم لاقتحام القوات المصرية قناة السويسدفع عدة مفارز من المشاة الميكانيكية البرمائية لعبور بحيرة التمساح والبحيرة المة الصغرى ضمانا لظهور عناصر مدرعة ذات جنزير على الشاطىء الشرقى لقناة السويس بعد وقت قصير من بدء العبور لتدعيم وحدات المشاة التى عبرت من جهة و كنوع من المفاجأة للعدو من جهة أخرى إذ لم يكن من المنتظر ظهو أى دبابات سواء كانت تابعة للفرق الخمس المشاة أو من الألوية المدرعة التى ألحقت بها على الشاطى الشرقى للقناة قبل سبع ساعات على الأقل من بدء العبور نظرا للوقت الذى تحتاج إليه وحدات المهندسين لفتح الثغرات في الساتر الترابى ولإقامة كبارى الإقتحام الثقيلة التى ستعبر عليها الدبابات .

وفى القطاع المتخصص للجيش الثانى تم دفع مفرزتين أماميتين كانت عبارة عن سريتين مشاة مدعمتين منقولتين فى عربيات مدرعة برمائية (إحداهما من الفرقة 16 مشاة من طراز BMP عبر الطرف الجنوبى لبحيرة التمساح ,والأخرى من الفرقة 2 مشاة من طرازBk عبر الطرف الشمالى للبحيرة ). وقد بدأ إبراز المفرزتين عبر البحيرة بمجرد بدء التمهيد النيرانى للمدفعية .وتم وصولها إلى الشاطىء الشرقى خلال نصف ساعة ,وحقق ظهورهما فى هذا التوقيت المبكر مفاجئة كبرى للعدو مما دفعه فى قطاع الفرقة 2 مشاة إلى إخلاء النقطة القوية على لسان بحيرة التمساح وضم أفرادها إلى قوة النقطة القوية التى كانت تقع عند نمرة 6 (كان الإسرائيليون يطلقون عليها اسم حصن بوركان).

وفى القطاع المتخصص للجيش الثالث ,وضع التخطيط على أساس أن يعبر اللواء 

130 المشاة الميكانيكى البرمائى البحيرة المرة الصغرى جنوب (كبريت)بحوالى 2كم . وهذا اللواء هو لواء خاص صدر قرار بإنشائه فى يناير عام 1972 ويتشكل من كتيبتى مشاة ميكانيكتين (الكتيبة 602 والكتيبة 603) , وتم تزويده بعدد 80 مدعة برمائية (طراز توباز)معدة لنقل المشاة الميكانيكية سواء على البر أو عبر المسطحات المائية .وكانت قوة اللواء الضاربة مكونة من عدد 20 دبابة من طراز 76 وعدد من سرايا المقذوفات الصاروخية مالوتكا ,بعضها من طراز (فهد )المحمولة فوق عبات مدرعة توباز ذات الجنزير ,والآخر من طراز (نمر)المحمولة فوق عربات مدرعة بردم ذات العجل الكاوتش . وكانت المهمة التى كلف اللواء 130 برمائى بتحقيقها هى أن تعبر مفرزتان منه (كتيبتان مدعمتان )البحيرة المرة الصغرة ساعة س , وبمجرد وصولها إلى الشاطىء الشرقى للقناة تتقدم مفرزة منها على الطريق المؤدى إلى مضيق الجدى وتتقدم الآخرى على طريق الشط -مضيق متلا للإستيلاء على المدخل الغربى لكل من المضيقين على أن ترسل كل منهما . بعد إجراء عملية التأمين قوة مشاة مترجلة (خارج المضيقين) لمهاجمة ك من مركز الإعاقة والشوشرة للعدو فى جبل أم خشيب وبعض الأهاف الحقيقية فى مطار تمادا .

وكان الهدف الأساسى من دفع هاتين المفرزتين إلى مضيقى الجدى ومتلا هو أن تتمكنا من تأخير وصول الاحتياطى العتيوى للعدو حتى صباح يوم 7 أكتوبر , أى بعد ضمان إتمام إقامة المهندسين المصريين للكبارى على القناة وعبور الألوية المدرعة الملحقة بالفرق المشاة إلى الشرق واستعداد فرق المشاة الخمس بعد تدعيمها بالدبابات لصد أى هجوم مضاد تعبوى للعدو.ولكن خواص هذا اللواء البرمائى وتسليحه وإمكاناته القتالية لم تكن تتيح له الفرصة لتحقيق واجب العمليات الذى أسند إليه ويمكن إدراك ذلك بوضوح عند الاطلاع على ما أورده الفريق سعد الشاذلى فى مذكراته التى أوردها عن حرب أكتوبر , وكان يتولى منصب رئيس أركان حرب القوات المسلحة فى أثناء الحرب ,وعلاوة على ذلك كان يشرف إشرافا شخصيا مباشرا على هذا اللواء البرمائى إلى الحد الذى جعله يبقى بنفسه مع عناصر هذا اللواء طوال الليل فى المشروع التجريبى الذى أجراه ليلة 18/19 يوليو 1973 لاختبار كفاءة هذا اللواء فى منطقة (الحمام ) غرب الإسكندرية والذى تم فيه عبور اللواء لمسطح مائى فى البحر المتوسط لمسافة 30 كم .فلقد ذكر ما يلى بالحرف :(كانت دبابات اللواء 130 البرمائى هى الدبابة ت 76,وهى تشكل قوة نيران كبيرة ضد قوات العدو ومركز قيادته والمواقع غيرالحصينة ,ولكن خفة تدريعها و صغر عيار مدفعها يجعلانها ليست ندا لدبابات العدو المتوسطة بأنواعها كلها والتى كانت مسلحة بالمدفع 105مم) وهذه الحقيقة التى أوضحها الفريق سعد الشاذلى فى مذكراته بوضوح تجعلنا نتساءل عن السر فى إسناد هذه المهمة إلى كتيبتى اللواء المشاة الميكانيكى البر مائى وفقا لما ورد فى خطة العمليات ما دامت إمكاناته القتالية كانت قاصرة تماما عن إمكان تنفيذها .إن كلتا الكتيبتين إثناء تحركهما شرقا سواء على الطريق إلى مضيق الجدى أو إلى مضيق متلا كان من المنتظر بصورة حتمية بناء على المعلومات المتوافرة قبل بدء العمليات عن خطة العدو (شوفاخ يونيم) أن تصطدم أثناء تقدمها بكتيبة مدرعة إسرائيلية (من 35إلى 40 دبابة), فقد كان معروفا أن الألوية المدرعة التى فى الاحتياط والمتمركزة بالقرب من منطقة المضايق سوف تندفع بأقصى سرعة بمجرد بدء عبور القوات المصرية القناة إلى اتجاه الغرب للقيام بهجماتها المضادة التكتيكية على الوحدات المصرية التى نجحت فى تثبيت أقدامها على الشاطىء الشرقى وكان من المعروف أن هناك لواء مدرعا إسرائيليا يتمركز فى القطاع الجنوبى (بقيادة العقيد دان )وليس أمامه من طرق يسلكها للوصول إلى الشاطىء الشرقى للقناة سوى طريق الجدى –القناة وطريق متلا –الشط.

وبإجراء عملية مقارنة القوات ببعضها نجد أنه على كل طريق كان من المحتم أن تواجه

كتيبة مشاة ميكانيكية مصرية لاتملك سوى 10 دبابات خفيفة التدريع ومسلحة بالمدفع 76مم صغير العيار قوة مدرعة إسرائيلية مشكلة من أكثر من 35دبابة إسرائيلية ثقيلة التدريع 

ومسلحة بالمدفع 105 مم الذى يعتبر من المدافع ذات العيار الكبير . ولم يكن للصواريخ المضادة للدبابات مالوتكا المزودة بها كل كتيبة تأثير فعال ضد الدبابات الإسرائيلية مثلما كان الحال يجرى فى القتال بين المشاة المصرية والدبابات الإسرائيلية شرق القناة ,و الذى كان أفراد المشاة يستطيعون خلاله مفاجأة الدبابات الإسرائيلية على مسافات قريبة ومن وراء سواترهم التى اختفوا وراءها ,علاوة على المعاونة التى كانوا يحصلون عليها من مدافع الدبابات ومدافع الضرب المباشر من مصاطبها على الشاطىء الغربى للقناة .أمافى معركة متحركة وفى أرض مفتوحة ,فلم تكن لصواريخ مالوتكا المحملة على عربات مدرعة إلا مقدرة محدودة لقتال دبابات ذات مدفع أبعد منها مدى بمراحل عديدة .

وهكذا تجمعت كل عوامل الفشل قبل أن تبدأ المعركة , وعلاوة على ذلك فقدت الكتيبة الميكانيكية 602 وهى التى عبرت البحيرة أولا لسوءالحظ ,جانبا لا يستهان به من قوتها , إذ إن بعض الدبابات ت 76 والعربات المدرعة من طراز توباز وكثيرا من العربات المدرعة من طراز (بردم) الخاصة بالاستطلاع و التى كان بعضها يحمل المقذوفات الصاروخية (مالوتكا) المضادة للدبابات غرزت فى البحيرة المرة :فقد اتضح فى أثناء العبور أنها ضحلة وموحلة وذات تربة هلامية مما أدى إلى أن تسير العربات المدرعة على جنازيرها عبر

البحيرة عدا الممر الملاحى الأصلى لقناة السويس فى وسط البحيرة . وفتحت جماعة من

المهندسين العسكريين ثغرة فى حقل الألغام الذى اكتشف على الشاطىءالشرقى للبحيرة. و عقب اشتباك بالنيران مع العدو من اتجاه حصن كبريت شرق تقدمت الكتيبة 602 إلى بداية طريق الجدى وفقا للخطة الموضوعة . ولم تكد تقطع 15 كم من الطريق وكان آخر ضوء قد حل –حتى اصطدمت بكتيبة دبابات إسرائيلية من طراز باتون M48 .ودارت معركة عنيفة من الظلام استخدمت فيها الدبابات الإسرائيلية أشعة النور المبهر Zenon ونيران مدافعها 105 مم .ورغم الشجاعة الفائقة التى أظهرها المشاة المصريون واستماتتهم فى القتال عجزت بالطبع مافع الدبابات البرمائية من عيار 76مم وصواريخ المالوتكا التى يصعب توجيهها فى الظلام عن مجابهة هذا العدد الضخم من الدبابات الإسرائيلية التى كانت مدافعها أبعد مدى وأشد تأثيرا .وانتهت المعركة كما كان منتظرا بتدمير دبابات وعربات الكتيبة بعد أن استشهد و أصيب عدد كبير من أفرادها .وو اصلت الكتيبة المدرعة الإسرائيلية تقدمها فى اتجاه قناة السويس , بينما عاد أفراد الكتيبة الذين نجوا من المعركة مترجلين وعلى دفعات إلى حيث انضموا إلى رأس كوبرى الفرقة السابعة مشاة . وقد صدرت الأواملر لهذه الكتيبة الميكانيكية 602 بعد إعادة تنظيمها بالتمركز فى مطار كبريت غرب القناة للدفاع عنه ضد أى تسول للعدو .

أما الكتيبة الثانية من اللواء البرمائى وهى الكتيبة 603 ,فقد كان مصيرها مختلفا عن زميلتها ,.إذ لم تتيح لها الفرصة لحسن الحظ للتقدم على طريق الشط –مضيق مثلا كما كان مقررا.فلم تكد تعبر البحيرة المرة الصغرى وتصل إلى شاطئها الشرقى فى حوالى الرابعة مساء وتتجمع خارج حقل الألغام , حتى دارت معركة عنيفة بينها وبين سرية دبابات إسرائيلية كانت متقدمة من كبريت شرق , إلا أن مجموعة صواريخ مضادة للدبابات من الفرقة السابعة مشاة كلفت بمعاونتها فى صد هجوم الدبابات ,فاضطرت السرية المدلرعة الإسرائيلية إلى الانسحاب فى اتجاه الشرق بعد أن فقدت دبابتين وثلاث مركبات صاروخية . واسندت إلى المفرزة البرمائية ,بعد أن تم الغاء مهمتها الأولى وهى التقدم إلى مضيق متلا ,مهمة جديدة وهى الاستيلاء على النقطة القوية الإسرائيلية فى كبريت شرق (حصن بوتزر كما كان يسميه الإسرائيليون) بالتعاون مع سرية دبابات من اللواء 25 مدرع المستقل (الملحق على الفرقة السابعة مشاة ). وقد نجحت الكتيبة الميكانيكية فى تحقيق مهمتها وأتمت احتلال وتطهير الموقع الإسرائيلى الحصين يوم 9 أكتوبر . وعلى أثر ذلك انضمت قيادة اللواء 130 برمائى إلى الكتيبة الميكانيكية التى تم تمركزها فى حصن كبريت شرق

وعقب نجاح القوات الإسرائيلية فى عملية الاختراق بين الجيشين الثانى والثالث فى الدفر سوار ليلة 16 أكتوبر والعبور إلى غرب القناة ,أحاطت القوات الإسرائيلية شرق

القناة بموقع الكتيبة الميكانيكية 603 فى كبريت شرق , وأصبح الموقف المصرى مثل جزيرة 

صغيرة فى بحر من القوات الإسرائيلية المحيطة به من كل جانب . وصمد أفراد الموقع فى شجاعة وبطولة نادرتين فى وجه الهجمات الإسرائيلية العنيفة المتواصلة التى استخدمت فيها الدبابات والمدفعية والصواريخ علاوة على وابل من القصف الجوى المركز .وأصيب خلال الحصار الذى استمر حوالى 114 يوما قائد اللواء , كما استشهد رئيس عمليات اللواء ورئيس الإشارة وقائد الكتيبة الميكانيكية 603. ورغم العجز التام فى المياه والطعام والوقود والزخيرة تمكن أفراد الموقع المصرى من التغلب على كل هذه الصعاب وانتهى الحصار دون أن يستسلم أفراد الموقع ,وبقيت قصة الكتيبة 603 مشاة ميكانيكية رمزا لصمود وكفاح الجندى المصرى . هذه قصة اللواء 130 مشاة ميكانيكى برمائى الذى كلف لسوء الحظ بمهمة تفوق كثيرا قدراته القتالية , وصمد رغم ذلك فى وجه الظروف الصعبة التى واجهته بشجاعة وبطولة .

والأمر الذى يدعو إلى الدهشة والإستغراب أن الفريق سعد الشاذلى الذى من المفترض أنه أدرى القادة بحكم منصبه كرئيس للأركان خلال حرب أكتوبر بحقيقة ما يدور من وقائع وأحداث على جبهة القتال ,سجل فى الصفحة 237 من مذكراته التى نشرها بالخارج قصة وهمية ليس لها أى سند من الواقع عن عمليات اللواء 130 مشاة برمائى نذكر منها ما يلى بالحرف: (فى خلال يوم 7 أكتوبر قامت قواتنا الخاصة التى تعمل فى مؤخرة العدو بعدة أعمال نشطة كان لها أثركبير فى إرباك قيادات العدو وتعطيل تحرك احتياطياته نحو الجبهة .قامت عناصر من اللواء 130 مشاة الأسطول (برمائى)بالتقدم خلال ممر متلا وممر الجدى حيث قامت بمهاجمة مركز رئاسة القطاع الجنوبى ومحطات الردار والمعسكرات . وقد تقدمت إحدى سراي اللواء خلال ممر الجدى حتى دخلت إلى مطار تمادا الذى يقع على مسافة حوالى 80 كم شرق القناة ).

مناقشة الوضع فى سيناء برئاسة الأركان العامة الإسرائيلية كانت الدبابات التى تبقت من ألوية سيناء الثلاثة التى خاضت معارك يوم 6 وليلة 7 أكتوبر والتى قامت بالهجمات المضادة التكتيكية على المواقع المصرية قد تراجعت عن الخط الأمامى وانتشرت على طريق المدفعية (الطريق العرضى رقم 2) وهو يقع على بعد 8 -10كم شرق القناة ,وتم انشاؤه خلال حرب الاستنزاف على طول القناة لكى يتيح

الفرصة لبطاريات المدفعية الإسرائيلية لسرعة الانتقال من موقع إلى آخر . وعند ظهر يوم 7 

أكتوبر جرت بين مجموعة القيادة فى رئاسة الأركان العامة فى تل أبيب مناقشة عاجلة حول الموقف المتدهور على الجبهة المصرية , بعد أن نجح المصريون خلال الليل فى إنشاء منطقة وطيدة من رءوس الكبارى شرق قناة السويس , وبعد أن فشلت جميع الهجمات المضادة الإسرائيلية المحلية فى اختراقها والوصول إلى حصون خط بارليف على شاطىء القناة .ولم يجرؤ أحد من القادة الحاضرين على التفوه بكلمة الانسحاب , وإنما تم التعبير عن المعنى المقصود بأسلوب آخر وهو القيام بعملية إعادة تنظيم جديدة على طول الطريق العرضى الذى يمتد من بالوظة شمالا إلى الطاسة جنوبا بموازاة طريق المدفعية وعلى بعد حوالى 30كم شرق القناة (أطلق عليه المصريون اسم الطريق العرضى رقم 3) . وكانت شكوى الجنرال جونين قد اشتدت بسبب غياب الطيران الإسرائيلى عن سماء الجبهة المصرية . وكانت الطائرات الإسرائيلية يوم 7 أكتوبر قد حاولت التغلب على شبكة الردار المصرية ومباغتة المطارات المصرية فى وسط وشمال الدلتا عن طريق اقترابها على ارتفاعات منخفضة فوق البحر المتوسط على غرا ما حدث فى الضربة الجوية يوم 5 يونيو 1967,ولكن الطيارين الإسرائيلين فوجئوا بالمقاتلات الاعتراضية من طراز ميج 21 فى انتظارهم . وعندما حاولت الطائرات التسلل إلى أهدافها على ارتفاعات مختلفة قوبلت بغلالة كثيفة من صواريخ سام أرض جو ونيران المدافع المضادة للطائرات , وتم إسقاط خمس طائرات منها ولاذت الطائرات الباقية بالفرار . ونتيجة لهذا الفشل ولشدة حاجة القوات الإسرائيليةعلى جبهة الجولان إلى المجهود الجوى ,أبلغ الجنرال بيليد قائد القوات الجوية الجنرال جونين بأنه لن يستطيع تقديم أى دعم آخر لقواته بسبب الوضع المتحرج على الجبهة الشمالية وأجابه جونين فى قلق (إن لم تأتوا فليس لدى ما أصد به الهجوم).وإزاء إلحاح الجنرال جونين بعد ظهر يوم 7 أكتوبر فى طلب معاونة السلاح الجوى لإنقاذ الموقف على الجبهة المصرية , أصدر الجنرال بيليد أمره بتحويل عدة أسراب من الجبهة السورية إلى الجبهة المصرية , على أن يكون مجهود الطائرات مركزا ضد الكبارى والمعابر التى أقيمت على قناة السويس . ولم تكن هذه الكبارى أهداف سهلة يمكن ضربها , إذا كان المصريون يصعبون مهمة الطيارين الإسرائيلين بإطلاقهم سواتر من

الدخان بالقرب من الكبارى ,علاوة على الكبارى الهيكلية الكثيرة التى أقاموها والتى 

كانت بعض المركبات الخفيفة تقوم بالعبور فوقها لتبدوا من الجو كأنها حقيقة . وكان أفراد المهندسين المصريين يستغلون قترات التوقف بين الغارات الجوية و يقومون بإلقاء معديات جديدة إلى الماء لاستبدال الأجزاء التى تلفت من الكبارى نتيجة للقصف الجوى . وكانوا يلجئون كذلك إلى حيلة بارعة لتقليل الإصابات فى الكبارى فى الفترات التى تتوقف فيها عملية عبور القوات والمعدات المصرية فوق الكبارى عن طريق تقطيع أجزاء كبيرة من الكبارى وربطها بموازاة الجانب الشرقى للقناة ,مما كان يجعل مهمة تحديد أماكن الكبارى وضربها عملية شاقة بالنسبة للطيارين الإسرائيلين ,خاصة وأن ذلك التصرف كان يرغم الطائرات الإسرائيلية على أن تبدأ انقضاضها من ناحية غرب القناة المكتظة بمئات من الصواريخ أرض جو سام و المدافع المضادة للطائرات لكى يمكنها إصابة أجزاء الكبارى المربوطة فى الجانب الشرقى للقناة ,مما كان سببا فى تعرضها إلى خسائر جسيمة دون أى جدوى , إذ كان أفراد سلاح المهندسين المصريين لا يلبثون حتى يقوموا بإصلاح الكبارى وإعادة تعويمها من جديد بمجلرد انتهاء الغارات الجوية الإسرائيلية. وفى تل أبيب لم يصرح المحدث العسكرى الرسمى الإسرائيلى فى البيان الذى أذاعه يوم 7 أكتوبر بأى نبأ عن اندحار القوات الإسرائيلية على جبهة قناة السويس , وإنما تعمد ذكر النبأ بألفاظ مبهمة ,فقال :

(كونت قواتنا المدافعة خطوط دفاع جديدة فى مواجهة رءوس الكبارى المصرية ). وفى سيناء حاول الجنرال ألبرت ماندلر فى الأمر اليومى الذى أصدره أن يرفع روح قواته المعنوية بذكر احتمالات النصر فى المستقبل , فقال :(أيها الجنود ..لقد أوقفتم محاولات الاقتحام الرئيسية من العدو المصرى , وتحققت مهمتنا الأولى وتم وقف العدو عن تقدمه . لقد تلقى خط المواقع الأمامية الضربة الأولى وامتصها وصمد بقوة , وقبل أن يمر يوم سوف تظهر كل عظمة جيش الدفاع الإسرائيلى).














الفصل الثالث: مرحلة اقامة رؤوس الكباري وصد الهجمات المضادة الإسرائيلية

مرحلة إقامة رءوس الكبارى وصد الهجمات المضادة الإسرائيلية نتيجة لطلعات الاستطلاع الجوى التى قامت بها طائرات الاستطلاع الإسرائيلية صباح الأحد 7 فبراير 1973، أكتشف العدو ان المجهود الرئيسى للقوات المصرية التى عبرت إلى الشاطىء الشرقى للقناة يقع فى قطاع الجيش الثانىفى المنطقة الواقعة ما بين الدفرسوار جنوبا والفردان شمالا ، بالنسبة لوجود أكبر حشد من الدبابات والمدرعات المصرية فيها ، ولذا قررت القيادة الإسرائيلية تركيز المجهود الرئيسى لضرباتها ضد القوات المصرية فى هذه المنطقة . وكانت الفرق الثلاث التابعة للجيش الثانى الميدانى ، وهى الفرق 16،2،18المشاة، قد أتمت فى نهاية يوم 6 أكتوبر تحقيق مهمتها المباشرة ، ونجحت كل منها فى إقامة رأس كوبرى على الشاطىء الشرقى للقناة بعمق حوالى 5 كم، وقامت على الفور بأعمال التجهيز الهندسى والتعزيز على الخطوط المكتسبة وتنسيق خطط النيران بمختلف أنواعها وفى ليلة 6/7أكتوبر ، بدأت الألوية المدرعة الثلاثة الملحقة على فرق المشاة بقطاع الجيش الثانى فى العبور بدباباتها وعرباتها المجنزرة على الكبارى الثقيلة المخصصة لها للانضمام إلى مناطق رءوس الكبارى الفرق شرق القناة، وحوالى الساعة السابعة صباحا . يوم 7 أكتوبر تمكنت الألوية المدرعة من إتمام عملية العبور ، فانضم اللواء 14 مدرع ( من الفرقة 21 المدرعة ) إلى الفرقة 16 مشاة فى اليمين ،واللواء 24 مدرع ( من الفرقة 23 مشاة ميكانيكية ) إلى الفرقة2 مشاةفى الوسط ، واللواء 15 مدرع مستقل إلى الفرقة 18 مشاة إلى اليسار . وفى صباح يوم 7 أكتوبر ، اصدر قائد الجيش الثانى تعليماته بأن تقوم الفرق الثلاث مستغلة ما حققته من نجاح بتطوير الهجوم شرقا لتحقيق المهمة التالية لها ، وأن تكون الفرق مستعدة لصد وتدمير أى هجمات مضادة للعدو .وطوال ليلة 6/7 أكتوبر ، بذلت القوات المدرعة الإسرائيلية جهودا مضنية بناء على تعليمات الجنرال جونين للالتحام بحاميات حصون خط بارليف على طول القناة . ففى القطاع الشمالى أرسل العقيد جابى عدة سرايا مدرعة للاتصال بحصن مفريكيت (شمال جزيرة البلاح ) وحصن ميلانو ( القنطرة شرق ) وبعد معارك دامية مع القوات المصرية طوال الليل ، ونظرا لفداحة الخسائر الإسرائيلية ، صدر الأمر صباح 7 أكتوبر بإخلاء حصن مفريكيت أما حصن ميلانو فقد قام أفراد حامية الحصن وعددهم40 ضابطا وجنديا بإخلاء الحصن سراعند منتصف الليل ، وقاموا بمغامرة فذةتستحق التسجيل فقد استغلوا فرصة الظلام الدامس ودخلوا مدينة القنطرة شرق التى كانت قوة من الفرقة 18مشاة قد احتلتها من قبل ،وكانوا يأملون ألا يتعرف عليهم المصريون فى خضم ضجيج الدبابات والمركبات السائد فى المدينة وفى عتمة الشوارع المظلمة واصتدام الإسرائيليون فى أثناء تقدمهم داخل القنطرة شرق عدة مرات بقوات وكمائن مصرية دون أن تتعرف عليهم . ولكن فى إحدى الممرات اضطر أحد الجنود الإسرائيليين الذين يعرفون اللغة العربية إلى الرد على إحدى الدوريات المصرية التى صادفتهم للسماح لهم بالمرور ولكن لهجتة غير المصرية كشفتهم فأطلقت عليهم النيران فى الحال مما أدى إلى مصرع بعضهم بينما لاذالباقون بالفرار وبعد أن تجمعوا فى أحد البيوت الخالية تم لهم عن طريق الاتصال اللاسلكى تحديد نقطة التقاء مع قوة الإنقاذ الإسرائيلية فى الشرق ونجحالذين بقوا على قيد الحياة من أفراد قوة الحصن فى التسلل إلى خارج مدينة القنطرة شرق وعند الفجر تم لقاؤهم بالقوة الإسرائيلية التى كانت فى انتظارهم وهى سرية دبابات باتون من لواء العقيد جابى وفى القطاع الأوسط ، قام العقيد آمون بمحاولات يائسة للاتصال بموقع هيزانون (الفردان ) وحصن بوركان (نموة 6 شرق الإسماعيلية ) وتم إرسال سرية دبابات إلى كل حصن للاقتحام بحاميته وبعد معارك دامية طوال الليل مع قوات من الفرقة 2 مشاة تم تدمير السريتين المدرعتين الإسرائيليتين وإحكام الحصار حول حصنى هيزانون وبوركان .لماذا اقترح موشى ديان الانسحاب إلى خط المضايق ؟ عقب زيارة قام بها موشى ديانلجبهة الجولان فى الشمال فجر يوم 7 أكتوبر ، اتجه فى طائرة هيليكوبتر إلى سيناء وبرفقته العميد زئيفى أحد مساعدى رئيس الأركان . وقبل هبوط الهيليكوبتر بجوار المركز الأمامى للقيادة الجنوبية فى أم مرجم ، اتصل به الجنرال جونين قائد القيادة لاسلكيا ونصحه بالعودة من حيث جاء فلقد وصلت أنباء بأنه يوجد فى المنطقة أفراد من الصاعقة المصريين مختفون فى المرتفعات المسيطرة على مركز القيادة ولكن موشى ديان قرر النزول رغم ذلك وهبطت صائرته فى الساعة 11 والدقيقة الأربعين قبل الظهر وكان يعانى فى قرارة نفسه من أزمة تشاؤم حادة نتيجة لسوؤ الوضع على الجبهة السورية وفى غرفة العمليات بمركز القيادة المتقدم وبعد استعراض الوضع على جبهة القناة قال موشى ديان للجنرال جونين : ( هذه حرب صعبة وليست اشتباك حدود ويجب الانسحاب إلى خط ثان إلى الجبال والتحصن هناك ) وأشار بيده إلى خط الممرات على خريطة العمليات التى كان مرسوما عليها مواقع قوات الطرفين . وعلى أثر ذلك تم اتصال تليفونى بين موشى ديان والجنرال دافيد اليعازر رئيس الأركان فى تل أبيب وسأله ديان : (ماذا تستطيعون تقديمه إلى جونين ؟ ) وكان يقصد بالطبع المعاونة الجوية وصدم ديان • عندما تلقى رد رئيس الأركان فقد أجابه بأنه لا توجد إمكانية فى ذلك الوقت لزيادة المعاونة الجوية للجبهة الجنوبية إذا إن الطائرات مطلوبى أكثر فى الشمال وأخذ ديان يتحدث مع جونين مرة أخرى عن الانسحاب والتثبت بخطوط أخرى قائلا : ( يجب ترك خط المياة والانتقال إلى الطريق العرضى ( يقصد الطريق العرضى رقم 3 ويقع على بعد حوالى 30كم شرق القناة ) وذلك بالمدرعات الباقية وبما سوف يصل بعد ذلك من التشكيلات المدرعى الاحتياطية لكى يمكن ضرب المصريين ليس هناك ما يمكن أن تقدمه للحصوت الامامية وعلى الأصحاء أن يحاولوا اجتياز الخطوط أما الجرحى فلا خيار أمامهم سوى البقاء والوقوع فى الأسر ) وأكد ديان للجنرال جونين أن ما قاله هو نصيحة على مستوى وزارى ،ولكن يجب تنسيق الأمور مع رئيس الأركان . لكن الجنرال جونين لم يكن رأيه متفقا مع رأى وزير الدفاع فى وجوب الانسحاب إلى الطريق العرضى شرقا ،فقد كان عزمة قد استقر على عدم مواصلة التراجع وعلى ضرورة التمسك بطريق المدفعية (الطريق العرضى رقم 2 على بعد حوالى 10 كم شرق القناة ) . وكان الأمل ما يزال يراوده فى إمكان عودة قواته إلى خط المياه . وبناء على نصيحة موشى ديان ،أصدر جونين أوامره إلى قادة القطاعات الثلاثة بترك الجرحى فى حصون خط بارليف وأن تحاول حاميات الحصون بعد إخلائها الانضمام إلى القوات الإسرائيلية شرقا . وأوضح لقادة القطاعات عدم احتمال تلقيهم اى معونة من السلاح الجوى بسبب سوء الموقف على جبهة الجولان وأن عليهم الصمود دون معاونة جوية . وعاد موشى ديان وزير الدفاع من سيناء مباشرة إلى مقر هيئة الأركان العامة فى تل أبيب التى أصبحت بمجرد نشوب الحرب مقر القيادة العليا .وقد وصل إليها حوالى الساعة الثانية والنصف بعد الظهر .وفى غرفة العمليات أخذ ديان يبدى اقتراحه لرئيس الاركان على ضوء الرحلة التى قام بها فاقترح انسحاب القوات الإسرائيلية للتحصن فى خط على المداخل الغربية للمضايق الجبلية ( 35-45 كم شرق القناة ) كما اقترح تقليصالخطوط الدفاعية بالأنسحاب من خليج السويس وبقاء قوة فقط فى شرم الشيخ للاحتفاظ بها .وتساءل رئيس الأركان : ( حتى إذا كان علينا أن نتأهب فى خط ثان ، ولماذا يجب أن نخلى خليج السويس ؟ ) واوضح رئيس الأركان رأيه فى وجوب الصمود على خط دفاعى امام رأس سدر ( على خليج السويس ) وليس فى شرم الشيخ ورد ديان قائلا : ( ربما لا يكون هناك إخلاء ولكن يجب ان ندير هناك معركة تعطيلية ) وكان وزير الدفاع بالقطع فى حالة حادة من التشاؤم بعد زيارتية المتتاليتين لجبهتى الجولان وسيناء ولكن الجنرال أليعازر رئيس الأركان كان أقوى منه أعصابا ولذا لم تصدر عنه أى أوامر إلى القوات الإسرائيلية فى سيناء بالانسحاب تنفيذا لنصيحة موشى ديان. وحضر وزير الدفاع ورئيس الأركان اجتماعا عند رئيسة الوزراء جولدا مائير بعد الظهر واشترك فى الجتماع الذى عقد بمكتبها برئاسة الوزارة نائبها إيجال آلون وإسرائيل جاليلى وزير الدولة . وعرض موشى ديان وجهة نظره بالانسحاب من خط القناة والتمسك بخط دفاعى جديد على مسافة فى الشرق لشن الحرب من هناك ، ووجوب إخلاء الحصون الأمامية .وطالب موشى جولدا مائير بضرورة بذل اقصى جهد ممكن للحصول على طائرات ودبابات من الولايات المتحدة بأسرع وقت نظراً لتفوق العرب فى العدد والسلاح .وقد شرح موشى ديان فى مذكراته (قصة حياتى ) التى نشرها عقب حرب أكتوبر بعض التفاصيل عن هذا الاجتماع فذكر أن رئيسة الوزراء والوزيرين آلون وجاليلى صعقوا من الحقيقة الليمة التى أوضحها ، وهى أنه ليس فى مقدور القوات الإسرائيلية رد المصريين إلى الجانب الآخر من القناة فلقد كانوا متأثرين بالتقارير التى سبق أن وصلتهم عن تدمير الطائرات الإسرائيلية للكبارى المصرية على القناة مما أوهمهم بأن القوات المصرية شرق القناة أصبحت معزولة عن قواعدها غرب القناة .وشرح لهم موشى ديان أن هذه الكبارى ليست بناء متماسكا وإنما هى مجموعة متصلة من معديات خشبية يمكن إصلاحها أو استبدالها فى أثناء الليل واعترض رئيس الأركان على تقديرات موشى ديان ورغم أنه وافقه على إعداد خط ثان بدلا من خط القناة فإنه أبدى رأيه فى وجوب البدء بالهجوم المضاد على الفور واقترح أن يطير إلى القيادة الأمامية الجنوبية فى تلك الليلة لدراسة الموقف وسأل وزير الدفاع عما إذا كان من سلطته اتخاذ القرار بشن هجوم مضاد على القوات المصرية على الضفة الشرقية للقناة فأفاده الوزير بالإيجاب وأبدت رئيسة الوزراء والوزيران ارتياحهم إذ لم يكن فى مقدورهم كما ذكر ديان تحمل التفكير فى افتقار إسرائيل إلى القوة لرد العدو إلى حيث كان منذ 30 ساعة مضت .خطة الهجوم المضاد الإسرائيلى على قطاع الجيش الثانى فى الساعة الثامنة مساء يوم 7 أكتوبر وصل الجنرال دافيد أليعازر رئيس الأركان العامة إلى المركز الأمامى للقيادة الجنوبية فى أم مرجم بطائرة هيليكوبتر وبرفقته الجنرال إسحق رابين رئيس الأركان العامة فى حرب يونيو 67والذى تولى فيما بعد منصب رئيس وزراء إسرائيل وعلى أثر وصولهما عقد اجتماع بمقر القيادة الأمامى حضره الجنرال جونين قائد القيادة الجنوبية وثلاثة من القادة هم الجنرال ألبرت ماندلر وإبراهام أدان (برن)وكلمان ماجن وتأخر الجنرال شارون عن الحضور لمدة ساعتين بسبب خلل أصاب الهيليكوبتر التى أرسلت لإحضاره . وخلال الاجتماع وضع الجنرال أليعازر الخطوط الرئيسة لخطة الهجوم المضاد الذى تقرر أن يبدأ صباح يوم الاثنين 8 أكتوبر على منطقة رءوس الكبارى المصرية شرق القناة . وكانت الخطة تتلخص فيما يلى : تبدأ فرقة الجنرال إبراهامأدانالمدرعة فى القطاع الشمالى الهجوم على قطاع الجيش الثانى من القنطرة إلى الجنوب فى اتجاه الدفرسوار والبحيرات المرة وفى نفس الوقت ترابط فرقة الجنرال شارون فى قطاعها ( القطاع الاوسط ) لصد هجمات العدو ووقف تقدمه شرقا ولتكون فى نفس الوقت بمثابة احتياطى لفرقة أدان .إذا نجح هجوم أدان فى الشمال تقوم فرقة شارون المدرعة بالهجوم على الجيش الثالث من الدفرسوار إلى الجنوب فى اتجاه السويس والطرف الجنوبى للقناة وفى حالة فشل هجوم أدان سيكون على فرقة شارون تعزيز الهجوم ولذا أمر رئيس الأركان بعدم تحريك فرقة شارون من قطاعها إلا بتصديق منه . تظل فرقة ألبرت ماندلر المدرعة فى قطاعها فى الجنوب لوقف تقدم العدو شرقا ولتكون فى نفس الوقت بمثابة احتياطى لفرقة شارون فى حالة قيامه بالهجوم على الجيش الثالث وترك رئيس الأركان تحديد ساعة (س) للجنرال جونين وحذره من اقتراب القوات المهاجمة من التلال الترابية الواقعة شرق القنطرة نظرا لاحتلالها بحشود ضخمة من جنود المشاة المصريين المسلحين بالبازوكات آربى جى وصواريخ ساجر (مالوتكا ) وطلب الجنرال جونين من رئيس الأركان إذنا بالعبور الى الضفة الغربية للقناة إذا نجح الهجوم وقد تردد رئيس الآركان فى قبول الفكرة أو رفضها إذ إن معتاد العبور الإسرائيلى لم يكن معدا وكان من الممكن فقط وفقا لاقتلراح جونين عبور القناة على الكبارى المصرية ولذا رد رئيس الركان على جونين قائلا لتصلوا إلى الكبارى اولا وحينئذ نرى لست أريد أن يعبر جيش كامل على كوبرى واحد وإذا احتللنا عدة كبار ننقل إليها فصائل من الدبابات وعلى كل حال يتم عبور القناة فقط بناء على أمر منى ولا يتحرك شارون إلا بتصديق منى وعندما كان رئيس الأركان فى طريقه لركوب الطائرة الهيليكوبتر قابل الجنرال شارون الذى كان قد وصل لتوه واوضح أليعازر –الذى كانوا يطلقون عليه اسم (دادو) –لشارون أسس خطة الهجوم المضاد فى اليوم التالى . وحاول شارون إقناع رئيس الأركان للسماح له بالعبور بفرقته إلى الضفة الغربية فى الصباح . ولكن دادو يكبح جماحه ويقول له إنه يجب فى البداية ضرب رءوس الكبارى المصرية قبل التفكير فى العبور وكان موضوع إنقاذ الفراد المحاصرين فى حصون خط بارليف هو الشغل الشاغل للجنرال شارون بأعتبارة واجبا إنسانيا ملحا . وقد سبق له قبل مجيئه وضع خطة لإنقاذ أفراد الحصون الثلاثة فى قطاعه وهى حصن متسميد ( الدفرسوار ) ولا كيكان (تل سلام ) وبوتزر (كبريت شرق ) .وقد تحدث بنفسه لاسلكيا مع قادة اثنين منها ، أما الحصن الثالث فقد لقى الضباط فيه مصرعهم ، ولم يجد شارون أحدا يتصل به بالحصنسوى عامل إشارة من الاحتياط كان يعمل قبل الحرب جرسونا فى القدس وبادر شارون بطرح خطتهعلى رئيس الأركان لإنقاذ الأفراد المحاصرين ، ولكن رئيس الأركان اقترح عليه بحث الموضوع مع الجنرال جونين ، وأن يؤجل ذلك انتظارا لما سوف يسفر عنه الهجوم المضاد فى الغد . وحاول شارون بحث الموضوع ثانية مع الجنرال جونين ولكن الحديث معه لم يؤد إلى تغيير رأيه فقد أوضح جونين لشارون خطورة تنفيذ خطته لإنقاذ الحصون إذ إن هذه الخطة سوف تكلف الجيش الإسرائيلى 50 دبابة على الأقل ولكنه كان يأمل فى إمكان الوصول إلى بعض الحصون خلال الهجوم المضاد فى اليوم التالى .وحوالى منتصف الليل توجه موشى ديان مع الجنرال أليعازر عقب عودته إلى تل ابيب إلى غرفة العمليات بمقر رئاسة الأركان.وكان رئيس الأركان يتمتع بروح معنوية عالية وأخذ يشرح لضباط رئاسة الأركان فى حضور وزير الدفاع أسس خطة الهجوم المضاد فى اليوم التالى الذى كان يأمل أن يكون هو نقطة التحول فى الحرب فقد كان يستهدف منه سحق القوات المدرعة المصرية التى عبرت القناةواتخذت مواقعها على طول الضفة الشرقية لها وكان أمل القيادة الإسرائيلية كبيرا فى نجاح الهجوم المضاد فقد أرسلت تعزيزات ضخمة من الدبابات إلى الجبهة الجنوبية وبات من المتوقع أن يكون اليوم التالى هو يوم الدروع المتصارعة . وفى مقر القيادة الإسرائيلية بسيناء وضع الجنرال جونين عند منتصف الليل خطته التفصيلية للهجوم المضاد التى خصص فيها المهام بدقةللفرق المدرعة التى ستقوم بالهجوم. وقد انتقد الجنرال إبراهام أدان (برن) فى الكتاب الذى نشره بعد الحرب باللغة العبرية وأسماه (على ضفتى قناة السويس ) الخطة التى وضعها الجنرال جونين ، وذكر أنها جاءت مخالفة تماما لخطة رئيس الأركان بالإضافة إلى غموضها وعدم وضوحها . فقد حدد جونين مهمةالفرقة المدرعة التى كان يقودها أدان بأن تتولى تطهير خط القناة فى القطاع الشمالى فى المنطقة الواقعة ما بين طريق المدفعية شرقا وخط المياة غربا وإنقاذ وتحرير القوات التى داخل حصون خط بارليف فى هذه المنطقة وسحب الدبابات التى تعطلت والاستعداد للعبور إلى الضفة الغربية للقناة وأوضح أدان أن خطةجونين تضمنت أمرين لم يقرهما رئيس الأركان : اولهما تحرير الأراضى حتى خط المياة (رغم تحذيره بعدم اقتراب الدبابات المهاجمة من التلال الترابية والواقعة شرق القناة )والأمر الثانى هو الاستعداد للعبور إلى الضفة الغربية دون تهيئة الظروف المناسبة لذلك . وانتقد الجنرال أدان خلو خطة جونين من تحديد الخط الذى تتوقف عنده القوات الإسرائيلية بعد العبور إلى الضفة الغربية . وكذا عدم ذكر الحدود التى تفصل بين الفرق المدرعة بعضها ببعض .وفضلا عن ذلك ،فقد ذكر الجنرال أدان أن جونين خالف أمر رئيس الأركان من جهة عدم تأخير الهجوم إلى حين إتمام وصول القوات المدرعة الاحتياطية التى كان عدد دباباتها سيرفع من عدد دبابات الجبهة إلى حوالى 700 دبابة ، إذ إن جونين قرر بدء الهجوم فى الصباح رغم أن عدد الدبابات فى الفرق المدرعة الاحتياطية الثلاث لم يزد وقتئذ على حوالى 500 دبابة مما كان يحقق للدبابات المصرية على الضفة الشرقية للقناة تفوقا كبيرا فى العدد .ورغم مخالفة خطة جونين للخطوط الأساسية التى وضعها رئيس الأركان فإن الجنرال أليعازر عند وصوله إلى مقر قيادته فى تل أبيب فى الخامسة والنصف صباح يوم 8 أكتوبر ، وحينما عرض عليه رئيس العمليات برئاسة الأركان خطة الهجوم المضاد التى تلقاها من الجنرال جونين ، أقرها وأبلغ جونين بتصديقه عليها .وقد أدى هذا التصرف إلى تعرضه لموجة من النقد العنيف عقب فشل الهجوم المضاد كما سيتضح فيما بعد ، رغم أنه ثبت أنه كرر خلال اتصاله بجونين تحذيره له من مغبة الاقتراب بقواته من قناة السويس ، كما أبدى له تشاؤمه بشأن إمكان العبور على كبار مصرية إلى الضفة الغربية للقناة . وقد فضل الجنرال جونين إبلاغ خطة الهجوم المضاد التى وضع تفصيلاتها إلى قادة الفرق عن طريق الاتصال بهم لاسلكيا ، وقد وجه إليه النقد لاتباعه هذه الوسيلة ، إذ لو كان توجه إلى المراكز الامامية لقيادات الفرق لمناقشة تفاصيل الخطةمع قادتها لأمكنه أن يطلع بنفسه على أوضاع كل فرقة على الطبيعة ، ولكان قد أدرك ما فى خطته من مخالفة للواقع ومدى استهانته بقوة المصريين ، مما جعله يدفع ثمنا باهظا لذلك فيما بعد .وتلقى الجنرال أدان لاسلكيا واجب فرقته التى كانت مكلفة وفقا للخطة بالهجوم على الجيش الثانى .وكانت مهمتها تتلخص فى التقدم من القنطرة جنوبا وتدمير القوات المصرية حتى الدفرسوار ، ومن هناك يتم العبور إلى الضفة الغربية للقناة على أن تقوم الفرقة خلال هجومها بإنقاذ الجنود المحاصرين فى حصون هيزانون ( الفردان ) وبوركان( رقم 6 شرق الإسماعلية ) ومتسميد (الدفرسوار ) .وحدد جونين مهمة شارون فى التقدم جنوبا بفرقته من الدفرسوار فى اتجاه السويس ومن موقع حصن نيسان(شرق السويس ) يتم العبور إلى الضفة الغربية واحتلال مدينة السويس ، ثم الاندفاع غربا إلى مسافة20 كم من الشاطىء الغربى للقناة .ويتضح من هذه الخطة التى وضعها جونين ، والتى بنيت على أساس عبور فرقتى أدان وشارون قناة السويس وإنشاء رأس كوبرى إسرائيلى على الضفة الغربية للقناة إلى عمق 20كم ، مقدار جهله بحقيقة الوضع العسكرى للقوات المصرية ، كما يتضح ايضا مدى سوء الفهم داخل المعسكر الإسرائيلى ،إذ كان التفاهم يكاد يكون مفقودا بين رئاسة الأركان وقيادة الجبهة الجنوبية ، وكان على أسوأ ما يكون بين القيادة الجنوبية وقادةالفرق المدرعة الثلاث . مزايا العبور إلى الغرب من قطاع الفردان كانت المهمة التى خصصت للجنرال إبراهام أدان (برن) قائد القطاع الشمالى تقضى بالهجوم فى الصباح بفرقته المدرعة من اتجاة الشمال إلى اتجاة الجنوب بالقرب من الشاطىء الشرقى للقناة ، بهدف تدمير القوات المصرية فى القطاع ما بين القنطرة شمالا والدفرسوار جنوبا واستغلال النجاح للعبور إلى الضفة الغربية للقناة على الكبارى المصرية التى يتم الاستيلاء عليها على أن تقوم الفرقة خلال هجومها بإنقاذالحاميات الإسرائيلية المحاصرة فى الحصون : هيزانون(الفردان) وبوركان (رقم 6الإسماعيلية شرق) ومتسميد (الدفرسوار) وكان نجاح القوات الإسرائيلية فى اختراق المواقع الدفاعية على الشاطىء الشرقى للقناة وفى هذا القطاع يحقق لإسرائيل عدة مكاسب عسكرية بالإضافة إلى مزايا سياسية ودعائية مهمة فمن الناحية العسكرية سوف تكون أجناب القوات الإسرائيلية التى سوف تنجح فى الوصول إلى الضفة الغربية للقناة مؤمنة بموانع طبيعية عن طريق بحيرة المنزلة فى الشمال وترعة الإسماعيلية فى الجنوب كذلك لا يحتاج هذا القطاع إلى قوات كبيرة للتمسك به إذ لا تزيد مواجهته على 45 كم هذا فى الوقت الذى يصعب فيه على القوات المصرية القيام بهجمات مضادة لاستردادة نظرا لوجود بعض الاراضى الزراعية والأشجار بداخله واحتوائه على كثير من الترع والمصارف والقنوات المائية وعلاوة على ذلك ،توجد بالقطاع قاعدتان جويتان مهمتان هما الصالحية وابو صوير وكذا مطار الإسماعيلية . ومن الناحية السياسية فإن استيلاء إسرائيل على ثلاث من المدن المهمة بالقطاع هى :الإسماعيلية والقنطرة والصالحية كان كفيلا بأن يحقق لها نصرا سياسيا ودعائيا كبيرا كما يجعل من السهل عليها عزل مدينة بور سعيد من الجنوب وحصارها تمهيدا للاستيلاء عليها فى الوقت الذى سوف يتم لها السيطرة فيه على مدخل طريقين مهمين للوصول إلى القاهرة وهما طريق الإسماعيلية القاهرة الزراعى (طريق المعاهدة ) وطريق الإسماعيلية القاهرة الصحراوى كانت الخطة التى وضعها الجنرال إبراهام أدان لشن هجومه المضاد على مواجهة الجيش الثانى صباح يوم 8 أكتوبر تستهدف تثبيت قوات الفرقة 18 مشاة فى قطاع القنطرة عن طريق القيام ببعض هجمات ثانوية على مواجهة الفرقة تمهيدا لتوجيه الضربة الرئيسة على رأس كوبرى الفرقة الثانية مشاة فى قطاع الفردان والجنب الأيسر من الفرقة 16 مشاة فى منطقة الإسماعيلية شرق .وكانت مجموعة عمليات أدان فى القطاع الشمالى تتكون من ثلاثة ألوية مدرعة ،وهى :لواء العقيد جابى ،وهو لواء من الجيش النظامى كان يعمل فى القطاع الشمالى من قبل ، واشتبك مع قوات الجيش الثانى طوال يومى 7،6أكتوبر فى معارك الصد وفى محاولات الالتحام بحصون خط بارليف مما انقص كثيرا من قدرته القتالية ولواء العقيد نيتكا ،وهو لواء مدرع احتياط قدم من بئر السبع على الطريق الساحلى العريش – رمانة محمولا فوق ناقلات الدبابات ،وقد سبق أن ذكرنا أنه هوجم فى صباح يوم 7 أكتوبر بواسطة قوة من رجال الصاعقة المصريين عند رمانة فى أثناء إنزال الدبابات من فوق الناقلات كى تتحرك على جنازيرها إلى ساحة القتال وأصيب ببعض الخسائر أما لواء العقيد آربيه ،فهو أيضا لواء احتياط قدم يوم 7أكتوبر من مركز تجمع وحدات الاحتياط فى بئر السبع .وفور أن نجح الجنرال أدان فى حشد معظم القوات التابعة لمجموعة عملياته فى القطاع الشمالى ، قام بنشر ألويته المدرعة الثلاثة على الطريق العرضى رقم 3 ، فقد كان يتوقع – وفقا لما ورد فى كتابه (على ضفتى قناة السويس ) الذى نشره بعد الحرب – أن القوات المصرية بعد النجاح الباهر الذى حققته يومى 7،6أكتوبر سوف تستغل نجاحها فى مواصلة التقدم شرقا للوصول إلى الطريق العرضى رقم 3 الممتد من بالوظة شمالا إلى الطاسة جنوبا ،فقد كان الطريق أمامها ممهدا لتحقيق ذلك الغرض ،مما حدا به على أن يقول فى الكتاب الذى أصدرة( الويل انا لو أنهم قد فعلوا ذلك )وعندما اكتشف الجنرال أدان أن القوات المصرية عبرت القناة اقتصرت جهودها فى هذه المرحلة على عملية إنشاء وتدعيم مناطق رءوس الكبارى تشجع وأمر ألويته المدرعة الثلاثة بالتقدم نحو الغرب فى اتجاه الطريق العرضى رقم 2 ،استعدادا لبدء عملية الهجوم المضاد . وقد حذت القوات المدرعة فى القطاعين الأوسط والجنوبى حذوه بعد إن أمرها قادتها بالتقدم أيضا فى اتجاه الغرب للاقتراب من رءوس الكبارى المصرية .وفضلا عن منطقة المستنقعات الشمالية التى كانت مانعا طبيعيا قويا على الجنب الأيمن لفرقة الجنرال أدان تم تخصيص قوة مدرعة بقيادة الجنرال كلمان ماجن كانت تتكون من كتيبتين مؤمناً بوجود فرقة الجنرال شارون بالقطاع الأوسط . وكان المجهود الرئيسى للهجوم المضاد الإسرائيلى موجهاً نحو قطاع الفرقة 2 مشاه بالفردان وكانت هذه المهمة موكولة الا اللواء المدرع الذى يتولى العقيد جابى قيادته بعد أن تمت إعادة تنظيمه وتدعيمه على أثر معارك يومى6 و 7 اكتوبر المريرة ولتحويل أنظار المصؤيين عن إتجاه المجهود الرئيسى كلف الجنرال آدان كل من العقيد نيتكا والعقيدآربية بالقيام بهجمات ثانوية فى الشمال على مواجهة الفرقة 18 مشاة بالقنطرة .وفى الجنوب على مواجهة الفرقة 16 مشاة فى قطاعها ما بين الدفرسوار والإسماعيلية شرق . وفى الساعة التاسعة صباح يوم 8 أكتوبر ، قامت قوة مدرعة من لواء نيتكا فى الشمال تقدر بحوالى كتيبة دبابات مدعمة بمشاة ميكانيكية بالهجوم على الجنب الأيمن للفرقة 18 مشاة ، ولكن قائد اللواء الأيمن للفرقة قام بدفع احتياطى اللواء المضاد للدبابات إلى اتجاه الهجوم وقام قائد اللواء 15 المدرع المستقل بأوامر من قائد الفرقة 18 مشاة بدفع سريتى دبابات لمعاونةاللواء الأيمن للفرقة والذى وقع ضده الهجوم . وبعد قتال عنيف تم صد الهجوم المضاد الإسرائيلى وتدمير عدد من الدبابات المعادية من طراز باتون M.48 واضطرت القوة المدرعة الإسرائيلية إلى الارتداد شرقا . وفى حوالى نفس التوقيت، قامت قوة مدرعة من لواء آربيه فى الجنوب تقدر بكتيبة مدرعة مدعمة بمشاة ميكانيكية من اتجاه الطاسة بالهجوم على الدفاعات الأمامية على طول مواجهة الفرقة 16 مشاة ، وبعد قتال عنيف تم تدمير 10 دبابات و6 عربات مدرعة من طراز M.113.هل نجحت قوات أدان المدرعة فى العبور إلى غرب القناة ؟ كانت تعليمات الجنرال جونين قائد القيادة الجنوبية إلى الجنرال أدان تقضى بأن يسرع بالاتجاه بقواته جنوبا فى اتجاة الدفرسوار وان يحاول الاستيلاء على كوبرى مصرى سليم عند الفردان للعبور عليه بقوة مدرعة من فرقته إلى الضفة الغربية للقناة . وأجابه أدان بأن قوته أصغر من أن تقوم بهذه المهمة وأنه على استعداد لتنفيذها بشرط معاونته بالطيران والمدفعية . وكان الجنرال أدان قد أمر العقيد جابى فى الصباح الباكر بالتقديم بلوائه المدرع من الشمال إلى الجنوب على أقرب مسافة ممكنة من القناة للقيام بالهجوم الرئيسى على قطاع الفردان الإسماعيلية بهدف تحرير موقعى هيزانون (الفردان) وبوركان(رقم 6 الإسماعيلية شرق ) كما أمر العقيد نيتكا بالبقاء بلوائه المدرع أمام قطاع القنطرة للعمل كاحتياطى للفرقة على أن يعيد تنظيم قواته استعدادا للتقدم فى اتجاه الجنوب بمجرد صدور الأمر إليه بذلك .وفى الساعة السابعة والنصف صباح يوم 8 أكتوبر ، بدأت مجموعات مدرعة من لواء جابى فى الظهور أمام الجنب الأيسر للفرقة 2 مشاة ، والقيام بعملية مناورة أمام المواجهة لمحاولة اكتشاف أنسب اتجاه للوصول إلى النقطة القوية فى الفردان . وعلى أثر اكتشاف قائد الفرقة 2 مشاة العميد حسن أبو سعدة نوايا العدو ، اتخذ قراره بصد وتدمير دبابات العدو القائمة بالهجوم بإمكانات اللواء الأيسر للفرقة وباحتياطى الفرقة المضاد للدبابات وبمعاونة اللواء 24 المدرع (الملحق على الفرقة 2 من الفرقة 23 مشاةميكانيكية الموجودة ضمن احتياطى الجيش الثانى غرب القناة ) .وطلب قائد الفرقة من قائد الجيش الثانى اللواء سعد مأمون المعاونة بنيران مجموعة مدفعية الجيش الثانى واحتياطى الجيش المضاد للدبابات رقم 1.وكان يتولى قيادةمدفعية الجيش الثانى وقتئذ العميد محمد عبد الحليم غزالة وصدق قائد الجيش الثانى على قرار قائد الفرقة 2 مشاة ، على ان يتم استخدام اللواء 24 مدرع فقط فى حالة اختراق العدو لرأس كوبرى الفرقة، والأ يخرج اللواء المدرع خارج رأس الكوبرى إلا بعد الحصول على تصديق منه وأصدر قائد الجيش الثانىتعليماته بأن يجرىالهجوم المضاد على العدو فى حالة اختراقه نقطة الاتصال بين الفرقة 2 مشاة والفرقة 16 مشاة بالتنسيق بين اللواء 24 مدرع (الملحق على الفرقة 2 مشاة ) واللواء 14 مدرع ( الملحق على الفرقة 16 مشاة ) وبأوامر منه شخصيا وفى الساعة التاسعة صباحا بدأ لواء جابى الهجوم فى أنساق متتابعة مركزا هجومه على اللواء الأيسر للفرقة 2 مشاة وتم الاشتباك معه بسريتى دبابات من اللواء 24 المدرع والاحتياطى المضاد للدبابات لكل من اللواء والفرقة. وتمكنت دبابات معادية من اختراق الخط الدفاعى الأمامى للفرقةفى اتجاه حصن الفردان ولكن تم تدميرها باستخدام القنابل اليدوية المضادة للدبابات من طراز حام وبى جى 43 وارتدت باقى الدبابات الإسرائيلية فى حوالى الساعة الحادية عشرة ظهرا .وقبل الظهر اتصل الجنرال يورى بن آرى نائب قائد القيادة الجنوبية بالجنرال أدان وأبلغه ببيان مهم مفاجىء وهو أن هناك أدلة تشير إلى بدء انسحاب القوات المصرية وأن عليه الإسراع بقواته إلى الجنوب وأن يشتبك مع القوات المصرية لتدميرها قبل أن تتمكن من الهرب ثم العبور بسرعةعلى الكوبرى المصرى الموجود فى الفردان إلى الضفة الغربية للقناة فطلب الجنرال أدان إمداده بكتيبة مدرعة من فرقة الجنرال شارون لتعزيز لواء جابى فوعده يورى بن آرى بتلبية مطلبه واعتقد الجنرال أدان عندما طلب منه العبور بسرعةمن الفردان إلى الضفة الغربية واحتلال مواقع هناك أن تعديل الخطة فى هذه المرحلة لابد أن يستند إلى عوامل مفاجئة مهمة ونتيجة لمعلومات مؤكدة وردت من شعبة المخابرات .وخلال تبادل الرسائل اللاسلكيةالتى حملت إلى الجنرال أدان أمر العبور على الكوبرى المصرى بالفردان ، وكان رقيب فى شعبة العمليات برئاسة الأركان العامة فى تل أبيب يتسمع على شبكةالاتصالات اللاسلكية وخيل إليه من الإشارات المتبادلة أن قوات الجنرال أدان توشك على العبور من فوق كوبرى الفردان إلى الضفة الغربية للقناة . وعن طريق هذا الرقيب انتقل النبأ بسرعة من شخص إلى آخر فى مقر رئاسة الأركان حتى وصل إلى العميد زئيفى مساعد رئيس الأركان الذى صارع بالأتصال هاتفيا بالجنرال دايفد أليعازر رئيس الأركان وكان يحضر وقتئذ جلسة لمجلس الوزراء فر (الكرباه) بتل أبيب فى الوقت الذى قام فيه إسرائيل لينور السكرتير العسكرى لجولدا مائير رئيسة الوزراء بنقل النبأ إليها مما أشاع جوا من الابتهاج بين الحاضرين فى جلسة مجلس الوزراء ولحسن حظ السلطات الإسرائيلية لم تتم إذاعة النبأ عن طريق المتحدث الرسمى للجيش الإسرائيلى ولكن النبأ وصل بطريقة خاصة للعميد جور الملحق العسكرى الإسرائيلى فى واشنطن الذى أبلغة لبعض المسئولين فى البنتاجون ونجح صحفى واحد وهو مراسل صحيفة الفيجارو الفرنسية فى تسريب النبأ خارج البلاد مما جعله ينشره فى باريس إلى حين اتضح بعد ذلك أنه لم يكن له أى أساس من الصحة .وبعد أن أنتهت جلسة مجلس الوزراء اتضح لرئيس الأركان ولباقى المسئولين فى إسرائيل أن الجنرال أدان ليس فقط لم يعبر بقواته وإنما أيضا قد تلقى ضربات شديدة من القوات المصرية فعندما حاول لواء جابى تعزيز هجومه قبل الظهر بهجمة مضادة بقوة كتيبة مدرعة على الجنب الأيمن للفرقة 2 مشاة تمكنت قوات اللواء الأيمن من الفرقة باستخدام نيران المدفعية وأسلحة الضرب المبا شر والصواريخ المضادة للدبابات من صد القوات المدرعة الإسرائيلية أمام الحد الأمامى للدفاعات واخذت فى تدمير الدبابات واحدة وراء الأخرى كما أصيب قائد الكتيبة فى ذراعه ولذا قرر الانسحاب تاركاً حطام دباباته واشلاء أطقمها بينما فرت بقية الأطقم ولم يتبق له من 25 دبابة سوى 7 وقتل 20 فرداً من رجاله وعلى الرغم من الأمر الذى صدر إلى الجنرال شارون بإرسال كتيبة مدرعة من فرقته لإنقاذ لواء جابى الذى أصيب بخسائر فادحة فإن شارون رفض إرسال الكتيبة بحجة أن الفرقة سوف يصدر إليها بعد قليل أمرا بالتحرك إلى الجنوب وفقا للخطة الموضوعة وستكون الفرقة فى حاجة إلى هذه الكتيبة وبالفعل لم تمض فترة قصيرة حتى أصدر الجنرال جونين تحت تثير اعتقاده أن خطته الموضوعة تنفذ بنجاح –أمرا إلى الجنرال شارون المتمركز بفرقته فى القطاع الأوسط بالتحرك من الشمال إلى الجنوب فى اتجاه السويس لتنفيذ المهمة الموكلة إليه وهى القيام بهجوم مضاد على الجيش الثالث وقد أرتكب الجنرال شارون عند تحركه بفرقته صوب الجنوب عدة أخطاء تكتيكية فقد غادر قطاعه دون أن يترك خلفه أى قوات من فرقته لحماية القطاع الأوسط ولم يطلب من القيادة الجنوبية إرسال أى وحدات أخرى لملء الفراغ الذى سيحدثه تحركه إلى الجنوب زغم أن القوات المصرية فى مواجهته كانت فى حالة نشاط مستمر . وعندما أدرك الجنرال أدان مدى الفشل الذى اصيب به لواء جابى خلال هجومه على الفرقة 2 مشاة المصرية أصدر أمره إلى العقيد نيتكا بترك كتيبة مدرعة من لوائه أمام قطاع الفرقة 18 مشاةفى القنطرة بغرض تثبيتها والتحرك بالكتيبتين الأخريين جنوبا إلى قطاع الفردان لتعزيز لواء جابى تمهيدا للقيام بهجوم مشترك باللواءين فى اتجاه حصن الفردان (هيزانون) وبادر نيتكا بالتحرك فى الحال واتجه بكتيبته إلى الجنوب حيث احتشدت مدرعاته إلى جانب مدرعات العقيد جابى على طريق المدفعية (الطريق العرضى رقم 2 ) وفور وصول نيتكا اجتمع مع زميله جابى تحت قذف عنيف من نيران المدفعية المصرية واطلع منه على آخر تطورات الموقف وقد شكا له جابى من النقص الشديد فى معاونة المدفعية الإسرائيلية لقواته وكذا العجز الواضح فى المساعدة الجوية وكان العقيد نيتكا رجلا قصير القامة بطىء الحركات وعندما كان قائدا لإحدى الكتائب المدرعة فى حرب يونيو عام 67أصيب بجراح بليغة فى ساقيه نتيجة إصابة دبابته بدانة مدفع خلال مهاجمته أحد المواقع المصرية فى منطقة أم قطف (أبو عجيلة )وقد أجريت له أكثر من عملية جراحية واصبح جزء كبيرمن إحدى ساقيه صناعيا ورغم ذلك فإن هذه الإصابات لم تحطم روحه المعنوية ومارس ضغطا على قيادته حتى وافقوا على إعادته إلى قيادة مقاتلةرغم ما كان يواجهه من معوقات وكان يحتاج إلى مساعدة أحد رجاله حتى يصعد أو يهبط من الدبابة ولكن قوة معنوياته أصبحت حديث الجيش كله وأصبح يعرف باسم البولدج الآدمى وفى الساعة الثانية عشرة ظهرا احتشدت قوة نيتكا (لواء مدرع عداالكتيبة التى تركت أمام القنطرة )وجعل محور هجومه الرئيسى الطريق الممهد والمتفرع من الطريق العرضى رقم 3 إلى الفردان (كان طريق المصريون يطلقون عليه اسم طريق عرام )وعلى يمينه احتشدت المدرعات الباقية من لواء جابى والتى لم تكن تزيد بعد المعركة التى جرت مع اللواء الأيمن من الفرقة 2 مشاة على 25 دبابة فقط وكانت قوات الهجوم المضاد الرئيسى تفتقر إلى قوات المشاة الميكانيكية وإلى المعونة الكافية من المدفعية والطيران معركة الفرقة الثانية المشاة نجحت إحدى مجموعات استطلاع الفرقة 2 مشاة فى أكتشاف أن قوة من العدو تقدر بحوالى 75 دبابة متجمعة شرق كثيب العجرمية شمال شرق رأس كوبرى الفرقة وفى الساعة الثانية عشرة ظهرا وعشر دقائق التقطت الفرقة إشارة لاسلكية باللغة العبرية أرسلها العقيد نيتكا إلىقيادته تفيد باستعداده لبدء لهجوم بأقصى سرعة بعد 20 دقيقة فى اتجاة الفردان ونظرا لضيق الوقت اتخذ العميد حسن أبو سعدة قائد الفرقة الثانية قرارا سريعا على مسئوليته الشخصية لمواجهة هجوم العدو المنتظر الذى قدر أنه سوف يوجد ضد نقطة الاتصال بين لواءى النسق الأول للفرقة . باعتبار أن هذا الاتجاه هو أقرب الطرق للوصول إلى نقطة الفردان الحصينة ( هيزانون) التى كانت لا تزال تقاوم حتى ذلك الوقت كما أن نجاح الهجوم فى هذا الاتجاه كان من المنتظر أن يؤدى إلى قطع رأس كوبرى الفرقة إلى جزأين يسهل بعدها تدمير كل جزء منها على حدة وكان قرار قائد الفرقة الثانية يعتبر أسلوبا جديدا لتدمير العدو وهو جذب قواته المدرعة إلى أرض قتل داخل رأس كوبرى الفرقة والسماح لها باختراق الموقع الدفاعى الأمامى والتقدم حتى تصل إلى مسافة 3 كم من القناة وكانت الخطة مرسومة على أساس تدمير القوات المدرعة التى سوف تتوغل داخل رأس الكوبرى عن طريق مواجهتها بلواء النسق الثانى للفرقة ( اللواء المشاة الميكانيكى ) واللواء 24 المدرع احتياطى الفرقة وكذا باحتياطى الفرقة المضاد للدبابات واحتياطى الجيش المضاد للدبابات رقم 2 مع المناورة باحتياطات ألوية النسق الأول المضاد للدبابات لاحتلال الخطوط الجانبية للمنطقة التى اختيرت وسط رأس كوبرى الفرقة لتكون أرض القتل التى سيتم فيها سحق دبابات العدو . وفى نفس الوقت ، كان التخطيط موضوعا لحصار العدو فى أرض القتل بإغلاق خط الرجعة عليه بواسطة الكتيبة اليمين التى سيتم اختراقها من لواء النسق الاول الذى على يسار الفرقة لمنع أى دبابة من الخروج من رأس الكوبرى . وكان قرار قائد الفرقة 2 مشاة خطيرا ولكن المفاجأة فيه كانت مذهلة مما ساعد على النجاح وفى الساعة الثانية عشرة والنصف ظهرا قام لواء نيتكا بالهجوم المضاد وركز هجومه كما كان منتظرا فى المسافة بين نقط الاتصال بين لواءى النسق الأول وقد جرى الهجوم الإسرائيلى فى نسقين متتابعين وتقدمت كتيبة النسق اليمين من لواء اليسار التى وقع عليها ثقل الهجوم بتنفيذ مهمتها وقبول الاختراق فى مواقعها الأمامية وجذب العدو فى اتجاه أرض القتل ، ثم محاصرته من الخلف ومنع ارتداده نحو الشرق وبمجرد دخول دبابات لواء نيتكا ارض القتل السابق اعدادها وباوامر من قائد الفرقة 2 مشاة انطلقت النيران من مدافع اللواء 24 المدرع ومن جميع الاسلحة والصواريخ من الاحتيياطيات المضادة للدبابات التابعة للألوية والفرقة والجيش ومن جميع الاتجاهات صوب دبابات العدو التى قامت بالاختراق وكان لواء النسق الأول اليسار الذى حدث فيه الاختراق قد دفع كل أطقم اقتناص الدبابات المسلحة بمقذوفات آربى جى وصواريخ المالوتكا خلف القوات الإسرائيلية التى دخلت رأس الكوبرى مما أحال أرض القتال إلى نوع من الجحيم وخلال 13 دقيقة تم تدمير معظم دبابات العدو وتم الإستيلاء على 8 دبابات إسرائيلية سليمة كما تم أسر المقدم عساف ياجورى قائد كتيبة النسق الأول فى لواء نيتكا بواسطة مجموعة من اللواء المشاة الميكانيكى ( النسق الثانى للفرقة ) بقيادة النقيب يسرى عمارة والملازم فتحى بخيت بعد تدمير دبابته ومحاولته الهروب مترجلا فى اتجاه الشرق وعندما انقشعت سحب الدخان التى كانت تغطى سماء المعركة وجد نيتكا أنه لم يبق سليما من مجموع القوة التى بدأت الهجوم سوى 4 دبابات بما فيها دبابته وكان لواء جابى يتقدم على يمين لواء نيتكا ولكنه توقف بعد قليل بعد أن بدأت دباباته تحترق وطلب بإلحاح من قائده مساعدة جوية عاجلة ولكنه لم يتمكن من الحصول عليها رغم طلبها عدة مرات وإزراء الخسائر الجسيمة التى حاقت بلواءى نيتكا وجابى وتدمير معظم دبابات اللواءين اضطر الجنرال أدان إلى التصديق على طلبهما بالانسحاب فورا من المعركة والعودة إلى اتجاة الشرق صوب الطريق العرضى رقم 3 واحتلال المواقع المجهزة فى العمق وانتهت المعركة فى الساعة الثانية ظهرا وبمجرد انتهاء المعركة اتخذ قائد الفرقة الثانية قراره بتطوير الهجوم شرقا لتحقيق المهمة التالية للفرقة .تحقيق أهداف المرحلة الأولى من خطة بدر جائت نتائج الهجوم المضاد الذى جرى يوم 8 أكتوبر مخيبة لآمال الإسرائيليين ففى قطاع الجيش الثانى فى الشمال تمكنت الفرقتان 18 مشاة فى قطاع القنطرة و16 مشاة فى قطاع الدفرسوار – الإسماعيلية شرق من صد الهجمات المضادة التى تعرضت لها وحداتهما منذ صباح يوم 8 أكتوبر وأوقعت بالهاجمين خسائر جسيمة أما فى قطاع الفردان فقد تمكنت الفرقة 2 مشاة من سحق اللواء المدرع الذى كان يتولى قيادته العقيد نيتكا ومن أسر قائد إحدى كتائبه وهو العقيد عساف ياجورى وكذا فى إلحاق خسائر فادحة باللواء المدرع الذى كان يقوده العقيد جابى وإزاء الخسائر الجسيمة التى حاقت بالفرقة المدرعة الإسرائيلية فى أثناء قيامها بالهجوم المضاد الرئيسى على فرق المشاة المصرية فى قطاع الجيش الثانى اضطر الجنرال إبراهام أدان (برن) قائد الفرقة إلى إصدار أوامره إلى قادة ألويته المدرعة الثلاثة (العقيد نيتكا وجابى وآربيه ) بالانسحاب شرقا صوب الطريق العرضى رقم 3 واحتلال المواقع المجهزة فى العمق . وقد لعبت مدفعية الجيش الثانى دورا بارزا فى تشتيت شمل وحدات الهجوم المضاد الإسرائيلى إلى درجة أن مركز قيادة الجنرال أدان المتقدم وقع قبل انتهاء المعركة تحت وابل من نيران المدفعية المصرية فقتل احد ضباط أركان حربه واضطر الجنرال أدان إلى القفز من مكانه والابتعاد بمركز قيادته بعيدا عن نيران المدفعية .وقام نائب الجنرال أدان بإخلاء الجرحى بنفسه من مركز القيادة إلى نقطة إسعاف خلفية .وكان الجنرال جونين قائد القيادة الجنوبية الإسرائيلية قد ارتكب خلال ذلك الهجوم أخطاء تكتيكية جسيمة كان من ابرزها إصدار الأمر إلى الجنرال شارون المتمركز بفرقته المدرعة فى القطاع الأوسط بالتحرك من قطاعه إلى اتجاه السويس فى الجنوب للقيام بهجوم مضاد على الجيش الثالث وفقا للخطة الموضوعة من قبل تحت تأثير اعتقاد خاطىء بأن خطته تنفذ بنجاح .ولو كان الجنرال جونين قد عرف الوضع الحقيقى لقواته فى ساحة القتال كما كان واجبه بوصفه قائدا عاما للجبهة الجنوبية لما أصدر هذا الأمر الخاطىء .فلقد كان الموقف يستدعى منه سرعة تحريك فرقة شارون إلى الشمال وليس إلى الجنوب لتدعيم فرقة الجنرال أدان التى كانت ألويته المدرعة تتلقى وقتئذ أقص الضربات من القوات المصرية وكانت فى أشد الحاجة إلى نجدة قوية لتعزيز هجومها المضاد الذى لم يلبث أن فشل تماما فى حوالى الساعة الواحدة ظهرا .وعندما تنبه جونين أخيرا إلى خطورة موقف الجنرال أدان فى الشمال تدارك الخطأ التكتيكى الذى ارتكبه فأصدر أمرا ثانيا إلى الجنرال شارون الذى كان وقتئذ مندفعا بفرقته نحو الجنوب بوقف تقدمه فى اتجاه السويس والعودة ثانية إلى قطاعه والاشتراك فى الهجوم على القوات المصرية لمحاوله تدعيم وضع فرقة الجنرال أدان المتدهور فى الشمال . ولكن الجنرال شارون أجابه بأنه لم يعد فى مقدرة فرقته بعد كل هذه التحركات الطويلة التى قامت بها والتى ضاعت هباء القيام بهجوم مضاد على قوات الجيش الثانى لنجدة الجنرال أدان .وفى الوقت الذى لحق فيه الفشل بالخطط الإسرائيلية وتوالت فيه الضربات الموجعة على قواتها المدرعة فى سيناء كان يوم الاثنين 8أكتوبر يوما ناجحا بالنسبة للقوات المصرية على جميع المستويات فعلى أثر صد الهجمات الإسرائيلية المضادة على رءوس الكبارى المصرية فى القطاع الشمالى على الضفة الشرقية للقناة صدرت أوامر اللواء سعد مأمون قائد الجيش الثانى إلى قادة الفرق 16و2و18 مشاة بتطوير الهجوم شرقا وتوسيع رءوس كبارى الفرق بالتنسيق والتعاون بعضها مع بعض للاستيلاء على الخط العام بعمق 8-10كم شرق القناة المحدد لها كمهمة تالية وفقا للخطة الموضوعة مع تدمير وتصفية جميع النقط القوية للعدو فى قطاع هذه الفرق والاستعداد لصد وتدمير الهجوم المضاد الرئيسى المنتظر للعدو .وبناء على تلك الأوامر أصدر قائد كل فرقة من الفرق المشاة الثلاث أمره إلى لواءى النسق الأول المشاة بتوسيع رأس الكوبرى وتأمين دفع لواء النسق الثانى (اللواء المشاة الميكانيكى بكل فرقة ) بقصفة نيران لمدة 15 دقيقة بواسطة مجموعات مدفعية الألوية ومجموعة مدفعية الفرقة لكى يتم للواء المشاة الميكانيكى تحت غطاء المدفعية اتخاذ وضعه الجديد فى المسافة الخالية بين لواءى النسق الأول ليصبح تشكيل كل فرقة فى أثناء تقدمها إلى خط المهمة التالية هو ثلاثة ألوية مشاة فى النسق الأول بينما يصبح اللواء المدرع الملحق بالفرقة هو النسق الثانى لها .ففى قطاع الفرقة الثانية بالفردان أصدر قائد الفرقة العميد حسن أبو سعدة أمره إلى تشكيلات ووحدات الفرقة باستغلال النجاح وتطوير الهجوم شرقا وفقا للخطة الموضوعة للاستيلاء على خط المهمة التاليةبالتعاون مع قوات الفرقة 16 مشاة على الجنب الأيمن للفرقة مع سرعة تدمير نقطتى العدو القويتين فى الفردان (هيزانون ) ونمرة 6 الإسماعيلية شرق (بوركان) .وفى ساعةس (الرابعة مساء) بدأت قوات الفرقة الثانية فى التقدم شرقا بعد قصفة نيران مركزة لمدة 15 دقيقة وتمكنت ألوية النسق الأول الثلاثة من الضغط على بعض سرايا الدبابات الإسرائيلية التى تلركها العدو لحماية انسحاب قواته بعد فشل الهجوم المضاد مما أدى إلى تدمير عدد من هذه الدبابات وإجبار الباقى منها على الانسحاب شرقا. وقد نجح اللواء الأيمن فى الفرقة فى مفاجأة العدو واقتحام أحد مراكز قيادته الأمامية فى تبة الشجرة والاستيلاء عليه بكامل وثائقه واسلحته ومعداته وكان الإسرائيليون يطلقون عليه أسم (موقع حموتال ) Hamutal.ونظرا لارتفاع هذا الموقع وتحكمه فى مدخل الطريق الأوسط (الإسماعيلية شرق-الطا سة ) وسيطرته على كل المنطقة المحيطة به فقد اعتبرت القيادة الإسرائيلية أن سقوطه فى يد المصريين يعد خسارة تكتيكية فادحة بالنسبة لها وفى حوالى الساعة التاسعة مساء نجحت ألوية الفرقة الثلاثة فى الاستيلاء على الخط العام تبة الشجرة –بير الهودة بعمق 8 كم شرق القناة محققة بذلك المهمة التالية للفرقة وخلال معركة الاستيلاء على خط المهمة التالية نجحت كتيبة من اللواء الأيسر للفرقة الثانية فى اقتحام نقطة العدو القوية فى الفردان (حصن هيزانون ) فى قتال متلاحم اتسم بالشراسة والعنف ورفعت عليه العلم المصرى فى الساعة الخامسة مساء وبلغت خسائر حامية الحصن 15 قتيلا من بينهم ضابط وتسعة من الأسرى وكمية كبيرة من الأسلحة والمعدات وفى ليلة 8/9أكتوبر قامت قوة مشاة ميكانيكية من اللواء المشاة الميكانيكى بتصفية وتطهير نقطة العدو القوية نمرة 6 الإسماعيلية شرق ( حصن بوركان ) تحت إشراف رئيس عمليات الفرقة واستولت على ما فيه من أسلحة ومعدات ووثائق .وأصدر قائد الفرقة الثانية أمره إلى وحداته لتعزيز خط المهمة التالية وإجراء التجهيزات الهندسية اللازمة وتنسيق خطط الطيران استعدادا لصد هجوم العدو المضاد المنتظر وفى قطاع الفرقة 16 مشاة الممتد من الدفرسوار إلى الإسماعيلية شرق وعقب صد الهجمات المضادة التى قام بها لواء العقيد آربيه على مواجهة الفرقة صباح يوم 8 أكتوبر أصدر قائد الفرقة العميد عبد رب النبى حافظ أمره فى حوالى الساعة الثانية ظهرا بتطوير الهجوم شرقا لتحقيق المهمة التالية للفرقة مع مهاجمة نقطة العدو القوية فى الدفرسوار ( حصن متسميد) والاستيلاء عليها وكان الحصار مضروبا عليها منذ يوم 6 أكتوبر وفى ساعة س ( الواحدة والنصف ظهرا) بدأت قوات الفرقة 16 مشاة فى التقدم شرقا بعد قصفة نيران مركزة لمدة 15 دقيقة ودفعت تشكيلات الفرقة مجموعات اقتناص الدبابات إلى الأمام قبل موعد الهجوم لاصطياد دبابات العدو وكذا دوريات الاستطلاع لملاحقة تحركات قواته المنسحبةفى اتجاة الشرق وقبل الغروب تم لألوية الفرقة الثلاثة الوصول إلى الخط العام كثيب الخيل –أبو وقفة وقامت بتعزيز مواقعها الدفاعية وتنسيق خطط النيران والاستعداد لصد وتدمير الهجوم المضاد المنتظر للعدو بالتعاون مع الفرقة 2 مشاة التى على الجنب الأيسر للفرقة وخلال عملية تطوير الفرقة 16 مشاة لهجومها شرقا تم لها اكتشاف النقطة 57وهى نقطة قوية للعدو تقع جنوب غرب موقع الطالبة وعلى مسافة 8 كم شرق القناة وقد نجح العدو فى القيام بعملية إخفائها وتمويهها إلى الحد الذى جعل عناصر الاستطلاع المدفوعة من تشكيلات الفرقة للأمام تعجز عن اكتشافها كما لم تظهر بتاتا فى الصور الجوية التى التقطت للمنطقة وقد بقيت هذه النقطة القوية مخفاة عن أعين القوات المصرية منذ بدء العبور يوم 6 أكتوبر حتى بدء تطوير الهجوم للفرقة 16 مشاة بعد ظهر يوم 8 أكتوبر إذ قامت حاميتها بفتح نيرانها على كتيبتى النسق الأول من اللواء الأوسط فى تشكيل الفرقة (اللواء المشاة الميكانيكى ) بعد أن تجاوزتها الكتيبتان بهدف إحباط الهجوم وقطع خط الرجعة عليهما ولكن كتيبة المشاة الميكانيكية التى كانت تعمل كنسق ثان للواء الميكانيكى قامت فى الحال بالاشتباك مع القوة الإسرائيلية ونجحت إحدى سراياها فى اقتحام النقطة الحصينة والاستيلاء عليها بعد أن دمرت دبابتين وثلاث عربات لورى وعربيتين مدرعتين وبتفتيش النقطة عثر فيها على خرائط ووثائق مهمة وجهاز ضخم للرؤية الليلية وعدد وافر من الأسلحة والمعدات كما تم العثور على تكديسات ضخمة من الذخيرة والتعينات والمياه تكفى حاميتها للقتال لمدة أسبوعين ونظرا لأهمية هذه النقطة وتحكمها فى كل المنطقة المحيطة بها حاول العدو استردادها بشتى الوسائل مما دعاه إلى أن يشن عليعا خمس هجمات مضادة متتالية يومى 8و9 أكتوبر ولكنها صدت جميعا بعد أن تكبد العدو خسائر كبيرة .وخلال عملية تطوير الهجوم قامت كتيبة من اللواء الأيمن للفرقة 16 مشاة بالهجوم على النقطة القوية فى الدفرسوار (حصن متسميد) وهى نقطة قوية التحصين علاوة على أهميتها الحيوية نظرا لوقوعها عند نقطة التقاء قناة السويس مع البحيرة المرة الكبرى وكانت تتكون من موقعين حصينين تفصلهما مسافة حوالى 500 متر وتوجد فى المسافة بينهما نقطة تابعة لهيئة الرقابة الدولية وقد بدأ هجوم الكتيبة المشاة فى الساعة الثامنة مساء وعندما فشل الهجوم عادت الكتيبة المصرية لتشن هجومها مرة ثانية بعد منتصف الليل وتمكنت بعد قتال عنيف من الاستيلاء على الموقع الذى فى الشمال وباستخدام الموقع الذى سقط فى يدها كقاعدة نيران قامت الكتيبة بالهجوم على الموقع الجنوبى واستولت عليه قبل الفجر وغنمت كل ما كان داخل الحصن من أسلحة ومعدات ووثائق ومؤن وتم لها أسر 5 ضباط و32 صفا وعسكريا وثلاثة أفراد من أعضاء هيئة الرقابةالدولية كما عثر بداخله على 20 قتيلا .وفى خارج رأس الكوبرى الفرقة 16 مشاةوإلى الجنوب الشرقى من النقطة القوية بالدفرسوار (متسميد) التى تم الاستيلاء عليها كانت تقع على الطرف الشمالى الشرقى من البحيرة المرة الكبرى نقطة قوية أطلق عليها المصريون اسم تل سلام (حصن لاكيكان) وقد ثبت من المراجع الإسرائيلية أن حامية الحصن قامت بإخلائه يوم 8 أكتوبر واعتلى جميع أفرادها العربة نصف جنزير الوحيدة التى كانت لديهم وتمكنوا فى خلال ساعة من الوصول إلى خطوط الجيش الإسرائيلى وقد ظل هذا الحصن خاليا بعد أن تركته حاميته الإسرائيلية إذ لم تكن ضمن مسئولية الفرقة 16 مشاة احتلال هذا الموقع الذى كان يقع إلى الشرق من رأس كوبرى الفرقة بمسافة تبلغ حوالى 5 كم وفى الوقت الذى قامت فيه الفرقتان 2و16 مشاة بتطوير هجماتهما نحو الشرق قامت الفرقة 18 مشاة بقيادة العميد فؤاد عزيز غالى فى قطاعها فى أقصى الشمال (منطقة شمال البلاح –القنطرة –الكاب) بتطوير هجومها شرقا بعد دفع لواء النسق الثانى تحت قصف مدفعى مركزلمدة 15 دقيقة .ونظرا لعدم اصطدامها فى أثناء تقدمها بأى قوات للعدوفقد نجحت فى مساء يوم 8 أكتوبر فى الوصول إلى الخط المحدد لمهمتها النهائية بعمق حوالى 10كم شرق القناة دون التوقف على خطة المهمة التالية وأخذت فى تنظيم الدفاع عن رأس كوبرى الفرقة استعدادا لصد وتدمير احتياطيات العدو التعبوية التى كان من المنتظر قيامها بالضربات المضادة . وفى قطاع الجيش الثالث فى الجنوب أصدر اللواء عبد المنعم واصل قائد الجيش الثالث الميدانى أوامره يوم 8 أكتوبر إلى قائدى الفرقتين 19و7 مشاة بعد صد هجمات العدو التكتيكية على فرقتيهما بتطوير هجومهما شرقا للوصول إلى خط المهمة التالية ونظرا لعدم قيام العدو صباح يوم 8 أكتوبر بهجمات مضادة رئيسية على رأس كوبرى الفرقة 19 مشاة ، فقد أصدر العميد يوسف عفيفى قائد الفرقة أمرة إلى تشكيلات فرقته بالتقدم فى اتجاه الشرق لتحقيق المهمة التالية وحاولت مجموعات من دبابات العدو عرقلة تقدم قوات الفرقة بالقيام بهجمات مضادة على نقط الاتصال بين الوية النسق الأول ،ولكنها باءت بالفشل بسبب كثافة نيران المدفعية وقيام الطائرات المصرية بمهاجمة مرابض مدفعية العدو بعيدة المدى من عيار 175 مم . وكانت النقطة القوية الإسرائيلية شرق نقطة الكوبرى (حصن مفزية Mafzeah)قد تم حصارها بقوة من اللواء الأيسر من الفرقة 19 مشاة منذ بدء العبور يوم 6 أكتوبر . ورغم قيام القوة المصرية بمهاجمتها مرتين فإنها لم تتمكن من اقتحامها ، وكان السبب الرئيسى لفشل الهجوم هو تعرض القوة المصرية المهاجمة لنيران المدفعية الإسرائيلية البعيدة المدى والطيران بدقة شديدة ، مما جعل قائد اللواء الأيسر للفرقة يستنتج أن هناك دون شك نقطة ملاحظة قريبة تدار منها مدفعية وطيران العدو . ونظرا لوجود نقطة رقابة دولية جنوب الحصن الإسرائيلى بمسافة 200 متر ، فقد كلف قائد اللواء كتيبة مشاة لدفع مجموعة منها لتفتيش نقطة الرقابة الدولية . واكتشفت المجموعة عند دخولها النقطة الدولية وجود ضابط إسرائيلى برتبه ملازم أول وكان مزودا بجهاز توجيه طائرات وجهاز إرسال لاسلكى لإدارة نيران المدفعية ، فقامت القوة بأسره ومعه كل أجهزته . ومنذ تلك اللحظة توقفت نيران مدفعية العدو بعيدة المدى وطيرانه ، وأصبح من المتيسر لقواتنا اقتحام حصن مفزية . وعلى ذلك قامت قوة من اللواء الأيسر للفرقة 19 مشاة بمهاجمة الحصن الإسرائيلى للمرة الثالثة ونجحت فى اقتحامه والاستيلاء عليه فى الساعة الثالثة مساء يوم 8 أكتوبر ، وبلغت خسائر العدو 38 قتيلا و15 أسيرا من بينهم ضابط ، وتم الإستيلاء على كمية ضخمة من الأسلحة والمعدات . وبعد ظهر 9 أكتوبر ، تمكن اللواء 2 مشاة ميكانيكى بقيادة العقيد الفاتح كريم من احتلال جبل المر المتحكم فى المنطقة . وعلى أثر ذلك قامت الفرقة 19 مشاة بتطوير هجومها شرقا والاستيلاء على الخط العام :جبل أبو غلام وجبل المر واتجاة مضيق متلا بعمق 8 كم شرق القناة ، محققة بذلك المهمة التالية للفرقة . وقامت بتعزيز الموقع الدفاعى وتنسيق خطط النيران والاستعداد لصد الهجوم المضاد التعبوى المنتظر من العدو والتعاون مع الجار الأيسر - الفرقة 7 مشاة - تمهيدا لتحقيق المهمة النهائية والدخول فى رأس كوبرى الجيش . وفى قطاع الفرقة 7 مشاة ارتد العدو الذى كان يحتل خط نيران أمام مواجهة اللواء الأيسر للفرقة فى أول ضوء يوم 8 أكتوبر . وفى الساعة الحادية عشرة قبل الظهر تم دفع اللواء المشاة الميكانيكى بين لواءى النسق الأول بعد قصفة نيران مركزة من المدفعية استعداداَ لتطوير الهجوم شرقا لتحقيق المهمة التالية للفرقة . وحتى يمكن تأمين تقاطع طريق الشط – مضيق الجدى ، وهى المنطقة التى اتخذ منها العدو قاعدة لانطلاق هجماته المضادة على الجانب الأيسر للفرقة نظرا لطبيعتها الحاكمة فى المنطقة ، أصدر قائد الفرقة السابعة العميد أحمد بدوى أمره إلى قائد اللواء 2 المدرع المستقل الملحق على الفرقة بدفع سرية دبابات لحتلا ل منطقة التقاطع والعمل كحرس جنب للفرقة . وفى الساعة الرابعة مساء ، أصدر قائد الفرقة 7 مشاة أمره إلى ألوية الفرقة للبدء بالتقدم لتطوير الهجوم شرقا إلا أن شن هجمات مضادة قوية على الجنب الأيسر للفرقة ، مما عطل عملية الهجوم حتى الساعة السابعة والنصف مساء ، ولذا أمر قائد الفرقة بدفع دورية استطلاع خلف خطوط العدو إلى منطقة جوز الجراد شمال طريق مضيق الجدى للتبليغ عن أوضاع ونشاط العدو فى مواجهة الفرقة . كما أصدر أوامره بدفع سرية دبابات ومعها فصيلة مشاة ميكانيكية للانضمام إلى الكتيبة 603 مشاة ميكانيكية من اللواء 130 المشاة الميكانيكى البرمائى ، والتى توقفت جنوب كبريت شرق بعد عبورها البحيرة المرة الصغرى بعد ظهر يوم 6 أكتوبر ، وعجزت بعد ذلك عن تنفيذ المهمة التى أسندت إليها وهى التقدم على طريق الشط – مضيق متلا ؛للاستيلاء على مدخله الغربى .وكان هدف قائد الفرقة من حشد هذه القوة هو توجيهها لتدعيم سرية الدبابات التى سبق إرسالها للعمل كحرس جنب عند تقاطع طريقى الشط – الجدى ،على أن يتم احتلالها الموقع قبل آخر ضوء يوم 8 أكتوبر .وفى الساعة السابعة والنصف مساء ،بدأت تشكيلات الفرقة فى التقدم فى اتجاه الشرق فاندفع المشاة مترجلين ، وخلفهم وعلى مسافة 200 متر تقدمت الدبابات تليها ناقلات الجنود المدرعة .وتمكن اللواء الأيمن للفرقة من تحقيق مهمته والوصول إلى خط رأس كوبرى الفرقة المحدد بعمق 8كم شرق القناة بعد منتصف الليل .ولكن اللواء المشاة الميكانيكى الذى كان فى النسق الأول وفى منتصف تشكيل الفرقة تعرض جنبه الأيمن عدة مرات لهجمات مضادة قوية من دبابات العدو ،مما عطل تقدمه إلى خط المهمة التالية كما تعطل أيضا تقدم اللواء الأيسرللفرقة بسبب هجمات العدو المضادة . مما دفع قائد الفرقة العميد أحمد بدوى إلى إصدارأمره إلى قائد اللواء 25 المدرع المستقل بدفع كتيبة دبابات للالتفاف حول الجنب الأيسر للعدو وتدميره ، إلا أنه نظرا لرداءة الرؤية وعدم الإلمام بطبيعة الأرض عجزت الكتيبة المدرعة عن الوصول إلى الخط المحدد لها ، ولكنها نجحت فى التحول إلى خط نيران أمام مواجهة العدو وأجبرته بنيران مدافعها على الارتداد شرقا فى الساعة السادسة والنصف صباح يوم 9 أكتوبر .وفى الساعة الواحدة والربع ظهراَ،تمكنت سرية دبابات اللواء المدرع المدعمة بفصيلة مشاة ميكانيكية ، بالتعاون مع الكتيبة 603 من اللواء 130المشاة الميكانيكى البرمائى من الاستيلاء على النقطة القوية للعدو شرق كبريت(حصن بوتزر )دون قتال ، فقد اتضح أن العدو أخلاها مساء يوم 8 أكتوبر .وفى الساعة التاسعة مساء يوم 9 أكتوبر ، تم لألوية الفرقة 7 مشاة احتلال أوضاعها النهائية فى رأس كوبرى الفرقة وتحقيق المهمة التالية ، وبدأت أعمال التجهيز الهندسى وتعزيز الخطوط المكتسبة ورص الألغام أمام الحد الأمامى . وأمر قائد الفرقة بتعليمات من قائد الجيش الثالث بدفع مفرزة على الجنب الأيسر للفرقة مكونة من كتيبة مشاة مدعمة بسرية دبابات لتأمين الجنب الأيسر للجيش وتأمين القوات التى احتلت موقع كبريت .وعلى لأثر وصول فرق المشاة الخمس فى قطاعى الجيش الثانى والثالث إلى خط المهمة التالية ، انتقات مراكز القيادات الرئيسية للفرق والألوية إلى محلاتها شرق القناة ، وفى الوقت نفسه تم عبور باقى مجموعات مدفعية الألوية ومدفعية الفرق واتخذت محلاتها شرق القناة ، وفى ليلة 8/9أكتوبر بدأت الأرتال الإدارية فى عبور قناة السويس على الكبارى تحمل التعيينات والمياة والذخيرة وبخاصة ذخيرة الدبابات والأسلحة المضادة للدبابات والمدفعية التى استهلكت منها كميات كبيرة .وتدفقت حوالى 1000عربة لورى خصصت للجيش الثانى وحوالى 700 عربة لورى خصصت للجيش الثالث عبر قناة السويس وهى محملة باكداس من المؤن والتشوينات ليتماستعاضة ما استهلكته تشكيلات ووحدات الفرق .وقبل أول ضوء يوم 9 أكتوبر عادت العربات الإدارية قبل الفجر إلى الضفة الغربية بعد أن تم تحميلها بالجرحى المصريين ،وكذا بجرحى وأسرى العدو . عوامل فشل الهجوم المضاد الرئيسى لإسرائيل انتهى الهجوم المضاد الإسرائيلى يوم 8 أكتوبر بفشل تام ، فقد عجزت القوات المدرعة الإسرائيلية عن اختراق المواقع المصرية فى القطاع الشمالى من الجبهة حيث تتمركز قوات الجيش الثانى ، وتبددت أحلام الجنرال جونين قائد القيادة الجنوبية فى الاستيلاء على بعض الكبارى المصرية فوق قناة السويس سليمة لتعبر عليها قواته إلى الضفة الغربية للقناة ، وبالتالى لم تحقق القيادة الإسرائيلية أى أهداف تكتيكية أو تعبوية بعد ذلك الهجوم المضاد الفاشل ، وفى الوقت الذى لم تكن فيه القوات المصرية قد استكملت بعد كل وسائلها الدفاعية وانتهت من تثبيت أقدامها على الشاطىء الشرقى للقناة . ولقد كان هذا الفشل نتيجة طبيعية لعدة عوامل وأخطاء تكتيكية يمكن إيجازها فيما يلى : ●عند استخدام الدبابات فى الهجوم المضاد يوم 8 أكتوبر ، كان المتوقع أن تقوم القيادة الإسرائيلية باستغلال ما تملكة من خفة حركة وحرية فى المناورة للقيام بحشد دباباتها فى أحد قطاعات الجبهة لتوجيه ضربة مركزة على مواجهة ضيقة ، وهو الاستخدام الأمثل للدبابات للحصول على نتائج حاسمة ، ولكنها على العكس من ذلك استخدمت فرقها المدرعة فى توجيه ضربات متفرقة وعلى موجات واسعة ، مما ترتب عليه فشل هذه الهجمات جميعا . ولو كان الهجوم المضاد قد تم تركيزه بفرقتى الجنرالين أدان وشارون معا ضد قطاع الفردان مع تدعيمه بمعاونة كافية من المدفعية والطيران ، لكان الاحتمال كبيرا فى أن تتمكن الفرقتان من اختراق هذا القطاع والوصول إلى خط المياة . وقد خالف الجنرال أدان هو الآخر المبدأ التكتيكى السليم فى استخدام الدبابات ، فدفع بألويته الثلاثة المدرعة لمهاجمة قطاع الجيش الثانى وهى متفرقة ومبعثرة بدلا من استخدامها فى هجمة واحدة مركزة ضد أضعف أجزاء هذا القطاع . ظهر لقادة الوحدات المدرعة الإسرائيلية خلال المعارك أن تكتيكات الدبابات التى استخدمت بنجاح خلال حربى 1956 و 1967م , وهى الاندفاع بأقصى سرعة وسط المواقع المصرية لبث الذعر فى صفوف أفرادها وحملهم على الفرار , قد باءت هذه المرة بفشل ذريع . وظهر بوضوح خطأ المفاهيم التى تسربت إلى الفكر العسكرى الإسرائيلى نتيجة لتجارب الحربين السابقتين , وهو الاعتقاد بأن القوات المدرعة يمكنها العمل بحرية دون حاجة إلى دعم من المشاة أو معاونة من المدفعية . وبسبب هذا الخطأ دفعت الدبابات الإسرائيلية ثمنا باهظا و هى تواجه بمفردها آلافا من جنود المشاة المصريين الذى ثبتوا بشجاعة مذهلة وراء سواترهم , وأمطروا الدبابات الإسرائيلية بوابل من قذائف آر بى جى 7 وساجر (مالوتكا)الخارقة للدروع و القنابل اليدوية المضادة للدبابات ذات الحشوة المجوفة من طراز حسام وبى جى 43 مما أوقع بالدبابات خسائر فادحة. • كان النقص الواضح فى بطاريات المدفعية الإسرائيلية سببا فى ضآله كمية النيران التى سقطت على المواقع المصرية لتغطية و تدعيم الهجوم الإسرائيلى . و كان من ضمن اسباب ذلك تأخر وصول بطاريات المدفعية الاحتياطية من مركز تجميع الاحتياط ببئر السبع ,نظرا لجو الارتباك العام الذى ساد عملية استدعاءالاحتياطى فى بادىء الأمر بتأثير المفاجأة الإستراتيجية التى حاقت بإسرائيل ,علاوة على أن القيادة الإسرائيلية قامت بدفع معظم القوات الاحتياطية فى المرحلة الأولى من الحرب إلى جبهة الجولان, نظرا لخطورة الوضع على الجبهة الشمالية بالنسبة لقربها الشديد من المراكز الإسرائيلية ذات الكثافة السكانية .و نتيجة لهذه العوامل تأخر وصول بطاريات المدفعية التابعة لفرقة الجنرال أدان,مما حمل الجنرال جونين على تخصيص بطاريتين فقط من فرقة شارون لمعاونته فى هجومه,و كان ذلك يعنى أن معاونة المدفعية للهجوم المضاد الرئيسى كانت غاية فى الضعف , و كان ذلك بلا شك من عوامل فشله. • لم تكن حرب اكتوبر فى مرحلتها الأولى حرب حركة كما جرى فى حرب يونيو 1967م , ولم تكن قتالا بين الدبابات بعضها وبعض , وإنما كانت معركة نيران وقتال ضار بين مدرعات إسرائيلية وقوات مشاة مصرية , اضطرت فيه الدبابات الإسرائيلية إلى الاعتماد على مدافعها الذاتية للدفاع عن نفسها ضد المشاة المصريين الذين أثبتوا تفوقهم عليها بما كانوا يحملونه من صواريخ فتاكة وأسلحة خارقة للدروع . ولو كان برفقة الدبابات الإسرائيلية فى المرحلة الأولى من الحرب وحدات كافية من المشاة الميكانيكية ومن المدافع ذاتية الحركة والهاونات الخفيفة والثقيلة , لكان المشاة المصريين قد تعرضوا لخسائر فادحة. • كانت المعاونة الجوية لقوات الجنرال أدان فى أثناء قيامها بالهجوم المضاد محدودة , ورغم الإلحاح المستمر من قادة الألوية المدرعة فى طلب المساعدة الجوية , فإن القيادة الجنوبية عجزت عن توفيرها لهم بالحجم المطلوب , فقد كانت أعنف المعارك مشتعلة وقتئذ على جبهة الجولان بعد أن ألقى السوريون بكل ثقلهم فيها , ودفعوا باحتياطهم الأخير من القوات المدرعة فى المعركة , وأصبح الجيش السورى بأكمله على اتصال قتالى مع الجيش الإسرائيلى الذى كانت تشكيلاته الاحتياطية قد تم وصولها إلى ساحة القتال ,وبذا أوشكت المعركة الضاربة على الوصول إلى نهايتها الحاسمة , مما جعل القيادة الإسرائيلية تعجل بدفع معظم الجهود الجوى الإسرائيلى صوب جبهة الجولان .

تبادل الاتهامات بين جونين وأدان هناك حكمة قديمة تقول :(للنصر آباء كثيرون بينما الهزيمة يتيمة). وقد ثبتت صحة هذه الحكمة بعد فشل الهجوم المضاد الإشرائيلى يوم 8 أكتوبر على قطاع الجيش الثانى والثالث . فقد حاول الجنرال جونين إلقاء تبعة الفشل على عائق الجنرال إبراهام أدان (برن) الذى قامت فرقته المدرعة بالهجوم المضاد, ولكن لجنة تقصى الحقائق التى أمرت الحكومة الإسرائيلية بتشكيلها فى أواخر نوفمبر 1973م برئاسة القاضى شمعون أجرانات رئيس المحكمة العليا , لمعرفة أسباب التقصير الذى وقع فى حرب أكتوبر , حملت فى تقريرها صراحة الجنرال جونين قائد القيادة الجنوبية المسئولية الرئيسية فى هزيمة الثامن من أكتوبر , فقد ذكرت فى تقريرها : (إن الجنرال جونين لم يعد خطة عمليات مفصلة , ولم يهتم بإرسال خطة العمليات إلى قادة فرقه, ولم يتأكد من تجمع قواته وإستعدادها على النحو المطلوب للقيام بمهامها . ولم يكلف نفسه عناء الذهاب إلى مسرح العمليات لكى يطلع بنفسه على ما يحدث هناك. وقد اتخذ قرارات حاسمة بتحريك الفرق المدرعة من قطاع لآخر بسرعة , قبل أن يتأكد بشتى الوسائل عما إذا كانت المهام قد أنجزت كما حددها رئيس الأركان العامة له كشرط لتحريك هذه القوات من قطاع الآخر , وقام بتغيير مهام الفرق المدرعة عدة مرات فارضا عليها مهام أخرى دون توعية كل فرقة بأوضاع قواتها وقوات العدو . وعمل بالتدريج على تقليص الهدف والوسيلة التى كلفه بها رئيس الأركان , وذلك بتحمسه للعبور بسرعة دون تهيئة الظروف الضرورية لمثل هذه العملية الخطيرة ). ولقد ثبت أن جونين قد نجح فى الحصول على تصديق الجنرال ديفيد أليعاذر على خططه عن طريق التقارير الخاطئة التى كان يرسلها إليه , والتى صورت لرئيس الأركان وضعا يخالف ما كان واقعا بالفعل . وقد وجه اللوم إلى رئيس الأركان لمنحه جونين التصديق على عبور قواته قناة السويس واحتلال مواقع الضفة الغربية للقناة , وموافقته على الأمر الذى أصدره للجنرال شارون بالتحرك بفرقته جنوبا فى اتجاه السويس للهجوم على الجيش الثالث , بينما كان الموقف يستدعى تحريكه شمالا لنجدة الجنرال أدان وتدعيم هجومه . لكن رئيس الأركان برر ذلك بأنه قد تخلى عن الحذر الواجب نظرا لأن الجنرال جونين كان يعطيه بتقاريره وببياناته الانطباع بأن كل شى كان يجرى على ما يرام وقد اعترف الجنرال أبراهام أدان فى كتابه (على ضفتين قناة السويس) الذى أصدره باللغة العبرية بعد الحرب , بالأخطاء الشخصية التى أرتكبها خلال الهجوم المضاد الذى قامت به فرقته المدرعة يوم الأثنين 8 أكتوبر , فقال بصراحة تامة :( كانت أكبر أخطائى هو هجومى فى اتجاه القناة . لقد أحسست فى الثامن من أكتوبر بضغوطهم علي بينما لم يكن يحدث مثل ذلك فى الحروب السابقة , ولم يكن أمامى مفر سوى أن أستجيب . لم أعرف أن الخطة المتفق عليها فى اليوم السابق قدغيرت , وبينما كنت فى حالة من التردد إذا بأوامر يورى بن آرى (نائب جونين ) تدفع بى للإقتراب بقواتى من القناة و اشترطت بهجومى على القناة ضرورة حصولى على معونة جوية ومساعدة من المدفعية وتدعيمى بكتيبة مدرعة من فرقة شارون . لست أتنصل من مسئولية ما حاق بالفرقة المدرعة التى توليت قيادتها من فشل , فقد كان الأسلوب القتالى للفرقة متخلفا , وكان التنسيق والسيطرة من جانبى على قواتى غير كافيين , وفى الهجوم الثانى لم أنجح فى تدعيم لواء نيتكا حتى لا يهاجم العدو بمفرده , وكان قادة ألويتى المدرعة على نفس هذا الحال فقد كانت سيطرتهم وتنسيقهم بين قواتهم غير كافين , ولم يكن هناك مبرر ليدفعوا بنا للهجوم على مقربة من القناة فى الوقت الذى كان علينا فيه أن ننتشر جنوبا. لقد كان أساس الفشل أننا هاجمنا وحدنا بلا مشاة وبلا مساعدة سواء من المدفعية أو من الطيران لقد وعدنا جونين بالمساعدة الجوية ولكن اتضح لنا بعد ذلك أن المساعدة الجوية مبعثرة ومشتتة فى كل مكان , فمن بين عشرات الطلعات التى قامت بها طائراتنا لمساعدة القوات الأرضية لم تقم إلا بأربع وعشرين طلعة فقط على قطاع الفردان ). وقد سجل الجنرال أدان –بالإضافة إلى اعترافه بأخطائه الشخصية – مسئولية قادة الفرق الأخرين فى وقوع الهزيمة , وركز بالذات على دور الجنرال شارون فى هزيمة الثامن من أكتوبر , فقال: (إن قادة الفرق لا يمكن أن ينقضوا عن كاهلهم غبار المسئولية بدعوى أنهم قد تلقوا أوامر . لقد تلقى شارون على سبيل المثال أمرا من جونين بمغادرة قطاعه , لكن تصرفه كقائد عسكرى يثير العجب . فقد أصدر لقادة ألويته أوامره بالتحرك فى اتجاه الجنوب دون أن يترك أى قوات لحماية القطاع الذى كان يحتله رغم نشاط العدو فى مواجهته , مما جعل قطاعه خاليا وكان معرضا للإحتلال بواسطة المصريين . وقبل تحرك شارون بفرقته لم يوضح حقيقة الموقف للجنرال جونين . ولا استطيع أن أغفل حقيقة مهمة , وهى أن هناك عنصرا حيويا وحاسما من شأنه أن يضعف أو يقوى القوات بميدان القتال , وهو أن تهب القوة لنجدة ومساعدة القوات المجاورة . وإنى لأواجه أقسى النقد لشارون لرفضه التنازل عن كتيبة مدرعة لتدعيم قواتى القائمة بالهجوم فى قطاع الفردان , وكذلك لرفضه بعد أن تلقى أمر جونين بالعودة إلى قطاعه ,و الإسراع بتدعيم هجومى و الاشتراك معى بفرقته, مما أدى بى إلى الفشل . كذلك من الواجب أن أذكر أن عدم السيطرة والتنسيق قد لوحظا على جميع مستويات القيادة , وتمثل ذلك فى أبشع صورة عندما عادت فرقة شارون من الجنوب إلى القطاع الأوسط الذى تركته. لم تعرف إطلاقا أن شارون قد عاد تانية ,مم تسبب فى أن وحدات من الفرقتين أطلقت بعضها على بعض النيران اعتقاد منها أنها تطلق النار على العدو). هذا وقد رد الجنرال أدان فى كتابة على الأنتقادات العنيفة التى وجهها له الجنرال جونين و اتهامه أياه بأنه كان السبب فى هزيمة 8 أكتوبر بقوله:(حاول جونين إلقاء تهمة ما حدث من فشل على شخصى,فادعى أن أوامره كانت منطقية و قابلة للتنفيذ,وأننى لو كنت قد قمت بالهجوم بطريقة مركزة من الشمال الى الجنوب بدلا من الشرق الى الغرب,لكنت قد حطمت بذلك الجناح الأيسر للعدو.لقد كان الهجوم بهذه الطريقة منطقية ما دمنا لانقترب من منطقة البطاريات ومصاطب غرب القناة, ولكن منذ اللحظة التى ضغط على فيها جونين للاقتراب من خط القناة و العبور من الشرق الى الغرب لاحتلال مواقع بالضفة الغربية للقناة , اضطررت إلى الهجوم بالطبع من الشرق إلى الغرب, كما أن الهجوم من الشمال إلى الجنوب بالقرب من القناة معناه تعريض جناح قواتى الأيمن للعدو الذى يملك بطاريات مدافع ومصاطب معدة غرب القناة لتطلق منها الدبابات نيرانها , ولكن تنطلق منها الصواريخ المضادة للدبابات سواء ذات المدى القصير أو البعيد , فى الوقت الذى تهيىءفيه القناة – بحكم أنها عائق مائى ضخم – وقاية وحماية للعدو من خطر انقضاضى وهجومى عليه. وبالنسبة لادعاد جونين عدم قيامى بحشد القوات وتركيز الهجوم المضاد فإنه هو شخصيا الذى أدى الدور الرئيسى فى ارتكاب هذا الخطأ . فعندما بحثنا فى مساءيوم 7أكتوبر الاحتمالات المختلفة للهجوم المضاد الذى سنقوم به فى اليوم التالى , وتقدم ألبرت ماندلر بقتراحه بشن هجوم مركز فى قطاع ضيق بفرقتين مدرعتين تمهيدا للعبور إلى الضفة الغربية رفض هذا الإقتراح . وما دام جونين قد قرر أن يكون الهجوم المضاد بفرقة واحدة فقط , فلماذا لم يسند هذه المهمة إلى فرقة شارون ؟ لقد كانت فرقته منتشرة بالقطاع الأوسط, وكان قد خطط واستعد للعملية من قبل , فلماذا يأتى جونين بفرقة أخرى من مسافة بعيدة للقيام بعمل لم تستعد له ؟ وإذا كانت المهمة قد أوكلت رغم هذه الظروف إلى فرقتى , فلماذا أصدر جونين الأمر إلى شارون بالتحرك من قطاعه إلى الجنوب قبل أن أبدأ هجومى الرئيسى , وبذلك كشف قطاعى فى الوقت الذى ضغط فيه على للتقدم بقواتى على وجه السرعة إلى الجنوب ؟ وفى وجه كل هذه الأخطاء كان من الطبيعى أن ينتهى هجوم فرقتى بالفشل الذريع . لقد خرجنا من الثامن من أكتوبر بدرس مهم مفيد , هو أن من السابق لأوانه التفكير فى القيام بهجوم مضاد على القناة والعبور إلى الضفة الغربية . لقد كان الهدف من الهجوم هو ضرورة انتزاع المبادأه بسرعة من أيدى المصريين , وإرباك وإضعاف صفوفهم , ووقف تقدمهم و استرداد أكبر أجزاء ممكنة من الأرض التى أخليناها . ولو كنا قد علمنا بأمر الوقفة التعبوية التى تضمنتها خطة القيادة المصرية عقب النجاح الذى أحرزته قواتها فى إنشاء منطقة رءوس الكبارى , لكنا قد فضلنا بلا شك الانتظار إلى أن يتم تجميع القوات الاحتياطية وتنظيمها وتزويدها بمعدات العبور , ولكننا للأسف لم نعلم ذلك ). وفى مجال تقييمنا لما ورد فى كتاب الجنرال أدان (على ضفتى قناة السويس )بشأن تحليله لأسباب فشل الهجوم المضاد الإسرائيلى يوم 8 أكتوبر , فإننا نعترف بأنه قد حلل ذلك الفشل من وجهة النظر الإسرائيلية بطريقة موضوعية , وإن كان قد اشتط بعض الشىء – ربما لدوافع شخصية- فى نقده اللاذع للجنرال جونين قائد القيادة الجنوبية والجنرال شارون قائد القطاع الأوسط فى جبهة سيناء , كما أنه أغفل السبب الرئيسى فى فشل الهجوم المضاد , وهو مقدرة وثبات القادة والقوات المصرية التى وقع ضدها هذا الهجوم . ولكن لابد أن نشيد بشجاعة الجنرال أدان الأدبية , فقد كشف بصراحة عن أخطائه الشخصية فى قيادة المعركة وأخطاء مرءوسيه من قادة الألوية المدرعة , دون محاولة لإيجاد التبريرات و الأعذار , وهو أمر نتمنى لو اتبعه غيره من قادة حرب أكتوبر سواء من الجانب العربى أو الإسرائيلى .

لماذا تعين بارليف ممثلا شخصيا لرئيس الأركان ؟ كان لأنباء فشل الهجوم المضاد يوم 8 أكتوبر أثر سىء فى نفوس المسئوليين الإسرائيليين فى تل أبيب , مما حدا بوزير الدفاع موشى ديان ورئيس الأركان الجنرال أليعازر إلى التوجه بطائرة هيليكوبتر إلى مقر القيادة الأمامية للجبهة الجنوبية فى أم مرجم بعد منتصف الليل , لعقد اجتماع عاجل مع الجنرال جونين و كبار ضباط القيادة , وكذا قادة الفرق المدرعة الثلاث أدان و شارون وماندلر . وافتتح جونين المناقشة بعد أن استأذن من وزير الدفاع . وأخذ فى سرد الوقائع التى جلرت محاولا تبرير الأخطاء التى وقع فيها , و لكنه أعترف فى هذه المرة صراحة بوجوب عدم معاودة الهجوم مرة أخرى على القناة , وعدم الأقتراب من حصون خط بارليف التى لا تزال محاصرة , وقرر أن من الخطأ التفكير فى عبور قناة السويس فى هذه المرحلة , واقترح أن يكون العبور من مكان آخر شمال خليج السويس . وأدلى قادة الفرق الثلاث بآرائهم , فكرر ألبرت ماندلر قائد القطاع الجنوبى – وكان بعد واحد من أقدر الخبراء فى حرب الدبابات – رأيه فى وجوب أن يكون الهجوم مركزا فى قطاع ضيق و بقوات كبيرة وبسرعة لضمان النجاح فى الوصول إلى القناة ومحاولة العبور إلى الضفة الغربية . ولكن شارون قائد القطاع الأوسط اعترض على اعتماد التخطيط الهجومى على احتلال جسور مصرية لما يحيط بهذه العملية من صعاب ومشكلات , وذكر أن الواجب هو أن تعد القيادة الإسرائيلية تجهيزاتها الخاصة لعملية عبور تعتمد فيها على معدات عبور إسرائيلية أما الجنرال أدان (برن) فقال إن العبور مرتبط بعملية اختراق صعبة وخطيرة , ولذا ينبغى الانتظار لحين استجماع الجيش لقواه , وأكد على ضرورة أن تكون المعركة القادمة معركة أسلحة مشتركة , أى أن تشترك مع الفرق المدرعة عند هجومها المدفعية والمشاة الميكانيكية و السلاح الجوى . ونظرا لأن معدات العبور ثقيلة الوزن ولم يتم اختبار عملية جر أى أجزاء منها من بعيد , فقد اقترح الجنرال أدان ضرورة تجربة جر هذه المعات فوق الرمال وتدريب بعض الوحدات على ذلك . وبعد أن قام رئيس الأركان فى النهاية بتلخيص الآراء التى نوقشت فى الاجتماع , حدد الخطة التى ستجرى على أساسها العمليات الحربية فى المستقبل , فقال:(ليس فى مقدرتنا أن نهاجم على جبهتين فى وقت واحد , ففى الجبهة الشمالية فى الجولان سنواصل هجومنا , بينما فى الجبهة الجنوبية فى سيناء سننتقل إلى الدفاع . إن مشكلتنا فى الجنوب هى منع المصريين من سحقنا ومن تحقيق إنجازات جديدة , ومع ذلك فعلينا أن نستجمع قوانا استعدادا للإنتقال إلى مرحلة الهجوم , وعلينا أن نبتعد عن الاشتباك مع العدو ونتجنب خوض معارك جديدة معه . فإذا ما حاول الاختراق شرقا فينبغى علينا وقفه بأقل قدر من الخسائر , بشرط ألا نمكنه من الوصول إلى الطريق العرضى (الطريق العرضى رقم 3 على مسافة حوالى 30 كم شرق القناة ) . علينا أن نستريح فى هذه الفترة بقدر الإمكان , وأن نعيد تنظيم وتعزيز قواتنا استعدادا للهجوم , وأن نصلح أكبر قدر من الدبابات المعطوبة . لقد دمرت فرقتا أدان وماندلر , أما فرقة شارون فهى الوحيدة التى نجت ولم تتكبد خسائر لذا فإن عليها الاستعداد لعبور القناة خلال بضعة أيام ). وبعد أن انتهى رئيس الأركان من حديثه , أنهى موشى ديان وزير الدفاع الاجتماع بالإدلاء بملاحظات مهمة , وهى أنه يشعر بقلق عميق إزاء الخسائر الكبيرة التى منيت بها إسرائيل , والتى سيكون لها تأثير كبير على مجرى الحرب , فإن كل ما تبقى فى الجبهة الجنوبية من دبابات يبلغ حوالى 400 دبابة , وليس لدى إسرائيل حاليا مصادر أخرى تعزز بها قواتها , ولذا فإن سياسة ادخار العتاد وإصلاحه التى تقررت تعد أمر بالغ الأهمية . وفور عودة وزير الدفاع ورئيس الأركان إلى تل أبيب , عقدا اجتماعا بغرفة عمليات القيادة العليا . ولأول مرة طرح موشى ديان على نطاق البحث فكرة تعيين قائد جديد للجبهة المصرية بعد أن أثبتت الوقائع الأخيرة أن قيادة الجبهة فى سيناء أكبر من قدرات الجنرال جونين , و أنه ينبغى تعيين قائد آخر محله . وبالإضافة إلى ذلك العامل المهم , كانت العلاقات بين جونين و شارون معقدة منذ البداية بسبب أن جونين سبق له الخدمة كقائد فرقة تحت قيادة شارون حينما كان قائدا للقيادة الجنوبية, وفجأة تبدل الوضع فإذا بجونين يصبح قائدا لشارون الذى تولى قيادة فرقة احتياطية بعد إحالته إلى التقاعد . وهكذا وجد شارون نفسه مرءوسا لمن كان هو قائده قبل أقل من ثلاثة أشهر فقط . ونظرا لأن شارون كان معروفا عنه لدى الجميع أنه شخص مشاكس وعنيد , وقد عجز كبار القادة من قبل عن إخضاعه و ترويضه , فقد أصبح إخضاع شارون إحدى مشكلات جونين الرئيسية . وعندما علم جونين أن شارون بعد توليه قيادة القطاع الأوسط قد خالف أوامره وأنه مستمر فى دفع وحدات من فرقته فى اتجاه القناة لإنقاذ حاميات الحصون الأمامية المحاصرة , طار جونين بطائرة هيليكوبتر إلى مركز قيادة شارون حيث أمره شخصيا بوقف هذه المحاولات التى لا جدوى منها سوى مزيد من الخسائر . وعلى الرغم من أن شارون أبدى له استعداده للاستجابة لتعليماته , فإن جونين لم يلبث أن علو بعد مضى وقت قصير أن شارون يواصل إضاعة الدبابات سدى فى الهجمات الفاشلة التى يقوم بها لإنقاذ حاميات الحصون متحديا بذلك أوامره , وعلى الفور اتصل جونين بالجنرال أليعازر رئيس الأركان وطالبه بضرورة إقصاء شارون عن القيادة .وإزاء عدم مقدرة جونين على تولى مسئولية القيادة بالكفاءة المطلوبة فى هذه الظروف رشح موسى ديان وزير الدفاع الجنرال حاييم بارليف رئيس الأركان العامة السابق ووزير التجارة والصناعة فى الحكومة الإسرائيلية وقتئذ لتولى القيادة الجنوبية بدل من جونين .وعقب اجتماع مجلس الوزراء الإسرائيلى يوم الثلاثاء التاسع من أكتوبر , دعا رئيس الأركان الجنرال بارليف لزيارة القيادة العليا , وشرح له هناك مدى المرارة التى يحس بها من جراء تدهور الموقف فى الجنوب , وكيف أن العلاقة بين جونين وشارون قد ساءت إلى درجة تضر بالوضع العسكرى هناك . وعرض عليه فى نهاية الأمر تولى المسئولية فى القيادة الجنوبية . ووافق بارليف بشرط إجراء ترتيبات مرضية لجونين , والحصول على موافقة رئيسة الوزراء ووزير الدفاع على تعيينه . وتوجه بارليف على أثرذلك إلى منزله لإعداد ردائه العسكرى ومعداته الشخصية ,واستدعى من الحمام ليرد على مكالمة من رئيسة الوزراء جولدا مائير التى قامت بتهنئته على قراره , وذكرت له أنها ستعلن ذلك فى جلسة مجلس الوزراء المزمع عقدها فى تلك الليلة . وبعد قليل اتصل به وزير الدفاع وقال له :(اذهب إلى هناك مباشرة واتخذ ما تراه من قرارات ). وعندما عاد بارليف إلى مقر القيادة فى الساعة العاشرة مساء أخبره أليعاذر أن جونين قد غضب لفكرة تعيينه فى القيادة الجنوبية , إذا اعتبر ذلك بمثابة عزله من منصبه وإلقاء مسئولية كل ما حدث من فشل على عاتقه هو شخصيا . وأجاب بارليف بأنه ليس على استعداد للعمل كمستشار عسكرى لجونين , و أنه لن يتوجه إلى سيناء إلا إذا تم تحديد مركزه بوضوح , وأجرى أليعازر الاتصال بجونين وقال له إنه بينما ترى القيادة أنه لا يستحق التعريض به بشكل علنى بعزله عن قيادته , فإن الصالح العام يقتضى تولى الجنرال بارليف القيادة الجنوبية نظرا للأوضاع العسكرية القاسية فى سيناء . وعلى أثر ذلك عرض جديد وهو تعيين بارليف ممثلا شخصيا لرئيس الأركان فى القيادة الجنوبية مع منحه الصلاحيات الكاملة للقيادة . ووافق بارليف على هذه الصيغة شريطة أن يكون واضحا تماما لجونين أنه قائده وليس مستشاره العسكرى , وذهب لينام على أريكة بمكتب رئيس الأركان , ولم يلبث أليعازر أن أيقظه بعد ساعات قلائل ليقول له إن الجنرال جونين وافق على هذا الحل المقترح .وفى صباح الأربعاء 10 أكتوبر وصل بارليف إلى مقر القيادة الأمامية الإسرائيلية فىسيناء. وفى غرفة العمليات جمع حوله كبار ضباط القيادة وقال لهم فى حضور جونين بلهجته الهادئة البطيئة :(أرسلنى رئيس الأركان هنا ممثلا شخصيا له , وأنا كما تعلمون أقدم ضابط بينكم وأعلى رتبة فيكم ولدى خبرة أكثر من أى شخص منكم , لذلك فمنذ هذه اللحظة أنا الذى أصدر الأوامر هنا). وحينما اختلى بارليف قال له :(ليست لدى أى نية للإضرار بك . لا يزعجنى أن دادو (اسم التدليل للجنرال أليعاذر رئيس الأركان ) الذى كان مرءوس هو الآن قائدى , وآمل ألا أزعجك بأن أكون قائدك ) . وبعد هذه المحادثات الصريحة , تم الاتفاق بين بارليف وجونين على أسلوب العمل فى القيادة , وهو أن يكون بارليف هو المسئول الأول فى القيادة الجنوبية وألا يصدر جونين لأى أوامر تؤثر على سير العمليات على الجبهة إلا بعد الرجوع إليه . وقد علق جونين على ذلك فقال فى مرارة : (سيكون لدى فى الحرب رئيس أركان عامة خصوصى ). وقال بعد ذلك لبارليف فى تأثير : (إنى أخشى أن يضر بى هذا الوضع بعد الحرب ) .

الهجوم المضاد الإسرائيلى على قطاع الفرقة16 مشاة من الخطأ الاعتقاد , أن فترة من الهدوء قد ساءت جبهة القتال فى سيناء فى الأيام الخمسة التى تلت فشل الهجوم المضاد التعبوى الذى شنته القوات الإسرائيلية على قطاع الجيش الثانى يوم 8 أكتوبر 1973 م إلى حين بدأت مرحلة تطوير الهجوم شرقا بتشكيلات النسق الثانى للجيشين الثانى و الثالث يوم 14 أكتوبر , إذ إن القتال خلال هذه الفترة لم يهدأ ولم يتوقف على طول الخط العام للجبهة . ورغم اشتبال المتحاربين فى معارك متصلة طوال هذه المدة فإن كلا منهما يرمى من ورائها إلى تحقيق هدف يختلف تماما عن هدف خصمه . فعلى الجانب المصرى وفى القطاع الجنوبى كان اللواء عبد المنعم وصل قائد الجيش الثالث يستهدف وصول الفرقتين 19 و7 مشاة إلى خط المهمة النهائية المحدد لهما فى الخطة , ودخولهما معا فى رأس كوبرى الجيش . وفى القطاع الشمالى كان اللواء سعد مأمون قائد الجيش الثانى يستهدف وصول الفرق 16 و 2و18 مشاة إلى خط المهمة النهائية المحددة لها فى الخطة (10-12 كم شرق القناة ), على أن تدخل الفرقتان 16 و2 مشاة فى رأس كوبرى الجيش ,بينما تقوم الفرقة 18 مشاة فى قطاعها الممتد من شمال جزيرة البلاح إلى الكاب بتكوين رأس كوبرى خاص بها يبعد عن رأس كوبرى الجيش الثانى بمسافة حوالى 5 كم شمالا . فكان النجاح فى تكوين رءوس الكبارى الموحدة للجيشين يعنى إتمام تحقيق المرحلة الأولى من الخطة الهجومية بدر , والاستعداد لتنفيذ المرحلة الثانية من الخطة , وهى تطوير الهجوم شرقا بدفع النسق الثانى للجيشين اتجاه الطريق العرضى رقم 3 و المضايق الجبلية . وعلى الاجانب الإسرائيلى كانت القيادة الجنوبية تقوم بتنفيذ القرار الذى اتخذه الجنرال دافيد أليعازر رئيس الأركان العامة خلال الاجتماع العاجل الذى عقده فى مركز القيادة المتقدم فى أم مرجم بعد منتصف الليل عقب فشل الهجوم المضاد الرئيسى يوم 8 أكتوبر , والذى حضره وزير الدفاع وقائد القيادة الجنوبية وقادة الفرق المدرعة الثلاث : أدان وشارون و ماندلر , وكان يقضى بانتقال القوات الإسرائيلية فى جبهة سيناء إلى الدفاع , إلى حين تصفية الموقف على جبهة الجولان فى الشمال بإيقاع الهزيمة بالقوات السورية و إخراج سوريا من الحرب , وعلى أن تتخذ الترتيبات فى الجبهة الجنوبية لإعادة تنظيم القوات الإسرائيلية واستعاضة الخسائر و إصلاح العتاد التالف , خصوصا الدبابات بعد معارك الأيام الثلاثة القاسية , وذلك استعدادا لمرحلة الهجوم . و كان أهم ما تضمنته تعليمات رئيس الأركان إلى القيادة الإسرائيلية فى سيناء وهو العمل على وقف عملية تطوير القوات المصرية لهجومها شرقا ومنعها بكل الوسائل من توسيع وتعميق رءوس الكبارى , ومن الوصول إلى الطريق العرضى رقم 3 (على مسافة حوالى 30 كم شرق القناة ). وقد لجأت القيادة الإسرائيلية إلى وسيلتين شديدتى الفعالية لعرقلة عملية تعميق القوات المصرية لرءوس كباريها وتطوير هجومها فى اتجاه الشرق : وكانت أولاهما هى توجيه ضربات مركزة من المدفعية البعيدة المدى والطيران على المواقع المصرية , وإنشاء الستائر المجهزة من الصواريخ المضادة للدبابات ss-II لوقف تقدم القوات المصرية . وكانت الوسيلة الثانية هى قيام القوات المدرعة الإسرائيلية بشن هجمات مضادة على مستوى السرايا و الكتائب على المواقع المصرية بقصد تثبيتها فى أماكنها ومنعها من تطويرهجومها شرقا . ولكن فى يوم الثلاثاء 9 أكتوبر حدث استثناء وحيد فى هذه القاعدة , فقد قام لواء مدرع إسرائيلى بأكمله وهو اللواء قم 600 بهجوم مضاد على مواقع الفرقة 16 مشاة التى كان يتولى قيادتها وقتئذ العميد عبد رب النبى حافظ والتى كان قطاعها يمتد من الدفر سوار جنوبا إلى شرق الإسماعلية شمالا (جنوب الطريق الأوسط مباشرة). وكانت مواجهة الفرقة تمتد على الخط العام النقطة 57 –كثيب الخيل –أبو وقفة (حوالى 10 كم شرق القناة ). وكان الخط محتلا بثلاثة ألوية مشاة فى النسق الأول واللواء 14 مدرع (الملحق من الفرقة 21 مدرعة )فى النسق الثانى . وعلى أثر فشل الهجوم المضاد الإسرائيلى يوم 8 أكتوبر , قام العدو بتجميع اللواء 600 مدرع فى منطقتى كثيب السكن وظهر أم بير شمال الطريق الأوسط على مسافة حوالى 16 كم شرق قناة السويس , وقام بدفع وحدات مدرعة ومشاة ميكانيكة أخرى (كتيبة من اللواء المدرع 460 ) فى اتجاه الطريق الأوسط (طريق الإسماعيلية شرق- الطاسة ). وكانت أعمال العدو القتالية يوم 9 موجهة أساسا ضد الفرقة 16 مشاة مع تثبيت قوات الفرقة 2 مشاة لمنع الفرقتين من تطوير هجومها شرقا ومنع اتصال قواتها معا على الطريق الأوسط . وابتداء من الساعة السادسة والنصف من صباح الثلاثاء 9 أكتوبر , بدأ العدو بشن هجمات مضادة قوية على مواجهة الفرقة 16 مشاة بقوة تقدر بكتيبة مدرعة على اللواء الأيسر للفرقة , وبكتيبتين مدرعتين على لواء المنتصف (اللواء 3 المشاة الميكانيكى ) لاختبار دفاعات الفرقة واكتشاف أضعف أجزائها تمهيدا لتوجيه هجومه الرئيسى فى هذا الاتجاه بهدف اختراق رأس كوبرى الفرقة وإحداث خلخلة فى نظام الدفاع المصرى فى القطاع الشمالى من الجبهة . وعلى الرغم من الخسائر الجسيمة التى حاقت بدبابات العدو بسبب صلابة الدفاعات المصرية , فقد واصل القيام بهجماته المضادة على طول مواجهة الفرقة حتى ارتفع عددها إلى أربع هجمات متتالية فى خلال 4 ساعات فقط . وخشية من قيام العدو بمحاولة اختراق الدفاعات المصرية عند نقطة الاتصال بين الفرقتين 16 و2 مشاة باعتبارها أضعف أجزاء الخط الدفاعى , بادر اللواء سعد مأمون قائد الجيش الثانى الذى كان يتابع الموقف بدقة بإصدار أوامره فى الساعة العاشرة صباحا إلى العميد عبد ربه قائد الفرقة 16 مشاة بدفع كتيبة دبابات من اللواء 14 مدرع (النسق الثانى للفرقة ) لاتخاذ خط صد على يسار تشكيل الفرقة غرب منطقة أبو وقفة لمنع أى اختراق للعدو من هذا الاتجاه . وخلال صد الهجمات المضادة على اللواء المشاة الميكانيكى فى منتصف مواجهة الفرقة , أصدر قائد اللواء العميد شفيق مترى سدراك أمره إلى قائد كتيبة النسق الأول اليمين بتطوير هجوم الكتيبة شرقا لتتمشى أوضاعها مع الخط العام للفرقة , وأثناء تقدم العميد شفيق فى مركبة قيادته المدرعة إلى الأمام فى حوالى الساعة العاشرة صباحا أصابت مركبته قذيفة مباشرة من اتجاه النقطة 118 فاستشهد البطل فى الحال . وكانت هذه هى الخسارة الثانية التى لحقت بقادة تشكيلات الفرقة 16 مشاة قبل مرور أقل من 24 ساعة , ففى اليوم السابق 8 أكتوبر , وخلال قيام اللواء الأيسر للفرقة بتطوير هجومه شرقا لتحقيق المهمة التالية والوصول إلى الخط العام كثيب الخيل أبووقفة , وفى أثناء وجود قائد اللواء العقيد أ.ح عادل يسرى قبل الغروب على قمة النقطة 121 فى منطقة كثيب الخيل لاستطلاع موقف العدو بنفسه فى الأمام أصابته قذيفة خارقة للدروع (سابو) من مدفع دبابة إسرائيلية إصابة مباشرة تسببت فى بتر ساقه اليمنى فى الحال , وتم إخلاؤه إلى الخلف حيث نقل بعد ذلك إلى المستشفى , وبهذا ضرب القادة الكبار فى الفرقة لضباطهم وجنودهم أروع الأمثلة فى الشجاعة والفداء .وفى حوالى الساعة الثانية والنصف ظهرا , قام العدو بهجومه المضاد الرئيسى على لواء المنتصف (اللواء 3 الميكانيكى )بقوة تقدر بكتيبتين مدرعتين (النسق الأول للواء المدرع الإسرائيلى رقم 600) بعد قصف نيرانى مركز من المدفعية والطيران على منطقتى النقطة 57 والطالبة . وتمكن العدو تحت ثقل وطأة هجومه المدرع من اختراق دفاعات كتيبة النسق الأول اليمين والاستيلاء على النقطة الحيوية 57 , وحاول توسيع اختراقه بالاندفاع فى اتجاه الطالية, وهى نقطة جيوية حصينة كانت تحتلها كتيبة النسق الثانى للواء . وفضلا عن أهمية هذه النقطة من حيث توازن الموقع الدفاعى للواء الميكانيكى , فقد كانت تضم مركز قيادة اللواء , ةكما كان يقع إلى الغرب منها المركز المتقدم لقيادة الفرقة 16 مشاة . وكانت الإجراءات التى أتخذت لمجابهة الاختراق الإسرائيلى حاسمة وسريعة , وقامت كتيبة المشاة الميكانيكية (النسق الثانى ) التى كانت تحتل الموقع الدفاعى فى الطالية بدور بطولى فى صد الاختراق , وكان جميع مركباتها المدرعة من طراز BMP المسلحة بالصواريخ مالوتكا الخارقة للدروع , مما أوقع بالدبابات الإسرائيلية المهاجمة خسائر فادحة . وخلال معركة الصد أصدر قائد الفرقة 16 أوامره إلى كتيبة من اللواء 14 مدرع (الملحق من الفرقة 21 مدرعة ) وإلى كتيبة دبابات الفرقة للاشتراك فى صد الإختراق فى الوقت الذى أمر بفتح احتياطى الفرقة المضاد للدبابات واحتياطى الجيش المضاد للدبابات رقم 1 على أجناب القوة المدرعة الإسرائيلية التى نجحت فى الاختراق . وقامت مجموعة مدفعية اللواء 3 الميكانيكى ومجموعة مدفعية الفرقة فى نفس الوقت بقصف الثغرة التى دخلت منها الدبابات الإسرائيلية قصفا مركزا وهكذا وقعت القوة المدرعة الإسرائيلية تحت ضب مركز من نيران المدفعية والصواريخ المضادة للدبابات مما أدى إلى تدمير 38 دبابة من طراز M60 وباتون M48 و4 عربات مدرعة من طراز M113 , وارتدت الدبابات الإسرائيلية من اتجاه الطالية , ولكنها نجحت فى التثبت بالموقع الحيوى فى النقطة 57 التى انسحبت منها الكتيبة الأمامية اليمين مما كان يهدد دفاعات الفرقة 16 بأخطار جسيمة . وفى الساعة السادسة والنصف مساء كرر العدو هجومه المضاد الرئيسى للمرة الثانية بقوة تقدر بحوالى 60 دبابة (بقايا كتيبتى النسق الأول للواء المدرع الإسرائيلى 600 بعد تدعيمها بكتيبة النسق الثانى للواء ) وكان اتجاه الهجوم المضاد خطيرا , فقد استهدف نقطة الاتصال بين اللواء المشاة الميكانيكى فى المنتصف , واللواء الأيمن للفرقة فى الوقت الذى توجد فيه قوة إسرائيلية مدعة فى النقطة 57 , مما جعل الفرصة صالحة للدبابات المهاجمة لإحداث اختراق واسع على الجنب الأيمن للفرقة بلغ عمقه حوالى 3 كم . واتخذ قائد الفرقة 16 مشاة إجراءات مهمة وعاجلة مواجهة أخطر تهديد تعرضت له الفرقة منذ بداية الحرب فى 6 أكتوبر , فأمر قائد اللواء الأيمن للفرقة بدفع كتيبة النسق الثانى للواء التى كانت تحتل مواقعها فى منطقة قرية الجلاء (كان الإسرائيليون يطلقون عليها اسم المزرعة الصينية ) لإغلاق الثغرة التى كانت موجودة بين لواء المنتصف ولواء اليمين . و أمر قائد الفرقة بدفع قوة ضاربة لصد الاختراق كانت تتكون من كتيبة النسق الثانى للواء المشاة الميكانيكى (كتيبة العبات المدرعة BMP )وكتيبة دبابات الفرقة (بعد تعديل أوضاعها التى كانت عليها منذ صد الاختراق الأول ) مع فتح جميع الاحتياطات المضادة للدبابات التابعة للواءى المنتصف واليمين و احتياطى الفرقة واحتياطى الجيش المضاد للدبابات . وطلب قائد الفرقة من قائد الجيش معاونة الفرقة فى صد الاختراق الإسرائيلى بنيران مجموعة مدفعية الجيش الثانى رقم 1 ورقم 2 , وقد اشتركت معها فى الضرب مجموعات مدفعية اللواءين ومدفعية الفرقة . وسرعان ما تحولت منطقة اختراق العدو بعد تركيز القصف المدفعى الكثيف والصواريخ المضادة للدبابات عليها إلى قطعة من الجحيم . واضطرت الدبابات الإسرائيلية إلى الارتداد شرقا بعد أن بلغت خسائرها حوالى 20 دبابة , وتم إغلاق ثغرة الاحتراق بعد معركة عنيفة خسر فيها اللواء المشاة الميكانيكى المصرى خسائر جسيمة . وفى هجوم ليلى صامت ليلة 9 و10 أكتوبر, تم للواء المشاة الميكانيكى بمعونة الفرقة استعادة النقطة 57 بعد أن اضطرت الدبابات الإسرائيلية إلى إخلائها , وعاد رأس كوبرى الفرقة 16 مشاة إلى الوضع الذى كان عليه من قبل تعرضه للهجمات المضادة الإسرائيلية العنيفة يوم 9 أكتوبر . وفى قطاع الفرقة 2 مشاة أصدر قائدها العميد حسن أبو سعدة قراره بتأمين الجنب الأيمن لفرقته لمنع أى قوات مدرعة إسرائيلية من النفاذ إلى داخل دفاعات الفرقة من خلال نقطة الاتصال بين الفرقتين 2و16 مشاة . وكان قراره يتضمن دفع كتيبة مشاة ميكانيكية لاحتلال موقع دفاعى غرب تبة الشجرة فى مواجهة الجنوب مع فتح احتياطى للفرقة المضادة للدبابات رقم 2 فى نفس الاتجاه , وكذا تعديل أوضاع كتيبة الدبابات من اللواء 24 مدرع (الملحق على الفرقة ) بحيث تشترك فى مسئولية تأمين الجنب الأيمن للفرقة . وزيادة فى إجراءات التأمين , أمر قائد الفرقة بسرعة رص حقل ألغام شمال الطريق الأوسط ما بين قناة السويس وتبة الشجرة لإغلاق هذه المواجهة تماما . وقد حاول العدو خلال هجماته على الفرقة 16 تثبيت قوات الفرقة 2 مشاة (الجار الأيسر ), فشن ثلاث هجمات مضادة بقوة سرية مدرعة على اللواء الأيمن للفرقة وهجمتين على اللواء الأيسر لها . وقد صدت جميعا , وخسر العدو 14 دبابة وعربة صواريخ مدرعة مضادة للدبابت . وفى الساعة الواحدة ظهرا , أمر العميد حسن أبو سعدة قواته بتطوير الهجوم شرقا مستغلا نجاح تشكيلاته فى صد الهجمات المضادة عليها . وقد جرت عملية تطوير الهجوم بنفس تشكيل القتال السابق (ثلاثة ألوية مشاة فى النسق الأول واللواء 24 مدرع فى النسق الثانى ). ونظرا لتعرض اللواء الأيمن للفرقة لنيران شديدة على أجنابه من مجموعة دبابات إسرائيلية , فقد اضطر إلى التوقف حتى الساعة الرابعة مساء ولكنه وصل تقدمه فى إصرار, كما تعرض كل من اللواء المشاة الميكانيكى فى منتاصف تشكيل الفرقة واللواء الأيسر لها لنيران شديدة من صواريخ مضادة للدبابات أحدثت خسائر كبيرة فى اللواء الميكانيكى , خاصة فى كتيبة دباباته العضوية . ورغم محاولات العدو المستميتة لعرقلة عملية تطوير الهجوم فقد نجحت تشكيلات الفرقة فى الاستيلاء على خط المهمة النهائية فى الساعة الحادية عشرة مساء .وكان نجاحها الأكبرمركزا على الجنب الأيمن فى مواجهة الطريق الأوسط , فقد نجح اللواء الأيمن فى الاستيلاء على كثيب أبو كثيرة ونقطة المثلثات 100 الذى كان هو اتجاه المجهود الرئيسى للفرقة و الجيش , وكان يؤمن فى نفس الوقت تحقيق مهمة الفرقة النهائية بإنشاء رأس كوبرى جيش موحد مع الفرقة 16 مشاة. لماذا اهتزت أعصاب موشى

ديان؟فى ظهير التاسع من أكتوبر استعرض الجنرال أليعازر رئيس الأركان العامة الإسرائيلي الوضع العام على جبهة القتال فى مؤتمر لرؤساء و الأفرع برئاسة الأركان . وقد أوضح رئيس الأركان أن خطة إسرائيل على الجبهة المصرية بعد فشل الهجوم المضاد الإسرائيلى تستهدف تحسين ميزان القوى عن طريق تكبيد القوات المصرية أقصى ما يمكن من الخسائر فى الأرواح والأسلحة والمعدات . وبعد التصدى للهجوم المصرى الرئيسى الذى كان من المتوقع حدوثه تتوافر عندئذ الإمكانات للقيام بهجوم مضاد قوى لاختراق المواقع المصرية وعبور قناة السويس إلى الضفة الغربية . وفى الساعة السابعة مساء يوم9 أكتوبر التقى موشى ديان وزير الدفاع مع رؤساء تحرير الصحف الإسرائيلية فى وزاة الدفاع , حيث أدلى لهم بتقديره للموقف الذى كان يعكس مدى أزمة التشاؤم الحادة التى انتابت موشى ديان على أثر فشل الهجمات المضادة الإسرائيلية الأخيرة على القوات المصرية , فقد ذكر لهم ما يلى :(إن قواتنا فى سيناء تنتشر انتشارا دفاعيا وهى تتخذ خطا لاحتواء المصريين حتى يتغير الموقف فى الجولان فى غصون الأيام القليلة القادمة . لقد أخلى خط بارليف ذو المواقع الحصينة بنظام أحيانا ويغير نظام أحيانا أخرى , ولم يعد هناك خط يمكن أن يلعب أى دور فقد انقطع اتصالنا بحصونه وتخلينا عنه , وهذا يكشف للعالم بأسره حقائق متعددة : الأولى أننا لسنا أقوى من المصريين , والثانية أننا إذا لم نستطع رد المصريين على أعقابهم فأنهم سوف يواصلون حشد قواتهم ودباباتهم على الجانب الشرقى للقناة . والسؤال المهم الآن : ماذا سيحدث بعد ذلك ؟ لو شن المصريون هجوما من مواقعهم فسيكون علينا أن نجد خطوطا أقصر وأكثر ملاءمة نستطيع أن نصمد فيها صمودا أفضل , وهذه الخطوط ينبغى أن تكون فى مكان ما فى المنطقة ما بين قناة السويس وسلسلة الجبال بحيث لا يستطيعون اجتيازها . ونظر لأن الطريق مفتوح أمام المصريين للتقدم صوب الجنوب إلى أبو رديس فى اتجاه شرم الشيخ فإن علينا أن نتساءل عما يمكن أن يحدث لو أنهم حاولوا الاتجاه جنوبا , أين سانوقفهم؟ أننا لا نستطيع أن نعتمد على الطيران وحده للحيلولة دون هجوم المصريين المتجه نحو الجنوب , وحتى إذا أقمنا خطوطا دفاعية جديدة فأنا أشك فى أن تستطيع قواتنا التمسك بهذه الخطوط ). وعندما علم رءوس تحرير الصحف أن موشى ديان سوف يعلن على الشعب الإسرائيلى فى حديث تليفزيونى فى الساعة التاسعة مساء حقائق الموقف العسكرى وسقوط خط بارليف ؟ وقف الصحفيون فى حالة ذهول . وقال جرشوم شاكن رئيس تحرير جريدة ها آرتس لموشى ديان  :(إذا قلت ما قلته لنا الآن على شاشة التليفزيون هذا المساء فإن ذلك معناه حدوث زلزال فى شعور الشعب فى إسرائيل ). وعقب لقاء ديان مع رؤساء التحرير بفترة وجيزة , تلقت جولدا مائير رئيسة الوزراء تقريرا عما أدلى به وزير الدفاع أمام الصحفيين , وعما يعتزم التحدث به إلى الأمة , واتصل أحد رؤساء التحرير بجولدا هاتفيا واقترح عليها منع الحديث . وطلبت جولدا من موشى ديان عدم الظهور فى تلك الليلة على شاشة التليفزيون . وكان الجنرال أهارون ياريف الذى كان يرأس إدارة المخابرات العسكرية فى إسرائيل لمدة تسع سنوات وحاز خلال ذلك شهرة واسعة قد استدعى من التقاعد فى اليوم الثانى للحرب لكى يتولى مسئولية الإعلام العسكرى عندما اتضح سوءالوضع فى جهاز الإعلام . وفى مساء 9 أكتوبر احتشد جمع غفير من الصحفيين المحليين والأجانب فى إحدى قاعات (دار سوكولوف)كى يستمعوا إلى حديث أهارون ياريف الذى ظهر على شاشة التليفزيون الإسرائيلى بدلا من موشى ديان . وكان الحديث ينقل على الفور بواسطة قمر صناعى إلى محطات التليفزيون المهمة فى العالم . وعرض أهارون ياريف على المشاهدين بصورة متزنة وبدون الإكثار من التفاصيل الوضع على جبهتى القتال فى سيناء والجولان وقال (الوضع ليس سهلا وبسيطا , والحرب من شأنها أن تطول .الجيش الإسرائيلى فى وضع صعب , وقد اضطر إلى الانسحاب من خطوط وقف القتال فى الجولان وسيناء , ورغم ذلك فلا ينبغى أن نفكر بمفاهيم الخطر بالنسبة لشعب إسرائيل ). وكانت هذه هى المرة الأولى التى يتلقى فيها الشعب الإسرائيلى أنباء عما يجرى على الجبهة بدون تزييف , ولأول مرة يسمع الشعب بيانا صريحا يدرك منه أن هذه الحرب ليست استمرارا لحرب الأيام الستة وليست حربا خاطفة . وتذكرت الجماهير تصريحات موشى ديان الجوفاء مساء 6 أكتوبر عند لقائه بالصحفيين عندما قال لهم :(سنحول المنطقة إلى مقبرة كبرى لهم ). كما طافت بأذهانهم وقائع المؤتمر الصحفى الذى نقله التليفزيون من دار سوكولوف مساء اليوم السابق فقط (8 أكتوبر), واسترجعوا كيف صفق السامعون للجنرال أليعازر رئيس الأركان العامة وهو يصرح فى حماسة بأن الجيش الإسرائيلى سيواصل ضرب العدو وتحطيم عظامه . وانتاب أفراد الشعب الشعور بأنهم خدعوا , وأدرك الجميع أن إسرائيل تواجه لأول مرة منذ قيامها حربا مصيرية شرسة , وكان أشد ما أثار حيرة القادة الإسرائيليين فى هذه الفترة الحالة التى أضحى عليها موشى ديان منذ نشبت الحرب الحرب يوم 6أكتوبر , والتى كانت تختلف تماما عن حالته فى أثناء حرب 67 التى كان خلالها فى قمة ثقته واعتدادة بنفسه , وكان يصدر فى ذلك الوقت أخطر القرارات العسكرية دون التشاور مع أحد , إلى الحد الذى جعله يصدر أمره إلى الجنرال دافيد أليعازر قائد القيادة الشمالية وقتئذ بناء على رأيه الخاص باقتحام هضبة الجولان دون الرجوع إلى رئيس الوزراء ليفى أشكول , ورغم صدور قرار من مجلس الأمن بوقف إطلاق النار . ولكن موشى ديان فى حرب 73 ظهر بصورة الرجل الضعيف المتردد , فقد لوحظ أنه يتجنب إصدار أى قرارات أو تعليمات على المستوى العسكرى , وكان يكتفى فى كل زياراته للقيادات الأمامية بتقديم نصائحه للقادة فى شكل مشورة وزارية غير ملزمة ,أى لا تنفذ إلا بعد الرجوع إلى رئيس الأركان العامة .وخلال اجتماعات القادة فى الجبهة ,كان موشى ديان يكتفى بدور المستمع والمراقب ويحرص على عدم الإدلاء برأيه . وكان من العجيب أن قائدا محنا مثل موشى ديان حاز شهرة عسكرية مدوية وتولى من قبل رئاسة الأركان العامة ثم وزارة الدفاع يتنصل بهذه الصورة من مسئوليته لكى يعرض قرارات ميدانية بحتة على جولدا مائير رئيسة الوزراء لكى تتخذ بشأنها قرارت حاسمة تتعلق بمجرى الحرب .ونتيجة لهذه التصرفات من موشى ديان ,أصبحت جولدا مائير لاتمنحه التصديق النهائى على الاقتراحات الإستراتيجية والقرارات العسكرية المهمة التى يعرضها عليها إلا بعد الرجوع إلى الوزيرين الذين كونا معها شبه مجلس دائم لإدارة الحرب , وهما إيجال آلون نائب رئيس الوزراء ويسرائيل جاليلى وزير الدولة , وإلا بعد التشاور فى معظم الأحيان مع الجنرال أليعازر رئيس الأركان , ومع ممثله فى الجبهة الجنوبية الجنرال حاييم بارليف.

محاور التقدم الرئيسية فى سيناء

خلال المؤتمر الصحفى الذى انعقد فى وزارة الدفاع بتل أبيب فى حوالى الساعة السابعة مساء يوم الثلاثاء 9 أكتوبر73, أى فى اليوم الرابع من الحرب , وعندما كان موشى ديان يشرح لرؤساء تحرير الصحف الإسرائيلية –كما أسلفنا-الوضع العسكرى السيىء على الجبهة المصرية على أثر فشل الهجمات المضادة الإسرائيلية يومى 8و9 أكتوبر على القوات المصرية , لفت موشى ديان الأنظار لأول مرة إلى الخطر الذى تتعرض له سيناء الجنوبية من احتمال هجوم مصرى يوجه ضدها , وقال إن الطريق مفتوح أمام المصريين للتقدم صوب الجنوب إلى أبو رديس فى اتجاه شرم الشيخ . والأمر الذى يستلفت أنه بينما كان موشى ديان يتحدث إلى رؤساء تحرير الصحف عن خطر هجوم مصرى محتمل على جنوب سيناء , كانت قوة مصرية ميكانيكية قد بدأت تقدمها بالفعل فى الساعة العاشرة من صباح نفس اليوم على المحور الجنوبى المتجه إلى شرم الشيخ ,وبدأت القوات الإسرائيلية خاصة الطيران فى التعامل معها . وقدجى ذلك قبل انعقاد المؤتمر الصحفى بعدة ساعات , مما يجعلنا نجزم بأن وزير الدفاع الإسرائيلى كان يعلم الحقيقة بلا شك , ولكنه أثر عدم التصريح بها إلى حين وضوح الموقف فى ساحة القتال من جهة وحفاظا على الروح المعنوية للصحفيين من جهة أخرى , خاصة بعد أنباء فشل الهجمات المضادة الإسرائيلية الأخيرة . وتدفعنا محاولة التقدم الجريئة التى جرت على المحور الجنوبى إلى ضرورة عمل دراسة موجزة لمحاور التقدم الرئيسية عبر سيناء من الغرب إلى الشرق استكمالا لفائدة القراء , وذلك قبل البدء فى سرد الوقائع المتعلقة بتحريك القوى الميكانيكية المصية على المحور الجنوبى .وعلى الرغم من أن شبه جزيرة سيناء تعتب مانعا طبيعيا من الناحية العسكرية فإنها كانت منذ فجر التاريخ المعبر الطبيعى لجميع الغزاة الذين قاموا إلى مصر من الشرق , كما أنها كانت معبرا لجميع الحملات الحربية التى خرجت من مصر فى اتجاه الشرق منذ عهد الفراعنة حتى عصرنا الحديث . وتنحصر محاور التقدم الرئيسية لأى قوات مصرية تتجه من الغرب إلى الشرق فى خمسة محاور رئيسية هى كما يلى :المحور الساحلى :يتميز المحور الملاصق لساحل البحر المتوسط بوجود سهل الطينة وبحيرة البردويل اللذين تليهما جنوبا منطقة كثبان رملية تتدرج فى الارتفاع من الغرب إلى الشرق , ويخترق هذا المحور طريق أسفلتى يسير بحذاء الساحل , ويربط ما بين القنطرة ورفح , ويبلغ طوله من القنطرة شرق إلى العريش 160 كم ومن العريش إلى رفح 45كم , ويمر ببالوظة ورمانة وقاطية وبئر العبد ومصفق والعريش والشيخ زويد . وتتوافر فى هذا المحور بعض الآبار ,والأرض بصفة عامة غير صالحة للسير لمعظم الحملات الميكانيكية إلاعلى الطريق الأسفلتى . المحور الأوسط: يعتبر المحور الرئيسى للتقدم من الغرب إلى الشرق , وهو عبارة عن هضبة متسعة تغطيها الغرود الرملية فى معظم أجزائها , ويقع ما بين السهل الساحلى شمالا والحائط الغربى الجبلى لسيناء جنوبا . ورغم أن الأرض مفتوحة فإن رماله الكثيفة تجعل من الصعب اجتيازه إلا على الطرق والوديان المحدودة به وإلا للمركبات المجنزرة . ويضيق محور التقدم خلاله بعد حوالى 70كم شرق القناة , حيث ينحصر التقدم فيما بين جبل جديرة فى الشمال وجبل سحابة فى الجنوب , وإلى الشرق بحوالى 30كم من هذه المنطقة يقع مضيق الختمية المعروف (حوالى 100كم شرق القناة )...ويخترق هذا المحور الطريق الرئيسى فى سيناء المعروف باسم الطريق الأوسط , وهو طريق أسفلتى يربط ما بين الإسماعلية شرق ومدينة العوجة ويمر على الطاسة وبير جفجافا وبئر روض سالم . وعند علامة الكيلو 161 – وهى وهى تقاطع الطريق الرئيسى مع الطريق الفرعى القادم من العريش وبير لحفن- تنفتح الأرض وتصلح للعمليات الكبرى للدبابات وتحرك الحملات الميكانيكية . ويسير الطريق بعد ذلك إلى أبو عجيلة قبل أن يصل إلى العوجة . ويبلغ طول الطريق الأوسط حوالى 225 كم . محور الجدى : يبدأ الطريق الأسفلتى على هذا المحور شرق البحيرة المرة الصغرى , وبعد سيره حوالى 35كم فى الأرض المفتوحة يخترق الحائط الغربى الجبلى لسيناء خلال ممر الجدى الجبلى المعروف , وبعد خروجه ثانية إلى الأرض المفتوحة بحوالى 15 كم يلتقى بالطريق العرضى بير تمادا – بير جفجافا . محور متلا : يبدأ الطريق الأسفلتى على هذا المحور عند الشط (شرق السويس) وبعد سيره حوالى 35كم فى الأرض المفتوحة يخترق الحائط الغربى الجبلى لسيناء خلال ممر متلا المعروف وهو ممر جبلى شديد الضيق والوعورة يبلغ طوله 31كم . وعند وصوله إلى الأرض المفتوحة عند صدر الحيطان يتفرع إللا اتجاهين شمالا إلى بير تمادا ومنها إلى الحسنة والقسيمة وجنوبا إلى نخل ومنها إلى التمد ورأس النقب . محور سدر : يفصل الحائط الغربى الجبلى فى شمال سيناء عن الكتلة الجبلية الضخمة لجنوب سيناء وادى سدر , ويبدأ هذا المحور من رأس سدر على خليج السويس (43كم جنوب الشط) وبعد مسيرة حوالى 30كم فى الأرض المفتوحة فى وادى سدر فى اتجاه الشمال الشرقى يمر الطريق فى ممر ضيق طوله 30كم يعرف باسم ممر سدر , ويقع بين جبلين هما جبل الراحة فى الشمال وجبل سن بشر فى الجنوب , وعند وصوله إلى نهاية الممر عند عين سدر تنفتح الأرض وتتفرع منه عدة وديان وطرق ممهدة يمكن الوصول منها إلى اتجاهات صدر الحيطان وبير تمادا فى الشمال وإلى نخل فى الشرق . وهذا وترجع أهمية رأس سدر التى كانت الهدف الرئيسى الأول للقوة الميكانيكية المصرية المتقدمة على المحور الجنوبى إلى الأسباب الآتية : 1- وقوعها عند بداية أحد المحاور الرئيسية للتقدم من الغرب إلى الشرق , وهو طريق ممر سدر الجبلى الذى يمكن النفاذ منه عبر الكتلة الجبلية إلى الأرض المفتوحة فى الشرق , ويمكن التقدم بعد ذلك شمالا والوصول إلى المداخل الشرقية لمضيقى متلا والجدى أو تهديدهما بالتطويق فى حالة تطوير الهجوم فى هذا الاتجاه . 2- يلتقى عندها محوران تعبويان مهمان :أولهما الطريق العرضى رقم 3 الذى يبلغ طوله حوالى 200 كم ويبعد حوالى 30كم شرق القناة , ويبدأ من بالوظة شمالا ويقطع الطريق الأوسط عند الطاسة ثم يقطع طريقى الجدى ومتلا بالقرب من المداخل الغربية للممرين , ثم ينحرف غربا إلى رأس سدر . ولا شك فى أنه فى حالة وجود قوة مصرية عند الطرف الجنوبى لهذا الطريق فإن ذلك كان يؤدى إلى تهديد خطير للجنب الأيسر للقوات الإسرائيلية التى كانت تتخذ من هذا الطريق محورا رئيسيا لتحركاتها شمالا وجنوبا على طول الجبهة , وفى نفس الوقت قاعدة لجميع هجماتها المضادة من الشرق إلى الغرب على رءوس الكبارى المصرية . أما المحور التعبوى الثانى فهو طريق الشط شرم الشيخ الذى يطلق عليه اسم طريق الطور , وهو يمتد بحذاء الساحل الشمالى الشرقى لخليج السويس ويبلغ طوله حوالى 325كم , ويمر الطريق قبل وصوله إلى رأس سدر بعيون موسى ورأس مسلة , ثم يمر بعد رأس سدر بعدة مدن أهمها أبوزنيمة و أبورديس والطور ثم شرم الشيخ . 3- أهمية رأس سدر الاقتصادية حيث توجد بها ثلاث مجموعات من حقول البترول وهى سدر وعسل ومطارمة , علاوة على أنها منطقة عمرانية كبيرة , إذا توجد بها مساكن وملاعب ومستشفى ومحطة للكهرباء ورصيف بحرى كما توجد بها عدة صهاريج ضخمة لتخزين البترول .

عملية اللواء الأول ميكانيكى فى اتجاه رأس سدر كان اللواء الأول مشاة ميكانيكى أحد ألوية الفرقة 6 مشاة ميكانيكية التى كان يتولى قيادتها العميد محمد أبو الفتح محرم وكانت الفرقة موضوعة فى النسق الثانى فى قطاع الجيش الثالث الميدانى فى الجنوب عندما اتخذت القوات المصرية أوضاعها النهائية استعدادا لبدء الخطة الهجومية (بدر) يوم 6 أكتوبر 1973م . وكانت التعليمات التى تلقاها قائد اللواء الأول والتى حددت له مهمته وفقا لما ود فى الخطة الموضوعة تتضمن ما يلى : • يعبر اللواء الأول ميكانيكى قناة السويس ليلة 6 /7 أكتوبر على معابر الفرقة 19مشاة إلى منطقة انتظار أمامية شرق القناة داخل رأس كوبرى الفرقة 19 مشاة . وبمجرد إتمام عبور اللواء الأول القناة يخرج من تحت قيادة الفرقة 6 مشاة ميكانيكية ويصبح تحت القيادة المباشرة لقيادة الجيش الثالث . • يكون اللواء الأول جاهزللدفع للاشتباك من خط دفع داخل رأس كوبرى الفرقة 19 اعتبارا من الساعة الخامسة صباح يوم 7 أكتوبر بأمر قائد الجيش الثالث بهدف الاستيلاء على الخط العام رأس مسلة جبل أم جردى (17كم جنوب الشط ) . • اعتبارا نت أول ضوء يوم 8 أكتوبر بدفع اللواء للاشتباك من منطقة رأس مسلة -جبل أم جردى , واعتبارا من هذا التوقيت يخرج اللواء من تحت قيادة الجيش الثالث ويصبح تحت قيادة منطقة البحر الأحمر العسكرية (كانت قيادة هذه المنطقة تقع على الشاطىء الغربى لخليج السويس الذى يبلغ متوسط اتساعه فى الشمال حوالى 35كم ) . بعد الدفع الثانى للاشتباك تكون مهمة اللواء هى الاستيلاء على منطقة رأس سدر (25كم جنوب رأس مسلة ) ويطور الهجوم بعد ذلك بأوامر قائد منطقة البحر الأحمر العسكرية تبعا للموقف فى اتجاه أبورديس (100كم جنوب رأس سدر). وكان قرار قائد اللواء الذى صدق عليه إبراهيم كامل قائد منطقة البحر الأحمر العسكرية (نظرا لأن معظم العمليات المنتظرة للواء الأول ستكون تحت قيادته ) هو أن يتشكل اللواء مع وحدات الدعم من الأسلحة المشتركة التى وضعت تحت قيادته فى ثلاث مجموعات متوازية , تتكون كلا منها من كتيبة مشاة ميكانيكية مدعمة , وعلى أن تتشكل المجموعة الأولى التى ستعمل كمفرزة أمامية للواء من كتيبة المشاة الميكانيكية المزودة بالمركبات المدرعة . BMP (المسلحة بقواذف مالوتكا الصاروخية الخارقة للدروع ) ومعها وحدات الدعم الخاصة بها . وكذا كتيبة دبابات اللواء الأول ويكون محور تحركها هو الطريق الساحلى ( الشط – الطور ) , على أن تتبعها على مسافة من 3 إلى 5كم المجموعتان الأخريان , على أن تتولى المجموعة الثالثة مسئولية تأمين الجنب الأيسر للمفرزة الأمامية خلال التحرك , وعند تطوير الهجوم من رأس سدر فى اتجاه أبو رديس يتبع اللواء نفس هذا التشكيل .. ولكن هذه الخطة التى تم تدريب وحدات اللواء الأول على تنفيذها قبل الحرب وأبلغت لقادة الوحدات الفرعية وأجريت على أساسها عملية تنظيم التعاون على مختلف المستويات , حالت الظروف دون تنفيذها وفقا للتوقيتات المحددة . فلقد حدث – كما سبق أن ذكرنا عند شرح عملية العبور يوم 6أكتوبر – تأخير غير منتظر فى إنشاء معابر الجيش الثالث خاصة بالنسبة للفرقة 19 مشاة نظرا لصعوبة فتح الممرات فى الساتر الترابى شرق القناة فى هذا القطاع , مما أدى تأخير المهندسين فى إقامة كبارى الفرقة 19 مشاة إلى الحد الذى حدا باللواء عبدالمنعم واصل قائد الجيش الثالث إلى إصدار أوامره بعبور كتائب دبابات الفرقة 19 مشاة واللواء 22 مدرع (الملحق على الفرقة )على كبارى الفرقة 7 مشاة (الجا الأيسر للفرقة 19 ) وأدى ذلك التعطيل إلى أن يتأخر عبور اللواء الأول حوالى 48 ساعة , فبدلا من العبور ليلة 6/ 7 أكتوبر حسبما ورد فى الخطة لم يتمكن اللواء من العبور إلا ليلة 8/9 أكتوبر ..وعقب إتمام تجمع اللواء الأول فى المنطقة الأمامية المحددة له شرق القناة تم تأميم دفعة للاشتباك من خط الدفع المحدد له داخل رأس كوبرى الفرقة 19مشاة بنيران كتيبتى مدفعية ميدان من مجموعة مدفعية الفرقة وفقا للخطة الموضوعة وذلك فى الساعة العاشرة صباحا يوم 9 أكتوبر . ولم تمضى أكثر من 75 دقيقة على بدء التحرك حتى تمكنت المفرزة الأمامية من تحقيق المهمة المباشرة والاستيلاء على الخط العام الكرنتينة – عيون موسى (على مسافة 10كم جنوب الشط ) . وقد أتضح أن الحامية الإسرائيلية التى كانت متحصنة فى النقطة القوية عيون موسى لم تحاول إيداء أى مقاومة جدية , ويبدو أنها قد لاذ ت بالفرار , فقد كانت تدرك مدى حرج موقفها نتيجة لانعزالها فى موقعها عقب نجاح القوات المصرية فى عبور القناة وقيامها بإنشاءمناطق رءوس الكبارى . وكانت على علم –نتيجة لتنصتها على شبكة المواصلات اللاسلكية الإسرائيلية – بانهيار خط بارليف وفرار بعض حاميات حصونه وسقوط الباقين أسرى فى أيدى القوات المصرية , مما أصاب أفرادها باليأس . وكانت النقطة الإسرائيلية القوية فى عيون موسى تضم 6 مدافع بعيدة المدى من طراز هاوتزر 155 مم كانت مثبتة على قواعد خرسانية ومخفاة بعناية داخل دشم محصنة , وكانت مصدر تهديد دائم لمدينة السويس ومعامل تكرير البترول بالزيتية , وقد سبق أن اشتركت بنيرانها فى تدميرها خلال حرب الاستنزاف . وقد وجدت المفرزة المصرية التى احتلتها جميع محتويات هذه النقطة القوية من مدافع وأسلحة وذخائر ومعدات ومؤن ومهمات شخصية سليمة , وواصلت المفرزة الأمامية تقدمها بعد ذلك فى اتجاه الجنوب تتبعها الكتيبتان الخلفيتان . وفى الساعة الواحدة ظهرا نجحت فى طرد عناصر للعدو من كثيب العران , وفى الساعة الثالثة بعد الظهر نجحت المفرزة المتقدمة فى الاستيلاء على الخط العام جبل أم جردى مقتل المصرى (17كم جنوب الشط) محققة بذلك المهمة التالية المحددة لها تحت قيادة الجيش الثالث , ودخلت منذ ذلك التوقيت تحت قيادة منطقة البحر الأحمر العسكرية . وعندما استأنفت المفرزة الأمامية تقدمها على الطريق الساحلى فى اتجاه الجنوب , اصطدمت فى الساعة الرابعة والنصف مساء بقوة إسرائيلية تقدر بحوالى سرية دبابات مدعمة بقواذف صاروخية من عيار 106 مم , وبطارية مدفعية كانت تحتل جبل المرازا (علىمسافة 2كم جنوب جبل أم جردى ) وأرغمت المفرزة الأمامية فى إزاحة قوة العدو عن موقعه وإخلاء الطريق أمامها لعجز العربات المدرعة BMP عن القيام بالمناورة والالتفاف على جنب العدو بسبب طبيعة الأرض السبخية علاوة على تدخل طيران العدو . وإزاء هذا الموقف أصدر قائد اللواء أوامره فى الساعة الخامسة مساء إلى قائد المفرزة الأمامية , بتعديل أوضاع قوته واحتلال الميول الجانبية لجبل أم جردى شرق الطريق فى مواجهة العدو , بينما أصدر أوامره إلى الكتيبتين الخلفيتين باحتلال مواقع دفاعية مؤقتة على كثيب العران (على بعد حوالى 5كم من المفرزة الأمامية ) وأصدر تعليماته بدفع عناصر استطلاع إلى الأمام والجنب الأيسر لاستطلاع مواقع العدو , على أن تستعد وحدات اللواء الأول لاستئناف التقدم فى اتجاه الجنوب فى أول ضوء فى اليوم الثالى (10أكتوبر للوصول إلى رأس سدر ) . وقد كان المفترض وفقا لأوامر قائد اللواء الأول أن تتقدم المجموعات الثلاث للواء بنفس ترتيب تحركها السابق فى الساعة السادسة صباحا يوم 10 أكتوبر فى اتجاه رأس سدر التى لم يكن يفصل المفرزة الأمامية عنها سوى 25 كم فقط , ولكن الواقع الذى جرى أن هذه المجموعات بقيت فى أماكنها دون أن تتمكن من القيام بأى محاولة للتحرك إلى الأمام لمدة 48 ساعة , أى منذ صدور أمر قائد اللواء إليها بالتوقف بعد ظهر يوم 9 أكتوبر إلى حين وصول التعليمات القتالية الجديدة إلى قائد اللواء من قيادة الجيش الثالث بعد ظهر يوم 11 أكتوبر بإلغاء المهمة المسندة إلى اللواء الأول , كما سنرى فيما بعد . وخلال هذه الفترة الزمنية كانت أهم الأحداث التى جرت على ساحة عمليات اللواء الأول تتلخص فيما يلى : • لم تتمكن مجموعات اللواء الثلاث من التحرك إلى الأمام فى اتجاه رأس سدر , نظرا لتعرضها خلال هذه الفترة لهجمات جوية متواصلة من الطائرات الإسرائيلية التى كانت تقفذها بصواريخ جو أرض سواء نهارا أو ليلا باستخدام المشاعل المضيئة . • نظرا لضخامة عدد العربات التى كانت تحمل احتياجات اللواء الإدارية ومواد إعاشته لفترة زمنية طويلة باعتبار أن اللواء قوة عمل مستقلة Task Force , فقد أمر قائد اللواء بإرجاع معظم العربات الإدارية إلى الخلف فى منطقة الجباسات وإخلاء منطقة الأشجار فى عيون موسى من جميع المركبات لوقايتها من الغارات الجوية . • تسببت عملية عودة الوحدات الإدارية إلى الخلف وتحك بعض المركبات المدرعة التى كانت قائمة بعملية إخلاء الجرحى من المفرزة الأمامية إلى مستشفى الميدان فى منطقة الشئون الإدارية بالخلف ليلة 9 /10 أكتوبر , فى حدوث بلبلة واضطراب فى نفوس بعض الأفراد وانخفاض فى الروح المعنوية , خاصة مع اشتداد وطأة الغاات الجوية وإلقاء المشاعل المضيئة من الجو , مما أدى إلى فقد السيطرة على بعض الوحدات الصغرى , ولكن قائد اللواء وقادة الكتائب استطاعوا إعادة سيطرتهم على المجموعات بسرعة وعادت أوضاع اللواء إلى ما كانت عليه فى صباح اليوم التالى . وفى الساعة الثالثة مساء يوم 10 أكتوبر وصل إلى قيادة اللواء الأول العميد أ. ح إبراهيم رشيد رئيس مجموعة عمليات البحر الأحمر ومعه ضابط عمليات المجموعة . ووفقا لأوامر القائد العام الفريق أول أحمد إسماعيل التى حملها العقيد أ. ح حسن الزيات صباح يوم 10 أكتوبر إلى قيادة الجيش الثالث , تم وضع اللواء الأول مشاة ميكانيكى تحت قيادة مجموعة عمليات البحر الأحمر التى وضعت تحت قيادة الجيش الثالث إلى حين دفع اللواء من الخط جنوب رأس سدر . ملاحظة : الأحداث التى وقعت على هذا المحور بعد تولى مجموعة عمليات البحر الأحمر مسئولية القيادة سيتم شرحها وتحليلها فى الفصل رقم 12 الخاص بالعمليات الحربية فى منطقة البحر الأحمر .










الفصل الرابع: كيف صدر القرار بتطوير الهجوم شرقا؟

الفصل الرابع: كيف صدر القرار بتطوير الهجوم شرقا؟==

في منتصف ليلة 9/10 أكتوبر، عقد مجلس الحرب الإسرائيلي اجتماعا في مكتب رئيسة الوزراء جولدا مائر، وحضر الاجتاع نائبها ايجال آلون ووزير الدفاع موشي ديان ووزير الدولة يسرائيل جاليلي، وكان يمثل القيادة العسكرية في الاجتماع الجنرال دافيد أليعازر رئيس الأركان العامة ونائبه الجنرال تال ورئيس المخابرات العسكرية إلياهو زعيرا وقائد السلاح الجوي الجنرال باني بيليد. وخلال الجلسة التي استغرقت أكثر من ست ساعات دارت مناقشات مثيرة حول موضوع الساعة الذي عقد من أجله الاجتماع، وهو اختيار الجبهة التي سيركز أمامها المجهود الرئيسي للقوات الإسرائيلية في المرحلة المقبلة. وكان الجنرال أليعازر يرى ضرورة تركيز المجهود الرئيسي للقوات الإسرائيلية على الجبهة السورية للاستفادة بميزة المبادأة التي تمكن الجيش الإسرائيلي من استردادها من أيدي السوريين ، لتوجيه ضربة قاصمة الى الجيش السوري، يمكن بها تصفيته كقوة محاربة، مما يؤدي الى ارغام سوريا على الخروج من الحرب وخاصة بعد الخسائر والضربات العنيفة التي أصابت القوات السورية في معارك مرتفعات الجولان، كما أن وصول طلائع القوات العراقية التي اشترتك في القتال يجعل من الضروري سرعة السيطرة على الموقف في الجبهة السورية قبل وصول القوات الرئيسية العراقية. وأكد الجنرال أليعاز أن توجيه المجهود الرئيسي في هذه الفترة تجاه الجبهة المصرية لا يمكن أن يحسم الحرب، اذ ان المصريين مستحكمون داخل منطقة رءوس الكباري في مواقع دفاعية حصينة، وقد باءت جميع الهجمات المضادة التعبوية التي وجهت ضد قطاع الجيش الثاني يومي 8 و9 أكتوبر بالفشل، مما يدعو الى وجوب الانتظار الى حين تصفية الموقف على الجبهة السورية، وعندئذ يتم نقل المجهود الرئيسي الى الجبهة المصرية في سيناء.

وذكر الجنرال أليعازر أن الهجوم على عمق سوريا لا يستهدف اكتساب أراضي جديدة بقدر ما يستهدف تحطيم الجيش السوري، وتقدم المدفعية الإسرائيلية بعيدة المدى مسافة كافية نحو الشمال لتدخل العاصمة دمشق في مرماها، مما رغم سوريا على وقف الحرب. وكان تركيز الهجوم على سوريا يحقق لإسرائيل غرضا آخر مهما، وهو تحذير الملك حسين حتى لا تراود ذهنه أفكار فتح جبهة ثالثة على حدود الأردن البالغة الطول مع إسرائيل على غرار ما فعله في حرب يونيو 1967م، وحتى لا يخضع من جهة أخرى لضغط منظمة التحرير الفلسطينية لارسال مقاتليها للقيام بعملياتهم الفدائية عبر الحدود الأردنية.

(كان وفد من منظمة التحرير يتألف من أبي داود وصالح رأفت قد قام بالفعل بزيارة عمان ومقابلة زيد الرفاعي رئيس وزراء الأردن يوم 9 أكتوبر لمحاولة اقناع السلطات الأردنية للسماح بالفدائيين الفلسطينين بالعمل في مجموعات كبيرة ضد إسرائيل من خلال الحدود الأردنية).

ولم يكن الملك حسين في الواقع في حاجة الى مثل هذا التحذير، فقد كان رأيه قد استقر منذ بداية الحرب على عدم الاشتراك فيها الا اذا نجح السوريون في احتلال هضبة الجولان، وتمكن المصريون في نفس الوقت من الوصول الى الممرات الجبلية في سيناء.

ولكن الجنرال تال نائب رئيس الأركان العامة كان في الجانب المعارض لرأي رئيسه، فقد كان يرى ضرورة تركيز المجهود الرئيسي على الجبهة المصرية لخطورتها المباشرة على إسرائيل، اذ ان المصريين قادرون على شن الهجوم، بينما القوات السورية مهزمة لا تستطيع القيام بهجوم جديد. وأكد الجنرال تال انه على الرغم من صعوبة تحريك أي قوات برية إسرائيلية من الجبهة السورية الى الجبهة المصرية بهدف زيادة قدراتها الهجومية، فان القيادة الجنوبية بما لديها من قوات تحت قيادتها وبفضل تحركاتها التكتيكية الواعية يمكنها انزال ضربة قاصمة بالجيش المصري وتحقيق تحول جذري في ميزان الحرب. وانتهى الاجتماع بتبني رأي رئيس الأركان العامة بعد ان أيده بحماسة كل من موشيه ديان وايجال آلون ثم جولدا مائير.

ونتيجة لقرار مجلس الحرب بتركيز الجهود الرئيسية ضد سوريا، بدأت القيادة الجوية الإسرائيلية في ضرب أهداف استراتيجية في أعماق سوريا. فأغارت طائرات الفانتوم الإسرائيلية على أهداف حيوية داخل دمشق، وهاجمت مبنى وزارة الدفاع ومبنى قيادة القوات الجوية ومحطات الاذاعة السورية. وسقطت بعض القنابل على بعض المباني السكنية المجاورة لهذه الأهداف، كما أصابت بعضها الحي الراقي في "أبو رمانة" حيث تقع منطقة السفارات. كذلك شنت مجموعات أخرى من الطائرات الإسرائيلية هجمات مركزة على محطة توليد الكهرباء الرئيسية في حمص وعلى مصفاة النفط بها، كما تعرضت خزانات النفط في طرطوس لهجمات مماثلة. وكان واضحا من هذه الهجمات الجوية أن إسرائيل تستهدف انزال أفدح الخسائر بالاقتصاد السوري في محاولة لاجبار سوريا على الخضوع والاستسلام . ومن بين التطورات المثيرة التي وقعت، مهاجمة 6 طائرات إسرائيلية لمحطة الرادار اللبنانية الواقعة على جبل الباروك داخل الأراضي اللبنانية. وقد تمكنت الطائرات من الحاق أضرار جسيمة بالمحطة لتحرم سوريا من المعلومات التي كانت تزودها بها. قد تقدم لبنان بشكوى على اثر ذلك الى الأمين العام للأمم المتحدة. وفي يوم 10 أكتوبر تم انسحاب القوات السورية الرئيسية من هضبة الجولان، وقام رجال المظلات الإسرائيلية بدخول القنيطرة عاصمة الجولان واعادة احتلالها، وتقدمت القوات الإسرائيلية حتى وصلت على خط وقف اطلاق النار السابق بين سوريا وإسرائيل عقب حرب يونيو 1967 المعرف باسم الخط الأرجواني Purple line، وهو الخط الذي بدأت منه القوات السورية الهجوم في 6 أكتوبر 1973م، وبالتالي عاد الوضع الى ما كان عليه قبل الحرب. وقرر الجنرال أليعازر رئيس الأركان العام عدم تأجيل الهجوم على سوريا سوى يوم واحد فقط لاكمال الاستعدادات واعادة التنظيم، على أن يبدأ الهجوم العام يوم 11 أكتوبر في اتجاه دمشق.


لماذا فكرة إسرائيل في العبور الى الضفة الغربية؟

في صباح يوم الأربعاء 10 أكتوبر وصل الجنرال حاييم بارليف الذي عهد اليه بتولي القيادة الجنوبية ، كما سبق أن ذكرنا الى المقر الأمامي للقيادة في أم مرجم. وبعد لقاء قصير مع الجنرال شموئيل جونين القائد السابق الذي أصبح يعمل كنائب له منذ ووصله ومع كبار ضباط القيادة، بدأ الجنرال بارليف يمارس قيادته بالفعل، فأخذ في زيارة الفرق المدرعة الثلاث المتمركزة على خط المواجهة في سيناء لمعرفة أوضاعها القتالية على الطبيعة، كما انشغل بمراقبة المعارك التي كانت تدور وقتئذ بين القوات الإسرائيلية والقوات المصرية على طول الجبهة. ولم تكن المعارك الدائرة في هذه الفترة سوى عمليات دفع صغيرة ذات مكاسب محلية محدودة، فلم يكن المصريون يستهدفون من عملياتهم الا توسيع رءوس الكباري وتعميقها وتعديل بعض أوضاعهم التكتيكية بالاستيلاء على بعض النقاط الحاكمة في قطاعاتهم،واتمام السيطرة على طريق المدفعية (الطريق العرضي رقم 2) على بعد حوالي 10 كم شرق القناة. وكانت القوات الإسرائيلية في سيناء تخوض معركة احتواء، ولم تكن تستهدف من هجماتها المضادة المحلية سوى منع محاولات التقدم المصرية في اتجاه الطريق العرضي رقم 3 (على بعد حوالي 30 كم شرق القناة). وكان التقرير الذي قدمه الجنرال جونين للجنرال بارليف عقب وصوله يشير الى التحسن الكبير الذي طرأ لأول مرة على الوضع العسكري للقوات الإسرائيلية في سيناء على طول الجبهة والذي كان في الامكان ملاحظته بسهولة. فان نسبة السحق في تقديره قد تغيرت لصالح الجيش الإسرائيلي، اذ ان الدبابات المصرية أصبحت خسائرها تفوق خسائر الدبابات الإسرائيلية. وعزا جونين هذا التحسن في الوضع العسكري الى عدة عوامل كان أهمها استكمال وصول معظم القوات الاحتياطية الإسرائيلية، وكذا الكفاءة العالية لوحدات وأطقم صيانة واصلاح الدبابات التي تمكن أفرادها من اصلاح مئات الدبابات المعطوبة في وقت قصير. وبالاضافة الى ذلك استفادة قادة الوحدات الفرعية في الوحدات المدرعة الإسرائيلية من تجاربهم المريرة في أثناء قتالهم في الأيام الأولى من الحرب ضد أطقم اقتناص الدبابات المصرية ، مما دفعهم الى تغيير أسلوبهم التكتيتيك في التعامل مع أفراد المشاة المصريين لتجنب الخسائر الفادحة التي كانت تحلق بهم.

وعند زيارة الجنرال بارليف لمقر قيادة القطاع الأوسط، أبدى له الجنرال شارون استياءه البالغ من وضع الجمود الذي يسود الجبهة المصرية في الجنوب، بينما تركز المجهود الرئيسي على هضبة الجولان في الشمال. وكان رأي شارون أن ما يتبع هو أسلوب استراتيجي خاطئ، لأن الوقت ليس في صالح إسرائيل، ومادام المصريون لا يحاولون الضغط بقواتهم شرقا ويكتفون بأعمال الحفر وتحصين مواقعهم الدفاعية، فان هذا يعني أنهم يهيئون أنفسهم انتظارا لصدور قرار من مجلس الأمن بوقف اطلاق النار ليكونوا وقتئذ في موضع قوة. وان بقاء الجيش الإسرائيلي في سيناء في حالة ثبات يجعله يفقد الميزات الأساسية التي هيأت له النصر في الحروب السابقة، وهي الاحتفاظ بالمبادأة والقتال المتحرك الذي يعتمد على أسلوب المناورة وخفة حركة القوات المدرعة.

وكان شارون قد وضع خطة تهدف الى مهاجمة رأس كوبري الجيش الثالث بلواءين مدرعين من فرقته من الشمال الى الجنوب على أن يكون تقدمهما على الطريق المؤدي للبحيرات المرة لتأمين جنبهما الأيمن، ويكون هجومهما بالتنسيق مع قوات الجنرال ألبرت ماندلر المتمركزة في القطاع الجنوبي. وفي اجتماع بمقر القيادة الجنوبية يوم 11 أكتوبر رأسه الجنرال بارليف، وحضره شارون مع قائدي اللواءين المدرعين اللذين سيقومان بالهجوم، وهما العقيدان أمنون وحاييم ، عرض شارون خطته الهجومية ضد قطاع الجيش الثالث، ولكن الجنرال جونين الذي كان حاضرا الاجتماع رفض الخطة وشاركه في الرفض الجنرال بارليف. وكان سر الاعتراض الذي وجه الى خطة شارون يقوم على أساس أنها عملية باهظة من ضئيلة النتائج، وسوف تؤدي الى أن يلحق باللواءين المدرعين الإسرائيليين خسائر فادحة. وكانت ذكرى فشل هجوم فرقة الجنرال ابراهام أدان على الجيش الثاني يوم الاثنين 8 أكتوبر ما زالت ماثلة في الأذهان، عندما اشتعلت عشرات من الدبابات الإسرائيلية بالنار خلال دقائق معدودة. وفي نفس الوقت كانت الحاجة ماسة الى الاحتفاظ بقوة المدرعات الإسرائيلية قوية وسليمة انتظارا للهجوم المصرية المدرع المرتقب الذي كان – وفقا لأسلوب القتال السوفيتي الذي يتبعه المصريون – من المنتظر أن يقع في اليوم السادس أو السابع من الحرب أي يوم 11 أو 12 أكتوبر على أكثر تقدير. وكان من المحتم أن تعقبه معركة دبابات كبرى بين الجانبين.

وعقب وصول بارليف الى الجبهة الجنوبية بدأ يشعر بالمشكلات الناجمة عن فرض الانضباط على شارون. لقد كان في تقدير موشي ديان والجنرال أليعازر أن المتاعب الكبيرة التي سببها شارون لقائده السابق جونين بسبب حساسية الوضع بينهما سوف تنتهي بمجرد وصول بارليف الى مقر القيادة الجنوبية، فلقد كان بارليف فيما مضى رئيسا للأركان العامة، وكن شارون أحد قادته المرءوسين، ولذلك كان من المفترض أن سلطته القيادية سوف يعترف بها شارون بدون اي اعتراض. ولكن المشكلات لم تلبث أن بدأت وأوجه الخلاف سرعان ما تفاقمت بين الطرفين.

ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي اختلف فيها شارون مع بارليف، فقد عارضه من قبل في أسلوب انشاء خط بارليف، وانتقد بشدة طريقته في محاربة الفدائيين الفلسطينيين. وعندما عين شارون قائدة للقيادة الجنوبية في يناير عام 70 وجه شارون نقده علانية الى رئيس الأركان العامة أمام رؤساء تحرير الصحف الذين اجتمع بهم بسبب الأسلوب الخاطئ الذي تتبعه القوات الاسرائلية على جبهة قناة السويس في الرد على حرب الاستنزاف التي شنها المصريون. ولكن الجنرال بارليف لم يستطع ان يكتم سخطه في هذه المرة من تصرفات شارون الهوجاء، ولم يعد يحتمل عدم انضباطه وتحديه لأوامره، ولذا طلب من رئيس الأركان في 12 أكتوبر أي بعد يومين فقط من توليه القيادة اعفاء شارون من منصبه، فأجابه الجنرال أليعازر بأنه سيقوم باستشارة وزير الدفاع. عندما عرض الأمر على موشي ديان أجاب بأن مثل هذا الاجراء في هذا الوقت سوف يثير مشكلات سياسية ، اذ أن شارون عقب احالته الى التقاعد أصبح أحد الأعضاء البارزين في حزب الليكود المعارض لحكومة حزب العمل التي كانت تتولى الحكم وقتئذ ، ورغم هذه الظروف الحساسة التي أبلغت الى بارليف، فانه اضطرة مرة أخرى بعد فترة قصيرة ازاء استهانة شارون بأوامره وعدم انقياده الى أن يقترح رسميا عزل شارون عن قيادته.

هذا ولم تقع أحداث مهمة على مستوى الجبهة الجنوبية يوم 10 أكتوبر – وهو اليوم الذي تولى فيه الجنرال بارليف القيادة، سوى نجاح قوة تابعة للجنرال كلمان ماجن الذي سبق الحاقه في القطاع الشمالي تحت قيادة الجنرال أدان (برن) في الالتحام بموقع الحصن الإسرائيلي المحاصر الواقع على ساحل البحر المتوسط جنوب شرق بور فؤاد (حصن بودابست)، وقد اضطرت المدرعات الإسرائيلية في سبيل الوصول اليه الى الاستعانة بقوة من المظلات لوقوعه في منطقة محصورة بين البحر والمستنقعات، اشتركت القوتان معا في اقتحام الطريق الساحلي عبر المستنقعات حتى نجحتا في الوصول الى الحصن. وكان هذا الحصن هو الوحيد بين حصون خط بارليف الذي لم يسقط، وصمد في القتال حتى نهاية الحرب بسبب صعوبة الوصول الى موقعه وشجاعة حاميته وبسالتها. وقد ذكرت المراجع الإسرائيلية أن لقاء قوة ماجن بأفراد حامية الحصن كانت من لحظات السعادة القليلة في الحرب، فقد تبادل الجنود الأحضان والقبلات وقاموا على الفور باخلاء الجرحى الى المستشفيات في الخلف عبر الخطوط الاسرائلية. وكان هناك حصن آخر لا يزال يقاوم وهو الحصن المقام على لسان بور توفيق في المدخل الجنوبي للقناة. ورغم مناعة موقعه لاحاطة المياه به من جهات ثلاث فقد اضطرت حاميته الى التسليم كما أسلفنا الى قوات الفرقة 19 مشاة يوم 13 أكتوبر عن طريق ممثلي الصليب الأحمر.

ومنذ يوم 10 أكتوبر كان القلق قد بدأ يسري لدى القيادة الجنوبية الاسرائلية من احتمال بقاء القوات المصرية مستحكمة في مواقعها الدفاعية الحصينة داخل منطقة رءوس الكباري، في الوقت الذي لا تتعرض فيه لاي تهديد جدي من جانب الطيران الإسرائيلي المتفوق بسبب دخولها في نطاق شبكة الصواريخ المصرية أرض جو (سام) المنتشرة على الضفة الغربية للقناة، والتي كانت تهيئ لها الوقاية التامة من الغارات الجوية الإسرائيلية.

وكان نشاط القوات المصرية في اعمال الحفر وبث حقول الألغام بكثافة حول المواقع الدفاعية مؤشرا له دلالته الواضحة على أن القوات المصرية لا تنوي تنفيذ المرحلة الثانية من خطتها الهجومية، وهي تطوير الهجوم شرقا للوصول الى خط الممرات الجبلية.

وكان بقاء 5 فرق مشاة مصرية كاملة متخندقة في مواقعها داخل مناطق رءوس الكباري وهي مدعمة بعد استنزال خسائر المعارك التي وقعت في الأيام السابقة بما لا يقل عن 850 دبابة (5 ألوية مدرعة ملحقة على فرق المشاة الخمس علاوة على كتائب دبابات الفرق والألوية المشاة العضوية) معناه أن القوات الإسرائيلية سوف تضطر الى خوض حرب استنزاف مريرة تنطح خلالها رأسها في الصخر، وتتحكم فيها الدبابات الإسرائيلية أمام صلابة الدفاعات المصرية الحصينة كما جرى في الهجمات المضادة الإسرائيلية يومي 8 و9 أكتوبر التي شنت بطريقة جبهوية من اتجاه الغرب الى الشرق.

وكانت الطريقة الوحيدة للاخلال بتوازن القوات المصرية والسماح للجيش الإسرائيلية باستعادة ميزتي خفة الحركة والقدرة على المناورة اللتين اشتهر بهما هي عبور القوات الاسرائلية قناة السويس من الشرق الى الغرب والعمل على مؤخرة الجيشين الثاني والثالث، وبهذه الوسيلة تنجو إسرائيل من مأزق الحرب الثابتة التي أجبرها المصريون على اتباعها.

هذا ولم يكن عبور القوات الإسرائيلية قناة السويس من الشرق الى الغرب فكرة فجائية طرأت على أذهان المسئولين في القيادة الجنوبية في أثناء الحرب، بل كان هذا الرأي في الواقع عنصرا أساسيا في التخطيط العسكري الإسرائيلي الذي تم وضعه منذ عام 1968 للدفاع عن سيناء في مواجهة أي هجوم مصري واسع النطاق عبر قناة السويس. وقد استمر تجهيز وبناء المعدات اللازمة لعملية العبور الاسرائلية عدة سنوات، وتم اختيار ثلاث مناطق كنقاط صالحة للعبور منها في المستقبل،وهي مناطق القنطرة شرق والدفرسوار (شمال البحيرة المرة الكبرى)، وفي المنطقة التي تقع شمال مدينة السويس. وتعمد الاسرائليون تخفيف سمك الساتر الرملي على الشاطيء الشرقي للقناة في تلك المناطق، كما وضعت علامات بالطوب الأحمر عند الأمكنة التي ينتظر فتحها في الساتر الرملي استعدادا لدفع معدات العبور من خلالها الى خط المياه. وعلاوة على ذلك مهدت طرق خاصة لجر الكباري السابقة التجهيز في اتجاه نقاط العبور المنتخبة، وعند كل نقطة منها أعدت ساحة خاصة، كانت عبارة عن منطقة ممهدة مساحتها 150 ياردة في 700 ياردة تحطيها حوائط عالية من الرمال بهدف استخدامها لاعداد معداد العبور قبل انزالها الى الماء.

والى جانب هذه التجهيزات، أجريت التدريبات اللازمة في شكل مشروعات تعبوية على عملية عبور القناة الى الغرب على المستويات الكبرى بدءا من مستوى قيادات الفرق المدرعة الاحتياطية في سيناء ومستوى القيادة الجنوبية حتى مستوى أفرع رئاسة الأركان العامة في تل أبيب. وقد اتضح أن الجنرال شارون عندما تولى رئاسة القيادة الجنوبية أعد ملفا تفصيليا تم حفظه في القيادة عن عملية العبور الى الغرب، كما قام باجراء مناورة لتدريب قواته عليها. وعندما أفاقت القيادة الجنوبية من صدمة العبور المصري يوم 6 أكتوبر التي أفقدتها توازنها، وبدأت تعود الى تماسكها خاصة بعد تزايد أعداد ما تحت إمرتها من الدبابات بدأت هذه القيادة في الاعداد للعملية الكبرى التي سبق التجهيز لها منذ عدة سنوات بدقة واتقان، وهي عملية العبور الى الضفة الغربية للقناة بهدف الاخلال بتوازن القوات المصرية شرق القناة التي تشل حركتها الى مرحلة القتال المتحرة الذي تستغل فيه ميزاتها الأساسية في خفة الحرك والقدرة على المناورة عبر الأراضي المفتوحة غرب القناة. وفي ليلة 9/10 أكتوبر أمر الجنرال جونين رئيس مهندسي القيادة الجنوبية باتخاذ الخطوات اللازمة لتجميع أجاء السر السابق التركيب في منطقة قريبة من القناة استعدادا لدفعه الى الأمام ألى النقطة التسي يتم اختيارها للعبور منها الى غرب القناة.

سر تأجيل عملية العبور الى غرب القناة

وفي مساء الخميس 11 أكتوبر انعقد مؤتمر مهم برئاسة الجنرال حاييم بارليف في المركز الأمامي للقيادة الجنوبية حضره رؤساء أفرع القيادة وقادة الفرق المدرعة للاتفاق على أصلح نقطة يتم من خلالها العبور الى الضفة الغربية للقناة. ونوقشت خلال المؤتمر عدة اقتراحات كان من مضنها العبور من أقصى الشمال للاستيلاء على مدينتي بورفؤاد وبورسعيد، كما كان من ضمنها العبور من الطرف الشمالي لخليج السويس للقيام بعملية شبه الغارة المدرعة البرمائية على الزعفرانة يوم 9 سبتمبر عام 69 ، وكان من ضمن الاقتراحات أيضا العبور من منطقة القنطرة شرق. ولكن هذه الاقتراحات رفضت جميعا.

وقد ثبت أن أفضل الاقتراحات التي طرحت خلال الاجتماع كان الاقتراح الذي قدمه الجنرال جونين ، وهو أن يتم العبور من منطقة الدفرسوار. وبرغم التحفظات التي أبداها كل من شارون وأدان فقد أصر جونين على رأيه الذي كان يحقق من وجهة نظره ووصول القوات الإسرائيلية الى القناة دون أن تصادف أي مقاومة كبيرة، بينما كان العبور من المناطق الأخرى المقترحة يتطلب خوض معركة رئيسية والقيام بعملية اختراق للدفاعات المصرية قبل بدء العبور الفعلي. وانحاز الجنرال بارليف بعد انتهاء المناقشات الى فكرة العبور عن طريق الدفرسوار نظرا لما كانت تحققه من مزايا كبيرة، اذ ان الجناح الأيسر للقوات التي ستكلف بالعبور سيكون مؤمنا تماما لوجود ثغرة مقدارها حوالي 35 كم بين رأس كوبري الجيش الثالث ورأس كوبري الجيش الثاني على شاطؤ البحيرة المرة خالية من القوات المصرية، كما أن الأرض المواجهة لنقطة العبور على الضفة الغربية تعتبر أصلح الأراضي للعمليات الحربية بالنسبة لقوات العبور الإسرائيلية بعد وصولها الى الشاطئ الغربي للقناة، حيث لا توجد أمامها سوى ترعة واحدة فقط للمياه العذبة الممتدة من الاسماعيلية الى السويس يمكن عبورها بسهولة، كما أن المنطقة في واجهتها مفتوحة مما يجعلها ملائمة تماما لتحركات القوات المدرعة وقيامها بأعمالها المناورة، في حين أن منطقة القنطرة لا تسمح لقوات العبور بهذه المزايا نظرا لوجود عدة قنوات مائية ومناطق زراعية تعترض اتجاه تقدمها مما يجعل تحركات القوات المدرعة مقيدة ومحدودة. وكان توقيت الهجوم يعتمد الى حد كبير على التحركات المتوقعة للقوات المصرية.

وكانت المشكلة التي واجهت القيادة الجنوبية هي: ماذا ينبغي أن يكون تصرفها في حالة اصرار المصريين على البقاء مستحكمين داخل رءوس الكباري الحصينة على الضفة الشرقية للقناة انتظار لصدور قرار من مجلس الأمن بوقف اطلاق النار وبقاء الأنساق الثانية للجيشين والاحتياطي العام متمركزة في أمكنتها غرب القناة دون أن تفكر القيادة المصرية في الدفع بها لعبور القناة والاندفاع شرقا في اتجاه المضايق. وكان التصرف الوحيد الذي يمكن للقيادة الاسرائلية عن طريقه انقاذ الموقف في هذه الحالة هو القيام بعملية عبور للقناة.

ولكن عملية العبور الى الضفة الغربية سوف تكون بلا شك عملية بالغة الخطورة مع وجود فرقتين مدرعتين (الفرقة الرابعة المدرعة والفرقة 21 مدرعة) وفرقتين ميكانيكيتين (الفرقة 6 والفرقة 23 مشاة ميكانيكية) ، وكانت ثلاثة ألوية مدرعة من هذه الفرق الأربعة ملحقة على ثلاث فرق مشاة شرق النقاة: لواء من الفرقة 21 مدرعة ولواء من كل من الفرقتين الميكانيكيتين، ولذا فان العدد الحقيقي للدبابات غرب القناة لم يكن يتجاوز وقتئذ 400 دبابة ولكن كان برفقتها عدد ضخم من العربات المدرعه ذات الجنزير التابعة للفرقتين الميكانيكيتين، وكانت هذه القوات المدرعة متمركزة داخل النطاق التعبوي للجيشين الثاني والثالث على بعد حوالي 20 كم غرب القناة ومحتلة مواقع دفاعية حصينة، ومكلفة بواجب رئيسي وهو الاكتشاف المبكر لأي قوات للعدو، تتمكن من اختراق المواقع الدفاعية المصرية شرق القناة والاشتباك معها في الحال لتدميرها ومنعها من الوصول الى أي أهداف حيوية غرب القناة.

ونتيجة لهذا الوضع كان الانطباع السائد بين القادة الإسرائيليين بصفة عامة أنه من الخطورة بمكان على إسرائيل تنفيذ عملية العبور الى الضفة الغربية في وجود هذا الحشد الضخم من القوات المدرعة والميكنيكية المصرية. وفي يوم الجمعة 12 أكتوبر انتقل الجنرال بارليف بطائرة هيليكوبتر الى تل ابيب حيث حضر اجتماعا عسكريا بالقيادة العامة عرض فيه الخطوط الرئيسية لخطة العبور على الجنرال أليعازر رئيس الاركان وعلى كبار معاونيه. وعندما حضر موشي ديان وزير الدفاع الاجتماع لعرض الخطة عليه بناء على طلب رئيس الأركان للحصول على تصديقه، أبدى ديان تشككه في جدوى العملية كلها، وأكد أنها لن تجبر المصريين على طلب وقف اطلاق النار. وعندئذ انبرى بارليف للدفاع عن الخطة فقال: "هذه هي الخطة الوحيدة لترجيح الكفة في الحرب، بدون عبور لن يكون هناك وقف اطلاق نار، لأنه ليس هناك أي ضغط على المصريين ولا حتى ضغط سياسي". ورد ديان في حدة: "لتتركوا المسألة السياسية جانبا وعليكم البحث من الناحية العسكرية، هل الخطة قابلة للتنفيذ من هذه الناحية أم لا؟". وترك ديان الاجتماع دون أن يحدد موقفه.

وبناء على طلب الجنرال أليعازر، انعقد مجلس الحرب الذي حضره من أعضاء الحكومة كل من جولدا مائير رئيسة الوزراء وايجال آلون نائبها وموشي ديان وزير الدفاع ويسرائيل جاليلي وزير الدولة، وقدم مع رئيس الأركان العامة عدد من كبار معاونيه، كما حضر الجنرال بارليف الاجتماع ولكن بصفته قائدة للقيادة الجنوبية وليس بصفته وزيرا في الحكومة. وعرض بارليف خطته لعبور قناة السويس، وشرح بالتفصيل الخطوط الرئيسية لعملية العبور، وثارت مناقشات حادة ، فقد كان الحاضرون يناقشون في الواقع عمليةمن أهم العمليات العسكرية وأكثرها تعقيدا ومن أخطرها في نفس الوقت على إسرائيل من حيث النتائج فيما لو صادفها الفشل. ومن خلال المناقشات ، اتضح أن رئيس الأركان وقائد السلاح الجوي الجنرال باني بيليد هما من أشد المتحمسين للخطة وأن موشي ديان مؤيد لها كذلك.

ولكن في نفس الوقت ارتفعت أصوات المعارضين للخطة، فقد حذر أحد كبار القادة من خطورة عبور مائي في صعوبة قناة السويس، بينما يسيطر العدو على كل جانب من جانبيه. ونصح قائد آخر بوجوب التريث والانتظار الى حين أن تقوم القوات المدرعة المصرية بهجومها المتوقع. وبعد أن يتم صده، تقوم القوات الإسرائيلية بالهجوم عبر القناة، وذكر أنه وفقا للعقيدة السوفيتية فان المتوقع أن يشن المصريون هجوما واسع النطاق بمدرعاتهم ما بين يومي 11 و12 أكتوبر.

وعندما قويت نغمة المعارضة في المجلس، وازدادت أسئلة الوزراء التي كانت تعكس مدى قلقهم وانزعاجهم لاجراء مثل هذه المغامرة غير مأمونة العواقب، شعر الجنرال بارليف بنوع من الاحباط ، فقد أدرك أن الخطة التي بنى عليها كل آماله لاستعادة زمام الموقف واسترداد المبادأة من المصريين لا يمكنه في مثل هذه الظروف الحصول على تصديق مجلس الحرب عليها، ولذا بدأ يطوي أوراقه وخرائطه استعداد لمغادرة الاجتماع والعودة الى مقر قيادته.

ولكن القدر تدخل تدخلا عجيبا، فقبل أن ينفض الاجتماع بدقائق اقتحم المجلس أحد ضباط العمليات ليلقي بالنبأ المثير الذي اهتز له جميع الحاضرين. لقد بدأ عبور القوات المدرعة المصرية الذي طال انتظاره، واخذت وحدات من الفرتقين 4 و21 المدرعتين في التدفق على الكباري المصرية في طريقها الى الضفة الشرقية. ونهض بارليف في نشوة ليطلب من مجلس الحرب تأجيل اتخاذ أي قرار الى حين أن تقوم القيادة الجنوبية بصد الهجوم المصري أولا، فلقد أعد خطته الجريئة وأن له أن يجني الثمار.

مصرع الجنرال ألبرت ماندلر

فور وصول الجنرال أليعازر الى المركز الأمامي للقيادة الجنوبية في أم مرجم صباح السبت 13 أكتوبر، استقل طائته الهيليكوبتر وبرفقته الجنرال بارليف قائد القيادة الجنوبية متجهين الى الطاسة. وهي مركز القيادة الأمامي للقطاع الأوسط الذي كان يتولى قيادته الجنرال شارون، والتي اختيرت مقرا لجتماع القادة برئيس الأركان العامة نظرا لموقعها المتوسط في الجبهة. وطار الجنرال جونين بطائرة هيليكوتبر اخرى وبرفقته الجنرال عيزرا وايزمان قائد القوات الجوية الأسبق والرئيس السابق لفرع العمليات برئاسة الأركان والعامة، وكان واحدا من القادة البارزين الذي تم استعداؤهم من الاحتياط لمعاونة رئيس الأركان في أثناء الحرب، وجرت محادثة باللاسلكي بين الجرنال جونين في أثناء وجوده بالطائرة والجنرال ألبرت ماندلر قائد المنطقة الجنوبية الذي كان وقتئذ يستقل مركبة قيادته بالقرب من أحد مراكز المراقبة في الخط الأمامي من قطاعه بسبب العمليات التي جرت صباح ذلك اليوم على قطاع الجيش الثالث والتي لم يكن الجنرال ماندلر راضيا على نتائجها. وتم الاتفاق بين جونين وماندلر على اللقاء معا لاستكمال بحث الموضوع في الموقع الذي كان يتحدث منه ماندلر، وكان يقع على أحد المفارق الجانبية للطريق المؤدي الى ممر الجدي، وذلك عقب انتهاء الاجتماع الذي سيعقده رئيس الأركان العامة في الطاسة. وحدد مندلر لجونين الاسم الكودي الموجود على الخريطة لمكان لقائهما المنتظر. ووجه جونين سؤالا آخر الى ماندلر ولكنه لم يتلق جوابا، فقال على الفور لرفيقه في الطائرة الجنرال وايزمان: "لقد حدث شيء لألبرت". فرد عليه وايزمان: "ما هذا الهراء أيها الأحمق؟". ولكن جونين أحس بانقباض مفاجئ ، وقال : "مادام ألبرت لم يرد على سؤالي فهذا يعني شيئا واحدا: أنه مات". وحاول عامل اللاسلكي بالطائرة أن يحصل على اجابة ولكن دون جدوى. وعندما هبطت الطائرة الهيليكوبتر في مقر قيادة الطاسة كانت تنتظر جوني رسالة من نائبه يخطره فيها بأن الجنرال ألبرت ماندلر قد قتل بقذيفة مصرية.

وكان ألبرت ما زال حيا عندما نقلوه الى طائرة هيليكوبتر تطير به الى المستشفى، ولكنه مات في الطريق، ودخل الجنرال جونين الاجتماع حزينا، وهمس بالنبأ إلى الجنرال أليعازر ريس الأركان الذي أصدر أمرا في الحال بتعيين كلمان ماجن الذي كان ملحقا على القطاع الشمالي ليتولى قيادة القطاع الجنوبي محل ألبرت ماندلر. وهذا انتهت قصة ذالك الصبي الذي هرب مع أمه من النمسا عقب الاحتلال النازي ووصل الى فلسطين قبل نشوب الحرب العالمية الثانية كهاجر غير شرعي. وكان ألبرت طويل القامة صاحب العينين الزرقاوين يتميز بشخصية غير عادية، وكان ارتباطه بقادته وجنوده أمرا يثير الالتفات اليه ، وكان ينتمى الى جيل الجنرالات الإسرائيلين الذين كانوا خلال حرب عام 1948 قادة سرايا، وكان ألبرت في أثناء حرب يونيو 1967 يتولى قيادة اللواء المدرع الذي اخترق الدفاعات السورية المنيعة في مرتفعات الجولان، وكان المفترض أن يترك منصبه كقائد للقوات الإسرائيلية في سيناء يوم الأحد 7 أكتوبر ليخلفه كلمان ماجن وذلك بعد تعيين ألبرت قائدا للقوات المدرعة في الجيش الإسرائيلي خلفا للجنرال أبراهام أدان (برن) الذي أحيل الى التقاعد، واستدعي بعد نشوب الحرب لقيادة فرقة مدرعة احيتياطية.

وكان آخر حديث أدلى به ألبرت للصحفيين في مقر قيادته الأمامي قوله: "لقد غيرت هذه الحرب في نظري قيما كثيرة، واشتهرت بأنني ضابط متعنت ومحترف، ولكنني في الأساس ليبرالي. والآن بعد هذا الهجوم المفاجئ الذي قام به المصريون يبدو لي أننا لن نستطيع بعد ذلك أبدا أن نسمح لأنفسنا بركوب مخطارات من هذا النوع. وسيكون أصعب جانب في هذه الحرب بالنسبة لي هو الذهاب الى عائلات جنودي الذين قتلوا". ويبدو أن القدر قد وفر عليه هذه المهمة البغيضة الى نفسه، فقد اصبح بعد ثلاثة أيام فقد من هذا الحديث بين القتلى، وكان موته رمزا لسقوط الخط الدفاعي الإسرائيلي الذي كان مسئولا عنه عندما نشبت الحرب وهو خط بارليف.

وخلال اجتاع رئيس الأركان بالقادة الإسرائيليين في الطاسة، والذي حضره كلمان ماجن بعد استدعائه من مقر قيادته ليتلقى أمر تعيينه رسميا قائدا للفرقة المدرعة في القطاع الجنوبي، أصدر الجنرال أليعازر أوامره بالاستعداد للقيام بعملية عبور قناة السويس ليلة 14/15 أكتوبر سواء وقع الهجوم المصري أو لم يقع، اذ ان عبور القوات المدرعة المصرية القناة الى الشرق كان يعني فقد الدفاعات المصرية توازنها غرب القناة مما يجعل الأمل في نجاح عملية العبور من الدفرسوار الى الغرب كبيرا.

وفي حوالي الساعة الواحدة والنصف من نفس اليوم 13 أكتوبرظهرت طائرة استطلاع فوق منطقة القناة، ولم تكتف بتغطية الجبهة بأكملها بل طارت فوق الدلتا قبل أن تخرج من المجال الجوي المصري. ورغم أنها طارت فوق مناطق مكتظة بصواريخ أرض جو (سام) فان رجال الدفاع الجوي لم يتمكنوا من اسقاطها، ولم تستطتع الطائرات المقاتلة الاعتراضية ادراكها، واتضح انها طائرة تجسس أمريكية من طراز SR17A تطير على ارتفاع 30 كيلو متر وبسرعة 3 ماخ (ثلاثة أضعاف سرعة الصوت). وقد ثبت أن هذه الطائرة قد مرت كذلك فوق كل سيناء وإسرائيل وسوريا، أي فوق جميع ميادين القتال في الشمال والجنوب. وقد ورد بالمراجع الإسرائيلية أنه نتيجة لمرور هذه الطائرة فوق الأراضي الإسرائيلية أطلقت صفارات الانذار وحاولت الطائرات الاعتراضية اللحاق بها دون جدوى. ومهما كان جان الصدق في أقوال الإسرائيليين عن هذه الطائرة، فان الأمر المنطقي أن الولايات المتحدة قد أمدت إسرائيل بكل الصور والمعلومات المتناهية في الدقة التي حصلت عليها هذه الطائرة، وبالتالي أصبحت إسرائيل على علم تام بأوضاع القوات الصمرية شرق القناة وغربها على وجه اليقين.

الضغط السوري على مصر لتطوير الهجوم شرقا

كانت مفاجأة كبرى لإسرائيل ظهر يوم 6 أكتوبر 73 أن تواجه حربا حقيقية شاملة على جبهتين، كل منهما نائية عن الأخرى: جبهة الجولان في الشمال، وجبهة سيناء في الجنوب اللتين تفصل بينهما مسافة حوالي 500 كم، مما كان لابد أن يرغمها على توزيع قواتها وتشتيت جهودها ولا يتيح لها الفرصة لعملية نقل قواتها من جبهة الى أخرى بسهولة وسرعة كما جرى الحال في حرب يونيو 1967. وبفضل وجود القيادة الاتحادية للجيشين المصري والسوري، تم لهذه القيادة عن طريق عملية تنظيم التعاون بين القيادتين المصرية والسورية تنسيق خطة هجوم مشتركة على الجبهتين في توقيت واحد، فقد تم توحيد ضربة الطيران بحيث اجتازت حوالي 200 طائرة مصرية و100 طائرة سورية خطي المواجهة مع إسرائيل على الجبهتين في لحظة واحدة لضرب الأهداف الحيوية في العمل ، كما تم توحيد توقيت التمهيد النيراني للمدفعية ليجري تنفيذه بحوالي 2000 مدفع مصري و1000 مدفع سوري في نفس اللحظة.

لقد وضعت الخطة وتمت أعمال التحضير والتنسيق للعملية عن طريق السيطرة الكاملة للقائد العام للقوات الاحتياطية الفريق أول أحمد إسماعيل وبالاشتراك مع هيئة عمليات كلا البلدين، فبدأت الحرب في صورة رائعة، وفي توافق وتنسيق كاملين بحيث أثارت الذعر والارتباك في صفوف القوات الإسرائيلية. ولكن تلك البداية المشتركة الناجحة لم تلبث أن تلاشت تدريجيا فور بدء العمليات الهجومية على الجبهتين، فقد حدث انفصام تام بين الجيشين العربيين في الشمال والجنوب، وانفردت قيادة كل جيش بادارة عملياتها وفقا للموافق والأحداث التي أخذت تواجهها.

وقد أتاح هذا الوضع الاستراتيجي للجبهتين المصرية والسورية الفرصة للقيادة الإسرائيلية لتحديد أولويات عملها، وجنبها مواجهة أزمة خطيرة على كلتا الجبهتين في وقت واحد. ويرجع السبب الرئيسي في ذلك الى عدم وجود هيئة قيادة موحدة للجبهتين لديها سلطة إصدار أوامر العمليات وتعليمات التحرك للقوات على الجبهتين. وعلى الرغم من تشكيل هيئة مشتركة للعمليات في القيادة العامة الاتحادية بالقاهرة التي كان يرأسها اللواء بهي الدين نوفل، وتضم مصريين وعددا من الضباط السوريين، وكذا وجود عدد مم ضباط الاتصال المصريين ضمن هيئة العمليات بالقيادة السورية بدمشق، فان واقع الأمر أثبت أنه لم يكن لوجود هيئة العمليات بالقيادة الاتحادية أي جدوى، فلم تستطع اجراء أي نوع من التنسيق أو الربط بين الجبهتين في مراحل القتال الفعلية، واقتصر عملها طوال مدة الحرب على القيام فقط بمهمة الاتصال بين الجبهتين عن طريق تبادل الاشارات والرسائل اللاسلكية والانهماك في حل الشفرة وتبليغ المعلومات عن الوضع العسكري على الجبهة السورية الى الفريق أحمد إسماعيل دون أن تعطى لهذه الهيئة أي فرصة او امكانات حقيقة لأداء واجبها الصحيح وهو تنسيق العمليات وربط الخطط المشتركة بين الجبهتين.

لقد كان الأمر المفترض هو وجود هيئة قيادة موحدة تضم ادارة كاملة للعمليات وأخرى للمخابرات، مما كان يكفل استغلال الأزمة الحادة والارتباك الشديد اللذين واجهتهما القيادة الإسرائيلية خلال الأيام الأولى من المعركة عندما تلقت صدمة الحرب العنيفة على كلتا الجبهتين في وقت واحد. ولو كانت هذه القيادة موجودة بالفعل لاستغلت فرصة تركيز إسرائيل لمجهودها الجوي وقواتها الاحتياطية في الفترة الأولى من الحرب في مواجهة الجبهة السورية للقيام بعملية تطوير ناجحة للهجوم المصري شرقا في اتجاه المضايق الجبلية دون اجراء الوقفة الطويلة التي استمرت خمسة أيام (من يوم 9 إلى يوم 13 أكتوبر) مما أضاع على القوات لامصرية فرصة ثمينة لا يمكن تعويضها للوصول الى خط الدفاع الطبيعي عن القناة وهو منطقة المضايق الجبلية الاستراتيجية. ولو كان ذلك قد تم لما أمكن للقوات الإسرائيلة القيام بعملية الاختراق التي جرت بعد ذلك في الدفاعات المصرية شرق القناة عند الدفرسوار 15/16 أكتوبر والتي انتهت بعبورها القناة ووصولها الى الضفة الغربية لها والقيام بعملياتها على مؤخرة الجيشين الثاني والثالث غرب القناة.

لقد تمكنت إسرائيل من التخلص من الموقف العصيب الذي واجهته في بداية الحرب بتركيز اهتمامها بكل جبهة على حدة واعتبارهما بمثابة جبهتين منفصلتين. وقد كشف موشي ديان وزير الدفاع الإسرائيلي الستار عن وجهنة النظر الإسرائيلية هذه بقوله: "ان قواتنا تتخذ أوضاع الدفاع على جبهة القناة وتقيم الخطوط الدفاعية لوقف تقدم المصريين لحين تحول الوضع على جبهة الجولان في الشمال لصالح إسرائيل خلال الأيام القليلة القادمة".

وعلى الرغم من التحالف الوثيق الذي كان قائما بين مصر وسوريا والذي كان في قمة ازدهاره يوم 6 أكتوبر 73 عندما شنت الدولتان هجوما مشتركا على جبهتي سيناء والجولان. فان وقائع الحرب لم تلبث أن أخذت تؤثر على العلاقات الوثيقة بين الدولتين الحليفتين، وبدأ التوتر يزداد بين القيادتين المصرية والسورية منذ نشوب الحرب في المجالين العسكري والسياسي، حتى وصل الأمر بينهما في النهاية الى مرحلة خطيرة من سوء الفهم والشك وتبادل التهم.

ومنذ اليوم الأول من الحرب تولدت بذور الريب والشكوك، فقد استقبل الرئيس الراحل السادات في الثامنة من مساء يوم 6 أكتوبر في قصر الطاهرة السفير السوفيتي فينوجرادوف الذي أخبره بأن الرئيس السوفيتي بريجنيف قد اتصل به هاتفيا وطلب منه أن ينقل الى الرئيس المصري رسالة شفيهة كانت تتضمن فقرتين: اولاهما هي تقديم تهاني الاتحاد السوفيتي الى السادات على عملية العبور الناجحة والعظيمة لقناة السويس. أما الفقرة الثانية التي أثارت دهشة السادات فهي أن القيادة السياسية السورية ليس لديها مانع من تقديم مشروع الى مجلس الأمن بوقف اطلاق النار. وأكد السفير السوفيتي للسادات أن قادة الكرملين مهتمون أشد الاهتمام بالخطوة السياسية القادمة التي يراها. وأبدى السادات تعجبة للسفير السوفيتي، وسأله عن المصدر الذي استقت منه موسكو معلوماتها عن المطلب السوري بوقف اطلاق النار، فأكد له أن ذلك جرى في لقاء بين الرئيس السوري حافظ الأسد والسفير السوفيتي في دمشق قبل نشوب الحرب ببضع ساعات فقط. وطلب السادات من فينوجرادوف أن يرجع الى موسكو لتأكيد معلوماته لأنه لا يصدق أن الرئيس السوري حافظ الأسد قد تقدم بمثل هذا الطلب، وقال انه يفهم أن يكون اقتراح وقف اطلاق النار صادرا من الولايات المتحدة نظرا لان المعركة تدور لصالح العرب. وبالنسبة لمصر فانه من المستحيل التفكير في وقف اطلاق النار، اذ أن هناك خمس فرق مشاة مصرية بدأت تثبت أقدامها على الشاطئ الشرقي للقناة، وفور الانتهاء من اقامة الكباري فان القوات المدرعة سوف تنضم اليها على الفور. واختتم السادات اللقاء قائلا: "نحن نريد السلام ولكن لا نفكر فيه قبل جلاء آخر جندي إسرائيلي عن سيناء".

وفي يوم الأحد 7 أكتوبر جرى لقاء آخر بين السادات والسفير السوفيتي أكد فينجرادوف خلاله صحة الرسالة التي تلقاها السفير السوفيتي في دمشق من الرئيس السوري، وهي أنه ليس لدى سوريا اعتراض على فكرة وقف اطلاق النار اذا تم تقديم اقتراح الى مجلس الأمن بشأن ذلك. وفور انتهاء اللقاء أرسل السادات برقية لاسلكية الى حافظ الأسط ذكر فيها أن وقف اطلاق النار الآن ليس في صالح العرب وأنه سيجعل إسرائيل في وضع أقوى مما كانت عليه قبل نشوب الحرب. وأكد له أن من الخطأ التفكير في أن الغرض من الحرب هو اكتساب أراض، اذ ان الغرض ينبغي ان يكون هو استنزاف قوى العدو، ومن أجل تحقيق ذلك يجب أن نكون على استعداد لتحمل أي خسائر تحل بنا. وفي يوم الاثنين 8 أكتوبر تلقى السادات ردا من حافظ الأسد على برقيته اليه في اليوم السابق، وقد نفى الرئيس السوري في رده أنه طلب من الاتحاد السوفيتي تقديم مشروع قرار الى مجلس الأمن بوقف اطلاق النار، وأنه في دهشة من هذه المعلومات الخاطئة التي رواها فينوجرادوف، وأوضح الأسد أن المعركة في ساحة الجولان تسير بنجاح وفقا للتخطيط السوري، وقد أصيب العدو بخسائر فادحة، وتمكنت القوات السورية من تحرير أكثر من نصف مرتفعات الجولان، وأن معدل الخسائر السورية يعتبر طبيعيا، ومن المتيسر استعاضته من الاحتياطي السوري، أكد الرئيس السوري في نهاية برقيته أن أي قرار مهم مثل وقف اطلاق النار لا يمكن التباحث مع أحد بشأنه على الاطلاق الا بعد الاتفاق بين الدولتين الحليفتين أولا.

ولكن الأيام الأربعة التالية (من 9 إلى 12 أكتوبر) شهدت خلافا عسكريا حادا بين القيادتين المصرية والسورية. فان القيادة العسكرية السورية اعترضت على بقاء القوات المصرية مستقرة في رءوس الكباري عقب نجاحها في صد الهجمات المضادة الإسرائيلة بسبب التعليمات الصادرة اليها بعمل وقفة تعبوية، وبذا أضاعت فرصة ذهبية للتقدم الى خط المضايق الجبلية الاستراتيجية في وسط سيناء. وذكر السوريون أن عملية تنظيم التعاون التي اجريت في يوم 7 يونيو 1973 في القيادة العامة بالقاهرة للخطة الهجومية جرانيت 2 المعدلة (الخطة بدر) بين القوات المصرية والسورية والتي اشترك فيها عددا من كبار القادة المصريين والسوريين تحددت فيها الأهداف على أساس وصول القوات المصرية المنطقة المضايق الجبلية في سيناء ووصول القوات السورية الى نهر الأردن وبحيرة طبرية، وبعد تحقيق هذه الأهداف يمكن فقط عمل وقفة تعبوية، ولكن القيادة المصرية كان من رأيها ضرورة عمل الوقفة التعبوية عقب عبور القناة واقتحام خط بارليف بهدف اعادة التنظيم والاستعداد لملاقاة الهجمات المضادة الإسرائيلية المنتظرة، وبعد انتهاء هذه المرحلة يمكن التقدم الى اتجاه المضايق.

هذا، ولم تكن الوقفة التعبوية للقوات المصرية مثار انتقاد السوريين فحسب، فقد عبر المسئولون بالاتحاد السوفيتي عن قلقهم لتوقف الهجوم المصري بعد الانتصار الساحق على الإسرائيلين وتدمير خط بارليف، وأبدوا تعجبهم لعدم استغلال المصريين لنجاحهم للوصول الى خط المضايق، وخاصة أن هذا التقديم علاوة على أنه ضرورة حربية ومرحلة تعبوية مهمة من المحتم القيام بها، فانه في نفس الوقت سيساعد على تخفيف الضغط الواقع على سوريا من جراء تركيز المجهود الرئيسي الإسرائيلي ضدها.

وفي يوم الأربعاء 10 أكتوبر كانت آخر القوات الرئيسية السورية قد أتمت انسحابها من مرتفعات الجولان الى خط وقف اطلاق النار عام 1967م الذي بدأت منه الهجوم في 6 أكتوبر بعد أن تكبدت خسائر فادحة في الارواح والأسلحة والمعدات، وتأهبت إسرائيل لشن هجوم على العمق السوري مما أرغم القيادة السورية على أن تقذف الى المعركة باحتياطيها الاستراتيجي الأخير، وهو الفرقة الثالثة المدرعة التي كانت تتمركز في شمال دمشق. وفي الساعة الحادية عشرة من صباح الخميس 11 أكتوبر بدأت القوات الإسرائيلية هجومها العام على عمق سوريا على محورين بعد هجمات جوية عنيفة على القوات السورية، وعندما وصل موشي ديان الى الجبهة قال لرفائل ايتان قائد المحور الشمالي: "سيكون هناك طعم لسنواتي الستين اذا رأيت تلال دمشق". وفي المساء وصل الطابور المدرع الإسرائيلي على المحور الشمالي الى حوالي 40 كم من دمشق. ولكن في يوم 13 أكتوبر وصل الهجوم الإسرائيلي على سوريا الى حده الاقصى، فلم يكن في مقدرة الفرقة الإسرائيلية المدرعة الثلاث- التي قامت بصد الهجوم السوري الى الجولان أولا، ثم كلفت رغم خسائرها الفادحة في الأرواح والمعدات بالهجوم العام في اتجاه دمشق – أن تواصل التقدم الى الأمام خطوة واحدة ، فان قواها كانت قد استنفدت تماما، خصوصا أن القوات السورية بعد انسحابها من الجولان عادت الى مواقعها الحصينة السابقة التجهيز على خط وقف اطلاق النار القديم (الخط الأرجواني) وانضم اليها في الخط الدفاعي تشكيلات من الفرقة الثالثة المدرعة العراقية المزودة بدبابات سنتوريون البريطانية الطراز التي كانت طلائعها قد وصلت الى الجبهة يوم 11 أكتوبر، وكذا اللواء 40 المدرع الأردني المزود بدبابات باتون الأمريكية الطراز. وكان الملك حسين قد استدعى السفير الأمريكي يوم 11 أكتوبر وأبلغه أنه لا يستطيع الوقوف جانبا دون التدخل في الحرب، ولكنه لن يفتح جبهة جديدة على حدود بلاده مع إسرائيل، وسيكتفي بارسال اللواء 40 المدرع لمساعدة السوريين وأرسل الملك حسين رسالة بهذا المعنى أيضا الى الرئيس الراحل السادات بالقاهرة.

وبهذا يمكن اعتبار أن المعارك الرئيسية على الجبهة السورية قد انتهت مساء يوم 13 أكتوبر، وان الخط الدفاعي الارجواني عاد كما كان قبل حرب أكتوبر دون أي تغير، وذلك في الجزأين الأوسط والجنوبي منه، أما الشمالي فقد نجحت فرقة رفائيل ايتان في التقدم 15 كم شمال الخط القديم مكونة ما عرف وقتئذ باسم جيب سعسع وهي مدينة تقع على مسافة 40 كم من دمشق، وعندما أدرك السوفيت مقدار ما وقع في الجبهة السورية من انهيار، ومدى ما تتعرض له دمشق من خطر، أذيع تصريح غاضب في الكرملين كان نصه: "لن يستطيع الاتحاد السوفيتي البقاء دون اكتراث ازاء الأعمال الاجرامية من الجيش الإسرائيلي". وقاد دوبرنين السفير السوفيتي في واشنطن بنقل التحذير الى الدكتور هنري كيسنجر وزير خارجية أمريكا، وأبلغه الاتحاد السوفيتي أنه لن يتخذ موقف اللامبالاة ازاء تهديد إسرائيل لدمشق، فاذا استمرت إسرائيل في تقدمها فقد تفلت الأمور في النهاية. وعقب هذا التحذير تلقت الادارة الأمريكية رسالة من موسكو تعبر عن احتجاجها الشديد على ضرب إسرائيل للمدنين في مصر وسوريا، وعلى ضربها السفن التجارية في الموانئ السورية. وفضلا عن ذلك قرر الاتحاد السوفيتي أن يأخذ على عتقه حماية مينائي اللاذقية وطرطوس، وتجمعت في كل منهما صواريخ سوفيتي ووضعت على أرصفتها صواريخ أرض جو سام، وامتنع السلاحان البحري والجوي الإسرائيليان منذ ذلك الحين عن القيام بأي هجمات ضد هذين المنياءين.

وعندما لاحظت القيادة السورية أن القوات المصرية – ما تزال رغم وقوع هذه التطورات الخطيرة في سوريا – باقية في أماكنها شرق القناة دون أن تبدو في الافق أي اشارات تدل على أن من المنتظر صدور الأمر لها بالتحرك شرقا في اتجاه المضايق وفقا للخطة المتفق عليها بين الجيشين. أخذت القيادة السورية بدمشق تمطر هيئة عمليات القيادة الاتحادية بالقاهرة بسيل من البرقيات تستفسر فيها عن الموعد الذي سوف تقوم به القوات المصرية بالتقدم للأمام لتخفيف الضغط عن الجبهة السورية. وكان اللواء بهي الدين نوفل رئيس العمليات الاتحادية المشتركة يشعر بمزيد من الحرج وهو يعرض بين ساعة وأخرى ما تلقاه من هذه البرقيات على الفريق أحمد إسماعيل قائد القيادة الاتحادية. وازاء هذا الضغط السوري المركز والالحاح المستمر اضطر الريس الراحل السادات الى الاستجابة لمطالب السوريين، فاتخذ قراره السياسي الخطير بتطوير الهجوم المصري شرقا صباح 13 أكتوبر الذي تم تأجيله 24 ساعة ليجري صباح 14 أكتوبر. ومما يؤسف له أن هذا القرار الصحيح قد صدر في موعد خاطئ فأصبح شأنه شأن القرار الخاطي في الموعد الصحيح سواء بسواء، وكان له أسوأ النتائج على مجرى الحرب.

كيف صدر القرار السياسي بتطوير الهجوم؟

أوضح الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس اركان حرب القوات المسلحة خلال حرب أكتوبر الظروف التي صدر فيها القرار السياسي بتطوير الهجوم، فذكر في الصفحتين 245 و246 من مذكراته ما يلي:

"بعد عودتي من الجبهة يوم الخميس 11 أكتوبر، فاتحني الوزير (الفريق أحمد إسماعيل) في موضوع تطوير هجومنا نحو المضايق، ولكني عارضت الفكرة وأبديت له الأسباب، وبدا لي أنه اقتنع بهذا وأغلق بذلك الموضوع. ولكنه عاد وفاتحني بالموضوع مرة أخرى في صباح اليوم التالي (الجمعة 12 أكتوبر) مدعيا هذه المرة أن الهدف من هجومنا هو تخفيف الضغط على الجبهة السورية، عارضت الفكرة على أساس أن هجومنا لن يخفف الضغط على الجبهة السورية، حيث ان هذه القوات قادرة على صد أي هجوم نقوم به. اذ أن لدى العدو 8 ألوية مدرعة أمامنا، حيث ان هذه القوات قادرة على صد اي هجوم نقوم به. وليس لدينا دفاع جوي متحرك الا أعداد قليلة جدا من سام 6 لا تكفي لحماية قواتنا. وقواتنا البرية ستقع فريسة للقوات الجوية الإسرائيلية نظرا لتفوقها بمجرد خروجها من تحت مظلة الدفاع الجوي، أي بعد حوالي 15 كم شرق القناة. اذا نحن قمنا بهذه العملية فاننا سوف ندمر قواتنا دون أن نقدم أي مساعدة لتخفيف الضغط على الجبهة السورية. وحوالي الظهر تطرق الوزير لهذا الموضوع للمرة الثالثة خلال 24 ساعة، وقال هذه المرة: "القرار السياسي يحتم علينا ضرورة تطوير الهجوم نحو المضايق، ويجب أن يبدأ ذلك صباح الغد 13 أكتوبر". وبعد الظهر كانت التعليمات الخاصة بتطوير الهجوم قد تم اعدادها، وتحرك اللواء محمد غنيم الى الجيش الثاني واللواء طه المجدوب الى الجيش الثالث حاملين معهما تلك الأوامر الى قائدي الجيشين، وبمجرد وصول التعليمات كان اللواء سعد مأمون قائد الجيش الثاني يطلبني على الهاتف، وقال بغضب: "سيادة الفريق أنا لا أستطيع أن أقوم بتنفيذ التعليمات التي أرستلموها مع اللواء غنيم". ولم تمض بعض دقائق حتى كان اللواء عبد المنعم واصل قائد الجيش الثالث هو الآخر على الخط الهاتفي وأبدى معارضة شديدة لتلك التعليمات التي وصلته مع اللواء طه المجدوب. وفي محادثتي مع كل من اللواء سعد مأمون واللواء عبد المنعم واصل لم أخف عنهما أنني أنا أيضا قد عارضه هذه التعليمات ، ولكني أجبرت عليها.

فاتحت الوزير مرة أخرى في الموضوع وتقرر استدعاء سعد مأمون وعبد المنعم واصل لحضور مؤتمر بالقيادة في مساء اليوم نفسه.. وفي خلال المؤتمر الذي امتد حتى الساعة الحادية عشرة مساء كرر كل منا وجهة نظره مرارا وتكرارا، ولكن كان هناك اصرار من الوزير على أن القرار سياسي، ويجب أن نلتزم به، وكل ما أمكن عمله هو تأجيل الهجوم الى فجر يوم 14 بدلا من فجر يوم 13 كما كان محددا. لقد كان هذا القرار هو أول غلطة كبيرة ترتكبها القيادة المصرية خلال الحرب. وقد جرتنا هذه الغلطة الى سلسلة أخرى من الأخطاء التي كان لها أثر كبير على سير الحرب ونتائجها. ولكي نطور هجومنا للشرق مع المحافظة على رءوس الكباري قوية ومؤمنة، كان لابد لنا من أن ندفع الانساق الثانية الى المعركة". انتهت أقوال سعد الشاذلي.

وهكذا أصبح من الواضع – بعد الاطلاع على ما أورده سعد الشاذلي في مذكراته، وهو حقيقة يعلمها معظم قادة حرب أكتوبر – أن قرار تطوير الهجوم شرقا الذي جرى صباح يوم 14 أكتوبر كان قرار سياسي اتخذه الرئيس الراحل السادات على مسئوليته بوصفه رئيسا للقيادة السياسية في الدولة وقائدا أعلى للقوات المسلحة، مما كن يجعل من مسئوليته واختصاصه رسم الاستراتيجية العليا للدولة، وبالتالي اصدار القرارات السياسية التي تتماشى مع هذه الاستراتيجية. ومهما كان رأي القادة العسكريين في القرارات السياسية التي يصدرها رئيس الدولة، فان هذا الرأي لا يعدوا رأيا استشاريا محضا، ويصبح من واجبهم بعد ابداء مشورتهم تنفيذ القرارات السياسية بحذافيرها دون اعتراض مهما كان تقديرهم لعواقبها الوخيمة على قواتهم، وهو الأمر الذي جرى تماما مساء يوم 12 أكتوبر خلال مؤتمر القادة الذي انعقد في المركز 10 بالقيادة العامة المصرية بالقاهرة. فلقد أبدى القادة العسكريون اعتراضهم الشديد على القرار السياسي الذي أصدره السادات بتطور الهجوم شرقا في هذا التوقيت الخاطئ، ولكن الفريق أحمد إسماعيل القائد العام أصر على أن القرار سياسي وعلى القادة العسكريين الالتزام به.

وهذا الخلاف في الرأي الذي كثيرا ما يحدث بين القيادتين السياسية والعسكرية، هو موضوع شائك وخطير، وله أمثلة وسوابق لاحصر لها سواء في التاريخ القديم أو الحديث. وعلى الرغم من أن القادة العسكريين هم الذين يتحملون وحدهم أمام الرأي العام وأمام التاريخ ما ينجم عن القرارات السياسية الخاطئة من عواقب وخيمة أو هزائم منكرة في ساحات القتال، فان القواعد الاستراتيجية والنظم الدستورية تحتم عليهم الخضوع للقرارات السياسية دون اعتراض، مهما كانت درجة مخالفتها لأصول الفن العسكري، أو أن يطلبوا اعفاءهم من قيادتهم اذا شاءوا، فان أساس استخدام القوات المسلحة هو أن تكون الأداة المنفذة للسياسة الخارجية للدولة، وما الحرب – وفقا للمفهوم الاستراتيجي – الا استمرار للعمل السياسي ولكن بصورة أخرى.

رغم أن التاريخ حافل بالشواهد التاريخية على القرارات السياسية الخاطئة التي أدت الى هزائم منكرة أو كوارث عسكرية مريرة، فاننا نكتفسي هنا بذكر مثال واحد فقط لذلك الموضوع، وقد وقع عليه اختيارنا بحكم أنه ما يزال حيا في نفوس المصريين، فلقد جرى في مصر ومنذ أقل من عشرين عاما فقط، وما تزال مصر تكتوي بناره حتى اليوم ان لم نقل الأمة العربية بأسرها. ففي المرحلة التحضيرية التي سبقت حرب يونو 67 والتي بدأت بحشد القوات المصرية في سيناء يوم 15 مايو 67 أصدر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ثلاثة قرارات سياسية خلال هذه الفترة، كانت بلا شك من العوامل الأساسية للهزمية النكراء التي منيت بها القوات المصرية في حرب يونيو 67. ومن الثابت أن بعض القادة العسكريين قد أبدوا اعتراضهم على هذه القرارات، وحذروا من نتائجها الوخيمة، ولكن القيادة السياسية لم تعر اعتراضهم التفاتا وأصرت على موقفها. ونسرد فيما يلي هذه القرارات السياسية بايجاز:

1- القرار السياسي بسحب قوة الطوارئ الدولية: بناء على تعليمات القيادة السياسية طلبت الحكومة المصرية من يوثانت السكرتير العام للامم المتحدة يوم 17 مايو 67 سحب قوة الطوارئ الدولية من قطاع غزة وسيناء. وعندما أبدى يوثانت موافقته أعلنت مصر في 18 مايو قرار انهاء وجود هذه القوات على أرضها، وأعقب ذلك اعلان قرار سياسي آخر وهو أغلاق خليج العقبة في وجه السفن الإسرائيلية.

ولم يكن أمام القوات المسلحة لتنفيذ القرار السياسي المفاجئ بالسرعة الواجبة سوى ان تنشئ جسرا جويا بين مطار ألماظة ومنطقة شرم الشيخ، وتحركت عبر هذا الجسر قبل أول ضوء يوم 19 مايو وحدة كاملة من رجال المظلات محمولين على طائرات هيليكوبتر، وتحرك في نفس الوقت رتل بري من الدبابات والمدافع تمثل الوحدات الفرعية التي تم سحبها من عدة تشكيلات كبيرة ودمجها معها لتشكيل قوة خاصة على وجه السرعة، مما أضعف هذه التشيكلات بالطبع، وواجه الرتل المتحرك صعابا ضخمة في الوصول الى هذه المنطقة البعدية، فتعطلت مئات المركبات على طول الطريق، وقاسي الأفراد الأهوال من سوء الشئون الادارية، ولم يتم وصول هذه القوة الى بعد بضعة أيام. ونتيجة لفتح المحور التعبوي الجديد الذي لم تكن القيادة العسكرية قد أعدت له حسابا في خطتها العسكرية من قبل، اضطرت القوات الجوية هي الاخرى الى بذل مجهودات مضنية ليتسنى لها تمركز سرب مقاتل في الغردقة، حيث لم يكن المطار مجهزا، كما اضطرت القوات البحرية الى تحريك أكثر من ست قطع بحرية مختلفة الأنواع من البحر المتوسط الى البحر الأحمر وخليج العقبة، وازداد بالتالي طول خط المواجهة مع إسرائيل ليصبح ضعف خط المواجهة الأصلي (أصبح 500 كم من رفح الى شرم الشيخ بدلا من 250 كم من رفع الى رأس النقب)، وأدى ذلك كله الى زيادة الأعباء العسكرية والادارية على عاتق القوات المصرية في سيناء واضعاف قدرتها القتالية وتشتيت وحداتها دون أن تجني من فتح هذا المحور الجديد أي فائدة استراتيجية أو تكتيكية.

2- قررت القيادة السياسية في مؤتمر عسكري – حضره الرئيس الراحل عبد الناصر وتحدث فيه طويلا – ضرورة الدفاع عن رفح مذكرا أن التزامنا نحو الفلسطينيين والدول العربية تقتضي الدفاع عن هذه المنطقة. وكان هذا القرار مفاجئا للقيادة العسكرية، فقد كان الحد الأمامي للدفاعات المصرية وفقا للخطة الموضوعة منذ عام 1957 يمر على بعد بضعة كيلومترات شرق العريش ويبعد كثيرا عن رفع، ولم يكن الوقت كافيا لدراسة الأرض واتمام الاعمال الهندسية اللازمة للمواقع الجديدة التي اختيرت بالطبع على وجه السرع. ولتنفيذ هذا القرار السياسي تم دفع الفرقة 7 مشاة واللواء 14 المدرع الى منطقة رفح ابتداء من 22 مايو لاحتلال خط دفاعي غير مجهز في شريط ساحلي ليس له أي عمق دفاعي، مما أدى الى اختراق قوات المحور الشمالي الإسرائيلية للمواقع المصرية في رفح دون أي صعوبة يوم 5 يونيو 67 رغم ما أبدته هذه القوات من بسالة، وما حاق بها من خسائر فادحة.

30 كان أخطر القرارات السياسية التي أصدرها الرئيس الراحل عبد الناصر خلال المرحلة التحضيرية، بل كان من العوامل الأساسية في هزيمة يونيو 67 هو ذلك القرار الذي أعلنه في أهم اجتماع عسكري عقد بمكتب المشير عامر يوم الجمعة 2 يونيو 67 بالطابق السادس من مبنى القيادة العامة بمدينة نصر، والذي شهده من السياسيين أنور السادات وزكريا محيي الدين وحسين الشافعي وعلي صبري، ومن العسكريين الفريق أول محمد فوزي وشمس بدران وزير الحربية وقتئذ، وقادة القوات والرؤساء الأفرع والقادة الميدانيون ومديرو مكتب المشير. ويعتبر هذا الاجتماع نقطة تحول كبرى في مجرى الأحداث التي سبقت الحرب، ويوضح بجلاء الاثر الخطير الذي يحدثه القرار السياسي الخاطئ على سلامة الاوضاع الاستراتيجية للقوات العسكرية. فقد أعلن عبد الناصر خلال الاجتماع بعد تحليل موجز للموقفين السياسي والعسكري أن استراتيجية مصر قد تحولت من هجومية الى دفاعية، وان إسرائيل من المحتمل قيامها لعمليات هجومية في خلال يومين أو ثلاثة أيام، أي يوم 4 أو 5 يونيو 67، وان إسرائيل سوف تبدأ هجومها بضربة جوية ضد قواتنا الجوية ودفاعنا الجوي حتى يم شلها واخراجها من المعركة، وطلب من القادة العسكريين الاستعداد لتلقي الضربة الأولى، واتخاذ ما يلزم لتقليل خسائرها الى الحد الأدنى حتى يمكننا بعدئذ توجيه ضربة رادعة ضد قوات العدو الجوية. وكان هذا القرار سببا في تدمير سلاح الطيران المصري على الارض صباح 5 يونيو في بضع ساعات، وبالتالي في هزيمة 67 الشائنة.

ولسنا نقصد بذكر ما صدر في المرحلة التحضيرية لحرب يونيو 67 من قرارات سياسية تحميل جمال عبد الناصر وحده مسئولية هزيمة مصر في هذه الحرب، فقد كان المشير عبد الحكيم عامر ضالعا معه في كل ما صدر خلال هذه المرحلة التحضيرية من قرارات سواء عسكرية أو سياسية، ويمكن اعتباره شريكا متضامنا معه في جميع تصرفاته وقراراته بشأن هذه الحرب. ولم يكن المشير عامر في الواقع يمثل القيادة العسكرية بالمعنى الذي نقصده في هذا البحث، فقد كان عمله سياسيا في الدرجة الأولى، وبهذا يمكن أن نعتبر أن عبد الناصر وعامر كانا يمثلان معا القيادة السياسية التي أصدرت القرارا المذكورة. وعندما تفرغ المشير عامر بمجرد نشوب الحرب في 5 يونيو للممارسة القيادة العسكرية الفعلية للقوات المصرية ، وأصبح هو المسئول الأول عن ادارتها، أدت قيادته المتسمة بالتسرع والاضطراب واهتزاز الأعصاب الى انهيار الموقف العسكري على الجبهة المصرية انهيارا لم يكن يخطر لأشد المتفائلين من قادة إسرائيل حتى في أعذب أحلامه.

وبذا يمكن أن نقرر في انصاف ان القرارات السياسية الخاطئة التي صدرت في المرحلة التحضيرية للحرب، بالاضافة الى الادارة العسكرية السيئة والمهتزة الأ‘صاب للعمليات الحربية، قد أسهمتا معا في وقوع كارثة يونيو 67 التي ليس لها نظير في تاريخ مصر.

ولعل من المفيد للقراء ونحن نستعرض مواضيع الخلاف التي تحدث أحيانا بين القيادة السياسية والقيادة العسكرية بشأن القرارات الاستراتيجية أن نسجل تلك الواقعة الخطيرة التي جرت في أثناء الحرب الكورية في بداية الخمسينيات ، عندما حاول القائد الأمركي الشهير دوجلاس ماك آرثر – الذي كان يتولى القيادة العامة للقوات الأمريكية وقات الأمم المتحدة في الحرب التي نشبت بين كوريا لجنوبية والشمالية عام 1950 – أن يتجاهل القيادة السياسية وأن يتبع ما يمليه عليه الموقف العسكري في ميدان القتال. وعلى الرغم من سجله العسكري الحافل بمعاركه الكبرى لتحرير الفلبين خلال الحرب العالمية الثانية، عندما كان قائدا للقوات الأمريكية في الشرق الأقصى، ورغم أنه كان القائد الأمريكي الذي قام باحتلال اليابان عقب اعلان استسلامها في أغسطس 1945، فان الرئيس الأمريكي هاري ترومان لم يتردد في عزله من جميع مناصبه في 11 أبريل عام 51 نظرا لاعتداده بآرائه وتجاهله القرارات السياسية الصادرة اليه من الرئيس الأمريكي، واختلافه معه بشأن الاستراتيجية الأمريكية الواجب اتباعها تجاه الصين التي كانت تساند كوريا الشمالية وقتئذ بتزويدها بالأسلحة والمعدات، ثم تطور الأمر الى امدادها ببعض الوحدات العسكرية المقاتلة لرد الأمريكيين على اعقابهم عند اقترابهم من الحدود الصينية.

الخطة العامة لتطوير الهجوم

كان التعديل الذي تم ادخاله على الخطة الهجومية جرانيت 2 والذي أدى الى تسميتها باسم الخطة جرانيت 2 المعدلة (الخطة بدر بعد ذلك) هو الاستيلاء على خط المضايق الاستراتيجية في سيناء.وكان الغرض من هذا التعديل هو اقناع القيادة السورية بالخطة الهجومية المصرية عند اجراء عملية تنظيم التعاون بين الجيشين المصري والسوري قبل الحرب، اذ لم يكن معقولا أن تستهدف الخطة السورية تحرير مرتفاعت الجولان والوصولو الى الخط نهر الأردن – الشاطئ الشرقي لبحيرة طبرية على عمق حوالي 25 كم من خط بدء الهجوم، بينما تقتصر الخطة المصرية على ذلك الهدف المتواضع الذي كانت تتضمنها الخطة الأصلية جرانيت 2 وهو انشاء منطقة رءوس الكباري على عمق 10-12 كم شرق القناة، وتبعا لذلك أصبح يطلق على خطة العبور وانشاء رءوس الكباري اسم المرحلة الأولى، بينما أطلق على خطة تطوير الهجوم شرقا للاستيلاء على المضايق اسم المرحلة الثانية.

وفي 7 يونيو 1973 جرت في القيادة العامة بمدينة نصر عملية تنظيم التعاون للخطة الهجومية المشتركة بين القوات المصرية والسورية التي حضرها الفريق أحمد اسماعيل قائد القيادة الاتحادية واللواء بهي الدين نوفل رئيس هيئة عمليات القيادة الاتحادية وعدد من كبار القادة المصريين والسوريين، حيث تم تحديد أهداف خطة الهجوم على الجبهتين وتوحيد التوقيتات لضربتي الطيران والمدفعية وساعة س. والأمر الجدير بالملاحظة هو أن المرحلة الأولى من الخطة كانت تناقش خلال عملية تنظيم التعاون على المستويات كافة بكل تفصيلاتها الدقيقة، بينما كان يتم المرور على المرحلة الثانية مرورا سريعا. وقد برر الفريق سعد الشاذلي رئيس أركان حرب القوات المسلحة خلال حرب أكتوبر هذه الظاهرة في مذكراته بأنه هو شخصيا لم يكن يتوقع مطلقا أن يطلب من القوات المصرية تنفيذ المرحلة الثانية،وأن هذا كان هو نفس شعور قائدي الجيشين الثاني والثالث.

والأمر الذي يمكن ادراكه بوضوح من تحليلنا لسير الوقائع والاحداث خلال الايام الاولى من الحرب ان القيادة المصرية بعد نجاحها في تحقيق المرحلة الاولى من الخطة "بدر" وهي اقتحام قناة السويس وتحطيم خط بارليف وانشاء منطقة رءوس الكباري على عمق 10-12 كم شرق القناة، لم تفكر جديا في تنفيذ المرحلة الثانية من الخطة الهجومية الموضوعة، اذ لو كان الامر موضع تفكيرها حقا لسارعت باغتنام فرصة تركيز إسرائيل لمجهودها الرئيسي ضد الجبهة السورية في الشمال وفرصة ما صدفه الهجوم المضاد الرئيسي لإسرائيل أمام قوات الجيش الثاني المصري يوم الاثنين 8 أكتوبر من فشل ذريع، وما منيت به القوات المدرعة الإسرائيلية في سيناء من خسائر فادحة في الدبابات في الأيام الثلاثة الأولى من الحرب لتقوم بتنفيذ المرحلة الثانية من الخطة "بدر"، ولبادرت باصدار الأمر لقواتها بالتقدم يوم 9 أكتوبر على أكثر تقدير في اتجاه الشرق للاستيلاء على خط المضايق الجبلية الاستراتيجية، اذ ان هذا كان أفضل توقيت ممكن لتنفيذ هذه العملية خلال أيام الحرب كلها. أما القرار السياسي الذي صدر بتطوير الهجوم شرقا صباح يوم 14 أكتوبر، فعلاوة على ما شابه من خطأ من ناحية التوقيت، كما سبق أن أوضحنا، فان الخطة ذاتها التي أصدرتها القيادة العامة لتنفيذ هذا القرار كانت تختلف تماما عن خطة التطوير الأصلية التي كانت تتضمنها الخطة جرانيت 2 المعدلة "بدر" والتي اجريت على أساسها عملية تنظيم التعاون على جميع المستويات، والتي اطلق عليها اسم المرحلة الثانية. فان خطة تطوير الهجوم الاصلية كانت تقضي بتقدم القوات الرئيسية المصرية من منطقة رءوس الكباري شرق القناة مدعمة بالفرق المدرعة والميكانيكية التي في النسق الثاني في غرب النقاة في اتجاه الشرق بهدف الاستيلاء على المضايق اي اختراقها والوصول الى مداخلها الشرقية واتخاذ مواقع دفاعية على الخط العام قلعة الجندي-المداخل الشرقية لممري متلا والجدي –بير جفجافا-بير العبد، اي تقدم الخط الدفاعي المصري بأكمله من منطقة رءوس الكباري على عمق 10-12 كم شرق القناة الى الخط الحائطي الجبلي الغربي لسيناء على عمق 70-80 كم شرق القناة الذي يعتبر في الواقع خط الدفاع الطبيعي عن مصر.

أما خطة تطوير الهجوم يوم 14 أكتوبر فقد كان من المستحيل أن تنفذ كالخطة الأصلية سواء من ناحية الأسلوب أو من ناحية الاهداف المطلوب تحقيقها،فلقد تغيرت الأوضاع الاستراتيجية العامة بعد ان تم تجميد الجبهة السورية واصبحت إسرائيل تحارب على جبهة واحدة فقط هي الجبهة المصرية مما جعلها تركز ضدها مجهودها الرئيسي بأكمله، وأصبح من الخطورة بمكان تقدم أي قوات كبيرة شرقا الى مدى أبعد من 15-20 كم شرق القناة وهو نطاق الوقاية الذي يمكن ان تحققه شبكة الدفاع الجوي حتى لا تصبح هذه القوات فريسة سهلة للطائرات الاسرائلية، فيتم تدميرها قبل وصولها الى أهدافها. ولهذه الاسباب بنيت خطة تطوير الهجوم الجديدة على اساس ثبات رءوس الكباري الجيشين الثاني والثالث في اماكنها والاكتفاء بدفع مفارز أمامية، تم تخصيص معظمها من الفرتقين 4 و21 المدرعتين المتمركزتين في النسق الثاني غرب القناة، لكي تعبر القناة ثم تندفع من خطوط دفع داخل رءوس الكباري للوصول الى الطريق العرضي رقم 3 الذي يمر بجوار المداخل الغربية لمضيقي متلا والجدي، ثم يتقاطع مع الطريق الأوسط عند الطاسة ومع الطريق الساحلي عند بالوظة ويقع هذا الطريق على عمق حواي 30 كم شرق القناة أي أن هناك فرقا بين خطتي التطوير الاصلية والجديدة من ناحية عمق الهجوم لا يقل عن 45 كم.

وكانت الخطة التي رسمت لتطوير الهجوم شرقا اعتبار من اول ضوء يوم 14 اكتوبر تستهدف تدمير حشود العدو على خط المواجهة، وان يبدأ الهجوم بتمهيد نيراني لمدة 15 ديقة تسبقه ضربة جوية ضد الاهداف المعادية في العمق، وان يركز المجهود الرئيسي للطيران لوقاية القوات من الجو وتقديم المعاونة المباشرة لها في اثناء تقدمها، بينما تركز قوات الدفاع الجوي مجهودها الرئيسي لتأمين دفع القوات للاشتباك ووقاية التجميع الرئيسي للقوات. وكانت خطة التطوير تقضي بتقدم 4 مفارز أمامية (مفرزتان من كل جيش) على المحاور الرئيسية الاربعة التالية.

محور ممر متلا: لواء مدرع من الفرقة 4 المدرعة (النسق الثاني للجيش الثالث) يتقدم في اتجاه ممر متلا للاستيلاء على المدخل الغربي للممر وتأمينه، وتعاونه بالعمل كمفرزه متقدمه على الجانب الأيمن كتيبة مشاة ميكانيكية من الفرقة 6 مشاة ميكانيكية (من قوات النسق الثاني بالجيش الثالث).

محور ممر الجدي: لواء مشاة ميكانيكي من الفرق 7 مشاة (الفرقة اليسار من النسق الأول للجيش الثالث) يتقدم شرقا للاستيلاء على تقاطع الطريق العرضي 3 مع طريق الجدي بالتعاون مع كتيبة من اللواء 25 مدرع مستقل (الملحق على الفرقة 7 مشاة) .

محور الطاسة: الفرقة21 المدرعة (النسق الثاني للجيش الثاني) تتقدم شرقا للاستسلاء على تقاطع الطريق العرضي 3 مع الطريق الأوسط عند الطاسة.

محور بالوظة: اللواء 15 المدرع المستقل (الملحق على الفرقة 18 مشاة) يتقدم شرقا للاستيلاء على تقاطع الطريق العرضي 3 مع الطريق الساحلي عند بالوظة.

معركة الدبابات أمام مضيق متلا

في الساعة العاشرة والنصف مساء يوم 12 أكتوبر، صدرت تعليمات قيادة الجيش الثالث بدفع لواء مدرع من الفرقة 4 المدرعة كمفرزة متقدمة للجيش للاستيلاء على المدخل الغربي لممر متلا وتأمينه، وبادر العميد أ. ح محمد عبد العزيز قابيل قائد الفرقة باستعداء العقيد أ. ح نور الدين عبد العزيز قائد اللواء 3 المدرع، وكذا رءساء الأسلحة المقاتلة والأفرع بالفرقة الى مركز قيادته، حيث قام بتخصيص المهمة لقائد اللواء وقبل أول ضوء يوم 13 أكتوبر تحرك اللواء 3 المدرع من منطقة تمركزه جنوب جبل عوبيد مستخدما طريق القاهرة - السويس، وبدأت عناصره المتقدمة في الوصول إلى الكوبري رقم 1، المعبر الذي خصص له في قطاع الفرقة 19 مشاة. ونظرا لانشغال الكوبري بعبور وحدة من الدفاع الجوي، لذا لم يستطع اللواء اكمال عبوره الى في الساعة الواحدة ظهرا، وتم احتشاده في منطقة الانتظار الأمامية المحددة له على طريق الشط-عيون موسى. وخلال وجود وحدات اللواء في منطقة الانتظار الأمامية قام العدو بقصف المنطقة بنيران المدفعية بعيدة المدى، وتعرضت الوحدات لبعض الخسائر في الأرواح والمركبات، نظرا لعدم وجود تجهيزات هندسية بالمنطقة. وكان قائد اللواء في أثناء قيام وحداته بالعبور قد انتهى من إعداد قراره وتم له عرضه على اللواء عبد المنعم واصل قائد الجيش الثالث في الساعة الحادية عشر صباح يوم 13 أكتوبر في مركز القيادة المتقدم بالجيش، حيث حصل على تصديقه عليه. وفور وصول قائد اللواء إلى منطقة الانتظار الأمامية التي تم فيها احتشاد وحدات اللواء المدرع ووحدات الدعم، بدأت على الفور اجراءات تنظيم المعركة، فاصطحب القائد قادة الكتائب ورؤساء الأفرع لاستطلاع الخط الذي سيدفع منه اللواء للاشتباك داخل رأس كوبري الفرقة 19 مشاة، وبدأت عناصر مراقبة المرور في فتح محاور التقدم. وفي الساعة السابعة مساء أتم القائد اجراءات تنظيم المعركة.

وفي الوقت الذي كان فيه اللواء المدرع منشغلا طوال يوم 13 أكتوبر بعملية العبور واجراءات تنظيم المعركة، كانت كتيبة المشاة الميكانيكية من اللواء 113 الميكانيكي التابع للفرقة 6 مشاة ميكانيكية والمتمركز ببئر عديب على الشاطئ الغربي لخليج السويس جنوب جبل عتاقة قد تم للعميد محمد أبو الفتح محرم قائد الفرقة تخصيص المهمة لقائدها وفقا للتعمليات التي أصدرها قائد الجيش الثالث ، وهي أن تعمل الكتيبة كمفرزة متقدمة على الجانب الأيمن للواء المدرع على محور طريق عيون موسى للاستيلاء على منطقة تقاطعه مع الطريق العرضي 3. وفي ليلة 12-13 أكتوبر قامت الكتيبة مشاة الميكانيكية بالتحرك شمالا من بئر عديب عل الطريق المؤدي إلى السويس، وفي الساعة العاشرة والنصف صباحا يوم 13 أكتوبر بدأت في عبور القناة على أحد معابر الفرقة 19 مشاة. وبمجرد اتمام عبورها وضعت تحت قيادة اللواء 3 المدرع من الفرقة الرابعة المكلف بمهمة التطوير. وبناء على تعليمات قائد الجيش الثالث، وضعت سرية مدرعة من اللواء 3 المدرع تحت قيادة الكتيبة الميكانيكية لتدعيمها. واتجهت الكتيبة بعد ذلك جنوبا على طريق الشط-الطور-شرق خليج السويس للى منطقة الانتظار الأمامية المخصصة لها في منطقة عيون موسى، حيث انضمت اليها وحدات الدعم المخصصة لها. وقام قائد اللواء 3 المدرع باصدار تعليمات التعاون وخطة الدفع للاشتباك الى قائد الكتيبة.

ولتأمين دفع كتيبة المشاة الميكانيكية للاشتباك من الخط المحدد لها في منطقة عيون موسى، قام قائدها باجراء عملية تنظيم التعاون مع قادة الوحدات المجاورة، وهي اللواء الأيمن من الفرقة 19 مشاة واللواء الأول مشاة ميكانيكية من الفرقة 6 مشاة ميكانيكية المتمركز في منطقة عيون موسى، والذي يعمل كحرس بجلنب الفرقة 19 مشاة (أسندت هذه المهمة الى اللواء الأول المشاة الميكانيكي بعد ظهر يوم 11 أكتوبر بعد فشله في الوصول إلى رأس سدر). وفي الساعة الثامنة مساء وصل قائد كتيبة المشاة الميكانيكية إلى مركز قيادة اللواء 3 المدرع في منطقة الانتظار الأمامية داخل رأس كوبري الفرقة 19 مشاة، حيث عرض على قائد اللواء قراره وتم تصديقه عليه، وتمت بين القائدين عملية تنظيم التعاون.

وفي الساعة الحادية عشرة مساء قام العميد أ.ح. محمد عبد العزيز قابيل قائد الفرقة 4 المدرعة بالمرور على االواء 3 المدرع في منطقة الانتظار الأمامية، وأشرف على مدى استعداده لتنفيذ المهمة التي كلف بها، واصطحب معه قائد اللواء الى مركز القيادة المتقدم لقائد الفرقة 19 مشاة العميد أ. ح. يوسف عفيفي، حيث أجريت عملية تنظيم التعاون بين تنظيم الحركة حتى حوالي الساعة الرابعة صباحا يم 14 أكتوبر.

وللحصول على معلومات عن العدو تم دفع مجموعة استطلاع بأوامر قائد الفرقة السادسة مشاة ميكانيكية، من كتيبة استطلاع الفرقة بعد ظهر يوم 13 أكتوبر من منطقة عيون موسى على محور تقدم كتيبة المشاة الميكانيكية، كما تم للواء 3 مدرع قبل أول ضوء يوم 14 أكتوبر دفع مجموعتي استطلاع من اللواء الى اتجاه خط الدفع.

وفي التوقيت المحدد، بدأت وحدات اللواء 3 المدرع في التدقم من منطقة الانتظار الأمامية الى خط الدفع للاشتباك، وقامت وحدات المدفعية بضرب قصفة النيران لمدة 15 دقيقة لتأمين دفع اللواء، ولكن القصف المدفعي لم يكن مؤثرا، اذ تم بطريقة الضرب الحسابي، ولم يوجه ضد أهداف محددة، فقد كانت المعلومات عن أوضاع العدو على خط المواجهة قاصرة للغاية، وكان ذلك أحد العوامل الرئيسية لعدم نجاح عمليات التطوير على طوال المواجهة، علاوة على ذلك لم يتم تنفيذ طلعة الطيران التي كانت تحت طلب الجيش، وكان من المفترض أن تقوم بها المقاتلات القاذفة. وساعد على اضعاف قوة اللواء المدرع قبل قيامه بعملية تطوير الهجوم أن بعض وحدات الدعم المهمة التي سبق تخصيصها له لم تصل اليه قبل ساعة الهجوم، مما اضطره الى تنفيذ عملية التطوير بدونها، وكان من ضمنها سرية مقذوفات موجهة مضادة للدبابات (صواريخ ماليوتكا على عربات بردم) وسرية 57 مم مضادة للطائرات ثنائية المواسير ذاتية الحركة وفصيلة مهندسين عسكريين.

وفي الساعة السادسة والنصف صباح يوم 14 أكتوبر بدأت وحدات اللواء في عبور خط الدفاع من رأس كوبري الفرقة 19 مشاة تحت اشراف قائد الفرقة 4 المدرعة ومجموعة قيادته. وكان من أهم العوامل التي ساعدت اللواء 3 المدرع على مواصلة التقدم في اتجاه الهدف المحدد له بسرعة، هو المهارة التي اختير بها محور تقدمه اذ تجنب الطريق الرئيسي (الشط-متلا) الذي كان متكظاً بتحصينات العدو وستائره المضادة للدبابات، وبدلا من ذلك قام اللواء لمدرع بحركة التفاف من الجنوب على جناح العدو الأيسر من خلال وادي مبعوق ووادي المر، مما أدى إلى تقدمه شرقا إلى أبعد عمق بلغته وحدة مصرية في حرب أكتوبر (حوالي 25 كم شرق القناة)، وتمكن من الوصول إلى مسافة حوالي 6 كم فقط من المدخل الغربي لممر متلا. وقد اعترفت المراجع الإسرائيلية بأن المفاجأة المصرية الوحيدة في عملية تطوير الهجوم المصري يوم 14 أكتوبر ، كانت في القطاع الجنوبي أمام فرقة الجنرال كلمان ماجن، حيث قام اللواء المدرع من الفرقة 4 المدرعة بتطويق عميق عن طريق اختراقه لأحد الوديان الرئيسية في حركة التفاف من الجنوب إلى الشمال الشرقي، وان ذلك كان المكان الوحيد الذي نجح فيه المصريون في التوغل شرقاً إلى عمق أكثر من 20 كم في الطريق المؤدي إلى ممر متلا. وقد اكتشفت هذا التقدم المصري وحدة دورية استطلاع تابعة للواء 401 المدرع الذي كان يقوده دان شومرون، فاستدعت الكتيبة 46 مدرعات، بقيادة دافيد شوفال، التي أوقفت ذلك الهجوم الالتفافي المصري ودمرت بعض دباباته.

وكان اللواء 3 المدرع يتقدم في نسقين واحتياطي. وقد تشكل النسق الأول من كتيبتي دبابات مدعمتين بسرييتين مشاة ميكانيكيتين وتشكل النسق الثاني من كتيبة دبابات عدا سرية، وتشكل الاحتياطي من كتيبة المشاة الميكانيكية للواء عدة سريتين. وفي الساعة الثامنة صباحا اصطدمت كتيبة النسق الأول اليمنى بقوة إسرائيلية مدرعة مشكلة من دبابات ومشاة ميكانيكية ومدعمة بستائر من الصواريخ المضادة للدبابات SS II مما أوقفها عن التقدم، وقام طيران العدو بقصف جوي مركز على تشكيل قتال اللواء وهاجم بشدة مركبات مراكز القيادة والمدفعية والاحتياطيات. ونتيجة للقصف الجوي انفصل رتل مجموعة مدفعية اللواء عن باقي تشكيل قتال اللواء حيث دمرت بعض جرارات المدافع وغرز بعضها الآخر في رمال وادي المر وعجزت عن ملاحقة الدبابات التي واصلت التقدم للأمام.

وفي نفس الوقت أفادت عناصر استطلاع اللواء أن وحدات مدرعة قوية من العدو تحتل مجموعة من الهيئات الجبلية العالية التي تبعد حوالي 3-4 كم من مدخل ممر متلا، وكانت تتحكم تماما في طريق اقتراب اللواء المدرع الى المدخل الغربي للممر. ولم تكد تقترب كتيبتا النسق الأول من هذه الهيئات حتى جوبهتا بنيران مركزة من المدفعية ومن ستائر الصواريخ المضادة للدبابات، مما أدى منذ اللحظة الأولى للاشتباك الى تدمير سريتي الحرس الأمانمي ومركزي القيادة والمراقبة للكتيبتين، كما أصيبت باقي دبابات الكتيتبتين بخسائر فادحة. وأدت تلك النيران الكثيفة المركزة الى قوع حالة شديدة من الارتباك في تشكيل القتال لكتيبتي النسق الأول. فقد تكدست الدبابات في منطقة ضيقة وعجزت عن الانتشار لاتخاذ تشكيل المعركة. ورغم شدة النيران وفقد السيطرة على القوات، نجحت بعض سرايا الدبابات في احتلال خطوط فتح مناسبة واشتبكت بشدة مع قوة العدو ودمرت له نحو 13 دبابة.

وكان سوء الحظ الذي أصاب اللواء المدرع بفقده مجموعة مدفعيته في أثناء تقدمه نتيجة للقصف الجوي عاملا رئيسيا في عدم قدرته على اسكات عناصر العدو المضادة للدبابات والمتحكمة في مدخل المضيق والتي سببت للواء مزيدا من الخسائر. وكان مركز القيادة المتقدم للواء موجودا في الأمام بين كتيبتي النسق الأول وواقعا في مدى أسلحة الضرب المباشر للعدو، ورغم ذلك أخذ قائد اللواء العقيد أ. ح نور الدين عبد العزيز يتحرك بمركبة قيادته بين وحداته في شجاعة نادرة حتى أصيبت مركبته بقذيفة مباشرة من أحمد مواقع العدو الأمامية، فاستشهد البطل في الحال، وفقد مركز قيادة اللواء المتقدم السيطرة على كتيبتي النسق الأول.

وكان رئيس أركان اللواء الموجود في مركز القيادة الخلفي مع كتيبة النسق الثاني في جهل تام بما يجري في الأمام، نتيجة لتدمير مركبة القيادة ودبابتي قائدي الكتيبتين المدرعتين بالنسق الأول اللتين كانتا مشتبكتين اشتباكا عنيفا مع قوات العدو المتمركزة غرب مدخل ممر متلا. وقام رئيس عمليات اللواء بدفع ضابط اتصال من مركز القيادة المتقدم للواء إلى مركز القيادة الخلفي لابلاغه بالموقف، ولكي يتولى رئيس أركان اللواء قيادة اللواء بعد استشهاد قائده، ولكن ضابط الاتصال لم يتمكن من الوصول لشدة القصف الجوي المركز للعدو ولوعورة الأرض، واضطر رئيس عمليات اللواء وكان برتبة المقدم أمر كتيبة النسق الثاني بالتقدم على الجانب الأيسر للواء بهدف المناورة على جانب العدو ومؤخرته حتى يمكن تدميره، ولتخفيف الضغط على قوات النسق الأول المتوقفة بسبب شدة نيران العدو. ولكن كتيبة النسق الثاني لم تتمكن من تحقيق المناورة المطلوبة، فقد تورطت دباباتها في منطقة غردود رملية شديدة الوعورة، مما جعلها عاجزة عن التقدم، وانهالت عليها نيران العدو. وفي نفس الوقت قام العدو بتحريك قوة من دباباته على الجانب الأيمن لتشكيل قتال اللواء مما أوقع كتيبة المشاة الميكانيكية التي تقوم بحماية الجنب تحت تأثير نيران دبابات العدو، فقامت مركباتها بالفتح والاشتباك مع دباباته في الحال.

وحوالي الساعة العاشرة صباحا، ونظرا لعدم وضوح الموقف لمركز قيادة اللواء الخلفي، تقدم رئيس أركان اللواء إلى الأمام بمركز قيادته حيث تم تحقيق الاتصال مع الكتائب المدرعة الثلاث وكتيبة المشاة الميكانيكية التي كانت جميعا متخذة خطوط فتح ومشتبكة في قتال مرير مع دبابات العدو وأسلحته المضادة للدبابات، وأصدر رئيس أركان اللواء الذي تولى قيادة اللواء منذ هذا التوقيت أمره إلى كتائب اللواء بأن تتمسك بالخط الذي وصلت إليه بكل قوة، مع تحسين أوضاع سراياها التي كانت داخلة في مدى نيران دبابات العدو ومقذوفاته الموجهة المضادة للدبابات، وأصدر رئيس أركان اللواء الذي تولى قيادة اللواء منذ هذا التوقيت أمره إلى كتائب اللواء بأن تتمسك بالخط الذي وصلت إليه بكل قوة، مع تحسين أوضاح سراياها التي كانت داخلة في مدى نيران دبابات العدو ومقذوفاته الموجهة المضادة للدبابات للحد من تأثير هذه النيران عليها تقليلا للخسائر. ونظرا لأن الجهاز اللاسلكي R 151 المخصص للاتصال بقائد الجيش الثالث كان داخل مركبة القيادة التي كان بها قائد اللواء والتي تم تدميرها، فقد أرسل رئيس الأركان ضابط عمليات من قيادة اللواء ومعه تقرير عن موقف اللواء الى قيادة الجيش، حيث حدد في التقرير الخط الذي وصل إليه اللواء والذي يبعد حوالي 6 كم فقط من المدخل الغربي لممر متلا. كما أوضح في التقرير خسائر اللواء، وطلب من قائد الجيش الثالث تدعيم اللواء بقوة كتيبة مشاة ميكانيكية حتى يتمكن اللواء من تأمين الخط المكتسب باحتلال المشاة الميكانيكية للهيئات الرملية الموجودة شمال وجنوب شرق وادي المر، تمهيدا لقيام الدبابات باستكمال الهجوم والاستيلاء على مدخل ممر متلا بعد طرد قوات العدو المتحكمة في الطريق المتجه إليه أو تدعيم الخط المكتسب وتعزيزه بالمشاة الميكانيكية. وطلب رئيس الأركان كذلك قصف المدخل الغربي لممر ملا بالمدفعية أو بالقوات الجوية.

ونظرا لوجود بعض الدبابات والمركبات التي لم تدمر، وكانت غارزة في الغرود الرملية، فقد تم لقيادة اللواء تشكيل أطقم نجدة من بعض الدبابات والعربات المجنزرة حيث قامت بنجدتها واصلاحها في شجاعة بالغة تحت تأثير نيران العدو المركزة مما أمكن معه تدعيم الكفاءة القتالية للواء. وخلال أعمال النجدة تم العثور على عامل اللاسلكي الذي كان يعمل في مركبة القيادة ومعه الجهاز R 151 سليما، وفي حوالي الساعة الثانية ظهرا وفي أثناء محاولة مركز قيادة اللواء الاتصال بقيادة الجيش الثالث التقط قائد الفرقة 4 المدرعة النداء وتم تحقيق الاتصال بين رئيس أركان اللواء وقائد الفرقة. وبعد أن استمع قائد الفرقة الى تقرير عن موقف اللواء أصدر أمره بضرورة تمسك وحدات اللواء بالخط المكتسب دون أي ارتداد للخلف. واستمر قائد اللواء بالنيابة في محاولة تحسين الدفاعات والقيام بأعمال التجهيز الهندسي، ودفع قوات لتأمين الأجناب والاحتفاظ باحتياط لمواجهة أي تهديد للعدو، بينما استمر العدو في قصف القطاع الدفاعي للواء بنيران المدفعية والقيام بأعمال الاستطلاع ووصلت الى خطوط العدو طائرات هليكوبتر لنقل جرحاه.

وقاد قائد الفرقة 4 المدرعة بايضاح الموقف لقائد الجيش الثالث، وأخطره بخسائر اللواء التي بلغت حوالي 60 دبابة ت 55 و9 مركبات مدرعات ب ك وجميع مدافع كتيبة مدفعية الميدان نتيجة للقصف الجوي والستائر الصاروخية المضادة للدبابات SS II، علاوة على استشهاد قائد اللواء ووجود عدد كبير من الشهداء والجرحى في ساحة القتال. هذا في الوقت الذي لا توجد فيه أي قوات من الجيش الثالث يمكن تدعيم اللواء بها، ولا توجد مع اللواء أسلحة مضادة للطائرات توفر له إمكانات الوقاية من الجو، خاصة بعد تقدمه للأمام وخروجه من شبكة الدفاع الجوي.ونظرا لهذه الأوضاع السيئة للواء أصدر قائد الجيش الثالث أمره إلى قائد اللواء 3 المدرع بالنيابة بالارتداد إلى داخل رأس كوبري الفرقة 19 مشاة، وقد تمت عملية الانسحاب ليلة 14-15 أكتوبر، واستغلت وحدات اللواء ساعات الظلام لتفادي نيران العدو، مما جعلها تصل دون أي خسائر إلى رأس كوبري الفرقة 19 مشاة في الساعة الحادية عشرة صباحا يوم 15 أكتوبر. وبدأت في الحال عملية حصر الخسائر واعادة التنظيم لسرعة استعادة الكفاءة القتالية للواء. وكانت كتيبة المشاة الميكانيكية من الفرقة السادسة قد تم دفعها هي الأخرى من خط الدفع للاشتباك المحدد لها في منطقة عيون موسى في الساعة السادسة والنصف صباحا يوم 14 أكتوبر بعد قصفة نيران لمدة 15 دقيقة من مجموعة مدفعية اللواء الأول مشاة ميكانيكي لتنفيذ المهمة المسندة إليها، وهي التقدم كمفرزة جنب للواء 3 المدرع على طريق عيون موسى في اتجاه تقاطعه مع الطريق العرضي 3. ولم تستطع الكتيبة مواصلة التقدم. فقد اصطدمت بقوة مدرعة مع العدو ووقعت تحت تأثير نيران كثيفة من المدفعية ونيران الدبابات ومن المقذوفات الصاروخية المضادة للدبابات في الوقت الذي تعرضت فيه لقصف جوي مركز، مما أدى الى شدة الارتباك وفقد السيطرة وتفرق رتل الكتيبة في كل اتجاه. ونظرا لانقطاع الاتصال اللاسلكي بين كتيبة المشاة الميكانيكية واللواء 3 المدرع الذي كان يتحرك على يسارها بسبب استشهاد قائد اللواء وتدمير مركبته واللواء كما سبق أن ذكرنا، فقد قام قائد الفرقة 6 مشاة ميكانيكية الذي كان موجودا في مركز الملاحظة الأمامي في عيون موسى بدفع ريس عمليات ورئيس اشارة الفرقة الى قائد الكتيبة في الأمام لابلاغه بضرورة مواصلة التقدم، وأن يتم جميع اتصالات اللاسلكية مستقبلا مع قيادة الجيش الثالث مباشرة عن طريق الجهاز اللاسلكي R151 الموجود في مركبة قيادته، واندفع قائد الكتيبة بجزء من قواته إلى الأمام رغم كثافة نيران العدو للوصول الى تقاطع الطريق العرضي 3، كي يحقق المهمة المسندة إلى كتيبته، ولكن باقي الكتيبة انفصل عنه بتأثير القصف الجوي وتمكن العدو من تدمير المركبات المدرعة المتقدمة في اتجاهه، ومن أسر قائد الكتيبة والمجموعة التي كانت ترافقه. وبدأت سرايا الكتيبة في الارتداد على دفعات الى منطقة عيون موسى، وأمر قائد الفرقة 6 مشاة ميكانيكية بناء على تعليمات قائد الجيش الثالث بوضع بقايا الكتيبة المشاة الميكانيكية التي انسحبت تحت قيادة اللواء الأول مشاة ميكانيكي في منطقة عيون موسى مع العمل على حصر الخسائر واعادة التنظيم لاستعادة كفاءة الكتيبة القتالية بأسرع وقت ممكن.

معركة مضيق الجدي التي سبقت موعدها بيوم كامل

كانت القوة المخصصة للقيام بعملية التطوير في القطاع الأيسر للجيش الثالث هي لواء مشاة ميكانيكي من الفرقة 7 مشاة – التي كان يتولى قيادتها العميد أ. ح. أحمد بدوي – يتم دفعه من رأس كوبري الفرقة للعمل كمفرزة أمامية للجيش في اتجاه ممر الجدي. وكان المفترض أن يبدأ اللواء المشاة الميكانيكي هجومه في نفس التوقيت الذي حددته القيادة العامة بالمركز 10 بالقاهرة لجميع المفارز الأمامية على مواجهة الجيشين الثاني والثالث لتطوير الهجوم شرقا وهو الساعة السادسة والنصف صباح يوم 14 أكتوبر. ولكن حادثا من الحوادث الفريدة في نوعها جرى بالنسبة لهذا اللواء، فقد قام بعملية تطوير هجومه مبكرا 24 ساعة عن التوقيت الي بدأت فيه جميع المفارز الأمامية للجيش الثاني والثالث عمليات تطوير هجومها شرقا، وفيما يلي القصة الحقيقية لهذا الحادث:

بعد ظهر يوم 12 أكتوبر، تم اعداد التعليمات الخاصة بتطوير الهجوم شرقا بناء على أمر الفريق أحمد إسماعيل في المركز 10 بالقاهرة وتحرك اللواء محمد غنيم الى الجيش الثاني واللواء طه المجدوب الى الجيش الثالث حاملين معها تعليمات العمليات لتسليمها إلى اللواء سعد مأمون واللواء عبد المنعم واصل قائدي الجيشين، وكانت تقضي ببدء عمليات التطوير في الساعة السادسة والنصف صباح يوم 13 أكتوبر. وعندما علم الفريق أحمد إسماعيل القائد العام من الفريق سعد الشاذلي رئيس الأركان بالمعارضة الشديدة التي أبداها الجيشين لعملية تطوير الهجوم خلال اتصالهما به هاتفيا قرر استدعائهما لحضور مؤتمر بالقيادة العامة بالمركز 10 بالقاهرة في مساء اليوم نفسه. ورغم توجه قائدي الجيشين الى القاهرة فإن مركز القيادة المتقدم لكل جيش منهما استمر في اعداد التحضيرات اللازمة للمعركة بمجرد تسلمه تعليمات العمليات الواردة من القيادة العامة نظرا لضيق الوقت، على أساس أن عملية تطوير الهجوم ستبدأ وفقا للموعد المحدد في هذه التعليمات في الساعة السادسة والنصف صباح يوم 13 أكتوبر، ولذا صدرت في الحال الأوامر الانذارية الى المفارز المعينة للعملية وإلى التشكيلات والوحدات الأخرى التي ستقوم بتأمين دفع هذه المفارز من خطوط الدفع المحددة لها وفقا للتعليمات.

في الساعة الحادية عشرة مساء اتصل كل من اللواء سعد مأمون واللواء عبد المنعم واصل من المركز 10 بالقاهرة بمركزي قيادتهما في الجبهة وأبلغاهما بتأجيل موعد تنفيذ المهمة لمدة 24 ساعة، أي أن عملية التطوير ستبدأ في الساعة السادسة والنصف صباح يوم 14 أكتوبر.

وقامت شعبة العمليات في كل من الجيشين الثاني والثالث بناء على تعليمات قائد الجيشين بإبلاغ جميع التشكيلات والوحدات التابعة للجيش بتأجيل عملية التطوير لمدة 24 ساعة، إلا أن خطأ ما قد جرى فيما يتعلق بابلاغ قيادة الفرقة 7 مشاة بقرار التأجيل. فقد ثبت أن قائد الفرقة مشاة العميد أ. ح. أحمد بدوي أغفلت شعبة عمليات الجيش الثالث – ربما بدافع من السهر أو الخطأ – إخطاره بقرار التأجيل مثل باقي تشكيلات الجيش، وترتب على ذلك أن اللواء 11 المشاة الميكانيكي من الفرقة 7 مشاة وفقا للتعليمات السابقة التي صدرت من قبل الى قيادة الفرقة تم دفعه وحده على طول جبهة القتال في الساعة السادسة والنصف صباح يوم 13 أكتوبر لتطوير هجومه شرقا في اتجاه ممر الجدي، ليصبح ذلك الحادث أحد الحوادث العجيبة التي سجلت في تاريخ الحروب. وكان العميد أ. ح. أحمد بدوي قائد الفرقة 7 مشاة قد استدعى قائد اللواء 11 مشاة ميكانيكي (لواء المنتصف في النسق الأول من قطاع الفرقة الدفاعي) عند منتصف ليلة 12 أكتوبر، حيث قام بتخصيص المهمة له وفقا للتعمليات السابق صدورها إليه. وكانت تتلخص فيما يلي:

1 - تم دفع اللواء 11 مشاة ميكانيكي من يسار الموقع الدفاعي للواء داخل رأس كوبري الفرقة للعمل كمفرزوة أمامية للاستيلاء على تقاطع طريق الجدي مع الطريق العرضي 3 وتحددت ساعة س (موعد بدء الهجوم) لدفعه هو وباقي المفارز على مستوى الجبهة لتكون الساعة السادسة والنصف صباح يوم 13 أكتوبر على أن تعاون المفرزة بقصفة نيران لمدة 15 دقيقة قبل بدء الدفع.

2- يتم تدعيم اللواء بكتيبة دبابات الفرقة وبالعناصر اللازمة من مدفعية الميدان والهاون الثقيل (120 مم) والصواريخ المضادة للدبابات والمضادة للطائرات والمهندسين والاستطلاع والصاعقة.

وفي الساعة الواحدة والنصف صباح يوم 13 أكتوبر وصل قائد اللواء الى مركز قيادته المتقدم، حيث كانت مجموعة الأوامر في انتظاره، وتم له تخصيص المهام لقادة وحداته الفرعية، وكان قراره بشأن تشكيل قتال اللواء يقضي بأن تعين كتيبة النسق الثاني للواء للعمل كمفرزة متقدمة، على أن تدعم بتكيبة دبابات الفرقة وعناصر التدعيم الأخرى الازمة لها، وتدفع من خط دفع اللواء في ساعة س على أن تتبعها الكتيبتان الخلفيتان بفاصل حوالي من 3 إلى 5 كم، ويجري التحرك بواحدة منهما على يمين طريق الجدي وبالكتيبة الأخرى على يسار الطريق (كانت كتيبة اليمين مزودة بمركبات ب ك المدرعة بينما كانت كتيبة اليسار مزودة بمركبات B.M.P المدرعة)، والى الخلف من الكتيبتين تسير مجموعة مدفعية اللواء التي تتبعها احتياطيات اللواء. وفي الساعة السادسة والنصف صباحا يوم 13 أكتوبر عبرت كتيبة المفرزة المتقدمة خط الدفع بعد قصفة نيران لمدة 15 دقيقة من مجموعة مدفعية الفرقة بطريقة الضرب الحسابي، ولكن دون أن تنضم اليها كتيبة دبابات الفرقة، فقد تأخرت في الوصول بسبب ضيق الوقت الذي كان مخصصا للتحضير للمعركة. ولنفس هذا السبب لم تصل سرية الصواريخ المضادة للدبابات، ولا كتيبة المدفعية المضادة للطائرات، مما أدى إلى تحرك تشكيل قتال اللواء بدون هذه الوحدات. وكن قائد اللواء قد قام بدفع كتيبة من الصاعقة في الساعة الخامسة صباحا أي قبل موعد دفع اللواء بساعة ونصف ساعة في اتجاه محور التقدم. وقد نجحت عناصر من الصاعقة في التسلل من خلال مواقع العدو والوصول خلف دفاعاته التي تواجه محور تقدم اللواء، وكانت لها فائدة كبيرة في أثناء المعركة من ناحية الابلاغ عن مواقع العدو وتحرك احتياطياته وتأثير نيران مدفعيتنا على مواقعه.

ولم تكد كتيبة المفرزة المتقدمة تتحرك حوالي كيلو متر ونصف شرقا على طريق الجدي حتى أجبرت على التوقف والفتح في تشكيل القتال، نظرا لاصطدامها بقوة من العدو تقدر بسرية دبابات تعاونها نيران المدفعية وساتر من الصواريخ المضادة للدبابات SS II كانت متحصنة في مواقع دفاعية في منطقة تقاطع طريق الجدي مع الطريق العرضي 3. واشتبكت الكتيبة في الحال مع عناصر العدو بالنيران، وحوالي الساعة الثامنة والنصف صباحا وصلت كتيبة دبابات الفرقة، إلا أنها لم تتمكن من الانضمام إلى تشكيل قتال كتيبة المفرزة المتقدمة نظرا لكثافة الصواريخ المضادة للدبابات التي أطلقت عليها مما أرغمها على التوقف خلف تشكيل قتال الكتيبة بمساقة 100 متر. والى الخلف من كتيبة الدبابات اتخذ مركز قيادة اللواء المتقدم موقعه لمراقبة المعركة، وإزاء التوقف الذي جرى ولتدمير العدو المواجه لتشكيل قتال اللواء، قرر قائد اللواء دفع الكتيبة الخلفية اليسار المزودة بالمركبات المدرعة BMP-1 بعد قصفة نيران لمدة 15 دقيقة من مجموعة مدفعية اللواء للالتفاف على الجنب الأيسر للعدو وتدميره في مواقعه أو ارغامه على الانسحاب وذلك بالاستفادة من طبيعة الأرض في هذا الاتجاه وباستغلال السرعة التي تتميز بها هذه المركبات (حوالي 30 كم في الساعة). وقد صدق قائد الفرقة على قرار قائد اللواء.

وفي حوالي الساعة الحادية عشرة والنصف صباحا، تم دفع الكتيبة المدرعة B.M.P من أقصى يمين كتيبة المفرزة المتقدمة في اتجاه الجنب الأيسر للعدو واتخذت الكتيبة تشكيل القتال ولكنها لم تتمكن من التقدم أكثر من 2 كم قم توقفت بسبب تركيز العدو نيران مدفعيته وصواريخه المضادة للدبابات على تشكيل قتال هذه الكتيبة. كما قام العدو بتركيز قصفه الجوي على تشكيل قتال اللواء، مما أحدث بالوحدات خسائر كبيرة. وازاء عجز المركبات المدرعة عن التقدم في وجه الستائر المضادة للدبابات، أمر قائد اللواء باخفاء المركبات المدرعة خلف الثنيات الأرضية والكثبان الرملية، ونزول أطقمها منها للعمل كأفراد مشاة عاديين على الأقدام، واستخدام طريقة الضرب بالنيران مع الحركة لمحاولة التقدم إلى مواقع العدو تحت ستر نيران الدبابات والمركبات المدرعة المستترة في الخلف. وكان القرار سببا في نجاح بعض الفصائل في الوصول إلى مسافات قريبة من العدو، فقد أصدر قائد الفرقة 7 مشاة في حوالي الساعة الواحدة ظهرا أمرا عن طريق اللاسلكي الى قائد اللواء بوقف تقدم اللواء والارتداد فورا إلى أوضاعه الأصلية داخل رأس كوبري الفرقة، ولكن قائد اللواء اقترح على قائد الفرقة تأجيل تنفيذ قراره بالارتداد حتى آخر ضوء يوم 13 أكتوبر، نظرا لأن وحداته في حالة اشتباك مع العدو، وفي حالة محاولتها التخلص من الاشتباك والارتداد غربا في اتجاه رأس كوبري الفرقة فإن العدو سوف يقوم بمطاردتها ويوقع بوحدات اللواء خسائر فادحة. وقد صدق قائد الفرقة على اقتراح قائد اللواء.

ونتيجة للبحث الدقيق الذي أجريناه بشأن مصرع الجنرال الإسرائيلي ألبرت ماندلر، اتضح لنا أنه خلال المعركة الحامية التي نشبت بين وحدات اللواء 11 المشاة الميكانيكي والقوات الإسرائيلية التي كانت تسد عليها طريق التقدم إلى تجاه مضيق الجدي، حدث أن مجموعة مدفعية اللواء أثناء قيامها بقصف مواقع العدو أصابت احدى قذائفها مركبة القيادة التي كانت يستقلها الجنرال ألبرت ماندلر قائد القطاع الجنوبي في سيناء عندما كان يقوم باستطلاع أرض المعركة بمنظاره المكبر من أحد مراكز المراقبة بالخط الأمامي مما أدى إلى مصرع أربعة من ركابها منهم ألبرت ماندلر ورافي أونجر مراسل الإذاعة الإسرائيلية الذي كان قد ألحق بفرقته. وعند آخر ضوء يوم 13 أكتوبر وصل اللواء عبد المنعم واصل قائد الجيش الثالث والعميد أ. ح أحمد بدوي قائد الفرقة السابعة المشاة إلى مقر القيادة الأمامي للواء المشاة الميكانيكي. وبعد التداول في الموقف صدر الأمر الى قائد اللواء باعادة الوحدات الفرعية للواء إلى مواقعها الأصلية بداخل رأس كوبري الفرقة والاستعداد لتطوير الهجوم شرقا في الساعة السادسة والنصف صباح اليوم التالي 14 أكتوبر مع باقي المفارز المتقدمة على طول خط الجبهة لتحقيق نفس المهمة التي سبق تخصيصها للواء صباح يوم 13 أكتوبر. وكان السبب في ذلك كما سبق أن ذكرنا يرجع إلى إغفال إخطار قائد الفرقة السابعة بقرار تأجيل التطوير لمدة 24 ساعة.

وقد تقدم قائد اللواء 11 مشاة ميكانيكي بمطلبين أساسيين إلى قائد الجيش الثالث حتى يمكنه تحقيق المهمة المطلوبة منه بنجاح في اليوم التالي. وكان المطلبان هما:

1 - تأجيل موعد دفع اللواء للاشتباك من الساعة السادسة والنصف صباحا إلى الساعة الواحدة ظهرا يوم 14 أكتوبر، حتى يمكن في الصباح اعادة ملء المركبات المدرعة بالوقود واستعاضة الذخائر واعادة تنظيم اللواء بعد المعارك العنيفة التي خاضتها وحداته مع العدو.

2 - دعم اللواء بكتيبة دبابات اضافية من اللواء 25 مدرع مستقل (الملحق على الفرقة 7 مشاة) ليتم دفعها للاشتباك من الجنب الأيمن للواء في اتجاه تقاطع طريق الجدي مع الطريق العرضي 3، مع قيامها بحركة التفاف على يسار العدو المتمركز في منطقة تقاطع الطريق وشغله بالنيران، في الوقت الذي يتم فيه دفع اللواء من خط دفعه للاشتباك. ولهذا السبب اقترح قائد اللواء أن يتم دفع كتيبة الدبابات من خط الدفع للاشتباك قبل دفع كتيبة المفرزة الأمامية للواء بحوالي 15 دقيقة.

وقد قرر قائد الجيش الثالث التصديق على مطلبي قائد اللواء، كما تقرر تأمين ارتداد وحدات اللواء الأمامية التي كانت ما تزال مشتبكة مع العدو إلى رأس كوبري الفرقة بقصفة نيران من مدفعية اللواء ومدفعية الفرقة. وقد تم للواء الارتداد غربا تحت ستر نيران المدفعية واستعادة أوضاعه الدفاعية في رأس الكوبري حوالي الساعة الثانية صباح يوم 14 أكتوبر. وفي الساعة التاسعة صباحا، وأثناء قيام وحدات اللواء بالتجهيز للمعركة، أجرى قائد اللواء تأكيد المهام على قادة وحداته الفرعية كما خصص المهمة الجديد لقائد كتيبة الدبابات التي أرسلت من اللواء 25 مدرع المستقل.

وفي حوالي الساعة الواحدة ظهرا يوم 14 أكتوبر تم دفع كتيبة الدبابات من اللواء 25 مدرع مستقل من خط الدفع المحدد لها بعد تأمين دفعها بقصفة نيران من المدفعية لمدة 15 دقيقة . وقد أمكن لكتيبة الدبابات التقدم في اتجاه تقاطع الطرق بسرعة كبيرة إلى الحد الذي جعلها تقطع مسافة 7 كم في 15 دقيقة حتى أوشكت على تحقيق أهداف هجومها. وكانت الكتيبة قد اشتبكت مع العدو خلال تقدمها ودمرت له حوالي 5 دبابات. إلا أنه في حوالي الساعة الواحدة والربع ظهرا صدرت الأوامر من قيادة الجيش الثالث بوقف دفع اللواء المشاة الميكانيكي، وكذا انسحاب كتيبة الدبابات التي دفعت من قبل إلى رأس كوبري الفرقة 7 مشاة، ويبدو أن السبب في ذلك يرجع إلى قرار اتخذته القيادة العامة في المركز 10 بالقاهرة بعد ادراكها فشل عملية تطوير الهجوم على المحاور الأخرى. وكانت عملية التطوير على تلك المحاور قد بدأت في الساعة السادسة والنصف صباحا أي قبل أكثر من 6 ساعات من بدء عملية التطوير على طريق ممر الجدي. وعقب وصول هذه التعليمات من قيادة الفرقة 7 مشاة إلى قائد اللواء أصدر أوامره الى وحدات اللواء التي كانت على وشك التحرك في الموعد المحدد للدفع للاشتباك الى التمسك بمواقعها داخل رأس كوبري الفرقة، وأصدر أمرا عن طريق اللاسلكي الى قائد كتيبة الدبابات بالارتداد إلى رأس كوبري الفرقة. ونظرا لأن عملية التخلص من الاشتباك مع العدو والارتداد غربا قد تمت في أثناء النهار، لذلك عاود العدو هجماته العنيفة على مؤخرة كيبة الدبابات وعلى السرية التي كلفت بستر ارتدادها، كما قام بتركيز نيران مدفعيته عليها مما أدى إلى وقوع خسائر جسيمة بالكتيبة، فقد فقدت 13 دبابة وأصيب عدد كبير من أفرادها، كما استشهد قائدها بعد اصابة دبابته بصاروخ مضاد للدبابات، وقد قامت مدفعية الفرقة 7 مشاة بستر ارتداد كتيبة الدبابات بجميع وسائل النيران المتيسرة بناء على أوامر قائد الفرقة. وحوالي الساعة الرابعة مساء تمكنت الكتيبة من دخول رأس كوبري الفرقة السابعة مشاة.

خطة تطوير الهجوم شرقا في الجيش الثاني

على الرغم من أن عملية تطوير الهجوم شرقا التي جرت في قطاع الجيش الثاني صباح يوم 14 أكتوبر 1973 كانت تتفق مع عملية التطوير التي جرت في قطاع الجيش الثالث من حيث توقيت الهجوم، ومن جهة عمق الأهداف المطلوب تحقيقها، فان الاختلال الوحيد بينهما كان منحصرا في ناحية الحجم، فقد كان حجم القوات التي اشتركت في قطاع الجيش الثاني يفوق كثيرا – خاصة في الدبابات – حجمها في قطاع الجيش الثالث، وكان السبب في ذلك يعود إلى أن المجهود الرئيسي لعملية تطوير الهجوم وفقا للخطة التي وضعتها القيادة العامة كان يقع في نطاق الجيش الثاني. وكانت خطة التطوير في قطاع الجيش الثاني تتلخص فيما يلي:

  • الفرقة 21 المدرعة (النسق الثاني للجيش الثاني) يتم دفعها من رأس كوبري الفرقة 16 مشاة بمهمة الوصول إلى الخط العام – الطريق العرضي 3 – والاستيلاء على الطاسة. ويرجع السبب في تخصيص فرقة مدرعة كاملة للاستيلاء على الطاسة إلى أهمية موقعها الحيوي بالنسبة خط المواجهة مع إسرائيل. فعلاوة على وقوعها في منطقة تقاطع الطريق الأوسط مع الطريق العرضي 3، فقد كانت تضم مركز القيادة المتقدم للقطاع الأوسط الذي يتولى قيادته الجنرال أرئيل شارون، كما كانت منطة تمركز الاحتياطيات التعبوية الإسرائيلية باعتبارها موقعا متوسطا بالنسبة لجبهة القتال يمكن منه دفع الوحدات المدرعة والميكانيكية إلى أي قطاع مهدد في الجبهة شمالا أو جنوبا باستخدام الطريق العرضي 3 وكان الاستيلاء على الطاسة يفتح الطريق على مصراعيه أمام القوات المصرية للتقدم شرقا دون الحاجة إلى اختراق مضايق أو اجتياز أي موانع طبيعية. كما كان يشكل في نفس الوقت تهديدا خطيرا لمركز القيادة المتقدم للقيادة الجنوبية الإسرائيلية في منطقة أم مرجم التي تبعد حوالي 40 كم فقط شرق الطاسة.
  • اللواء 15 المدرع المستقل (الملحق على الفرقة 18 مشاة بقطاع القنطرة شرق) يتم دفعه من رأس كوبري الفرقة على المحور الشمالي بمهمة الوصول إلى منطقة بالوظة والاستيلاء على تقاطع الطريق الساحلي مع الطريق العرضي 3.

وكان التوقيت المحدد لبدء عملية التطوير شرقا في قطاع الجيش الثاني وفقا لتوجيهات العمليات التي صدرت بعد ظهر يوم 12 أكتوبر هو صباح يوم 12 أكتوبر. ونظرا لاستدعاء قائد الجيش الثاني إلى القاهرة لحضور المؤتمر الذي عقد بالمركز 10 مساء يوم 12 أكتوبر والذي ترأسه الفريق أول أحمد إسماعيل وحضره أيضا قائد الجيش الثالث، فقد انتقل اللواء تيسير العقاد رئيس أركان الجيش الثاني من مركز القيادة الرئيسي إلى مركز القيادة المتقدم للجيش الثاني كي يتولى القياد باجراءات تنظيم المعركة، حيث ان الوقت المحدد لبدء عملية تطوير الهجوم، وهو الساعة السادسة والنصف صباحا يوم 13 أكتوبر لم يكن باقيا عل حلوله أكثر من 12 ساعة فقط. وأصدر اللواء تيسير العقاد على وجه السرعة أوامر إنذارية بمضمون المهمة الى قادة التشكيلات التي ستقوم بعملية التطوير في الصباح للبدء في اجراءات التحضير للمعركة، وكذا الى قادة التشكيلات الأخرى ورؤساء الأسلحة والأفرع بالجيش الثاني للاستعداد لتأمين دفع الفرقة 21 المدرعة من راس كوبري الفرقة 16 مشاة واللواء 15 المدرع من رأس كوبري الفرقة 18 مشاة. ونظرا لأن اللواء 14 مدرع (من ضمن تشكيل الفرقة 21 المدرعة) كان ملحقا على الفرقة 16 مشاة منذ يوم 6 أكتوبر، وقد تم عبوره قناة السويس ليلة 6/7 أكتوبر، وكان متمركزا في هذا الوقت في المنطقة شرق طوسون، فقد صدرت تعليمات عاجلة بأن يقوم اللواء الأول المدرع الذي كان متمركزا ضمن باقي قوات الفرقة في النسق الثاني غرب القناة بعبور قناة السويس ليلة 12/13 أكتوبر، وأتم اللواء تمركزه في منطقة الانتظار المحددة له حوالي الساعة الثامنة والنصف صباح يوم 13 أكتوبر. وفي الساعة الحادية عشرة مساء يوم 12 أكتوبر كان اللواء سعد مأمون قد اتصل من المركز 10 بالقاهرة عقب انتهاء المؤتمر برئيس أركان الجيش الثاني وأبلغه بأن تنفيذ المهمة قد تأجل لمدة 24 ساعة، أي أن تطوير الهجوم سوف يبدأ في الساعة السادسة والنصف يوم 14 أكتوبر. وأمره بنقل مركز قيادة الجيش المتقدم من منطقة أبو صوير إلى المركز التبادلي بالإسماعيلية قبل منتصف الليل، وأن يدعو القادة والرؤساء لحضور مؤتمر بمركز القيادة الجديد في الساعة الثامنة صباح اليوم التالي (السبت 13 أكتوبر).

وقد تم عقد المؤتمر بمركز القيادة المتقدم للجيش الثاني بالإسماعيلية برئاسة اللواء سعد مأمون وقد حضره رئيس أركان الجيش الثاني، وقادة التشكيلات الميدانية، ورؤساء الأسلحة والأفرع الرئيسية بالجيش، وقام رئيس استطلاع الجيش الثاني في بداية المؤتمر بشرح الموقف العام للعدو على مواجهة الجيش الثاني وفقا للمعلومات المتوافرة لديه. وقد تبين أنه يوجد للعدو حوالي 230 دبابة على اتصال برؤوس كباري الفرق المصرية الثلاث 16و 2و 18 مشاة، وهي باقيا الألوية المدرعة التي سبق لهذه الفرق صد وتحطيم هجماتها المضادة في الأيام السابقة. وقد قامت مفارز من هذه الدبابات باحتلال خطوط صد تم اختيارها بعناية باستغلال طبيعة الأرض على طرق الاقتراب المحتملة لقواتنا بعد تدعيمها بساتر من الصواريخ المضادة للدبابات، وقد تمكن العدو من حشد لوائين مدرعين ولواء مشاة ميكانيكي كاحتياطي تعبوي أمام مواجهة الجيش الثاني.

وكان التخطيط الذي وضعه العدو عقب اكتشافه نوايانا لتطير الهجوم شرقا هو الاستعداد لصد القوات المصرية القائمة بتطوير الهجوم عن طريق خطوط الصد السابق تجهيزها بالدبابات والمدعمة بالاحتياطيات المدرعة والستائر المضادة للدبابات وباجراء التعاون مع الطيران الإسرائيلي لمحاولة تدميرها، مع الاحتفاظ باحتياطي تعبوي قوي من القوات المدرعة والميكانيكية استعدادا لانتزاع المبادأة من القوات المصرية عقب القضاء على عملية تطوير الهجوم، والقيام على الفور بتوجيه ضربة مضادة قوية كي تفقد القوات المصرية توزانها. وشرح اللواء سعد مأمون للقادة الحاضرين قرار القيادة العامة بتطوير الهجوم شرقا بقصد تخفيف الضغط على الجبهة السورية، وحدد بشكل عام المهمة التي أوكل إلى الجيش الثاني تحقيقها، وهي الاستيلاء على الخط العام الطاسة-بالوظة عل الطريق العرضي 3، والذي يبلغ عمقه حوالي 15 كم، وذكر بأن القيادة العامة قررت تخصيص مجهود جوي رئيسي لتأمين دفع وتطوير العملية الهجومية للجيش الثاني. وعلى أثر ذلك قام بتأكيد المهام للقادة التي سبق تخصيصها لهم وفقا للخطة الموضوعة، وحدد الاجراءات التي قرر اتخاذها لتأمين أوضاع راس كوبري الجيش والقوات القائمة بالتطوير، وكانت تتخلص فيما يلي:

  • تقوم الفرقة الثانية المشاة بدفع كتيبة مشاة ميكانيكية مدعمة من اللواء الميكانيكي بالفرقة للعمل كمفرزة أمامية والتقدم على محور طريق عرام (الطريق الممتد من الفردان إلى الطريق العرضي 3) بمهمة تأمين الجنب الأيسر للفرقة 21 المدرعة أثناء تقدمها شرقا.
  • تقوم الفرقة 18 مشاة] بدفع كتيبة مشاة ميكانيكية مدعمة من اللواء الميكانيكي بالفرقة للعمل كمرفزة أمامية والتقدم على محور طريق القنطرة حوض أبو سمارة بمهمة الاستيلاء عل تقاطع الطرق في منطقة أبو سمارة، وتأمين الجنب اليمين للواء 15 المدرع المستقل في أثناء تقدمه شرقا.
  • يتم سحب اللواء 24 مدرع (من الفرقة 23 مشاة ميكانيكية والملحق على الفرقة الثانية مشاة منذ بدء الحرب) من تجميع الفرقة الثانية المشاة ليتمركز في منطقة المحطة 3 شرق الإسماعيلية ليكون احتياطيا في يد قائد الجيش الثاني لصالح رأس كوبري الجيش الثاني الموحد (الفرقة 16 والفرقة 2 مشاة) نظرا لاشتراك اللواء 14 المدرع (الذي كان ملحقا على الفرقة 16 مشاة) ضمن قوات الفرقة 21 المدرعة في عملية التطوير. وعقب انتهاء المؤتمر عرض القادة فكرة قراراتهم على قائد الجيش الثاني للتصديق عليها. وكانت فكرة قرار العميد أ. ح ابراهيم العرابي قائد الفرقة 21 المدرعة (المجهود الرئيسي للجيش الثاني في عملية تطوير الهجوم) التي عرضها على قائد الجيش الثاني تتضمن تقدم الفرقة جنوب الطريق الأوسط في اتجاه الطاسة بهدف الاستيلاء عليها. ويكون التقدم في نسقين:
  • النسق الأول – اللواء الأول المدرع في اليمين (المجهود الرئيسي للفرقة) واللواء 14 المدرع في اليسار.
  • النسق الثاني – اللواء 18 مشاة ميكانيكي.

وقد صدق اللواء سعد مأمون قائد الجيش الثاني على قرار قائد الفرقة، وبعد أن أجرى قائد الفرقة 21 المدرعة استطلاعه بسرعة نظرا لضيق الوقت قام بتخصيص المهمة لقائد كل من اللواء الأول المدرع، واللواء 14 المدرع (النسق الأول للفرقة) في الساعة الخامسة مساء في مركز القيادة المتقدم للفرقة 16 مشاة. ولم يتسر للقائدين فسحة كافية من الوقت لاجراء استطلاعهما على الأرض، فقد كان الوقت المتبقي قبل آخر ضوء لا يتجاوز 30 ديقة. أما قادة الكتائب المدرعة فقد اشتركوا بكتائبهم في المعركة في اليوم التالي دون أن يتسنى لهم أو لقادة سراياهم القيام باي استطلاع على الأرض مما يخالف جميع القواعد والأصول التكتيكية. ولم يتمكن قائد الفرقة 21 المدرعة نظرا لضيق الوقت من تخصيص المهمة لقائد اللواء 18 المشاة الميكانيكي (النسق الثاني) إلا في الساعة الرابعة صباحا يوم 14 أكتوبر أي قبل ساعتين ونصف الساعة فقط من بدء المعركة. ونظراً لأن مجموعة كبيرة من وحدات الفرقة 21 مدرعة كان قد تم تدعيم الفرقة 16 مشاة بها منذ بدء العمليات في 6 أكتوبر أو في الأيام التالية لها، لذلك لم يتيسر الوقت لاصدار أوامر قتال تفصيلية لهذه الوحدات بحكم انتشارها داخل رأس كوبري الفرقة 16 مشاة. هذا وقد تم اجراء عملية تنظيم التعاون بين الفرقة 21 المدرعة وبين الفرقتين 16 و2 مشاة لفتح الثغرات في حقول الألغام أمام اللواءين المدرعين، ليمكن دفعهما من خطوط الدفع المحددة لهما في الخطة. كذلك تم تنظيم التعاون بين عناصر الصاعقة التي كان من المقرر دفعها إلى جنوب غرب الطاسة، ولكن الاتصال انقطع مع هذه العناصر منذ لحظة دفعها. وبناء على تعليمات العميد أ. ح ابراهيم العرابي قائد الفرقة 21 المدرعة بدأ اللواء 18 مشاة الميكانيكي في عبور قناة السويس في حوالي الساعة الرابعة صباحا، ولكن عبوره تأخر بعض الوقت لتعطل أحد الكباري بسبب قصف مدفعية العدو بعيدة المدى. وأخيرا تم للواء بعد اتمام عبوره التمركز في منطقة انتظار أمامية شرق طوسون صباح يوم 14 أكتوبر تمهيدا للتحرك شرقا إلى منطقة الطالية استعدادا لدفعه للاشتباك بأمر من قائد الفرقة.

معركة الفرقة 21 المدرعة

وفي الساعة السادسة والنصف صباح يوم 14 أكتوبر، تم دفع الفرقة 21 المدرعة من خط الدفاع المحدد لها داخل راس كوبري الفرقة 16 مشاة (اللواء الأول المدرع في اليمين، واللواء 14 المدرع في اليسار) وتم تأمين دفعها بضربة جوية في اتجاه المجهود الرئيسي (اللواء الأول المدرع) من الساعة السادسة إلى الساعة السادسة والربع صباحا، اشتركت فيه 16 كتيبة مدفعية واستهلت فيه 0.4 وحدة نارية.

وفي الساعة الواحدة والنصف صباح يوم 13 أكتوبر وصل قائد اللواء الى مركز قيادته المتقدم، حيث كانت مجموعة الأوامر في انتظاره، وتم له تخصيص المهام لقادة وحداته الفرعية، وكان قراره بشأن تشكيل قتال اللواء يقضي بأن تعين كتيبة النسق الثاني للواء للعمل كمفرزة متقدمة، على أن تدعم بتكيبة دبابات الفرقة وعناصر التدعيم الأخرى الازمة لها، وتدفع من خط دفع اللواء في ساعة س على أن تتبعها الكتيبتان الخلفيتان بفاصل حوالي من 3 إلى 5 كم، ويجري التحرك بواحدة منهما على يمين طريق الجدي وبالكتيبة الأخرى على يسار الطريق (كانت كتيبة اليمين مزودة بمركبات ب ك المدرعة بينما كانت كتيبة اليسار مزودة بمركبات B.M.P المدرعة)، والى الخلف من الكتيبتين تسير مجموعة مدفعية اللواء التي تتبعها احتياطيات اللواء. وفي الساعة السادسة والنصف صباحا يوم 13 أكتوبر عبرت كتيبة المفرزة المتقدمة خط الدفع بعد قصفة نيران لمدة 15 دقيقة من مجموعة مدفعية الفرقة بطريقة الطرب الحسابي، ولكن دون أن تنضم اليها كتيبة دبابات الفرقة، فقد تأخرت في الووصل بسبب ضيق الوقت الذي كان مخصصا للتحضير للمعركة. ولنفس هذا السبب لم تصل سرية الصواريخ المضادة للدبابات، ولا كتيبة المدفعية المضادة للطائرات، مما أدى إلى تحرك تشكيل قتال اللواء بدون هذه الوحدات. وكن قائد اللواء قد قام بدفع كتيبة من الصاعقة في الساعة الخامسة صباحا أي قبل موعد دفع اللواء بساعة ونصف ساعة في اتجاه محور التقدم. وقد نجحت عناصر من الصاعقة في التسلل من خلال مواقع العدو والوصول خلف دفاعاته التي تواجه محور تقدم اللواء، وكانت لها فائدة كبيرة في أثناء المعركة من ناحية الابلاغ عن مواقع العدو وتحرك احتياطياته وتأثير نيران مدفعيتنا على مواقعه.

ولم تكد كتيبة المفرزة المتقدمة تتحرك حوالي كيلو متر ونصف شرقا على طريق الجدي حتى أجبرت على التوقف والفتح في تشكيل القتال، نظرا لاصطدامها بقوة من العدو تقدر بسرية دبابات تعاونها نيران المدفعية وساتر من الصواريخ المضادة للدبابات SS II كانت متحصنة في مواقع دفاعية في منطقة تقاطع طريق الجدي مع الطريق العرضي 3. واشتبكت الكتيبة في الحال مع عناصر العدو بالنيران، وحوالي الساعة الثامنة والنصف صباحا وصلت كتيبة دبابات الفرقة، إلا أنها لم تتمكن من الانضمام إلى تشكيل قتال كتيبة المفرزة المتقدمة نظرا لكثافة الصواريخ المضادة للدبابات التي أطلقت عليها مما أرغمها على التوقف خلف تشكيل قتال الكتيبة بمساقة 100 متر. والى الخلف من كتيبة الدبابات اتخذ مركز قيادة اللواء المتقدم موقعه لمراقبة المعركة، وإزاء التوقف الذي جرى ولتدمير العدو المواجه لتشكيل قتال اللواء، قرر قائد اللواء دفع الكتيبة الخلفية اليسار المزودة بالمركبات المدرعة B.M.P بعد قصفة نيران لمدة 15 دقيقة من مجموعة مدفعية اللواء للالتفاف على الجنب الأيسر للعدو وتدميره في مواقعه أو ارغامه على الانسحاب وذلك بالاستفادة من طبيعة الأرض في هذا الاتجاه وباستغلال السرعة التي تتميز بها هذه المركبات (حوالي 30 كم في الساعة). وقد صدق قائد الفرقة على قرار قائد اللواء.

وفي حوالي الساعة الحادية عشرة والنصف صباحا، تم دفع الكتيبة المدرعة B.M.P من أقصى يمين كتيبة المفرزة المتقدمة في اتجاه الجنب الأيسر للعدو واتخذت الكتيبة تشكيل القتال ولكنها لم تتمكن من التقدم أكثر من 2 كم قم توقفت بسبب تركيز العدو نيران مدفعيته وصواريخه المضادة للدبابات على تشكيل قتال هذه الكتيبة. كما قام العدو بتركيز قصفه الجوي على تشكيل قتال اللواء، مما أحدث بالوحدات خسائر كبيرة. وازاء عجز المركبات المدرعة عن التقدم في وجه الستائر المضادة للدبابات، أمر قائد اللواء باخفاء المركبات المدرعة خلف الثنيات الأرضية والكثبان الرملية، ونزول أطقمها منها للعمل كأفراد مشاة عاديين على الأقدام، واستخدام طريقة الضرب بالنيران مع الحركة لمحاولة التقدم إلى مواقع العدو تحت ستر نيران الدبابات والمركبات المدرعة المستترة في الخلف. وكان القرار سببا في نجاح بعض الفصائل في الوصول إلى مسافات قريبة من العدو، فقد أصدر قائد الفرقة 7 مشاة في حوالي الساعة الواحدة ظهرا أمرا عن طريق اللاسلكي الى قائد اللواء بوقف تقدم اللواء والارتداد فورا إلى أوضاعه الأصلية داخل رأس كوبري الفرقة، ولكن قائد اللواء اقترح على قائد الفرقة تأجيل تنفيذ قراره بالارتداد حتى آخر ضوء يوم 13 أكتوبر، نظرا لأن وحداته في حالة اشتباك مع العدو، وفي حالة محاولتها التخلص من الاشتباك والارتداد غربا في اتجاه رأس كوبري الفرقة فإن العدو سوف يقوم بمطاردتها ويوقع بوحدات اللواء خسائر فاحدة. وقد صدق قائد الفرقة على اقتراح قائد اللواء.


مقتل الجنرال ماندلر

ونتيجة للبحث الدقيق الذي أجريناه بشأن مصرع الجنرال الإسرائيلي ألبرت ماندلر، اتضح لنا أنه خلال المعركة الحامية التي نشبت بين وحدات اللواء 11 المشاة الميكانيكي والقوات الإسرائيلية التي كانت تسد عليها طريق التقدم إلى تجاه ممر الجدي، حدث أن مجموعة مدفعية اللواء أثناء قيامها بقصف مواقع العدو أصابت احدى قذائفها مركبة القيادة التي كانت يستقلها الجنرال ألبرت ماندلر قائد القطاع الجنوبي في سيناء عندما كان يقوم باستطلاع أرض المعركة بمنظاره المكبر من أحد مراكز المراقبة بالخط الأمامي مما أدى إلى مصرع أربعة من ركابها منهم ألبرت ماندلر ورافي أونجر مراسل الإذاعة الإسرائيلية الذي كان قد ألحق بفرقته. وقد سبق أو أوردنا قصة مصرع الجنرال ماندلر في بداية هذا الفصل. وعند آخر ضوء يوم 13 أكتوبر وصل اللواءعبد المنعم واصل قائد الجيش الثالث والعميد أ. ح أحمد بدوي قائد الفرقة السابعة المشاة إلى مقر القيادة الأمامي للواء المشاة الميكانيكي. وبعد التداول في الموقف صدر الأمر الى قائد اللواء باعادة الوحدات الفرعية للواء إلى مواقعها الأصلية بداخل رأس كوبري الفرقة والاستعداد لتطوير الهجوم شرقا في الساعة السادسة والنصف صباح اليوم التالي 14 أكتوبر مع باقي المفارز المتقدمة على طول خط الجبهة لتحقيق نفس المهمة التي سبق تخصيصها للواء صباح يوم 13 أكتوبر. وكان السبب في ذلك كما سبق أن ذكرنا يرجع إلى إغفال إخطار قائد الفرقة السابعة بقرار تأجيل التطوير لمدة 24 ساعة.

وقد تقدم قائد اللواء 11 المشاة الميكانيكي بمطلبين أساسيين إلى قائد الجيش الثالث حتى يمكنه تحقيق المهمة المطلوبة منه بنجاح في اليوم التالي. وكان المطلبان هما:

1- تأجيل موعد دفع اللواء للاشتباك من الساعة السادسة والنصف صباحا إلى الساعة الواحدة ظهرا يوم 14 أكتوبر، حتى يمكن في الصباح اعادة ملء المركبات المدرعة بالوقود واستعاضة الذخائر واعادة تنظيم اللواء بعد المعارك العنيفة التي خاضتها وحداته مع العدو.

2- دعم اللواء بتكيبة دبابات اضافية من اللواء 25 مدرع مستقل (الملحق على الفرقة 7 مشاة) ليتم دفعها للاشتباك من الجنب الأيمن للواء في اتجاه تقاطع طريق الجدي مع الطريق العرضي 3، مع قيامها بحركة التفاف على يسار العدو المتمركز في منطقة تقاطع الطريق وشغله بالنيران، في الوقت الذي يتم فيه دفع اللواء من خط دفعه للاشتباك. ولهذا السبب اقترح قائد اللواء أن يتم دفع كتيبة الدبابات من خط الدفع للاشتباك قبل دفع كتيبة المفرزة الأمامية للواء بحوالي 15 دقيقة.

وقد قرر قائد الجيش الثالث التصديق على مطلبي قائد اللواء، كما تقرر تأمين ارتداد وحدات اللواء الأمامية التي كانت ما تزال مشتبكة مع العدو إلى رأس كوبري الفرقة بقصفة نيران من مدفعية اللواء ومدفعية الفرقة. وقد تم للواء الارتداد غربا تحت ستر نيران المدفعية واستعادة أوضاعه الدفاعية في رأس الكوبري حوالي الساعة الثانية صباح يوم 14 أكتوبر. وفي الساعة التاسعة صباحا، وأثناء قيام وحدات اللواء بالتجهيز للمعركة، أجرى قائد اللواء تأكيد المهام على قادة وحداته الفرعية كما خصص المهمة الجديد لقائد كتيبة الدبابات التي أرسلت من اللواء 25 مدرع المستقل.

وفي حوالي الساعة الواحدة ظهرا يوم 14 أكتوبر تم دفع كتيبة الدبابات من اللواء 25 مدرع مستقل من خط الدفع المحدد لها بعد تأمين دفعها بقصفة نيران من المدفعية لمدة 15 دقيقة . وقد أمكن لكتيبة الدبابات التقدم في اتجاه تقاطع الطرق بسرعة كبيرة إلى الحد الذي جعلها تقطع مسافة 7 كم في 15 دقيقة حتى أوشكت على تحقيق أهداف هجومها. وكانت الكتيبة قد اشتبكت مع العدو خلال تقدمها ودمرت له حوالي 5 دبابات. إلا أنه في حوالي الساعة الواحدة والربع ظهرا صدرت الأوامر من قيادة الجيش الثالث بوقف دفع اللواء المشاة الميكانيكي، وكذا انسحاب كتيبة الدبابات التي دفعت من قبل إلى رأس كوبري الفرقة 7 مشاة، ويبدو أن السبب في ذلك يرجع إلى قرار اتحذته القيادة العامة في المركز 10 بالقاهرة بعد ادراكها فشل عملية تطوير الهجوم على المحاور الأخرى. وكانت عملية التطوير على تلك المحاور قد بدأت في الساعة السادسة والنصف صباحا أي قبل أكثر من 6 ساعات من بدء عملية التطوير على طريق ممر الجدي. وعقب وصول هذه التعليمات من قيادة الفرقة 7 مشاة إلى قائد اللواء أصدر أوامره الى وحدات اللواء التي كانت على وشك التحرك في الموعد المحدد للدفع للاشتباك الى التمسك بمواقعها داخل رأس كوبري الفرقة، وأصدر أمرا عن طريق اللاسلكي الى قائد كتيبة الدبابات بالارتداد إلى رأس كوبري الفرقة. ونظرا لأن عملية التخلص من الاشتباك مع العدو والارتداد غربا قد تمت في أثناء النهار، لذلك عاود العدو هجماته العنيفة على مؤخرة كيبة الدبابات وعلى السرية التي كلفت بستر ارتدادها، كما قام بتركيز نيران مدفعيته عليها مما أدى إلى وقوع خسائر جسيمة بالكتيبة، فقد فقدت 13 دبابة وأصيب عدد كبير من أفرادها، كما استشهد قائدها بعد اصابة دبابته بصاروخ مضاد للدبابات، وقد قامت مدفعية الفرقة 7 مشاة بستر ارتداد كتيبة الدبابات بجميع وسائل النيران المتيسرة بناء على أوامر قائد الفرقة. وحوالي الساعة الرابعة مساء تمكنت الكتيبة من دخول رأس كوبري الفرقة السابعة مشاة.

خطة تطوير الهجوم شرقا في الجيش الثاني

على الرغم من أن عملية تطوير الهجوم شرقا التي جرت في قطاع الجيش الثاني صباح يوم 14 أكتوبر 1973 كانت تتفق مع عملية التطوير التي جرت في قطاع الجيش الثالث من حيث توقيت الهجوم، ومن جهة عمق الأهداف المطلوب تحقيقها، فان الاختلال الوحيد بينهما كان منحصرا في ناحية الحجم، فقد كان حجم القوات التي اشتركت في قطاع الجيش الثاني يفوق كثيرا – خاصة في الدبابات – حجمها في قطاع الجيش الثالث، وكان السبب في ذلك يعود إلى أن المجهود الرئيسي لعملية تطوير الهجوم وفقا للخطة التي وضعتها القيادة العامة كان يقع في نطاق الجيش الثاني. وكانت خطة التطوير في قطاع الجيش الثاني تتلخص فيما يلي:

  • الفرقة 21 المدرعة (النسق الثاني للجيش الثاني) يتم دفعها من رأس كوبري الفرقة 16 مشاة بمهمة الوصول إلى الخط العام – الطريق العرضي 3 – والاستيلاء على الطاسة. ويرجع السبب في تخصيص فرقة مدرعة كاملة للاستيلاء على الطاسة إلى أهمية موقعها الحيوي بالنسبة خط المواجهة مع إسرائيل. فعلاوة على وقوعها في منطقة تقاطع الطريق الأوسط مع الطريق العرضي 3، فقد كانت تضم مركز القيادة المتقدم للقطاع الأوسط الذي يتولى قيادته الجنرال أرئيل شارون، كما كانت منطة تمركز الاحتياطيات التعبوية الإسرائيلية باعتبارها موقعا متوسطا بالنسبة لجبهة القتال يمكن منه دفع الوحدات المدرعة والميكانيكية إلى أي قطاع مهدد في الجبهة شمالا أو جنوبا باستخدام الطريق العرضي 3 وكان الاستيلاء على الطاسة يفتح الطريق على مصراعيه أمام القوات المصرية للتقدم شرقا دون الحاجة إلى اختراق مضايق أو اجتياز أي موانع طبيعية. كما كان يشكل في نفس الوقت تهديدا خطيرا لمركز القيادة المتقدم للقيادة الجنوبية الإسرائيلية في منطقة أم مرجم التي تبعد حوالي 40 كم فقط شرق الطاسة.
  • اللواء 15 المدرع المستقل (الملحق على الفرقة 18 مشاة بقطاع القنطرة شرق) يتم دفعه من رأس كوبري الفرقة على المحور الشمالي بمهمة الوصول إلى منطقة بالوظة والاستيلاء على تقاطع الطريق الساحلي مع الطريق العرضي 3.

وكان التوقيت المحدد لبدء عملية التطوير شرقا في قطاع الجيش الثاني وفقا لتوجيهات العمليات التي صدرت بعد ظهر يوم 12 أكتوبر هو صباح يوم 12 أكتوبر. ونظرا لاستدعاء قائد الجيش الثاني إلى القاهرة لحضور المؤتمر الذي عقد بالمركز 10 مساء يوم 12 أكتوبر والذي ترأسه الفريق أول أحمد إسماعيل وحضره أيضا قائد الجيش الثالث، فقد انتقل اللواء تيسير العقاد رئيس أركان الجيش الثاني من مركز القيادة الرئيسي إلى مركز القيادة المتقدم للجيش الثاني كي يتولى القياد باجراءات تنظيم المعركة، حيث ان الوقت المحدد لبدء عملية تطوير الهجوم، وهو الساعة السادسة والنصف صباحا يوم 13 أكتوبر لم يكن باقيا عل حلوله أكثر من 12 ساعة فقط. وأصدر اللواء تيسير العقاد على وجه السرعة أوامر إنذارية بمضمون المهمة الى قادة التشكيلات التي ستقوم بعملية التطوير في الصباح للبدء في اجراءات التحضير للمعركة، وكذا الى قادة التشكيلات الأخرى ورؤساء الأسلحة والأفرع بالجيش الثاني للاستعداد لتأمين دفع الفرقة 21 المدرعة من راس كوبري الفرقة 16 مشاة واللواء 15 المدرع من رأس كوبري الفرقة 18 مشاة. ونظرا لأن اللواء 14 مدرع (من ضمن تشكيل الفرقة 21 المدرعة) كان ملحقا على الفرقة 16 مشاة منذ يوم 6 أكتوبر، وقد تم عبوره قناة السويس ليلة 6/7 أكتوبر، وكان متمركزا في هذا الوقت في المنطقة شرق طوسون، فقد صدرت تعليمات عاجلة بأن يقوم اللواء الأول المدرع الذي كان متمركزا ضمن باقي قوات الفرقة في النسق الثاني غرب القناة بعبور قناة السويس ليلة 12/13 أكتوبر، وأتم اللواء تمركزه في منطقة الانتظار المحددة له حوالي الساعة الثامنة والنصف صباح يوم 13 أكتوبر. وفي الساعة الحادية عشرة مساء يوم 12 أكتوبر كان اللواء سعد مأمون قد اتصل من المركز 10 بالقاهرة عقب انتهاء المؤتمر برئيس أركان الجيش الثاني وأبلغه بأن تنفيذ المهمة قد تأجل لمدة 24 ساعة، أي أن تطوير الهجوم سوف يبدأ في الساعة السادسة والنصف يوم 14 أكتوبر. وأمره بنقل مركز قيادة الجيش المتقدم من منطقة أبو صوير إلى المركز التبادلي بالإسماعيلية قبل منتصف الليل، وأن يدعو القادة والرؤساء لحضور مؤتمر بمركز القيادة الجديد في الساعة الثامنة صباح اليوم التالي (السبت 13 أكتوبر).

وقد تم عقد المؤتمر بمركز القيادة المتقدم للجيش الثاني بالإسماعيلية برئاسة اللواء سعد مأمون وقد حضره رئيس أركان الجيش الثاني، وقادة التشكيلات الميدانية، ورؤساء الأسلحة والأفرع الرئيسية بالجيش، وقام رئيس استطلاع الجيش الثاني في بداية المؤتمر بشرح الموقف العام للعدو على مواجهة الجيش الثاني وفقا للمعلومات المتوافرة لديه. وقد تبين أنه يوجد للعدو حوالي 230 دبابة على اتصال برؤوس كباري الفرق المصرية الثلاث 16و 2و 18 مشاة، وهي باقيا الألوية المدرعة التي سبق لهذه الفرق صد وتحطيم هجماتها المضادة في الأيام السابقة. وقد قامت مفارز من هذه الدبابات باحتلال خطوط صد تم اختيارها بعناية باستغلال طبيعة الأرض على طرق الاقتراب المحتملة لقواتنا بعد تدعيمها بساتر من الصواريخ المضادة للدبابات، وقد تمكن العدو من حشد لوائين مدرعين ولواء مشاة ميكانيكي كاحتياطي تعبوي أمام مواجهة الجيش الثاني.

وكان التخطيط الذي وضعه العدو عقب اكتشافه نوايانا لتطير الهجوم شرقا هو الاستعداد لصد القوات المصرية القائمة بتطوير الهجوم عن طريق خطوط الصد السابق تجهيزها بالدبابات والمدعمة بالاحتياطيات المدرعة والستائر المضادة للدبابات وباجراء التعاون مع الطيران الإسرائيلي لمحاولة تدميرها، مع الاحتفاظ باحتياطي تعبوي قوي من القوات المدرعة والميكانيكية استعدادا لانتزاع المبادأة من القوات المصرية عقب القضاء على عملية تطوير الهجوم، والقيام على الفور بتوجيه ضربة مضادة قوية كي تفقد القوات المصرية توزانها.

وشرح اللواء سعد مأمون للقادة الحاضرين قرار القيادة العامة بتطوير الهجوم شرقا بقصد تخفيف الضغط على الجبهة السورية، وحدد بشكل عام المهمة التي أوكل إلى الجيش الثاني تحقيقها، وهي الاستيلاء على الخط العام الطاسة-بالوظة عل الطريق العرضي 3، والذي يبلغ عمقه حوالي 15 كم، وذكر بأن القيادة العامة قررت تخصيص مجهود جوي رئيسي لتأمين دفع وتطوير العملية الهجومية للجيش الثاني. وعلى أثر ذلك قام بتأكيد المهام للقادة التي سبق تخصيصها لهم وفقا للخطة الموضوعة، وحدد الاجراءات التي قرر اتخاذها لتأمين أوضاع راس كوبري الجيش والقوات القائمة بالتطوير، وكانت تتخلص فيما يلي:

  • تقوم الفرقة الثانية المشاة بدفع كتيبة مشاة ميكانيكية مدعمة من اللواء الميكانيكي بالفرقة للعمل كمفرزة أمامية والتقدم على محور طريق عرام (الطريق الممتد من الفردان إلى الطريق العرضي 3) بمهمة تأمين الجنب الأيسر للفرقة 21 المدرعة أثناء تقدمها شرقا.
  • تقوم الفرقة 18 مشاة بدفع كتيبة مشاة ميكانيكية مدعمة من اللواء الميكانيكي بالفرقة للعمل كمرفزة أمامية والتقدم على محور طريق القنطرة حوض أبو سمارة بمهمة الاستيلاء عل تقاطع الطرق في منطقة أبو سمارة، وتأمين الجنب اليمين للواء 15 المدرع المستقل في أثناء تقدمه شرقا.
  • يتم سحب اللواء 24 مدرع ( من الفرقة 23 مشاة ميكانيكية والملحق على الفرقة الثانية مشاة منذ بدء الحرب) من تجميع الفرقة الثانية المشاة ليتمركز في منطقة المحطة 3 شرق الإسماعيلية ليكون احتياطيا في يد قائد الجيش الثاني لصالح رأس كوبري الجيش الثاني الموحد (الفرقة 16 والفرقة 2 مشاة) نظرا لاشتراك اللواء 14 المدرع (الذي كان ملحقا على الفرقة 16 مشاة) ضمن قوات الفرقة 21 المدرعة في عملية التطوير. وعقب انتهاء المؤتمر عرض القادة فكرة قراراتهم على قائد الجيش الثاني للتصديق عليها. وكانت فكرة قرار العميد أ. ح ابراهيم العرابي قائد الفرقة 21 المدرعة (المجهود الرئيسي للجيش الثاني في عملية تطوير الهجوم) التي عرضها على قائد الجيش الثاني تتضمن تقدم الفرقة جنوب الطريق الأوسط في اتجاه الطاسة بهدف الاستيلاء عليها. ويكون التقدم في نسقين:

- النسق الأول – اللواء الأول المدرع في اليمين (المجهود الرئيسي للفرقة) واللواء 14 المدرع في اليسار.

- النسق الثاني – اللواء 18 مشاة ميكانيكي.

وقد صدق اللواء سعد مأمون قائد الجيش الثاني على قرار قائد الفرقة، وبعد أن أجرى قائد الفرقة 21 المدرعة استطلاعه بسرعة نظرا لضيق الوقت قام بتخصيص المهمة لقائد كل من اللواء الأول المدرع، واللواء 14 المدرع (النسق الأول للفرقة) في الساعة الخامسة مساء في مركز القيادة المتقدم للفرقة 16 مشاة. ولم يتسر للقائدين فسحة كافية من الوقت لاجراء استطلاعهما على الأرض، فقد كان الوقت المتبقي قبل آخر ضوء لا يتجاوز 30 ديقة. أما قادة الكتائب المدرعة فقد اشتركوا بكتائبهم في المعركة في اليوم التالي دون أن يتسنى لهم أو لقادة سراياهم القيام باي استطلاع على الأرض مما يخالف جميع القواعد والأصول التكتيكية. ولم يتمكن قائد الفرقة 21 المدرعة نظرا لضيق الوقت من تخصيص المهمة لقائد اللواء 18 المشاة الميكانيكي (النسق الثاني) إلا في الساعة الرابعة صباحا يوم 14 أكتوبر أي قبل ساعتين ونصف الساعة فقط من بدء المعركة.ونظرا لأن مجموعة كبيرة من وحدات الفرقة 21 مدرعة كان قد تم تدعيم الفرقة 16 مشاة بها منذ بدء العمليات في 6 أكتوبر أو في الأيام التالية لها، لذلك لم يتيسر الوقت لاصدار أوامر قتال تفصيلية لهذه الوحدات بحكم انتشارها داخل رأس كوبري الفرقة 16 مشاة. هذا وقد تم اجراء عملية تنظيم التعاون بين الفرقة 21 المدرعة وبين الفرقتين 16 و2 مشاة لفتح الثغرات في حقول الألغام أمام اللواءين المدرعين، ليمكن دفعهما من خطوط الدفع المحددة لهما في الخطة. كذلك تم تنظيم التعاون بين عناصر الصاعقة التي كان من المقرر دفعها إلى جنوب غرب الطاسة، ولكن الاتصال انقطع مع هذه العناصر منذ لحظة دفعها. وبناء على تعليمات العميد أ. ح ابراهيم العرابي قائد الفرقة 21 المدرعة بدأ اللواء 18 مشاة الميكانيكي في عبور قناة السويس في حوالي الساعة الرابعة صباحا، ولكن عبوره تأخر بعض الوقت لتعطل أحد الكباري بسبب قصف مدفعية العدو بعيدة المدى. وأخيرا تم للواء بعد اتمام عبوره التمركز في منطقة انتظار أمامية شرق طوسون صباح يوم 14 أكتوبر تمهيدا للتحرك شرقا إلى منطقة الطالية استعدادا لدفعه للاشتباك بأمر من قائد الفرقة.

معركة الفرقة 21 المدرعة

وفي الساعة السادسة والنصف صباح يوم 14 أكتوبر، تم دفع الفرقة 21 المدرعة من خط الدفاع المحدد لها داخل راس كوبري الفرقة 16 مشاة (اللواء الأول المدرع في اليمين، واللواء 14 المدرع في اليسار) وتم تأمين دفعها بضربة جوية في اتجاه المجهود الرئيسي (اللواء الأول المدرع) من الساعة السادسة إلى الساعة السادسة والربع صباحا، اشتركت فيه 16 كتيبة مدفعية واستهلت فيه 0.4 وحدة نارية.

وفي الساعة الثامنة صباحا اصطدمت قوات الفرقة بمقاومة شديدة من مواقع مجهزة للعدو على الخط العام النقطة 118 – القطاوية – النقطة 146 جنوب وشمال الطريق الأوسط – كثيب عفان (شمال الطريق الأوسط). وفي نفس الوقت وصلت معلومات تفيد بأن العدو بدأ يحرك احتياطيه المدرع في اتجاه حبيطة على الجانب الأيمن للفرقة 16 مشاة. وكان موقف اللواء الأول المدرع بالغ السوء منذ بدء تحركه. فقد تعرض لقصف مركز من مدفعية العدو البعيدة المدى من عيار 175 مم، علاوة على نيران كثيفة من الدبابات وستائر الصواريخ المضادة للدبابات من النقطة 118 مما أدى إلى استشهاد العقيد أ.ح محمد توفيق أبو شادي قائد اللواء وكذا قائد مدفعية اللواء في أول 15 دقيقة من المعركة، وتدمير دبابة قائد كتيبة اليسار وتولى رئيس أركان اللواء مسئولية القيادة. وأدى هذا الموقف بالاضافة إلى شدة وكثافة النيران التي تركزت على وحدات اللواء الى ضياع السيطرة، خاصة بعد انقطاع الاتصال بين قيادة اللواء وبعض وحداته الفرعية. ونتيجة لذلك فقدت بعض هذه الوحدات اتجاهها، وتحركت نحو الشمال لتفادي المقاومات الشديدة التي أوقفت تقدمها بدلا من الاتجاه نحو الشرق وفقا للخطة الموضوعة، مما أدى إلى التصاق بعض سرايا الدبابات من اللواء الأول المدرع بوحدات اللواء 14 المدرع.

وكان موقف اللواء 14 المدرع أفضل من موقف اللواء الأول، فقد نجح في تدمير موقع العدو الذي اعترض طريق تقدمه، وتمكن من التقدم حوالي خمسة كيلو مترات أمام الحد الأمامي لرأس كوبري الفرقة 16 مشاة، ومن الوصول إلى الخط العام كثيب الصناعات كثيب عيفان، ولكنه أرغم على التوقف أمام نيران الدبابات والستائر المضادة للدبابات التي تركزت على وحداته من موقع العدو الحصين والسابق التجهيز في النقطة 146 شمال وجنوب الطريق الأوسط.

وفي الساعة الثامنة والنصف صباحا أصيب اللواء سعد مأمون قائد الجيش الثاني الذي كان يتابع موقف الفرقة 21 المدرعة من مركز القيادة المتقدم للجيش بنوبة قلبية، وقد بادر بالاتصال باللواء تيسير العقاد رئيس أركان الجيش الذي كان موجودا في الخلف في مركز القيادة الرئيسي للجيش وأبلغه بمرضه، ودعاه للحضور إلى مركز القيادة المتقدم للجيش لتولي القيادة بدلا منه، وانتقل هو الى غرفة الاستراحة بمركز القيادة حيث أخذ بعض الأطباء في علاجه.

وقد اختلفت الأقوال حول السبب الحقيقي لمرض اللواء سعد مأمون والذي أدى إلى تنحيه عن قيادة الجيش الثاني يوم 14 أكتوبر وإلى اخلائه فيما بعد إلى مستشفى المعادي. وقد تطرق الفريق سعد الشاذلي في مذكراته، فأورد في الصفحة 247 ما يلي: "لقد كان تأثير أخبار هزيمة قواته (يقصد اللواء سعد مأمون) صباح اليوم ذات أثر كبير عليه فانهار. وكان معاونوه يعتقدون أنه بعد عدة ساعات من النوم سوف يستعيد نشاطه، ولذلك حجبوا المعلومات عن القيادة العامة".

وفي الساعة العاشرة صباحا يوم 14 أكتوبر وصل اللواء تيسير العقاد رئيس أركان الجيش الثاني إلى مركز القيادة المتقدم للجيش في الإسماعيلية. وتولى القيادة اعتبارا من هذا التوقيت. وكانت الفرقة 21 المدرعة ماتزال مشتبكة في قتال عنيف مع مقاومات العدو التي أوقفتها عن التقدم. وأصدر قائد الفرقة أمرا إلى اللواء 18 مشاة ميكانيكية (النسق الثاني للفرقة) بالتحرك إلى منطقة الطالية، وأن يكون مستعدا للدفع للاشتباك من اتجاه كثيب الخيل يمين اللواء 14 المدرع. وكانت فكرة قائد الفرقة ترمي إلى استخدام المشاة المترجلة كي تتعاون مع الدبابات لتدمير مقاومات العدو التي أوقفت تقدم اللواء 14 المدرع خاصة في النقطة 146 بعد توجيه قصفة النيران عليها من الطيران والمدفعية. وقد تمت معاونة هجوم الفرقة 21 المدرعة بحشد ضخم من نيران المدفعية اشتركت فيه مجموعة مدفعية الجيش الثاني ومجموعات مدفعية الفرق 21 المدرعة و16 مشاة و2 مشاة وتركزت قصف نيرانها على مواقع العدو التي أوقفت تقدم الفرقة 21 المدرعة، وعلى مواقع بطاريات مدفعية العدو في العمق. وعندما طلب قائد الفرقة مجهوداً جوياً قامت مدفعية الفرقة المدرعة بضرب ستارة دخان لتحديد الخط الذي وصلت إليه قوات الفرقة لقواتنا الجوية. وقد تم تنفيذ 2 طلعات طيران لمعاونة الفرقة، وقامت الطائرات بقصف مواقع العدو، ولكن تأثير الضرب كان محدودا بسبب عدم تحقيق اتصال مباشر بين الفرقة والطيران لتحديد الأهداف المطلوب تدميرها.

وكان موقف اللواء الأول المدرع لا يزال سيئا بعد فقد قيادة اللواء السيطرة على بعض وحداته الفرعية نتيجة لاستشهاد قائد اللواء في بداية المعركة وانقطاع الاتصال مع احدى كتائبه المدرعة بسبب تدمير دبابة قائدها، مما أدى إلى انضمام عناصر منه إلى اللواء 14 المدرع، كما أن جانبا من وحداته الفرعية دخلت في رأس كوبري الفرقة 16 مشاة. وقد بذل العميد أ.ح ابراهيم العرابي قائد الفرقة 21 المدرعة جهدا كبيرا لاعادة تجميع اللواء الأول المدرع واحكام السيطرة عليه تمهيدا لاستعادة كفاءته القتالية.

وفي نفس الوقت استمر اللواء 14 المدرع يقاتل بعناد من موقعه على الخط كثيب الصناعات-كثيب عيفان ضد المقاومة العنيفة للعدو في النقطة الحصينة 146. وقامت الفرقة الثانية المشاة بمعاونة اللواء المدرع وحماية جنبه الأيسر بنيران مدفعيتها وأسلحتها المضادة للدبابات. وعندما شن العدو هجمة مضادة على الجانب الأيمن للواء بسريتي دبابات مدعمتين ببعض المشاة الميكانيكية، تمكن اللواء بالتعاون مع احتياطي الفرقة المضاد للدبابات الذي قام بالفتح على جانبه الأيمن من صد الهجوم المضاد وتدمير 5 دبابات للعدو. وقد قام العدو طوال يوم 14 أكتوبر بتركيز نيران مدفعيته بعيدة المدى من عيار 155 مم و175 مم وقصفه الجوي على مواقع ووحدات الفرقة 21 المدرعة والفرقة 16 مشاة. وعندما حاولت بعض الاحتياطيات المدرعة للعدو القيام بهجوم مضاد من اتجاه كثيب الحبشي من الجنوب على الطريق العرضي 2 قامت الفرقة 16 مشاة بصد هذا الهجوم، وتمكنت من تدمير 4 دبابات.

وفي الساعة الواحدة والنصف ظهرا أصبح موقف الفرقة 21 المدرعة حرجا. فلقد عجز اللواء الأول المدرع عن تطوير أعمال قتاله شرقا وأصيب بخسائر كبيرة، وأصبحت دباباته المتبقية 66 دبابة. بينما تعرض اللواء 14 المدرع لهجوم جوي مركز ونيران كثيفة وضرب مباشر من الدبابات والصواريخ المضادة للدبابات، وأصبحت دباباته المتبقية 44 دبابة، أي أن الفرقة فقدت حوالي 50% من دباباتها اذا أضفنا إليها دبابات اللواء الميكانيكي الذي لم يشترك في القتال.

وكان اللواء 18 المشاة الميكانيكي مستمرا في التجمع في أرتال سرايا في منطقة الطالية استعدادا لدفعه للاشتباك، وقد تعرض أثناء ذلك لقصف جوي ونيران مدفعية مركزة أما وحدات مدفعية الفرقة فقد كانت ما تزال في محلاتها خلف خط الدفع داخل رأس كوبري الفرقة 16 مشاة وقائمة بتقديم المعونة المطلوبة للوحدات بنيرانها. وكان قرار قائد الفرقة المدرعة هو التمسك بالخط العام كثيب الصناعات عيفان بقوة اللواء 14 المدرع والكتيبة التي انضمت اليه من اللواء الأول المدرع، واعادة تجميع اللواء الأول المدرع (عدا كتيبة) في المنطقة جنوب كثيب أبو وقفة مع استمرار تمركز اللواء 18 المشاة الميكانيكي غرب الطالية، وسرعة استعادة الكفاءة القتالية للفرقة استعدادا لاستئناف التقدم وتحقيق المهمة التي كلفت بها. وقد صدق قائد الجيش بالنيابة على قرار قائد الفرقة حوالي الساعة الثانية ظهرا. وفي نفس التوقيت قام اللواء تيسير العقاد الذي كان يتولى قيادة الجيش الثاني بالاتصال بالقائد العام الفريق أول أحمد اسماعيل بالمركز 10 بالقاهرة وشرح له موقف الفرقة 21 المدرعة وقراره الذي أصدره باستمرار الفرقة في تحقيق مهمتها، ولكنه طلب من القائد العام تقديم معاونة جوية للفرقة لمساعدتها في ازاحة مقاومات العدو التي اعترضت طريقها وأوقفتها عن التقدم.

وازاء الموقف الجديد بعد تمركز معظم وحدات الفرقة 21 المدرعة داخل رأس كوبري الفرقة 16 مشاة، أصدر اللواء تيسير العقاد أمره باستمرار اللواء 24 المدرع في مكانه الأصلي في رأس كوبري الفرقة 2 مشاة وألغى القرار السابق بتحركه الى منطقة المحطة 3 شرق الاسماعيلية ليكون احتياطيا في يد قائد الجيش لصالح رأس كوبري الجيش الموحد.

وكان الرئيس الراحل أنور السادات قد وصل حوالي الواحدة والنصف ظهرا يوم 14 أكتوبر إلى المركز 10 بناء على طلب من القائد العام، وأخطره الفريق أول أحمد إسماعيل بعد حضوره إلى مقر القيادة بأن عملية تطوير الهجوم على طول الجبهة لم تصادف نجاحا، وأن القوات المدرعة والميكانيكية التي قامت بعملية تطوير الهجوم في قطاعي الجيشين الثاني والثالث قد منيت بخسائر كبيرة في الدبابات بلغت حوالي 250 دبابة. وأمر الرئيس الراحل السادات الفريق سعد الشاذلي رئيس الأركان بالتحرك في الحال إلى الجبهة لرفع معنويات الضباط والجنود. وفي حوالي الساعة الرابعة مساء وصل الفريق الشاذلي إلى مركز القيادة المتقدم للجيش الثاني، وقام بزيارة اللواء سعد مأمون الذي كان يرقد في الاستراحة والى جانبه الطبيب الذي كان يشرف على علاجه. وقد ذكر الفريق سعد الشاذلي في مذكراته أنه عندما أبلغ اللواء سعد مأمون أثناء زيارته له بأنه سيتم اخلاؤه الى مستشفى المعادي ، انزعج كثيرا ورجاه ألا يفعل ذلك مؤكدا أنه يستطيع أن يمارس مسئولياته فورا، لكن الطبيب بناء على اتفاق مسبق مع سعد الشاذلي اتصل به هاتفيا صباح اليوم التالي (15 أكتوبر) وأخبره بأن حالة سعد مأمون لم تتحسن، ولذا فقد تم اخلاؤه إلى مستشىف القصاصين في بادئ الأمر ثم الى مستشفى المعادي، حيث بقى فيه إلى ما بعد وقف إطلاق النار. وبعد أن غادر الفريق الشاذلي غرفة اللواء سعد مأمون اجتمع مع ضباط قادة الجيش الثاني وبحث معهم الموقف، كما قام قام بالاتصال بجميع قادة الفريق وأبلغهم تحيات الرئيس وتشجيعه لهم.

ورغم تحذيرات العميد أ. ح ابراهيم العرابي للفريق سعد الشاذلي بعدم العبور إلى شرق القناة نظرا لهبوط الظلام مما سوف يجعل التحرك ليلا في ميدان المعركة عملية بالغة الخطورة ، فان الفريق سعد الشاذلي صمم على زيارة الفرقة 21 المدرعة نظرا لأنها التشكيل الذي تحمل العبء الأكبر من المعركة صباح هذا اليوم ولكنه عجز عن عبور القناة بعربته، فلقد وجد أحد الكباري مدمرا ووجد الكوبري الأخر مرفوعا من مكانه لتفادي تدميره بواسطة مدفعية العدو التي كانت مستمرة طوال الوقت في عمليات القصف، ولذا فقد اضطر رئيس الأركان إلى العودة مرة أخرى إلى مركز قيادة الجيش فوصله حوالي الساعة الثامنة مساء. وبعد أن اتصل هاتفيا بالعميد ابراهيم العرابي تحرك عائدا إلى القاهرة ووصل إلى المركز 10 حوالي الساعة الحادية عشر مساءا، حيث أبلغ الموقف إلى الفريق أول أحمد إسماعيل. وحوالي منتصف الليل اتصل به الرئيس الراحل السادات، ولما استفسر منه عن الموقف أعاد على مسامعه كل ما رآه وفعله في تلك الزيارة.

وفي الساعة التاسعة مساء كان الأوامر قد صدرت من قيادة الجيش الثاني بناء عل تعليمات القيادة العامة الى قائد الفرقة 21 المدرعة بتجميع الفرقة داخل رأس كوبري الفرقة 16 مشاة قبل أو ضوء يوم 15 أكتوبر، وذلك لتدعيم الدفاع عن رأس الكوبري مع استمرار أعمال اعادة تجميع الفرقة واستعادة كفاءتها القتالية في أقرب وقت ممكن.

ورغم الخسائر الجسيمة التي أصابت بها الفرقة 21 المدرعة، والمواقف الصعبة التي واجهتها خلال عملية تطوير الهجوم صباح يوم 14 أكتوبر، فان الفرقة قاتلت العدو قتالا مجيدا، وخسرت عدد كبير من رجالها ودباباتها. ولكن الظروف غير المواتية والأخطاء التكتيكية التي وقعت وقفت حائلا دون تحقيق الفرقة للمهمة التي تم تكليفها بها.

معركة اللواء 15 المدرع المستقل

كانت المهمة التي خصصت للواء 15 المدرع المستقل هي أن يدفع كمفرزة أمامية للفرقة على المحور الشمالي بعد تدعيمه بوحدات الدعم اللازم بمهمة الوصول إلى منطقة بالوظة (تقع في أقصى شمال الطريق العرضي 3 وعلى بعد 23 كم شرق القناة) والاستيلاء على تقاطع الطريق العرضي 3 مع الطريق الساحلي الشمالي (طريق القنطرة شرق-العريش). ولتأمين تقدم اللواء المدرع، تقرر دفع كتيبة مشاة ميكانيكية من اللواء المشاة الميكانيكي بالفرقة 18 مشاة مدعمة بكتيبة دبابات اللواء على محور طريق القنطرة-حوض أبو سمارة بمهمة تأمين الجنب الأيمن للواء المدرع.

وفي الساعة العاشرة مساء يوم 13 أكتوبر، عرض العقيد أ. ح تحسين شنن قائد اللواء 15 المدرع قراره على العميد أ. ح فؤاد عزيز غالي قائد الفرقة 18 مشاة، وكان مبينا على أساس دفع اللواء المدرع في اتجاه بالوظة على ثلاثة محاور تتقدم على كل محور منها كتيبة دبابات مدعمة. وقد تعينت الكتيبة التي تقرر تقدمها على المحور الأوسط (طريق القنطرة العريش الرئيسي) لتكون المفرزة الأمامية للواء، ويتم دفعها للاشتباك من خط الدفع داخل رأس كوبري الفرقة 18 مشاة الساعة السادسة والنصف صباح يوم 14 أكتوبر، على أن تتبعها بعد فترة زمنية قدرها 45 دقيقة القوة الرئيسية للواء التي تتكون من كتيبة دبابات مدعمة ومركز قيادة اللواء المتقدم وتتحرك على محور الطريق الأيمن، وكتيبة دبابات مدعمة وتتحرك على محور الطريق الأيسر. وفي الساعة السادسة صباحا، تم دفع كتيبة المفرزة الأمامية بعد قصفة نيران مدفعية لمدة 15 دقيقة، وبعد حوالي 45 دقيقة أبلغ قائد كتيبة المفرزة الأمامية بتعرض كتيبته لنيران مدفعية مركزة، واتضح من استطلاعه للموقف أن العدو يحتل موقعا دفاعيا حصينا يعترض طريق تقدم اللواء نحو الشرق، وكان هذا الموقف يبعد عن الحد الأمامي لدفاعات الفرقة 18 مشاة ما بين 2 إلى 3 كم، ويمتد من بير البرج جنوبا إلى النقطة القوية رقم 17 شمالا. وكانت دفاعات العدو في هذه النقطة القوية شديدة التأثير على عملية تقدم تشكيل اللواء، فقد كانت مجهزة بمرابض للدبابات وستائر من الصواريخ المضادة للدبابات، علاوة على معاونة المدفعية لها، ولم تكن تبعد عن الطريق الساحلي الرئيسي أكثر من 200 متر شمالا، مما جعلها تتحكم في هذا الطريق تحكما تاما، ولم يكن هناك أي أمل في امكان تحقيق اللواء لمهمته إلا بعد الاستيلاء على هذه النقطة القوية أو ازاحة مقاومة العدو منها.

وحاول قائد كتيبة المفرزة الأمامية بعد توقفها أمام مقاومة العدو مهاجمة النقطة القوية رقم 17 ، بعد أن تم قصفها بنيران مجموعة مدفعية الفرقة لمدة 10 دقائق، وذلك بمواجهتها بجزء من قوته مع القيام بحركة التفاق بباقي سراياه، ولكن الهجوم الذي قام به قائد الكتيبة تحت ستر كتيبة المدفعية الملحقة به لم ينجح لشدة النيارن المعادية المؤثرة على سراياه. وحاول قائد اللواء المدرع تعزيز هجوم كتيبة المفرزة الأمامية بدفع كتيبة الدبابات التي تتحرك على محور الطريق الأيمن من على الجانب الأيمن للمفرزة الأمامية في الساعة التاسعة صباحا لتواصل التقدم شرقا في اتجاه بالوظة، ولتصبح بعد نجاحها في اجتياز مقاومة العدو هي كتيبة المفرزة الأمامية للواء. ولكن هذه الخطة لم تنجح بدورها نظرا لكثافة نيران مدفعية العدو وصواريخه المضادة للدبابات، مما أرغم كتائب اللواء الثلاث على التوقف تماما.

وقرر قائد اللواء ضرورة اقتحام قوة العدو المتمركزة في النقطة رقم 17 لفتح الطريق أمام تشكيل اللواء لتحقيق مهتمه، وأبلغ قائد الفرقة قراره الذي كان يقضي بالهوم على مواقع العدو في هذه النقطة القوية بعد قصفة نيران لمدة 10 دقائق من مجموعة مدفعية الفرقة ومجموعة مدفعية اللواء بقوة كتيبتي دبابات في النسق الأول وكتيبة في النسق الثاني. وصدق قائد الفرقة على قراره. وفي الساعة الحادية عشرة صباحا بدأ الهجوم تحت ستر نيران المدفعية. وبعد 10 دقائق أبلغ قائدا كتيبتي النسق الأول بكثافة نيران مدفعية العدو ونيران صواريخه المضادة للدبابات من الأمام ومن الأجناب وعن وقوع خسائر كبيرة في وحدتيهما، مما أدى إلى انتشار سرايا الدبابات لتقليل الخسائر.

وفي حوالي الساعة الحادية عشرة والنصف صباحا أصدر قائد اللواء المدرع أوامره بالتوقف على الخط الذي وصلت اليه الدبابات والتمسك به، وأوقف دفع كتيبة النسق الثاني التي كانت على وشك الدفع للاشتباك لتعزيز كتيبتي النسق الأول وأبلغ قيادة الفرقة 18 مشاة بالتوقف.

ولم يلبث قائد الفرقة أن أصدر أمره الى قائد اللواء المدرع بالتمسك بالخط الذي وصلت اليه قواته وتعزيز كتيبتي النسق الأول بتدعيمات من الأسلحة المضادة للدبابات. وفي الساعة السادسة مساء أمر قائد الفرقة - بناء على تعليمات قيادة الجيش الثاني – باعادة تجميع اللواء في منطقة تمركزه بالقنطرة شرق، وتم التنفيذ بسحب قوات النسق الأول تحت نيران كتيبة النسق الثاني. وعاد اللواء 15 المدرع المستقل الى موقعه الأصلي داخل رأس كوبري الفرقة 18 مشاة بعد أن بلغت خسائره نحو 18 دبابة ت 62 و6 عربات مدرعة ب.ك.

تقييم خطة تطوير الهجوم شرقا

لم يكن في الامكان نجاح عملية تطوير الهجوم بناء على الخطة التي وضعت أو باجراءات التنفيذ التي تمت. فلقد أجري الهجوم بالقوات المدرعة بطريقة الهجوم المدرع المتدرج اذ تم التخطيط لدفع 4 ألوية مدرعة ولواءين مشاة ميكانيكيين على مواجهة طولها حوالي 15 كم على أربعة محاور منفصلة ليس بينها أي ترابط أو معونة متبادلة. ويكفي أن نذكر أن المحور الشمالي الذي تقدم عليه اللواء 15 المدرع المستقل كان يبعد عن محور الطريق الأوسط الذي تقدمت الفرقة المدرعة جنوبه في اتجاه الطاسة بمسافة لا تقل عن 50 كم، كما أن محور طريق مضيق متلا في أقصى الجنوب الذي تقدم عليه اللواء 3 المدرع من الفرقة 4 المدرعة كان يبعد عن الطريق الأوسط بمسافة لا تقل عن 60 كم. هذا ولم يشترك في القتال الفعلي يوم 14 أكتوبر سوى 4 ألوية مدرعة فقط (لواء على المحور الشمالي ولواءين جنوب الطريق الأوسط ولواء على المحور الجنوبي) اذ لم يجد قائد الفرقة 21 المدرعة وكذا قائد الجيش الثاني اي جدوى من دفع اللواء 18 المشاة الميكانيكي (النسق الثاني للفرقة) للاشتباك لتعزيز هجوم اللواءين المدرعين بالنسق الأول وفقا للخطة الموضوعة بعد توقفهما تماما أمام مقاومات العدو، فان الفشل وفقا للمبادئ التكتيكية لا ينبغي تعزيزه. كما لم يقم اللواء 11 مشاة ميكنيكية من الفرقة السابعة مشاة بالهجوم على طريق مضيق الجدي يوم 14 أكتوبر، كما كان مقررا بالخطة، فقد اتضح أنه قام بعملية التطوير وحده على طول الجبهة يوم 13 أكتوبر حسب التعليمات الأولية التي صدرت بعد ظهر يوم 12 أكتوبر بسبب عدم ابلاغ قائد الفرقة 7 مشاة بتأجيل الهجوم 24 ساعة – عن طريق شعبة العمليات – ولم يكن في الامكان بعد أن عجز اللواء عن تحقيق هدفه وعاد إلى رأس كوبري الفرقة عند منتصف الليل أن يعاود الهجوم في الساعة السادسة والنصف صباحا وفقا للخطة، ولذلك تأجلت ساعة دفعه إلى الواحدة والربع ظهرا. وقبل أن يحل الموعد كان الأمر بوقف دفعه قد صدر، فظل متمركزا في مواقعه داخل رأس كوبري الفرقة 7 مشاة.

ولقد القيادة المصرية في هذا اليوم في نفس الأخطاء التكتيكية التي وقعت فيها القيادة الإسرائيلية من قبل عندما شنت هجومها المضاد الرئيسي على مواجهة الجيش الثاني يوم 8 أكتوبر من ناحية تجاهل المبادئ السليمة لاستخدام المدرعات والتي تقي باستخدام القوات المدرعة بطريقة مجمعة مثل قبضة اليد، مما يعني ضرورة حشد تشيكلات ووحدات مدرعة ضخمة على مواجهة ضيقة ليتسنى لها احداث قوة الصدمة المطلوبة واختراق المواقع الدفاعية للعدو. أما التخطيط لهجوم مدرع على طول جبهة القتال باستخدام 4 ألوية مدرعة على محاور منفصلة ومتباعدة بعضها عن بعض بحيث لا يمكن اجراء أي تعاون بينها أو تنسيق بين هجماتها، فهذا يعني أن المعركة تعتبر فاشلة من قبل أن تبدأ.

ويبدو أن معظم القادة على مختلف المستويات قبل المعركة لم يكونوا مقتنعين بسلامة الخطة ولم يكن لديهم الشهور بامكان تحقيقها للأغراض التي كانت تستهدفها على عكس الشعور الحمايس الجارف الذي كان سائدا يوم 6 أكتوبر قبل عبور قناة السويس. ويبدو أنهم كانوا يعتبرون العملية مجرد تأدية واجب لارضاء الرئيس الذي اصدر القرار السياسي. وليس أدل على ذلك من أن بعض الوحدات (اللواء 3 المدرع من الفرقة 4 المدرعة واللواء المشاة الميكانيكي من الفرقة 7 مشاة) تم تدفعهما للهجوم دون أن تصلهما بعض وحدات الدعم الحيوية التي لا يمكن الاستغناء عنها، والتي أثر غيابها بلا شك على أعمال قتال هذه الوحدات بحيث عجزت عن تحقيق المهام الموكولة إليها. ويبدو ذلك أيضا في سرعة توقف الوحدات القائمة بالهجوم فور اصطدامها بمواقع دفاعية للعدو وعدم بذل محاولات جدية ومستميتة للتقدم كما كان الحال يجري عقب اقتحام قناة السويس. كما تتذح هذه الظاهرة بجلاء في امتناع قادة التشكيلات الأعلى عن مساعدة الوحدات الفرعية المتوقفة أمام مقاومات العدو بجميع ما يملكونه من وسائل لضمان مواصلة تقدمها أو على الأقل اصدار الأمر لها بالتمسك بالمواقع التي وصلت إليها. وبدلا من ذلك نجد أن جميع الأوامر التي صدرت بعد ظهر يوم 14 أكتوبر للوحدات التي قامت بالتطوير هي ترك مواقعها التي وصلت اليها بعد أن تكبدت خسائر جسيمة، والعودة ثانية إلى رؤوس الكباري التي بدأت منها الهجوم مما يخالف المبادي المتفق عليها.

ولا شك أنه من الأخطاء التكتيكية الجسيمة التي وقعت هو دفع الألوية المدرعة للهجوم بالمواجهة على مواقع سبق اعدادها بتجهيزات هندسية ومجهزة بمرابض للدبابات وبستائر من الصواريخ المضادة للدبابات دون أن تشترك معها في الهجوم قوات من المشاة المترجلة لمعاونتها في الوصول إلى مواقع العدو باستخدام تكتيكات المشاة في الضرب بالنيران مع الحركة للأمام وبدون دعم قوي ومؤثر من المدفعية والطيران لاسكات مقاومة العدو، اذ أن ذلك لم يكن متيسرا بالنسبة لضعف المعلومات عن العدو. وكانت النتيجة كما كان متوقعا خسارة القوات المدرعة المصرية عددا من الدبابات في هجوم يوم 14 أكتوبر في بضع ساعات يزيد على كل ما خسرته طوال الأيام الثمانية الأولى من الحرب.

لقد كانت عملية تطوير الهجوم في التوقيع الخاطئ الذي تمت فيه وبالخطة الحربية القاصرة التي وضعت، عملية لم يكن في الامكان نجاحها بأي صورة من الصور، وقد أجريت رغم معارضة بعض كبار القادة المسئولين، ومنهم قائدا الجيش الثاني والثالث تنفيذا لقرار سياسي عاطفي لم يراعي الاعتبارات العسكرية، وكان هدفه كما أعلن الرئيس السادات الذي كان المسئول عن اصداره تخفيف الضغط عن سوريا ومن المؤسف أن هذه العملية الحربية التي خسرت فيها القوات المصرية خسارة كبيرة في الأرواح والأسلحة والمعدات (كانت الخسارة في الدبابات فقط حوالي 250 دبابة) والتي تسببت في اهتزاز الروح المعنوية بين أفرادها، لم تحقق الهدف المنشود بالمرة، فلم تسحب إسرائيل أي جزء من قواتها من جبهة سوريا إلى الجبهة المصرية، وعلى عكس ما جرى في القوات المصرية، رفعت نتائج المعركة معنويات الإسرائيليين. كما ذكر الجنرال هيرزوج في كتابه حرب التكفير: اتصل الجنرال حاييم بارليف قائد القيادة الجنوبية برئيسة الحكومة جولدا مائير عقب المعركة، وقال لها بصوته الهادئ "كان هذا يوما جيدا عادت قواتنا إلى نفسها، وكذلك عاد المصريون أيضا". ولم تكن القوات الإسرائيلية على جبهة سيناء في اليوم التاسع من الحرب في حاجة إلى قوات تأتي لنجدتها من الجبهة السورية، فقد كان متمركزا في الجبهة المصرية وقتئد ثلاثة فرق مدرعة كاملة بقيادة الجنرالات: إبراهام أدان (برن) واريل شارون وكلمان ماجن، وقد كانت كافية لصد أي هجوم مصري خاصة اذا وضعنا في الاعتبار أن الوقفة التعبوية التي لم يكن لها داع والتي استمرت خمسة أيام على الجبهة المصرية (من يوم 9 إلى يوم 13 أكتوبر) أتاحت الفرصة للقيادة الإسرائيلية الجنوبية لاعداد نفسها وقواتها لدحر أي هجوم مصري محتمل، فقد تم وصول جميع القوات الاحتياطية، وأعيد تنظيم الفرق المدرعة على أسس سليمة، وتم استعاضة واصلاح جميع الأسلحة والمعدات التالفة والمدمرة، والأهم من ذلك أن الوقت قد أتيح لهذه القيادة والقيادات التي تتبعها لتحصين المواقع الدفاعية التي تواجه رؤوس الكباري المصرية بالتجهيزات الهندسية الكافية، وتم تجهيزها بمرابض الدبابات والأسلحة المضادة للدبابات وأعدت المدفعية خططها وحساباتها لغمر أرض القتل المحصورة بين الحدود الأمامية لرءوس الكباري المصرية وبين المواقع الإسرائيلية بنيران مركزة ومؤثرة من مدافعها الميدانية والبعيدة المدى وهاوناتها الثقيلة.

هذا وقد اتخذت القيادة الإسرائيلية قرارها بتركيز المجهود الرئيسي لإسرائيل على الجبهة المصرية اعتبارا من 14 أكتوبر، ليس بسبب عملية تطوير الهجوم، وانما لأن خطتها في تصفية الجبهة السورية قد تحققت بعد أن تم استقرار هذه الجبهة يوم 13 أكتوبر، ولم يكن هذا القرار يعني من الناحية الواقعية نقل قوات برية من الشمال إلى الجنوب، فقد كان ذلك صعبا لاعتبارات عسكرية وادارية عديدة، علاوة على عدم الحاجة إليه وقتئذ، وانما كان يعني في المقام الأول نقل المجهود الرئيسي للسلاح الجوي الإسرائيلي الى الجبهة المصرية.

هذا ويعد يوم 14 أكتوبر 1973 من الأيام الحاسمة في تاريخ حرب أكتوبر. فقد أمكن للقوات الإسرائيلية عقب القضاء على عملية تطوير الهجومن انتزاع ميزة المبادأة من يد القوات المصرية التي ظلت في حوزتها منذ بداية الحرب. ومما يدل على ذلك أن الجنرال دافيد أليعازر رئيس الأركان العامة الإسرائيلي أصدر أوامره الى القيادة الجنوبية بعد ظهر يوم 14 أكتوبر عقب انتهاء العمليات بالاستعداد فورا لتنفيذ عملية عبور قناة السويس من الشرق إلى الغرب من منطقة الدفرسوار في الليلة التالية 15/16 أكتوبر. كما أنه في الساعة السادسة والنصف من مساء هذا اليوم هبطت في مطار اللد الطائرة الأولى العملاقة من طراز جالاكسي سي 5 من طائرات الجسر الجوي الأمريكي، فلقد كان الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون قد أصدر أمره يوم 13 أكتوبر باقامة جسر جوي أمريكي لامداد إسرائيل بالأسلحة والمعدات الحربية التي تحتاج إليها بصورة علنية ومن قواعد أمريكية. واستطاع الجسر الجوي نقل أكثر من 800 طن يوميا من الأسلحة والمعدات والذخائر التي تم نقل معظمها إلى الجبهة الإسرائيلية في سيناء، بعد أن كاد النشاط يتوقف على الجبهة السورية. وبدأت القوات الإسرائيلية في سيناء منذ هذا التوقيت تتلقى سيلا لا ينقطع من الأسلحة والمعدات المتطورة الأمريكية، بحيث أصبحت لا تعاني من أي عجز أو قصور في أي نوع من الأسلحة والمعدات والذخائر أو المهمات، بل بدأت في استخدام أسلحة ومعدات جديدة لم يسبق لها استخدامها في المرحلة السابقة من الحرب لعدم وجودها من قبل في حوزة إسرائيل مثل الصواريخ تاو المضادة للدبابات والقنابل والصواريخ التلفزيونية. كما نقلت عبر الجسر الجوي الأمريكي معدات وأجهزة إلكترونية متقدمة، ولذا وصل معها خبراء أمريكيون متخصصون في الإلكترونيات لتدريب الجنود على استخدامها. وبسبب هذه التطورات المفاجئة التي جرت يوم 14 أكتوبر حدث تحول خطير في مجرى الأحداث وسير الحرب، وواجهت القوات المصرية في صبر وبطولة وجلد خلال الأيام العشر التالية من 15 أكتوبر حتى صدور قرار مجلس الأمن رقم 340 في 24 أكتوبر بانشاء قوة طوارئ دولية مرحلة صعبة وأوقاتا عصيبة للغاية.

لماذا فشلت الفرقة 21 في تحقيق مهمتها؟

لم يكن قائد الفرقة 21 المدرعة العميد أ. ح إبراهيم العرابي يتوقع ان يطلب منه في اليوم التاسع من القتال تطوير الهجوم بفرقته شرقا والاستيلاء على الطاسة، اذ ان معظم وحدات الفرقة كانت قد تم سحبها من تحت قيادته منذ يوم 6 أكتوبر والايام التالية لتدعيم الفرقة 16 مشاة بها. لقد تم سحب اللواء المدرع 14 بأكمله وكتيبة دبابات من اللواء المشاة الميكانيكي، وكتائب وسرايا مضادة للدبابات وللطائرات ومدفعية صاروخية. كما وضع في معاونة الفرقة 16 مشاة لواء مدفعية الميدان للفرقة 21 وكذا كتيبة مدفعية ميدان من اللواء المشاة الميكانيكي.

وعلاوة على وحدات الدعم السابقة التي سحبت من الفرقة كان اللواء 18 مشاة ميكانيكي يحتل الموقع الثالث للفرقة 16 مشاة غرب القناة، وقد دفع كتيبة مشاة ميكانيكية منه لاحتلال المصاطب غرب القناة وكتيبة أخرى لاحتلال موقع شمال مطار فايد، ولا شك في ان سحب هذه الوحدات من الفرقة 21 المدرعة قد أثر على كفاءتها القتالية. ولو كان لدى القيادة العامة نية حقيقية منذ بداية الحرب لتخصيص مهمة تطوير الهجوم شرقا والاستيلاء على الطاسة للفرقة 21 المدرعة، لما كانت قد سمحت بسحب أي وحدات فرعية منها لتدعيم فرقة أخرى، ولكانت قد حافظت على بقاء الفرقة المدرعة كاملة بجميع وحداتها على اعتبار انها القوة الضاربة الاساسية للجيش الثاني الميداني والتي يمكن دفعها اما لتطوير الهجوم شرقا واما لدرء اي تهديد يقع من جانب العدو ضد الجيش الثاني سواء على الضفة الشرقية او الضفة الغربية لقناة السويس.

وبالاضافة الى ذلك كانت هناك عوامل عديدة أخرى أدت الى عدم نجاح الفرقة في تحقيق المهمة التي خصصت لها، يمكن أن نلخص أهما فيما يلي:

• كانت المعلومات عن اوضاع العدو سواء على مواجهة هجوم الفرقة او على مستوى الجبهة واضواع احتياطياته القريبة والبعيدة قاصرة وغير دقيقة ويتحمل جهاز المخابرات الحربية بلا شك جانبا كبيرا من هذه المسئولية، اذ ان جلب المعلومات الدقيقة عن الدعوة سواء عن طريق الاستطلاع الجوي او الارضي او الالكتروني يعتبر من صميم واجباته. كما ان عناصر الاستطلاع في الجيش الثاني تشترك في جزء من هذا القصور الواضح في معرفة المعلومات الدقيقة عن العدو. وبالاضافة الى ذلك كان من واجب الفرقة 16 مشاة والفرقة 21 المدرعة دفع دوريات استطلاع ودوريات قتال مشتركة ليلة الهجوم امام الحد الامامي لرأس كوبري الفرقة 16 مشاة لجلب معلومات دقيقة عن مواقع العدو القريبة من الدفاعات المصرية قبل بدء هجوم الفرقة 21 المدرعة في الصباح. • كانت مواقع العدو في مواجهة خط الدفع للاشتباك لا تبعد أكثر من 3 كم من الحد الامامي لدفاعاتنا، وكانت تقع في سلسلة من المرتفعات ممتدة من جبل حبيطة جنوبا حتى كثب عيفان شمالا، مما جعلها مسيطرة تماما على خط دفع الفرقة وعلى محور تقدمها نحو الشرق. وقد استغل العدو هذه المرتفعات لتجهيزها هندسيا وتزويدها بمرابض للدبابات وبستائر من الصواريخ المضادة للدبابات، وبذا أصبحت المنطقة المنخفضة الواقعة بين الحد الأمامي لدفاعاتنا وبين مواقع العدو منطقة قتل مثالية ضد دبابات الفرقة 21 المدرعة، وكان واجب قيادة الجيش الثاني تكليف قوات خاصة من الصاعقة والمشاة بمهمة الاستيلاء على هذه المرتفعات في عملية ليلية قبل دفع الفرقة للاشتباك في الصباح. وعلاوة على ذلك ادى قرب مواقع العدو الشديد من دفاعاتنا وسيطرتها بالنيران على خطوط الدفع الى تعرض الالوية المدرعة لنيران العدو فور دفعها من خطوط الدفع للاشتباك، واضطرها الى خوض المعركة مع مواقع العدو جبهويا، مما أفقدها أهم مميزات القوات المدرعة وهي خفة الحركة والقدرة على المناورة والقيام بحركات الالتفات والتطويق. • كانت اختيار القيادة العامة توقيت الدفع ليكون الساعة السادسة والنصف صباحا غلطة لا تغتفر. ففي حين تم اختيار الساعة الثانية ظهرا موعد لبدء الهجوم يوم 6 أكتوبر حتى تكون الشمس في أعين العدو كان توقيت الهجوم في الساعة السادسة والنصف يعني اننا سلمنا هذه الميزة للقوات الإسرائيلية باختيارنا، وعرضنا قواتنا في نفس الوقت لمشقة كبرى وهي التقدم والشمس في أعينهم مما جعل من الصعب عليهم ان يحددوا مواقع العدو الت يتواجه تقدمهم بدقة، وادى الى عدم امكان التنشين الدقيق لأطقم المدافع من داخل الدبابات لتدمير الأهداف المعادية. وفي نفس الوقت لم يحسب حساب الشابورة الصابحية التي تتكاثف في الاراضي المنخفضة شرق القناة في هذا الوقت من السنة والتي تؤدي الى صعوبة بالغة في المحافظة على الاتجاه. • كان من السهل على العدو اكتشاف نوايانا لتطوير الهجوم شرقا واعداد قواته تبعا لذلك لاستقبال الهجوم المنتظر. ولم يكن الامر يحتاج الى مهارة خاصة من مخابرات العدو او من عناصر استطلاعه الارضية والجوية، فان الالوية المدرعة والميكانيكية التي تقرر قيامها بالهجوم ووحدات الدعم التي الحقت عليها وكذا كتائب الصواريخ سام 2 وسام 3 التي تقرر دفعها شرق القناة للوقاية الجوية عبرت معظمها قناة السويسة ليلة 12/13 أكتوبر من معابر الفرق التي سيجرى دفعها من خلالها، واستكملت الوحدات الأخرى عبورها ليلة 13/14 أكتوبر. وقد اتضح ان طيران العدو تعمد عدم التدخل في عملية عبور هذه القوات بمهاجمتها أو محاولة تدمير الكباري التي تستخدمها اذ ان مصلحة إسرائيل كانت تتفق مع اخلاء الضفة الغربية من القوات المدرعة تمهيدا لتنفيذ عملية عبور القناة الى الغرب السابق تجهيزها من منطقة الدفرسوار. ولقد سبق او اوضحنا ان نقطة الخلاف في القيادة الإسرائيلية كانت تنخصر في هل يتم عبور القوات الإسرائيلية قناة السويس لتدمير القوات المدرعة المصرية او الانتظار حتى تعبر هذه القوات لتدور المعركة معها شرق القناة؟ وحينما علموا ليلة 12/13 أكتوبر أن قواتنا بدأت العبور قرروا أن تكون المعركة الرئيسية لها شرق القناة، فتركوا القوات المدرعة المصرية تعبر في سلام ليستدرجوها بعد ذلك الى مناطق القتل التي أعدوها بعناية. • لا يمكن من الناحية التكتيكية خوض غمار معركة ناجحة بدون اجراءات تنظيم معركة سليمة. ونظرا لان القرار بتطوير الهجوم شرقا كان قرار فجائيا دون سابق تمهيد أو انذار فقد كان من المستحيل ان يبدأ الهجوم في الموعد الذي جرى تحديده في بادئ الامر وهو صباح يوم 13 أكتوبر. وعندما نجح قائدا الجيشين الثاني والثالث خلال المؤتمر الذي انعقد في المركز 10 مساء يوم 12 أكتوبر في تأجيله لمدة 24 ساعة لكي يبدأ صباح يوم 14 أكتوبر، كن الوقت لا يزال ضيقا ولم يسمح للقادة على مختلفة المستويات بالقيام باجراءات نظيم المعركة على الوجه السليم، وترتب على ذلك عدم قيام هؤلاء القادة باجراء عملية استطلاعهم على الارض لاتخاذ قرارهم وتخصيص المهام للقادة المرءوسين. وقد كان أمرا مؤسفا الا تتاح الفرصة لقائدي اللواءين المدرعين في الفرقة 21 المدرعة، بسبب ضيق الوقت، للقيام باستطلاعهما الا قبل آخر ضوء بنصف ساعة، كما لم يتمكن قادة الكتائب والسرايا المدرعة من ميزة استطلاع مواقع العدو الذي سيواجهونه واختيار انسب الطرق لتقدم دباباتهم. وقد اضطر قائد الفرقة 21 المدرعة الى تخصيص المهمة لقائد اللواء 18 المشاة الميكانيكي في الساعة الرابعة صباحا يوم 14 أكتوبر أي قبل ساعتين ونصف الساعة من بدء المعركة ، وبالاضافة الى ذلك لم يتوافر الوقت الكافي لاتخاذ الاجراءات اللازمة لتأمين دفع القوات من خط الدفع للاشتباك مثل تعليم المحاور وخطوط الفتح وتحديد الثغرات في حقول الالغام، خاصة في خطوط الدفع التي كانت تبعد حوالي 7 كم من مناطق الانتظار الامامية التي تمركزت فيها القوات عقب عبورها قناة السويس. وقد ادى اغفال القيام بهذه الترتيبات الضرورية نظرا لضيق الوقت الى وقوع بعض الحوادث الفردية المؤسفة كاطلاق بعض الدبابات من الفرقة 21 المدرعة نيرانها على مواقع في الحد الأمامي للفرقة 16 مشاة اعتقادا منها أنها قد خرجت من رأس كوبري الفرقة وان المواقع التي أمامها هي مواقع إسرائيلية، وهذا الخطأ يعد من الحوادث الشائعة في الحروب. • كان التطوير حسب الخطة الأصلية جرانيت 2 المعدلة يقضي بدفع الفرقة 21 المدرعة والفرقة 16 مشاة عدا لواء من رأس كوبري الفرقة 16 مشاة جنوب الطريق الأوسط، وبدفع الفرقة 23 مشاة ميكانيكية والفرقة 2 مشاة عدا لواء من رأس كوبري الفرقة 2 مشاة شمال الطريق الأوسط. وبعد أن تم تعديل خطة التطوير في قطاعي الفرقتين 2 و16 مشاة ليتقصر التطوير على الفرقة 21 المدرعة كان من الافضل اجراء بعض التعديلات على الخطة لكي يتم دفع لواء مدرع شمال الطريق الأوسط ودفع اللواء المدرع الآخر جنوب هذا الطريق، اذ أن هذا الأسلوب يحقق المزايا التالية:

1- توزيع وحدات الفرقة 21 المدرعة على رأس كوبريين (الفرقة 16 والفرقة 2 مشاة) بدلا من تكديس قوات الفرقتين 16 مشاة و21 المدرعة في رأس كوبري واحد ضيق، مما جعل ضرب طيران العدو ومدفعيته شديد التأثير وأدى الى زيادة الخسائر. 2- تخفيف الضغط على معابر الفرقة 16 مشاة التي تركز عليها عبور أعداد كبيرة من الوحدات والأرتال الادارية. 3- زيادة القدرة على المناورة بالهجوم من اتجاهين مختلفين، وتقليل الخسائر الناشئة من تركيز ضرب الطيران والمدفعية على القوات القائمة بالهجوم من اتجاه واحد.


الفصل الخامس: العبور الإسرائيلي إلى غرب القناة

الفصل الخامس: العبور الإسرائيلي إلى غرب القناة

كانت الاستعدادات الإسرائيلية لعبور قناة السويس قد بدأت منذ مساء الخميس 11 أكتوبر. ففي خلال المؤتمر الذي انعقد في المركز المتقدم للقيادة الجنوبية برئاسة الجنرال حاييم بارليف وحضره قادة الفرق المدرعة الثلاث ورؤساء أفرع القيادة، تم الاتفاق على اقتراح الجنرال جونين باختيار منطقة الدفرسوار (مكان دخول قناة السويس الى البحيرة المرة الكبرى) لتكون مكانا للعبور الى الضفة الغربية للقناة نظرا لما يحققه هذا الموقع من مزايا عديدة. وفي يوم الجمعة 12 أكتوبر وفي الوقت الذي انهمك فيه الجنرال جونين ورؤساء أفرع القيادة الجنوبية في وضع التفصيلات الدقيقة لخطة العبور، انتقل الجنرال حاييم بارليف بطائرة هليكوبتر الى تل ابيب للحصول على تصديق رئاسة الأركان العامة على الخطوط الرئيسية للخطة. ونظرا لحدوث خلافات في وجهات النظر بين كبار القادة العسكريين ولتردد وزير الدفاع موشي ديان طلب رئيس الأركان دعوة مجلس الحرب للاجتماع. وخلال اجتماع المجلس الذي رأسته جولدا مائير رئيسة الوزراء واجهت خطة العبور معارضة حادة من بعض الوزراء وبعض القادة العسكريين وبخاصة الجنرال تال نائب رئيسي الأركان، فقد كانوا يقدرون خطورة القيام بعملية العبور الاسرائيلية الى الغرب في وجود فرقتين مدرعتين مصريتين وفرقتين مشاة ميكانيكيتين ومجموعات من الصاعقة بمجموع من الدبابات يصل الى حوالي 400 دبابة تتمركز كلها على الضفة الغربية لقناة السويس. وعندما بلغ الحاضرين خلال الاجتماع النبأ المثير وهو بدء عبور القوات المدرعة المصرية الى شرق القناة تم الاتفاق على تأجيل اتخاذ القرار النهائي الى حين ان تقوم القيادة الجنوبية بصد الهجوم المصري المنتظر أولا.

وفي يوم السبت 12 أكتوبر صدرت أوامر القيادة الجنوبية بتجميع جميع معدات العبور الموجودة في أماكن مختلفة في سيناء في القطاع الأوسط الذي يتولى قيادته الجنرال شارون ، وكلف المهندسون بتركيب أجزاء الجسر الذي سيتم القاؤه في قناة السويس عند الدفرسوار ليربط بين الشاطئين، وخصصت كتيبة مدرعة من لواء حاييم (من فرقة شارون) للتدريب على المهمة التي ستقوم بها دباباتها عند اصدار قرار العبور، وهي جر هذا الجسر السابق التركيب من يوكون إلى اتجاه نقطة العبور بالدفرسوار (تقع يوكون في منتصف المسافة بين الطاسة والطريق العرضي 2). وعلى أثر فشل المصريين في عملية تطوير الهجوم يوم الأحد 14 أكتوبر أصدر الجنرال دافيد أليعازر رئيس الأركان العامة الإسرائيلي أمرا الى القيادة الجنوبية بالاستعداد لتنفيذ عملية عبور قناة السويس – وفقا للخطة الموضوعة ليلة 15/16 أكتوبر، حضر الجنرال أليعازر اجتماعا للحكومة الاسرائيلية في تل أبيب حيث قام بشرح الخطة العامة لعبور القناة الى الضفة الغربية في منطقة الدفرسوار، وعرض المكاسب الكبيرة التي ستجنيها إسرائيل بعد نجاح العبور من الناحيتين العسكرية والسياسية، وفي نفس الوقت الانهيار المتوقع حدوثه في القوات المصرية شرق القناة عندما يرون القوات الاسرائيلية تعمل على حطوط مؤخرتهم غرب القناة. وانتهى الاجتماع بعد مناقشات طويلة اشترك فيها معظم الوزراء بالتصديق على قرار العبور. وفي الساعة الحادية عشرة مساء يوم 14 أكتوبر، عقد اجتماع بغرفة عمليات القيادة الجنوبية برئاسة الجنرال حاييم بارليف حضره الجنرال جونين ونائبه يوري بن آري وقادة الفرق المدرعة الثلاث ورؤساء أفرع القيادة الجنوبية. وكان الغرض من الاجتماع اصدار الأوامر التفصيلية لقادة الفرق لتنفيذ خطة عبور قناة السويس من الشرق الى الغرب عند منطقة الدفرسوار ليلة 15/16 أكتوبر 73. وقد أطلق على هذه الخطة الاسم العبري abiray lev وترجمته الصحيحة باللغة العربية هي (القلب الشجاع). ام الاسم الكودي الغزالة الذي اقترن بهذه العملية وأصلح علما عليها فيرجع الى خطأ الترجمة من اللغة العبرية الى الانجليزية وقع فيه أحد مراسلي وكالات الأنباء الغربية. وشاع هذا الاسم الخاطئ بعد ذلك في كل مكان حتى أصبح يتردد في مؤلفات معظم المؤرخين والمحللين العسكريين.

وكانت الخطوط العامة لخطة العبور الاسرائيلية تتلخص فيما يلي: • فرقة الجنرال شارون. وكان يطلق عليها اسم مجموعة العمليات رقم 143، وكانت تتكون من 3 ألوية مدرعة (300 دبابة) بقيادة العقداء آمنون ريشيف وتوفيا رافيف وحاييم آريز. وتم الحاق لواء مظلات عليها من أجل عملية العبور بقيادة العقيد داني مات. وكان لواء المظلات متمركزا من قبل في الاحتياط عند منطقة ممر متلا ويتبع القطاع الجنوبي الذي يتولى الجنرال كلمان ماجن قيادته. وقد أسندت الى فرقة شارون المهام الآتية:

1- انشاء رأس الكوبري، تقوم الفرقة بانشاء رأس كوبري على ضفتي قناة السويس ليلة 15/16 أكتوبر في منطقة الدفرسوار ، كما أن من واجبها اقامة جسرين على قناة السويس أحدهما سابق التركيب، والثاني من المعديات التي توصل ببعضها البعض، على أن يكون احدهما على الاقل جاهزا للاستخدام صباح يوم 16 أكتوبر. ويجري العبور في ساعة س بواسطة لواء المظلات في قوارب مطاطية منفوخة، وتعبر مع اللواء على معديات متحركة سرية الدبابات التي تم تدعيمه بها. كما تقو كتيبة مدرعة تابعة للواء حاييم بعبور القناة على معديات متحركة خلف لواء المظلات مباشرة وقبل انشاء الجسرين الثابتين. 2- مهمة التأمين شرق القناة: نظرا لأن الجناح الأيسر لرأس الكوبري مؤمن بالبحيرة المرة الكبرى لذلك يصير تأمين الجناح الأيمن شرقا لمسافة 4 كم من خط المياه وشمالا 4 كم من نقطة العبور عند الدفرسوار، أي حتى المنطقة شمال المزرعة الصينية (قرية الجلاء)، وفي نفس الوقت يتم تطهير المحورين الرئيسيين اللذين ستتحرك عليهما القوات والمعدات المخصصة للعبور وهما:

المحور الأول: محور أكافيش، وهو الذي نطلق عليه نحن طريق الطاسة تل سلام (تل سلام هو احدة نقاط خط بارليف الحصينة ، وكان الاسرائيليون يطلقون عليها اسم لاكيكان) وتقع على الشاطء الشرقي للبحيرة المرة الكبرى على بعد حوالي 6 كم جنوب شرق الدفرسوار، وقد أخلتها حاميتها دون قتال مساء يوم 8 أكتوبر. وتم للواء 16 مشاة (لواء الجنب الأيمن للفرقة 16 مشاة) دفع دورية استطلاع مساء يوم 12 أكتوبر، وقد قامت بتفيش النقطة فوجدتها خالية وعاد ومعها علم اسرائيلي بعد أن رفعت العلم المصري عليها. ورغم أهمية هذا الموقع الحيوي فلم تصدر أي اوامر باحتلاله لوقوعه في الثغرة التي تركتها القيادة العامة خالية بين الجيشين الثاني والثالث والتي تبلغ نحو 35 كم اعتمادا على تفكير تكتيكي خاطئ، وهو أن المسطح المائي للبحيرات المرة يعتبر مانعا طبيعيا لا يمن للعدو اجتيازه. وقد أعاد الاسرائيليون احتلال النقطة الحصينة في تل سلام يوم 15 أكتوبر، واعتمدوا عليها اعتمادا تاما في حماية وتأمين الجناح الأيسر لمعبرهم عند الدفرسوار.

المحور الثاني: محور طرطور وهو طريق قام الاسرائيليون بشقه وتمهيده قبل الحرب، ويمتد من الطريق العرضي رقم 2 الى النقطة الحصينة بالدفرسوار، وهي احدة حصون خط بارليف (كانت النقطة تتكون من موقعين محصنين على شاطئ القناة بينهما فاصل يبلغ نحو 500 متر، وكان الاسرائيليون يطلقون عليها اسم متسميد) وقد قامت باقتحامها والاستيلاء عليها مفرزة اقتحام من احدى كتائب اللواء 16 مشاة، في الساعة السادسة صباحا يوم 9 أكتوبر. وقد أنشئ طريق طرطور خصيصا لتحرك الكباري الضخمة والمعديات الى نقطة العبور في الدفرسوار باعتبارها احدى النقاط الملائمة التي تم للقيادة الجنوبية اختيارها قبل الحرب على خط المواجهة مع مصر في حالة التفكير في عبورها الى غرب القناة. ونظرا لان قطاع اللواء 16 مشاة كان يشرف بالنظر وبالنيران على اجزاء عديدة من محوري أكافيش وطرطور، كما يخترق الجزء الأخير من محور طرطور الدفاعات الأمامية لهذا اللواء لذلك كان أحد الأهداف الرئيسية لخطة تأمين معبر الدفرسوار وتطهير مجوري التقدم "أكافيش وطرطور" هو تدمير اللواء 16 مشاة واحتلال مواقعه الدفاعية أو على الأقل زحزحته شمالا حوالي خمسة كيلومترات ليتم اخلاء المنطقة حتى شمال قرية الجلاء من القوات المصرية (حتى المغذي الرئيسي).

مهمة التأمين غرب القناة: يقوم لواء المظلات معززا بكتيبة الدبابات من لواء حاييم بتوسيع رأس الكوبري غرب القناة في اتجاه الغرب حتى ترعة المياة الحلوة (ترعة السويس) كما يقوم بتوسيعه 4 كم شمال وجنوب نقطة الانزال حتى يصبح المعبر خارج مرمى الهاونات والصواريخ المضادة للدبابات.

• فرقة الجنرال إبراهام أدان (برن) التي كان يطلق عليها اسم مجموعة العملياة رقم 162 وكانت تتكون من 3 ألوية مدرعة (300 دبابة). وفي وقت مبكر يوم 15 أكتوبر تم سحب هذه الفرقة من منطقة عملها في القطاع الشمالي وتحركت على الطريق العرضي رقم 3 الى منطقة تجمع جنوب الطاسة. وعلى أثر تحرك فرقة برن الى الجنوب وتركها الخط الدفاعي تولت قوة القطاع الساحلي بقيادة العميد ساسون مسئولية القطاع الشمالي بأكملة، وأصبحت مسئولية خط المواجهة مع القوات المصرية مقسمة ما بين قوة ساسون في الشمال وفرقة ماجن في الجنوب، وتم ذلك على اثر اسناد مسئولية العبور الى فرقتي شارون وبرن. وكانت المهمة التي خصصت لفرقة الجنرال أبراهام أدان (برن) هي العبور صباح يوم 16 أكتوبر على الجسرين اللذين كلفت فرقة شارون بمهمة تركيبهما على القناة ليلة 15/16 أكتوبر . ووفقا للخطة كان على ألوية الفرقة المدرعة الثالثة بمجرد الوصول الى الشاطئ الغربي للقناة القيام باختراق الحاجز الزرعي وتدمير القوات المصرية بالمنطقة الواقعة بين ترعة الاسماعيلية شمالا وقناة السويس شرقا والى مدى 20 كم من خط المياة غربة وجبل عتاقة جنوبا، وتطهير الضفة الغربية للقناة البحيرة المرة. وكان على فرقة برن بعد ذلك تحقيق واجبين أساسيين: أولهما تدمير كتائب الصواريخ المصرية سام المضادة للطائرات في هذه المنطقة لاتاحة الفرصة للطيران الاسرائيلي للحصول على السيطرة الجوية فوق ميدان القتال. وكان الواجب الثاني هو تطوير الهجوم نحو الجنوب بحذاء قناة السويس واحتلال مدينة السويس، وبذا يتم عزل الجيش الثالث الميداني المتمركز شرق القناة عن خطوط مواصلاته تمهيدا لحصاره وتدميره. • فرقة كلمان ماجن التي يطلق عليها اسم مجموعة العمليات رقم 252، وتتكون من لواءين مدرعين ولواء مشاة ميكانيكي، وكان واجبها في المرحلة الأولى الاشتراك مع قوة ساسون في الشمال في شن هجمات قوية ومستمرة بالدبابات والمشاة الميكانيكية على طول المواجهة لتثبيت القوات المصرية في مواقعها الدفاعية وشغلها عما يجري في منطقة الدفرسوار ، وبمجرد أن تنجح قوات الجنرال شارون في اقامة الجسرين على القناة وتأمين ممر العبور عند الدفرسوار الذي يبلغ 4 كم شمالا وجنوبا وشرقا من موضع الجسرين، تحل محل فرقة شارون في المحافظة على سلامة وتأمين المعبر وبقائه مفتوحا الى الشرق. ووفقا للخطة كان على فرقة شارون بعد اخلائها من مهمتها العبور بعد ذلك الى الشاطئ الغربي للقناة، والتحرك في اتجاه الجنوب لحماية مؤخرة فرقة دان والاشتراك معه في تنفيذ المهام المسندة الى فرقته.

ولكن خطة العبور التي وضعت بمعرفة القيادة الجنوبية لم يتم تنفيذها وفقا للمهام التي خصصت أو بالمراحل التي حددت. فقد أثبتت الوقائع أن الخطة قد صيغة في جو من التفاؤل الفرط، وعلى افتراض أن كل الأمور سوف تمضي بسهولة ويسر دون أي عقبات أو صعاب، وأن المقاومة المصرية على الشاطئ الشرقي للقناة ستكون ضعيفة بما يسمح بتأمين منطقة العبور وفتح محوري التقدم (أكافيش وطرطور) وتركيب الجسرين على القناة في المواعيد المحددة، كما أن تطهير الضفة الغربية للقناة من حد ترعة الاسماعيلية شمالا واحتلال مدينة السويس جنوبا لن يتعدى يوم 18 أكتوبر.. وقد اختلف الأمر تماما عند القيام بتنفيذ الفعلي للخطة. فكما سوف نرى حدثت تعديلات كبيرة في الخطة وبلغت الصعاب والمشكلات الحد الذي جعل القادة الاسرائيليون المسئولين في مساء يوم 16 أكتوبر يفكرون جديا في الغاء العملية بأسرها واصدار الأوامر الى قوات المظلات والمدرعات التي عبرت بالعودة مرة ثانية الى الشاطئ الشرقي.

خطة شارون للعبور من الدفرسوار

من دراستنا لخطة العبور الاسرائيلي الى غرب القناة، يتضح لنا ان العبء الرئيسي لعملية العبور قد ألقى على عاتق الجنرال أريل شارون. فقد أسندت الى فرقته اخطر مهمتين في العملية بأسرها، وهما اقامة رأس كوبري على ضفتي القناة في منطقة الدفرسوار، ثم القيام بمهمة تأمينه سواء على الشاطئ الشرقي للقناة أو على شاطئها الغربي. وكان تأمين الشاطئ الشرقي يستدعي تطهير المحورين الرئيسيين اللذين ستتحرك عليهما القوات والمعدات المخصصة للعبور، وهما محور أكافيش (طريق الطاسة تل سلام) ومحور طرطور، وهو طريق شقه ومهده الاسرائيليون قبل الحرب ليربط بين الطريق العرضي رقم 2 ونقطتهم الحصينة في الدفرسوار.

وكانت هذه المهمة تستلزم ان تكون المنطقة شمال نقطة الدفرسوار – التي تم اختيارها لتكون نقطة العبور الى الغرب – خالية من القوات المصرية الى مسافة لا تقل عن 5 كم شمالا لتأمين معبر الدفرسوار من نيران الأسلحة الصغيرة والهاونات والصواريخ المضادة للدبابات. هذا بالاضافة الى أن موقع اللواء الأيمن للفرقة 16 مشاة كانت تسيطر بالنيران على أجزاء عديدة من محوري التقدم، كما أن الجزء الأخير من طريق طرطور الدفرسوار كان يخترق الدفاعات الأمامية لقطاع اللواء 16 مشاة (اللواء اليمين للفرقة 16 ) ، ولتحقيق ذلك الغرض اضطرت قوات شارون المدرعة الى خوض أعنف الاشتباكات الدموية التي شهدتها هذه المرحلة من الحرب مع القوات المصرية التي كانت متمركزة في قطاع هذا اللواء ومع قوات من الفرقة 21 المدرعة فيما عرف باسم معركة المزرعة الصينية (قرية الجلاء)، التي اعترف الاسرائيليون بأنها كانت من أشرس المعارك التي خاضوها خلال الحرب، وأن خسائرهم فيها كانت فاحدة، كما سيرد بالتفصيل عند شرحنا لهذه المعارك. وعلاوة على مهمة تأمين المعبر شرق القناة كان من واجب شارون أيضا تأمين نطقة الانزال غرب القناة بتقدم قواته غربا للاستيلاء على المعابر التي على ترعة المياه الحلوة وتوسيع رأس الكوبري 4 كم شمالا وجنوبا.

وكان الحلم الذي طالما داعب خيال الجنرال شارون منذ بداية الحرب، هو تنفيذ المشروع الذي وضعه منذ كان قائدا للقيادة الجنوبية، وهو عبور القوات الاسرائيلية قناة السويس الى الغرب. وقد بذل محاولات عديدة في المرحلة الأولى من الحرب لاقناع رئيس الأركان العامة ووزير الدفاع بتنفيذ هذا المشروع الذي كان يرى أنه الطريق الوحيد أمام الجيش الاسرائيلي لانتزاع المبادأة من المصريين واستعادة حرية الحركة والقدرة على المناورة بعد أن أصبح مكبلا بأغلال الحرب الثابتة التي فرضها عليه المصريون بعد أن تم تخندقهم واستقرارهم في تحصيناتهم المنيعة داخل رءوس الكباري شرق القناة.وعندما بدأت العجلة تدور للاعداد لخطة العبور وبدأت الجسور والمعديات ومعدات العبور تتجمع في القطاع الأوسط الذي يتولى شارون قيادته بناء على أوامر القيادة الجنوبية يوم 13 أكتوبر، أصبح شارون يتطلع بلهفة الى اللحظة التي ستبدأ فيها عملية العبور التي عقد عليها كل آماله. وفي الاجتماع الذي عقد بمقر القيادة الجنوبية في الساعة الحاية عشرة مساء يوم 14 أكتوبر، تلقى الجنرال شارون الاوامر التفصيلية بشأن المهمة التي أسندت الى فرقته ضمن الخطة العامة للعبور.

وعقب اجتماعه مع مساعدين في مركز قيادته المتقدم في الطاسة، وضع شارون الخطة الخاصة بفرقته، وكانت تتخلص فيما يلي:

1- اللواء المدرع بقيادة توفيا: يقوم في الساعة الخامسة مساء يوم الاثنين 15 أكتوبر بهجمات خداعية بكتائبه المدرعة على وسط ويسار رأس كوبري الفرقة 16 مشاة لتثبيت المواقع المصرية من جهة، ولجذب انتباه الفرقتين 16 مشاة و21 المدرعة الى اتجاه الطريق الأوسط (الطاسة-الاسماعيلية شرق) من جهة أخرى. وفي نفس الوقت لتحويل أنظار المصريين عن موقع العبور في الدفرسوار جنوب رأس كوبري الفرقة 16 مشاة. 2- اللواء المدرع بقيادة آمنون: نظرا لضخامة مسئولية هذا اللواء في خطة العبور، فقد تم تعزيزه بكتيبة مدرعة من لواء توفيا وبكتيبتين مشاة ميكانيكيتين لتصبح قوته 4 كتائب مدرعة و3 كتائب مشاة ميكانيكية علاوة على كتيبة استطلاع الفرقة. ويقوم هذا اللواء في الساعة السادسة مساء يوم 15 أكتوبر بحركة التفاف جنوب طريق أكافيش (الطاسة تل سلام) عبر التلال الرملية للوصول الى الحصن المهجور لاكيكان (تل السلام) على شاطئ البحيرة المرة الكبرى وعلى بعد حوالي 6 كم جنوب شرق الدفرسوار، ويتقدم اللواء بعد ذك شمالا بحذاء شاطئ البحيرة للاستيلاء على حصن متسميد (الدفرسوار) الذي كان أيضا خاليا من القوات المصرية ويتم التسلل اليه من الثغرة التي بين الحد الأيمن لدفاعات اللواء 16 مشاة وبين قناة السويس

وفور الوصول الى نقطة العبور في الدفرسوار، تنقسم قوة آمنون الى ثلاث مجموعات: • كتيبة مدرعة تتجه نحو الشمال الشرقي على طريق أكافيش لتطهيره من أي قوات مصرية وتأمين هذا الطريق لتقدم لواء المظلات بقيادة داني مات عند تحركه من الطاسة الى الدفرسوار. • مجموعة من 3 كتائب مدرعة بقيادة العقيد آمنون تقدم بتطهير طريق طرطور ومهاجمة الجنب الأيمن للجيش الثاني (اللواء 16 مشاة) وارغامه على الارتداد شمالا لتوسيع ممر العبور والاستيلاء على المزرعة الصينية (قرية الجلاء) وتحويل أنظار القيادات المصرية عن عملية العبور التي تجرى في جنوب رأس كوبرى الفرقة 16 مشاة. • مجموعة من 3 كتائب مشاة ميكانيكية في عربات نصف جنزير في الاحتياطي بالقرب من معبر الدفرسوار. • كتيبة استطلاع الفرقة تتولى تأمين الساحة التي تحيط بمنطقة العبور الى حين وصول لواء المظلات. • مجموعة من 3 كتائب مشاة ميكانيكية في عربات نصف جنزير في الاحتياطي بالقرب من معبر الدفروسوار.

وبعد نجاح لواء آمنون في تحقيق المهام الموكولة اليه، يعبر اللواء الى الضفة الغربية على الكباري التي سيتم تركيبها ويسلم مهمة تأمين رأس الكوبرى شرق القناة الى لواء توفيا.

3- اللواء المدرع بقيادة حاييم: تقوم كتيبة مدرعة من هذا اللواء بجر أجزاء الكباري (الكوبري السابق التجهيز وكوبري المعديات) من يوكون الى الدفرسوار. وعقب عبور لواء المظلات قناة السويس في القوارب المطاطية تعبر خلفه مباشرة الى الضفة الغربية كتيبة مدرعة من هذا اللواء على معديات متحركة. 4- لواء المظلات بقيادة العقيد داني مات: يتقدم هذا اللواء وهو معزز بسرية دبابات على طريق أكافيش وتتولى فتح هذا الطريق أمامه كتيبة مدرعة من لواء آمنون. وعند اقترابه من القناة يتحرك غربا خارج الطريق وتيجه الى حصن متسميد (الدفرسوار)، ويقوم اللواء بعد ذلك بعبور قناة السويس الى الضفة الغربية في القوارب المطاطية التي ستسلم له.

عبور لواء المظلات الى الضفة الغربية

كان لواء المظلات متجمعا في الاحتياطي في منطقة ممر متلا التابعة للقطاع الجنوبي من الجبهة، وفي الساعة السادسة صباحا يوم 15 أكتوبر استدعى العقيد داني مات قائد اللواء الى مقر قيادة الجنرال شارون المتقدم في الطاسة حيث تلقى التعليمات الخاصة بعبور لواء المظلات الى الضفة الغربية ليلة 15/ 16 أكتوبر . وكانت النقطة المهمة أن وحدات هذا اللواء وفقا للخطة العامة الاسرائيلية لعبور القناة الى الغرب أصبحت هي الوحدات الاسرائيلية الأولى التي ستضع أقدامها عقب عبور القناة على الأراضي المصرية. وبعد أن عاد العقيد داني الى منطقة تمركز اللواء في منطقة ممر متلا، أصدر أمره الى وحدات اللواء بالاستعداد للتحرك، ثم وضع خطته التفصيلية لتحقيق المهمة التي كلف بها اللواء، وكانت تتخلص فيما يلي:

تتولى سرية استطلاع اللواء وسرية المهندسين تحت قيادة قائد ثاني اللواء المقدم آربك قيادة عملية العبور لاقامة رأس كوبري على الضفة الغربية للقناة، وتعين نائب قائد اللواء ليكون قائدا لساحة العبور في الدفرسوار، وهذه الساحة التي تبلغ مساحتها 700 متر X 150 متر سبق أعدادها بأوامر الجنرال شارون، حينما كان قائدا للقيادة الجنوبية، وهي محاطة بجدران رملية للوقاية، وتقع في منتصفها على شاطئ القناة النقطة المحددة للعبور، وكانت داخل الساحة مواقع يمكن اتخاذها قاعدة للنيران لشغل قوات العدو على الشاطئ الآخر للقناة.

وفور احتلال أول موطئ قدم على الشاطئ الغربي للقناة، تعبر كتيبة من اللواء بقيادة المقدم دان، وتقوم بتوسيع رأس الكوبري في اتجاه الجنوب، بينما تقوم كتيبة أخرى من اللواء بقيادة المقدم زفي بتوسيعه في اتجاه الشمال. وتقوم القوات التي عبرت باحتلال المعابر على ترعة المياه الحلوة (ترعة الاسماعيلية) التي تقع على بعد حوالي 2 الى 3 كم غرب القناة، ويراعى ألا يقل عرض رأس الكوبري عن 4 كم في اتجاهي الشمال والجنوب.

وفي الساعة الواحدة ظهرا، عرض العقيد داني مات خطته على الجنرال شارون الذي صدق عليها. وفي الساعة الواحدة والنصف عاد العقيد داني الى مقر لوائه وأصدر أوامره الى قادة وحداته الفرعية بأن تحرك اللواء سيبدأ في الساعة الرابعة والنصف مساء يوم 15 أكتوبر. ورغم أن قائد اللواء تم ابلاغه أنه سوف يخصص له 60 قاربا مطاطيا، وسيتم تسليمها له في معسكرة في الساعة العاشرة صباحا، فان هذه القوارب لم تصله حتى وقت تحرك اللواء، كما أن العربات نصف الجنزير التي تقرر تزويد اللواء بها وعددها 60 عربة للتحرك بها الى الدفرسوار لم تصل منها سوى 32 عربة فقط. واستخدم العقيد داني وسيلة غير مشروعة لاستكمال العربات المدرعة على أساس المبدأ الذي يقول أن الغاية تبرر الوسيلة، فقد أرسل أحد قادة السرايا ومعه 30 سائقا الى منطقة رفديم (الجفجافا) حيث وضعوا أيديهم على 26 عربة نصف جنزير كانت معدة لتسليمها لمندوب احدى الفرق، واستطاع ضباط المظلات ايهام الضابط المسئول عن تسليم هذه العربات بأنه هو المندوب الذي ينتظره وانطلق مسرعا بالعربات الى مقر اللواء، وبذا ارتفع عدد العربات نصف جنزير بلواء المظلات الى 58 عربة. وعلم العقيد داني مات خلال عملية بحثه عن قوارب العبور ان القوارب موجودة على بعد 5 كم غرب الطاسة، فقد ارسلت بطريق الخطأ الى هذا المكان وقت وقوع التباس نتيجة للتشابه في الأسماء الكودية.

وعقب ان اصدر قائد اللواء أوامره الى قادة وحداته الفرعية بناء على الخطة التي وضعها التي تم تصديق قائد الفرقة عليها، بدأ تحرك اللواء في الساعة الرابعة والنصف مساء. وعندما واصل اللواء تحركه على الطريق العرضي 3 في اتجاه الطاسة دخل في ازدحام مرور كبير حتى انه قطع 25 كم للوصول الى الطاسة في ساعتين ونصف الساعة.. وانحرف طابور اللواء من الطاسة الى الغرب على طريق أكفيش المتجه الى القناة ليتزود بقوارب العبور التي كانت في انتظاره على مسافة 25 كم غرب الطاسة، وكان ازدحام السير في هذه المرحلة أسوأ كثيرا مما سبق معاناته من قبل حتى ان طابور اللواء قطع الكيلو مترات الخمسة في ساعتين، وتم له تسليم القوارب في الساعة التاسعة مساء، رغم أن الأوامر كانت تقضي يتلسمه لها في معسكره في العاشرة صباحا، أي أن التأخير بلغ حوالي 12 ساعة.

واضطر قائد اللواء نظرا لنقص العربات نصف جنزير بالنسبة لحجم قواته الى وضع 25 جنديا في كل عربة منها بالاضافة الى القارب الذي وضع على ظهرها. واستغل قادة الوحدات الفرعية فرصة بطء السير وكثرة الوقفات بسبب ازدحام المرور لاستكمال الترتيبات اللازمة للعبور ولتوزيع احزمة النجاة وبعض المعدات الأخرى الى جنودهم. واضطر العقيد داني مات الى عمل بعض التعديلات في خطة العبور، فان سرية استطلاع اللواء التي خصصت لقيادة العبور وكانت متأخرة في الخلف لتحركها في عربات عادية لم تلبث أن غرزت في الرمال، لذا تم تكليف كتيبة المقدم دان للقيام بهذا الواجب. وفي حوالي الساعة العاشرة والنصف مساء وعندما كان لواء المظلات على بعد حوالي 10 كم من القناة انضمت اليه سرية دبابات من لواء حاييم وتحركت على رأس طابول اللواء.

وتعرض طابور اللواء عند اقترابه من النيران القناة لنيران مدفعية وصواريخ ورشاشات، مما أدى الى اصابة عدد من الآليات من القوارب، ولم يلبث طابور اللواء الذي كانت تتقدمه قوة الاقتحام ان انحرف عن محور أكافيش بعد منتصف الليل بوقت قصير متجها الى الغرب نحو موقع ساحة العبور التي كانت على بعد حوالي 3 كم. وعلى الرغم من أن لواء آمنون سبق له عبور هذه المنطقة وأبلغ أنها خالية من القوات المصرية فان العقيد داني مات زيادة في الحيطة والحذر أمر سرية الدبابات التي ألحقت على اللواء باتخاذ موقع لها عند مفترق طريق طرطور والطريق العرضي رقم 1 (الطريق الموازي للقناة) على مسافة نحو 800 متر شمال منطقة العبور لتكون بمثابة حاجز أمام أي تدخل محتمل للقوات المصرية من الشمال أو الشرق. ولكن سرية الدبابات لم تلبث أن دخلت في كمين محكم أعدته قوة من اللواء المصري 16 مشاة عند مفترق الطرق، وتم تدمير سرية الدبابات بأكملها دون أن يعلم العقيد داني مات شيئا عن مصيرها التعس.

وعلى أثر وصول اللواء الى الاسحة اقميت نقاط مراقبة المرور، وفتحت مجموعة القيادة على مدخل الساحة، وكان التخطيط موضوعا على أساس انشاء نقطتي ابحار: احداهما خضراء والثانية حمراء وتضاء النقطتان بفوانيس تحمل هذين اللوونين على كلا الشاطئين حتى تتجه القوارب من نقطة الابحار الى اللون المحدد لها عند نقطة الانزال. ولكن عندما اقترب الجنود لانزال القوارب الى الماء اكتشفوا أن الارض في شمال الساحة طينية لزجة، لذلك تم تعديل الخطة واستخدم نقطة ابحار واحدة فقط، ولكن بقية الخطة ظلت على ما هي عليه حيث تقرر انزال القوة على الشاطئ الغربي في نقطتين وفقا للخطة. وقبل عملية الابحار مباشرة وبناء على أمر قائد لواء المظلات فتحت جميع وحدات المدفعية التي كانت في معاونة عملية العبور نيرانها وركزت الضرب على منطقة الانزال على الشاطئ الغربي للقناة المقابلة لمنطقة الابحار وفي قطاع طوله 900 متر وعرضه 200 متر.

ولقد قدر ما نزل من القذائف على هذه المنطقة بحوالي 70 طنا. ومن العجيب أن المنطقة التي تركز عليها كل هذا القصف كانت خالية من المصريين. وفي الساعة الواحدة والدقيقة 35 يوم 16 أكتوبر، عبرت القناة الموجة الأولى من القوات الاسرائيلية ووضعت أقدامها على الضفة الغربية للقناة. وفور الوصول شق المهندسون الأسلاك الشائكة ولم يجدوا أي ألغام أو كمائن، وأبلغ قائد قوة الاقتحاح قائد اللواء عن طريق جهاز اللاسلكي بأن كل شي على ما يرام، بينما صاح صوت في الجهاز "نحن الآن في أفريقيا". وعبرت مجموعة قيادة اللواء في الساعة الثانية والدقيقة 40 ، وتولى عبور وحدات اللواء حتى الساعة الخامسة صباحا حينما انتهت عملية عبور جميع أفراد المظلات. وبدأ الجنود وفقا للخطة في التحرك على أقدامهم لاتمام عملية تأمين راس الكوبري غرب القناة الى مسافة 4 كم شمالا والاستيلاء على المعابر على ترعة الاسماعيلية غربا. وفي صباح يوم 16 أكتوبر أصبح العقيد داني مات مسيطرا على رأس كوبري امتد من الشاطئ الشمالي للبحيرة المرة الكبرى حتى 4 كم شمالا، وكانت المقاومة التي صادفها تكاد لا تذكر.. ونظرا لأن عملية العبور الاسرائيلي الى غرب القناة لم تكن قد وصلت بعد الى علم أحد المصريين حتى ذلك الحين، فقد تمكنت قوة المظلات الاسرائيلية من ابادة عناصر كثيرة من وحدات مصرية مختلفة، كانت متحركة على طريق النقاة بعرباتها في أمان، وتم اطلاق النار عليها قبل أن يتمكن راكبوها من ادراك حقيقة المأساة التي جرت.

وقبيل الصباح وصل عدد المعديات المتحركة الى ساحة العبور بالدفرسوار ولم يكن متيسرا انزالها الى المياه قبل ازالة الساتر الرملي على القناة، وعندما قامت جرافتان بازالته انزلقت المعدات الى المياه وأسرعت الدبابات تحتل أمكنتها فوق المعديات، وبعد دقائق معدودة دارت المحركات واتجهت المعديات بحمولتها الى الشاطئ الغربي حيث تم انزال الدبابات، واخذت عملية عبور الدبابات من لواء حاييم تجري بانتظام وفقا للخطة الموضوعة. وفي تقرير أبلغه شارون في الصباح باللاسلكي الى الجنرال بارليف أفاد بأن لواء المظلات بكامل وحداته قد تم عبوره بعد منتصف الليل الى الضفة الغربية بالقوارب. وتم تعزيزه في الصبح بمجموعة من 30 دبابة عبرت فوق المعديات من لواء حايم الذعبر بنفسه على رأس المجموعة. وأفاد شارون أيضا أن العقيد حاييم بدأ الانتشار بدبابته من خلال رأس الكوبري لمهاجمة بطاريات الصواريخ سام المضادة للطائرات على الضفة الغربية.

ولكن المشكلة المعقدة التي أضحت تواجه الجنرال بارليف هي أن رأس الكوبري على الضفة الشرقية لم يكن قد تم تأمينه بعد، كما لم يتم اقامة أي جسر فوق القناة لربط القوة الاسرائيلية المعزولة على الضفة الغربية بقواعدها على الضفة الشرقية، مما كان يهدد عملية العبور الى الغرب بأفدح الأخطار.

لماذا أوشكت خطة العبور على الفشل؟

رغم التخطيط الجيد الذي وضعه أريل شارون قائد مجموعة العمليات رقم 143 لتحقيق المهمة التي أسندت الى فرقته ضمن الخطة القلب الشجاع، والتي كانت تتلخص في اقامة وتأمين رأس كوبري على ضفتي قناة السويس عند نقطة الدفرسوار ليلة 15/16 أكتوبر تميهدا لعبور فرقة الجنرال أبراهام أدان (بران) صباح يوم 16 أكتوبر على الجسرين اللذين كلفت فرقة شارون بمهمة تركيبهما على القناة، فان خطة شارون أوشكت على الفشل بسبب عاملين رئيسيين:

أولهما: تأخر ووصول الكباري ومعدات العبور الى منطقة المعبر بالدفرسوار، نتيجة لازدحام المرور على محوري التقدم الأساسيين (أكافيش وطرطور) واغلاق أجزاء منهما لوقوعهما تحت سيطرة القوات المصرية. وكانت الخطة الاسرائيلية الاصلية لعليمة العبور للغرب، والتي سبق التخطيط لها قبل الحرب مبنية على أساس أن العبور سيتم تنفيذه أثناء وجود القوات المصرية غرب القناة، أي أن الشاطئ الشرقي للقناة سيكون تحت سيطرة القوات الاسرائيلية، وان حصون خط بارليف سيتم استخدامها في تأمين عملية العبور، وان الكباري الثقيلة ومعدات العبور سيجري تجميعها وتجهيزها على مقربة من طريق لكسيكون (الطريق العرضي رقم 1 الموازي للقناة) بدون أي ضغط أو تدخل من المصريين. ولكن الظروف التي أجريت فيها عملية العبور الفعلية ليلة 15/16 أكتوبر كانت مختلفة تماما عما كان مقدرا في الخطة الأصلية، فلقد أجريت العملية رغم أن كلا الشاطئين الشرقي والغربي للقناة كانا تحت السيطرة التامة للقوات المصرية، كما أن معدات العبور والجسر السابق التركيب، وجسر معديات البونتون وكلها أحمال ثقيلة الوزن كبيرة الحكم تم جرها بالدبابات مسافة حوالي 20 كم فوق الرمال وتحت وابل من نيران مدفعية المصرييين وهاوناتها ورشاشاتهم، مما أدى الى تعطيل وصولها فترة طويلة.

أما العامل الرئيسي الثاني الذي كاد يتسبب في فشل عملية العبور، فهو التعطيل الذي جرى في عمليات تأمين المعبر عند الدفرسوار وتطهير المحورين الرئيسيين للتقدم (أكافيش وطرطور)،والتي كانت تستلزم ضرورة السيطرة على المنطقة الممتدة من نقطة العبور حتى مسافة 5 كم شمالا أو حتى شمال المزرعة الصينية، وكان مقدرا لها أن تتم خلال ليلة 15/16 أكتوبر. وقد أسند شارون هذه المهمة الى اللواء المدرع بقيادة آمنون بعد أن عززه بكتيبة مدرعة من لواء توفيا وبكتيبتين مشاة ميكانيكيتين لتصبح قوته 4 كتائب مدرعة و3 كتائب مشاة ميكانيكية، علاوة على كتيبة استطلاع الفرقة. ورغم تركيز آمنون هجمومه بهذه القوة الكبيرة على قطاع اللواء 16 مشاة (أقصى الجنب الأيمن للجيش الثاني) والتي كانت مواقعه تدخل ضمن نطاق منطقة التأمين المطلوب اخلاؤها من القوات المصرية، فان الاسرائيليين فوجئوا بأن القوة التي واجهتهم كانت أكبر مما قدروا، كما أن المقاومة العنيدة التي أبدتها كانت أشد كثيرا مما كانوا يتوقعون.

ونتيجة لهذين العاملين تعثرت خطة العبور الاسرائيلية وانهار الجدول الزمني المحدد لها وواجه لواء المظلات بقيادة العقيد داني مات الذي عبر قناة السويس ليلة 15/16 أكتوبر في قوارب مطاطية وقتا عصيبا. فقد ظل معزولا بالضفة الغربية للقناة مع 30 دبابة من لواء حاييم عبرت فوق معديات متحركة عن قواعده بالضفة الشرقية لمدة تقرب من 40 ساعة، اذ لم تتم قامة أي جسر يربط بين شاطئ القناة الا ليلة 17/18 أكتوبر، كما أن الجنرال حاييم بارليف أصدر أمرا بعد ظهر يوم 16 أكتوبر بعدم عبور أي قوات اسرائيلية أو دبابات الى الضفة الغربية في قوارب أو على معديات متحركة الى حين اقامة جسور ثابتة فوق القناة حتى لا يزداد حجم القوة الاسرائيلية الموجودة غرب القناة والمعزولة عن قواعدها في الشرق والمعرضة لخطر الابادة.

ولو كانت القيادات المصرية على مختلف المستويات قد تنبهت مبكرا الى طبيعة وأهداف العملية التي كانت تجرى في الدفرسوار، وتم لها اتخاذ التدابير السريعة الواجبة ودفع القوة الكافية لمواجهتها لكان من المتعذر بقاء القوة الاسرائيلية التي عبرت الى غرب القناة والتي كانت تتكون من لواء مظلات و30 دبابا طوال يومي 16/17 أكتوبر دون أن تتعرض لخطر الابادة أو الوقوع في الأسر، ولكان من المستحيل على القيادة الاسرائيلية استكمال عملية العبور، واقامة أي جسر ثابت فوق القناة في حال سقوط نقطة الانزال غرب القناة في أيدي المصريين، كما لم يكن في مقدرتها القيام بعد ذلك بعملية عبور أخرى من نقطة جديدة خلال الدفرسوار بعد زوال عامل المفاجأة. ولكن عامل الحظ تدخل بصورة عجيبة، بالاضافة الى التقصير الذي وقع من بعض القيادات المصرية. وهكذا نجحت المغامرة الاسرائيلية التي كان من المحتم فشلها، وأضفت القيادة الاسرائيلية على نفسها بسبب ذلك النجاح هالات من العظمة والمجد والقدرة على تحقيق الخوارق والمعجزات، بينما لم تكن العملية في حقيتها تستحق كل هذه الصفات.

تحويل أنظار المصريين عن منطقة العبور

كان التخطيط الاسرائيلي لعملية العبور يهدف في الدرجة الأولى الى تحويل انظار المصريين عما سوف يجري مساء يوم 15 أكتوبر في النطقة الحصينة متسميد (الدفرسوار) التي اختيرت لتكون مكان العبور، وكانت في الماضي أحد حصون خط بارليف.وقد سبق لمفرزة اقتحام من احدى كتائب اللواء 16 مشاة اقتحامها والاستيلاء عليها صباح يوم 9 أكتوبر. ولتحقيق ذلك الهدف بدأت غارات جوية اسرائيلية مركزة اعتبارا من الساعة الخامسة صباحا يوم 15 أكتوبر على رءوس كباري الجيش الثاني، خاصة رأس كوبري الفرقة 2 مشاة ورأس كوبري الفرقة 16 مشاة الذي كان يضم داخله أيضا وحدات الفرقة 21 المدرعة. وظلت الغارات الجوية مستمرة حتى قرب آخر ضوء ذلك اليوم. وقد أدى ذلك القصف الجوي المتواصل الى تأخير اعادة تجميع الفرقة 21 المدرعة كما كان مقررا من قبل، بعد معركة تطوير الهجوم التي اشتركت فيها في اليوم السابق مباشرة، وتكبدت خلالها خسائر كبيرة خاصة في الدبابات.

وتحت ساتر من التمهيد النيراني بالمدفعية هاجم اللواء المدرع بقيادة توفيا وسط ويسار الفرقة 16 مشاة من أجل توجيه انتباه الفرقتين 16 مشاة و21 المدرعة تجاه الشمال نحو الطريق الأوسط (طريق الطاسة-الاسماعيلية شرق). وعندما بدأت الهجمات الاسرائيلية تشتد في المساء على الجنب الأيمن للواء 16 مشاة ظل المصريون يعتقدون لأكثر من 24 ساعة أن الهدف الاسرائيلي الحقيقي كان طي الجناح الأيمن للجيش المصري، ولم يخطر على بال أحد ان هذه المعارك الشرسة المتصلة ضد اللواء 16 مشاة كان من ضمن اهدافها خداع المصريين عن حقيقة ما يجري في نقطة العبور بالدفرسوار على الشاطئ الشرقي للقناة، والتي لم تكن تبعد شرقا عن الحد الأيمن لقطاع هذا اللواء بأكثر من 3 كم.

وقد كان خلو النقطتين الحصينتين الدفرسوار وتل السلام من القوات المصرية (كانتا من ضمن حضون خط بارليف التي تم الاستيلاء عليها من قبل) من أهم العوامل التي ساعدت الجنرال شارون على تنفيذ جانب كبير من خطته في سهولة ويسر وبلا صعاب أو مشكلات، فقد أمكن للواء آمنون القيام بحركة التفاف عبر التلال الرملية بعيدا عن المحورين الرئيسيين للتقدم "أكافيش وطرطور"، وأمكنه الوصول الى حصن لاكيكان (تل سلام) على شاطئ البحيرة المرة الكبرى وعلى بعد 6 كم جنوب شرق الدفرسوار واعادة احتلاله ، ثم تقدم بعد ذلك شمالا على الطريق الملاصق للبحيرة والذي شقه الاسرائيليون من قبل لربط حصني الدفرسوار وتل السلام، وأطلقوا عليه اسم (طريق نهالا)،وعن طريق الثغرة التي تفصل ما بين شاطئ القناة والحد الأيمن لدفاعات اللواء 16 مشاة تم تسرب القوات الاسرائيلية الى النقطة الحصينة بالدفروسوار حيث قاموا باعادة احتلالها واستخدموا الساحة التي بجوارها، والتي سبق اعدادها لهذا الغرض منذ كان شارون قائدة للقيادة الجنوبية لتكون المعبر الذي تم عن طريقه عبور لواء المظلات بواسطة القوارب المطاطية، وعبور 30 دبابة من لواء حاييم فوق أطواف عائمة الى الضفة الغربية كما سبق أن ذكرنأز

وهكذا تم للقوات الاسرائيلية استخدام حصن الدفروسار ليكون المعبر الرئيسي لقواتهم الى الغرب، وكذا استخدام حصن تل سلام لحماية وتأمين الجناح الأيسر لمعبرهم عند الدفرسوار دون أن يبذلوا أي جهد أو يشتبكوا في أي قتال لتحقيق ذلك الهدف. ومما يثير الدهشة بقاء الحصنين الاسرائيليين السابقين من حصون بارليف بعد سقوطهما في أيدي المصريين دون احتلالهما بأي قوات أو على الأقل نسفهما وجعلهما غير صالحين للاستخدام، رغم أن التعلميات قد صدرت الى قادة الفرق المشاة بنسف جميع حصون خط بارليف التي تقع داخل قطاعات فرهم، وقد تم ذلك خلال المؤتمر الذي عقد في مركز القيادة المتقدم للجيش الثاني بالاسماعيلية صباح يوم 13 أكتوبر تنفيذا لأوامر القائد العام الفريق أحمد إسماعيل.

معركة تقاطع الطرق

كان للتقدم السريع للواء آمنون الذي تم في مساء يوم 15 أكتوبر دون أن يواجه أي مقاومة أثره في أن تسود موجة من التفاؤل في المركز المتقدم للقيادة الجنوبية والذي كان موجودا به وقتئذ الجنرال دافيد أليعازر رئيس الأركان وموشي ديان وزير الدفاع، وخاصة بعد أن أبلغهما شارون بنبأ الاستيلاء على حصني تل سلام والدفرسوار، وأن محور اكافيش قد أصبح مفتوحا للمرور. وفي الوقت الذي كانت فيه كتيبة استطلاع الفرقة التي ألحقها شارون على لواء آمنون تقوم بتأمين ساحة العبور عند الدفروسوار انتظار لقدوم لواء المظلات بقيادة داني مات (أول قوة اسرائيلية عبرت القناة الى الغرب كما أوضحنا من قبل)، أرسل آمنون كتيبة مدرعة من وقاته الى طريق أكافيش لتطهيره بعد أن علم أنه قد أغلق ثانية عقب مروره بقواته، بينما تقدم بثلاث كتائب مدرعة وثلاث كتائب مشاة ميكانيكية الى اتجاه الشمال والشرق لمهاجمة الجنب الأيمن للفرقة 16 مشاة (اللواء 16 مشاة). وقد ارسل آمنون في بادئ الأمر كتيبتين مدرعتين من حصن لاكيكان (تل سلام) في اتجاه الشمال عن طريق لكسيكون (الطريق العرضي رقم 1) ولم تكادا تقتربان من منطقة المفرق (تقاطع طريق طرطور والطريق العرضي 1) الذي يقع في قطاع الكتيبة اليمين من اللواء 16 مشاة حتى انالت على قواته نيران الصواريخ والأسلحة المضادة لدبابات، فتم تدمير 27 دبابة اسرائيلية ، ولكن 7 دبابات تمكنت من اختراق الموقع الأيمن في اقصى الدفاعات على جانبي الطريق العرضي رقم 1. وأمر العقيد أ.ح عبد الحميد عبد السميع قائد اللواء 16 مشاة بدفع أعداد كبيرة من أطقم اقتناص الدبابات من كتائب اللواء الى منطقة قرية الجلاء لتدمير دبابات العدو التي نجحت في اختراق الموقع وتقدمت شمالا في اتجاه القرية، وكذا اغلاق منطقة الاختراق حول الطريق الرئيسي بنيران الأسلحة المضادة للدبابات وتدعيم الكتيبة التي تعرضت للهجوم وهي كتيبة اليمين بسرية من الدبابات، كما وضع مجموعة مدفعية اللواء في معاونتها. تحرك آمنون بباقي قواته تحت ستر الظلام بحذاء الساتر الرملي للقناة بعيدا عن مرمى نيران دفاعات اللواء 16 مشاة. وعندما اندفعت الدبابات الاسرائيلية نحو الشمال وجد آمنون نفسه فجأة في قلب منطقة ضخمة من مئات اللوريات والمركبات والمدافع ومنصات الصواريخ المضادة للطائرات ومحطات الرادار، واتضح أن دبابات آمنون قد دخلت الى المناطق الادارية لوحدات اللواء 16 مشاة ومرابض مدفعيته، ثم لم تلبث أن اقترتب من مركز القيادة الرئيسي ومنطقة الشئون القيادية الرئيسية موضوعة في هذه المناطق الخلفية على مقربة من القناة على اعتبار أنها آمنة من هجوم العدو الذي كان متجها في هجومه المتوقع من ناحية الشرق حيت تواجهه اقوى الدفاعات المصرية. ولكن الدبابات الاسرئايلية اقتحمت المناطق الخلفية في أضعف حالاتها. ولم تلبث النيران أن فتحت من الطرفين من آلاف الأسلحة من جميع الأنواع وفي جميع الاتجاهات واشتغلت بعض الحرائق في عربات الذخيرة ومنصات الصواريخ أرض جو، وقامت كتيبتان مدرعتنان من الفرقة 21 المدرعة بشن هجوم مضاد على الدبابات الاسرائيلية وأجبترها على الارتداد جنوبا بعد أن تكبدت خسائر جسيمة.

وكانت المشكلة التي تواجه آمنون هي ضرورة الاستيلاء على النقطة الحيوية (تقاطع طريق طرطور مع الطريق العرضي رقم 1) حيث ان اجراءات تامين نقطة العبور وتطهير طريق تطرطور كانت متوقفة على ذلك . ونظرا لما أبدته قوات اللواء 16 مشاة ووحدات من الفرقة 21 المدرعة من شجاعة وبطولة واستماته في القتال في معركة قرية الجلاء (المزرعة الصينية). فقد آثرت أن أسجل وصف هذه المعركة وفقا لما ورد في المراجع الاسرائيلية حتى لا يتطرق الشك الى أحد أن ما نسجله هو نوع من التحيز أو المبالغات. وفيما يلي خلاصة ما ورد بشأن هذه المعركة في المراجع الاسرائيلية:

عند منتصف الليل أمر آمنون المقدم "ناثان" قائد كتيبة مشاة ميكانيكية بعد أن دعمه بسرية دبابات أن يهاجم منطقة تقاطع الطرق. ودفع ناثان سرية الدبابات الى الأمام، وعندما أبلغه قائدها بعد بضع دقائق أن الطريق مفتوح أمر ناثان مجموعة عربات نصف جنزير من كتيبته بقيادة "هاليفي" بالوصول الى التقاطع من الجنب عن طريق معركة التفات. وأثناء تقدم العربات المدرعة الى الأمام اتضح أن سرية الدبابات التي سبقتها قد دمرت عن آخرها، وسرعان ما انهالت النيران على العربات المدرعة مما أرغمها على التوقف، وأفاد قائدها هاليفي أنه لا يستطيع التحرك وانه أصيب بخسائر جسيمة، ونتيجة لذللك حاولت باقي العربات المدرعة بالكتيبة التقدم لمساعدة قوة هاليفي ولكنها لم تلبث أن ضربت بشدة، وتم غمر المنطقة بنيران مركزة، وفشلت جميع المحاولات للوصول الى العربات المدرعة المصابة في الأمام – واتضح أن كتيبة المشاة الميكانيكية قد وقعت في فخ محكم وأصبحت مكشوفة في العراء تحت وطأة نيران كاسحة من المواقع المصرية التي في قطاع اللواء 16 مشاة، وأنها عاجزة عن التحرك الى اي اتجاه او انقاذ العربات المدرعة المعزولة. واضطر ضباط وجنود الكتيبة الى ترك عرباتهم المدرعة والانبطاح على الأرض محاولين أن يحفروا بأظافرهم مخابئ لهم. واستطاع المقدم ناثان قائد الكتيبة النجاة بنفسه بأعجوبة مع عدد من عرباته المدرعة والخروج من المنطقة المتأججة بالنيران،ولكنها كانت مأساة أليمة له عندما أدرك أن كتيبته غدت فلولا مشتتة.

في سبيل انقاذ العربات المدرعة المتورطة في الأمام خصص آمنون سرية دبابات ثانية للتقدم لتخليصها. وتقدمت الدبابات شمالا الى قرية الجلاء (كان الاسرائيليون يطلقون عليها اسم المزرعة الصينية، نظرا لوجود كتابات على جدرانها باللغة اليابانية كتبت بواسطة خبراء الزراعة اليابانيين اللذين كانوا يعملون بالقربة قبل حرب يونيو 67. وقد ظن الاسرائيليون أن هذه الكتابات مدونة باللغة الصينية ولذا أطلقوا عليها اسم المزرعة الصينية، وقد اقترن هذا الاسم بالقرية في جميع مؤلفاتهم التي صدرت عن حرب اكتوبر 73، وحذا حذوهم جميع الكتاب والمؤلفين الأجانب حتى أصبح هذا الاسم علما عليها).

وعندما اقتربت الدبابات الاسرائيلية من القرية، استطاع قادتها رؤية مئات من المشاة المصريين المسلحين بالبازوكات آر بي جي 7 وصواريخ المالوتكا رابضين في قنوات وحواجز القرية وانقضت الدبابات في جهد خارق للوصول الى قوة المدرعات المعزولة التي كان أفرادها مشتبكين بالنيران مع المواقع المصرية، ولكن سيلا منهمرا من الصواريخ أخذ يطارد الدبابات الاسرائيلية في كل تحركاتها مما أرغمها على الانسحاب. وأخذ ناثان يناشد رئيسه آمنون عن طريق الاتصال اللاسلكي لكي يعاونه في الوصول الى قواته المتورطة في الأمام، ووعده آمنون بأنه سيبذل أقصى جهده، ولم يكن ناثان يدري أن آمنون نفسه كان في ذلك الوقت يقاتل في معركة مريرة وأنه يصارع من أجل البقاء ضد القوات المصرية وأن وحداته منيت بخسائر فادحة. ولما أدرك هاليفي اليأس من امكان وصول أي قوات إسرائيلية لانقاذه، حمل جرحاه وحاول التسلل بقواته خارج ميدان المعركة تحت ستر جماعتين من مدافع الماكينة، وبينما هم يتحركون ببطء وبعذاب نحو خطوطهم اذا بقوة دبابات مصرية (من الفرقة 21 المدرعة) تعترض طريق انسحابهم ولم تلبث أن أبادتهم عن آخرهم". انتهى الوصف الاسرائيلي للمعركة.

ورغم ما حاق بقوة آمنون من خسائر في معركة تقاطع الطرق، فانه صمم في عناد شديد على ضرورة القيام في الحال بهجوم ثاني على منطقة التقاطع، وأمر المقدم بروم قائد كتيبة استطلاع الفرقة الملقة على لوائه، والتي كانت متمركزة بالقرب من ساحة العبور في الدفرسوار للقيام بعملية التأمين، أن يشن الهجوم بكتيبته على التقاطع. وضمانا للمفاجأة أمره أن يجري الهجوم من اتجاه الغرب نظرا لأن المواقع المصرية كانت تستعد لمواجهة الهجوم من اتجاهي الشرق والجنوب. وقام المقدم بروم بالهجوم بعرباته المدرعة من الدفرسوار على منطقة التقاطع من الغرب، ولكن بروم لم يلبث أن قتل على مسافة 30 مترا من المواقع المصرية وأصيبت قواته بخسائر جسيمة مما أحبط عملية الهجوم، واضطر آمنون إلى أن يصدر أمره الى قائد ثاني كتيبة الاستطلاع بالانسحاب بالكتيبة الى الخلف لاعادة التنظيم.

ولم يكف آمنون عن محاولاته العنيدة للاستيلاء على تقاطع الطرق، فأمر المقدم ايتان (قائد ثاني اللواء) بالتقدم على رأس سرية دبابات لمهاجمة منطقة التقاطع من الجنوب، وبدأ الهجوم في الساعة الرابعة صباحا يوم 16 أكتوبر، ولكن الهجوم قوبل بمقاومة شديدة وأصيبت 3 دبابات منها دبابة المقدم إيتان، وفشلت محاولة الهجوم للمرة الثالثة.


كيف فشل شارون في تأمين معبر الدفرسوار؟

أوضحنا في الصفحات السابقة المعارك العنيفة التي خاضها لواء آمنون المدرع (من ضمن تشكيل فرقة الجنرال شارون) ليلة 15/16 أكتوبر لاختراق مواقع كتيبة اليمين من اللواء 16 مشاة والاستيلاء على منطقة تقاطع الطرق (طريق طرطور مع طريق العرض رقم 1 الموازي لقناة السويس) والوصول الى قرية الجلاء (المزرعة الصينية) لتحقيق المهمة المسندة اليه في الخطة، وهي تأمين المعبر عند الدفرسوار باخلاء المنطقة حتى شمال قرية الجلاء من القوات المصرية، وتطهير محوري التقدم الرئيسيين أكافيش وطرطور لتأمين وصول معدات العبور والجسور التي ستقام فوق القناة للربط بين نقطة العبور في الشرق ونقطة الانزال في الغرب. ولهذا الغرض شن آمنون ثلاث هجمات عنيفة على منطقة تقاطع الطرق من بعد منتصف الليل حتى فجر يوم 16 أكتوبر بالدبابات والمشاة الميكانيكية، ولكن الهجمات الثلاث انتهت بالفشل بعد أن تكبدت قوات الهجوم الاسرائيلية خسائر فادحة في الأفراد والأسلحة والمعدات.

وعند الفجر صعد العقيد آمنون الى تبة مرتفعة تشرف على أرض المعركة، فوقعت عيناه كما ذكر بعد ذلك على منظر مفزع، فقد كانت الصحراء مغظاة بأعداد كبيرة من الدبابات والمركبات والمدافع والناقلات المحترقة والمشتعلة. وكذا عشرات من مركبات القيادة وورش الصيانة المتنقلة والمنصات الضخمة لحمل الصواريخ سام 2 والمطابخ المتنقلة. وكانت أشلاء الجنود الاسرائيليين متناثرة هنا وهناك ولا يفصل بينها وبين المواقع المصرية سوى أمتار قليلة.

وقد زار مراسل صحيفة "نيويورك تايمز" أرض المعركة بعد انتهاء الحرب مباشرة فوصف المشهد المفجع الذي وقع عليه بصره قائلا: "في قطعة صغيرة من الأرض لا تزيد على بضعة ألاف من الأمتار المرعبة وجدت 24 دبابة باتون إسرائيلية محروقة تماما، أما الدبابات التي أصيبت بصورة أقل فقد سحبت من المنطقة لاعادة اصلاحها. وكان عدد كبير من الدبابات المصرية المدمرة منتشرا في أرض المعركة. وفي مكان واحدت وجدت دبابة باتون اسرائيلية ودبابة (ت-55) مصرية لا يفصل بين مدفعيها سوى بضعة أمترا".

سقوط موقع تقاطع الطرق

عندما أخذت التقارير قبيل فجر يوم 16 أكتوبر تصل الى القيادة الجنوبية تنقل صورة القتال المرير الذي يخوضه لواء آمنون والمصاعب غير المتوقعة التي ظهرت عند البدء في تنفيذ الخطة، سيطر على مركز القيادة المتقدم للقيادة الجنوبية جو من التوتر والقلق، واقترح موشي ديان وزير الدفاع سحب لواء المظلات من نقطة الانزال بالشاطئ الغربي للقناة والغاء العملية كلها، مبررا ذلك بقوله: "لقد حاولنا ولكن محاولاتنا ذهبت أدراج الرياح، ولذا فاني اقترح الغاء فكرة العبور اذ أن المصريين سوف يذبحون قواتنا على الشاطئ الآخر". فرد الجنرال جونين قائلا: "لو كنا نعلم مقدما ان ذلك سيحدث ما كنا بدأنا عملية العبور، أما الآن وما دمنا قد عبرنا فلنستمر حتى النهاية المريرة".

وقد أيد الجنرال حاييم بارليف رأي جونين، ولم يحاول موشي ديان مناقشتهما، جريا على النهج الذي اتبعه طوال مدة الحرب ، وهي تجنب اصدار أوامر مباشرة للتنفيذ.

وحوالي الساعة السادسة صباحا، اتصلت جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل من تل أبيب هاتفيا بموشي ديان للاستفسار على الموقف، وابلغها ديان أن الجسور فوق القناة لم تتم اقامتها بعد. وقد تمكنت القوات المصرية التي شمال المعبر من اغلاق محور التقدم الى الدفرسوار على الضفة الشرقية للقناة، مما يهدد رأس الكوبري المقام على الضفة الغربية.

وذكر لها ان الأمل كبير في التغلب على هذه المقاومة، ونقل الجسور الى المعبر وتركيبها أثناء فترة الناهر. أما عن الموقف في الضفة الغربية فقد أبلغ ديان رئيس الوزراء أن لواء المظلات بقيادة لاعقيد داني مات قد أتم عبوره الى نقطة الانزال غرب القناة دون أي تدخل من القوات المصرية، ولا توجد نوايا لدى القيادة الجنوبية لاعادته الى الضفة الشرقية حتى لو تأخر تركيب الجسور. وأبدت جولدا مائير حلال حديثها قلقها الشديد من احتمال قيام المصريين بعزل قوات المظلات ، وأن هذا الأمر قد أحدث جدلا كبيرا بين الوزراء أثناء اجتماع الحكومة.

هذه ولم يتخل العقيد آمنون عن محاولة تحقيق المهمة التي أسندت اليه رغم ما حاق بقواته من خسائر فاحدحة خلال هجماته الثلاثة المتتالية. ففي صباح يوم 16 أكتوبر قاد آمون بنسفه هجوما مركزا على منطقة تقاطع الطرق للمرة الرابعة بالكتيبة 40 المدرعة بعد أن ضم اليها مجموعة من الدبابات التي تم اصلاحها أثناء الليل، وأجرى آمنون الهجوم من اتجاهين. ففي الوقت الذي تقدمت فيه الكتيبة 40 المدرعة من اتجاه القناة الى اتجاه التقاطع اي من الغرب الى الشرق، قامت سرية من الدبابات بالهجوم من الجنوب الى الشمال. ومن الاستطلاع الذي أجراه آمنون أثناء النهار، اكتشف أن المصريين قد أقامون بمنطقة التقاطع حاجزا قويا مضادا للدبابات كان يتكون من دبابات مخندقة في مواقع حصينة وأسلحة وصواريخ مضادة للدبابات علاوة على الألغام التي بثوها على جانبي الطريق، مما أدى الى انفجار عدد من الدبابات الاسرائيلية أثناء الهجمات السابقة، وكان أفراد الشماة من كتيبة اليمين باللواء 16 مشاة المسلحين بالبازوكات آر بي جي 7 وصواريخ المالتوكا قد انتخبوا مواقعهم بمهارة مستغلين الحواجز الترابية وقنوات الري الجافة في المزرعة الصينية مما أدى الى فشل جميع الهجمات الاسرائيلية السابقة.

واستفاد آمنون من دروس المعارك السابقة ومن نتائج استطلاعه للمواقع المصرية، فلم يندفع هذه المرة بقواته من اتجاهي الغرب والجنوب نحو منطقة التقاطع حتى لا تحيق الخسائر الفادحة بدباباته، كما جرى في الهجمات السابقة بتأثير النيران الكاسحة المضادة للدبابات التي يطلقها المصريون. ولجأ آمنون هذه المرة الى طريقة جديدة هي التوقف بقواته بعديا عن منطقة التقاطع والبدء في معركة استنزاف بطيئة للقضاء بالتدريج على مقاومة القوات المصرية التي تدافع عن هذا الموقع الحيوي والتي كانت قواها قد أنهكت بعد القتال البطولي المجيد الذي خاضته طوال الليل ضد قوات آمنون المدرعة، وكان موقفها قد ساء نتيجة النقص الحاد في الذخيرة، مما أجبرها في النهاية على الانسحاب من مواقها. وتقدم آمنون بقواته واستولى على منطقة تقاطع الطرق، واندفع شمالا حيث تمركز في المنطقة التي تقع ما بين المزرعة الصينية (قرية الجلاء) وقناة السويس.

وكان الجنرال شارون قد أرسل مبكرا صباح يوم 16 أكتوبر كتيبتين من الدبابات بقيادة المقدمين إمي وعوزي لنجدة آمنون بعد أن علم بالخسائر الجسيمة التي لحقت بقواته ليلة 15/16 أكتوبر ، واعتزم آمنون بعد أن تمكن من الاستيلاء على تقاطع الطرق والوصول الى المزرعة الصينية أن ينجز المهمة التالية الخطيرة التي تم تكليفه بها من قبل، وهي تطهير طريق طرطور، ولذا ترك كتيبة دبابات من لوائه (حوالي 30 دبابة) في المنطقة بين تقاطع الطرق وغرب المزرعة الصينية، وقام بشن هجوم بالكتيبتين المدرعتين اللتين أمده شارون بهما عن طريق طرطور في الجزء الذي تسيطر عليه وحدات اللواء 16 مشاة. فقامت كتيبة منهما بالهجوم من الشمال الشرقي، بينما شنت الثانية هجومها من اتجاه الغرب، ولكن الهجو مفشل، فقد اصطدم بنيران كثيفة من الدبابات والأسلحة المضادة للدبابات من مواقع كتيبة اليسار من اللواء 16 مشاة واضطر آمنون الى الانسحاب.

وفي صباح يوم 16 أكتوبر كان وضع لواء آمنون قد غدا سيئا للغاية، فلم يتبق له سوى 27 دبابة، أي أنه خسر أزيد من ثلثي دباباته خلال معاركه أمام تقاطع الطرق والمزرعة الصينية وتطهير طريق طرطور، كما خسر عددا كبيرا من القتلى وكانت نسبة عالية من الضباط وقادة الدبابات من المصابين ، وظل محور طرطور رغم كل الهجمات التي جرت مغلقا. وكان النجاح الوحيد الذي أحرزه آمنون هو استيلاؤه على منطقة تقاطع الطرق ووجود كتيبة مدرعة من لوائه في المنطقة غرب المزرعة الصينية. ونظرا لحاجته الشديدة الى اعادة تجميع قواته واعادة الملء لدباباته وتعويض ما فقده من ذخيرة وعتاد، فقد طلب آمنون من قائده شارون التصديق له بسحب باقي لوائه الى موقع لاكيكان (تل سلام) على شاطئ البحيرات المرة لتجديد كفاءته القتالية.

مهمة فرقة برن في تأمين العبور

في صباح يوم 16 أكتوبر أرسل شارون تقريرا الى الجنرال بارليف يتعلق بالموقع في القناة ذكر فيه أن الجسر السابق التركيب قد تحطم في أحد أجزائه في أثناء قيام كتيبة دبابات من لواء حاييم بجره على طريق أكافيش، وأن المهندسين في حاجة الى بضع ساعات كي يتمكنوا من اصلاحه، وذكر شارون أنه بحاجة الى قوات اضافية لتحقيق عملية تأمين المعبر شرق القناة نظرا للمقاومة العنيفة التي تبديها القوات المصرية في قطاع اللواء 16 مشاة، مما ألحق بقوات آمنون خسائر فادحة في الأفراد والدبابات، وجعلها تعجز عن تحقيق المهمة التي أسندت اليها، وهي اختراق الموقع الدفاعي شمال معبر الدفرسوار وتدميره أو ارغام القوات المدافعة التي تحتله على الانسحاب شمالا لمسافة 5 كم، واخلاء المنطقة حتى شمال المزرعة الصينية.

وبناء على تقرير شارون، أرسل الجنرال بارليف أمرا انذاريا الى فرقة الجنرال ابراهام أدان (برن) التي كانت على أهبة الاستعداد وفقا لخطة العبور الى غرب القناة فور اقامة الجسر بأن تستعد لاحتمال دعوتها للمشاركة في فتح الممر المطلوب فتحه في اتجاه القناة الى جانب فرقة شارون.

وفي هذه الأثناء، نشب نقاش جديد بين شارون والقيادة الجنوبية حول المضي في تنفيذ خطة العبور دون انتظار اقامة الجسور الثابتة، اذ أن السهولة التامة التي عبر بها لواء المظلات قناة السويس، وكذا الكتيبة المدرعة التي لحقت به وعدم اصطدامهما بأي مقاومة تذكر عند نقطة الانزال، كل ذلك شجع الجنرال شارون على أن يطلب من الجنرال جونين استغلال هذه الفرصة لكي يأمر بعبور فرقة الجنرال برن قناة السويس بدباباتها فوق الأطواف المتحركة في الموعد الذي حدد لها في الخطة وتجاهل المقاومة المصرية في المزرعة الصينية وعلى طريقي أكفيش وطرطور. ولما اعترض الجنرال جونين على هذا الاقتراح، لجأ شارون الى الجنرال بارليف عسى أن يمكنه عن طريقه التغلب على اعتراض جونين، ولكن بارليف أيد وجهة نظر جونين، وأوضح لشارون خطورة تنفيذ اقتراحه، فان عملية عبور القناة التي تجريها القيادة الجنوبية هي عملية هجوم واسعة النطاق وليست محض اغارة سريعة عبر القناة، ولذا فان القيام بشن هجوم عبر القناة بفرقتي شارون وبرن – أي بقوة تقرب من حجم فيلق – يضم مئات من الدبابات بدون أن يؤمن له طريق امدادات فوق جسر ثابت عبر القناة سيكون عملا بعيدا عن الحكمة والمسئولية، اذ ان هذه الدبابات لابد أن تتوقف عن الحركة في ظرف 24 ساعة بعد نفاد الوقود. وأبدى بارليف كذلك عدم موافقته على عبور الدبابات والأفراد قناة السويس على أطواف متحركة مكشوفة ومعرضة لنيران المدفعية المصرية والطيران. ونظرا للمقاومة العنيدة التي يبديها المصريون في وجه الهجمات الاسرائيلية لتأمين منطقة المعبر في الدفرسوار واستعدادهم لشن هجمات مضادة على القوات الاسرائيلية في تلك المنطقة، لذا فان نقل قوة أدان الى الضفة الغربية سيؤدي الى عدم وجود قوات اسرائيلية كافية شرق القناة لمواجهة الأعمال القتالية للمصرييين. لهذه الأسباب رفض بارليف اقتراح شارون، وقرر أن الواجب الذي ينبغي أن تكلف به فرقة برن هو استكمال تطهير الممر على الشاطئ الشرقي للقناة. وعلى أثر ذلك أصدر الجنرال بارليف بعد ظهر يوم 16 أكتوبر أمرا بعدم عبور أي قوات اسرائيلية أو دبابات الى الضفة الغربية للقناة حتى صدور أوامر أخرى.

وفي الصباح الباكر يوم 16 أكتوبر استقل الجنرال جونين طائرة هليكوبتر متوجها الى مركز القيادة المتقدم للجنرال برن، وكان يقع على تبة مرتفعة تطل على طريق أكافيش. وقد ذكر الجنرال برن في الكتاب الذي أصدره بعد الحرب باللغة العبرية بعنوان "على ضفتي قناة السويس" أن الجنرال جونين خلال الزيارة التي أجراها له في مركز قيادته المتقدم شكا له من فشل شارون في تنفيذ لمهمة المحددة له في الخطة، وقال له بصراحة: "ان شارون قد خيب أملنا. إنني لا أعرف ماذا حدث له في هذه الحرب". ولانقاذ الموقف أسند جونين مسئولية تحريك جسر المعديات الى فرقة برن، وألقى على العميد دافيد تماري نائب برن مسئولية القيام بهذه المهمة، كما ألقى بمسئولية تحريك الجسر السابق التركيب على عاتق العميد جاكوب نائب الجنرال شارون، وفي نفس الوقت أصدر امرا انذاريا على الجنرال برن ليكون مستعدا بفرقته عند الظهر لتطهير محوري أكافيش وطرطور والقاء جسر المعديات في مياه القناة، وأبلغ ما أصدره من تعليمات الى الجنرال بارليف في مركز قيادته. وفي منتصف النهار أبلغ جونين شارون بالمهام الجديدة التي تم تخصيصها للفرق، وهي أن تتولى فرقة برن تطهير محوري التقدم أكافيش وطرطور، والقاء جسر المعديات في مياه القناة ،وأبلغ ما أصدره من تعليمات الى الجنرال بارليف في مركز قيادته. وفي منتصف النهار أبلغ جونين شارون بالمهام الجديدة التي تم تخصيصها للفرق، وهي أن تتولى فرقة برن تطهير محوري التقدم أكافيش وطرطور، بينما تتولى فرقة شارون الاستيلاء على المزرعة الصينية والمواقع المصرية شمالها والمجاورة لقناة السويس. ولكن نظرا لاحتياج دبابات شارون على أثر معارك الليلة السابقة الى القيام بعملية اعادة الملء وتعويض الذخيرة، فقد اتفق مع جونين على ان ينتظر قيام فرقة برن بتطهير محوري التقدم أولا قبل أن تبدأ فرقته بهذه العملية حتى يمكنه شن هجومه على المزرعة الصينية بعد تجديد كفاءته القتالية.

وفي الساعة الرابعة والنصف مساء يوم 16 أكتوبر، التقى القادة الثلاثة موشي ديان والجنرال بارليف والجنرال جونين في مركز القيادة المتقدم للقيادة الجنوبية، وأوضح جونين أنه في حالة عدم وصول الجسر الثابت (السابق التركيب) أو جسر المعديات، فلن يكون هناك مفر من الانسحاب من الضفة الغربية للقناة. وفي حالة وصول عدد من المعديات المتحركة فقط، فانه يمكن في هذه الحالة بقاء القوة التي عبرت الى الغرب، ولكن لا ينبغي نقل فرقة برن بهذه الوسيلة لكي تنضم اليها، ولكن فور اقامة أي جسر ثابت على القناة فان على جميع القوات المخصصة العبور الى الضفة الغربية ان تبدأ عبورها في الحال.

وكان الجنرال برن متمركزا بفرقته (مجموعة العمليات رقم 162) جنوب الطاسة على أهبة الاستعداد منذ فجر يوم 16 أكتوبر لاستغلال النجاح والعبور على الجسر الذي يتم تركيبه على القناة الى الضفة الغربية. ولهذا الغرض تقدم الى الأمام مع مجموعة قيادته المقتدمة مخترقا الرمال بموازاة طريق أكافيش نظرا لأن الطريق نفسه كان مغلقا بالقوافل الضخمة.

معركة اللواء المصري 16 مشاة

عندما اقتربت الساعة من العاشرة مساء يوم 16 أكتوبر قدم العقيد عوزي مائيري نفسه الى الجنرال برن، وذكر له أن لواء المظلات الذي يتولى قيادته قد تم وصوله وأنه جاهز، لتنفيذ أي عملية تسند إليه. وشرح برن الموقف باختصار للعقيد عوزي، وبعد مناقشة قصيرة أعد قائد المظلات خطته لتحقيق المهمة التي كلف بها، وهي التحرك في اتجاه القناة بقواته لتطهير محوري التقدم أكافيش وطرطور. وفي الساعة الحادية عشرة والنصف مساء بدأ المظليون تحركهم على الطريقين، ووصلت الى أضيق منطقة يتقارب فيها طريقا أكافيش وطرطور، ولا يزيد عرضها على كيلو مترين، فوجئت الكتيبة بسيل منهمر من نيران المدفعية ونيران مدفعية الماكينة انصبت عليها من مواقع اليسار في قطاع اللواء 16 مشاة التي كانت تواجه هذه المنطقة والتي تمتد دفاعاتها في العمق الى اتجاه قرية الجلاء (المزرعة الصينية). واكتشف المظليون أن أكثر من عشرة رشاشات جرينوف في مواقع حصينة تغمر المنطقة التي كانوا يجتازونها بطوفان من النيران، وكان موقف المظليين حرجا فقد زجوا بأنفسهم في عملية تطهير محوري التقدم دون استطلاع سابق للمواقع المصرية أو معرفة معلومات كافية عنها، كما تقدموا على الطريقين بمفردهم دون أن تشترك معهم أي وحدات مدرعة لفتح الطريق أمامهم، ولم يكن في امكانهم الحصول على معاونة المدفعية نظرا لأن عمليتهم كانت ليلية، وكان من الصعب تحديد موقعهم خلال الظلام.

ولم يكن أمام كتيبة ايزاك خيار سوى الانقضاض على مواقع الرشاشات لاسكاتها وازاحة المصريين عن مواقعهم، واندفعت سرية ياكي وتلتها سرية مارجال نحو المواقع المصرية، ووقعت اشتباكات دموية وصل فيها المظليون الى بعد أمتار قليلة من المواقع المصرية. ونظرا لأن المصريين كانوا في مواقع حصينة ، ولم يكونوا في حاجة الى الخروج من مواقعم لملاقاة المظليين المتقدمين في العراء، فقد تبعثرت عشرات من جثث الاسرائيليين الممزقة على طول خط الدفاعات المصرية، وانتشرت سرايا المظلات في المنطقة يحاول أفرادها التقدم للأمام دون جدوى، فقد كانت نيران المصريين كاسحة بحيث لقى معظم قادة السرايا وقادة الفصائل مصارعهم، وأصيب الكثيرون اصابات بالغة. وعندما أصدر الجنرال برن ازاء سوء الموقف أمره الى قوة المظلات بترك طريق طرطور الملاصق للدفاعات المصرية والتركيز على تطهير أكافيش، اكتشف المظليون أنهم عاجزون عن ترك مواقعهم أو القيام بأي نوع من الحركة أو المناورة، فقد أرغمتهم شدة النيران المصرية على الالتصاق بالأرض دون حراك.

وعندما بلغت الساعة الثالثة صباحا وأوشك الفجر على الطلوع ، أدرك الجنرال برن أنه اذا لم يستطع خلال فترة الظلام القليلة المتبقية على طلوع النهار دفع جسر معديات البونتون الى ساحة العبور بالدفرسوار، فان ذلك معناه مرور يوم آخر دون اقامة أي جسر عبر القناة، وبالتالي عدم عبور أي قوات اسرائيلية جديدة الى غرب القناة، مما لابد أن يعرض قوة شارون المحدودة التي عبرت الى الغرب الى خطر التدمير الكامل. وفي الوقت يعرض قوة شارون المحدودة التي عبرت الى الغرب الى خطر التدمير الكامل. وفي الوقت الذي انغرز فيه المظليون في مواقعهم بين طريقي أكافيش وطرطور أمام الجانب الأيمن للفرقة 16 مشاة، أجرى الجنرال برن محاولة جديدة لدفع جسر المعديات الى خط المياه، فأرسل سرية استطلاع في عربات مدرعة نصف جنزير لاستطلاع طريق أكافيش المتجه الى القناة وتحديد موقع المقاومة المصرية التي تغلق الطريق.

وقبيل الساعة الثالثة والنصف صباحا تلقى برن رسالة باللاسلكي من قائد سرية الاستطلاع بأنه قد تم له الوصول الى ساحة العبور بالدفرسوار دون أن تعترضه أي مقاومة على طول الطريق. واتضح الجنرال برن أن قوة المظلات رغم ما حاق بها من خسائر قد قدمت خدمة جليلة الى عملية العبور. فان المواقع المصرية شمال محوري التقدم التي كانت تسيطر على طريق على طريق أكافيش بالنيران انشغلت تماما عن التحركات التي كانت تجري على هذا الطريق بعد أن تركز كل انتباهها الى المعركة الضارية التي كانت محتدمة وقتئذ بين القوات المصرية وقوات المظلات الاسرائيلية على طريق طرطور.

وانتهز الجنرال برن الفرصة وأصدر أوامره الى العميد دافيد تماري لكي يتحرك بأسرع ما يمكن على طريق أكافيش بجسر معديات البونتون. وتمكن العميد دافيد بدفع بعض الجرارات الثقيلة أمام قافلته من ازالة الدبابات والمركبات المحترقة والمعطلة التي كانت تعرقل التحرك، مما أدى الى اخلاء الطريق. وتقدمت قافلة معديات البونتون دون تعطيل على طريق أكافيش حتى وصلت الى حصن لاكيكان (تل سلام) على البحيرة المرة الكبرى، وواصلت التحرك بعد ذلك شمالا على طريق ناهالا بحذاء شاطئ البحيرة حتى وصلت الى ساحة العبور بالدفرسوار. وحوالي الساعة السادسة صباحا يوم 17 أكتوبر قام المهندسون التابعون لفرقة شارون بدفع أول مدعية بونتون الى مياه قناة السويس تمهيدا لدفع باقي المعديات التي سيتكون من توصيلها بعضها ببعض أول جسر معديات بونتون عبر القناة التي يبلغ اتساعها في هذه المنطقة حوالي 180 مترا.

وعندما أشرقت الشمس، أصبح واضحا لدى المظليين أنه لا يمكنهم الاستيلاء على المواقع المصرية التي تواجههم، وشعر قائدهم العقيد عوزي أن قواته قد استنفدت كل طاقاتها، وأنه ينبغي معاونته في اخلاء جرحاه الذين يمثلون أرض المعركة والتصديق على أن تستبدل بقوته قوة أخرى ليستنى له اعادة تنظيم وحداته الممزقة، وعلى أثر اتصال برن بالجنرال جونين رفض جونين طلب عوزي بسحب قوة المظلات، ولم يوافق الا على اخلاء الجرحة فقط. وعندما قام الجنرال بارليف بزيارة الجنرال برن واكتف حقيقة موقف قوة المظلات صدق على سحبهم الى الخلف لاعادة التنظيم وتم تخصيص كتيبة مدرعة لانقاذ رجال المظلات المنبطحين على الرمال أمام المواقع المصرية. ولم يستطع "أهود" قائد الكتيبة المدرعة تحديد مكان قوة المظليين بقدعة، ولذا قام قائدهم باطلاق قنبلة دخان أحمر ليهديهم الى مكانه، واتضح أن هذا التصرف كان سلاحا ذا حدين فقد تمكن المصريون بدورهم من أن يحددوا بدقة موقع المظليين وصبت عليهم المدفعية المصرية وابلا من قذائفها، مما أحدث بهم خسائر جديدة. وبدأت الدبابات الاسرائيلية في الانقضاض على المواقع المصرية، وخلال دقيقتين اشتعلت النيران في ثلاث دبابات اسرائيلية بفعل الصواريخ المصرية المضادة للدبابات. ورغم النيران الكاسحة المصرية ظل المظليون صامدين في المعركة التي استمرت منذ منتصف الليل لمدة 14 ساعة متوالية. واتضح أن من المتعذر تخليص رجال المظلات وخروجهم مكشوفين من المعركة، ولذا تمت الاستعانة بالعربات المدرعة التي اندفعت تحت وابل من النيران وقامت باخلاء الجرحى.

وأخيرا أمكن أن تستبدل بقوة المظلات المتورطة كتيبة من لواء توفيا المدرع وسحبهم الى المخلف تحت ستر نيران الدبابات. وبلغت خسائر قوة المظلات 70 قتيلا و100 جريح فضلا عما فقدته من الأسلحة والمعدات. واعترف العقيد عوزي قائد المظلات أن هذهالمعركة هي أقسى ما خاضته قواته من معارك طوال مدة الحرب. وقد وصف موشي ديان في مذكراته قصة لقائه مع العقيد عوزي مائيري قائد قوة المظلات يوم 21 أكتوبر بعد انتهاء المعركة بأيام، فقال: "كنت أعرف عوزي جيدا منذ كان مديرا لمكتب رئيس الأركان في عهد بارليف، وكنت أعرف أنه فقد كثيرا من رجاله في المعركة، ولكني لم أكن أتوقع أن أراه على هذه الصورة من الاكتئاب. كان وجهه يحميل سيماء حزن يفوق الوصف، وتحدثنا عن معركته لفتح مدخل الطريق الى القناة. وقال حاييم بارليف الذي كان معي ان عوزي قد تكبد خسائر فادحة لكنه فتح الطريق. وظل عوزي متمسكا برأيه، فأصر على أنه لم يفتح الطريق وانما فتحته الدبابات، وقال: "كنت أود القول بأن وحدتي فتحت الطريق، ولكن هذا لم يحدث، ولقد خسرنا 70 رجلا لأننا تسرعنا جدا في البدء بالمعركة قبل أن نحصل على معلومات سليمة عن دفاعات العدو".

أول رد فعل مصري للعبور الاسرائيلي

عندما صدرت الأوامر بتطوير الهجوم شرقا ودفع الفرقة 21 المدرعة صباح يوم 14 أكتوبر من رأس كوبري الفرقة 16 مشاة لم يعد موجودا بالضفة الغربية للقناة في قطاع الجيش الثاني أي تشكيلات مقاتلة لسحق أي اختراق يقوم به العدو سوى اللواء 10 مشاة ميكانيكي بقيادة العقيد أ. ح محمود نمر (من احتياطي القيادة العامة) وكان مسئولا عن تأمين الضفة الغربية للقناة في قطاع القنطرة، والفرقة 23 مشاة ميكانيكية (عدا اللواء 24 المدرع الملحق على الفرقة 2 مشاة) بقيادة العميد أ. ح أحمد عبود الزمر وكانت متمركزة غرب القناة في النطاق الدفاعي الثاني للجيش الثاني الميداني شمال ترعة الاسماعيلية. ولتحقيق نوع من التوازن في النطاق الدفاعي الثاني أصدر اللواء سعد مأمون قائد الجيش الثاني أمره بتحرك اللواء 116 مشاة ميكانيكي من الفرقة 23 مشاة ميكانيكية الى قتاطع عثمان أحمد عثمان (تقاطع طريق الاسماعيلية القاهرة الصحراوي مع طريق القصاصين أبو سلطان)، وقد أطلق عليه هذا الاسم لوجود استراحة خاصة بعثمان أحمد عثمان بالقرب منه، ويقع على بعد حوالي 30 كم غرب القناة. وقد تم تمركز اللواء في منطقة التقاطع في الساعة الواحدة ظهرا يوم 13 أكتوبر وكلف بمهمة القيام بهجوم مضاد لصد أي اختراق للعدو جنوب ترعة الاسماعيلية حتى خط الحدود مع الجيش الثالث في الجنوب.

وتم تخصيص سرية مشاة مدعمة من اللواء 116 مشاة ميكانيكي للعمل ضد قوات الابرا الجوي المعادي. وقام هذا اللواء بدفع كتيبة مشاة ميكانيكية قامت باحتلال تقاطع طريق (أبو سلطان مع طريق المعاهدة) الموازي للقناة في الساعة الثانية بعد الظهر يوم 14 أكتوبر، ويقع هذا التقاطع على مسافة حوالي 5 كم غرب البحيرة المرة الكبرى ومطار الدفرسوار. وكان الشاطئ الغربي للبحيرة المرة الكبرى محتلا من الدفرسوار شمالا حتى فايد جنوبا بكتيبة مشاة كويتية، ومن فايد حتى خط الحدود مع الجيش الثالث بكتيبة الحراسة رقم 10 وهما كتيبتان ضعيفتا التسليح والتدريب. وكانت المجموعة رقم 129 صاعقة متمركزة في مطار أبو صوير وكتيبة هاون ثقيل وسرية كشف راداري متمركزتين في مطار الدفرسوار الذي لم يكن يستخدم لأغراض الطيران. وكانت مجموعة مدفعية الجيش رقم 1 تحتل مرابضعها جنوب ترعة الاسماعيلية بينما احتلت مجموعة مدفعية الجيش رقم 2 مرابضها شمال الترعة، وكان يتولى قيادتهما العميد أ. ح محمد عبد الحليم أبو غزالة قائد مدفعية الجيش الثاني. أما كتائب الصواريخ سام 2 وسام 3 المضادة للطائرات فكانت منتشرة في مواقعها على بعد حوالي 10-15 كم غرب القناة لتقديم الحماية اللازمة من الجو للقوات المصرية شرق وغرب القناة.

هذا ولم تصل أي معلومات إلى أي قيادة من القيادات المصرية عن عملية عبور لواء المظلات الاسرائيلي غربا الى الدفرسوار بقيادة العقيد داني مات التي بدأت حوالي الساعة الواحدة والنصف صباحا يوم 16 أكتوبر بواسطة القوارب المطاطية والتي انتهت في الساعة الخامسة صباحا الا في الساعة السابعة صباحا. فقد أبلغ قائد كتيبة الكشف الراداري مركز القيادة الرئيسي للجيش الثاني أن قائد السرية التابعة له في مطار الدفرسوار أبلغه عن وجود بعض الدبابات الاسرائيلية مع قوة من المظليين، وكان يطلب التصديق على تدمير جهاز الكشف الراداري الذي يتولى تشغيله حتى لا يقع في يد العدو. وعلى الفور أمر رئيس أركان الجيش الثاني بارسال دورية استطلاع في عربتين مدرعتين من كتيبة المشاة الميكانيكية المتمركزة في منطقة تقاطع طريق أبو سلطان مع طريق المعاهدة، لاستطلاع قوة العدو في مطار الدفرسوار الذي لم يكن يبعد عن مكان التقاطع أكثر من 5 كم شرقا، ولكن الدورية بسبب عدم قيامها باجراءات الوقاية اللازمة وقعت في كمين وتم تدميرها على مدخل مطار الدفرسوار، وتمكن أحد الجرحى من أفرادها من تبليغ رئاسته بالموقف حوالي الساعة التاسعة والنصف صباحا.

وفي حوالي العاشرة صباحا يوم 16 أكتوبر، وصل أول بلاغ عن وجود قوات اسرائيلية غرب القناة الى مركز القيادة المتقدم للجيش الثاني بمعسكر الجلاء بالاسماعيلية ، فقد ابلغ فرع استطلاع الجيش الثاني أن سرية الهاون الثقيل بمطار الدفرسوار أبلغت عن وجود 5 دبابات برمائية اسرائيلية في المطار. وفي الساعة العاشرة والنصف صباحا أبلغ رئيس فرع المياه عن ابرار جوي معاد، وأن العدو تمكن من الاستيلاء على الكوبري البيلي على ترعة السويس (حوالي 2 كم غرب القناة) الذي يمتد فوقه طريق أبو سلطان الى تقاطع عثمان.

وفي الساعة الحادية عشرة صباحا، صدرت أوامر قيادة الجيش الثاني الى كتيبة المشاة الميكانيكية المتمركزة عند تقاطع (طريق أبو سلطان – طريق المعاهد) بدفع سرية مشاة ميكانيكية مدعمة بفصيلة دبابات الى مطار الدفرسوار لتدمير قوة العدو بالمطار والتي قدرت وقتئذ بحوالي 5 دبابات، ولكن هذه السرية لم تلبث أن انقطع اتصالها مع قيادتها واتضح انها عجزت عن تحقيق مهمتها.

وقبيل الظهر قام العدو بأول عملية هجومية عميقة ف اتجاه الغرب، فبينما قامت قوة منه تقدر بحوالي 13 دباباة وبعض عربات نصف جنزير ومقذوفات موجهة صاروخية SS11 بمحاصرة موقع كتيبة المشاة الميكانيكية عند تقاطع (أبو سلطان – طريق المعاهدة) القريب من الدفرسوار، اندفع رتل من قواته يقدر بحوالي 8 دبابات و4 عربات نصف جنزير في اتجاه الغرب مخترقا الأرض الصحراوية شمال وصلة أبو سلطان في اتجاه تقاطع عثمان أحمد عثمان.

وفي الساعة الثانية عشرة ظهرا اتخذ اللواء تيسير العقاد الذي تولى قيادة الجيش الثاني بعد مرض اللواء سعد لواء مأمون صباح يوم 14 أكتوبر قراره بتدمير الرتل المتقدم للعدو في اتجاه العمق، فكلف قائد اللواء 116 مشاة المتمركز في منطقة تقاطع عثمان بالتحرك شرقا بمجموعة قتال تتكون من كتيبة مشاة ميكانيكية مدعمة بفصيلة دبابات وفصيلة مدافع اقتحام SU.100 وكتيبة مدفعية ميدان وسرية 37 مم مضادة للطائرات بمهمة تدمير العدو المتقدم في اتجاه تقاطع عثمان. ونتيجة لتحرك مجموعة القتال على الطريق الأسفلت المتجه من تقطاع عثمان الى اتجاه القناة دون دفع عناصر استطلاع في مقدمة القوة وتعيين حرس جنب لوقاية الأجناب ولعدم وجود دراية سابقة لهذه القوة بالأرض، وقعت مجموعة القتال بأسرها في كمين محكم نصبه العدو عند تقاطع وصلة أبو سلطان مع الطريق القادم شمالا من أبو صوير (على بعد 15 كم شرق تقاطع عثمان) مستغلا التجهيزات الهندسية السابقة للفرقة 16 مشاة في هذا التقاطع قبل عبورها الى شرق القناة. وانتهت المعركة باستشهاد قائد اللواء 116 مشاة ميكانيكي العقيد أ. ح حسين رضوان وتدمير 15 عربة مدرعة ب ك ومعظم الدبابات ومدافع الاقتحام، واحتلت القوات المتبقية بعد المعركة موقعا دفاعيا على بعد 6كم غرب منطقة التقاطع التي دارت فيها المعركة. أما الهجوم الذي شنته الدبابات الاسرائيلية على كتيبة المشاة الميكانيكية عند تقاطع أبوسلطان – طريق المعاهدة عقب القيام بحصارها ، فقد انتهى باختراق دفاعات الكتيبة وتشتت أفرادها وفقدها لقدرتها القتالية.

وعلى مستوى القيادة العامة بالمركز 10 بالقاهرة وصلت المعلومات الأولى من قيادة الجيش الثاني عن عبور العدو الى الغرب صباح يوم 16 أكتوبر ، وكانت المعلومات مقتضبة ولا تثير أي قلق أو انزعاج، اذ كان البلاغ يقول: "نجحت جماعات صغيرة من العدو في العبور الى الضفة الغربية، ويقوم الجيش الثاني باتخاذ الاجراءات اللازمة للقضاء عليها". ولكن في خلال نهار يوم 16 أكتوبر بدأت المعلومات تصل الى المركز 10 بان عددا من كتائب الصواريخ سام قد هوجمت بواسطة دبابات العدو وكانت بعض هذه الكتائب تقع على عمق حوالي 15 كم غرب القناة. وكانت الدبابات الاسرائيلية تظهر فجأة بقوة 7.5 دبابات بالقرب من أحد مواقع الصواريخ، ثم تشتبك مع الموقع من مسافة حوالي 2 كم، فتقوم بتدميره أو اسكاته، ثم تنسحب فجأة لتظهر في مكان آخر وهكذا. ولم تكن كتائب الصواريخ سام لديها الأسلحة الأرضية التي ترد بها على مثل هذا الهجوم، وبالتالي فان دبابات العدو كانت تنسحب بعد تنفيذ المهمة دون أن تلحق بها أي خسائر.

كيف ضللت القيادات المصرية عن حقيقة العبور الاسرائيلي؟

كانت البلاغات التي انهمرت على قيادة الجيش الثاني في صباح يوم 16 أكتوبر 1973 والتي اتسمت بعدم الدقة والتضارب، تشير الى أن عددا محدودا من الدبابات الاسرائيلية قد عبر الى الضفة الغربية للقناة. وكان البلاغ الذي كان من المفترض أن تعول قيادة الجيش عليه لصدوره عن الفرع المسئول عن جمع المعلومات عن العدو وهو فرع الاستطلاع بالجيش يشير بدوره الى وجود خمس دبابات اسرائيلية برمائية في مطار الدفرسوار. وحدث في هذا الوقت الذي كان يوجد فيه بمنطقة الدفرسوار غرب القناة لواء مظلات اسرائيلي كامل وحوالي 30 دبابة وعدد من العربات المدرعة نصف جنزير.

وكان القصور الشديد في أسلوب الاستطلاع والعجز الواضح في الحصول على المعلومات الصحيحة عن العدو الذي يعد من صميم عمل جهاز المخابرات الحربية في الميدان وكذا أفرع الاستطلاع في قيادة الجيش الثاني والتشيكلات التابعة له، سببا في تضليل القيادات المحلية في قطاع الجيش الثاني، ثم على مستوى القيادة العامة في القاهرة عن حقيق الأعمال القتالية التي كان يجريها العدو وقتئذ، مما جعل الانطباع يسود بين هذه القيادات بأن الدبابات الاسرائيلبية التي شوهدت والتي تم التبليغ عنها ليست سوى اغارة اسرائلية جريئة قصد منها احداث أكبر قدر من البلبلة والازعاج في صفوف القوات المصرية في هذه المنطقة كنوع من أنواع الحرب النفسية، وأن القوة الاسرائيلية المغيرة لن تلبث أن تعود أدراجها الى الضفة الشرقية قبل أن تتعرض لخطر الابادة أو الأسر.

ونتيجة للتهوين المستمر من جانب القيادات المحلية بشأن حجم ومهمة القوة الاسرائيلية المغيرة، لم يخطر على بال أحد في قيادة الجيش الثاني أو القيادة العامة بالقاهرة أن ما يجري من وراء ظهورهم في الدفرسوار هو عملية حربية واسعة النطاق لاقامة رأس كوبري على ضفتي القناة، وأنه لن يمر سوى وقت قصير حتى تعبر من خلال معبر الدفرسوار ثلا فرق مدرعة اسرائيلية كاملة الى الضفة الغربية للقناة.

ومن الثابت أن المعلومات عن وجود دبابات اسرائيلية في منطقة الدفرسوار غرب القناة قد وصلت من قيادة الجيش الثاني الى القيادة العامة في المركز 10 بالقاهرة في صباح يوم 16 أكتوبر. ورغم أن البلاغات كانت مطمئنة ولا تثير أي ازعاج على اعتبار أن القيادات المحلية قادرة على القضاء على هذه القوة الصغيرة للعدو، فان اللواء 23 المدرع ( من الفرقة 3 مشاة ميكانيكية باحتياطي القيادة العامة ) والذي كان متمركزا بالقاهرة تلقى أمرا انذاريا من هيئة العمليات برفع درجة استعداده وأن يكون جاهزا للتحرك الى قطاع الجيش الثاني بالقناة في ظرف ساعة من صدور الأمر اليه.

والأمر الذي يثير التساؤل هو أنه رغم وصول التبليغات عن وجود قوة اسرائيلية غرب القناة الى القيادة العامة ورغم استنفار اللواء 23 المدرع للاستعداد للتحرك، فان أكبر مسئولين عن الحرب في مصر – وهما رئيس الجمهورية والقائد العام للقوات المسحلة – لم يتم ابلاغهما على الفور بذلك النبأ المثير. فقد ثبت من أقوال الرئيس الراحل السادات والفريق أول أحمد إسماعيل أنهما حضرا جلسة مجلس الشعب التي عقدت ظهر يوم 16 أكتوبر والتي ألقى خلالها السادات خطابه الشهير الذي أعلن فيه شروط مصر لوقف اطلاق النار دون أن تصلها قبل حضور الجلسة أي معلومات عن وجود دبابات اسرائيلية غرب قناة السويس.

وفي حديث صحفي للفريق