الكرد خارج كردستان

من معرفة المصادر

الكرد خارج كردستان، كتاب من تأليف د. محمد الصويري.

محتويات

الفصل الأول: كرد لبنان

نزل الكرد جبل لبنان منذ أمد طويل، وتوجد منهم اليوم شريحة كبيرة ضمن المجتمع اللبناني قدر لها أن تؤدي دوراً بارزاً في صنع تاريخ لبنان السياسي والاجتماعي خلال العهد العثماني وفي العصر الحديث. فمن هذه الأسر العريقة في جبل لبنان المعنيون وآل العماد والجنبلاطيون، وآل المرعبي وآل عبود وآل سيفا في عكار وطرابلس في الشمال، وآل الفضل والصعبيون في الجنوب، وغالبيتهم أسر إقطاعية قوية النفوذ هاجرت إلى لبنان في فترات زمنية مختلفة ولأسباب مختلفة أيضاً، فمثلاً الأيوبيون قدموا في فترة الحروب الصليبية بقصد حماية الثغور الإسلامية ، ومنهم من قدم في مطلع القرن الرابع عشر ونزلوا في منطقة طرابلس ومنطقة عكار والضنية وذلك بهدف توطيد حكم المماليك على بلاد الشام(1).والجنبلاطيون الذين قدموا في القرن السابع عشر إلى جبل الشوف هرباً من الصدر الأعظم مراد باشا ومن والي الشام سليمان باشا وذلك بعد ثورة علي باشا جان بولاد في منطقة حلب – سيواس سنة 1606م(2). كما عرفت مدينة زحلة الأكراد ردحاً طويلاً، وتعاملت معهم عندما كانت نقطة تلاقي الطرق التجارية يقصدها البدو وأكراد كردستان ليبادلوا منتجاتهم الحيوانية ومواشيهم بالبضائع اللبنانية والأوروبية. كما أن الدولة العثمانية كانت تعتمد بالدرجة الأولى على الأمراء الأكراد وتعينهم في المناصب الإدارية كولاة ومتصرفين وقادة جيش وشرطة في الولايات العربية، وهذا وحده يفسر ظاهرة بروز شخصيات كردية على مسرح الأحداث في الأقطار العربية، ولكن هذه الشخصيات لم تلبث أن قويت واستقرت وكثر عددها وأحفادها، ولم تلبث أن تكيفت مع البيئة الجديدة واعتنقت المذاهب والأديان السائدة فيه(3).

وهناك جالية كردية حديثة هاجرت من منطقة الجزيرة السورية ومن مناطق ماردين وبوطان في تركيا بعد فشل الثورات الكردية هناك ضد الدولة التركية الحديثة، ويتمركزون اليوم في مدينة بيروت منذ العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي، إذ يبلغ تعدادهم فيها نحو 150 ألف نسمة، منهم 15 ألف في بيروت الغربية في منطقة زقاق البلاط بالذات.

ولقد أدى أكراد لبنان دورا حيويا وبارزا على مسرح الحياة السياسية فيها، بل تجاوز نفوذهم إلى خارج لبنان ، عندما برزت منهم عائلات مرموقة تزعمت جبل لبنان أمثال المعنيين الذين بسطو نفوذهم على جبل لبنان وشمالي فلسطين وجبل عجلون في الأردن في القرن السابع عشر، وعائلة جنبلاط الذين برزوا كقوة حقيقية خلال القرن الثامن عشر واستمر نفوذهم السياسي إلى الوقت الحاضر، وهناك أمراء رأس نحاش الأكراد الذين برزوا في منطقة الكورة في شمالي لبنان، وآل مرعب الذين حكموا منطقة عكار في شمالي لبنان.

وغالبية أكراد لبنان مسلمون، منهم سنة، والآخرون شيعة مع المتاولة في جنوبي لبنان، ومنهم دروز كآل جنبلاط والمعنيين وآل العماد، وبعضهم تنصر، وفيما يلي لمحة موجزة عن أشهر العائلات الكردية في لبنان :

المعنيون (1516-1697م)

المعنيون هم من سلالة معن بن ربيعة الأيوبي الكردي، كان أجدادهم يعيشون في بلاد فارس ثم في الجزيرة الفراتية، ومنها انتقل جدهم معن بن ربيعة الأيوبي الكردي إلى جبل لبنان في القرن السادس عشر الميلادي، وقد أكد صحة هذا النسب ما ذكره المؤرخ محمد أمين المحبي في كتابه " خلاصة الأثر" بقوله كان بعض أحفاد فخر الدين المعني يروى عنه أنه كان يقول:" أصل آبائنا من الأكراد سكنوا هذه البلاد"(4)، وأصبح أحفاد هذا الأمير من أشهر حكام جبل لبنان والشوف خلال سنوات 1516-1697م، وعرفوا بأمراء الدروز، وامتد نفوذهم على سائر البلاد اللبنانية، وأجزاء من سورية وفلسطين والأردن، ودان لهم الدروز وتمذهبوا بمذهبهم، ومن أشهر رجالهم الأمير قرقماز، وفخر الدين المعني الأول، وفخر الدين المعني الثاني، وأحمد بن ملحم الذي مات بلا عقب، فانقرضت سلالة المعنيين، وانتقل الحكم إلى الشهابيين بعد مؤتمر السمقانية عام 1697م.

لقد دخل معن الأيوبي لقتال الصليبين في إنطاكية، فظهرت شجاعته واشتهر، إلا أنه لم يظفر، فانهزم ببقايا رجاله سنة 513هـ/1108م إلى الديار الحلبية، وكان فيها الأتابك ظهير الدين طغتكين بن عبد الله،فأمره أن يذهب مع عشيرته إلى البقاع ومنها إلى جبل لبنان، ليشن الغارات على الإفرنج في الساحل، فتوجه إلى هناك وأنزل عشيرته في بلاد الشوف بجبل لبنان، وقويت صلته بالأمير التنوخي " بحتر" فتحالفا معاً على محاربة الصليبيين، وساعده بحتر على البناء في الشوف وقصدها أهل البلاد التي استولى عليها الصليبون، فصمدت. وأقام معن في بلدة " بعقلين" واستمر في إمارته إلى أن توفي سنة544هـ/1149م (5).

وقد حكم أبناء معن جبل لبنان والشوف من سنة1516حتى سنة 1697م، وعرفوا " بأمراء الدروز" ، إذ امتد نفوذهم على ساحل البلاد اللبنانية وأجزاء من سورية وفلسطين والأردن، وقد نال أحد أمرائهم فخر الدين المعني الأول الحظوة لدى السلطان العثماني سليم الأول عندما ساعده في معركة مرج دابق التي أنهت حكم المماليك لبلاد الشام ومصر ومهدت الطريق لحكم العثمانيين للعالم العربي لمدة ربت على أربعة قرون، وتقديراً له خلع عليه السلطان سليم لقب (أمير البر)، حكم الشوف، واتخذ بعقلين عاصمة له، واشتهر بفصاحته، اغتيل بأمر من والي دمشق سنة 1544م(6).

خلفه في الحكم ابنه الأمير قرقماز سنة1544م، وقد اتهم بسلب أموال الخزينة العثمانية عن طريق جون عكار، وأرسل الباب العالي إبراهيم باشا حاكم مصر للاقتصاص منه، فهرب إلى مغارة شقيف بالقرب من نيحا الشوف وتوفي بها سنة 1585م(7).

ثم خلفه في الحكم ابنه الأمير الشهير فخر الدين المعني الثاني، من مواليد بعقلين سنة 1572م، فقد علا صيته وشأنه، أنشأ جيشاً قوياً واستعاد مكانته بعد انتصار القيسيين على اليمانيين سنة 1591م، وتحالف مع علي جنبلاط( كردي - درزي) ضد ابن سيفا الكردي في طرابلس الشام، كما نظم الجيش، والضرائب، وسعى إلى توحيد بلاده، وتحالف مع توسكانيا في إيطاليا ليقدموا له الخبرة في صب المدافع وتطوير الزراعة، ومد نفوذه على صيدا وصفد ونابلس وعجلون، وحاول الاستقلال عن الدولة العثمانية،فبعثت الدولة العثمانية الوزير أحمد باشا نائب دمشق لمحاربته، وحدثت بينهما وقعات، ولم يظفر نائب دمشق منه بنصر، مما زاد من سطوة فخر الدين من خلال الاستيلاء على البلاد، وبلغ أتباعه نحو المائة ألف من الدروز والسكبان، واستولى على بلاد عجلون والجولان وحوران وتدمر والحصن والمرقب والسلمية، وسرى حكمه من بلاد صفد إلى إنطاكية، وبلغ شهرة وافية، وقصده الشعراء من كل ناحية، ومدحوه.

ولما تحقق السلطان العثماني مراد خان من سطوته ونفوذه وخروجه على سلطانه، صمم على مقاومته وإنهاء تمرده ونفوذه، فبعث لمحاربته الوزير أحمد باشا المعروف بالكوجك، وعين معه أمراء وعساكر كثيرة، فتوجه إليه، وانتصر عليه سنة 1633م، وقتل أولاً ابنه الأمير علي حاكم صفد، ثم قبض على فخر الدين ودخل به دمشق بموكب حافل، وهو مقيد على الفرس خلفه، ثم أرسله إلى الآستانة ومعه ولداه الأميران مسعود وحسين،وهناك تم حبس فخر الدين، وأرسل ولديه إلى سراي الغلطة، وفي سنة 1635 أمر السلطان مراد وزيره بيرام باشا بقتله، ورميت رقبته في مكان للوحوش يدعى بأرسلان خانه، وألقيت جثته في المكان المعروف بآت ميدان. أما أملاكه وعقاراته فقد وهبها السلطان إلى أحمد باشا كوجك. ثم عمدوا إلى ابنه مسعود فخنق وألقي بالبحر، أما حسين فشفع له صغر سنه فأبقوه في سراي الغلطة كعادتهم،وترقى في الرتب وتولى عدة مناصب عليا في الدولة العثمانية، فصار حاجباً في البلاط الثاني، فرئيساً للحجاب، فسفيراً في الهند ،ويقال إن طموح فخر الدين وتوسعه وتمرده وعدم تقديره لقوة الدولة العثمانية شجعه على ذلك، ولكنها أدت إلى فشل ثورته وانتهت به إلى مأساته المعروفة، وقد قال كمال الصليبي: تمكن فخر الدين عن طريق تشجيع الإنتاج وحماية التجارة، من ربط إمارته اقتصادياً إلى حد ما بالركب الأوروبي وجعلها زاوية صغيرة تنفذ إليها الفضة من بلاد الغرب، فنعمت البلاد في ظله بالازدهار لم يكن له مثيل في أي جزء آخر من بلاد السلطنة(8).

ثم تولى الإمارة بعده ابنه علي الذي توفى سنة 1635، فآلت الإمارة إلى الأمير ملحم الذي أعاد الأمن إلى المنطقة، وتوفي سنة 1657م، وبعده تولى الإمارة ابنه أحمد سنة 1657م، وكان آخر أمراء بني معن، إذ توفي سنة 1697 بدون عقب، وبذلك انقرضت سلالة المعنيين الذكور، وانتقل الحكم إلى الشهابيين بواسطة ابنته والدة الأمير حيدر موسى بعد مؤتمر السمقانية عام 1697م(9)، وقد أذن العثمانيون لأعيان لبنان انتخاب ابن أخته الأمير شهاب من وادي التيم، أميراً على البلاد، وهكذا أصبح الشهابيون أقرباء المعنيين وأصحاب وادي التيم أمراء على لبنان(10).

الأيوبيون

قدم الأيوبيون إلى لبنان في سنة 1139م، إذ تم تعيين أيوب بن شاذي والد صلاح الدين الأيوبي والياً على مدينة بعلبك، بعدما كانوا في قلعة تكريت في خدمة نور الدين زنكي، ثم رحلوا إلى الموصل فبعلبك، ومما يؤكد الانتماء الكردي للأسرة الأيوبية ما ذكره المؤرخ اللبناني كمال الصليبي بقوله:" الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شاذي مؤسس الدولة الأيوبية في مصر، وكان أيوب بن شاذي وأخوه شيركوه من أكراد تكريت في العراق"(11). ثم ذهبوا إلى دمشق ثم مصر وأسسوا الدولة الأيوبية المعروفة.

كما كان هناك أمراء أيوبيون سكنوا مقاطعة الكورة في الشمال، ومن الذين أشاروا إلى موقع الأيوبيين في تلك المناطق ما ذكره كمال الصليبي بقوله:" وفي أيام الأيوبيين كان لأحد أمرائهم قلعة في المسيلحة، فأحد أودية لبنان الشمالي صعوداً من بلدة البترون.. ما زالت الأسوار الرائعة لهذه القلعة قائمة حتى اليوم".(12)

وفي عهد الفاطميين الذين حكموا الأجزاء الجنوبية من لبنان أدخلوا إلى بعض مناطقها مستوطنين من العسكريين الأكراد ومن بينهم الأيوبيون، وأحفادهم لازالوا في قرية من قضاء البترون في شمالي لبنان يقال لها" رأس نحاش"، يحرصون على حفظ لقب الإمارة بالرغم من انحدار نفوذهم على المستويين الاجتماعي والاقتصادي، وربما هم الذين عناهم طنوس الشدياق في كتابه " أخبار الأعيان في جبل لبنان" تحت اسم" أمراء رأس نحاش"(13).

أمراء رأس نحاش

هؤلاء الأمراء ينتسبون إلى الأكراد الذين وضعهم السلطان العثماني سليم الأول في مقاطعة الكورة شمالي لبنان في القرن السادس عشر، من أجل المحافظة عليها من الإفرنج سنة 1556م، وقد اشتهر منهم عدة أمراء، مثل:الأمير موسى والد الأمير إسماعيل سنة 1637م، وقد استخدمه شاهين باشا والشيخ علي حمادة وأرسلهما بقوة عسكرية لمحاربة آل سيفا في طرابلس وعكار وحصن الأكراد.

وهناك الأمير إسماعيل ، وفي سنة 1655 سار محمد باشا الكبرتي لقتاله وقتال الشيخ سعيد حمادة لعصيانهما بالمال الأميري، فقاتلهما فانكسرا وانهزم الأمير إسماعيل إلى الأمير أحمد بن ملحم المعني، فسلمه مدينة صور، ثم قتله قبلان باشا، وفي سنة 1693 ولى علي باشا الصدر الأعظم الأمير حسين على بلاد جبيل، وفي سنة 1771 أمر الأمير يوسف الشهابي بحرق قرية( عفصدين) قرية إسماعيل أحمد، وبذلك انتهى أمرهم في القرن الثامن عشر(14).

آل جنبلاط

آل جنبلاط من العائلات المشهورة في لبنان، وهم أكراد في الأصل، دروز المذهب، يسكنون اليوم في قضاء الشوف بجبل لبنان ، وتعد بلدة " المختارة" قاعدة لهم. وقد قامت هذه الأسرة بدور سياسي فاعل أيام الدولة العثمانية في شمالي الشام، وفي جبل لبنان، كما أدت دوراً مماثلاً في تاريخ لبنان الحديث.

تنتسب هذه الأسرة إلى الأمير جان بولاد بن قاسم بك بن أحمد بك بن جمال بك بن عرب بك بن مندك الأيوبي الكردي، المنحدر من عشائر الأيوبيين الأكراد، وكان يعرف بابن عربي، وتولى إمارة معرة النعمان وحلب وكلس في شمالي الشام أيام الدولة العثمانية، وقد ذهب مع والده إلى استانبول، وهناك دخل مدرسة السراي السلطاني(اندرون همايون)، ثم دخل السلك العسكري في زمن السلطان سليمان القانوني، واشترك معه في حملته على بلغراد ومولدادا وعلى جزيرة رودس، واشتهر بشجاعته وجسارته، مما حببه إلى السلطان سليمان القانوني، الأمر الذي دعا جان بولاد الطلب منه بإعادة ملك أبيه له، فلبي طلبه وأعادت الدولة ملكه بفرمان سلطاني، وهناك سار في خطة حازمة وساس مقاطعته( حلب وكلس) بكل جدّ وثبات، وصار أمير الأمراء،عاش تسعين عاماً، وتوفى سنة 980هـ /1572م، ويعد الجد الأكبر والمؤسس لأسرة جان بولاد (جنبلاط) النبيلة، ويذكر في الشرفنامة أنه ترك سبعين ولداًً(15).

ولقد أقلق آل جنبلاط بال الدولة العثمانية في مطلع القرن السابع عشر بغية الاستقلال بإمارتهم في حلب وكلس شمالي الشام، فقاموا بثورات متتالية ضد السلطنة، كان من أبرزها ثورة حسين باشا جانبلاد والي حلب، وقد قتله الصدر الأعظم العثماني حين عودته من محاربة الصفويين ، لأنه تباطأ في نصرته، وعندما علم الأمير علي بمقتله ثار ضد الدولة وسار إلى طرابلس فاستولى عليها وأخذ تلك البلاد حكماً مستقلاً ، ولكن الدولة سيّرت إليه جيشاً فاستطاع الوقوف ضده وكسره عام 1607م، ولم يجد هذا الأمير إلا أن يسلم نفسه للسلطان الذي عفا عنه وعيّنه والياً على طمشوار بالنمسا، وفي نهاية الأمر قتله السلطان . كما قام بالثورة ضد الدولة التركية ابن أخيه علي باشا، لكن ثورات آل جنبلاط انتهت بالفشل، وشهد التاريخ لهذه الأسرة بدورها الحافل في حلب واستانبول ولبنان، وكان لبعضهم تحالفات مع المعنيين الكرد في جبل لبنان.

وقد بدأت أولى سلالتهم في لبنان سنة 1630م عندما نزل جانبولاد بن سعيد وابنه رباح لبنان بدعوة من الأمير فخر الدين المعني الثاني لما كان بينهما من ود وصداقة، ورحب به أكابر جبل لبنان ودعوه إلى الإقامة في بلادهم، فأقام في مزرعة الشوف، واعتمد عليه الأمير فخر الدين الثاني في مهمات أموره.

وبعد ذلك تزوج أحد أحفاده المدعو علي بن رباح جانبلاط ابنة الشيخ قبلان القاضي التنوخي كبير مشايخ الشوف لارتفاع نسب بيت علي الجنبلاطي، وعلو مقامه. ولما توفي القاضي التنوخي بلا عقب سنة 1712م اتفق أكابر الشوف أن يكون صهره (علي) في مرتبة الشيخ قبلان رئيساً عليهم. وبذلك اعتنق الجنبلاطيون المذهب الدرزي بعد أن كانوا على المذهب السني، وولى الأمير حيدر الشهابي الأمير علي جنبلاط مقاطعات الشوف، فسلك منهج العدل والرحمة في حكمه، ونشر الأمن، وساد العدل، واستمال الناس إليه، وكثر أعوانه من كل الطوائف والملل، وكان محباً للعلم والعلماء، كريماً حليما فاضلا، حتى أصبح شيخ المشايخ، أدركته الوفاة في بعذران سنة 1776م، وترك ست أولاد وهم ( يونس ونجم ومحمود وحسين وقاسم وجانبولاد)، وخلفه في الحكم ابنه الأمير قاسم، وكان مهيباً وديعاً عادلاً، توفى سنة 1791م، وكان من أولاده حسن وبشير وإسماعيل، وقد خلفه ابنه الشيخ بشير بن قاسم جنبلاط وصار من زعماء الإقطاع في عهد الأمير بشير الثاني الشهابي، ويعزى إليه بناء قصر المختارة، وإصلاح الطرق ، وإقامة المعابد، ونشر الأمن والعدل بين الرعية، حتى لقب بشيخ المشايخ، قتله عبد الله باشا والي عكا سنة 1825م(16).

ومن الذين اشتهروا في عالم السياسة في العصر الحديث السيدة نظيرة جنبلاط عقيلة فؤاد جنبلاط ، التي ترملت سنة 1922، فخلفت زوجها على مسرح السياسة اللبنانية، وكان لها دور فاعل، توفيت في بيروت سنة 1951م، فخلفها على المسرح السياسي ابنها كمال جنبلاط أحد كبار ساسة ومفكري لبنان، وكان له حضور سياسي في سياسة لبنان في فترة الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، ووضع الكثير من المؤلفات، اغتيل عام 1977، فخلفه في زعامة الدروز ابنه الأستاذ وليد جنبلاط، الذي شغل مناصب وزارية وبرلمانية عدة ، ويعد اليوم أحد أبرز أقطاب السياسة في لبنان المعاصر.

وقد عرف عن آل جنبلاط حسن السياسة، والكرم والجود، والاهتمام بالعمران، وكانوا عيون العدل والعلم والإصلاح، واحترام الطوائف الأخرى وخصوصاً المسيحيين، إذ سمحوا لهم بإقامة الكنائس في منطقتهم، وكلمة جانبلاط أصلها من كلمة (جان بولاد) كردية التي تعني (الروح الفولاذية)، وقد لقبوا بها لشدة بأسهم، وفرط شجاعتهم، وحسن سياستهم، وقد حرفت مع الاستعمال إلى جنبلاط.

آل سيفا

آل سيفا حكام طرابلس الشام في لبنان، اشتهروا بالكرم والأدب، وهم أكراد في الأصل، نزحوا من بلادهم واستوطنوا سهل عكار وطرابلس في شمالي لبنان، ومنها تولوا الحكم في طرابلس لمدة مديدة، وعلا شأنهم، ولا يزال في طرابلس أوقاف كثيرة باسمهم، يقتسم ريعها آل الشهال وغيرهم ممن يمتّون لهم بالنسب(17).

وقد قاموا بدور رئيسي في حياة لبنان السياسية خلال العهد العثماني، وكان لهم صدامات وصراعات مع المعنيين في جبل لبنان. ومما يؤيد الرأي القائل بكردية آل سيفا ما ذكره إبراهيم بك الأسود في كتابه " إنهم أمراء أكراد استقرت لهم الإمارة بين الأعوام 1528و 1579م، عندما رقي الأمير يوسف بن سيفا سنة 1579م إلى رتبة وزير وعين والياً على طرابلس(18). وأكد أيضاً المؤرخ المعروف فيليب حتي بقوله:" وانتقل الحكم بعد بني عساف إلى منافسيهم بني سيفا في عكار، وكان بنو سيفا من أصل كردي، وقد اتخذوا من طرابلس مقراً لهم.."(19).

ويذكرهم الرحالة اللبناني رمضان العطيفي الذي زار طرابلس بقوله : " إن أخبار بني سيفا بالمكارم والكرم وإسداء الفضل إلى أهل الفناء والعدم أشهر أن تذكر، حتى كان يقصدهم المحتاج وغير المحتاج من سائر البلاد ، ويقال عنهم إنهم أحيوا أيام البرامكة" .

وقال عبد الله نوفل : " آل سيفا المشهورين بالكرم والأدب كانت لهم العزة الزاهرة والدولة الطاهرة حتى صاروا مقصد كل شاعر، ومورد كل مادح، وكانوا يعطون أعظم الجوائز، وهم أكراد نزحوا من بلادهم واستوطنوا عكار، ومنها تولوا الحكم في طرابلس ، ومنهم آل الشهال..." (20).

وقد حكمت هذه الأسرة المنطقة الواقعة بين نهر الكلب ونهر إبراهيم في القرن السادس عشر ، عندما تولى يوسف باشا ابن سيفا منصب حاكمية طرابلس الشام من قبل الدولة العثمانية 1579م . واستمر في منصب الولاية بعدما أبعد عنه عدة مرات حتى وفاته عام 1624م . وقد جرت بينه وبين الأمير فخر الدين المعني الثاني (1585 – 1635م) العديد من المعارك والتالفات عبر سنوات طويلة . وأدت تلك الحروب إلى خراب طرابلس ونهبها مرتين. واستمر آل سيفا في حكم طرابلس حتى الأربعينيات من القرن السابع عشر إلى أن استأصل شأفتهم شاهين باشا، بعد أن وصفوا بالكرم والفضل، ومقصد المحتاجين(21).

وتولى بعده الأمير حسين بن يوسف باشا، وكان قد تولى في عهد والده كفالة طرابلس الشام، ثم عزل عنها، ثم ولي كفالة (الرها= أورفا) ثم تركها وقدم حلب ولم يكن محمد باشا قره قاش واليها يودّه، فقبض عليه بالحيلة، وسجنه في القلعة، وخنقه بحلب بأمر من السلطان العثماني، وبعث بجثته إلى والده في طرابلس الشام سنة 1026هـ /1617م، وبكت عليه جماهير كثيرة لحسنه وشجاعته وبطولته ، ولم يتجاوز من العمر الثلاثين سنة(22).

وبرز منهم الأمير محمد بن الأمير علي السيفي الطرابلسي ، الذي تولى الحكم في طرابلس بعد الأمير يوسف باشا السيفي، وكان من أهل الأدب والفضل السامي، وله شاعر خاص يدعى محمد العكاري، توفي سنة 1025هـ/1623م . وكانت فضائله تستغرق العد. و له معارك مع الأمير فخر الدين المعني. قال المؤرخ المحبي في كتابه( خلاصة الأثر): الأمير محيي القريض ( المواليا ) الكثير . توفي مسموما وهو مسافر إلى بلاد الروم في قونية ( تركيا ) . وانهار البيت السيفي بعده. رثاه الشاعر حسين بن الجزري بقوله :

ولما احتوت أيدي المنايا محمــــد آل أمير ابن سيفا طاهر الروح والبدن

تعجبت كيف السيف يغمد في الثرى وكيف يواري البحر في طيه الكفن(23).

ويعدّ عهد آل سيفا في مدينة طرابلس الذي استمر حتى الأربعينيات من القرن السابع عشر عهداً ذهبياً بالنسبة لها على الرغم مما شاهدته من حروب ومآسِ. ويذكر الرحالة رمضان العطيفي الذي زار طرابلس عام 1634 بقوله :" إن أخبار بني سيفا بالمكارم والكرم وإسداء الفضل لأهل الفناء والعدم أشهر من أن تذكر، حتى كان يقصدهم المحتاج وغير المحتاج من سائر البلاد، ويقال إنهم أحيوا أيام البرامكة-أيام هارون الرشيد-"(24).

ومن رجالاتهم الفاضل الشيخ محمد بن محمد بن علي بن يوسف بن محمد بن رجب بن سعد الدين باشا المنسوب لبني سيفا الأكراد في طرابلس الشام، ولد فيها سنة 1285هـ /1868م. وتلقى علومه الدينية على يد الشيخ حسين ولازمه مدة عشر سنوات حتى أجازه بالتدريس. وأخذت الطلبة ترد إليه من سائر الجهات ، ثم عمل مدرساً للغة العربية في مدرسة كفتين الداخلية الوطنية الكبرى في طرابلس . ثم سافر إلى الآستانة ولبث هناك مدة ، وبعد رجوعه شرع في تأليف رسالة في علم الفلك ، ثم أخذ يفسر القرآن الكريم في أسلوب مختصر ، وألف رسالة عن " دود الحرير وتربيته وحفظه" ، ونال على ذلك جائزة من الحكومة العثمانية مع الميدالية الذهبية ، ثم ألف رسالة في " كيفية استخراج الزيوت من النباتات"، وله " مختصر رسالة في علم المعاني والبيان" .

وله خدمات وطنية تذكر بالشكر ، وكان رضي الأخلاق، حسن المعاشرة، وفياً لأصدقائه ، واسع الاطلاع، توفي سنة 1336هـ/1918م(25) .

واستمرت هذه الأسرة تكبر وتقوى حتى غدت ذات قدرة وبأس، فخاف العثمانيون من خطرها وحرضوا ضدها بعض الولاة. وفي عام 1640 بادر متصرف طرابلس شاهين باشا إلى قتل الأمير عساف سيفا زعيم الأسرة آنذاك، ثم قضى على جميع أفرادها ومحقهم تقريباً(26).

آل الشهال

آل الشهال من الأسر الكريمة والقديمة في مدينة طرابلس الشام ، وهم يمتون في نسبهم لآل سيفا الأكراد حكام طرابلس على مدى أعوام طويلة، ويؤيد نسبهم أنهم يأخذون مع بعض العائلات من ربع أوقاف آل سيفا، وبرز من هذه العائلة أفراد اشتهروا بالشعر والأدب، كالشيخ محمود بن عبد الله الشهال، وابن عمه الأستاذ محمد، والأديب فضل أفندي، والفاضل القانوني جميل أفندي رئيس محكمة صيدا. ومن شعرائهم المجيدين الشاعر الشيخ محمود بن عبد الله الشهال. الذي ولد في طرابلس لبنان سنة 1252هـ /1835م، وقد تعلم على يد شيوخ طرابلس ودخل في سلك موظفي الدولة العثمانية فعين مديرا في طرابلس، وعضوا في مجلس البلدية أعواما طويلة ، وعمل رئيس كتاب مجلس الحقوق وغير ذلك من الوظائف الإدارية، وكان حسن المحاضرة مفوها واسع الاطلاع ، جهوري الصوت ، ماهراً في تلحين القصائد، وله موشحات جميلة . كان شاعراً مطبوعا مجيدا نظم في سائر أبواب الشعر ، وكان غزير المادة ، رقيق الأسلوب ، لطيف المعاني . له ديوان مطبوع(27) .

آل خضر آغا

آل خضر آغا من الأسر الكريمة في طرابلس لبنان وهم أكراد حسبما قال حبيب نوفل في كتابه: ولقد اطلعت على حجج ووثائق شرعية كثيرة ممهورة بأختام قضاة ذلك العصر ومفاتيه، وأجلاء الشيوخ والعلماء تؤكد صحة اتصالهم بالنسب لآل سيفا( الأكراد)، ومن تلك الوثائق التي تؤكد نسبهم الوثيقة الآتية " بمجلس الشرع الشريف ومحفل الحكم المنيف بطرابلس الشام المحمية لنصب متولية سيدنا... وناقل ذا الخطاب المدعي فخر الأماثل الكرام إبراهيم آغا ابن المرحوم مصطفى آغا خضر زاده مشرفا شرعياً وناظراً على وقف الست أصيل بنت يوسف باشا السيفي زوج خضر آغا العائد وقفها على ذريته الذي هو جد الناظر المنصوب الأعلى بتصادق مستحقي الوقف وأذن له بالإشراف على الوقف، والنظر على متوليه الحاج أحمد آغا خضر آغا ، بمعنى أن لا يتقاضى أمرا ولا مصلحة في الوقف بدون إطلاعه ... وسطر بالطلب عن شهر رجب سنة 1245هـ"(28).

ولقد نبغ منهم رجال لمعوا في سماء الوجاهة والكرم كخضر آغا بن مصطفى ضابط الراجلين المحافظين بطرابلس، وهناك محمود آغا رئيس بلدية طرابلس وعضو في مجلس إدارتها، وشقيقه سعيد آغا رئيس بلدية طرابلس.

آل العماد/ العماديون

أسرة كبيرة معروفة تقيم في جبل لبنان وذات منابت إقطاعية، تعود بنسبها إلى جدهم (عماد)، وهو كردي الأصل قدم من مدينة ( العمادية) القريبة من مدينة الموصل في كردستان العراق، إذ جاء مهاجراً إلى لبنان وسكن قرية ( مرطحون)، ثم ارتحل إلى الباروك، ومنها انتقل أحفاده إلى منطقة الشوف ، فاعتنقوا المذهب الدرزي الشائع هناك وأصبحوا من كبار الملاكين، كما اعتنق بعضهم الديانة المسيحية المارونية. ومما يؤيد كرديتهم ما كتبه الدكتور سليم الهيشي بقوله:" يمتون بصلة القربى إلى عماد الدولة الديلمي الكردي الذي حكم منطقة العمادية...".

أما الدور المهم الذي قام به العماديون في تاريخ لبنان عموماً، ومع الدروز خصوصاً هو تزعمهم للحزب اليزبكي... نسبة إلى الجد الأعلى للشيخ العماد وهو يزبك، وهم اليوم دروز المذهب(29).

آل مرعب أو المراعبة

المراعبة من أمراء عكار في شمالي لبنان، ينسبون إلى الأكراد الرشوانية، قدم جدهم مرعب إلى بلاد طرابلس من منطقة عفرين الكردية في سورية، وتوطنت سلالته سهل عكار، وهم من الأسر الإقطاعية العريقة في لبنان، ويعتنقون المذهب السني، ومما يؤيد نسبهم ما ذكره أحمد محمد أحمد في كتابه( أكراد لبنان) بقوله" أمراء ينتسبون إلى جدهم مرعب أحد بكوات الأكراد في هكاريا( سلسلة جبال تمتد في المناطق الكردية الموجودة ضمن تركيا والعراق)"(30). وما ذكره أيضاً حبيب نوفل في كتابه( تراجم علماء طرابلس) بقوله:" بنو مرعب أكراد الأصل، قدم جدهم من بلاده واتخذ عكار موطناً، وتملكت سلالته الدور الشاهقة والأملاك الواسعة في تلك البلاد، وتولى منهم حكومة طرابلس مثل الأمير شديد الذي تواقع مع عيسى حمادة سنة 1714م، وعثمان باشا المرعبي في القرن التاسع عشر، وعلي باشا الأسعد المرعبي، ومنذئذ تلقب أولاده وأحفاده بالبكوات، أما سائر أفراد بني مرعب فكانوا يلقبون بالآغوات، حتى أنعمت عليهم الحكومة بلقب بكوات، أسوة بأبناء عمهم(31).

حكم المراعبة منطقة عكار قرابة المائة عام ، ولازالوا إلى اليوم يتمتعون ببعض التأييد في قضاء عكار الذي يملكونه ، وإلى وقت قريب كان أحد أبناء هذه الأسرة المدعو طلال المرعبي تولى منذ سنة 1972 نائباً عن المقعد السني في قضاء عكار واستمر حتى سنة 1992، ثم أعيد انتخابه عن المقعد نفسه، كما تكرر فوزه في الانتخابات النيابية لسنة 1996م(32).

ومن مفاخر بني مرعب المدعو (علي باشا الأسعد المرعبي)، كان رجل زمانه، خبرة ومضاء عزيمة، ومهابا عاقلا، و فارسا مغوارا ، جسوراً فصيحا. قال عنه الكاتب ( نوفل نوفل) في تاريخه:( كشف اللثام في حوادث مصر وبر الشام): " إنه كان يقصده ذوو الحاجات فيقضيها، ويرجو الفقراء نوال كفه فيعطيهم، ويمتدحه الشعراء بغرر القصائد فيجزل صلتهم. وكان فصيحاً ، وله مشاركة في الأدب والشعر، ووفياً لأصدقائه ومن يلوذ به".

عزله أحمد باشا الجزار عن حكومة طرابلس، لكنه رجع لمنصبه، وأنعمت عليه الحكومة العثمانية برتبة الباشاوية( مير ميرانية)، وأكثرَ الشعراءُ مِن مدحه، ومنها قصيدة للشيخ أمين الجندي الشهيرة يقول فيها:

لا تكثري عتبي فلست أرى حسن التخلص من قيل ومن قال

إلا بمدح أحمد الشهم الشديد ومن له الجناب الرفيع البـــاذخ العالي

كأنه الليث تغدو خلفه زمر كواسر من بنيه خير أشبال

قس الفصاحة سحبان البلاغة مقـ ـداد الشجاعة مولى كل أفضال

مناقب لم يزل بالعجز معترفا عن حصرها كل نقاد ونقال

يا آل أسعد لا زالت منازلكم عذراء تسعد من كفيك بالقبل


وقال فيه الشاعر بطرس كرامه:


هذا ابن أسعد لا ندّ يشاكله المرعب الضد بالهندية الأسل

يا آل مرعب لازالت رماحكمُ تمتد خلف العدا قطاعة الأجل

يا لآل مرعب إن الفخر حق لكم والفخر فيكم علي جاء بالمثل(33)


عائلات أخرى

وفي لبنان عائلات كردية أخرى مثل آل عبود في عكار شمالي لبنان، وعائلة "المعيطات" في عكار من أصل كردي وتنحدر من أكراد عفرين. وهناك عائلات كردية في جنوب لبنان، فقد عرف جبل عامل أسراً لبنانية كردية قديمة مثل آل الفضل في النبطية، الذين ينتمون إلى ( الصعبيين) الذين هم من أصل كردي، ويعودون إلى جدهم الأول بهاء الدين الذي أنجب ثلاثة أبناء أكبرهم علي الذي لقبوه فيما بعد باسم (صعب)، ومن المعلوم أن آل الفضل يحتلون مركزاً اجتماعياً وسياسياً كبيراً في الجنوب، وتولى عدد منهم مناصب الوزارة والنيابة والإدارة. وقد حكم الصعبيون منطقة بلاد الشقيف في مرحلة تاريخية سابقة، وقبل أن يقضي على نفوذهم أحمد باشا الجزار والي صيدا المعروف. وينتشر الصعبيون اليوم في قرى النبطية والمروانية والبابلية وأنصار وزفتا ودير الزهراني وكفر رمان جنوب لبنان(34).

وهناك عائلتا نصر الله وأبي غانم في قضاء الشوف، وآل حميُّة في قرية (طاريا) في البقاع والتي قدموا إليها من العراق مع جدهم حمو الكردي ، وهم على المذهب الشيعي(35).

الأكراد الحاليون

لاشك أن الأسر الكردية الكبيرة مثل المعنيين وآل جنبلاط وآل سيفا والعماديين وسواهم ذات أصول كردية معروفة، ومع الأيام أصبحوا لبنانيين مستعربين، وربما ضعف ارتباطهم بكرديتهم وأصولهم البعيدة، وصارت جزءاً من الماضي ، وأصبحوا اليوم أكثر ارتباطاً بمصالحهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية في لبنان، أما الأكراد الحاليون والذين لازالوا محافظين على لغتهم وعاداتهم وأصولهم الكردية، وارتباطهم الروحي بالكرد وكردستان، فهؤلاء يشكلون الجالية الكردية الحالية في لبنان، وقد هاجروا إليها من منطقة ماردين وطور عابدين وبوطان في كردستان تركيا بسبب ضيق سبل العيش في مواطنهم الأصلية من جهة، وخوفاً من الاضطهاد التركي الذي أرعبه التحرك السياسي للأكراد في كردستان. وفشل الثورات الكردية هناك وبالذات ثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925، وما نتج عنها من تهجير جماعي للأكراد في منطقة ديار بكر، وفي فترة الأربعينيات من القرن العشرين حضر 80% من الأكراد المهاجرين إلى لبنان بين العامين 1924و 1940 ، وانطلقت من الاعتبارات الآتية: الظروف المعيشية الصعبة التي مر بها الأكراد في تركيا، وما ينقل إليهم عن طريق أقاربهم وأصدقائهم عن رخاء العيش الموجود في لبنان، وإعدام مئات الأكراد في إيران بعد سقوط جمهورية مهاباد الكردية هناك، مما انعكس معنوياً على أكراد تركيا من جهة، والخوف من مجازر مماثلة قد يقوم بها الحكم ضدهم في تركيا من جهة أخرى.أما المحطة الأخيرة للهجرة فكانت في العام 1980 بعد الانقلاب العسكري الذي قام به الجنرال كنعان أفرين في تركيا، إذ تعامل مع الأكراد بشدة وقمع متناهيين، مما هيأ لهجرة مجموعات كردية أخرى إلى لبنان(36).

لذا يمكننا القول إن الغالبية الساحقة من أكراد لبنان جاءت من كردستان تركيا عبر التوجه إلى منطقة الجزيرة السورية من نصيبين- القامشلي- الحسكة- دير الزور- حلب- حمص – حماة- طرابلس- فبيروت.

أما توزيعهم الجغرافي في لبنان ، فقد تجمع أكثريتهم في ضواحي بيروت، في أحياء مثل زقاق البلاط، ومنطقة رياض الصلح، والكرنتينا، والمسلخ، والمزرعة، والمصيطبة، وبرج البراجنة في حي السباعي، ومنطقة وادي أبو جميل، ومنطقة الباشورة، وفرن الشباك، والمرجه. ومنهم من استقر في طرابلس في أحياء التربيعة، والزاهرية، وظهر المغر، والقبة، وفي البقاع في قرى الخيارة، والفرزل، وكفر زبد.

ويقدر عدد كرد لبنان عام 1983 بنحو 90 ألف، وأكثريتهم يعتنقون المذهب السني ، ويتكلمون اللغة الكردية، ولازال أكثر من 70% منهم بدون جنسية، ولا يحملون إلا ورقة هوية قيد الدرس تجدد كل سنة.


المصادر والمراجع

1- كمال الصليبي: تاريخ لبنان الحديث، دار النهار:بيروت، 1991،18، صلاح أبو شقرا: الأكراد شعب المعاناة:49

2- صلاح أبو شقرا: الأكراد شعب المعاناة:50

3- منذر الموصلي:عرب وأكراد:492

4- الأعلام:7/273، خلاصة الأثر:3/266 ،أخبار الأعيان بجبل لبنان/لطنوس الشدياق، الجامعة اللبنانية، بيروت،1970:186، تاريخ جبل نابلس والبلقاء:1/22

5- الأعلام:7/273، المنجد:520

6- المنجد:520

7- المنجد:548

8- المرادي: سلك الدرر، دار صادر، بيروت،2001:1/67-68الموسوعةالعربية:277، المنجد:520، وهناك كتاب عنه: فخر الدين أمير الدروز ومعاصروه:تأليف ف. فوستنفلد، ترجمة بطرس شلتون، بيروت 1981، كمال الصليبي: تاريخ لبنان الحديث، النهار، بيروت،1996، 31، وفخر الدين، الكسليك، 1970،105

9- المنجد:679

10- كمال الصليبي: تاريخ لبنان الحديث:31-32، 35

11- صلاح أبو شقراء : أكراد لبنان،50-51

12- كمال الصليبي: تاريخ لبنان، مؤسسة نوفل،ط2، بيروت، 1992، 107

13- صلاح أبو شقرا: أكراد لبنان،50، إخبار الأعيان في جبل لبنان:1/190

14- أخبار الأعيان في جبل لبنان:1/190-191

15- طنوس الشدياق: أخبار الأعيان في جبل لبنان،1/157، المنجد:218،الأعلام:4/

16- طنوس الشدياق: أخبار الأعيان في جبل لبنان:1/141-157، المنجد218،

17- عبد الله نوفل: تراجم علماء طرابلس، 21، خلاصة الأثر:4/47

18- صلاح أبو شقرا: الأكراد شعب المعاناة، 51

19- إبراهيم الأسود: تنوير الأذهان في تاريخ لبنان، دار الكتاب، بيروت،1978،320، فيليب حتي: تاريخ لبنان، ترجمة أنيس فريحة، ط2، دار الثقافة، بيروت، 1972، 451

20- تاريخ طرابلس الشام لحكمت شريف-خ :103، تراجم علماء طرابلس: 21

21- تاريخ طرابلس الشام لحكمت شريف-خ :103، تراجم علماء طرابلس: 21

22- مشاهير الكرد:2/282 ، خلاصة الأثر:2/121

23- تراجم علماء طرابلس: 21، خلاصة الأثر: 4/47، الأعلام: 6/293، مشاهير الكرد:2/154

24- رمضان العطيفي: رحلتان إلى لبنان، المعهد الألماني، بيروت،1979، 16، حكمت شريف: مخطوط تاريخ طرابلس من أقدم أزمانها إلى هذه الأيام،103

25- الأعلام:7/303، 304، معجم المؤلفين:11/253، تراجم علماء طرابلس:225

26- منذر الموصلي:عرب وأكراد:492

27- تراجم علماء طرابلس: 164-165

28- تراجم علماء طرابلس:271-272

29- صلاح أبو شقرا: الأكراد شعب المعاناة:53-54، منذر الموصلي: عرب وأكراد:491

30- أحمد محمد أحمد: أكراد لبنان وتنظيمهم الاجتماعي والسياسي، بيروت، 1995، 50، جريدة الحياة، لندن، العدد الصادر بتاريخ 28 آب 1993

31- تراجم علماء طرابلس:45

32- صلاح أبو شقرا: الأكراد شعب المعاناة،52، عرب وأكراد:492

33- تراجم علماء طرابلس وآبائها:47-50 ، كشف اللثام في حوادث مصر وبر الشام:50

34- منذر الموصلي: عرب وأكراد:492

35- صلاح أبو شقرا:الأكراد شعب المعاناة، 52-54، عرب وأكراد:492

36 صلاح أبو شقرا: الأكراد شعب المعاناة:59-61

الفصل الثاني: لمحة عن الجمعية الكردية اللبنانية الخيرية

تعد الجمعية الكردية اللبنانية الخيرية من أولى الجمعيات الكردية في لبنان، ومنذ ذلك التاريخ دأبت الجمعية في مساعدة الكرد في لبنان من النواحي الثقافية والاجتماعية،إذ قامت ولا زالت تقوم بنشاطاتها في مجال عدة، من دورات تعليم اللغة الكردية وتعليم الأطفال الكرد في لبنان لغتهم الأم، إلى جانب القيام باحتفالات عيد النوروز، كما تقدم يد المساعدة للكرد الموجودين في لبنان قدر استطاعتها،فقد قدّمت في فترة من فتراتها المعونة الطبية للكرد، عندما كان لها مستوصف خيري يقدم الأدوية والمعالجة الطبية للكرد، إلا أن المستوصف لم يستمر بسبب بعض العراقيل المادية، وقد ارتأيت أن أنشر مقالتي هذه بغية التعريف بالجمعية الكردية اللبنانية الخيرية ، لأنها كانت ولا زالت تعمل في سبيل مساعدة الكرد في لبنان . تأسست الجمعية الكردية اللبنانية الخيرية عام 1963 لغاية مساعدة الأكراد ثقافياً واجتماعياً، وهي جمعية غير تجارية،وبعيدة عن الطائفية والسياسة.

أهداف الجمعية

تهدف الجمعية إلى:

1) توطيد أواصر الصداقة بين الشباب الكردي اللبناني والكردي المقيم.

2) نشر الخدمات الاجتماعية والأعمال الخيرية العامة.

3) نشر العلم والثقافة بين أكراد لبنان.

هيئات الجمعية

تتألف الجمعية من هيئتين: الهيئة العامة والهيئة الإدارية. تمثل الجمعية الهيئة الإدارية وتديرها وفقاً لأنظمتها وضمن القوانين المرعية المعمول بها. وتتكون الهيئة الإدارية من خمسة أعضاء رئيسيين: رئيس، نائب للرئيس، أمين للسر، أمين للصندوق، و محاسب.

شروط الانتساب إلى الجمعية

يشترط فيمن يرغب بالانتساب إلى الجمعية أن يكون:

1) لبنانياً أو مقيما بموجب إقامة سنوية رسمية.

2) قد أتم العشرين من العمر

3) متمتعاً بحقوقه المدنية وغير محكوم عليه بجناية أو جنحة شائنة.

4) قابلاً بنظام الجمعية، عاملاً في سبيل تحقيق غايتها.

5) قد تقدم بطلب يصرح فيه عن رغبته بالانضمام إلى الجمعية ويرفقه بالسجل العدلي وصورة عن هويته.

مــالية الجمعيـة

يحدد بدل الاشتراك السنوي بأربعة وعشرين ألف ليرة لبنانية لكل منتسب إلى الجمعية تسدد دفعة واحدة أو تقسيطا، حسبما تقرره الهيئة الإدارية. ويمكن للهيئة الإدارية تعديل بدل الاشتراك السنوي للمنتسبين، وذلك بموجب قرار يتخذ خلال إحدى جلساتها.

لا يصرف أي مبلغ من أموال الجمعية إلا بموجب قرار من الهيئة الإدارية.

لمحة عن الجمعية

الجمعية الكردية اللبنانية الخيرية هي المنظمة الكردية القانونية الأولى في لبنان، فقد نشأت في 9 أيلول 1963. من أهم أهدافها اليوم توطيد أواصر الصداقة بين الشباب الكردي اللبناني، و العمل على تقديم الخدمات للأكراد، وبناء أسس ثقافية واجتماعية بينهم. أدرك قسمٌ من المثقفين الكرد ضرورة أن يجدوا لهم مؤسسة تجمعهم وترعى شؤونهم، وتهتم بمصالحهم ومصالح أبنائهم، وتساعدهم على تحسين أوضاعهم المعيشية والاجتماعية. فكانت الجمعية الكردية اللبنانية الخيرية التي تأسست بموجب علم وخبر يحمل الرقم 839 بتاريخ 19 أيلول 1963.

هذه الجمعية أراد لها مؤسسوها أن تكون كردية الأصل، تعمل بواسطة الأكراد أنفسهم على تقرير مصير المجموعة الكردية واللبنانية، بمعنى أنها تربط بين هذا المصير ومصير لبنان الوطن. له ولاؤها ولها ولاء أبنائها.وهي واثقة بأن الأيدي التي تجمع الخير وتنشد المستقبل الأفضل لا يمكن إلا أن تصل إلى غايتها. ومطالبة الدولة ببرنامج يعالج وضع الأكراد في لبنان.

نشطت الجمعية الخيرية الكردية منذ تأسيسها وحتى اليوم، بالرغم من الظروف القاسية التي مرت بها خلال الحرب اللبنانية، فصمدت فيما تعرضت له من ضغوطات وتهديدات أثناء فترة الحرب،وبقيت أبوابها مفتوحة لكل محتاج ومريض، كما عملت وبكل طاقتها من أجل تأمين المساعدات الغذائية والإنسانية لكل من يطلبها دون تفرقة أو تمييز بين أبنائها أو غيرهم من أبناء الطوائف الأخرى .

كذلك كان سعيها الدؤوب للمطالبة بمنح الجنسية اللبنانية لأبنائها . لأن نسبة الأكراد المحرومين منها هي من أعلى النسب إذا ما قورنت بأبناء الطوائف الأخرى، في وقت حصل فيه عدد منهم على الجنسية اللبنانية وحرم بعضهم الآخر منها، كما حرموا من الاعتراف بحقهم في المواطنة والمساواة وتكافؤ الفرص والاستقرار الاجتماعي والمعيشي . مما يشكل عبئاً ثقيلاً لا يستهان به على كاهل الجمعية.

إنه بالرغم من حصول فئة لا يستهان بها على الجنسية اللبنانية مؤخراً، إلا أنه ما زال هاجس الجنسية ومرسوم التجنس طاغياً على أغلب من حصل عليها، كونه أسقط أبسط الحقوق غير المتوقعة، وهي مكان وتاريخ الولادة، بالرغم من أن غالبية من حصل على الجنسية ولدوا على أرض هذا البلد الحبيب ولم يغادروه يوماً،ومع ذلك فوجئوا عند استلامهم للهوية بعبارة (غير مذكور) مدونة في خانة مكان وتاريخ الولادة، مع العلم بأن هذه العبارة كانت تحول دون استحصالهم على تأشيرة دخول لعدة دول تشترط ذكر مكان وتاريخ الولادة على جواز السفر، مما حمل بعضهم على تصحيح هذه العبارة بموجب حكم من محكمة الأحوال الشخصية.

تعدّ الجمعية اليوم أحد أكبر وأهم الجمعيات الكردية في لبنان. تنظم الجمعية احتفال عيد نوروز الذي يحضره ما لا يقل عن ألف شخص. مثل معظم الجمعيات الكردية الأخرى، الجمعية الخيرية تعتمد ماليا على رسوم الاشتراكات والتبرعات القليلة والهبات. تصدر الجمعية الكردية اللبنانية الخيرية كل عام روزنامه تضع عليها صوراً لأهم الشعراء والكتاب، وصوراً لأهم الزعماء الأكراد وقاده البيشمركه، والهدف منها إبراز صورة تاريخية عن قادة الكرد ورموزهم، لكي تظل صور هؤلاء راسخة في عقول الأجيال الجديدة.

ومن أبرز هذه النشاطات:

- إقامة دورات تدريبيه للشباب لكرة القدم.

- إقامة دورات لتعليم اللغة الكردية.

- تقديم قاعة الجمعية لإقامة كافة المناسبات.

- كما أن لدى الجمعية سيارة إسعاف توضع بتصرف كل من يحتاجها.

تسعى الجمعية الكردية اللبنانية الخيرية إلى إنشاء مركز ثقافي عام لأكراد لبنان، تعنى بالأمور التعليمية، الثقافية، التربوية، الصحية، الاجتماعية، الرياضية والفولكلورية، آملة مدّ يد المساعدة لها عبر التبرع لتنفيذ هذا المشروع في القريب العاجل.

منشورات

أعادت الجمعية الكردية اللبنانية الخيرية طباعة كتاب خلاصة تاريخ الكرد وكردستان لمحمد أمين زكي بك، ترجمة محمد علي عوني، بجزأيه الأول والثاني. يعود ريع بيع الكتاب إلى صندوق الجمعية.


الفصل الثالث: الأكراد الأردنيون ودورهم في بناء الأردن الحديث

يوجد في الأردن اليوم أقلية كردية يقدر عددها بحوالي ثلاثين ألفاً، وهذا الرقم يشمل كرد الأردن الذين استقروا على الأرض الأردنية في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، والربع الأول من القرن العشرين، وأكراد فلسطين الذين لجؤوا إلى الأردن بعد نكبتي 1948, 1967م .


تشير المصادر التاريخية إلى أن الكرد استقروا في الأردن منذ بداية العصر الأيوبي، ثم العصور اللاحقة خلال العهد المملوكي، والعثماني،والعصر الحديث. فقد استوطن الكرد مدينة السلط – تقع غربي عمان - منذ أوائل العصر الأيوبي، ولا تزال محلتهم ( حارة الأكراد) قائمة إلى اليوم في هذه المدينة، وتحمل اسم الكرد وتبقى رمزاً معروفا كأحد أقسام مدينة السلط الجغرافية والتاريخية والعشائرية، وتنسب نصف عشائر السلط إلى هذه المحلة ويعرفون بها(الأكراد).

يسكن الكرد اليوم في العديد من المدن والقرى الأردنية، وشكلوا مع الزمن جزءاً من النسيج الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الأردني، وساهموا بشكل كبير مع بقية الأردنيين في بناء وطنهم (الأردن الحديث)، الذي شاده المغفور له الملك عبد الله بن الحسين - طيب الله ثراه .


وهناك جملة عوامل أسهمت في انسجام الأكراد مع الأردنيين، من أبرزها تشابه العادات والتقاليد، والدين الواحد وهو الإسلام، والقرب الجغرافي بينهما، فكردستان تجاور وتحاذي وتتداخل مع بلاد الرافدين والشام، وعامل المصاهرة والنسب، والتاريخ المشترك. لكن هذا الانسجام لا يمنع الكرد من القول إنهم يشكلون ( أقلية عرقية) مثل باقي الأقليات الموجودة في الأردن كالشركس والشيشان والأرمن، فأصول الكرد غير عربية، فهم ينحدرون من الجنس الآري، ولهم لغة خاصة بهم من أرومة اللغات الهندو- أوروبية، كما أن الكثير من كرد الأردن لهم أولاد عمومة وأقارب وأصهار في كردستان - موطن أجدادهم- إلى اليوم .

يأتي هذا المقال المختصر ليعرف القارئ الكريم بكرد الأردن الذين همشتهم الدراسات التاريخية والاجتماعية المحلية، وأغفلت ذكرهم عن قصد أو غير قصد،ومن ثم بيان مساهماتهم الكبيرة.

لمحة تاريخية

تشير المصادر التاريخية إلى استقرار الكرد في الأردن منذ بدايات الدولة الأيوبية التي أسسها القائد الكردي الشهير صلاح الدين الأيوبي سنة 1173 م . وقد شكل الكرد عماد جيشه الذين قدموا من كردستان إلى الشام ومصر بدافع الجهاد ونصرة الإسلام ضد الغزو الصليبي . وقد أصبحت شرقي الأردن مسرحاً للصراع الأيوبي- الصليبي، إذ كانت قوات صلاح الدين ترابط وتتجول في المنطقة، فحاصرت قلاع الإفرنج في الكرك والشوبك، كما انطلق بقواته من الأرض الأردنية لمهاجمة مواقع الإفرنج في شمالي فلسطين ووسطها في مواقع كوكب الهوى، ونابلس، والقدس. كما شاد صلاح الدين ( قلعة عجلون) على قمة جبل عوف لمراقبة تحركات الإفرنجة في الغور الأردني.

وأسكن صلاح الدين فرقة من جيشه من (الأكراد الهكارية) في مدينة السلط، وأدّت هذه الفرقة دوراً بارزاً في الحروب الصليبية ما بين سنوات ( 1177 – 1189 م)، ودعيت الحارة التي سكنوها في السلط باسمهم ( محلة الأكراد )، ولا تزال تحتفظ بهذا الاسم إلى يومنا هذا، كما نبغ من الأكراد الهكاريين المقيمين في السلط علماء وقضاة عدة ، كان في طليعتهم عبد الله الهكاري الصلتي ( نسبة إلى الصلت- التي حرفت فيما بعد إلى السلط )، وابنه بدر الدين الصلتي. وقد درس الاثنان في المدرسة السيفية في السلط، كما عمل بدر الدين قاضياً في السلط ، والقدس، ودمشق، وحمص التي توفي فيها سنة 1384 م .

كما انتقل بعض الأكراد الهكاريين من مدينة السلط إلى القدس في العهد المملوكي، وكوّنوا حارة خاصة بهم هناك عرفت باسم (حارة السلطية)، نسبة إلى السلط التي قدموا منها، وفي القدس أصبحوا أئمة المسجد الأقصى المبارك لفترة طويلة من الزمن، ويعرفون اليوم في القدس بعائلة الإمام.

ونعود مرة ثانية إلى العصر الأيوبي، إذ أسس الملك الناصر داود الأيوبي ( توفي 1258 م ) ما عرف بإمارة الكرك الأيوبية سنة 1229 م . ودامت نحو ثمانين عاماً، وكانت تقوم على البقعة الحالية التي تقوم عليها المملكة الأردنية الهاشمية اليوم. واستطاع الناصر داوود بجيشه منازلة الصليبيين وتحرير القدس من قبضتهم مرة ثانية سنة 1239 م. كما نشّط الناصر داوود الحركة العلمية والثقافية في الأردن، فبنى المدارس، وصارت الكرك قبلة الفقهاء والعلماء، ومهدت السبل لنبوغ عشرات الإعلام من المنطقة في العصرين الأيوبي والمملوكي، كعائشة الباعونية، وابن القف الكركي وسواهم من الأعلام. كما ترك الأيوبيون الأكراد في الأردن معالم أثرية بارزة كقلعة عجلون وقلعة السلط التي( دمرت سنة 1840م)، والمسجد الجامع بعجلون، ومسجد ريمون في جرش، وهذه المعالم الأثرية والدينية تدل على قصة جهادهم ضد الإفرنجة،وحبهم للعلم والدين.

وفي العصر المملوكي ( 1260 – 1516 م ) استمر استقرار الكرد في محلتهم في مدينة السلط، ودرس بعضهم في المدرسة السيفية في السلط, كعبد الله الهكاري وابنه بدر الدين, والفقيه الكردي شهاب الدين بن سليمان الكوراني ( توفي 784 هـ ).

وفي العهد العثماني ( 1516 – 1918م )، تذكر السجلات العثمانية وجود محلة للأكراد في السلط سنة 1538 م. ومرة ثانية سنة 1596 م . وهذا دليل يؤكد على استمرار استقرار الكرد في المنطقة بالرغم من هجرة بعض أكراد السلط الهكاريين إلى مدينة القدس في هذه الفترة، أو في فترة لاحقة. وبقيت (محلة الأكراد) في السلط اسماً جغرافياً بارزاً منذ العصر الأيوبي وحتى يومنا هذا. فلم يمر بها رحالة عربي أو أجنبي إلا وذكر (محلة الأكراد) وعشائرها، فعلى سبيل الذكر قال الرحالة السويسري بيركهارت الذي زارها سنة 1812م إن مسلمي السلط يتألفون من ثلاث عشائر : الأكراد، القطيشات، العواملة. كما أشار الباحث الدكتور جورج طريف في كتابه ( السلط وجوارها ) أن المسلمين شكلوا غالبية سكان السلط، وكان من بينهم الأكراد خلال الفترة الممتدة ما بين 1864 – 1921م .


لكن الكرد أخذوا يتوافدون إلى المدن والقرى الأردنية بشكل لافت للنظر في الربع الأخير من القرن التاسع عشر الميلادي، إذ تعود غالبية العائلات الكردية الموجودة في الأردن إلى هذه الفترة، ومردّ ذلك يعود إلى أن الدولة العثمانية بسطت سيطرتها الإدارية والعسكرية على المنطقة، مما حسّن طرق المواصلات، وأشاع الأمن والنظام، فكان غالبية رجال الدرك والجند والموظفين الإداريين وجباة الأموال المرابطين في المدن والمخافر الأردنية من العنصر الكردي، وهؤلاء إما قدِموا من حي الأكراد بدمشق، أو من مدينة حلب ومنطقة الجزيرة وماردين وديار بكر. وقد تخصص الموظفون الكرد في الأردن في جباية الأموال الأميرية، والتزام الأعشار. وتؤكد ذلك الباحثة الدكتورة هند أبو الشعر في كتابها " إربد وجوارها 1995 " أن الجندية والدرك وتحصيل الأموال في العهد العثماني ارتبط بذاكرة الأردنيين بالعنصر الكردي .

وبالإضافة إلى الجندية والدرك، عمل الكثير من الكرد في الوظائف الإدارية والحكومية في مراكز الألوية والأقضية في كل من عجلون والبلقاء والكرك ومعان. كما تزوجت الكثير من الكرديات من حي الأكراد ( الصالحية ) بدمشق من مواطنين أردنيين، حسبما أشارت إلى ذلك السجلات الشرعية العثمانية في إربد وعجلون وعمان وغيرها . كما ازدهرت الحركة التجارية بين الشوام ومدن وبوادي الأردن في أواخر العهد العثماني، فقدم الكثير من التجار الشوام والذين كان من بينهم ( تجار أكراد) من حي الصالحية بدمشق، وتوطن عدد منهم في المدن الأردنية واستقروا بها، لغاية إدارة تجارتهم وتيسير مصالحهم . وبعد هزيمة الأتراك سنة 1918 م عاد الكثير من الموظفين والجند الكرد إلى بلادهم، وبعضهم فضّل الاستقرار في المدن الأردنية واتخذوها موطنا وسكنى .

الأكراد. . وتأسيس الأردن

ساهم كرد الأردن في بناء وتأسيس الأردن الحديث في شتى المجالات والأنشطة السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية، وتركوا بصمات واضحة فيها، حتى فاقت مشاركتهم بعضاً ممن هم أكثر منهم عدداً.

فكان بين المستقبلين لسمو الأمير عبد الله بن الحسين يوم قدومه إلى معان عام 1920م الضابطان الكرديان (خليل بكر ظاظا) و(نور الدين البرزنجي). وعندما قدم الأمير عبد الله إلى عمان، كان الوجيه سيدو الكردي وعلي الكردي من ضمن مستقبليه، ومعهم كذلك الزعيم رشيد المدفعي - كردي عراقي- ومن كبار قادة الثورة العربية الكبرى .

وعندما شرع الأمير عبد الله بن الحسين في تأسيس الجيش الأردني، كان من بين مؤسسي الجيش والدرك ضباط من أصل كردي أمثال الرئيس خليل بكر ظاظا والرئيس نظمي خليل بدر خان، والضابط مصطفى المللي، والزعيم رشيد المدفعي بالإضافة إلى العديد من الأكراد الذين خدموا في الجيش والدرك والشرطة برتب متنوعة طيلة عهد الإمارة الأردنية ومن ثم المملكة. وقد وصل بعضهم إلى أرفع المناصب القيادية في الجيش والدرك، فكان رشيد المدفعي مديراً للأمن العام سنة 1923م, والفريق صالح الكردي قائداً لسلاح الجو الأردني، ومساعداً للقائد العام للقوات المسلحة الأردنية 1962 – 1971 م.

وفي المجال السياسي، برزت شخصيات سياسية في عهد الإمارة الأردنية، عُدُّوا من رجالات الوطنية، أمثال سيدو الكردي, أحمد الكردي, علي الكردي, ومدحت جمعة، وأخيه سعد جمعة .

وتقلد بعض الكرد مناصب سياسية عليا في الحكومة، فكان السيد رشيد المدفعي وزيراً للداخلية والدفاع سنة 1939م. ودولة الأستاذ سعد جمعة رئيساً للوزارة الأردنية مرتين عام 1967م. والمهندس صلاح جمعة وزيراً للزراعة والتموين بين أعوام 1967 – 1979 م. والدكتور يوسف ذهني وزيراً للشؤون الاجتماعية والعمل عام 1973م، وشغل معالي سعد الدين جمعة منصب أمين عام رئاسة الوزراء الأردنية عشرات السنين، وشغل منصب وزير دولة لشؤون رئاسة الوزراء، والدكتور أشرف الكردي وزيراً الصحة، واختير عيناً في مجلس الأعيان.

وفي السلك الدبلوماسي، شغل السيد علي سيدو الكردي وزيراً مفوضاً في وزارة الخارجية، فخدم في سفارات الأردن في أنقرة ودمشق وجدة واليمن. والسيد مدحت جمعة سفيراً للأردن في أميركا وألمانيا الغربية والمغرب وبريطانيا وأسبانيا وتونس. واللواء عبد الإله الكردي سفيراً للأردن لدى ماليزيا وروسيا، والسيد مازن مدحت جمعة سفيراً لدى ماليزيا.

أما في المجال الاقتصادي، فقد برز الاقتصادي حسني سيدو الكردي الذي أسس بنك الأردن، وقدم هذا البنك خدماته المصرفية والمالية والاستثمارية، وساهم في تنشيط وبناء الاقتصاد المحلي، ولا يزال إلى اليوم يعدّ من البنوك الرائدة في خدماته المالية والمصرفية .

وفي المجال الطبي، لمع الدكتور أشرف الكردي كطبيب أعصاب متميز على المستوى المحلي والدولي، فأصبح أميناً عاماً لاتحاد أطباء العرب للعلوم العصبية 1984 – 1993م. ونائبا لرئيس اتحاد أطباء العالم للعلوم العصبية عام 1989م. وكان الطبيب الخاص للرئيس ياسر عرفات، وشغل عضواً بمجلس الأعيان الأردني، ووزيراً الصحة .

أما في المجال الثقافي، فقد ساهم كرد الأردن في الحركة الثقافية والأدبية والفكرية الأردنية، وكان على رأسهم المفكر والسياسي والأديب سعد جمعة ( رئيس الوزراء الأردني فيما بعد ). فقد دوّن عشرات المقالات الفكرية والأدبية في المجلات والصحف المحلية والعربية، وأصدر جريدة ( الحق ) عام 1947م. وأصدر كتباً فكرية تعالج الواقع العربي بعد هزيمة حزيران 1967م، مثل كتاب " مجتمع الكراهية ", " الله أو الدمار ", " معركة المصير", " أبناء الأفاعي " .

ووضع علي سيدو الكردي أول كتاب في أدب الرحلات في الأردن وهو كتاب " من عمان إلى العمادية : أو رحلة في كردستان الجنوبية". صدر عام 1934م، وأعيد طبعه عام 199م. وصنف كتيباً عن التعليمات القنصلية في السلك الدبلوماسي الأردني الذي استخدم لفترة طويلة، كما وضع " معجم كردي- عربي " صدر في عمان 1985م، وشغل عضواً في المجمع العلمي الكردي العراقي .

وصنّف الدكتور محمد علي الصويركي كتباً عن تاريخ الأردن مثل " الأردن في أشعار العرب ", " نوابغ الأردن في العهد الإسلامي ", " شرقي الأردن والعهد الفيصلي "، "مصادر ومراجع عن الثورة العربية الكبرى "، "تاريخ السلط والبلقاء"، و" عمان تاريخ وحضارة"، و" إربد المدينة تاريخ وحضارة وآثار"، و" مصادر ومراجع عن الأردن"، و"مذكرات سليمان عريضة"، و" الأكراد الأردنيون ودورهم في بناء الأردن الحديث"، و"معجم أعلام الكرد"،و "عائشة الباعونية"، وفي عام 1995 منحته وزارة الثقافة الأردنية " جائزة الدولة التشجيعية في تاريخ الأردن الحديث" تقديراً لجهوده في هذا المجال .

ولا ننسى دور الأستاذ عبد الرحمن الكردي الذي أسّس أول دار للنشر في الأردن في فترة الخمسينيات من القرن العشرين، وقام بنشر الكتب الجادة لكتاب محليين وعرب لأول مرة، وأصدر مجلة " الأردن الجديد " الأسبوعية في عمان سنة 1950. ومن كتبه " وادي الأردن وامتيازاته " 1949م، وكتاب " الحب بعد الموت كاملا ً" .

وفي المجال الديني هناك الشيخ محمد سعيد الكردي الذي أخذ على عاتقه نشر الطريقة الصوفية الشاذلية في شمالي الأردن، وأسس لهذا الغرض العديد من المساجد والزوايا في إربد وعمان والصريح، وصنف وحقق الكثير من المصنفات التي تخص الطريقة الصوفية.

وبرزت أسماء معروفة في المجال الإعلامي والفني والمسرحي مثل إبراهيم خليل الكردي، الذي ألف وأخرج العديد من المسرحيات الهادفة، ومثلت على مسارح إربد وعمان. وبرز اسم زياد الكردي كمخرج للعديد من المسلسلات التلفزيونية، والوجه التلفزيوني والصوت الإذاعي إيمان ظاظا مقدمة ومعدة البرامج المختلفة، والإذاعي المعروف الأستاذ خلدون الكردي، والمذيعة داما الكردي.

وفي المجال الاجتماعي، فقد جرت مصاهرات كثيرة بين الجانب الكردي والأردني، وحسبنا أن نشير في هذا المجال إلى السيدة منيفة بنت بابان الكردي زوجة شاعر الأردن الكبير مصطفى وهبي التل، التي أنجبت للأردنيين أعظم رجالهم وهو دولة المرحوم وصفي التل رئيس الوزراء المعروف بمواقفه الوطنية والقومية.

ولكرد الأردن اليوم جمعية خيرية اجتماعية تحمل اسم " جمعية صلاح الدين الأيوبي، وتقع في منطقة ( تلاع العلي) في إحدى مناطق عمان الراقية.

أكراد الأردن وأسماء عشائرهم

- عمان: تقيم فيها العائلات والعشائر التالية : سيدو الكردي, وانلي, ظاظا, الكردي, البرازي, زركلي, كرد علي, بابان, جمعة الأيوبي, بدر خان, بروسك, الايزولي .

- الزرقاء: الكردي، والدقوري.

- الرصيفة: الكردي.

- العقبة: الكردي. الكرك: الكردي. جرش: الكردي. عين جنا: الكردي. إربد: أبو رسول, آغا ظاظا, سعدون, الكردي, خضر, شحيمات, عليكو, المارديني, شيخاني. دير أبي سعيد وجنين الصفا: الصويركي, الكردي. الطيبة: أبو شريف. المنشية والشونة الشمالية: ظاظا, الشحيمات, الكردي. سمر: سعدون, الكردي. عمراوة: الكردي. الرمثا: سعدون. الجحفية: أبو رسول الكردي. الصريح: الكردي. سال: الآلوسي الكردي. سحم: بدر خان. وادي الريان: الكردي. السلط: الكردي .

أكراد فلسطين القاطنيين في الأردن

لجأ إلى الأردن بعد الحروب العربية - الإسرائيلية في أعوام 1948 و 1967 عائلات وعشائر فلسطينية ذات أصول كردي ترجع في جذورها إلى العصر الأيوبي، ومنها من يرجع إلى العهد العثماني، وقد استقرت في المدن والمخيمات في الأردن. ومن أشهر هذه العائلات ذات الأصول الكردية: الأيوبي , الهشلمون, نيروخ, أبو خلف, الحموري, أبو زهرة, الإمام, القيمري, جار الله, السائح, الكرد, ظاظا, عليكو, مرقة, زلوم, شاور, آل زعرور, أبو اللطف, أبو الهيجاء, أبو غليون, الكردي, عصفور. (ممن سنأتي على ذكرهم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى).

الفصل الرابع: كرد فلسطين

ارتبط وجود الكرد في فلسطين بشكل لافت للنظر في القرون الوسطى، وخصوصا بأحداث الصراع الإسلامي – الصليبي على بلاد الشام ومصر أيام الدولة النورية، التي أسسها نور الدين زنكي، وبالدولة الصلاحية الأيوبية التي أسسها البطل الكردي الخالد صلاح الدين الأيوبي، وبعد هذه الفترة ظل الكرد يتوافدون إلى مدن فلسطين وقراها، في العهود اللاحقة منذ أيام الدولة المملوكية والعثمانية والانتداب البريطاني حتى بدايات العصر الحديث، وكانوا يأتون إليها على شكل مجاهدين في الجيوش الإسلامية، التي تشكلت منذ أيام نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي، وقد أعطى الأخير الكثير من الأمراء الكرد إقطاعات خاصة بهم في مدن فلسطين الرئيسية، من أجل الدفاع عنها أمام الغزوات الصليبية القادمة، والعمل على صبغ البلاد بالطابع الإسلامي، بعدما كانت فلسطين مملكة صليبية احتلت لأكثر من مائة عام، وأفرغت من سكانها الأصليين.

فكانت سياسة صلاح الدين تقوم على إسكان الجنود الكرد في المدن الفلسطينية، وإعطائهم إقطاعات خاصة بهم. ومع الأيام شكل الكرد الموجودون في هذه المدن أحياء خاصة بهم، في كل من القدس والخليل وعكا ونابلس وغزة، واشتهرت باسمهم " محلات الأكراد"(1).

فعلى سبيل الذكر أسكن صلاح الدين (الكرد) في مدينة الخليل، ومع الأيام أخذوا ينافسون السكان على زعامة المدينة، فصار بها حلفان، الحلف الأيوبي الكردي، والحلف العربي التميمي، ودخل الحلفان في صدامات وصراعات عشائرية انتهت بهم إلى (مذبحة السلطان قايتباي) المملوكي سنة 878هـ/ 1473م، وكانت مذبحة فاحشة، نتج عنها تفرق الحلفين إلى جهات مختلفة في فلسطين، فتفرق الكرد إلى نابلس واللد والقدس وخان يونس، وانتهت الأمور بتدخل السلطان المملوكي آنذاك، حتى ضعفت شوكت الأيوبيين في الخليل في القرن التاسع عشر قبيل حملة إبراهيم باشا المصري على بلاد الشام 1830م(2).

أما مدينة نابلس فقد منحها السلطان صلاح الدين الأيوبي لابن أخته حسام الدين لاجين بعد أن فتحها الأخير وأخرج الصليبيين منها، وأصبحت إقطاعاً له، وبعد وفاته انتقلت إلى الأمراء الكرد أمثال سيف الدين علي بن أحمد الهكاري. كما شكل كرد نابلس أكثرية الجيش المملوكي، وكان من بينهم رجال إدارة وحكم مرموقون(3).

واستمر مجيء العلماء وعلماء الدين الكرد إلى مدن فلسطين في العصر المملوكي، فقد نزل الشيخ إبراهيم بن الهدمة الكردي قرية (سعير)، الواقعة ما بين القدس والخليل، وكان صاحب كرامات، وأقام بها حتى توفى سنة 730هـ/1329م. كما نزل العالم بدر الدين الهكاري الصلتي وأبناؤه مدينة القدس قادمين إليها من مدينة السلط في شرقي الأردن، وكوّنوا ( حارة السلطية) نسبة إلى بلدة السلط التي قدموا منها، وتولى أحفاده إمامة المسجد الأقصى لعقود طويلة، وعرفوا بعائلة ( الإمام )، ولا يزالون يقيمون في القدس إلى اليوم(4).

وكان عدد الكرد كبيراً في مدينة القدس، إذ شكلوا بها حارة خاصة بهم عرفت باسم " حارة الأكراد"، وكانت تقع غربي حارة المغاربة، وتعرف اليوم باسم حارة الشرف.

وشهدت القدس استقبال عدد لا بأس به من علماء الأكراد أيضاً، مثل الشيخ أحمد محمد الكردي البسطامي- شيخ البسطامية بها- الذي عمل في التدريس بالمدرسة الصلاحية الصوفية، وبقي فيها حتى توفي سنة 881هـ/ 1400م. والشيخ يوسف الكردي الذي درس بالمدرسة الصلاحية، والشيخ جبريل الكردي الذي كان من أهل الفضل، ومن أصحاب شيخ الإسلام الكمالي، والشيخ نجم الدين داود الكردي الذي درس بالمدرسة الصلاحية، والشيخ درباس الكردي الهكاري المدرس بالمدرسة الجاولية، وكان صالحاً معتقداً(5).

كما توجد اليوم في ساحة الحرم القدسي الشريف ( القبة القيمرية )، نسبة إلى جماعة من المجاهدين الكرد القادمين من( قلعة قيمر) الواقعة في الجبال بين الموصل وخلاط ، ونسب إليها جماعة من الأمراء الأكراد، ويقال لصاحبها أبو الفوارس، ومن المدفونين في (القبة القيمرية ) الشهيد الأمير حسام الدين أبو الحسن بن أبي الفوارس القيمري المتوفى سنة 648هـ/1250م، والأمير ضياء الدين موسى بن أبي الفارس المتوفى سنة 648هـ/1250م، والأمير حسام الدن خضر القيمري المتوفى سنة 665هـ/1262م، والأمير ناصر الدين أبو الحسن القيمري المتوفى سنة 665هـ/1266م. ولا يزال أحفاد هؤلاء الأمراء يعيشون اليوم في القدس، وفي بلدة ( دورا ) بالخليل، ويعرفون ( بآل القيمري)(6). وقد هاجر قسم منهم بعد حرب حزيران 1967 إلى مدينتي عمان والزرقاء بالأردن.

كما قدم الكرد إلى القدس وجوارها خلال العهد العثماني، بعد أداء فريضة الحج، وأقاموا في زاوية خاصة بهم وهي حي الأزبكية(7)، وعمل بعضهم في الجيش وقوات الأمن، إذ كان أحمد محمد الكردي مستخدماً في قوات الأمن(8)، ومحمد فيروز الكردي مستخدماً في قوات الأمن(9)، وحسن قواس البرزاني الكردي مستخدما في الجيش(10).

كما أشارت سجلات محكمة يافا الشرعية إلى توطن عدد من الكرد في قضاء يافا في العهد العثماني (1864-1914م). حيث عملوا في الجيش وقوات الأمن داخل قضاء يافا وخارجه، وبعضهم آثر البقاء في المنطقة بعد انتهاء خدماتهم العسكرية، كما تظهرُ حجج حصر التركات في محكمة يافا الشرعية(11). فكان حسن آغا الكردي القاطن في (سكنة ارشيد) بيافا أحد أفراد الجيش العثماني في قضاء يافا(12). وكان الحاج بكير آغا الكردي جاويش في العساكر العثمانية المرابطة في القضاء(13). وكان الحاج أحمد آغا بن محمد القواس الكردي القاطن في مدينة الرملة يوزباشي جاندرمة في لواء بني غازي(14).

وفي العهد العثماني شكل الجنود الكرد حارة خاصة بهم في مدينة غزة - مقر سنجق غزة العثماني- خلال القرن السادس عشر الميلادي(15).

وعندما زار الرحالة التركي " أوليا شلبي" مدينة صفد عام 1671 م، ذكر بأن معظم سكانها جند من الكرد، ولهم حارة خاصة باسمهم " حارة الأكراد"، وبها 200 دار(16).

ويلاحظ بأن الكرد استمروا بالقدوم إلى مدن وقرى فلسطين خلال العهد العثماني من حي الأكراد بدمشق، ومن الجزيرة، وديار بكر، طلباً للعمل والتجارة، أو العمل كموظفين وإداريين، أو جنوداً في الجيش العثماني.


أبرز العشائر والعائلات الكردية في فلسطين

الأسرة الأيوبية الكبرى

جاء في ( وثيقة الأسرة الأيوبية الكبرى) المنشورة عام 1946 أسماء العائلات المتفرعة من الأسرة الأيوبية الكبرى، وهم أكراد أيوبيون يعودون بأصولهم الكردية إلى الدولة الأيوبية، وكانوا ضمن من توطنوا في فلسطين بعد تحريرها من الاحتلال الصليبي، ويسكن أغلبيتهم اليوم في مدينة الخليل بشكل خاص والبقية في مدن فلسطين الأخرى، والأسرة الأيوبية الكبرى تضم العشائر والعائلات الكردية الآتية: أبو خلف، صلاح، الهشلمون، طبلت، جويلس، البيطار، حمور، زلوم، حريز، الربيحية، البرادعي، احمرو، الجبريني، امحيسن، أبو زعرور، عرعر، صهيون، الحزين، برقان، سدر، فخذ أبو سالم/ مرقه، المهلوس، رويشد، أبو الحلاوة، الحشيم، متعب، قفيشه. وكانوا يشكلون حوالي نصف أو ثلث سكان مدينة الخليل. وقسم منهم يسكن اليوم في مدن جنين ونابلس والقدس ويافا ومصر والأردن(17) .

عائلة الإمام

يسكنون اليوم حول المدرسة الأمينية إلى الشمال من الحرم القدسي الشريف، ويعودون بأصولهم إلى العالم ضياء الدين محمد أبو عيسى الهكاري الصلتي القادم إليها من حارة الأكراد في مدينة ( السلط ) بالأردن خلال العصر المملوكي، وقد تولى أحفاده إمامة المسجد الأقصى لقرون طويلة، ومنها لبسهم لقب الإمام ولقبوا به إلى اليوم(18).

آل زعرور

من أكثر العائلات الكردية عدداً، ويعودون بأصولهم إلى الأيوبيين، ويسكنون اليوم في العيزرية شرقي القدس، وفي مدينة الخليل(19).

دار الملا

وهم أكراد من نسل ملا أو منلا علي، حاكم الناصرة الذي ينتسبون إليه، ويسكنون مدينة الناصرة(20).

آل سيف

يقال إنهم من نسل آل سيفا الأكراد الذين حكموا طرابلس وعكار شمالي لبنان في القرن السادس عشر، وقد نزلوها بعد صراعهم مع المعنيين في جبل لبنان منذ قرون خلت(21).

آل موسى وآل عيسى

عرفت ذريتهم بالبرقاوي نسبة إلى بلدة برقة بجوار نابلس، وينحدرون من آل سيفا الأكراد حكام طرابلس وعكار في شمالي لبنان في القرن السادس عشر، ويقيمون اليوم في قرية شوفه وكفر اللبد(22).

آل القيمري

وهم من أحفاد الأمراء الأكراد الذين قدموا إلى فلسطين من منطقة ( قيمر) الواقعة في الجبال بين الموصل وخلاط في كردستان العراق، وقد استقروا في مدينة الخليل في عصر الدولة الأيوبية بصفتهم مجاهدين في جيش صلاح الدين الأيوبي، ولأجدادهم اليوم ( القبة القيمرية) القائمة في الحرم القدسي الشريف وتضم رفات بعض أمرائهم الذين استشهدوا في تلك الحروب (23)، ويسكن آل القيمري اليوم في بلدة( دورا) الخليل، وقسم منهم هاجر إلى عمان بالأردن.

من عائلات مدينة القدس

تضم مدينة القدس عدداً من العائلات الكردية وهي: عائلة أبي اللطف، الكرد، الكردي، البسطامي،عليكو، الأيوبيون مثل: السائح، أبو غليون، ، عكه، قفيشه، غراب، أبو حميد، الأيوبي، الحزين، سدر، مرقه، علوش، الجبريني، البرادعي، فراح،امحيسن،متعب،الأيوبي، زلوم، حريز، اعسيلة .

ويذكر بأن الكرد قدموا إلى القدس وجوارها بعد أداء فريضة الحج، وأقاموا في زاوية خاصة بهم وخصوصا في حي الأزبكية، وعمل بعضهم في الجيش وقوات الأمن.(24).

ومن العائلات الكردية الأخرى المقيمة في القرى والمدن الفلسطينية: الشحيمات فرع من عشيرة البشاتوه كانوا يقيمون في قرى (كوكب الهوا ، والمزار، والبشاتوة) في قضاء بيسان، وقد هاجر أغلبيتهم إلى غور الأردن واستقروا به في مدينة الشونة الشمالية والمنشية ووقاص وإربد بعد عام 1948(25).

وهناك عائلات: الآغا في مدينة (صفد)، والكردي في قرية ( دير البلح)، والكردي والكنفاني في مدينة (عكا)، والكردي وفشري من الأيوبية في مدينة ( اللد)، والأكراد الأيوبية في قرية الربيحية / قضاء الخليل، واللحام في بلدة (صوريف)، والكردي في مدينة طبرية، والظاظا في مدينة ( بيسان)، وأبو زهرة والكردي وزلوم والسائح في مدينة ( نابلس)، وعائلات الناجي، باكير، علوه، في طيرة حيفا، وهم من أصل كردي قدموا إليها من ديار بكر، وهم من ذراري ثلاثة أقرباء وهم: بكوه( باكير)، و علوه( علي)، وحسوه( حسن) وكان يقيمون في (طيرة حيفا)،وبعد عام 1948 هاجروا إلى الأردن، وهناك آل مراد الكردي، والآغا، والظاظا، والكردي في قطاع غزة، والكردي في ( مخيم عائدة ) بجوار بيت لحم، والآغا في مدينة( خان يونس)، والكردي في مدينة (بئر السبع)، وأبو زهرة في ( يطا ) قرب نابلس، وأكراد البقارة والغنامة في قضاء طبرية، والكردي في قريتي ( حوارة وحواسة)، والكردي في مدينة ( الرملة)، والكردي في قرية ( عين عريك) ، والكرد في ( القدس والخليل ودير البلح وبيت طيما)، والأيوبي والسعدية من الأسرة الأيوبية في مدينة ( يافا)، وآل أبو الهيجا في قرية (عين حوض)(26).

[ملاحظة:الأستاذ أحمد سليمان أبو الهيجاء أرسل يوم 28/6/2007م برسالة للموقع هذا نصها: أرجو منكم حذف آل أبو الهيجاء من قائمة الأسر الكردية، لأننا أسرة عربية أصيلة، نسبنا كيلاني قادري وهذا موثق بشجرة العائلة و موثقة الشجرة القديمة من الوقف القادري البغدادي . أرجو إضافة هذه الملاحظة في موضوعكم وشكرا لكم].

مدينة غزة

عاشت عائلة الظاظا في قرية" الكوفخة" في منطقة بير السبع حتى عام 1948، وعندما تعرضت القرية للهدم والتجريف رجعوا إلى مدينة غزة، ويقول أحد أفراد عائلة الظاظا إن أساس العائلة من أكراد كردستان وقد جاء جدهم إلى غزة أيام الدولة العثمانية بحكم وظيفته، وكان اسمه الحاج مصطفى الظاظا، وأنجب ولدين هما عبد الحميد، و(عبد ربه) الذي ذهب مع وأولاده عبد الرحمن وديب وسكن في قرية الكوفخة وعملوا في الفلاحة وتربية الأغنام والجمال(27)، وبعد تدمير هذه القرية 1948نزلوا مدينة غزة.(28)

مدينة طبرية

وفي طبرية تسكن عائلة الكردي التي تنتمي إلى عشيرة الايزولي الكردية في سوريا(29). وقد عينت حكومة الانتداب البريطاني السيد محمد أيوب ظاظا(أبو أيوب الكردي) مختاراً للمسلمين في مدينة طبرية، وهناك عائلة بكداش، وعائلة خليل الكردي(جرس)، وعائلة ظاظا وجدهم هو الحاج درويش ظاظا، وعائلة بكر آغا (ازولي)وجدهم بكر صدقي آغا (أزولي)(30).

مدينة يافا

أشارت سجلات محكمة يافا الشرعية إلى توطين عدد من الكرد في قضاء يافا في العهد العثماني(1864-1914م). إذ عملوا في الجيش وقوات الأمن داخل قضاء يافا وخارجه، وبعضهم آثروا البقاء في المنطقة بعد انتهاء خدماتهم العسكرية، كما تظهر حجج حصر التركات في محكمة يافا الشرعية(31). فكان حسن آغا الكردي القاطن في سكنة ارشيد بيافا أحد أفراد الجيش العثماني في القضاء (32). وكان الحاج بكير آغا الكردي جاويش في العساكر العثمانية المرابطة في القضاء(33). وكان الحاج أحمد آغا بن محمد القواس الكردي القاطن في مدينة الرملة يوزباشي جاندرمة في لواء بني غازي(34).

ونتيجة للصراع العربي- الإسرائيلي الذي جرى في فلسطين وخصوصا حربي عام 1948، وعام 1967م هاجر الكثير من العائلات الكردية السابقة الذكر إلى بعض الدول العربية المجاورة كسوريا ولبنان ومصر والعراق والأردن ودول الخليج، وإلى بعض الدول الأوروبية وأمريكا.

يلاحظ بان أغلبية كرد فلسطين قد استعربوا ، وذلك بسبب وجودهم في فلسطين منذ عشرات السنين، والتي تعود إلى حوالي تسعمائة سنة أيام الحروب الصليبية، فكانت هذه الفترة الزمنية الطويلة كفيلة بتعريبهم وصهرهم في بوتقة المجتمع العربي الفلسطيني، ولم يعد يربطهم بكرديتهم أي شيء سوى قول بعضهم (بأن أصولنا كردية)، بل يذهب بعضهم إلى التشكيك بهذه الأصول الكردية المعروفة على الرغم بأنها مثبته في العديد من المراجع والمصادر. ولهذا فإن أغلبية كرد فلسطين ليس لديهم شعور قومي كأكراد، أضف إلى ذلك ما سببته لهم ظروف النكبة الفلسطينية من مآسي وويلات، فقد جردوا من أملاكهم وأراضيهم وشردوا في بقاع الأرض، فكان همهم الأول منصباً على تأمين لقمة العيش والمسكن، وعدم الالتفات إلى الجذور والأصول والبحث عنها، فهي بنظرهم لم تعد تفيدهم بشيء أمام وطأة العدوان، والتشرد في بقاع الأرض، كما أن تشتتهم في الكثير من دول العالم حال دون تجمعهم والتفافهم في روابط عشائرية تقودهم إلى البحث عن أصولهم الكردية البعيدة، وغرس هذا الشعور لدى أبنائهم..

وعلى الرغم مما سبق، يمكن استثناء عدد قليل من الكرد الذين لازالوا محافظين على كرديتهم، ويعتزون بهذا الانتماء، ولديهم مشاعر قومية، ويمكن حصرهم بالكرد الذين قدموا إلى فلسطين في أواخر العهد العثماني، أو من الذين يحملون اسما عائليا يدل في معناه على كرديتهم، وهذا ما تلمسه لدى بعض العائلات الآتية: ( الكردي، الكرد، ظاظا، الآغا، القيمري...)، وهؤلاء يوجدون اليوم في مدن فلسطين ، أو في دول المهجر، مثل سورية والأردن، وبعضهم أعضاء في جمعية صلاح الدين الأيوبي الكردية في عمان بالأردن.

المصادر

  • عن محلات الأكراد: انظر كتاب "الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل" للحنبلي، عمان، مكتبة المحتسب، 1973. ص77-78، وكتاب" ولاية بيروت (القسم الجنوبي)، لمحمد بهجت الأثري، مطبعة الأجيال، بيروت، 1335هـ، ص348.

1- محمد سعيد صافي : مدينة الخليل في العصر المملوكي، (رسالة ماجستير غير منشورة، إربد، جامعة اليرموك،1996)،ص45-46، الحنبلي: الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل،2/ص77،78،398-300.

2- رئيسة العزة: نابلس في العصر المملوكي،( رسالة ماجستير غير منشورة، إربد، جامعة اليرموك، )1995، ص71-72، سعيد البيشاوي: نابلس خلال العصور الصليبية، 1991، مصطفى مراد الدباغ: بلادنا فلسطين، 2/63194.

3- محمد خريسات: السلط دراسة عمرانية، مقال في مجلة دراسات، الجامعة الأردنية،ص27، فائز أبو فروة: مدائن فلسطين، عشائر فلسطين، عمان: دار الجليل، 1991، ص171.

4- الحنبلي: الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل،ص2، 38، 106، 153، 197، 198، 361

5- رائف نجم: كنوز القدس، عمان، 1991.

6- ياقوت الحموي: معجم البلدان، بيروت: دار صادر، 1979، 4/ص3424.

7- زياد عبد العزيز المدني: مدينة القدس وجوارها في أواخر العهد العثماني 1831-1918، عمان، 2004ص 232 ، وفيه:

سجل شرعي القدس رقم 383، 10 ربيع الأول 1311هـ/ 26 أيلول 1893مص167، سجل شرعي القدس رقم 384، 16 رمضان 1309هـ/ 30 آذار 1892م ص27، سجل شرعي القدس رقم407، 24 شوال 1330هـ/13 أيلول 1912ص 204.

8- المرجع السابق: سجل شرعي القدس رقم 378، 9 جمادى الأولى 1307هـ/24 كانون الأول 1889م ،ص12.

9- المرجع السابق: سجل شرعي القدس رقم 388، 7 جمادى الأولى 1305هـ/15 كانون الثاني 1888م ص12.

10- المرجع السابق :سجل شرعي القدس رقم 378، 9 جمادى الأولى 1307هـ/24 كانون الأول 1890م ص 12.

11- المرجع :محمد سالم غيثان الطراونة: قضاء يافا في العهد العثماني: دراسة اقتصادية اجتماعية (1281-1333هـ /1864-1914م)، عمان، وزارة الثقافة، 2000،ص474-475.

ومنه السجلات الآتية: سجل شرعي يافا رقم 24،13/ذا/ 1284هـ/ 1867م، سجل شرعي يافا رقم 90، ش/1321هـ/1903م. قضاء يافا في العهد العثماني:دراسة اقتصادية اجتماعية(1281-1333هـ/1864-1914م ،ص474-475.

12- المرجع السابق: سجل شرعي يافا رقم 119م645، 20/ذ/1328هـ/1910م،ص278، قضاء يافا في العهد العثماني:دراسة اقتصادية اجتماعية(1281-1333هـ/1864-1914م،ص474-475.

13- المرجع السابق: سجل شرعي يافا رقم 24، 13/ذ/1284هـ/1867م،ص186، قضاء يافا في العهد العثماني:دراسة اقتصادية اجتماعية(1281-1333هـ/1864-1914م، ،ص474-475.

14- المرجع السابق: سجل شرعي يافا رقم 47، ح16/29/ل/1310هـ/1892م،ص95، سجل شرعي يافا رقم 55، ص/1311هـ/1893م،ص56، قضاء يافا في العهد العثماني:دراسة اقتصادية اجتماعية(1281-1333هـ/1864-1914م، ،ص474-475.

15- سليم المبيض: غزة وقطاعها، 1987، ص419، محب الدين الحموي: حادي الأظعان النجدية إلى الديار المصرية، جامعة مؤته، الكرك،1993، ص103.

16- محمد الصويركي: الأكراد الأردنيون، عمان، دار سندباد،2004،ص41-42.

17- فائز أبو فروة: عشائر فلسطين، ص171، محمد خريسات: دراسات في تاريخ السلط، عمان:وزارة الثقافة، 1997،ص19.

18- فائز أبو فروة: مرجع سابق، ص71، 213.

19- حسين حمادة: تاريخ مدينة الناصرة وقضاؤها، عمان: دار منارات، 1982،ص99، محمد شراب: معجم العشائر الفلسطينية، عمان، المكتبة الأهلية، عمان،2002، ص919.

20- إحسان النمر: تاريخ جبل نابلس والبلقاء، دمشق، 1938،ص133.

21- إحسان النمر: مرجع سابق، ص133.

22- محمد العملة: انساب العشائر الفلسطينية، عمان:1991.1/ص228،230.

23- رائف نجم: كنوز القدس، عمان، 1991.


24- سجل شرعي القدس رقم 383، 10 ربيع الأول 1311هـ/ 26 أيلول 1893مص167، سجل شرعي القدس رقم 384، 16 رمضان 1309هـ/ 30 آذار 1892م ص27، سجل شرعي القدس رقم407، 24 شوال 1330هـ/13 أيلول 1912ص 204

25- محمد أحمد أبو زبيد: قضاء بيسان، عمان، رابطة الكتاب،2001.ص94،100.

بيسان: الظاظا، الشحيمات في قرية المزار قبل نكبة 1947

26- محمد شراب: مرجع سابق، ص792، 907، 842،845، 907، 507، 750، 592، 842، 910، 919، نبيل الآغا: مدائن فلسطين،313، 296، أبو راشد: طيرة الكرمل، اربد، 1993، ص49، زهير غنايم: لواء عكا في عهد التنظيمات العثمانية، بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1999،ص143، الوثائق الهاشمية، فلسطين 1948عمان: جامعة آل البيت، القسم الأول،1995،ص7، محمد العملة: انساب العشائر الفلسطينية، 1/ص82،83، 228، 230، إحسان النمر: تاريخ جبل نابلس والبلقاء،ص 133.

27- شريف كناعنة، رشاد المدني: القرى الفلسطينية المدمرة: الفالوجة والكوفخة. المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة:إيسيسكو، عمان،1992.ص149 .

28- لهم شجرة نسب في المصدر السابق، ص150، وإشارة(.....) تعني أن الشخص له أولاد واسمهم غير متوفر لدى الراوي والكاتب معاً.

29- طبرية تراث وذكريات/سعيد خوري، مصطفى سحتوت، دار الشجرة، ط2، 2001،ص155

30- المرجع السابق،ص97، 104،115،143.

31ـ المرجع :محمد سالم غيثان الطراونة: قضاء يافا في العهد العثماني:دراسة اقتصادية اجتماعية(1281-1333هـ/1864-1914م، عمان، وزارة الثقافة، 2000،ص474-475.

سجل شرعي يافا رقم 24،13/ذا/ 1284هـ/ 1867م، سجل شرعي يافا رقم 90، ش/1321هـ/1903م. قضاء يافا في العهد العثماني:دراسة اقتصادية اجتماعية(1281-1333هـ/1864-1914م، ،ص474-475.

32- المرجع السابق: سجل شرعي يافا رقم 119م645، 20/ذ/1328هـ/1910م،ص278، قضاء يافا في العهد العثماني:دراسة اقتصادية اجتماعية(1281-1333هـ/1864-1914م،ص474-475.

33- سجل شرعي يافا رقم 24، 13/ذ/1284هـ/1867م،ص186، قضاء يافا في العهد العثماني:دراسة اقتصادية اجتماعية(1281-1333هـ/1864-1914م، ،ص474-475.

34- المرجع السابق: سجل شرعي يافا رقم 47، ح16/29/ل/1310هـ/1892م،ص95، سجل شرعي يافا رقم 55، ص/1311هـ/1893م،ص56، قضاء يافا في العهد العثماني:دراسة اتحاد اقتصادية اجتماعية(1281-1333هـ/1864-1914م، ،ص474-475

الفصل الخامس: الكرد في الاتحاد السوفيتي

وقد نختلف مع ما قاله (اكينر) في بعض طروحاته التاريخية , إلا أننا لا يمكننا إلا أن نتفق معه حينما يلجأ إلى الأرقام والإحصاءات الحديثة والقديمة حول عدد الكرد والمسلمين والإيزدية في الاتحاد السوفيتي، لأن الكاتب من الاتحاد السوفيتي، وقد استقى معلوماته وأرقامه من المصادر والوثائق السوفيتية. وكل مداخلاتي على مقالة اكينر هذه ستكون داخل أقواس من هذا النوع [ ].

يقول اكينر تحت عنوان "الكرد":

الكرد: الاسم المشترك للكرد هو (الكورمانج)، وهناك أيضاً العديد من التسميات القبلية، مثلاً: هناك مجموعة يسمون ب(السوران). يعيش معظم الكرد في القفقاس، وبشكل خاص في أرمنستان [نذكر القاريء بأن الكاتب يتحدث عن المسلمين في الاتحاد السوفيتي وليس عن الكرد بشكل عام]، غير أن مجموعات كبيرة منهم توجد في آسيا المركزية وقزاقستان (كازاخستان).

مقدمة تاريخية

الكرد من قبائل الشرق القريب , فارسية اللغة [لا نتفق مع هذا الرأي الذي يلجأ إليه بعض كتاب الفارسية المتعصبين، أما بعضهم الآخر (المنصف) فهم يعترفون بأن اللغة الكردية هي لغة مستقلة بذاتها، ويعلمون علم اليقين أنها (أي اللغة الكردية) أقدم من اللغة الفارسية , أي أنها الأصل وليس العكس، وهذا موضوع آخر سنتناوله في مقال مطول].

أصل ونسب الكرد مبهم للغاية وليس هناك اطلاع كبير حول تأريخ الكرد , وأراضي أجداد الكرد هي منطقة تدعى (كردستان)، وهي موزعة الآن بين إيران والعراق وتركيا وسورية، هاجرت مجموعة من الكرد إلى ما وراء القفقاس منذ القرن العاشر [المقصود القرن العاشر الميلادي] . ومنذ القرن العاشر وحتى القرن الثاني عشر حكمت سلالة كردية باسم (شداديو دبيل) بين نهري (كورا) و(آراس) وفيما بعد , في القرن السابع عشر وأثناء حكم الشاه عباس (الصفوي) نزحت مجاميع كبيرة إلى هذه المنطقة , منذ ذلك الحين أطلق اسم (كردستان خراسان) [شمال غرب ايران] على تلك المنطقة، ويحتمل أن يكون هؤلاء قد هاجروا شمالاً في أواسط القرن التاسع عشر ليستقروا في تركمنستان.

لم يتح للكرد أن يتّحدوا في حكومة مركزية واحدة، إلا أنهم كانوا يتحدون على الدوام مع حكومات (نصف مستقلة) للقبائل [يقصد الإمارات الكردية] .

كان الكرد منذ القرن الرابع عشر وحتى القرن الثامن عشر , (شكلياً) تحت نفوذ العثمانيين والإيرانيين , وفي القرن التاسع عشر وأثناء توسع النفوذ الروسي أيضا . وقد وضعت معاهدة (تركمنجاي 1828) ومؤتمر برلين (1787) على التوالي , بعض أملاك الدولة العثمانية وإيران فيما وراء القفقاز تحت سلطة روسيا . وقد جاء تعيين الخط الحدودي بين روسيا وإيران عام 1893 لصالح روسيا أيضا، وقد كان سكان كل المناطق التي ألحقت بروسيا , من الكرد . ومع هجرة مجاميع أخرى من الكرد إلى روسيا (وبشكل خاص من تركيا خلال عامي 1835-1836 وعامي 1877-1879 وعامي 1914-1918 ازداد عدد الكرد داخل أراضي روسيا) – الاتحاد السوفيتي . ولابد من الإشارة أيضاً إلى أن أعدادا من الكرد في عشرينيات وثلاثينيات القرن الحالي [القرن العشرين] هاجروا من الاتحاد السوفيتي إلى البلدان المجاورة مثل أفغانستان .

كان الكرد في الاتحاد السوفيتي , حتى عشرينيات القرن الماضي , على شكل عشائر أو (نصف عشائر)، وكل قبيلة كانت تسلك طريقها، ثم اضطروا فيما بعد إلى تغيير نمط حياتهم ليستقروا ويساهموا في البرنامج الاشتراكي .

يعمل معظم الكرد في الاتحاد السوفيتي (الآن) [قبل انهيار الاتحاد السوفيتي] في المزارع الاشتراكية، أو يمارسون أعمالا كالزراعة وتربية الدواجن (يهتم بعضهم بتربية الخنازير ولكنهم يتجنبون أكل لحومها) . ويستثنى من هذا، الكرد وكورجستان لأنهم يعيشون في العاصمة (تفليس)، ويشتغلون في المعامل والمصانع .

ومن أكثر مجاميع الكرد تطوراً في الاتحاد السوفيتي , هم أولئك الذين يعيشون في أرمنستان , لأنه تتوفر لهم العديد من الفعاليات والفرص الثقافية , فهناك على سبيل المثال , اتحاد أدباء الكرد ضمن اتحاد الكتاب الأرمن، وهناك قسم كردي (أكاديمية العلوم الأرمنية)، بالإضافة إلى نشرهم للعديد من الكتب الكردية .

وأوضاع الكرد في أجزاء أخرى من الاتحاد السوفيتي ليست كما هي الحال في أرمنستان . ففي تركمنستان انصهر الكثير من الكرد داخل (التركمان) إلى درجة أن العديد منهم بات يعتبر نفسه منهم [أوضاع الكرد في أرمنستان أيضاً ساءت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وبدأت حملات الاضطهاد والتنكيل ضد المثقفين الكرد هناك] .

في العام 1923 استحدث في أذربيجان (إدارة كردستان) (عاصمتها لاجين) ثم انحلت فيما بعد . وفي العام 1941 ولأسباب غير معلومة (أبعدت) مجاميع من الكرد مما وراء القفقاس إلى آسيا المركزية (جمهورية قرقيزيا) و (جمهورية قزاقستان)، ويبدوا أنه لم يسمح لهم بالعودة إلى ديارهم حتى الآن .

أما عن مذهب الكرد فيقسم إلى قسمين وهم المسلمون والإيزدية , ومذهبهم(أي الإيزيدية) خليط من الإسلام والزردشتية واليهودية والمسيحية النسطورية .

في التعداد العام للسكان الذي أجري في الاتحاد السوفيتي عام 1926 فصل الإيزدية عن الكرد , غير أنهم عادوا وأحصوهم معاً في الإحصاءات التالية .

في إحصاء الكرد عام 1959 (وربما في الإحصاءات التالية) أضيفت مجاميع أخرى من الكرد إلى نفوس الاتحاد السوفيتي، وهؤلاء عبارة عن مجاميع صغيرة من الأتراك الذين يسكنون في تركمنستان, ويبدو أنهم ضمن مجموعتهم القومية، ولم يشر إلى هؤلاء في الإحصاءات السابقة الذكر، وربما بلغ عددهم عدة مئات .

النفوس والتوزيع

1926 1959 1970 1979

الكرد 54661 58799 88930 115858

الإيزيدية 14523

1- اعتبر الازيدية جزءاً من الكرد منذ العام 1959

2- عدم ازدياد عدد نفوس الكرد خلال الأعوام 1926-1959 يعود إلى حدّ ما إلى هجرة هؤلاء إلى خارج الاتحاد السوفيتي وإلى أفغانستان بالتحديد .

1926 1959 1970 1979

الكرد – الازيدية

أرمنستان 2025 12237 25627 37486 50822

أذربيجان 41192 1487 5488 لا يوجد إحصاء

كرجستان 7955 2262 16212 20690 25688


تركمنستان 3208 ــ 2263 2922 لا يوجد إحصاء

قازاقستان ـــ ـــ 5826 12213 لا يوجد إحصاء

قرغيزيا ـــ ـــ 4783 7974 لا يوجد إحصاء

بقية جمهوريات 24185 2591 2046 = =

الاتحاد السوفيتي

واستناداً إلى الجدول أعلاه فإن عدد الكرد والإيزيدية في جمهورية أرمنستان تضاعف في العام 1959 عما كان عليه في العام 1926 .

(في العام 1926 كانت نسبة الكرد والايزيدية في ارمنستان هي 22.1 – قياساً إلى مجموعهما في الاتحاد السوفيتي ككل – وفي العام 1959 كانت النسبة 43.6)، ويعود سبب هذه الزيادة إلى الهجرة أو (التهجير القسري) للكرد من أذربيجان , فقد كانت نسبة الكرد والايزيدية هناك – في أذربيجان- عام 1926 م 75, 4 نسبة إلى المجموع الكلي، فيما تدنت النسبة عام 1959 لتصل إلى 2.5 , وقد كان أغلب هؤلاء (90.1) عام 1926 يسكنون بأذربيجان في (منطقة كردستان) . [المقصود منطقة الحكم الذاتي المسماة بكردستان الحمراء بين عامين 1923-1929].

التوزيع السكاني للكرد (والايزيدية) في القرى والمدن كان على النحو التالي:-

1926 1970

الكرد الازيدية

في المدن 1875 2245 34317

النسبة (3.4%) (15.5%) (38.6%)

في المناطق الريفية 52786 12278 54613

النسبة (96.6%) (84.5%) (61.4%)

في كورجستان فقط

في المدن 1093 1264 20013

النسبة (13.7%) (95.7%) (96.8%)

في المناطق الريفية 6862 98 659

النسبة (13.3%) (4.3%) (3.2%)

الوضع الاجتماعي

الوضع الاجتماعي للكرد (في الاتحاد السوفيتي) غير واضح؛ فأكثرية القاطنين في أرمنستان يخضعون دون شك لقوانين الاتحاد السوفيتي , ومن البديهي أيضاً أن الكرد الموجودين في المنافي (لا ندري إن كان هناك من يعيش منهم في المنفى) محرومون من حقوقهم المدنية , وعلى افتراض أنهم قد استقروا تماماً في منافيهم في منطقة آسيا المركزية , فإنهم محرومون من حق السفر والهجرة إلى باقي أجزاء المنطقة , ومن الاحتمالات البعيدة – وإن لم يكن مستحيلاً – أن يكون عدد من الكرد قد طلبوا – طوعاً – أن ينتقلوا من أرض أجدادهم كردستان , ليختاروا الحياة في المنطقة أخرى .

يلاحظ وجود الكرد في مرافق العمل المختلفة (بشكل خاص في أرمنستان)، ولكن أغلبيتهم يعملون في المزارع الاشتراكية , والكرد (الايزدية) الساكنين في كورجستان يمارس غالبيتهم الأعمال المهنية .

أما مسألة السكن فهم كبقية مواطني الاتحاد السوفيتي من القوميات الأخرى .

ونساء الكرد يمارسن العمل خارج المنزل وحالهن حال بقية نساء الاتحاد السوفيتي .

نسبة من يجيدون القراءة والكتابة من الكرد الإيزيدية :

عام 1926 عام 1970

الكرد 3.7% أكثر من 99%

الإيزيدية 2.1% أكثر من 99%


في العام 1926 كان عدد من يجيدون القراءة والكتابة هو (47) نسمة فقط (أي بنسبة 2.3 إلى كل المتعلمين من الكرد) .

أما الازيدية , فكان عددهم (32) فرداً فقد (أي بنسبة 10.4 من الازيدية المتعلمين) وهؤلاء كانوا يستطيعون القراءة والكتابة بلغتهم الأم .

اللغة

اسم اللغة القومية، هو الكردية وتنتسب إلى المجموعة الشمالية الشرقية من اللغات الإيرانية .

واللغة الكردية تتفرغ إلى العديد من اللهجات الكردية، وتقسم اللهجات بدورها إلى لهجات محلية أخرى .

أهم اللهجات الكردية هي (اللهجة الشمالية الغربية) التي تدعى بـ(اللهجة الكرمانجية) و(اللهجة الجنوبية الشرقية) وتدعى (السورانية) و(الكورانية) , (اللرية) و(الزازا) هي ثلاث لهجات أخرى مهمة من لهجات اللغة الكردية.

والاختلاف الرئيسي بين هذه اللهجات يتضح في تصريف الكلمات .

لغة الكرد الساكنين في الاتحاد السوفيتي تتخللها – إلى جانب الكلمات العربية والتركية الداخلية على كل اللهجات الكردية بشكل عام – الكثير من مفردات اللغات الروسية والأذربيجانية والتركمانية .

أما أولئك الكرد الذين يعيشون خارج الاتحاد السوفيتي فإن لغتهم استعارت بعض الكلمات الإنكليزية والفرنسية أيضاً .

تاريخ اللغة الأدبية الكردية موغل في القدم، ويعود إلى القرن الحادي عشر، بل ربما عاد إلى ما قبل ذلك أيضاً , وقد ظهر خلال هذه القرون العديد من الأدباء الكبار .

نسبة الكرد (الإيزيدية) ممن تعلموا ودرسوا اللغة الكردية كلغة أم

1926 1956 1970 1970

الكرد 34.4 89.9 87.6 83.6

الازيدية 96.4 ــ ــ ــ


يستفيد الكرد في الاتحاد السوفيتي من اللغة السوفيتية في كل القضايا الرسمية , أما في أرمنستان فيسمح باستخدام الأرمنية في دوائر الدولة، ويمكن للكرد أن يستخدموا لغتهم الأم عند الحاجة , في كل الاتحاد السوفيتي.

في أعوام الستينيات افتتحت بعض الصفوف لتدريس اللغة الكردية في أرمنستان، أما الآن [1980] فلا ندري إن كان يسمح بالاستفادة من اللغة الكردية أم لا ؟

هناك العديد من المراكز المهمة لدراسة اللغة الكردية في موسكو ولينينكراد وايريفان، وهناك أعداد من الكرد ممن يتلقون علومهم في هذه المراكز والمعاهد، ولكن لا توجد لدينا أرقام وتفاصيل عن عدد هؤلاء، وكذا الحال بالنسبة إلى برامج الراديو والتلفزيون الموجهة باللغة الكردية , فلا تتوفر لدينا معلومات جديدة .

هناك صحيفة بعنوان (رياتازه=الطريق الجديد) تصدر باللغة الكردية في جمهورية أرمنستان منذ العام 1938 وحتى 1955) .

صدرت بعض الكتب والكراريس باللغة الكردية (فعلى سبيل المثال طبعت في العام 1976 خمسة عناوين لم يكن من بينها أي كتاب تخصصي في الموضوعات العلمية والفنية ) .

الخط والألفباء الكردية

حتى عام 1921 الخط العربي

1921 – 1929 الخط الأرمني

1929 – 1946 الخط اللاتيني

1946 - الخط السريلي


الكتاب الكردي الوحيد الصادر باللغة الأرمنية كان كتاباً مدرسياً طبع سنة 1921 .

طبعت في الثلاثينيات العديد من الكتب الكردية بالخط اللاتيني، إلا أنها توقفت عن الصدور خلال أعوام الحرب. ومنذ العام 1946 صدرت مجموعة كتب كردية – على قلتها – بشكل منتظم بالخط السريلي : غير أن عدداً من الكتب الكردية صدرت في فترة قصيرة خلال الستينيات بالحروف اللاتينية , ربما للاستفادة منها خارج الاتحاد السوفيتي .

يستفاد من الخط العربي في كتابة اللغة الكردية وبنسبة أقل من الخط اللاتيني .

المذهب

يقسم الكرد من الناحية المذهبية إلى (مسلمين) و(ايزيدية) , وأكثر الكرد من السنة (الشافعية) . أما أغلب الكرد (المسلمين) في الاتحاد السوفيتي فهم من الشيعة، ومن بين الشيعة هناك مجاميع (العلي اللهي) و(أهل حق), وكلاهما مجموعة واحدة وهم يفضلون تسمية (أهل الحق) على الاسم الأول .

كان موطن الشيعة الأصلي – في الماضى – في أذربيجان وكورجستان وتركمنستان , وكان الكرد من السنة يعيشون في أرمنستان أيضا , أما اليوم وبعد أن هاجر الكرد من أذربيجان أو أبعدوا منها , فإن نسبة من الكرد الشيعة تعيش في أذربيجان أيضاً .

أما الايزيدية الذين كانوا يفصلون عن الكرد في الإحصاءات القديمة فإنهم كانوا يستوطنون كورجستان وأرمنستان، ويحتمل أن يوجد الازيدية في ذات المناطق أيضا، وكانوا يشكلون نسبة 20% من مجموع الكرد في الاتحاد السوفيتي عام 1926 .

الفصل السادس: الكرد في بلاد مصر

تعد مصر من أكثر البلدان العربية التي كانت لها علاقات وثيقة وقديمة بالكرد، فوجدت علاقات قديمة بين الميتانيين الكرد والملوك الفراعنة منذ القرن الرابع عشر قبل الميلاد، برزت من خلال زواج بعض الأميرات الميتانيات من الملوك المصريين أمثال الملكة الجميلة نفرتيتي التي حكمت عرش مصر. ورغم قلة المصادر التي توضح لنا صور وأشكال تلك العلاقات بينهما في ذلك الحين، فإننا نستطيع رصدها بشكل واضح بعد الفتح الإسلامي لكردستان ودخول الكرد كمكون جديد للأمة الإسلامية، ساهموا مع إخوانهم من المسلمين في صنع الحضارة الإسلامية الزاهية، وأخذ الكرد يتوافدون على مصر على هيئة رجال حكم وإدارة وقادة عسكريين وجنود وتجار وطلبة علم طوال الحقبة الإسلامية، الممتدة عبر خمسة عشر قرنا من الزمان، ومن هؤلاء من استقر بمصر واتخذها دار سكن وإقامة، ومع الزمن اندمجوا مع السكان الأصليين وانقطعت جذورهم مع موطنهم الأول، ولم يبق لهم من تلك الصلة سوى الاسم، ومن صلبهم نبغ العديد من القادة العسكريين ورجال الإدارة والأدباء والشعراء والفقهاء والمحدثين والفنانين، وأسدوا خدمات جلى لوطنهم مصر، ومع ذلك لم ينكروا كرديتهم .

وفي مصر أيضاً شكّل الكرد لهم فيها دولتين عظيمتين، الأولى الدولة الأيوبية التي أسسها صلاح الدين الأيوبي، وأسهمت في رد الغزو الصليبي عن المنطقة، وساهمت في بناء نهضة اقتصادية وعمرانية وثقافية كبيرة يشهد لها التاريخ، مع إعادة نشر المذهب السني ونشره في مصر وبلاد الشام.

أما الدولة الثانية فهي التي أنشاها محمد علي باشا الكبير – أصله من أكراد ديار بكر – في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي، واعتبر بحق مؤسس مصر الحديثة وصانع نهضتها العلمية والزراعية والعسكرية والصناعية.

كما نبغ في مصر طوال القرن العشرين عباقرة وقامات كردية كانوا من رواد حركة الإصلاح والتحرر والفكر والأدب والفن في مصر والعالم العربي، أمثال: الإمام المصلح محمد عبده، قاسم أمين، والأديب عباس محمود العقاد، وأمير الشعراء أحمد شوقي، والشاعرة عائشة التيمورية، والقاص محمود تيمور، والشيخ عبد الباسط محمد عبد الصمد، والباحث حسن ظاظا، والفنانة سعاد حسني، والمخرج السينمائي أحمد بدرخان وابنه علي.. والكثير الكثير من الرموز الكردية، التي ساهمت في صنع نهضة مصر الحديثة. وفي هذا المقال المطول نسلط الضوء على طبيعة العلاقة التاريخية بين الكرد ومصر منذ القدم وحتى اليوم.

العصر الفرعوني

إن أقدم علاقة تاريخية سجلت بين الكرد والفراعنة المصريين ترجع إلى الميتانيين (الحوريين) – أجداد الكرد، الذين شكلوا مملكة ميتاني في القرن السادس عشر حوالي سنة 1500ق.م، وعاصمتها ( واشوكاني) على نهر الخابور، وامتد نفوذها على جميع كردستان، وعرفهم المصريون باسم نهارين، وشكلوا طبقة أرستقراطية كانت مسؤولة عن إدخال الحصان والعربة إلى المنطقة. وانتهت هذه المملكة في عهد الملك الآشوري ( آشور ناصربال) سنة 1335ق.م.

وقد تعرضت مملكتهم للغزو المصري بزعامة تحتمس الأول، لكن الميتانيين استطاعوا التخلص من التبعية المصرية باتفاقهم مع الحثيين في أواخر القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وأصبحوا يملكون قرارهم بأنفسهم. لكن في المقابل كانت هناك علاقات وطيدة بين الطرفين ترسخت في عهد الملك الميتاني ( توشرتا نحو 1390ق. م) الذي وصفته الوثائق المصرية بالصديق الموالي لمصر، وكانت بينه وبين ملوك مصر رابطة مصاهرة ونسب، وله مراسلات مطولة مع أمنحوتب الثالث ( توفي 1375ق. م). وأمنحوتب الرابع( توفي 1358ق.م). ووجدت بعض من هذه الرسائل المتبادلة في تل العمارنة مكتوبة باللغة الميتانية في نحو ستمائة سطر. وكانت إحدى شقيقاته من بين زوجات أمنحوتب الثالث، كما أن إحدى بناته المدعوة ( نفرتيتي) كانت زوجة أمنحوتب الثالث ومن بعده أمنحوتب الرابع.

وفي إحدى رسائل هذا الملك الميتاني التي كتبها لزوج أخته الفرعون المصري أمنحوتب الثالث(توفي 1375 ق.م) يخاطبه بهذه العبارات:

إلى ميمّوريا الملك العظيم، ملك مصر، أخي،

صهري الذي يحبني والذي أحبه،

هكذا يقول توشراتا الملك العظيم ، حموك،

الذي يحبك، ملك ميتاني، أخوك:

إنني في حالة حسنة، عسى أن تكون في حالة حسنة!

وبيتك، وشقيقتي وسائر نسائك وأولادك،

ومركباتك وخيولك وجيشك،

وبلادك وجميع ممتلكاتك.

ليكثر السلام عليك!(1)

كما تأثر المصريون القدماء بالديانة الحورية في عهد ملكهم أمنحوتب الرابع، ما بين عام (1371 – 1358 ق.م )، وشاركت العديد من الأميرات الميتانيات مع أزواجهن في حكم مصر أمثال الملكة المشهورة ( نفرتيتي ).

نفرتيتي الميتانية على عرش مصر

نفرتيتي تلك الملكة الميتانية الجميلة، التي حكمت مصر في ظل ديانة التوحيد (1369 ق.م) هي زوجة الملك أمنحوتب الرابع الشهير بأخناتون ( 1369-1353 ق.م) عاشر فراعنة مصر من الأسرة الثالثة عشرة، وأول من أعلن ديانة التوحيد بطريقة رسمية، ونادى بوحدانية الله الواحد الأحد، وكان يراه في قرص الشمس، وحطم الأصنام، وأعلن زهده.

واسم ( نفرتيتي) يعني الجميلة المقبلة، كانت شريكة زوجها في إعلان التوحيد، وعاشت معه حياة وردية رقيقة، أنجبت له ست بنات، وشاء القدر أن يحرمها من إنجاب من يرث العرش.

وصفها زوجها بقوله:" مليحة المحيا، بهيجة بتاجها ذي الريشتين، تلك التي إذا ما أصغى إليها الإنسان طرب، سيدة الرشاقة، ذات الحب العظيم، تلك التي يسّر رب الأرضين صنعها". كما وصفها في مناسبات أخرى:"الجديرة بالمرح، ذات الحسن، حلوة الحب، جميلة الوجه، زائدة الجمال التي يحبها الملك، سيدة السعادة، سيدة جميع النساء". لذلك تميزت بجمالها وجاذبيتها، وشخصيتها القوية على زوجها وانعكاساتها على عصرها.

تولت عرش مصر لفترة محدودة، ومنحت ألقاباً عديدة منها " الزوجة الملكة العظمى"، و"سيدة مصر العليا والسفلى، سيدة الأرضين". ثم وقعت في محنة الردة التي شقيت بنتائجها بعد وفاة زوجها، انتهت حياتها بمأساة، لها تماثيل نصفية خلدت جمالها الرائع، موجودة اليوم في متحفي برلين والقاهرة(2).


العصر الإسلامي

أما في العصور الإسلامية فقد ذهب الكثير من رجالات الكرد إلى مصر والقاهرة على شكل جنود وقادة عسكريين وطلبة علم لتلقي المعرفة من الجامع الأزهر، ومن الشخصيات الكردية التي برزت في مصر في العصر الفاطمي أحمد بن ضحاك أحد الأمراء الأكراد، الذي تولى في عهد الخليفة الفاطمي القادر بالله مناصب مهمة في الجيش المصري، واتفق أن جردت حكومة روما الشرقية جيشاً على قلعة ( آفاميا ) بالقرب من نهر العاصي تحت قياد القادة (دوقس داميانوس ــ دهلاسينوس )، واحتدمت المعارك بين الجيش الرومي والجيش المصري الذي كان بقياد القائد ( جيش بن محمد بن الصمصامة )، وأسفرت عن اندحار الجيش المصري الذي لم يبق منه سوى خمسمائة خيال، في حين كان قائد الجيش المنتصر يتمتع بنشوة الظفر من فوق ربوة عالية . فلم يتمالك القائد الكردي أحمد بن ضحاك من الاندفاع نحو القائد الرومي فهجم عليه بمفرده وأراده قتيلاً. وصاح عندئذ بصوت جهوري قائلاً : " إن عدو الله قد قضى نحبه "، فأثر ذلك على معنوية الجيش المصري المدحور وعاد إلى ميدان النضال فهزم الجيش الرومي، فكتب النصر بذلك للجيش الفاطمي(3).

وبرز أيضاً الملك العادل أبو الحسن سيف الدين علي بن سالار، وزير الظافر العبيدي صاحب مصر. وكان كرديا من عشيرة ( زرزائي ) الساكنة في إيران، وقد ربي في القصر بالقاهرة، وتقلبت به الأحوال في الولايات بالصعيد، فعيّن والياً على الإسكندرية، وتولى الوزارة للظافر في القاهرة في رجب سنة (543 هـ)، ونُعِتَ بالعادل أمير الجيوش. واستمر في الوزارة إلى أن قتل بيد حفيد امرأته أم عباس ( نصر بن عباس ) في سنة(548 هـ/ 1152م)، بعد أن كان شهماً مقداماً ذا سطوة مع صحبته لأصحاب العلم والإصلاح. وعمر بالقاهرة المساجد، وبنى مدرسة في الإسكندرية للشافعية(4).

الكرد يؤسسون الدولة الأيوبية في مصر

من أرض مصر استطاع البطل الكردي الخالد صلاح الدين الأيوبي ( 1137-1193م) تأسيس دولته العظيمة التي استمرت أكثر من مائة عام، ومن القاهرة انطلق إلى الشرق لتوحيد بلاد الشام، ومن هناك قاد الجيوش الإسلامية لمقارعة الصليبين ودك معاقلهم، واستطاع هزيمتهم وكسر شوكتهم عقب معركة حطين الشهيرة 1187م، والتي مهدت السبيل لاسترجاع القدس وتحرير المنطقة من الغزو الصليبي.

يعد الملك المنصور أسد الدين شيركوه أول من ولي مصر من الأكراد الأيوبيين، وهو أخو نجم الدين أيوب، وعمّ السلطان صلاح الدين، وكان من كبار القواد في جيش نور الدين زنكي بدمشق، وقد أرسله على رأس جيش إلى مصر (سنة 558هـ) لنجدة شاور بن مجير السعدي الوزير الفاطمي في مصر، واشتبك مع جيش ضرغام في بلبيس وانتصر عليه وحاصره في القاهرة، ومن ثم وقعت الفسطاط في يده، واستلم القاهرة وقتل ضرغام. وبعد ذلك نبذ شاور صداقة شيركوه ومنعه من دخول القاهرة. وعلى اثر ذلك أرسل شيركوه الأمير صلاح الدين لاحتلال بلبيس والشرقية، فلما علم شاور بالأمر استعان بملك القدس الصليبي وطلب مساعدته. وأرسل له جيشا قوياً ووجهه إلى بلبيس، ودافع شيركوه عن بلبيس ثلاثة أشهر دفاع الأبطال وانتهى الأمر باتفاق ملك القدس مع شيركوه وأخلى الاثنان مصر سنة 558هـ .

رجع شيركوه مع جيشه إلى الشام. ولكن جيش ملك القدس خلافاً للمعاهدة وبدسيسة من شاور بقي في مصر، وعلى إثر ذلك قرر السلطان نور الدين زنكي مع شيركوه احتلال مصر. وبعد ثلاث سنوات من الحملة الأولى قام شيركوه على جيش يربو على ألفي محارب وتوجه إلى مصر بقصد احتلالها سنة 562هـ ، وبعد متاعب كثيرة وصل إلى الجيزة وتقابل مع جيش القدس الإفرنجي على الضفة اليسرى من نهر النيل، وعلى حين غرة هجم جيش القدس ولولا قيادة وحزم شيركوه لانتصروا عليه، ولكنه لم يقبل بالمصادمة وتوجه إلى الصعيد واشتبك في الحرب معه بالقرب من البابين وانتصر، واحتل الإسكندرية ونصب الأمير صلاح الدين قائداً عليها وترك نصف جيشه هناك، وأخذ الباقي وتوجه إلى الصعيد. أما ملك القدس فقد انسحب بعد خذلانه إلى القاهرة، وأخذ معه جيش مصر وحاصر الإسكندرية. وعلاوة على ذلك أرسل أسطوله لمحاصرة القلعة بحراً. فدافع الأمير صلاح الدين مقابل تلك القوة البحرية والبرية سبعين يوماً دفاعاً لا نظير له.

أما شيركوه فإنه تقدم بالقسم الباقي من جيشه وحاصر مصر. فإدارة شيركوه الحازمة وبطولة الأمير صلاح الدين أدخل الذعر إلى قلوب الأعداء واضطرهم إلى طلب الصلح، فلم يقبل شيركوه الصلح إلا على شرط إخلاء مصر من قبل الطرفين.

وفي الواقع أخليت مصر ورجع شيركوه إلى الشام، ولكن بعد فترة قصيرة أرسل ملك القدس جيشاً إلى بلبيس بقصد الاستيلاء على مصر وقام بأفظع الأعمال فيها، مما أجبر الحكومة الفاطمية نفسها أن ترسل هيئة من قبلها حاملة كتاباً وفي طيه جدائل نساء القصر تستغيث بالسلطان نور الدين زنكي. فأرسل السلطان شيركوه للمرة الثالثة على رأس جيش كبير إلى مصر قدر بنحو سبعين ألفا. فلما وصل خبر جيش الشام إلى ملك القدس خاف عواقب عمله وعاد إلى القدس في سنة 564هـ.

وصل شيركوه إلى القاهرة واستقبله أهلها استقبالاً حاراً ورحبوا به، وعلم بأن شاور بن مجير يأتمر به لقتله هو ومن ومعه من كبار القواد. فتعاون مع صلاح الدين على قتل شاور وأرسل رأسه إلى الخليفة " العاضد" . الذي خلع عليه السلطنة ولقبه بالملك المنصور أمير الجيوش، وولاه الوزارة سنة 564هـ. ولم يقم غير شهرين وخمسة أيام . فتوفي فجأة سنة 564هـ /1169م. ودفن بالقاهرة. ثم نقل مع أخيه نجم الدين أيوب إلى المدينة المنورة ودفنا هناك، وقلد العاضد منصبه إلى ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي ولقبه بالملك الناصر(5).

تولى صلاح الدين الوزارة وقيادة الجيش ولقب بالملك الناصر، ثم أنهى حكم الفاطميين وأصبح صاحب السلطة في مصر واستقل بها.

بعد وفاة نور الدين زنكي شهدت الشام اضطرابات دعي صلاح الدين إلى ضبطها، فقام هناك بتهدئة الأوضاع وتوحيد البلدان حولها، وبدأ إصلاحات فيها وكذلك في مصر التي بنى قلعتها الشهيرة ( قلعة الجبل) والعديد من المدارس والمستشفيات والمساجد والطرق، وحافظ على المذهب السني وأعاد نشره من مخالب التشيع الخطير آنذاك، وتتابعت إنجازاته حتى دانت له البلاد، وأصبحت دولته الأيوبية تمتد من النوبة في أقصى جنوب مصر إلى بلاد الأرمن شمالاً، والجزيرة والموصل شرقاً إلى برقة غرباً، وحينها بدأ يكرس جهده لمواجهة حملات الصليبيين وغاراتهم.

تمكن صلاح الدين من توحيد شتات المسلمين بعد تفرقهم في دويلات متناحرة هيأت للصليبيين السيطرة على أراضيهم ومنها بيت المقدس سنين طويلة، وكان رجل سياسة وحرب بعيد النظر، كما عرف بعطائه وإنفاقه في سبيل الله حتى إنه لم يدخر لنفسه مالاً ولا عقاراً، وكان يهتم بإصلاح الشؤون العامة من عمران، ومجالس علم، وحلقات أدب.

كما يسجل لصلاح الدين حماية المسيحيين الشرقيين، وبالأخص أقباط مصر الذين أحبوه ووضعوا صورته في كنائسهم وأديرتهم، فصورة صلاح الدين المنشورة اليوم في جميع أرجاء العالم منقولة من كتاب روسي مأخوذ من دير قديم بمصر. ويدل البيتان الآتيان لحكيم الزمان عبد المنعم الأندلسي، الذي هبط مصر في عهد صلاح الدين، ونظم قصائد في مدحه، على أن المسيحيين في ذلك العهد رسموه ووضعوا رسمه في الكنائس؟ فهو يقول :

فحطوا بأرجاء الكنائس صورة لك اعتقدوها كاعتقاد الأقانم

يدين لها قس ويرقى بوصفهـا ويكتبه يشفي به في التمائــم

وعن هذا الموضوع كتب أحمد زكي باشا المصري مقالة في مجلة" رعمسيس" يقول فيها: " كان القبط يحبون هذا الملك العظيم صلاح الدين، الذي حماهم ورعاهم، وعرفوا في كل أيامه السعادة والهنا، وأي دليل على هذا أكبر من وضع صورته إلى جانب الأيقونة المقدسة".

كان صلاح الدين بطلاً كردياً عربياً إسلامياً عالميا، ومن أهم الشخصيات في التاريخ الإسلامي، شهد له بذلك الشرق والغرب معا، ودخل الحروب وخرج منها مرفوع الرأس، مخالفا سير العظماء أمثال الإسكندر المكدوني ونابليون وغيرهما، فالإسكندر انتصر في البداية لكنه اندحر في النهاية ومات قتيلا على يد عبيده، ونابليون دوخ العالم لكنه مات منفياً مسموماً في إحدى الجزر النائية... نعم سيبقى العالم يذكر انتصارات صلاح الدين وإنجازاته السياسية والعمرانية على مر الأيام والسنين، وخير من رثاه بأفصح عبارة يوم وفاته والدته التي خاطبته وهو مسجى في قبره:" سأضع سيفك في كفنك، وسيعرفك الله، فأنت سيفه"(6).

وحكم مصر الملك العادل الكبير سيف الإسلام أبو الفتح محمد أبو بكر بن نجم الدين أيوب بن شادي بن مروان (1145ـ 1218م)، وكان نائب السلطنة بمصر عن أخيه صلاح الدين أثناء غيبته في الشام، وتنقل في الولايات إلى أن استقل بملك الديار المصرية (سنة 596 ) وضم إليها الديار الشامية، وأرمينية وبلاد اليمن حتى أصبح سلطان الدولة الأيوبية سنة 596هـ/1199م. ولما صفا له جو الملك قسم البلاد بين أولاده، وعاش أرغد العيش. ملكا ً عظيماً حنكته التجارب، حسن السيرة محباً للعلماء. توفي بقرية عالقين في حوران سنة 615هـ/1218م، وهو يجهز العساكر لقتال الإفرنج، ودفن في مدرسته المعروفة إلى اليوم بالعادلية وهي المتخذة أخيرا ً دارا ً للمجمع العلمي" بدمشق. وفي أيامه زال أمر الإسماعيلية من ديار مصر، بعد أن قبض على كثير منهم، ولم يجسر أحد بعدها أن يتظاهر بمذهبهم(7).

ومن سلاطين الأيوبيين في مصر الملك الكامل ناصر الدين أبو المعالي محمد ابن الملك العادل محمد أبي بكر ابن أيوب، كان عارفاً بالأدب، له شعر، وسمع الحديث ورواه. ولد بمصر سنة 576هـ/1180م، أعطاه أبوه الديار المصرية، فتولاّها مستقلا بعد وفاته سنة 615هـ ، وحسنت سياسته فيها. واتجه إلى توسيع نظام حكمه، فكانت الخطبة باسمه، ودعي له بلقب " مالك مكة وعبيدها، واليمن وزبيدها، ومصر وصعيدها، والشام وصناديدها، والجزيرة ووليدها...الخ"، وله موقع مشهور في الجهاد بدمياط ، إذ قاوم الحملة الصليبية الخامسة التي احتلتها، وأعادها سنة 630هـ ، وعقد اتفاقية مع فردريك الثاني الإمبراطور الجرماني. وكان حازماً عفيفا عن الدماء، مهيبا، كان فيه جبروت، ومن آثاره بمصر المدرسة" الكاملية ".

كان ملكا جليلا مهابا، حازما حسن السيرة، يباشر أمور مملكته بنفسه، وأنفق الأموال الكثيرة، وكان يحب أهل العلم ويجالسهم، ويؤثر العدل، وكانت الطرق آمنة في أيامه، مات بدمشق بعد شهرين من فتحها سنة 635هـ/ 1238م(8).

ومن كبار الملوك الأيوبيين الذين حكموا مصر الملك الصالح نجم الدين أبو الفتوح أيوب بن السلطان الملك الكامل: وهو زوج شجرة الدر.

ولد ونشأ بالقاهرة 1206. سلطنه أبوه على آمد وحران وسنجار وحصن كيفا. وملك دمشق، ثم ملك الديار المصرية ودانت له الممالك. وقد ضبط الدولة بحزم، وأعاد وحدة الدولة الأيوبية من جديد سنة 1245م. واستعان بالأتراك الخوارزميين، فاستعاد القدس من الصليبين، وفي أواخر أيامه أغار الإفرنج على دمياط واحتلوها وأصاب البلاد ضيق شديد، وكان الصالح غائباً في دمشق، فقدم ونزل أمام الفرنج وهو مريض بالسلّ فمات بناحية المنصورة 1249م، ونقل إلى القاهرة.

كان نجم الدين أيوب سياسيا بارعاً، وكان يطمح إلى إنشاء دولة كدولة صلاح الدين والكامل تتألف من مصر وفلسطين والشام وبلاد ما بين النهرين، وكانت قصوره في شبه جزيرة الروضة بالنيل وفي الكبش، ومدرسته، ذائعة الصيت في تلك الأيام(9).

وهناك الملك المعظم توران شاه ابن الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل: ثامن سلاطين الدولة الأيوبية بمصر وآخرهم، كانت إقامته في حصن كيفا (بديار بكر) نائباً عن أبيه. ولما توفي أبوه سنة 1249م كتمت ( شجرة الدر) خبر موته، فاستدعته، فسار إلى القاهرة، والحرب ناشبة بين المصريين والفرنسيين على أبواب ( المنصورة) فلبس خلعة السلطان بعد أربعة أشهر من وفاة أبيه، وقاتل الفرنج، وهزمهم واسترد دمياط، ففرح الناس وتيمنوا بوجهه.

ثم تنكر لشجرة الدر، فحرضت عليه المماليك البحرية فقتلوه في" فارسكور" 1250م، وبمقتله انقرضت دولة بني أيوب بمصر ومدتها 86 سنة (10).

  • اتحاد الكتاب والأدباء الأردنيين-عمان-الأردن

الهوامش

(1) فيليب حتي: تاريخ سورية ولبنان وفلسطين، بيروت دار الثقافة، 1951 ص162-163 محمد أمين زكي: خلاصة تاريخ الكرد:ص97.

(2) جوليا سامسون: نفرتيتي، ترجمة مختار السويفي، القاهرة: الدار المصرية اللبنانية للنشر، 1992.

(3)مشاهير الكرد:1/96-97، كتاب تجارب الأمم: 3/228 ، خلاصة تاريخ الكرد:134.

(4)مشاهير الكرد:2/82 .

(5)ابن خلكان 1/227، ابن خلدون 5/282، لبن الأثير 11/128، أعلام النبلاء، 4/258 ومنتخبات التواريخ، وفيه:كان شيركوه من بلد دوين، قصد العراق هو وأخوه أيوب، وخدما بهروز شحنة السلجوقي ببغداد، ثم لحقا بخدمة عماد الدين زنكي، وبقي شيركوه مع نور الدين محمود، بعد موت أبيه زنكي، وأقطعه نور الدين حمص والرحمة، ولما رأى من شجاعته، وزاده عليها أن جعله مقدم عسكره.مفرج الكروب 1/148-168بعض أخباره، الاعلام4/183، مشاهير الكرد:1/266-267، شذرات الذهب:4/211

(6)وفيات الأعيان:2/376، تاريخ الخميس: 2/378، تاريخ ابن خلدون:4/79، و5/250-330، الكامل:12/37، السلوك:1/41-114، طبقات السبكي:4/325، الدارس:2/178-188، مرآة الزمان:8/425، مفرج الكروب: 1/168، ترويح القلوب:87، 88، الأعلام لابن قاضي شهبة، النجوم الزاهرة:6/3-63، شذرات الذهب:4/298، الشرفنامة:1/80-91، دائرة المعارف الإسلامية:14/263-277، الأعلام للزركلي:8/220، مشاهير الكرد:1/1-12، بدائع الزهور:1/69 ، البداية والنهاية:12/13،معجم البلدان:3/151، سنا البرق الشامي:42المواعظ والاعتبار:2/233 ، تاريخ حلب:2/154-162 ، الموسوعة العربية:2/1128، صلاح بدر الدين: موضوعات كردية، 25، تاريخ الدول والإمارات الكردية في التاريخ الإسلامي:المقدمة

(7) الوافي بالوفيات:2/235، ابن خلكان: 2/48 وفيه: ولادته بدمشق سنة 540 وقيل 538، ابن إياس: 1/75، السلوك1:/194 وفيه مولده سنة 538 ، مرآة الزمان: 8/594، الأعلام: 6/47 ، حي الأكراد: 126، معجم الأنساب والأسرات الحاكمة:150، خطط المقريزي:2/236.

(8) الوافي بالوفيات:1/194، الكامل 12/126،135، 186، السلوك 1/194- 260 وفيات الاعيان2/50، الدارس 2/277،مرآة الزمان 8/705، الأعلام 7/28، خطط الشام:2/92، معجم الأنساب والأسر الحاكمة:151.

(9) المنهل الصافي:3/227، الدليل الشافي:1/178،النجوم الزاهرة:6/319، أعيان العصر:1/95، الوافي بالوفيات:10/55، خطط المقريزي 2/236، ابن إياس 1/83، السلوك 1/339، تاريخ الاسحاقي 189، مرآة الزمان 8/775، الأعلام 2/38 ، شذرات الذهب:5/237، دائرة المعرف الإسلامية:14/115-120

(10)الدليل الشافي:1/230، المنهل الصافي:4/183، ابن إياس:1/85، ابن الوردي: 2/181، ابن شاكر 1/97، السلوك1:/361 وفيه ما يخالف رواية غيره، فهو يذكر أن الملك المعظم ساءت سيرته مع المماليك البحرية فقتلوه، ولا يذكر شجرة الدر، ويقول: أن مدة بني أيوب بمصر 81 سنة ، مرآة الزمان: 8/781، مجلة المجمع العلمي: 16/308، الأعلام: 2/90 ، فوات الوفيات:1/263، شذرات الذهب:5/292، طبقات الشافعية:8/134.


الكرد في بلاد مصر

من أعلام الكرد في مصر في العصور الوسطى

هاجر إلى أرض الكنانة عشرات من العائلات والعناصر الكردية خلال العصر العباسي والفاطمي والأيوبي والمملوكي والعثماني، وقطنوا في أغلب المدن المصرية من الإسكندرية شمالاً حتى أسوان جنوبا، وظهر من بينهم القائد والجندي والتاجر والعالم والمزارع، و نبغ منهم أعلام في شتى مناحي الحياة السياسية والعسكرية والأدبية والفقهية والدينية، واستطعنا الاستدلال عليهم من خلال انتسابهم إلى المناطق الكردية التي قدموا منها في كردستان كمدن: الدينور، واسعرد، وخلاط، وميافارقين، ودنيسر، وماردين، وهكاري، وحران، وشهرزور، ودوين، واربل، وآمد ... أو من خلال انتسابهم إلى أصلهم الكردي فعرفوا به، مع أننا تجنبنا ذكر الأعلام الكرد الذين نزلوا القاهرة ومصر لتحصيل العلم وممارسة الوظائف المختلفة ومن ثم عودتهم إلى ديارهم بعد انتهاء فترة عملهم هناك، لذا انحصر الحديث هنا على الكرد الذين نزلوا مصر وعاشوا في مدنها واتخذوها دار سكن وإقامة، وأدركتهم الوفاة فيها، مع ملاحظة أن بعض الكرد نسب نفسه إلى المدن المصرية كالقاهري نسبة إلى القاهرة، والدمياطي نسبة إلى دمياط،و الإسنائي نسبة إلى أسنا.

وفي هذا المقال نستعرض أبرز أعلام الكرد الذين نبغوا في ديار مصر خلال العصر العباسي والأيوبي والمملوكي، مستعرضين سيرهم حسب تاريخ سني الوفاة:

1ـ النحوي واللغوي أحمد بن جعفر الدينوري (أبا علي ). وهو أحد النحاة المبرزين المصنفين في نحاة مصر. وأصله من ( دينور ) بلدة في الجبال في بلاد الكرد عند قوميسين = كرمنشاه، خرج منها خلق كثير. قدم البصرة، وأخذ عن المازني، ثم دخل بغداد فقرأ على المبرُد. و قدم مصر، وهناك ألف كتاب " المهذب في النحو". و" مختصر في ضمائر القرآن" استخرجه من كتاب المعاني للفراء، و"إصلاح المنطق". توفي بها سنة 289هـ /901م(11).

2ـ الأمير مجير الدين أو (مجد الدين ) أبو الهيجاء بن عيسى الازكشي الكردي. كان من أعيان الأمراء وشجعانهم. ولد بمصر سنة 567 هـ / 1171م، وقد شارك نيابة الشام مع الأمير علم الدين سنجر الحلبي في دور سلطان مصر الملك الظاهر بيبرس، توفي سنة 661 هـ/1267م(12).

3ـ القاضي أبو القاسم صدر الدين عبد الملك بن درباس الماراني، تولى القضاء بالديار المصرية. وكان رجلا فاضلا ذا مكانة عالية، لبث في الحكم في القاهرة فترة طويلة، إلى أن توفي سنة 605هـ/1208م ، وكان مولده في سنة 516 هـ/1111م(13).

4ـ المحدث الشاعر إبراهيم بن عثمان بن عيسى بن درباس الماراني،الهذباني، الكردي، المصري المولد والمنشأ ( أبو اسحق). ولد بالقاهرة سنة572 هـ/1175، ونشأ بها، وكان قاضيها، ورحل إلى خراسان. وقيل كان من أهم من رحلوا في طلب الحديث، كتب وسمع الكثير، توفي سنة 622هـ/ 1226م.ومن شعره:

حكمتَ يا دهرُ أمري بإفـــــراط وما عدلتَ إلى عدلٍ وإقســـــــــاط

إني وقد طرحت أيدي النوى حـنقاً جسمي بحمص وروحي ثغر دمياط(14)

5ـ الشيخ عثمان بن محمد بن أبي محمد بن أبي علي الكردي الحميدي: قاض، مدرس. تفقه في الموصل ثم رحل إلى أبي سعيد بن أبي عصرون وتفقه عليه. قدم مصر فولي قضاء ( دمياط )، ثم ناب في القاهرة عن قاضي القضاة عبد الملك الماراني، ودرس في المدرسة السيفية والجامع الأقمر، حج وجاور الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن توفي سنة 626 هـ /1228م(15).

6ـ النحوي والفقيه المالكي عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس الكردي الإسنائي، الدويني الأصل، المالكي المشهور بابن الحاجب الكردي (جمال الدين، أبو عمرو). من كبار علماء العربية والأصول.


ولد في بلدة (أسنا ) بصعيد مصر سنة 570هـ /1174م، وكان والده حاجباً للأمير عز الدين موسك الصلاحي، تعلم بالقاهرة التي نشأ بها، ثم ارتحل إلى دمشق، ودرس بجامعها بزاوية المالكية، وأكب الناس على الاشتغال به، وأخذ الفضلاء عنه، وكان الأغلب عليه علم النحو، ورحل إلى الكرك بالأردن، ثم نزح عن دمشق هو والشيخ عز الدين بن عبد السلام في دولة الملك الصالح إسماعيل، عندما أنكرا عليه، ودخلا مصر وتصدر بالمدرسة الفاضلية بالقاهرة، ولازمه طلابه، وانتقل إلى الإسكندرية، فلم تطل مدته هناك، وتوفي بها سنة 646هـ /1248م.

وقد جمع بين آراء المغاربة والمصريين من الفقهاء المالكيين. وخالف النحاة الأقدمين وتقدم. وكان من أحسن خلق الله ذهناً.

من مؤلفاته : " الكافية" في النحو، و" الشافية " في الصرف. و"الإيضاح" في شرح مفصل الزمخشري، و" الأمالي ". وقصيدة " المقصد الجليل في علم الخليل " في العروض. و" القصيدة الموشحة بالأسماء المؤنثة" وغيرها. وألف بالفقه المالكي " مختصرمنتهى السؤل والأمل، في علم الأصول والجدل " ومختصره. و" جامع الأمهات" في فروع الفقه المالكي(16).

7ـ الأمير الكبير والأديب شمس الدين أبو عبد الله محمد بن إسماعيل ابن أبي سعيد بن علي بن المنصور بن محمد بن الحسين الشيباني الآمدي، ثم المصري الحنبلي، وعرف بابن التيتي.

ولد بمصر سنة 633هـ /1235م، وسمع بها وبدمشق وماردين من جماعة، ونشأ بماردين. وكان والده شرف الدين من العلماء الفضلاء، عمل تاريخا لمدينة آمد ( ديار بكر). وكان وزيرا للملك السعيد الأرتقي صاحب ماردين. وله نظم ونثر، سمع الحديث ورواه، وكان محدثا فاضلا متقنا، وطلب إلى مصر، وترقى إلى أن صار نائب دار العدل. وأصبح مع ابن الملك المظفر بن السعيد نائباً للمملكة ومدبرا لدولته، إلى أن ذهب رسولا إلى الملك المنصور قلاوون صاحب مصر فحبسه ست سنين، فلما ولي ابنه الملك الأشرف أخرجه وانعم عليه، وولاه نيابة دار العدل فباشرها.

كان عالما فاضلا أديبا متقنا ذا معرفة بالحديث والتاريخ والنحو واللغة، وافر العقل، مليح العبارة، حسن الخط والنظم والنثر، جميل الهيبة، له خبرة تامة بسير الملوك المتقدمين ودولهم، ولا تمل مجالسته. وسمع من الشيخ تقي الدين بن تيمية والمزي والذهبي وغيرهم. وتوفي بمصر بعد أن سقط من على ظهر فرسه فكسرت أعضاؤه، وبقي أياما ومات سنة 704هـ/1317م (17) .

8ـ الشيخ المحدث أحمد بن أحمد بن الحسين بن موسى بن موسك بن جكو، الكردي الأصل، شهاب الدين الهكاري، عارف بالرجال، كان شيخ الإقراء في مدرسة المنصورة بالقاهرة، وتولى مشيخة الحديث بالمنصورية.

من تصانيفه " الكتب الستة "، و" طبقات بني سعد"، و" كتاب في رجال الصحيح". وكثير من أجزاء الحديث . توفي في القاهرة سنة 740هـ /1350م(18).

9ـ المحدث والفقيه والمؤرخ نجيب الدين أبو الفرج عبد اللطيف بن الإمام الحافظ أبي محمد عبد المنعم بن علي بن الصيقل النميري الحراني الحنبلي، مسند الديار المصرية. التاجر السُّفار، ولد بحران سنة 587هـ /1191م، ولي مشيخة دار الحديث الكاملية، وتوفي بقلعة الجبل بالقاهرة سنة 672هـ /1273م.

من مؤلفاته : " السباعيات والثمانيات في الحديث " في عدة أجزاء، و"المعجم" في أسماء الشيوخ الذين أجازوا له، في سبعة أجزاء(19).

10ـ القاضي والفقيه محمد بن علي الحسين الخلاطي. تعلم ببغداد وبدمشق، وانتقل إلى القاهرة، فولى قضاء الشارع بظاهرها، وناب بالحكم بالقاهرة، وتوفي في رمضان سنة 675 هـ ،1276م بالقاهرة .

له كتاب " قواعد الشرح وضوابط الأصل والفرع " في شرح الوجيز للغزالي، وله مصنفات أخرى(20).

11ـ الوزير والكاتب إبراهيم بن لقمان بن أحمد بن محمد، فخر الدين الشيباني الإسعردي. ولد في بلدة ( إسعرد) قرب ميافارقين شرقي نهر دجلة سنة 612هـ/1215م، ولي وزارة الملك السعيد محمد بن الظاهر بيبرس(1277-1279م)، ثم وزر مرتين للملك المنصور قلاوون( 1279-1290م).

كان قليل الظلم، وفيه إحسان للرعية، ولما فتح الملك الكامل محمد بن أيوب آمد- ديار بكر- كانت الرسائل ترد إليه بخط ابن لقمان، فأعجب بها كاتبه البهاء زهير واستدعاه، وناب عنه في ديوان الإنشاء، ثم خدم في ديوان الإنشاء في الدولة الصلاحية وهي دولة السلطان الملك الصالح أيوب في مصر(1240-1249م)، ثم في أوائل الدولة الناصرية المملوكية دولة السلطان الناصر محمد بن قلاوون (1293م)، توفي بمصر سنة 693هـ /1293م(21).

12ـ الأمير شمس الدين محمد بن باخل الهكاري، متولي الإسكندرية. كان أميرا فاضلا كريما، له نظم وأدب، توفي سنة 683هـ /1299م بالإسكندرية. ومن شعره:

كم رامها فيما مضى من جاهل ليفوز منها بالذي هو يطمع

ويكون فيها آمنا في سربــــــه لا يختشي ريبا ولا يتوقـــع

قلبت له ظهر المجن فما درى إلا وأسياف المنية تلمـــــــع(22)

13ـ بهاء الدين يعقوب بيك الشهر زوري، نشأ في بلاده نشأة عسكرية، ورحل إلى مصر والتحق بالمظفر( قطز ) سلطان مصر حين اعتزم الزحف على الكرك لمناوئة التتر الزاحفين على مصر. وقد خدم الحكومة المصرية مدة طويلة حتى توفي سنة707 هـ/ 1307م(23).

14ـ قاضي القضاة شرف الدين عبد الغني بن يحيى بن محمد بن أبي بكر بن عبد الله بن نصر بن أبي بكر بن محمد، شرف الدين أبو محمد بن بدر الدين أبي زكريا بن قاضي القضاة شمس الدين الحراني الحنبلي. خرج من حران سنة 656هـ فأقام بدمشق سنين، وأجاز له الشيخ عبد السلام بن تيمية، وأخوه عبد القادر، وحدث مراراً بالقاهرة ودمشق، وسمع منه أبو حيان وذكره في معجمه.

توجه إلى مصر واستمر بها، وولي نظر الخزانة، ثم ولي منصب الحكم بالديار المصرية على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ودرس بالناصرية والصالحية، وكان مشكور السيرة، بشوش الوجه، توفي بالقاهرة ودفن بالقرافة سنة 709هـ/1309م (24).

15ـ عبد العزيز بن أحمد بن عثمان بن عيسى بن عمر بن الخضر الكردي ، الهكاري، الشافعي، وكنيته الشيخ (عماد الدين أبو العز)، ويعرف بابن خطيب الأشموني (666-1327م).

من القضاة. سمع بمكة وبدمشق، ولي قضاء الأعمال القوصية، ودرّس بالمقرية بمصر، وأفتى، وتوفي بالقاهرة سنة (727 هـ).

كان عالما فاضلا له مؤلفات كثيرة حسنة، وأدب وشعر، من تصانيفه:"الكلام على حديث المجامع"، في مجلدين( 25).

16ـ المؤرخ محمد بن محمد بن محمد بن حسن الجذامي،الفارقي الأصل، المصري (أبو الفضائل، ابن نباته، أصله من مدينة ميافارقين (بجوار ديار بكر)، ولد بالقاهرة 686هـ /1287م، وسكن الشام، وتوفي بالقاهرة 768هـ /1366م.

من تصانيفه: " سلوك دول الملوك "(26).

17ـ الصوفي جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن عبد الله بن عمر الكردي، الكوراني الأصل ويعرف بالعجمي. مصري الدار والوفاة سنة 768هـ /1367م. كانت له زاوية مشهورة في قرافة مصر، وعدة زوايا في بلدان مختلفة.

له مصنفات مثل " شرائط التوبة ولبس الخرقة"، وسماه" ريحانة القلوب في التواصل إلى المحبوب ـ خ" ، و" حزب ـ خ"، و" بديع الانتفاث بشرح القوافل الثلاث ـ خ" في جامعة الرياض ( 27).

18ـ المحدث والمسند ناصر الدين أبو عبد الله محمد بن علي بن يوسف الدمياطي الحراوي الطبردار، الكردي الأصل. ولد بثغر دمياط سنة 697هـ/ 1297م، وتوفي سنة 781هـ /1379م (28).

19ـ الشاعر الأديب أحمد بن محمد بن العطار الدنيسري، أصله من مدينة (دنيسر) قرب ماردين بالجزيرة الفراتية. اشتهر وتوفي في القاهرة سنة 794هـ / 1392م.

له نظم كثير وكان يمدح الأكابر. وله كتب، منها " نزهه الناظر في المثل السائر "، و" المستأنس في هجو بني مكانس "، و" ثقل العيار" خمريات" و"منشأ الخلاعة " مجون، و" مرقص المطرب "، و" حسن الاقتراح في وصف الملاح " ذكر فيه ألف مليح وصفاتهم ، و" بديع المعاني في أنواع التهاني"، و"لطائف الظرفاء "، و" عنوان السعادة" في المدائح النبوية ، و" المسلك الناجز" موشحات نبوية، و ديوان " قطع المناظر بالبرهان الحاضر" (29).

20ـ العالم بصناعة الكيمياء الشريف إبراهيم بن عبد الله برهان الدين الاخلاطي، وكان أول أمره قدم حلب قادما من بلاد العجم التي نشأ بها، فنزل بجامعها منقطعا عن الناس، فكان يعرف الطب معرفة جيده، فأحضر إلى القاهرة ليداوي ولد السلطان الملك الظاهر برقوق من مرض حصل له في رجليه، فلم ينجح، فاستمر مقيما بمنزل على شاطئ النيل إلى أن توفي سنة 799هـ /1396م، وخلف مالا كثيرا من ذهب ودنانير وكتباً(30).

21ـ المحدث والمؤرخ أحمد بن أحمد بن درباس، المازني، الكردي، القاهري، الحنبلي( فخر الدين، أبو إسحاق) (توفي 1414م) جمع كتابا في " آل بنيه بني درباس"، وآخر في " آل ابن العجمي". وله " قراءة الكمال"، " وتعليق التعليق" ، واختصر" التبصرة في الوعظ " لابن الجوزي بالزيادات(31) .

22ـ المحدث الواعظ يوسف بن عبد الله المارديني الحنفي. أصله من ماردين. قدم القاهرة وحدث ووعظ الناس بالجامع الأزهر، كان لين الجانب، والتواضع، والاستحضار لكثير من التفسير والمواعظ. توفي بالطاعون، بعد سنة 819هـ/ 1415م(32) .

23ـ أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن أبي بكر الكردي الرازياني، ثم القاهري، المهراني، أبو زرعة ولي الدين العراقي : محدث، أصولي، فقيه، من أئمة الشافعية، قاضي القضاة بالديار المصرية. مولده ووفاته في القاهرة(1361-1423م). وهو من بيت أسرة عريقة في العلم. رحل به أبوه ( الحافظ العراقي ) إلى دمشق، واتجه إلى بيت المقدس، وعاد إلى القاهرة وأخذ عن شيوخها، ورحل إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، وسمع بهما، ثم رجع إلى القاهرة، وجدّ في الطلب والاشتغال. ودرس فظهرت براعته، وبهر به الطلبة، وتخرج على يديه جماعة من العلماء والأئمة.

في سنة 790هـ ناب في القضاء نحو عشرين سنة، وفرغ نفسه للإفتاء والتدريس والتصنيف، ثم تولى قضاء القضاة بالديار المصرية 824هـ ، بعد وفاة جلال الدين البلقيني، فسار في القضاء بعفة، ونزاهة، وصرامة، حتى تعصب عليه بعض أهل الدولة لعدالته، فعزل نفسه مختاراً في سلطنة الملك الظاهر قطز، ثم أعاده إلى القضاء، وبايع ولده الصالح محمد بالسلطنة قبل انفصال السنة، ثم بايع بعده الأشرف برسباي سنة 825هـ واستمر في القضاء، حتى صرف منه سنة 825هـ لإقامته العدل، وعدم محاباته لأحد فيه، وتصميمه في أمور لا يحتملها أهل الدولة، حتى شق على كثيرين، فصرف عن القضاء بعد أن مكث فيه ثلاثة عشر شهرا، وتكدرت معيشته بعد عزله، فلزم العبادة والعلم والتصنيف والإفادة إلى أن توفي مبطوناً شهيدا سنة 826هـ /1423م، وصلي عليه بالجامع الأزهر، ودفن ظاهر القاهرة .

من كتبه " التحرير لما في منهاج الأصول من المنقول والمعقول"، و"شرح النجم الوهاج في نظم المنهاج"، وهو شرح على نظم والده نظم فيه "منهاج الوصول" ، " البيان والتوضيح لمن أخرج له في الصحيح " ، و"فضل الخيل" و" الإطراف بأوهام الأطراف" للمزي ، و" رواة المراسيل"، و" حاشية على الكشاف"، و" أخبار المدلسين "و" شرح سنن أبي داود، و" تذكرة " في عدة مجلدات ، و" ذيل " في الوفيات من سنة مولده إلى سنة 793 هـ ، و" مبهمات الأسانيد ـ خ" في الأزهرية ، و" تحرير الفتاوى ـ خ" ، و" الغيث الهامع في شرح جمع الجوامع" للسبكي، في أصول الفقه، وهو من المؤلفات التي ينتفع بها، و" المعين على فهم أرجوزة ابن الياسمين في الجبر والمقابلة" وغير ذلك. وله نظم ونثر كثير(33).

24ـ القاضي الفقيه الطبيب محمد بن محمد بن عبد الله بن عبد الحليم بن عبد السلام ناصر الدين بن الشمس بن الجمال الدمشقي، ويعرف بابن تيمية (1350-1433م. كان يتعانى في التجارة ، ولي قضاء الإسكندرية مدة، وكان عارفاً بالطب.

وكان ينوب عن قضاء الإسكندرية عن قضائها في الأيام المؤيدية وغيرها، وله مرتب خاص انتقل بعده لولده، توفي بالقاهرة وقد جاوز السبعين من عمره(34).

25ـ الأديب والمؤرخ محمد بن ناهض الكردي الأصل، الجهني الحلبي ،ولد بحلب 757هـ / 1356م، ولع بالأدب. سكن القاهرة، ونزل الجمالية ومدح أعيانها، وعمل " سيرة المؤيد شيخ ". قال السخاوي: أجاد ما شاء، وقرضها له خلق سنة 819 هـ ،وسافر إلى دمشق وسكنها، ورقت حاله، فاستجدى الناس بالمدح، وله نظم حسن. توفي بالقاهرة 831هـ/ 1438م. ولعل من تأليفه أيضاً " بستان الناظر وأنس الخاطر".

ومن شعره قوله:

كم دولة بفنون الظلم قد فنــــــيت وراح آثارهم من عكسهم ومحوا

وجاء من بعدهم من يفرحون بها وقال سبحانه ( حتى إذا فرحوا)(35)

26ـ الفقيه الشاعر أبو بكر بن علي بن عبد الله بن احمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر البرمكي، الاربلي، المارديني الأصل.

المولود بالقاهرة سنة 770هـ/1369م ، والمتوفى بها 855هـ /1451م، من آثاره" مصنف في صناعة الشهود"، و" منسك"، و" قصيدة في الكعبة"(36).

27ـ الصوفي عمر بن إبراهيم بن أبي بكر، البانياسي الكردي ثم القاهري الشافعي، ويعرف بعمر الكردي. نشا ببلاده. وقدم القاهرة بعد 840هـ. وتنزل في صوفية سعيد السعداء . وبعد مدة تحول لجامع قيدان على الخليج الناصري ظاهر القاهرة، وعمرت تلك الناحية لكثرة من يقصده من الخاصة والعامة للزيارة والتبرك بدعائه. وقد اجتمع به السخاوي وأثنى عليه. توفى سنة (868 هـ /1461م)، وكانت جنازته حاشدة(37).

28ـ المدرس والمحدث عمر بن خليل بن حسن بن يوسف الركن الكردي الأصل، ثم القاهري الشافعي (1396-1482م). كان يقال له ابن المشطوب لشطب كان بوجه والده. ولد بالقاهرة ونشأ فيها، وتعلم عن مشايخها، وسار إلى الشام وسمع من علمائها، ولي نظر جامع أصلم والتحدث على أوقاف طرنطاي الحساب، حدث، واشتغل بالتدريس، واستفاد من علمه خلق كثير مثل السخاوي، وقد بر وحسن ولزم بيته مديماً للتلاوة حتى توفي، ودفن بجامع سوق الغنم(38).

29ـ الأمير حسين الكردي القائد العسكري أيام السلطان قانصوه الغوري المملوكي. في آخر أيام هذا السلطان ظهرت الفرنج البرتغال وعاثوا في أرض الهند، ووصل أذاهم إلى جزيرة العرب وبنادر اليمن وجدة، فلما بلغ السلطان قانصوه الغوري ذلك جهز إليهم جيشا عظيماً بقيادة الأمير حسين الكردي، وجعل له مدينة جدة إقطاعا، وأمره بتحصينها، وعندما وصلها شرع في بناء سورها، وأحكم أبراجها في أقل من عام. ثم توجه بعساكره إلى الهند في حدود سنة 921هـ فاجتمع بسلطان كجرات خليل شاه فأكرمه وعظمه، وهرب الإفرنج عن البنادر لما سمعوا بوصوله، ثم عاد إلى اليمن وفتحها من ملوكها بني طاهر وقتلهم، وترك بها نائباً في زبيد اسمه برسباي الشركسي، وتم الأمر الذي لابد منه، وبعد ذلك عاد حسن الكردي إلى مدينة جده، وقدم مكة قبيل زوال دولة المملوكية. وورد أمر السلطان العثماني سليم الأول بقتله، فأخذه شريف مكة بغتة وقيده وشمت به، وأماته غرقاً في البحر الأحمر أمام جدة سنة 922هـ/ 1515م(39).

الهوامش:

(11) أنباه الرواة: 1/68-69، بغية الوعاة: 1/301، الوافي بالوفيات: 6/ 285، معجم الأدباء: 1/435-436، الأعلام: 1/107، كشف الظنون:1078، 1914 المعجم المفصل في اللغويين العرب: 1/34. الدينور: من مدن الجبال في إقليم ماوي، دخلها العرب سنة 22هـ /642م بعد معركة نهاوند.

(12) مشاهير الكرد:1/64

(13) مشاهير الكرد:2/52

(14) تاريخ إربل:1/215، شذرات الذهب:5/7 وفيه سيرة والده عثمان بن درباس الكردي المتوفى سنة 602هـ/1206م

(15) مشاهير الكرد:2/59

(16) المنهل الصافي:7/421-424، الدليل الشافي: 1/440، النجوم الزاهرة: 6/36، البداية والنهاية:13/176، طبقات القراء:1/508، شذرات الذهب:5/234، بغية الوعاة:2/134، الموسوعة العربية 1/ 13، مشاهير الكرد:2/68 ، معجم المؤلفين:6/265، سير أعلام النبلاء:13/287، معجم المؤلفين:6/265.

(17) الوافي بالوفيات :1/227، شذرات الذهب:6/11.

(18) النجوم الزاهرة:1/248، الدرر الكامنة:1/198، غاية النهاية:1/27، السلوك:2/811، أعيان العصر:1/168، معجم المؤلفين:1/145،حسن المحاضرة:1/203.

(19) كشف الظنون:523، 975، الأعلام:4/182، 183، هدية العارفين:1/616، شذرات الذهب:5/336، الدليل الشافي: 1/428.

(20) هدية العارفين:6/132، مشاهير الكرد:2/137.

(21) المنهل الصافي:1/138، الدليل الشافي:1/24السلوك:1/3:804، فوات الوفيات: 1/43، حسن المحاضرة:2/233.

(22) الوافي بالوفيات:2/242، الدليل الشافي:2/602.

(23) مشاهير الكرد:2/223.

(24) المنهل الصافي:7/318، الدليل الشافي: 1/421، النجوم الزاهرة: 8/278 وفيه مولده سنة 645هـ، السلوك:2/84، البداية والنهاية: 14/57، تالي كتاب وفيات الأعيان:124، تذكرة التنبيه:2/27.

(25) طبقات الشافعية للسبكي:6/125، البداية والنهاية:14/131، الدرر الكامنة:2/368/ 369، حسن المحاضرة:1/240،شذرات الذهب:6/77، معجم المؤلفين:5/242.

(26) معجم المؤلفين:11/274، معجم مصنفي الكتب العربية،577.

(27) الدرر الكامنة 4/463، الكتبخانة 2/131، 7/227،هدية العارفين 2/557، 558،الأعلام: 8/240، إيضاح المكنون:1/171، 605، كشف الظنون:260، 940، حسن المحاضرة:1/251، معجم المؤلفين:13/314 .

(28) الدليل الشافي:2/658، الدرر الكامنة:4/206، وفيه ولد بدمياط سنة 687هـ، النجوم الزاهرة:11/200، شذرات الذهب:6/272.

(29) السلوك: 3/2، الدليل الشافي"1/80الأعلام 1/225، الدرر الكامنة:1/287، شذرات الذهب: 6/333.

(30) المنهل الصافي:5/171، الدليل الشافي:1/276، بدائع الزهور: 1/ 488، وفيه برهان الدين الأخلاطي، وكان ينسب إلى صناعة الكيمياء، شذرات الذهب: 6/356، السلوك:3/885.

(31) الضوء اللامع:1/216،217 وفيه بن عبد الرحيم ، معجم المؤلفين:1/151، معجم مصنفي الكتب العربية، 23.

(32) الضوء اللامع:10/309، شذرات الذهب:7/144.

(33) البدر الطالع:1/51-53، الذيل على العبر:1/7-32، كشف الظنون:1/595، 2/1880،شذرات الذهب:7/173، المنهل الصافي:1/312-315، حسن المحاضرة:1/201،فهرس الفهارس: 2/435، معجم المؤلفين:1/271الأعلام:1/148، الضوء اللامع: 1/336-344، المكتبة الأزهرية: 2/46، لحظ الالحاظ: 284.

(34) الضوء اللامع:9/124-125.

(35) الضوء اللامع:10/67، وفيه وفاته سنة 841هـ/1437م، كشف الظنون:244، الدرر الكامنة:4/272،هدية العارفين:2/147، الأعلام:7/ 122 ، مشاهير الكرد:2/163.

(36) الضوء اللامع:11/52، 53، معجم المؤلفين:3/67.

(37) مشاهير الكرد:2/92.

(38) الضوء اللامع: 6/84-85، مشاهير الكرد:2/93.

(39) شذرات الذهب:8/175-176 ، مشاهير الكرد:1/183 وفيه حسين الكردي.


الدور الكردي يتجدد مرة أخرى خلال القرن التاسع عشر

أولاً: الهجرة الكردية إلى مصر

كانت مصر- إضافة إلى بلاد الشام- المهجر المحبَّب إلى الكرد منذ عهد الدولة الأيوبية (1171 – 1250 م)، إذ هاجر إليها خلال تلك الفترة آلاف الأسر الكردية، وانتشروا فيها من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، وكانوا بين حاجب، وجندي، وموظف، وعالم، وتاجر، وإقطاعي، وبرز منهم نوابغ أدّوا دوراً بارزاً في تاريخ مصر السياسي والثقافي والفني(40).

وبقي الكرد يتوافدون على مصر طوال العصور اللاحقة أيام المماليك والعثمانيين على هيئة جند وقادة عسكريين وحكام إداريين، وشهد القرن التاسع عشر أيام العهد العثماني نزوح عناصر مختلفة من الترك والأكراد والأرمن إلى مصر من بلاد الأناضول الجبلية، من مدن أرضروم وسيواس وأورفا ومرعش وعينتاب وقيصرية وملطية، وكانوا حريصين على الانتساب إلى المناطق التي نزحوا منها، فنجد أسماء الأورفلي والمرعشلي والوانلي والمورلي...ولا زالت هذه الأسماء مقرونة إلى اليوم ببعض العائلات المصرية، وإن فترة حكم محمد علي باشا شهدت زيادة ملحوظة في عدد المهاجرين الترك إلى مصر، وخصوصاً من منطقة ( قوله) موطن رأس محمد علي، وكانوا أكثر أتباعه إخلاصاً له، وأكثرهم زهواً وصلفاً.

كما وجدت في مصر عناصر كردية تمتعت بمكانة متميزة، هاجرت إلى مصر من مدن كردستان مثل أورفا ووان وديار بكر وماردين وأرضروم، وقامت بدور بارز خلال وجودهم فيها، فكان لهم دور كبير في الحياة الاجتماعية والسياسية والعسكرية، وتلقبوا بالكردي نسبة إلى مناطق نزوحهم الأصلية، وتولى بعضهم مناصب عليا في الإدارة والجيش، وإن محمد علي باشا كان يرحب بهم في مصر، واعتمد عليهم في تثبيت أركان دولته، كما خصص الأزهر الشريف رواقاً للأكراد تخرج فيه العديد من العلماء الكرد، الذين رجعوا إلى كردستان حاملين معهم العلوم الأزهرية، وساهموا في نشر الإسلام واللغة العربية..

وقد ظلت الأقليات العرقية في مصر من الأتراك والأرمن والشركس والأكراد يتمتعون بامتيازات كبيرة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ردحا طويلا من الزمن، وخصوصا أيام حكم محمد علي باشا وأحفاده من بعده (1800-1952م)، وكانت هذه الأقليات العرقية تشعر بأنها بدون جذور محلية من الناحية الاجتماعية، وانعكس ذلك على سلوكها الاجتماعي، فأصاب أفرادها الشعور بالاستعلاء والتكبر، فتمتعت بمكانة اجتماعية متميزة، وكان ينتابهم القلق خشية الذوبان في الأغلبية، لذا بقوا متسلطين على الأغلبية المصرية حتى زحف الأوروبيون من الفرنسيين والإنجليز إلى مصر وزاحموهم على مواقعهم البارزة، وفي نهاية المطاف انتزعوا منهم أغلب امتيازاتهم السياسية والاقتصادية والإقطاعية، ثم ظهرت بعد ذلك عناصر محلية مصرية تعلمت وتثقفت وتمكنت من السيطرة على قيادة مصر بعد ثورة يوليو عام 1952م، وانتهجت هذه القيادة نهج الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي، فقضت على الإقطاع والملكيات الواسعة، وانتزعت الوظائف العليا من هذه الأقليات التي كان أحفاد محمد علي يعتمدون عليهم في إرساء حكمهم وتثبيت سيطرتهم، وفي نهاية المطاف ذابت هذه الأقليات العرقية في الأغلبية المصرية، ولم يبق لها من جذورها سوى الاسم العائلي، وبعض من الملامح الجسمانية التي تشير إلى أصولهم الأولى(41).

الوجود الكردي في مصر اليوم

يعيش العديد من الكرد اليوم في مصر، وهم منتشرون في أماكن مختلفة تمتد من الإسكندرية شمالا إلى أسوان جنوباً، وقد انصهر القسم الأكبر منهم في البوتقة المصرية، ولا يزال الكرد القاطنون في المدن المصرية معروفين بأصولهم الكردية، ومنهم من يشغل مواقع بارزة، ومنهم الحكام والمحامون والصحفيون والمدراء والفنانون.

وهناك عائلات كردية استقرت في صعيد مصر تمارس حياة عادية لا تتميز عن بقية الشعب المصري، وهناك جمعية في حي شبرى بالقاهرة باسم " الجمعية الكردية" أسسها أكراد الصعيد(42)،كما يوجد العديد من الطلبة الكرد في كافة بلاد كردستان ممن تلقوا تعليمهم الجامعي في جامعات مصر وخاصة جامعة الأزهر الشريف.

ومن العائلات الكردية المعروفة في مصر عائلة " تيمور باشا"، التي ينتسب إليها الكاتب أحمد تيمور باشا، والشاعرة عائشة التيمورية، والأديب محمود تيمور. وعائلة بدرخان، والأورفلي، ظاظا، الكردي، وانلي، عوني، الكردي، خورشيد، آغا....

فعلى سبيل الذكر سكنت عائلة من آل بدرخان مدينة الفيوم وعرفوا باسم (والي)، لأنهم كانوا ولاة على هذه المدينة، لذلك أصبح لقب الوالي تسمية لهم ويعرفون بها، وعرفنا منهم سيد بك والي( بدرخان) الذي أرسل برقية تعزية من الفيوم يوم وفاة جلادت بدرخان بدمشق، وسكن بعض من آل بدرخان في القاهرة، وهؤلاء البدرخانيون من أحفاد أمير بوتان الكردي بدرخان باشا.

وهناك العديد من أعلام مصر يعودون إلى أصول كردية أمثال أمير الشعراء أحمد شوقي، والأديب محمود تيمور، والإمام المصلح محمد عبده، والمخرج أحمد بدرخان، وعلي بدرخان، ومحرر المرأة قاسم أمين، والأديب عباس محمود العقاد، وعامر العقاد، وأحمد أمين، الدكتور حسن ظاظا، والشيخ عبد الباسط محمد عبد الصمد، وأحمد رمزي،ودرية عوني...

كما أن كثيراً من القرى المصرية تحمل لفظ الأكراد، مثل " كفر الأكراد"، و" منية الكردي"، و" قرية الكردي" مركز دكرنس بمحافظة الدقهلية بالوجه البحري. وتقول درية عوني: وهل يعلم سكان الزمالك، أن كلمة" الزمالك" هي كلمة كردية تعني مصيف الملوك، ويقال إنها كانت المكان الذي يصطاف به الملوك الأيوبيون أيام حكمهم لمصر، حيث كانت هذه المنطقة تعج بالحدائق الغنّاء في ذلك الحين.

سليمان الحلبي الكردي يقتل كليبر في القاهرة 1800م

في شهر حزيران من عام 1800 قام البطل الكردي سليمان الحلبي بقتل كليبر قائد الجيش الفرنسي والحاكم العام بمصر بعد عودة نابليون إلى فرنسا.

ولد هذا البطل الكردي المدعو سليمان محمد أمين أوس قوبار من عائلة عثمان قوبار والمشهور بلقب سليمان الحلبي عام1777 في قرية كـُوكـَانْ فوقاني "الجَزْرُونِيَّة " ( التابعة لمنطقة عفرين في الشمال الغربي من مدينة حلب ) .

نشأ بحلب، ثم أرسله والده عام 1797م إلى القاهرة ليتلقى تعليمه بالأزهر الشريف. وهناك توطّدت صلته بأستاذه الشيخ أحمد الشرقاوي .. الذي رفض الاستسلام للغزوة الفرنسية .. مساهماً في إشعال فتيل ثورة القاهرة الأولى يوم 21 أكتوبر 1798. وكان سليمان الحلبي بجانب أستاذه الشيخ الشرقاوي عند اقتحام جيش نابليون أرض الجيزة، ثم أرض ( المحروسة ـ القاهرة ).

وراح الغزاة الفرنسيون يذيقون الشعب المصري الويلات .. لذلك أججوا (ثورة القاهرة الأولى) ضد الغزاة انطلاقاً من منطقة الجامع الأزهر . ورَدَّ عليهم الغزاة بقذائف مدافعهم التي نالت من قدسية ( المسجد الأكبر ) ، ودنسته خيول الغزاة باحتلاله .. وحكموا على ستةٍ من شيوخ الأزهر بالإعدام " منهم الشيخ الشرقاوي أستاذ سليمان الحلبي " ، واقتيدوا إلى القلعة، حيث ضربت أعناقهم .. ثم انتشلت أجسادهم إلى أماكن مجهولة .

وبعد تمكن الغزاة من إخماد ثورة القاهرة الأولى، تضاعفت مظالمهم، ولوحق كل مشبوه باسم الجهاد أو المقاومة الشعبية الوطنية المصرية. فاختفى من اختفى، وهرب من مصر من هرب. وكان سليمان الحلبي .. ممن غادروا أرض مصر إلى بلاد الشام بعد غياب ثلاث سنوات، وتوجه إلى مسقط رأسه ( قرية كوكان /عفرين )، فيلتقي بأحد القادة العثمانيين في حلب ( أحمد آغا / وهو من انكشارية إبراهيم بك )، فيأمره بالتوجه إلى مصر لأداء واجبه الإسـلامي الجهادي.. وكلفـه بمهمة اغتيال خليفة بونابرت الجنرال كليبر ..

تابع سليمان الحلبي مسيره حتى وصل إلى القدس، وصلى في المسجد الأقصى في مارس (آذار) عام 1800، ثم توجه إلى الخليل حيث إبراهيم بك ورجاله في جبال نابلس. وبعد عشرين يوماً من إقامته في الخليل، سار في أبريل (نيسان) 1800 إلى غزة في استضافة: ياسين آغا " أحد أنصار إبراهيم بك " في الجامع الكبير، وسلمه سليمان رسالة من أحمد آغا المقيم في حلب.. تتعلق بخطة تكليفه بقتل الجنرال كليبر.. نظراً لكون سليمان عنصراً من عناصر المقاومة.. التي تناضل في سبيل تحرير مصر من الغزاة.

وفي غزة.. سَلَّمَ ياسين آغا 40 قرشا إلى سليمان الحلبي.. لتغطية نفقات سفره برفقة قافلة الجمال التي تحمل الصابون والتبغ إلى مصر، وليشتري سـكيناً من محلةٍ في بلدة غزة ( وهي السكين التي قتل بها سليمان، الجنرال كليبر ).

استغرقت رحلة القافلة من غزة إلى القاهرة ستة أيام، وانضم سليمان ثانية إلى مجموعة طلاب الأزهر الشوام المقيمين في ( رواق الشوام )، وكان منهم أربعة مقرئي القرآن من فتيان فلسطين أبناء غزة، هم: محمد و عبد الله و سعيد عبد القادر الغزي، وأحمد الوالي. وأعلمهم عزمه على قتل الجنرال كليبر، وأنه نذر حياته للجهاد في سبيل تحرير مصر من الغزاة.. وربما لم يأخذوا كلامه على محمل الجد.

وفي صباح يوم 15 يونيو 1800.. توجه سليمان الحلبي إلى ( بركة الأزبكية)؛ حيث يقيم الجنرال كليبر، وبعدما فرغ كليبر من تناول الغداء في قصر مجاور لسكنه ومعه كبير المهندسين الفرنسيين قسطنطين بروتاين.. وكان سليمان قد دخل حديقة القصر، وتمكن من طعن الجنرال كليبر بسكينه أربع طعنات قاتلة. وتمكن كذلك من طعن كبير المهندسين ست طعنات في أماكن مختلفة من جسمه..

شاء القدر أن يقبض عليه، وأجريت له محاكمة عسكرية فرنسية قضت بإعدامه صلبا على الخازوق، بعد أن تحرق يده اليمنى، ثم يترك طعمة للعقبان، ونفذ فيه ذلك، في تل العقارب، يوم 18 حزيران 1800م . وبقي جثمانه على الخازوق عدة أيام .. تنهشه الطيور الجوارح، والوحوش الضواري، وعلقت إلى جانبه رؤوس ثلاثة من علماء الأزهر- أصلهم من غزة - كان قد أفضى إليهم بعزمه على القتل، ولم يفشوا سره، وتم حرق أجسادهم حتى التفحم.

وكان ذلك بعد دفن الجنرال كليبر في موضع قريب من ( قصر العيني ) بالقاهرة.. باحتفال رسمي ضخم.. ثم وضع جثمانه في تابوتٍ من الرصاص ملفوفٍ بالعلم الفرنسي، وفوق العلم سكين سليمان الحلبي المشتراة من غزة. وقد حمل إلى باريس، عظام الجنرال كليبر في صندوق، وعظام سليمان الحلبي في صندوق آخر.

وعند إنشاء متحف ( انفاليد ـ الشهداء ) بالقرب من ( متحف اللوفر ) في باريس، خصص في إحدى قاعات المتحف اثنان من الرفوف: رف أعلى.. وضعت عليه جمجمة الجنرال كليبر، ورف أدنى تحته.. وضعت عليه جمجمة سليمان الحلبي، وإلى جانبها لوحة صغيرة مكتوب عليها: جمجمة المجرم سليمان الحلبي. والجمجمتان لا تزالان معروضتين في ذلك المتحف إلى اليوم. ولا زال الخنجر الذي طعن به كليبر محفوظاً في مدينة كاركاسون بفرنسا.

وهكذا قدم الحلبي حياته رخيصة من أجل الأخوة العربية - الكردية، وكان بطلاً حقيقياً، وفتى من شهداء الإسلام والحرية والوطنية (43).

الهوامش:

(40) أحمد الخليل: مشاهير الكرد في التاريخ الإسلامي، أحمد أمين، موقع سما كرد.

(41) حلمي أحمد شلبي:الأقليات العرقية في مصر في القرن التاسع عشر، القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1993.ص11، 12،13، 14، 18

(42) صلاح بدر الدين: موضوعات كردية،109.

(43) المعجم الجغرافي السوري المجلد الثاني صفحة 668 . 2 - أهالي قرية كوكان ( أحفاد عمومة الشهيد سليمان محمد أمين أوس قوبار ( الحلبي ). الجبرتي:3/116-134، تاريخ الحركة القومية للرافعي:2/193، محمد مسعود وعزيز خانكي، في الأهرام 4و 5 يولية 1939، والكافي لشاروبيم: 3/263، الأعلام: 3/133، ربحان رمضان في الحوار المتمدن( الإنترنت)، ع(1091)، 27/ 1/2005


محمد علي باشا الكبير يؤسس مصر الحديثة

إن أغلب المصادر التي تناولت سيرة محمد علي باشا الكبير تذكر بأنه من جذور تركية أو ألبانية؟ لكن الحقيقة التاريخية الصائبة تؤكد كردية هذا القائد الكبير، من خلال ما اعترف به أحفاده فيما بعد، ففي عام 1949 صرح حفيده الأمير محمد علي - ولي عهد الملك الفاروق ملك مصر آنذاك- لمجلة " المصور" المصرية في مقابلة أجراها معه أديب مصر الكبير عباس محمود العقاد بقوله: إن جدهم محمد علي باشا كردي الأصل تعود جذوره إلى مدينة ديار بكر عاصمة كردستان تركيا، وأكد ذلك أيضاً الأمير حليم أحد أحفاد محمد علي باشا، وقد نشرت هذه الاعترافات تحت عنوان" ولي العهد حدثني عن ولي النعم..." نشر في مجلة ( المصور) المصرية عام 1949 وذلك بمناسبة مرور مائة عام على وفاة مؤسس مصر الحديثة محمد علي باشا، وقد جاء في متن المقال ما نصه:

" ... وقال سموه في أمانة العالم المحقق: لا أعلم ولا أبيح لنفسي الظن فيما لا أعلم، ولكني أحدثكم بشيء قد يستغربه الكثيرون عن نشأة الأسرة العلوية ( المنسوبة لمحمد علي)، فإن الشائع أنها نشأت على مقربة من قولة في بلاد الأرناؤوط (ألبانيا)، ولكن الذي اطلعت عليه في كتاب ألفه قاضي مصر على عهد محمد علي أن أصل الأسرة من ديار بكر في بلاد الأكراد، ومنه انتقل والد محمد علي وإخوانه إلى (قولة)، ثم انتقل أحد عمّيه إلى الآستانة، ورحل عمه الثاني في طلب التجارة، وبقي والد محمد علي في قوله. وقد عزز هذه الرواية ما سمعناه منقولاً عن الأمير حليم (أحد أحفاد محمد علي) أنه كان يرجع بنشأة الأسرة إلى ديار بكر في بلاد الأكراد" (44).

ويعلق العقاد على هذا الكلام بقوله: "حسب بلاد الأكراد شرفاُ أنها أخرجت للعالم الإسلامي بطلين خالدين: صلاح الدين ومحمد علي الكبير، وقد تلاقيا في النشأة الأولى، وفي النهضة بمصر، وفي نسب القلعة اليوسفية إليهما ( قلعة القاهرة)، فهي بالبناء تنتسب إلى صلاح الدين، وبالتجديد والتدعيم تنسب إلى محمد علي الكبير". وفيما يلي لمحة موجزة عن حياة محمد علي باشا باني مصر الحديثة:

هو محمد علي باشا ابن إبراهيم آغا (1769-1849م): والي مصر، وباعث نهضتها المعاصرة، ومؤسس الأسرة الخديوية بها، ولد في قوله من أعمال الرومللي ( اليونان) سنة 1769م، توفي والده وهو فتى، فكفله عمه طوسون آغا، ثم قتل، فكفله رجل من أصدقاء والده، فرُبِّيَ أميّاً لا مرشد له إلا ذكاؤه الفطري وعلوّ همّته، وكان يجاهر بذلك ويفاخر به.

كان محمد علي وكيل الفرقة العسكرية التي حشدت من ( قوله) مع الجيش العثماني الذي جاء إلى الديار المصرية لإخراج الفرنسيين منها ( 1798-1801)، ولما انهزم الجيش العثماني في موقعة أبي قير سنة 1799، سافر رئيس تلك الفرقة إلى بلاده، وأقام محمد علي مقامه، ورقّي إلى رتبة بكباشي.

بعد خروج الفرنسيين من مصر1801م، طلب العسكر توليته على مصر حينما ضاق المصريون ذرعاً بحكم الوالي خورشيد باشا، فبعث السلطان العثماني بفرمان بتوليته على الديار المصرية وكان ذلك سنة 1805م.

قام أولاً بإنهاء سطوة المماليك في مصر، فدعاهم إلى القلعة لتوديع ابنه طوسون باشا الذي سيّره لقتال الوهابيين في الحجاز، وبعد أن اجتمعوا في القلعة، أغلق الأبواب، وقتلهم عن بكرة أبيهم إلا واحداً تمكن من الفرار. واستطاع استأصال شأفتهم في اليوم التالي سنة 1811م، ولما انقضى أمر المماليك وجه عنايته إلى إصلاح القطر المصري، واسترضاء الدولة العثمانية، ففتح السودان 1821-1823م، وأخمد ثورة الوهابيين في الحجاز بقيادة ابنه طوسون إلى الجزيرة العربية عام 1811، وحملة إبراهيم باشا التي قضت عام 1818 على الدولة السعودية الأولى ( 1774-1818)، وساعد العثمانيين على إخماد ثورة اليونان.

وقام ببناء جيش نظامي، وبناء السفن الحربية، وتحسين ميناء الإسكندرية، وبناء الجسور، وعمل الأسلحة الحربية، وترقية الزراعة والصناعة والتجارة والتعليم، واستعان بالأجانب ،وبخاصة الفرنسيين، وعمل المصانع لنسج القطن والحرير، وإيصال المياه إلى الإسكندرية، وبناء سد أبي قير، والقناطر الخيرية لتي لولاها لما أمكن زراعة القطن في الوجه البحري، وإرسال البعثات العلمية لأوروبة، وتأسيس المدارس.

ولم يكتف بما ناله من الملك في مصر، بل طمح إلى الاستيلاء على سورية، وجهّز جيشاً بقيادة ابنه إبراهيم باشا للاستيلاء عليها، وكان له ذلك، وطمع بفتح الأناضول، ففتح أضنه وقونية وكوتاهية 1833، وصارت أبواب استانبول مفتوحة أمام إبراهيم باشا، وهددت عاصمة الخلافة في تركيا، لكن الدول الأوروبية وقفت أمام طموحاته، فقام بالجلاء عن جميع فتوحه بمقتضى معاهدة لندن1841، وقررت أن تكون ولاية مصر له ولذريته من بعده، ويخرج من بقية سورية، وعاد ابنه إبراهيم باشا إلى مصر، وصرف همه إلى إصلاح البلاد المصرية والنهوض بها، وأدخل بها إصلاحات كثيرة في جميع نواحي الحياة.

لكن دماغه كان قد كلّ وتولاه الاختلال، وصار يحسب الذين حوله خونة يقصدون الإيقاع به، فأعطيت السلطة لابنه إبراهيم باشا سنة 1848م. وتوفي بالإسكندرية سنة 1849م، ودفن بجامع القلعة، ولم تطل ولاية إبراهيم باشا سوى سبعين يوماً فتوفي قبل أبيه وهو في الستين من عمره، وخلفه في الولاية حفيده عباس الأول.

وفيما يلي أعضاء الأسرة الخديوية العلوية التي حكمت مصر( أبناء وأحفاد محمد علي باشا ) من عام 1805-1952م:

  • محمد علي باشا 1805 -1849
  • إبراهيم باشا بن محمد علي باشا 1848 ( من يونيه إلى نوفمبر)
  • عباس الأول بن طوسون باشا 1848-1854
  • سعيد باشا بن محمد علي 1854 -1863
  • إسماعيل باشا بن محمد علي 1863-1879
  • توفيق 1879 -1892
  • عباس حلمي الثاني 1892-1914
  • السلطان حسين كامل 1914- 1917
  • السلطان أحمد فؤاد 1917- 1922
  • ثم أصبح الملك فؤاد الأول 1922- 1936
  • الملك فاروق الأول 1936- 1952 (44)


القادة العسكريون والإداريون الكرد في عهد محمد علي باشا وأسرته

لقد اعتمد محمد علي باشا بشكل رئيسي على القادة الكرد في تثبيت ولايته على مصر، وهذا يدل دلالة قاطعة على حبه لأبناء جلدته الكرد أولاً، ومدى الإخلاص والوفاء الذي اشتهر به الكرد ثانياً، ومن هؤلاء القادة الكرد الذين خدموا بمعيته وبمعية حفدته فيما بعد:

  • القائد حجو بيك:

كان قائداً كردياً من الطراز الأول، والساعد الأيمن لمحمد علي باشا في تأسيس دولته، والقضاء على فوضى المماليك بمصر.

كان الفتى حجو= حاجو يبلغ الخامسة عشرة من عمره في مسقط رأسه (وان) في كردستان تركيا حينما طلب السلطان سليم الثالث العثماني من حكام الأقاليم والبلاد جمع أبناء الأعيان وزعماء القبائل وإرسالهم إلى الآستانة لتعليمهم فنون الحرب والأنظمة العسكرية الحديثة، فكان من حظ هذا الفتى السفر إلى الآستانة، ثم أدرنة، والانخراط في سلك الجيش النظامي الحديث، ولما تخرج حاجو في الجيش برتبة (يوزباشي سواري) كان الشغب ابتدأ بين الانكشارية وبين النظاميين من العسكر العثماني، فانتهز الفرصة وعاد إلى مسقط رأسه ( وان) وأخذ يحدث صهره الشيخ عبيد الله بما ظهر في دار الخلافة من فساد الإدارة، وانتشار الفتن والدسائس، فهاله الأمر حينما سمع بذلك، وبينما الأمر كذلك إذا يخبَر بنزول الفرنسيين إلى مصر، فكلف اليوزباشي حجو بجمع من يمكن جمعه من الجنود الأكراد الأشداء المجاهدين في سبيل الله والالتحاق بجيش الصدر الأعظم يوسف ضيا باشا المكلف بالزحف على مصر وطرد الفرنسيين منها.

فيتم حجو بيك مهمته، ويجمع ألفاً من المجاهدين الأشداء ويُعيّن دليل باشا(بيكباشي) عليهم، ويلتحق بجيش نصوح باشا كقوة غير نظامية. ثم يشترك حجو بيك في جميع الأعمال العسكرية التي حدثت بين الجيش التركي والفرنسي في مصر.

ولما ارتد الجيش التركي أمام الجيش الفرنسي بقيادة ( كليبر) إلى الخانكة سنة 1800م، كان حجو يحمي مؤخرة الجيش العثماني المرتد.

ثم يختفي ذكر حجو بيك وجيشه حتى يظهر فيما بعد في أوائل عهد محمد علي باشا الذي كان معجباً به، ومقدِّراً لفضله في الحروب، وتدبير الأمور، حتى سماه( يلديرم حجو= حجو الصاعقة) لأنه أنقذ القاهرة من غارة المماليك عليها على حين غرة، كما هو مبسوط في تاريخ الجبرتي، ويصبح الساعد الأيمن لمحمد علي باشا في تأسيس دولته، والقضاء على فوضى المماليك بمصر(45).


  • المشير شاهين باشا

وهوالمشير شاهين باشا ابن علي آغا الكردي الأصل المعروف بلقب"كنج"، وزير الحربية المصري في عهد محمد علي باشا .

أخذه والده إلى مصر في عهد واليها محمد علي باشا، فدرس في المدرسة العسكرية ( سان سير) في باريس، والتحق بالجيش المصري، وتوجه مع هذا الجيش إلى الحجاز لتأديب الوهابيين، وهناك أظهر شجاعة فائقة، وتقدم شيئاً فشيئاً في عهد عباس باشا وسعيد باشا. ورفع إلى رتبة قائم مقام في عهد الوالي عباس باشا الأول. وحارب في القرم سنة 1853 – 1855م مع الحملة المصرية التي أرسلت لإسناد الجيش التركي، ورفع إلى رتبة ( ميرآلاي ) سنة 1855م.

عيّن محافظاً للقاهرة سنة 1866، وأوفده الخديوي إسماعيل في تلك السنة ضمن بعثه عسكرية إلى فرنسا، ورفّع إلى رتبة فريق، وحضر استعراضاً عسكرياً أقامه الإمبراطور نابليون الثالث في باريس بمناسبة عودة الكتيبة السودانية التي أرسلت مع الجيش الفرنسي إلى المكسيك 1867. وأوفد إلى السودان في هذه السنة نفسها للتحقيق في تمرد الجيش السوداني في كسلا وسواكن .

عين وزيراً للحربية المصرية سنة1869. وزار السودان مرة ثانية سنة 1871م لتفتيش السودان الشرقي. ثم أسندت إليه سنة 1875 إدارة سكة حديد السودان التي قرر مدّ خطوطها من وادي حلفا إلى دنقلا.

تدرّج في الرتب العسكرية حتى نال رتبة مشير، وتولى وزارة الحربية في وزارة محمد شريف باشا 1879، وفي هذه السنة خلع الخديوي إسماعيل فذهب معه إلى نابولي بإيطاليا، وهناك أدركته الوفاة سنة 1884م، ونقل جثمانه إلى مصر ودفن هناك(46).

  • عباس البازارلي:

وهو المعروف بالجندي، كان ضابطا كردياً التحق بخدمة محمد علي باشا والي مصر، واشترك في حرب السودان. كان مديراً سنة 1835، وسنة 1836 – 1838. توفي بمصر سنة 1839م(47) .

  • تيمور كاشف:

وهو محمد بن إسماعيل بن علي الكردي المشهور بتيمور كاشف، كان من خاصة محمد علي باشا، وهو جد الأسرة التيمورية المعروفة في مصر. وهو من سلالة كردية كانت تسكن بلدة " قره جولان " في كردستان العراق. فارقها إثر خصام وقع بينه وبين أخيه والتحق بالجيش العثماني .

نزل مصر بعد انسحاب الفرنسيين منها سنة1801، فوقع بينه وبين محمد علي باشا صداقة وألفة، حتى صار من خاصته، واعتمد عليه في كثير من شؤونه. مثل حادثة الفتك بالمماليك في القلعة. وَلِيَ أعمالاً عسكرية وإدارية عدة في مصر. ولما استولى محمد علي باشا على الحجاز ولاه إمارة المدينة المنورة مدة خمس سنوات 1837م، وكان آخر منصب إداري شغله في مصر منصب كاشف الشرقية. ومن هنا اشتهر باسم ( تيمور كاشف)، بعد خدمة ربت على الأربعين سنة.

كان محمد علي باشا يدعوه إلى قصره بشبرا ويخاطبه بكلمة ( اقداش ) أي الأخ أو الرفيق. وكان على جانب كبير من التقوى، عادلاً في حكومته، مع شيء من الشدة، ومثقفاً يعرف الكردية والتركية والفارسية والعربية، حيث كان لثقافته تأثير كبير في نشأة ابنه ( إسماعيل باشا تيمور)، وحفيدته ( عائشة عصمت) نشأة أدبية. توفى عن عمر ناهز الثمانين عاماً 1848م، ودفن بجوار مقام الإمام الشافعي بالقاهرة(48).

  • إسماعيل رشدي باشا :

هو إسماعيل رشدي باشا ابن محمد بن إسماعيل بن علي تيمور الكاشف، الكوراني، الكردي: من كبار موظفي أسرة محمد علي باشا في مصر. نشأ في رغد من العيش، ومال منذ صغره إلى الاشتغال بالعلوم والآداب. تعلم التركية والفارسية، وبرع في الإنشاء التركي براعة بزّ بها أقرانه، فأعجب به محمد علي باشا واتخذه كاتباً خاصاً، ثم جعله وكيلاً لمديرية الشرقية، فمديراً لبعض المديريات، كان آخرها الغربية أكبر ولايات مصر .

ثم عاد إلى الديوان، وعمل رئيسا للجمعية الحقانية في زمن إبراهيم باشا، ثم رقي في ولاية عباس باشا إلى وكالة ( ديوان كتخدا ). ثم ناظراً على خاصته (الدائرة الآصفية). ورئاسة الديوان في عهد محمد سعيد باشا 1275هـ . ثم ناظراً لخاصة ولي العهد محمد توفيق باشا مدة ستة أشهر حتى فاجأه أجله سنة 1882م. أما خلقه، فالحلم والتواضع مع الشدة، وفصاحة اللسان، والشغف بالعلم والعلماء، وكان مولعاً بالمطالعة، شغوفاً باقتناء الكتب. من أولاده النجباء: الشاعرة عائشة التيمورية، والعلامة أحمد تيمور باشا(49).

  • الفريق إسماعيل حقي باشا ( أبو جبل):

هو إسماعيل حقي باشا بن سليمان بن أبي بكر المشهور بلقب( أبو جبل): علمدار السلطان محمود خان من ولاية معمورة العزيز في الأناضول. من أسرة كردية الأصل .

كان والده قائم مقاماً لبلدته، ولد سنة 1818م. وأرسله والده إلى مصر سنة 1833، وألحق بمدرسة القلعة الحربية، وتخرج فيها بعد سنتين، فانتظم في سلك الجيش وحارب في الحجاز في حملة إبراهيم باشا ضد الوهابيين. أبدى شجاعة وإقداماً حتى لقب بأبي جبل، وجرح هناك.

عاد إلى مصر فشغل وظائف متعددة. ورقي إلى رتبة لواء سنة 1850، وعيّن مديراً لقنا وأسنا. ونقل سنة 1852م حاكماً عاماً للسودان خلفاً لرستم باشا. وفي سنة 1854م حارب في القرم قائداً للواء المصري أمام سباستويول، ثم أسندت إليه القيادة العامة للحملة المصرية .

عاد إلى مصر سنة 1857م، وعين رئيسا لمجلس طنطا، فقائداً للمشاة، وأحيل على المعاش، لكنه أعيد عضواً بمجلس الأحكام، وعهدت إليه بعد ذلك مهمة قمع فتن عرب الفيوم والواحات.

عاد مديراً لقنا وأسنا، فرئيس المجلس العسكري بمصر 1863م، فمديراً للغربية. ورفع إلى رتبة فريق، وعيّن عضواً بمجلس الأحكام، فمأمور عموم الملاحات 1867، فمحافظاً لمصر. وأعيد عضواً بمجلس الأحكام سنة 1874، وأصبح وكيلاً للمجلس سنة 1875، فأمين عموم بيت المال 1876، فرئيس مجلس الأحكام 1879، حتى إحالته على التقاعد 1879 .

وقد لازم الخديوي توفيق، وحضر المجلس الذي عقده في قصر رأس التين بالإسكندرية لمعالجة موضوع الثورة العرابية سنة 1882م قبل ضرب الأسطول البريطاني للقلاع . توفي يوم 25 نيسان 1883م (50).

  • علي رضا بيك المعروف بالكردي:

هو علي رضا بيك المعروف بالكردي(1814 – 1890م ): ضابط عسكري وإداري في مصر والسودان. قدم إلى السودان مع أبيه في الحملة المصرية بقيادة إسماعيل كمال ثالث أبناء الوالي محمد علي باشا سنة 1820، وانتمى إلى الجيش وهو غلام يافع، فلم يلبث أن أصبح " بلوك باشي " أي ضابطاً في القوات غير النظامية، وقد عهد إليه جباية الضرائب في المنطقة الشرقية للنيل الأزرق، فقام بتلك المهمة سنوات عديدة .

رفع إلى رتبة سنجق التي تعادل أمير لواء سنة 1865، وقام بحركات عسكرية في سوق أبي سن بإمرة حاكم السودان العام، ثم عدلت رتبته إلى قائم مقام، وعيّن حاكما لمقاطعة النيل الأبيض سنة 1866 – 1871م. حوكم بتهمة إساءة استعمال السلطة، ثم برئت ساحته. فأعيد إلى وظيفة حاكم النيل الأبيض سنة 1875 م. وأخمد تمرد الشلّوك. ونشبت ثورة المهدي فاشترك في مكافحتها في الجزيرة. وحوصر في الخرطوم سنة 1884م، لكنه استطاع النجاة، وتولى بعد ذلك إمرة قوة غير نظامية لحماية حدود مصر الجنوبية في أثناء ثورة السودان، حتى أحيل على التقاعد 1890. وتوفي بالقاهرة سنة 1890م(51).


الهوامش :

(44) مجلة ( المصور) المصرية، الصادرة يوم 25 نوفمبر عام1949، ص 56.

(44 ) الموسوعة العربية:2/1661-1662، أعيان القرن الثالث عشر:115-120، هناك قول شائع بأن أصل أسرة محمد علي من أصل ألباني،ولكن الخديويين كانوا يعدون في مصر على الدوام أتراكاً، لكنهم كانوا بحق في عواطفهم وآمالهم مصريين ( دائرة المعارف الإسلامية:4/238) و قال الأمير محمد علي أحد أحفاد هذه الأسرة عام 1949 لمجلة المصور المصرية إن أصلهم أكراد من ديار بكر.

(45)مشاهير الكرد:2/168-169

(46) أعلام الكرد:75-76 ، مشاهير الكرد:1/250

(47) أعلام الكرد:73

(48) تاريخ الأسرة التيمورية : 67 ــ 75 (الملحق بكتاب لقب العرب ، 1948)، أعلام الكرد:77

(49) مشاهير الكرد: 1/110، الأسرة التيمورية: 77ــ88، أعلام الكرد:77

(50)أعلام الكرد:74-75

(51)أعلام الكرد:74


التحالفات الكردية- المصرية خلال القرن التاسع عشر

أولاً: تحالف الأمير بدرخان مع إبراهيم باشا المصري

استطاع أمير بوتان بدرخان بن عبدال خان الاستقلال بإمارته عن السلطة العثمانية في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وتزعم حركة المقاومة ضد الدولة العثمانية، ومن أجل تحقيق سياساته اتصل بإبراهيم باشا المصري ابن محمد علي باشا واتفق معه على توحيد قواتهما في مواجهة النفوذ العثماني، حيث توحد الطرفان في معركة( نزيب) قرب عينتاب وانهزم العثمانيون في البداية، ولكن تدخل الإنجليز والفرنسيين هو الذي منع هذه الهزيمة، حيث حدَّ هؤلاء من زحف إبراهيم باشا، ومعه قوات تابعة لأمير بوتان(52).

ثانيا: تحالف إبراهيم باشا الملي مع الخديوي إسماعيل

في أواخر القرن التاسع عشر استطاع إبراهيم باشا الملي الاستقلال بإمارته الكردية في منطقة الجزيرة الواقعة اليوم بين سوريا وتركيا، وتمتع بسلطة مستقلة عن الدولة العثمانية، وقام بحركة مسلحة ضد العثمانيين وانتصر عليهم، ونسج علاقات وطيدة مع الأسرة الخديوية الحاكمة في مصر، وتحديداً مع الخديوي إسماعيل، الذي توسط لدى السلطان العثماني لإصلاح ذات البين، وتيسير الأمور للأمير الكردي(53).

ثالثاً: أمير سوران الكردي وإبراهيم باشا المصري

عرض أمير سوران الكردي كور باشا في سنة 1883م على إبراهيم باشا عقد معاهدة معه ضد السلطان العثماني.

كذلك ساعدت مصر الأكراد خلال الحكم العثماني في إقامة صناعة أسلحة في مدينة راوندوز بكردستان العراق.


"كردستان" أول صحيفة كردية تصدر في مصر

نتيجة للتفاعل والتواصل المصري – الكردي أصدر الأمراء البدرخانيون المهاجرون من كردستان تركيا بعد ثوراتهم العديدة إلى مصر في أواخر القرن التاسع عشر وخصوصاً الأمير مقداد مدحت باشا حفيد بدرخان باشا أول صحيفة كردية في مدينة القاهرة باسم" كردستان " وذلك بتاريخ 22 نيسان عام 1898م ، وصار هذا اليوم فيما بعد، عيداً للصحافة الكردية، إذ غدا حدثاً بارزاً في تاريخ الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية الكردية.

وتم نشره الجريدة بالتعاون مع شقيقه عبد الرحمن بك بدرخان، وكان صدورها بمبادرة شخصية منه، لإدراكه بأهمية الصحافة في مجال التوعية لحياة شعب مضطهد محروم، وقد استمرت بالصدور حتى 14 نيسان 1902، في حدود (31 ) عدداً.

وتعد هذه الجريدة حجر الأساس للصحافة القومية، وغدت آنذاك الجريدة المعبرة عن أيدلوجية الحركة الكردية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وكتبت مقالاتها بلغة كردية جميلة سلسة وباللهجة الكرمانجية الشمالية " لهجة جزيرة بوتان ". وكانت تصدر نصف شهرية، في أربع صفحات. وتناولت في صفحاتها شتى الموضوعات السياسية والأدبية والفكرية التي تهدف إلى تثقيف الشعب الكردي، والانتباه إلى حقوقه القومية، ونالت شهرة واسعة ومرموقة في وسط المهاجرين الكرد والأرمن على حد سواء.

واشتهرت الجريدة في دمشق، وغدت نقطة انطلاق لتوزيعها في جميع أرجاء كردستان، وبالأخص في كردستان الجنوبية، وكانت السلطات العثمانية تحظر توزيع هذه الجريدة، فكانت ترسل إلى هناك بالطرق السرية. وكان قسم من هذه الأعداد يرسل إلى أوروبا ويوزع على المغتربين الكرد، وعلى الأوروبيين المهتمين باللغة الكردية وآدابها.

وفي مرحلة صدور الجريدة في القاهرة، كان لها هدف تنويري بحت، وهو نشر التعليم بين الكرد وتطوير ثقافتهم. ولقد جاء بقلم مقداد مدحت بدرخان في ملحق العدد الأول باللغة الفرنسية:" أصدرت هذه الجريدة، وقد وضعت نصب عيني هدف ترسيخ الاهتمام والحب في نفوس أبناء قومي إزاء التعليم، ولأمنح الشعب فرصة التعرف على حضارة العصر وتقدمه، وكذلك على أدبه... حيث أنا في مصر أريد أن أرى في كردستان النظام. ولا أبغي من صدور هذه الجريدة سوى خدمة مصالح شعبي وسعادته، ورفع المستوى الثقافي لبني جلدتي".

كما دعا فيها إلى توثيق العلاقات بين الشعبين الأرمني والكردي بما فيها من منفعة لمستقبلهما.

ونتيجة لبعض العوامل السياسية غيّرت الجريدة مراراً مركز إصدارها، فقد طبعت الأعداد الثلاثة الأولى في مطابع " الهلال" بالقاهرة، أما العددان الأخيران فقد كانا مذيّلين بعبارة: تصدر الجريدة في مصر وتطبع في مطبعة جريدة " كردستان". ثم انتقل مركز الجريدة إلى جنيف وفتح مرحلة جديدة في تاريخها. وهناك تابع شقيق المحرر عبد الرحمن بدرخان إصدار الجريدة. وطبعت في مدن فولكستون ولندن، ثم في استانبول تحت إشراف ثريا بدرخان.


وأخيراً صدرت هذه الجريدة في كتاب خاص تحت عنوان " كردستان أول جريدة كردية 1898-1902"، من جمع وتقديم الدكتور كمال فؤاد بالحجم الكبير في (104) صفحات. علماً بأن الجريدة محفوظة الآن في المكتبة الحكومية بمدينة (ماربورك) بألمانيا الغربية(54).


مصر ملجأ أحرار الكرد

عندما أسس الكماليون تركيا الحديثة أصدروا فرمانا بنفي البدرخانيين الأكراد من تركيا عام 1922، فالتجأ الأمير أمين عالي بدرخان ونجله الأكبر(ثريا) إلى مصر، واستقر في القاهرة حتى توفي بها عام 1926 .

وكان الأمير أمين عالي بدر خان رجلاً وطنياً وقومياً معروفاً، حاول تحقيق أهداف بني قومه في الحرية والاستقلال. وكان لجهود ولديه الأميرين جلادت وكاميران ونضالهما دور كبير في خدمة اللغة والثقافة والقضية الكردية (55 ).

وفي القاهرة قام الأمير ثريا أمين عالي بدرخان(1883-1938م)، بدور كبير في خدمة القضية الكردية، فكان يتنقل من أجل ذلك من القاهرة إلى دمشق وحلب والعواصم الأخرى. وكان له الفضل في إصدار جريدة " كردستان" بمدينة استانبول بعد عمّيه ( مقداد مدحت، وعبد الرحمن بك) بعد صدور الدستور العثماني عام 1908، وفي القاهرة في أعوام 1916-1917. وكان يكتب في هذه المجلة تحت اسم مستعار هو " أحمد أزيزي ".

وفي عام 1920 أسس في القاهرة ( جمعية الاستقلال الكردي) بمؤازرة الطلاب الأكراد المقيمين في القاهرة وممن يدرسون في الجامع الأزهر.

وترجم كتابه وطبع في القاهرة من الفرنسية إلى العربية وهو " القضية الكردية ـ ماضي الكرد وحاضرهم" المنشور باسمه المستعار (د. بله ج شيركوه)، من قبل المرحوم محمد علي عوني عام 1930(56).

كما عاش في مصر المترجم والباحث الكردي محمد علي عوني السويركي، المولود في مدينة " سويرك " من أعمال ديار بكر في كردستان تركيا 1897.

وقد قصد مصر لإكمال دراسته الدينية في الأزهر الشريف، ونال شهادته العالية. وحاول الرجوع إلى وطنه لكن السلطات التركية منعته بسبب أفكاره القومية، فبقي في القاهرة. فعمل مترجماً " للغات الشرقية " في قصر عابدين لدى الملك فاروق، وعهد إليه مهمة الإشراف على مكتبة القصر الملكي في القاهرة، وحفظ الفرمانات والوثائق التاريخية الرسمية التي يعود تاريخها إلى عصر محمد علي باشا.

وبحكم وظيفته واطلاعه الواسع أصبح حجة في تاريخ الأكراد وقضيتهم. فكان أحد مؤسسي جمعية ( خويبون ) الكردية في القاهرة وسورية بالاشتراك مع أبناء بدرخان. وكانت داره في القاهرة محجاً للطلبة الأكراد يتزودون منه العون والإرشاد والمعرفة .

وكان يجيد اللغات الكردية والفارسية والتركية والعربية، ويحسن الفرنسية. لذلك أصدر في مصر أول ترجمة عربية لأمهات الكتب الكردية مثل " خلاصة تاريخ الكرد و كردستان " نشره عام 1939. و " تاريخ الدول والإمارات الكردية في العهد الإسلامي " نشره عام 1948. و" مشاهير الكرد " عام 1947، وهي من تأليف العلامة الكردي العراقي محمد أمين زكي. كما ترجم " الشرفنامة " من الفارسية إلى العربية لشرف خان البدليسي في جزأين، طبعته وزارة التربية والتعليم المصرية بعد وفاة المترجم. كما وضع رسالة عن" العائلة التيمورية" الكردية في مصر، وله دارسات ومقالات عديدة حول القضية الكردية .

توفى محمد علي عوني بالقاهرة عام 1952. وفقد الشعب الكردي برحيله أحد أبنائه البررة العظام المناضلين بصمت وتواضع في سبيل تحقيق ما يصبو إليه من حياة حرة كريمة(57).

رواق الأكراد بالأزهر الشريف

كان للأكراد رواق في الأزهر الشريف خاص بالطلبة الكرد، وكان له أوقاف قديمة ترجع إلى نحو ثلاثمائة سنة، والرواق عبارة عن مكان واسع، يضم عدداً من الغرف للطعام والمنام، ومكتبة، والطلبة يحصلون على الطعام والكساء من الأغنياء والمحسنين، ومن الأوقاف المسجلة عليه.

يقال إن الأميرة الكردية ( خاتون خان) من الأسرة الأيوبية وقفت ثروتها في خدمة العلم والدين وإنشاء المدارس، ومن وقف هذه الأميرة أنشئ رواق الأكراد في الجامع الأزهر منذ مئات السنين، وتخرج فيه مئات العلماء من كرد كردستان (العراق، تركيا، سوريا، إيران، روسيا)، وكانوا بحق من ضمن من نشروا الدين واللغة العربية في تلك البلاد. وكانت له أوقاف متمثلة ببعض المنازل والمحال التجارية في مدينة القاهرة، يعود أجورها بالفائدة لرواق الأكراد(58). وكانت له مكتبة قيمة وقفها أهل الخير على الطلبة الأكراد، ضمت إلى مكتبة الأزهر العامة في سنة 1897.

ومن الذين تولوا مشيخة هذا الرواق الشيخ عبد الرحمن بن أحمد بن محمد الذوقي الكردي الأزهري، نسبة إلى حصن الذوق إحدى نواحي ولاية (بدليس = بتليس) بالكردستان التركي الآن. ولد بها سنة 1277هـ /1860م، ثم قدم مصر لإتمام تحصيله بالأزهر الشريف، فمنعه شيخ رواق الأكراد بالأزهر حينئذ من الانتساب إلى الرواق، بحجة أنه حنفي المذهب، والكردي في زعمه يجب أن يكون شافعيا ً. وهكذا لبث إحدى عشرة سنة يجالد ويكافح إلى أن تمكن من الانتساب إلى رواق الأكراد في (25 ربيع الآخر 1313هـ)، واليه ينسب الفضل في فتح باب الرواق لعموم الأكراد. ثم عيّن إماماً بمسجد الرواق العباسي بداخل الأزهر. وتولى مشيخة الرواق وأصبح ناظراً على أوقافه.

وآخر من وقف على الرواق الكردي والتركي من رجال الدولة العثمانية الفريق إبراهيم أدهم باشا الأورفلي المصري من عشيرة الملية الكردية الضاربة في شرق وجنوب ( الرها = أورفا ) بالكردستان التركي.

وقد توفي شيخ رواق سنة 1940م، بعد أن قضاها في العبادة وخدمة العلم، وأنجب أولاداً نبهاء جادين في أعمالهم في خدمة الحكومة المصرية(59).

وممن تولوا مشيخة الرواق الشيخ عمر وجدي بن عبد القادر الكردي المارديني، المصري(1901-1991م)، الفقيه، المتكلم، الزاهد. المولود بماردين في كردستان تركيا، وقد رحل إلى مصر، والتحق برواق الأكراد بالأزهر الشريف، وتلقى العلم عن الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي، والشيخ محمد زاهد الكوثري وغيرهما وأجازوه بما لهم وعنهم.

عمل مترجما ً في الإذاعة المصرية باللغة التركية، كما عمل شيخا ً لرواق الأتراك والأكراد والبغداديين بالأزهر(60).

وقد أقفل الرواق لأسباب غير معروفة في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، بعكس الأروقة الأخرى التي ما زالت قائمة إلى اليوم، ويطالب الأكراد الآن بإعادة فتح رواق الأكراد الذي أقفل تحت ضغط بغداد ودمشق ليعود إشعاع الأزهر الشريف مرة أخرى في ربوع كردستان.

الهوامش:

(52) صلاح بدر الدين: موضوعات كردية، 14

(53) صلاح بدر الدين: موضوعات كردية، 98

(54) موجز تاريخ الأدب الكردي المعاصر:68، حول الصحافة الكردية لعز الدين رسول:19-39، جليلي جليل: نهضة الأكراد الثقافية والقومية،29-56

(55) الأمير جلادت بدرخان:23-35

(56) الأمير جلادت بدرخان:29

(57)الأعلام: 6/ 306، وله ترجمة في مقدمة كتاب " تاريخ الدول والإمارات الكردية في العهد الإسلامي " تقديم أبنه الأستاذ نجم الدين عوني. وابنته درية عوني كاتبة وصحيفة لها كتاب " عرب وأكراد" نشر في القاهرة عام 1993م. (58) درية عوني: عرب وأكراد، 185، صلاح بدر الدين: موضوعات كردية:110

(59) مشاهير الكرد:2/20-21

(60) تتمة الأعلام 1/400

الفصل السابع: نظرة على أوضاع كرد كازاخستان ومقابلة مع ناديروف

بعد اتفاقية سايكس بيكو السرية التي شاركت فيها كل من فرنسا و بريطانيا و روسيا القيصرية، وذلك من أجل اقتسام ممتلكات الإمبراطورية العثمانية فيما بينها, وقسمت كردستان إلى خمسة أجزاء، وتم إلحاق كل جزء بدولة مجاورة (سورية, العراق, تركيا،إيران،أرمينيا)، علماً بأن القسم الشرقي من كردستان كان تحت سيطرة إيران منذ عام 1514م. و في عام 1917 قامت الثورة البلشفية بقيادة لينين، الذي كشف سر اتفاقية سايكس ـ بيكو، و بذالك خسرت روسيا معظم حصتها من شمال كردستان، التي ألحقت بالدولة التركية, و بقي جزء صغير تابعاً للاتحاد السوفيتي. و ردّاً على اتفاقية لوزان أعطت حكما ذاتياً لذلك الجزء الصغير في الاتحاد السوفيتي، و سمّي بكردستان الحمراء، وانتخب رئيساً لها السيد غوسين غاجييف" أي حسين حاجيف " و عاصمتها لاجين, ومدن أخرى لها مثل كيلباجان, كوباتلي, زانغيلان, جليلابسكي.

بدأت فرحة الكرد تقرع على طبول الرقص الكردي، مهللين بكردستان الحمراء. ولكن بعد وفاة لينين واستلام ستالين عرش الشيوعية بدأ الحكام الأتراك يشممون رائحة النفط إلى أنف ستالين، و بدأ ستالين يتنازل لهم رويداً رويداً حتى اندلاع ثورة الشيخ سعيد بيران، فهرب أتاتورك إلى أحضان ستالين، و طلب منه أن يقضي على كردستان الحمراء، لأن الكرد في الشمال ينظرون إلى كردستان الحمراء ويحاربون الأتراك دون هوادة لاستقلال كردستان, فلبّى طلبهم.


بدأ ستالين يغضب على الكرد، ويبحث عن حجج حتى يقضي على كردستان الحمراء. وفي عام 1930 باتفاق ثلاثي (إيران والاتحاد السوفيتي وتركيا ) تم القضاء على ثورة أكري داغ بقيادة نورالدين باشا. و في العام نفسه (1930م) قضى ستالين على جمهورية كردستان الحمراء، وتم تشتيت الكرد على دول الاتحاد السوفيتي السابق، مثل: أوكرانيا ومولدافيا وقرقيزيا وأزبكستان وطاجيكستان وتركمانستان وكازاخستان. (لقد شارك الاتحاد السوفيتي ـ نصير المظلومين ـ الظالمين في القضاء على الأحلام الكردية،ولم يعتبر الشعب الكردي من هذه الطعنة النجلاء من جانب الشيوعيين،بل وثق بالوعود السوفيتية مرة أخرى عام 1946م في كردستان إيران،ليقدّموا أكباش فداء على مذبح المصالح السوفييتية !!)

خلال فترة الحرب العالمية الثانية، وتحديداً في عام 1944 بدأ الاتحاد السوفيتي مرة أخرى بالتهجير القسري للكرد من جورجيا وأرمينيا إلى صحراء كازاخستان وأوزبكستان وقرغيزستان و تركمانستان. و هذه المرة كان التهجير بحجة أن الأكراد من العرق الآري، وهم نفس العرق الألماني، علماً أنه كان هناك الكثير من الشبان الكرد في الجبهة ضد النازيين، بينما كانت تركيا حليفة للنازيين، ولكن لم يتّضح إلى الآن لماذا غضب ستالين على الكرد، فهجّرهم قسراً بعربات القطار، وساق بهم إلى الصحراء في الشتاء القارس. ولا يزال الكرد يتذكرون بكل مرارة تلك الهجرة التي دفنوا خلالها خير أولادهم في محطات القطار، ولا يذكرون أين قبورهم حتى يضعوا باقة من الورود عليها ?!..

يقول أكادميك نادير كريموفيج ناديروف: أول هجرة بدأت في عام1937و"شحنونا" في عربات القطار مع الحيوانات، و كان الجو قارساً جداً، و الجوع يأكل بطون الصغار، ولم نجد من يمدّ لنا يد العون, سار بنا القطار أكثر من عشرين يوماً، ومات الكثير من الأطفال والشيوخ بيننا، و كنا ندفنهم في محطات القطار، والله كنا نضعهم تحت الثلج، لافتقارنا إلى ما نحفر به الأرض. و بعد وصولنا إلى جنوب كازاخستان أعطونا الخيم، و في الربيع بدأنا نبني بيوتاً من الطين ونسكن فيها.

و جاءت في الليل إلينا سيارة عسكرية، و خرج من السيارة اثنان من KGB (هذا اسم جهاز مخابرات السوفيت) و طلبا منا كل مَن عمره فوق عشرين سنة أن يذهب معهما حتى يعمل في الدوائر الحكومية، فصرخا ببعضهم: كل من كان عمره عشرين، و كان بينهم من عمره أقل من عشرين عاماً، قال لهما: إن عمره عشرين عاما، لكي يذهب إلى العمل، فذهبا بهم و لم يعودوا حتى يومنا هذا!! و من ضمنهم كان أخي و عمي و كثير من أقربائي. وبعد انهيار السوفييت فتشنا في الأرشيف، فقيل لنا:إنهم مدفونون في جنوب كازاخستان بمدينة شمكينت. والآن عملوا هناك متحفاً، و الله لا فرق بين ستالين و صدام، الاثنان وضعوا الكرد في المقابر الجماعية، هكذا كانت تعاملنا الشيوعية!!.

وكتب محمد سلو بابايف بأن السيد كنياز بدربيك تخرج في كلية لينينغراد، و كتب عدة رسائل إلى القيادة الشيوعية، و طلب إرجاع كردستان الحمراء، والقيادة الشيوعية كانت تهمّش هذه الرسائل، فرحل السيد كنياز بدر بيك مع 150 من أفراد عائلته إلى تركيا.

و يقول محمد سلو بابايف: كنت مدير أحد المراكز الزراعية في منطقة ماسيس التابعة لأرمينيا, وفي عام 1969 رشحوني لمنصب رفيع، وخصوصاً كنت أجيد عدة لغات:الروسية و الأرمينية, والأذربيجانية والكردية , و كل سكان المنطقة رشحوني, و قال لي المسؤول الحزبي للمنطقة: أنت تستحق هذا المنصب، ولكنك لست أذربيجانياً، ولا أرمنياً أنما أنت كردي ولا يسمح للكردي بأن يكون في هذا المنصب الرفيع!! يقول اتجهت إلى الجبل وصرخت باكياً عدة ساعات، هكذا كانت تعاملنا السلطة الشيوعية.

الكردي يولد متهما لأنه كردي

يقول المهندس زاهر عفدي صاديكوف:لا أريد أن أتذكر الكثير، و لكني أريد قول هذا، إنه في عام 1980 جرت في موسكو الألعاب الأولمبية، فقررنا أن نحضر الأولمبياد، و قبل سفرنا بأربعة أيام اجتمع بنا المدير العام للشركة، و قال: لا أريد أن أزعج أحداً منكم، و لكن لا يستطيع بعضكم حضور الأولمبياد! وأخرج ورقة من حقيبته، و قال: هذا القرار من موسكو: لا يسمح بالدخول إلى موسكو كل من الأكراد والقرباط قبل بدء الأولمبياد بأسبوع.

فيقول : أنا تجمّدت في مكاني، قارنونا بالقرباط و أنا نائب المدير العام.

و يقول: المدير أشار بأصبعه إليّ فقال هذا أمر من موسكو .....ويضيف: أنا اتجهت إلى مكتبي وبكيت لساعات, لكن ما العمل؟ هكذا قدرنا و كأن على جبيننا مكتوب لنا أن نظلم أينما كنا...!!!

يقول الاقتصادي عزيز زيا بدرخان عالييف في عام 1944: كان والدي في الجبهة يحارب النازيين الألمان والحكومة الشيوعية الستالينية هجرت عائلتنا قسراً إلى آسيا الوسطى، هكذا كان يحاربنا ستالين, تصوّروا الأب في الحرب يدافع عن حكومة ستالين، و ستالين بدأ بتهجير الكرد من ديارهم و ديار أجدادهم!!

إن أغلب الأكراد في كازاخستان و قرغيزيا انحدروا من جبال القفقاس وأرمينيا وكردستان الحمراء بعد التهجير القسري لهم من قبل السلطة الشيوعية الستالينية, وتركزوا في المناطق التالية في كازاخستان : تراز و ريفها- شمكينت و ريفها- المأتأ – و ريف ألماتا, كسكيلين , إيسك, زريا فاستوكة, جانا ترمز, كمسمولسكايا, عشقي بولاك, تولكي كورغان, و غيرها .

تحول الاتحاد السوفيتي بعد انهياره إلى دول مستقلة؛ وأصبحت لكل دولة سياستها الخاصة. كازاخستان من حيث المساحة هي سابع دولة في العالم، ويعيش في كازاخستان أكثر من 16 مليون نسمة و120 قومية، فتشكل في عام 1992 اتحاد الجمعيات في كازاخستان، وتأسست الجمعية الكردية في عام 1993 باسم( يه ك بون)، واختير السيد عزيز زيا بدرخان عالييف أول رئيس للجمعية الكردية في عام 1993 حتى عام 1995م، و هو مؤسس الجمعية ... و من ثم السيد بدر الموسى 1997- 1995،ثم بروفيسر كنياز إبراهيم ميرزايف 1997 ،ثم أكادميك نادير كريموفيج ناديروف 2003 – 1997،

ثم السيد كنياز إبراهيم ميرزايف مرة أخرى.

نشاطات الجمعية

لدى اتحاد الجمعيات الكردية عدة فروع؛ فرع في شمكينت, فرع في تاكي كورغان, فرع في كركندي, وفي ألمآتا.

لدى الجمعية فرق الموسيقية عدة؛ فرقة كردستان الموسيقية ومقرها في كسكيلين, فرقة ميديا الموسيقية ومقرها في جانا ترمز, فرقة ميديا الموسيقية ومقرها في شمكينت, وفرقة الدبكات الكردية, وفرقة الفلكلور الكردي للأطفال.


  • شاركت في متحف اتحاد الجمعيات الكازاخية، وحصلت على قسم في المتحف بالجناح الكردي .
  • شاركت في الأندية الرياضية في اتحاد الجمعيات في كازاخستان، و حصل فريق كردستان على المركز الثالث

.

  • فتح قسم دراسات اللغة الكردية في مدرسة الأحد، و حصل مدرسو اللغة الكردية على الجوائز الفخرية.
  • طبعت كتب باللغة الكردية بالأحرف اللاتينية من أجل التدريس في المدارس .
  • تحتفل بالأعياد القومية، وعيد المرأة و عيد نوروز .
  • تشارك في الأعياد الوطنية و القومية الكازاخية.

اتحاد الجمعيات الكردية في كازاخستان يصدر جريدة فصلية بعنوان " جينا كرد" ويصدر مجلة" نوبار "

لا يملك حتى الآن موقعاً على شبكة الانترنيت.... و لا يملك صحفيين خاصين بجريدتهم.

العشائر الكردية الموجودة في كازاخستان

توجد عدة عشائر كردية,منها: عشيرة بروكه، وهي تنقسم إلى قسمين: الأول بشكه، وأغلب أبناء هذه العشيرة متعلمون ويحملون الشهادات العليا مثل، أكادميك نادير كريموفيج ناديروف وهو عالم نفطي، و له العديد من الجوائز العالمية، مثل جائزة نابليون, وحرمت وغيره . والقسم الثاني من عشيرة بروكه هو قركه، وأبناء هذه العشيرة يختلفون عن بشكه، ونسبة التعليم بينهم قليلة، ولا يوجد بينهم لامعون . يسمونهم أكراد قفقاس .

وهناك عشيرة جلاليه , مرتفه , ميليه , و اليزيديون.

العلاقات الاجتماعية

أينما كنا لم ننس عاداتنا و تقاليدنا. هكذا نسمع من كل الأمهات الكرديات, النساء الكرديات أغلبهن أميات, وتوجد نسبة محددة أكملن دراستهن, تتزوج الكرديات وهن في ريعان الصبا. ولذلك لم يستطعن إكمال الدراسة.

لباس النساء الكرديات في كازاخستان ينقسم إلى قسمين، الجيل الشاب يلبس الشكل الحضري، أما المسنّات فيلبسن الكوفي، و يزينّها بالفضة والخفتان الكردي، وهذا اللباس يذكرنا بأكراد سورية، و لا سيّما منطقة كوباني، إذ إن النساء هناك يلبسن اللباس نفسه، إنني لم أر" كوفي " في كردستان العراق و لا إيران و لا تركيا, لكنه موجود في سورية.

الزواج عند أكراد كازاخستان يكون في سن مبكرة: يتزوجون في سن الثامنة عشرة أوالعشرين, أغلب الزواج يكون متفقاً عليها مسبقاً من قبل الأب والأم، فيخطِبون والأولاد يوافقون، ولا يجوز أن يرفض طلب الأهل. والعروسة تكون مخطوبة في سنة مبكرة، ويتزوجن من الأقرباء، علماً أن زواج الأقرباء كان ممنوعاً في زمن الشيوعية.

الأكراد في كازاخستان يحبون الأولاد أكثر من البنات.

يعمل الأكراد في التجارة و المقاولات و غيرها و في التدريس والرعي .

تعداد الأكراد في كازاخستان أكثر من 100 ألف نسمة.

الأدباء والشعراء الكرد في كازاخستان

  • حسن حجي سليمان شاعر وكاتب ورئيس تحرير جريدة " جينا كرد"
  • مجيد سليمان شاعر وصاحب قصيدة:

" ولاتي مه كردستانه

جيي مه سكه ني مه كردانه

ولات كانيا زيرانه

كرد هه مو برانه"

وتغني هذه القصيدة السيدة كلستان برور .

  • كنياز إبراهيم كاتب .
  • نادير كريموفيج ناديروف مؤلف كتاب نحن كرد كازاخستان.
  • علي عبد الرحمن كاتب و ناقد و شاعر" متوفى " له عديد من المؤلفات.


ولمزيد من المعلومات عن الكرد في كازاخستان نقرأ المقابلة التي أجراها محمد أحمد برازي مع الأكاديمي الكرديالبرفسور نادر كريموفيج نادروف


  • دكتور نادر كريموفيج، من أين أتيتم إلى الاتحاد السوفيتي؟ وكيف أتيتم إلى كازخستان تحديداً؟

ـ أصلنا من كردستان تركيا، من جهات "وان"، في نهاية الحرب العالمية الأولى، نزحنا، هرباً من الظلم التركي إلى الاتحاد السوفييتي, وسكنا في "نقشيوان" و"كرباخ"، التي سميت، فيما بعد بـ "كردستان الحمراء"، في زمن لينين, لكن لم تطل فرحتنا بـ كردستان الحمراء.

  • لماذا؟

ـ أسست كوردستان الحمراء في زمن لينين، وفي عهد ستالين، لم يلغوا كردستان الحمراء، فحسب، بل حاربوا الأكراد بشكل وحشي؛ مثلاً، في عام 1937 طاردوا الأكراد من قفقاس ونقشيوان حصراً؛ وفي ذلك الوقت كان عمري خمس سنوات. حشرونا في فاركونات القطارات، ورموا بنا في آسيا الوسطى، مات الكثير منا من شدة البرد ومن الجوع والمرض. بعد ذلك رمينا في صحراء كازاخستان، سكنا في خيم، وكان ثلج كثيف يغطي الأرض. وفي الربيع استدعوا كل الأكراد الذين بلغوا الخامسة والعشرين من العمر، ولم نعرف إلى أين أخذوهم، ومنهم عمي وأخي الكبير, لكن، عندما انهار السوفييت، عرفنا بأن الحكومة الشيوعية قتلتهم ودفنتهم في مقبرة جماعية بالقرب من مدينة شمكينت في جنوب كازاخستان.

  • لماذا كان ستالين يحارب الأكراد؟.

ـ كان ستالين يحارب الأكراد لسببين: السبب الأول، كان يعتقد بأن الشعب الكردي يتجسس لصالح الأتراك وإيران. والسبب الثاني، كان يكره كل من ينتمي إلى العرق الآري، لأن هتلر كان من هذا العرق.

  • كيف استقبلكم الشعب الكازاخي؟

ـ استقبلنا بشكل جيد، لكنهم كانوا يخافون من سلطة الشيوعية.


  • أنت عالم في مجال النفط، ولديك الكثير من الكتب عن هذا الموضوع، لكن، هل لديك مؤلفات عن الأكراد؟

ـ نعم، عندي كتاب، بعنوان: "أكراد كازاخستان"، وأعتكف الآن على تأليف كتاب بعنوان: "أكراد العالم"، كما أنني كتبتُ مقالات عن الملا مصطفى البارازني باللغة الروسية.

  • هل فكرتَ بأن تعطي علْمك للأكراد، وأنت المختص في مجال النفط، وكردستان غنية به؟.

- نعم، وهذا ما أتمناه، أمنيتي أن أقدم لقوميتي ما أملكه. كتبي تدرَّس في أمريكا ومعظم الدول الأوربية، وفي روسيا، وكازاخستان. أنا مستعد أن أقدمها لكردستان كهدية. مستعد أن أعمل دراسة كاملة في مجال النفط لكردستان. ولدي الكثير من الكشوفات في مجال النفط، وقد احتفظتُ بها، لمنحها لكردستان.

  • منذ عام1991 وكردستان حرة. لماذا لم تزرها, كونك عالماً وخبير نفط؟ لماذا لم تزر جامعات كردستان مثلاً؟!.

ـ لم أحصل على دعوة رسمية لا من الجامعات الكردستانية, ولا من الاتجاهات السياسية, ولذلك بقيت صامتاً، حتى أحصل على دعوة رسمية.

  • أنت تعمل في كازاخستان، ولديك علاقات طيبة مع الحكومة الكازاخية، هل عرضت على الحكومة الكازاخية بأن يتعاملوا مع إقليم كردستان، في مجال النفط، أو أي مجال آخر؟

ـ كازاخستان بلد اقتصادي، ومن الممكن أن يتعاملوا مع الإقليم الكردي، لكن، لا أستطيع التكلم باسم حكومة الإقليم، يجب عليّ أولاً أن أتحدث مع إخوتي الأكراد في الإقليم، ومن ثم، مع الحكومة الكازاخية.

  • في نهاية لقائنا: كيف حافظتم على اللغة و العادات و التقاليد الكردية،بالرغم من كل هذه السنين مع بقية القوميات؟

- بصراحة نحن الكرد أينما كنا لم ننس عاداتنا و تقاليدنا مهما ابتعدنا من الوطن و الأقرباء , نحن كنا مع نظام الشيوعية، و لكن كنا نمارس التقا ليد الكردية . نتزوج من أبناء الأعمام و ...... و هذا كان ممنوعاً في زمن الشيوعية , هكذا كنا نعيش .

الفصل الثامن: لمحة عن كرد قرغيزستان

حوار مع شيخ رمضان سيدوف محمدوفيج رئيس جمعية الكرد في قرغيزستان

أجرى الحوار دكتور محمد أحمد /كازاخستان (14/8/2006 )

10/08/2007

  • ـ شيخ رمضان سيدوف محمدوفيج,لماذا يسمونكم بشيخ رمضان,؟

- هذا لقب ورثناه من أجدادنا سيدا , و نحن ننتسب إلى نسل الرسول (صلى الله عليه وسلم) ولذلك يسموننا بشيخ، و هذا اللقب يطلق على كل أفراد عائلتنا.

  • - من أين أتيتم إلى قيرغيزستان ؟

- أنا ولدت في قيرغيزيا، مدينة بشكيك في عام 1958، و لكن والدي هُجّر قسراً من كردستان الحمراء من نقشوان.

س) لماذا هجّر قسراً؟

  • - ليس فقط والدي هجر قسراً، وإنما الكثير من الكرد هُجّروا بعد الاتفاق الذي حصل بين الأتراك و الحكومة السوفيتية .
  • - ما هو الاتفاق الذي تتحدث عنه؟

- في عام 1923، وبعد ما غدر بالكرد في معاهدة لوزان و شتتت كردستان، و وزعوها وأهدوها إلى الدول التالية: تركية ,سورية,العراق,وإيران, حيث كانت الثورة البلشفية فتية، وردّاً على هذا المعاهدة المشؤومة أسس لينين كردستان الحمراء في عام 1923 و دامت ست سنوات. و السبب في إلغاء كردستان الحمراء ـ كما ذكرت ـ اتفاق حكومة ستالين وأتاتورك في عام 1929 م ، بأن تصبح تركيا من أعظم الدول الاشتراكية في آسيا، وهناك بعض الأمور الغامضة مثل بعض الوعود المادية و النفطية ...الخ.

      وفي تلك الأعوام كان الشعب الكردي يقوم بمظاهرات و ثورات في كردستان تركيا، منها ثورة الشيخ سعيد بيران و سيد رضا و غيرها , هنا تقرّب الأتراك من ستالين، و طلبوا منه بأن يحل كردستان الحمراء، لأن الكرد في تركية صاروا ينظرون إلى كردستان الحمراء (بعين الأمل)، و يشجعون على ذلك! وظلت كردستان الحمراء حتى عام 1929 .و من ثم هُجّر الكرد قسراً إلى آسيا الوسطى, كازاخستان, قرغيزستان,وأوزبكستان,و نحن من ضمن أول هجرة. وفي عام 1944 هجّروا بقية الكرد قسراً من جبال القفقاس (من جيورجيا و أرمينيا).
       وكان ستالين يخشى من الكرد، خوف أن يتجسسوا لصالح دول الجيران، و كون الكرد من العرق الآري و الألمان هم  من العرق الآري. هذا هو السبب حسب معرفتي , و هناك شيء آخر؛ عندما هجّرونا إلى آسيا الوسطى لم يسمحوا لنا بزيارة أقربائنا , و لم نعرف أين إخواننا، قسم كان في كازاخستان، و قسم في أوزبكستان حتى عام 1956م، و من ثم عرفنا أين أقرباؤنا، هذا هو وضع الكرد في زمن السوفييت.


  • - كيف كانت الحكومة تعاملكم فيما بعد! أقصد بعد 1956؟

- حتى فترة طويلة كنا نخاف من ك.ك.ب.(هذا اسم المخابرات) ولم نطلب أي شيء، و حتى في الدراسة لم ندرس مثل بقية القوميات.

         ومعظم الأكراد كانوا يعملون في الرعي، ولم يوجد بينهم من يحمل الشهادة الجامعية في ذلك الوقت . منهم من كان يحمل شهادة الدراسة المتوسطة. ولكن كان بيننا شخص اسمه بابايف محمد سلو، وهو الذي نستطيع أن نقول عنه الرجل الوطني و القومي والشجاع، وحرك قضيتنا وحرض جيل الشباب بأن يطالب بكردستان الحمراء.
        عندما طالبنا بكردستان الحمراء تعذبنا واعتقلنا، ولكننا بعد ذلك حصلنا على شيء من الحقوق، مثل قبول الطلبة الكرد في الجامعات، وهذا الفضل يعود للسيد بابايف محمد سلو. و حتى سنوات الثمانينيات تحسّن الوضع لولا انحلال السوفيت.


  • - لنترك هذا الموضوع و نتحول إلى وضع الكرد في قرغيزستان؛ متى تأسست جمعية الكرد في قرغيزستان؟ وفي أي عام استلمت رئاسة الجمعية؟

- تأسست في عام 1993م ، واستلمت في عام 2000 الرئاسة بعد إجراء الانتخابات بشكل ديمقراطي ؟


  • - ماذا عملت منذ استلامكم الرئاسة؟

عملت ما أستطيع ولازلت أعمل من أجل الكرد في قرغيزيا:

أولاً: أخذت الرخصة الرسمية من حكومة القرغيزية بتدريس الطلاب الكرد مادة اللغة الكردية في المدارس.

ثانيا: فتحنا راديو ميديا باللغة الكردية، ولدينا برامج في كل أسبوع مرة، وهذا في عام 2002 وحتى يومنا الحاضر. ثالثا: في عام 2003 فتحنا قسماً باسم جمعيتنا في المتحف الوطني القرغيزي، ونحن أصبحنا أعضاء في المتحف منذ عام 2003. ومنذ عام 2000 و حتى الآن عرضنا في التلفزيون القرغيزي أربعة أفلام وثائقية عن الكرد. و في عام 2004 زرت كردستان بدعم من الحكومة القرغيزية .


  • - هل هناك دعم من الحكومة القرغيزية؟ ولماذا هذا الدعم.؟

- بصراحة القرغيزيون أرادوا بناء علاقاتهم مع الإقليم، و هم أرسلونا إلى كردستان.


  • - كونكم رئيس رابطة كيف تنظر إلى الكرد في الخارج؟ و هل لديكم علاقات مع الأطراف الكردية في الخارج؟

- أولا أنا رئيس رابطة منذ 2000، وكنت عضواً في البرلمان الكردستاني في أوربا، ولدينا علاقات مع الجميع، و نحن كرد قرغيزيا، ويهمنا أن نتعامل مع الجميع على أساس الأخوة. وطبعا نحن الآن بحاجة إليهم. أما من ناحية العلاقات في البداية كنا في جو مغلق والموجود كان حزب(كونغرا كه ل) وكانت علاقاتنا طيبة معهم، وفيما بعد فتحنا علاقاتنا مع إقليم كردستان، وعلاقتنا جيدة وزرت كردستان وزارنا مندوب الحزب الديمقرطي الكردستاني السيد خوشافي بابكر إبراهيم، و هذا كان شرفاً كبيراً لنا.


  • - كيف هي أوضاع الكرد في قرغيزيا؟ هل أنتم متمسكون بالتراث والفلكلور الكردي ؟.

- الكرد أينما كانوا يتمسكون بتراثهم وفلكلورهم، و نحن جزء من الكرد. وفي أعراسنا فقط نعزف الموسيقى الكردية و الطبل وزرنا! وبفضل التلفزيونات الكردية ووسائل الإعلام البسيطة استفدنا كثيراً منهم.