العولمة والديمقراطية والتنمية في أفريقيا

من معرفة المصادر

محتويات

المقدمة

       مركز البحوث العربية                                   منظمة العلوم الاجتماعية                                           
للدراسات العربية والأفريقية والتوثيق                      لشرق وجنوبى أفريقيا                       
              (القــــــاهـــرة)                                        (أديــس أبـابـا)                                                          




العولمة والديمقراطية والتنمية في أفريقيا التحديات والتوقعات




تحـريـر

طايع آصيفا سفرين م. روجومامو عبد الغفار م. أحمد


اسم الكتاب: العولمة والديمقراطية والتنمية فى أفريقيا الـمؤلـف: طايع آصيفا وآخرون إعـــداد فنى: ناهد عفيفى مركز البحوث العربية – 8/10 ش متحف المنيل- منيل الروضة

                      القاهرة - ت/ف: 3620511

البريد الإلكترونى: arc@ie-eg.com

الطبعة الأولى: 2003

رقم الإيداع : الترقيم الدولى:

إصدار أُسريا جميع الحقوق محفوظة. إصدار 2001

منظمة بحوث العلوم الاجتماعية في شرق أفريقيا وجنوبها (OSSREA) ص. ب.:31971، أديس أبابا، إثيوبيا. E-mail: ossrea@telecom.net.et Web: http//www.ossrea.org


تنوه منظمة بحوث العلوم الاجتماعية لشرق أفريقيا وجنوبها بالدعم الذي تحصل عليه من مؤسسة فورد، والوكالة السـويــدية الـــدوليـــة للتعاون والتنمية (sida/SAREC)، والوكالة النرويجية للتعاون والتنمية (NORAD)، ووزارة الخارجية الهولندية، والمركز الدولي لبحوث التنمية (IDRC)، ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا (UNECA)



المحتــويــات تقـــديــم ................................................................... طايع آصيفا، وسفرين م. روجومامو، وعبد الغفار م. أحمد

الفصل الأول: القضايا السياسية والاجتماعية-الاقتصادية

  • إدارة الصراع في أفريقيا: التشخيص والعلاج .......................

سفرين م. روجومامو

  • التماسك الاجتماعي، وإدارة الصراع، والنمو الاقتصادي في أفريقيا ..

إبراهيم البدوي

  • العولمة وفقدان الأمن البشري في أفريقيا ........................

م. أ. محمد صالح

  • مواجهة تحديات الديمقراطية المستدامة: أفريقيا الجنوبية في القرن الحادي والعشرين ....................................................

جون ك. أكوكباري

  • العولمة والتنمية المستدامة في أفريقيا: وضع خمر جديدة في قربة عتيقة؟ ..............................................................

مُنايا م. مولنجا، ومارجريت م. مُنايا

  • العولمة والقدرة التنافسية للشركات الأفريقية ........................

كرامر روتندا

  • العولمة، والديون والتنمية في أفريقيا الجنوبية: المشاكل والتوقعات ...

بورنويل تشيكولو

  • العولمة، والتكيف الهيكلي، ومأزق الأوضاع الاجتماعية في زيمبابوي، 1990-1999 ............................................

ألويس س. ملامبو، وإفلين س. بانجيتي

  • الأبعاد العالمية للتجارة عبر الحدود في مناطق الحدود الصومالية ....

بيتر د. ليتل

  • عولمة الاقتصاد العالمي: وأثر ذلك على الصناعات السودانية للحلول محل الواردات ....................................................

الخضر علي موسى

الفصل الثانى : القضايا البيئية

11.

12.

13.

14.


القضايا الثقافية، وقضايا التعليم، والنوع الاجتماعي 15.

16.

17.

18






تصــديــر





























تقــديـم

طايع آصيفا، وسفرين م. روجومامو، وعبد الغفار م. أحمد

1- تفسير العولمة العولمة عملية معقدة، تتميز بمكوناتها الأصيلة الثقافية، والتكنولوجية، والاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، وقد تطورت في ارتباط وثيق مع تطور الرأسمالية، وتأثيرات الغرب عبر الحدود القومية، خلال فترة زمنية طويلة. ويذهب بعض الباحثين، في بحثهم عن الجذور التاريخية للعولمة، إلى الحروب الصليبية والرحلات البحرية في القرون 15 إلى 17، ويرسمون مراحلها المختلفة منذ تلك العصور. وعلى سبيل المثال، يذهب نابوديري (2000)، إلى أن أسس التنمية الرأسمالية قد وُضعت أثناء الحروب الصليبية التي حاولت نشر الإيمان المسيحي في جميع أنحاء العالم، بإزاحة تأثير الإسلام عن مراكز الحضارة في تلك الفترة، وفي سبيل ذلك الاستيلاء على طرق التجارة إلى الشرق الأقصى والعالم الجديد. وهو يقول بأن ما دفع إلى الحروب الصليبية كانت "الأوامر البابوية" التي منحت التجار المسيحيين الإسبان والبرتغاليين صكوكاً لنشر المسيحية في أنحاء العالم، ويشرح العلاقة بين هذه المغامرات الدينية والاقتصادية بالعبارات التالية: "لقد اتسمت التجارة التي ترتبت على هذه الأوامر البابوية بالتحولات الثلاثة التي يقول ماركس بأنها تمثل "التراكم الابتدائي" لرأس المال، وكانت هذه التحولات تتعلق بأوروبا في الداخل والخارج. ففي الداخل أدت هذه التحولات إلى بروز المدن، والتدهور التدريجي "للاقتصاد الطبيعي" الأوروبي حيث فقد الفلاحون الأقنان أرضهم وكذلك الحق في استخدام الأراضي العامة. وفي الخارج، اتخذت شكل نهب مناجم الذهب والفضة للهنود الأمريكيين، وكذلك نهب جزر الهند الشرقية، وتحويل القارة الأفريقية إلى مباءة للتجار السود الذين ينقلون ضحاياهم من العبيد إلى العالم الجديد لاستغلالهم هناك" (2000، 15) أما المراحل الأخرى للعولمة، طبقاً لرأي نابوديري فهي عصر العلم (الذي تميز بالاكتشافات العلمية والتحولات الفلسفية للقرن السابع عشر)؛ والثورة الصناعية (التي نشطت كذلك الثورة الرأسمالية في المجالات الأخرى مثل المصارف والتجارة ووسائل النقل، وكذلك الثورة السياسية التي أحدثت تغيرات جذرية في المجتمع الإقطاعي والدولة)؛ وعصر الرأسمالية الاحتكارية، ونتيجتها الاستعمار؛ وأخيراً، "الدولنة" (التي أدت إلى تفكيك الإمبريالية الأوروبية، وزيادة سيطرة الشركات المتعدية الجنسية، والمؤسسات المالية الدولية على الاقتصاد العالمي، وإزالة الحواجز الوطنية أمام التجارة).

أما من وجهة نظر مشروع الأمم المتحدة الإنمائي (1999، 1)، فالعولمة تعني أكثر من مجرد التداول الحر لرأس المال والسلع عبر الحدود، فالعولمة تعني تكامل الاقتصاد، ولكن إلى جانبه الثقافة والتكنولوجيا ونظم الحكم. وسماتها الرئيسية هي: "تقلص المكان، وتقلص الزمان، واختفاء الحدود، مما يربط حياة الناس بشكل أعمق، وأكثر توثقاً وتقارباً من أي وقت مضى". ووفقاً لتقرير التنمية البشرية، فإن من بين عناصر العولمة التي تدفع عملية التكامل هذه وتسهلها، الآتي:

• الأسواق الجديدة: وهي الأسواق المالية، المرتبطة حول العالم، وتعمل على مدى الأربع والعشرين ساعة، وتنجز التعاملات عن بُعد. • الأدوات الجديدة: وهي الروابط عبر الإنترنت، والتليفونات المحمولة، وشبكات الإعلام • اللاعبون الجدد: وهم منظمة التجارة العالمية، ذات السلطة على الحكومات الوطنية، والشركات متعدية الجنسية التي تمتلك من القوة الاقتصادية ما يتجاوز قوة الكثير من الدول، وتجمعات المنظمات غير الحكومية، وغيرها مما يتجاوز الحدود القومية • قواعد جديدة: اتفاقيات متعددة الأطراف بشأن التجارة، والخدمات، والملكية الفكرية، تسندها أدوات إجبار قوية، ملزمة للحكومات الوطنية مما يحد من قدرتها على اتباع سياسات وطنية (تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي 1999، 1). والعولمة خلقت، ولا تزال، فرصاً جديدة ومنافع للبعض، وإن كانت تسببت، في الوقت نفسه، في ظهور تهديدات ومعاناة للبعض الآخر، فهي قد حققت تقدماً ووفرة لبعض البلدان التي لم تكن على درجة متقدمة من التصنيع مثل النمور الآسيوية، ولكنها دفعت ببلدان أخرى مثل الدول الأفريقية جنوب الصحراء، نحو التهميش والفقر. فقد خلقت تهديدات جديدة لأمان المواطنين حيث أدت اضطرابات السوق إلى تهديد الأمن المالي والاقتصادي؛ وأدت إجراءات التكيف الهيكلي إلى تهديد فرص العمل والدخل للعاملين؛ وأدت سهولة المواصلات وانتشار وباء الإيدز إلى تهديد الصحة العامة؛ وأدى الانتشار الواسع للثقافات الغريبة عبر وسائل الاتصال العالمية وشبكات الأقمار الصناعية إلى تهديد الثقافة الوطنية؛ وأدى استخدام العناصر الإجرامية للأسواق المفتوحة، والمواصلات الميسرة، ووسائل الاتصال السهلة، إلى تهديد أمن المواطنين؛ وأدى التلوث وارتفاع درجة الحرارة عالمياً، وغيرها من أشكال تخريب البيئة التي تعود إلى قلة الموارد وسوء إدارتها، فضلاً عن زيادة التوترات الاجتماعية، وفقدان الاستقرار السياسي، إلى تهديد الأمن البيئي (تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي 1999، 3-5)

2-العولمة وتهميش أفريقيا ويختلف أثر العولمة من فرد لآخر، ومن مجموعة لأخرى، ومن طبقة اجتماعية لأخرى، ومن بلد لآخر، فأثار التدفقات العولمية تختلف بالتأكيد وفقاً لما إذا كان الأمر يتعلق بالولايات المتحدة أو بشركة متعدية الجنسية، أو بعمال قليلي المهارة في أوروبا، أو ببلدان أفريقية تقف على الهامش من مجالات التجارة والاستثمار العالمية. إن ما يحدد حجم وطبيعة النشاط الذي يؤديه اللاعبون المختلفون، يتوقف على ارتباطهم غير المتساوي بالمنظمات السائدة أو الهيئات والعمليات اللصيقة بالنظام العولمي الجديد. وفي قلب هذا الارتباط غير المتساوي، نجد القدرة، بمعنى قدرتهم على تحويل الأوضاع المادية ـ اجتماعية كانت أم اقتصادية أم سياسية ـ وتحقيق أهداف مؤسسة على تعبئة الموارد، وخلق نظم للعمل، والتحكم في البنية التحتية والمؤسسات (1977)، وفي ظل هذه الأوضاع، تكثر فوائد التحرر من القيود والعولمة. والعولمة، لذات طبيعتها، لا تمنح مزاياها للجميع بشكل متقارب، وإنما تحقق المكاسب للأقوى على حساب الأضعف، فانعدام المساواة بين اللاعبين، واختلاف القوى فيما بينهم، يؤدي إلى لا مساواة في الفرص، وفي القيود التي تؤثر عليهم. فإلى جانب التوزيع غير العادل للثروة والسلطة، يعجز الفقراء والضعفاء عن التأثير على الشئون العالمية، حيث يحتكر الأقوياء عادة سلطة اتخاذ القرار. وكما قال ثوكيديدس يوماً: "يفعل الأقوياء ما يستطيعون، ويتحمل الضعفاء ما يُفرض عليهم!" وتخلق العولمة، طبقاً للجدلية، المقاومة بالنسبة لقضايا مهمة مثل الدين، والاستقلال الثقافي، والبيئة، والأمن، والحقوق الفردية والجماعية، وتتعدى هذه المقاومة الحدود الوطنية. وكما يلاحظ تقرير التنمية البشرية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (1996، 59) بحق، فإن العولمة ليست بالضرورة لعبة مجموع ـ موجب، وإنما هي "سيف ذو حدين، فهناك رابحون وخاسرون". فمن جهة، وطبقاً لتقديرات موثوق بها، يُتوقع أن تزداد الدخول العالمية بمقدار 212 مليار دولار، لتصبح 510 مليار دولار، خلال فترة السنوات 1995ـ 2001، كنتيجة لجولة مفاوضات اوروجواي، وذلك بفضل ارتفاع الكفاءة، وارتفاع مردود رأس المال، وكذلك التوسع في التجارة. ومن جهة أخرى، ينتظر أن تفوق الخسائر الاقتصادية تلك المكاسب، وذلك في البلدان التي لا تستطيع تحمل تلك الخسائر. فالبلدان الأقل نمواً، ينتظر أن تبلغ خسائرها 600 مليون دولار في العام، والبلدان الأفريقية جنوب الصحراء، ستبلغ خسائرها 1,2 مليار دولار في العام (تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي 1997، 82). ومن وجهة النظر الاجتماعية، تخلق العولمة البؤس، والتهميش الاجتماعي، واللامساواة للنساء، وتغريب أعداد متزايدة من الناس في جميع أنحاء العالم. ومن المهم أن نلاحظ أن التكيف الاقتصادي والاجتماعي في بلدان الشمال الأساسية، كان في الغالب عملاً واعياً قامت به شركات بذاتها بتأييد ضمني، وتشاور مع حكوماتها، وعمالها، والهيئات الدولية (مثل الجات، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ومنظمة التجارة العالمية). وبالعكس، كانت إجراءات التكيف في أفريقيا، وخاصة منذ الثمانينيات، مفروضة من خارج القارة. فالتكيف الاقتصادي، والتحرر السياسي لم يحدثا تحت ضغط قوى السوق، أو ضغط القوى السياسية الداخلية، بل تحت تأثير القسر والضغط الخارجي من جانب المقرضين الأجانب، والمؤسسات المالية (Aina ، 1996، و Ghai ، 1992) والتفسير السائد لضعف الأداء في أفريقيا هو اعتماد التنمية فيها على الدولة. وفي التقرير المعنون "الإسراع بالتنمية في أفريقيا جنوب الصحراء: برنامج للعمل"، يجادل البنك الدولي بأنه وإن كانت هناك عوامل هيكلية، وخارجية قد ساهمت في تفاقم أزمة المنطقة، إلا أن السياسات الحكومية غير المناسبة هي التي أثرت بشكل سلبي على عمل السوق. وتوصل البنك إلى النتيجة أنه بإزالة التشوهات الناتجة عن السياسات الحكومية، ورفع الكفاءة الاقتصادية المحلية، وخلق بيئة اقتصادية كلية مستقرة، يمكن للحكومات أن تفسح المجال لرفع الإنتاجية في المدى الطويل، وتوازن بذلك الظروف الدولية غير الملائمة. وبعد ذلك أصبحت وصفة "برامج التكيف الهيكلي" هي الوصفة الثابتة لجميع البلدان، والتي يعطيها المانحون دعمهم النظري، والمالي والفني (مكانداويري، 1995). وعملت هذه السياسة أساساً، على تصحيح تشوهات السياسة الداخلية دون أن تلقي بالاً للظروف الدولية السيئة السائدة. وفي حين ركزت المؤسسات المالية الدولية بقوة على تصحيح انحراف التوازن في الاقتصادات الأفريقية (تخفيض العملة، التحكم في الائتمان وحجم النقود المتداولة، وسياسة الفائدة، والسياسة الضريبية، وتحرير التجارة ونظام المدفوعات، وخصخصة المؤسسات الحكومية)، كان لها أثر عميق في عولمة تلك الاقتصادات. ومنذ أوائل الثمانينيات، استولت المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ونوادي لندن وباريس للدول المقرضة، عملياً على إدارة السياسات في أفريقيا، وفي الواقع فقد استأثرت المؤسسات المالية الدولية برسم السياسات الاقتصادية الكلية للدول الأفريقية، وتمويلها. وعلاوة على الشروط الاقتصادية التي فُرضت على البلدان الأفريقية طوال الثمانينيات، فُرضت عليها شروط سياسية مثل مراعاة الديمقراطية، ونظم الحكم السديدة، وحقوق الإنسان. ولتحقيق هذه الأهداف، أُهدرت سيادة أغلب الدول الأفريقية في جميع المجالات. وكما يقول ريد (1997، 19)، أصبحت سياسات التكيف الهيكلي أداة لفرض سياسات التعاون الدولي العالمي: "لقد تجاوز أثر التكيف الهيكلي المجال القومي الذي كان مقدراً له، ولعب دوراً أساسياً في تكيف الاقتصاد العالمي. وقد أدت سياسة الإقراض الموجه، إلى جانب النظم التجارية الجديدة، دور القوة الموجهة لاقتصادات أجزاء كبيرة من العالم النامي، وكذلك بلدان وسط وشرق أوروبا، في علاقاتها مع البلدان المتقدمة، لفتح أسواق جديدة لرأس المال والسلع، وتعديل دور الدولة، وتغيير شروط بيع قوة العمل." فما هو الخطر بالنسبة للبلدان الأفريقية؟ تتجه القارة الأفريقية، في مناخ التقسيم الدولي الجديد للعمل، وإعادة التنظيم الاقتصادي الإقليمي، إلى المزيد من التهميش. وكما يقول إيشيتو بإيجاز (1997، 12): "أيا ما كان الجانب للاقتصاد العالمي الذي ننظر إليه، سواء أكان الأمن، أو المساعدات، أو الاستثمار، أو التجارة، أو ثورة الإعلام، فإن مستقبل أفريقيا لا يدعو للاغتباط" وفي الواقع، لا تبدو القارة جذابة في أعين أي من اللاعبين المهمين في إطار الاقتصاد المعولم. لقد فقدت أية قيمة سواء كتبعية أيديولوجبة، أو وزن استراتيجي، أو مجال الاستثمار. لقد أصبحت القارة الأفريقية مهمشة في احسن الفروض، وبلا أهمية في أسوأها، من وجهة نظر المصالح القومية لدول الشمال. ولا يثير العجب أن القواعد العسكرية الأجنبية على ارض القارة تغلق أبوابها الواحدة بعد الأخرى، وتطالب الدول الاستعمارية السابقة الدول الأفريقية بأن تنشئ قواتها العسكرية لحفظ السلام والمساعدات الإنسانية (بوزان 1991، وروجومامو 1994). وفي حين تعمل بلدان المركز على التجمع على شكل كتل اقتصادية وسياسية وأمنية رئيسية، لا تظهر البلدان الأفريقية في أي من هذه الكتل، فلا توجد أفريقيا ضمن الاتحاد الأوروبي، ولا منطقة التجارة الحرة لشمال أمريكا، ولا ضمن دائرة آسيا/المحيط الهادي. ونجد نصيب القارة في تدفقات المساعدات الخارجية، والاستثمارات المباشرة، والتجارة في انخفاض مستمر منذ الثمانينيات (روجومامو، 1997). والدراسات بشأن أثر سياسات التكيف الهيكلي والعولمة على البلدان الأفريقية، تعطي نتائج ملتبسة، ففي حين سجل القليل من البلدان بعض التحسن الاقتصادي في التسعينيات: فعاد الاقتصاد للنمو، وانخفض معدل التضخم كثيراً، كما انخفض العجز في الميزان الحسابي بشكل ملحوظ، إلا أن عدد البلدان الأفريقية الأقل نمواً زاد من 21 إلى 32 في عام 1995. وبصفة عامة، أصبحت بلدان أفريقيا جنوب الصحراء، منذ سيادة العولمة، علماً على النكبات، فقد حلت بها الحروب الأهلية، وانهيار الدول، وجيوش من اللاجئين والمشردين، وعدم كفاية الغذاء، بل والمجاعات المتكررة، ومعدلات البطالة المرتفعة، واتساع دائرة الفقر، وانخفاض قيمة الصادرات، وارتفاع عبء الديون، والمزيد من التهميش بالنسبة للاقتصاد العالمي المعولم. ولم تنجح سياسات "البعد الاجتماعي للتكيف الهيكلي"، ولا "مبادرة تخفيف ديون البلدان الأكثر فقراً" لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، في تخفيف متاعب الفقر في أفريقيا. والأسوأ أن الظروف الإنسانية قد تدهورت إلى مستويات غير مقبولة، والفقر يزداد عمقاً، ويشمل أعداداً متزايدة منذ بداية الثمانينيات. وفي الواقع يعيش أكثر من نصف سكان أفريقيا تحت خط الفقر، ويُقدر أنه إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فستكون أفريقيا هي القارة الوحيدة التي تدخل القرن الجديد وقد ازداد فيها الفقر بشكل نسبي ومطلق. وما ورد من أوضاع مثيرة للجزع عن القارة الأفريقية، يفرض على الباحثين في هذه المنطقة أن يولوا هذا الموضوع المزيد من الاهتمام.

3-الطريق إلى الأمام لقد اتبعت البلدان الأفريقية، خلال العقدين المنصرمين، سياسات تحرر اقتصادي وسياسي على نطاق واسع، وهذه العملية تثير الكثير من التحديات الخطيرة، كما تفتح الباب لبعض الفرص. ولكن، كما وضحنا سابقاً، فإن فرص القارة في تحقيق تنمية مستدامة، لا تتوقف فقط، على إصلاح سياساتها وبنائها الداخلي، وإنما على حدوث تغيرات جوهرية في علاقاتها مع اقتصادات بلدان المركز في الشمال. وعلى هؤلاء الشركاء الأخيرين أن يعيدوا النظر في علاقاتهم بشركائهم من البلدان النامية، ولن تحصل أفريقيا على فرصة لتحقيق التنمية المستدامة، إلا إذا حدثت تغيرات واقعية في إطار الاقتصاد العالمي، وكذلك في استراتيجيات التعاون للتنمية. وإذا كان النمو الاقتصادي ومحاربة الفقر هي أساس المبادرات الجديدة للتعاون من أجل التنمية، فلا بد من المواجهة الجدية للظروف التي تعمل على تفشي حالة الركود والتهميش. وليس من المنتظر أن يتحقق النمو الاقتصادي، والاستثمار، والديمقراطية في أغلب البلدان الأفريقية، إلا إذا اتخذت قضية الديون المركز الرئيسي في التعاون للتنمية. وفي الوقت نفسه، لن تتحقق التنمية المستدامة في أغلب بلدان أفريقيا، إذا ما استمرت البلدان الرئيسية في النظام العالمي في عرقلة صادرات البلدان النامية، خاصة في القطاع الزراعي، عن طريق رفع رسوم الجمارك، ووضع العراقيل، متمثلة في شكل قيود غير جمركية، في وجه تنويع قاعدة قطاع الإنتاج الصناعي لهذه البلدان. وقد اقتُرِحت عدة استراتيجيات للتعاون من أجل التنمية تسمح بدعم التنمية المستدامة، فيجادل آكِه (1996)، أنه على أفريقيا، بدلاً من الصراخ والعويل للشكوى من التهميش الاقتصادي والاجتماعي الذي تسببه العولمة، أن تعمل على وضع برنامج محلي للتنمية الاقتصادية يعبر عن تطلعات الجماهير الشعبية، وبذلك يحوز تأييدها. وباختصار، بقوم نموذج التنمية هذا، على أساس التراكم المحلي من أجل التنمية المستدامة، وعلى أساس قاعدة اجتماعية وطنية موسعة. ويقترح آكِه، مثله مثل مركز الجنوب (1996)، أن افضل سياسة يمكن أن تتبعها البلدان الفقيرة بالنسبة لموضوع التحرير والعولمة، هي ألا تتعجل الاندماج الوثيق، وإنما أن تضع سياسات مدروسة بعناية لتحقيق التكامل الانتقائي، أي ما يسمى عادة "بالتكامل الاستراتيجي". كما ينادي بألا تحقق هذه البلدان التكامل إلا في الاتجاه، وبالقدر الذي يحقق مصالحها، وهذا الاقتراح ذو أهمية خاصة بالنسبة للبلدان الأقل تطوراً في أفريقيا التي لم تحقق إلا تنمية بدائية في الصناعة والزراعة، والتي لا تستطيع وحداتها الإنتاجية مواجهة المنافسة الأجنبية. وتحتاج هذه الرؤية سياسة خلاقة للتعاون من أجل التنمية، تعمل على مواجهة مشاكل رفع الإنتاجية، والكفاءة، والتنويع. واقترح جريفين وماكنلي (1996)، استراتيجية ثانية لسياسة التنمية، وهما يقترحان تدابير متدرجة للتعاون من أجل التنمية، تصلح، في نهاية المطاف، كشبكة لوقاية الضعاف والمستهدفين عند اندماجهم في الاقتصاد العالمي المعولم. ويقول الاقتراح بأن جهود التكيف الهيكلي لن تحقق نتيجة دائمة إلا إذا أُنشئ صندوق دولي للتنمية يحل محل المساعدات الأجنبية. وهما يقترحان فرض ضريبة تصاعدية على الدخل القومي الإجمالي للبلدان الغنية، يوزع على البلدان النامية بالنسبة العكسية لمتوسط الدخل الفردي بها. كذلك يقترحان إنشاء آلية للتعويض عن أية أضرار يسببها بلد لبلد آخر، ويمكن أن يتخذ التعويض شكل غرامة توقع على البلدان التي لا تلتزم بقواعد السلوك الدولي السليم المتعارف عليها، مثل قيام بلد غني بفرض قيود على صادرات البلدان الفقيرة. وأخيراً يقترحان إنشاء إطار للتعاملات المالية بين البلدان خارج نطاق السوق، وهذا يشمل إنشاء آلية لتيسير قيام بلد ما بدفع مبالغ لبلد آخر نظير خدمات مؤداة خارج نطاق تعاملات السوق، مثل خدمات بيئية، أو لمحاربة تجارة المخدرات، أو مقاومة بعض الأمراض المعدية. وتوجه أموال هذه الصناديق المختلفة في مجالات للتنمية متفق عليها مسبقاً. والسؤال هو مدى جدية هذه الاقتراحات في إطار الاقتصاد السياسي العولمي البازغ.

5- برامج البحث حاولنا فيما سيق إثارة ما يمكن اعتباره أهم القضايا التي يجب دراستها بشأن العولمة في أفريقيا، وهذا التقديم هو مجرد نقطة البداية لموضوعات تحتاج إلى مزيد من التفصيل والتعميق على المستويين التجريبي، والتصوري. والمنتظر أن تتجاوز التوجهات في دراسة المشاكل التي تثيرها العولمة، الأساليب وحيدة النظرة، والإيديولوجية، والنظرية، مما يعني دراسة الجوانب الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية للعولمة. وهذه الدراسات ستساهم في رفع درجة قهم العولمة بصفة عامة، وأثرها على أفريقيا بصفة خاصة. ودراسة الحالات الخاصة لشرق أفريقيا وجنوبها ستساعد على رسم السياسات المناسبة للمنطقة. بناءً عليه طلبت منظمة بحوث العلوم الاجتماعية لشرق أفريقيا وجنوبها دراسات تقدم لمؤتمرها السادس الذي عُقد في دار السلام بتنزانيا في أبريل 2000. وكان مجموع الدراسات التي قدمت للمؤتمر وبحثت خلاله 45 بحثاً، اندرجت تحت الموضوعات العامة الآتية: • العولمة والتنمية الاقتصادية في شرق أفريقيا وجنوبها • العولمة والتنمية المستدامة بيئياً في شرق أفريقيا وجنوبها • العولمة وعدم المساواة بين الجنسين في شرق أفريقيا وجنوبها • العولمة ونظم الحكم والديمقراطية في شرق أفريقيا وجنوبها • العولمة والتعليم والمعرفة المحلية في شرق أفريقيا وجنوبها • العولمة والمواجهة الثقافية في شرق أفريقيا وجنوبها • العولمة والأمن القومي في شرق أفريقيا وجنوبها وقد جمعنا في هذا الكتاب 18 من الأبحاث التي قُدمت للمؤتمر، وقد قسمناها إلى ثلاثة أجزاء رئيسية طبقاً لما ركز عليه كل منها، وهي: "القضايا السياسية والاقتصاديةـ الاجتماعية"، و"القضايا البيئية"، و"قضايا الثقافة والتعليم والنوع الاجتماعي".







المـراجـع

Aina, T. 1996. Globali:ation andsocial policy in Africa CODESRIA Working Paper No. 6. Dakar: CODESRIA. Ake, C. 1996. The New World Order: A view from the South. Lagos: Malthouse Press. Buzan, B. 1991. New patterns of global security in the twenty-first century. International Affairs 67, no. 3:431-452. Eshetu Chole. 1997. Prospects for economic recovery in Africa. Eastern Africa Social Science Research Review 13, no. 1:1-16. Ghai, D. 1992. Structural adjustment, global integration and social democracy. Discussion Paper no. 37. Geneva: UNRISD. Griffin, K., and T. McKinley. 1996. New approaches to development cooperation.New York: UNDP. Held, D. 1997. Democracy and globalization. Governance 3, no. 3:251-265. Hurrel, A., and N. Wood. 1995. Globalization and inequality. Millennium 24, no. 3:451-467. Mkandawire, T. 1995. Adjustment, political conditionality and democratization in Africa. In Democrati:ation process in Africa, edited by E. Chole and J. Ibrahim, 81-99. Dakar: CODESRJA. Nabudere, Dani W. 2000. Globalisation, the African post-colonial state, post- traditionalism, and the New World Order. In Globalisation, the post-colonial African state, edited by Dani W. Nabudere, 11-55. Harare: African Association of Political Science (AAPS).' Oxfam International. 1998. Making debt relief work: A test of political -will. Oxfam:London. Reed, D., ed. 1997. Structural adjustment, the environment and sustainable development. London: Earthscan. Rugumamu, S. 1994. Security threats in Africa: An overview at the end of the millennium. Working Paper Series. Centre for Foreign Policy Studies, Dalhousie University. ___. 1997. Lethal aid: The illusion of socialism and self-reliance in Tanzania. Trenton, N. J.: Africa World Press. South Centre. 1996. Liberalisation and globali:ation: Drawing conclusions for development. Geneva: South Centre. United Nations (UN). 1997. World investment report. New York: UN. United Nations Development Program (UNDP). 1992. Human development report. New York: UNDP. ___. 1994. Human development report. New York: UNDP. . 1996. Human development report. New York: UNDP. . 1997. Human development report. New York: UNDP. _. 1999. Human development report. New York: UNDP. World Bank. 1981. Accelerated development in sub-Saharan Africa: An agenda for action. Washington, D.C.: World Bank.






الحـواشي





الفصل الأول

القضايا السياسية والاجتماعيةـ الاقتصادية























إدارة الصراع في أفريقيا

التشخيص والعلاج



سفرين م. روجومامو *

                                             ترجمة: سعد الطويل

1- تقــديــم

شاهدت حقبة التسعينيات تغيرات عميقة في مجال السلم والأمن في أفريقيا، فبانتهاء مرحلة الحرب الباردة، خفت حدة التوترات بين الشرق والغرب حول ميادين الحرب الأفريقية بشكل ملحوظ. وقامت حكومات منتخبة ديمقراطياً في جنوب أفريقيا وناميبيا، وحل السلام والاستقرار بشكل نسبي في موزمبيق بعد ثلاثة عقود من الصراع بين الأطراف المتحاربة، وأجريت انتخابات ديمقراطية في عشرات من البلدان الأفريقية. وهذه ولا شك، خطوات إيجابية في اتجاه السلم والاستقرار والتنمية، ولكن، في حين اتجهت كثير من أنحاء العالم نحو المزيد من الاستقرار، والتعاون السياسي والاقتصادي، بقيت أفريقيا بؤرة لعدم الاستقرار. وأصبح فقدان الأمن السياسي، والصراعات المسلحة العنيدة، علامة على مسرح التنمية في أفريقيا، فظهرت النزاعات الداخلية، ذات الجذور التاريخية العميقة على السطح في الكثير من بلدان القارة. ومما يدعو للسخرية، أنه مع تراجع اهتمام المجتمع الدولي بمشاكل الأمن في أفريقيا، لم تتوسع القدرات التنظيمية المؤسسية الأفريقية على إدارة صراعاتها المزمنة بما يتمشى مع نفاقم هذه الصراعات. وأمام هذه الخلفية، يصبح تحقيق السلام في أفريقيا وتدعيمه من القضايا الحرجة بالنسبة للسياسات العالمية. تدور الصراعات الاجتماعية في أفريقيا عادة، أمام خلفية من الفقر المدقع، والأمية، ونظم الحكم الضعيفة. ولم تتمكن أغلب الدول الأفريقية من مواجهة الاحتياجات الاجتماعية الضرورية لمواطنيها بسبب تأثير شروط التجارة غير العادلة، وتراكم الديون، والقصور الإداري، ووصل الأمر في أسوأ الحالات، إلى صدمات وصلت إلى حد انهيار الدولة. وعادة ما ترتبت حالات الانهيار على سياسات طويلة المدى من فقدان السيطرة على المجال السياسي والاقتصادي، وكثيراً ما أدت هذه الانهيارات إلى تأثيرات على البلدان المجاورة. فكثيراً ما كلفت طوابير اللاجئين، وازدياد حدة التوترات العرقية، وما ترتب عليها من صراعات دبلوماسية، البلدان المستقرة المجاورة الكثير من الموارد والجهد (زارتمان، 1995، 1-5). ووصل الأمر إلى أن ما كان يعتبر يوماً مجرد صراع داخلي، لا يدخل في نطاق اهتمامات المنظمات الإقليمية كالأمم المتحدة، ومنظمة الوحدة الأفريقية، قد أصبح صراعاً دولياً، وتورط لاعبون خارجيون في التدخل لتحقيق السلم والأمن فيما بدأ كحرب أهلية. وقد أصبح واضحاً أن على أفريقيا أن تتعلم كيف تتغلب على مشاكل أمنها المحلي. وسنحاول في هذا الفصل أن نحقق عدة أهداف: أولاً وصف الصراعات الأفريقية وتوضيح طبيعتها؛ ثانياً وصف السياق الوطني والدولي المتغير الذي تجري فيه إدارة هذه الصراعات؛ ثالثاً دراسة عدد من استراتيجيات تدخل أطراف أخرى لإدارة الصراعات وخلق البيئة المناسبة لبناء سلام حقيقي.

2- ماهية الصراع ورسم خريطة مساره منذ قديم الزمان وحتى اليوم، يُنظر إلى المنافسة والصراع بصفتها ظواهر أصيلة في الطبيعة والمجتمع، وكثيراً ما اعتبرت المواجهات الاجتماعية المحرك الرئيسي للتغير الاجتماعي والتحول. ولدعم هذه الفرضية يؤكَّد أن المنافسة والصراع لا مناص من وجودهما باستمرار في جميع المجتمعات، وفي أحسن الفروض يجري تحديدهما وتخطيهما. وتنغمس الجماعات والأمم المتنافسة في صراعات عنيفة إما بسبب توجيه تحدٍ لمصالحها وقيمها، أو لعدم إشباع احتياجاتها، فالمساس (الواقع أو المحتمل)، بأية قيمة أساسية يؤدي إلى الإحساس بالخوف، والتهديد، وعدم الرضا. وإذا ما تحددت الجماعات المتواجهة في مجتمع معين على أساس العرق، أو الدين، أو الإيديولوجية، أو النوع الاجتماعي، أو الطبقة، فإنه ستكون لها، بالضرورة، احتياجات مختلفة، وكذلك مصالح وقيم مختلقة، ودرجات مختلفة من الوصول إلى السلطة والموارد. ومن المفهوم أن مثل هذه الاختلافات تخلق بالضرورة صراعات اجتماعية ومنافسة، والمهم هو معرفة كيفية إدارة الصراعات الاجتماعية الكامنة وحلها قبل أن تتحول إلى صراعات عنيفة وتخريب واسع النطاق. لقد حدثت التحولات الرئيسية في تاريخ العالم، سواء أكانت إيجابية أم سلبية، عن طريق حل الصراعات المستعصية إما بالعنف أو الحرب، وفي الواقع كانت الثورات الاجتماعية التي غيرت وجه التاريخ حلال القرون الماضية هي الطريقة الوحيدة لحل صراعات مستعصية بين تكوينات اجتماعية مختلفة. فقد قامت الثورات الاجتماعية بإتاحة فرص فريدة للمجتمعات لإقامة ترتيبات مؤسسية جديد تناسب الأزمنة الجديدة، على أنقاض التخريب الذي قامت به الأنظمة السابقة على الثورة. ومن وجهة النظر هذه، فالصراع ليس مكروهاً في حد ذاته. ولكل صراع مهما كان صغيراً ذا طابع فردي عناصره المختلفة، أما الصراعات التي تشمل أطرافاً عديدة، وجماهير كبيرة من الناس، وتنظيمات معقدة مثل الدول، فهذه تكون على درجة كبيرة من التعقيد. وكل صراع له عناصره الأساسية التي تسمح للباحث برسم خريطة محتملة لمساره، ويبدأ الباحث عمله بجمع المعلومات عن تاريخ الصراع، وعن معطياته المادية والتنظيمية. وبالطبع لا ينشأ أي صراع في الفراغ، بل قد ينمو صراع في رحم صراع آخر. والخطوة التالية هي دراسة أطراف الصراع، وهؤلاء يختلفون في مدى انغماسهم فيه، وفي تأثرهم بنتيجته. فالأطراف الأولية في الصراع هي تلك التي تقف في مواجهة بعضها البعض، ولها مصلحة مباشرة في نتيجته، وتتخذ لذلك موقفاً عدائياً. أما الأطراف الثانوية فهي التي تؤثر فيها نتيجته بشكل غير مباشر، وهم عادة حلفاء للأطراف الأولية للصراع، أو متعاطفين معهم، ولكنهم ليسوا خصوم مباشرين. أما الأطراف الثالثة فهم اللاعبون الآخرون مثل الوسطاء، وقوات حفظ السلام أو فرضه، الذين قد يتدخلون لتسهيل إدارة الصراع. وليس من السهل دائماً التمييز بين أسباب الصراع ونتائجه، ففي الواقع، فمع ظهور الصراع، تميل الأسباب والنتائج إلى التداخل معاً. والأعمال العدائية قد تكون نتيجة لمرحلة من مراحل الصراع، وسبباً لمرحلة تالية. ومن أهم الأسباب الأساسية لأي صراع اجتماعي، الهدف المنتظر منه وتضارب المصالح، ومن الأسباب المهمة كذلك، الدفاع عن الهوية، خاصة في عالم اليوم حيث تأخذ حقوق الجماعات المختلفة ووعيها بالذات دوراً بارزاً. وتلعب الاختلافات الثقافية، واختلاف اللغة دوراً في التفرقة بين الجماعات، فهي تخلق وعياً بالذات، وبالدفاع عن النفس، وهو ما قد يكون من الدوافع الأولية للصراع. ومن المهم تمييز مصالح كل طرف وأهدافه المبتغاة بوضوح. وعلاوة على ذلك فالصراع في حركة دائمة، وحتى عندما يكون أطراف الصراع في مأزق، وحالة توقف، فإن الظروف المحيطة تتغير. ويساعد رسم مسار الصراع على إبراز ردود الفعل المندفعة لأطرافه، فالاستقطاب والتصعيد المندفع يبعد أطراف الصراع عن إمكانية الحل بالتعاون، ونحو المزيد من الأعمال العدائية. وتتغير نظرة الأطراف المتنازعة لبعضها البعض مما يدفع لمزيد من ردود الفعل المندفعة، ووصم الخصوم، واعتبارهم الصورة المضادة في المرآة، وتحميلهم بدوافع خبيثة. وهنا تساعد خريطة مسار الصراع على توجيه المفاهيم نحو مزيد من الوضوح لطبيعة الصراع (فير، 1995). وبمجرد تحول الصراع إلى العنف، يصبح الشاغل الأهم للدول المجاورة، والمجتمع المدني، والمجتمع الدولي هو التدخل في الصراع لتسهيل عملية الوساطة، وتحويل الهياكل التي تسبب العنف وانعدام الأمن نحو السلم الإيجابي. ونود هنا أن نوضح أن الصراعات التي تقوم فيها الدولة بدور الحكم الفعال لا تسبب مشاكل كثيرة لأنه من الممكن حصرها في الإطار القومي، ولكن المشاكل تثور عندما تكون الدولة ذاتها طرفاً في الصراع، لأن التدخل الخارجي يصبح ضرورياً في هذه الحالة. وسنحاول في هذا الفصل إثبات أن إقامة أساس متين لتنظيمات فعالة، وأنظمة للتمكين هو الشرط الضروري لإقامة سلام دائم وثابت. ونعني بالأنظمة، في هذا السبيل، وجود قواعد معتمدة تحكم تصرفات الأفراد والمنظمات، وتشمل تفاعلات الأطراف المعنية، والتفاوض بين المشاركين. وبالتحديد، نقول إن البلدان، مثلها مثل المجتمعات تحتاج إلى أنظمة تدعم المنظمات، والحكم الجيد، إما عن طريق القوانين واللوائح، أو عن طريق التنسيق بين اللاعبين المختلفين، كما في حالة المعاهدات الدولية. والعمليات المبنية على قواعد مرعية تضمن شفافية السياسات الموجهة لتحقيق الأهداف المرجوة، والمنظمات المستخدمة لذلك (البنك الدولي، 2000، 3).

3- السياق الدولي لإدارة الصراعات في أفريقيا في أثناء المرحلة الثنائية، كان التنافس بين كتلتين إيديولوجيتين في الحرب الباردة هو الذي يحدد البيئة الأمنية للدول الأفريقية. فهو من جهة، كان يدوِّل الصراعات التي كان من الممكن أن تبقى محلية، فقد كان الصراع بين القوى العظمى من أجل النفوذ العالمي يطيل أمد الصراعات المحلية والإقليمية، ويزيد من عنفها في إطار التنافس الثنائي. وكان كل من القوى العظمى يعمل على دعم أحد طرفي الصراع خوفاً من قيام القوى العظمى الأخرى بتدعيم الطرف الآخر، وتحقق بذلك، مكاسب سياسية. وبنفس القدر، سمح الاستقطاب الثنائي للحرب الباردة، للمتصارعين المحليين باللعب على القوى العظمى لمساندة مصالحهم الخاصة (روجومامو، 1997). ومن الجهة الأخرى، كانت القوى العظمى تحد من الصراعات الأفريقية المحلية خوفاً من تصاعدها، فقد كانت كل منها تخشى أن الصراعات داخل مناطق نفوذها قد تسمح للطرف الآخر بفرصٍ للتدخل في حديقتها الخلفية ذات الحساسية السياسية. وهكذا باشرت القوى العظمى بكافة الوسائل نوعاً من أساليب إدارة الصراع لاحتوائه، ولمقاومة التوترات، بما في ذلك فرض التسويات في بعض الأحيان. واستخدموا لاحتواء النظم العميلة وسائل متعددة منها وضع القوات الأجنبية، والتوسع في ضمانات الأمن، ورفض توريد الأسلحة الهجومية أو الحد منها، وفرض الضغوط السياسية، واستخدام المكافآت الاقتصادية، أو التهديد بعقوبات لضمان سلوك معين. وهكذا فرضت القوى الأجنبية نوعاً من الاستقرار المصطنع والشكلي بمساندة أنظمة من الدول العميلة، وهذه هي الطريقة التي نشأ بها عدد من الدكتاتورين، وترعرعوا، وطال بقاؤهم في بلدان العالم الثالث، وأفريقيا بالأخص. وأدى الدعم الأعمى من جانب أطراف الحرب الباردة، للكثير من الأنظمة الأفريقية القمعية، والمكروهة، ببعض الجماعات المضارة إلى القيام بانقلابات، أو بحركات انفصالية متشددة، أو حركات تمرد أو عصيان ضد الدولة. وقد كانت تدخلات الحرب الباردة من القوة بدرجة أنها حركت صراعات داخلية استمرت طويلاً حتى بعد انتهاء الحرب الباردة ذاتها (ليك ومورجان، 1997). وبمجرد انتهاء الحرب الباردة، وزوال الشيوعية كخطر يهدد المصالح العالمية للغرب، فقدت أفريقيا أهميتها في نظر حلفائها السابقين نهائياً، وهذا أدى بدوره، إلى تراخي شبكات التحالفات والتعهدات والاتفاقات التي كانت تربط أغلب الدول الأفريقية بأنظمة الأمن العالمي المتنافسة. وأدى تحلل التحالفات، والمشاركات، وأنظمة الدعم الإقليمية، بالدول الأفريقية الضعيفة إلى حالات من فقدان النظام للاستقرار، فقد انكشفت الطبيعة الهشة للدولة الأفريقية، وعدم استكمال مهمات بناء الأمة والدولة. وبالتدريج بدأت القوى الأجنبية في سحب الدعم عن الأنظمة الأفريقية الأتوقراطية، وما رافقه من دعم مالي، وعسكري، وسياسي، وسرعان ما بدأت الدول التي كانت تعتمد بشكل مبالغ فيه على دعم الحرب الباردة، وهي أنجولا، وموزمبيق، وإثيوبيا، وزائير، والصومال، وليبيريا، في التحلل. كذلك لم تلبث صراعات قديمة كانت مختفية تحت غطاء الحرب الباردة، في الظهور مرة أخرى بعنف متزايد، مع تزايد ضعف الدول، وتوفر الأسلحة الصغيرة والمرتزقة. وأدت الحقائق الجديدة ببعض القادة الأفريقيين، والمثقفين إلى دراسة قواعد السيادة والتدخل الخارجي كوسائل لتسوية المشاكل الداخلية (كيلر، 1997، وهايدن، 1993، ونيانجورو، 1999). وأحد القسمات الأساسية لعصر ما بعد الحرب الباردة في أفريقيا، هي ازدياد عدد وحجم وضراوة النزاعات الداخلية التي عبرت الحدود إلى الدول المجاورة، أو التي تهدد بذلك. وفي كثير من الأحيان، تحدث هذه الأزمات عندما تكون الدول المهددة قد فقدت سيطرتها على أجزاء كبيرة من إقليمها، ولم تعد تحتكر أسلحة القسر. وإلى جانب العدد الكبير من القتلى، نؤدي الصراعات العنيفة في أفريقيا كثيراً، إلى نتائج مرعبة بما فيها تشريد أعداد كبيرة من السكان، وازدياد اللاجئين والهجرة. وتثير بعض الإحصاءات الرعب، ففي عام 1997، كان عدد اللاجئين في العالم حوالي 13 مليوناً، وقدر عدد المشردين داخل حدود بلادهم بحوالي 17 مليوناً. وكان نصيب أفريقيا جنوب الصحراء من هؤلاء 35 بالمائة، أي حوالي 7,5 مليوناً (مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، 1997). وأدى تدخل المجتمع الدولي في مواجهة المآسي المتزايدة الناتجة في الأغلب، عن صراعات داخلية، إلى تآكل قواعد السيادة، وعدم المساس بالتراب الوطني، والتدخل في الشئون الداخلية، بما يسمح بالتدخل الدولي للوصول إلى الجماهير المتضررة داخل حدود الدول. ومن المهم أن نلاحظ أنه خلال مرحلة الحرب الباردة، كان تقسيم الأدوار بين المنظمات الدولية، والإقليمية، وتحت الإقليمية واضحاً، ففي حين كان دور الأمم المتحدة تقليدياً، هو القيام بعمليات حفظ السلام، والمهمات السياسية، فإن دور المنظمات الإقليمية وتحت الإقليمية، كان يركز على الدبلوماسية الوقائية. وكانت هذه العمليات قليلة ومتباعدة، ولكن منذ التسعينيات، شاركت الأمم المتحدة في عدد متزايد من العمليات الكبيرة في الوقت نفسه، مثل عمليات أنجولا، والبوسنة والهرسك، وكرواتيا، وموزمبيق، والصومال. وكان للعبء الكبير الذي تحملته الأمم المتحدة من ناحية التمويل، وتوفير العاملين، والتوقيت لهذه العمليات الكبيرة والعاجلة، أثر في قدرتها على توفير إجراءات تدخل فعالة وعاجلة. وزادت الشكوك في قدرة مجلس الأمن على مواجهة التهديدات للسلام الدولي والأمن، كما بدأ التساؤل حول مصداقية المجلس بصفته السلطة السائدة لضمان السلام الدولي والأمن. وبدأ في الظهور، في السنوات الأخيرة، معيار جديد لإدارة أزمات الأمن الدولي، وهو يتلخص في تحمل الأقاليم وما تحتها نصيباً من المسئولية، والمشاركة في أعباء حفظ النظام لديها، وبذلك تخفف من أعباء الأمم المتحدة في هذا الشأن. وكما سنرى فيما بعد، تقود هذا الاتجاه الولايات المتحدة، التي تطالب الآخرين بالمشاركة في تحمل الأعباء. وأحدث دليل على هذا الاتجاه هو مساندة الولايات المتحدة لدور أكبر "لمسئولية الدفاع الأوروبية"، في مقابل "مسئولية الدفاع الأطلنطية"، وهذه هي المقدمة لمبدأ الأمن العالمي المنتظر. ويتفق مع هذا المزاج الجديد ما تكرر سماعه مؤخراً من عبارة "حلول أفريقية لمشاكل أفريقيا". ومن الجدير بالذكر، أن نكرر أن أهمية أفريقيا ضمن الشواغل السياسية-الاستراتيجية العالمية للغرب قد تراجعت بشكل ملحوظ منذ نهاية الحرب الباردة، وكما يقول بوزان بحق (1991، 435)، لقد أصبح الدور الجيو-استراتيجي لأفريقيا هامشياً من وجهة نظر المصالح الغربية. ويبدو أن أوروبا بالذات قد بدأت توجه اهتمامها إلى مناطق من العالم لها معها ارتباطات ثقافية، واقتصادية، واستراتيجية أوثق، ولعل الاهتمام الشديد الذي يبديه الاتحاد الأوروبي بمشاكل أمن يوغوسلافيا السابقة، في الوقت الذي لا يبدي فيه اهتماماً مماثلاً لأمن جمهورية الكونغو الديمقراطية، وليبيريا، ورواندا، وبوروندي، والصومال، وغينيا، وسيراليون شاهد على ذلك. وبالمثل، يُتوقع أن تحصل دول البحر المتوسط على مزيد من اهتمام الاتحاد الأوروبي والموارد خلال السنوات القادمة، وبالطبع فهذه الدول جيران أقرب من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء، والاتحاد الأوروبي يخشى على أمنه من المهاجرين غير الشرعيين من شمال أفريقيا، ومن شبح الإسلام السياسي في الجزائر ومصر. وليس من الغريب إذن أن نجد القواعد العسكرية الأوروبية في أفريقيا جنوب الصحراء تغلق أبوابها الواحدة بعد الأخرى، ويُطلب من الأفريقيين أن يدافعوا عن أنفسهم (روجومامو، 1999). وعلاوة على ذلك، فقد تدهورت قيمة أفريقيا السياسية كتابع إيديولوجي أو دبلوماسي بالنسبة للغرب، وقد كانت الحرب الباردة قد أوجدت في الماضي مجالاً دبلوماسيا وإيديولوجياً للدول الأفريقية لتعبر عن مصالحها القومية الخاصة. فقد كان الاتحاد السوفيتي حليفاً للدول الأفريقية يعتمد عليه نسبياً في الصراع العالمي ضد الاستغلال الإمبريالي، وفقدان العدالة، والسيطرة الأجنبية، وبالتحالف مع البلدان الاشتراكية في الأمم المتحدة وغيرها من المنابر العالمية، أمكن الاستماع إلى الأصوات الأفريقية، وأصبح لتصويتها قيمة تُطلب لذاتها. وفي السنوات الأخيرة، تبلور اتجاه نحو انعزال القارة الأفريقية، وكان هذا واضحاً في مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة والتنمية؛ وفي المفاوضات من أجل التعاون والتنمية بين الاتحاد الأوروبي، وبلدان أفريقيا، والكاريبي، وبلدان المحيط الهادي؛ وفي دورة أوروجواي للتجارة، حيث لم يجرِ الالتفات إلى احتياجات التنمية الأفريقية بالقدر الكافي. وفي جميع الحالات المذكورة، لم تحظَ قضايا رئيسية ـ مثل فقدان الأمن السياسي، والتخلص من النفايات السامة، والديون الخارجية، والوصول إلى السوق، وأسعار السلع، والمساعدات الخارجية، والآثار العالمية للعولمة، والتصحر ـ إلا باهتمام عابر. ويلاحظ فانتو تشيرو بأن ما زاد من تهميش أفريقيا في تلك الاجتماعات المهمة، كان عجز مندوبيها عن التجمع في شكل مشترك للتعبير عن مطالبهم (تشيرو، 1996،150). وبعد انتهاء الحرب الباردة، ازداد الأمل في أن تتخذ الأمم المتحدة دوراً أكثر توازناً ونشاطاً كصانع للسلام وحافظ له. وقد قدم الأمين العام في ذلك الوقت بطرس بطرس غالي تقريره المعنون "برنامج من أجل السلام" (1992)، وبه توصيات طموحة بشأن دور الأمم المتحدة للتدخل في الصراعات الداخلية، والمساعدات الإنسانية. وفي الواقع، كانت الأمم المتحدة قد تدخلت في العراق لحماية الأكراد من عمليات الإبادة الجماعية من جانب الرئيس صدام حسين، وكانت هذه أول مرة منذ أزمة الكونغو، التي تتخذ فيها الأمم المتحدة موقفاً باعتبار مشكلة داخلية في بلد ما قضية أمن دولي. وبعدها اتخذ مجلس الأمن قرارين بإنشاء محكمتين جنائيتين دوليتين لمحاكمة المسئولين عن جرائم حرب، أو جرائم ضد الإنسانية، أو جرائم إبادة جماعية في يوغوسلافيا السابقة ورواندا. كذلك، أجاز المجلس في 1999 إقامة ما يعتبر محميتين في كوسوفو، وتيمور الشرقية لحماية السكان المحليين. ولكن فشل مهمة الأمم المتحدة في الصومال، التي انتهت في أكتوبر 1993، غيرت سياسة الغرب بشأن التدخل في أفريقيا بشكل جذري، فمنذ ذلك التاريخ، دعت الولايات المتحدة وغيرها من الدول المانحة مجلس الأمن إلى اتخاذ مواقف أكثر انتقائية، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالتدخل في الصراعات الداخلية التي سببت الكثير من الدمار في أفريقيا. وبعد الخبرة المؤسفة في الصومال، انسحب الغرب، وخاصة الولايات المتحدة، بالتدريج من أية جهود لإدارة الصراع في أفريقيا، بل قد ساد شعور "بالتشاؤم من أفريقيا"، و"الإعياء من الصراع". ومن حيتها، كان رد الفعل الضعيف والمتراخي لمجلس الأمن في مواجهة الصراعات الداخلية في بوروندي، ورواندا، وسيراليون، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، انعكاساً لمواقف الولايات المتحدة المتحفظة. وعلاوة على ذلك، فقد أظهر الغرب استعداداً لترضية جوناس سافيمبي عندما رفض نتائج الانتخابات في أنجولا؛ كما اتخذ موقفاً سلبياً من الإبادة الجماعية في رواندا؛ وتردد في مواجهة أزمة اللاجئين في الكونغو الديمقراطية؛ وتمنع عن التدخل عند حدوث انقلابات ضد الحكومات المنتخبة في الكونغو (برازافيل)، وساحل العاج. كذلك، تقبل الغرب حكومات مشكوك في صحة انتخابها، وذات سجل سيئ لحقوق الإنسان، طالما أنها حققت استقراراً مقبولاً من وجهة نظره، مثل إثيوبيا، وأوغندا، والجابون (أوتاواي، 1999). وكما أشرنا من قبل، بدأت في الظهور سياسة ضمنية تشجع ما سمى "الاستجابة في طبقات"، للصراعات الأفريقية، فتقوم المنظمات المحلية والوطنية بالاستجابة أولاً، ثم تتبعها الهيئات تحت الإقليمية ثم الإقليمية، وفي النهاية تأتي استجابة المجتمع الدولي. وبحسب واضعي هذه السياسة، فإن الهدف منها هو تشجيع المبادرات الأفريقية لوضع حلول أفريقية للصراعات الأفريقية، وبناء عليه اتخذت منظمة الوحدة الأفريقية مؤخراً خطوات جريئة لتطوير قدراتها التنظيمية على إدارة الصراعات الإقليمية. ولذلك، فليس من الغريب أن نرى قوات حفظ السلام في سيراليون تعمل تحت علم الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، بدلاً من القبعات الزرق للأمم المتحدة، وبنفس المنطق، اجتمعت الأطراف المتحاربة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، في لوساكا بزامبيا، في يوليو 1999، لتوقيع اتفاقية وقف إطلاق النار كانت جماعة التنمية لأفريقيا الجنوبية هي التي توسطت من أجلها، وبمبادرة منها، مع دور ثانوي للأمم المتحدة. وفي الواقع فأفريقيا هي القارة الوحيدة التي يطلب منها حلفاؤها السابقون في الحرب الباردة أن تنشئ قواتها الخاصة لحفظ السلام والمساعدات الإنسانية (كليفر و ماي، 1995). وتحت تأثير الضربة التي تلقتها الولايات المتحدة في الصومال، ولكي تقلل من تكلفة عمليات التدخل في أماكن غير استراتيجية من العالم، اقترحت الولايات المتحدة فكرة "مبادرة الرد على الأزمات الأفريقية" كاستجابة لما اعتبرته "اضطراب سياسي مزمن في أفريقيا"، وتقضي المبادرة بتدريب وتسليح قوة أفريقية تضم من خمسة إلى عشرة آلاف جندي للتدخل السريع في الأزمات الأفريقية. وليس المطلوب تجنيد جيش دائم، وإنما قوات جاهزة للتدخل يمكن جمعها بسرعة تحت راية الأمم المتحدة أو منظمة الوحدة الأفريقية، ومهمتها العامة هي القيام بمهمات المساعدة الإنسانية، أو حفظ السلام. وهدفها بالتحديد هو توفير القوات لحماية "مناطق آمنة" في مناطق الصراع، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، تحت مهمات الباب السادس من الميثاق. وتعهدت الولايات المتحدة بتوفير المعدات والتدريب، وكذلك مهمات النقل الجوي لضمان سرعة التدخل، وكذلك لرفع كفاءة الاستخبارات والإدارة (فرازير،1997،109-110) ورحبت بالاقتراح بحرارة القوى الأوروبية، وخاصة بريطانيا وفرنسا، وكذلك بعض الدول الأفريقية، وكلفت القيادة الأوروبية للجيش الأمريكي بالقيام ببرامج التدريب العسكري في أفريقيا جنوب الصحراء. وكان الهدف رفع القدرة العسكرية لقوات أفريقية مختارة حتى تتمكن من القيام بعمليات حفظ السلام في حالات الأزمات. ولهذا الغرض أقر الكونجرس قانون حل الصراعات الأفريقية في عام 1994، والذي يتعهد بتقديم المساعدة المادية والفنية لإعطاء القدرة الأفريقية على حل الصراعات الطابع المؤسسي، على أن توضع الموارد تحت تصرف منظمة الوحدة الأفريقية، والمنظمات الإقليمية، والحكومات الوطنية. وكانت الدول المنتظر اشتراكها في هذه القوات هي السنغال، ومالاوي، وأوغندا، وإثيوبيا، ومالي، وغانا. وكان المأمول أن يخلق قيام هذه القوات، الشعور بين الأفريقيين بأن الدول والمنظمات الأفريقية باتت تلعب دوراً نشطاً في إدارة الصراعات وحلها، وأن الغرب لن بتورط، بعد ذلك، في صراعات أفريقية معقدة بلا نهاية. وشككت بعض البلدان الأفريقية، ومن بينها جنوب أفريقيا، ونيجيريا، وتانزانيا، في جدوى المبادرة، باعتبارها مجرد وسيلة لحث الأفريقيين على تنفيذ سياسات وقرارات ليست من صنعهم. وبنفس الطريقة، تنسحب فرنسا ببطء، ولكن بتصميم من أفريقيا، وقد كانت إحدى المهام الاستراتيجية التاريخية لفرنسا هي توفير الدعم العسكري للبلدان الأفريقية التي تتحدث بالفرنسية. وقد قامت فرنسا بدور "الشرطي" في القارة، وذلك بإقامة اتفاقيات دفاع ووضع قوات في عدد من البلدان الأفريقية، منها جمهورية أفريقيا الوسطى، وساحل العاج، وجيبوتي، وجابون، والسنغال، واستخدمت فرنسا قواتها في تشاد، والصحراء الغربية، وزائير. وبهذه الترتيبات استطاع الجيش الفرنسي التدخل في أفريقيا، ما لا يقل عن ثلاثين مرة خلال العقود الأربعة الأخيرة. ولكن، مع توقف الحرب الباردة، لم تعد فرنسا تفضل استخدام قواتها في حل مشاكل أفريقيا الداخلية، بل لعلها كانت من أوائل أعضاء الاتحاد الأوروبي التي اقترحت تكوين قوات تدخل أفريقية خاصة تقوم أوروبا والولايات المتحدة بتجهيزها، وتدريبها، وتمويلها (جي، 1995). وباختصار، تُركت أفريقيا للاعتماد على نفسها، وهذا الأمر مطلوب بالتأكيد، إذ يجب على أفريقيا أن تمتلك الشجاعة والثقة بالنفس التي تمكنها من وضع حد للشلل الذي تعاني منه بعض بلدانها واقتصاداتها، وذلك عن طريق تبني مفهوم التغيير الهيكلي الجماعي. ولهذا المفهوم الجديد للإدارة الدولية للأمن عدة مزايا، ولو نظرياً، أولاً أن الدول الأعضاء في المنظمات الإقليمية هم الذين سيعانون بشكل مباشر من انعدام الاستقرار في منطقتهم، إذ سيتحملون تكاليف العناية باللاجئين، وتوفير مناطق آمنة للثوار، كما أنهم سيضطرون لزيادة الإنفاق العسكري، ويعانون من انخفاض النمو الاقتصادي. أي أنه من مصلحة المنظمات الإقليمية أن تحافظ على السلام، والأمن، والاستقرار في إقليمها، وهذا يقتضي العزم والإرادة على المحافظة على الاستقرار. ثانياً، أن أعضاء منظمة إقليمية معينة، يكونون عادة، أقرب إلى تفهم ظروف الصراع في إقليمهم، لأن لهم نفس الخلفية الثقافية، وقد يتحدثون نفس اللغة، بل قد تكون لهم علاقات شخصية بالقادة المعنيين مما يؤدي لمزيد من التفهم، وقد يؤدي لحوار بناء على أساس من الثقة الشخصية. ثالثاً، أن المنظمات الإقليمية لما لها من معرفة بأوضاع إقليمها، قد تستجيب لأزمة ما وهي في مراحلها البدائية وقبل أن تتعقد الأمور. ومع ذلك، فالرغبة في ضمان الأمن الإقليمي قد لا تقترن دائماً بالقدرة على تحقيقه.

4- إدارة الصراع في أفريقيا 4/1 أسباب الصراع ودوراته كما بينا فيما سبق، تثبت أغلب الصراعات الحالية في أفريقيا أن التهديد الأمني للدول والسكان في الوقت الحالي مصادره اقتصادية، وبيئية، واجتماعية اكثر من كونها عسكرية، أو من خارج القارة. ومنذ بداية التسعينيات أحرزت القارة اللقب المشكوك فيه وهو أنها صاحبة المركز الأول في عدد الصراعات المسلحة، والأزمات المعقدة. وفي التقرير المرفوع لمجلس الأمن عام 1998، شكا الأمين العام كوفي أنان من أوضاع الأمن في أفريقيا، قائلاً: "نشبت أكثر من 30 حرباً في أفريقيا منذ عام 1970، ووقعت أغلبها بين الدول، ففي عام 1996 وحده، كانت 14 دولة من بين 53، تعاني من صراع مسلح، وفقدت أكثر من نصف عدد القتلى بسبب الحرب في العالم، وبلغ عدد اللاجئين، والمشردين، والعائدين أكثر من 8 ملايين شخص. وعرقلت هذه الصراعات كل الجهود الأفريقية لضمان الاستقرار طويل المدى والرخاء والسلام لشعوب القارة....إن منع هذه الحروب لم يعد مجرد هدفه حماية الدول أو الحلفاء، وإنما حماية الإنسانية جمعاء" (أنان، 1998). وكما وضح الأمين العام، لا يمكن اعتبار الصراعات بين الدول في أفريقيا كأنها مجرد انحرافات عابرة عن حالة الاستقرار العادي في المنطقة، ويرى بعض المراقبين أن حالات الصراع المعقدة تنشأ عن مشاكل مزمنة وغير قابلة للحل. ولا ننوي هنا أن ندخل في أسباب الصراعات العنيفة في أفريقيا، ويكفي القول إن مصادر الصراع في القارة معقدة ومتعددة الأوجه، ويتدخل فيها الكثير من اللاعبين، وبذلك يتعذر نسبتها لمصدر وحيد، وقد ساهمت قوى محلية، وقومية، وإقليمية، ودولية في إذكاء كل حرب في المنطقة تقريباً. وتميز أغلب النظريات بين الأسباب الهيكلية للصراعات ("الجذور"، أو "فقدان التوازن")، وبين العوامل المساعدة، أو الدافعة. والعوامل الهيكلية تشمل الظروف السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية مثل قهر الدولة، وانعدام المشاركة السياسية، ونظم الحكم السيئة، وانعدام المساواة في توزيع الثروة، والتكوين العرقي للمجتمع، وتاريخ الخلافات بين الجماعات، وهي جميعاً تزيد من قابلية المجتمع للوقوع في الصراع. أما العوامل المساعدة أو الدافعة، فكثيراً ما تكون عبارة عن أحداث او تطورات سياسية تدفع التوترات الكامنة للظهور والتفاقم، ويمكن أن تتضمن ظهور إيديولوجيات جذرية جديدة، أو قهر جماعات سياسية، أو صدمات اقتصادية حادة، أو تغيرات في السلطة السياسية أو انهيارها، أو سياسات جديدة متحيزة، أو تدخل خارجي، أو انتشار التسلح (أزار، 1990، أزار وبيرتون، 1986، وديفيز وجور، 1997). من المفيد أن نوضح أن الصراعات تنتج عن عدد كبير من العناصر المترابطة، ويشارك في إذكائها لاعبون كثيرون، وقليلاً ما تسير وفق نموذج ثابت يمكن التنبؤ به، ولكن لتسهيل الدراسة، تبنى فريق العمل التابع للجنة مساعدات التنمية في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (1998)، نموذجاً لدورة الصراع يحتوي أربع مراحل. والمرحلة الأولى تسمى "الوضع الطبيعي والسلام"، حيث يبدو البلد في حالة استقرار ظاهري، مع أنه قد يكون معرضاً لنشوب الصراع، وفي هذه المرحلة، يمكن لدراسات تقييم المخاطر أن ترسم السياسات لاتخاذ إجراءات لدعم الاستقرار على المدى الطويل. وتسمى المرحلة الثانية "التوترات المتزايدة"، إذ يبدأ الصراع في الظهور، فتزداد التوترات، والشكوك المتبادلة، ولكن أعمال العنف لا تحدث إلا بشكل متقطع، وهنا يكشف التحليل العوامل الدافعة، ويشير إلى المبادرات الوقائية الممكنة في المدى القصير. وتسمى المرحلة الثالثة "الصراع المكشوف"، وفيها يتخذ العنف مستوى مرتفعاً، وتتعطل (مؤقتاً) الاختيارات السلمية، وتتخذ إجراءات رد الفعل للحد من العنف، وحماية السكان المدنيين. كما تتخذ إجراءات توقعية لتحديد فرص إعادة السلام، ومواجهة عوامل إدامة الصراع. أما المرحلة الرابعة فتدعى "الانتقال لما بعد الصراع"، وفيها توقفت أعمال العنف، ولكن تسود الوضع شكوك سياسية، واقتصادية، واجتماعية، وفيها يحتاج الأمر إلى تحليل التوترات الهيكلية، القديم منها والجديد، ومواجهتها ببرامج إعادة الإعمار، والتنمية طويلة المدى. ولنا بعض الملاحظات على هذا الإطار الشائع الاستعمال. أولا، من النادر أن يجري الانتقال من مرحلة لأخرى بشكل محدد، حتى إن بدا ذلك معقولاً، فأغلب الصراعات تتأرجح بين مرحلة وأخرى على مر السنين. ثانياً، قد تدفع الطبيعة المحددة للدورة، حسب النموذج، إلى التركيز على "معالجة الأحداث" بدلاً من البحث عن بدائل هيكلية لكسر الدورة. ثالثاً، يبعد الشكل المحدد ظاهرياً للدورة الانتباه عن مراحل التحرك من مرحلة لأخرى. ومع ذلك، فالنموذج أداة جيدة لتوضيح ديناميات وضع الصراع بتحديد العوامل الهيكلية الفاعلة، ووضع خطة متكاملة تواجه جميع مراحل دورة الصراع بشكـل منظم (كوستي وجلبرت، 1998).

4/2سجل منظمة الوحدة الأفريقية على الرغم من أن أحد الأهداف الأولية لمنظمة الوحدة الأفريقية هو التعامل مع الصراعات بين الدول الأعضاء، فإن دورها كان بالأحرى كنوع من ردود الأفعال عند التعامل مع التهديد للأمن القومي أو الإقليمي. ولمدة طويلة امتنعت المنظمة، طبقاً لميثاقها، عن التدخل في الصراعات الداخلية، فالميثاق بتكريسه لمبدأ سيادة الدول، وعدم التدخل في الشئون الداخلية، أكد عجز المنظمة عن معالجة أوضاع الحكم السيئ، أو الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. وعلاوة على ذلك، فالهيئات الواردة في ميثاق المنظمة، كانت إما غير معنية، أو عاجزة عن وضع حد للصراعات المسلحة، أو معالجتها، فلجنة الوساطة والتوفيق والتحكيم التي أُنشأت في الستينيات، كانت مقضي عليها من البداية، حيث لم يكن مقرراً لها أن تعالج الصراعات الداخلية. كذلك لم يكن من صلاحياتها منع تفجر الصراعات. فهذه الآلية القانونية كان دورها أن تشجع الدول الأعضاء على التقدم للتحكيم لحل الخلافات بينها، ولكن طول الإجراءات القانونية وارتفاع تكلفتها جعل الكثير من الأعضاء يحجمون عن الالتجاء إليها، وبالتالي لم تُستخدم على الإطلاق، وقد حُلت في عام 1977، وفضلت المنظمة اتباع إجراءات أخرى لحل الخلافات. وعلاوة على ذلك فلجنة الدفاع التي وردت في المادة 20 من الميثاق، لم تُنشأ على الإطلاق. وعلى ذلك، فقد قامت مفوضيات ولجان محددة المهمة من أعضاء منظمة الوحدة الأفريقية، بمسئولية إدارة الصراعات في أفريقيا، لمدة تزيد عن ثلاثة عقود. وقد استخدمت المنظمة، وبعدها تجمعات تحت الإقليمية، المساعي الحميدة لبعض رؤساء الدول، والأمين العام، وبعض الساسة المخضرمين، للوساطة لحل الصراعات، وذلك من باب الدبلوماسية الوقائية. ومن بين هذه الحالات، الوساطة حول خلافات حول الحدود، والمزاعم حول حدوث أعمال تخريبية من بعض الدول ضد دول أخرى، وفي بعض الحالات القليلة، في حروب أهلية. ومن حالات الوساطة الناجحة، كان حل الخلافات بشأن الحدود بين الجزائر والمغرب، وبين الصومال وإثيوبيا، ومؤخراً بين إثيوبيا وإريتريا. ومع ذلك، فكثير من هذه الجهود، لم يكن لها أثر فعال، وذلك يرجع جزئياً إلى أن المنظمة لا تملك آليات قسر، وكل ما تملكه أن تدعو الأطراف المتنازعة أن تحافظ على مبادئ المنظمة. فهي لا تستطيع أن تكون قوات فعالة لحفظ السلام، أو فرض السلام، كما تبين بوضوح في حالة أزمة تشاد في الثمانينيات. وتأكد ذلك في عجزها عن منع أوغندا ورواندا من الاستمرار في احتلال الولايات الشمالية الشرقية من جمهورية الكونغو الديمقراطية منذ أواخر التسعينيات. كان نشاط منظمة الوحدة الأفريقية في مجال حفظ السلام، محدوداً خلال الستينيات والسبعينيات، ولكنها قامت بدور ملحوظ في تعبئة المساهمات العسكرية الأفريقية لقوات حفظ السلام أثناء حملات الإبادة الجماعية في رواندا، وبعدها، قامت المنظمة بإرسال مراقبين عسكريين إلى بوروندي، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، والحدود الإثيوبية الإريترية. وقد قامت كذلك، بإرسال مراقبين للانتخابات في عشرات البلدان، بما في ذلك استفتاءات حول حق تقرير المصير، والإصلاحات الدستورية. وتقوم المنظمة بدور مهم لمنع نشوب الصراعات في أفريقيا بدعمها للعمليات الديمقراطية التي تضمن حل الخلافات داخل المجتمعات المختلفة بطريقة سلمية، وآليات مؤسسية نظامية. ومع تزايد الصراعات بين الدول بشكل كبير خلال التسعينيات، أصبح من الواضح أن أسلوب السبعينيات والثمانينيات لحل الصراعات واحدة بواحدة لم يعد مجدياً، ولذلك أقرت قمة منظمة الوحدة الأفريقية المنعقدة في القاهرة عام 1993، إنشاء آلية منع الصراعات، وإدارتها وحلها. وكانت مهمة هذه الآلية أن تتوقع حدوث الصراعات وتحاول منعها، وأن تشارك في أنشطة تحقيق السلام وبنائه، وفي حالات الصراع العنيف، اتفق على تعاون المنظمة مع الأمم المتحدة في وضع استراتيجية تحقيق السلام. ورغم إعادة التأكيد على مبدأ احترام سيادة الدول، وسلامة أراضيها، ورفض التدخل في الشئون الداخلية، كلفت الآلية بالتعامل مع الصراعات الداخلية في حالة وجود انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، أو فظائع مرتكبة. وكان الهدف من التركيز على الإجراءات المسبقة والوقائية هو محاولة الاستغناء عن إجراءات حفظ السلام الأكثر تعقيداً، والأكثر كلفة، وكما قال أمين عام المنظمة سليم أحمد سليم: "نظراً لأن كل أفريقي مسئول عن أمن شقيقه، ونظراً لأن الحدود بين بلداننا مصطنعة في أغلب الأحوال، فإن علينا، نحن الأفريقيين، أن نستخدم علاقاتنا الثقافية والاجتماعية لتفسير مبدأ عدم التدخل بشكل يسمح لنا باستخدامه لصالحنا لمنع الصراعات وحلها (سليم، 1992، 11-12). وتقوم آلية منع الصراعات وإدارتها، وحلها التابعة لمنظمة الوحدة الأفريقية، حول جهاز مركزي يعتبر الأمين العام والأمانة العامة للمنظمة ذراعه العاملة، وهو يتكون من مكتب (من الرئيس الحالي للمنظمة، ورئيسها السابق، ورئيسها القادم)، وثلاثة أعضاء من كل من الأقاليم الخمس الكبرى في القارة، وهؤلاء يتغيرون سنوياً. وينعقد هذا المكتب دورياً مرة كل شهر على مستوى السفراء، ومرتين في العام على مستوى وزاري، ومرة كل عام على مستوى الرؤساء. وعلى خلاف مجلس الأمن، لا تعكس قرارات الجهاز المركزي القوة النسبية لأعضائه، وإنما تتخذ بالتوافق العام، كذلك لا تأخذ الآلية بمبدأ الأعضاء الدائمين (أي القوى الإقليمية الرئيسية) والأعضاء غير الدائمين، فمبدأ المساواة المطلقة في السيادة هو السائد. وعلى الرغم من قيامه بمهمات مجلس الأمن من مراقبة أوضاع الأمن في القارة، واتخاذ القرارات المناسبة للمحافظة عليه، فإن الجهاز المركزي لا يملك القوة الجماعية لتنفيذ قراراته أو فرضها. ويتضح الضعف المؤسسي للجهاز المركزي عندما نجد أن تدخل منظمة الوحدة الأفريقية في بوروندي فشل لمعارضة حكومتها له، وأن منظمة يونيتا لم تنفذ اتفاق السلام الذي وُقع في لوساكا، وأن جزر القمر رفضت توقيع العقوبات التي فرضتها المنظمة على العصبة الانفصالية في أنجوان. وفي نظرة عامة على الأمور، نحد أن النجاح المحدود لآلية منع الصراعات وإدارتها، وحلها، يعود إلى الضعف الهيكلي للدول الأفريقية مجتمعة ومنفردة، وكذلك للضعف التنظيمي للجهاز المركزي التابع لمنظمة الوحدة الأفريقية. نجحت أغلب مبادرات الأمن الجماعي المتكاملة في أنحاء العالم المختلفة، اعتماداً على وجود قيادة قوية وذات عزيمة، وهـي ما يصفه روبـرت كيوهانه (1980) "بنظرية الاستقرار السيادي"، بمعنى وجود نواة إقليمية يمكن أن تعمل كقوة دافعة لتنمية ترتيبات أمنية مستقرة. وعلى أعلى المستويات، يكون القادة على استعداد لتحمل العبء الأكبر في برنامج الأمن الجماعي، وفي ضرب المثل في الامتثال لقواعد النظام وإجراءاته، حيث يكون ارتباطهم بهذا النظام، وقدراتهم، ووثوقية الاعتماد عليهم بلا مطعن. وفي المستوى الأدنى، تعني القيادة السيادية الاستعداد والقدرة على تقديم مزيج من الحوافز الإيجابية والسلبية لأعضاء النظام الأمني بما يضمن امتثالهم. وتدعم القوة الاقتصادية والاستقرار السياسي للقائد السيادي، على سبيل المثال، الحيوية الاقتصادية للإقليم واستقراره السياسي، كما ينمي روح التعاون بدفع البلدان الأضعف أو الأقل رغبة مع الجماعة، لأن البعض قد لا يكونون قادرين على السير مع البقية بنفس السرعة. ويمكن افتراض أن مجموعة إقليمية، أو تحت إقليمية تكون أكثر كفاءة وفاعلية في ظل قيادة سيادية من جماعة أكثر عدداً، فهي توفر ظروف "توافق القيادة" حول القضايا الحساسة مثل "نقط التدخل" في إدارة الصراع، وأساليب التحرك، والتعاون والتنسيق مع بقية الشركاء من أعضاء منظمة الوحدة الأفريقية. ومثل قواعد التحرك هذه، تضمن كفاءة الجماعة الأكبر (أيوب، 1995، وكوبشان وكوبشان، 1991). ومن الناحية العملية، فإن المساواة بين كيانات كاملة السيادة، كانت دائماً أسطورة محبوبة في مجال العلاقات الدولية، ولكنها لم تكن حقيقة أبداً، لأن هنالك دوماً قوى أكثر سيطرة من غيرها، ولذلك كانت مكلفة، صراحة أو ضمناً، بمسئولية فرض الامتثال للنظم المتفق عليها. ومن الأمثلة البارزة على نظم للتعاون المبني على القيادة السيادية الناجحة في أيامنا هذه، دور الولايات المتحدة في الناتو، وألمانيا في الاتحاد الأوروبي، وجنوب أفريقيا في الاتحاد الجمركي لبلدان أفريقيا الجنوبية. وبنفس المنطق، يمكن لجنوب أفريقيا، ونيجيريا، ومصر، وأنجولا أن تلعب هذا الدور الاستراتيجي في نطاق منظمة الوحدة الأفريقية، بصفتها أعضاء دائمين في الجهاز المركزي، وكذلك في أجهزة الأمن والدفاع المناظرة في المنظمات تحت الإقليمية الخاصة بكل منهم. ومن المنطقي أن الدول التي تتحمل عبء عمليات السلام، يكون لها وزن أكبر في اتخاذ القرار يتناسب مع هذا الدور. ومن المفهوم، أنه في غياب إرادة جماعية قوية، وقدرة كافية على التدخل في نطاق منظمة الوحدة الأفريقية، قامت بعض المنظمات تحت الإقليمية، بل بعض الحكومات الأفريقية، بتخطي آلية منع الصراعات وإدارتها، وحلها. والتدخلات التي حدثت مؤخراً من جانب بعض الحكومات الأفريقية في بلدان مجاورة لإعادة الحكومات الدستورية، أو وقف التهديدات للسلام، أو لفرض السلام دليل على العجز المؤسسي لمنظمة الوحدة الأفريقية. وعلاوة على ذلك، ففي غياب جهاز قوي لاتخاذ القرارات داخل المنظمة، فقد عجزت عن التدخل الفعال في بعض البلدان الكبيرة مثل أنجولا، والسودان، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، بل لقد عجزت حتى عن وضع خطط فعالة لإدارة الصراع في هذه البلدان الثلاثة الموبوءة به. يقوم الأمين العام لمنظمة الوحدة الأفريقية، ومركز إدارة الصراع بدور السكرتارية للآلية، كما يقومون بدور وكالة التنفيذ، وقد أُنشئ مركز إدارة الصراع ليقوم بدور جهاز الدراسة للآلية، وإلى جانب ذلك، وبصفة خاصة ليزيد من فعالية المنظمة. وفي هذا السبيل، استخدم المركز عدداً من المستشارين لرفع قدراته التحليلية، وذلك من خلال بعض البرامج الممولة من الخارج. وفضلاً عن ذلك، ولتسهيل عمل مركز إدارة الصراع، سمحت آلية منع الصراعات وإدارتها، وحلها بإنشاء نظام للإنذار المبكر يغطي القارة بأكملها، وينتظر أن يقوم هذا النظام، عند اكتماله، بتوفير معلومات مبكرة دقيقة وموثوقة عن أي صراعات محتملة، ويساعد الخبراء على اقتراح الردود الممكنة المختلفة. ويجب التنسيق بين نظام الإنذار المبكر، والمعلومات هذا وبين مثيلاته في التجمعات تحت الإقليمية، كما يجب أن تبنى شبكات التحكم في الصراعات على مستوى القارة بشكل يسمح بضبط الجهود الجماعية، والتنسيق بينها. ولكن يجب أن نؤكد أن التجاوب السريع والحاسم مع الأزمات في أفريقيا، سيتوقف لحد كبير، على تكوين الجهاز المركزي وهيكله. وإلى جانب مركز إدارة الصراع، أنشأت آلية منع الصراعات وإدارتها، وحلها صندوقاً للسلام تابع لمنظمة الوحدة الأفريقية، لدعم جهود المنظمة لإدارة الصراعات، ويمول الصندوق بنسبة خمسة بالمائة من ميزانية المنظمة، إلى جانب التبرعات الطوعية من الدول الأعضاء، ومن المصادر داخل أفريقيا. كذلك يمكن للأمين العام أن يقبل تبرعات من مصادر خارج أفريقيا بعد موافقة الجهاز المركزي، ووفقاً لمبادئ الميثاق. ويحتاج الأمر إلى النظر على وجه الاستعجال في موضوع صندوق السلام حتى يمكن وضع استراتيجية لتعبئة الموارد، كما يجب أن تتضمن الخطط المستقبلية دراسة شاملة لتكلفة أنشطة تسوية المنازعات، وإعادة التعمير، وهي غير واضحة في الصلاحيات الحالية لصندوق السلام. وفضلاً عن ذلك فالآلية تتطلب من منظمة الوحدة الأفريقية أن تنسق جيداً مع الأمم المتحدة في المحافظة على السلام، والأمن، والاستقرار في القارة. وهنالك عدد من الاقتراحات العملية للتعاون والتنسيق بين المنظمتين، ومن بينها المساعدة الفنية، وتبادل الموظفين، ومكاتب الاتصال، والمهمات المشتركة، وتدريب القوات، وخزن المهمات مسبقاً. ومع ذلك، فكما يقول ريتشارد جوزيف (1997)، فإنه بالرغم من العبارات الدبلوماسية المنمقة التي تحفل بها أغلب الوثائق، فإنه لا توجد حتى الآن، رؤية مشتركة، متفق عليها لمشاركة نشطة، وتعاون، وتنسيق في الاستجابة للصراعات المسلحة في أفريقيا. وفي حين يتفق الطرفان على "التشاور، وتبادل المعلومات، وتنسيق التحرك المشترك"، فإن هناك حاجة للاتفاق على تفاصيل تحقيق هذه الأهداف، وعلى أفريقيا أن تتخذ المبادرة، ولا تتوقع أن تصلها هذه الهدايا "على طبق من الفضة". وعلى أفريقيا أن تتجنب القيام بتوزيع الأدوار والمهام على المنظمات الإقليمية، وتحت الإقليمية، تكون غير واقعية من ناحية، ومن الناحية الأخرى تعفي المجتمع الدولي من مسئوليته الأساسية عن الأمن والسلام العالميين. ومنذ إنشاء آلية منع الصراعات وإدارتها، وحلها، اتخذت منظمة الوحدة الأفريقية عدداً كبيراً من الإجراءات التمهيدية والمبادرات تهدف إلى توقع الصراعات في القارة الأفريقية، ومنعها، ومن بينها وضع نظام الإنذار المبكر (ما زال في المراحل الجنينية)، وقدرة على التحليل تمكن المنظمة من الإلمام مبكراً بمواقف الصراع المحتملة. وكذلك، جرت عدة جهود دبلوماسية وقائية بإرسال مبعوثين خـاصيـــن لمناطق أزمات (مثل جزر القمر في عام 1997، والكونغو برازافيل في عام 1993، وإثيوبيا- إريتريا عام 1998، وساحل العاج عام 2000)، وكذلك عدد من التحركات المحدودة لاحتواء صراعات. ولكن، كما أوضحنا من قبل، فنظراً لضعف المنظمة تنظيمياً وهيكلياً، لم يتحقق نجاح كبير. ويأسف أمين عام المنظمة لهذه الأوضاع قائلاً: "...كثيراً ما بحثنا عن منظمة الوحدة الأفريقية لتتدخل بطريقة بناءة في موقف صراع، فلا نجدها، فإذا وُجدت، نتبين أنها غير مجهزة للتدخل الفعال" (سليم، 1992). وقد قام عدد من الدول الأفريقية، والمجتمعات المدنية، والمنظمات غير الحكومية الدولية، منذ التسعينيات، وقد شعرت بالإحباط بسبب سجل الأمم المتحدة و منظمة الوحدة الأفريقية، في حفظ السلام، بتولي مزيد من المسئولية عن إدارة الصراعات، بهدف خلق بيئة يكون فيها السلم والاستقرار، والديمقراطية هو القاعدة. وعلى المستوى تحت الإقليمي، قامت تنظيمات التعاون والتكامل الاقتصادي مثل "إيكواس"، و"سادك"، و"إيجاد"، بمزيد من التعاون من أجل الأمن، وإدارة الصراع، وقد عدلت معاهدات وبروتوكولات تكوينها بالتدريج، لتشمل تدابير لضمان السلم والاستقرار الإقليمي. وكما حدث في حالة منظمة الوحدة الأفريقية، تحولت المنظمات الاقتصادية تحت الإقليمية، من تدابير إدارة الصراع الفردية، إلى التوجهات والتدابير النظامية، وهي تختلف كثيراً فيما بينها من حيث الاستعداد والقدرة على لعب دور أمني جماعي. وهكذا، ففي عملية تعلم، ومراعاة للظروف السياسية الدولية، أضيفت كثير من القضايا السياسية الخلافية، إلى مجال التعاون والتكامل، الأمر الذي أطلق عليه أساتذة التكامل الوظيفي الجديد التعبير "النتائج الجانبية" (كابورازو، 1970). وكانت أول التدابير المؤسسية لضمان الأمن تحت الإقليمي في غرب أفريقيا، هو بروتوكول بشأن التعاون المتبادل في شئون الدفاع وُقع في 1981، وجاء تكوين فريق إيكواس للرصد "إيكوموج"، في أغسطس 1990، كاستجابة مباشرة للوضع الأمني المتدهور في المنطقة. وفي أقل من عقد من الزمان، استدارت "إيكوموج" من حفظ السلام وفرضه في ليبيريا، إلى التدخل الإصلاحي في سيراليون وغينيا بيساو. وفي يونيو 1996، أضيف إلى معاهدة "سادك"، جهاز السياسة والأمن والدفاع، وتحت هذه المظلة قامت جنوب أفريقيا وبوتسوانا بإفشال انقلاب في ليسوتو باستخدام الضغط الدبلوماسي، والتهديد بالعقوبات الاقتصادية، والقيام بعملية تدخل لمدة سبعة أشهر، لوقف التدهور الأمني في هذه الدولة العضو في "سادك". وتدخلت زيمبابوي، وأنجولا، وناميبيا تحت نفس هذه المظلة، في جمهورية الكونغو الديمقراطية، ولكن دون تحقيق نفس النجاح. وتولت هيئة التنمية بين الحكومية "إيجاد"، دور إدارة الصراع بالوساطة بين حكومة السودان والجيش الشعبي لتحرير السودان. ولكن، كما لاحظ بعض المراقبين، فإن التدخلات التحت- إقليمية في اتجاه السلام والأمن في أفريقيا، لا تضيف إلا القليل من الإمكانيات لإدارة الصراع، فالتحالفات الإقليمية وتحت الإقليمية بين الدول ذات القدرة والإرادة لا تملك ما يمكنها من تحقيق الأمن في القارة دون الدعم المستمر من جانب منظمة الوحدة الأفريقية، والمجتمع الدولي (هتشفول 1999، وآننج 1999).

5- الطريق إلى الأمام وكما أشرنا من قبل، ففي حين نشبت في أفريقيا، في الفترة بعد نهاية الحرب الباردة صراعات أكثر من أي منطقة أخرى بالعالم، فإن اهتمام الولايات المتحدة وأوروبا بها قد غدا هامشياً، فما الذي تستطيع أفريقيا أن تحققه لنفسها؟ وكيف يمكن لمنظمة الوحدة الأفريقية، والأمم المتحدة تحقيق رؤية مشتركة لمشاركة فعالة، وتعاون وتنسيق في الاستجابة لحاجات القارة من أجل السلام، والأمن، والمساعدات الطارئة، والتعمير، والتنمية؟ وما هو الدور التكميلي الذي يمكن للمنظمات تحت الإقليمية أن تلعبه للمحافظة على السلام والاستقرار في منطقتها؟ وكيف يمكن للمنظمات تحت الإقليمية أن ترفع من قدرتها الداخلية على الاستجابة المسبقة والفعالة للصراعات المسلحة؟ وسنحاول فيما يلي الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها.

5/1 إشارات الإنذار المبكر والتحرك الوقائي يمكن نظرياً تحديد دورة الصراع بالتعبير: سلام-صراع-حل، ولكن الأمور تكون، في الواقع، أكثر تعقيداً مما يظهر عادة. وكما سبق أن أشرنا، فحتى في وقت السلم النسبي، يمكن أن تتدهور الأوضاع في بعض البلدان إلى احتمال انفجار الصراع العنيف، ورغم أن هناك مراحل واضحة للصراع إلا أنه ليس من الضروري أن تسير بالترتيب النموذجي. وهنالك عدد من العناصر التي تحدد ما إذا كان الصراع في تزايد، أو في تناقص، أو أنه يسير بوتيرة ثابتة، مما يعني أن انتقال الصراع من مرحلة لأخرى ليس بالضرورة نتيجة لحدث محدد في لحظة الانتقال. ومنع الصراعات هو بالأساس عملية طويلة المدى، وهي تحتاج إلى استراتيجيات وسياسات طويلة المدى تمنع ظهور الظروف التي أدت لتفاقم الصراع في المقام الأول. واتباع هذه السياسات والاستراتيجيات أمر جوهري للبلدان والمجتمعات التي تريد الحد من قرص تفاقم الصراعات في المدى البعيد، ومن المهم التأكيد على بناء التحركات المخططة جيداً لمواجهة الأسباب العميقة للصراع، على أساس تحليلات مسبقة دقيقة، ويمكن الوثوق بها. والإنذار المبكر الفعال يجب أن يبنى على المعلومات التاريخية، والاجتماعية، والسياسية، والإنسانية، حتى يمكن التنبؤ بديناميات الصراع المعين، والوسائل اللازمة لمواجهته بفعالية قبل أن يصل إلى مرحلة الأزمة. ونظام الإنذار المبكر الفعال يحتاج إلى التغلب على مشكلتين أساسيتين وهما: مشكلة المعلومات، وتعني الحصول على المعلومات الموثوق بها كماً وكيفاً في الوقت المناسب، والتحليل السليم الذي يتجنب إساءة الفهم، أو إساءة تقدير احتمالات تفاقم الصراع أو تراجعه، أو أثره على مصالح الأطراف المختلفة، أو المخاطر المحتملة في حالة التحرك أو اتخاذ موقف سلبي. وتظهر الحاجة إلى المتخصصين والتكنولوجيات الملائمة (جورج وهول، 1997)، وهذا يعني أنه على منظمة الوحدة الأفريقية، وكذلك المنظمات تحت الإقليمية، أن تعبئ باحثين لهم القدرات المناسبة للمراقبة والتحليل، وكذلك توفر التكنولوجيات التي تسمح بالوصول إلى المعلومات المتاحة على نطاق العالم. وتحليل الإنذار المبكر يتيح نظرة متعمقة للصراعات النامية، ويقترح أساليب المواجهة، ويحول هذه التحليلات، والتدخلات المقترحة، إلى الأجهزة الحساسة المكلفة بالقيام بالتحرك الوقائي. والأهمية الاستراتيجية لمنع الصراعات، تجعل من الأفضل المشاركة في تحليل أهم القضايا محل النزاع، بين عدد كبير من الأطراف المعنية. ويلعب الإنذار المبكر دور التحرك الوقائي، عندما يُشرك فيه أطراف الصراع بهدف استخدامه كوسيلة لحثهم على التخفيف من حدة تصرفاتهم المثيرة للنزاع، أو عندما تُشرك فيه هيئة سياسية من سلطتها اتخاذ القرار، بحيث يمكنها البدء فوراً في تحرك وقائي. عندما يتماسك الأفراد أو الجماعات في وضع صراع خطير، ويعتقدون أن الخلاف بينهم غير قابل للحل، تسود بينهم مستويات عالية من التوتر وعدم الثقة، وتمنع مشاعر القلق والغضب أي حوار بناء، أو تقارب. وفي هذه الحالة، يمكن لتدخل طرف ثالث أن يؤثر على مسار أي صراع حاد منظم بأكثر من طريقة، وفي هذه المرحلة المتقدمة، يجب أن تُستدعى الدبلوماسية الوقائية لتحول بين تحول الخلافات القائمة من التحول إلى صراع حاد، أو منع هذه الصراع من التوسع إذا بدأ. وكما يلاحظ جورج وهول، فإن الدبلوماسية الوقائية هي آلية حفظ السلام المطلوبة أكثر من غيرها، والأقل تكلفة: "قد يثور الخلاف بشأن "تحديد مجال الدبلوماسية الوقائية"، وكذلك حول مدى فائدة هذه الآلية أو الاستراتيجية أو تلك المستخدمة في موقف معين،...ولكن لا خلاف حول الأهمية المركزية للحصول على إنذار في الوقت المناسب بشأن الأزمات البادئة أو التي تتطور ببطء، إذا ما كان للدبلوماسية الوقائية أن تؤثر" (جورج وهول،1997،1). ولكن عندما تصبح أوضاع الأزمة واضحة، يجب النظر في التدابير الوقائية وتنفيذها على وجه السرعة، فالتدابير المناسبة وفي الوقت المناسب، قد تنجح في وقف العوامل الدافعة نحو المواجهة المفتوحة، والصراع الكبير. ويدخل عدد كبير من الأدوات للوساطة وحل الصراعات، تحت باب التحرك الوقائي، ومنها الدبلوماسية الوقائية، والوساطة، والتدخل العسكري. وهنا من الضروري تدخل طرف ثالث، وسيط من خارج البلاد، رجل حكيم يقبله الجميع، ويحسن هنا، اللجوء للمساعدات الإنسانية إذا أمكن للمساهمة في دفع الجهود. وفي بعض الحالات الخطيرة، يحتاج الأمر إلى فرض وقف شامل لإطلاق النار حتى يمكن وصول المساعدات الإنسانية لضحايا الحرب، والمشردين. وعلى الرغم من أهمية الإجراءات قصيرة المدى وضرورتها، فلا بد من التركيز على التدابير طويلة المدى لبناء السلام، ويجب التنسيق بدقة بين تدابير منع الصراعات، ومبادرات حل الصراع، وإقامة السلام، إذا كان لها أن تلعب دورها في مساندة الجهود الأخرى. وفي التحليل الأخير، يجب أن تتجه جميع الجهود نحو الجذور العميقة المسببة للصراع. ويمكن النظر إلى عملية الوساطة كأحد أشكال عملية بناء الثقة، وتنبع ثقة المتخاصمين من نوقع الحياد والعدالة من جانب الوسيط. ويجب إشراك أفراد من المجتمع المدني في جميع مراحل المفاوضات بقدر الإمكان، على أن يشتركوا في جميع الإجراءات، فوزنهم الأدبي قد يلعب دوراً مهماً في النتيجة النهائية للمفاوضات، وكذلك في تنفيذ الاتفاق. ويجب أن تكون أي وعود مقطوعة، أو مكافآت للأطراف، أو تأكيدات، مقبولة على علاتها. وعندما يبدي الوسطاء تحيزاً لمصلحة طرف ما، أو ضد طرف آخر، فإنهم يفقدون الثقة الواجبة، ويخربون العملية. وكما تثبت الخبرة فإن الوساطة عملية محفوفة بالمخاطر وليس هناك ضمان للنجاح، وما يتحقق بجهود مضنية قد يتبدد في لحظة كما حدث في جهود الوساطة من جانب منظمة الوحدة الأفريقية، في قضية رواندا في أروشا في أوائل التسعينيات. فجهود منع الصراع وبناء السلام يجب أن تكون متماسكة، وشاملة، ومتكاملة، وموجهة نحو جذور الصراع، لكي تكون فعالة، ودائمة الأثر. وتكامل جميع الأدوات السياسية (دبلوماسية، وعسكرية، وتعاون في التجارة، والتنمية) بناء على أهميتها النسبية، شرط لضمان التماسك والتنسيق. وعلاوة على ذلك فمحاولات منع الصراع يجب أن تأخذ في الاعتبار إمكانيات التعاون الدولي ونقاط ضعفه، فأجهزة الأمم المتحدة، والمنظمات الإقليمية وتحت الإقليمية، والبلدان المجاورة، لها جميعاً أدواراً مهمة تلعبها.

يقول جنتلسون (2000، 1): "لا يمكن التشكيك في دور الدبلوماسية الوقائية...تحرك مبكراً لتمنع الخلافات من التفاقم، أو المشاكل من التعقد. خفف التوترات التي قد تؤدي إلى الحرب إذا تعقدت. تعامل مع خلافات اليوم قبل أن تصبح أزمات الغد." ومع عدم التشكيك في دورها، فإن سجل الدبلوماسية الوقائية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، كان، في أحسن الفروض، غير مشجع. ويجب أن نؤكد أنه حتى عندما كانت المعلومات والتحليلات متوفرة لدى راسمي السياسات، فإن الاستجابة السريعة لم تحدث، فالمعرفة بقرب حدوث صراع لم تؤدِ دائما إلى الإرادة السياسية للتحرك. وتدل الخبرة الأخيرة بوضوح، أن القرار بالتدخل في صراع معين، كان في الأغلب، مبنياً على حسابات الدول الأعضاء عما يحقق لها المصلحة الوطنية الأكبر. والإرادة السياسية الكافية هي الرباط الضروري بين المعرفة والتحرك، وهكذا، فالأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الأفريقية، لم تتمكنا من تعبئة القوة الدولية لمنع تفاقم الصراع في الكونغو برازافيل وجزر القمر رغم وجود علامات إنذار موثوق بها. فلكي يكون الإنذار المبكر مجدياً، يجب أن يساعد على خلق الإرادة السياسية، والقدرة على التحرك على المستويين الوطني والدولي. وهناك عدد من التدابير السياسية التي يمكنها أن تضمن فعالية التحرك السياسي العاجل، ومنها تدعيم التنسيق والتعاون، ووضع إجراءات للطوارئ، وتسهيل إجراءات الميزانية لتمويل التحركات الوقائية.

5/2 الصراع العنيف، والوساطة، وحفظ السلام وعند تحول الصراع إلى مرحلة المواجهة العنيفة، يجب بذل الضغط الدبلوماسي وغبره من الموارد، لتحقيق التخفيف العاجل والفعال للصراع والسلام، وشرط النجاح لتدخل طرف ثالث هو حدوث درجة معينة من "النضج" للصراع، بمعنى أن الصراع قد غدا ناضجاً للحل. وهذا يحدث عادة عندما يصل الوضع إلى ما تدعوه الأدبيات مرحلة مأزق التوقف المؤلم، حيث يشعر كل من الطرفين أنه لن يستطيع كسب أية ميزة باستخدام القوة، ويبدأ في دراسة الاختيارات الأخرى. وتتميز هذه المرحلة بشعور الجانبين بأن تكلفة المواجهة المستمرة تزيد عن تكلفة الوصول إلى حل بالتفاهم. ويعني النضج الوصول إلى حالة من التساوي في القوة بين الطرفين، حتى إذا كانت مصادر القوة لديهما مختلفة، فعندما تمنع قوة كل من الطرفين الهزيمة، ولكنها لا تحقق النصر، يتحقق مأزق التوقف المؤلم الذي يساعد على حل الصراع. وهذا شرط ضروري، ويجب ان يستغله طرف ثالث بأمل التدخل لحل الصراع بنجاح (زارتمان، 1989)، ولكنه يضيف أن مأزق التوقف المؤلم، يصبح ملتبساً في حالة الصراع متعدد الأطراف والأبعاد، مثل ما حدث في الصومال، وفي الكونغو الديمقراطية، حيث قد يشجع على التخلي، وقد ثبت أن المفاوضات الجادة، تصبح ممكنة عندما يفوق الخوف من استمرار القتال الخوف من الوصول إلى اتفاق. وبعد الاتفاق على السلام، تغدو المهارة في التنفيذ، والمرونة السياسية، أكثر حيوية. ومن المفهوم، أن المخاوف الأمنية تصل إلى قمتها في مرحلة التنفيذ، فالاتفاقيات التفاوضية كثيراً ما تكون هشة، وصعبة التنفيذ، ويخشى كل من أطراف الصراع الغش من جانب الطرف الآخر، ولذلك، يجب على الوسطاء أن يتصرفوا بخيال واعٍ لتشجيع جميع الأطراف على الحفاظ على الاتفاق، وذلك يخلق بيئة تدعم ارتباط كل من الجانبين بتعهداتهما. وقد أدخلت دائرة التنمية الدولية قي المملكة المتحدة (1995) التعبير "إطار المعنيين" إلى أدبيات إدارة الصراع، وهذا الإطار يوفر خريطة للمعنيين الأساسيين، وعلاقتهم بجذور الصراع، والعلاقات فيما بينهم، وبرنامج كل منهم وقدراته، والجهود الجارية لإقرار السلام. والتحليل المبني على هذه الخريطة، يبين النقاط المناسبة للتدخل من أجل بناء السلام، وكذلك الأخطار المحتملة، و"المفسدين"، وهي تشير أيضاً، إلى الجماعات التي قد تحتاج إلى دعم أو مساعدة. وهذا يمكّن من وضع استراتيجية مشاركة لبناء السلام مؤسسة على مصالح المعنيين الأساسيين وقدراتهم، وتعطيهم أدواراً ملموسة. وبعد الوصول إلى الأسباب العميقة للصراع، واتجاهاته، واللاعبين المعنيين، يجب تحديد الأهداف لاستراتيجية لبناء السلام. ويحتاج الأمر لمواجهة الأسباب العميقة للصراع بطريقة شاملة تأخذ في الاعتبار الترابط بين الأدوات الأساسية وهي الدبلوماسية، والتعاون من أجل التنمية، والتجارة، والمالية، والعسكرية، والهدف هو تحقيق أكبر قدر من التماسك والانسجام بين الأنشطة المختلفة. وبعد عملية التخطيط، تبرز استراتيجية للصراع للبلد المعني، وهي تبين القضايا الاستراتيجية الرئيسية، وتحدد الأهداف المتتابعة، من المستوى الكلي إلى الجزئي، ومن المدى القصير إلى المدى الطويل. وتحدد هذه الاستراتيجية كذلك، الأدوات الأساسية، واللاعبين المهمين، كما تحدد إطاراً زمنياً واقعياً، والموارد اللازمة. وقبل كل شيء، يجب أن تحدد استراتيجيات منع الصراع وبناء السلام، برامج ومشروعات ملموسة وقابلة للتنفيذ، موجهة لحل مشاكل معينة. وعمليات حفظ السلام هي آليات عملية الغرض منها التدخل لمنع الصراع من التفاقم، وخلق بيئة مناسبة للتسوية السياسية، ووفقاً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، تتخذ عمليات حفظ السلام أحد شكلين: إما مهمة مراقبة عسكرية، وإما قوة حفظ السلام الكاملة. وفي الحالة الأولى، ترسل قوة عسكرية غير مسلحة لمنطقة الصراع لمراقبة وقف العمليات العسكرية بعد اتفاق الجانبين على وقف إطلاق النار. وفي الحالة الثانية، تستخدم قوات عسكرية، أو شيه عسكرية، لأداء مهمات موسعة لحفظ السلام، وتقوم هذه القوات، التي قد تضم آلاف الجنود المسلحين، بفرض السلام عن طريق إقامة مناطق عازلة لفصل الفوات المتحاربة، والإشراف على انسحاب القوات الغازية من المنطق التي احتلتها أثناء القتال. وفي بعض الحالات يكفي التهديد باستخدام القوة لوقف القتال، كما حدث في حالة قوات المهمات المتحدة في تدخلها المبكر في الصومال. وعلاوة على ذلك، فعمليات حفظ السلام تحتاج إلى صلاحيات دقيقة ومحددة للعمليات يمكن ترجمتها إلى أعمال محددة على الأرض لتحقيق أهداف واضحة، وتأخذ هذه الصلاحيات في الاعتبار ضرورة أن تنفذ القوات مهمتها بشكل محايد، وأن تعمل بموافقة جميع أطراف الصراع. كذلك يجب أن تحدد هذه العمليات في إطار الموارد التي يرتبط المجتمع الدولي بتوفيرها. وقبل كل شيء يحتاج حفظ السلام إلى مجموعة من المهارات والخبرة، من بينها ضبط النفس، والقدرة على التفاوض، والوساطة والارتباط. ولا توجد خطط جاهزة لبناء المجتمعات بعد الحرب، فعلى الرغم من التشابه الكبير للتحديات التي تواجه أغلب المجتمعات بعد الحرب، فإن السياق السياسي، وتركيب القوى المؤثرة، والمؤسسات، فريدة في كل حالة. وليس من الممكن تكرار سياسات ثبت نجاحها في حالة معينة، على حالة أخرى، ولكن من الممكن بالطبع، تعلم دروس النجاح والفشل السابقة. وعملية يناء السلام الشاملة، يجب أن تبدأ عادة بمناقشة الخلفيات لمحاولة الوصول إلى الجذور العميقة للصراع، ثم يُرسم إطار استراتيجي للبلد و/أو الإقليم يحدد التوجه طويل الأمد لمواجهة دورة الصراع الكاملة. وهذا الإطار يبين علامات الطريق لعملية تحويل الصراع على المدى الطويل، وهو يحدد مجموعة كاملة من الأنشطة الهادفة لإقرار السلام والمحافظة عليه، عن طريق وضع التدابير لدعم اتفاق سلام بعد انتهاء الصراع. وهو يعمل على تغيير المناخ السياسي، والمؤسسي، والاجتماعي، والاقتصادي الذي قام فيه الصراع العنيف. وبعد الاتفاق على السلام والتوقيع على ذلك، يحتاج الأمر إلى المساعدة الدولية المنسقة لمراقبة وقف إطلاق النار؛ وتسريح القوات المتقاتلة؛ وإنشاء شرطة مدنية؛ وإعادة بناء الإدارة المدنية، وخلق آليات للمشاركة في الحكم؛ وإعادة سلطة الفانون، وسلطة قضائية فعالة وشرعية؛ وتدعيم المجتمع المدني؛ وإعادة التعمير الاقتصادي والنفسي. وفي القلب من عملية بناء السلام، إقامة حوار سياسي وطني واسع القاعدة ومستدام، يحاول الإجابة على القضايا الحساسة المتعلقة بأشكال التمثيل السياسي، واقتسام السلطة، وتضميد جراح المجتمع، وأخيراً أبنية الحكم والمجتمع.

5/3 التصالح، وإعادة التعمير، وبناء السلام عادة ما تكون عملية المصالحة وإعادة التعمير طويلة، وشاقة، ومكلفة، فالحكومة الجديدة ستحكم شعباً مصدوماً، واقتصاداً مدمراً، مع توافر الأسلحة الصغيرة، وجهاز حكومي مفكك، وإقليماً مزروعاً بالألغام الأرضية. وينظر إلى إصلاح العلاقات، وإعادة الثقة بوصفهما من أول التحديات التي يجب مواجهتها في مجتمعات ما بعد الحرب، فالعلاقات يجب علاجها حتى لا تكون ذكريات الماضي المرة، عقبة في سبيل بناء المستقبل. وهذا لا يعني إعادة الماضي، وإنما يعني تحديد أدوار جديدة، وعلاقات سليمة بين الناس، وبين الجماعات العرقية أو الدينية، وبين السلطات والجماهير، وهو يعني كذلك، الاتفاق على نظام جديد للعلاقات والقيم الاجتماعية. إذا ووجه تحدي إعادة بناء المجتمع لنفسه كمهمة مشتركة، فإنه سيشفي العلاقات الجريحة، ويعيد الكرامة والثقة، والثقة في المستقبل، حيث يتعلم الناس سوياً كيف يتعاملون مع إرث الماضي. والمصالحة فكرة ملتبسة لحد كبير، فقد تعني أموراً مختلفة للأفراد المختلفين، ومع ذلك فقد ارتبطت هذه الفكرة بأنشطة محددة في أفريقيا. ففي موزمبيق أظهر القرويون قدرتهم على بناء ثقافة السلام، وفي جنوب أفريقيا ورواندا، أجريت تجارب مختلفة حول كيفية التعامل مع جرائم الحرب، والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. وفي مجال المصالحة "التقليدية"، وتقنيات حل الصراع، استخدمت أنشطة اجتماعية من بينها جلسات الاستماع العلنية، والمباركات التقليدية المشتركة، والتعبير الرمزي عن المغفرة، والعقوبات البدنية، ودفع تعويض للأطراف المتضررة على حساب "المذنب"، وقد ساهمت هذه الإجراءات، في بعض الحالات، في تسهيل بناء التفاهم والوفاق، ولكن في حالات أخرى، لم يستفد منها إلا الممسك بالسلطة، وعائلته، والقريبون منه. وما يثير الكثير من القلق بشأن ممارسات المصالحة التقليدية هو أن الممسكين بالسلطة هم في الغالب الأعم من الرجال، وحيث نجحت هذه الممارسات، فإنها تستبعد النساء عادة، وتعني ببناء السلام بين الرجال، ويجري تجاهل احتياجات النساء واستبعادهن بالكامل. وهناك حاجة عاجلة لإدماج احتياجات النوع الاجتماعي في جميع عمليات بناء السلام في أفريقيا في المستقبل. والتحدي الصعب الآخر الذي يواجه بناء السلام، هو كيفية التعامل مع قضايا البراءة والذنب، والعدالة والإفلات من العقاب، وفكرة الغفران والتصالح، فهذه القضايا ضرورية لموافقة الكثير من الناس على السلام المستقر. وفي بعض الأحوال تكون رغبة الناس في تحقيق العدالة أقوى من الرغبة في الحصول على مجرد السلام السلبي، وقد يكفي الاعتراف بالجرائم التي ارتكبت في أثناء الصراع في بعض الحالات، ولكن كثيراً ما لا يجري هذا الاعتراف بشكل مرضي عند انتهاء الصراع. إن ما يتفق عليه في التسوية السلمية، بل ويعزز في المدى القصير، قد يضر بفرص بناء سلام إيجابي على المدى الطويل، فاتفاقيات السلام التي تُوقع بتعجل، وتحتوي الكثير من إجراءات العفو، والقليل من لجان كشف الحقيقة، قد تضر بفرص الوصول إلى تصالح، وحل الخلافات على الأرض (بانكهرست، 1998). كذلك من المهم التأكيد على أن مرحلة إعادة التعمير بعد الصراع هشة بالضرورة، ويصعب التنبؤ بها، وغير مستقرة، وهذا يعني أن تكون عمليات التأهيل، وإعادة التعمير، والمصالحة بعد انتهاء الصراع، مستمرة ومرنة. والظروف يمكن أن تتغير بسرعة في ظروف الصراع، ويحتاج الأمر إلى تعديل المشروعات والبرامج بعد بدئها، وبعض فرص السلام قد لا تظهر إلا بعد العمل مع السكان المحليين لفترة طويلة من الوقت. وفي حين نجحت جهود تحويل الصراع في بعض الحالات، في المدى القصير، فقد فشلت في وضع البلدان التي تحتدم فيها الصراعات على طريق الاستقرار طويل المدى، والتنمية المستدامة، ويتضح هذا من تكرر عودة بعض البلدان التي تلقت مساعدات دولية ذات قيمة إلى حالة فقدان الاستقرار. والتعامل مع احتمال تجدد الصراع يحتاج إلى فهم شامل وعميق للخلفيات والأسباب العميقة، والتدابير المتخذة لمواجهة نتائج الحرب، مثل برامج التأهيل وإعادة التعمير، يجب أن تركز، في نفس الوقت، على منع احتمالات العودة إلى المواجهات العنيفة. وصندوق السلام التابع لمنظمة الوحدة الأفريقية، لا يهتم كثيراً بأنشطة إعادة التعمير بعد انتهاء الصراع، فالمنظمة تركز، في الواقع، على تقديم الحماية، والمساعدات الإنسانية للاجئين والمشردين داخلياً. وكان هناك إهمال عملي للمصالحة وإعادة التعمير في ليبيريا، ورواندا، وبوروندي، وموزمبيق، وحتى إذا اهتم الصندوق بهذه الأنشطة، فلا يتوقع أن يكون له دور مؤثر دون تعبئة المساعدة الدولية المالية والفنية. وكما تظهر خبرة ما حدث في كوسوفا، فقد كلف مجلس الأمن البنك الدولي، والاتحاد الأوروبي بتنسيق الجهود الدولية لمساندة أعمال إعادة التعمير، وطبقاً لهذا التكليف أصبحت المؤسستان مسئولتين عن "تنسيق الأمور المتعلقة بعودة الاقتصاد إلى طبيعته، والإصلاح، وإعادة التعمير، في منطقة جنوب شرق أوروبا"، بما في ذلك تعبئة دعم المانحين، وتقديم التحليل الاقتصادي، وتطوير الشروط المناسبة، وتنفيذ الخطط والبرامج. ولتنفيذ هذا التكليف، أنشئ مكتب مشترك بين الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي، في بروكسل، وافتتح موقع على الإنترنت لتقديم المعلومات عن البلقان. ويقول التقرير الأولي "إن استجابة المجتمع الدولي للأزمة، كانت سريعة" (البنك الدولي، 1999). وبالمقارنة كانت خبرة أفريقيا لما بعد الصراع أقل من ذلك بكثير، فالمساعدات الضرورية لم تصل، وعندما تُقدم تعهدات، يجري دفع المساعدات ببطء لا يسمح بتخفيف آثار الصراع على الأفراد ولا بتسهيل الانتقال من مرحلة المساعدات إلى مرحلة إعادة التعمير. وكما حدث في كوسوفا، على مؤسسات بريتون وودز أن تنظر في تبني برامج للإصلاح الاقتصادي في أفريقيا تكون داعمة للسلام، بما في ذلك إجراءات فعالة لتخفيف عبء الديون، وتعزيز المساعدة والاستثمار الأجنبيين، لتدعيم جهود التنمية طويلة المدى، واستعادة الصحة الاقتصادية بعد الصراع. وينفس الروح يجدر بمنظمة التجارة العالمية أن تنظر في تبني "تلك المعاملة الخاصة والمميزة" للبلدان الأفريقية في نظام التجارة العالمي، وفي هذا المجال، يجب أن تكون المادة 34 (8) بشأن التجارة والتنمية من اتفاقية الجات، والتي تسمح للبلدان النامية بمرونة عدم الارتباط بمبدأ المساواة في المعاملة مع البلدان المتقدمة، جزءً لا يتجزأ من المادة 24 من اتفاقية منظمة التجارة العالمية. وفضلاً عن ذلك، يجب تشجيع بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على تقديم ضمانات جدية للاستثمار للشركات القائمة في بلدانها والتي قد ترغب في الاستثمار في إعادة التعمير في أفريقيا، ومثل هذه التدابير قد تساعد على قيام عملية إعادة تعمير وتنمية مستدامة في أفريقيا بعد الصراع (جريفين وماكنلي، 1996، وروجومامو، 1999). ومن المهم أن نشير إلى ضرورة الربط بين الحلول العاجلة التأثير مثل تأهيل البنية التحتية، والاستثمار الاجتماعي و/أو توزيع العدد والأدوات الزراعية، وبين البرامج طويلة المدى، لتأكيد الاستدامة. ولضمان الامتثال، يجب أن تتضمن اتفاقيات السلام بوضوح حوافز إيجابية وأخرى سلبية، فتوسع البرامج وتحسينها يجب أن يُربط بالتنفيذ الدقيق لكافة تفاصيل الاتفاقية. ومن المفهوم أن انتهاء الحرب الباردة قد سهل توقيع العقوبات على الدول والأنظمة المارقة، فلم يعد هناك "فرسان سود" لا يمكن المساس بهم، ويمكن تجميع تحالفات دولية واسعة لمساندة العقوبات مثلما حدث في حالة العراق (1990)، وهايتي (1991-94)، ويـــوغوسلافيا (1992-95). وإلى جانب الدول والمنظمات الدولية، تلعب منظمات المجتمع المدني دوراً قائداً في إدارة الصراعات في أفريقيا. وقد لعبت هيئات المجتمع المدني المحلي، مثل مجالس الشيوخ، ورجال الصناعة، وجماعات النساء دوراً حيوياً في بناء السلام في أغلب البلدان الأفريقية، فقد ساعدت على ملء الفراغ المؤسسي، خاصة في الأماكن التي كانت فيها المؤسسات الحكومية إما ضعيفة أو غير موجودة. فالنساء اللاتي يمثلن، بلا شك، أغلبية المجتمع المدني المستهدف في أثناء الصراع المسلح، لم يعدن مجرد ضحايا للحرب، بل قد أصبحن من اللاعبين المهمين والمساهمين الرئيسيين في عمليات بناء السلام في القارة. وفضلاً عن ذلك، تقوم منظمات كثيرة للمجتمع المدني، متخصصة في إدارة الصراع، بخدمات جليلة في التدريب، والوساطة، وتحليل الصراع، على المستويين الإقليمي والقاري. وقد كانت الجماعات المناضلة من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في جنوب أفريقيا من العوامل المساعدة المهمة لإحداث تغيرات اجتماعية في تلك البلاد، كذلك عملت المنظمات الدينية بدأب على تعزيز السلام والديمقراطية، في كينيا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، والسودان. وهناك توافق متزايد على الحاجة إلى مشاركة قوية بين منظمة الوحدة الأفريقية، والحكومات الأفريقية، ومنظمات المجتمع المدني، والمأمول أنه في خلال عمليات التجديد الاجتماعي والمؤسسي الجارية حالياً، ستعيد منظمة الوحدة الأفريقية، والحكومات الأفريقية تعهدها بإقامة مشاركة نشيطة مع منظمات المجتمع المدني في تعزيز وبناء ثقافة السلام في القارة. وهذا يعني، قبل كل شيء، خلق بيئة تمكن من تعبئة قدرة الجماهير على التنظيم الذاتي، أي بعبارة أخرى، منح منظمات المجتمع المدني الأفريقي القوة للعمل من أجل السلام ، والأمن، والتنمية.

6- الخاتمة يتسق الاتجاه الحديث نحو الإقليمية الأمنية مع الرؤية التالية للحرب الباردة، عن المسئولية المشتركة بين الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية وتحت الإقليمية، فقد أقامت الأمم المتحدة وعدد من المنظمات تحت الإقليمية آليات مؤسسية لإدارة الصراعات في أقاليمها. وعلى الرغم من أوجه القصور لمثل هذه المبادرات في بدايتها، فإنه يجب النظر إليها على أنها المؤشر إلى الأشكال الجديدة لعمليات حفظ السلام على المستوى الإقليمي، وهي تحتاج إلى أكبر دعم ممكن. والمؤسسات تحتاج وقتاً لتنمو وتنضج، وتستمر، وإذا ما قسنا على سجل الأمم المتحدة بشأن مبادرات السلام، يمكن القول إن جهود حفظ الأمن الأفريقية الحالية تسير في الطريق الصحيح. وكما قلنا من قبل، فإنها تعطي العمليات الاجتماعية قدراً من القدرة على التنبؤ، وهي تحدد، كذلك، القواعد والحدود، وتشجع على الامتثال، وترسم الطرق لمعاقبة المخالفين. ولهيكلة هذه المنظمات الأمنية الجماعية، وتقويتها، نقترح إجراء مناقشة واسعة في كل إقليم أفريقي لتحديد مصادر الخطر لأمنه، واقتراح الاستراتيجيات الملائمة لمواجهتها، والآليات المؤسسية لحسن إدارتها. وللوصول إلى ذلك، يجب الوصول إلى توافق بشأن أنواع وطبيعة التهديدات الوطنية والإقليمية للسلام، والأمن. وهذه الاستراتيجية ستوسع نظام إدارة سياسة الأمن، وتعمقها، وتجعلها أكثر ديمقراطية، مع أنها كانت عادة مشوبة بالسرية. وسيكون من الأصوب أن يبدأ برنامج الأمن الجماعي الواقعي بأهداف محدودة، ثم تتوسع وتتقوى مع مرور الزمن، فمثل هذه الاستراتيجية ستمنع السياسيين المتحمسين من الجري وراء أهداف غير مناسبة، وخيالية إلى حد بعيد (مالان، 1999).

ولتدعيم قدرة إدارة الصراع لمنظمة الوحدة الأفريقية، وأقاليمها، اقتُرح أن هناك حاجة لإعادة تحديد هياكلها التنظيمية، وكذلك التنسيق بين شبكات إدارة الصراع المختلفة في القارة، كما لوحظ أن المحافظة على السلام الجماعي والأمن في أفريقيا أكثر حساسية من أن يترك للسياسات القديمة بشأن المساواة بين الدول الأعضاء، والتوافق الشعبي. وعلى الرغم من أن مبدأ المساواة بين الدول، من المبادئ المهمة للسيادة بين الدول، فإنه كثيراً ما عطل عملية اتخاذ القرارات في مجال السلام والأمن في أفريقيا، ولذلك اقترحنا إعادة هيكلة الجهاز المركزي لمنظمة الوحدة الأفريقية على غرار مجلس الأمن، لضمان مبدأ العضوية الدائمة لعدد مختار من الدول الأعضاء الرئيسية، التي ستحمل العبء الأكبر للمحافظة على السلام والأمن في القارة في إطار ترتيبات الأمن العالمية البازغة. وكذلك اقتُرح أن إجراءات اتخاذ القرار وتنفيذه للجهاز المركزي يجب أن تعكس عدم التساوي بين أعضاء منظمة الوحدة الأفريقية، وقد لوحظ أن المخاوف، والحساسيات، والشكوك من التطلعات السيادية للأعضاء الأكثر قوة في المنظمة، واحتمالات تحيزهم، سيجري موازنتها بالتدريج، ولكن بالضرورة، بوزن بقية الأعضاء غير الدائمين. وقد قيل كذلك، إنه حتى في ظل المشاركة في تحمل مسئوليات الأمن، فإن الأمم المتحدة تحتفظ بمسئوليتها الرئيسية في المحافظة على سلام العالم وأمنه، وفي ذات الوقت، على منظمة الوحدة الأفريقية أن تتفاوض على آليات واقعية، ومتفق عليها، لتنسيق الردود على الصراعات الأفريقية مع الأمم المتحدة ومنظماتها تحت الإقليمية. ويبدو من العملي والواقعي، أن تقوم منظمة الوحدة الأفريقية بمعالجة عدد محدود من مناطق المسئولية الحرجة، مما يمنع بعض الزعماء المتحمسين من الاندفاع وراء أهداف خيالية، وغير ملائمة. وفي هذا المجال على المنظمة القارية أن تعبئ مقدماً مجموعات مشتركة منها ومن الأمم المتحدة لحفظ السلام، وبناء السلام، وخدمته، لمناطق المشاكل في أفريقيا، وهذه المجموعات تحدد أساليب المشاركة في حفظ السلام، وتحدد المسئوليات وتوزعها، بحسب المميزات المختلفة لكل من اللاعبين بما فيهم مؤسسات الأمم المتحدة المتخصصة، ومنظمة الوحدة الأفريقية، والمنظمات تحت الإقليمية، والمنظمات غير الحكومية. ومن المفهوم أن هذه المجموعات ستستفيد من القوى من خارج المنطقة، بالاستناد إلى وزنها الأدبي، وقدراتها العملية، ومصداقيتها، وشرعيتها، ومواردها. وبالمثل، على منظمة الوحدة الأفريقية، ومنظماتها تحت الإقليمية، لكي تستطيع المشاركة بفاعلية في حفظ السلام على نطاق واسع في أفريقيا، أن تنشئ قوة حفظ السلام السريعة التي كثر الجدل حولها مؤخراً. وحفظ السلام في أفريقيا مستقبلاً، سيحتاج إلى تحريك قوة لها من العدد والمعدات ما يسمح لها بفرض وقف إطلاق النار على الفرق المتحاربة. كما يجب التأكيد أنه على الرغم من أهمية تدابير الأمن الجماعي الإقليمية وتحت الإقليمية، فإن الدول تبقى هي مكونات أنظمة الاقتصاد والأمن الدولية، ومكان اتخاذ القرارات بشأنها، ويشترط التعاون الدولي أن تمتلك الدول الأعضاء كل على حدة، الحد الأدنى من التماسك المؤسسي، والاقتصادي، والاجتماعي. ولتحقيق ذلك، تحتاج أفريقيا لنظام من الحكم الديمقراطي يسمح للاعبين المختلفين بالنقاش الحر، والتفاوض، حول رسم اتفاق اجتماعي واقعي للتنمية الوطنية، والتعاون الدولي. وكما يقول بوزان: بدون دول قوية ذات كفاءة، لن يوجد أمن أصلاً (1991). وهذه الرؤية المتشائمة، تتسق مع تأكيد لزلي براون الذي يقول: "إن تجميع الضعف لا يؤدي إلى القوة" (براون، 1986)، وتدابير الأمن الجماعية الأفريقية، هي، في أغلب الأحوال، تجميع للضعف. وكما وضحنا من قبل، فإن عملية بناء الدول في أفريقيا، وكذا بناء الأمم، والحكم الديمقراطي، لم تؤدِ إلى إنشاء قواعد متينة يمكن بناء تدابير أمن أوسع على أساسها. أخيراً، وبنفس المنطق السابق، فإن ضمان استدامة السلام والأمن في أفريقيا، يستلزم أن يجري التركيز في مجال السياسة الأفريقية والعلاقات الدولية، على بناء الأمة، والحكم الجيد، إذ لا بد من إقامة السياسة الوطنية وتحت الإقليمية من خلال التعددية والمشاركة الشعبية. وهذا الشرط الديمقراطي، الضروري بل الحيوي، يقتضي لا أن تكون الحكومات شرعية فحسب بل أن تكون لها السلطة والقدرة على الحكم كذلك. وهذه الحكومات ينتظر منها أن تعزز احترام جميع الحريات الأساسية، وأهم من ذلك، أن تخلق الشروط الملائمة للسلام والأمن المستدامين. وعلى الدولة التي تريد أن تحافظ على الاستقرار الأساسي، والقانون والنظام لدى جيرانها، أن تحافظ عليهما داخل بلادها أولاً. وتشجيع دول غير ديمقراطية ضعيفة أن تساند دولاً مثلها غير ديمقراطية وضعيفة على تحقيق الأمن، لن يؤدي إلا إلى انحطاط أفريقيا، وكما يخلص هتشفول (1999،81) إلى النتيجة: "بدون أنظمة حكم مقبولة في المنطقة،...تتحول آلية الأمن الإقليمي إلى عملية حماية لعصابات من الأوتوقراطيين". وبهذا المعنى الواسع، تستحق عملية إعادة الهيكلة الاقتصادية والاجتماعية الجارية حالياً في أفريقيا التأييد السياسي الدولي.

المـراجــع

Annan, K. 1998. Report on the causes of conflict and the promotion of durable peace and sustainable development in Africa. New York, UN.A/52/871-S/1998/318. Anning, K. 1999. Peacekeeping under ECOMOG: A sub-regional approach. In From peacekeeping to complex emergencies: Peace support missions in Africa, edited by J. Cilliers and G. Mills, 75-96. Johannesburg and Pretoria: South African Institute for International Affairs (SAIIA) and Institute for Security Studies (ISS). Ayoob, M. 1995. The Third World security predicament: State making, regional conflicts and the international system. Boulder, CO: Lynne Rienner. Azar, E. 1990. The management of protracted social conflict: Theory and cases. Aldershot, Hampshire: Dartmouth. Azar, E., and J. Burton. 1986. International conflict resolution: Theory and practice. Boulder, CO: Lynne Rienner. Boutros Ghali, B. 1992. An agenda for peace: Preventive diplomacy, peacemaking and peacekeeping. New York: UN. Brown, L. 1986. Regional collaboration in resolving Third World conflicts. Survival 28, no. 3:208-220. Buzan, B. 1991. New patterns of global security in the twenty-first century. International Affairs 67, no. 3:431-452. Caporaso, J. 1970. Encapsulated integrative patterns versus spillovers: the case of agricultural and transport integration in EEC. International Studies Quarterly 14, no. 4:43-82. Cheru, F. 1996. New social movements: Democratic struggles and human rights in Africa. In Globali:ation: Critical reflections, edited by J. Mittelman, 145-164. Boulder, CO: Lynne Rienner. Clever, G., and R. May. 1995. Peacekeeping: The African dimension. Review of African Political Economy 22, no. 66:485-495. Costy, A., and S. Gilbert. 1998. Conflict prevention and the European Union: Mapping the actors, instruments and institutions. London: International Alert. Davis, J., and R. Gurr. 1997. Preventive measures: Building risk assessment and crisis early warning systems. Boulder, CO: Rowman and Littlefield. Deutsch, K. et al. 1957. Political community and the north Atlantic area: International organizations in the light of historical experience. Princeton, NJ: princeton University Press. Frazier, J. 1997. The African crisis response initiative: Self-interested humanitarianism. The Brown Journal of World Affairs 4, no. 2:23-41. Galtung, J. 1995. Twenty-five years of peace research: Ten challenges and responses. Journal of Peace Research 22:2-18. George, A., and J. Holl. 1997. The warning-response problem in preventive diplomacy. Washington, DC: Carnegie Commission for Preventing Deadly Conflicts. Griffin, K., and T. McKinley. 1996. New approaches to development cooperation. New York: UNDP. Guy, M. 1995. Continuity and Change in Franco-Africa Relations. Journal of Modern African Studies 33, no. 1:1-20. Hutchful, E. 1999, The ECOMOG experience with peacekeeping in West Africa. In Whither peacekeeping in Africa? Edited by M. Malan, 61-85. ISS Monograph. Series 36. Pretoria: SAIIA. Hyden, G. 1993. Sovereignty, responsibility and accountability: Challenges at the national level in Africa. In African reckoning: A quest for good governance, edited by F. Deng and T. Lyons, 37-66. Washington, DC: Brookings. Jentleson, B. 2000. Preventive diplomacy in the post-Cold War world. New York: W.W.Norton. Joseph, R. 1997. International community and armed conflict in Africa: Post-Cold War dilemmas. In Out of Conflict: From War to Peace in Africa, edited by G. Sorb0 and P. Vale, 9-21. Uppsala: Nordiska Afrikainstitutet. Keller, E. 1997. Rethinking Africa's regional security. In Regional orders: Buildii security in a New World, edited by D. Lake and P. Morgan, 296-31 ' University Park, PA: The Pennsylvania State University Press. Keohane, R. 1980. The theory of hegemonic stability and changes in intemation ' economic regimes. In Change in the international system, edited by 0. Holis and A. George, 131-162. Boulder, CO: Westview Press. Kupchan, C., and C. Kupchan. 1991. Concerts, collective security, and the future Europe. International Security 16, no. 1:114-161. Lake, D., and P. Morgan. 1997. The new regionalism in security affairs. Regional orders: Building security in a new -world, edited by D. Lake and 1 Morgan 3-19. University Park, PA: The Pennsylvania State University Press. Malan, M. 1999. Debunking some myths about peacekeeping in Africa. In Froi peacekeeping to complex emergencies, edited by J. Cilliers and G. Mills, 9-2( Johannesburg and Pretoria: SAIIA and ISS. Nyang'oro, J. 1999. Hemmed in? The State in Africa and global liberalization. 1 State and sovereignty in the global economy, edited by D. Smith et al., 264 - 277. New York: Routledge. Organization of Economic Cooperation and Development (OECD). 1998. Conflici peace, and development cooperation on the threshold of the 21 century. DA Task Force on Conflict, Peace and Development Cooperation. OECD: Paris. Ottaway, M. 1999. Africa's New leaders: Democracy or State reconstruction Washington, DC: Carnegie Endowment for International Peace. Pankhurst, D. 1998. Issues of justice and reconciliation in complex politic* emergencies. Third World Quarterly 20, no. 1: 239-256. Pillar, P. 1993. Negotiating peace: War termination and bargaining process. Princeton, N.J: Princeton University Press. Rugumamu, S. 1997. Lethal aid: The illusion of socialism and self-reliance» Tanzania. Trenton, N.J: Africa World Press. ___. 1999a. Globali:ation, liberalisation and Africa's marginali:ation. AAPS. Occasional Paper 4, no. 1. ___. 1999b. EU-ACP partnership: An appraisal. Cooperation South (December): 45-56. Salim, A. 1992. OAU report of the Secretary General on conflicts in Africa. 01 Secretariat, Addis Ababa. ; Stedman, S. 1995. Alchemy for the New World order: Overselling preventii diplomacy. Foreign Affairs 74:16-32. Stremlau, J. 1996. Sharpening international sanctions: Toward a stronger role for United Nations. Washington, DC: Carnegie Commission on Preventing Deadly Conflict. United States Institute of Peace. 1994. The US contribution to conflict prevention, management, and resolution. A report of a USIP Symposium, 28 September.

United Nations High Commissioner for Refugees (UNHCR). 1997. The sate of the world refugees
A humanitarian agenda. New York: Oxford University Press.

Wehr, P. 1995. Conflict mapping. Boulder, CO: University of Colorado. | World Bank. 2000. World development report. New York: Cambridge University Press. World Bank. 1999. World Bank response to post-conflict reconstruction in Kosovo: General framework for an emergence assistance strategy. http://www.worldbank.org/html/extdr/kosovo/kosovo st.htm. 15 July. Zartman, I. W. 1995. Introduction to Collapsed States: The disintegration and restoration of legitimate authority, edited by I. W. Zartman, 1-7. Boulder, CO: Lynne Rienner. Zartman, 1. W. 1989. Ripe for resolution: Conflict and intervention in Africa. New York: Oxford University Press.





الحــواشي







الفصل الثانى

التماسك الاجتماعي، وإدارة الصراعات والنمو الاقتصادي في أفريقيا





















التماسك الاجتماعي، وإدارة الصراعات

والنمو الاقتصادي في أفريقيا



إبراهيم أ. البدوي* ترجمة سعد الطويل

1-تقــديــم في الخمسينيات والستينيات عندما حصلت أغلب البلدان الأفريقية على استقلالها، كانت شعوب القارة، وزعماؤها تغلب عليها الأحلام والتطلعات الوردية لتحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية العاجلة، مما يؤدي إلى تحررها السياسي في النهاية. ومن المؤسف أنه اليوم، وبعد نصف قرن، نجد أفريقيا (وخاصة البلدان جنوب الصحراء، وهي التي نعنيها عندما نقول أفريقيا) لا "تتميز" إلا بالوصف: "أخطر تحدٍ للتنمية في القرن الجديد"، وفي الواقع فقد شهد النصف الثاني من القرن العشرين، التدهور الاقتصادي المؤسف لأفريقيا. وقد دفع البحث عن فهم أفضل لفشل التنمية الاقتصادية لأفريقيا، وخاصة انعدام الاستقرار المستمر، وانهيار النمو الاقتصادي العام، الاقتصاديين، مؤخراً، إلى التركيز على العوامل الأساسية، بدلاً من الاكتفاء، ببساطة، على دور سياسات إدارة الاقتصاد، والهيئات القائمة عليه. وقد أبرزت الدراسات الحديثة، بصفة خاصة، دور التماسك الاجتماعي، والجغرافيا في تشكيل المؤسسات الاجتماعية والسياسية، بصفتها من محددات عمليات التنمية الاجتماعية والاقتصادية. وعلى سبيل المثال، يدعو بلوم وساكس، في دراسة حديثة مهمة (1998، 271)، الاقتصاديين إلى "أن يرفعوا نظرتهم إلى أبعد من مجرد السياسات الاقتصادية الكلية، وتحرير السوق، حتى يفهموا بعمق الارتباطات بين البيئة الحقيقية والنتائج الاجتماعية"، ثم أضافا: "من أجل تنمية أفريقيا...يحتاج الأمر إلى أدوات أفضل في مجال دراسة ما يحسن تسميته بالبيئة الإنسانية، التي تضع النشاط الاجتماعي، والتنمية الاقتصادية بشكل أكثر تركيزاً في إطار البيئة الحقيقية." وبعدها، تبرز دراسات مهمة بشأن النمو الاقتصادي، أهمية الصفات المميزة للأمم والمجتمعات (مثل التفرق العرقي، وتطور المؤسسات الاجتماعية، في تحديد كيفية تطور الأمم (مثلاً إيسترلي،2000، وكوليير، 1999، ورودريك، 2000). وهذا النوع الجديد من دراسات اقتصاديات التنمية، يقرب ما بين الاقتصاديين وبين أساتذة العلوم الاجتماعية الأخرى. وقد وضع ابن خلدون، في "مقدمته" الشهيرة، منذ أكثر من خمسة قرون، نظرية متماسكة ومتقدمة نسبياً، تربط بين الجغرافيا والقسمات الاجتماعية ـ التي تحددها الجغرافيا جزئياً ـ وبين ظهور الحضارات واضمحلالها. ومن بين الدراسات الحديثة للمؤرخين الاقتصاديين وغيرهم من علماء الاجتماع، حول الارتباطات بين الجغرافيا، والبيئة، و التفرق الاجتماعي، وبين التنمية الاقتصادية، نشير إلى دراسات دياموند (1997)، ولانديس (1998)، وخاصة سويل (1998) الذي يجد أن جغرافية أفريقيا، باستبعادها لتنمية كثافات سكانية عالية، والتجارة، خاصة التجارة البينية، والتجارة البحرية مع القارات الأخرى، قد جعلت التفاعل أصعب بين سكان القارة وبين العالم الخارجي، وكذلك فيما بينهم. ويصل إلى النتيجة الأساسية: "لقد كان لمجموعة القسمات الجغرافية، في أغلب بلدان أفريقيا جنوب الصحراء، نتائج غير مساعدة ـ إن لم تكن مدمرة ـ للتنمية الاقتصادية والثقافية، وكذلك نتائج مأساوية بالنسبة لتعرض الأفريقيين السود للسقوط أمام الغزاة" (ص 101). وإذا كانت الأدبيات الاقتصادية الحديثة، قد أعادت اكتشاف كتابات علماء الاجتماع السابقين والمحدثين، مع ما تثيره من خلافات، فإنها، مع ذلك، قد أضافت أكثر من مجرد "إعادة اختراع العجلة". فالتحليلات النظرية الصارمة، وكذلك التجريبية، في الدراسات الاقتصادية الحديثة، لا تؤيد وحسب، التأثيرات السلبية على التنمية الاقتصادية والنمو، الناتجة عن الانقسامات الاجتماعية والتجزئة الجغرافية، التي أُشير إليها في الأدبيات السابقة، ولكنها تلقي الأضواء على طرائق تأثير هذه العوامل. وهذا يوسع من مجال رسم سياسة التنمية الملائمة لمواجهة القيود على التنمية التي تفرضها الظروف الجغرافية السيئة، أو فقدان التماسك الاجتماعي. وفي حين أدى عدم وضع سياسة التنمية في إطار "البيئة البشرية"، إلى "رسم بياني للتعلم" كلف الكثير في خلال عقدي "التكيف الاقتصادي"، فإن تطوير أدوات عمل للتعامل مع البيئة البشرية غير المواتية، ضروري الإفلات من النتائج المنطقية والضارة للأوضاع الجغرافية والعرقية المفروضة. وهذا النوع الجديد من الأدبيات الاقتصادية يؤذن بعملية توسيع سياسة التنمية في هذا الاتجاه. وتساهم هذه الدراسة في هذه الأدبيات بتحليل عملية النمو عن طريق عينة عالمية من البلدان. ويركز التحليل على الدور المشترك للصراع الاجتماعي، وقدرة المجتمعات على التوسط في الصراعات وحلها، في تحديد النمو طويل المدى، وغلى تأثير هذين العاملين على هشاشة النمو بعد الصدمات الخارجية. وفي حين أن النمو الاقتصادي الكلي جوهري لتخفيض الفقر بشكل مستدام، فإن استقرار النمو له نتائج مهمة من وجهة نظر الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية، في عالم غير مكتمل التأمين، ولا المستويات التجارية (رودريك، 2000). وهكذا سنحاول أن نصل إلى ما ينتظر لأفريقيا من استقرائنا لعملية النمو على مستوى العالم. وفي هذا السياق، سأحاول الإجابة عن الأسئلة الآتية: هل تستطيع الديمقراطية (بوصفها الإطار القياسي للتنظيم الاجتماعي لحل الصراعات الاجتماعية) أن تخفف من أثر النتائج السلبية للتجزئة العرقية على النمو في أفريقيا؟ ماذا كان دور الجغرافيا في تعميق النتائج السلبية المحتملة للتجزئة العرقية في أفريقيا؟ وأخيراً، هل التجزئة العرقية في أفريقيا عائق مهم للنمو بغض النظر عن نوع النظم السياسية؟ والتحليل الوارد أدناه يؤيد نتائج دراسة سابقة لكوليير (1999، 2000)، تفيد بأن التجزئة العرقية في أفريقيا ستعوق النمو فقط في حالة النظم الأوتوقراطية، لأنها تعطل التفاعل بين الجماعات، وحل الصراعات سلمياً. ومن هنا فالقضية الأساسية في هذه الدراسة هي أن أفريقيا تحتاج إلى ديمقراطيات فعالة لضمان تحقيق نمو مرتفع ومستدام على المدى الطويل. وبصفة خاصة، ففي إطار اقتصاد عالمي يزداد عولمة وسيولة، لا تستطيع أفريقيا أن تأمل في تحقيق ثمار العولمة (التوسع في التجارة العالمية، والتحويلات التكنولوجية والمالية اللازمة للتنمية)، دون إقامة آليات فعالة لحل الصراعات الاجتماعية. واستناداً لدراسات موجودة (كوليير وبِنسوانجر، 1999)، أقول بأن التنوع العرقي في أفريقيا، ليس بالضرورة عائقٌ لظهور اتزان اجتماعي لازم لظهور المؤسسات الديمقراطية للتوسط في حل النزاعات. كذلك تبين هذه الدراسة أن التجزئة العرقية قد تضر بالتنمية عندما تكون الجماعات الاجتماعية مجزأة ومعزولة جغرافياً. والقسم الثاني يحتوي نظرة عامة على الأدبيات التي تبرر التحليل التجريبي، المبنية على بيانات عالمية عن 90 بلداً نامياً خلال الفترة 1960-1997. ويقدر تحليل النمو تأثير الصراعات الاجتماعية (مبنياً على التجزئة العرقية، والأوتوقراطية، والتجزئة الجغرافية) على النمو طويل المدى، وكذلك تأثير الصراعات الاجتماعية على عدم استقرار النمو بعد الصدمات الخارجية. وبناءً على النتائج التجريبية لتراجع النمو، نقوم في القسم الثالث ببعض نماذج المحاكاة، ونخرج منها بالنتائج المحتملة لأفريقيا. والنتائج في القسم الرابع.

التنوع العرقي، والجغرافيا والنمو الاقتصادي سنستعرض الأدلة العالمية على الآثار الاقتصادية للتنوع العرقي، وهو أهم مظاهر التجزئة الاجتماعية في أفريقيا. ويُعبر عن مستوى التجزئة العرقية بما يسمى مؤشر التجزئة العرقية-اللغوية (ت ع ل)، وقد قام علماء الأنثروبولوجيا الروس بقياسه في الستينيات، ويتحدد باحتمال انتماء أي شخصين يختاران بشكل عشوائي، في بلد معين إلى جماعتين تختلفان لغوياً أو عرقياً. وتتراوح قيمة المؤشر، الذي يٌعبر عنه بنسبة مئوية، بين الصفر (في حالة التجانس الكامل)، و100(في حالة التجزئة المطلقة). وتدل الشواهد التجريبية القديمة بشأن العلاقة بين السياسات الاقتصادية، والنمو الاقتصادي، والتنوع العرقي، لأول وهلة، على صحة الاعتقاد السائد بأن التنوع العرقي يؤدي إلى سياسات سيئة. وعلى سبيل المثال، يثبت إيسترلي ولفين (1997)، أن التنوع العرقي يؤدي إلى سياسة سيئة، ونمو بطيء، وبشكل قوي، بل يؤكدان أن النمو البطيء لأفريقيا إنما يعود إلى التنوع العرقي. كذلك لوحظ أن التنوع العرقي قد أدى إلى الفشل الحكومي في كثير من مجالات السياسة الاقتصادية، سواء في البلدان المتقدمة أو النامية. وعلى سبيل المثال، فالحكومات المركزية أو المحلية على السواء، في المجتمعات المتنوعة عرقياً، تميل إلى التقليل من الإنفاق على الخدمات العامة والتعليم (ألبسبنا، وبكير، وإيسترلي، 1999؛ وجولدن وكاتس، 1997، 1998)؛ أو تنتج خدمات سيئة النوعية (ماورو 1995؛ ولا بورتا وآخرين، 1998)؛ أو تنتج مزيداً من عدم الاستقرار السياسي (ماورو، 1995؛ وأنيت، 1999)؛ أو تسيء استخدام المساعدات الأجنبية، وتحولها إلى الفساد (سفنسُن، 1998). كذلك تجد الأدبيات المخصصة لأفريقيا، وعلى أساس بيانات عمليات المسح، أدلة على فشل الحكومات ومنظمات المجتمع المدني، فمثلاً يجد كوليير وجارج (1999) أن منح الوظائف في القطاع العام في غانا، حيث يسود التنوع العرقي، يتوقف على العلاقات الخاصة وليس الكفاءة، ولكنهما لا يجدان أدلة مشابهة في حالة العمل في القطاع الخاص. كذلك يشير ميجيل (1999) إلى مثل آخر من غرب كينيا، حيث يلاحظ أن المدارس في المناطق حيث يسود التنوع العرقي، لا تحصل على الموارد الكافية، ومنشآتها سيئة. ولكن، على المستوى الكلي على الأقل، لا نجد للتجزئة العرقية هذا التأثير المستقل المعرقل للنمو، عندما تجري المحاسبة في إطار اللعبة السياسية التي يجري داخلها النزال بين الأعراق، أو بشأن المؤسسات التي تتوسط في التعامل مع آثار التنوع الاجتماعي. وعلى سبيل المثال، يوضح كوليير (1999، و2000) أنه بمجرد إدخال عنصر حقوق الإنسان، تتغير الصورة. وبالتحديد، تحتاج المجتمعات ذات التنوع العرقي العالي إلى ديمقراطية فاعلة بدرجة أكبر بكثير من المجتمعات المتجانسة عرقياً، وهو يبين أنه في المجتمعات المتجانسة، لا تؤثر حالة الحقوق السياسية على معدلات النمو، وفي المقابل، ففي المجتمعات حيث تصل التجزئة العرقية إلى أقصى درجاتها، نجد معدلات النمو في ظل الدكتاتوريات تقل كثيراً عنها تحت الديمقراطيات. وتشير دراسات كوليير أن الجمع بين التنوع العرقي الكبير والدكتاتورية يخفض معدل النمو بثلاثة نقاط كاملة بالمائة بالمقارنة بالمجتمعات المتجانسة عرقياً، في حين أن المجتمعات ذات التنوع العرقي التي تتمتع بالديمقراطية الكاملة تنمو بنفس معدل المجتمعات المتجانسة عرقياً. وهكذا يجادل كوليير بأن الديمقراطية الكاملة يمكن أن تلغي بالكامل عراقيل النمو المرتبطة بالتنوع العرقي. ويبين إيسترلي (2000)، مستخدماً مقياساً لنوعية المؤسسات ـ يتعلق بالإدارة الاقتصادية اكثر من نظم الحكم السياسية ـ أن المؤسسات الجيدة يمكن أن تخفف بقدر ملحوظ من التأثير السلبي على معدل النمو، وكذلك على الكثير من السياسات الكلية الاقتصادية. كذلك يجد رودريك (1999) أن المؤسسات الاقتصادية أو السياسية الجيدة تعمل على تخفيف آثار التنوع العرقي على استمرار النمو بعد حدوث صدمات خارجية. وأخيراً، يجد البدوي ورندا (2000) أن التجزئة العرقية لها تأثير سلبي (إيجابي) ولكنه ليس وحيد النغمة على مستوى (تغير) النمو، وأن آثاره السيئة على النمو تعادلها عملياً المؤسسات الاقتصادية والسياسية.

2/1 الصراعات الاجتماعية والنمو على المدى الطويل أقدر هنا نموذج للنمو المبني على عوامل داخلية لعينة من 90 بلداً نامياً منها 32 من أفريقيا جنوب الصحراء، على أساس متوسطات ثمانية مراحل زمنية: 1960-64، 1965-69، 1970-74، 1975-79، 1980-84، 1985-89، 1990-93، 1994-97. ونظراً للتركيز على متغيرات الصراعات، سندرس أولاً الترابط الجزئي بين النمو وبين كل من مؤشر التجزئة العرقية-اللغوية (ت ع ل)، ومقياسين للصراع: الصراع1(ت ع ل×أتوقراط)، والصراع2 (ت ع ل × ت ج) حيث ت ج هو مؤشر التجزئة الجغرافية، التي تُعرف بأنها، احتمال أن يكون أي فردين تم اختيارهما بشكل عشوائي في أي بلد معين، من مكانين جغرافيين مختلفين. أي أنه مؤشر مماثل لمؤشر التجزئة العرقية اللغوية، ويتغير بين الصفر (التركيز الجغرافي الكامل)، وبين 100 (التجزئة الجغرافية الكاملة أي أن كل فرد يأتي من مكان جغرافي مختلف). أما الأتوقراطية فهبي مؤشر على الحقوق السياسية وتتغير من صفر (أعلى حقوق سياسية) إلى 10 (أقل حقوق سياسية). وتمثل الأشكال 1أ-1ج رسوم بيانية لجميع البلدان في العينة، بأخذ المتوسط خلال المدة الكاملة (1960-97). وعندما تكون العلاقة بين كل من المتغيرات الثلاثة والنمو سالبة، يكون أثر المؤشر "ت ع ل" على النمو ضعيفاً جداً، وهذا يؤيد الدرس المستفاد بأن التجزئة العرقية لا تعرقل النمو طويل المدى إلا في غياب الديمقراطية. وهذا الدليل المبدئي يتمشى كذلك مع ما تصورناه من أن التداخل الشديد جغرافياً بين الجماعات العرقية، قد يخفف من الأثر السلبي المحتمل للتجزئة العرقية على النمو. ومع ذلك فالاختبار الدقيق لهذه النظريات يحتاج إلى وضع نموذج كامل للنمو.



الشكل 1- أ النمو والتجزئة العرقية






ن ط م (التجزئة العرقية) النمو %

الشكل 1- ب النمو، والتجزئة العرقية، والأتوقراطية حسب البلد _1960-1997)






ت ع ل × الأتوقراطية النمو %

الشكل 1ج-النمو والتجزئة العرقية والجغرافية







ت ع ل × الجغرافيا النمو %

وإلى جانب آثار التجزئة العرقية المتغيرين المرتبطين بالصراع، يفسر النموذج كذلك، الدخل الابتدائي بما يعكس تأثير الاقتراب الشرطي، الذي يعكس احتمالات النمو لدى البلدان الفقيرة للحاق بالبلدان الغنية عن طريق النمو المتسارع الذي يرجع لقدرتها الأكبر على توليد رأس المال بالنسبة لتلك الأخيرة. وطبقاً لنظرية النمو، فإن تأثير النمو الابتدائي سلبي ومؤثر جداً. وتستبعد المتغيرات الأخرى المرتبطة بالنمو الداخلي الدافع لأنها مرتبطة داخلياً بمتغيرات الصراع. وهذا الإطار التجريبي يستند إلى النموذج النظري السابق تطويره بمعرفة البدوي وراندا (2000)، وقد بدآ بالتدقيق الأول لنموذج إيسترلي (2000)، الذي يتوقع أن التجزئة العرقية قد تقلل النمو لأن "الجماعات ـ التي تتميز بالاختلافات الطبقية أو العرقية ـ قد تقلل الاستثمار في رأس المال البشري والبنية التحتية عندما يكون هناك "تسرب" لجماعات أخرى". والتقليل من الخدمات العامة مبني على افتراض أن الأفراد يحققون فوائد إيجابية فقط من "رأس المال العرقي" الذي تنتجه جماعتهم الخاصة. ويفترض نموذج البدوي وراندا أن الديمقراطية الفعالة، أو التداخل الجغرافي الشديد بين الجماعات العرقية المختلفة، سيتجه نحو التوسع في رأس المال العرقي، وذلك يسمح للأفراد بتحقيق فوائد إيجابية من "رؤوس الأموال العرقية" المتاحة داخل جماعتهم وخارجها. وتدعم النتائج توقعات نموذجنا بقوة (الجدول رقم 1). أولاً، الصراع 1 (ت ع ل×أتوقراطية) ذو علاقة سلبية بالنمو، حيث يقل النمو بمعدل أكبر مع انخفاض مستويات الديمقراطية (ت ع ل × أتوقراطية2 له أثر سلبي). ثانياً، الصراع 2 (ت ع ل × جغرافيا) له تأثير سلبي ولكنه ليس وحيد النغمة على النمو طويل المدى، بما يوحي بأنه في مجتمعات التجزئة العرقية، يعمل التركيز الجغرافي على زيادة النمو حتى نقطة معينة، يمكن بعدها أن تؤدي زيادة التركيز الجغرافي إلى التقليل من النمو، وفي الواقع قد يؤدى الارتفاع الكبير في الكثافة السكانية، إلى أن قيام صراع على الموارد المحدودة يلغي الأثر الإيجابي الراجع لتزايد كثافة التفاعل بين الجماعات. وهذه النتيجة تتمشى مع العلاقات العرقية الصراعية غير السلمية في رواندا وبوروندي حيث توجد كثافة سكانية من أعلى المعدلات في العالم. ثالثاً، تشير العلاقة السلبية غير وحيدة النغمة بين "ت ع ل" والنمو، إلى أن المجتمعات المجزأة عرقياً بشكل كبير، مثلها مثل المجتمعات المتجانسة عرقياً، ستحظى بنمو مرتفع بعد التخلص من نوعي الصراع الآخرين. ولكن هذه النتيجة تشير إلى أن المجتمعات حيث يوجد استقطاب عرقي، معرضة لتحقيق معدلات نمو أقل في المدى الطويل، بغض النظر عن النظام الاجتماعي أو الجغرافيا.

الجدول رقم 1: الصراعات الاجتماعية والجغرافيا والنمو طويل المدى

الإحصاءات المعامل المتغير -5,131 -3,4741 النمو طويل المدى (الدخل الأولي) -2,145 -171,5232 ن ط م (ت ع ل) 2,173 129,3293 (ن ط م(ت ع ل))2 -1,665 -0,02387 ت ع ل × أتوقراطيةز-1 -2,261 -0,000734 ت ع ل × (أتوقراطيةز-1 )2 2,240 -47,65301 ت ع ل × جغرافيا 2,249 26,81499 ت ع ل × (جغرافيا)2 2,452 0,03311 ت ع ل × أتوقراطية × جغرافيا 6,301 34,27829 ثابت 0,4443 0,4978 R2 5,15 F 595 N

ملاحظات: 1. المتغير التابع: نمو الناتج المحلي الإجمالي للفرد 2. التقدير الأدنى لمربع المتغير الهدف. فترات القياس: 1960-64، و1965-69،1970-74، و19775-79، و1980-84، و1985-89، و1990-93، 1994-97. 3-البلدان الداخلة في العينة: جمهورية الكونغو الديمقراطية، النيجر، زامبيا، سيراليون، جمهورية أفريقيا الوسطى،غينيا بيساو، الستغال، تشاد، غانا، زيمبابوي، رواندا، بنين، بوروندي، مالي، غامبيا، كاميرون، نيجيريا، جنوب أفريقيا، بوركينا فاسو، ساحل العاج، توجو، ملاوي، كينيا، جمهورية الكونغو، موريتانيا، سوازيلاند، غابون، موريشوس، ليسوتو، بوتسوانا، هايتي، فنزويلا، بيرو، نيكاراغوا، جامايكا، إلسلفادور، بناما، هندوراس، الأرجنتين، أوروغواي، غواتيمالا، كوستا ريكا، باراغواي، كولومبيا، ترينيداد وتوباغو، جمهورية الدومنيكان، البرازيل، شيلي، إكوادور، الفلبين، إندونيسيا، ماليزيا، تايلاند، جمهورية كوريا، إيران، الجزائر، الأردن، المغرب، سوريا، تونس، مصر، نيبال، بنغلاديش، الهند، سري لانكا، باكستان، الصين، سويسرا، أستراليا، هولندا، الدنمارك، فرنسا، بلجيكا، أيسلندا، النمسا، إيطاليا، فنلندا، النرويج، إسبانيا، اليونان، البرتغال، إيرلندا، اليابان.

2/2 الصراعات الاجتماعية، والصدمات، وفقدان الاستقرار قصير المدى للنمو يجادل رودريك (1998، 2000) بأن الصدمات الخارجية قد تكلف الاقتصاد غالياً، عندما تكون هناك انقسامات اجتماعية عميقة (راجعة للانقسامات العرقية مثلاً، أو التباين الكبير في الدخول)، ومؤسسات إدارة الصراع ضعيفة. بناءً عليه، يشير الأثر الإيجابي للمتغيرين الصراع1 × الصدمة (ت ع ل × أتوقراطية ×صدمة)، والصراع 2 × الصدمة (ت ع ل × أتوقراطية ×صدمة) على فقدان الاستقرار للنمو (مقاساً بالانحراف عن المعدل المعتاد خلال الفترة)، إلى أن اجتماع الصراع الاجتماعي العميق مع وجود مؤسسات اجتماعية وسياسية ضعيفة، أو أوضاع جغرافية معاكسة، سيعمل على مضاعفة تأثير الصدمات الخارجية على النمو، بدفعه إلى اتخاذ سياسات اقتصادية معوقة. ويبين الشكلان 2أ و2ب العلاقة الجزئية بين فقدان استقرار النمو والمتغيرين. ويؤيد الشكلان النتائج التي توصل إليها رودريك سابقاً (2000)، بوجود علاقة طردية جزئية بين فقدان استقرار النمو وكل من المتغيرين، وفضلاً عن ذلك، تثبت الاختبارات المبنية على تراجع panel (الجدول رقم 2)، أن متغيري الصراع مرتبطان بعلاقة طردية قوية بفقدان استقرار النمو. الشكل 2أ-فقدان استقرار النمو، والصدمات الخارجية، والصراع الاجتماعي







ت ع ل × أتوقراطية × صدمة النمو المعتاد


الشكل 2ب-فقدان استقرار النمو، والصدمات الخارجية، والتجزئة الاجتماعية والجغرافية







ت ع ل × جغرافيا × صدمة النمو المعتاد

الجدول رقم 2: الصراعات الاجتماعية، والصدمات، وفقدان الاستقرار المؤقت للنمو الإحصاءات المعامل المتغير 2,466 0,0044 ت ع ل × أُتوقراطية × صدمة 2,671 0,00002 ت ع ل ×جغرافيا ×صدمة -2,580 -0,0000469 ت ع ل × أُتوقراطية ×جغرافيا × صدمة 5,599 4,943 الثابت 0.4751 R2 8,57 F 595 595 N وتركيزاً على دور الديمقراطية، قدم رودريك (2000) ثلاث تفسيرات نظرية محتملة للنتائج التي توصل إليها. أولاً، أن الديمقراطية قد تدفع إلى التعاون بين الجماعات الاجتماعية، والتوصل إلى حلول وسط فيما بينها، لا عن طريق وضع القيود على التصرفات الانتهازية، بل عن طريق تعزيز التشاور حيث "يفهم الناس وجهة نظر بعضهم البعض، وينمون الشعور بالألفة، ويعترفون بقيمة الاعتدال، ويستوعبون المصلحة المشتركة، ويبعدون عن المصلحة الذاتية الضيقة" (ص 3). ومن المناسب أن نلاحظ أن هذه النتيجة تتوقف لحد كبير على عدم وجود تجزئة جغرافية مطابقة للحدود العرقية. ثانياً، قد يكون الدافع للتعاون، فرض قيود على إعادة التوزيع الممكنة، وذلك عبر طريقين: والطريق الأول الواضح هو أن حماية حقوق الأقليات في الديمقراطية الفعالة، يضع قيوداً على تصرف الأغلبية. أما الطريق الثاني، الأقل وضوحاً، هو أنه بافتراضات معقولة نسبياً، فهذه القيود تقلل من الفوائد المتوقعة من التصرف غير المتعاون، كما تقلل من التكلفة المتوقعة من التصرف المتعاون. ثالثاً، يوضح رودريك أن التعاون يمكن دعمه عن طريق التفاعل المتكرر بين الجماعات السياسية بشرط توفر الشروط الآتية: يجب توفر احتمال تداول السلطة بين الجماعات، وأن تتميز هذه الجماعات بقدر من الرغبة في توقي المخاطر. ومن نتائج نموذج رودريك، أنه طالما كانت الجماعات تتوقى المخاطر، وبقدر ما تختلف تفضيلات كل جماعة عن الأخرى، بقدر ما تزيد فرص وصولها إلى حلول وسط مستقرة. وتوحي هذه النقطة الأخيرة، بأن الاختلافات بين ما تفضله الجماعات المختلفة (الناتجة عن التجزئة العرقية، مثلاً)، تزيد من فرص الوصول إلى حلول وسط في ظل الديمقراطية، ولا تقلل منها.

3- ما يعنيه ذلك بالنسبة لأفريقيا تبين النظرة العابرة على مؤشرات النمو، وغيرها من المؤشرات ذات الصلة، في أفريقيا وغيرها من المناطق (الشكل رقم 3)، بعض القسمات المهمة لأفريقيا بالمقارنة بغيرها من المناطق، يمكن أن تعطي بعض المؤشرات المفيدة لاستخلاص معاني النتائج التي توصلنا لها بالنسبة لأفريقيا. أولاً، نحد أن النمو على المدى الطويل كان ضئيلاً، فخلال الفترة 1960-97 كان متوسط النمو السنوي مجرد 0,7 بالمائة، مقارنة بمتوسط 1,3 بالمائة لأمريكا اللاتينية والكاريبي، و2,7 بالمائة لجنوب آسيا، و2,4 بالمائة للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، و3,0 بالمائة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، و 4,2 بالمائة لشرق آسيا. وبغض النظر عن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي سجلت معدلاً سنوياً لعدم استقرار النمو قدره سبعة بالمائة، فقد بلغ معدل عدم استقرار النمو في أفريقيا 4,7 بالمائة، وكان بذلك أكثر من ضعف مثيله لبلدان شرق آسيا، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وأكثر من مثيله لبلدان شرق آسيا، وأمريكا اللاتينية والكاريبي. ويبين الشكل كذلك، أنه إلى جانب بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فإن أفريقيا تتخلف كثيراً فيما يتعلق بمستويات الديمقراطية. فإذا بدأنا ببلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، حيث توجد ديمقراطية فعالة (مستوى الأتوقراطية صفر)، نجد مستويات الأتوقراطية تتراوح في بلدان أمريكا اللاتينية والكاريبي، وشرق آسيا، وجنوب آسيا بين 6 و7، في حين يبلغ مستواها في أفريقيا حوالي 9. وتقل كثافة السكان في القارة الأفريقية، مما يشير بأن الجماعات الاجتماعية منعزلة جغرافياً على الأغلب. ويبلغ متوسط كثافة السكان في أفريقيا (وكذلك في أمريكا اللاتينية والكاريبي) 28 فرداً في الكيلومتر المربع، مقارنة بحوالي 43 في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، و88 لشرق آسيا، و94 لمنظمة التعاون، و160 لجنوب آسيا. وأخيراً، فأفريقيا بها أعلى مستوى للتنوع العرقي، حيث يبلغ مؤشر "ت ع ل" بها 72، بالمقارنة بمؤشرات 18 لأمريكا اللاتينية والكاريبي، و 16 للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، و14 لبلدان منظمة التعاون الأوروبي، وهذه المناطق الثلاث تتميز بمجتمعات متجانسة عرقياً. أما شرق آسيا (ت ع ل 72)، وجنوب آسيا (ت ع ل 64)، ففيها حالة استقطاب عرقي.






الشكل رقم 3. النمو، وكثافة السكان، والأتوقراطية، والتجزئة العرقية





أفريقيا جنوب الصحراء، أمريكا اللاتينية والكاريبي، شرق آسيا، جنوب آسيا، الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية

النمو ـ عدم استقرار النمو ـ كثافة السكان ـ الأتوقراطية ـ التجزئة العرقية

والنتيجة الرئيسية للتحليل السابق هي أن أفريقيا بها أكبر تنوع عرقي، كما أن الجماعات العرقية المختلفة متباعدة جغرافياً الواحدة عن الأخرى، وبها كذلك أدنى مستوى من تقاليد الديمقراطية. وآخذين هذه الحقائق في الاعتبار، سندرس فيما يلي حجم الإصلاحات السياسية والاقتصادية اللازم تحقيقها حتى تتمكن أفريقيا من أن تأمل في تحقيق درجة كافية من النمو طويل المدى يسمح لها بتحقيق تخفيض مستقر، وذي مغزى في مستوى الفقر. يمكننا منحنى التراجع في الجدول رقم 1، من عمل محاكاة لمختلف التوافقات بين مستويات "ت ع ل"، والأتوقراطية التي تتسق مع مستوى معين لمعدل النمو طويل المدى، مع تثبيت المتغيرات الأخرى عند متوسطاتها في العينة. والأشكال 4أ إلى 4ج تمثل منحنيات المحاكيات للأتوقراطية و"ت ع ل" لمعدلات نمو عند الحد الأدنى، والمتوسط، والحد الأعلى على الترتيب. ويبين الشكل 4أ، أن أفريقيا بمعدل تنوعها العرقي المرتفع (72)، يمكن أن تحقق معدلات نمو قريبة من معدلها المتوسط وقدره أقل من 1 بالمائة، عند مستوياتها المنخفضة من الحقوق السياسية (9,1). ولكن محاولة رفع المعدل السنوي للنمو طويل المدى إلى المتوسط العالمي (2,5 %)، أو إلى الحد الأعلى العالمي (3,5 %)، يحتاج إلى تحسين كبير في معايير الحقوق السياسية، أي أن مستوى مؤشر الأتوقراطية يجب أن ينخفض بمقدار 2,6، و3,0 نقط على الترتيب.

الشكل 4أ: محاكاة التجزئة العرقية والأتوقراطية (المتغيرات الأخرى في الربع الأدنى)






التجزئة العرقية الأتوقراطية





الشكل 4ب: محاكاة: التجزئة العرقية والأتوقراطية (المتغيرات الأخرى في المتوسط)






التجزئة العرقية الأتوقراطية

الشكل 4ج: التجزئة العرقية والأتوقراطية (المتغيرات الأخرى في الربع الأعلى)






التجزئة العرقية الأتوقراطية وعلى الرغم من أنه ليس من المستحيل إقامة المؤسسات الديمقراطية المناسبة، أو تحقيق السياسات التي تؤدي إلى تغيير الاقتصاد، وكثافة السكان، فإن كلا المهمتين شاقة وتستغرق وقتاً طويلاً لتحقيقها. ولكن سيكون تحليلنا ناقصاً إذا لم يدرس قضية ما إذا كان التنوع العرقي في أفريقيا سيعرقل تطوير المؤسسات السياسية والاقتصادية من النوع الضروري لتحقيق ديمقراطية فعالة. وحتى دون القيام بمحاكاة من نوع توافقات (ت ع ل، جغرافيا) المناظرة لمستويات نمو معينة، يمكننا لأن نتوقع بأن التحليل سيبين أنه ستكون هناك حاجة لإحداث تغير اقتصادي استراتيجي طويل المدى، يؤدي إلى تغيرات هيكلية في الاقتصاد (في مجالي الكثافة السكانية والاقتصاد مثلاً)، حتى تتمكن أفريقيا من تحقيق مستوى أعلى مستدام من النمو طويل المدى. وعلى هذا الأساس، فإن القضايا التي نعتزم التعامل معها في بقية الدراسة يجب أن توجه اسئلة مثل: ما نوع أنظمة الحكم المطلوبة لأفريقيا ذات التنوع العرقي، فيما عدا مجرد الحصول على الديمقراطية، أو حرية سياسية أكبر؟ ما نوع مؤسسات إدارة الاقتصاد (خاصة بالنسبة لدور الدولة) تكون أكثر ملاءمة، مراعاة للتنوع الاجتماعي في المنطقة؟

3/1 هل يمكن ظهور دول متجهة للنمو في أفريقيا ذات التنوع العرقي؟ يذهب أحد الآراء السائدة بشأن تكون الدول ـ وهو مبني أساساً عل التطور التاريخي للدول الأوروبية الحديثة ـ إلى أن النجاح في تكوين الدولة محكوم بعملية المساومة بين الجماعات (انظر على سبيل المثال تيلي 1990، وساندبروك 1986، وفِندت وبارنيت 1993، وبيكر 1983). والمساومة عملية رئيسية في تكوين دولة مستقرة، لا تعتمد على القهر، ومتجهة للتنمية، ويمكن أن تحدث في ظل أوضاع ديمقراطية، أو غير ديمقراطية، وتجري المساومة حول توزيع المزايا المادية. وتخلق المساومة استحقاقات كثيرة بالنسبة لعملية المشاركة في السلطة داخل الدولة، والتعاون في برامج الدولة مثل فرض الضرائب لزيادة دخل الدولة، ودفع المعاشات للفقراء، والتعليم العام، وتخطيط المدن، وتنمية الريف والزراعة، والكثير غيرها. وتجري المساومة في الظروف الآتية: 1) عند اتخاذ قرار سياسي يؤثر على جماهير كبيرة. 2) كل من المشاركين يفضل اتجاهاً يختلف عن الآخرين. 3) لكل من المشاركين قوة محتملة كبيرة إما بصفتهم قادة لمجموعات ذات مصلحة، أو لشغلهم وظائف معينة. 4) تختلف شدة رغبات المشاركين بالنسبة لنتيجة المساومة. وتقود عملية المساومة بين الجماعات بمرور وقت طويل، إلى دولة متجهة للنمو، وهذه الدولة تتخذ من القرارات المتعلقة بالسياسة وتوزيع الموارد ما يخلق الحوافز والمؤسسات الفاعلة التي تحفز الاستثمارات الخاصة والعامة، ونمو الإنتاجية، وارتفاع الدخل بالنسبة للفرد، وهي تتجنب القرارات التي تعرقل هذا النمو. وعندما تكون الظروف أكثر شدة، تتحول هذه الدولة إلى دولة متجهة للتنمية، وهذه تظهر عندما تكون قرارات الدولة لا تتجه نحو النمو فحسب، وإنما نحو النمو الذي يشارك فيه أوسع الجماعات. وهذا يعني تحسين رفاهية جميع الجماعات الاجتماعية، وضمان استدامة هذا النمو اقتصادياً وبيئياً. والسؤال الآن هو كيف يؤثر التنوع العرقي في أفريقيا على بناء مساومة متوازنة في إطار عملية بناء المؤسسات أو تدعيمها؟ وتحاول دراسة كوليير وبِنسوانجر (1999) الإجابة عن هذا السؤال، وسنلخص فيما يلي أهم ما ورد في الدراسة. الجماعات العرقية كأساس لعملية المساومة. كما هو الحال في الحروب الأهلية، يُنظر إلى التنوع العرقي في أفريقيا كتهديد لعملية المساومة السياسية التي تجري عندئذ على أسس عرقية. ولكن كوليير وبِنسوانجر يريان، أنه كما في حالة الصراع، يمكن أن يكون التنوع العرقي ميزة لأفريقيا، لأنه يجعل المساومة المتوازنة أسهل لا أصعب. وهما يقولان إن أحد القسمات الأساسية للمساومة المتوازنة هو أن المجموعات ذات المصالح المختلفة ولكن المتساوية في القوة، ستتواجه وتفرض بذلك الوصول إلى حلول وسط بشأن سياسات تعزيز النمو، وهو ما يستفيد منه الجميع. والعائق الأساسي لهذه الأوضاع في ظل الديمقراطية، هو أن بعض الجماعات، وخاصة صغار الفلاحين، يصعب عليهم تكوين جماعات ضغط مثل جماعات أخرى كرجال الصناعة. أما الولاءات العرقية فتكون أساساً جاهزاً للتنظيم السياسي، فالجماعات العرقية ستكون لها مصالح اقتصادية مختلفة نوعاً ما، على الأقل لأنها تعيش في أجزاء مختلفة من البلاد، وقد تكون تزرع محاصيل مختلفة، ولها أفضلياتها بالنسبة لأماكن الإنفاق العام. ولا تنتج جميع أنواع الديمقراطيات مساومة متوازنة، والوضع الأمثل هو أن تكون الجماعات ممثلة بشكل نسبي بحيث لا يمكن تشكيل الحكومات إلا عن طريق تحالفات بين جماعات عرقية مختلفة، وفي هذه الحالات يكون التنوع العرقي المتعدد ميزة كبيرة. والمجتمع الذي ينقسم إلى عرقين فقط، مثلاً، وإحدى الجماعتين أكبر من الأخرى، ستكون فيه المساومة المتوازنة الموجهة للتنمية أكثر هشاشة من مجتمع يجمع بين عدة عرقيات لكل منها حزبها الخاص. وضع قواعد لعمليات المساومة بين الجماعات العرقية. ويجادل كوليير وبِنسوانجر بأن التنوع العرقي الكبير في أفريقيا يساعد أكثر مما يعرقل تكوين تحالفات ثابتة تعزز التنمية، فإن تأكيد ارتباط الانتماء العرقي رسمياً بالعملية السياسية قد يعزز كفاءة ومصداقية مؤسسات الحكم فيها. وقد تبدو هذه فكرة خارجة عن المألوف، ولكننا نرى أنها تستحق الدراسة بالنظر إلى واقع السياسة الأفريقية، ففي جميع البلدان التي جربت نظام الانتخابات المتعددة الأحزاب المتنافسة (بما فيها جنوب أفريقيا)، كان هناك ارتباط وثيق بين الولاء العرقي والارتباط الحزبي. وعلاوة على ذلك، يرى كوليير وبِنسوانجر أن هناك تعارضاًَ بين تعبير الناخب الأفريقي عن عرقيته وبين الهياكل الدستورية التي لا تأخذها في الاعتبار بشكل بناء. وهما يدعوان، لذلك، بتغيير جذري في المواقف يسمح بتبني أنظمة محلية تستوعب الإثنيات، ويشيران إلى أمثلة ناميبيا (1989)، وزمبابوي (1980)، وخاصة جنوب أفريقيا، حبث جرى مثل هذا التغيير بنجاح ملحوظ. اقتراحان للتخفيف من تأثير التنوع العرقي في أفريقيا. تدل النظرة العابرة على الخبرة الأفريقية في تكوين الدولة (مثلاً تشيجي، 1999)، على أن النخب السياسية في عدد من البلدان الأفريقية قد حاولت بناء نوع السياسة الجامعة والتشاركية التي يحتاج إليها التنوع الاجتماعي في أفريقيا، ولكن هذه المحاولات كانت قصيرة العمر، وقابلة للانعكاس. كيف إذن يمكن لهذه الدول الخروج من المأزق؟ هل يساعد فهم أفضل لدور التنوع العرقي في التنمية الاقتصادية على التوجه لتحسين المبادئ العامة لأنظمة الحكم السياسي؟ واستناداً إلى الشواهد المأخوذة من بيانات المسح، يقترح كوليير وبِنسوانجر مجالين يمكن فيهما للتحرك الاستراتيجي من جانب الدولة، وكذلك إعادة رسم الحدود للنشاط الاقتصادي لمصلحة القطاع الخاص يمكن أن تخفف من حالة الفشل الاقتصادي الراجع للتنوع الاجتماعي. نحو حكومة أكثر تركيزاً في أفريقيا. جماعات ذوي القربى عبارة عن شبكات من التعهدات المتبادلة. وكان هذا دورها الأصلي، أي مواجهة احتياجات تأمين المجتمع، وبهذه الوظيفة، كانت هذه الجماعات، وما زالت، مفيدة للغاية. ولكن عندما تنتقل هذه التعهدات إلى الاقتصاد الحديث، فإنها تؤدي إلى الفشل، فأي منظمة حديثة تعتمد على نظام للمستويات الوظيفية، حيث يكافأ الأداء الجيد ويعاقب التراخي، وهذه المكافأة والعقاب هي الحافز الذي يدفع الموظفين إلى الأداء الجيد. وهذه المكافأة والعقاب يقوم بها مديرون يقيّمون الأداء، ولنجاح هذا النظام يجب أن يكون المديرون محايدين، ولكن المديرين يتعرضون في أفريقيا لضغوط نرجع للولاء للجماعات. وهذه الضغوط ليست أدبية فقط، فجماعات ذوي القربى، مؤسسات قوية، ممتدة عبر الزمن، ولها نظامها الخاص من الثواب والعقاب لفرض الامتثال. وهكذا يواجه المديرون مجموعتين من الضغوط: واحدة تعود إلى ضرورة الإدارة الجيدة لمؤسسة حديثة على أساس الجدارة، والأخرى ضرورة إرضاء رغبات جماعتهم الخاصة. وبقدر إرضاء المديرين لرغبات أعضاء جماعتهم، فإن هذا يدمر الحافز لدى الموظفين بالتالي يدمر أداء المؤسسة. ومن الناحية الأخرى، فإن شدة المنافسة في السوق تحد كثيراً من محاباة ذوي القربى في القطاع الخاص كما تدل الشواهد (كوليير وجارج، 1999). وبناءً عليه فإنه من الأفضل إعطاء أولوية للقطاع الخاص على القطاع العام، بالمقارنة بالمناطق الأخرى. على الحكومات أن تعمل على خلق طبقة من رجال الأعمال من السكان الأصليين. من القسمات المميزة لأفريقيا أن هناك اتجاهاً لسيادة أقليات من غير السكان الأصليين على دوائر الأعمال الخاصة في القطاع غير الزراعي، مثل الآسيويين في شرق أفريقيا، واللبنانيين في غرب أفريقيا، وهذا يفسر جزئياً استبعاد هذه الأقليات من ملكية الأرض. وفي هذه الحالات نجد أغلبية أعضاء الجماعة العرقية من السكان الأصليين تعمل بالزراعة، في حين تعمل أغلبية أعضاء الأقلية العرقية (من غير السكان الأصليين) في أعمال بعيدة عن الزراعة. وبدون قصد، يفيد هذا الأقلية العرقية لأن أي عضو منها سيجد الكثير من أعضاء جماعته يشتركون في نفس نوع نشاطه غير الزراعي، في حين أن رجل الأعمال من السكان الأصليين لن يجد إلا عدداً قليلاً من أعضاء جماعته يعمل في ذات نشاطه. ولكن من الممكن للتدخل الحكومي أن يخفف من التباين بين الجماعات العرقية المختلفة في مجالات النشاط, فالمجتمعات ذات التنوع العرقي تحتاج إلى دولة فعالة لتخفيف الآثار السلبية لهذا التنوع في هذا المجال بالمساعدة في خلق طبقة من رجال الأعمال من السكان الأصليين، وتوسيعها. وقد طغت هذه القضية على الجدل الدائر بشأن خصخصة الاقتصاد في أفريقيا، ويحتمل أن تكون لها أبعاد مهمة بالنسبة لقدرة أفريقيا على تحقيق تحول اقتصادي قابل للاستدامة سياسياً في القرن الواحد والعشرين.

4-النتائج يساهم هذا الفصل في الدراسة الحالية بتحليله لعملية النمو، مع التركيز على دور الصراعات الاجتماعية، والمؤسسات المكلفة بالتعامل معها، في تحديد النمو طويل المدى، وعلى أثر هذين العاملين على فقدان استقرار النمو بعد الصدمات الخارجية. وفي حين أن النمو الاقتصادي الكلي أساسي للتخفيض المستدام للفقر، فإن استقرار النمو له آثار مهمة من وجهة الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية في هذا العالم الذي ينقصه تأمين الاحتياجات، ومستويات التجارة. وباستخدام النتائج العالمية للتحليل، حاولنا تقييم الآثار بالنسبة لأفريقيا، التي تتميز بتجزئة عرقية كبيرة (المؤشر الرئيسي على غياب التماسك الاجتماعي)، وكثافة سكانية منخفضة، ومؤسسات سياسية ضعيفة بالنسبة لحل الصراعات الاجتماعية المحتملة. والاستنتاجات الرئيسية لتحليلنا تدعم النتائج التي توصلت إليها الدراسات الاقتصادية الحديثة: أولاً، التنوع العرقي لا يسبب أضراراً للنمو الاقتصادي، إلا في وجود الأتوقراطية، أو عندما لا يتحقق تفاعل قوي بين الجماعات بسبب التجزئة الجغرافية. وفضلاً عن ذلك، فالتجزئة العرقية ليس لها أثر سلبي أصيل على النمو، وإن كان الاستقطاب العرقي يؤدي إلى خفضه. ومن هنا نصل إلى النتيجة أن أفريقيا تحتاج إلى ديمقراطية عاملة حتى تحقق التنمية، وأن التنوع العرقي ليس السبب المباشر لنموها البطيء. وفي هذا المجال، تتفق نتائجنا مع كوليير(2000) ولكنها تشير أيضاً، إلى أن التجزئة الجغرافية، مثلها مثل غياب الديمقراطية، يمكن أن تعرقل التفاعل الإيجابي بين الجماعات، ويمكن لذلك، أن يكون لها أثر سلبي على النمو طويل المدى في أفريقيا المجزأة عرقياً. وهذا الاستنتاج يتسق مع التأثير القوي لعدد من المتغيرات الجغرافية التي استنتجها بلوم وساكس (1998)، وجالوب وساكس (1998). وهذا يشير إلى أن تأكيد بلوم وساكس على التوسع في سياسة التنمية لتشمل، ضمن أشياء أخرى، تدابير لزيادة كثافة السكان والاقتصاد على طول السواحل، وطرق التجارة، لن يزيد القدرة على المنافسة الاقتصادية وحسب، وإنما سيعزز من التعاون بين المجموعات عن طريق زيادة كثافة التفاعلات والمشاورات. ويدعم تحليلنا لأسباب عدم استقرار النمو، تحليل رودريك (2000) بأن المجتمعات التي يسودها الصراع، يمكن أن تتعرض لعدم استقرار النمو بعد الصدمات الخارجية (مثل تلك الناتجة عن شروط التبادل). وقياسنا للصراع الاجتماعي باستخدام المتغير المشترك للتجزئة العرقية، مضروباً في مؤشر للأتوقراطية، أو مضروباً في مؤشر للتجزئة الجغرافية، يوفر نظرة متعمقة لما ينتظر أن يحدث لأفريقيا في العصر القادم الذي يزداد فيه تكامل الاقتصاد العالمي، وعولمته. والعولمة ينتظر أن تؤدي لمزيد من فرص التوسع في التجارة، ونقل التكنولوجيا، ولكنها ستكون مصدراً لمزيد من عدم الاستقرار الاقتصادي العالمي. ولذلك يصل تحليلنا إلى أنه بدون ديمقراطية فاعلة، وبدون شبكات جغرافية واجتماعية أوسع وأقوى، ستكون فرص أفريقيا في تحقيق نمو اقتصادي مستدام في عصر العولمة القادم، اقل. وتحاج أفريقيا إلى أكثر بكثير من مجرد القدرة التنافسية لتحول العولمة إلى عامل حافز للتنمية الاجتماعية والاقتصادية.










المراجع

Alesina, Alberto, Reza Baqir, and William Easterly. 1999. Public goods and ethnic divisions. Quarterly Journal of Economics (November). Annett, Anthony. 1999. Ethnic and religious division, political instability, and government consumption. IMF mimeo. March. Becker, G. 1983. A theory of competition among pressure groups for political influence. Quarterly Journal of Economics 98, no. 3: 371-400. Bloom, D., and J. Sachs. 1998. Geography, demography, and economic growth in Africa. Brookings Papers on Economic Activity 2: 207-273. Chege, M. 1999. Politics of development: Institutions and governance. A background paper prepared for Africa in the 21st Century Project. World Bank, Washington. D.C. Collier, P. 1999. The political economy of ethnicity. In Annual Bank Conference on Development Economics, edited by B. Pleskovic and J.E. Stiglitz. World Bank. ___. 2000. Implications of ethnic diversity. A paper presented at the 31st Economic Policy panel meeting, Lisbon, April. Collier, P., and A. Hoeffler. 2000. Greed and grievance in civil war. Mimeo, World Bank. Washington. D.C. Collier, P., and H. Binswanger. 1999. Ethnic loyalties, state formation and conflict. A background paper prepared for Africa in the 21st Century Project. World Bank, Washington, D.C. Collier, P., and A. Garg. 1999. On kin groups and wages in the Ghanaian labor market. Oxford Bulletin of Economics and Statistics 61:133-52. Diamond, J. 1997. Guns, germs and steel: The fates of human societies. W. W. Norton. Easterly. W. 2000a. The middle class consensus and economic development. Mimeo. World Bank, Washington, D.C. ___. 2000b. Can institutions resolve ethnic conflict? Mimeo. World Bank, Washington, D.C. Easterly, W., and R. Levine. 1997. Africa's growth tragedy: Policies and ethnic divisions. Quarterly Journal of Economics CXII, no. 4 (November): 1203- 1250. Elbadawi. I., and J. Randa. 2000. Social fractionalization and economic growth. Mimeo. World Bank, Washington, D.C. Galiup, J., and J. Sachs 1998. Geography and economic development. Mimeo. Harvard University. Goldin, C., and L. Katz. 1997. Why the United States led in education: Lessons from secondary school expansion, 1910 to 1940. NBER Working Paper 6144, August. Knack, S., and P. Keefer. 1995. Institutions and economic performance: Cross- country tests using alternative institutional measures. Economics and Politics VII: 207-227. Landes, D. 1998. The wealth and poverty of nations: Why some are so rich and others so poor. W. W. Norton. La Porta, Rafael, F. Lopez-de-Silanes, A. Schleifer, and R.Vishny. 1998. The quality of government. National Bureau of Economic Research Workin Paper Series 6727, September. Mauro, P. 1995. Corruption and growth. Quarterly Journal of Economics CX: 681- 712. Rodrik, D. 1999. Where did all the growth go? External shocks, social conflict and growth collapses. Journal of Economic Growth 4, no. 4 (December): 385-412. ___. 2000, Participatory politics, social cooperation and economic stability. Mimeo, Harvard University. Rodrik, D. Sandbrook, R. 1986. Hobbled Leviathans constraints on state formation in Africa. International Journal XLI: 707-733. Svensson, J. 1998. Foreign aid and rent-seeking. World Bank, Development Economics Research Group Policy Research Working Paper. Sowell, T. 1998. Conquest and cultures: An international history. Basic Books. Taylor, C., and M. Hudson 1972. World handbook of political and social indicators. 2nd edition. New Haven, CT: Yale University Press. Tilly, C. 1990. Coercion, capital and European states, AD 990-1990. Cambridge, MA: Basil Blackwell. Wendt, A., and M. Bamett. 1993. Dependent state formation and Third World militarization. Review of International Studies 18, no. 2: 321-347.






الحـواشـي







الفصل الثالث

العولمة وفقدان الأمن للبشر في أفريقيا









العولمة وفقدان الأمن للبشر في أفريقيا




م. أ. محمد صالح* ترجمة: سعد الطويل

1- تقـديـم لا تعد أفريقيا غريبة عن العولمة وتأثيراتها، فعلاقاتها مع الإمبراطورية الرومانية، والعرب، ثم البرتغال وإسبانيا (أول تجار العبيد الأوروبيين في أوائل القرن الخامس عشر) استمرت قروناً طويلة. وكانت تجارة العبيد، وتقسيم أفريقيا بين القوى الاستعمارية في مؤتمر برلين (نوفمبر 1885)، علامات طريق بائسة في تاريخ أفريقيا. وفي هذه اللقاءات المبكرة مع العولمة، لعبت أفريقيا دور الشريك التابع في العملية العالمية لإنتاج وتجارة السلع والخدمات، مع أن أفريقيا ساهمت بعمل العبيد الذي ساهم بإنتاج الجزء الأكبر من ثروة الأمريكتين (ساساي 1986؛ وأديسا وأباجاجي 1986). ولم تظهر البلدان الأفريقية لا سياسياً ولا اقتصادياً على الحلبة العالمية، لأنها كانت مستعمرات للقوى الإمبريالية (بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا وغيرها). وتكشف الأدبيات (باران 1957؛ وألوكو 1982؛ وصامويل 1980؛ ورايت وبراونفوت 1987) أن تطور القارة الأفريقية في القرن التاسع عشر قد حدد مصيرها، وعلاقاتها لا بأوروبا وحدها، وإنما وضعها في هياكل اليوم الاقتصادية والسياسية العالمية. وليس من الغريب أن عولمة القرن التاسع عشر بنيت على التجارة الحرة الإمبريالية بين أعضاء نادٍ مقفل على القوى الاستعمارية المتنافسة. وكما يقول آكسفورد (1995، 101-2)، ففي مرحلة لاحقة، وتحت سيطرة بريطانيا والولايات المتحدة، أصبح مثال الاقتصاد الحر الدولي بمثابة المرجعية الدينية. وقامت القوى العظمى بدور الضامن لهذا النظام المنفتح، وذلك باستخدام معيار الذهب في أواخر عهد السيطرة البريطانية، واتفاقية بريتون وودز بعد الحرب العالمية الثانية. بهدف إضفاء طابع مؤسسي على نظام للتجارة العالمية الحرة تحت سيطرتهم. وفي حين أثر مؤتمر برلين على القارة وقسمها فيما بينهم، فقد تابع نظام بريتون وودز التأثير على القارة، وعلى ذات الدول التي أنشأها ذلك المؤتمر. في أعقاب الحرب العالمية الثانية، انتهى نظام التجارة الذي سيطرت عليه القوى الغربية المنتصرة إلى قيام الجات ومنظمة التجارة العالمية، وتطورها إلى المؤسسات المتعددة الأطراف لتعزيز مبدأ "التجارة الحرة" (هكمان وكوستيكي، 1995). أما في أوائل القرن العشرين، في وجود الاستعمار للكثير من البلدان النامية، كانت أنظمة التجارة الحرة تحقق الفوائد لنادٍ مغلق تسيطر عليه القوى الاستعمارية، التي كانت تحمي مصالحها التجارية بتواجدها العسكري الكثيف فيما وراء البحار. وأحد القسمات الشائعة في عولمة القرن التاسع عشر وأوائل العشرين، كانت حدوث موجات كبيرة من الهجرة الأوروبية الاستيطانية إلى ما سمي بالعالم الجديد، وخلق هذا الشكل من العولمة، فرصاً واسعة، وثروة ومستوى معيشة مرتفعاً لملايين من الأوروبيين الباحثين عن الثروة. ومع كل الجوانب السلبية لعولمة القرن التاسع عشر وأوائل العشرين من وجهة نظر شعوب المستعمرات، إلا أنها سهلت التحرك والاتصال، لأول مرة، بين الملايين من الشعوب والثقافات المختلفة حول العالم. أما نهاية القرن العشرين، فقد شهدت تدهوراً نسبياً في نفوذ القوى الاستعمارية، ولكن دورها كلاعبين كبار في الحلبة العالمية لم ينخفض كثيراً. والعولمة وهي الشغل الشاغل لنا اليوم، هي نتاج الرأسمالية الصناعية المتقدمة، وهي تظهر في أربعة مجالات: أ) التجارة، ب) الإنتاج، ج) المالية، 4) التكنولوجيا، وبعكس عولمة القرن التاسع عشر، فهذه المجالات الأربعة يحكمها عدد من الاتفاقات والاتفاقيات. ولكن عولمة القرن العشرين ليست امتداداً لعولمة القرن التاسع عشر، وإنما هي أكثر صرامة، وقادرة على تحويل العالم إلى صورتها الخاصة (مستعمرات سابقة متخلفة، ومستعمرون سابقون متقدمون صناعياً). وفي المقابل، كانت عولمة القرن التاسع عشر تتميز بوجود دول فاعلة تتحكم في التجارة، وتقنن الأسواق. وعلى الرغم من أن عولمة القرن العشرين قد احتفظت بجزء من مؤسسات القرن التاسع عشر المسيطرة والقاهرة (العسكرية)، إلا أنها تخلت عن الجزء الأكبر من دور الدولة في التدخل لتصحيح النتائج الضارة لتقلبات السوق، وتركتها للمؤسسات المالية والشركات العالمية. ويشبه هارفي (1995، 131) الشركات العالمية بإمبراطورية عالمية ليس لها أي ولاء لمكان أو لجماعة، وتعمل على أساس الربح فقط، والتشابه بين "إمبراطورية رجال الأعمال" وبين الإمبراطوريات القديمة يثير الاهتمام رغم الفارق في المضمون والأهداف والوسائل. وقرب أواخر القرن العشرين، وخاصة بعد نهاية الحرب الباردة، كانت العولمة تتحرك تحت تأثير حرب صليبية تسير خلف راية اللبرالية الجديدة، وبذلت الكثير من الجهد من أجل تفكيك الدولة. وفي رأيي أن الاختلاف الرئيسي مع أنواع العولمة التي وُجدت قبل التسعينيات هو أن الأخيرة لم تكن تحت سيطرة مصالح الشركات الخاصة، ولكن هذا لا يعني أن تدخلات تلك المؤسسات المالية العالمية قد نجحت في توفير الظروف الاجتماعية الاقتصادية، أو البيئية التي تؤدي إلى تحقيق الأمن البشري. وينطبق هذا بصفة خاصة في حالة البلدان النامية التي انتقلت من حالة القهر الاستعماري، إلى المنافسة بين القوى العظمى، ومنها إلى سيطرة العولمة النيو –لبرالية. وهكذا ظهرت الرأسمالية الصناعية المتقدمة ذات الامتداد المالي والعسكري العالمي الكبير (أي السبعة الكبار، والناتو، وشبكة الأمم المتحدة الواسعة الانتشار). ويحافظ على نظام الأمن في الاقتصاد العالمي المعولم، الأذرع الآتية: أ‌. حكم القطب الواحد العسكري ب‌. تدعمه أقوى المؤسسات المالية العالمية (صندوق النقد الدولي، والبنك العالمي) ج‌. وتحت الحماية الاقتصادية لكتلتين إقليميتين للتجارة (الاتحاد الأوروبي، واتحاد التجارة الحرة لشمال أمريكا) ويُعرف النموذج السائد للعولمة بأنه الشكل النيو-لبرالي للاقتصاد السياسي، ولكنه يُطبق على مستوى العالم، ويقوم على أساس المبدأ القائل بأن الاقتصاد العالمي سيحقق أعلى كفاءة في المدى الطويل إذا سيطرت عليه قوى السوق الحرة، وذلك بغض النظر عن أية آثار اجتماعية أو سياسية. وهو يشترك مع الفكر النيو-لبرالي في أربع قسمات: 1)التمسك الشديد بكفاءة السوق بوصفها أساس النظام الاجتماعي، واعتبار قيم السوق أكثر موضوعية من القيم الاجتماعية؛ 2)عدم رضا واضح عن العدالة الاجتماعية، أو تحقيق الرفاهية، باعتبارها تعرقل حرية السوق؛ 3)نظرة انتقادية لتدخل الدولة لتصحيح أخطاء السوق، باعتبارها تحد من قوى السوق الأكثر كفاءة؛ 4) كراهية لسياسات الدعم، وتقبل بصعوبة مراقبة أسعار الاحتياجات الأساسية، أو تحديد حد أدنى للأجور لحماية المهمشين والضعفاء. وهكذا فالعولمة اللبرالية الجديدة حليف وثيق للقطاع الخاص، ومصالح الشركات، والمؤسسات المالية العالمية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وهي تنادي بالمنافسة الحرة في السوق، مع أنها في الحقيقة، تحمي مصالح كتل التجارة الإقليمية الكبرى مثل الاتحاد الأوروبي، واتحاد التجارة الحرة لأمريكا الشمالية. وهذه المؤسسات تخضع لإشراف وتحكم السبعة الكبار، والناتو، والأعضاء المهمين في الأمم المتحدة الذين يملكون حق الفيتو الذين يطلق عليهم المجتمع الدولي. وهذه العولمة مبنية على الأيديولوجية النيو-لبرالية ولهذا السبب نجحت في أن تحقق في الخارج ما لم تنجح في تحقيقه بين المجتمعات المدنية الديمقراطية الصناعية ذات الصوت السياسي المرتفع. والنتائج التي تفرضها على البلدان النامية، وخاصة القطاعات المهمشة فيها، تماثل تلك التي فرضتها على المهمشين في المجتمعات الصناعية، مع وجود تعض الاختلافات. ومع أن المظاهر الأكثر انتشاراً للعولمة النيو-لبرالية اقتصادية الطابع، إلا أن نتيجتها الرئيسية هي التهميش الاجتماعي والثقافي، وفي حين اتخذت خطوات واسعة نحو التكامل الاقتصادي، مع ما له من نتائج سلبية، فإن النتائج الاجتماعية السلبية خطيرة جداً. وفي المجال الاجتماعي، عبر مكلوخان وباورز (1994، 93) بسذاجة عن التشابه بين الصور التي تنقلها وسائل الاتصال الجماهيرية عبر العالم، ومفهوم "القرية الكونية": "تحل وسائل الاتصال الإلكترونية محل الوسائط الفردية الطابع كالمطبوعات، والساعة والنقود وتعيد بذلك، الثقافة الجماعية للقبيلة، ولكن على مستوى عالمي واسع، وأهم ما يميزها هي السرعة. فحيث أن الاتصال الإلكتروني يتم في لحظة، فهو يجر الأحداث والأماكن معاً، ويجعلها مترابطة بالكامل. وكما كان أعضاء المجتمع القبلي واعون بالترابط الكامل فيما بينهم كذلك يشعر أعضاء المجتمع الحديث بكامله بنفس الارتباط." والمفارقة أن محرك العولمة النيو-لبرالية هو المؤسسات، والممارسات المالية التقليدية التي ما زالت مسيطرة على المجال الاقتصادي و السياسي، وتلعب التطورات التكنولوجية، خاصة في مجال الإعلام والاتصال دوراً محورياً في تعزيز سيطرة رأس المال، والشركات الكبرى هذه. وفي رأينا، أن تكنولوجيا الإعلام والاتصال هي المكونات الإيديولوجية للعولمة النيو-لبرالية، وحجر الأساس لها. وإضافة إلى ذلك، فإن تكنولوجيا الإعلام والاتصال تتبنى القيم الأساسية المرتكزة إلى تسهيل انتشار العولمة النيو-لبرالية، ونضيف أن المؤسسات التابعة مثل تكنولوجيا الإعلام والاتصال تسهل وجود المالية/الشركات على المستوى العالمي، وهي تعمل، كذلك، كأدوات لاستيعاب الأسس الإيديولوجية للعولمة النيو-لبرالية، وبذلك تزيد من الالتباس حول دور وسائط الاتصال كعامل محايد في هياكل السلطة العالمية. إن العلاقة الثلاثية بين التقدم التكنولوجي، وقوة الشركات، والسيطرة المالية، قد حولت الأمن البشري إلى رهينة في يد حفنة من اللاعبين العالميين ذوي النفوذ، وهي قد حددت الإطار لوضع جدول الأعمال، وحل المشاكل بطريقة تجعلها تبدو كالإطار المؤسسي الوحيد الذي يمكن من خلاله مواجهة شواغل الأمن البشري. وبصفتها حجر الزاوية للعولمة النيو-لبرالية، وضعت المصالح المالية والشركات نماذج للتهميش تدمر الأمن البشري سواء في البلدان المتقدمة، أو النامية. ولكن النتائج السلبية للعولمة النيو-لبرالية أسوأ في البلدان النامية، لأسباب تعود إلى التخلف، والفقر، وضعف القدرة على المساومة التي تسمح لها بالتأثير على المؤسسات المالية، ومصالح الشركات، التي تضمن الأمن البشري لطبقة مغلقة من "المواطنين العالميين"، وتتمحور روح هذه الطبقة حول خمسة محاور رئيسية: انعدام الارتباط الإقليمي، والتجارة الحرة، ورأس المال المالي سريع الحركة عن طريق مؤسسات وأسواق مالية ذات نفوذ، وتراكم مبني على المعارف والتكنولوجيا، بمساعدة ثورة تكنولوجيا الإعلام والاتصال المتقدمة. والسؤال الذي يرد على الخاطر هو: ما هي القارات أو البلدان التي يمكن أن تستفيد من العولمة النيو-لبرالية، وتحت أي ظروف؟ وفي رأينا، أنه في الظروف الحالية، لا تستطيع إلا البلدان التي استفادت من الموجات السابقة للعولمة أن تكون في وضع يسمح لها أن تجابه الضغوط الاقتصادية والسياسية للعولمة النيو-لبرالية. ومع ذلك، فحتى هنا، فإن النتائج السلبية للعولمة النيو-لبرالية الراجعة للسيطرة المستمرة للمؤسسات المالية، وسلطة الشركات، يمكن أن تكون خطيرة، وما نريد تأكيده، هو أن مناصري العولمة النيو-لبرالية، يبدون اهتماماً أكبر بأمن المؤسسات المالية، ومصالح الشركات، من اهتمامهم بالأمن البشري. وقد تعرض الأمن البشري للضغط حتى في العالم المتقدم، بسبب الهجوم الشرس للحكومات على الرفاهية الاجتماعية، واعتبارها مسئولة عن ضعف القدرة التنافسية للاقتصاد على مستوى العالم. وفي القسم التالي، سندرس نتائج العولمة النيو-لبرالية بالنسبة لتدمير الأمن البشري للأفريقيين.

2-أفريقيا والعولمة النيو-لبرالية أفريقيا هي إحدى القارات التي بدأت تجارب العولمة النيو-لبرالية تؤثر سلباً على اقتصادها ومجتمعاتها منذ الثمانينيات، وقد فرضتها المؤسستان الماليتان الأقوى في العالم وهما صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي. وقد بررتا التدخل في أفريقيا بالوعد بإخراج أفريقيا من أزمتها الاقتصادية في الثمانينيات، وكانت القسمات الرئيسية لهذه الأزمة هي تدهور مستوى المعيشة، وارتفاع مستوى الفقر وسوء التغذية. وكان من نتائج الأزمة كذلك، انخفاض الإنفاق على القطاع الاجتماعي، وانخفاض عدد المنضمين للمدارس، وارتفاع نسبة الوفيات بين الأطفال والأمهات (باسو وستيوارت، 1995، 138). كذلك أدت الأزمة لانخفاض متوسط الدخل للفرد على نطاق واسع، وكذلك انخفاض في الدخل الإجمالي الحقيقي للفرد، وانخفاض متراكم في الدخل المحلي الإجمالي، ومعدل سلبي لنمو الدخل المحلي الإجمالي (البنك الدولي، 1980، و1991).

استجابة للأزمة الاقتصادية في أفريقيا، لعب البنك الدولي وصندوق النقد الدولي دوراً وقائياً بوضع برامج تثبيت الاقتصاد، ثم تلتها برامج التكيف الهيكلي. وكان هدف برامج تثبيت الاقتصاد الحد من التضخم، وإعادة التوازن الضريبي، وتحسين التوازن المالي الخارجي، وخلال الثمانينيات، حصل حوالي 34 بلداً أفريقياً على قروض التكيف من البنك الدولي، أو صندوق النقد، أو كليهما. وكانت برامج تثبيت الاقتصاد تتضمن ما يلي، مع بعض التنويعات: 1) تثبيت الأسعار، عن طريق رفع الدعم عن المواد الغذائية، وغيرها من الضروريات، 2) إعادة التوازن إلى ميزانية الحكومة، عن طريق رفع الضرائب، وتخفيض الإنفاق الحكومي، وخفض نفقات القطاع العام، 3) تحرير التجارة الخارجية، عن طريق إلغاء نظام رخص التصدير والاستيراد، 4) تخفيض العملة المحلية، بمساواة قيمتها بالقيمة في السوق السوداء، كوسيلة لزيادة الصادرات. وبعد فترة تحولت برامج تثبيت الاقتصاد إلى برامج تكيف هيكلي مكتملة، وهذه تتضمن خصخصة الشركات الحكومية، وإصلاح قطاع المالية والبنوك، إنشاء أسواق مالية، ومزيد من الاعتماد على السوق لتحديد أسعار السلع والخدمات التي توفرها الدولة والقطاع الخاص. وبعد فحص المعايير الاقتصادية الرئيسية الأربعة (نمو الناتج المحلي الإجمالي، ودخل الفرد، والاستثمار، ومعدلات التبادل التجاري)، ونتائج البحوث الحديثة، أصبح من الواضح أن مكاسب أفريقيا من وصفة العولمة النيو-لبرالية لا تُذكر، فموزلي (1994، 71)، مثلاً، يصل إلى النتيجة التالية: "على الرغم من أن أداء البلدان القائمة بالتكيف، كان أحسن بالنسبة لجميع المؤشرات (فيما عدا الاستثمار)، عن أداء البلدان التي لم تقم بالتكيف من بين مجموعة البلدان ذات الدخل المنخفض والبلدان جنوب الصحراء، فإن أداء معدل النمو والتصدير، لدى البلدان التي لم تقم بالتكيف، كان أفضل منه بالنسبة للبلدان التي أخذت قروضاً للتكيف."

وللأسف، فحتى أهداف تكامل السوق العالمي لم تتحقق، وأرجع البنك الدولي السبب في ذلك إلى الأوضاع السيئة التي تعمل الاقتصادات الأفريقية فيها. ويقول باسو وستيوارت (1995، 142) إن التدهور في الأوضاع الخارجية التي تعمل الاقتصادات الأفريقية في إطارها، كانت، بلا شك، أحد العوامل وراء الأداء الضعيف لهذه الاقتصادات. وقد جاء في تقرير البنك الدولي (1994،أ)، أن البلدان الأفريقية التي قامت بالتكيف بين عامي 1980 و1990، قد عانت من انخفاض بمقدار 21 % من قيمة الدخل المحلي الإجمالي الحقيقي بالنسبة للفرد، كما جاء بالتقرير كذلك، أنه من بين 35 بلداً، عانى 27 بلداً من معدل سلبي لنمو الدخل المحلي الإجمالي، خلال نفس الفترة (البنك الدولي 1994، أ، 138-9). وجاء في تقرير حديث لبنك التنمية الأفريقي (1998،1)، أنه حدثت، في عام 1997، زيادة مجمعة قدرها 3,7 % في الناتج المحلي الإجمالي، أي بزيادة عن متوسط النمو للأعوام 1990-1995، وكان 1,9 %. كذلك جاء في تقرير بنك التنمية الأفريقي، أن عدد البلدان التي حققت معدل نمو سلبي قد انخفض من 17 عام 1990، إلى ستة عام 1997، وكانت اغلبها بلدان تعاني من مشاكل اجتماعية سياسية (مثل الحروب الأهلية). ولكن رئيس بنك التنمية الأفريقي، عمر كباج (1998،1)، سارع إلى القول بأن "الانخفاض المتوالي للناتج المحلي الإجمالي طوال العقد والنصف السابقين، يعني أنه لا بد من الإسراع بمعدل نمو الناتج المحلي الإجمالي لتعويض الدخل المفقود، ولوقف انتشار الفقر المدقع، وعكس ذلك الاتجاه." وفي نفس الاتجاه، أضاف أن اللامساواة قد ازدادت مما ضاعف من تركيز الثروة في أيدي القلة، والدليل ما جاء بتقرير بنك التنمية الأفريقي (1998، 28) من أن: "استمرت أفريقيا في التخلف وراء العالم النامي، ففقدت نصيبها من السوق العالمي في الإنتاج والصادرات، والاستثمار المباشر. وقد انخفض متوسط دخل الفرد في البلدان الأفريقية، بشكل نسبي من 14 بالمائة عام 1965، إلى 7 بالمائة عام 1995. وليس هناك تفسير واحد لهذه المشكلة، ولا يوجد حل سريع لها. ومع اتفاقنا مع تقرير البنك من أنه لا يوجد حل سريع، إلا أننا لا نوافق على أنه ليس هناك تفسير واحد لهذا الوضع، فعلى الرغم من الأزمة الاقتصادية التي عانت منها أفريقيا منذ الثمانينيات بما فيها أزمة الديون، فقد كان متوسط دخل الفرد في أفريقيا منذ عقد ونصف، أي قبل تنفيذ برامج التكيف الهيكلي، أعلى منه اليوم. ومن الحقائق الدالة، أنه بعد عقدين من الإدارة المباشرة للاقتصادات الأفريقية، يعترف المستر جايكوكس نائب رئيس البنك الدولي لشئون أفريقيا، أنه بالرغم من سياسات التدخل العنيفة للإصلاح، "لم يتمكن البنك من وضع حلول لمشاكل أفريقيا الاقتصادية". يصف الكثير من المؤلفين برامج التكيف الهيكلي بأنها محاولة خاطئة من مؤسستين ماليتين قويتين، وهما البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لإنقاذ بعض البلدان من الأزمة، ولكننا نرى أن الهدف الرئيسي لهاتين المؤسستين كان إدماج البلدان النامية، بما فيها أفريقيا في مشروع للعولمة النيو-لبرالية. ونظراً لأن هذه البرامج المدفوعة من الخارج، للتكيف الهيكلي، واكبت ظهور عولمة القرن العشرين، فإنه يمكن استنتاج أن هذه المؤسسات هي أدوات لتوسع العولمة النيو-لبرالية. ومن هذا المنظور فقد وفرت أفريقيا حالة فريدة لفهم دور المؤسسات المالية، ذات النظرة العالمية، في إدماج القارة في روح العولمة النيو-لبرالية. بناء عليه نرى أن برامج التكيف الهيكلي، وما تلاها من صراعات اجتماعية واقتصادية وسياسية، هي نتيجة مباشرة لفرض نموذج للعولمة النيو-لبرالية باستخدام البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. وفي الحقيقة، فإن النتائج الضارة للعولمة النيو-لبرالية على الأمن البشري في أفريقيا مترابطة هيكلياً، فالتغير المحدود لبعض الاقتصادات الأفريقية قد كلف غالياً من وجهة نظر البشر، ولا تشارك فيه أغلبية الشعوب الأفريقية. وفشل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في تقديم حلول مقنعة لأزمة أفريقيا الاقتصادية، أو في المساهمة في ضمان الأمن البشري، هو شهادة فشل للعولمة النيو-لبرالية في حالة أفريقيا. وقد أدت الإصلاحات الهيكلية المبنية على روح العولمة النيو-لبرالية إلى ازدياد مذهل في مستوى الفقر، وتدهور الأوضاع الاجتماعية الاقتصادية لشعوب أفريقيا.

3- العولمة النيو-لبرالية وفقدان الأمن البشري بالرجوع إلى تعريف البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، يتعلق الأمن البشري بمفهومين يدعم كل منهما الآخر: 1) الخلاص من التهديد المزمن للجوع والمرض والقهر، و2) الحماية من الصدمات المفاجئة والمؤذية التي تؤدي إلى انقطاع نظام الحياة اليومي. وكلا المفهومين يعني التنمية البشرية عن طريق تمكين الأفراد من التوسع في اختياراتهم، وقدراتهم، والفرص المتاحة لهم بحرية بما يضمن لهم أن الفرص المتاحة لهم اليوم لا تختفي فجأة غداً (البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، 1994، 231). وطبقاً للبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، فالمكونات الرئيسية للأمن البشري تشمل الأمن الاقتصادي، والشخصي، والجماعي السياسي، وضمان الطعام، والصحة. ومن الواضح ان هذا المفهوم للأمن يتجاوز الفهم التقليدي للأمن العسكري، وهو في الواقع، جزء من مفهوم أوسع للأمن فـي العــالم الثالث، يصفه أتشاريا (1997، 301) بأنه يمثل تحدياً جدياً للمفهوم التقليدي للأمن. ويحدد أتشاريا أهمية الأمن البشري للبلدان النامية في تحدي النقاط الثلاث الآتية: 1) التركيز على أن التهديد من دولة لأخرى هو أساس التهديد للأمن، 2) استبعاد الظواهر غير العسكرية من دراسات الأمن، 3) الاعتقاد بأن توازن القوى العالمي هو الأساس الشرعي والفعال للنظام العالمي. ونضيف لهذا أن الأمن البشري أساسي بقدر ما يتعامل مع مفهوم للأمن يركز على البشر، ويتناقض في أغلب الأحوال مع المظاهر الثلاثة للأمن التقليدي التي ينتقدها أتشاريا، والتي لا تتسق مع خصوصية العالم الثالث. وأية محاولة للتوفيق بين الأمن البشري وبين روح العولمة النيو-لبرالية، مآلها الفشل لأن هذه العولمة تؤكد على الاقتصاد المجرد من أية مشاعر، وعلى الطمع الذي يحاربه الأمن البشري. وفي رأينا أنه يجب توفر ثلاثة شروط قبل أن يفكر أي بلد أو قارة في الانضمام إلى النادي المغلق للمشروع النيو-لبرالي العالمي، وهي: 1) مستوى متقدم من التنمية الاقتصادية والصناعية تضمن لسكانه الاحتياجات الأساسية للحياة، 2) تطوير اتصال عالمي اقتصادي وتكنولوجي، 3) التمكن من مستوى مناسب من القدرة التنافسية التجارية، والقدرة على مقاومة ضغوط قوى السوق الحر على مستوى العالم. وأغلب، إن لم تكن جميع، المجتمعات والاقتصادات الأفريقية محرومة من هذه الصفات، وفي الواقع، لا يقترب أي من البلدان الأفريقية من تحقيق شروط الانضمام إلى النادي الذي يضم حفنة من اللاعبين العالميين يحق. وبالعكس، فقد أدى التقدم في طريق العولمة النيو-لبرالية إلى الإضرار بقدرة أفريقيا على تحقيق المتطلبات الأساسية للأمن البشري، وبعبارة أخرى، فبعيداً عن تحقيق الأمن العالمي الشامل، ساهمت العولمة النيو-لبرالية في تدهور المؤسسات الأفريقية التي توفر الأمن البشري، وأصبحت سبباً رئيسياً في فقدان أمن المعاش، والأمن الاجتماعي والشخصي. وهذه الشواغل الثلاثة للأمن البشري تدعم الواحد منها الآخر، وتتداخل مع ما بات يعرف اليوم بجدول الأمم المتحدة الزمني الجديد للأمن (أي الأمن الاقتصادي، والشخصي، والأمن السياسي للمجتمع، وأمن الغذاء والصحة). وسنحاول في بقية هذا العرض المختصر، أن نشرح شروط مجالات الأمن البشري الثلاثة هذه، مع الإشارة خاصة، إلى أفريقيا، وفي إطار العولمة النيو-لبرالية، والهدف هو توضيح كيف أضرت هذه الأخيرة بالأمن البشري في هذه القارة المنحوسة. إن تحقيق أمن المعاش، والأمن الاجتماعي يعكس اهتمام الدولة والمجتمع، وكذلك الوعي بنتائج التهميش الاجتماعي. وهناك شرطان لتحقيق القدرة على إشباع الاحتياجات الإنسانية الأساسية، والأمن البشري، وهما: 1) الانشغال بقدرة الأفراد والجماعات على الحصول على الغذاء الكافي، والدخل المنتظم لضمان احتياجاتهم الأساسية، 2) يجري إشباع الاحتياجات الإنسانية بتحقيق الأمن البشري عن طريق امتلاك الموارد، أو الحصول على فرص العمل، و/أو شبكات الحماية الاجتماعية لمواجهة المخاطر والطوارئ. وضمان المعاش المستدام في إطار هذه الشروط، يحقق الأمن الاجتماعي والبيئي، وأمن المعاش، أي ثلاثة من أعمدة الأمن البشري في البلدان النامية وغيرها. ولسوء الحظ، تحقق العولمة النيو-لبرالية العكس بالضبط، ويمكن قياس انشغال الدولة بآليات توقير المعاش والحاجات الاجتماعية بفحص وتحليل الاعتمادات المخصصة للتعليم والصحة، وكذلك تحقيق الأمن الغذائي. وطبقاً لما جاء بتقرير التنمية الأفريقية (1998، 143)، تحسن وضع التعليم بشكل ملحوظ، حيث زاد قيد التلاميذ في التعليم الابتدائي، في الفترة من 1960 إلى 1970، بمعدل سنوي 6,5 بالمائة، وارتفع هذا المعدل في الفترة من 1970 إلى 1980، إلى 8,9 بالمائة. وخلال الثمانينيات انخفض معدل قيد التلاميذ بوضوح، فبلغ 4,2 بالمائة، وكان هذا انعكاساً للخفض في الإنفاق على التعليم العام كنسبة من الناتج المحلى الإجمالي في فترة التكيف الهيكلي. وبين 1981 و1990، شهدت أفريقيا هبوطاً في نسبة المخصصات الاجتماعية، وجاء في تقرير البنك الدولي (1994 ب) أن المخصصات للتعليم والصخة انخفضت في عشرة من بين 13 بلداً تطبق برامج الهيكلة، وفي حالة التعليم خاصة، يقول البنك الدولي في نفس التقرير، إن الأزمة وما تبعها من سياسات قد أثرت سلباً على فرص التعليم. وخلال العقد والنصف السابقة على البدء في برامج التكيف الهيكلي، كان هناك ارتفاع ملحوظ في معدلات القيد في التعليم الابتدائي والثانوي، ولكن بنهاية الثمانينيات حدث انخفاض في معدل القيد في التعليم الابتدائي والثانوي في 49 بالمائة من البلدان الأفريقية. ويُرجع باسو وستيوارت (1995، 161) الاتجاه السلبي للقيد في المدارس إلى انخفاض دخل الآباء، مما يعني أن عمل الأبناء أصبح حيوياً لبقاء الأسرة وتحمل النفقات. وقد عانت دخول العائلات من الارتفاع في رسوم التعليم، والتبرعات المطلوبة منهم، فضلاً عن التدهور في الموارد المتاحة للتعليم (أي الانخفاض في معدل الاعتمادات الاجتماعية). ومن بين 35 من البلدان التي طيقت برامج التكيف، رفعت ثلاث منها فقط مخصصات التعليم والصحة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، حيث ارتفعت نسبة المخصصات الاجتماعية. وفي مجال الصحة، خفضت 20 من البلدان ذات الدخل المتوسط والمنخفض، الإنفاق للفرد بنسبة 10 بالمائة. وتظهر الصورة الكلية التي خرج بها باسو وستيوارت (1995، 157-9)، أنه في المتوسط، كان إنفاق البلدان على الصحة في سنوات التكيف أقل منه في السنوات الأخرى، ولكن لم تكن هناك علاقة إحصائية واضحة لذلك، ولا نرى مبرراً لإصرار باسو وستيوارت على وجود علاقة إحصائية لتفسير انخفاض مخصصات الصحة في أغلب البلدان التي طبقت برامج التكيف. فتخفيض مخصصات المجال الاجتماعي، وتخفيض الدعم للصحة، والغذاء، والتعليم، كانت من بين أهم مبادئ برامج التكيف الهيكلي وفلسفتها اللبرالية الجديدة. وطبقاً لليونيسيف (1994، 4) زاد عدد الأفراد لكل طبيب في أكثر من نصف عدد البلدان، وكذلك بالنسبة لعدد الممرضات بالنسبة لعدد السكان، الذي انخفض في ثلث عدد البلدان. وكان أثر الانخفاض في الأجور الحقيقية بسبب التضخم المرتفع، والتخفيض الكبير في مخصصات الدعم، هو المزيد من التدهور في قدرة الفقراء على الاستفادة من الخدمات الصحية التي تدهورت هي الأخرى. ويلخص تقرير التنمية في أفريقيا (1998، 161) المشكلة كالآتي:

"تفشل أنظمة الرعاية الصحية في كثير من البلدان الأفريقية في توفير الخدمات التي يمكن أن تؤثر على أهم مسببات الأمراض ....فقلة الموارد والأدوية، ونقص خبرة الموظفين، تدفع السكان إلى التماس الرعاية الصحية الأولية من مستشفيات، ومراكز علاج متوسطة المستوى. وفي كثير من البلدان تعاني الجهود لإصلاح النظام من ضعف التنظيم، وفي أكثر البلدان فقراً، تعاني إلى جانب ذلك، من قلة الموارد." ونقص الموارد المالية، ونسبة المخصصات الاجتماعية، هي كما سبق أن ذكرنا، نتيجة مباشرة لبرامج التكيف الهيكلي، مما أدى إلى عودة الكثير من المشاكل الصحية التي كان الأفريقيون يعتقدون أنها اختفت. وعلى سبيل المثال، فالملاريا تمثل 2,3 بالمائة من عبء المرض على نطاق العالم، ولكنها تمثل 9 بالمائة في أفريقيا، حيث ما زالت من أسباب الوفاة الرئيسية. وطبقاً لتقرير بنك التنمية الأفريقي (1998، 154) يصاب ما يقرب من 300-500 مليون شخص بالملاريا كل عام، ويموت منهم حوالي المليون، أغلبهم من الأطفال تحت الخامسة. وأصبح السل أكثر الأمراض المعدية انتشاراً، حيث يصاب به 1,5 مليون شخص كل عام، ويموت حوالي 600 ألف بهذا المرض سنوياً، ويمثل الوباء المشترك المسمى السل/الإيدز حوالي ثلث الحالات الجديدة. وجاء في تقرير منظمة الصحة العالمية (1997، 34) "على الرغم من تهديده لأفريقيا، لا يحظى السل إلا بأولوية منخفضة من اهتمام الحكومات ووكالات التنمية الدولية. ولا يمكن فصل شواغل الصحة عن الانشغال بالتعليم والأمن الغذائي." وفي كتابي المعنون: "فقدان الأمن الغذائي: مستقبل سياسات الغذاء في شرق أفريقيا وجنوبها"، قلت إن سياسات الغذاء المتحيزة تتجاهل مصالح الفقراء، وتحرمهم من الحصول على الأرض والمدخلات الزراعية (صالح 1994، 10). وبصفة عامة، تؤدي هذه السياسات إلى حرمان الناس من الحصول على مستلزمات الإنتاج التي تمكنهم من إنتاج الغذاء الذي يكفي لتوفير حياة صحية منتجة. كذلك وضح الكتاب أنه كنتيجة لسياسات التكيف الهيكلي، يزداد عدد الذين لا يحصلون على الحد الأدنى من الغذاء اللازم لضمان حياة صحية، فقد ازداد عدد الذين يعيشون تحت خط الفقر، وبذلك زادت حالات سوء التغذية. لقد انخفضت القوة الاقتصادية للجماهير على المستوى الكلي، وبذلك انخفضت قدرتهم على شراء الغذاء أو إنتاجه، وذلك ساهم في انعدام الأمن الغذائي. وختم مؤتمر الفاو (1996) بشأن الأمن الغذائي في أفريقيا تقريره المتشائم، بالعبارات التالية: "يقدر عدد الذين يعانون حالياً من نقص التغذية بحوالي 35 بالمائة من سكان المنطقة، أي ما يقرب من 217 مليوناً، ويعيش 213 مليوناً في بلدان تعاني من دخل منخفض، ونقص الغذاء. وازداد عدد، واتساع، وشدة الطوارئ الراجعة للكوارث الطبيعية (خاصة الجفاف)، والمصائب التي يسببها الإنسان بما فيها الحروب والصراعات الأهلية. وقد أصبحت الحروب والعوامل المرتبطة بها، أخطر سبب وحيد لفقدان الأمن الغذائي في المنطقة، فمثلاً، في البلدان الداخلة ضمن الهيئة الدولية للجفاف والتنمية (الإيجاد) قُدر أن حوالي 45 مليون فرد (أي حوالي نصف السكان) يعانون من نقص الغذاء عام 1996، وكان 45 بالمائة من هؤلاء من اللاجئين أو المتأثرين بالحرب. وفي عام 1994، كان 21,5 مليوناً من بين 32 مليوناً من ضحايا الكوارث في العالم الذين يتلقون المساعدات الطارئة من برنامج الغذاء العالمي، يعيشون في أفريقيا. ومن هؤلاء، كان الثلثان تقريباً، من ضحايا كوارث من صنع الإنسان، موزعين كالآتي: غرب ووسط أفريقيا (4,6 مليون)، والقرن الأفريقي (3,9 مليون)، وأفريقيا الجنوبية (5,6 مليون)." يقرر سنس (1998، 3) أنه حدثت 187 حرباً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وكان 129 (69 بالمائة) منها حروباً داخلية، والبقية حروب بين الدول، وهو يصل إلى الاستنتاج: "هذا يمثل تطوراً ذا مغزى في طبيعة الحروب، حيث يتحدى الآراء السائدة حول العلاقة بين الدولة والأمن، وكما قلنا من قبل، فإن المفهوم التقليدي عن الأمن والحرب، يعتبر أن التهديد يأتي من خارج الدولة، أي من خارج حدودها، ولكن المصدر الرئيسي للحرب في نصف القرن الماضي، كان أساسه الدول الضعيفة أو المنهارة. والمناطق التي توجد بها دول قوية، تعيش، بصفة عامة في سلام، في حين أن المناطق التي بها دول ضعيفة أو منهارة، حيث تسود أوضاع الفوضى، تعج بالحروب." ولكنه من الصعب التمييز في أفريقيا بين الحروب الداخلية والحروب بين الدول، فالحروب الداخلية بسبب التطور غير المتوازن، وآليات تقاسم السلطة غير الكافية، كثيراً ما تتورط فيها الدول المجاورة، فميوعة الحدود بين الدول الأفريقية، والاختلاط العرقي فيما بينها، تجعل من شبه المستحيل تحديد إقليم أية دولة أفريقية بدقة. وفي الحروب في جنوب السودان، وأوغندا، وأنجولا، كان هناك بعض الانتقال عبر الحدود إلى دول مجاورة، وفي الصراع بين القوات الثائرة وبين حكومة الرئيس كابيلا في الكونغو الديمقراطية، تورطت بعض الدول المجاورة، وخاصة أوغندا، وزامبيا، وزمبابوي، ورواندا، والسودان، وقد تدخلت جميعها دفاعاً عن مصالح سياسية أو اقتصادية معينة. وحتى في الحروب بين الدول (مثل الحروب التشادية- الليبية، والإثيوبية-الصومالية، والإثيوبية-الإريترية)، يوجد عنصر عرقي مباشر أو غير مباشر، مثل تورط الجزائر وموريتانيا في الحرب بين البوليساريو والمغرب حول الصحراء الغربية. كذلك حدث تورط مباشر أو غير مباشر، لعدد من الدول الأفريقية في الصراعات في أنجولا وموزمبيق، أو بين حكومة جنوب أفريقيا والمؤتمر الوطني الأفريقي أثناء نظام الأبارتهيد. ومثل آخر على تحول الصراعات الداخلية إلى مواجهة بين الدول، يتمثل في تدخل منظمة إيكواس في الحرب الأهلية في ليبيريا، أو إعادة الحكم المدني في سيراليون. وخلال هذا العقد فقط، حدثت عدة مناوشات على الحدود بين مصر والسودان، ونيجيريا والكاميرون، وجيبوتي وإريتريا، وموريتانيا والسنغال. ويلاخظ كوهين (1997، 165)، الآتي: "بحلول عام 1992، أصبح من الواضح أن أي صراع داخلي في أفريقيا، يمثل تهديداً للسلام والأمن في دول الجوار المباشر بما يهدد بحرب أهلية، وتدفق اللاجئين، وانتقال الأسلحة عبر الحدود ليست مخاطر صغيرة...والحرب الأهلية، إلى جانب تدمير الأرواح والبنية التحتية، وخلق المجاعات، وتدمير استقرار مناطق كاملة، تدمر القاعدة الاقتصادية للبلاد، بما في ذلك المصداقية المالية، التي بدونها تمتنع الاستثمارات." ومن المهم أن نتذكر أن أغلب الحروب الأهلية، والحروب بين الدول في أفريقيا اليوم، هي من بقايا الحرب الباردة، وأن أسلحتها هي من بقايا تلك الفترة، ومن المؤسف أن من فكروا في تدمير أفريقيا خلال الحرب الباردة، ونفذوا ذلك، ما زالوا يشجعون الحقد في أفريقيا ما بعد الحرب الباردة. والواقع أن نتائج هذه الحروب بالنسبة للأمن البشري في أفريقيا مرعبة، على أقل تقدير. وفي عام 1970، كان عدد اللاجئين في أفريقيا مليونين، وفي تقرير المفوض السامي لشئون اللاجئين للأمم المتحدة (1995)، جاء أن عدد المحتاجين للمساعدة في أفريقيا بلغ 8 ملايين، وأن أفريقيا هي القارة التي تثير أكبر القلق لديه، وأن الوضع في بلدان مثل ليبيريا، والصومال، والسودان، وسيراليون، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وأنجولا، تبقى هشة في أحسن الأحوال، وأن جماعات يبلغ عددها مليونان من هذه البلدان ما زالت تلجأ للبلدان المجاورة. ومنذ مايو 1998، اندلعت الحرب في سيراليون، وتدفق آلاف اللاجئين إلى غينيا المجاورة، وفي أثناء هذا الصراع، أعيد الآلاف من اللاجئين إلى مالي، وإريتريا، وليبيريا، وغيرها. ويعتقد أن الحرب الدائرة بين إريتريا وإثيوبيا قد شردت حوالي نصف مليون شخص على الأقل. وفي يناير 1998، كان عدد اللاجئين في أفريقيا 3,48 شخص، وهو ربع مجموع اللاجئين في العالم. ومن بين 22,4 مليون شخص في العالم، مشردين داخل بلدانهم، يوجد 7,4 مليون منهم في أفريقيا. ومن الصعب أن نعزو استمرار الحروب الأهلية لما بعد الحرب الباردة، إلى سبب واحد، ومع ذلك فمن الواضح أن انتهاء الحرب الباردة لم يحقق السلام المنشود. وبالتأكيد ساهم فرض العولمة النيو-لبرالية في إضعاف الدول، وبالتالي قدرتها وتصميمها على فرض السلام والنظام (توماس وويلكن، 1999). ويدل ظهور جنرالات الحرب في الصومال، وليبيريا، وسيراليون، وغينيا بيساو، وغيرها، على فشل الدول الأفريقية في حفظ الأمن، وظهور قوات خاصة للقيام بهذه المهمة. ويظهر التحدي الذي يفرضه قيام أنظمة بديلة للأمن على المجتمع المدني، على شكل مزيد من الفقر، والتشرد، وتدمير الحد الأدنى من شروط الأمن البشري. وحيث إن الأمن العسكري لا يمكن أن يحقق الأمن البشري، فقد عقد الأمور لرأس المال البشري المستنزف، واستخدمه لضمان السيطرة السياسية على مناطق نفوذ قديمة، أو خلق مناطق جديدة. وعلى سبيل المثال، أدى تضارب المصالح السياسية من داخل المعسكر الغربي، المتحدثون بالإنجليزية ضد المتحدثين بالفرنسية، وإن كان الطرفان ينكرون ذلك، إلى تفاقم الأوضاع في منطقة البحيرات العظمى. كما أدت إعادة خلق أعداء جدد، خاصة الإسلام، إلى إساءة العلاقات بين دول القرن الأفريقي، وتحت تأثير نظرية هنتنجتون (1996) عن "صراع الحضارات"، اعتبر بعض المحللين الإسلام خطراً يتهدد الأمن البشري، مع أن الحضارات لا تتصارع، بل المصالح البشرية هي التي تتصارع.

وباختصار، فإن برامج التكيف الهيكلي التي بدأتها أفريقيا منذ الثمانينيات هي جزء من العولمة النيو-لبرالية ومحاولاتها لخلق اقتصاد عالمي تسيطر عليه المصالح المالية للشركات العالمية، وهي وحدها، بما لها من نفوذ عالمي، القادرة على تحمل تحديات العولمة النيو-لبرالية. وهي، في هذا السبيل، تضعف استقلالية الدول الضعيفة، مثل الدول الأفريقية، وتضع عليها ضغوطاً لتخضع لإملاءات، المؤسسات المالية العالمية أي البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وشروطها الاقتصادية. وكما تظهر الخبرة الأفريقية، تدمر العولمة النيو-لبرالية أثمن قيم الأمن البشري، أي الحماية من التهديد بالجوع، والمرض، والقهر، وكذلك الحماية من الانقطاع المفاجئ لنمط الحياة اليومي. وهي تحرم الجماهير من الاستمتاع بأية خيارات في حرية وأمان، كما لا تضمن لهم أن الفرص المتاحة لهم اليوم لن تضيع بالكامل غداً.

4-مقاومة الجماهير للعولمة النيو-لبرالية أدى الانتقال من مواجهة الأزمة الأفريقية إلى مواجهة الأزمة الإنسانية المترتبة على العولمة النيو-لبرالية، إلى ظهور ثلاثة استجابات على الأقل، وهي: 1)أخذت جماهير أفريقية كثيرة تنسحب من رعاية مؤسسات الدولة المفلسة، بإعادة اختراع آليات الرعاية التقليدية، وذلك بصفة خاصة في المناطق الريفية المنعزلة، التي تخرج، بانعزالها، من دائرة تدخلات الدولة من أجل التنمية. 2)كذلك أخذت تتحمل مسئولية مؤسسات الخدمات القائمة (المدارس، وخدمات الصحة، وماء الشرب، الخ)، وتنشئ وحدات صغيرة تحقق دخلاً في استقلال عن الدولة. 3)الالتجاء إلى أعمال العصيان المسلح، والمقاومة بالعنف، تحت قيادة مغامرين عسكريين، يمنحون بعض الأمل للشباب الساخط في هذه الأيام الصعبة. وقد تحدثنا في القسم السابق عن هذا الشكل الأخير من أشكال المقاومة، حيث ناقشنا انعدام الأمن البشري في المجتمعات الممزقة بالصراعات المسلحة، لذلك سنقتصر هنا على دور المنظمات المرتبطة بجماعات السكان، وكذلك المنظمات غير الحكومية الأفريقية ذات الطابع الحديث، في محاولاتها لتقديم البديل للعولمة النيو-لبرالية. لقد اتخذت المقاومة الأفريقية غير الصريحة للعولمة النيو-لبرالية إطارين مؤسسيين هما: أولاً، إعادة اختراع المؤسسات الأفريقية التقليدية التي تتولى مسئوليات التعاون، والعناية الجماعية، والمسئولية الجماعية تحو أولئك الذين لا يستطيعون العناية بأنفسهم. ثانياً، عن طريق تكوين منظمات مرتبطة بجماعات السكان. وفي حين أن المؤسسات التقليدية ترتبط عادة بالمجتمعات الريفية، فإن المنظمات المرتبطة بجماعات السكان، والمنظمات غير الحكومية، تضم جماعات ومؤسسات مثل روابط الفلاحين، وجماعات الدفاع عن البيئة وحمايتها، ومنظمات الشباب والمرأة، والتعاونيات، والجمعيات الخيرية المستقلة دينية كانت أم علمانية. ويعرف بول وآخرين (1991) هذه المنظمات غير الحكومية، بأنها جماعات أو هيئات مستقلة عن الحكومة تماماً أو جزئياً، وذات أهداف إنسانية أو تعاونية غير تجارية، وهي أساساً تعمل على التخفيف من المعاناة، والأخذ بيد الفقراء، وحماية البيئة، والقيام بالتنمية المحلية، وسيكون المستفيدون أساساً منها الفقراء وغير المتعلمين، ممن لا يحصلون على المعلومات، أو الاحتياجات الأساسية (بريت 1993، 292-3). ونتفق بصفة عامة، مع سميلي (1995، 64-6)، بشأن التفرقة بين المنظمات غير الحكومية، التقليدية والحديثة، من حيث أن الأولى تنبع من قاع المجتمع، في حين أن الأخرى ذات طابع نخبوي، ولكن التمييز في الواقع الفعلي ليس بهذا الوضوح، نظراً لأن هناك الكثير من التكامل والتداخل بين الفئتين، وإن كانت المنظمات التقليدية أكثر عدداً وانتشاراً من الحديثة ويرى شنايدر (1988، 85)، أنه بمجرد احتياج الأمر إلى الحوار مع أطراف خارجية، أو شركاء أجانب، في إطار برنامج مساعدة أو تنمية، فإن هذه الجماعات تتخذ طابع، وتسمية، المنظمات غير الحكومية. وفي رأينا أن انتشار المنظمات غير الحكومية الحديثة في أفريقيا، يمكن إرجاعه إلى ثلاث أزمات مترابطة وهي: الأزمة الاقتصادية (ويطلق عليها الأزمة الأفريقية)، وأزمة المعاش، وأزمة نظم الحكم. والأزمة الأفريقية هي أساساً أزمة تنمية، حيث إنه على الرغم من الجهود الصادقة لتحديث اقتصاد القارة، فما زالت أفريقيا صاحبة أقل دخل للفرد في العالم، كذلك تضم أفريقيا 15 من بين 27 بلداً الأكثر فقراً في العالم، ذات تنمية تكنولوجية منخفضة، وعجز في إنتاج الغذاء، وأداء اجتماعي متخلف. وتشعر أغلب الشعوب الأفريقية أن التنمية النيو-لبرالية تحت إشراف الدولة، مركزية الطابع، وتحرمهم من أية سلطة، وأنها معادية للفقراء، بل وتزيد من حدة الفقر. وقوى من استجابة المنظمات غير الحكومية لهذه المظاهر المتنوعة للأزمة الأفريقية، حالة الفراغ الناشئ من غياب الدولة أو عدم قدرتها على قيادة التنمية، ومناداة العولمة النيو-لبرالية بإزاحة دور الدولة. ومن المهم ألا ننسى أن للعولمة النيو-لبرالية كل القسمات السلبية للتنمية الحكومية المشار إليها أعلاه، نظراً لأن مصادر تمويل هذه التنمية تأتي عادة تحت رعاية البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. ولا يمكن الفصل بين أزمة المعاش وبين الأزمة الأفريقية وحالة العداء التي خلقتها بين الدولة والمجتمع المدني، ومن الناحية الأخرى، أدى سخط الجماهير على أداء الدولة، إلى تخليها عن أنشطة تنمية الدولة، بل وانسحابها منها في بعض الأحوال. وبسبب الأزمة الأفريقية، توصلت بعض المجتمعات الأفريقية، إلى أن أغلب الدول الأفريقية مفلسة، وغير قادرة أن تلعب أي دور مجدي في التنمية، وبدأت الجماهير تنظم نفسها بعيداً عن مؤسسات الدولة، وداخل المنظمات غير الحكومية المستقلة، والمنظمات القاعدية. وكما وضحنا من قبل، فإن الأمن البشري المتدهور، والظروف الاجتماعية الاقتصادية لأغلب الشعوب الأفريقية، هي نتيجة مباشرة للعولمة النيو-لبرالية، ولتدخلات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في إدارة الاقتصادات الأفريقية. أما أزمة أنظمة الحكم فقد كانت الخلفية للأزمات الأخرى، أي الفوضى السياسية والحروب الأهلية التي فاقمت من أزمات المعاش، والأزمة الاقتصادية. ولا شك أن هذا قد أضعف كذلك من شرعية الدولة، ومن هنا الارتباط الملحوظ بين فقدان المحاسبة، والأتوقراطية، وتخلي الجماهير. والدول الأتوقراطية والشمولية لا يمكن أن ينتظر منها أن تعيد الديوقراطية، أو تحترم حقوق الإنسان، وهنا يبدأ كفاح الجماهير من أجل حقوق الإنسان. وبناءً عليه لا يمكن الفصل بين انتشار المنظمات غير الحكومية الأفريقية في مجالات مثل محاربة الفقر، وحقوق الإنسان، والبيئة، في معزل عن كفاح الجماهير من أجل حكم شرعي ومسئول. ويؤدي الخراب الاقتصادي، وأزمات المعاش والحكم، إلى الكثير من المآسي، مثل قتل وتشويه المعارضين السياسيين، وانتهاك حقوق الإنسان، وانهيار نظم الإنتاج، وتدمير البيئة، والمجاعة والتشريد. وبسبب ذلك أخذت المنظمات غير الحكومية الأفريقية تعمل مستقلة، أو في تعاون مع مثيلاتها، للتخفيف من آثار هذه الأزمات. ويوجد الكثير من الأدبيات بشأن مساهمة المنظمات القاعدية، والمحلية في تخفيف المصاعب الناشئة عن الأزمة الأفريقية (برادرفاند، 1989؛ وتشيرو، 1992؛ وجونيرانتي ومبيليني، 1992؛ وكونروي ولتفينوف، 1988). والأمر المشترك بين هذه الدراسات، هو أن المنظمات القاعدية والمنظمات غير الحكومية في المناطق الريفية، قد انبثقت عن تقاليد راسخة من التعاون داخل الجماعة، والمساعدة المتبادلة، ومؤسسات السكان المحليين لحماية الحقوق الاجتماعية والسياسية، والحق في المعاش، والحفاظ على البيئة. ثانياُ، يثبت ظهور المنظمات غير الحكومية كقوة اجتماعية وسياسية يُعمل لها حساب، أن الدول التي تحكمها تحالفات من الجيش والبيروقراطية، ورجال الصناعة، والعرقيات السائدة، لا يمكن أن تكون حَكَماً محايداً في كفاح الشعب ضد القهر السياسي، والتدهور الاقتصادي. وفي هذه الأحوال، يمكن الوثوق في الروابط القاعدية، والمنظمات غير الحكومية المحلية، لأنها تستطيع الاتصال بأكبر عدد من الجماهير المنكوبة. وفقدان ثقة الجماهير في الأنظمة الأتوقراطية قد أفسح المجال للمنظمات المستقلة لكي تصل لأولئك الذين أهملتهم سياسات الدولة ومؤسساتها. ولكن المنظمات غير الحكومية تعرف أنها لا تستطيع العمل بمفردها، ولذلك بدأت تتجمع إقليمياً وعالمياً (توماس وويلكن، 1999). وهكذا بدأ تحالف مضاد للعولمة النيو-لبرالية في الظهور، على أساس مؤسسات جماهيرية عبر دولية بما في ذلك المنظمات غير الحكومية. ولا يمكن الفصل بين أتوقراطية الدول الأفريقية وبين الطبيعة غير الديمقراطية للمؤسسات المالية العالمية (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي)، التي فرضت برامج إصلاح اقتصادي سيئة السمعة، أساءت للوضع الاقتصادي بدلاً من أن تحسنه. ونُفذ الجيل الأول من قروض صندوق النقد الدولي، وبرامج التكيف الهيكلي في شراكة بين دول أفريقية أتوقراطية وفاسدة، وبين البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. وهذا الحلف غير المقدس يدفع إلى الاستنتاج أن كراهية الشعوب الأفريقية لهذا النوع من الدول، إنما تعود مسئوليته إلى الشريكين. والمشكلة هنا، هي ما إذا كانت المنظمات غير الحكومية الأفريقية، والمنظمات المحلية قادرة على تحمل صدمة الموجة الثاني للعولمة النيو-لبرالية، التي تتحول إلى برنامج تدعمه الحكومات، ويهدف إلى تدمير نفس الحكومات التي تنادي به.



5-النتيجة لفهم الآثار المختلقة للعولمة على الأمن البشري، علينا أن نكشف مفهومها حتى ندرك جيداً نتائجها على الطبقات، والنوع الاجتماعي، والمواقع الجغرافية، والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية. ودراسة تأثير العولمة على الأمن البشري في أفريقيا، تكشف أن وضع افتراضات عامة قد يؤدي إلى فهم مغلوط، خاصة إذا ما نظرنا إلى العولمة كعملية موحدة في كل مكان وتحقق منافع متساوية للكل. ودراستنا تثبت أن العولمة في أفريقيا قد حققت ننائج سلبية، وأن البلدان التي استفادت من عولمة القرن التاسع عشر، بما في ذلك الاستعمار، هي المرشحة لتكون المستفيدة من عولمة القرن الواحد والعشرين. وحتى في داخل أفريقيا تتعرض الأسواق المالية لمخاطر الاندماج في المجال المالي العالمي، وحتى إذا اندمجت يشكل سليم، فإنها لن تخدم سوى حفنة من اللاعبين المحتملين على المستوى العالمي، والنتيجة النهائية لذلك، خاصة في حالة دولة مقطوعة الرأس، ستكون ضارة بالأمن البشري. ومن هنا فإن إطلاق التعميمات عن العولمة، أو اعتبارها مجرد إلغاء خصوصية الإقليم، أو أنها توسيع المجال الاجتماعي والسياسي أمام فكرة مجردة اسمها الإنسانية، أو الاعتقاد بأنها ستختفي من تلقاء ذاتها، كل ذلك بعيد عن الحقيقة، ويقود في الاتجاه الخاطئ. وقد تكون العولمة ظاهرة لا فكاك منها، ولكن لا يمكن التعامل معها بنجاح إلا إذا أيقنا أنها غير محايدة، وأنها ليست خارج إطار المجتمع، بل إنها عملية مرتبطة بالقيمة، وأنها مرتبطة يروح العولمة النيو-لبرالية. وإذا كانت العولمة النيو-لبرالية هيكل سياسي، ومفهوم مرتبط بإيديولوجية معينة، فإنه لا يمكن تفكيكها بمجرد رفضها، أو القول بنسبية نتائجها فتختفي آثارها، وإنما يجب إبراز مفهوم أخر لعولمة اجتماعية، لها ارتباطاتها الإيديولوجية بروح المجتمع المدني كهدف بشري مطلوب، ونحن لا نرفض العولمة في حد ذاتها، ولكننا نرفض نموذجاً معيناً منها، وهو العولمة النيو-لبرالية. وما ننادي به هو العولمة الاجتماعية، التي يمكن تعريفها بأنها عملية شاملة، يشارك جميع سكان العالم، وخاصة الضعفاء والمهمشين والفقراء، في المكاسب التي تحققها التفاعلات الاقتصادية والاجتماعية، والسياسية على مستوى العالم. والعولمة الاجتماعية ذات طابع إنساني، لا تضحي بالمحتاجين لتحقق المكاسب لأولئك الذين لا يبدون أي ولاء للإقليم أو لرفاهية الضعفاء والمهمشين. وأحد الالتزامات الاستراتيجية للعولمة الاجتماعية هو المحافظة على الأمن البشري على المستوى العالمي، أي الاهتمام بالضعفاء من أبناء الجنس البشري، ولا يمكن تحقيق هذا الهدف دون أن نوقن بأن العولمة النيو-لبرالية تدفعها قوى اقتصادية وسياسية يمكن تغيير تركيبها بإرادة أولئك الواقعين تحت نيرها. وباختصار، يمكن القول، طبقاً للمعلومات المتوفرة، وفي السياق الأفريقي، إن العولمة النيو-لبرالية والأمن البشري لا يمكن التوفيق بينهما، وكذلك الحال في أغلب بلدان العالم النامي، بل حتى بالنسبة للجماهير المهمشة في العالم المتقدم، وهذه هي القوى التي يمكنها أن توقف الحرب الصليبية غير المقدسة للعولمة النيو-لبرالية ضد الأمن البشري.











المـراجـع

Acharya, A. 1997. The periphery as the core: The Third World and security studies. In Critical security studies'. Concepts and cases, edited by K. Krause and M. C. Williams. Berkeley: University of California Press. Addisa, J., and A. Abagaje. 1986. Africa's strategic relationship with Western Europe: The dispensability thesis. In Africa and Europe: From partition to interdependence, edited by A. Sasay. London: Croom Helm. African Development Bank. 1998 Africa development report. Oxford: World Bank and Oxford University Press. Aluko, 0. 1982. Africa and the Great Powers. In Africa and the international political system, edited by T. Shaw and S. Ojo. Lanhan, New York: University Press of America. Axford, B. 1995. The global system: Economics, politics and culture. Cambridge: Polity Press. Baran, Paul. 1957. The political economy of growth. London and New York: Monthly Review. Basu, A., and Stewart, F. 1995. Structural adjustment policies and the poor in Africa: Analysis of the 1980s. In Adjustment and poverty: Options and choices, edited by F. Stewart. London and New York: Routledge. Brett, E. A. 1993. Voluntary agencies as development organisations: Theorizing the problem of efficiency and accountability. Development and Change 24, no. 2. Buzan, B. 1995. Security, the state, the New World Order and beyond. In On Security, edited by R. Lipschultz. New York: Columbia University Press. Cheru, E. 1992. The silent revolution in Africa. London and New Jersey: Zed Press Ltd. Cohen, J. Herman. 1997. Africa and the superpower: An agenda for peace. In Out of conflict from war to peace in Africa, edited by G. M. Sorbo and P. Vale. Uppsala: Scandinavian Institute of African Studies. Conroy, C., and M. Litvinoff. 1988. The greening of aid: Sustainable livelihood in practice. London: Earthscan Publications. Food and Agriculture Organization (FAO). 1996. World conference on food security. Rome: FAO. Goonerrante, W., and M. Mbilinyi. 1992. Introduction to Reviving local self- reliance: People 's responses to the economic crisis in Eastern and Southern Africa. Nagoya: United Nations Centre for Regional Development. Harvey, R. 1995. The return of the strong: The drift to global disorder. Basingstoke: Macmillan. Hoekman, B. M., and M. M. Kostecki. 1995. The political economy of the world trading system: From GATT to WTO. Oxford: Oxford University Press. Huntington, S. P. 1996. The clash of civilizations and the remaking of world order. New York: Simon and Schuster. McLuhan, Marshall, and Bruce R. Powers. 1994. The global village: Transformations in world life and media in the 27s' century. New York: Communication and Society. Mosely, P. 1994. Decomposing the effects of structural adjustment: The case of Sub-Saharan Africa, In Structural adjustment and beyond in Sub-Saharan Africa, edited by R. Van den Hoven and F. V. Kraaij. London: James Currey. Paul, S., et al. 1991. Non-Governmental Organizations and the World Bank: Co- operation for development. Washington, D.C.: World Bank. Pradervand, Piere. 1989. Listening to Africa: Developing Africa from the grassroots. New York, Westport, Connecticut and London: Praeger. Salih, M. A. Mohamed. 1994. Introduction to Inducing food insecurity: Perspectives on food policies in Eastern and Southern Africa, edited by M. A. Mohamed Salih. Uppsala: Scandinavian Institute of African Studies. ___. 1999. The Horn of Africa: Human security in the New World Order. In Human security in the New World Order: The African experience, edited by C. Thomas and P. Wilkin. London: Lynne Rienner. s nuel, M. A. 1980. Africa and the West. Boulder, Colorado: Westview Press. s neider, B. 1988. The barefoot revolution: A report to the Club of Rome. London: Intermediate Technology Publications. Sens, Alien, G. 1998. International security in the 21 Century: The challenges confronting the UN. A paper presented at the United Nations Canada Conference on the United Nations and the New Security Agenda, May 8. Sasay, A., ed. 1986. Africa and Europe: From partition to interdependence. London: Croom Helm. Smillie, lan. 1995. The alms bccaar - Altruism under fire: Non-profit organisations and international development aid. London: Intermediate Technology Publications. Stewart, F. 1995. Adjustment and poverty: Options and choices. London and New York: Routledge. 'mas, C., and P. Wilkin, eds. 1999. Introduction to Human security in the New World Order: The African experience. London: Lynne Rienner. DP. 1994. Human development report. Oxford: Oxford University Press. MICR. 1995. Refugees: A Yearly Review, no. 109. A 01 Id Bank. 1980. Poverty and human development. Oxford: Oxford University Press. _. 1994a. Adjustment in Africa. Oxford: World Bank and Oxford University Press. __. 19940. Towards sustainabie development in Africa. Washington, D.C. World Health Organization (WHO). 1997. The world health report: Conquering suffering, enriching humanity. Geneva: WHO. Wright, S., and J. N. Brownfoot, eds. 1987. Africa in world politics. London: Macmillan.





















الفصل الرابع

مواجهة تحديات الديمقراطية المستدامة أفريقيا الجنوبية في القرن الواحد والعشرين























مواجهة تحديات الديمقراطية المستدامة أفريقيا الجنوبية في القرن الواحد والعشرين




جون ك. أكوكباري* ترجمة: سعد الطويل

تقــديــم ترتب على الموجة الديمقراطية التي غمرت أفريقيا عقب انهيار الاتحاد السوفيتي السابق، نتائج مختلطة، ففي حين نجحت بعض البلدان في التحول من الأنظمة الأتوقراطية إلى نظم أكثر تعددية، وعقدت منذئذ دورة ثانية من الانتخابات المتعددة الأحزاب، تذبذب البعض الآخر بين الحكم الدستوري والحكم الدكتاتوري. وفي بلدان أخرى، تعمق التوتر بين الدولة والمجتمع أو قامت حروب حقيقية، وتعمقت بذلك، أزمة الحكم فيها. ولا تختلف الصورة في أفريقيا الجنوبية عن ذلك كثيراً، فالحروب في أنجولا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، ومؤخراً، العصيان المسلح في ناميبيا، قد هددت أو خربت التجارب الديمقراطية في البلاد. وقد أضعفت هذه الاتجاهات موجة الفرح التي رحبت بما أطلق عليه "الاستقلال الثاني" لأفريقيا، بل قد أكدت الصعوبات القائمة في طريق الديمقراطية الثابتة والمستدامة في القرن المقبل. وسنحاول في هذا الفصل أن نشرح هذه الديناميات، والتحديات الكبرى التي يجب التغلب عليها لاستدامة الديمقراطية، وسنرى كيف أن هذه التحديات تنبع من تجمع عناصر وتناقضات داخلية وخارجية. وسنحاول أن نثبت أنه، في مقابل حالات شرق وغرب أفريقيا، فإن أفريقيا الجنوبية لديها فرصة أكبر لمواجهة تحديات الديمقراطية، وذلك بفضل التقاء عدد من العوامل، بما فيها الدور القيادي لجنوب أفريقيا. وسنحاول في القسم الأول وضع مفهوم الديمقراطية المستدامة في سياقها العام، عن طريق توضيح مفهومي الديمقراطية والاستدامة. ويستعرض القسم الثاني التحديات التي تواجه عملية المقرطة في أفريقيا الجنوبية. ويشرح القسم الثالث ما يدعونا للتفاؤل باستدامة الديمقراطية رغم الصعوبات الكثيرة، أما القسم الرابع فيختم الفصل بإبراز العناصر البارزة، ويقترح الاستراتيجيات لمواجهة التحديات للديمقراطية في المنطقة.

1-الديمقراطية المستدامة لكي نضع مفهوم الديمقراطية المستدامة في سياقه التاريخي، يجب أن نتعامل مع قضيتين رئيسيتين وهما: الديمقراطية والاستدامة. وهذا التزاوج بين المفهومين منطقي، إذ أن إدخال ممارسات ديمقراطية شيء، وضمان استمرارها دون العودة إلى الممارسات غير الديمقراطية شيء آخر. لذلك سنشرح في هذا القسم المعاني الحديثة للديمقراطية، ثم نعالج موضوع تدعيم الديمقراطية واستدامتها.

2/1الديمقراطية خضع مفهوم الديمقراطية منذ أيام اليونان إلى الكثير من التفسيرات المتنافسة، وحتى انتهاء الاتحاد السوفيتي، ظل التعبير محلاً للجدل لأن أية حكومة لم تكن لترضى بأن توصف بأنها غير ديمقراطية، وهكذا فدكتاتوران مثل صدام حسين وفيدل كاسترو يدعيان أنهما ديمقراطيين. وأصدقاء الديمقراطية وأعداؤها يدعون أنهم يحبونها، ولكن هذه الادعاءات المتنافسة تعتبر محاولة لفرض سياقات معينة على مفهوم الديمقراطية. وكثيراً ما تردد الحديث عن الديمقراطية الأفريقية، والديمقراطية الاشتراكية، والديمقراطية اللبرالية، والديمقراطية الموجهة، والديمقراطية بالتوافق العام، وغيرها كثير (سكلار، 1983). ومن السخرية أن كلاً من هذه الأنواع ادعت أنها تمثل أفضل أشكال الحكم. ومنذ انهيار الكتلة السوفيتية، وسيادة الولايات المتحدة والإيديولوجية اللبرالية، بدأ يحدث التقاء على مفهوم للديمقراطية يرتكز إلى التعبير اللبرالي. وطبقاً لهنتنجتون (1991أ، 7-8)، يعتبر أي نظام ديمقراطياً "بقدر ما يجري اختيار أقوى جهاز جماعي لاتخاذ القرار فيه عن طريق انتخابات دورية، نزيهة، ونظيفة، يتنافس فيها المرشحون بحرية على الأصوات، ويحق لأغلب السكان البالغين التصويت فيها." ومن حديث هنتنجتون نستنتج أن الديمقراطية تتضمن عمليات مثل سياسة المنافسة بين أحزاب متعددة، وانتخابات حرة ونزيهة ومتكررة بانتظام، وفيها مجال لمجتمع مدني، واحترام لحقوق الإنسان وحكم القانون. وعادة يركز أغلب المراقبين على المعايير المشار إليها ـ العملية الانتخابية، والحقوق الأساسية ـ بوصفها القسمات المميزة الأساسية للديمقراطية. ودال، مثلاً (1971)، يعتبر أن الأنظمة الديمقراطية هي التي تجري انتخابات تتحقق فيها للمعارضة الفرصة أن تنجح وتتولى الحكم. ويرى آخرون منهم شميتس وجيليز (1992), وبيتهام (1994) أن تعريف الديمقراطية في إطار العملية الانتخابية فقط، يعتبر شكلياً وإجرائياً أكثر مما ينبغي، وأنه يوحي بأن الانتخابات هي المؤشر الرئيسي للديمقراطية. ومضمون هذا النقد هو أن التعريف الذي يركز على الانتخاب/حقوق الإنسان يبدو أنه يعتبر الانتخابات هدفاً في حد ذاته، وبالتالي يقلل من أهمية مكونات أخرى للديمقراطية، وهي تحكم الناخبين في النواب الذين ينتخبونهم. وهذه الرقابة المدنية، تشمل كذلك القوات العسكرية التي تتسبب في الكثير من عدم الاستقرار في العالم النامي. وهكذا فالتعريف الشامل للديمقراطية يجب أن يشمل عقد انتخابات منتظمة حرة ونزيهة، واحترام حقوق الإنسان، وتعريض المنتخَبين للمساءلة. وهكذا، فالطبيعة الديمقراطية لنظام ما يتوقف على الدرجة التي يربط بها أسلوب الحكم بهذه المبادئ (جوزيف، 1991؛ وأوساجاي، 1999). وعلى المستوى الرسمي، قام الكثير من الدول الأفريقية بعمليات مقرطة أو إعادة مقرطة، وإن كان البعض يبدي تضرراً من ذلك، فمنذ أواخر الثمانينيات قامت الحكومات الأفريقية، تحت ضغط المجتمع الدولي المانح، بإضافة عناصر ديمقراطية إلى دساتيرها، أو أعادت كتابة تلك الدساتير لتعبر عن التحول باتجاه السياسات الديمقراطية. ولكن إضافة فقرات حماسية عن هذه الحقوق شيء، واستمتاع المواطنين بها في الواقع شيء آخر، وإذا أخذنا ثلاثة دول كمثال، وهي كينيا، وغانا، والكاميرون، حيث نجح الحكام الدكتاتورين قبل الانتخابات، في تحويل أنفسهم إلى "ديمقراطيين"، فإن ممارسة هذه الحريات بعد الانتخابات، يجري وفقاً لرغبات الرؤساء. فقد استمرت الاتجاهات الأتوقراطية في هذه البلدان، وإن كانت بشكل أقل ظهوراً، بعد الانتخابات المتعددة الأحزاب، فقد استمر إرهاب عناصر المعارضة، كما تتعرض دور الصحف المعارضة للمضايقات (أكوكباري، 1996أ، 173-4). وينطبق على هذا النوع من الأنظمة وصف دياموند (1997، 3) بأنها "ديمقراطيات زائفة"، بما يعني أنها ديمقراطية في الشكل، دون أن تتوفر أية فرصة لإبعاد حكامها الحاليين وأحزابهم عن الحكم.

2/1ستدامة تبدأ مرحلة التدعيم بمجرد الانتهاء من الانتقال من النظام الأتوقراطي للحكم إلى الديمقراطية، وعادة ما تكون المحافظة على المكاسب، واستدامتها، أصعب بكثير من الحصول عليها، رغم ما يكتنف ذلك من صعوبة في بعض الحالات. وعندما مرت الموجة الديمقراطية فوق أفريقيا، شك عدد غير فليل من المراقبين في زيف العملية، فهل ينطبق على عملية المقرطة، تشبيه هنتنجتون (1991ب، 12-34)، بأنها مثل موجة مد لا يبقى وراءها على الشاطئ سوى الديمقراطيات الثابتة، في حين تسحب الموجة الآخرين معها عائدة إلى المحيط؟ وهذا السؤال ينطبق بصفة خاصة على بلدان أفريقيا الجنوبية، حيث يوجد الكثير من العوامل التي قد تدمر الديمقراطية أو تهددها. وليست جميع البلدان التي تقوم بتحول نحو الديمقراطية قادرة على المحافظة عليها، فنيجيريا حاولت الانتقال من الحكم الأتوقراطي إلى الديمقراطية، عام 1993 ولكنها عادت إلى الممارسات الأتوقراطية فوراً تقريباً. فماذا نعني إذن بتدعيم الديمقراطية أو استدامتها؟ ومتى يمكن اعتبار الديمقراطية مستدامة؟ وتزخر الأدبيات بكثير من المعايير لاعتبار الديمقراطية مدعمة، ونستعرض هنا اثنين من أكثرها قبولاً. والأول هو اختبار الانتخابين، الذي كثيراً ما يشار إليه بالتعبير "انتقال السلطة"، وهــو يقضي، حسب قول هنتنجتون (1991أ)، باعتبار البلد ديمقراطياً عندما يجري فيه انتخابان متعددا الأحزاب، دون حدوث انقطاع، أو عندما تهزم حكومة منتخبة في انتخابات حرة ونزيهة، ويقبل المهزومون نتيجتها. وفي هذا الاختبار يجري التركيز على هزيمة الطرف الموجود في الحكم وقبوله الهزيمة، لأن ذلك دليل على استعداد اللاعبين للقبول بقواعد اللعبة. وعلى الصعيد العملي، هناك شكوك في فاعلية اختبار انتقال السلطة، بل في فساده، حيث لا يقدم أساساً واضحاً ومقنعاً للتحليل. فهو يعتبر زامبيا، مثلاً، قد دعمت ديمقراطيتها، في حين يعتبر بوتسوانا، التي احتفظ فيها الحزب الحاكم، وهو حزب بوتسوانا الديمقراطي، بالحكم منذ الاستقلال من خلال انتخابات متعددة الأحزاب (دو توا 1999، 196-7)، بلداً غير مدعم الديمقراطية، حيث لم تحدث هزيمة للحزب الحاكم، أو انتقال للسلطة. ويعتقد أغلب المراقبين أن ديمقراطية بوتسوانا أكثر استدامة من ديمقراطية زامبيا، بل يعتقد البعض منهم أن الكثير من العوامل، منها التحيز العرقي، وركود الاقتصاد تحت تأثير برامج التكيف الهيكلي، وإفلاس الدولة، تضعف من احتمالات تدعيم الديمقراطية في زامبيا (لونجو،1996). وهكذا، قد يكون اختبار انتقال السلطة مؤشراً مضللاً على تدعيم الديمقراطية. والمعيار الثاني الأكثر قبولاً هو اختبار "طول المدة البسيط"، وهنا يعتبر مرور عشرين عاماً من الانتخابات المنتظمة، والمتعددة الأحزاب دون اضطرابات، كافياً لاعتبار الديمقراطية مدعمة، وهذا الاختبار يبرز انتظام عقد الانتخابات دون التركيز على تغيير الأحزاب الحاكمة. وهو مثل اختبار انتقال السلطة، يثير عدداً من الأسئلة، فأولاً تدل الخبرة التاريخية، على أنه كلما طال بقاء النظام في السلطة، كلما قل مستوى التفريق بينه وبين جهاز الدولة، أو بعبارة أخرى، يزداد ميل الحزب الحاكم إلى الابتعاد عن الديمقراطية في هذه الظروف، ويصل في نهاية الأمر إلى ضمور حقوق الإنسان، وتدهور الديمقراطية بدلاً من تدعيمها. وثانياً، فهو لا يتنبأ بالاستعداد المستقبلي لنظام ديمقراطي عند مواجهة المصاعب، فهل سيصمد النظام أمام الصدمات والأزمات دون العودة إلى الممارسات غير الديمقراطية؟ وفي غياب قدر كافٍ من الاضطراب لاختبار قدرة نظام ديمقراطي على الصمود، فإنه يكون مما يدفع إلى الخطأ اعتبار هذا النظام مدعماً لمجرد أنه استمر لعدد كبير من السنين. وكما يقترح بيتهام (1994، 160-161): "يمكن اعتبار أن ديمقراطية ما ثابتة عندما يكون لدينا ما يدفع إلى الاعتقاد بأنها قادرة على تحمل الضغوط أو الصدمات دون التخلي عن العملية الانتخابية، أو الحريات السياسية التي تعتمد عليها، بما في ذلك حرية المعارضة". وإضافة لذلك، فإنه طبقاً لاختبار طول البقاء، فإن أغلب بلدان أفريقيا ستفشل في اختبار الاستدامة، وقد يكون هذا صحيحاً لحد ما، إلا أنه يعتبر ظالماً لبلدان مثل بوتسولنا، وموريشيوس، والسنغال، التي امتدحت كثيراً لعقدها الانتخابات بانتظام، واستقرار النظام فيها دون هزات سياسية كبرى (ساندبروك، 1988، 243). ونحن، في هذا الفصل، سنعتبر أن الديمقراطية، والاستدامة، يفترضان الجمع بين المعيارين، وهما: عقد انتخابات حرة، ونزيهة، ومتعددة الأحزاب، وكذلك، استدامة هذه الممارسات الديمقراطية لفترة زمنية طويلة، رغم الهزات. وسننظر الآن في بعض العوامل التي تحاول عرقلة سير أفريقيا الجنوبية في طريق الديمقراطية المستدامة.

1-تحديات دعم الديمقراطية في أفريقيا الجنوبية 3-1 الأزمة الاقتصادية والفقر وقد جاء في دراسة كلاسيكية لبريزيفورسكي وآخرين (1996)، أنه عندما يكون متوسط دخل الفرد في بلد ما في حدود ألف إلى ألفي دولار فإن احتمال أن تذوي الديمقراطية في حدود عام واحد تكون بنسبة 0,06، وعندما يرتفع متوسط الدخل إلى ما بين ألفين و3 آلاف دولار، تهبط فرصة زوال الديمقراطية إلى 0,03، وتهبط إلى 0,01، عندما يكون متوسط الدخل بين 4 و6 آلاف دولار للفرد. وبتحويل هذه النسب إلى سنوات، يمكن القول إنه عندما يكون متوسط الدخل أقل من ألف دولار، فإن الديمقراطية ستصمد في المتوسط لمدة 8,5 سنوات، وعندما يرتفع متوسط الدخل إلى ألف لألفي دولار، تعيش الديمقراطية لمدة 16 سنة؛ ولمتوسط دخل ألفين إلى 4 آلاف، تبقى الديمقراطية 33 سنة، وتستمر لمدة مائة عام عندما يرتفع متوسط الدخل إلى ما بين 4 و6 آلاف دولار. وتصل الدراسة إلى أن حظوظ الديمقراطية في البقاء تكون هشة للغاية عندما يكون متوسط الدخل ألف دولار أو اقل، وتصل للنتيجة: "أنه عندما يكون البلد غنياً بدرجة كافية، ومتوسط دخل الفرد فيه يتجاوز 6 آلاف دولار في العام، فإن الديمقراطية ستثبت أمام جميع الظروف" (بربزبفورسكي وأخرين، 1996، 49). وقد وضع ليبسِت في دراسة سابقة (1960)، الأساس لهذه الاستنتاجات حيث جادل بأن حدة الصراع على توزيع الثروات تكون أقل عندما ترتفع مستويات الدخل، وهذا يساعد على استمرار الديمقراطية. والعائق الأساسي لاستدامة الديمقراطية في أفريقيا الجنوبية هو الأزمة الاقتصادية، وإذا أخذنا باستنتاجات بريزيفورسكي، فإن الكثير من بلدان أفريقيا الجنوبية، باستثناء سيشل (متوسط دخل الفرد 7364 دولار في العام)، لن تحافظ على استدامة ديمقراطيتها. وأغلب دول أفريقيا الجنوبية يقل متوسط دخل الفرد فيها عن ألف دولار (سادك، 1998، 25). وإضافة إلى زيادة حدة الصراع حول التوزيع، يحرك الدخل المنخفض مجموعة من التطورات المترابطة التي تخرب نظام الحكم، وتهز الاستقرار. والدخل المنخفض يعني احتياج البلد المستمر للاقتراض والمساعدات الخارجية، الأمر الذي يضاعف من عبء الديون. وفي بلدان مثل موزمبيق، وملاوي، وتنزانيا حيث يصل الدخل بالكاد إلى 200 دولار، ترتفع أرقام الدين الخارجي، وتصل نسبته إلى 200 % من إجمالي الناتج القومي، وتصل هذه النسبة في موزمبيق، وهي من أفقر بلدان أفريقيا الجنوبية، إلى 444 بالمائة (سادك 1998، 162). تقلل الديون، وضرورة خدمتها، من قدرة الحكومات على تحسين ظروف الحياة، وتزيد بذلك، من ضغط الفقر على السكان، ويخرب الفقر عملية تثبيت الديمقراطية من عدة وجوه. وينشغل الفقراء عادة بمجرد ضروريات البقاء، ولذلك يتخذون موقفاً لا مبالياً من نظم الحكم، وهم لا يعتبرون حقوق الإنسان، مثلاً، من الاحتياجات الضرورية، بل مجرد ترف. واللامبالاة، من ناحية أخرى، تعطي النخبة الحاكمة فرصة لاتباع ممارسات غير ديمقراطية (أكوكباري، 1999). وعلاوة على ذلك، فالفقر يجتذب المغامرين العسكريين الذين يقدمون للجماهير وعوداً جوفاء، ويجتذبون بذلك الفقراء للالتفاف حولهم في انقلاباتهم، وكذلك يدفع الفقر الجماهير إلى حركات احتجاج قد تصل في حدتها إلى تخريب أسس الدولة، كذلك قد يُنظر إلى الدولة على أنها مصدر لتراكم الثروة، تتصارع النخبة السياسية حولها، هذه جميعها من المؤثرات الضارة للاقتصاد الضعيف على استدامة الديمقراطية (سيفيني،1990؛ وبراون، 1995؛ وسميث، 1992). وهذا أحد التهديدات التي تواجه الديمقراطية الوليدة في جنوب أفريقيا، فالبطالة تخلق الجريمة والعنف، وكلاهما معادٍ لتطور الديمقراطية. وعندما لا يستطيع الإنسان في، بلد يفترض أنه حر، السير في الطريق بحرية، فإن هذا دليل واضح أن الديمقراطية لا تقف على أسس سليمة. والتحدي الأكبر لأفريقيا الجنوبية، هو تنشيط الاقتصادات الوطنية، وتخفيض البطالة، والتقليل من حالة الفقر، والمشاكل التي تقلق الجماهير، وبذلك تتجنب تهديد الاستقرار، الذي يتسبب فيه تدهور الاقتصاد.

3-2 الانشقاقات الاجتماعية السياسية إن مزاج دول أفريقيا الجنوبية، مثل بقية دول أفريقيا، يحمل إمكانية كبيرة لفقدان استقرار الحكومات، فباستثناء ليسوتو وسولزيلاند، فإن بقية بلدان أفريقيا الجنوبية غير متجانسة، وتشمل كيانات عرقية مختلفة يستريب الواحدة منها بالآخر. وفي جنوب أفريقيا، وعلى الرغم من التشدق بالمصالحة، ومؤسسات التحرك الإيجابي، فإن التوتر العرقي، خاصة بين البيض والسود، واضح للعيان، ويظهر جزئياً في حالات القتل في الريف، والتي أغلب ضحاياها من البيض. والقتل العشوائي في المزارع، مجرد مؤشر على التوتر بين البيض والسود، وممانعة بعض مدارس البيض أن تقبل طلبة من السود، والهدوء المشوب بالحذر في بعض المدارس التي تضم أعراقاً مختلفة، مؤشرات على العلاقات الهشة بين الأعراق الرئيسية في البلاد. وإلى جانب التوترات بين البيض والسود، تتهدد الريب المتبادلة بين الجماعات المختلفة من السود الديمقراطية في جنوب أفريقيا، وكما لاحظ أُساجاي (1999، 16)، فإن الجماعات التي كانت تتعرض للاضطهاد لم تعد وحيدة التركيب، فالأقليات العرقية مثل الفِندا، والسوثو، والتسوانا بدأت تشعر بالقلق مما يعتبرونه سيطرة الخوزا على سياسات ما بعد الأبارتيت. ولكن هذه المزاعم بسيطرة مجموعات عرقية معينة، ليست قاصرة على جنوب أفريقيا، ولكنها منتشرة في المنطقة. ففي بوتسوانا، تشكو الأقليات العرقية من الكالانجا، وباساراما، والكجالاجادي، الذي لا يمثلون مجتمعين أكثر من 4 بالمائة من السكان، من سيطرة حزب بوتسوانا الديمقراطي الذي يضم في غالبيته المتحدثين بالبَتسوانا وهم يمثلون 95 بالمائة من السكان. وبالمثل، بالرغم من الاتحاد عام 1988 بين حزب اتحاد زمبابوي الأفريقي الوطني (زانو) الذي يسيطر عليه الشونا، مع حزب اتحاد زمبابوي الأفريقي الشعبي (زابو) المنتمي للندبيلي، فهناك شكوى من سيطرة الشونا، بل وبدأت تظهر تشققات عرقية داخل قاعدة حزب زانو (ب ف). ولم تنجح قدرات الحركة الديمقراطية في زامبيا، في منع الاتهامات بالتحيز لمصلحة البِمبا الذين كانوا يمثلون القاعدة الرئيسية لحزب الاستقلال الوطني المتحد حتى وقت قريب (دو توا، 1999، 211). والصراعات المتواصلة داخل جمهورية الكونغو الديمقراطية، تقف وراءها مزاعم التوتسي بأن الجماعات الأخرى تهمّش محاولاتهم للحصول على نصيبهم العادل من موارد البلاد الاقتصادية والسياسية. وبالمثل، اتهمت الجماعات العرقية في قطاع كابريفي في شمال نامبيا، منذ الاستقلال، الحكومة في فِندهوك بالتحيز وتهميشهم. وهذا الإحساس بالاستبعاد يضر بروح الوفاق والحلول الوسط، وهي المتطلبات الضرورية لثبات الديمقراطية. وهذا لا يعني أن البلدان المتجانسة عرقياً لا توجد بها اتهامات مشابهة، فحيث لا تنقسم المجتمعات على أسس عرقية، نجد انقسامات على أسس دينية وسياسية، بنفس الدرجة من الخطورة على التماسك الاجتماعي. ففي سوازيلاند نجد الاستقطاب يحدث بين الملكيين، ودعاة الإصلاح، أي أولئك الداعين لسياسة التنافس بين أحزاب متعددة، وكثيراً ما تشتعل التوترات بين هذين النقيضين في فترات الانتخابات. وفي ليسوثو يحدث الانقسام بين الأحزاب المختلفة، وعلى خلفية من الاختـلاف بين الكاثوليك والبروتستانت، مع ميل الملكية للكاثوليك (سيكاتلي، 1999)، وخلال 1988، حدث صراع سياسي في ليسوثو هدد بتحطيم الديمقراطية الوليدة (ماتلوزا، 1999أ)، وكان الخطر الموجه لأمن المنطقة عظيماً بدرجة دفعت جماعة تنمية أفريقيا الجنوبية (سادك)، لإرسال قوات حفظ السلام للتدخل (ماكوا، 1999). وهكذا تعمل القوى المقسّمة، مثل العرق، والقبيلة، والدين، والارتباطات السياسية، على الانعزال، وهي تمثل تحديات لمنطقة أفريقيا الجنوبية في الألفية الجديدة.

3-3 الصراعات والحروب وكما تهدد القوى الانقسامية الديمقراطيات في أفريقيا الجنوبية، يزداد خطر هذا التهديد بسبب الصراعات والحروب التي أصبحت تمثل كابوساً دائماً لبعض البلدان. والحرب التي لا تبدو لها نهاية بين الاتحاد الوطني للاستقلال الكامل لأنجولا (يونيتا)، وبين حكومة الحركة الشعبية لتحرير أنجولا (مبلا)، مثل واضح، وكذلك الحرب بين الثوار وحكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية. وقد اتخذت هذه الصراعات بين آونة وأخرى أبعاداً فظيعة جداً، وأدت إلى تشرد السكان، وعمليات لجوء وهجرات. وفي بلدان أخرى مثل زيمبابوي، وزامبيا، وملاوي، وليسوثو، ثارت صراعات اقل حدة وضراوة، بين الحكومات وعناصر المعارضة. وتتعدد الأسبـاب لهـذه الصـراعات الداخلية، وكما يقترح ماتلوزا (1999ب، 7)، فأهم العناصر تشمل محاولات السيطرة على الدولة ومواردها؛ والصراعات حول الأقاليم؛ وانعدام الشفافية في المجال السياسي؛ والصراع حول الآمال المحبطة بعد مراحل التغير السياسي؛ والصراع بسبب سيطرة الحزب الواحد. وقد لخص قضية الصراع بالملاحظة التالية: "لم يعد المحرك للصراعات في أفريقيا الجنوبية بعد انقضاء مرحلة الأبارتيت، والحرب الباردة، أية خلافات أيديولوجية، وإنما تدور الصراعات العنيفة حول الموارد الغنية للمنطقة، بما فيها الماء، والماس، والأخشاب الخ". وبنظرة أكثر عمقاً، يمكن إرجاع هذه الاختلافات إلى قاسم مشترك، وهو تحيز الدولة في توزيع الموارد المحدودة الاقتصادية والسياسية، وبشكل محدد، يمكن القول إن دولة ما بعد الاستقلال لم تعطِ الفئات الكثيرة المختلفة المكونة لها فرصاً متساوية للحصول على الموارد الاقتصادية والسياسية المحدودة، كذلك لم تعط الفرصة للمنافسة النزيهة من أجل هذه الموارد (دورنبوس، 1990؛ وليك وروتشيلد، 1996؛ وأكوكباري، 1998). وهكذا فبدلاً من إعطاء قرص متساوية للفئات المختلفة المكونة لها داخل حدودها، تصر الدولةعلى متابعة برنامجها الخاص (وهو في أغلب الأحيان يساوي مصلحة بعض هذه الفئات)، أو تتحول إلى مجرد جهاز تنفيذي لمصلحة بعض هذه الفئات. وهذا يضع الدولة وعناصر المعارضة على طريق التصادم الدائم. وعلى سبيل المثال، فجذور الصراع القائم حالياً في جمهورية الكونغو الديمقراطية، تعود إلى سياسة الاستبعاد والتهميش للدكتاتور السابق موبوتو سيسي سيكو، ففي خلال سنوات حكم بيروقراطيته اللصوصية الاثنين والثلاثين، لم تظهر أية نية للتوزيع العادل لثروات البلاد بين فئاتها المختلفة (ساندبروك، 1985). ولم يتعلم خليفته لوران كابيلا شيئاً من دروس التاريخ، وسادت خلال حكمه المزاعم بتهميش التوتسي، وأدى السخط بين المكونات الغاضبة إلى تكوين التجمع الكونغولي من أجل الديمقراطية، الذي يسيطر عليه التوتسي، والذي يحارب حكومة الكونغو حالياً. وبالمثل، فمع وجود أكثر من تفسير لعدم الوصول إلى تفاهم، فإن تقاعس حكومة أنجولا في التجاوب مع شواغل حركة يونيتا، يفسر جزئياً استمرار الحرب. وقد انتشرت الصراعات والحروب في أفريقيا الجنوبية بحيث لم تعد مقصورة على أنجولا أو جمهورية الكونغو الديمقراطية، فحتى بعض البلدان التي كانت تتسم بالهدوء مثل نامبيا، تضطر إلى تبديد الموارد لمحاربة العصيان، فقد انفجر العصيان المسلح في أغسطس في منطقة كابريفي في شمال ناميبيا طلباً للاستقلال الذاتي. وتردد أن سبب هذا العصيان هو رفض حكومة ناميبيا أن تمنح سكان هذه الإقليم الحق في تقرير المصير وفقاً لوعد منح لهم عام 1964. وعلى الرغم من أن حكومة ناميبيا قد نجحت في إخماد هذه العصيان، إلا أنه قد يعاود الظهور من جديد حيث إن أسبابه ما زالت قائمة. وقد عاد الهدوء إلى ليسوثو بعد الصراع العنيف عام 1998، وقد اتفق بعدها على إجراء انتخابات في أبريل 2000، ويؤمل أن تتعاون الحكومة والمعارضة حتى لا تظهر الخلافات بعد الانتخابات. وهكذا تبدأ الألفية الجديدة والحروب والصراعات والتهديد بالانفصال تمثل شوكة في لحم الديمقراطيات الجديدة في أفريقيا الجنوبية.

3-4 برامج التكيف الهيكلي والتناقض وفي حين تكافح المنطقة ضد التهديد بالعنف، يؤدي تنفيذ برامج التكيف الهيكلي المتبناة من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، في جميع دول أفريقيا الجنوبية تقريباً، إلى ظهور تحديات جديدة تواجه الديمقراطيات الناشئة في المنطقة، وهي تحديات مرتبطة بطبيعة برامج التكيف الهيكلي ذاتها. فهناك أولاً، إن برامج التكيف الهيكلي بما تتضمنه من إلغاء القيود، والدعم، وتخفيض العملة، والخصخصة، تؤدي إلى معاناة للجماهير، ويحتاج تنفيذها لقدر من الأتوقراطية، وحتى نظام رولنجز في غانا، الذي عُرف بأنه "نجم التفاهم"، قد اضطر لاستخدام قدر كبير من الأتوقراطية لتنفيذ هذه الإصلاحات (كالاجي، 1990؛ وأكوكباري، 1996 ب). وفي المقابل، نظراً لتأخر حكومة الرئيس كاوندا في استخدام الأتوقراطية مثل رولنجز، فقد واجهت زامبيا صعوبات في تطبيق الإصلاحات، وبسبب رفض الجماهير لرفع الدعم، اضطرت للتخلي عن البرنامج الأول عام 1987. وتبين الاحتجاجات العامة ضد حكومة موجابي في زمبابوي مدى إفقار الشعب بسبب تأثير سياسات التكيف الاقتصادي عليه. ثانياً، وكنتيجة لما سبق، تؤدي برامج التكيف الهيكلي إلى تناقضات تفرض على الدولة أن توازن نفسها على حبل مشدود، فالبرامج تفرض على الحكومات تنفيذ إصلاحات مكروهة شعبياً في مقابل المعونات. وهكذا فالدولة التي تطبق التكيف تجد نفسها في مأزق، فالتقدم للأمام صعب للغاية، والتراجع شبه مستحيل. فكيف يمكن السير ببرامج التكيف الهيكلي للأمام ضد رغبة الجماهير، وكيف يمكن للحكومة التراجع عنها وهي في حاجة ماسة للمعونة الخارجية؟ وهذه المعضلة المعقدة ستنتهي بتدمير الحكم الديمقراطي، لأن ضرورات التنمية الاقتصادية ستفرض على الحكومات اختيار برامج التكيف الهيكلي، وبهذا تتخلى عن مبادئ الديمقراطية. ثالثاً، والتكيف يضر بالديمقراطية من حيث إنه يضع الدولة في مأزق، فتضطر للاستجابة للمؤسسات المالية الدولية، والمحاسبة أمامها بدلاً من المحاسبة أمام مواطنيها، فالدولة مدينة للمقرضين الدوليين الذين يفرضون عليها تفاصيل السياسات الاقتصادية، بما في ذلك ما يخص كل إدارة من بنود الميزانية الوطنية. ويخشى البعض من أن يكون هذا الفقدان للسيادة، المبشر بعودة فعلية لاستعمار أفريقيا لحساب الوكالات الدولية (مكانداويري، 1995، 85). وحيث تتصدر القضايا الاقتصادية مركز الاهتمام في ظل التكيف، تقع الهيئات الحكومية ذات الصلة بالمالية كوزارة المالية، والبنك المركزي، تحت الإشراف الصريح للمؤسسات المالية الدولية. وهكذا تنعزل القضايا المالية والنقدية عن الممارسات الديمقراطية، بحيث تتعامل وزارة المالية والبنك المركزي مع المؤسسات المالية الدولية دون أن تتقيد بالمجتمع المدني واحتياجاته. وبهذا لا تؤدي برامج التكيف الهيكلي إلى المساس بالديمقراطية فحسب، وإنما هي تضعف سيادة الدولة كذلك، والديمقراطية لا تكون حقيقية، ودع عنك استدامتها، عندما تكون هناك سياسات معينة خارج نطاق المناقشة والجدل، ومع الأسف، فهذه هي حقيقة الحال التي تواجه دول أفريقيا الجنوبية. وهناك بعد ثالث في تأثير برامج التكيف الهيكلي على الديمقراطية في منطقة أفريقيا الجنوبية، وهو الدين الخارجي المتنامي. وبصفة عامة، ترتفع ديون بلدان العالم النامي، فخلال المدة بين 1980، و1995، ارتفعت ديون البلدان الأقل دخلاً من 55، إلى 215 مليار دولار، وهو ما يساوي ثلاثة أضعاف قيمة صادراتها. ويستمر هذا الرقم في الارتفاع، خاصة في أفريقيا، حيث يقف الآن عند الرقم المذهل 340 مليار دولار. ويشكو آكه (1996، 106)، من ارتفاع الدين قائلاً: "لقد بلغت ديون أفريقيا من الارتفاع، وقدرتها على الدفع من الضعف، ما يجعل من الضروري التوقف عن التفكير في خدمة الدين، وإنما في خفض بعض الديون أو إلغائها." وفي أفريقيا الجنوبية، تخصص البلدان الأعلى دَيناً، مثل زامبيا، وموزمبيق، وأنجولا، 31 بالمائة، و23 بالمائة، و20 بالمائة من قيمة صادراتها، على الترتيب، لخدمة الدين. وتدفع الحاجة للحصول على ديون جديدة لخدمة الديون القديمة، وضرورة التحقق من المصداقية المالية، الدول للسير في فلك للمؤسسات المالية الدولية، بدلاً من الاهتمام بالشواغل الداخلية للمواطنين.

3-5 ضرورات العولمة وتزداد شدة الضغوط البارزة من برامج التكيف الهيكلي، بسبب تحكمات العولمة، والتي لا تكتفي بإضعاف سيادة الدولة، بل تؤدي لظهور أزمات جديدة في الحكم. ففي ظل العولمة، أصبحت الأسواق الدولية، والرأي العام الدولي، هما المتخذين الرئيسيين للقرار، وهذا التطور يقيد حرية الدولة، كما يحد من اختياراتها. ويساعد الطريق السريع للمعلومات، على تقييد الدولة، فتسرب المعلومات عن مشاكل تواجه ميزانية بلد ما، مثلاً، تؤدي إلى رفع الأسعار ومعدلات الفائدة في بلدان أخرى، وهذه العوامل الخارجية تؤثر على الاقتصاد المحلي، وفي الوقت نفسه، تحد من قدرة الدولة وأجهزتها، على وضع الحلول الذاتية للأزمة المحلية. وهكذا ففي ظل نظام السوق العالمي، تتحدد الوصفات لعلاج وعكة اقتصادية داخلية، عن طريق أحوال السوق العالمي بدلاً من الهيئات المحلية. وإضافة لذلك، فالعولمة زادت من أهمية قضايا الاقتصاد، وأصبحت القرارات الخارجية لحكومة ما، تتقرر وفقاً للاعتبارات الاقتصادية أكثر من الاعتبارات السياسية. فالدول الأفريقية الغارقة في الديون، والواقعة تحت ضغط برامج التكيف الهيكلي، تؤثر عليها بشدة الحاجة لتلقي المساعدات (أجيمان دواه، ودادييه، 1994؛ وكراوس، 1994)، وكذلك الحاجة لإعادة جدولة الديون. وكنتيجة لذلك فقدت وزارات الخارجية، التي كانت مهمتها العمل كحارس بين مجالات السياسة الخارجية والداخلية، قد فقدت هذه الوظيفة، وحلت محلها وزارات المالية، والبنوك المركزية. ونتيجة أخرى، هي ظهور مستشارين جدد للسياسة الخارجية، البعض منهم تكنوقراط من البنك المركزي، ولكن الأسوأ من ذلك، الموظفين التابعين للمؤسسات المالية الدولية. ولهؤلاء الأخيرين تأثير كبير على السياسة الخارجية في مواحهة الفاعليات المحلية، لأن التهديد بقطع المساعدات يجبر الدول الأفريقية على الخضوع لإملاءات المؤسسات المالية الدولية. إن استمرار حاجة أفريقيا للمساعدات الخارجية، تعني استمرار التحكم الأجنبي في سياساتها الخارجية والداخلية.

وهكذا فموجة العولمة الحالية، توجه تحدياً أكيداً لأفريقيا الجنوبية، وبكل تأكيد يحوم شبح فقدان الدولة والقوى الديمقراطية للسيطرة الفعلية على اتخاذ القرارات المحلية، ومن باب أولى، على القضايا الدولية.

3-6 الضغوط البيئية إن العلاقة بين قضايا البيئة واستدامة الديمقراطية، بصفة عامة، غير مباشرة، وغير بارزة، ولذلك فمن الصعب ملاحظتها، والسبب يعود جزئياً إلى النظر لقضايا البيئة على أنها لا علاقة لها بالسياسة، وبالتالي لا تؤثر على نظام الحكم، ولكن هذه النظرة التقليدية زائفة. ويمكن اعتبار أن قضايا البيئة تؤثر على استدامة الديمقراطية من جهتين على الأقل، أولاً، هناك ارتباط متبادل بين الفقر وتدهور البيئة، وكما جاء في تقرير اللجنة العالمية بشأن البيئة والتنمية (1990، 28): "كثيراً ما يقوم الفقراء والجوعى بتدمير بيئتهم المباشرة من أجل البقاء، فيقطعون الغابات، وتقوم ماشيتهم بالرعي الجائر في الأراضي المعشبة، ويسرفون في استخدام أراضٍ هامشية، وينتقلون بأعداد كبيرة إلى مدن مزدحمة بالسكان. ولهذه التغيرات آثار تراكمية خطيرة بدرجة تجعل من الفقر وباءً عالمياً رئيسياً." وتستمر العملية، حيث يزداد فقر هذه الجماعات المفلسة بيئياً بسبب تخريب مصدر إعاشتهم. وهذه الأوضاع خطيرة بصفة خاصة في أفريقيا، حيث يعيش أغلب السكان في المناطق الريفية، وحيث يعتمدون بدرجة كبيرة على الغابة وغيرها من الموارد الطبيعية كمصدر لمعاشهم. وقد لاحظنا من قبل أثر الفقر على الديمقراطية، ومن المهم أن نضيف أن الإفلاس البيئي، يضاعف من مصيبة الفقراء، ويبعدهم أكثر عن السياسة وعن العملية الديمقراطية. ثانياً، وأكثر إيلاماً، إن تعثر الديمقراطيات في أفريقيا الجنوبية، راجع جزئياً للصراعات والحروب، فمن ناحية معينة، يمكن القول إن بعض الحروب في المنطقة مرتبطة بالبيئة. ففي أنجولا مثلاً، لا يدور الصراع بين يونيتا والمبلا من أجل السيطرة على الأرض فحسب، بل من أجل السيطرة على الموارد الطبيعية، أي مناجم الماس الغنية، والبترول. وبالمثل، فالسباق في جمهورية الكونغو الديمقراطية، يجري، وإن كان بشكل غير معلن، حول الموارد المعدنية. وهكذا، فالأثر السيئ لقضايا البيئة على ثبات الديمقراطية، هو أنها تزيد من حدة الصراعات، خاصة عندما تكون الموارد الطبيعية ناضبة. ولكن، بصفة عامة، تدخل قضايا البيئة ضمن الصراع الأكثر بروزاً من أجل السلطة، بحيث يصعب التفرقة بين الأسباب البيئية والأسباب السياسية الاقتصادية. وهكذا، فمع الألفية الجديدة، تواجه أفريقيا الجنوبية، في سعيها نحو دعم الديمقراطية، تحديات ذات ارتباط بيئي. ولكنه من المعتقد، أن أفريقيا الجنوبية ما زالت تمتلك، رغم الظروف السيئة إمكانية تدعيم الديمقراطية. وهي القضية التي سنتحول إليها الآن.

1-التفاؤل باستدامة الديمقراطية على الرغم من التحديات، فما زال هناك شعاع من الأمل في تنمية الديمقراطية في أفريقيا الجنوبية، وهذا التفاؤل مبني على عدة عوامل: أولاً، على أساس الأداء الاقتصادي، فأفريقيا الجنوبية منطقة أفضل نسبياً من شرق أو غرب أفريقيا، مع أن بعض بلدانها أسوأ من ناحية متوسط دخل الفرد، فإحصائيات البنك الدولي تظهر صورة اقتصادية واعدة، ستدعم الديمقراطية في نهاية المطاف. ثانياً، وبعكس غرب أفريقيا، حيث أبدت الكثير من الدول معارضة في السير في طريق الديمقراطية، فقد أبدت دول أفريقيا الجنوبية، ربما باستثناء الكونغو تحت حكم موبوتو وسوازيلاند، الرغبة في اتباع الأشكال الديمقراطية، وهذا الحماس يدل على وجود الإرادة لدعم الديمقراطية. ونتحفظ بالنسبة للحرب في أنجولا، وإن كان الأمل، أن كلاً من يونيتا ومبلا سيصلان إلى التفاهم لوقف الحرب. ثالثاً، يمكن أن يسهل وضع جنوب أفريقيا كقوة قائدة عملية تثبيت الديمقراطية في المنطقة، فبعد خروجها من حطام الأبارتيت، ولتاريخها المميز، تبدو جنوب أفريقيا مهيأة للمحافظة على الديمقراطية، وذلك ينعكس في موقفها من المصالحة في البلاد، ورغبتها في تصدير المثل الديمقراطية لبقية المنطقة. ولتأكيد هذه النقطة الأخيرة، فقد انتقدت الملكية في سوازيلاند للبطء في اتخاذ خطوات التحرر السياسي، كذلك حاولت، دون نجاح، أن تقنع الرئيس تشيلوبا، أوائل عام 1996، بعدم منع الرئيس السابق كاوندا من خوض الانتخابات، إعمالاً لحقوق الإنسان. كذلك، طلبت بريتوريا الإفراج عن الرئيس السابق كاوندا عندما اتهم بالاشتراك في محاولة الانقلاب الفاشل (بريتوريا نيوز، 9 سبتمبر 1997، 2). كذلك قامت جنوب أفريقيا بدور الوسيط النشيط في الصراعات في المنطقة، فقد انغمست بعمق في الصراع في ليسوثو، وإن كان البعض قد جادل بأن تدخلها لم يكن عن إيمان عميق بالديمقراطية، بقدر ما كان لدواعٍ اقتصادية وجيو-سياسية (ماكوا، 1999). وبالمثل فمنذ 1999، ضاعفت حنوب أفريقيا من جهودها لحل النزاع في جمهورية الكونغو الديمقراطية. والصراع الوحيد الذي لم يكن لبريتوريا دور مؤثر فيه هو الحرب في أنجولا. رابعاً، يمكن لجماعة التنمية للجنوب الأفريقي (سادك) أن تلعب دوراً في دعم الديمقراطية، ومثل بقية المنظمات الإقليمية بعد نهاية الحرب الباردة، تدخلت سادك في حل الخلافات، وإعادة الحكم الديمقراطي، وجهودها في هذا المضمار محمودة. ففي 1994، تدخلت المنظمة لمنع انقلاب عسكري في ليسوثو، كما لعبت دوراً مؤثراً في التحولات المثيرة للخلاف في أنجولا وسولزيلاند. كذلك تدخلت سادك عسكرياً، تحت قيادة جنوب أفريقيا، لوقف الصراع في ليسوثو عام 1998. ولكن القرار المبكر بالتدخل العسكري في جمهورية الكونغو الديمقراطية عمق الاستقطاب داخل المنظمة. وهذا الانقسام يهدد مستقبل المنظمة، ولكن إذا تمكنت المنظمة، رغم الصعوبات، من حل الصراع في الكونغو، حتى دبلوماسياً، فإن ذلك سيزيد من مصداقية المنظمة كقوة محافظة على السلام كثيراً.

1-مواجهة التحديات للديمقراطية من الواضح أن تنمية الديمقراطية في أفريقيا الجنوبية تواجه تحديات خطيرة في بداية الألفية الجديدة، وكما وضحنا في هذا الفصل، على الديمقراطية أن تتجاوز قسماتها التقليدية، فتتبنى عمليات وآليات تضمن سيطرة الناخبين على النواب الذين اختاروهم. وكما وضحنا، فالتحديات الخطيرة التي تهدد استدامة الديمقراطية، تشمل عوامل تعود للظروف المحيطة مثل الأزمة الاقتصادية، والانشقاقات الاجتماعية السياسية، والصراعات والحروب، وبرامج التكيف الهيكلي، والعولمة، والضغوط البيئية. وهذه التحديات ذات الطبيعة الداخلية والخارجية، ستعرقل ولا شك، دعم الديمقراطية في القرن الجديد. ومع ذلك، فكما أوضحنا، لا تقضي هذه التحديات على الديمقراطية بالتدهور، بل بالعكس، فعلى الرغم من هذه الظروف السيئة، فهناك دواعٍ للتفاؤل. ومن بين هذه الدواعي، يمكن لجنوب أفريقيا وسادك أن تسند الديمقراطيات الضعيفة والهشة في المنطقة. كذلك يمكن للتدابير التالية أن تخفف من تأثير التحديات التي تواجه الديمقراطية:  تحسين الحالة الاقتصادية في المنطقة، وخاصة تخفيض البطالة والفقر،  تخفيف آثار الانشقاقات الاجتماعية السياسية عن طريق نظم سياسية تؤلف بين الجماعات، وتحافظ على حقوق الأقليات والمعارضة،  حياد الدولة في الوساطة بين الجماعات المختلفة، وتوزيع الموارد،  اتخاذ سياسات توقف تدهور البيئة،  وضع سياسات تمكن أفريقيا الجنوبية من مواجهة تحديات العولمة بنجاح.












المـراجـع

Agyeman-Duah and Cyril Daddieh. 1994. Ghana. In The foreign policies of ECOWAS, edited by Timothy Shaw and Julius Okolo. London: Macmillan. Ake, Claude. 1996. Democracy and development. Washington, D.C,: The Brookings Institute. Akokpari, J. K. 1996a. Apparent contradictions in between economic and political liberalisation: A case study of debates in Ghana. Ph.D. Thesis, Dalhousie University, Halifax, Canada. ___. 1996b. Structural adjustments in Africa: Rethinking Ghana's "success story". International Insight 12, no. 2:23-39. ___. 1998. The state, refugees and migration in Sub-Saharan Africa. International Migration Review 36, no. 2: 211-231. ___. 1999. The political economy of migration in Sub-Saharan Africa. African Sociological Review 3, no 1: 75-93. Beetham, D. 1994. Conditions for democratic consolidation. Review of African Politico/Economy, no. 60: 157-172. Brown, M. B. 1995. Africa's choices: After thirty years of the World Bank, Harmondsworth: Penguin. Callaghy, T. M. 1990. Lost between state and market: The politics of economic adjustment in Ghana, Zambia and Nigeria. In Economic crisis and policy choice in the Third World, edited by M. Joan, 257-319. Nelson Princeton: Princeton University Press. Current UK and Ireland Headlines. 30 December 1997. Dahl, Robert. 1971. Polyarchy: Participation and opposition. New Haven: Yale University Press. Diamond, L. 1997. Prospects for democratic development in Africa. Stanford: Hover Institution. Doornbos, M. 1990. The African state in academic debate; Retrospect and prospect. Journal of Modern African Studies 28, no. 2: 179-198. Du Toit, P, 1999. Bridge or bridgehead? Comparing the party systems of Botswana, Namibia, Zimbabwe, Zambia and Malawi. In The awkward embrace: One- party domination and democracy, edited by Hermann Giliomee and Charles Simkins, 193-217. Cape Town: Tafelberg Publishers. Electronic Mail and Guardian. 21 August 1998. Huntington, S. P. 199 la. The Third Wave: Democratization in the late twentieth century. Oklahoma: University of Oklahoma Press. ___. 199 Ib. Democracy Third Wave. Journal of Democracy 2, no. 2:12-34. Akokpari. Meeting the Challenges of Sustainable Development 99 Joseph, R. 1991. Africa: The rebirth of political freedom. Journal of Democracy 2, no. 4:11-24. Kraus, Jon. 1994. The political economy of African regional policies: Marginality and dependence, realism and choice. In The foreign policies of ECOWAS, edited by Timothy Shaw and Julius Okolo, 245-283. London: MacmiIIan. Lake. D. A., and Donald Rothchild. 1996. Containing fear: The origins and management of ethnic conflicts. International'Security21, no. 2 (Fall) 41-75. Lipset.S.M. i960. Political man. London: Heinemann. Lungu, G. F. 1996. Zambia: Civil society in the aftermath of political transition. Paper presented at the conference on "Consolidating Democracy: What Role for Civil Society? Cape Town, South Africa, August 14-15. \lakoa,F, 1999. Election dispute and external military intervention in Lesotho. Paper presented at the SARIPS regional conference on "The Lesotho Crisis", Maseru, Lesotho, 5-6 February. Matlosa, K. 1999a. Conflict and conflict management: Lesotho's political crisis after the 1998 elections. Paper presented at the SARIPS regional conference on "The Lesotho Crisis", Maseru, Lesotho, 5-6 February. _. 1999b. Globalization and regional security: Southern Africa at the crossroads. Paper presented at the SARIPS annual colloquium on "Peace and Security in Southern Africa: Challenges and Opportunities", Harare, Zimbabwe, 26-30 September. Mkandawire, T. 1995. Adjustment, political conditionality and democratization in Africa. In Democratization processes in Africa: Problems and prospects, edited by Eshetu Chole and Ibrahim Jibril, 81-99. Dakar: CODESRIA. Osaghae,E. 1999. Democratization in Sub-Saharan Africa: Faltering prospects, new hopes. JournaiI of'Contemporary African Studies 17, no. 1; 5-28. Pretoria Nem. 9 September 1997. Prezeworski, A., Michael Alvarez, Jose Antonio Cheibub, and Fernando Limongi. 1996. What makes democracies endure? Journal of Democracy 7, no. 1: 39-55. ADC, 1998. SADC regional human development report 1998. Harare: SAFES Books. ndbrook, R. 1985, The politics of Africa's economic stagnation. Cambridge: Cambridge University Press. _. Sandbrook, R. 1988. Liberal democracy in Africa: A socialist-revisionist perspective. Canadian Journal of African Studies 22, no. 2: 240-67. Schmitz, G. J., and David Gillies. 1992. The challenge of democratic development. Sustaining democratization in developing societies. Ottawa: North-South Institute. Sekatle, P. 1999. The political dynamics of the 1998 elections in Lesotho. Paper presented at the SARIPS regional conference on "The Lesotho Crisis", Maseru, Lesotho, 5-6 February. Sevigny, T. P. 1990. From crisis to consensus: The United Nations and the challenge of development. New York: UN Department of Public Information. Sklar, R. 1983. Democracy in Africa. African Studies Review 26, nos. 3-4: 11-24. Smith, D. 1992. Conflicts and wars. In The debt boomerang: How Third World debt harms us, edited by S. George, 145-148. London: Pluto. The Sunday Times (Johannesburg). 8 and 9 August 1999. The World Commission on Environment and Development (WCED). 1990. Our common future. New York: Oxford University Press.



الحـواشـي







الفصل الخامس

العولمة والتنمية المستدامة في أفريقيا وضع خمر قديمة في براميل جديدة؟





















العولمة والتنمية المستدامة في أفريقيا وضع خمر قديمة في براميل جديدة؟



مُنايا م. مولنجي*، ومرجريت م. مُنايا **

      ترجمة: سعد الطويل

"العولمة أسطورة تناسب عالماً بلا أوهام، ولكنها تحرمنا من الأمل" (هيرست وطومسون، 1996، 6)

1-تقــديـم

لا شك أن العولمة أصبحت الكلمة المفتاحية للتسعينيات وما بعدها. ويعرفها جِدِنز (1990، 64)، بأنها تعني "تكثيف العلاقات الاجتماعية عبر العالم بحيث تربط الأماكن المتباعدة بطريقة تجعل الأحداث المحلية تتحدد بناءً على أحداث تقع على بعد مئات الأميال، والعكس صحيح"، وهو يقول إن العولمة هي نتيجة الحداثة. وهي تعني تنظيم العمليات المختلفة مثل الاتصالات والأعمال على مستوى عالمي، كما تعني "الوعي بالعلاقات المتبادلة بين الناس على الكوكب، والاعتراف بأن الكوكب محدود ومتناهٍ." (ييرلي 1996، 9). وهي تعكس الاتجاه المتزايد للنظر إلى العالم بصفته مكاناً واحداً ـ أو ما يسميه روبرتسون (1992، 8)، بانضغاط العالم ـ والوعي المتزايد بأن الإنسانية تعيش في عالم واحد. وترتب على هذا انتشار تعبيرات على هذا النمط في أدبيات العلوم الاجتماعية، مثل المجتمع العالمي، والقرية العالمية، والاقتصاد العالمي، والمواطنة العالمية، وغيرها. ونحلل في هذا الفصل عملية العولنة، مبرزين صفتين رئيسيتين، أولاً، أن العولمة في حد ذاتها ليست شيئاً جديداً، لأن نشأتها الأولى تكمن في ربط الاقتصادات الأفريقية بالنظام الرأسمالي العالمي عن طريق الاستعمار، ولعل الجديد هنا، هو المفهوم الجديد، والوعي بعالم واحد. ويتسق مع هذا أن نقرر أن العولمة هي، بصفة عامة، مرحلة جديدة من الاستعمار، وأن الأمر لا يعدو تعبئة خمر قديمة في براميل جديدة، أي ان العولمة تعني مزيداً من القبضة الخانقة للغرب على الاقتصادات الأفريقية. وبهذا المعنى، يمكن اعتبارها المرحلة الثالثة للاستعمار، حيث كانت المرحلة الثانية هي الاستعمار الجديد. ثانياً، وبالنسبة لأفريقيا بالأخص، فإن هدفي العولمة، والتنمية المستدامة، يقفان على خطي نقيض، فنحن نجادل بأنه كما أن الاستعمار لم يحقق أية تنمية للمستعمرات السابقة، فإن مفهوم العولمة لا ينتظر منه تحقيق أية تنمية مستدامة لهذه الأمم المتخلفة. ويؤكد هذا أن عملية العولمة موجهة بحيث تدعم وتقوي نفس القوى، والعمليات، والأبنية، التي عرقلت تنمية أفريقيا تحت حكم الاستعمار. ونحاول في هذا الفصل، إثبات هذه الأفكار، ولذلك نبدأ الفصل بتلخيص أهداف الاستعمار، وكذلك الملامح الرئيسية للعولمة، ومنها نستنتج أن العولمة هي المرحلة الثالثة للاستعمار، وأنها لا تتفق وإنما تتناقض مع التنمية المستدامة.

1-أهداف الاستعمار تعرف دائرة المعارف الدولية للعلوم الاجتماعية (1968، 1)، الاستعمار بأنه "فرض الحكم، لمدة طويلة، على شعب غريب، من قِبَل سُلطة تختلف عنه وتُخضعه". وكثيراً ما تطور الاستعمار، إلى استيطان سكان من أمة أصلية، بعد إخضاع السكان المحليين نتيجة الاحتلال بالقوة. ونحن نرى أن الاستعمار عملية تبدأ بغزو شعب ما، وتمر بمرحلة خضوع هذا الشعب للغزاة، ثم تستمر بعد منح "الاستقلال"، باتخاذ شكل جديد يسمى عادة الاستعمار الجديد. والاستعمار هو أحد نتائج الحدث التاريخي، وهو الثورة الصناعية، الذي واكب ميلاد فكرة الرأسمالية، ولذا فالدافع إليه كان الربح الاقتصادي، أي ما يسميه نابوديري (1981، 7) "إمبريالية التجارة الحرة". وبعبارة أخرى، كان التحول الاقتصادي الذي صاحب الثورة الصناعية هو الدافع وراء الاستعمار. فهذه الثورة حولت أسلوب الإنتاج من العمل القِنّي القائم في المنزل، إلى الاعتماد على العمل "الحر" الذي لم يعد مرتبطاً بالأرض أو السيد الإقطاعي (نابوديري، 1981). وطريقة الإنتاج الرأسمالية الجديدة هذه، أدت إلى نقلة في النظرة للتجارة وأدى التركيز على تنمية الإنتاج ذاتياً إلى تغير النظرة لأراضي ما وراء البحار (نابوديري، 1981، 7). وهنا كانت الرأسمالية الأوروبية قد تقدمت إلى مرحلة تدفعها إلى البحث عن أسواق جديدة لمنتجاتها، ومصادر جديدة للمواد الخام (نابوديري، 1982). وأدى الجري وراء هذه المصادر، إلى السباق بين القوى الأوروبية نحو أفريقيا الذي انتهى بمؤتمر برلين الدولي في أكتوبر 1884، وتقسيمها إلى مناطق نفوذ، ثم استعمارها بالكامل. وكان هدف الإمبريالية الأوروبية هو إدماج التوابع الأفريقية في الاقتصاد الرأسمالي العالمي، وهو نتيجتها في الوقت ذاته (ريمر، 1983، 141). وحول الاستعمار الاقتصادات الأفريقية، مثل غيرها من البلدان النامية، إلى مصدر للخامات، ومواد الطعام، الرخيصة. وطبقاً للآراء الماركسية الجديدة (مثل فانون، 1970؛ ورودني، 1972؛ وفالرشتاين، 1974؛ وأمين، 1976؛ ونابوديري، 1981، و1982؛ وفرويند، 1984)، كان ذلك الإدماج ضرورياً لضمان استمرار أدوات الإنتاج في اقتصاد الدول الإمبريالية. واستمرت هذه العملية في ظل الاستعمار الجديد الذي هدفه الرئيسي هو حماية المصالح الاقتصادية (والاستراتيجية) للمستعمرين السابقين. وكانت ممارسات السلطة الاستعمارية تعمل على إقامة أبنية إدارية قوية لتحقق هدفين، هما إدماج الشعوب الأفريقية في اقتصاد السوق، وتسهيل استغلال هذه الشعوب دون مقاومة تذكر. يقول نابوديري (1982)، إن الاستعمار أقام مؤسسات سياسية إدماجية لتقوية قبضته على الشعوب المستعمرة. ولتحقيق ذلك لجأ البريطانيون إلى سياسة مزدوجة، أولاً الاعتماد على الرئيس الأفريقي، وإذا لم يوجد رئيس فلا مانع من خلقه. والرئيس يجب أن يكون شخصية سلطوية، تستطيع اتخاذ القرارات الحاسمة بسرعة، وتحافظ على النظام بفرض الاحترام، بل الخوف (ليونارد، 1991). وهو يضيف: "لم يشتهروا بالمحافظة على القانون، بل عُرفوا بالصرامة، والشجاعة، والحضور، والقدرة على السيطرة على التجمهر" (ليونارد، 1991، 28). ولم يكن حكم الرؤساء محبوباً، ولكنه استمد القوة من دعم الإدارة البريطانية التي منحته الشرعية. وكان الأسلوب الثاني الذي اتبعه البريطانيون لتقوية إدارتهم، هو سياسة "فرق تسد"، وذلك بإيجاد جماعة مسيطرة (أو قبيلة "متميزة")، تحصل على مزايا سياسية واقتصادية خاصة، ودفع المنافسة بين القبائل المختلفة، مع الاحتفاظ بولاء مجموعة واحدة، وقبل كل شيء، منع ظهور أي شعور بالاتحاد قد يهدد المصالح الاستعمارية وحكمها. وعلى سبيل المثال، تمتع بالامتياز، قبائل النجوندة في نياسالاند ـ مالاوي اليوم (كالنجا، 1985)؛ والباجندا في أوغندا البريطانية (روبرتس، 1962)؛ والتوتسي في رواندا وبوروندي البلجيكية (برونيه، 1995؛ وفاسال أدامز، 1994؛ ومازروي وتايدي، 1984)؛ والإيبو في نيجيريا البريطانية (هَنت ووكر، 1974)؛ والشونا في زيمبابوي (داي، 1980). وكانت النتيجة هي شحذ المنافسة بين الجماعات للحصول على الموارد السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، المحدودة التي تتحكم فيها الدولة.

1-مكونات العولمة كما ذكرنا من قبل، فالعولمة مفهوم جديد، يعكس "إحساس الناس بمرحلة تسارع التكامل الاجتماعي تشمل توثيق الارتباط بين الدول/الأمة" (كيلمنستر،1997، 272). ويعتبر منظرو العولمة أن العالم يتجه نحو مرحلة جديدة، أو انه دخلها فعلاً. يقول هيرست وطومسون "نحن نعيش في عهد تتحكم فيه العمليات العالمية في أغلب مظاهر الحياة الاجتماعية، وتتجه الثقافات الوطنية، والاقتصادات الوطنية، والحدود الوطنية، نحو الاندثار" (1996، 1). وقبل أن ندرس كيف تكون العولمة مرحلة ثالثة من الاستعمار، يجب أن نحدد الأشكال المختلفة التي تعبر بها العولمة عن نفسها. لقد واكبت العولمة انتشار تكنولوجيات الإعلام والاتصال التي قضت على التباعد الاجتماعي بين المستعمرين ومستعمراتهم السابقة الذي ترتب على التحرر من الاستعمار. فقد حدثت ثورة في الإعلام والاتصال، بسبب التقدم التكنولوجي، جعلت المذيعين ورجال الإعلام يتخطون حدودهم القومية (قاسم، 1997). وهكذا ، فرغم تباعد المسافات، سهلت تكنولوجيا الإعلام والاتصال التقارب الاجتماعي. وقد لعب التلفزيون، بصفة خاصة، دوراً مهماً في تقديم صورة فورية لأحداث وشعوب بعيدة، وبذلك وسع من مدى الخبرات المحلية، ومع العولمة، لم تعد المسافة بذات أهمية في الالتقاء بين أمم العالم وأجزائه. ويعبر ييرلي عن ذلك ببلاغة بقوله: (1996، 5) إن العولمة قد حولت العالم إلى "مكان موحد، حيث يمكن الوصول إلى كل شخص، وحيث لا يرتبط الشعور بالتقارب بالمسافات المكانية، وإنما بالاتصال الإلكتروني. والملمح الثاني للعولمة، هو نمو ثقافة مشتركة (ييرلي، 1996)، فقد تطور سوق عالمي للموسيقى الشعبية، والفلم، والموضة، ووسائل الترفيه، وغيرها من سلع الاستهلاك. وتساعد هذه الوحدة على تعزيز السيطرة الثقافية عن طريق الاستمرار في عملية قلع جذور التقاليد، والممارسات، وأنماط الاستهلاك للسكان الأصليين، التي بدأت في عهد الاستعمار. وكما يقول ييرلي (1996)، فكلما توحدت منتجات الثقافة الشعبية في كل مكان، وكلما اعتبر الناس أنفسهم أعضاء في جماعة عالمية، كلما ازدادت فرص تأييدهم للمنظمات التطوعية العالمية مثل منظمة العفو الدولية، ومنظمة جرين بيس الدولية. ويعود الملمح الثالث للعولمة إلى المجال السياسي، ويمكن أن نتحدث عن قيام هيئات (تنظيمات نضالية، وجماعات ضغط) تركز نشاطها على قضايا المرأة، والبيئة، ونزع السلاح، وحقوق الإنسان، وغيرها من القضايا الاجتماعية. ومن هذه الهيئات التي تنشط على المستوى العالمي منظمة العفو الدولية، والصليب الأحمر الدولي، وجرين بيس الدولية، والشفافية الدولية. ومن التطورات ذات المغزى بالنسبة لعولمة السياسة، الضغط من أجل الديمقراطية التمثيلية في البلدان النامية، الأمر الذي اشتد بعد نهاية الحرب الباردة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. وفيما يتعلق بأفريقيا، هناك اتجاه واضح نحو الديمقراطية منذ أوائل التسعينيات (أوتاواي،1997؛ ويدنر، 1997)، تحت تأثير بلدان الغرب، لا سيما الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، والوكالات والهيئات المانحة، والمصلحين الأفريقيين. والمقرطة تعني التحول إلى نظام حكم ديمقراطي، أي نظلم للحكم تعود السلطة العليا فيه للشعب، الذي يمارسها بطريق غير مباشر عن طريق نظام تمثيلي، تمنح فيه السلطة لممثلين ينتخبهم الشعب في انتخابات متتابعة، حرة، ونزيهة. وفي ظل ديمقراطية تمثيلية حقيقية، يقوم مجتمع إنساني على جهود الشعب ذاته. ويجري قيام نظام ديمقراطي عن طريق انتخابات متعددة الأحزاب، بشكل منتظم (بِنكني، 1994؛ فان دي فاله، 1997). وعلى هذه الحكومة مراعاة الحقوق الاجتماعية، والسياسية، وكذلك الحقوق والحريات المدنية، وحقوق الإنسان (سارنسين، 1991) لأغلبية السكان. وفي ظل نظام ديمقراطي، يجب أن يختفي الاعتقال التعسفي، والتعذيب، والإعدام خارج نطاق القانون، وأن يتوفر للمواطنين المساواة أمام القانون، والضمانات الدستورية لحقوقهم، وكذلك عدم التعرض للنتائج الباهظة للقرارات غير المدروسة لحكام مستبدين. ومن أهم سمات العولمة، سرعة عملية العولمة الاقتصادية، ولعل هذا أهم سماتها، فهو المحرك نحو العولمة الثقافية والسياسية، وكانت بداية هذه العملية في سنوات السبعينيات المضطربة. ويجادل من يؤيدون هذا الرأي بأن قوى السوق المسيطرة، والشركات متعدية الجنسية حقيقة، قد أصبحت المسيطر الفعلي على ديناميات الاقتصاد العالمي. والشركات متعدية الجنسية لا تدين بالولاء لأي دولة معينة، وتقيم في أية بقعة من السوق العالمي تحقق مصالحها، وهي حالياً اللاعب الاقتصادي الرئيسي، والمحرك الرئيسي للتغيير (هيرست وطومسون،1996). ويشرح ييرلي (1996، 6) الأمر قائلاً: "ساعدت كفاءة النقل الحديث، وقلة تكلفته، على توافر سلع متماثلة في جميع أنحاء العالم". وواكب هذا التصنيع والمبيعات على مستوى العالم بأكمله، وذلك بعكس الأوضاع السائدة بعد الحرب العالمية الثانية، حيث كان العالم "تجمعاً من الاقتصادات الوطنية المرتبطة عن طريق التجارة، وحيث كانت الشركات تنتج أساساً للسوق الداخلي، وبشكل ثانوي من أجل التصدير، وحيث كان الإنتاج يجري داخل الحدود القومية، وحيث كانت الحكومات تحمي الصناعات الوطنية، وتدعمها، وتدافع عنها، وتضع القواعد للتجارة الدولية في المحافل الحكومية الدولية..." (قاسم، 1997، 204). يقول هيرست وطومسون (1996، 195): "لقد ظهر اقتصاد عالمي حقيقي، تصبح فيه الاقتصادات "الوطنية" المتميزة، واستراتيجيات إدارة الاقتصاد الوطني غير ذات صلة بشكل متزايد." ويضيفان (1996، 10) أن إحدى السمات الرئيسية للاقتصاد الدولي حالياً، هي أن "العمليات التي تتقرر على مستوى الاقتصاد الوطني ما زالت سائدة، وأن الظواهر الدولية، هي نتائج للأداء المتميز، والمختلف للاقتصادات الوطنية." ولكن العولمة تحاول أن تحرم الأمم من التحكم في هذه العمليات، عن طريق إعطاء الاقتصاد العالمي الاستقلالية، وخلعه من مقره الاجتماعي، بجعل عملية الإنتاج عالمية حقاً.

3-العولمة: مرحلة ثالثة من الاستعمار نحن نجادل بأن عملية العولمة ليست جديدة بالمعنى الدقيق، إنما الجديد نسبياً، هو ازدياد وعي الناس بهوية عولمية، والتفكير في إطار عملية عولمية. وفي الواقع فكلمة "العولمة" ظهرت لأول مرة في قاموس ويبستر عام 1961، بما يشير إلى "اعتراف صريح في المرحلة الحالية، بالمغزى المتزايد للارتباط بين الأحداث والعلاقات الاجتماعية على مستوى العالم" (كيلمنستر، 1997، 257). واتساقاً مع هذا المنطق، نعتبر أن عملية الاستعمار، كان لها نتائج عولمية، وأن الشعور المتزايد حالياً بانكماش العالم، هو مجرد مرحلة جديدة من الاستعمار. وما قد يميز العولمة كشكل من أشكال الإمبريالية عن الشكل القديم (في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين)، هو أن القوى الاستعمارية الجديدة لم تعد تتنافس فيما بينها، وإنما تعمل بشكل موحد. وقيام أوروبا الموحدة، ونهاية الانقسام الأيديولوجي بين الشرق والغرب، دلائل على التقارب بين ما كانت يوماً ما، قوى إمبريالية متنافسة في عصر الاستعمار. ويمكن اعتبار أن عملية الاستعمار قد أدت إلى عولمة الثقافة، والسياسة، وأهم منهما الإنتاج والتجارة، وحدث هذا عن طريق الربط بين مصير البلدان المتخلفة، وتحركات البلدان المصنعة. وتؤكد نظرية النظام العالمي هذه النظرة، حيث تؤكد على علاقات الاستغلال بين المتقدمين والمتخلفين كنتيجة للاستعمار. وهذه النظرية، التي نادى إيمانويل فالرشتاين(1979، 1991) بها، تحدثت عن تنمية بناء عالم ثلاثي مترابط ـ مركز، وأطراف أو تخوم، وشبه تخوم ـ وأبرز مركزية دور الشركات متعدية الجنسية، وانتقال رؤوس الأموال عبر الحدود القومية، لفهم الوضع الاقتصادي للبلدان النامية. وهي تنادي بأن العالم الثالث لا يوجد في حالة الفقر بسبب عدم التنمية، وإنما بسبب الاستغلال، واستمرار تحكم العالم الصناعي في شروط التجارة والمالية في أثناء مرحلة الاستعمار الجديد. وفي رأينا، أن ما يظهر من نموذج النظام العالمي، ما هو إلا عولمة للصناعة والأعمال، وهو ما سنعود إليه فيما بعد. وقد خلقت تحركات مثل إنشاء المزارع لتغذية الصناعات الأوروبية والأمريكية بالمواد الخام، و التدخل في اقتصادات بلدان العالم الثالث لضمان أسواق للسلع الغربية، خلقت اقتصادات مترابطة. يقول فالرشتاين (1990)، إن الانتقال من الإقطاعية إلى الرأسمالية، قد رافقه أساساً خلق اقتصاد عالمي، وبناءً عليه يمكن القول إن ما يسمى الاقتصاد العالمي، هو مجرد امتداد للاقتصاد الدولي الذي نشأ في أوائل القرن العشرين بعد ضم المزيد من الأمم واللاعبين الاقتصاديين إلى علاقات السوق العالمي (هيرست وطومسون، 1996). ولفهم كيف تعيد العولمة بناء الاستعمار، يجب أن نفحص مكوناتها أو ملامحها، لنقارنها بأهداف الاستعمار. وأول هذه المكونات هو عولمة الاتصالات، وباستبدال التقارب الاجتماعي بالتلامس الفعلي في عهد الاستعمار، فقد مكنت العولمة، في رأينا، المستعمرين القدامى من استعادة السيطرة الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، على المستعمرات السابقة، من أفريقية وغير أفريقية، وتدعيمها. فالمستعمرون السابقون يستطيعون الاتصال بسهولة بأتباعهم السابقين، رغم المسافات التي تفصل بينهم، ويقومون بالكثير من الصفقات الاقتصادية (خاصة الصناعة والتجارة)، والاجتماعية، بل والسياسية معهم. وعلى الرغم من أن المستفيد الرئيسي من عولمة الاتصالات هو عالم الأعمال، وعالم العلم، فإن تزايد الاتصال بين الأفراد عبر الإنترنت يتسع اليوم للمواطن العادي (ييرلي، 1996). والتوسع في الاتصال عبر الإنترنت، يزيد من فرص انتشار الثقافة الغربية في القارة الأفريقية، وهذا معناه أن يستمر الفرنسيون في تحويل رعاياهم المستعمَرين السابقين إلى فرنسيين، كما يستطيع البريطانيون الاستمرار في "تحضير السكان الأصليين" دون الحاجة لاتصال مباشر. كذلك يمكن القول بأن عملية العولمة تقلل من المسافة الفعلية والنفسية بين القوى الاستعمارية وتوابعها السابقة، ويؤدي الإحساس بانكماش العالم إلى إعطاء المستعمِرين السابقين شعوراً بالتقارب والتحكم في ممتلكاتهم السابقة. بل إن المستعمِرين السابقين يجدون أنه من المناسب، والأجدى اقتصادياً، أن "يديروا" مستعمراتهم السابقة من مكاتبهم ومنازلهم. ويجادل بعض الدارسين مثل سكوت (1977)، وروبريسون (1992)، وآرتشر (1990)، أن العولمة تختلف تماماً عن التحديث، فسكوت (1997، 3) يقول: "إن مفهوم العولمة لا يعني مجرد مرحلة جديدة من التحديث، أو السير وراء الغرب." وفي حين نتفق مع سكلير (1991) بأن العولمة لا تعني مجرد الأمركة، إلا أننا نعتقد بأن الفرق بين العولمة والتحديث ليس كبيراً بهذه الدرجة، فالعولمة امتداد للتحديث. وللحديث عن الثقافة العالمية مغزى معين، خاصة عند النظر فيه من وجهة المِلكية، ففي رأينا أن ما يسمى ثقافة العولمة هو جوهرياً الثقافة الغربية. أما الثقافة العالمية الحقيقية، فيجب أن تكون حصيلة اندماج تقافات عالمية مختلفة. ولكن بالنسبة لأفريقيا بوجه خاص، فإن عولمة الثقافة كان معناها أن تغطي الثقافة الغربية على الثقافة الأفريقية، ويناءً عليه، فإن محاولة فرض ثقافة عولمية لا يختلف كثيراً عن مهمة الاستعمار البريطاني في تمدين السكان الأصليين بفرض العادات والممارسات الثقافية عليهم، أو سياسة الاستعمار الفرنسي للاستيعاب التي حاولت تحويل الأفريقيين إلى فرنسيين عن طريق تعليمهم قواعد السلوك الفرنسية. وبالنسبة للمكون السياسي للعولمة، نرى أن الضغط من أجل مقرطة الدول الأفريقية، محاولة متجددة من الغرب لخلق أنظمة من الحكم تساعد على استغلال الموارد الأفريقية (بشرية، وطبيعية)، لمصلحة البلدان الصناعية الغربية. فالغرب يأمل أنه بإقامة أنظمة من الحكم الديمقراطي الشكلي في أفريقيا وغيرها، سيستعيد ما يشبه أشكال الإدارة القوية للاستعمار. أي بعبارة أخرى، أن الحكم الديمقراطي في أفريقيا وغيرها، يُنتظر منه تحقيق التحكم الإداري الذي كان سائداً قبل الصراع من أجل الاستقلال. وبالضغط من أجل الديمقراطية، تأمل القوى الاستعمارية أن تلتف حول أوضاع عدم الاستقرار السياسي التي ابتليت بها أغلب أجزاء القارة منذ الاستقلال، والتي تهدد فرص اعتصار الحد الأقصى من المكاسب الاقتصادية من المستعمرات السابقة. ومن أهم معوقات الديمقراطية التي يأمل الغرب في إزاحتها، غياب ثقافة الديمقراطية (فريمبونج، 1999)، وغياب المؤسسات الديمقراطية (جوردون، 1997؛ وبنكي، 1997)، بما في ذلك الإطارات الدستورية، وغياب مجتمع مدني قوي، وأحزاب سياسية قوية، وبرلمانات، ونظم قضائية مستقلة، وقوات عسكرية وأمنية ذات كفاءة مهنية (أوتواي، 1997؛ وبنكي، 1997؛ وهوب، 1997). والمكون الأخير لعملية العولمة هو عولمة الاقتصاد، ونحن نرى أن دولنة الاقتصاد (التجارة، وتحركات رؤوس الأموال، والنظم النقدية)، لا تمثل ظاهرة جديدة، أو فريدة من نوعها. ونحن نتفق مع هيرست وطومسون (1996)، في أن مظاهر تزايد دولنة العلاقات الاقتصادية منذ السبعينيات، لا تعني في حد ذاتها ظهور هياكل اقتصادية عولمية متميزة، فهما يقرران أن الاقتصاد الحالي المدولن، مجرد "واحد من عدد من الحالات للاقتصاد الدولي التي نشأت منذ بدء تعميم الاقتصاد المؤسس على التكنولوجيا الصناعية الحديثة منذ ستينيات القرن التاسع عشر" (هيرست وطومسون، 1996، 2). وظهور هذا الاقتصاد هو الذي أدى إلى استعمار أفريقيا وبقية العالم. وبهذه النظرة، يمكن اعتبار عولمة الاقتصاد محاولة لدفع مفهوم السوق والاقتصاد العالميين اللذان نبتت جذورهما مع الاستعمار، إلى آفاق جديدة.

5-العولمة والتنمية المستدامة: كشف التناقضات الكامنة اكتسب تعبير "التنمية المستدامة" وفكرة الاستدامة التي تصاحبه، اهتماماً عالمياً بعد نشر تقرير يرونتلاند (المفوضية العالمية المعنية بالبيئة والتنمية، 1987)، وبعد قمة الأرض عام 1992، (بارتيلموس، 1994). والتعبير يشير إلى "شكل من أشكال التقدم الاجتماعي الاقتصادي يمكن أن يستمر بلا نهاية، دون أن يستهلك الموارد العالمية، أو أن يضعف من قدرة الأنظمة الطبيعية على التعامل مع التلوث" (ييرلي، 1996، 131). فهي التنمية التي تغطي احتياجات الأجيال الحالية، دون أن تضر بفرص الأجيال القادمة في تحقيق احتياجاتها هي الأخرى. ولا يجب احتساب التنمية على قدر النمو الاقتصادي الكمي فحسب، وإنما بقدر الفوائد التي يحققها لحياة المواطنين، فالتنمية الحقيقية يجب أن تؤثر إيجاباً على حياة المواطنين، لا مجرد أن تزيد من ثروة الأمة. فالمشاركون في عملية التنمية، يجب أن يشاركوا في الانتفاع بفوائد التنمية، كما شاركوا في إنتاج تلك الفوائد (جيليز وآخرين، 1996). وسندرس في هذا الفصل، التنمية المستدامة في أفريقيا على مستويين: أولاً، على المستوى الأوسع حيث نفحص بعض العوامل العامة التي تعرقل التنمية. ثانياً، نركز على التناقضات الكامنة في عملية العولمة التي تجعل استدامة التنمية مهمة شاقة بالنسبة لأغلب البلدان الأفريقية. ولفهم عملية التنمية في البلدان الأفريقية يجب أن نأخذ في الاعتبار المراحل المختلفة التي ميزت العملية، والأشكال المختلفة التي اتخذتها خلال كل مرحلة. أي أن علينا أن نفحص التنمية في عهد الاستعمار، وفي المرحلة التالية للاستقلال، والمرحلة من أوائل التسعينيات وما بعدها. وفي المرحلة الاستعمارية، كانت التنمية، على أقل تقدير، غير متوازنة، وتهدف للاستغلال، وكانت تعني تعبئة العمل والموارد الأفريقية لخدمة البلدان الغربية، ولم يقدم إلا أقل القليل لرفع الأوضاع الاجتماعية الاقتصادية للشعوب الأفريقية. ولم يحصل الأفريقيون إلا على الحد الأدنى من التعليم والرعاية الصحية التي تسمح لهم بتحقيق الأهداف الاقتصادية للسادة المستعمرين، الذين لم يعطوا اهتماماً كبيراً لاستئصال الفقر بين السكان الأفريقيين. وهذا هو ما دفع الدول الأفريقية المستقلة حديثاً إلى اتباع سياسات التنمية المتجهة لتحقيق "الرفاهية". فمن أجل ضمان الرفاهية الاجتماعية الاقتصادية للشعب، اتبعت بعض الحكومات الأفريقية بعض أشكال الاشتراكية مثل "الاشتراكية الأفريقية" لجومو كنياتا، و"أوجاما" جوليوس نيريري، و"إنسانية" كينيث كاوندا. وتعهدت الحكومات الجديدة جميعاً تقريباً، باستئصال الفقر، والجهل، والمرض، وأن توفر مياه الشرب النقية للجميع. وهناك عدد من العوامل التي تمنع التنمية من التعمق في أغلب البلدان الأفريقية، ومنها النظام الاقتصادي السابق فيها، وغياب تقاليد التنمية، والانهيار الاقتصادي الذي يعم أفريقيا اليوم. أما بشأن النظام الاقتصادي السابق، فيجب أن نلاحظ أن أغلب الأنظمة الأفريقية عند الاستقلال، ضحت بالاستثمار لمصلحة الاستهلاك، فاختارت استراتيجيات للتنمية تركز على تحقيق مكاسب للجماهير، وأصيبت أعلب هذه الاستراتيجيات بالفشل، وأغرقت اقتصاد البلدان المعنية في الوحل. وتفتقد أغلب البلدان الأفريقية تقاليد التنمية (على الطريقة الغربية)، ومثل هذه التقاليد ضرورية لتحقيق تراكم الثروة التي يمكن إعادة استثمارها لرفع مستوى معيشة السكان. وتتجه البلدان الأفريقية نحو العولمة، وهي مكبلة بديون خارجية ومحلية هائلة تستهلك الموارد المحدودة التي كان من المفترض أن تستثمر لتحقق مناخ الإنتاج الذي يمكن أن يرفع مستوى معيشة الشعب. ويتعقد الموقف أكثر بتفشي الفساد الذي أصاب كل الجهاز السياسي، وجميع مؤسسات المجتمع من عامة وخاصة، حكومية أو غير حكومية (مولنجي ولستيدي، 1998، 1999؛ وهوب، 1997؛ وأوسوبا، 1996). والفساد يعرقل تطوير الحكم الجيد، والشفافية، والمحاسبة، وهو يضر بالكفاءة الاقتصادية، ويخنق روح المبادرة المحلية، ويبدد الموارد اللازمة لتثبيت دعائم التنمية الاجتماعية والاقتصادية. وحيث يتفاقم الفساد، فقد أدى للانهيار الكامل للاقتصاد، ولأداء الخدمات المتعلقة بالرفاهية الاجتماعية مثل التعليم والرعاية الصحية. وإضافة لغياب تقاليد التنمية في أغلب البلدان الأفريقية، هناك غياب لطبقة أصحاب الأعمال، أو لطبقة متوسطة بشكل عام، فلم تنشأ في أفريقيا طبقة متوسطة يمكنها الاستثمار من أجل التنمية الاقتصادية. وزاد من تعقيد الوضع، عملية هجرة العقول، إلى جانب تخفيض عدد موظفي الدولة ودخولهم، تحت تأثير برامج التكيف الهيكلي (أوتاواي، 1997). ويجب ألا ننسى أن عملية التنمية في أفريقيا ذات توجه أجنبي، حيث تقوم الشركات الأجنبية بتصنيع منتجات تستهلك بعيداً عن البلدان الأفريقية. وثمة عامل آخر يعرقل قدرة أفريقيا على تكوين طبقة من رجال الأعمال، وهو عامل تجاهلته أدبيات التنمية بشكل كامل، هو عملية الإعالة الصغيرة المستندة إلى المفهوم الأفريقي للعائلة الكبيرة، فمن الشائع في كثير من البلدان الأفريقية أن نجد 30 شخصاً يعتمدون في معاشهم على فرد عامل واحد، ومع أن دارسي أوضاع الإعالة قد تجاهلوا هذه الظاهرة، إلا أننا نعتقد أنها تلعب دوراً كبيراً في تأكيد تخلف التنمية. فالإعالة الصغيرة تخنق إمكانيات التنمية الذاتية، عن طريق امتصاص الموارد التي كان من الممكن أن توجه إلى الادخار، ومن تمّ للاستثمار في مشروعات منتجة. فحل مشكلة الفقر عن طريق توزيع المساعدات لعدد كبير من الأقارب، ضيع على الكثير من رجال الأعمال الأفريقيين المحتملين، فرصة المشاركة في حل مشكلة الفقر التي خيمت على أغلب بلدان القارة. فهذه المساعدات التي توزع على الأقارب الكثيرين، كان من الممكن أن تتحول إلى استثمارات تخلق فرص عمل، وبالتالي دخلاً لهؤلاء الأقارب ذاتهم. ولهذا السبب، تستمر الأموال والاستثمارات الأجنبية كالمصدر الوحيد للتنمية. وهناك معوق آخر للتنمية الاقتصادية المستدامة في أفريقيا في ظل العولمة، وهو الانهيار الاقتصادي الذي أصاب أغلب بلدان القارة. فاليوم، تواجه معظم البلدان الأفريقية أزمة اقتصادية حادة بلا أمل في تغير سريع يحقق معدلات نمو مرتفعة باستدامة، فأغلب هذه الاقتصادات تكاد تكون لا وجود لها، حيث يسود العجز الفادح، والتضخم المنفلت، وهروب رؤوس الأموال، وانهيار البنية التحتية (فان دي فاله 1997). وهي تتصف بمتوسط دخول الفرد المتدنية بانتظام، وتدهور خدمات الرعاية الصحية، وارتفاع نسب الأمية، وتزايد إفقار أعداد كبيرة من السكان، وارتفاع خطير في نسب البطالة. وتتعقد الأزمة في بعض البلدان بسبب تكاليف الانتقال إلى برامج التكيف الهيكلي، طبقاً لشروط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي من أجل تحقيق الانتعاش الاقتصادي. وحيث طبقت هذه البرامج، فقد صاحبها هبوط الإنفاق الحكومي على برامج الرفاهية الاجتماعية، مثل الغذاء، والتعليم، والإسكان، والرعاية الصحية، بالإضافة إلى انكماش القطاع العام، وهو القطاع الأكثر توفيراً لفرص العمل. وانكماش القطاع العام، اتخذ شكل التقاعد المبكر، وتوفير العمالة، ووقف التوسعات، والتعيينات الجديدة. وتزايد الفقر في أفريقيا قد اقترن بتزايد "الثقافة القدرية" (المرتبطة بالشعور بالإحباط واليأس)، التي تعطل عملية التفكير الإنساني الرشيد، خاصة بين أفقر الفئات. وهي تقلل من الدور الإنساني الفاعل، ونزيد من الاعتماد على القوى الغيبية. ومن الحوادث ذات المغزى في هذا الصدد، حادث قيام القرويين غي أغسطس 1999، في أوغندا، بقتل ثلاثة سحرة لطلبهم من عملائهم تقديم ضحايا بشرية حتى يحققوا لهم الثروة على الفور. ويمكن الإشارة إلى مثال آخر وهو استعانة بعض الجماعات مثل الأكامبا في كينيا، بالجن لتحقيق الثروة! وازدياد حالات الفقر، تؤثر كذلك على مشاركة المجتمع المدني في عملية التنمية. وتزيد بعض مميزات عملية العولمة من صعوبة تحقيق التنمية المستدامة، فأولاً، كما عمل الاستعمار على تهميش العالم الثالث عامة، وأفريقيا بصفة خاصة، فالعولمة تقوم بنفس الشيء بعدم إحداث أي نقل للاستثمارات وفرص العمل من البلدان المتقدمة للبلدان النامية. فباستثناء بعض البلدان القليلة حديثة التصنيع، يستمر تهميش العالم الثالث بالنسبة للاستثمار والتجارة (هيرست وطومسون، 1996). وفي الواقع، فإن الاقتصاد الدولي المعاصر، أبعد ما يكون عن "العالمية" الحقيقية، فهو واقع تحت سيطرة العالم المتقدم، خاصة أوروبا الغربية واليابان وشمال أمريكا. وهذه البلدان قد نزايد وزنها النسبي في التجارة والاستثمار في الأعوام الأخيرة (هيرست وطومسون، 1996، 196)، وفي تدفقات رؤوس الأموال، ويمكن اعتبارها أعضاء نادي الاقتصاد "العولمي". أما البلدان الأقل نمواً، وحتى بلك الحديثة التصنيع، فلا تمثل إلا نسبة صغيرة جداً من الاقتصاد الدولي، وهي لا تزال تلعب ذات الدور الذي كانت تؤديه في ظل الاستعمار، ولم يتغير موقعها منذ عشرات السنين. أي أنها ما زالت المنتجة للمواد الخام، وهي ما زالت تابعة للبلدان المصنعة فيما يتعلق بالأسواق والاستثمار (هيرست وطومسون، 1996). ثانياً، تمثل عولمة الاقتصاد توسعاً وتقوية لعلاقات الاستغلال بين أفريقيا والغرب من خلال الاستعمار، فالمشاركة في الاقتصاد العالمي لا تحدث على قدم المساواة، كما أن السوق العالمي لا يضم فرقاء متساوين. وبعض هؤلاء الفرقاء ـ البلدان الغنية (وأغلبها من القوى الاستعمارية السابقة) ـ يتمتعون بأفضلية نسبية على الآخرين، وهم البلدان الفقيرة وخاصة البلدان الأفريقية. وفي هذا السوق، تفرض البلدان القوية اقتصادياً أسعار السلع، وشروط التجارة، وهكذا يستمر تعرض البلدان الضعيفة اقتصادياً لاستغلال البلدان القوية. وهكذا فالعولمة لن تحقق أبداً التنمية المستدامة للعالم الثالث عامة، وأفريقيا خاصة، وكل ما قد يحدث، هو ازدياد علاقة التبعية المركز- التخوم سوءً، حسب رأي المنظرين، حيث تتطور البلدان الأوروبية (المركز)، باستغلال المواد الخام التي توفرها البلدان النامية (التخوم). ومع العولمة، سادت في أفريقيا "عقلية التسول"، أو الشعور بالحاجة إلى الاعتماد على الغرب عن طريق مؤسسات مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ومنظمات المساعدة الدولية، مثل وكالة التنمية الدولية الأمريكية، والوكالة الدنماركية للتنمية الدولية، والوكالة الكندية للتنمية الدولية، والمنظمات غير الحكومية، التي تعمل، في الحقيقة، كأماكن لتشغيل بعض العمالة الغربية. وفي ظل هذا الجو من الشعور بالتبعية، أقنعنا الغربُ بأننا نحتاج إليهم أكثر من حاجتهم إلينا، مع أنهم يعتمدون على أفريقيا من نواحٍ كثيرة. ولعل الحقيقة هي أن كلاً من الطرفين في حاجة إلى الآخر. وعلاوة على ذلك، فعولمة الأعمال، تعني الاعتماد في التنمية على الشركات متعدية الجنسية، فبفضلها استطاعت الشركات الرأسمالية الضخمة أن تتوسع في نشاطاتها التجارية والصناعية على نطلق العالم بهدف تعظيم الربح، مستفيدة من العمالة الرخيصة، وغياب القيود المتشددة لحماية البيئة، والسيطرة على أسواق البلدان النامية. وهذا الشكل من التنمية لا يحقق سوى القليل من الفوائد للبلدان النامية، حيث تذهب أغلب الفوائد للبلدان الصناعية، ويستمر مسلسل استغلال البلدان الأفريقية الذي بدأ مع الاستعمار. ولعل الإغلاق المتوقع لمصنع سيارات هيونداي في بوتسوانا، مثال لذلك، فالخاسر في هذه الحالة ليس الشركة الكبرى، وإنما العمال الذين سيفقدون عملهم. ولعل الإغلاق لم يكن الحل الأخير المناسب فيم لو كانت الشركة تهتم حقيقة بمصالح بوتسوانا. وعلى الرغم من ادعاء أنصار العولمة أنها قد فتحت الطريق لظهور الشركات متعدية الجنسية فإن هذه مبالغة، والشركات متعدية الجنسية العالمية حقاً نادرة نسبياً، وأغلب الشركات الناجحة ما زالت تعمل من قواعد وطنية محددة. وهذا يعكس حقيقة أن التنمية عن طريق الشركات متعدية الجنسية، قد وُضع أساسه في الحقبة الاستعمارية، ولتمويه بلد المنشأ للشركة، وأهدافها الاستغلالية، تجري هذه الشركات نوعاً من تقسيم العمل الدولي، حيث يتخصص كل بلد في صنع أحد مكونات المنتج، وبذلك لا ينتمي المنتج النهائي لأي بلد محدد. وإضافة لذلك تلجأ الشركات لإدخال اسم البلد الذي تعمل فيه في اسمها (مثل شركة التبغ البريطانية الأمريكية، كينيا ليمتد، وشركة ديلمونتي كينيا ليمتد)، وذلك لخلق الشعور بالمحلية لدى المواطنين، وأن الأمر ليس مجرد خدمة مصالح الشركة الأم. يقول سكلير (1991، 131): "إن الهدف المحدد للنظام الرأسمالي المعولم في العالم الثالث هو تنمية روح الاستهلاك لدى الجماهير دون النظر إلى قدرتها على إنتاج ما تحتاج إليه، وباهتمام غير مباشر بقدرتها على دفع ثمن ما تستهلكه." وهذا مؤشر آخر على أن العولمة الاقتصادية لا ينتظر منها أن تؤدي إلى تنمية مستدامة في أفريقيا. ويمكن القول إن "عقلية الاستهلاك" التي تبشر بها العولمة، إنما هي محاولة لتوسيع دور بلدان العالم الثالث، بما فيها أفريقيا، كأسواق لمنتجات البلدان الصناعية. وعلاوة على ذلك، فالعولمة تضعف من التأثير السياسي للعمال المنظمين، وقدرتهم على المساومة (هيرست وطومسون، 1996)، فالأسواق العالمية، والشركات متعدية الجنسية، سيقابلها سوق عالمي للعمل، مفتوح بحيث يستطيع رأس المال المتحرك اختيار الموقع الذي يحقق له أفضل الصفقات من ناحية توافر العمالة وانخفاض أجورها. وهذه النتيجة للعولمة تعني، في رأينا، محاولة جديدة لاستغلال العمل الرخيص في أفريقيا وغيرها في البلدان النامية، وهو تكرار لأهداف الاستعمار لاستغلال العمل الرخيص والمواد الخام الرخيصة.







6- خـاتمـة

أصبحت العولمة تعبيراً شائعاً في العلوم الاجتماعية، وهي تعبر عن وضع انكمش فيه العالم بفضل تغلب الإلكترونيات على المسافات، وبفضل التقارب الثقافي الذي يعود لصناعة الترفيه العالمية. كما تعني ارتفاع الوعي بالانتماء إلى مجتمع عالمي، وبالتالي تنامي التأييد لمنظمات تطوعية مثل منظمة العفو الدولية، وجرين بيس الدولية. وهذا الفصل يجادل بأن العولمة لا تمثل جديداً، وإنما هي امتداد للعملية التي بدأت في الحقبة الاستعمارية، واستمرت في عهد الاستعمار الجديد. وعلى سبيل المثال، فالدول الصناعية، بنشرها للشركات متعدية الجنسية في مستعمراتها، وتحويلها لأسواق لها، كانت تبني أساساً نظاماً رأسمالياً عالمياً، وتنشر ثقافة الاستهلاك العالمية. وهكذا فالحديث اليوم عن اقتصاد عالمي، إنما يعود إلى الحقبة الإمبريالية، كذلك يثبت الفصل أن عملية الاستعمار كانت تهدف، إلى عالمية السياسة والثقافة. وبعد هدوء الضجة المثارة حول العولمة، ثمة بعض الحقائق التي يجب أخذها في الاعتبار عند البحث عن التنمية المستدامة في أفريقيا، وهي أولاً، أن العولمة، مثل سابقها الاستعمار، ليست الحل لمشكلة التخلف، وخاصة وهي تؤكد نفس أنواع الارتباط الاستغلالي، والهياكل بين الدول الصناعية والبلدان الأفريقية. ثانياً، على أفريقيا، لكي نحقق التنمية، أن تختار الأولويات الصحيحة، فالاكتفاء الغذائي يجب أن يأتي قبل مجرد التفكير في التصنيع. أما مجاراة العادات والممارسات الغربية فقد أدت إلى تبني أنواع من الغذاء لا تناسب الطقس في أغلب أجزاء القارة. وقضية الذرة (الشامية) مثال على ذلك: فقبل عملية "التمدين"، لم تكن الذرة من الأغذية الشائعة في أفريقيا، وكان الناس يأكلون الذرة السكرية، والدُخن وغيرها من النشويات، إلى جانب أغذية أخرى مثل اللبن، والفول الغني بالبروتينات وزبدة الفول السوداني (تشيبفاكاشا، 1998). ثالثاً، على أفريقيا، لكي تحقق التنمية، أن تستفيد إلى الحد الأقصى من أهم مواردها، وهو البشر، وهذا يقتضي تغذية جيدة كأولوية أولى، ويجب وضع حد لاستنزاف العقول الذي أصاب أغلب البلدان الأفريقية.

رابعاً، على جميع البلدان الأفريقية أن تقدر الدور المركزي للقطاع الزراعي (سواء الزراعة، أو تربية الماشية) في سعيها وراء التنمية المستدامة. وتدل الدراسات الحديثة أن الدخل من الزراعة يمثل دوراً متناقصاً من الدخل الكلي للعائلات الريفية (هاي، 1998)، وكذلك بالنسبة للاقتصاد الوطني لأغلب البلدان الأفريقية. وإذا كانت الصناعة ستنشط على طول القارة الأفريقية، فلا مناص من أن ترتكز إلى الزراعة.














المـراجـع

Amin, S. 1976. Unequal development: An essay on the social formations of peripheral capitalism. New York: Monthly Review Press. Archer, M. 1990. Theory, culture and the post-Industrial society. In Global culture: nationalism, globalization and modernity, edited by M. Featherstone. London: Sage Publications. Bartelmus, P. 1994. Environment, growth and development: The concepts and strategies ofsustainability. London: Routledge. Chipfakacha, V. 1998. Weaning practices in the Kgalagadi District: A KAP survey. In From food security to nutrition security in Botswana, edited by M. Mugabe, K. Gobotswang and Holomboe-Ottesen. Gaborone: University of Botswana and University of Oslo. Day, J. 1980. The insignificance of the tribe in the African politics of Zimbabwe Rhodesia. In From Rhodesia to Zimbabwe, edited by W. H. Morris-Jones. Fanon, F. 1970. The pitfalls of national consciousness in Africa. In Imperialism, and under development: A reader, edited by R. I. Rhodes, 302-322. New York: Monthly Review Press. Freund, B. 1984. The making of contemporary Africa: The development of African society since 1800. Bloom ington: Indiana University Press. Frimpong, K. 1999. Some pitfalls in Africa's quest for democratic rule and good governance. In Corruption, democracy and good governance in Africa: Essays on accountability and ethical behavior, edited by K. Frimpong and G. Jacques, 31 -39. Gaborone: Lentswe La Lesedi Publishers. Giddens, A. 1990. The consequences of modernity. Cambridge: Polity Press. Gillis, M., D. H. Perkins, M. Roemer, and D. R. Snodgrass. 1996. Economics of development. New York: W. W. Norton and Company. Gordon, D. F. 1997. On promoting democracy in Africa: The international dimension. In Democracy in Africa: The hard road ahead, edited by M. Ottaway, 153-164. London: Lynne Rienner Publishers. Hay, R. 1998. Public spending priorities for better nutrition in Sub-Saharan Africa. In From Food Security to Nutrition Security in Botswana, edited by M, Mugabe, K. Gobotswang and Holomboe-Ottesen. Gaborone: University of Botswana and University of Oslo. Hirst, P., and G. Thompson. 1996. Globalization in question: The international economy and the possibilities of governance. Cambridge, MA: Polity Press. Mulinge & Munyae. Globalization and Sustainable Development in AfricaHope, K. R., Sr. 1997. African political economy: Contemporary issues in development. London: M. E, Sharpe. Hunt, C, L, and L. Walker. 1974. Ethnic dynamics: Pattern of inter-group relations in various societies. Homewood, Illinois: The Dorsey Press. International Encyclopedia of the Social Sciences. 1968. Vol. 3 and Vol. 7, edited by David L. Sills. The Macmillan Company and the Free Press. Kalinga, 0. J. M. 1985. Colonial rule, missionaries and ethnicity in the North Nyasa District, 1891-1938. African Studies Review 28, no. 1: 57 -72. Kassim, H. 1997. Air transport and global ization: A sceptical overview. In The limits of globalization: Cases and arguments, edited by A. Scott. London: Routledge, Kilminster, R. 1997. Globalization as an emergent concept. In The limits of globcili:ation: Cases and arguments, edited by A. Scott. London: Routledge. Knmkowski, D. H., and R. L. Hall. 1990. The African development dilemma revisited: Theoretical and empirical exploration. Ethnic and Racial Studies 13, no. 3:315-344. i cunard, David K. 1991. African successes: Four public managers of Kenyan rural development. USA: University of California Press. C. 1975. Underdevelopment in Kenya: The political economy of neo- colonialism. Berkley: University of California Press. Mazrui, A, A., and M. Tidy. 1984. Nationalism and new states in Africa from about 1935 to the present. New Hampshire; Heinemann Educational Books Ltd. Mulinge, M. M., and G. N. Lesetedi, 1999. The genesis and entrenchment of corruption in Sub-Saharan Africa: A historical and international contextuafization. In Corruption, democracy and good governance in Africa: Essays on accountability and ethical behavior, edited by K. Frimpong and G. Jacques, 20-30. Gaborone: Lentswe La Lesedi Publishers. Vulinge, M. M., and G. N. Lesetedi. 1998. Interrogating our past: Colonialism and the birth and entrenchment of corruption in Sub-Saharan Africa. African Journal of Political Science 3, no. 2: 15-28. M. M., and M. M. Mulinge, 1999. The centrality of a historical perspective is in the study of modern social problems in Sub-Saharan Africa: A lale from two case studies. Journal of Social Development in Africa 14, no. 2: 51-70. iderc, D. 1981. Imperialism in East Africa: Imperialism and exploitation. London; Zed Press. Nabudere, D. 1982. Imperialism in East Africa: Imperialism and integration. London: Zed Press. Osoba, S. 0. 1996. Corruption in Nigeria: Historical perspectives. Review of African Political Economy 69: 371-386. Ottaway, M. 1997. From political opening to democratization? In Democracy in Africa: The Hard Road Ahead, edited by M. Ottaway, 1-14. London: Lynne Rienner Publishers. Pinkney, R. 1994. Democracy in the Third World. Buckingham: Open University Press. Prunier, G. 1995. The Rwanda crisis 1959-1994: History of a genocide. London: C. Hurst. Rimmer, D. 1983. The economic imprints of colonialism and domestic food supplies in British tropical Africa. In Imperialism, colonialism and hunger: East and central Africa, edited by R. I. Rotberg, 141-166. Massachusetts, D.C.: Heath and Company. Roberts, C. 1962. The Sub-Imperialism of the Baganda. Journal of African History 3, no. 3:435-450. Robertson, R. 1992. Globali^ation: Social theory and global culture. London: Sage Publications. Rodney, W. 1972. How Europe underdeveloped Africa. London: Bagle-L'ouverture Publications. Scott, A 1997. Introduction - Globalization: Social process or political rhetoric? In The Limits of Globalization: Cases and Arguments, edited by A. Scott. London: Routledge. Sklair, L. 1991. Sociology of the global system. London: Harvester Wheatsheaf. Serensen, G. 1991. Democracy, dictatorship and development: Economic development in selected regimes of the Third World. London: Macmillan Press. Van de Walle, N. 1997. Economic reform and the consolidation of democracy. In Democracy in Africa: The Hard Road Ahead, edited by M. Ottaway, 15 - 42. London: Lynne Rienner Publishers. Vassal-Adams, G. 1994. An agenda for international action - Rwanda. Oxfam: United Kingdom and Ireland. Wallerstein, M. I. 1974. The modern -world system. New York: Academic Press. ___. 1990. Societal development or development of the world system? In Globalization, Knowledge, and Society, edited by Martin Albrow and Elizabeth King, 157-171. London: Sage Publications. ^T\CT, }. A. 1997. Political parties and civil society in Sub-Saharan Africa. In Democracy in Africa: The Hard Road Ahead, edited by M. Ottaway, 65 -82. London: Lynne Rienner Publishers. /orld Commission on Environment and Development. 1987. Our common future. The Brundtland Report. Oxford: Oxford University Press. easier, S. )99<f?. Sc7crff('ogy, envi'ronmentalism and globalization: Reinventing the globe. London: Sage Publications.







الفصل السادس

العولمة والقدرة التنافسية للشركات الأفريقية


















العولمة والقدرة التنافسية للشركات الأفريقية



كرانمار روتيهِندا * ترجمة: سعد الطويل

تقـديــم مر الاقتصاد العالمي خلال العقد الماضي بعدد من التغيرات الأساسية خاصة في مجال التجارة الدولية، فقد ارتفعت معدلاتها، وزاد معدل التفاعل الاقتصادي بين شعوب البلدان المختلفة، مما أدى إلى تغير كيفي في العلاقة بين الدول، والاقتصادات الوطنية، والمؤسسات الدولية، ومؤسسات الأعمال. وحدث هذا التحول نحو عولمة الاقتصاد العالمي، كنتيجة لخمس أحداث رئيسية: نهاية الشيوعية والحرب الباردة بين حلفي الناتو ووارسو؛ ووضع قواعد جديدة للتجارة العالمية كنتيجة لجولة أوروجواي للجات، ولمنظمة التجارة العالمية؛ وبرامج التكيف الهيكلي؛ والتقدم المذهل لتكنولوجيا الاتصال؛ ونمو الشركات متعدية الجنسية. وزاد اختفاء الشيوعية من الاتحاد السوفيتي وبلدان أوروبا الشرقية، من سرعة العولمة، بفتح أسواق أوروبا الشرقية التي كانت بمعزل عن المنافسة العالمية. وساعدت هذه التطورات على حدوث التوافق العالمي على تحرير التجارة، فانتهت جولة أوروجواي للجات بإنشاء منظمة التجارة العالمية، التي تضمن حرية التجارة عن طريق زيادة الشفافية في السياسات التجارية للدول. وقد خلقت هذه الاتفاقات الظروف لمزيد من تحرير التجارة، وضمان الاستقرار في العلاقات التجارية الدولية، ومشاركة المزيد من البلدان في الاقتصاد العالمي. كذلك زادت من مجالات وصول الشركات للأسواق الدولية، وحماية حقوق الملكية الفكرية لها. كذلك لعبت برامج التكيف الهيكلي، التي دفع إليها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي من أجل نمو الناتج المحلي الإجمالي، دوراً في تطور العولمة. وقد استلزمت برامج التكيف الهيكلي تحرير التجارة الخارجية، ورفع القيود على الأسواق المالية، وسٍوق العمل في الداخل، وترشيد الضرائب، وخصخصة الشركات الحكومية، وتخفيض تدخل الدولة. وأدى تحرير التجارة الخارجية عن طريق خفض التعريفة الجمركية أو إلغائها، وإلغاء دعم الصادرات، إلى فتح هذه الأسواق أمام الواردات الأجنبية الرخيصة، وبذلك زادت من ضراوة المنافسة الخارجية. وشجعت خصخصة الشركات الحكومية، وخفض التدخلات الحكومية، وتحرير الأسواق المالية الشركات الأجنبية على دخول تلك الأسواق بشراء الشركات التي خُصخصت. وساعد النمو المذهل لتكنولوجيا الاتصال والإعلام على التفاعل بين الشعوب بغض النظر عن المسافات الجغرافية، فالتكنولوجيا والأخبار تتدفق بلا عائق عبر الحدود الوطنية، وتنمو الأسواق للمنتجات المختلفة في كل مكان في العالم، وتتشابه احتياجات الزبائن بسبب تداخل الثقافات. ونمت الشركات متعدية الجنسية، والاستثمار الأجنبي المباشر، بشكل كبير خلال العقد الماضي. وعلى الرغم من أن العولمة قد وفرت للبلدان المختلفة الحرية في اختيار الاستراتيجيات الي تسمح لهم بالاستفادة مما يدعم قدراتهم التنافسية، وفي الأسواق التي يختارونها، فإن أغلب البلدان النامية، وخاصة الأفريقية، لم تتمكن من الاستفادة من الفرص التي أتاحتها هذه العملية. وفي أفريقيا بالذات، لم تحقق العولمة التغير المطلوب في هياكلها الاقتصادية، بل ربما تكون قد زادتها ضعفاً. ويشار إلى عدد من العوامل بصفتها المتسببة في نقص القدرة التنافسية للاقتصادات الأفريقية، ومنها: السياسات الاقتصادية الكلية غير المناسبة، الميل ضد التصدير، السيايات الضريبية التي تعرقل التصدير، غياب التكنولوجيات المتقدمة، وطرق الإنتاج العتيقة، وهياكل التوزيع والتسويق غير المتطورة، ونقص العمالة الماهرة، والبنية التحتية المتخلفة، والبيئـة غير المناسبة، وغياب آليات التمـويـل القـادرة (ECA، 1999). وعلى الرغم من أن العولمة قد شجعت الباحثين في الأعمال الدولية على دراسة دور الشركات في الأسواق العالمية، فإن أغلب البحوث في هذا المجال قد ركزت على دور الشركات متعدية الجنسية الكبرى، مع إهمال دور الشركات في البلدان النامية، بل قد جادل البعض بأن الشركات الأفريقية ليس لها دور ذو مغزى في السوق العالمية. وعلى هذا الأساس، فليس أمام الشركات الأفريقية إلا الاستسلام والبيع للشركات متعدية الجنسية، وبناءً عليه سارعت البلدان الأفريقية ببيع شركاتها للشركات متعدية الجنسية، بافتراض أن الشركات الصغيرة والمتوسطة، لا تستطيع البقاء في وجه المنافسة العالمية المتصاعدة. وسنحاول في هذا الفصل سد الثغرة المشار إليها أعلاه، بالتركيز على القدرة التنافسية للشركات الأفريقية في السوق العالمية. وبالتحديد، سنحاول هنا معالجة قضية وضع الشركات الأفريقية الاستراتيجي في السوق العالمي بما يخدم مصالحها.

1-الخيارات الاستراتيجية للشركات الأفريقية في السوق العالمي والإطار الذي اخترناه لتحليل القدرة التنافسية للشركات الأفريقية في هذا الفصل، هو صورة الشركة على أساس الموارد، ونظرية الشبكة/التفاعل للتسويق الصناعي (انظر الشكل رقم 1). وقد وردت صورة الشركة على أساس الموارد، أصلاً في نظريات الربح والمنافسة كما وردت في كتابات ديفيد ريكاردو، وجوزيف شومبيتر، وفيليب سلزنِك، وإدبث بنروز، وألفريد تساندلر (ولبحث أكثر تفصيلاً، انظر فوس، 1998). وقد أُدمجت هذه الأبحاث مع اقتصاديات التنظيم، ونظريات التنظيم، لوضع أساس متين لاستراتيجيات النمو. وفي عام 1984، ظهر مقال بيرجر فيرينفيلت المعنون: "صورة الشركة على أساس الموارد"، ودراسة ريتشارد روميلت المعنونة: "نحو نظرية استراتيجية للشركة"، وعلى أساسهما ظهرت هذه النظرية بشأن الاستراتيجية، بشكل يجتذب مديري الشركات. وتبدأ صورة الشركة على أساس الموارد، من الفرض بأن القدرة التنافسية للشركة مبنية على مجموعة موارد الشركة لا على السوق المتوفر لمنتجاتها، وهناك أربعة افتراضات أساسية: أولاً، أن هناك اختلافات أساسية بين الشركات فيما يتعلق بالموارد التي تسيطر عليها واللازمة لتحديد استراتيجيتها. ثانياً، وهذه الاختلافات ثابتة لحد كبير. ثالثاً، أن الاختلافات بين ما تمتلكه الشركات من موارد، تؤدي إلى اختلافات في الأداء. وأخيراً، أن الشركات تعمل على رفع أدائها الاقتصادي إلى الحد الأقصى. وهذا يعني أن الشركات يمكن أن تحسن أداءها بتجميع، أو امتلاك موارد معينة. فهي تركز الاهتمام على خلق واستمرار القدرة التنافسية على أساس الموارد المتاحة للشركة. ولكي تحقق موارد شركة ما ميزة تنافسية، يجب أن تستوفي أربعة معايير أساسية، وهي: التنوع، وحدود سابقة للمنافسة، وحدود تالية للمنافسة، وقابلية حركة ناقصة (بتيراف، 1993). والتنوع يعني أن المورد يجب أن يكون نادراً حتى تكون له ميزة تنافسية تؤدي إلى فرق في الكفاءة، ومن ثَمّ تحقيق ريع. والحدود السابقة للمنافسة، تعني أن ثمن الحصول علي المورد يجب أن يكون أقل من القيمة الحالية الصافية له، بعد الخصم، حتى يمكن أن يحقق ريعاً، وإلا فإن ثمن المورد سيستوعب الريع المنتظر من المورد. والحدود التالية للمنافسة، تعني أنه سيكون من الصعب، أو المستحيل، على المنافسين أن يقلدوا موارد تحقق ريعاً، أو أن يستخدموا موارد بديلة، وقابلية الحركة الناقصة، تعني أن المورد يجب أن يكون مرتبطاً لحد ما بالشركة، وإلا فإن قيمة المساومة الأعلى الناتجة من عدم الارتباط بشركة معينة، يستغلها المورد في الاستحواذ على الريع الذي يحققه. ونظرية الشبكة/ التفاعل للتسويق الصناعي (هاكانسون، 1982؛ وفورد، 1990)، تعتبر أن الشركة بمثابة عقدة، أو نقطة التقاء في خريطة دائمة التوسع من التفاعلات مع المشاركين على اختلافهم، وهي مؤسسة على معطيات النظرية الاقتصادية المؤسسية الجديدة، والتسويق الصناعي، وأدبيات المشتريات. والفرض الأساسي في هذا التوجه، هو اعتبار الشركة نظام من الموارد يتفاعل مع البيئة المحيطة بهدف المحافظة على بقائه. والقدرة التنافسية للشركة تتحدد بقدرتها على الحصول على موارد من الشبكة وليس مجرد البقاء بفضل الموارد التي تمتلكها. وفي الشبكة، يرتبط الزبائن، وزبائن الزبائن، والموردون، وموردو الموردين، والموزعون، والماليون،..الخ. مع بعضهم البعض، بروابط مباشرة وغبر مباشرة. وتقوم نظرية الشبكة/ التفاعل لاستكمال صورة الشركة على أساس الموارد، بتوسيع مجال موارد الشركة ليتضمن الشبكات والعلاقات القائمة مع المشاركين المختلفين. ولكي تتسق مع صورة الشركة على أساس الموارد، فإن علاقات الشبكة ذات المغزى بالنسبة للميزة التنافسية، يجب أن تكون ذات قيمة، ونادرة، ولا يسهل على المنافسين تقليدها، أو تكرارها. والحجة الرئيسية لهذا الفصل قائمة على الافتراض بأن الخيارات الاستراتيجية للشركات الأفريقية في السوق العالمي، تتوقف على الأصول الخاصة بها، والهياكل العالمية السائدة للصناعة التي تنتمي إليها، وكذلك للظروف السائدة في سوقها المحلي.


الشكل رقم 1. أسس الميزة التنافسية للشركات الأفريقية في الأسواق العالمية







ويمكن تلخيص الخيارات التنافسية الاستراتيجية للشركات الأفريقية في السوق العالمي في خيارات رئيسية ثلاث: • المنافسة المباشرة ضد الشركات متعدية الجنسية، أي المنافسة المباشرة • المنافسة غير المباشرة بالتحصن في ركن منعزل من السوق، أي المنافسة غير المباشرة • التعاون مع الشركات متعدية الجنسية، بعقد تحالفات استراتيجية معها

2-المنافسة المباشرة وهذا الخيار يعني أن الشركة الأفريقية، تستطيع في مواجهة المنافسة العالمية، أن تختار المنافسة وجهاً لوجه ضد الشركات متعدية الجنسية التي تدخل السوق المحلي، وبدلاً من التراجع أمام المنافس الخارجي، تستطيع الشركة الأفريقية اختيار البقاء مستقلة، وتدعم أصولها القائمة لتتغلب على الشركة الأجنبية. وهذه الاستراتيجية تتطلب من الشركة أن تنافس على أساس تكلفة الإنتاج، والبيع بأسعار تقل عن أسعار الشركة متعدية الجنسية، أو أن تنافس على أساس نوعية المنتج. وقدرة الشركات الأفريقية أن تنافس وتنتصر على الشركات متعدية الجنسية، ستتوقف على قدرتها إما أن تنتج بأسعار تقل عن المنافسة العالمية، أو أن تنتج منتجات فريدة في نوعها تتمشى مع أذواق أغلب المستهلكين في السوق. وخيار المنافسة المباشرة يصلح في الأسواق العالمية عندما لا تستطيع الشركات متعدية الجنسية الاستفادة من مزاياها العالمية، أو عندما يكون للشركة الأفريقية ميزات معينة خاصة بها، مرتبطة بأوضاع مناسبة للسوق المحلي.

3-المنافسة غير المباشرة المنافسة ضد الشركات متعدية الجنسية، غير مجدية بالنسبة للكثير من الشركات الأفريقية، خاصة في مواجهة ما للأولى من ميزات تعود للحجم والتكنولوجيا المتقدمة. والخيار البديل للكثير من الشركات الأفريقية، خاصة المتوسطة والصغيرة، هو تجنب المنافسة المباشرة مع الشركات متعدية الجنسية. والمنافسة غير المباشرة قد تتخذ أكثر من وسيلة: أولاً، تستطيع الشركات الأفريقية تجنب المنافسة المباشرة بالتركيز على العمل في الصناعات المجزأة، حيث لا تستطيع الشركات متعدية الجنسية الكبيرة الاستفادة من ميزة الإنتاج كبير الحجم، وهي لذلك لا تفضل العمل في مثل هذا السوق، فتترك بذلك، فجوة يمكن للشركات الأفريقية ملئها. ولتحقيق النجاح، يجب على الشركة الأفريقية أن تختار ركناً يتفق مع قدراتها، وخاصة مع الميزات الخاصة بها. ثانياً، تستطيع الشركات الأفريقية تجنب المنافسة المباشرة مع الشركات متعدية الجنسية، بالتركيز على تلك الأركان من السوق التي لا تهتم بها هذه الأخيرة، مثل الإنتاج حسب الطلب لتلك الشريحة من المستهلكين القادرة على دفع فرق مقابل الحصول على منتج خاص، والراغبة في ذلك. والشركات متعدية الجنسية قد بنت نشاطها على أساس طلب الزبائن الميسورين، ويعمل مديرو فروعها الأجانب، في البلدان الأفريقية في مكاتب فخمة، مكيفة الهواء، ويسكنون في منازل فخمة مما يرفع تكلفة إنتاجهم في البلدان الأفريقية بما لا يسمح لهم بتلبية احتياجات الطرف الفقير من السوق. ولما كانت الشركات الأفريقية قادرة على الإنتاج بتكلفة أقل نسبياً، فهي تستطيع التركيز على هذا الجانب الفقير من السوق، وهو عادة الأغلبية من السكان، وتتجنب بذلك الصدام المباشر مع الشركات متعدية الجنسية. ثالثاً، تستطيع الشركات الأفريقية أن تستفيد من وجود الشركات متعدية الجنسية، بتوفير منتجات تكمل منتجات هذه الشركات، أو تجعلها تتمشى مع الأذواق المحلية، وعلى سبيل المثال، استطاعت شركة تنزانية لصناعة الزجاج، وهي كيو ليمتد، أن تستفيد من وجود الشركات متعدية الجنسية مثل كوكا كولا، بتوريد الزجاجات لمنتجاتهم، ولمواجهة طلبهم لنوعية متقدمة من الإنتاج، اضطرت شركة كيو إلى تحديث التكنولوجيا المستخدمة، كما رفعت حجم الإنتاج من 60 إلى 170 طناً في اليوم. وبالمقارنة بالأوضاع فبل عشر سنوات، أي قبل تحرير الأسواق، تحسنت نوعية الإنتاج، وارتفعت المبيعات. رابعاً، تستطيع الشركات الأفريقية أن تتجنب المنافسة المباشرة مع الشركات متعدية الجنسية، بالتصدير إلى أسواق لم يصل إليها اللاعبون العالميون، فهي تستطيع الخروج إلى أسواق تحقق لها ميزاتها الخاصة فيها دخلاً أكبر، وميزات الإنتاج الكبير، وخبرات جديدة ثمينة. ويمكن تحقيق ذلك بالبحث عن أسواق مشابهة لأسواقها المحلية من ناحية أذواق المستهلكين، أو القرب الجغرافي، أو شبكات التوزيع، أو القيود الحكومية. فيمكن لرجال الأعمال النيجيريين مثلاً، التصدير للمملكة المتحدة بتوجيه منتجاتهم للنيجيريين المقيمين هناك. وبالمثل، يمكن للشركات الأفريقية أن تصدر إلى أسواق تشارك معها في الإرث الثقافي أو اللغوي، مثل الأمريكيين من أصل أفريقي. وقد يكون التصدير هو الطريق الوحيد للتوسع أمام الشركات الأفريقية التي اختارت التركيز على أركان ضيقة خاصة من السوق. وعلى سبيل المثال، فشركة كيو ليمتد، في ركنها الخاص، توفر 95 بالمائة من احتياجات سوق الزجاجات في تنزانيا، والخمسة بالمائة الباقية تستورد من كينيا والهند. ومن أجل النمو والتوسع، فهي تورد الزجاجات حالياً لريونيون، ومدغشقر، وموريشيوس، وسيشل، وجيبوتي، وإثيوبيا، وكينيا، وأوغندا، وزامبيا، وزيمبابوي، وجنوب أفريقيا.


4-التعاون مع الشركات متعدية الجنسية وبدلاً من المنافسة ضد الشركات العالمية الكبرى، يمكن للشركات الأفريقية أن تختار التعاون مع الشركات متعدية الجنسية، عن طريق التعاقدات طويلة الأجل، أو المشروعات المشتركة، أو اتفاقات التعاون، أو استخدام العلامات التجارية، أو الإنتاج لحسابها، أو حتى عقود الإدارة، أو اتفاقات التجارة المتبادلة. وتستطيع الشركات الأفريقية أن تتعاون مع الشركات العالمية على توريد مكونات للشركات العالمية، وتحقق هذه العقود المشتركة، عدداً من الفوائد للشركات الأفريقية: أولاً، فهي تحمي الشركة الأفريقية من المخاطرة؛ ثانياً، وهي تخفض من تكلفة التسويق بشكل ملحوظ؛ ثالثاً، إذا كانت للشركة العالمية متطلبات متشددة، فإن الشركة الأفريقية ستكتسب المزيد من المعرفة، وبالتالي الكفاءة، في محاولتها الاستجابة لهذا التشدد. وإلى جانب التعاقدات، تستطيع الشركات الأفريقية الاندماج مع شركة عالمية لتكون شركة مشتركة مملوكة للطرفين. ولن تقبل الشركة العالمية مثل هذا الاتفاق إلا إذا كانت هناك فائدة تحققها منه، ولذلك فمن واجب الشركة الأفريقية أن تفهم الدافع الذي يجعل الشركة العالمية تقبل تكوين شركة مشتركة، وذلك بالقراءة بين السطور. وإذا كان هدف الشركة الأفريقية من الشركة المشتركة هو اكتساب المعرفة من الشركة العالمية، فيجب أن تجهز آلية لاكتساب تلك المعرفة، أي أن تنظم بشكل منهجي عملية التعلم بين الشركاء (هامل، 1991). والفشل في استباق الشريك العالمي في التعلم، يجعل الشركة الأفريقية في البداية تابعاً، ثم لا تلبث أن تصبح زائدة عن الحاجة داخل الشركة المشتركة، وفي وضع ضعيف تنافسياً خارجها. ويجب على الشركات الأفريقية، عند الدخول في شركات مشتركة، أن تتنازل عن ميزاتها الخاصة، لأن ذلك سيدفع الشريك العالمي إلى التخلي عن الشركة المشتركة، بمجرد الحصول على المنافع التي كان يعمل على الوصول إليها. ويمكن للشركات الأفريقية أن تدخل في مشروعات مشتركة مع شركة عالمية بهدف تحقيق مشاركة في المخاطرة بالنسبة لمنتجات جديدة، أو أسواق جديدة، فهي بمشاركة شركة عالمية، ستصل إلى شبكة السوق العالمي للشركة العالمية، وهذا يحقق لها خبرة دولية، وخبرة مواجهة الأسواق الأجنبية، وكذلك المزايا الأخرى للشركات الكبرى، دون المخاطرة بفقد هويتها أو مرونتها. ولعل الأشكال الأخرى من التعاون مثل الإنتاج بترخيص، أو بامتياز، هو أسرع طريقة للشركات الأفريقية للتحول إلى لاعبين عالميين. وهذه الاتفاقات تناسب الشركات الأفريقية التي لا تملك أصول أو مزايا تتعلق بالمعرفة، فعندما تتفق على الإنتاج بترخيص من شركة عالمية تمتلك تكنولوجيا متقدمة مثلاً، فإنها ستحصل على تلك التكنولوجيا مقابل أجر. أما الحصول على امتياز، فهو وسيلة مفيدة للحصول على أصول معرفية خاصة في مجال الإنتاج، أو الإدارة، أو التسويق. فعند الحصول على امتياز، تحصل الشركة الأفريقية على مزايا معرفية استغرق مانح الامتياز وقتاً طويلاً في تجميعها، ومع أن الحصول على امتياز ما هو وسيلة مفيدة جداً للشركات الأفريقية للحصول على التكنولوجيا المتقدمة من الشركات متعدية الجنسية، إلا أنه يسير ببطء شديد في أفريقيا مقارنة بأوروبا والولايات المتحدة، وآسيا.

5-الأصول ذات الارتباط بالشركة، والقدرة التنافسية للشركات الأفريقية هناك عدد من المصادر للمزايا التنافسية المستدامة، والمزايا التنافسية الأكثر أهمية هي تلك المرتبطة بالمجموعة الفريدة من الموارد العينية وغير العينية للشركة. وتنقسم هذه الموارد إلى أصول مرتبطة بالسوق، واصول متعلقة بالمعرفة، وأصول اجتماعية، وأصول مادية أو عينية.

6-1أصول متعلقة بالسوق والأصول المتعلقة بالسوق، مبنية أساساً على العلاقات بين الشركة وزبائنها وموزعيها من خلال التفاعل فيما بينهم، وهذه العلاقات لا تعتبر من الأصول الاستراتيجية للشركة إلا إذا بنيت على ارتباط خاص بتلك الشركة ذاتها. وهذه العلاقات الخاصة مع اللاعبين المختلفين في السوق تسهل وصول منتجات الشركة إلى الزبون بشكل متميز يعطيها قيمة أكبر في نظر الزبون. فالتعامل طويل المدى للشركة الأفريقية مع العملاء المحليين، مثلاً، يخلق نوعاً من الولاء من العميل للشركة، وهذا الولاء بخلق عائقاً (مورد متعلق بالموقع)، في وجه المنافسين القادمين. وعلى المنافسين الأجانب دفع ثمن أكبر للحصول على ولاء الزبون، ومجرد حيازة الشركة الأفريقية لهذه الأصول المتعلقة بالسوق، يعطيها ميزة تنافسية بالنسبة لأي شركة عالمية تحاول الدخول إلى سوقها المحلي.

وكثيراً ما تكون حيازة شبكة توزيع ذات كفاءة، أمراً جوهرياً لنجاح أية شركة في أسواق البلدان النامية. والأصول المتعلقة بالسوق تتوقف على المسار، وهي صعبة التحقق، ولكن عند تحققها، يصعب على المنافسين قهرها أو تقليدها. والشركات الأفريقية التي حققت أصولاً متعلقة بالسوق، تجد نفسها في وضع جيد جداً لمنافسة المنافسين العالميين مباشرة، وهذه الأصول الوثيقة الارتباط بالشركة، تعتبر شرطاً للنجاح في المنافسة المباشرة مع الشركات العالمية. وبهذا الصدد، تزداد أهمية العلاقات الثابتة مع الموزعين والوكلاء لنجاح المنتج في السوق المحلي، والشركات الأفريقية التي لها شبكات توزيع قوية في أنحاء البلاد، قد تنجح في إفشال الشركات متعدية الجنسية بمنعها من الوصول إلى الزبائن المحتملين، وهذا الوضع صحيح بصفة خاصة في أفريقيا حيث تتميز معظم الأسواق بقلة عدد الموزعين الأكفاء الذين يستطيعون التعامل بكفاءة مع كميات كبيرة من المنتجات. وإذا استطاعت الشركة ربط هؤلاء الموزعين بطريقة لا تسمح للمنافسين بالوصول إليهم، فعندئذ لا تستطيع الشركات الأجنبية التي تحاول الدخول لهذه الأسواق، استخدام نفس قنوات التوصيل، وبذلك لا تصل إلى العملاء المستهدفين. وفي تنزانيا على سبيل المثال، تمكنت شركة البيرة التنزانية من المنافسة المباشرة ضد الشركات الأجنبية ببناء شبكة من الموزعين، وعقد اتفاقات مانعة للغير مع عدد كبير من باعة التجزئة المهمين في طول البلاد وعرضها. ونظراً لقلة عدد الموزعين الموثوق بهم في السوق، فقد كان من الصعب على الشركات الأجنبية أن تصل إلى معظم المستهلكين. ومن الأصول المتعلقة بالسوق كذلك، اسم ماركة محلية شهيرة، وهذه تسمح لشركة أفريقية بأن تقف بشكل مباشر ضد منافسين عالميين في السوق المحلي، نظراً لأن أسماء الماركات تأخذ وقتاً لتُعرف بالسوق، وبعد ذلك تكتسب ولاء العميل. وللتغلب على هذا الولاء تحتاج الشركة الأجنبية لتحمل تكلفة قد لا تكون مستدامة خاصة بالنظر لحجم أسواق أغلب البلدان الأفريقية. والقوة الشرائية لأغلب البلدان الأفريقية منخفضة جداً بحيث لا تستحق أن تتحمل الشركات متعدية الجنسية التكلفة المرتفعة لتثبيت أسماء الماركات الخاصة بها. كذلك تستطيع الشركات الأفريقية أن تستغل ما لها من أصول متعلقة بالسوق في التفاوض على تحقيق تحالفات استراتيجية مع الشركات متعدية الجنسية، للوصول إلى الأسواق العالمية، أو الحصول على المعرفة التكنولوجية.

6-1أصول متعلقة بالمعرفة وهي أصول مبنية على ما تجمع لدى الشركة من معلومات، ومعرفة فنية، أي ما لدى الشركة الأفريقية من معلومات، ومعرفتها لكيفية اقتناص الفرص، وحل المشاكل. والمعرفة الفنية تكمن أساساً في الأفراد العاملين بالشركة، وهي معرفة ضمنية تُكتسب بعد فترة من التعلم، وهي المعنية بتحقيق ميزات استراتيجية. وقضية كيفية استجابة الشركة لمشكلة معينة، أو لفرصة سانحة، تتوقف على مجموع كفاءة الأفراد (معرفة مشخصنة) في المؤسسة، و/أو المعرفة المخزنة (المعرفة المكوّدة) فيها، مثل كتيبات التشغيل، والهياكل، والأنظمة، والعمليات، والرسومات، والوصفات، والثقافة، الخ. والأصول المتعلقة بالمعرفة، هي أهم الأصول التي تحدد القدرة التنافسية للشركة. والمعرفة المرتبطة بالوطن هي من الأصول المتعلقة بالمعرفة التي ينتظر أن تتميز بها الشركة الأفريقية في مواجهة المنافسين الأجانب الوافدين، وذلك لصعوبة حصول الشركة الأجنبية عليها بسبب "التبذير بسبب عدم انضغاط الوقت" (ديرِكس ومول، 1989). فالمعرفة المرتبطة بالوطن تضع الشركة الأجنبية في وضع غير مواتٍ بسبب كونها أجنبية (هايمر، 1976). والشركات الأفريقية التي حققت النجاح في سوقها الداخلي، قد نمّت بعض الأصول المتعلقة بالمعرفة، والمرتبطة بذلك السوق الداخلي، وهذه قد تأخذ شكل تكنولوجيات الإنتاج، أو المعرفة التسويقية المناسبة لأذواق ورغبات المستهلك المحلي. والشركات الأفريقية التي لها مثل هذه الأصول المتعلقة بالمعرفة، يمكنها استخدامها للمنافسة المباشرة ضد الشركات متعدية الجنسية تلك المنتجات أو الخدمات. وعلى سبيل المثال، فقد تمكنت شركة البيرة التانزانية، بمعرفتها لأذواق المستهلكين المحليين، من الصمود في السوق التانزانية على الرغم من توافر الماركات الأجنبية في تلك السوق. فمعرفة الشركة بخصوصيات السوق المحلي، وممارساتها الإدارية الحديثة، والتدريب الذي تمنحه لفريق البيع بها، قد مكنتها من إنتاج ماركات ذات سوق واسع، وتكلفة منخفضة، نجحت في التغلب على المنافسة المتنامية من الماركات المستوردة.

6-1الأصول الاجتماعية ونعني بالأصول الاجتماعية لشركة ما، العلاقات المباشرة وغير المباشرة باللاعبين في غير نطاق السوق، وتشبه هذه الرؤية للأصول الاجتماعية، تلك المتعلقة برأس المال الاجتماعي (باكستون، 1999)، والسلوك لسياسي (بوديوين وبروير، 1994). والأصول الاجتماعية هي الارتباطات بين الشركة وبين أفراد أو جماعات معينين في المجتمع، وهي عادة، متبادلة، وقائمة على الثقة، وتحمل مشاعر إيجابية. وهذه الارتباطات تمكن الشركة من تحقيق بعض أهدافها الاستراتيجية. فالعلاقة مع أعضاء مجلس إدارة شركة تطرح أحد العطاءات، مثلاً، قد تزيد من فرص حصول الشركة على العطاء، فالعلاقة الاجتماعية بين موظفي الشركة وعضو مجلس الإدارة، قد تكشف بعض المعلومات الإضافية، ذات الأهمية في دراسة العطاء، مما يمكن الشركة من وضع عطاء مناسب، ومن ثمّ ناجح. والأصول الاجتماعية، تعطي ميزة تنافسية للشركات الأفريقية ضد الشركات العالمية في السوق المحلي، بعدد من الوسائل: أولاً، يمكن للممارسات الحكومية مثل سياسة التصنيع، أن تخلق مناخاً يعطي ميزة تنافسية للشركة الأفريقية، فسياسة الحكومة قد تضع بعض الشروط لمصلحة الشركات المحلية، أو تقيد بعض الشركات الأجنبية في القيام بعمليات معينة، أو الحصول على موارد معينة، وهذه الإجراءات الحمائية تعطي ميزة تنافسية ضد الشركات الأجنبية التي قد لا تحصل على هذه الموارد، أو تحصل عليها يثمن أعلى. وعلى سبيل المثال، ففي إندونيسيا مثلاً، يُقصر التعامل في بعض المجالات على المواطنين فقط. ثانياً، لا تقتضي الأصول الاجتماعية بالضرورة، تكلفة مالية، فإجراءات الحماية التي تُفرض ضد الشركات الأجنبية، تعطي الشركات المحلية ميزة تنافسية ضدها بلا تكلفة. واستعداد أعضاء مجتمع ما أن يساندوا شركة معينة لمجرد أنها تدار بمعرفة أفراد من جماعتهم الإثنية، أو يعملون بها، لا يحتاج لأي استثمار مقدماً. ثالثاً، الأصول الاجتماعية ليست متاحة بسهولة لشركة أجنبية جديدة، فالأصول الاجتماعية تنتج من تفاعل اجتماعي يأخذ وقتاً لينضج. وكون شركة ما محلية يشجع أعضاء الجماعة على الشعور بمزيد من الولاء لها، لمجرد أن الشركة المحلية أكثر ارتباطاً من الشركة الأجنبية التي قد ترحل في أي وقت. وعلى الرغم من أن هذه الأصول الاجتماعية متوفرة للشركات الأفريقية، فإنها نادراً ما تستفيد منها. والشركات المحلية التي تحافظ على الاتصال مع المشاركين المختلفين في البلاد، يمكنها بناء أصول اجتماعية. وأحد الأمثلة الجيدة على هذا هو شركة IPP Media ، التنزانية، فمديرها المستر ريجنالد مِنجي يظهر كثيراً في وسائل الإعلام، وتتحدث عنه الصحف عندما يشارك في الكثير من القضايا التي تهم الرأي العام مثل بعض الأعمال الخيرية، والحملات دفاعاً عن البيئة، والندوات العامة، وغيرها، وهذا منح الشركة روابط ممتازة مع المسئولين بالحكومة، وغيرهم من المشاركين في الحياة العامة. ويمكن للشركات الأفريقية أن تستفيد من أصولها الاجتماعية لتتمكن من المنافسة المباشرة والشركات متعدية الجنسية، فبتنمية العلاقات مع المشاركين المختلفين في البلاد، يمكن للشركة الأفريقية الحصول على التراخيص، وعقود الامتياز، التي تستخدم لاستبعاد المنافسين الأجانب من دخول السوق المحلي، وقد تستطيع الشركات متعدية الجنسية أن تدخل السوق، ولكنها تعمل بتكلفة أعلى من الشركات الأفريقية التي استفادت من أصولها الاجتماعية. وعلى سبيل المثال، فقد تضطر الشركة العالمية لإنفاق ما يزيد عن المتوسط للدعاية والإعلان لتحقق نتيجة مماثلة لما تحققه الشركة المحلية بفضل أصولها الاجتماعية، وشركة البيرة التانزانية قد استغلت أصولها الاجتماعية من أجل المنافسة المباشرة ضد الماركات الأجنبية المستوردة باستخدام أسماء سواحيلية لمنجاتها مما قربها لجماهير المستهلكين، وكذلك أسماء تدعو إلى الفخر القومي مثل "كليمنجارو" (وهو أعلى جبل في أفريقيا)، و"ندوفو" (وهو ناب الفيل بالسواحيلية)، و"سافاري" (ويعني الرحلة بالسواحيلية)، و"بنجوا" (البطل). والشركات متعدية الجنسية التي تريد أن تنجح في أسواق استطاع منافسها المحلي أن ينمي فيها أصولاً اجتماعية، قد تحتاج إلى الاتفاق على ترتيبات تعاونية لتضمن الوصول إلى السوق وهذا يعطي الشركة الأفريقية المحلية وضعاً تنافسياً جيداً يسمح لها بالمساومة على وضع مناسب ضمن هذه الترتيبات التعاونية. وكانت الأصول الاجتماعية هي العنصر الحاسم الذي أدى إلى دخول شركة أجنبية متعدية الجنسية مع رأسمالي تنزاني محلي، في مشروع مشترك لتأسيس شركة كيبو للبيرة، كبديل للحصول على أصول اجتماعية لتلك الشركة الأجنبية.

6-1الأصول العينية والأصول العينية هي الموجودات العينية التي تمتلكها الشركة وتستخدمها لإنتاج دخل جديد، وهي تشمل المعدات الرأسمالية، والمصانع، والمواد، والأراضي، والمباني، والموارد المالية، الخ. واستحواذ الشركة على أصول عينية مثل مصدر وحيد للمادة الخام، أو مصانع عالية الإنتاجية، قد يسمح لها بتحقيق ريع اقتصادي ناتج عن تلك الأصول، بشرط ألا تكون تلك الأصول ميسرة للمنافسين، أو يسهل استبدالها. والشركات الأفريقية، خاصة تلك التي كانت مملوكة للدولة من قبل، تملك أصول عينية غير متاحة للآخرين، وهذه يعطيها فرصة أفضل للمنافسة أمام المنافسين الأجانب الذين يدخلون سوقها المحلي. وبعض هذه الشركات كانت تمتلك من مقومات الإنتاج ما يسمح بتغطية الطلب الخاص بالبلاد بأكملها، والشركات الأفريقية التي تملك مثل هذه المصانع، يمكنها أن تضع عوائق تمنع الشركات الأجنبية من الدخول، لأنه ليس من الرشاد الدخول إلى سوق تؤدي زيادة الإنتاج فيه إلى منافسة قاتلة وبالتالي نقص الأرباح. وهذه الشركات المحلية التي تمتلك مثل هذه الموارد العينية التي تقتضي استثمارات ضخمة، قد تمنع الشركات الأجنبية من المخاطرة بمثل هذه الاستثمارات.

7-هياكل الصناعة العالمية وقدرة الشركات الأفريقية على المنافسة و"هياكل الصناعة العالمية" تعني مدى التفاعل بين الموردين، والمتنافسين، والزبائن أو العملاء عبر الحدود الوطنية. وهيكل الصناعة العالمية لشركة أفريقية له تأثير كبير على الخيارات المتاحة للشركة في مواجهة الشركات الأجنبية، فلكي تستطيع الشركة الأفريقية المنافسة في السوق العالمي، يجب أن تعرف جيداً الهياكل العالمية لصناعتها، وتقيِّم مدى تلاؤم أصولها الخاصة مع الضغوط من أجل العولمة. ويفرق بورتر (1990)، بين نوعين من الهياكل الصناعية، على أساس ملامح الصناعة العالمية، وهما: هياكل الصناعة العالمية، وهياكل الصناعة المتعددة/المحلية. 7-1هياكل الصناعة العالمية "الصناعة العالمية" هي صناعة تتنافس فيها الشركات على مستوى العالم، حيث يؤثر ما يحدث في هذه الصناعة في بلد ما، يؤثر علي مثيلاتها في البلدان الأخرى، ويتأثر الوضع التنافسي للشركة في بلد ما، بالمنافسة في البلدان الأخرى. وعلى سبيل المثال، فالمنافسة في صناعات السيارات، والصناعات الإلكترونية، وصناعة الاتصال، تجري قيها المنافسة عبر الجدود الوطنية. وهذا يعني أن الشركات الأفريقية في الصناعات العالمية، تواجه منافسة عالمية أقوى من تلك التي تواجهها في الصناعات المتعددة/المحلية، ففي النوع الأول يحتاج الموردون إلى ربط الأسواق بعضها بالبعض حتى يتمكنوا من تحقيق أرباح تزيد عن الربح الحدي. وفي هذه الصناعات، يجب اللجوء إلى استراتيجيات التكامل العالمي لتحقيق خفض التكلفة بفضل الإنتاج الكبير على مستوى العالم. وحقيقة أن الشركات العالمية لها عمليات حول العالم، وتستفيد من البنية التحتية العالمية للحصول على موارد أرخص من المدخلات الجيدة من جميع أرجاء العالم، يجعل من الصعب جداً على الشركات الأفريقية أن تدخل في منافسة مباشرة في مثل هذه الصناعات مع الشركات متعدية الجنسية. وهنا تظهر الميزة التنافسية للشركات متعدية الجنسية أمام الشركات المحلية، خاصة عندما نذكر المزايا التي تتمتع بها الأولى على أساس حجم الإنتاج ومداه. ولذلك فالمنافسة المباشرة ضد الشركات متعدية الجنسية العالمية، في الصناعات العالمية، لا يمكن أن تكون الخيار المناسب لمعظم الشركات الأفريقية، والخيار الوحيد المتاح للشركات الأفريقية في هذه الصناعات هو التعاون مع شركة عالمية متعدية الجنسية، أو تجنب المنافسة المباشرة باختيار ركن لا تعمل فيه الشركات متعدية الجنسية. وفي الصناعات العالمية، حيث تمتد سلسلة قيم الشركات متعدية الجنسية في مناطق متفرقة من العالم، يمكن للشركات الأفريقية التركيز على الانضمام إلى الشبكة العالمية للشركة العالمية متعدية الجنسية، بالدخول في ترتيبات تعاونية معها. فبالمشاركة في شبكة التوريدات الخاصة بالشركة متعدية الجنسية، لا تجد الشركة الأفريقية سوقاً لمنتجاتها وحسب، وإنما تصبح كذلك، لاعباً في السوق العالمي، عن طريق توريد المكونات للشركات التابعة الأخرى للشركة متعدية الجنسية. وهذه الاستراتيجية تنمي كذلك، قدرات الشركة الأفريقية باكتساب المهارات بشأن المعايير الجديدة للتكنولوجيا، والاحتياجات الجديدة للعملاء. ومثال طيب على هذه الاستراتيجية، هو شركة صناعة الشمال الكهربائية بأروشا بتنزانيا، التي توصلت إلى اتفاق للتعاون مع شركة إلدون وهي ثانية شركة لمعدات محطات الكهرباء باسكندينافيا، حيث تأتي في المرتبة الثانية بعد شركة آسيا-براون-بوفيري. ويمكن للشركات الأفريقية العاملة في الصناعات العالمية أن تتجنب المنافسة المباشرة، بأن تختار ركناً متميزاً من السوق تستطيع الدفاع عنه. وهذا يحدث باختيار قطاع ضيق جداً من السوق لم يدخله المنافسون العالميون بعد، وهذا يقتضي من تلك الشركات الأفريقية الكبرى أن تعيد هيكلة نشاطها لتركز على هذا القطاع المعين، بالتخلي عن جزء من إنتاجها، والحصول على بعض المكونات من موردين آخرين بدلاً من صناعتها داخلياً، والاستثمار في منتجات جديدة، وعمليات جديدة.

7-1هياكل الصناعة المتعددة/المحلية و"هياكل الصناعة العالمية المتعددة/المحلية" هي الصناعات الدولية التي لا يحدث فيها التنافس بين الشركات إلا على مستوى السوق المحلي، والصناعة موجودة في جميع البلدان، ولكن المنافسة تجري في كل بلد على حدة، وما يحدث في بلد ما، لا يؤثر على الصناعات المماثلة في البلدان الأخرى. ونظراً لأن المنافسة محصورة في داخل البلد الواحد، فلكي تحقق الشركات ريعاً اقتصادياً، عليها أن تتفوق في مواردها على الموردين أو المنافسين المحليين. وفي هذا النوع من الصناعات، ينتج الريع الاقتصادي من الإنتاج فوق التكلفة الحدية الوطنية. والاتجاه هو تلبية الاحتياجات المحددة للبلاد، أو الاحتياجات المحلية. والشركات المحلية في الصناعات المتعددة/المحلية، تجد نفسها في وضع أفضل بكثير تجاه الشركات الأجنبية التي تحاول الدخول إلى سوقها، ففي الصناعات المتعددة/المحلية، توجد ضغوط قوية تعمل على التجزئة، الأمر الذي يفرض على الأجنبي الداخل إلى السوق أن يتجاوب مع الظروف المحلية. وهذا يقتضي من الشركة الأجنبية بذل الكثير من الموارد والوقت حتى يتسنى لها الاستيلاء على السوق المحلي، أما الشركة المحلية لا تحتاج إلى بذل ذلك الجهد لأنها تمتلك الخبرة بالأذواق والاحتياجات للسوق المحلي.

والاختيار الاستراتيجي للشركات الأفريقية بالمنافسة المباشرة ضد الشركات متعدية الجنسية، يصبح أكثر جدوى في حالة الصناعات العالمية المتعددة/المحلية. ونظراً لأن الأذواق والأفضليات في حالة الصناعات المتعددة/المحلية، محلية وليست عالمية، فإن الشركة الأفريقية تكون في وضع أفضل بكثير لتقدم الأذواق المناسبة، لأنها أدرى بالثقافة المحلية، والأذواق الخاصة بهذا السوق. ولكن، من أجل أن تتمكن الشركات الأفريقية من أن تتنافس مباشرة مع الشركات العالمية, فإن عليها أن توفر لنفسها الوسائل للنجاح في هذه المنافسة، بتعبئة ما تملكه من أصول متميزة خاصة بها. وحيث إن الصناعات المتعددة/المحلية تعطي أفضلية للشركات الأفريقية ضد الشركات متعدية الجنسية، فإنها يجب ألا تنظر في الخيارين الخاصين بالمنافسة غير المباشرة، أو التعاون، إلا في الحالات التي تشعر فيها أنها لا تمتلك الأصول المتميزة الخاصة بها التي تسمح لها بالمنافسة. أما الشركات الأفريقية الصغيرة والمتوسطة، فإن الخيار الأفضل لها قد يكون ركناً خاصاً في السوق المحلي، خاصة إذا كان هذا الركن، مكمل للسوق بالنسبة لعض اللاعبين الكبار. وعلى سبيل المثال، يمكن لشركة صغيرة في القطاع الغذائي أن تتخصص في توريد "عيش الغراب" لفروع الشركات متعدية الجنسية في الفنادق والمطاعم.

1-أوضاع السوق المحلي، والقدرة التنافسية للشركات الأفريقية 8-1 الموارد الطبيعية تقول نظرية العناصر الطبيعية لهِكشر (1919)، وأولين (1933)، إن الميزة النسبية لبعض البلدان في مجال التجارة العالمية، تعود إلى الاختلاف بين العناصر الطبيعية المتوفرة لها، وهذا الاختلاف يؤدي إلى أن الشركات في البلدان التي تملك عناصر أقل تكلفة تحقق ريعاً اقتصادياً أكبر من المتوسط. أي أن الريع الناتج من الموارد، يتحقق بسبب الفرق بين تكلفة الموارد في بلد ما بالنسبة لتكلفة الموارد البديلة. والبلدان الأفريقية التي تملك موارد طبيعية وافرة، أو قوة عمل رخيصة، توفر لشركاتها ميزة التكلفة القليلة في مواجهة الشركات الأجنبية فحصول الشركات على الموارد الأقل تكلفة، يسمح لها بالإنتاج بتكلفة تقل عن الصناعة العالمية، والبيع بأسعار السوق الدولي. وأحد الأمثلة الجيدة في هذا المجال هو شركة كيات الإندونيسية للورق التي تصل تكلفة الإنتاج بها إلى ما يقرب من نصف تكلفة الإنتاج لمنافساتها في أمريكا الشمالية والسويد. وفي بعض البلدان تكون الموارد الطبيعية متوفرة في مكان معين، وهذا يعطي وضعاً احتكارياً للمورّد الوحيد، وهذا ينطبق على صناعات مثل البترول، والتعدين، والطاقة، حيث يتمتع أول من يصل بدور خاص. وتستطيع الشركات الصغيرة والمتوسطة في البلدان الأقل تطوراً أن تحتفظ بوضعها الاحتكاري في مواجهة المنافسة العالمية، فالشركات الأفريقية التي تمتلك مثل هذه الموارد الفريدة يمكنها منافسة الشركات متعدية الجنسية مباشرة. و ستكون هذه الشركات في وضع أفضل للمساومة، إن هي اختارت التعاون والشركات متعدية الجنسية كشركاء استراتيجيين، فهي تستطيع أن تستفيد من وضعها الاحتكاري في المبادلة مع الشركات متعدية الجنسية، مقابل الحصول على مدخل إلى السوق، أو تكنولوجيا فريدة تمتلكها هذه الأخيرة. كذلك تجد الشركات الأفريقية التي تسيطر على موارد مدخلات ذات تكلفة منخفضة، نفسها في وضع أفضل عندما تنافس شركات أجنبية تحاول الدخول إلى سوقها، فهي تستطيع عرض منتجاتها بأسعار تقل عن أسعار الشركات متعدية الجنسية العالمية. ولما كان اغلب المستهلكين في البلدان الأقل نمواً يعطون اهتماماً خاصاً للسعر، فإن الشركة الأفريقية، ستكون في وضع أفضل تنافسياً من الشركة العالمية، التس تدفع تكاليف أكبر في الغالب.

8-2 البنية التحتية لا تمتلك أغلب البلدان الأقل نمواً بنية تحتية تسمح بالوصول بسهولة للسوق الوطني بالكامل، فالبنية التحتية فيها تتميز بعدم كفاءة شبكات التوزيع، وتدني الخدمات البنكية، وعدم كفاءة النظم الإدارية، وشبكات الطرق الرديئة، وشبكات الاتصال الضعيفة، وكثرة انقطاع الكهرباء. وهذا بعكس البنية التحتية في الغرب، حيث تتوافر المتاجر المتعددة الأغراض، والسوبر ماركت، وبطاقات الائتمان، والموزعون، والعملاء. وعلى الرغم من كبر حجم السوق المتوفر فإن الوصول إليه قد يحتاج إلى استثمارات كبيرة من الشركات الأجنبية من البلدان المتقدمة لتتمكن من العمل بكفاءة في هذا السوق، أما الشركة الأفريقية فهي تعمل دائماً في ظل هذه الأوضاع، وقد تعلمت كيف تتغلب علي المشاكل الناتجة من البنية التحتية. المـراجـع:

Boddewyn, J., and T. L. Brewer. 1994. International-business political behaviour: New theoretical directions. Academy of Management Review 19, no. 1:119- 143. Dierickx, I., and K. Cool. 1989. Asset stock accumulation and sustainability of competitive advantage. Management Science 35: 1504-14. Economic Commission for Africa (ECA). 1999. Aid Memoire: Ad Hoc Experts Group meeting on Africa in the Post-Uruguay round: Raising Africa's competitiveness in the changing global economy of the twenty-first century. Addis Ababa, October. Ford, D. 1990. Understanding business markets'. Interaction, relationships, networks. London: Academic Press. Foss, Nicolai J. 1998. Resources, firms and strategies: A reader in the resource- based perspective. Oxford University Press. Hakansson, H. 1982. International marketing and purchasing of industrial goods: An interaction approach. Chichester: John Wiley. Hamel, Gary. 1991. Competition for competence and inter-partner learning within international strategic alliances. Strategic Management Journal 12: 83-103. Hecksher, E. 1919. The effect of foreign trade and the distribution of income. Economist Tidskrift 21. Hymer, S. H. 1976. The international operations of national firms: A study of direct foreign investment. Cambridge: MIT Press. Uhlin, Bertil. 1933. Interregional and international trade. Cambridge, Mass: Harvard University Press. Paxton, Pamela. 1999. Is social capital declining in the United States? A multiple indicator assessment. American Journal of Sociology 105, no. 1: 88-127. Peteraf, M. A. 1993. The cornerstone of competitive advantage: A resource-based view. Strategic Management Journal 14: 179-191. Porter, M. E, 1990. Competitive advantage of nations. London: Macmillan Press. Rumelt, P. Richard. 1984. Towards a strategic theory of the firm. In Competitive strategic management, edited by R. B. Lamb. Wemerfelt, Birger. 1984. A resource-based view of the firm. Strategic Management Journal 5.


جدول رقم (6) مؤشرات الديون فى البلدان المستوردة (رؤوس الأموال (85-1994) بيان 1985 1986 1987 1988 1989 1990 1991 1992 1993 1994 نسبة الدين الخارجى إلى إجمالى الناتج المجلى -كل البلدان -أفريقيا -أفريقيا جنوب الصحراء -آسيا -أمريكا اللاتينية 44.1 57.8 75.9 26.0 62.2 47.0 66.7 77.7 28.6 63.7 49.3 72.8 87.0 30.4 65.7 43.8 72.0 86.9 26.3 56.7 40.1 73.6 91.3 26.6 50.1 39.1 72.4 98.9 27.2 44.9 39.5 72.4 103.0 27.8 45.5 38.1 69.7 108.3 27.9 42.7 37.5 71.0 114.2 28.6 40.0 37.0 76.4 135.8 28.5 37.1 نسبة الدين الخارجى إلى الصادرات -كل البلدان -أفريقيا -أفريقيا جنوب الصحراء -آسيا -أمريكا اللاتينية 179.9 208.9 259.7 101.9 326.1 198.8 262.3 302.5 105.6 392.7 185.6 273.1 338.8 94.0 384.7 158.6 263.9 327.7 78.0 332.5 143.2 252.4 320.7 78.0 293.2 138.9 223.1 327.1 77.4 277.3 138.9 229.5 325.0 76.7 281.8 132.4 218.7 356.6 73.5 276.0 130.2 232.9 386.0 71.8 274.5 122.8 248.7 384.5 67.7 258.4 نسبة خدمة الدين الخارجى إلى الصادرات -كل البلدان -أفريقيا -أفريقيا جنوب الصحراء -آسيا -أمريكا اللاتينية 23.5 26.1 21.3 15.7 38.6 24.5 29.1 24.8 15.5 44.4 21.8 23.8 23.1 15.4 38.2 19.9 26.0 22.3 11.7 39.6 17.3 24.3 19.3 10.7 32.1 15.7 24.0 17.7 9.9 26.3 14.6 23.2 17.6 8.8 26.2 14.5 22.3 15.3 8.6 28.9 14.6 22.4 14.4 9.2 30.0 12.9 19.0 16.7 8.1 27.5








الفصل السابع

العولمة والديون والتنمية فى أفريقيا الجنوبية -مشكلات وآفاق-




















العولمة والديون والتنمية فى أفريقيا الجنوبية -مشكلات وآفاق-



بورنويل سى. تشيكولو قسم دراسات التنمية- ممباثو- جنوب أفريقيا ترجمة: مصطفى مجدى الجمال

1- خلفيــة تشكلت أزمة الديون الخارجية بالقارة إبان الأحداث الكبرى التى هزت الاقتصاد العالمى فى أوائل السبعينيات. فقد نتج عن الحرب العربية- الاسرائيلية زيادات هائلة فى الأسعار العالمية للنفط، مما خلق أزمات خطيرة فى موازين مدفوعات البلدان المستوردة للنفط، وكان من ضمنها بالطبع معظم البلدان الأفريقية حيث عانت من اختلال كبير فى موازين مدفوعاتها بسبب اعتمادها أيضاً على تصدير المواد الخام. وجاءت الصدمة النفطية الثانية عام 1979 بمزيد من الاختلال فى البلدان المستوردة للنفط (Hope 1997, Boorman 1992, Sangowawa 1992). وهكذا فإن الأزمة كانت بالأساس أزمة مالية، وبالأحرى أزمة فى النقد الأجنبى، فلم يكن لدى معظم البلدان المضارة موارد مالية كافية لتسيير اقتصاداتها وتمويل الاستثمارات طويلة الأجل، حيث إن الركود العالمى الذى أعقب أزمة الطاقة عام 1973 قد قلص جزئياً من الطلب العالمى على صادرات المواد الخام، كما زادت النزعة والسياسات الحمائية فى الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا واليابان. وتتسم البنية الاقتصادية لبلدان أفريقيا الجنوبية بتمحورها حول التصدير، حيث تعتمد على استغلال وتصدير الموارد الطبيعية، مثل السلع الزراعية والمعدنية. وهكذا فإن صادرات هذه البلدان تتكون أساسًا من المواد الخام أو المنتجات نصف المصنعة، بينما تتمثل وارداتها بشكل أساسى فى السلع الاستهلاكية والرأسمالية. بل وأكثر من هذا فإن القطاعات التصديرية فى معظم تلك البلدان يهيمن عليها صنف واحد من الصادرات. وإذا استثنينا جنوب أفريقيا وزيمبابوى اللتين تملكان أكثر اقتصادات الإقليم تنوعًا، نجد أن بلدان أفريقيا الجنوبية تعتمد اعتمادًا قويًا على السلع الأولية، المنجمية والزراعية ونتيجة لهذا أصبحت اقتصادات بلدان الإقليم شديدة الانكشاف بفعل تقلبات الأسواق العالمية. وقد أدى انخفاض أسعار الصادرات غير النفطية وارتفاع أسعار الواردات إلى حدوث عجز كبير فى موازين مدفوعات أغلب بلدان الإقليم. وأفضى التدهور الحاصل فى شروط التبادل إلى تدهور قيمة معظم العملات الأفريقية. ونتيجة للزيادات المتواصلة فى عجز الحسابات الجارية، وبالتالى الانخفاض الكبير فى الدخول الحقيقية، اضطرت بلدان أفريقية كثيرة- ومن بينها بالطبع بلدان أفريقيا الجنوبية- إلى الاستدانة من الخارج كوسيلة لسد العجز فى ميزان المدفوعات. وكان هذا كما يقول "سانجواوا" (Sangowawa 1992: 84) هو الخيار الأسهل أمام معظم البلدان الأفريقية، والتى لقيت التشجيع فى هذا بسبب "الاحتياجات المفهومة لدى مختلف البيوت المالية الدولية لإعادة تدوير الفوائض المالية الضخمة للبلدان المصدرة للنفط، كما شجعها أيضاً على الاقتراض تلك الشروط الميسرة التى وضعت لمنح القروض". وهكذا اندفعت حكومات كثيرة نحو التفاوض من أجل الحصول على قروض من المؤسسات التجارية والمصارف الأجنبية والبنك الدولى، وبصورة غير مسبوقة حيث فاقت بكثير قدرتها الفعلية على السداد. ومن ثم وجدت تلك البلدان نفسها مواجهة فى الثمانينيات ليس فقط بانخفاض أسعار صادراتها من السلع الأولية، وإنما أيضاً بتصاعد معدلات الفائدة على القروض. وبالطبع فقد أفضت أزمة الديون الخارجية إلى أزمات اجتماعية- اقتصادية عنيفة. وكان لابد للأزمة الاقتصادية فى السبعينيات والأزمات التى عانت منها تلك الدول أن تحض على البحث عن استراتيجيات تنموية قابلة للحياة، شرط الاحتفاظ بالدور المركزى للدولة فى عملية التنمية الاجتماعية- الاقتصادية. وقام البنك الدولى بتقديم تشخيصه لتفاقم الأزمة الاجتماعية- الاقتصادية فى أفريقيا جنوب الصحراء، كما تفضل بتقديم الحل أيضاً، وذلك فى تقريره المعنون "التنمية المتسارعة فى أفريقيا جنوب الصحراء: أجندة للعمل" (World Bank 1981) وهو التقرير الذى يشار إليه عادة بـ "تقرير بيرج". وقد طرح التقرير روشتة للإصلاح تتضمن حزمة من إصلاحات التكيف الهيكلى، من أهمها التقليص الجذرى لدور الدولة والمناصرة الدوجمائية لقوى السوق. وكان الهدف الرئيسى من وراء هذه الإصلاحات الاقتصادية هو لبرلة (تحرير) هذه الاقتصادات وإدماجها فى الاقتصاد العالمى، ومن ثم إنشاء اقتصادات سوقية نشطة تكون قادرة على تحقيق نمو اقتصادى مستدام وتحسين شروط الرفاه الاجتماعى- الاقتصادى للسكان. وفى مسعى منها لتحقيق هذه الغاية، اندفعت كل بلدان افريقيا الجنوبية تقريباً فى تطبيق برامج للتكيف الهيكلى تحت إشراف ورعاية كل من صندوق النقد والبنك الدوليين (Hope and Kayira 1997). وقد تضمنت حزمة سياسات الإصلاح تلك مركباً من نوعين من السياسات: سياسات التثبيت وتدخل فى اختصاص صندوق النقد الدولى، وسياسات التكيف الهيكلى التى يختص بها البنك الدولى. وتمثلت الأدوات السياسية المبدئية التى استخدمت لتحقيق برامج التكيف الهيكلى فى الآتى: تكيف معدلات صرف العملة الوطنية- وبالأساس تخفيضها-؛ التحكم فى المعروض النقدى والسقوف الائتمانية؛ سياسة فى معدلات الفائدة تستجيب بمرونة لمتغيرات قوى السوق؛ إعادة جدولة الديون؛ سياسة مالية تشتمل عل إجراءات لتقليص الإنفاق العام ولتعبئة الموارد؛ إنهاء سياسات التحكم فى أسعار السلع والخدمات وعوامل الإنتاج؛ تحرير التجارة وإجراءات الدفع، وأخيرا- وليس آخرًا- إصلاح المؤسسات القائمة فى إطار رؤية تشدد على بناء القدرات فى مجال تحليل السياسات وإدارة الاستثمارات العامة وخصخصة الأصول المملوكة للدولة (Hope 1998, Chikulo 1997). كانت الأهداف الرئيسية لبرامج التكيف الهيكلى هى: تثبيت الاقتصادات المحلية، وحفز النمو الاقتصادى، وضمان قدرة هذه البلدان على الحصول على النقد الأجنبى.

2-نظرة عامة على الأداء الاقتصادى اتسم الأداء الاقتصادى فى أفريقيا الجنوبية بالضعف حيث لم يتخط متوسط معدل النمو نسبة 2% فى الفترة من 1980 إلى 1994 (أنظر الجدول رقم 1) غير أن الإقليم سجل معدل نمو قدرة 3.4% عام 1997، مع ملاحظة أن الأداء الاقتصادى لجمهورية جنوب أفريقيا كان العامل الرئيسى فى التحسن المتواضع الذى طرأ على مجمل الأداء الاقتصادى للإقليم. يتكون إقليم أفريقيا الجنوبية من ثلاث مجموعات مختلفة من حيث مستويات الدخول الفردية. تضم المجموعة الأولى اقتصادات ذات دخول فردية عالية تزيد عن 2000 دولار فى السنة، وهى بالأساس سيشل وموريشيوس وجنوب أفريقيا وبوتسوانا وناميبيا. وتتكون المجموعة الثانية من بلدان يتراوح متوسط الدخول الفردية فيها بين 600 و 2000 دولار، وهى زيمبابوى وسوازيلاند وأنجولا. أما المجموعة الثالثة فتشمل اقتصادات يقل فيها متوسط دخل الفرد عن 600 دولار، وهى موزمبيق ومالاوى وتنزانيا وزامبيا وليسوتو (ADB 1998, UNDP, SADC, SAPES 1998). جدول رقم (1) معدلات نمو الناتج المحلى الإجمالى (%) فى أقاليم أفريقيا 1990-1997 1997 1996 1995 1994 1990 الإقليم 2.6 3.9 3.8 3.4 3.8 3.2 6.6 5.4 4.7 3.7 3.6 5.6 1.5 3.8 3.4 -3.4 3.4 3.1 3.0 2.1 -4.0 4.3 2.8 0.1 5.2 وسط أفريقيا شرق أفريقيا شمال أفريقيا أفريقيا الجنوبية غرب أفريقيا Source: ADB 1998.

ويوضح الجدول رقم (2) أن النمو الاقتصادى قد أصبح متخبطاً بعض الشىء فى معظم بلدان الإقليم.



جدول رقم (2) معدلات النمو الاقتصادى فى بلدان جماعة تنمية أفريقيا الجنوبية (91-1997) 1997 1996 1995 1994 1993 1992 1991 البلد 5.9 6.9 - 3.5 5.3 5.0 7.9 3.0 - 1.7 3.8 4.0 3.5 3.7 12.1 7.0 1.3 12.7 12.0 5.8 6.4 3.0 1.7 3.2 3.9 4.2 6.4 7.2 11.2 3.1 -0.6 9.1 13.4 5.6 1.4 4.1 -1.7 3.4 2.7 3.6 -2.3 -3.2 2.5 4.1 -3.9 12.9 -11.6 5.3 4.4 6.5 -1.7 2.7 3.5 1.4 -8.6 5.3 -24.7 -0.1 -13.5 4.0 10.8 4.9 19.3 -1.9 5.9 1.3 3.1 0.4 6.8 4.2 6.9 6.3 -10.5 3.5 -7.9 6.4 -0.8 8.2 7.0 -2.2 1.0 1.8 -1.8 -6.8 -2.5 8.9 -8.4 0.7 7.8 4.3 4.9 7.4 2.6 -1.0 -0.9 4.3 -0.4 5.6 أنجولا بوتسوانا الكونغو الديمقراطية ليسوتو مالاوى موريشيوس موزمبيق ناميبيا سيشل جنوب أفريقيا سوازيلاند تنزانيا زامبيا زيمبابوى Source: UNDP, SADC, SAPES 1998. هذا ويتطلب تحقيق التنمية المستدامة إنجاز مستويات مرتفعة فى الادخار المحلى والاستثمارات الخاصة. ومع ذلك فإن معدل كل منهما بالنسبة إلى الناتج المحلى الإجمالى قد استمر فى التدهور خلال التسعينيات إلى ما هو أدنى بكثير مما تحقق فى الثمانينيات. فمثلا كان معدل الادخار 16.2% من الناتج المحلى الإجمالى عام 1996، مقارنة بـ 27% عام 1980، أما معدل الاستثمار فقد بلغ 17.8% من الناتج المحلى الإجمالى مقابل 23.3% عن نفسى سنتى المقارنة. كما أخذت حصة أفريقيا فى التجارة العالمية تتناقص، حيث انخفضت من 5% عام 1980 إلى 1.3% عام 1996. وفى الاتجاه نفسه خبرت أفريقيا انخفاضاً فى نصيبها من الاستثمار الأجنبى المباشر. ففى عام 1970 حصلت القارة على أكثر من 16% من إجمالى التدفقات الاستثمارية المباشرة التى اجتذبتها البلدان النامية، مقارنة بـ 10% عام 1980، و5% فى سنوات التسعينيات ورغم حقيقة الزيادة المطلقة فى تدفقات الاستثمار الأجنبى المباشر إلى أفريقيا من 2.9 بليون دولار إلى 5.5 بلايين دولار فى الفترة من 1990 إلى 1996، إلا أن نسبتها فى البلدان النامية قد تدهورت من 11% إلى 6% عن نفس الفترة (ADB 1997: 11-12). ومصداقاً لذلك، فقد عجزت بلدان أفريقيا الجنوبية عن اجتذاب القدر الذى تحتاجه أشد الاحتياج من التدفقات الاستثمارية الأجنبية المباشرة. وإن كانت جمهورية جنوب أفريقيا وحدها تلقت 6% من إجمالى تدفقات 1996 إلى أفريقيا (UNDP, SADC, SAPES 1998: 31). وبالنسبة للتجارة فقد صدر إقليم أفريقيا الجنوبية فى هذا العام سلعًا وخدمات قيمتها 44.738 بليون دولار مقابل وارادت تقدر بـ 45.785 بليون دولار، أى أن هناك عجزًا قدره حوالى 985 مليون دولار. إلا أن التجارة البينية فى بلدان جماعة تنمية أفريقيا الجنوبية – وعددها 14 بلداً – لم تتجاوز 4% من صادراتها. ويفترض "كيليك" (Killick 1995) وجود علاقة ارتباط قوية بين تطبيق برامج التكيف الهيكلى وانهيار مستويات الاستثمار. إذ إنه نتيجة لانخفاض الإيرادات الحكومية والتدفقات الاستثمارية الأجنبية المباشرة أصبحت بلدان كثيرة تعتمد بشكل متزايد على المساعدات الرسمية للتنمية. فعلى سبيل المثال زاد نصيب أفريقيا جنوب الصحراء إلى نسبة 30% عام 1994. وبالمثل شهدت أفريقيا الجنوبية اعتمادًا متزايدًا على مساعدات التنمية الرسمية. وبين الجدول رقم (3) نصيب الفرد من هذه المساعدات فى الإقليم.





جدول رقم (3) التغير فى صافى ونصيب الفرد من مساعدات التنمية الرسمية

نصيب الفرد من هذه المساعدات بالدولار صافى مساعدات التنمية الرسمية بالمليون دولار البلد 1995 1980 1995 1980 38 61 4 58 43 20 66 117 130 9 62 221 44 24 7 118 16 70 23 34 14 - 349 - 89 55 23 25 424 91 195 115 434 22 1103 187 13 386 56 2035 489 6432 53 106 428 94 143 23 169 - 22 - 50 318 164 2259 أنجولا بوتسوانا الكونغو الديمقراطية ليسوتو مالاوى موريشيوس موزمبيق ناميبيا سيشيل جنوب أفريقيا سوازيلاند زامبيا زيمبابوى جماعة سادك Source: UNDP, SADC, SAPES, 1998.

بيد أن منظمة الأمم المتحدة للأطفال (UNICEF 1996) تشير إلى أن معظم هذه المساعدات جاءت فى صورة إعفاء من الديون أو اعاد جدولتها، وهو ما يجعل مستويات المعونة تبدو مرتفعة ظاهريا ودون تكلفة إضافية، على عكس حقيقة الأمر. وعلى أية حال فإن هذه المساعدات لم تقدم أموالاً جديدة للتنمية، إذ إن الإعفاء من الديون يشكل الآن ما يتراوح بين 10% و 20% من المعونة، مما يفيد أن قسمًا كبيراً من معونات التنمية الرسمية لا يعنى خروج أية أموال من خزانات الدول المانحة. وهكذا فإن كلاً من الديون وتناقص المساعدات وعدم القدرة على اجتذاب استثمارات أجنبية مباشرة تمثل معاً مظاهر جلية للصعوبات التى ينطوى عليها الاندماج فى الاقتصاد العالمى. وعلى الرغم من أن برامج التكيف الهيكلى قد أنتجت أثراً إيجابياً أولياً على الأداء الاقتصادى فى عدد من بلدان الاقليم، فإن المعافاة الاقتصادية ما زالت بعيدة المنال، كما يوجد عدد من الجوانب المتعلقة بالسياسات المتبعة لا يزال بحاجة إلى إيجاد الحلول قبل النظر فيما إذا كانت هذه البلدان ماضية فى طريق التنمية المستدامة. وحسبما يشير "هوب" (Hope 1998: 28) عن حق فإن النمو فى أغلب هذه البلدان لا يكفى للحديث عن إمكانية تقليص الفقر. فالصورة العامة البادية الآن هى صورة التراجع والتفسخ: عجز ميزان المدفوعات، تدهور الإنتاجية وزيادة عبء الديون، زيادة البطالة والمظالم الاجتماعية- الاقتصادية، تدهور البنية التحتية المادية، اتساع التدهور البيئى، وتفاقم النزاعات السياسية والحروب الأهلية. وبإيجاز يمكن القول إن برامج التكيف الهيكلى قد ولدت آثاراً اجتماعية ضارة وألحقت الأذى بالدولة الأفريقية وأضعفت الأبنية الوطنية. هكذا يتجلى بوضوح أن عملية العولمة قد قوضت النمو الاقتصادى فى أفريقيا الجنوبية، ومن ثم فإن الميزات المقارنة النسبية للإقليم أضعف بكثير من أن تواجه المؤثرات الاقتصادية العالمية. ومع هذا فإن ما يثير الدهشة ادعاء البنك الدولى (World Bank 1994, XI) بنجاح سياسات التكيف الهيكلى مثل إشارته إلى "أن هناك ثماراً للتكيف، فالبلدان التى مضت إلى أبعد حد فى تطبيق سياسات جيدة- وبخاصة على مستوى الاقتصاد الكلى- قد تمتعت بانبعاث النمو فيها". ومع هذا فقد أوضح المعارضون أن الاصلاحات الاقتصادية لم تؤد إلى نتيجة فى أفريقيا جنوب الصحراء، إذ إن اتباعها لبرامج التكيف الهيكلى لم يؤد إلى تحسين الأداء الاقتصادى (Hellinger and Hammond 1994, Mosley and Weeks 1994, Loxely and Seddon 1994, Noula 1995). وأشير إلى أنه إذا كانت الإصلاحات قد أحدثت تحسناً هامشياً فى الحساب الخارجى، فإن أثرها فى النمو الاقتصادى لم يكن كافياً. ونتج عن هذه الإصلاحات الاقتصادية انخفاض أسعار الصادرات وتقلص صافى التدفقات المالية اللازمة لخدمة الديون الخارجية- بما فيها المدفوعات لصندوق النقد والبنك الدولى- دون أن يصحب ذلك أى خفض فى حجم عبء الدين الخارجى. وتعتبر أفريقيا هى القارة الوحيدة التى تتدهور فيها باستمرار مستويات المعيشة.

جدول رقم (4) مؤشر الفقر الإنسانى (%) الحرمان الكلى الحرمان الاقتصادى (%) الحرمان من التعليم والمعرفة (%) الحرمان من البقاء (%) البلد الترتيب فى مؤشر الفقر الانسانى HPI نسبة الأطفال تحت الخامسة دون الوزن الطبيعى

(90-1996)	نسبة السكان بدون خدمات صحيـة (90-1995)	نسبة السكان بدون مياه آمنة (90-1990)	معدل أمية البـالغين (1994)	نسبة من لا يتوقع لهم البقاء حتى سن الأربعين 

(1990) 12.5 17.3 22.9 27.5 35.1 39.7 41.2 45.1 45.8 50.1 6 18 11 28 42 50 55 37 53 42 16 16 15 21 28 29 34 26 30 27 - 15 11 20 25 58 74 41 65 61 1 23 7 44 73 62 58 43 63 37 17.6 15.3 31.3 29.5 23.4 33.2 23.6 60.0 44.2 60.5 6.2 18.4 15.9 23.9 35.1 30.6 30.0 21.1 38.3 43.8 موريشيوس زيمبابوى بوتسوانا ليسوتو زامبيا تنزانيا زائير ناميبيا مالاوى موزمبيق 13 17 29 35 45 50 52 59 60 72 Source: Moyo 1998. وكما قال سالم أحمد سالم الأمين العام لمنظمة الوحدة الأفريقية (1992: 15) فإن "الأزمة الاقتصادية تهدد بالإطاحة بكل المكاسب الاجتماعية التى تحققت فى الستينيات والسبعينيات عندما كانت أفريقيا تحقق نمواً جديراً بالتقدير". غير أن الحقيقة المحزنة اليوم تقول بأن معظم البلدان الأفريقية تعانى أوضاعًا أسوأ من عقدين سبقا. وها هو تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للأطفال (يونسيف) يرسم اللوحة المحيطة التالية: "لأول مرة فى العصر الحديث ينزلق إقليم فرعى بأكمله إلى الفقر مرة أخرى. ففى أفريقيا جنوب الصحراء تضاعف خلال عقد واحد عدد الأسر العاجزة عن تلبية احتياجاتها الضرورية، وانخفض متوسط الدخول بمقدار الثلث، وارتفعت نسبة الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية" (UNICEF 1992: 51). وفى الحقيقة أن غالبية المراقبين والباحثين والمنظمات غير الحكومات فى أفريقيا، وحتى بعض هيئات الأمم المتحدة (خاصة اليونسيف)، يحدوها قليل من الأمل لتحقيق أى تحسين ذى شأن فى الأوضاع الاقتصادية لأفريقيا، ما لم يحدث تحول جذرى فى اتجاه الإصلاحات الاقتصادية ونمط المساعدات التنموية. وفوق هذا فإن البنك الدولى نفسه قد أمل فى تحقيق معدل نمو سنوى يتراوح بين 2.4% و 3.9% فى الاقتصادات الأفريقية فى أواخر الثمانينيات، أى ما يقل بكثير عن معدل النمو الذى تحقق فى الفترة من 1966 إلى 1973 والذى لم يقل عن 5%. أضف إلى هذا أن الناتج القومى الإجمالى فى أفريقيا قد كان عام 1992 أقل من نظيره عام 1972. وتكشف بيانات أحدث أن معدل النمو السنوى فى الفترة 1990-1994 قد بلغ 1.2% مقابل 2% عن الفترة 1985-1989 (Mosley, Subastat and Weeks 1995). وإذا أخذنا فى الحسبان عاملى التضخم ونمو السكان فإن نصيب الفرد من إجمالى الناتج المحلى فى الإقليم قد تراجع بنسبة 42.5% فى الفترة من 1980 إلى 1990. وطبقا لتقديرات البنك الدولى فإن من المنتظر أن يزيد إجمالى الناتج المحلى فى أفريقيا بنسبة 4.1% فى الفترة 1997-2006. ولكن إذا أخذنا فى الاعتبار الزيادة السكانية المتوقعة فإن معنى هذا تحقق معدل نمو سنوى حوالى 1%. وهكذا بينما تتقدم البلدان النامية الأخرى بصورة حثيثة نجد أفريقيا تتراجع اقتصاديا. صحيح أن أفريقيا تناضل من أجل استعادة النمو الذى كانت تحققه فى الستينيات وأوائل السبعينيات، إلا أنه كما أوضح "سامبوما" بجلاء (Samboma 1995: 23) فإن "الشىء الوحيد الذى يمكن أن تجنيه أفريقيا من التزامها العقيدى بإملاءات الغرب سوى عبء الديون الخالد". وفى الاتجاه نفسه يرى "كارمودى" (Carmody 1998) أن توجهات برامج التكيف الهيكلى لم تكتف بزيادة الديون الخارجية، وإنما تكفلت أيضاً بتقويض الإنتاج.

3-أزمة الديون الأفريقية لاحظ الباحثون عن حق: المفارقة فى أن جهود الإصلاح الاقتصادى فى أفريقيا قد مضت يداً بيد مع ارتفاع عبء الديون. فمثلا لاحظ "تريبا" (Teriba 1992: 175) أن "عدم كفاية المعونة وتدفقات موارد الاستثمار الخاصة اللازمة لتمويل النمو والتنمية فى أفريقيا، قد أجبر الإقليم على الاعتماد الزائد على القروض الخارجية، والتى أدت بدورها إلى تفاقم أزمة الديون. ولا شك أن مقصلة الديون تعتبر الآن أخطر مسألة تواجه تمويل التنمية فى أفريقيا. وهى الظاهرة التى تمثل التهديد الأكبر لجهود استعادة أفريقيا لعافيتها الاقتصادية، وأصبح واضحاً بشكل متزايد أنه لا يمكن تحقيق أدنى تقدم بدون حل أزمة الدين الخارجى، فليس هناك أى مخرج أمام أفريقيا إذا ظلت رهينة خدمة ديونها الحالية لأنه لن يتبقى لها موارد لتحقيق التنمية". لقد ارتفع إجمالى الدين الخارجى لأفريقيا من 8 بليون دولار فقط عام 1970 إلى 321 بليون دولار عام 1996، ومعظمها ديون رسمية باتفاقات ثنائية أو متعددة الأطراف. ووصل عبء الديون إلى معدل 57% من إجمالى الناتج المحلى، وتستهلك خدمة الديون 25% عل الأقل من قيمة الصادرات (ADB 1998, Patel 1992) وهو ما يبين كيف تفاقمت أزمة الديون بشكل حاد فى غمار الأزمة. وطبقاً للجدول رقم (5) يتضح لنا أن معدل الديون إلى الصادرات قدر عام 1995 بحوالى 284.7% بعد أن كان 223.1% عام 1990. أما فى أفريقيا جنوب الصحراء فقد كان الوضع أكثر سوءًا حيث ارتفع من 327.1% إلى 384.5% وبالنسبة لخدمة الديون كنسبة مئوية من صادرات السلع والخدمات فهى تدور الآن حول 25% كما أسلفنا بعد أن كانت 13% عام 1980. ويقدر إجمالى الدين الخارجى لإقليم أفريقيا الجنوبية عام 1995 بحوالى 55.3 بليون دولار. ويشكل عبء الديون هذا نسبة 138% من إجمالى الناتج المحلى للإقليم. ومن بين البلدان التى لم تكن ذات عبء ديون مزمن ثم دخلت مصيدة الديون: زامبيا (6.9 بليون دولار)، جمهورية الكونغو الديمقراطية (13.1 بليون دولار)، مالاوى (2.1 بليون دولار)، أنجولا (10.1 بليون دولار). ونتيجة لهذا "أصبحت أزمة الديون فى معظم هذه البلدان مظهراً وسبباً رئيسياً فى آن واحد لتوليد الأزمات" (UNDP, SADC, SAPES 1998: 31) وهكذا فإن أفريقيا عامة، وأفريقيا الجنوبية خاصة، تعانى وضعاً أسوأ من أى إقليم آخر، أياً كان المؤشر المستخدم فى هذا.

جدول رقم (5) هيكل الديون فى بعض بلدان جماعة تنمية أفريقيا الجنوبية SADC عام 1996 زيمبابوى أنجولا مالاوى تنزانيا زامبيا جمهورية الكونغو الديمقراطية موزمبيق بيان 5 10.6 2.3 7.4 2.3 10.6 5 -إجمالى الديون (بليون دولار) 664 694 89 258 324 48 177 -إجمالى خدمة الجيون (مليون دولار) 160 203 485 536 539 638 1079 -نسبة إجمالى الديون إلى الصادرات (%) 69 307 107 129 215 212 378 -نسبة إجمالى الديون إلى إجمالى الناتج المحلى (%) 21.2 13.3 18.6 18.7 24.6 2.4 32.2 -نسبة إجمالى خدمة الديون إلى حصيلة الصادرات (%) 3.1 5.2 0.5 1.4 1.3 2.0 0.5 -صادرات السلع والخدمات (بليون دولار) 7.2 3.4 2.2 5.7 3.3 6.0 1.5 -إجمالى الناتج المحلى (بليون دولار)

   Source: Kamidza 1998.

جدول رقم (6) مؤشرات الديون فى البلدان المستوردة (رؤوس الأموال (85-1994)











Source: UNDP 1999, 61

  ووفقاً لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائى توجد ثلاث وثلاثون بلداً من أفريقيا جنوب الصحراء فى قائمة البلدان الفقيرة الأكثر مديونية والتى يبلغ عددها إحدى وأربعين بلداً. وهو ما يوضحه الجدول رقم (7)

جدول رقم (7) حصتها من الصادرات(%) حصتها من إجمالى الناتج المحلى (%) حصتها من الديون الخارجية (%) نسبة سكانها إلى سكان العالم عدد البلدان المدرجة بالقائمة الإقليم 3.3 1.0 0.3 2.3 0.8 0.2 8.8 1.9 0.8 10.6 2.8 0.4 33 4 4 أفريقيا آسيا أمريكا اللاتينية 4.7 3.3 11.5 13.8 41 إجمالى Source : UNDP 1999: 22 وجدير بالملاحظة أن خمساً من بلدان أفريقيا الجنوبية مدرجة فى هذه القائمة، وهى أنجولا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ومالاوى وموزمبيق وزامبيا. ويتضح المدى الذى وصلت إليه أزمة الديون فى أفريقيا جنوب الصحراء من حقيقة أنها تمثل الحصة الأكبر فى ديون البلدان الفقيرة ذات المديونية العالية. وإذا كنا قد أخذنا فكرة عامة عن ضخامة المديونية الأفريقية، فإننا ننطلق نحو إلقاء الضوء على مدى إحكام دائرة الديون الجهنمية التى تحيط بالقارة. فعلى سبيل المثال كان متوسط المقرر أن تدفعه أفريقيا لخدمة ديونها الخارجية 20 بليون دولار سنويا (UNICEF 1992: 52) ولا شك أن هذا التدفق إلى الخارج لموارد تحتاجها القارة أشد الاحتياج يضر أبلغ الضرر بإمكانية شفاء أفريقيا من مرضها الاقتصادى. هذا وقد ذكر محافظ بنك التنمية الأفريقى فى الاجتماع السنوى للبنك عام 1993 أن "عدداً من بلدان أفريقيا الأقل دخلاً وذات المديونية الثقيلة يواصل تحمل عبء من الديون لن يؤدى فحسب إلى توليد عدم اليقين فى القدرة على خدمة الدين، وإنما سيؤدى أيضاً إلى إنهاك مالية الحكومات وإعاقة تكون استثمارات خاصة جديدة". وهكذا فإن زمن التكيف الهيكلى قد شهد زيادة متسارعة فى الديون، وأيضاً صعوبات شديدة فى خدمة الديون. ولقد أصبح الدين الخارجى عبئًا شديد الوطأة بسبب حقيقة أن القروض لم تؤد إلى زيادة مناسبة فى القدرة الانتاجية تسمح بالمضى فى خدمة الديون. ومرة أخرى نقول إن أزمة الديون كانت سبباً ونتيجة لأزمات كبيرة فى بلدان أفريقية كثيرة. ويرجع هذا إلى حقيقة أن كميات هائلة من الموارد المالية أصبحت تخصص لخدمة الديون فى وقت تحتاج هذه البلدان إلى تلك الموارد أشد احتياج. ونتيجة لهذا سيواصل عبء الدين الخارجى دوره كخطر رئيسى يهدد التنمية المستدامة فى القارة الأفريقية.

4-الديون والتنمية المستدامة سبق أن ذكرنا أن ارتفاع مديونية بلدان أفريقيا الجنوبية، وبالتالى ارتفاع أعباء خدمة الديون، يؤديان إلى نقصان حاد فى الموارد المتاحة للاستثمار فى التنمية المستدامة. جملة القول أن من الصعب الحفاظ على تنمية مستدامة فى ظل الشروط الاقتصادية السائدة فى الاقليم.

4/1 التنمية الاقتصادية والتنمية البشرية تفتقر معظم بلدان الإقليم إلى الموارد المحلية اللازمة للاستثمار، نظراً للاستنزاف الواقع على موازناتها بفعل عبء الديون. ومن ثم تعانى هذه البلدان من نقص رأس المال المالى الضرورى لحفز النمو الاقتصادى وتحقيق التعافى من الأزمات الاقتصادية. وقد كان للمشكلات الاقتصادية الراهنة مضاعفات خطيرة على كل من التنمية البشرية، والأداء التنموى فى الاقليم، وعلى الاستقرار والحكم. كما أن الاختلالات الحادة فى الموازنة تحول دون تحول هذه البلدان صوب توجيه موارد كافية لبرامج التنمية البشرية. إذ إنها مضطرة إلى إنفاق موارد أقل بكثير على توفير الخدمات الاجتماعية الأساسية مثل التعليم الأساسى والصحة وإصحاح البيئة وتخطيط الأسرة والغذاء. وهكذا فإن البلدان الأفريقية تدخل الألفية الثالثة فى ظل واقع اجتماعى يتسم بتخفيضات حادة فى الإنفاق الاجتماعى، رغم بيد أن التنمية البشرية الفعالة تحتاج إلى استثمار مستدام، ولكن العقبة الرئيسية أمام تحقيق التنمية المستدامة تظل متمثلة فى عبء الديون. فالديون كما يقول "أوباسونجو" لا تزال "آخذة بخناقنا مثل طائر البطريق حينما يصاد، فنظل متعثرين وعاجزين فى مساعينا لمواجهة التحديات الواقفة بوجه نمونا" (Obasango 1991: 44). بل إن البنك الدولى ذاته لم يستطع أن يتجاهل دور العبء الثقيل للديون فى إعاقة التعافى والنمو الاقتصادى للبلدان الأفريقية. ففى عام 1991 نقل عن نائب رئيس البنك الدولى "إدوارد جايكوكس" E. Jaycox تشديده على حقيقة خاصة ببلدان أفريقيا جنوب الصحراء، وهى "أن تكلفة خدمة الديون سوف ترتفع من 9 بلايين دولار سنوياً إلى 15 بليون دولار سنوياً خلال الأعوام الثلاثة أو الأربعة القادمة. ولا يجوز السماح للأمور بأن تصل إلى هذا الحد، لأنه إذا حدث فسوف يؤدى إلى تحطيم كل خطط التنمية فى أفريقيا. ومن ثم فلا مناص من الإعفاء من الديون" (Loxley and Seddon 1994: 492).

4/2 المقرطة والحكم غير الرسمى تقتضى المقرطة التوافق ومشروعية الحكومة ومساءلتها أمام الناخبين. غير أن عبء الديون والشروط المرتبطة بإبرامها قد وضعت تهديدات حادة على قاعدة التأييد السياسى للنظم الأفريقية الجديدة. ففى الحقيقة أن مقاومة الإصلاحات الاقتصادية المفروضة من قبل مشروطيات الديون، قد اتخذت فى بعض البلدان صورة ما تسمى انتفاضات الطعام. ومن ثم فإن النظم الحاكمة مطالبة بمراعاة توازن دقيق وصعب بين الشروط المرتبطة بالديون والمفروضة من جانب المؤسسات المالية الدولية، وبين الاحتياجات الضرورية لمواطنيها. إذ المؤسسات المالية الدولية قد استطاعت اختراق السيادة الوطنية للدول الأفريقية، وذلك من خلال عملية "الحكم غير الرسمى" (Mkandawire 1991: 40). واتسمت عملية إدارة الدين بالطابع الفنى (التكنوقراطى) بدلاً من الطابع الديمقراطى. وفى الحقيقة أن النمط التكنوقراطى، من أعلى إلى أسفل، الذى ساد عمليتى إدارة الديون والمفاوضات بشأنها، قد سد الطريق أمام ما تتطلبه الديمقراطية من نمط تشاركى وشفاف وقابل للمساءلة (Sandbrook 1997: 482) ومن ثم فإن الإدارة الكفؤة للديون تقتضى المتابعة والتحكم الفعلى من جانب وزارات ومؤسسات الدولة لضمان أن تراعى ركائز السياسة المحلية. وقد لاحظ "مكاندويرى" أن "عمليات التكيف الهيكلى هى عمليات ذات طابع سياسى واضح، وأن محاولة التغاضى عن هذا الطابع لا تمثل نوعًا من خداع النفس فحسب، وإنما تعتبر أيضاً وقوعًا فى أسر مفهوم المؤسسات المالية الدولية عن الإدارة الديمقراطية للشئون الاقتصادية. حيث يظل الوضع النموذجى فى نظرها هو عزل وزارة الماليةعن العمليات الديمقراطية، وقيامها بإدارة الحوارات حول السياسات مع العالم الخارجى دون أى معيق أو معقب من السياسة المحلية". (Mkandawire 1991: 40). ويضيف "هيلينر" أن "الضغط المتواصل للمفاوضات المالية المتعلقة بالديون يحرف أنظار صناع السياسات بعيداً عن أنشطة ضرورية وأكثر فائدة من الناحية الاجتماعية بالنسبة لاتخاذ قرار اقتصادى ذى توجه تنموى. وهكذا فإنها تصرف انتباهم عن الحكم الاقتصادى الفعال، كما تقلل من قدرتهم الاستيعابية للانتفاع بالموارد العامة" (Helleiner 1992: 99). صفوة القول أن المشروطيات والسياسات المتصلة بإدارة الديون من جانب المؤسسات المالية الدولية – وبالأخص البنك وصندوق النقد الدوليين- قد أضحت فى أعين الكثيرين معادية بشكل واضح للديمقراطية والشعب والتنمية.

5-مبادرات إعادة هيكلة الديون والإعفاء منها يتضح من المناقشة السابقة أن الديون تظل مسألة حاسمة بالنسبة للتنمية، خاصة فيما يتعلق بكيفية التخفيف من عبئها الثقيل الذى يرهق بلدان أفريقيا جنوب الصحراء. وهو ما يكشف عن حاجة ماسة إلى التحكم فى الديون وإدارتها على النحو السليم. ولهذا نشأت بعض المبادرات فى هذا الاتجاه.

5/1مبادرة الإعفاء من الديون المصرفية التجارية: من خطة "بيكر" إلى خطة "برادى" فى أعقاب الأزمة النقدية الخطيرة التى ضربت المكسيك فى سبتمبر 1985 اجتمع فى نيويورك قادة البلدان الصناعية الخمس الكبرى للتوصل إلى خطة منسقة للتعامل مع هذه الأزمة. وبرعاية من الولايات المتحدة الأمريكية طرحت "خطة بيكر" فى إطار اجتماع "بلازا" للدول الخمس، والتى قدمت فيما بعد بشكل مفصل فى الاجتماع السنوى اللاحق للبنك وصندوق النقد الدوليين فى "سيول" عاصمة كوريا الجنوبية. وتضمنت الخطة توفير مبلغ 29 بليون دولار لإقراض البلدان المدينة فى السنوات الثلاث التالية. وقد قام البنك الدولى و"بنك انترميركان دفلوبمنت" بتدبير ثلث هذا المبلغ، بينما ترك الثلثان لتدبيرهما بواسطة قطاع البنوط التجارية. وتميزت خطة بيكر بسمات هامة ثلاث: الالتزام بحل الأزمة من خلال المزيد من الإقراض الخاص (من المصارف التجارية)، وضرورة أن تكون المؤسسات متعددة الأطراف جزءًا من الحل الشامل ويخضع المدينون لشروط هذه المؤسسات (مثل إجراء إصلاحات هيكلية، وتحرير التجارة والاستثمار الأجنبى، وإصلاح مشروعات الدولة)، أما السمة الثالثة فهى أن الخطة كانت اختيارية. وتمت محاولة ثانية لتقليص الديون التجارية عام 1989، وذلك من خلال ما سمى "خطة برادى". ومنذ ذلك الوقت بدأ البنك وصندوق النقد الدوليان يلعبان دورًا أكثر مركزية فى إعادة جدولة الديون، غير أن بؤرة اهتمامها تركزت على البلدان متوسطة الدخل فى أمريكا اللاتينية والوسطى. وبوجه عام حاولت الخطة اللجوء إلى استراتيجية اقتحامية وأكثر مرونة، وذلك من خلال تدابير ترمى إلى حث البنوك التجارية على إعادة صياغة عقودها الحالية لمبادلة الديون مقابل أصول قابلة للتسييل. فعلى سبيل المثال سمحت الخطة بإبدال ديون كبيرة "بسندات برادى" ذات القيمة الاسمية الأقل وجدول أطول للسداد (UNDP 1999). غير أنه منذ عام 1989 حدثت عملية إعادة هيكلة ديون البلدان النامية للبنوك التجارية وفى أغلب الأحوال من خلال إعادة شراء هذه الديون فى إطار "برنامج تسهيلات خفض ديون البلدان منخفضة الدخل" المدعوم من "رابطة التنمية الدولية" IDA.


5/2 الإعفاء من الديون الثنائية: نادى باريس نادى باريس هو منظمة عرضية للبلدان الدائنة، ويستهدف النظر فى طلبات الإعفاء من الديون وإعادة جدولتها من خلال قروض حكومية وبضمان الصادرات. وإذ تواجه بلداننا عجزًا كبيرًا، فإن السبب الرئيسى فى ذلك يرجع إلى عبء خدمة الديون المضمونة بإيرادات الصادرات. ولا تنظر الدول الدائنة إلا للطلبات المقدمة من تلك البلدان التى تطبق برامج للتكيف الهيكلى مدعومة من صندوق النقد الدولى. هذا وقد بلغ متوسط عدد الدول التى تقدمت بطلبات لنادى باريس 18 دولة سنوياً خلال الفترة من 1981 إلى 1993، وجدير بالذكر أن النادى يعقد اجتماعًا شهرياً. ويتفاوض الدائنون فى اجتماعهم الشهرى حول فترة سماح يطلق عليها فترة التعزيز. ويقررون شروط إعادة الدفع (الإعفاء وأقساط إعادة الدفع) على الديون المعززة، كما يقررون أى الديون التى سيتم تعزيزها (تواريخ إعادة الضمان الحالية، والمتأخرات والديون السابق جدولتها). وعادة ما تتم إعادة هيكلة دفع الأقساط والفوائد، ولكن قد لا يتقرر فى بعض الأحوال سوى إعادة جدولة أصل الدين. أما فائدة الديون فلا تدخل فى مفاوضات النادى، وإنما تتفاوض بشأنها الأطراف على انفراد لأن كل وكالة مقرضة تفرض نسبة فائدة بمعدل يعكس تكلفة الإقراض بالنسبة لها. وهكذا يمنح نادى باريس لبلدان موصفة ذات مديونية ثقيلة تخفيضًا أو إعادة جدولة للديون. ويتم ذلك وفق معايير صارمة، ولكن إذا اعتبر البلد مؤهلاً لشروط النادى فإنه يحصل على خفض قدره من 67% إلى 80% على جزء من ديونه وفق شروط "ليون" (UNDP 1999). هذا وقد جزم بعض المراقبين بعدم كفاية هذه المبادرات فيما يتعلق بتصفية مشكلة الديون. فمثلاً يقول "مسترى" بوضوح: "إن الواقع يظل موئسًا بالنسبة لأفريقيا، وخاصة فقرائها، وهو أن ما تم إنجازه ما زال تشذيبا هامشيًا للفروع الناتئة للمشكلة ولا يمثل اقتلاعًا لجذورها. ورغم أن تخفيف الديون يظل أمرًا مقدرًا ويجب تشجيعه، إلا أنه يتم وفق قاعدة تقديم القليل جدًا وفى وقت متأخرًا جدًا بالنسبة لظروف أفريقيا. فهو ليس كافيًا لمساعدة خطط التكيف المطلوب تطبيقها، ولا لتذليل مشكلات الائتمان التجارى بالنسبة لأفريقيا، ولا فيما يتعلق بأقساط الواردات التى ينبغى على أفريقيا أن تدفعها فى السوق المفتوحة": (Mistry 1992 121). وفى الحقيقة أنه ما لم يتم اتخاذ إجراء جذرى لرفع عبء الديون- مثل الإلغاء التام لديون البلدان الأقل نمواً- لا يجب توقع حدوث تقدم كبير فى هذا الصدد. وما لم يتم العلاج الجدى لهذه المسألة، فإن آفاق التنمية المستدامة أمام أفريقيا ستصبح بالغة القتامة. ومما يؤسف له أن النتائج المتحققة فى هذا الشأن لم تكن واعدة بالمرة، ولا توجد أية شواهد على رغبة البلدان المصنعة فى المساعدة لإنقاذ أفريقيا بشكل جذرى من هذا المصير. بل إن انهيار الاتحاد السوفيتى السابق وتبلور "شرق أوربا" جديد قد ساعد فى المزيد من تهميش أفريقيا. فمثلا قالت مجلة الإيكونومست إنه "مع تبخر المصالح المرتبطة بالحرب الباردة أصبح نسيان أفريقيا أمرًا مغريًا. إذ إن شرق أوربا ومتعاونين آخرين ما زالوا مفيدين - مثل مصر - يستصرخون طالبين العون، فضلاً عن أن الكساد فى العالم الغنى يزيد من صعوبة الاستمرار فى كرم الماضى. أضف إلى هذا وذاك: السجل المحبط لما أثمرته المعونة فى أفريقيا السوداء. ففى عقد الثمانينيات التهم هذا الإقليم أكثر من مائة بليون دولار، ومع ذلك أصبح أكثر فقرًا وربما يكون من الأفضل إنفاق النقود فى شرق أوربا" (Economist, 2 Feb. 1991). وقد انعكس تهميش أفريقيا أيضاً فى الاجتماعات الأخيرة لمؤسسات "بريتون وودز"، وحيث تتركز معظم المناقشات حول شرق أوربا وكيفية تعميق ودعم عمليات المقرطة الجارية هناك. وإذا كانت هذه المؤسسات تتصلب أمام أى اقتراح بتخفيض دين أفريقى تحت زعم أنه "سيكون من العبث الأخلاقى مكافأة أولئك الذين لا يسددون ديونهم" (UNICEF 1992: 52)، إلا أنها لم تتردد فى إلغاء جميع الديون الحكومية على بولندا. وكذلك بعد حرب الخليج لم يعدم الحلفاء الغربيون السبل لحذف نصف ديون مصر البالغة 40 بليون دولار. وهى التصرفات التى أثارت المزيد من الشكوك إزاء مدى التزام الغرب بتخفيف عبء ديون أفريقيا. هذا وقد اقترح البنك الدولى عام 1995 خطة لتخفيف ديون البلدان الأكثر فقراً (Business Day 1995)، وطبقاً لهذه الخطة تنشأ آلية لشطب ديون قدرها 11 بليون دولار مستحقة للمؤسسات الدولية مثل البنك نفسه وصندوق النقد الدولى. ولكن هذه الخطة تم سحبها للأسف بسبب معارضة صندوق النقد الدولى (Sunday Times 1995). 5/3 مبادرة "البلدان ذات المديونية الثقيلة" فى سبتمبر 1996 أطلق مجلسا محافظى صندوق النقد والبنك الدوليين مبادرة من أجل "البلدان ذات المديونية الثقيلة" HIPC، ورصد لها مبلغ 7.4 بليون دولار. وكان الرئيسى من هذه المبادرة هو مساعدة 41 بلدًا من البلدان المصنفة "كبلدان ذات مديونية ثقيلة" على تحقيق مستوى محدد من المديونية خلال ست سنوات وتوفير مخرج من عملية إعادة جدولة الديون. وتقع معظم هذه البلدان – فيما عدا ثمانى – فى أفريقيا جنوب الصحراء. وتمثل صادرات هذه البلدان 12% من ديون البلدان النامية، وأقل من 5% من صادرات البلدان النامية، و3% فقط من الناتج الوطنى الإجمالى للبلدان النامية. وبمقتضى هذه المبادرة يجب أن تمر البلدان المستفيدة بفترة ثلاث سنوات من الإصلاحات على مستوى الاقتصاد الكلى والهيكلة والسياسات الخاصة تحت إشراف البنك وصندوق النقد الدوليين. وتتحدد أحقية بلد ما فى طلب المساعدة بما يقرره البنك والصندوق على أساس تحليل ثلاثى للديون تشترك فيه معهما حكومة البلد المعنى. وقبل نهاية فترة السنوات الثلاث يتم إجراء تحليل لتحديد ما إذا كان من الممكن تحقيق تصحيح لمسار الديون بعد ثلاث سنوات أخرى. وعند نقطة اكتمال السنوات الثلاث الأخيرة يقوم المقرضون الجماعيون بتقديم إعفاءات من الديون إذا كانت جميع التخفيضات الأخرى غير كافية للوصول بمديونية البلد إلى حد الأمان. أما البلدان التى لا تنجح الآليات القائمة لتخفيض الديون فى تحقيق مستوى البقاء بعد السنوات الثلاث الأخيرة فإنها قد تحصل على إعفاء كبير من الديون بمقتضى هذه المبادرة. وتطبق فترة السنوات الست تلك على أساس من قاعدة المرونة. فتتلقى البلدان قروضًا أثناء تطبيق برامج السنوات الثلاث الأولى، وفى حالات استثنائية قد يتم اختصار فترة السنوات الثلاث الثانية بالنسبة للبلدان التى تحقق أداء قويًا.

6-حملة "التنازل عن الديون" نظرًا لاستمرار المستويات المرتفعة من المديونية، وما يصاحبها من أزمات اجتماعية- اقتصادية، وكذلك لثبوت عدم فاعلية الإجراءات الخاصة بتخفيض الديون من جانب بلدان مجموعة الثمانى، فقد أدى هذا إلى ارتفاع صوت المطالبات "بالتنازل عن الديون" أو "إلغاء الديون" فى العالم المعاصر. وقد أصبحت مسألة "التنازل عن الديون" أو "الاستعباد بالديون" مسألة مسيسة للغاية، وحيث شرع ملايين البشر يشكلون حملة دولية آخذة فى الانتشار بسرعة من أجل مناهضة الديون. ويقف فى مقدمة هذه الحملة: الكنيسة وجماعات دينية أخرى، ووكالات التنمية والمنظمات غير الحكومية فى بلدان الشمال الغنية. وقد انتشرت حملة الألفية الجديدة لإلغاء ديون العالم الثالث فى جميع أنحاء الأرض، وحققت بعض المكاسب المهمة، وخاصة التغطية الاعلامية لأحجام وآثار الديون. كما حققت بعض تلك الجماعات مكاسب خاصة من خلال تعديل مواقف حكومات بلدانها إزاء مستحقاتها لدى بلدان الجنوب. وقد اضطرت الحملة صندوق النقد والبنك الدوليين إلى إجراء تعديل ما على موقفهما المتصلب ضد إلغاء الديون. ونتيجة لهذا وتحاشياً للتعرض للمزيد من النقد المتنامى للرأى العام قامت هاتان المؤسستان بالتعاون مع مجموعة الثمانى مؤخراً بدعم خفض ديون البلدان ذات المديونية الثقيلة.

7-ملاحظات ختامية ما زال عبء الديون يمثل العقبة الكأداء أمام تعافى أفريقيا اقتصادياً. وتتوقف قدرة القارة فى تحقيق الشفاء الاقتصادى على التخلص من القبضة الرهيبة لأعباء الديون. وليس هناك حل أمام أفريقيا بدون إلغاء الديون، وإن كان هذا لا يعنى بالضرورة نهاية جميع الآلام الاقتصادية فى القارة. وبدون حدوث تخفيض كبير فى الديون ستظل الموارد المتاحة مرهونة لخدمة الديون. وبعبارة أخرى، فإن العائق الكبير أمام تحقيق القارة أهدافها الاقتصادية هو نقص الموارد المالية الضرورية لإدراك التعافى الاقتصادى وتحقيق التنمية المستدامة.




المـراجــع:

African Development Bank (ADB). 1997. African development report 1997. Oxford: Oxford University Press. ___. 1998. African Development Bank report 1998. Oxford: Oxford University Press. Doorman, J. 1992. A view from the International Monetary Fund (IMF). In Policies for African development: From the 1980s to the 1990s, edited by I. G. Patel. Washington, D.C.: International Monetary Fund. larmody, P. 1998. Constructing alternatives to structural adjustment in Africa. Review of African Political Economy 25, no. 75: 25-46. ','hikulo, B. C. 1997. Structural adjustment and the new conditionalities: Towards development in Africa. In Structural adjustment, reconstruction and development in Africa, edited by K. R. Hope, Sr. Aldershot: Ashgate. Icllinger, D., and R. Hammond. 1994. Structural adjustment: Debunking. Africa Report 39, no. 6: 52-56. Hope, K. R. Sr. 1998. Beyond structural adjustment and economic recovery: Development prospects and policy for Africa. Regional Development Dialogue 19, no. 2: 19-20. Killick, T. 1995. International Monetary Fund programs in developing countries'. Design and impact. New York: Routledge. Loxely, J., and D. Seddon. 1994. Editorial: Stranglehold on Africa. Review of African Political Economy, no. 62: 485-493. Mkandawire, T. 1991. North - South links and democratization in Africa. Development: Journal of the Society a/International Development, no. 3/4:39- 41. Mistry, P. S. 1992. Africa's adjustment and the external debt problem. In Policies for African development, edited by I. G. Patel. Washington, D.C.: International Monetary Fund. Mosely, P., T. Subasat, and J. Weeks. 1995. Assessing adjustment in Africa. World Development 23, no. 9: 1459-73. Mosely, P., and J. Weeks. 1994. Adjustment in Africa. Reading, University of Reading. Noula, A. G. 1995. Adjustment structural et development en Afrique: L'experience des annees 80. Africa Development 20, no. 1:5-36. Obasango, 0. 1991. Towards the new age of economic and political democratization in Africa. Development: Journal of the Society of nternational Development, no. 3/4: 42-45. Patel, I. G., ed. 1992. Policies for African development: From the 1980s to the 1990s. Washington, D.C.: International Monetary Fund. Samboma, J. 1995. Africa's crippling debt burden. New Africa (September). Sandbrook, R. 1997. Economic liberalization versus political democratization: A social-democratic resolution? Canadian Journal of African Studies 31, no. 3: 482-516. Sangowawa, A. 1992. A view from the African Development Bank, edited by I. G, Patel. Washington, D.C.: International Monetary Fund. Sunday Times. 1995. Report of 10th October Teriba, 0. 1992. A view from the UN Commission for Africa. In Policies fw African development, edited by I. G. Patel. Washington, D.C.: International Monetary Fund. UNDP. 1999. Debt and sustainable human development. New York: UNDP. UNDP, SADC, SAFES. 1998. SADC regional human development report, 1998. Harare: SAFES Books. UNICEF. 1992. The state of the world's children. New York: Oxford University Press. World Bank. 1981. Accelerated development in Sub-Saharan Africa: An agenda fir action. Washington, D.C.: World Bank. ___. 1994. Adjustment in Africa: Reforms, results, and the road ahead. New York: Oxford University Press.






















الفصل الثامن

العولمة والتكيف الهيكلي ومعضلة الأبعاد الاجتماعية في زيمبابوي 1990 ـ 1999

























العولمة والتكيف الهيكلي ومعضلة الأبعاد الاجتماعية في زيمبابوي 1990 ـ 1999



بقلم: أولويس إس ملامبو إيفلين إس بانجيتي قسم التاريخ الاقتصادى- جامعة زيمبابوى ترجمة: مصطفى مجدى الجمال

1-مقــدمـة ها هي عمليات العولمة والخصخصة واللبرلة قد دخلت مرحلة حاسمة من تشكيل مجتمعات واقتصادات العالم. وإذا نظرنا إلي العولمة بشكل خاص فإنها تقتضي تدويل إنتاج وتوزيع السلع والخدمات، وإزالة جميع الحواجز المؤسسية أمام التجارة ورأس المال، وفتح الأسواق. وهي عملية لبناء منظومة عالمية واحدة وذات طابع اقتصادي بالأساس (Rao 1998)، وقد أفادت هذه الاتجاهات الاقتصادية البازغة من نشأه منظمة التجارة العالمية WTO، وكذا التجديدات والمبتكرات التقنية في مجالات الإنتاج والتوزيع والاتصال. وتعتبر الخصخصة أحد المكونات الجوهرية في عملية اللبرلة، حيث يتصاعد دور القطاع الخاص والسوق في وقت تنسحب الدولة من الاشتراك المباشر في الأنشطة الاقتصادية. أما نظرية العولمة فتبذل الوعود بأن لديها الحلول للمشكلات الاقتصادية التي يواجهها العالم، وذلك من خلال تعزيز النمو والتنمية المستدامة. ويعتبر من الأمور الأساسية للعولمة زيادة وتحسين القدرات الإنتاجية، والاستفادة من الفرص المتزايدة للتسويق علي مستوي العالم.غير أنها عملية غير متساوية وغير متوازنة من حيث اشتراك الشعوب والبلدان والمنظمات فيها، فبينما تخلق فرصًا هائلة للتوسع الاقتصادي، تتسبب في المقابل بخلق مصاعب للبعض، وخاصة بالنسبة للبلدان الفقيرة في العالم الثالث، حتي أن أحد المحللين أطلق عليها ـ أي العولمة ـ وصف "عدم المساواة الديناميكي" (Soros, quoted in Rao 1998:3). هذا وقدم قام البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بالعمل علي نشر وتشجيع العولمة في أفريقيا جنوب الصحراء، وذلك من خلال فرض إصلاحات اقتصادية حادة تحت مسمي برامج التكيف الهيكلي. وقد انبثقت هذه البرامج من الاعتقاد بأن المشكلات الاقتصادية للبلدان الفقيرة هي من صنع أيديها، ونتيجة لتشوهات في السياسات المحلية. وتتجاهل هذه الرؤية الدور السلبي الكبير الذي تلعبه العوامل الخارجية مثل تدهور شروط التبادل، وانهيار أسعار السلع الأولية والزراعية، وارتفاع تكلفة ومستويات الديون، فضلاً عن الارتفاع الباهظ في تكلفة الحصول علي الطاقة. ويعد العنصر الأساسي في برامج التكيف الهيكلي هو "انفتاح" الاقتصادات الفقيرة علي السوق العالمية من خلال استراتيجيات النمو المتوجهة نحو التصدير. وتلقي هذه الاستراتيجيات العون من إنهاء القيود المؤسسية، وإيقاف التحكم في الأسعار وشتي صور الدعم الاجتماعي، وتخفيض قيمة العملة الوطنية، وخصخصة مشروعات الدولة، وإجراء تخفيضات حاسمة علي الإنفاق الحكومي بما فيها خفض حجم أجهزة الخدمة المدنية. ومن الطريف أن تأتي هذه الدعوة في وقت أصبحت فيه البلدان الصناعية المتقدمة أكثر ميلا نحو السياسات الحمائية رغم قيام منظمة التجارة العالمية، وحيث أصبحت التحسينات التقنية (وهي من أسباب نجاح العولمة) تضع صادرات البلدان الفقيرة في وضع غير مناسب للسوق العالمية، وخاصة من خلال إنتاج المواد الاصطناعية المخلقة وغيرها من البدائل. وبوجه عام، أدت العولمة وبرامج التكيف الهيكلي إلي تعميق الهوة بين البلدان المختلفة وداخل البلد الواحد، حيث وقع العبء الأكبر لهذه العمليات علي عاتق الفقراء، إذ تميل العولمة إلي تحقيق مكاسب كبري للأقوياء علي حساب الفقراء، بينما تزيد من عجز الفقراء عن التأثير في شئون العالم. وتنبثق الدعوة لتعزيز السوق العالمية من افتراض خاطيء بالمساواة بين المتنافسين فيها، غير أن الواقع يجزم بوجود علاقة غير متكافئة بين الأطراف المتنافسة، وأن السوق العالمية لا تعمل بحرية فالتجارة الحرة ليست حرة حقًا، كما أن عملية تحرير التجارة لا تعني أوتوماتيكيًا أن النفاذ إلي السوق العالمية سيصبح أسهل. إذ إن هناك قواعد تحكم التجارة، إلي جانب معايير السلامة والصحة والجودة والبيئة التي تحدد إمكانية النفاذ إلي الأسواق العالمية. كما تسيطر علي السوق العالمية بضع من الشركات العملاقة عابرة القوميات، وهي التي تتحكم في أسعار معظم السلع الأولية التي تمثل أغلب صادرات البلدان النامية. إن البلدان الفقيرة ـ وخاصة في أفريقيا جنوب الصحراء ـ لديها القليل جدًا من إمكانيات النفاذ إلي السوق العالمية. وتشكل السلع الأولي حوالي 80% من صادرات بلدان أفريقيا جنوب الصحراء، أما حصتها في التجارة العالمية فحوالي واحد في المائة فقط (Adepoju 1996: 11 - 12) أضف إلي ذلك أن النمط السائد في هذه البلدان من مشروعات متوسطة وصغيرة ومتناهية في الصغر لا يمكنها الوفاء بالشروط الصعبة لمعايير الصحة والجودة التي تتطلبها السوق العالمية، ومن ثم فهي عاجزة عن المشاركة المؤثرة في السوق العالمية. ولا توجد أي ضمانات للزعم القائل بأن اللبرلة والخصخصة تعدان خطوة نحو المنافسة في الأسواق. وفي هذا الصدد يقول "واتكنز" إن "صندوق النقد والبنك الدوليين قد ضغطا بحزم من أجل إلغاء القيود علي الأسواق، باعتبار ذلك هو الحل للفقر. وهي مقاربة تتجاهل الواقع الفعلي في السوق، إذ إن البشر يدخلون السوق كمشاركين غير متساوين، ويخرجون منها بنتائج أعمال تعكس واقع اللامساواة هذا" (Watkins 1995: 73). وفي سياق دفاع البنك الدولي عن برامج التكيف الهيكلي ورد الزعم بأن "اللبرلة سوف تلعب علي الأرجح دورًا ملموسًا في تقليص الفقر، وذلك من خلال مساهمتها في اطراد النمو علي الأمد الطويل" (WB 1997:2) حتي أنه في عام 1997 ظل البنك علي زعمه "بأن خسائر المخرجات التي يقاسيها الاقتصاد - نتيجة للتكاليف الاجتماعية للتكيف ـ من المتوقع أن تكون مؤقتة، وهناك شواهد عملية علي اتجاهها نحو التدني، وخاصة بالنسبة إلي الفوائد المحققة" (WB 1997:2). هذا بينما أكدت دراسات ميدانية كثيرة أن سياسات التثبيت والتكيف قد أسهمت عمليا في إعاقة النشاط الاقتصادي وتراجع النمو. وهناك توثيق جيد الآن لفشل التكيف الهيكلي في حفز النمو وتحقيق التنمية المستدامة في بلدان أفريقيا جنوب الصحراء. وبالإضافة إلي ما سبق أفضت برامج التكيف إلي تحطيم ما تبقي من آفاق وإمكانيات اشتراك هذه البلدان في السوق العالمية. هذا وقد أكدت وزراء الخارجية الدنماركية مثلاً في تقرير لها أن "برامج التكيف الهيكلي لم تؤد إلي حدوث تحسينات هامة في نمو الناتج المحلي الإجمالي في أي من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء" (Danish Ministry of Foreign Affairs 1995) وأكثر من هذا قال التقرير إنه حتي في حالات حدوث نمو في الدخل القومي فإن هذا لم يفض آليًا إلي تحسين أحوال الفقراء، وذلك بسبب عدم عدالة توزيع الدخل. أما البنك الدولي فيفضل الإصرار علي تأكيد أن التكيف "قد ساعد الفقراء، انطلاقًا من الروابط القوية بين النمو وتقليص الفقر في أي مكان في العالم" (WB 1994: 37,163). إن النموذج الكلي لبرامج التكيف الهيكلي قد بني علي مقاربة ضيقة الأفق ومعادية (تدخل الدولة، وحيث تستهدف بشكل خاص تقليص النفقات الاجتماعية للدولة. فهي تركز علي رفع الدعم عن المواد الغذائية، وإنهاء السيطرة علي الأسعار، وتقليل النفقات العامة إجمالاً، وتقليص جهاز الخدمات المدنية من خلال برامج للتقاعد المبكر، وتثبيت الأجور، وأخيرًا إدخال رسوم الاستخدام واسترداد التكاليف. وهكذا فإن برامج التكيف الهيكلي تستهدف التدمير العمدي للسياسات الاجتماعية للحكومات. وقد أوضحت دراسات كثيرة أن إدخال الأبعاد الاجتماعية فى برامج التكيف قد جاء متأخرًا وبشكل ثانوي، كما لم يؤد إلي تحقيق الكثير فيما يتعلق بتقليص الفقر. ويحاول هذا الفصل تحليل تجربة زيمبابوي مع برامج التكيف الهيكلي في سياق العولمة، وبالأخص الأثر الاجتماعي للتكيف علي الفقراء. ونزعم هنا أن اقتصاد زيمبابوي قد أدي أداء بالغ السوء في ظل برنامج الإصلاح، حيث تم تقويض كل من المكاسب الاقتصادية والاجتماعية التي تحققت في الفترة السابقة علي الإصلاح، كما زادت أحوال الفقراء سوءًا. ففي رأينا أن التكاليف الاجتماعية للتكيف قد نشأت أساسًا من الأداء السييء للاقتصاد أثناء فترة الإصلاح. كما نري أن التكيف الهيكلي قد أفضي في حالة زيمبابوي إلي تقويض إمكانيات التقدم علي طريق النمو الاقتصادي والتنمية، كما دمر القاعدة الصناعية للبلاد، ومن ثم خرب جهود البلاد للاضطلاع بدور ذي مغزي في عملية العولمة. وبدون صد هذا الاتجاه ستكون زيمبابوي مرشحة لمزيد من التهميش في إطار الاقتصاد العالمي المعولم.

2 -خلفية حصلت زيمبابوي علي استقلالها عام 1980 وسط أجواء مشحونة بالأمل بعد حرب تحرير قاسية ومدمرة. وواجهت الحكومة الجديدة بقياده الرئيسي "روبرت موجابي" خليطًا من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي خلفتها الحكومة الاستيطانية. وقد اضطلعت وثائق مثل "النمو والمساواة" (1981) و"الخطة الانتقالية للتنمية الوطنية" (1983) و "الخطة الخمسية الأولي للتنمية الوطنية" (1986) بتوضيح الاستراتيجيات التنموية للحكومة الجديدة، والتي انعكست فيها إلي حد بعيد المشكلات الموروثة، وآمال الشعب في علاج حاسم للمظالم الاستعمارية. ومن هنا كانت الجهود المبذولة لإعادة توزيع الموارد والدخل. وحققت الحكومة نجاحًا نسبيًا في توفير الوظائف وزيادة الدخول والحصول علي مختلف الخدمات أمام الأغلبية السوداء من شعب ريمبابوي. وقد زادت فرص العمل أساسًا من خلال توسيع جهاز الخدمة المدنية، كما أدي وضع حد أدني للأجور إلي تحسين القدرة الشرائية ومستويات معيشة الأغلبية. وتحققت نجاحات مؤثرة في قطاعي الصحة والتعليم، ففي عام 1990 سجلت زيادة في عدد المدارس الابتدائية والثانوية قدرها 80% من عددها عام 1980. كما صاحب هذا التوسع نمو سريع في معدلات إعداد المدرسين وحملة قوية للقضاء علي أمية البالغين. وأيضًا سجل نمو ظاهر في التعليم المهني. وهي الإنجازات التي اعترفت بها اليونسكو حيث ورد في تقرير لها عام 1987 أن "التقدم الذي حدث مؤخرًا.. فى المنظومة التعليمية في زيمبابوي التي اتصفت بالثورية والطموح، لم يكن نتيجة قصيره العمر للفورة المصاحبة للاستقلال، وإنما لأنها منظومة مبنية حقًا علي المباديء الحديثة والمستنيرة للتعليم مع الأخذ في الاعتبار الظروف والإمكانيات والعوائق الخاصة بهذا البلد" (UNESCO 1987). وبالمثل اعترفت اليونسيف بالإنجازات التي حققتها زيمبابوي. حين قالت إن "زيمبابوي قد أثبتت ـ من خلال الالتزام السياسي القوي واشتراك المجتمع ـ أنه من الممكن لبلد نام جعل التعليم الأساسي متاحًا لأغلبية أطفاله" (UNICEF 1994: 58). أما في قطاع الصحة فقد كان أداء زيمبابوي مؤثرًا تمامًا، مما دعا البنك الدولي إلي التعليق علي هذا بقوله: "كانت إنجازات زيمبابوي في مجال الصحة في عقد الثمانينات مؤثرة للغاية، حيث تضاعفت نسبة الأطفال الذين تم تطعيمهم تطعيمًا كاملاً ثلاث مرات تقريبًا، من 25% عام1980 إلي 67% عام 1992، كما ارتفعت نسبة النساء المتزوجات في سن الخصوبة اللاتي يستخدمن أساليب حديثة لمنع الحمل من 14% إلي 36% خلال الفترة ذاتها، أما متوسط العمر المتوقع فقد ارتفع من 55 سنة إلي 59 سنة، بينما انخفضت وفيات الأطفال من 82 إلي 71 في الألف، كما انخفضت وفيات الأمهات أثناء الولادة إلي 90 من كل مائة ألف. وهي جميعًا مؤشرات أفضل بكثير من المعدلات التي تسجل في أفريقيا جنوب الصحراء" (WB 1992: X). وقد كان إنجازًا كبيرًا علي جميع المستويات أن يتم تصحيح أوجه عدم المساواة في الماضي وتوسيع الخدمات الصحية مع زيادة قدره الأغلبية علي الحصول عليها. وهي الحقيقة التي اعتد بها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حينما ذكر: "أن تجربة زيمبابوي توضح زيادة معدل الإنفاق علي الجانب الإنساني. فقد نتج عن التزام الحكومة بأولويته أن أصبح نصيب الفرد من النفقات الإنسانية أكبر من نظيرة في بلدان أكثر غني، وهو ما تجلي في إنجازات مؤثرة لهذا البلد فيما يتعلق بالأمية ووفيات الأطفال ومتوسط العمر المتوقع" (UNDP 1994) . بيد أن النجاحات المشهودة في توفير خدمات الصحة والتعليم قد تم إنجازها في بيئة اقتصادية تتسم بالنمو الاقتصادي البطيء وانخفاض عائدات الصادرات وانكماش الاستثمار والإدارة السيئة واستمرار التشوهات الموروثة، ومما زاد الوضع سوءًا تلك الرطانة الاشتراكية المتطرفة التي حالت دون قدوم أو ظهور مستثمرين جدد. وهكذا فإن سياسات إعادة التوزيع الشعبوية كانت تطبق في سياق أقرب إلي الركود الاقتصادي، مما خلق أزمة اجتماعية اقتصادية كان من المستحيل تحاشي وقوعها. لقد مر الاقتصاد بمراحل مختلفة من الفورات والأزمات، حيث حقق معدلات نمو مرتفعة تراوحت بين 10.7% و 9.7% عامي 1980 و 1981 علي التوالي، ثم تبع هذا ركود شديد عندما حقق كمعدلات سلبية عامي 1982 و 1983 وصلت إلي ـ 2% و ـ 3.6% علي التوالي، ثم شهد الاقتصاد قدرًا من التعافي البسيط عام 1984 ليدخل مرة أخري مرحلة نمو سلبي عامي 1986 و1987، وبعد ذلك جاءت مرحلة أخري من المعافاة عامي1988 و 1989 (Government of Zimbabwe 1980 - 1987). وقد أضيرت القدره الإنتاجية للاقتصاد من جراء تلك التقلبات الاقتصادية ، إلي جانب الهبوط في الاقتصاد العالمي وضعف تدفق الاستثمار الأجنبية وتعاقب سلسلة من المواسم الزراعية السيئة. وهكذا لم يعد ممكنا الوفاء بمتطلبات الإنفاق الاجتماعي إلا خارج قدرة الاقتصاد، مما أدي إلي زيادة عجز الموازنة العامة للدولة من 8% عام 1981 إلي 12% عام 1984. وأصبح واضحًا عجز الاقتصاد عن تحقيق زيادة في الدخل وخلق فرص للعمل، بينما كان السكان يتزايدون بمعدلات أسرع من نمو الاقتصاد. وقد اعترفت الحكومة بذلك حينما صرحت عام 1986 بأن "عدم التوازن بين الإنتاج المادي والإنتاج غير المادي سوف يؤدي ـ إن استمر ـ إلي آثار ضارة بنمو الاقتصاد علي المدي البعيد وتحقيق التنمية المستدامة. ولا يمكن الاستمرار في توسيع الخدمات الاجتماعية علي الأمد المتوسط إلا إذا تحقق توسع كلي للاقتصاد بمعدلات أكبر بكثير من تلك التي تحققت خلال فترة السنوات الخمس أو الست الأخيرة" (Government of Zimbabwe 1985: 22).

هناك أيضًا عوامل أخري أسهمت في الأداء الاقتصادي السييء، مثل ارتفاع أسعار النفط، وعدم الاستقرار  الذي صاحب حملات حكومة جنوب أفريقيا العنصرية والتى دمرت بنيتها التحتية وأعاقت الإنتاج، ورفعت النفقات المخصصة للدفاع في ميزانية الدولة. أما الحرب الأهلية في موزمبيق، والتي تورطت فيها زيمبابوي بقوة دفاعًا عن ممراتها الآمنة إلي البحر، فقد أسهمت أيضًا في التهام الموارد وإعاقة النشاط الاقتصادي (Mlambo 1991 , Hanlon 1986). وكأن كل هذه المشاكل لم تكن كافية، فقد شهدت زيمبابوي حربها الأهلية الخاصة في "ماتبيلي لاند"، والتي تكفلت بتدمير صورة البلاد في أعين المستثمرين المحتملين. واجتمعت كل تلك العوامل لدفع الاقتصاد نحو الركود في منتصف الثمانينيات، وهو ما مهد المسرح لطلب العون من صندوق النقد والبنك الدوليين لتحقيق التوازن في ميزان المدفوعات.

3 ـ اقتصاد زيمبابوي تحت الإصلاح حصلت زيمبابوي فور استقلالها عام 1980 علي عضوية البنك وصندوق النقد الدوليين، وفي وقت كانت البلد في وضع تحسد عليه بسبب "أنخفاض معدلات الاستدانة" فيها بالنسبة للمستويات الموجودة في البلدان الأخري الفقيرة ووقعت زيمبابوي اتفاقية مع صندوق النقد الدولي عام 1983 ولكنها لم تدم طويلا، حيث تدهورت العلاقة بين الطرفين عام 1984 بسبب رفض حكومة زيمبابوي الانصياع لبعض إجراءات التثبيت غير المقبولة مثل خفض قيمة العملة الوطنية والتحرير الكامل لتداول العملات الأجنبية وخفض الدعم المقرر للسلع والخدمات الاجتماعية (Kadhani 1986: 112 - 113). وبدءًا من عام 1986 بدأ البنك الدولي في محاولات إغراء حكومة زيمبابوي بالالتزام بتحرير التجارة، والاهتمام بتشجيع القطاع الخاص ورفع القيود الثقيلة علي حركته ـ خاصة في قطاع الصناعات التحويلية ـ ، وتقليل الإنفاق الاجتماعي. وزعم البنك أن ما يحتاجه اقتصاد زيمبابوي هو إطلاق قوي السوق وإزاحة العراقيل من طريق رأس المال، وبدأت جولات من التفاوض انتهت عام 1990 إلي اعتماد إصلاحات اقتصادية برعاية البنك والصندوق الدوليين تحت مسمي "برنامج التكيف الهيكلي الاقتصادي" ESAP. وبدأت عملية الإصلاح بصورة معتدلة من تحرير التجارة، ثم تبع ذلك تطبيق الحزمة المتكاملة من سياسات التكيف الهيكلي، وهو ما تضمنته وثيقة حكومية تحت عنوان "زيمبابوي: إطار عمل للإصلاح الاقتصادي (1991 ـ 1995)". كان الهدف الأساسي من برنامج التكيف الهيكلي الاقتصادي هو تحقيق مستوي مرتفع من النمو الاقتصادي يسمح بتوفير فرص العمل وتحسين مستويات المعيشة، وخاصة وسط الجماعات الأكثر فقرًا. وقد انطلق هذا البرنامج من الاستراتيجية الرئيسية للبنك والمتمثلة في "تصحيح الأسعار" من أجل تشجيع النمو وتقليل الفقر. وقد جمعت حزمة السياسات الجديدة بين سياسات للتثبيت وإنهاء القيود علي مستوي الاقتصاد الوطني وتراجع البعد الاجتماعي.. ومن أهمها: -خفض عجز ميزانية الحكومة المركزية من 10% من الناتج المحلي الإجمالي إلي 5% مع مقدم السنة المالية 1994/ 1995. -إصلاح السياسة النقدية والقطاع المالي بهدف تقوية إدارة النقد. -توفير الائتمان بهدف تقوية إدارة النقد. -توفير الائتمان بهدف خفض الضغوط التضخمية وتحرير القطاع المالي. -إصلاح جهاز الخدمة المدنية، وخفض العاملين فيه بنسبة 25% ومن ثم تخفيض عبء الأجور الحكومية. -إصلاح المشروعات العامة وإنهاء العبء الكبير لمخصصات الدعم الاجتماعي والواقع علي ميزانية الدولة. -إنهاء القيود المحلية وتشجيع الاستثمار، أي تحرير الاستثمار وإنهاء التحكم في الأسعار. حماية الجماعات الفقيرة والمنكشفة من خلال بعض الأبعاد الاجتماعية المتضمنة في برنامج التكيف (Government of Zimbabwe 1990: 1 - 3). غير أن أداء الاقتصاد الزيمبابوي في ظل برنامج التكيف جاء شديد السوء، وهو ما يرجع إلي مجموعة من العوامل. من بينها الضعف الكامن في حزمة السياسات التي يعتمدها البنك والصندوق الدوليان، والتشوهات الموروثة في اقتصاد زيمبابوي، وتأخر البنك وصندوق النقد الدوليين في الوفاء بالتزاماتهما المالية لتطبيق برنامج التكيف، والدور الذي لعبته العوامل الخارجية. وكان من الحتمي نشوء مشكلات اقتصادية واجتماعية خطيرة من جراء إنهاء الضوابط المحلية وإلغاء التحكم فى الأسعار وعمليات تسريح العاملين. فقد أدي إنهاء التحكم في سعر صرف العملة الوطنية إلي ارتفاع معدلات الفائدة، والذي أدي بدوره إلي عدم تشجيع الاستثمار. أما قطاع الصناعة التحويلية الذي علق عليه أمل أن يصبح القطاع القائد للنمو فقد دخل عمليًا في مرحلة تفكيك الصناعة، إذ انخفضت القيمة المضافة التي يسهم بها في الناتج المحلي الإجمالي من 20.5% عام 1990 إلي 17.1 عام 1996. وانخفضت الأجور الحقيقية في هذا القطاع بنسبة تزيد عن الثلث خلال الفترة نفسها، كما تم فقدان 12 ألف فرصة عمل أي بنسبة 6% من إجمالي الوظائف. وكان السبب الرئيسي في هذا هو ارتفاع معدلات الفائدة وخفض قيمة الدولار الزيمبابوي. وأخذت معظم الشركات ـ وخاصة في قطاعي النسيج والملابس ـ تعاني منذ عام 1992 من مشكلات ائتمانية. وبدءًا من عام 1993 أصبح إفلاس الشركات من الأمور اليومية المعتادة، إلي جانب ضياع فرص العمل. فمثلاً أخبر في أكتوبر 1994 أن 87 شركة من إجمالي 280 شركة في قطاع شركات النسيج قد أغلقت أبوابها بدءًا من عام 1990، بينما تم إغلاق 60 شركة في قطاع الملابس خلال الفترة من 1992 إلي 1994 (Government of Zimbabwe 1991 - 1996, Reserve Bank 1995). ونجم عن تحرير التجارة عدد من الآثار السلبية. فقد أدي أولا إلي نزيف النقد الأجنبي نظرًا لاندفاع المستوردين نحو استيراد السلع الاستهلاكية الكمالية. وقد نشأ هذا الطلب المتزايد علي النقد الأجنبي قبل أن يتمكن الاقتصاد من تطوير قدرته علي اكتساب النقد الأجنبي من خلال زيادة الصادرات، ومن ثم فقد نشأت مشكلة خلل ميزان المدفوعات، ثانيا، أدي تحرير التجارة إلي زيادة الواردات دون زيادة مصاحبة في الصادرات، فبينما ارتفعت الصادرات بنسبة 5% خلال السنوات الخمس الأولي من الإصلاح، زادت الواردات أكثر من الضعف، ونتيجة لذلك تحول الفائض التجاري وقدره 203 مليون دولار أمريكي عام 1989 إلي عجز قدره 389 مليونًا عام 1990 ثم 560 مليونًا عام 1991. وخلال فترة تطبيق برنامج التكيف ارتفعت الصادرات بمعدل سنوي 6% بينما ارتفعت الواردات بمعدل 11%. (Gibbon 1995). ثالثًا، نتج عن تدفق الواردات الرخيصة إلي البلاد قبل أن يتمكن المنتجون المحليون من تجديد جهازهم الإنتاجي وإعداده للمنافسة، أن تراجعت القدرة الإنتاجية والتصديرية للإنتاج المحلي وتزايد إفلاس الشركات وفقدان فرص العمل. وهكذا فقد أدي الفشل في زيادة حجم وقيمة الصادرات إلي تقليص مشاركة البلاد في السوق العالمية وتقويض سياسة اللبرلة أو التحرير نفسها والتي تعتبر صلب برنامج التكيف الهيكلي الاقتصادي. ولم يتحقق الهدف المخطط له بتخفيض العجز الحكومي إلي نسبة 5% مع نهاية السنة المالية 1994 ـ 1995، حيث بلغ العجز 13.5% من الناتج المحلي الإجمالي. وكان من المتصور تحقيق هذا الخفض من خلال تقليل عدد العاملين في جهاز الخدمة المدنية، وإنهاء أو تقليص دعم السلع والخدمات الاجتماعية، والإصلاح الضريبي، وإصلاح القطاع العام. وغير أن تخفيضات الإتفاق الحكومي، وإنهاء التحكم في الأسعار والنقد الأجنبي، والتخلص من الدعم، تركت أثرًا سلبيًا علي الفقراء. فقد نتج عن تحرير التعامل في النقد الأجنبي الاندفاع في استيراد السلع تامة الصنع ـ والكمالية أساسًا ـ والتي يستهلكها الأغنياء، بينما أصبح من العسير علي المنتجين المحليين الحصول علي المدخلات المستوردة الضرورية لإنتاجهم، الأمر الذي أضر بقدرتهم علي الاستمرار وخلق فرص العمل. والأكثر أهمية هو أن إنهاء الضوابط في سوق العمل قد أضعف القوه التفاوضية للعمال في مواجهة عمليات التسريح، وفي الحقيقة أن التعاقد الإجباري المبكر قد أصبح مشكلة اجتماعية في حد ذاته. أخيرًا، أدي عدم وفاء المانحين بتقديم الأرصده الكافية لدعم التكيف في الوقت المناسب إلي إجبار الحكومة علي الإغراق في الاستدانة من السوق المحلية ورفع معدلات الفائدة، ومن ثم التضخم. وقد اعترف محافظ بنك الاحتياطي في أبريل عام 1994 بأن الديون المرتبطة بالإصلاح قد جعلت من زيمبابوي واحدة من الدول الأكثر استدانة في أفريقيا، حيث أصبح الدين يمثل 217% من عوائد الصادرات (Economic Intelligence Unit 1994: 11) . ورغم خفض قيمة دولار زيمبابوي فإن هذا لم يعط النتائج المتوقعة في مجال التصدير. وبدلاً من ذلك أدي إلي زيادة تكلفة السلع المستوردة، وخاصة السلع الرأسمالية والوسيطة، وكذلك زيادة تكلفة ال سلع المنتجة محليًا. كما أدي المعدل المرتفع للتضخم إلي تقليل القدرة التنافسية للصادرات. ويتجلي الأداء السييء للاقتصاد من خلال بعض الإحصاءات المختارة لهذه الفترة. فخلال السنوات الخمس (1991 ـ 1995) كان متوسط معدل النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي حوالي 1% بينما كان المستهدف هو معدل 5%، وارتفع دين الحكومة المركزية من 11.3 بمليون دولار زيمبابوي عام 1990 إلي 41.3 بليونًا عام 1995 وحيث مثلت مدفوعات فوائد الديون 22% من إجمالي ميزانية 1995 ـ 1996. والأخطر من هذا أن نسبة الإنفاق العام إلي إجمالي الناتج المحلي قد انخفضت من 43% عام 1990 ـ 1991 إلي 41% عام 1995 ـ 1996. ونتيجة لهذا انخفض الإنفاق علي الصحة من 3.1% من الناتج المحلي الإجمالي إلي 2.1% في نفس الفترة، كما انخفض مجموع الإنفاق علي الصحة والتعليم من 7.4% إلي 5.4%. فتراجعت حصة الإنفاق علي التعليم من الميزانية الكلية بنسبة 30%، بينما انخفض حصة الصحة من 18% إلي 15%(Government of Zimbabwe 1996). لقد فشل برنامج التكيف في القيام بمهمتة الرئيسية، وهي زيادة النمو وتقليل الفقر. ففي عام 1995 اعترفت الحكومة بأن "الفقر الذي يمثل العدو النهائي والأكبر للشعب لايزال يضرب الكثيرين جدًا من أبناء زيمبابوي الذين لايملكون الموارد ولا الفرص اللازمة لبناء حياة أفضل لهم ولأطفالهم" (Government of Zimbabwe 1996). إذ تدهورت مستويات المعيشة بشكل حاد من جراء الأداء السييء للاقتصاد الكلي، وفقد الآلاف وظائفهم، وتراجع نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي من 2247 دولار زيمبابوي عام 1991 إلي 1925 دولار زيمبابوي عام 1996. وقد كشفت دراسة أجريت عام 1993 في ضاحية "كمبوزوما" كثيفة السكان كيف اضطرت الأسر إلي إجراء خفض حاد في مشترياتهم من الطعام بسبب التخلف الشديد لمستويات الأجور عن الارتفاع الكبير في تكلفة المعيشة. كذلك بينت دراستان أجريتا في ضاحية "تافارا" و "زيفارسيكو" كثيفتي السكان، أن متوسط دخل الأسر المعيشية كان أقل بكثير من خط الفقر الحضري الوطني المحدد في 1511.77 دولار زيمبابوي (Balleis 1992, Matshalaga 1993). كما انخفضت بشكل مؤثر إمكانيات الحصول علي خدمات الصحة والتعليم والإسكان والغذاء. فيقول مؤتمر نقابات عمال زيمبابوي عام 1996 أن العمال - في المتوسط - قد أصبحوا أكثر فقرًا بنسبة 38% عن عام 1980 و40% عن عام 1990. وقد كان أكثر المتضررين من حيث مستويات المعيشة هم العمال في جهازالخدمة المدنية حيث كان مستواهم المعيشي (ـ 65%) من مستويات ،1980 وعمال المنازل (ـ 62%) وعمال البناء (ـ 56%)، والمدرسون (ـ 50%) وعمال المناجم (ـ 20%)، والعاملون في الصناعات التحويلية (ـ 19%) (ZCTU 1996: 14) وقد كان التضخم ومعدلات الفائدة المرتفعة بمثابة العاملين الرئيسيين اللذين أضرا بالنمو الاقتصادي ومستويات المعيشة. لقد تأخر كثيرًا إجراء الإصلاحات علي كل من جهاز الخدمة العامة والقطاع العام، ولهذا فإن تنفيذها لم يكن يسيرًا في الممارسة. فلم يتحقق الهدف الخاص بتقاعد 25% من إجمالي العاملين في جهاز الخدمة المدنية، ولم تبدأ خصخصة المشروعات العامة حتي منتصف 1994 وحيث تمت تتجرة ثلاثة مشروعات فقط كمقدمة للخصخصة الكاملة. وفي الوقت نفسه واصل العجز في التزايد في مشروعات القطاع العام، مما اضطر الحكومة إلي اللجوء إلي مزيد من الاستدانة من السوق النقدية المحلية لتمويل هذا العجز. أما المجالات الوحيدة التي حقق الإصلاح تقدمًا فيها فهي تحرير التجارة والتنظيمات المحلية والسياسة النقدية والقطاع المالي. وكما أوضحنا سلفًا، ثبت خطأ تنبؤات البنك الدولي، حيث أدي الاقتصاد أداء سيئًا في ظل برنامج التكيف، كما تم الافتئات علي المكاسب الاجتماعية التي تحققت في الثمانينيات. وبعد النتائج البائسة لبرنامج التكيف، جاءت المرحلة الثانية من الإصلاح ممثلة في "برنامج زيمبابوي للتحول الاقتصادي والاجتماعي"، والذي صمم أساسًا لمواجهة المهام التي فشل في تحقيقها برنامج التكيف الهيكلي الاقتصادي، وخاصة مشكلة الفقر. وقد تبين من دراسة ميدانية لتقدير الفقر أجريت عام 1995 أن 62% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، وحيث يمثل الفقراء 72% من سكان الريف و 46% من سكان الحضر (Government of Zimbabwe 1995). وقد وضع برنامج التحول من ضمن أهدافه تحقيق معدلات كافية ومستدامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، لتقليص الفقر وبناء الأسس التي تمكن مواطنى زيمبابوي من "الحصول علي حياة أفضل لهم ولأطفالهم" (Government of Zimbabwe 1996). وهكذا فإن الهدف الرئيسي لبرنامج التحول كان هو نفسه الذي عبرت عنه سياسة "النمو والمساواة" عام 1981 والتي حاولت تحقيق "معدل نمو عال ومستدام وتنمية سريعة من أجل رفع الدخول ومستويات المعيشة"، وكذلك "توسيع الأنشطة الإنتاجية لخلق فرص العمل لفلاحي الريف وعمال الحضر" Government of) (Zimbabwe 1981). ومن أجل تحقيق هذا الهدف طمح برنامج التحول في تحقيق معدل نمو قدره 6% سنويًا في الناتج المحلي الإجمالي، وخلق 42 ألف فرصة عمل جديده سنويًا في القطاع الرسمي، وزيادة معدل نمو نصيب الفرد من الدخل القومي إلي 3.4% سنويًا، ومن الاستهلاك إلي 4.4% سنويًا. وتطلب تحقيق هذه الأهداف خفض عجز الموازنة العامة ليصبح 5% من إجمالي الناتج المحلي بدلاً من 10% وخفض معدل التضخم إلي أقل من 10%، وزيادة الادخار والاستثمار، وتنمية الصادرات بنسبة 9% في السنة (Government of Zimbabwe 1995) . فقد كان من المتوقع أن يؤدي النمو الاقتصادي إلي توفير فرص العمل. وقد قالت وثيقة برنامج التحول وبوضوح أنه "لا يمكن النجاح في تحسين الشروط الاجتماعية والاقتصادية لشعب زيمبابوي بدون حدوث توسع سريع في فرص التوظيف" (ibid). ولا شك أن هدف خلق 42 ألف فرصة عمل لايتسق مع حقيقة أن فرص العمل الجديدة عام 1995 بلغت 34100 وظيفة، و 32600 وظيفة عام 1996، ومع هذا يجب النظر إلي هذه الأرقام المتواضعة في سياق حقيقة أن ما يزيد علي ثلاثمائة ألف من الخريجين والمتسربين من التعليم ينضمون إلي سوق العمل سنويًا، وكذلك في سياق المعدلات المرتفعة لحالات إفلاس الشركات وكذلك فقدان الوظائف في فترة برنامج التكيف. لقد ظل برنامج التكيف يحاول عبثًا تحقيق أهدافه لمدة خمس سنوات، حتي كشف النقاب رسميًا عن برنامج التحول في مطلع عام 1998 والذي وضع الأمل في تحقيق أهدافه خلال ثلاث سنوات (1998 ـ 2000). وحينما اقترب البرنامج من نهايته اتضح بجلاء أن الاقتصاد لم يبرأ من الكوارث التي تسبب فيها برنامج التكيف كما أصبح الفقر متوطنًا. فمن الناحية الإحصائية كانت الصورة عام 2000 أسوأ مما كانت عليه إبان فترة برنامج التكيف. فلم يزد متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي إلا بحوالي 1% مما كان عليه أثناء فترة برنامج التكيف (1991 ـ 1995)، حيث سجل 3.9% عام ،1996، صفر% عام 1997، 1.6% عام 1998 كما كان المعدل المتوقع لعام 1999 هو 1.2%. وهو ما يمثل أقل كثيراً من معدل 6% المذكور في برنامج التحول (1998 ـ 2000). كما زاد معدل التضخم، خاصة في الفترة منذ ديسمبر 1998، حيث بلغ 44.6%، ليصل إلي الذروة في أكتوبر 1999 حيث وصل إلي 70.4%. وأخفقت الحكومة في خفض نفقاتها، وداومت علي تمويلها بالافتراض من السوق المحلية وطبع النقود، فارتفع الدين العام المحلي إلي 55،8 بليون دولار زيمبابوي، أي 98% من الناتج المحلي الإجمالي. ووصلت البطالة إلي حوالي 60% من قوة العمل، وتناقص نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من 635 دولار أمريكي عام 1994 إلي 413 دولار أمريكي عام 1999 (Government of Zimbabwe 1995 - 2000). والخلاصة أن الاقتصاد أصبح مأزومًا. لهذا يمكن الاستنتاج مما سبق أن الإصلاحات الاقتصادية قد أخفقت إخفاقًا عظيمًا في حفز النمو والتنمية في زيمبابوي، وصحب هذا الفشل تفاقم مشكلات اجتماعية كبري. ويؤكد فشل عمليات الإصلاح في زيمبابوي وغيرها الاستنتاج القائل بأن اقتصاد السوق والنمو الاقتصادي أساسيان، ولكنهما لايوفران الشروط الضرورية لتحقيق التنمية البشرية المستدامة ولا لتقليل الفقر. وفي ظل هذا السياق يصبح ممكنا تحليل آفاق زيمبابوي في عصر العولمة واللبرلة، وخاصة فيما يتصل بقدرتها علي تذليل مشكلة الفقر.

4- العولمة ومعضلة الأبعاد الاجتماعية في زيمبابوي حينما أدخلت الإصلاحات الاقتصادية عام 1990 تم التشديد علي موضوعين أساسيين هما النمو الاقتصادي وتقليص الفقر. كما كانت الحكومة علي دراية بالآثار السلبية للتكيف علي المجتمع، وبالأخص علي الفقراء، حيث أقرت الحكومة بأن "المشكلات الاجتماعية ـ وخاصة وسط الفئات المنكشفة في المجتمع مثل الفقراء والعاطلين ـ عادة ما تصاحب تطبيق برامج التكيف الهيكلي. فمع تحديد قوي السوق لمستويات الأسعار، لابد وأن يؤدي هذا علي المدي القريب إلي زياده الأسعار لتصبح خارج إمكانيات الفقراء، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية" (Government of Zimbabwe 1990). ومع هذا جري التأكيد علي الطابع الانتقالي لهذه التكاليف الاجتماعية، حيث وردت العبارة التالية المناقضة: "من المتوقع أن يؤدي برنامج التكيف في مجمله إلي تحسين الرفاه الاجتماعي. فستكون آثاره علي التوظيف إيجابية، كما أن الجماعات المحرومة منذ عهود طويلة سوف تحصل ـ في الأمد الطويل ـ علي فرص أكبر لتحسين مستويات دخولها ومعيشتها" (Government of Zimbabwe 1990). وساد توقع أن الآثار السلبية الممكنة للتكيف سوف تنبع من تأثيره علي كل من التوظيف والتضخم وإدخال تدابير استرداد التكاليف في خدمات الصحة والتعليم. وكما رأينا في كل من برنامجي الإصلاح، انكمشت فرص التوظيف بسبب الأداء السييء للاقتصاد، وارتفاع التضخم إلي مستويات منذرة، بينما تقلص بشكل حاد تمويل الدولة لخدمات الصحة والتعليم، وذلك في إطار الاندفاع نحو خفض نفقات الدولة لتقليل عجز الميزانية. وقد نشأت التكاليف الاجتماعية للتكيف أساسا من الفشل في إنجاز أهداف الإصلاحات علي مستوي الاقتصاد الكلي. هـــذا وقد فشل كل من برنامجي التكيف (1991 ـ 1995) والتحول (1997 ـ 2000) في تحقيق أهداف التثبيت الاقتصادي والنمو وتقليص الفقر. وقد أدي تدهور الاقتصاد إبان فترة الإصلاح إلي التأثير السلبي علي الإنفاق الحكومي، وبخاصة في القطاعات الاجتماعية، إلي جانب فقدان فرص العمل وارتفاع معدلات الفائدة والتضخم. وهو ما أضر جميعًا بدخول الأغلبية. ومع انهيار الدخول الفردية انخفض الطلب المحلي، الأمر الذي أضر بالانتاج والمنتجين المحليين. وكان فقراء الحضر هم الأكثر تضررًا من الأعباء الاجتماعية للإصلاح، وذلك نتيجة فقدان الوظائف، وانخفاض الأجور الحقيقية، وارتفاع أسعار السلع والاحتياجات الضرورية، وانكماش الاستثمارات في قطاعي الصحة والتعليم، فضلا عن فرض رسوم جديدة علي الخدمات (UNDP 1994,1999) . وقد أدي هذا كله إلي تآكل الكثير من مكتسبات التنمية الاجتماعية التي تحققت في الثمانينيات، وخاصة فيما يتعلق بإدخال رسوم الخدمات. لقد احتوي كل من برنامجى الإصلاح المذكورين علي خطة للتخفيف من الأعباء الاجتماعية للتكيف الهيكلي. ففي إطار برنامج التكيف الهيكلي الاقتصادي وضعت الحكومة برنامجًا جانبيًا للأبعاد الاجتماعية للتكيف، وتم تمويله من صندوق الأبعاد الاجتماعية بهدف "حماية الجماعات المنكشفة والمجتمعات المحلية الفقيرة من الآثار السلبية لبرنامج الإصلاح". وقد تضمن برنامج الأبعاد الاجتماعية للتكيف مكونين، هما برنامج الرعاية الاجتماعية، وبرنامج التشغيل والتدريب. ونظرًا لأن برنامج الأبعاد الاجتماعية قد حصل علي تمويل ضعيف منذ البداية قدره 20.7 مليون دولار زيمبابوي، فقد عجز عن الوفاء بمهمة دفع الرسوم التعليمية والعلاجية للفئات الفقيرة والمنكشفة، وارتفعت ميزانية البرنامج إلي 150مليون دولار زيمبابوي في السنة المالية 93 ـ 1994 لكنها انخفضت في السنة التالية إلي 100 مليون دولار زيمبابوي، لتصل إلي 50 مليون دولار زيمبابوي عام 95 ـ 1996. وكان الهدف من برنامج الرعاية الاجتماعية هو تعويض الفقراء عن الرسوم المدفوعه في مجالي التعليم والصحة، وعن إلغاء الدعم عن الأغذية. واستهدف هذا البرنامج دفع مقابل للإعفاءات من الرسوم المدرسية والتكاليف العلاجية للأسر المعيشية التي تقل مداخيلها عن 400 دولار زيمبابوي في الشهر، ودفع منحة غذائية قدرها 4 دولارات زيمبابوية شهريا للأسر المعيشية التي يقل مدخولها عن 200 دولار زيمبابوي في الشهر. أما برنامج التشغيل والتدريب فقد وضع لتدريب ومساعدة العاملين المتقاعدين نتيجة تطبيق الإصلاحات، ولتزويدهم بمهارات جديدة قابلة للتسويق (Government of Zimbabwe 1990). ولكن المشكلة كانت - كما أوضحنا سابقًا ـ أن فرص العمل الجديدة لم تكن كافية حتي أمام الوافدين الجدد علي سوق العمل. ولذا كان من الطموح المبالغ فيه توقع أن يجد العمال المسرحون فرص عمل جديدة في القطاع الرسمي بعد أن يعاد تدريبهم. وبعد أن أدركت الحكومة مدي ضعف برنامج الأبعاد الاجتماعية، طرحت عام 1994 "خطة العمل لتصفية الفقر"، وكان هدفها الرئيسي هو الحد من صور الفقر والبطالة، وذلك من خلال تدخلات موجهة نحو الفقراء الذين يشكلون 45% من السكان (Government of Zimbabwe 1995). وقد وضعت هذه الخطة لتطوير الموارد البشرية، وتمكين السكان اقتصاديًا من خلال أساليب المشاركة في العمل، إلي جانب استعادة استقرار الاقتصاد الوطني وتحقيق معدل نمو مرتفع. غير أن الواقع قد كشف عن عدم قدرة كل شبكات الأمان الاجتماعي على العمل، ويرجع هذا بشكل أساسي إلي حقيقة النقص الفادح في الموارد المخصصة لها، إلي جانب سوء إدارتها. ومن ثم فهي لم تفد الفقراء عمليًا، حيث ازدادت أوضاعهم سوءًا. فإلي جانب نقص أعداد السكان الذي يعودون العيادات والمستشفيات حدث ارتفاع كبير في معدلات التسرب من المدارس. ففي عام 1997 وحده تسرب من العملية التعليمية 237 ألف تلميذ بسبب عدم القدرة علي سداد المصاريف المدرسية. وفي هذا الصدد يقول "لينوك": "علي النقيض من مزاعم البنك الدولي لم يستطع الإنفاق الاجتماعي في زيمبابوي حماية الفقراء من براثن التكيف.. فقد وقع العبء الأكبر للتكيف علي عاتق الفقراء، سواء من حيث تناقص الدخول الفعلية أو تراجع فرص النفاذ إلي خدمات الصحة والتعليم" (Lennock 1994). إن تحرير التجارة وارتفاع معدلات التضخم والفائدة قد عملاً معًا لصالح الأغنياء الذين يمكنهم الحصول علي الكماليات المستوردة، ناهيك عن المنتجات المحلية. فيقدر أن شريحة الـ 10% العليا من السكان تستهلك 34% من كل السلع والخدمات بينما شريحة الـ 10% الدنيا تستهلك 3% فقط (UNDP 1999: 12 - 14). وهو انعكاس واضح للتفاوت الاجتماعي المتنامي، وقد دعا هذا أحد المعلقين إلي القول بأنه ".. بمراجعة الأدبيات الكثيرة التي كتبت حول برنامج التكيف الهيكلي الاقتصادي والجدل المثار حول آثاره علي الجماعات المختلفة، ينشأ شعور بأن هذا البرنامج قد تسبب حتي اليوم في آلام كثيرة، ولم ينتج إلا مكاسب قليلة" (Mhone 1995: 108).

5 -ختام يعد من المفاهيم الرئيسية في العولمة واللبرلة: زيادة وتحسين القدرة الإنتاجية والتوزيعية بالاستفادة من الفرص المتوفرة في السوق العالمية. وقد بينت هذه الدراسة عن زيمبابوي أن الفقراء بدلا من أن يقطفوا ثمار العولمة أصبحوا ضحاياها الأول. كما أوضحت الدراسة فشل استراتيجية التكيف الهيكلي في تطوير القدرة الإنتاجية للاقتصاد، وأنها علي العكس من هذا قد دمرت فرص تحقيق مشاركة كاملة في المنظومة العالمية للتوزيع، ومن ثم تفاقم مشكلة عدم توازن ميزان المدفوعات. وفي الوقت نفسه أدي ذلك الفشل إلي خلق مشكلات اجتماعية كبيرة مثل تناقص فرص العمل وتدهور دخول ومستوي معيشة ونفاذ الفقراء إلي خدمات الصحة والتعليم، وخاصة وسط القطاعات الأكثر فقرًا في المجتمع. وهو ما يؤكد الاستنتاج الذي توصلت إليه منظمة "أوكسفام" بأن "الممارسة تكشف أن أعباء التكيف مازالت ملقاة علي عاتق القطاعات الأكثر انكشافًا في المجتمع. وأكثر من ذلك، هناك القليل من الشواهد علي صحة الادعاء بأن سياسات التكيف تخلق الإطاار اللازم لتحقيق نمو متوازن وتقليص الفقر. فقد أثبتت تجارب بلدان كثيرة علي أن تلك السياسات قد أدت إلي العكس تمامًا" (Watkins 1995: 108). وفي ضوء كل ما سبق تتضح الحاجة إلي مراجعة كل جدول أعمال الليبرالية الجديدة، وبالذات برنامج التكيف الهيكلي الذي يزعم تحقيق التوازن علي مستوي الاقتصاد الكلي مع "إنهاء دور الدولة". ويتضح من دراسة تجربة زيمبابوي استحاله تحقيق التوازن علي مستوي الاقتصاد الكلي دون تجديد القاعدة الإنتاجية للاقتصاد، وإنهاء التضخم وإفقار الأغلبية، ولا يمكن للسوق والقطاع الخاص أن يضمنا عدالة توزيع الموارد والدخول، كما أنهما لا يكترثان بتوفير خدمات اجتماعية رخيصة في مجالات الصحة والتعليم والإسكان..إلخ. وهكذا يجب ترك المجال مفتوحًا أمام الدولة لتوفير هذه الخدمات، إذا أردنا المضي قدمًا وحقيقة في طريق تقليل الفقر.





المـراجــع

Adepoju, A, 1996. Population, poverty, structural adjustment programmes and quality of life in Sub-Saharan Africa. PHRDA Research Paper, no. 1. Balleis, P. 1992. Social costs ofESAP in Zimbabwe and the ethical dimension of a free market-based economy. In On the road to a market-based economy, pp. 63-64. Proceedings of a conference held in Harare, Zimbabwe, 3-5 November. Harare: Konrad Adeneur-Stiftung and SAFER. Danish Ministry of Foreign Affairs. 1995. Structural Adjustment in Africa: A Survey of the Experience. Copenhagen: Ministry of Foreign Affairs. ___. 1996. Evaluation of poverty reduction in Danish development assistance: A country study, Zimbabwe. Vol. 1. Copenhagen: Ministry of Foreign Affairs and SAFER. Harare: Konrad Adenuer-Stiftung. Economist Intelligence Unit. 1994. Zimbabwe country report. London: EIU. Government of Zimbabwe. 1981. Growth with Equity: An Economic Policy Statement. Harare: Government Printer. ___. 983. Transitional National Development Plan, 1982/83-1984/85. Harare: Government Printer. ___. 1986. First Five-Year National Development Plan, 1985-1990. Harare: Government Printer. ___. 1990. Budget statement, 1991-1996. Harare: Government Printer. Gibbon, P. 1995. Structural adjustment and the working poor in Zimbabwe. Uppsala: Nordiska Afrikainstitutet. Hanlon, S. 1986. Beggar your neighbours: Apartheid power in Southern Africa. Bloomington: Indiana University Press. Kadhani, X. 1986. The economy: Issues and prospects. In Zimbabwe: The political economy of transition 1980-1986, edited by I. Mandaza, 99-122. Dakar: CODESRIA. Lennock, J. 1994. Paying for health: Poverty and Structural Adjustment in Zimbabwe. Oxford: Oxfam. Matshalaga, N. 1993a. The Gender dimensions of urban poverty: The case cf D:ivaresekwa. Harare: Institute of Development Studies. ___. 1993b. The gender dimensions of urban poverty: The case of Tafara. Harare: Institute of Development Studies. Mhone, G. 1995. The social dimensions of adjustment in Zimbabwe: A critical review and assessment. European Journal of Development Research 7, no. 1 (June): 105-110. Miambo, N. 1991. The costs of re-opening Zimbabwe's trade routes through Mozambique. BA thesis, Economic History Department, University of Zimbabwe, Harare. Rao, C. P. 1998. Globalization, privatization and free market economy. Westport, Conn: Quorum Books. Reserve Bank of Zimbabwe. 1995. Quarterly Economic and Statistical Review 3, no. (March): 6; vol. 3, no 12 (December): 7-8. UNDP. 1990. Human Development Report. New York: UNDP. __. 1998. Human Development Report, Zimbabwe. Harare: UNDP. __. 1999. Human Development Report, Zimbabwe. Harare: UNDP. _. 1994. Human Development Report. New York: UNDP. UNESCO. 1987. Proceedings of the General Conference, Twenty-Fourth Session. Paris: UNESCO. __. 1994. The sate of the world's children. Oxford: UNICEF. Watkins,K, 1995. The Oxfam poverty report. Oxford: Oxfam. World Bank. 1992. Zimbabwe: Financing health services. Washington, D.C.: World Bank. _. 1997. Global economic prospects and the developing countries. Washington, D.C.: World Bank. _. 1994. Adjustment in Africa: Reforms, results and the road ahead. New Yor fcOUP. ZCTU. 1996. Beyond ESAP. Harare: ZCTU.
























الفصل التاسع

الأبعاد العالمية للتجارة عبر الحدود الصومالية



















الأبعاد العالمية للتجارة عبر الحدود الصومالية



بقلم: بيتر دي ليتل قسم الأنثروبولوجي ا ـ جامعة كنتكي ـ الولايات المتحدة ترجمة: مصطفى مجدى الجمال

1- مقـدمـة يناقش هذا الفصل أهمية ومغزي التجارة عبر الحدود في الصومال، وهي المنطقة التي لا تعرف سوي القليل من الضوابط (1). وتغطي الأسواق الحدودية المذكورة في هذه الدراسة ثلاث مناطق ذات إمكانيات مختلفة في الماشية والإنتاج الزراعي. وهي أولاَ منطقة حدود الصومال الجنوبية مع كينيا، والتي تتصف أساسًا بتصدير رؤوس الماشية إلي مناطق بعيدة في كينيا، وخاصة سوق العاصمة "نيروبي". والمنطقة الحدودية الثانية هي منطقة الحدود الإثيوبية الشرقية مع الصومال الأوسط والتي تتركز تجارتها في رؤوس الماشية والحبوب مع "أرض الصومال" رؤوس الماشية بأعداد أقل واستيراد السلع الغذائية والاستهلاكية. ويوجد في المناطق الحدودية أوبالقرب منها رؤوس أموال هائلة في صورة قطعان الماشية. ففي حالة جنوب الصومال (بالقرب من الحدود الكينية) يوجد عدد من رؤوس الماشية فاق السبعمائة ألف رأس في بعض السنوات، وربما كان هذا هو العدد الأكبر في القرن الأفريقي. وسوف تساعد نتائج الدراسة في وضع أسس التعميمات الإقليمية المقارنة، وفي تقدير كيف يتم تسعير الماشية عبر مختلف الأسواق الحدودية في القرن الأفريقي. كما تقدم براهين عملية دالة علي أهمية التجارة عبر الحدود بالنسبة لسكان الإقليم الحدودي وللمستهلكين والمنتجين الذين يوجدون علي بعد بضعة مئات من الكيلو مترات من الحدود. 2 -القنوات السوقية عبر الحدود نقدم في هذا الجزء بيانات عن السوق في المواقع الحدودية الثلاث التي تغطيها الدراسة في الصومال (بما فيها "أرض الصومال")، وهي: حدود جنوب الصومال مع شمال شرقي كينيا، وحدود الصومال الأوسط مع شرق إثيوبيا، وحدود "أرض الصومال" مع شرق إثيوبيا. وتمثل البيانات المجموعة عن القنوات السوقية عن المنطقة الأولي صلب هذا القسم. وقد جمعت بيانات الدراسة علي مدي ثمانية أشهر في فصول الصيف بأعدام 1996 ،1998، 1999. كما جمعت البيانات الثانوية، وتم تحليل اجمالي البيانات في يناير 1999 وأغسطس ـ سبتمبر 1999. ولما كان الباحث قد سبق له إجراء بحث للتجارة العابرة للحدود في أواخر الثمانينيات وقبل انهيار الدولة الصومالية، فقد كان بإمكانه ملاحظة التغيرات التي طرأت علي هذه التجارة بعد عشر سنوات وأكثر. وقد اتصفت الفترة 1996 ـ 1999 بانخفاض نسبي في تضخم الأسعار، حتي أن تكاليف النقل (بالشاحنات مثلاً) والأسعار لم تتغير كثيرًا خلال هذه السنوات، فيما عدا بعض الاستثناءات القليلة. وقد قام الباحث خلال الفترة 1996 ـ 1998 بإجراء مقابلات مقننة مع 94 تاجرًا في سوقين حدوديتين رئيسيتن هما: "جاريسا" و "مويالي"، وفي "إسيولو" وهي سوق ترانزيت هامة للتجارة، وفي سوقين استهلاكيتين رئيسيتين في كينيا هما "نيروبي" و"مومباسا". وتعتبر سوق "نيروبي" هي المستقبل النهائي لأكثر من 75% من رؤوس الماشية التي تمر عبر المراكز الحدودية الكينية. ونظرًا لصعوبة فهم شبكات التجار وعلاقات التمويل غير الرسمي من خلال المقابلات المقننة وحدها، فقد عقد الباحث 25 مقابلة حرة مع تجار يقيمون في كينيا. كما يحتوي هذا الفصل علي تحليل للبيانات السوقية التي تجمعها أسبوعيًا شبكة من المنظمات غير الحكومية الناشطة في الصومال الجنوبي تحت إشراف مشروع "منظومات الإنذار المبكر بالمجاعة"FEWS الذي تموله "هيئة التنمية الدولية للولايات المتحدة"USAID بالصومال وباسم جماعة متعددة الوكالات مسماة "وحدة تقييم الأمن الغذائي" FSAU في الصومال، وقد ظل هذا النظام في جمع البيانات مستمرًا حتي أغسطس ،1999 ولكن إخراج المنظمات غير الحكومية الجامعة للبيانات من المناطق الحدودية في أواخر عام 1998 قد أضر كثيرًا بجمع ودقة البيانات المجموعة عام 1999. وتعد هذه البيانات أساسية لفهم الاتجاهات السائدة في الاقتصاد وآثار عمليات السوق العالمية، وخاصة التجارة عبر الحدود بين الصومال وكينيا وإثيوبيا. وتغطي البيانات وبشكل خاص بعض الأسواق الحدودية الهامة في الصومال مثل "بولو هاو" و "بيليت ويني"، وكذلك سوق "توجواجالي" في إثيوبيا، وسوق "بوراما" في أرض الصومال، وتتعلق البيانات بسلع رئيسية مثل الماشية والحبوب والطحين والسكر والحليب.

3 - التجارة العابرة للحدود بين جنوب الصومال وشمال شرقي كينيا. تهيمن تجارة الماشية علي هذه القناة السوقية، حيث تصدر رؤوس الماشية من الصومال الجنوبي عبر الحدود إلي الأسواق الحضرية الكبيرة في كينيا. وعلي النقيض من المناطق الحدودية الأخري في إقليم القرن الأفريقي، تتصف الحدود الصومالية - الكينية ببعدها عن المناطق الزراعية الخصبة، ومن ثم كانت ضآلة حركة السلع الزراعية عبر هذه الحدود. وفي بعض الحالات تنقل كميات من الذرة ودقيق القمح من كينيا إلي الصومال حينما يوجد نقص في الغذاء أو عدم إمكانية إيصال المساعدات الغذائية إلي الصومال الجنوبي، وتنقل هذه الشحنات بكميات قليلة حيث تحمل فوق ظهر حمار أو يحملها تاجر معه في تاكسي، كما تنتقل الأقمشة والشاي والسكر بكميات صغيرة أيضًا من كينيا مع تجار الماشية العائدين منها إلي الصومال. وجدير بالذكر أن صغر الكميات المنقولة يرجع إلي الرغبة في تحاشي خطر المصادرة أو السرقة. كما تنقل كميات من "الميراه" (نبات مخدر خفيف) من "مانديرا" في كينيا إلي الصومال، ولكم معظم الكميات المنقولة من هذه السلعة تشحن بالنقل الجوي مباشرة من "نيروبي". ويوضح الجدول رقم (1) المنتجات الرئيسية التي يتم تبادلها بين الصومال وكينيا عبر هذه الحدود.




جدول رقم (1)

من كينيا إلى الصومال من الصومال إلى كينيا

  • "الميراه"
  • الذرة (كميات صغيرة)
  • دقيق القمح (كميات صغيرة)
  • الشاى
  • السكر *الماشية
  • السلع الالكترونية الاستهلاكية
  • الأقمشة

ويقال إن كميات كبيرة من السلع الإلكترونية تشحن من الصومال إلي كينيا، ولكن ربما لا يلاحظ هذا في الأسواق الحدودية بسبب نقلها ليلاً ومباشرة إلي الأسواق الحضرية الداخلية في كينيا. وقد احتلت المنتجات الكينية مكانة أكثر أهمية بكثير في تجارة الحدود خلال الثمانينات عما هو الحال الآن. فوقتها كان تجار الماشية يبيعون الشلنات الكينية التي يتحصلون عليها من هذه التجارة إلي مستوردين في الصومال الجنوبي يقومون بدورهم بشراء سلع استهلاكية كينية،(مثل الصابون والبطاريات الجافة والصنادل المطاطية والسكر والشاي..إلخ). غير أن نمط التجارة هذا قد تواري كثيرًا مع عام 1999 بسبب: (أ) زيادة عدم الأمان ومن ثم صعوبة الاتجار في السلع الاستهلاكية؛ (ب) إمكانية الحصول علي منتجات آسيوية (وخاصة صينية) من الأسواق الصومالية ذاتها. وقد تركزت تجارة الماشية في المنطقة الحدودية بالصومال الجنوبي قبل 1991 علي أربعة منافذ سوقية استوعبت حوالي 90% من مبيعات المنطقة، تمثل أولها في التجارة المحلية بالمنطقة والتي تركزت في "كيسمايو" و "جمامي" و "جليب" داخل الصومال. وقد توجهت هذه التجارة نحو إشباع الاستهلاك المحلي أو إعادة بناء القطعان المحلية، واشتملت علي الماشية والعجول والثيران الصغيرة (أقل من 4 سنوات) منخفضة السعر والنوعية. والسوق الثانية كانت السوق المحلية الوطنية الموجودة في "مقديشو" ـ كبري مدن الصومال ـ والتي كانت تجلب الحيوانات من المنطقة الحدودية. أما القناتان السوقيتان الثالثة والرابعة فقد وجدتا في "جوبا السفلي" وعملتا في الصادرات الخارجية. وفي إحداهما كانت الحيوانات تنقل وتباع "بشكل غير رسمي" عبر الحدود إلي الأسواق الكينية، وخاصة سوق "جاريسا"، وهي التجارة التي شكلت 25% من مبيعات الماشية. وتتسم هذه التجارة عبر الحدود مع كينيا بالموسمية، فأثناء فصل الجفاف (من يناير إلي مارس) لايتم نقل ماشية من "جوبا السفلي" إلي شمال شرقى كينيا. وتشتمل هذه التجارة علي الحيوانات الذكور والإناث متوسطة وعاليه النوعية والتي تستخدمها المجازر في المركز الحضرية الأساسية في كينيا، وكذلك لأغراض استكمال القطعان أو التربية في المزارع التجارية. وقد حازت هذه التجارة علي معظم صادرات الماشية منذ انهيار الحكومة وكذلك التجارة الصومالية فيما وراء البحار. وبالنسبة للسوق الرابعة، أي التصدير فيما وراء البحار، فقد كانت مختلفة تمامًا عن القنوات الثلاث السابقة، وخاصة من حيث الحجم الكبير للتجار والشركات الناشطين فيها. وقد اهتمت أساسًا بالتصدير إلي الشرق الأوسط. وقد توقفت هذه التجارة في الصومال الجنوبي بشكل كامل تقريبًا منذ عام 1991 علي الرغم من استمرار التصدير بكميات قليلة من "أرض الصومال" (الصومال الشمالي سابقًا). وتوضح الإحصائيات المأخوذة عن منظمة الأغذية والزراعة FAO تناقص صادرات رؤوس الماشية في الصومال من 115.600 ألف رأس عام 1981 إلي 20 ألف رأس عام 1991، وأخيرًا 970 رأسًا فقط عام 1998(Zaal and Polderman 2000:5). ولقد كان للحرب في الصومال الجنوبي آثار كبيرة علي أسواق الماشية بالمنطقة (Little 1996).فبينما كانت هناك أربع قنوات تسويقية قبل عام 1991، يبدو اليوم أن التجارة عبر الحدود أصبحت القناة الوحيدة التي سلمت من التخريب الهائل. بل إنها في الحقيقة قد نمت بدرجة كبيرة نتيجة لاستمرار الصراع في الصومال. ومازالت السوق المحلية الإقليمية موجودة في "جوبا السفلي" ولكن استمرار الصراع يؤدي إلي تحاشي أصحاب القطعان الذهاب إلي سوق "كيسمايو". ففي بعض الأوقات تنعزل "كيسمايو" فعليًا عن الأراضى الداخلية المنتجة للماشية كما يتفادي تجار هذه المناطق الذهاب إلي سوقها. وهي عزلة سببها الأساسي السياسة والعلاقات العشائرية في المنطقة، وخاصة التوترات بين عشيرة "الهارتي" (وبخاصة فرعي "الماجرتين" و "الدولبهانتي") في "كيسمايو" وبين عشائر "الاوجادين"، وأخيرًا بين "الماريهان" و "الهارتي" (Little 1992, 1996) وقد تفاقمت هذه العلاقات المتوترة من جراء تدخلات زعماء الأجنحة المتصارعة في الإقليم. ونتيجة لهذا المناخ المضطرب تضررت الأسواق وأسعار المواد الغذائية في "كيسمايو" أعظم الضرر، ففي بعض الشهور تصبح أسعار الضروريات المحلية ـ مثل لبن الإبل ـ أكثر من ثلاثة أضعاف سعرها في الأسواق الريفية القريبة من "كيسمايو". كما قفزت أسعار الماشية في المدينة قفزات هائلة بالمقارنة بأسعارها في الأسواق الأخري بالمنطقة الحدودية. وبعد أن كان 25% من التجار يشتركون في التصدير إلي ما وراء البحار، سواء كوسطاء أو كمصدرين بأنفسهم، في أواخر الثمانينيات، فقد أخبرنا 4% فقط من أفراد العينة التي أجرينا عليها الدراسة أنهم قد مارسوا أنشطة تصديرية خلال الفترة 1991 ـ 1998، غير أنهم قد مارسوا هذه الأنشطة من خلال ميناء "مومباسًا" (في كينيا) وليس من خلال أي ميناء صومالي. كذلك هبطت مكانه تجارة "مقديشو" في السوق الوطنية إلي مستويات منخفضة جدًا. وفي الماضي كانت "مقديشو" بمثابة منفذ هام للحصول علي الماشية المجلوبة من أماكن بعيدة مثل "جوبا السفلي"، وخاصة في الأوقات التي يقل فيها نشاط السوق الكينية. وفي الفترة 1987 ـ 1988 كانت أسعار "مقديشو" تزيد عن أسعار أسواق الصومال الجنوبي بنسب تتراوح بين 29% و 55%، ومن ثم لم تسجل أية حركة لتجارة المواشي من "مقديشو" وإقليم "شبيلي السفلي" إلي الأسواق الحدودية، فلم يكن من المعقول أن يتم هذا بسبب الميزه السعرية التي يوفرها سوق "مقديشو" فضلاً عن مكانتها كسوق كبيرة، غير أن الأمر اتخذ الآن اتجاها مقلوبًا، فيتم شحن الماشية من أقاليم "مقديشو" و "شبييلي السفلي" عبر مسافات طويلة (تزيد عن 450 كيلو متر في بعض الحالات) إلي الأسواق علي الحدود الكينية. كذلك تقلصت إلي حد كبير الميزات السعرية لسوق "مقديشو" عن الأسواق الصومالية الأخري، ومن ثم انهارات مكانتها كقنوات تجارية مجزية بفعل تفشي أعمال العنف في المدينة وهو ما أدي أيضًا إلي التوقف التام للأنشطة التصدية عبر المدينة وغيرها من المواني الموجودة بالمنطقة. فمثلما هو حال "كيسمايو" أدت الصراعات في "مقديشو" وحولها إلي إحباط التجارة مع المناطق المجاورة، وهو ما يفسر جزئيًا الاتجاهات السوقية غير المتوقعة في الفترة 1996 ـ 1998. وعلي الرغم من الأضرار التي لحقت بسوق الماشية في "مقديشو" من جراء أحداث 1991 وما بعدها، فإنه من الصعب تخمين مدي هذا الضرر بدقة مقارنة بالأسواق الصومالية الأخري. غير أن هناك مجموعتين مختلفتين من البيانات يمكن أن تساعدا في تقييم حجم هذه التغيرات. فأولاً يستنتج من البيانات المأخوذة من مقابلات الباحث مع التجار عامي 1996 و 1998 أن أسعار الماشية في "مقديشو" (بالدولارات) قد تلقت "ضربة" حادة منذ 1987 ـ 1988 خاصة مع تزايد التضخم، وطبقًا للبيانات المرصودة في الجدول رقم(2) أصبحت أسعار سوق "مقديشو" منخفضة عن أسعار سوق "أفمادو" وغيرها من أسواق المنطقة الحدودية (2) . وطبقًا لهذه البيانات ارتفعت الأسعار في الفترة من 87/1988 إلي 1996/1998 في جميع مراكز التسويق الحدودية (أفمادو، ببلاس كوكاني، ليبوي) بينما انخفضت فعليًا في "مقديشو" (بالدولار). فبالنسبة لبلدة "ليبوي" تضاعفت الأسعار بالدولار خلال الفترة المذكورة، وجاء ذلك انعكاسًا للنمو القوي في التجارة عبر الحدود مع كينيا. ولكن أسعار 1998 أظهرت انخفاضًا عن أسعار 1996، وهو نمط عام وجد وقتها في كينيا وسائر انحاء القرن الأفريقي (Teka et al. 1999).

جدول رقم (2) متوسط أسعار الماشية فى أسواق مختارة كيمسايو ليبوى (1) بيلاس لوكانى أفمادو مقديشو السنة 71 133 100 80 163 ؟ 78 83 154 94 128 117 121 99 110 87/1988(2) 1996 (3) 1998 (3) Source: Little 2000: 160. ملاحظات الجدول 1-تقع "ليبوي" علي الحدود الكينية الصومالية. 2-مبنية علي تحليل بيانات السوق المجموعة شهريًا بواسطة مشروع المعونة الأمريكية لتسويق وصحة الماشية وهي تغطي الفترة من يناير 1987 إلي فبراير 1988، رغم أن البيانات لم تكن متاحة عن كل سوق شهريًا. وكان معدل التبادل السائد هذه الفترة هو: الدولار الأمريكي = 120 شلن صومالي. 3-مبنية علي البيانات المجموعة من المقابلات مع 94 تاجرًا، وتغطي الفترة من مارس 1996 إلي يوليو 1996، ومن يونيو إلي أغسطس 1998، أما الماشية المشار إليها هنا فهي من الدرجة الثانية أي ذات النوعية المتوسطة (أبقار وثيران يزيد عمرها عن سبع سنوات). أما المجموعة الثانية من البيانات فهي مبنية علي معلومات مستقاة من مشروع أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة FEWS، ومن برنامج الغذاء العالمي WEP. وهي لا تختلف كثيرًا عن الصورة السابقة، حيث تكشف عن تقلص الميزة السعرية لسوق "مقديشو"، ولكنها لم تذهب إلي الحد الموضح في الجدول رقم (2). فهي توضح أنه في سنة واحدة علي الأقل من السنوات الثلاث (عام 1997) كانت أسعار الماشية في سوق "مقديشو" أعلي بقدر معقول عن أسعارها في أسواق مختارة أخري بالصومال الجنوبي، إلا أن الميزة السعرية الكبيرة في "مقديشو" (التي كان عدد سكانها مليون نسمة عام 1989) لم تتوضح في هذه المجموعة من البيانات. فبينما نجد أسعار الماشية في "مقديشو" في أحدث بيانات مشروع أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة أعلي منها في الجدول رقم (2)، إلا أنها تظل مع ذلك أقل من أسعار 87 - 1988 بالنسبة لمعظم أصناف الماشية. وهكذا فإن انهيار سوق "مقديشو" يعكس إلي حد كبير مشكلات السياسة الداخلية وما أدت إليه من عزل المدن عن بعضها البعض وعن المناطق الريفية. لقد كانت الحرب الأهلية واقعًا مفيداً لتجارة الماشية عبر الحدود وللتجار المتعاملين فيها. فالماشية سلعة تتسم بالقابلية للتجارة عبر الحدود حتي في أحوال الاضطراب الواسع وعدم الأمان. وهي سلعة متنقلة عالية القيمة علي الطرق وعبر الحدود، وهو النهج الذي دأب عليه الرعاة حتي بعد أن رسم المستعمرون الحدود لأول مرة. وهكذا تتصف الماشية بميزة لا توجد في معظم السلع الأخري بالإقليم، حيث تتطلب الأخيرة وجود وسائل نقل حتي يتم تسويقها. وتنعكس "الفوره" المشهودة في تجاره الماشية عبر الحدود مع كينيا، في الإحصائيات الخاصة بمنطقة "جاريسا" الحدودية الكينية، وكذلك في النتائج التي توصل إليها الباحث من المقابلات التي أجراها مع التجار. فقد تصاعدت قيمة مبيعات الماشية في "جاريسا" بنسبة 400% عن عام 1991، 600% عن عام 1989. ومن حيث عدد الرؤوس المبيعة فقد ارتفع من 24.395 ألف رأس عام 1989 إلي 100 ألف رأس عام 1998. ويعترف التجار الكينيون بأن هذه الزيادة الكبيره ترجع أساسًا إلي النمو الملحوظ في التجارة عبر الحدود مع الصومال. ففي أغلب السنوات شكلت واردات الماشية من الصومال ما بين 65% و 70% من إجمالي مبيعات الماشية في "جاريسا" (3) . ونتيجة لزيادة أحجام الماشية الصومالية المسوقة في "جاريسا"، زادت أهميتها جدًا في هذه السوق. وبناء علي الدراسة التي أجراها الباحث عامي 87/1988 توصلنا إلي تقدير أن ما بين 25 و 30 ألف رأس يتم تسويقها سنويًا عبر كل الحدود الصومالية ـ الكينية، وأن هذا الرقم كان يمثل حوالي 30% من أعداد الماشية المصدرة من الصومال. أما في عام 1998 فـإن الماشية المستوردة من الصومال قد مثلت حوالي 65% (أو 66 ألف رأس) من الماشية المبيعة في "جاريسا" بكينيا. أما فيما يتعلق بـ "مانديرا" (في كينيا) التي توجد بها سوق ماشية أقل حجمًا وأصغر من حيث البنية التحتية من "جاريسا" فإن حوالي 90% من الرؤوس المصدرة منها جاءت من الصومال، غير أن هذا الرقم يقدر بحوالي خمسة آلاف رأس فقط (أي أقل من 10% من العدد المبيع في "جاريسا"). وهناك سوق هامة أخري للماشية توجد في "واجير" بالقرب من الحدود الكينية ـ الصومالية ولكنه يستقبل سنويًا حوالي ألفي رأس فقط من الصومال. وباستبعاد رؤوس الماشية التي تدخل كينيا من خلال "هولوجو" (وتقع علي بعد 120كم جنوب شرق "جاريسا") أوعبر الساحل الكيني فإن حوالي 73 ألف رأس تأتي إليها من الصومال سنويًا وحيث تنتهي رحلة 75% من هذه الكمية للتسويق في سوق "نيروبي". وتعتبر سوق "جاريسا" المفتوحة هي أكبر مركز لتداول الماشية حاليًا في كينيا، باستثناء السوقين الحضريتين الحديثين في "نيروبي" و "مومباسا"، ومن ثم فهي أكبر سوق في مراعي البلاد. ففي عام 1998 وحدها ولدت سوق "جاريسا" 924.1 مليون شلن كينى (أي ما يعادل 15.3 مليون دولار) من صفقات بيع الماشية وحدها. وتمثل هذه الإيرادات السنوية رقمًا يمكن مضاهاته بالعائد الذي تحققه بعض المناطق الكينية الرئيسية المنتجة للبن وغيره من المحاصيل النقدية، غير أن هذه الظاهرة نادرًا ما تعترف بها التقارير الاقتصادية الرسمية في كينيا. إذ إن معظم التوجهات السياسية هناك تميل إلي التقليل أو إهمال أهمية القطاع الرعوي في الاقتصاد الوطني، نتيجة لسوء فهم هذا الدور، ولأنه لا يساهم كثيرًا في إمداد خزينة الدولة بالعملة الصعبة. هذا وقد لاحظنا سابقًا أن أسعار الماشية في الصومال تزيد عامة كلما اقتربنا من الحدود الكينية، وهو النمط نفسه الذي كان قائما حتي قبل عام 1991 (Little 1992)، ولكنه أخذ يتضاعف أكثر في السنوات الأخيرة. أما علي الجانب الكيني فإن الأسعار تزيد كلما اقتربنا من السوقين الرئيسيتين في "نيروبي" و "مومباسا". وقد يساعدنا في فهم هذا تقديم توضيح بسيط لإحدي قنوات التسويق الرئيسية، ألا وهي الخط التسويقي الذي يبدأ من "أفمادو" إلي "ليبوي"، ثم إلي "جاريسا"، وأخيرًا إلي "نيروبي". فتقل أسعار الماشية في "أفمادو" بنسبة 30% عن أسعار "ليبوس" (مستوطنة سكانية علي الحدود). أما علي الجانب الكيني فإن نمط الأسعار يأخذ الشكل المعاكس، إذ توجد أقل الأسعار علي الحدود وتزيد كلما انتقلنا إلي الداخل، وخاصة باتجاه "نيروبي" والمراكز الحضرية الأخري القريبة منها. وفي عام 1998 وجد أن أسعار "جاريسا" كانت أعلي من أسعار "أفمادو" في الصومال بنسبة تتراوح بين 45% و 65% بالنسبة لأنواع خاصة، كما كانت أعلي من أسعار "ليبوي" (علي الحدود) بحوالي 15%. وبالنسبة للمسافة بين "جاريسا" و"أفمادو" فهي 240 كيلومتر، أما المسافة بين "جاريسا" و "ليبوي" فهي 150 كيلومتر. ولكن في الحلقة الأخيرة من خط التسويق هذا يتم نقل الحيوانات بالشاحنات من "جاريسا" إلي "نيروبي" أو "مومباسا"، حيث تباع فيهما بأسعار تعادل مرتين ونصف أسعارها في "أفمادو". هذا وقد نمت الفروق السعرية بين أسواق الصومال وكينيا بنسبة 20% تقريبا، نظرًا لزيادة المخاطر، وزيادة تكلفة الإكراميات المدفوعة علي تجارة الماشية عبر الحدود، وفضلا عن خسارة منافذ التصدير إلي الخارج والتسويق المحلي في الصومال. وقد تضمنت التكاليف الإضافية أعباء جديدة (من 3% إلي 6%) مقابل تحويلات العملة (4)، بالإضافة إلي ارتفاع طفيف في تكاليف النقل بسبب الحاجة إلي حراس إضافيين لمصاحبة الحيوانات المنقولة. وتبدو مشكلة الأمن مرتبطة بشكل خاص بالمسافة بين "مقديشو" و "دنصور" وبين المناطق الواقعة علي الحدود مع كينيا أما علي الجانب الكيني فتتمثل المشكلة في المسافات بين "مانديرا" و "واجيرا" و "جاريسا". ورغم أن مستويات العنف في كينيا تعتبر أقل بكثير من الصومال، توجد مخاطر أمنية كبيرة في شمال شرقي كينيا علي وجه الخصوص، بيد أن مايثير الدهشة هو أن الفروق السعرية لم تعد تتزايد في ظل الظروف الحالية، وهي النقطة التي سنعالجها فيما بعد بشكل أكثر تفصيلا. يبين الجدول رقم(3) فروق الأسعار بين مختلف الأسواق الصومالية والكينية النشطة في تجارة الماشية عبر الحدود. وهي معلومات مبنية أساسًا علي المعلومات المشتقات من المقابلات مع التجار من أسعار مشتريات ومبيعات الماشية. وكما ذكرنا سابقًا فإن أسعار الماشية عام 1998 كانت أقل بشكل عام عن أسعارها عام 1996. ومع بدايات عام 1999 أخذت متوسطات الأسعار تتناقص بحوالي 10% أخري في كثير من الأسواق الحدودية. وجدير بالذكر أن أسعار الماشية تتسم بتباينات وتقلبات موسمية قوية حتي لتتراوح بين 50% و 60% خلال السنة الواحدة. ومع ذلك فإن أسعار الماشية في المناطق الحدودية قد أظهرت ـ وفقَا للبيانات المتاحة ـ تقلبًا أقل بكثير من أسعار الحبوب ومنتجاتها، والتي تحصل عليها معظم الأسواق الحدودية من الخارج، فهي بشكل عام مناطق تعاني من نقص كبير في الحبوب. إذ إن أسعار الدقيق والأرز يمكن أن تتغير بنسبة تصل إلي 250% خلال بضعة شهور في الأسواق التي تتسم بمخاطر عالية مثل "كسيمايو" أو "دنصور". فعلي العكس من تجارة الماشية التي يمكن أن تتحاشي الطرق والأسواق الرئيسية إبان الخطر، فإن تجارة السلع الغذائية يمكن إيقافها ببساطة من خلال المتاريس المقامة علي الطرق والنهب وبفعل الصراع المسلح. وتبين بيانات سوقية أخري عن الصومال الجنوبي أن أسعار الماشية المصدرة تكون أعلي بوجه عام في الأسواق الحدودية، ولكن هذا ينطبق أيضًا علي أسعار المنتجات الزراعية، وخصوصًا الأغذية المستوردة. فواردات الدقيق والأرز (التي تدخل البلد عادة عبر مواني قريبة من "مقديشو"، أو تأتي من كينيا) تبلغ أسعارًا أعلي بكثير بالقرب من الحدود الكينية من أسعارها في أسواق "مقديشو" ولما كانت المناطق الحدودية (بما فيها المناطق الكينية) تعاني بالأساس من نقص في جميع أنواع الغذاء وتتمتع في الوقت نفسه بفائض في رؤوس الماشية، فإن العلاقات السعرية بين الماشية المصدرة والمنتجات الزراعية غير متسقة. ويتلخص هذا في أن منتجي الماشية بالإقليم الحدودي يدفعون ثمنًا أكبر بكثير للحصول علي الغذاء (الذرة والأرز ودقيق القمح..)، ولكنهم يحصلون أيضًا علي أسعار عالية نسبيًا لماشيتهم (5). وتلعب "أفمادو" كمنطقة كبري لرعي الماشية دورًا بارزًا وبشكل خاص في التجارة عبر الحدود، حيث قدمت في الفترة 96 ـ 1998 حوالى ربع كميات الماشية التي أمد بها التجار (وهذه النتيجة مستخلصة من المقابلات التي أجراها الباحث مع التجار). وهناك نتائج أخري جديرة بالذكر تحصلنا عليها من دراسة 96 ـ ،1998 مثل النقص النسبي لماشية "كيسمايو" في التجارة عبر الحدود (5.2% من إمدادات الماشية)، وكذلك ضعف النسبة المقدمة من "مقديشو" و"ودنصور" و "بايدوا" ( حيث شكلت معًا 20% خلال الفترة المذكورة). وكما ذكرنا سابقًا، أدت السياسة والقتال الممتد حولي "كيسمايو" إلي الحد من اندماجها مع اقتصاد "جوبا السفلي"، ومن ثم أصبح من النادر انتقال الماشية منها إلي "جاريسا". وفي الوقت الذي ضاقت فيه منطقة التجميع في سوق حدودية مثل "كيسمايو"، فإنها قد امتدت إلي مناطق أخري. ومع الانهيار الذي حدث في السوق المحلية والتصدير إلي ما وراء البحار، أصبحت المناطق الرئيسية المنتجة للماشية بالقرب من "مقديشو" و "بايدوا" أكثر اشتراكًا في التجارة عبر الحدود. كما سجل توسع مماثل في مناطق "جوبا العليا والوسطي" (بما فيها "بارديرا" و "ساكو") التي تمد الأسواق الكينية عبر محطتي "جاريسا" و "مانديرا". وقد حدث هذا التوسع في التجمعات التسويقية للتجارة عبر الحدود نتيجة للحرب التي أجبرت التجار وأصحاب القطعان المحليين في الصومال علي السعي وراء التسويق في كينيا. وبالنسبة مثلاً لحالات "بايدوا" و "دنصور" و "مقديشو" فهي تشكل حوالي 9% من إجمالي المبيعات التي تمت في سوق "جاريسا" عام 1996، بينما لم تسجل أية تعاملات من هذا النمط الأخير في الدراسة التي أجريناها عامي 87 ـ 1988.




جدول رقم (3) أسعار الماشية (بالدولار) (1) فى التجارة عبر الحدود عامى 1996 (2) و 1998 (3) الدرجة الثالثة الدرجة الثانية الدرجة الأولى السوق (4)

60/38 49/54 36/؟ 57/؟ 71/؟ 77/؟


86/؟ ؟/109 115/93 131/؟ 168/183 156/183 99/110 89/108 89/86 71/100 128/117 141/؟


163/133 ؟/165 190/176 208/؟ 244/263 231/233 ؟/124 204/164 179/136 243/200 198/200 205/؟


225/؟ ؟/245 270/292 256/283 328/300 333/303 *الأسواق الصومالية: مقديشو (4) د نصور بارديرا (4) كيسمايو أفمادو دوبلى (الحدود)

  • الأسواق الكينية:

ليبوى (على الحدود) مويالى (5) جاريسا جارسن مومباسا نيروبى Source: Little (2002: 16).

ملاحظات الجدول 1 ـ الدرجة الأولي = حيوانات عالية النوعية (ثيران وأبقارصغيرة عمرها من 4 ـ 8 سنوات). الدرجة الثانية = حيوانات متوسطة النوعية (أبقار وثيران أكبر عمرًا). الدرجة الثالثة = الحيوانات الصغيرة أو المسنة. 2 ـ مبنية علي المسح الذي أجراه الباحث، مالم يشر إلي غير هذا. 3 ـ مستقاة عن بعد من الأسواق في "نيروبي" و "مومباسا". 4 ـ أسعار عام 1998 مبنية علي قائمة بيانات منظومات الإنذار المبكر بالمجاعة FEWS. 5 ـ صنفت هذه الأسواق في الدراسة الميدانية عام 1998 كمناطق شراء بالنسبة لقلة من التجار، ولكنها من الناحية الفعلية جزء من التجارة الحدودية بين جنوب اثيوبيا وشمال كينيا، وليس كتجارة حدودية بين الصومال وكينيا. وقد أدرجت هنا علي سبيل المقارنة. والآن نتحدث عن الفوارق بين الشلن الصومالي في الثمانينات والتسعينيات. لقد كان الفرق بين معدلات التبادل الرسمية و "في الشارع" كبيرة في الثمانينات، حتي أنها وصلت إلي 275% (Mubarak 1996 Abdurahman 1998). من عام 1995 حتي فبراير 1999 تراوح سعر الشلن الصومالي بين 6300 و 8200 شلن مقابل الدولار الأمريكي، أي بفارق 30% تقريبًا. وبالنسبة للفترة من 1996 حتي فبراير 1999 تفاوتت القيمة الدولارية للشلن بنسبة 10% في أي سوق. ونظرًا للاستقرار النسبي للعملة فقد ساعد هذا علي تسهيل التجارة عبر الحدود، وإن كان هذا أساسًا علي المستويات المحلية ـ وليس العليا ـ من سلسلة التجارة، وحيث يتم التعامل علي رؤوس الماشية بالشلن الصومالي. وكما هو معروف فإن "عيديد" قائد الفصيل الرئيسي في "مقديشو" قد طبع خلال شهري مارس وابريل عام 1999 كمية كبيرة من أوراق العملة الوطنية مما أدي إلي انخفاض قيمة الشلن بنسبة 25% خلال بضعة شهور. ومن ثم أدي التضخم إلي ارتفاع أسعار السلع الأساسية وغيرها بسرعة الصاروخ (FEWS 1999)، ومن الواجب تتبع أثر هذا التدهور في قيمة العملة علي كل من الأمن الغذائي والاستقرار في المناطق الحدودية بالصومال. لقد كانت قيمة الشلن الصومالي (بالدولار) في "مقديشو" وخلال أية سنة من سنوات الدراسة أقل بنسبة 10% عن قيمته في السوقين الحدوديتين في "أفمادو" و "بدولاهاو". ويرجع هذا الفارق إلي أن المعروض من الدولارات في "مقديشو" كان أكبر نسبيًا بسبب وجود المنظمات غير الحكومية ووكالات التنمية الدولية والمشروعات التجارية فيها، ومن ثم ارتفاع تدفقات الدولار من الخارج. وفي الناحية المقابلة كانت الدولارات أكثر ندرة في البلدان الصغيرة بسبب قلة تدفقاته، ومن ثم كانت قيمة الشلن الصومالي هناك بالنسبة للدولار أعلي من قيمة في "مقديشو".

4- الأسواق الحدودية الأخري بالصومال إن البيانات المتاحة من مشروع نظم الإنذار المبكر بالمجاعة وغيرها من البيانات الثانوية تتيح لنا ـ كما سبق الذكر ـ دراسة واستطلاع العلاقات السعرية بالنسبة لمراكز تسويقية حدودية أخري. حيث تكون لدينا ما يكفي من البيانات الخاصة بالسلع الرئيسية لاستكشاف العلاقات السعرية علي المسارات الثلاثة الأخري للتجارة الحدودية، وهي:

  • منطقة جنوب غربي الصومال/ شمال شرقي كينيا / جنوب شرقي إثيوبيا ("مانديرا" في كينيا و "بولا هاو" في الصومال).
  • الصومال الأوسط ـ الحدود الإثيوبية (منطقة "بيليت وينى").
  • أرض الصومال ـ حدود إثيوبيا الشرقية ("توجوالي" و "يوراما" و "أرض الصومال").

وتمثل هذه المسارات الثلاثة للتجارة عبر الحدود ثلاثة توجهات سوقية شديدة الاختلاف. فأولا: بالنسبة لمنطقة الحدود بين وسط الصومال وإثيوبيا نجدها تستهدف أساسًا الأسواق المحلية والإقليمية، وإن كانت بعض رؤوس الماشية تقطع إثيوبيا كمعبر إلي موانيء في الصومال الشمالي (مثل "بوساسو"). ثانيا: بالنسبة للسوق الحدودية "بولاهاو" ـ "مانديرا" فإنها تستهدف في وقت واحد التوزيع المحلي والتصدير إلي الأسواق الرئيسية في كينيا. ثالثا: أما بالنسبة للحدود بين "أرض الصومال" وشرق اثيوبيا فهي تستهدف التصدير من أثيوبيا إلي الشرق الأوسط عبر "بربرة" (أرض الصومال) واستيراد الأغذية وغيرها من المنتجات عبر "بربرة" ثم تعبر الحدود إلي إثيوبيا.

5 - الحدود بين جنوب غربي الصومال وشمال شرقي كينيا وجنوب غربي إثيوبيا يقع مركز هذا المسار التجاري عبر الحدود في بلده "مانديرا" الحدودية بكينيا، وهو مسار شديد التعقيد حيث يمثل نقطة التقاء بين حدود متعددة: كينيا إثيوبيا، كينيا ـ الصومال، والصومال ـ إثيوبيا. وحسبما أوضحت دراسة لمنظمة العلوم الاجتماعية لشرق أفريقيا حول الحدود الإثيوبية، فإن الماشية التي تعبر بلدة "مانديرا" الحدودية قد يكون مصدرها جنوب شرقي إثيوبيا (كمصدر أول) أو جنوب غربى الصومال (كمصدر ثان) (Tekaet. al. 1999). ويمكن أن تتجه الماشية عابرة الحدود في هذه النقطة إلي "واجير" أو "إيزيولو" أو "مويالي" أو "جاريسا" في طريقها إلي سوق "نيروبي". وتتفاوت أهمية هذه المسارات من سنة لأخري. ولكن هذه الأهمية تتوقف علي عاملي قصر الطريق إلي نيروبي وتكاليف النقل. فهي قد تتخذ مسارها عبر "واجير" إلي "إيزيولو" ثم "نيروبي" ، أو عبر "جاريسا" أو "مويالي" مباشرة إلي "نيروبي". وقد أوضحنا سابقًا أن المسار الحدودي من خلال "مانديرا" (كينيا) يشكل أقل من 10% من حجم الماشية المتعامل عليها في سوق "جاريسا". ويوضح الشكل رقم(1) الأسعار الشهرية المقارنة للماشية بين "بولاهاو" علي الحدود الكينية ـ الصومالية (علي مبعدة كيلومترات قليلة من "مانديرا" في كينيا) وبين منطقة توريد صومالية هامة هي "بارديرا" التي تقع داخل البلاد (وتبعد حوالي 200 كيلو متر عن نقطة "مانديرا" الحدودية). وكما يتضح من الشكل فإن أسعار الماشية علي الحدود تزيد بكثير عن أسعارها في "بارديرا"، فيما عدا استثناءات قليلة، وتصل هذه الزياده في معظم الحالات إلي 20% ـ 30%، بل إن هذه النسبة تصل في بعض الشهور إلي 40% ـ 50%. وكما أوضحنا سابقًا فإنه من المهم إدراك إمكانية حدوث تقلبات كبيرة في الأسعار خلال أيام قليلة إذا حدث ونشب صراع مسلح هنا أو هناك. ففي سوق "بولاهاو" الحدودية كثيرًا ما تحدث تغيرات كبيرة في الأسعار بالنسبة لسلع أخري غير الماشية بسبب الصراعات المزمنة التي تضر بالتجارة عمومًا، ومع هذا تظل أسعار الماشية مستقرة.



شكل رقم (1) مقارنة الأسعار المحلية للماشية فى "بولوهاو" و"بارديرا"







نسبيًا. فعلي سبيل المثال كان سعر دقيق القمح المستورد ـ والمشحون من منطقة "مقديشو" ومن ثم معرض للمشكلات الأمنية ـ قد وصل إلي الضعف في بعض الشهور في الفترة من 1996 ـ 1998. ومن الطريف أن البيانات المتوفرة عن الأسعار في هذا المسار التجاري عبر الحدود تبين أن أنواع الماشية المنتجة أساسًا للسوق المحلية (الماعز) كانت الأقل تعرضًا للتقلبات السعرية، وخاصة إذا قورنت بأسعار سلع مستوردة مثل الأرز والدقيق والمكرونة. وقد بلغت التباينات بين أسعار الماشية والمنتجات الأخري مستويات أعلي في المناطق المنكوبة بصراعات دامية مثل "بايدوا" و "دنصور" في الصومال الجنوبي، حيث كان من الممكن أن تزيد أسعار السلع الغذائية ثلاثة أضعاف في شهور انقطاع التجارة ووسائل المواصلات. وكما سنوضح فيما بعد هناك نمط آخر مناقض في بعض أجزاء "أرض الصومال" حيث تختفي أو تخف فيها الصراعات المسلحة، ومن ثم فإن أسعار السلع الغذائية هناك أكثر استقرارًا، بينما أسعار الماشية أكثر قابلية للتقلب بسبب عدم استمرارية التمكن من النفاذ إلي أسواق التصدير الدولية. وتبين بيانات الأسعار المقارنة علي طول الحدود بين "مانديرا" (كينيا) و "بولاهاو" (الصومال) وجود فروق طفيفة بين أسعار الماشية في السوقين. فمثلاً اختلفت الأسعار الشهرية عام 1998 بنسب لم تزد عن 10% ـ 15% في أي شهر، باستثناء شهري مارس وأبريل. ونظرا لعدم وجود فوارق تذكر بين أسعار الماشية في هذين المركزين المتجاورين فإن هذا يعني أن وجود الحدود كان له أثر بسيط علي أسعار الماشية في هذه المنطقة. وإذا قمنا بفحص العلاقات السعرية في "بولا هاو" مع منتج غذائي هام هو الذرة البيضاء يتجلي أمامنا نمط مختلف. وبين الشكل رقم(2) سعر الذرة البيضاء في كل من الحدود الكينية ("بولاهاو") التي تعتبر منطقة عجز في هذا المنتج، وفي "بارديرا" وهي منطقة تنتج القليل من الذره، وفي "مقديشو" القريبة من المناطق الرئيسية لزراعة الحبوب كما تستورد الذرة، وكما هو متوقع فإن أسعارها تسير عكس اتجاه أسعار الماشية، وحيث تبلغ أسعار الذرة أقصاها عند الحدود، كما تبلغ أدناها في المناطق الداخلية.

6 ـ حدود الصومال الأوسط لإثيوبيا يقع مركز هذا المسار التسويقي في "بيليت ويني"، وهي منطقة زراعية ـ رعوية هامة في "وادي شبيلي" بالصومال الأوسط، ويربط هذا المسار التجاري تلك البلدة بمدينة "مقديشو"، وتبلغ المسافة بين الاثنتين حوالى 310 كيلو مترات، ويربطهما فى معظم أجزاء المسافة طريق أسفلتى بلغ التدمير منه مبلغًا كبيرًا، وهو يعد أهم طرق المواصلات بين "مقديشو" والإقليم رقم (5) في إثيوبيا ("الإقليم الصومالي"). ويتم تصدير القليل من رؤوس الماشية عبر هذا الطريق إلي إثيوبيا نظرًا للانخفاض النسبي لأسعارها في إثيوبيا. ولما كانت "بيليت ويني" تقع علي الحدود الاثيوبية ـ الصومالية أكثر منها علي الحدود الكينية- الصومالية، ومن ثم اندماجها مع السوق الإثيوبية أكثر من السوق الكينية، فإن أسعار الماشية فيها منخفضة نسبيًا عن أسعار الأسواق الأخري. إذ إن أسعار السوق الإثيوبية أقل بكثير من أسعار السوق الكينية (قد تصل إلي 40%)، وفي الحقيقة هناك إفادات أن كميات كبيرة من الماشية الإثيوبية (حوالي 50ألف رأس سنويًا) يتم تصديرها بشكل غير رسمي إلي الأسواق الكينية، وخاصة "نيروبي" (Teka et.al. 1999). وهكذا فإن الحدود الإثيوبية ـ الصومالية لا توفر ميزات سوقية مماثلة لما توفره أية نقطة علي المسار الكيني ـ الصومالي.

شكل رقم (2) الأسعار المقارنة للذرة البيضاء فى "بارديرا" و"بولاهاو" "مقديشو"






وقبل انهيار الحكومة كانت الإبل والماعز والأغنام الإثيوبية موضع اتجار علي طول هذا المسار كما يتم تصديرها عبر "مقديشو". أما الآن فإن جزءًا من هذه التجارة يتخذ طريقه صوب "بوساسو" و "أرض الصومال" حيث تصدر من هناك إلي الشرق الأوسط. وتعتبر أسعار الماشية في بلدة "بيليت ويني" (علي بعد 25 كيلو مترًا من الحدود الإثيوبية ـ الصومالية) هي أدني الأسعار بين جميع أسواق الماشية التي غطتها الدراسة. ففي عامي 1997 و 1998 لم يتعد متوسط سعر رأس الماشية "ذات الجوده المحلية" رقم 56 دولارًا. ومن ناحية فإن أسعار الحبوب المحلية (مثل الذرة البيضاء والسورجوم) كانت أعلي من أسعارها في أسواق حدودية أخري مثل "بولاهاو" و "أفمادو". وعلي النقيض من المناطق الحدودية في الصومال الجنوبي، تتحرك تجارة الماشية هنا في اتجاه معاكس. أي من بلد مجاور (إثيوبيا) إلي الصومال وليس العكس. وجدير بالذكر مرة أخري أن أسعار الماشية هنا غالبًا ماتكون أعلي في منطقة الحدود الكينية ـ الصومالية منها في "مقديشو". بيد أن هذه الأسعار تقل بدرجة كبيرة علي طول الحدود بين إثيوبيا والصومال الأوسط (وفي "بيليت ويني") عن أسعار "مقديشو". فهذه السوق الحدودية بعيدة جدًا عن الأسواق الكينية الكبري، وهو الأمر الذي ينعكس في صورة انخفاض أسعار الماشية. وإذا تمعنا في طائفة من السلع المختلفة المتعامل عليها في هذا المسار التجاري سوف نكتشف أنماطًا مثيرة (أنظر الجدول رقم 4). ففي الواقع أن أسعار مختلف أنواع الماشية في "بيليت ويني" أقل بكثير من المناطق البعيدة عن الحدود (مثل "مقديشو")، وهو ما يؤكد أن موقعها قبالة الحدود الإثيوبية لا يشكل أي ميزة لتجارة الماشية. وإذا نظرنا إلي المنتجات الغذائية المحلية (مثل لبن الإبل والسورغوم الأحمر والذرة) فإن الفروق لن تكون كبيرة، ويتم تصدير هذه المنتجات المحلية إلي إثيوبيا عبر الحدود. كذلك فإن أسعار المواد الغذائية المستوردة ـ مثل الدقيق والأرز ـ تكون أعلي أيضًا على طول هذه الحدود، ويتم استيرادها عبر "مقديشو"، كما يتم بيعها في بعض الأوقات إلي المناطق التي تعاني من نقص غذائي في إثيوبيا، مثل "الإقليم الصومالي" هناك. جدول (4) سلع التجارة عبر الحدود بين الصومال الأوسط وشرق إثيوبيا من إثيوبيا إلى الصومال من الصومال إلى إثيوبيا

  • البن
  • الماعز والأغنام
  • الإبل
  • الكيروسين *الذرة والسورغوم (كميات قليلة)
  • الدقيق والمكرونة (كميات قليلة)
  • السلع الاستهلاكية المستوردة

7 - التجارة عبر الحدود بين "أرض الصومال" وشرق إثيوبيا يقدر أن حجم الماعز والأغنام المجلوبة من إثيوبيا يمثل ما بين 50% و 60% من إجمالي صادرات "بربرة" ("أرض الصومال") من هذا النوع من الماشية. وتعتبر تجارة تصدير هذه الأصناف من "بربرة" والمواني القريبة أكبر بكثير مما كان عليه الحال في سنوات ما قبل 1991. ففي عام 1998 بلغت صادرات الصومال (بما فيه "أرض الصومال") من الماعز 850 ألف رأس ومن الأغنام 1.25 مليون رأس تقريبا، أي أكثر من 95% من إجمالي صادرات شرق أفريقيا من الماعز، و52% من صادرات الأغنام (Zaal and Poder man 2000: 17 - 18) وبناء علي بيانات المفوضية الأوربية ومنظمة الأغذية والزراعة فإن ميناء "بربره" كان المنفذ لحوالي 1.4 مليون رأس من الماعز والأغنام المصدرة سنويًا (EC- FAO 1995) كما أن ما يتراوح بين 700 ألف و 840 ألف رأس من هذه الكمية تأتي عبر الحدود من شرق إثيوبيا إلي "بربره" فنظراً إلي أن "ولاية الإقليم الصومالي" (في إثيوبيا) تملك ثروة حيوانية كبيرة تبلغ تقريبًا 2.3 مليون رأس من الأبقار والثيران، و 8 مليون رأس من الأغنام، و 3.1 مليون رأس من الماعز، و 1.3 مليون رأس من الإبل (Ogaden Welfare Society 1999: 8) فإنه لا يثير الدهشة أن يصدر عدد كبير من هذه الرؤوس من "الإقليم الصومالي" إلي "أرض الصومال" ومن ثم إلي أسواق الشرق الأوسط. ويوضح الجدول رقم(5) بيانًا بالسلع المتحركة عبر هذه الحدود.

جدول رقم (5) سلع التجارة عبر الحدود بين "أرص الصومال" وشرق أفريقيا من شرق إثيوبيا إلى "أرض الصومال من "ارض الصومال" إلى شرق إثيوبيا

  • الماعز والأغنام
  • الذرة والسورغوم
  • الماشية
  • الإبل
  • الفحم البناتى *دقيق القمح والمكرونة
  • السكر
  • الأرز

ولما كان متوسط سعر الماشية الصغيرة من (الماعز والأغنام) عام 1999 هو 18 دولارًا للرأس، فإن التجارة في الماشية عبر الحدود كانت تحقق عائدًا لشرق إثيوبيا يتراوح بين 12.6 مليون دولار و 15.2 مليون دولار سنويًا، وإن كانت هناك تقديرات أخري بثلاثة أضعاف هذا الرقم بعد إضافة الصادرات من ميناء "بوساسو" (Shank 1997: 1) وتمر الكثير من هذه الرؤوس عبر بلدات حدودية مثل "توجواجالى" و "بوراما"، كما تعبر الواردات الغذائية في الاتجاه المضاد. وتبلغ المسافة بين الحدود ("توجواجالى") وميناء "بربره" 230 كيلو مترًا تقريبًا، ومن ثم بلغ التباين بين أسعار الماعز والأغنام في الاثنين حوالي 63% في المتوسط خلال عامي 1997 ، 1998. وكما هو معروف فإن الأسعار علي هذه الحدود تكون أقل بكثير عند ميناء التصدير، ومن المفهوم أن تكون هناك "رسوم" عبور مرتفعة فضلاً عن ارتفاع تكلفة النقل عبر شريط "توجواجالي" ـ "هارجيسا" ـ "بربره". ولعل هذا وذاك هما السبب الرئيسي في وجود فارق سعري كبير بين الميناء والمنطقة الحدودية، وذلك علي الرغم من "سفلتة" جزء كبير من الطريق المذكور. ولما كانت "توجوجالي" و "بوراما" تقعان في منطقتين منتجتين للحبوب، بينما تقع "بربره" في منطقة جافة وغير زراعية، فإن أسعار الحبوب (مثل الذرة والسورغوم) تكون مرتفعة جدًا في "بربره" فخلال عامي 1997 و 1998 كانت أسعار الذرة البيضاء والسورغوم أعلي بنسبة 59% و 96% علي التوالي من أسعارهما علي الحدود. ولما كان الدقيق والمكرونة يتحركان في كلا الاتجاهين (أي من إثيوبيا إلي "أرض الصومال" وبالعكس) فإن أسعارهما في الأسواق الثلاث كانت متقاربه. وقد أدي قيام المملكة السعودية بفرض حظر علي استيراد الحيوانات عام 1998 إلي حدوث تراجع كبير في الصادرات، ومن ثم ارتفاع أسعار المواد الغذائية. وخلال هذا العام تدهورت العملة في "أرض الصومال" بنسبة 20%، كما زادت أسعار السلع الغذائية المستوردة بحوالي 15% (أنظر مناقشات التالية عن الأمن الغذائي). كما زادت أسعار واردات أخري مثل الكيروسين بنسبة تتراوح بين 20 ـ 25% خلال نفس العام. كما أدي انخفاض صادرات الماشية خلال 1998 بنسبة 30% إلي فقدان "شلن أرض الصومال" لجزء كبير من قيمته (Steffen, Shirwa and Addon 1998) ولا يدعو للدهشة طبعًآ أن أسعار صادرات الماشية قد تدهورت هي الأخري خلال عامي 1997 ـ 1998 وفي المراكز السوقية الثلاثة: 4% في "بربره"، 27% في "بوراما"، 22% في "توجواجالي". وفقدت الإدارة في "أرض الصومال" كمية كبيرة من حصيلة الضرائب والرسوم بسبب انخفاض الصادرات وتدهور أسعارها، هذا في الوقت الذي زادت أسعار سلع معينة مستوردة. وتقول التقارير الواردة عام 1998 من هذه المنطقة الحدودية أنه حتي في المراكز الريفية الصغيرة كان للحظر آثار قوية ومحسوسة، حيث أصبح الأرز والدقيق غير موجودين أو يصعب الحصول عليهما بسبب تضخم الأسعار (Ahrens 1998). لقد حققت "أرض الصومال" ومناطقها الحدودية الخاصة قدرًا من الاستقرار والسلم النسبيين منذ عام 1997، علي عكس الموقف المضطرب في جميع أجزاء الصومال الجنوبي. كما كانت أسعار المواد الغذائية أقل اضطرابًا من الأسعار في المناطق الحدودية الجنوبية. وهو ما يتبين من تحليل بيانات الأسعار لبعض السلع والمنتجات الأساسية في "هارجيسا" عاصمة "أرض الصومال" عامي 1997 ـ 1998. وتقع هذه المدينة علي بعد 85 كيلو مترًا من الحدود، بيد أن أسعار السلع الغذائية بها قد ظلت في إطار حيز معقول من الحراك، حيث لم يزد تفاوت الأسعار خلال هذه الفترة عن نسبة20%.

8- الأمن الغذائي والتجارة عبر الحدود تعتبر تجارة عبر الحدود بالغة الأهمية في فهم حالة الأمن الغذائي في إقليم شرق أفريقيا. فالتقديرات بشأن المنطقتين الحدوديتين الأكثر نشاطًا في هذه التجارة (منطقة حدود "أرض الصومال" مع شرق إثيوبيا، ومنطقة الحدود بين الصومال الجنوبي وشمال شرقي كينيا) تلقي الضوء الكافي علي الدور المهم الذي تلعبه التجارة عبر الحدود في تحقيق الأمن الغذائي. وتشير معظم الرسوم البيانية إلي حوادث هامة أدت إلي إعاقة التجارة عبر الحدود، مثل قيام الحكومات بغلق الحدود، أو امتداد الصراعات إليها، أو موجات الطقس السييء، أو حتي خسارة الأسواق التصديرية (مثلما حدث في "أرض الصومال") فعلي سبيل المثال، وأثناء فرض المملكه السعودية الحظر علي صادرات الماشية إليها خلال عامي 98 ـ 1999 يقدر الانخفاض الذي حدث في التجارة عبر الحدود بين "أرض الصومال" وإثيوبيا بحوالي 30% (Steffen Shirwa and Addou 1998). ومن ثم تراجعت صادرات الرؤوس الحيوانية والتي تنطوي علي أهمية بالغة بالنسبة لتمويل واردات الأرز والدقيق وزيوت الطعام والمكرونة. وكان معني هذا أن المستهلكين الإثيوبيين علي الجانب الآخر من الحدود قد تضرروا كثيرًا من ناحيتين: انهيار أسعار ماشيتهم إلي جانب ارتفاع أسعار الأغذية المستوردة (والتي تمول أساسًا من عوائد الصادرات). ويوضح الجدول رقم (6) القيمة التبادلية للماشية الصغيرة (الأغنام والماعز) خلال عامي 97 ـ 1998 في ثلاث أسواق مختلفة بالصومال تشترك كل منها بنشاط في التجارة عبر الحدود. وقد تم اختيار خمس سلع رئيسية في التجارة عبر الحدود لأغراض هذه المقارنة. وكما يوضح الجدول فإن شروط التبادل بين الماشية والسلع الغذائية قد جاءت في غير صالح الأولي في جميع الأسواق. وفي بعض الحالات انخفضت قدرة المربي أو تاجر الماشية علي شراء المواد الغذائية بنسبة وصلت إلي 38% عام 1998. فبالنسبة للمربي في "بوراما" مثلا كانت الرأس من الماعز أو الأغنام تشتري 79 كيلوجراما من الدقيق عام ،1997 ولكنها تراجعت إلي 49 كيلو جراما فقط عام 1998. وكانت أسعار السلع الغذائية في "بربره" (سوق التصدير البعيدة عن الحدود) هي الأعلي، ومع ذلك فإن التغيرات في القدرة الشرائية لرأس الماشية كانت أقل من أي مكان آخر. فقد تغيرت شروط تبادل الماشية والسلع الغذائية المستوردة بدرجة طفيفة جدًا في منطقة هذا الميناء خلال عامي 1997 و 1998 بينما كانت الانخفاضات ملموسة في السوقين الحدوديتين في "توجواجالي" و "بوراما". وجدير بالذكر أن سوق "توجواجالي" (وهي الأبعد عن ميناء "بربرة") قد عانت من الانخفاض الأكبر في شروط تبادل الماعز والأغنام بالنسبة للأسواق الثلاث، وخاصة فيما يتعلق بالقدرة علي شراء الأغذية المستوردة. وتقع تلك السوق علي الحدود الإثيوبية حيث تصل أسعار المواد الغذائية إلي الحد الأقصي بينما أسعار رؤوس الماشية تصل إلي الحد الأدني. بيد أن أسعار الأغذية المحلية (مثل الذرة والسورغوم) تعتبر الأكثر انخفاضًا علي الحدود، غير أن معظم الصوماليين يفضلون الأرز في طعامهم. كما يبين الجدول رقم (6) في حالة "بربره" أن تلك الأغذية المحلية المجلوبة من المنطقة الحدودية أو من إثيوبيا قد أظهرت ارتفاعات نسبية في الأسعار عن الزيادات في أسعار الأغذية المستوردة. وكما ذكرنا من قبل فإن النمط المناقض قد وجد في السوقين الكائنتين علي الحدود الإثيوبية ("بوراما" و "توجواجالي") حيث كانت الزيادات في أسعار الأغذية المحلية أقل نسبياً من زيادات أسعار الأغذية المستوردة. وباختصار نقول إنه بينما أدي انقطاع صادرات الماشية في عامي 98 ـ 1999 قد أضر بالإقليم كله، فإنه قد ألحق الضرر بشكل خاص بجميع المناطق الحدودية والتي عانت أكبر انخفاضات في أسعار الماشية مع أكبر زيادات في تكاليف استيراد الأغذية. فمع انخفاض الطلب علي صادرات الماعز والأغنام، تناقصت كذلك تدفقات الواردات الغذائية إلي الإقليم الحدودي في اثيوبيا. وتعتبر كارثة "النينو" التي وقعت أواخر 1997 وأوائل 1998 حادثة هامة لإلقاء الضوء علي الدور الرئيسي الذي تلعبه التجارة عبر الحدود في تحقيق الأمن الغذائي علي المستويين المحلي والإقليمي. ومرة أخري يمكننا تحليل معدلات تبادل الماشية مع طائفة من السلع العابرة للحدود، وهي في حالتنا: الدقيق والذرة والأرز، ففي الفترة من سبتمبر 1997 إلي ديسمبر 1997 انخفضت شروط التبادل لأسعار الماشية مقابل الذرة والدقيق والأرز في الصومال الجنوبي بنسب 79% و 53% و 61% علي التوالي. وهكذا فإن المربي الذي باع رأس الماشية في سبتمبر 1997 كان بإمكانه استخدام الثمن في شراء 298 كيلو جرامًا من الذرة، ولكن هذه القدرة انخفضت في ديسمبر من نفس العام إلي 64 كيلو جراما فقط. كما انخفضت أسعار الماشية أيضًا مع الفيضانات وانقطاع طرق المواصلات في تلك الشهور. وقد أدي هذا التدهور إلي تدمير اقتصادات التربية في المنطقة، ومن ثم التعرض إلي النقص في الأغذية وحتي المجاعة. وحينما عادت الأمطار، ومع ورود مساعدات الأغذية من الخارج، بدأت أسعار الأغذية تنخفض مرة أخري منذ أوائل 1998 وتمت عملية إبرار جوي مكثف بالأغذية في يناير وفبراير 1998 في الصومال الجنوبي، ولكن بعد وفاة حوالي مائة فرد.







جدول رقم (6) القيمة التبادلية بين الماشية الصغيرة (نوعية التصدير) والمواد الغذائية فى الأسواق الحدودية بأرض الصومال (1997-1998) نطاق التغيير (%) توجواجالى (كح جم) بوراما (كح جم) بربره (كح جم) العنصر الغذائى 1997-1998 1998 1997 1998 1997 1998 1997 -21 إلى –26 صفر إلى –38 صفر إلى –28 -15 إلى –38 صفر إلى - 36 52 30 30 55 15 68 37 37 88 19 66 49 39 58 16 89 79 54 69 25 53 54 55 51 28 67 54 55 60 28 *الذرة

  • الدقيق
  • الأرز
  • السورغوم
  • المكرونة

Sour: FEWS/ FSAU, 1997-1998. 9- خاتمة يتضح من المادة المقدمة في هذا الفصل المدي الذي وصلت إليه التجارة عبر الحدود في قيادة اقتصادات المناطق والأقاليم الحدودية، بل وحتي المناطق الداخلية في إثيوبيا والصومال وكينيا. وتظل هناك مسأله تأثير انعدام الأمن وعدم الاستقرار السياسي في التجارة عبر الحدود الصومالية، وإن كان هذا لم يتعد المدي المتوقع. ففي الحقيقة أن التجارة عبر الحدود وخاصة في الماشية هي أفضل بكثير مما كان عليه الحال في سنوات ما قبل الحرب (أي قبل 1991)، إذ إن التجارة في الماشية مع كينيا مثلاً قد زادت بنسبة 300% عن عام 1989، وكذلك الحال فيما يتعلق بصادرات الرؤوس الحيوانية من "أرض الصومال" وشمال الصومال. فهل معني هذا أن المخاطر المرتبطة بالتجارة عبر الحدود قد تراجعت في التسعينيات؟ بالطبع ستكون الإجابة بالنفي، إذ إن المشاكل الأمنية والسرقة مازلت تفسد الأنشطة التجارية، بل ومن المؤكد أنها قد ازدادت خلال التسعينيات. بيد أن هذا لم يثبط من حجم تجاره الماشية عبر الحدود، علي الرغم من دوره في تقليص حجم التجارة في سلع أخري. إن غياب أو حضور الدولة في الصومال لم يكن له أثر كبير علي التجارة عبر الحدود، لسببين: أولهما أن هذه التجارة نشاط غير رسمي، وثانيهما أن النظام السياسي السابق لم يكن قابضًا بشكل جيد علي الاقتصاد، ومن ثم فإن عدم استقرار معدلات الصرف قد زاد بالفعل من تقلبات ومخاطر السوق بالنسبة للمربين والتجار. وتقدم نتائج الدراسة دليلاً قويًا علي مدي أهمية التجارة عبر الحدود لكل من سكان المناطق الحدودية وكذا المستهلكين والمنتجين الموجودين علي بعد مئات الكيلومترات من هذه الحدود. ومن ثم من الواجب اتباع سياسات تشجيع ـ لا تثبيط ـ التجارة الإقليمية عبر الحدود، وأن تعمل علي الإفادة من الميزة النسبية المقارنة لمختلف الاقتصادات المحلية والوطنية، ودعم الأمن الغذائي المحلي، وزيادة القدرة علي جمع موارد الدولة من العائدات، وزيادة الاستثمارات في البنية التحتية للأسواق، والمواصلات والطرق، وأخيرًا الحد من التقلبات السعرية والاضطرابات السوقية. وقد تبين من الأمثلة الواردة في هذا التقرير الآثار الضارة لانقطاع التجارة عبر الحدود علي كل من الدخول المحلية والأمن الغذائي ومصالح الرعاة والأسواق المحلية والإقليمية.

ملاحظات 1 ـ أجريت دراسة الحالة المعروضة هنا في إطار "مشروع التجارة عبر الحدود والأمن الغذائي في القرن الأفريقي" تحت رعاية كل من "توسيع النفاذ إلي الأسواق ودعم مدخلات النظم السوقية" BASIS " و"برنامج دعم البحوث التعاونية" CRSP و"منظمة بحوث العلوم الاجتماعية في شرق وجنوبي أفريقيا" (Tegegne, Alemayehu and Ayele 1998 and 2000) وقد جمعت المادة المقدمة في هذا الفصل بدعم من BASIS - CRSP والاتفاقية التعاونية بشأن نظم التوطن والموارد بين معهد أنثروبولوجيا التنمية وجامعة كلارك" (1995 - 1996). وأود أن أعترف هنا بفضل الزملاء في OSSREA علي مشروع التجارة عبر الحدود، وخاصة الأساتذة: "عبد الغفار محمد أحمد" و "تيجيجني تكا" و "أليمايهو عزيزي"، وكذلك أعترف بفضل "فيليب ستيفن" من مشروع نظم الإنذار المبكر بالمجاعات"، وأيضًا "بريان داسيلفا" من هيئة المعونة الأمريكية. وبالطبع يعتبر المؤلف نفسه مسئولا تماماً عن الآراء والنتائج المعروضة في هذا الفصل، وهي لا تعبر بالضرورة عن المؤسسات أو الأفراد المذكورين. 2 ـ أعتمد هنا علي بيانات الأسعار المستقاة من تجار اشتركوا فعلاً في جلب حيوانات من منطقة "مقديشو" عام 1996. وتعرض ماشية "مقديشو" بشكل ظاهر في سوق "جاريسا" (كينيا) ويطلق عليها الماشية "الحمراء". 3 ـ هذا التقدير مبني علي المبيعات المسجلة خلال المسح الذي أجراه الباحث في سوق "جاريسا"، ومن تقديرات أخري لأعداد رؤوس الماشية الكينية المباعة في تلك السوق. وقد حسبت الأخيرة باستخدام معادلة أن 10% من الماشية المباعة في سوق "جاريسا" (كينيا) تأتي من مناطق كينية (مثل منطقتي "مانديرا" و "واجير") والباقي يأتي من الصومال. 4 ـ علي سبيل المثال يقوم تجار صوماليون كثيرون بتحويل مدخولاتهم من الشلنات الكينية إلي دولارات أمريكية من خلال بيوت صرافة غير رسمية في "نيروبي"، وحيث يدفعون نسبة قدرها 3% مقابل "تحويلها" إلي الصومال. وحتي يتجنب تجار الماشية حمل نقود كثيرة أثناء سفرهم فإن معظمهم يقومون بالتغيير إلي دولارت يقبضونها في بلدهم عند العودة. 5 ـ نظرا لاستمرار الصراعات في الإقليم أصبح ميناء "مقديشو" مغلقًا فعلياً لعدد من السينن، ونشط بدلاً منه ميناءان صغيران شمال وجنوب العاصمة، وتدار المواني بواسطة أجنحة سياسية مختلفة.






المـراجـع

lAtidurahman, Mohamed D. 1998., Exchange rate policy, 1960-1990: The experience of Somalia. Toronto, Canada. Ahrens, Joachim D. 1998. Cessation of livestock exports severely affects the pastoralist economy of Somali Region. Addis Ababa: Emergencies Unit for Ethiopia, United Nations Development Program. Diflz, Ton, Abdirizak Arale Nunow, and Fred Zaal. 1999. Pastoral commercialization: A risky business? Three Kenyan case studies: The Pokot, the Maasai, and the Somali. Paper presented at the OSSREA and Institute of Social Studies (ISS) international conference on Resource Competition and Sustainable Development in Eastern Africa, Addis Ababa, Ethiopia, 21-24 October. European Commission/Food and Agriculture Organization (EC/FAO). 1995. Somalia: Livestock export market study. Nairobi: EC. Famine Early Warning Systems (FEWS). 1999. August bulletin on Eastern Africa and the Horn. AFR/99-08. Washington, DC: Associates in Rural Development. l.ittle, Peter D. 1992. Traders, brokers, and market 'crisis' in Southern Somalia. Africa 62, no. 1:94-12. _. 1996. Conflictive trade, contested identity: The effects of export markets on pastoralists of Southern Somalia. African Studies Review 39, no. 1: 25-53. _, 1998. Cross-border trade and food security in Horn of Africa: A research i proposal. Madison, Wl: BASIS CRSP. ____. 2000. Cross-border livestock trade and food security in the Somalia and northeastern Kenya borderlands. A research report of the Broadening Access to Markets and Input Systems-Collaborative Research Support Program (BASIS-CRSP) and OSSREA Project on Cross-Border Trade and Food Security in the Horn of Africa. Binghamton, NY: Institute for Development Anthropology. Mubarak, Jamil A. 1996. From bad policy to chaos: How an economy fell apart. Westport, CT: Praeger. Ogaden Welfare Society. 1999. Drought situation report in Somali National Regional State, September. Addis Ababa, Ogaden Welfare Society. Shank, Robert. 1997. Livestock marketing in the southeast of Ethiopia. United Nations Development Programme - Emergencies Unit for Ethiopia, Addis Ababa. Steffen, Phillip, A.H. Shirwa, and Sidow I. Addou, with contributions from Mahdi Gedi Qayad. 1998. The Livestock embargo by Saudi Arabia: A report of the economic, financial, and social impact on Somaliland and Somalia. Washington, D.C., FEWS Project. Tegegne Teka, Alemayehu Azeze, and Ayele Gebremariam. 1999. Cross-border livestock trade and food security in the Southern Ethiopia borderlands. OSSREA/BASIS CRSP Project on Cross-border Trade and Food Security in the Horn of Africa. Addis Ababa, OSSREA. Zaal, Fred, and Annemarie Polderman. 2000. High risk, high benefits: International livestock trade and the commercial system in Eastern and Southern Africa. Paper presented at the OSSREA Sixth Congress on Globalization, Democracy and Development in Africa: Future Prospects, 24-28 April 2000, Dar es Salaam, Tanzania.




الفصل العاشر

نتائج عولمة الاقتصاد العالمي علي الصناعة التحويلية لإحلال الواردات في السودان




















نتائج عولمة الاقتصاد العالمي علي الصناعة التحويلية لإحلال الواردات في السودان



بقلم: الخضر علي موسي معهد دراسات الإدارة - جامعة الخرطوم ـ السودان ترجمة: مصطفى مجدى الجمال

1 ـ الاتجاه نحو التصنيع بعد أن نالت بلدان نامية كثيرة استقلالها السياسي اندفعت نحو التصنيع في مسعي جاد منها لإنجاز تنمية اقتصادية سريعة ومستدامة.وفي أكثر هذه البلدان بُني التوجه نحو التصنيع علي سياسات إحلال الواردات، واستخدمت المشروعات العامة كرافعة رئيسية لتطبيق هذه السياسة. ولقد برز هذا الاندفاع نحو التصنيع كعنصر متكرر في جميع الوثائق التي صيغت فيها سياسات البلدان النامية، وذلك نتيجة للاعتقاد بأن التصنيع هو الذي سوف يؤدي إلي تحقيق معدل في النمو الاقتصادي أسرع من أي نهج آخر (Knight 1989). فعلي سبيل المثال بالنسبة للسودان ـ وهو بؤرة تركيز هذه الدراسة ـ نُظر إلي التصنيع كوسيلة لتنويع وتوسيع قاعدة النمو الاقتصادي في البلاد، وباعتباره الاستراتيجية الأكثر ملاءمة لتحقيق مستهدفات التنمية الاقتصادية كما يتصورها صناع السياسات (Abu Affan 1985). وهذا وقد أصدرت الحكومات السودانية المختلفة القوانين الصناعية الضرورية للإسراع بعملية التصنيع، وتشجيع الاستثمارات العامة والخاصة في القطاع التحويلي. ومنها قانون المشروعات المعتمدة لعام 1956، وقانون تنظيم ودعم الاستثمار الصناعي عام 1968، وقانون تنظيم وتشجيع الاستثمار الصناعي عام 1972، وقانون تشجيع الاستثمار عام 1980. وقد وعدت هذه القوانين بطائفة عريضة من الامتيازات مثل الإعفاءات الضريبية، وسهولة الحصول علي الأراضي والطاقة ووسائط النقل بأسعار زهيدة، وإمكانية تحويل أرباح المستثمرين الأجانب إلي الخارج، وحماية استثماراتهم من التأميم والمصادرة. ونتيجة لهذا وصل عدد الشركات العامة والخاصة العاملة في الصناعة التحويلية (وبخاصة قطاع إحلال الواردات) إلي 592 شركة من الحجم المتوسط والكبير (Abu Affan 1985). وهو ما مثل تقدمًا كبيرًا مقارنة بما كان عليه الوضع قبل الاستقلال (يناير 1956) حيث كان قطاع الصناعات التحويلية غير موجود تقريبا. بيد أن التسعينيات شهدت تحولاً غير مسبوق فيما يتعلق بانطلاق القطاع الخاص بشكل عام، وقطاع الصناعات التحويلية علي وجه الخصوص. وجاء هذا نتيجة لصدور برنامج السنوات الثلاث للإنقاذ الاقتصادي (1990 ـ 1993)، والاستراتيجية الوطنية الشاملة لعشر سنوات (1992 ـ 2002)، وبمقتضاهما تم التحرير الكامل للمبادرة الخاصة في جميع قطاعات الاقتصاد، فيما عدا قطاع النفط. وكان الهدف من هذا هو إيقاف التدهور الاقتصادي عن طريق إطلاق طاقات القطاع الخاص باعتباره محرك النمو، وصدرت قوانين للاستثمار في أعوام 1990 و 1996 و 1999 وفرت المزيد من المزايا لهذا القطاع. ورغم عدم توافر إحصاءات حديثة وموثوقة عن حجم القطاع التحويلي، وإسهامه في الناتج المحلي الإجمالي، فمن الواضح أن الكثير من الشركات الكبيرة والصغيرة قد نشأت خلال التسعينيات في قطاع الصناعة التحويلية ويتبين من الإحصائيات الخاصة بالعاصمة الخرطوم (حيث تتركز معظم مشروعات هذا القطاع) وجود أكثر من 1043 شركة يعمل بها عشرة عمال فأكثر (أنظر الجدول رقم 1). ومـع هذا يظل السودان بلدًا زراعيًا بالأساس، حيث يعمل بقطاع الزراعة 70% من قوة العمل القادرة. وبالمثل فإن مساهمة الصناعة التحويلية في إجمالي الناتج المحلي لا تتجاوز 15% (Economic Review (1997 ومازالت أقل من الأهداف الطموحة للاستراتيجيات الوطنية. وينسب هذا الوضع إلي مجموعة من المشكلات تواجه الصناعة التحويلية في السودان، ومن بينها: ـ الجدول رقم (1) الوضع الحالى لمشروعات الصناعة التحويلية فى الخرطوم القطاع عاملة غير عاملة تحت البناء مرخص لها ولم تبن إجمالى - الأغذية - النسيج - المنتجات الخشبية والمعدنية - الورق والمنتجات الورقية والطباعة - الصناعات الكيماوية - المنتجات التعدينية - الصناعات والتجهيزات التعدينية - الآلات 227 52 73 50 166 75 20 11 128 72 24 11 71 35 19 9 36 9 6 3 10 3 3 2 40 119 46 21 157 6 3 6 431 252 149 85 404 119 45 28 - الإجمالى 674 369 72 398 1513 Source: Industrial Survey, Khartoum State, 1998.

1 ـ المشكلات الضخمة في البنية التحتية (قصور الطاقة الكهربية، مشكلات النقل الخ) التي تواجهها الصناعة التحويلية المحلية، وهي تزيد من تكاليف الإنتاج وتقلل من القدرة التنافسية. 2 ـ معدل التضخم المرتفع في البلاد والذي يزيد من تكلفة الإنتاج، ويقلل من القدرة الشرائية للمستهلكين. وقد بلغ معدل التضخم حاليا 17.3% في السنة (El - Rai El -Aam 1999). 3 ـ الرسوم العديدة والعالية المفروضة من جانب الحكومة. 4 ـ اعتقاد بعض المديرين وأصحاب المشروعات بأن منتجاتهم في مجالي الأغذية والنسيج يجب أن تتمتع بالحماية من المنافسة الأجنبية، نظرا لأنها تعتمد علي مواد خام محلية وتحقق قيمة مضافة عالية. وهو مطلب يمثل استمراراً للتقاليد الحمائية العريقة في السودان. 5 ـ انخفاض الرسوم الحكومية (الجمارك) المفروضة علي السلع المستوردة مقارنة بالرسوم المفروضة علي إنتاج الصناعة التحويلية المحلية. وفي بعض الأوقات حصلت بعض السلع المستوردة (مثل الأحذية والملابس والحلويات) علي إعفاء تام من الرسوم الجمركية، أو كانت تدخل البلاد عبر تجارة الشنطة أو التهريب بدون دفع جمارك أوبدفع رسوم زهيدة. 6 ـ دخول بعض السلع المستوردة منخفضة الجودة (مثل البويات والأصباغ) وإغراقها للسوق بأسعارها المنخفضة، وذلك بسبب الافتقار إلي رقابة صارمة علي الجودة في السودان. وهو ما قد يغري بعض المنتجين المحليين بخفض جودة منتجاتهم، ومن ثم خفض أسعارها من أجل الاحتفاظ بالقدرة علي المنافسة.

2 - السياسة الحمائية في السودان حصلت الصناعة التحويلية المحلية ـ إلي جانب الحوافز التقليدية ـ علي الحماية من المنافسة الأجنبية، والتي وفرتها جميع قوانين تشجيع الاستثمار التي صدرت في الفترة من 1956 حتي 1980. وكان الهدف المعلن لسياسة الحماية مزدوجًا. أولا: تمكين الصناعة التحويلية المحلية من تجاوز مرحلة الطفولة وإعطاؤها الوقت الكافي للصمود في وجه المنافسة الأجنبية لمنتجات الصناعات التحويلية العريقة في بلدان أخري. ثانيا: اعتبرت السياسية الحمائية مناسبة نظرًا للدعم الذي تحصل عليه الصناعة التحويلية في البلدان الأخري. ومن ثم لا يدعو للدهشة أن قانون توطيد التنمية والاستثمار الصادر عام 1974 قد خول وزير الصناعة (بالتشاور مع وزراء آخرين) حق اتخاذ التدابير المناسبة لحماية الصناعة المحلية. وقد اتخذت هذه الحماية صورتين: أولاهما التقييد الكمي، أي تحديد كمية السلع المستوردة سواء بشكل كلي أو جزئي، وذلك وفق مستويات الإنتاج والإستهلاك المحليين. وثانيتهما التقييد باستخدام التعريفة الجمركية، أي فرض رسوم جمركية أعلي على السلع المستوردة ولصالح السلع المنتجة محليا، وحتي تحصل الصناعة المحلية علي هذه الحماية، فإن عليها أن تحقق ثلاثة شروط، أولاً: يجب أن تكون جودة السلع المنتجة محليًا مماثلة لجودة السلع المستوردة، ثانيًا: يجب أن يكون الإنتاج الصناعي المحلي كافيًا لإشباع الاستهلاك المحلي، ثالثًا: ينبغي أن تكون أسعار السلع المنتجة محليًا أقل أو مساوية لأسعار السلع المستوردة، ولايجب بحال أن تزيد بأكثر عن 15% من سعر نظيرتها المستوردة. بيد أن الصناع المحليين لم يكونوا قادرين علي الوفاء عمليًا بتلك الشروط، ويبررون هذا بالمشكلات التي تواجهها الصناعة التحويلية السودانية مثل نقص الطاقة الكهربية وندرة العملة الصعبة وهجرة العمال المدربين ونقص المواد الخام وقطع الغيار. ويبدو أن المسئولين في وزارة الصناعة يتساهلون مع هذه التقصيرات، انطلاقًا من الرغبة في تحقيق المصلحة الوطنية الممثلة في تنمية الصناعة التحويلية المحلية بغض النظر عن العواقب السلبية للسياسة الحمائية. ومما زاد المشكلة تعقيدًا أنه لم يكن هناك إطار زمني محدد لفترة الحماية تلك، وقد أدي هذا عمليًا إلي إطالة مرحلة الطفولة، وجعل المشروعات المحلية معتمدة ومدمنة علي الحماية. بيد أن سياسات اللبرلة التي انتهجتها الحكومة مؤخرًا قد أزالت الحواجز الكمية لكنها تركت قيود الرسوم الجمركية معمولاً بها.

3 - سياسات تحرير التجارة واجهت بلدان نامية كثيرة أزمة اقتصادية مزمنة أوائل الثمانينيات أوقفت تقريبا عمليات التنمية الاقتصادية فيها. وبالنسبة لأفريقيا كانت الثمانينيات بمثابة عقد التنمية الضائع. وقد قامت أدبيات كثيرة بتوثيق أعراض وأسباب هذه الأزمة علي نحو مفصل، وحيث وجه اللوم الأكبر في هذا المرض الاقتصادي إلي السياسات الخاطئة التي اتبعتها الحكومات الأفريقية. فمثلا أرجع البنك الدولي هذه الأزمة إلي أن "الحكومات الأفريقية قد تدخلت بشكل زائد من خلال تحديد الأسعار وتأميم المصارف، وتحديد معدلات صرف النقد الأجنبي، والاحتكارات الحكومية للصادرات الزراعية، وفرض نظم للترخيص حالت دون اضطلاع القطاع الخاص بدوره، وإنشاء الكثير من المشروعات الحكومية التي أعطيت فرصًا خاصة للحصول علي القروض والعملات الأجنبية" (World Bank 1994: 33). وإزاء تلك الأزمة الاقتصادية لم تجد بلدان نامية كثيرة مفرًا من "التكيف" وذلك سعيًا وراء إيقاف المنحني الكارثي. وهكذا "قبلت 78 بلدًا في أوائل 1992 برامج التكيف المدعومة من البنك الدولي، كما قامت بلدان عديدة أخري بإدخال نفس تلك الأطر السياسية دون عقد اتفاقيات رسمية مع البنك" (Mosley and Weeks 1993: 1583). هذا وكانت إحدي وعشرون بلدًا من أفريقيا جنوب الصحراء (شملت تقريبًا كل بلدان شرق أفريقيا) قد اتجهت أو اضطرت إلي انتهاج سياسات التكيف خلال الفترة من يونيو 1986 إلي يوليو 1987، وسواء تم ذلك بضغوط أو دعم من البنك وصندوق النقد الدوليين، أو من تلقاء نفسها. ورغم اختلاف خصوصيات برامج التكيف الهيكلي من بلد لآخر، إلا أنها اتبعت جميعًا سياسات إلغاء الدعم الحكومي، وتقليص الإنفاق العام، وتسريح أعداد كبيرة من العاملين بالقطاع العام، والخصخصة، وخفض الرقابة علي النقد الأجنبي، وزيادة معدلات الفائدة إلي مستويات واقعية، وسحب الإجراءات الحمائية، وإدخال رسوم المستهلك، والرقابة المحكمة علي الائتمان، وزيادة أسعار المنتجات الزراعية (Stein 1992). وبالنسبة للسودان، كانت أهم المشكلات الخاصة بالسياسات خلال السنوات العشر من 1975 إلي 1985 هي تردي النظام المالي، والذي تجلى بشكل ملحوظ في أواسط وأواخر السبعينيات ولكن لم تمتد يد الإصلاح إليه حتي اليوم. ونظرًا لهذا التردي قامت الحكومة بتبنى سلسلة من برامج التكيف الهيكلي بالاتفاق مع صندوق النقد والبنك الدوليين، وذلك بعد أن شخص الصندوق مرض الاقتصاد السوداني علي أنه اختلال جوهري. واتبعت الحكومة السودانية بدقة الاستراتيجية التي أوصي بها صندوق النقد والبنك الدوليان خلال الفترة 1978 ـ 1985. ومع ذلك واصل الاقتصاد السوداني تدهوره السريع طوال الأعوام 1986 ـ 1990. وقد زاد الوضع سوءًا وقوع فترة طويلة من الجفاف واندلاع الحرب الأهلية في جنوب السودان مع اتساع عدم الاستقرار السياسي. ونتيجة لكل هذا سجل النمو الحقيقي المتراكم لإجمالي الناتج المحلي رقمًا موجبًا بصعـوبة خلال هذه الفترة. فكان معدل النمو الحقيقي المحسوب عن هذه الفترة 3%، وارتفع إجمالي الدين السوداني إلي 13 مليار دولار أمريكي، كما قفز التضخم إلي 80%. وفي عام 1986 صنف صندوق النقد الدولي السودان كبلد غير مؤهل، ثم إلي بلد غير متعاون عام 1990 (Riddel 1992). وفي غمار هذه الأزمة الحادة استولت علي السلطة حكومة عسكرية بعد انقلاب وقع في يونيو 1989، وقد تبنت الحكومة الجديدة علي الفور في أوائل التسعينيات ما أطلق عليه "سياسات التكيف الهيكلي السودانية". وحسبما توحي التسمية فإن هذه السياسات قد صيغت محليًا، أي أنها لم يجر التفاوض حولها مع البنك أو الصندوق الدوليين، ولم تلق دعمًا منهما. ومع ذلك فإن هذه السياسات كانت في مجموعها نسخة بالكربون من اتفاقيات التكيف النمطية التي وقعها صندوق النقد الدولي مع بلدان أفريقية أخري. بل في الواقع جاءت السياسات الحكومية السودانية أكثر قسوة مما يوصى به عاده صندوق النقد (Sudan Now 1992: 9 - 21). وقد استخدمت هذه السياسات ـ بالرغم من عدم نجاحها ـ لاسترضاء الصندوق والحصول علي دعمه لتعزيز ميزان المدفوعات في المفاوضات اللاحقة. بيد أن المشكلة الرئيسية كانت مبالغ المليار ونصف مليار دولار أمريكي المستحقة للصندوق علي السودان. ويعتبر برنامج التكيف الهيكلي السوداني جزءًا لا يتجزأ من البرنامج الثلاثي للإنقاذ الاقتصادي (1990 ـ 1993). واستهدف البرنامج إيقاف التدهور الاقتصادي من خلال إعادة توجيه الموارد لصالح الإنتاج (بخاصة الإنتاج الزراعي بهدف تحقيق الأمن الغذائي وفوائض للتصدير)، والارتقاء بدور القطاع الخاص، وإنهاء التحكم في الأسعار، وخصخصة المشروعات العامة، وتحقيق التوازن المالي. ويعد إنهاء التدخل في الأسعار مكونًا سياسيًا هامًا في برنامج التكيف الهيكلي السوداني، وقد تم تطبيق هذا علي مستوي كل من مستلزمات الإنتاج وسعر المصنع وسعر الجملة، وتم إطلاق قوي العرض والطلب في السوق لتحديد مستويات الأسعار في كل القطاعات. وكذلك تم رفع أسعار الخدمات العامة وسلع معينة مثل السكر بدرجة كبيرة حتي تعكس قوي السوق. ونتيجة لسياسات تحرير التجارة تم رفع جميع القيود علي الواردات، وإن استمر الحظر علي سلع قليلة لأسباب دينية أو أمنية أو صحية، وتم إلغاء النظام البيروقراطي لرخص الاستيراد. أما علي جانب التصدير فقد تم رفع جميع القيود السابقة علي الاستيراد، فألغيت منظومة تصاريح التصدير، وكذلك أنهي تحديد حد أدني لأسعار الصادرات، وذلك لصالح أسعار مرنة يتم وضعها من قبل لجنة يمثل فيها القطاع الخاص بشكل عادل. وأكثر من هذا تم خفض الضرائب علي التصدير إلي 5% علي جميع الصادرات فيما عدا القطن والصمغ العربي. هذا وقد أدت سياسات تحرير الأسعار والتجارة إلي زيادة كبيرة في حجم واردات وصادرات السلع المصنعة.

4 - السودان وعولمة الاقتصاد العالمي هناك اعتقاد واسع الانتشار بأن سياسات لبرلة الاقتصادات النامية والانتقالية (ممثلة في برامج التكيف الهيكلي) تمثل من الناحية العملية مقدمة لعولمة الاقتصاد العالمي. فمثلا يري التقرير الصادر عام 1996 عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية أن "العولمة هي نتاج اللبرلة" (UNC TAD 1996:7). هذا وقد تم تعريف العولمة بطرق مختلفة فيصف "ماكجرو" العولمة بأنها "بناء العديد من الروابط والصلات بين الدول والمجتمعات، وبما يشكل منظومة عالمية حديثة. وبمقتضي هذه العمليات يمكن للأحداث والقرارات والأنشطة التي تقع في جزء من العالم أن تكون ذات آثار ملموسة علي الأفراد والمجتمعات في أجزاء بعيدة جدًا من العالم" (McGrew 1992: 262). ويعطي "فريد مان" تعريفًا أكثر اتساعًا من ذلك للعولمة بأنها "ذلك المركب الواسع من اتفاقيات التجارة الحرة وشبكة الانترنت واندماج الأسواق المالية، وهو ما يزيل الحدود ويوحد العالم ليصبح مكانًا واحدًا ومربحًا ويعج بالمنافسة القاسية" (Friedman 1996). وهناك تعريف ملموس آخر للعولمة كظاهرة أكثر ارتباطًا بالاقتصاد، وهو تعريف "أومان" الذي يصف العولمة بأنها "النمو، أو، علي وجه أكثر دقة، النمو المتسارع للنشاط الاقتصادي عبر الحدود السياسية الوطنية والإقليمية" (Oman 1996). وأيا كان التعريف فمن المؤكد أن عولمة الاقتصاد العالمي تؤدي إلي منافسة شديدة القسوة، وأصبح موضع الاعتراف في كل مكان أن "المسرح العالمي يمر بتغيرات عميقة تفتح السوق العالمية بشكل سريع أمام القوي المتنافسة" (Lall and Wangwe 1998) ومع ذلك لايبدو أن هناك إجماعًآ حول مضاعفات العولمة بالنسبة للصناعة التحويلية المحلية، إذ تنقسم الأدبيات بشأن آثار العولمة والمنافسة علي التنمية الصناعية في البلدان في البلدان النامية (O` Neill 1997:7). فينحدر تقرير التنمية البشرية الصادر عام 1996 عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن "الخطر لا يتمثل فقط في أن فوائد العولمة سوف تتخطي هذه البلدان (النامية)، وإنما في أن تهميش هذه البلدان سيزداد مع استمرار تناقص حصصها في التجارة العالمية وتدفقات رأس المال الدولي" (UNDP 1996:103). وهو الموقف نفسه الذي اتخذه مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أنكتاد)، حيث رأي أن "البلدان الأقل نموًا ـ وخاصة في أفريقيا وأماكن أخري ـ ستظل مكبلة بنقص قدرات الإمداد، وغير قادرة علي الإفادة من التجارة. كما تفاقم التهميش سواء لبلدان بأكملها أو داخل البلد الواحد" (UNCTAD 1996:3). واتخذ البعض الآخر مواقف أكثر تشاؤمًا حيث اعتقدوا - علي العكس من اعتقاد ساد طويلا - أن التصنيع الآن هو الطريق إلي التخلف والإفقار (EL - Aisawi 1998). ويعتقد الكثيرون في أفريقيا أن العولمة يمكن أن تدمر القاعدة الصناعية الضعيفة أصلا وأن تحبط جهود التصنيع في بلدان كثيرة (Lall and wange 1998) . وبسبب من هذه الرؤي المتشائمة يعتقد البعض أن العولمة تمثل تهديدًا خطيرًا لأمن الاقتصاد الدولي. وقد عرف تقرير التنمية البشرية انعدام الأمن الاقتصادي بأنه يتضمن تهديدات بالبطالة والوظائف غير الآمنة وعدم عدالة توزيع الدخول والفقر والتشرد (UNDP 1996). ويبدو من خبرة الاقتصادات المتكيفة في البلدان النامية وأوربا الشرقية، والتي تبنت سياسات تحرير التجارة في الثمانينيات والتسعينيات، أنها أقرب إلي تبرير المخاوف بشأن الأخطار الممكنة للعولمة. ودرس باحثون في جميع أنحاء العالم استجابة الصناعة التحويلية المحلية إزاء المنافسة الصعبة التي فرضتها عليها الحكومات كجزء من سياسات التكيف. ففي أمريكا اللاتينية علي سبيل المثال تناول باحثون كيفية تفاعل مديري الشركات مع منافسة السلع المستوردة، حيث استخلصوا وجود أربع استراتيجيات لتحسين الكفاءة. أولها قيام الشركات بمواجهة منافسة المستورد عن طريق التخصص الأكبر في الانتاج، وإجراء تحسينات علي جودة المنتج. وثانيتها تعزيز الانتاج مع تقليص قوة العمل بها. والثالثة زيادة الاستثمار في الآلات الجديدة وتحديث خطوط الانتاج. أما الرابعة فهي شراء التصميمات الأجنبية والتفاوض علي اقتسام الأرباح وعقد اتفاقيات الترخيص بإنتاج الشركات الأجنبية" (Webster 1993). وفي أفريقيا "وقع المنظمون بين شقي رحي ارتفاع تكاليف المدخلات وعدم القدرة علي رفع أسعار المنتجات بسبب تهالك الطلب المحلي ومنافسة الواردات رخيصة السعر" (Steel and Webster 1990 Frischtak 1990) . ومن خلال تحليل لآفاق الشركات الغانية أجري عام 1989 تكشف أن عملية التكيف التي اضطلع بها صناع السياسة تجاه قطاع مشروعات الدولة كانت مماثلة تمامًا لما هو دائر في القطاع الخاص. فالشركات التي لم تستطع المنافسة في بيئة ما بعد الإصلاح كان مصيرها الفشل، أما الشركات المتمركزة في أسواق نائية فقد استطاعت التوسع. وبالنسبة للشركات التي تنتج سلعًا غير مميزة وعلي أساس الإنتاج الكبير (مثل المنسوجات والملابس والمنتجات المعدنية البسيطة) فقد استطاعت المنافسة أو علي الأقل حققت فشلاً جزئيًا في المنافسة مع المستورد (Steel and Webster 1990). وتنبأ آخرون بأنه ما لم يتم علاج السياسات الرديئة والآثار الجانبية السلبية لبرامج التكيف الهيكلي، فإن هذا قد يفضي إلي اقتلاع التصنيع من القارة (الأفريقية) (Stein 1992). وبالنسبة للسودان، فقد أوضحنا سابقًا أن سياسات اللبرلة التي اتبعت في التسعينيات قد أدت فعليا إلي إجبار بعض شركات الصناعة التحويلية إلي التوقف عن العمل أو العمل بقدرة أقل (انظر الجدول رقم 1) وبالإضافة إلي هذا فقد تبين من دراسة أخيرة أجراها الباحث أن أغلبية الشركات المدروسة العاملة في مجال الصناعة التحويلية قد كانت شديدة البطء في صياغة وتطبيق استراتيجيات ملائمة لمواجهة المنافسة المفروضة عليها بفعل تدابير اللبرلة. ومن أسباب هذا الإبطاء أنها قد أدمنت علي الحماية منذ زمن طويل (Musa 1999). ويلخص الجدول رقم (2) إجابات الشركات عن أسئلة صاغها الباحث حول خططها لزيادة قدرتها التنافسية في ضوء سياسات اللبرلة التي اتبعت في التسعينيات، وقد تبنت شركات مختلفة عددًا من الخطط لهذا الغرض. وهو ما يبين إدراك القائمين علي الصناعة التحويلية أن الأمور قد تغيرت وألا بديلا أمامهم سوي مواجهة المنافسة المتزايدة بهذه الطريقة أو تلك. جدول رقم (2) خطط الشركات لمواجهة المنافسة المتزايدة خطة الشركة عدد الشركات التوسع فى دخول أسواق جديدة واعتماد استراتيجيات جديدة فى التسويق 10 إنتاج سلع جديدة تواجه منافسة أقل أو لا تواجه منافسة 9 إدخال تقنية جديدة لتحسين الجودة وتقليل التكاليف 14 الدخول فى شراكة فى مستثمرين أجانب من خلال الحصول على تراخيص إنتاج او ترتيبات أخرى 12 الإغلاق مؤقتاً 4 Source: Musa 1998.

بيد أنه من الناحية العملية يبدو من الصعب أن تتمكن الشركات من تنفيذ هذه الخطط. فمثلاً يعد إدخال آلات وتقنيات حديثة لرفع الكفاءة الإنتاجية خيارًا صعب التحقيق، وذلك بسبب نقص العملة الصعبة وسوء الأداء المالي في كثير من الشركات. كذلك ليس سهلاً بالمرة فتح أسواق جديدة أو اعتماد أساليب تسويقيه حديثة. فكثير من هذه الشركات لا تملك إدارات للتسويق، ولا تملك حتي المعرفة بأصول التسويق، نظرًا لاستمرارها لمده خمسة عقود تقريبًا في الإنتاج لسوق يهيمن عليها البائعون. أكثر من هذا، فرغم أن 12 شركة (بنسبة 50%) قد وضعت خططًا لتقليل التكاليف من خلال إعادة التنظيم والبحوث والتطوير، فإن أيًا منها لم تملك إدارةة لهذه البحوث. فقط امتلكت المصانع الكبيرة معامل مجهزة فحسب لإجراء اختبارات الرقابة علي الجودة. ويرجع هذا النقص إلي سببين، أولهما أن بحوث التطوير لم تكن قط بمثابة تقليد مستقر بالنسبة لمعظم مديري الشركات العاملة بالصناعة التحويلية في السودان. وثانيهما أن هذه البحوث تتطلب إنفاقًا كبيرًا يتجاوز القدرة المالية لكثير من هذه الشركات. ومن الطريف أيضًا معرفة أن شركتين فقط هما اللتان ترغبان في البحث عن شراكة أجنبية، إما من خلال الاستثمار الأجنبي المباشر، أو من خلال الحصول علي رخصة إنتاج، وذلك بهدف مواجهة المنافسة. ومن أسباب هذا أن بعض تلك الشركات تعتبر شركات عائلية، ومن ثم فهي مترددة إزاء استكشاف هذه الإمكانية. وفوق هذا ليس من السهل اجتذاب الاستثمار الأجنبي المباشر إلي السودان في هذه الأيام. ويرجع هذا جزئيًا إلي المشكلات الحادة التي يعانيها قطاع الصناعة التحويلية. وقد أجاب مصنعان فقط (لايواجهان منافسة تقريبًا في الوقت الراهن) بأنه لاتوجد لديهما أية خطط للتصدى لعواقب اللبرلة. وقد مرت أربع شركات بتجربة الإغلاق المؤقت أو هي بسبيلها إليه. فقد قررت هذه الشركات الاستسلام أمام المنافسة الأجنبية، وانتظار ما سوف تنتهجه الحكومة من سياسات لمساعدة الشركات المتوقفة أو المتعثرة، وقد حققت هذه الشركات خسائر مالية ضخمة كما تراكمت عليها الديون عبر السنين. وبصرف النظر عن أية عواقب للعولمة بالنسبة للصناعة التحويلية المحلية، فإن السودان ليس بمقدوره أن يبقي خارج الاقتصاد العالمي، ولذا فقد انتهجت الحكومة خطوات عملية منذ يونيو 1994 تمهيدا للانضمام إلي منظمة التجارة العالمية، فشكلت الحكومة لجنة وطنية في وزارة التجارة لبحث آثار الانضمام للمنظمة علي الاقتصاد السوداني، وتوصلت الحكومة إلي الموافقة علي الانضمام وقدمت إلي منظمة التجارة العالمية بطلب بذلك، وسمح لها بوضع المراقب. ثم قامت الحكومة بتسليم المنظمة تقريرًا مفصلاً عن السياسات التجارية والاقتصادية والقانونية والتنظيمية المعمول بها في السودان. وبعد دراسة سكرتارية المنظمة لهذا التقرير طلبت تقديم المزيد من المعلومات. وفي فبراير 1998 تشكلت لجنة وطنية جديدة مكونة من مسئولين كبار من وزارات مختلفة وجمعية رجال الأعمال السودانيين والنقابات، وقد تمكنت اللجنة في أغسطس 1998 من إعداد تقرير إحصائي بالاشتراك مع مجلس الوزراء. كما تم في هذه الأثناء اتخاذ بعض الخطوات العملية للوفاء بمتطلبات منظمة التجارة العالمية، ومن أهمها إدخال ضريبة القيمة المضافة وتعديل الدستور. وفي الوقت نفسه شكل مجلس الوزراء لجنة وزارية برئاسة وزير التجارة الخارجية للإعداد للمفاوضات مع المنظمة حينما يكون السودان قد أوفي شروط الحصول علي العضوية الكاملة. وحتي الآن مازالت الحكومة السودانية في انتظار المزيد من استفسارات الدول الأعضاء في المنظمة، رغم وفائها بهذه الشروط في ديسمبر 1998.

5 - المكاسب المحتملة من العولمة بالنسبة للصناعة التحويلية المحلية رغم عدم القدرة علي الإجابة بالأرقام عن الأثر الراجح لعولمة الاقتصاد العالمي علي الصناعة التحويلية المحلية، فإنه ليس من الصعب تصور هذا الأثر، وخاصة علي أساس من الاستجابات المختلفة التي أبدتها الصناعة التحويلية تجاه سياسات اللبرلة التي اتبعت في التسعينيات، والتي ناقشناها في الجزء السابق. ومن ثم فبإمكان المرء أن يتوقع أن الصناعة التحويلية المحلية ستصبح أكثر وعيًا بمسأله التكلفة أكثر من أي وقت سابق، وذلك حتي تصمد في المنافسة الصعبة. وقد تجتهد أكثر من أجل رفع الكفاءة الإنتاجية وخفض تكاليف الإنتاج وتحقيق أسعار تنافسية. وهو ما قد يدفع الشركات إلي تقليص التكاليف التي يمكن السيطرة عليها فيما يتعلق بعناصر المواد والعمل والنفقات العامة أو النثرية. وستكون الحاجة إلي هذا الوعي التكاليفي حتمية للشركات العاملة بالصناعة التحويلية إن أرادت لنفسها البقاء. وإلا فإن المستهلك المحلي ـ الذي تتعدد أمامه الاختيارات الآن ـ سوف يتحول ببساطة إلي السلع الأجنبية المستوردة، والتي تتصف عامة برخص أسعارها. ومن المتوقع أن يكون لهذا أثر إيجابي بالمقابل علي مستوي الاقتصاد القومي، حيث يضمن الانتفاع الكفؤ بالموارد الوطنية، غير أنه من الجدير بالملاحظة أن قدرة شركات الصناعة التحويلية علي تقليل تكاليف إنتاجها تعتمد بدرجة كبيرة علي الخروج من الأزمات وعنق الزجاجة الذي تمر به في الوقت الحالي. وهو ما يتطلب تطوير مجمل بيئة الأعمال. ثانيًا، من المتوقع أن تفيد العولمة المشروعات التحويلية المحلية من زاوية تشكل الوعي بالجودة أيضًا لديها. وهذا لأن التمتع بمزايا سوق البائعين لردح طويل من الزمن، قد جعل المشروعات التحويلية السودانية غير مكثرثة بقضية الجودة، حتي استجدت سياسات اللبرلة في التسعينيات. ولذا فالمتوقع أن الاندماج في العولمة سوف يضطر الصناعة التحويلية المحلية إلي المراعاة الدقيقة للمعايير الإقليمية والدولية في إنتاجها، وإلا سيكون عليها إخلاء الساحة أمام السلع المستوردة الأعلي جودة في معظم الحالات. أما الفائدة الثالثة المتوقع أن تجنيها الصناعة التحويلية المحلية فتتمثل في أرجحية أن تؤدي العولمة إلي تحسين ميزتها التنافسية. ومن الجلي أنه كلما استطاعت هذه الصناعة تحسين كفاءتها الإنتاجية وجودة منتجاتها وتذليل العراقيل التقليدية للعرض، كلما سهلت لها العولمة الوصول إلي السوق الدولية. وتبين التجارب أن المصنعين السودانيين قد أفادوا من تقليص القيود الحكومية علي التصدير، واستطاعوا اختراق أسواق جديدة. كما أن هذا المكسب الإيجابي سوف يؤدي بدوره إلي آثار إيجابية جانبية أخري، إذ إن زيادة صادرات السلع التحويلية سوف يزيد الطلب علي المواد الخام المحلية ـ وبالذات الزراعية منها ـ وهو ما سوف يولد فرص عمل ودخولاً جديدة لكثير من سكان المناطق الريفية، فضلاً عن مكاسب أخري، مثل استفادة، الاقتصاد الوطني من زيادة الصادرات لتحسين ميزان المدفوعات، وإتاحة العملة الصعبة اللازمة لاستيراد مدخلات الإنتاج وتثبيت سعر الصرف، وتلك هي "الجزرة" التي تشجع الحكومات علي الانضمام لمنظمة التجارة العالمية. وجدير بالذكر أن الحكومة تخطط لزيادة الصادرات إلي بليون دولار عام 2000 (EL - Rai EL - Aam 1999). وأخيرًا، من المتوقع أن تساعد العولمة الصناعة التحويلية السودانية في تذليل أو علي الأقل تلطيف حدة المشكلات الكبيرة (المذكورة سابقًا) والتي ظلت تعيق تطور هذه الصناعة لزمن طويل. إذ إن انضمام السودان لمنظمة التجارة العالمية سوف يؤهله للحصول علي المساعدات التقنية والمالية من المؤسسات الاقتصادية الدولية، وذلك للمساعدة في حل هذه المشكلات ذات الأثر السلبي علي القدرة التنافسية للصناعة التحويلية المحلية. كما أن الأخيرة سوف تتمتع ببعض الإعفاءات خلال الفترة الانتقالية التي ستنتهي في 31 ديسمبر 2004 (Osman 1998).

6 -أخطار ممكنة للعولمة ليس الانضمام لمنظمة التجارة العالمية أمرًا خاليا من المتاعب بالطبع، إذ من المتوقع أن يكون لهذا الانضمام مضاعفات سلبية علي الصناعة التحويلية السودانية، بل ومن قبيل المؤكد أن العولمة سوف تلحق بها خسائر محققة حيث ستضطر بعض المشروعات إلي الخروج من الإنتاج، بشكل مؤقت علي الأقل. ويمكن أن يعزي هذا إلي سببين رئيسيين. أولا: عدم قدرة بعض المشروعات التحويلية علي منافسة السلع المستوردة علي المدي القصير، وسواء من حيث السعر أو الجودة، وتشير الدراسات إلي أن المشروعات التحويلية السودانية كانت بطيئة في صياغة وتطبيق استراتيجيات جديدة للصمود في المنافسة القوية التي نشأت مع تطبيق سياسات اللبرلة في التسعينيات (Musa 1999) . وفي الحقيقة أن تحرير التجارة (رغم تحرير القيود الكمية فقط) قد كان وحده ثقيل الوطأة، حيث اضطر 54.7% من المشروعات التحويلية إلي غلق أبوابها مؤقتًا بسبب جملة من المشكلات التي تواجهها، بما فيها المنافسة (أنظر الجدول رقم 1). ومن المؤكد أن المنافسة السعرية سوف تصبح أكثر قسوة مع انتهاء الفترة الانتقالية في 31 ديسمبر 2004 ورفع القيود الجمركية نهائيًا. ومن الأرجح أن تكون المعاناة كبيرة لصناعات مستقرة من زمن مثل الأسمنت والسكر والمنسوجات، وذلك لنقص قدرتها التنافسية (Osman 1998). وحتي نضرب مثالاً فإن سعر السكر الأبيض المكرر في المشروعات المملوكة للدولة يبلغ حوالي 520 دولارًا للطن المتري مقابل سعره في سوق (لندن) العالمية وهو 250 دولارً. ثانيا: ستواجه بعض المشروعات التحويلية موقفًا صعبًا حيث سيتوجب عليها مراعاه أحكام اتفاقية "الجات" فيما يتعلق بحقوق الملكية الفكرية. وتعد صناعة الدواء أوضح مثال في هذا الشأن، حيث إنه بمجرد انتهاء الفترة الانتقالية ومدتها عشرون عامًا لن يصبح بإمكان أي شركة دوائية إنتاج عقاقير ـ وبالذات المضادات الحيوية - بدون الحصول علي رخصة مسبقة بذلك (Osman 1999)، وهو الأمر الذي كان موضع تسامح في الماضي علي أسس إنسانية.

7 - مضاعفات العولمة من زاوية السياسات والبحوث تبين المناقشات السابقة أنه من المتوقع لعولمة الاقتصاد العالمي أن تحمل فوائد - ومخاطر أيضا ـ للصناعات التحويلية وإحلال الوارد في السودان وغيره من البلدان الأفريقية. ومن ثم فإن المسألة الملحة هي كيف يمكن تعظيم فوائد العولمة إلي أقصي حد وتقليص أخطارها إلي أدني حد. ويستشف من الأدبيات المتاحة أن الحكومات وأرباب العمل والقائمين علي الإدارة في المشروعات التحويلية قد أصبحوا الآن على دراية تامة بمضاعفات العولمة بالنسبة لهذه الصناعة، وهناك عدد من الاستراتيجيات المقترحة للتعامل مع الأخطار التي تحملها العولمة، فعلي سبيل المثال يستنتج "لال" و"وانجوي" التحديات أو المهام الماثلة أمام السياسة الصناعية بفعل عملية العولمة (Lall and Wangwe 1998) ومن بينها:- -زيادة القدرة التنافسية، وبخاصة تحسين القدرات التقنية في ظل اقتصاد السوق. -تحويل نظام الحوافز بقوة نحو تشجيع الاتجاه للتصدير. -مساعده صناعات إحلال الوارد علي إعادة البناء والارتقاء بالتقنيات والمهارات الموجودة لديها. -الاستثمار في البنية الأساسية والتعليم والتدريب وخدمات المساعدة التقنية. -تشجيع التعاون الإقليمي من أجل توسيع الأسواق. وقد عقد في العالم العربي العديد من الندوات لمناقشة استجابة الصناعة المحلية إزاء المنافسة القوية المتوقعة، ففي البحرين مثلاً ناقشت مجموعة إقليمية الاستراتيجيات والسياسات الصناعية في ظل المتغيرات العالمية والإقليمية (ESCWA 19995). كما ناقشت ندوه عقدت مؤخرًا في بيروت الاستراتيجيات التي يمكن للمشروعات الإنتاجية والخدمية تطبيقها لمواجهة العولمة (UNIDO 1998)، ومن بينها:-

  • الارتقاء بتصميم وجودة المنتج واحترام المعايير الدولية.
  • التطوير التكنولوجي لتحسين الإنتاجية وتقليل التكاليف.
  • تنمية الموارد البشرية من خلال التدريب والحوافز.
  • تشجيع البحوث والتطوير.
  • انتهاج أساليب تسويقية اقتحامية للتوسع في السوقين العربي والداخلي.
  • تطوير التنظيم والإدارة لتحسين الكفاءة.

وقد شددت الندوتان علي دور جمعيات رجال الأعمال والحكومات في مساعده المشروعات علي مواجهة تحديات العولمة. ومن ناحية أخري، فقد حذرت بعض الدراسات من خسائر كبري يمكن أن تلحق بالعالم العربي من جراء العولمة (Ben Hammouda 1996, Diwanand Walton 1998). وقد حذر "سراج الدين" بوجه خاص من الاستجابة البطيئة للاقتصادات العربية تجاه المخاطر والفرص التي تحملها العولمة أو مما أسماه "التغيير الخارجي السريع ـ الاستجابة الداخلية البطيئة". وهناك دور أيضًا يجب أن يضطلع به المجتمع الأكاديمي، فقد وضعت العولمة "أجندة بحثية هائلة" يجب إنجازها. وهناك في الوقت الراهن حاجة لتكوين شبكة بحثية لدراسة مسألتين هامتين: أولاً: الأثر المرجح للعولمة علي الصناعة التحويلية المحلية. ثانياً: استراتيجيات الصناعة التحويلية المحلية للتصدى للمنافسة الناشئة بسبب العولمة.



المــراجـع

AbuAffan, B. 0. 1985. Industrial policies and industrialisation in Sudan. Graduate College Publication no. 16. Khartoum: University of Khartoum. Ben Hammouda, H. 1998. Globalisation and the crisis of the Tunisian textile industry. ERF Working Paper no.9815 (in French). Cairo: ERF. Diwan, 1., and M. Walton. 1998. Opening up and distribution in the Middle East and North Africa: The poor, the unemployed and the public sector. In Opening doors to the world: A new trade agenda for the Middle East, edited by R. Safadi, 53-84. Cairo: The American University in Cairo Economic Review (1997), Ministry of Finance and Economy, Khartoum, Sudan. ESCWA. 1995. Expert Group Meeting on Industrial Strategies and Policies under Conditions of Global and Regional Change, Bahrain, 20-23 November. El-Aisawi, I. 1998. Industrialization: The road to development or underdevelopment. El-Ribat (Arabic). Newsletter of the Arab Society for Economic Research (Cairo). (April): 2-4. El-Rai El-Aam (Arabic Daily). 1998. Khartoum, November 11. __. 1999. Khartoum, November 10 and 13. Frischtak, C. 1990. Adjustment and constrained response: Malawi at the threshold of sustained growth. Industry Series Paper no.41. Washington, D.C.: World Bank. Friedman, T. 1996. Revolt of the Wannabes: Globalisation suffers a backlash. New York Times, 7 February. Knight, J. B. 1989. Public enterprises and industrialisation in Africa. University of Oxford England: Unit for the Studies of African Economies, Institute of Economics and Statistics. Khartoum State Industrial Survey. 1998. Khartoum, Sudan. Lall, S., and S. Wangwe. 1998. Industrial policy and industrialisation in Sub- Saharan Africa. Journal of African Economies 7, Supplement 1 (June): 70-107. McGrew, A. 1992. The Third World in the new global order. In Poverty and Development in the 1990s, edited by T. Alien and A. Thomas. Oxford: Oxford University Press in association with the Open University. Mosley, P., and J. Weeks. 1993. Has recovery begun? Africa's adjustment in the 1980s revisited. World Development^, no. 10:1583-1606. Musa, E. A 1999. Getting ready for liberalization: Response of the Sudanese manufacturing industry to increasing competition. Research Report prepared for the Arab Society for Economic research, Khartoum, June. O'Neill, H. 1997. Globalisation, competitiveness and human security: Challenges for development policy and institutional change. The European Journal of Development Research (June): 7-37. Oman, C. 1996. The policy challenges of globalisation and regionalisation. OECD Development Centre, Policy Brief no. 11. Paris: OECD. Osman, A. S. 1998. The impact ofglobalization for the locally produced goods. A paper presented at the First Industrial Conference in the State of Khartoum, Khartoum, 12-13 December. Sudanow. 1992. Sudan's structural adjustment policies: A step forward. (An English language magazine published monthly by the Ministry of Information.) (September): 22-26. Steel, W., and L. Webster. 1990. Ghana's small enterprise sector: Survey of adjustment response and constraints. Industry Series Paper no.33. Washington, D.C.: World Bank. Stein, H. 1992. Deindustrialisation, adjustment, the World Bank and the IMF in Africa. World Development 20, no.l: 83-95. Sirageldin, I. 1996. Globalisation, regionalisation and recent trade agreements: Impact on Arab economies. ERF Working Paper 9817. Cairo: ERF. UNCTAD. 1996. Promoting growth and sustainable development in a globalising and liberalising world economy. Pre-conference Text, TD/367, 3 April. UNDP. 1996. Human Development Report. Oxford: Oxford University Press. UNIDO. 1998. Competitiveness of the Arab production and service enterprises within global and Arab trade agreements. Beirut, 20 October. Webster, L. M. 1993. The emergence of private sector manufacturing in Hungary: A survey of firms. World Bank Technical Paper no. 229. Washington, D.C.: World Bank. World Bank. 1994. Adjustment in Africa: Reforms, results and the road ahead, A World Bank Policy Research Report. Oxford: Oxford University Press.



















الفصل الحادى عشر

العولمة وإدارة البيئة آفاق التنمية المستدامة فى شرق وجنوبى أفريقيا





















العولمة وإدارة البيئة آفاق التنمية المستدامة فى شرق وجنوبى أفريقيا



بقلم: وليام روجومامو قسم الجغرافيا جامعة دار السلام- تنزانيا ترجمة: مصطفى مجدى الجمال

1- مقــدمـة عـامـة تمثل الزراعة فى جنوبى وشرق أفريقيا مصدراً أولياً لسبل المعيشة بالنسبة لأغلبية السكان من صغار الحائزين. ويعتمد هذا القطاع اعتماداً كبيراً على قاعدة الموارد فى البيئة الطبيعية، حيث تدار معظمها بالقليل من المدخلات الصناعية، أو بدونها على الإطلاق. ومنذ إدماج هذا الحيز الإقليمى – الفرعى فى الإطار العام للتقسيم العالمى للعمل فى حقبة الاستعمار، وقد تعرض دور القطاع الزراعى لتغيرات عميقة. فقد أصبح مصدراً للبقاء، نظراً لكونه مصدر التشغيل والحصول على النقد الأجنبى، وكسوق للمدخلات والخدمات والسلع الاستهلاكية المنتجة فى قطاعات وبلدان أخرى وتستخدم لتنمية هذا القطاع. وشهدت الحرب العالمية الثانية صغار ملاك وحائزين يفرطون فى استغلال الموارد البيئية من أجل تحسين نوعية حياتهم وحياة شركائهم فيما وراء البحار، حتى لو كان هذا على حساب قاعدة الموارد الطبيعية (Frobe, Heinrichs and Krenye 1988). وقد أدت هذه العلاقة إلى تدعيم التخصص والتبادل على نطاق عالمى. بيد أن هناك ما يشير إلى أن الانتفاع بالموارد كان يتم بشكل يضمن الاستدامة فى بعض المناطق، بينما كانت علاقات التآكل البيئى شديدة الوضوح بالفعل فى مناطق أخرى (Timberlake 1985, Juma and Ford 1992, Rugumamu 1993). إلا أن التطويرات الحديثة فى التكنولوجيا الزراعية فى البلدان الصناعية قد أفضت – ولا تزال – إلى تطورات أساسية فى الزراعة بالإقليم الفرعى الذى ندرسه هنا. فمع تسارع العولمة، وخاصة التقدم فى تكنولوجيا الإعلام والاتصال، تنتشر تلك التقنيات الحديثة تدريجياً فى جميع أنحاء الكوكب، وهو ما يخلق بيئة تتسم بالتغيرات السريعة فى الإقليم الفرعى (Ohiorhenun 1998). ولما كانت هذه العولمة تتمتع بدعم أنساق سياسية فوق قومية – مثل منظمة التجارة العالمية WTO والوكالة البيئية العالمية GEF- فهى تسعى إلى تنميط السياسات فى عالمنا. وكذلك من خلال برامج التكيف الهيكلى SAPS التى يؤيدها البنك وصندوق النقد الدوليان، تسعى العولمة إلى تسهيل أنساق الإنتاج الزراعى الحديث من أجل إعادة الحيوية إلى الاقتصادات المعتلة (Brown and Tiffen 1993). وفى ضوء كل ما سبق يجب تناول مسألة استدامة الزراعة والبيئة الطبيعية. وهو أمر هام للتنمية، ويجب مراعاته لدى مناقشة التنمية على جميع المستويات: الأسرة المعيشية أو المستوى المحلى أو الوطنى الفرعى أو الوطنى أو الدولى (Blaikie 1989). ولما كانت العولمة بمثابة إدماج انتقائى للعالم فى قرية أو سوق عالمية واحد، فإن الأمر لا يزال يقتضى فهما واضحاً لآفاق التنمية المستدامة – بيئياً واقتصاديا- فى المناطق الهامشية.

1/1 الأهداف يتمثل الهدف العام لهذا الفصل فى تحقيق فهم أفضل لعملية العولمة فى الاقتصادات النامية، باعتبار هذا الفهم هو أساس من أسس دعم التنمية المستدامة. أما الأهداف الفرعية فهى: (أ) إلقاء الضوء على العمليات الممكنة للعولمة وذات الصلة بالزراعة، (ب) تقييم الآثار المحتملة لتلك العمليات مع الإشارة الخاصة إلى النسق البيئى الهش من الناحيتين الإيكولوجية والاقتصادية (ج) تطوير مقاربة ممكنة لتحقيق الخير الاقتصادى والعدالة الاجتماعية من خلال أنساق استخدام على مستوى المجتمعات المحلية فى شرق وجنوبى أفريقيا.

1/2 الفروض نقدم هنا ثلاثة فروض تلبية للغرض من الدراسة. أولا: فرضية أن الفلاحين الحديثين من صغار الملاك يندمجون بشكل متزايد فى الاقتصادين الوطنى والعالمى على حساب الشروط الاقتصادية والإيكولوجية المحلية. ثانيا: أن صغار الملاك يحتاجون – كى يتمكنوا من الإدارة السليمة للاقتصاد والبيئة – التشجيع والدعم الضروريين لتطوير قدراتهم التجديدية والابتكارية. ثالثاً: أن الأنساق التقليدية للتقنية البيئية قادرة على قيادة عمليات التحول الزراعى.

1/3الإطار المفاهيمى يتم تصور العولمة على أنها مجموعة من العمليات التى تجرى باتساع العالم وتسعى إلى ربط الاقتصاد العالمى فى قرية أو سوق عالمية واحدة. وترتبط هذه العمليات ارتباطاً قوياً بالتقدم السريع فى حقل تكنولوجيا المعلومات، والذى تضطلع به أساساً الشركات عابرة القوميات وفاعلون آخرون. وقد أدت هذه العملية إلى خلق فجوات جديدة بين البلدان المصنعة الغنية معلوماتياً، والبلدان النامية الفقيرة فى هذا المجال. وهكذا فإن بعض أطراف هذه اللعبة – ومعظمهم بالشمال – هم الرابحون، بينما الخسارة الأكيدة من نصيب الجنوب. وفى الواقع أن تلك الروابط قد أسرعت من اندماج نسقين اقتصادين فى فضائين مختلفين، أى فضاء معولم فى البلدان النامية، وفضاء معولم فى مركز النظام الاقتصادى العالمى فى البلدان المتقدمة (Milton Santos pers. Com). وإن استقطاب التكنولوجيا من جانب المركز (من خلال الاستثمار الهائل فى نظم الاتصالات عن بعد ونظم الحاسب الآلى لإنشاء الشبكات وتوزيع البيانات باستخدام الأقمار الصناعية) لهو بمثابة عملية تؤدى إلى تقليص الأزمنة والمسافات، الأمر الذى يحول المركز إلى وضع الوصى على التكنولوجيا والقوة، أى يصبح المحرك لتغير عالمى أحادى الاتجاه. وسوف تعمل المراكز الموجودة فى الفضاء المعولم- أى فى الأطراف – كمجرد مسهلة وموطدة للتكنولوجيا والقوة الآتية من المراكز الغربية، وليس العكس. وتنعكس مضار العمليات الكلية من خلال التآكل البيئى والتدهور الاقتصادى فى الفضاء المعولم. كذلك فإن العلاقات الديناميكية فى النسق العالمى سوف تفيد كمؤشر على سلوك لاعبى الأدوار الرئيسية فيما يتعلق بالموارد البيئية. ومن خلال هذا الإطار يمكن السعى نحو تحقيق فهم أفضل للآليات الضرورية لتنظيم الإنتاجية المستدامة للموارد فى ظل العولمة، من أجل الأجيال الحاضرة والمستقبلة فى الإقليم الفرعى موضع الدراسة. وقد اخترنا عنصر الأرض ليكون المورد البيئى المخصوص بالدراسة هنا. ويشير مفهوم "الأرض" من الناحية الجغرافية إلى منطقة معينة من سطح الكرة الأرضية، بجميع خصائصها التى تشمل السمات الدورية المستقرة أو يمكن التنبؤ بها عقلياً للمجال الحيوى القائم فعلياً فوق وأسفل هذه المنطقة، ومن ضمنها المناخ والتربة والجيولوجيا والمياه والنبات والحيوان، ونتائج النشاط الإنسانى عليها فى الماضى والحاضر، وكذا مدى تأثير هذه السمات على استخدامات الإنسان لهذه الأرض فى الحاضر والمستقبل (Smith 1972). وهكذا فهى تتضمن أيضاً النتائج الضارة المتحققة بفعل عمليات النشاط الإنسانى. ويتمثل الهدف الأساسى من إدارة مورد الأرض فى تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة والعدل الاجتماعى من خلال الانتفاع الرشيد بقاعدة الموارد. هذا وقد كان لمفهوم التنمية المستدامة تفسيرات عديدة من أن احتلت مكانة بارزة فى أدبيات التنمية بدءًا من الثمانينيات. فقد اجتذب التركيز على التنمية المستدامة الاهتمام أكثر من المظالم القائمة بين ووسط شعوب الشمال والجنوب. بل أكثر من هذا، قام هذا المفهوم بالتعمية على الاستخدام غير المتكافىء للسلطة والموارد داخل وبين الشمال والجنوب. فعلى سبيل المثال تشير اللجنة العالمية للبيئة والتنمية (WCED 1987) إلى التنمية المستدامة بأنها "التنمية التى تلبى احتياجات الجيل الحاضر دون الافتئات على قدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها هى أيضاً". وقد نضيف هنا أن الانتفاع بالموارد لتلبية الاحتياجات يجب أن يتحدد بأسلوب ديمقراطى ومن خلال المشاركة. ومن ثم فإن الاستدامة ينبغى أن تسمح بالتقدم نحو التحسين الدائب لنوعية حياة الأمم والأفراد (The Independent Commission on Population and Quality of Life 1996). وفى ضوء تلك الخلفية ينظر هذا الفصل من الكتاب إلى الاستدامة كاستراتيجية لتوطيد الاهتمامات البيئية والتنموية سعياً وراء تحقيق الرفاهية الاقتصادية والعدل الاجتماعية، إلى جانب حماية البيئة للأجيال المستقبلية. ويتم النظر إلى الإنتاجية المستدامة فى استخدام الأرض وقاعدة الموارد البيئية عند مستوى وحدة الإنتاج فى منطقة بيئية كبيرة معينة. إذ إن احتياجات المجتمع وكذلك مرونة الموارد تقتضى تحقيق أهداف إنتاجية. ولما كانت عملية الإنتاج مرتبطة باحتياجات البلدان النامية، وعلى حساب اقتصاد البقاء فى حقيقة الأمر، فإن الاستغلال الزائد للموارد سوف يفاقم التآكل البيئى. ولهذا السبب فقد حان الوقت لاستيضاح الآثار الناجمة عن عمليات النشاط الإنتاجى لمستخدمى الأرض وعن التكنولوجيا المستخدمة على إنتاجية الموارد البيئية فى حدود قوى السوق العالمية. إن التكنولوجيا، بوصفها أحد محركات التنمية، يجب النظر إليها من الناحية المفاهيمية الواسعة كمعرفة ونشاط وآليات متسقة تستخدم عادة فى العمليات الصناعية، ولكنها قابلة للتطبيق على أى نشاط تجديدى. ولما كانت التكنولوجيا شديدة الارتباط بالعلم والهندسة، فإنها تتعامل مع الأدوات والمهارات والتقنيات الخاصة بتنفيذ الخطط (Muller 1980). وتعد التنمية التكنولوجية بالغة الأهمية كعامل محدد رئيسى لمستوى ونمط التنمية الاقتصادية الوطنية، ومن ثم كمحدد رئيسى أيضاً للقدرة التنافسية على المستوى الدولى (Chungu and Mandara 1994). ويستخلص مما سبق وجود علاقة ارتباط إيجابى بين كل من التنمية الاقتصادية والارتقاء التكنولوجى. يتبنى هذا الفصل منهجية مبنية على تطبيق المبادىء الإيكولوجية فى الأنشطة الزراعية. فهو ينظر بشكل تكاملى إلى الاحتياجات البشرية وطاقة المنظومة البيئية فى إطار وضع اقتصادى دولى معين، وذلك من أجل فهم استدامة الصناعة. ومن ثم تهتم هذه المقاربة بسبل المعيشة فى المجتمعات المحلية من خلال تقديم إطار أكثر شمولاً للتنمية فى مجال الموارد البيئية الطبيعية والتنمية الثقافية والاقتصادية والمؤسسية. وعلى الرغم من أن عمليات العولمة وتأثيراتها قد تم توثيقها بمختلف الطرق على المستوى الوطنى، فهناك ندرة فى الدراسات المماثلة على المستوى المحلى. وتسعى هذه الدراسة إلى بحث آثار العولمة على البيئة والاقتصاد فى المنظومة البيئية الهشة وشبه الجافة فى وسط تنزانيا.



2- تقييم نظم استخدام مورد الأرض فى شرق وجنوبى أفريقيا: دراسة حالة قرية "باهى- سوكونى" فى تنزانيا شبه الجافة

2/1مقـدمـة كشفت الخبرة التاريخية فى أفريقيا جنوب الصحراء عن التقليد العريق لممارسات متكيفة على نحو جيد فى استخدام الأرض بشكل يضمن حق الإنتاجية المستديمة للبيئة، وذلك قبل مجىء الاستعمار (Ruthenberg 1980, Van de Welle 1972, Kjekshus 1977, Rodney 1980, Neriove 1988). فمثلا يذكر "آلان" (Allan 1965) أن الرعاة كانوا قادرين على تقييم الطاقة الغذائية للمراعى المختلفة، وقدرتها على تحمل القطعان فى فصول السنة المختلفة. وقد كان "للباربايج" فى شمال تنزانيا باع كبير فى حماية أشجار العلف، كما حكمتهم قواعد عرفية فيما يتعلق باستغلال تلك الأشجار. ومن بين الرعاة – المزارعين وجدت بعض الجماعات المحلية التى طورت منظومة مستدامة للإنتاج الزراعى، بنيت على الجمع بين إنتاج المحاصيل وتربية الحيوانات، وذلك قبل وصول طاعون الماشية Kjekshus 1977) . وفيما يتعلق بالمهارات والقدرات التجديدية والإبداعية لمستخدمى الأرض هناك حديث "بوسيرب" (Boserup 1965) عن خبرة جزيرة "أوكيروى" فى "بحيرة فكتوريا" حيث دفعت زيادة الضغط السكانى إلى ممارسة التكثيف الزراعى من خلال ابتكارات تقنية أدت إلى التغلب على النقص الغذائى مع الحفاظ على إنتاجية التربة الزراعية. كذلك فإن توجه الفلاحين فى القرن التاسع نحو محاصيل جديدة مثل الذرة والأرز، وإدراجها بنجاح فى أنساق زراعاتهم، يمثل مؤشراً إيجابياً على براعة الفلاحين فى ممارسة استغلال سليم للأرض (Illife 1972). كذلك أشار البعض إلى أن سكان "سوكوما" جنوب "بحيرة فكتوريا" قد طوروا بالفعل – وقبل مجىء الاستعمار – تكنولوجيا خاصة لحماية التربة (Rounce and Thornton 1939) حيث بنى الفلاحون tie- ridges لمعالجة مشكلة انخفاض منسوب المياه فى التربة وتراجع الخصوبة ونقص المحاصيل. وعلى الرغم من الإمكانات التكنولوجية القليلة المذكورة أعلاه، فإن عمليات تدهور الأرض قد استمرت حادة كما كانت من قبل (UNSO 1986) وقد ارتبطت المشكلة فى بعض المناطق بدورات الجفاف، والذى يشكل فى الحقيقة الأساس لهذا التدهور (Rugumamu 1993). وقد بينت دراسات حديثة أن تآكل الأرض فى تنزانيا لا يعرف حواجز بيئية (Rapp, Berry and Temple 1973, Amin 1986, GEO- SAREC 1990). وقد لوحظ أن المناطق فقيرة الإنبات فى الأقاليم شبه الجافة بتنزانيا هى الأكثر عرضة لتآكل التربة (Van Rensburg 1955, Christianson 1988 . وقد أدت هذه النظرة أحادية الجانب إلى أن يتعامل علماء مرموقون مع مشكلة تآكل التربة كمسألة تقنية (Morgan 1986, Stebbing 1935). فتنحصر حلولهم فى إقامة الحواجز والمصاطب وتثبيت التربة وزراعة الأشجار ... الخ. كإجراءات للحماية، بينما المشكلة فى جوهرها هى مشكلة اجتماعية- اقتصادية وسياسية وبيئية وتكنولوجية. وهى النظرة الشاملة التى تبناها علماء آخرون كثيرون (Blaikie 1985, Fierman 1990, Ssx hiva 1991, Juma and Ford 1992, Rugumamu 1996). ويعد إخفاق السياسات والإجراءات الاستعمارية للتغلب على التآكل البيئى والاستغلال الزائد شهادة واضحة على غياب الرؤية الشاملة لحل تلك الأزمة. فمثلاً انصبت معظم الجهود على تحسين إنتاج المحاصيل التصديرية ولم تكن لها صلة مباشرة بالمحاصيل الغذائية أو حماية الماشية والغابات أو إدارة الموارد المائية، وهو ما يعكس درجة عالية من الانفصال بين القطاعات. وحسبما يرى "بيرى" و"تونشند" (Berry and Townshend 1973) فقد فشلت الإدارة الاستعمارية فى أخذ مواقف مستخدمى الأرض فى الاعتبار لدى صياغة إجراءات حمايتها. وقد سبق أن أوضحنا أن مستخدمى الأرض لم يكونوا مدعوين للمشاركة فى التخطيط لإدارة الأرض. وهكذا فإن المهارات والممارسات الخاصة بصغار الفلاحين المحليين هى التى مثلت الأساس لاستدامة الزراعة والبيئة (Fierman 1990, Choucri 1998). ومن ثم فإن نمط المقاربة الاستعمارية لإدارة البيئة قد أثار استياء صغار الفلاحين والرعاة، وهو ما عرض استدامة الموارد لمزيد من الأخطار. وإزاء تدهور إنتاجية الأرض اضطلعت الحكومة التنزانية منذ الاستقلال بصياغة سياسات وبرامج عديدة من أجل تحسين الأوضاع، إلا أن حظها من النجاح لم يكن كبيراً (Berry and Townshend 1973, McAuslan 1980, DANIDA 1989, Rugumamu 1996). ومن ثم يجب أن تقترن صياغة مقاربة جديدة لتنزانيا فى هذا الشأن بتقييم أثر العولمة على كل من البيئة والتنمية. ويستهدف هذا القسم من الدراسة فهم العلاقات الراهنة للبيئة والتنمية فى الأقاليم شبه الجافة فى تنزانيا. ومن المتصور أن حيازات الفلاحين تمثل أحد مكونات منطقة بيئية أكبر هى المنطقة شبه الجافة التى توفر شروطاً زراعية، وتنوعاً حيوياً أكثر موضوعية لعمل النسق الزراعى المعطى. وقد استخلص هذا الفصل بشكل أساسى من تقرير أعده الباحث (Rugumamu 1996) عن حالة البيئة فى تنزانيا شبه الجافة. وهو يستكشف الأنماط الراهنة لاستخدام الأرض وأساليب إدارة البيئة – تقليدية كانت أم حديثة – واستخدام ذلك كأساس للتكهن بآثار العولمة على البيئة.

2/2موارد قرية "باهى – سوكونى" "باهى- سوكونى" قرية بالمنطقة شبه الجافة فى وسط تنزانيا، وهى تقع فى ناحية "باهى" بمركز "دودوما" الريفى، وهى تبعد حوالى 60 كيلو متراً غرب بلدية "دودما"، كما تقع على خط السكة الحديدة المركزية وطريق "دودوما – موانزا" السريع (أنظر الشكل رقم 1)، وعلى ارتفاع 800 متر من سطح البحر. ولا تعرف القرية على وجه الدقة، وإن كانت السلطات المحلية تقدرها بحوالى 90 كيلو متراً مربعاً. ومن الناحية الإدارية، يحكم القرية مجلس له رئيس، ويمثل السلطة العليا فى القرية. وتعتبر سكرتارية المجلس واللجان القروية المختلفة (خاصة المالية والتخطيط، الخدمات الاجتماعية، الدفاع والأمن) بمثابة الأذرع التنفيذية للمجلس وفق قانون اللامركزية الصادر عام 1982. أما أدنى مستوى تنظيمى فيسمى "الخلية"، وتتكون من عشر أسر معيشة يترأسها قادة الخلايا. وتعتبر رئاسة الأسر المعيشية معقودة للرجال فى معظم الحالات. ويعيش فى "باهى سوكونى" رعاة فلاحون، مثلها فى ذلك مثل معظم القرى الكائنة فى وسط تنزانيا شبه الجاف. ومن الناحية المناخية تستقبل "باهى" أمطاراً بمتوسط 520 مليمتر سنوياً. وخلال موسم الأمطار (من ديسمبر إلى مارس) تكون كثافة الأمطار عالية، غير أن الفرصة ضعيفة لاستقبال أكثر من مائة مليمتر فى الشهر. كما أن نوبات الجفاف ليست من الأمور النادرة. وتؤدى هذه الظروف إلى تقييد خيار استخدام الأرض، حيث أن هذا النسق البيئى يناسب تربية الماشية أكثر من زراعة المحاصيل. كما يؤدى عدم إمكانية الاعتماد على الأمطار إلى إنتاج محاصيل منخفضة ونفوق الماشية، إلى جانب التآكل الحاد للتربة بفعل المياه والرياح. ونظراً لموقع القرية فإنها تتسم بمناخ رطب مع درجة حرارة تبلغ فى المتوسط 28 درجة فى أغلب فترات العام. وتتمثل الموارد الرئيسية للمياه فى نهر "بوبو" وروافده، ونهر "كيجوى" الذى يصب فى السهول المنخفضة، وهما نهران موسميان ومياههما غير كافية وغير آمنة. ويوجد بالمنطقة عل طول نهر "بوبو" والأهوار مياه جوفية ضحلة تستخدم فى الشرب من خلال الآبار والبرك. ولكن معظم هذه الآبار قد طمرت بسبب نقص الصيانة. وهو الوضع الذى يجعل القرية عرضة للمخاطر الصحية المنقولة عبر الماء. كذلك تمثل الموارد المائية مناطق ملائمة للصيد، وخاصة أثناء الموسم المطير، ومن ثم خلق أنشطة غير زراعية يقوم بها الرجال والنساء على السواء.







شكل رقم (1) موقع منطقة الدراسة











وبالنسبة للتربة فهى رملية طفلية بنية مائلة للاحمرار، وطفلية رملية، وطفلية رمادية. وتزيد ملوحة التربة مع الانحدار. ومن ثم فإن طاقة انتاج المحاصيل تتراوح بين منخفضة جداً ومنخفضة ومتوسطة، فى ظل توافر مستوى منخفض من التكنولوجيا (Christiansson 1988, Rugumamu 1997). أما فيما يتعلق بوضعها كمراعى للماشية فإن طاقتها الانتاجية تتراوح بين متوسطة وعالية. وتغطى النباتات المائية المستنقعات وأراضى الأحراش فى "باهى" العامرة بأشجار الاكاسيا والكوميفورا التى تغطى التربة المعرضة لشمس قاسية. كما تنتشر أشجار النخيل المفيدة فى صناعة الحصير، وذلك فى المسطحات ذات القدرة التصريقية العالية للمياه. وبالنسبة لنبات Terminaria الذى تستخدم جذوره فى الأغراض الطبية ويتم تصديره الآن، فهو ينمو فى مواقع تجمعات المياه. وهناك علامات الآن على القطع العشوائى للأشجار والرعى الزائد فى "باهى" والقرى المجاورة. وقبل عام 1981 لم يكن سهل تجمع مياه الفيضان فى "باهى" يعتبر منطقة ذات إمكانية كبيرة لإنتاج الأرز الذى يحتاج الكثير من مياه الرى، إلا أن هذا تم فى ذلك العام من خلال استثمار أجنبى (هيئة المعونة الأمريكية) بهدف تطوير هذا الانتاج فى المنطقة (Rugumamu 1996). وقامت هيئة المعونة الأمريكية – بالتعاون مع "حملة القضاء على الجوع"- بتوفير الآلات الزراعية الضرورية لإقامة مشروع رائد فى منطقة مساحتها 30 ألف هكتار، ولكن المشروع توقف فى العام التالى. وفى عام 1990 استثمر "الصندوق الدولى للتنمية الزراعية" IFAD بعض المبالغ فى مشروعات لتنمية الحيازات الصغيرة "بوادى ريفت". وقد حان الوقت لأن يقوم علماء التنمية بدراسة "ثمار" هذا البرنامج.

2/3تشخيص وتقييم الأنماط الرئيسية فى استخدام الأرض تتمثل الأنماط الزراعية فى المجتمعات الريفية فى: الزراعة المتداخلة للمحاصيل الغذائية، وبعض المحاصيل النقدية، وتربية الماشية على أساس الرعى الحر، وكذلك الانتفاع بالموارد الأخرى فى أراضى المراعى والغابات والموارد المائية لتلبية احتياجات تلك المجتمعات. ولا شك أن هذا يجعل من قضايا إدارة الموارد عنصراً بالغ الأهمية لدى البحث فى استراتيجية للتنمية المستدامة. ويزداد الأمر أهمية مع بروز تناقضات إدارة الموارد المحدودة ذات الملكية المشتركة على المستوى المحلى والوطنى والدولى (Rocheleau 1992, Report of ICPQL 1996, Shivji 1998). وبناء على تقرير منظمة الأغذية والزراعة (FAO 1983) أمكن التوصل إلى ستة أنماط رئيسية لاستغلال الأرض (Rugumamu 1996) وهى:- 1- زراعة الحيازات الصغيرة المبنية على تقنية محلية مطورة لزراعة الدخن والسورغوم والذرة والخروع باستخدام مياه الأمطار (مع تربية للماشية أو بدونها). 2- زراعة الحيازات الصغيرة المبنية على تقنية محلية مطورة لزراعة البطاطس والتابيوكا والفول السودانى والبقوليات بمياه المطر (مع تربية الماشية أو بدونها). 3- زراعة الحيازات الصغيرة المبنية على تقنية محلية مطورة وزراعة الأرز بمياه الأمطار (مع تربية الماشية أو بدونها). 4- زراعة الحيازات الصغيرة المبنية على تقنية وسيطة للرى لزراعة البصل والطماطم (وكذلك الكروم فى قرية "ماكورو" المجاورة). 5- زراعة الحيازات الصغيرة المبنية على تقنية وسيطة لزراعة الأرز بالرى الميكانيكى (مع وجود تربية للماشية أو بدونها). 6-حيازة صغيرة لقطعان ماشية مبنية على تقنية محلية مطورة، وخاصة تربية الأبقار والثيران والماعز والأغنام والحمير والدجاج وغيرها (نمط رعوى – زراعى).

2/4 توصيف الأنماط إن الابتكار والمثابرة اللتين أدار بهما مستخدمو الأرض مواردهم الطبيعية عبر التاريخ قد يبدوان واضحين أيضاً الآن فى الأنماط الحالية لاستخدام الموارد. فقد استطاع مستخدمو الأرض- وبوجه عام – أن يرسوا ويطوروا أنماطاً خاصة فى استخدام الأرض فى مواقع معينة بنظام تسلسل الدورات (Conacher and Darlymple 1977)، وهو ملمح يشهد به توزيع المحاصيل فى منطقة الدراسة حيث يتم استخدام أنماط معينة فى وحدات خاصة من الأرض عبر الزمن. فعلى سبيل المثال يتركز النمطان الثالث والخامس من الأنماط سالفة الذكر فى الأراضى الكائنة بجوار المجارى المائية وتغمرها مياه الفيضان. وقد بدأ النمط الخامس فى الظهور عام 1980 بعد الجفاف الذى حدث فى منتصف السبعينيات. وقد تم تسليم المشروع للحكومة عام 1985 حيث قامت بدورها بتقسيمه إلى قطع، مساحة الواحدة منها نصف هكتار، ووزعتها على الفلاحين القرويين والمقيمين بالقرى. هذا وقد كان النمط السادس شائعاً فى الماضى، وحيث تعتمد الماشية والماعز والأغنام على الرعى الطبيعى بشكل أساسى. ففى موسم الجفاف كان النشاط الرعوى يتم فى سهول المستنقعات المحيطة وما بعدها، أما فى موسم الأمطار فكان يتم فى المراعى القريبة من القرية والأرض المراحة وعلى متخلفات المحاصيل. وهو نوع من الإدارة للرعى يفتح جميع الوحدات تقريباً للنمط السادس، وإن كان على أساس دورى مع المحاصيل وغيرها من الاستخدامات الأخرى. ولقد كان هؤلاء الرعاة الزارعون يجوبون البلد على المستوى الوطنى فيما عدا بعض الحواجز التى كان يمثلها الفلاحون المنشقون والجماعات الرعوية المنافسة. وقد تغيرت الطبيعة العامة لإيجار الأراضى فى تنزانيا منذ الاستقلال عام 1961 (Tanzania National Agricultural Policy 1983). وأصبح الملمح الأكثر بروزاً هو تناقص الحقوق العرفية وإلغاء العلاقات القديمة بين كبار الملاك والمستأجرين. فأصبحت جميع الأراضى مملوكة للدولة، وأصبحت سلطة القرية هى التى تدير أراضيها، بينما حصل الفلاحون الأفراد على حقوق انتفاع. وقد تم الحفاظ على هذه الأوضاع من خلال التوازى بين القوانين التقليدية والحديثة (Mbilinyi 1972, Sinare 1979, Shivji 1998). وتتكون الحيازات الزراعية من تجمع قطع صغيرة من الأرض حجمها لا يتجاوز نصف الهكتار. ويبلغ متوسط حقل الأسرة المعيشية (كتجمع لحيازات فردية فى الأسرة) حوالى 3.8 هكتار (Rugumamu 1998). أما نمط الاستخدام الثانى فيوجد فى قطع أراضى مساحة الواحدة منها ربع هكتار، ويتم تحديدها بشرائط وعلامات ارتفاعها قرابة النصف متر. وتأخذ هذه القطع شكلاً عشوائياً، ولكنها من بعيد تبدو متخذة طابعاً هندسياً منتظماً. ويبلغ متوسط مساحة قطعة الأرض فى النمط السادس نصف هكتار. أما نمط استخدام الأرض الرابع الذى يعطى إنتاجاً عالى القيمة فيتسم بحيازات صغيرة تصل إلى ثُمن الهكتار.

2/5 التوجه السوقى تعتبر زراعة محاصيل الكفاف هى الاتجاه السائد فى المنطقة شبه الجافة. ففيما يتعلق بالنمط الأول، تشير التقارير (Rugumamu 1998) إلى أن أقل من 5% من الإنتاج الكلى من فول العلف والبطاطا والدخن هو الذى يصل السوق. بينما يسوق أكثر من 60% من إنتاج الذرة والفول السودانى والخضروات والفواكه. أما النمط الرابع الذى ينتج الطماطم والبصل والكروم فانتاجه مكرس كلية للسوق، وإن كان يتضرر كثيراً من عدم كفاءة السوق. وتعتبر الذرة هى المحصول الأساسى لأنه يباع فى الحال بعد الحصاد، وقد يعاد شراؤه فى الفترة السابقة مباشرة على الحصاد التالى، وذلك بسبب تناقص المخزون الغذائى عند الأسر المعيشية. كما تزرع محاصيل غير غذائية فى داخل زراعات المحاصيل الغذائية، ومن أمثلتها الخروع وعباد الشمس، وهى تستهدف السوق بالدرجة الأولى. وبالنسبة للنمطين الثانى والثالث اللذين طورا بشكل خاص من زراعات الأرز، فيسودهما التوجه نحو السوق وينتجان حوالى 60% من إجمالى إنتاج أصناف الأرز. وينتج النمط الأول اللحوم ومنتجات الألبان للاحتياجات المنزلية، كما ينتج الماشية والجلود التى تتجه للسوقين المحلية والدولية. وللحيوانات فوائد أخرى مثل إنتاج السماد واستخدامها كوسيلة لحرث الأرض والنقل. وتعد الماشية (من الناحية الاجتماعية- الاقتصادية) نوعاً من الضمان أو التأمين فى حالات الجفاف الذى يضرب المحاصيل، وفى المجاعات أيضاً بالطبع حيث يمكن مبادلة رؤوس الحيوانات بشراء الحبوب. كما تعد الماشية مهمة أيضاً فى أداء الاحتفالات والطقوس التقليدية. وعلى ضوء هذا السياق يمكن فهم لماذا يفضل الرعاة الزارعون الاحتفاظ بقطعان "كبيرة الحجم"، ويستنكفون عن خفض عدد رؤوس ماشيتهم حتى حينما لا يكون المرعى فى منطقة معينة كافياً لهذه الأعداد، وهو ما يدفعهم إلى الرحيل سعياً وراء مرعى آخر. ولا شك أن بعض القيم والتقاليد الثقافية تأتى بآثار سلبية على كل من عمليات التتجرة وكذلك على البيئة. وتعتبر البنية التحتية الريفية فى المنطقة المدروسة عائقاً أمام تحقيق النمو الاقتصادى المستدام والاستقرار البيئى. فأولاً على الرغم من انخفاض سعر المنتج فشلت مؤسسات التسويق الحكومية (مثل الاتحاد التعاونى بالإقليم الأوسط وشركة المطاحن الوطنية) فى دفع ثمن ما تتسلمه من الفلاحين فى الحال، وإنما يكون عليهم الانتظار حتى تتمكن من بيع المحاصيل، وخاصة عباد الشمس والأرز والذرة وزيت الخروع. وهو الوضع الذى يؤدى إلى وضع الفلاحين تحت رحمة رجال أعمال نهمين للربح تحت مظلة التحرير الاقتصادى. وليس من قبيل المبالغة التأكيد على أهمية تطوير السوق بالنسبة للاقتصاد وفى ضوء هذا كله يجب النظر إلى نقص الاستثمارات فى قاعدة الموارد الطبيعية. ثانياً: لا تكون الطرق الريفية صالحة لاستخدام الآليات أثناء موسم الأمطار، وهو ما يؤدى إلى نقص المتاح فى القرى من المدخلات الزراعية وغيرها من الاحتياجات الأساسية. وهو ما يجعل الفلاحين عرضة لقوى سوقية موازية لا يمكن التنبؤ بها، الأمر الذى يؤدى طبعاً إلى انخفاض انتاجية العمل والأرض. وينطبق الشىء نفسه على تربية الماشية التى تفتقر إلى سوق رسمية ذات تسهيلات مصاحبة ضرورية مثل ممرات الماشية أو وجود مواقع سوقية أو ضمان الأمن. وجدير بالذكر أنه معملاً لحفظ وتعبئة اللحوم قد أنشىء فى "شينيانجا" فى الثمانينيات، إلا أنه تحول فيما بعد إلى مبنى لمدرسة ثانوية. ولا شك أن قيام آليات تسعير واقعية سوف يشجع الرعاة الزراعون على استثمار جزء من أرباحهم فى حقولهم وبهدف رفع إنتاجيتها. وقد كشفت اعادة فحص لأنماط استخدام الأرض الأول والثالث والرابع والخامس والسادس عن موقف يتلخص فى زراعة أنواع المحاصيل الغذائية الأساسية والنقدية فى قطع تحوزها الأسرة المعيشية تحت المسئولية المباشرة لرئيسها: الزوج. وحسب مشروع "تقييم المشاركة الريفية" PRA فإن قطع الأراضى هذه كانت تحتل الأولوية من حيث احتياجات العمل حيث تشكل أساس بقاء الأسر. ويتم تقسيم العمل فى القطع التى تحوزها الأسرة المعيشية بين كل من المحاصيل الغذائية والنقدية.

2/6 الآثار البيئية لمختلف أنماط استخدام الأرض نناقش هنا آثار كل من أنماط استخدام الأرض على انتاجية الموارد فى المنطقة شبه الجافة. ولا شك أن تقييم هذه الآثار سوف يشكل أساساً للبحث فى التنمية الاجتماعية – الاقتصادية المستدامة واستراتيجيات حماية التنوع الحيوى فى ظل نظام العولمة.

2/6/1 المحاصيل إذا أخذنا فى الاعتبار الدور الكبير الذى تلعبه النساء فى المهام المنزلية والأشغال الزراعية فى حدود أنساق التقنية التقليدية، فلن يكون من المستغرب معاناة الاقتصاد خاصة -وقاعدة الموارد الطبيعية عامة- من التراجع والتدهور. وإلى جانب انخفاض مستوى التقنية فإن إنتاج المحاصيل يتأثر أساساً بكمية وتوزيع الأمطار الساقطة خلال موسم النمو. فمثلاً إذا حدثت نوبة قصيرة من الجفاف بعد شهر واحد من البذار يمكن أن يؤدى هذا إلى ضياع كل محصول الذرة، أو إلى محصول ضعيف بالنسبة للدخن والسورجوم، ومن ثم وقوع مجاعة. كما يمكن أن تنخفض مردودات المحاصيل بسبب تدهور خصوبة التربة والناجم عن قصر فصل الأمطار. ومن ثم فإن مشكلة التدهور البيئى على المستوى المحلى بفعل الزراعة الزائدة قد تنسب جزئياً إلى الحقوق العرفية على الأرض والحقوق التى تضمنتها التشريعات فى الماضى، إلى جانب هجرة الرجال إلى المدن فى عصر العولمة. وقد اتسم النمط الأول لاستخدام الأرض بانخفاض المحاصيل الزراعية عن المتوسط العام المتوقع. كما لوحظ أن انتاج السورجوم والدخن والذرة قد ترواح بين معدلى 50:1 فى كل من سنوات الجفاف العادى والأمطار على التوالى. وحينما كان الانتاج يزيد بفعل جودة المناخ تم التوصل إلى امكانية تذليل الحدود التى يفرضها المطر والتقنية على نمط الاستخدام الأول. كما اتفق فريق البحث على أن الإنتاج فى النمط الثانى من استخدام الأرض قد لبى الاحتياجات المعيشية للأسر. أما فيما يتعلق بالنمطين الثالث والخامس فقد أشارت التقارير إلى أن متوسط المردود كان 1620 كيلو جراماً للهكتار. وعلى سبيل المقارنة لوحظ أن فلاحى الحيازات الصغيرة فى هذا المشروع يحققون مردوداً قدره 21% من المتوسط العام (7800 كيلو جراما/ للهكتار) المتحقق فى أماكن أخرى بشرق أفريقيا. أما الهدف الذى خطط فريق فنى للوصول إليه فى هذا المشروع (8000 كيلو جرام/ هكتار) فلم يحققه إلا قلة من الفلاحين المستخدمين للنمط الثالث، وحيث لم يتحقق فى سنوات الجفاف العادية سوى مردود 980 كيلو جرام/ هكتار فى المتوسط. كما أخبر أنه فى السنة الجيدة – أى بعد فيضانات "حميدة"- يمكن تحقيق محصول بمعدل 1800 كيلو جرام/ هكتار. ونظراً لانخفاض مستوى المدخلات يفضل فقراء الريف هذا النظام على النظام المستخدم للآلات والذى يسود عند أغنياء الحضر. ومما يؤسف له أن الفلاحين لم يستطيعوا الاستفادة من مخلفات الأرز وغيره كعلف مثلما يفعل ملاك الماشية المدرة للبن فى بلدية "دودوما". أما بالنسبة للنمط الرابع فإن متوسط المحصول يتراوح بين 60 إلى 70 جوالاً (الجوال = 20 كيلو تقريبا) ويوضح هذا النظام وجود مستوى عالٍ من الإنتاجية المستدامة للأرض من جانب فلاحين غير متعلمين فى بيئة هشة شبه جافة، وهو يمثل نقطة هامة يمكن الانطلاق منها لتحقيق المزيد.


2/6/2 تدهور الأرض اتسمت الأنماط الأول والثانى والثالث فى استخدام الأرض بسمة أساسية هى نقص أو عدم استخدام أى من محسنات التربة كالأسمدة الصناعية أو القروية (مثل مخلفات الحيوان والطيور). ويمكن لهذا التسميد الطبيعى أن يدعم انتاج المحاصيل لمدة ثلاث سنوات متتالية بعدها تدخل التربة فى مرحلة الإجهاد. وتؤدى أنماط استخدام الأرض تلك إلى إطلاق سلسلة من عمليات تدهور الأراضى، ومن بينها: انكماش الغطاء النباتى، نقص تغذية النبات، تآكل سطح التربة وتدهورها، وتكوّن أوضاع تشابه التربة الصحراوية. وتكشف الخبرة الميدانية أن الأرض الجافة تتعرض دورياً لتأثير كامل للنحر بفعل الأمطار فى وقت الغرس والإنبات عادة. وتتسم أنماط استخدام الأرض تلك بتغيير الزراعات، وكذا الزيادة المطردة للمسافات بين القرى والحقول، وذلك بدءاً من تنفيذ برنامج التوطين القروى فى منتصف الستينيات (Mascarenhas 1990). ولكن فشل هذه الأنماط فى الحفاظ على إنتاجية الموارد الطبيعية الحيوية يفسح المجال أمام نقص إراحة الأرض وفقد التنوع الحيوى. وبعد جمع المحصول تترك المخلفات عادة لتغذية الماشية. ويؤدى هذا الأسلوب إلى سحق التربة الزراعية وتدمير الجسور وزيادة فعل الرياح كأحد عوامل تعرية التربة فى هذه المنطقة. فى حين أنه لو تركت هذه الأعشاب والمخلفات فى التربة لساعدت على الإقلال بدرجة كبيرة من التعرية التى تقوم بها الرياح، فضلاً عن إضافة مواد عضوية إلى التربة. وإنه لمن الأمور المعلومة جيداً عند الدوائر المهتمة بحماية البيئة أن الآثار البيئية السلبية الناجمة عن مداومة إنتاج محصول غذائى أو نقدى عاماً وراء الآخر يمكن تقليلها من خلال أسلوب الزراعات المتداخلة. إذا إن الأرض المغطاة بالمحاصيل البقولية يمكن أن تقاوم التآكل، حيث تحافظ على المادة العضوية بالتربة من خلال تثبيت النتروجين بها. أما حرث البقايا فى الأرض – وخاصة وسط الفلاحين الذين لا يملكون ماشية – فإنه يرفع انتاجية التربة ويحافظ على التنوع الحيوى إلى حد كبير. وإلى جانب الرى الميكانيكى وزراعة الطماطم والبصل، فإن بقية أنماط استخدام الأرض تعتمد أساساً على تقنية محلية مطورة. إذ إن الأساليب الفنية السائدة التى يتبعها الفلاحون فى منطقة الدراسة للحفاظ على إنتاجية الأرض عديدة ومنها: إراحة الأرض، واستخدام البذور المحلية، وتربية الماشية، وتعددية المحاصيل، والإدارة المحلية للرعى التى تتبع أسلوب تغيير المرعى. وفيما يتعلق بحماية التربة، فإن نمطى استخدام الأرض الثالث والخامس قادران على تحويل الفيضان السنوى إلى وسيط لتحسين التربة، وذلك عن طريقين أساسيين: أولهما أن الأحواض تؤدى إلى الاحتفاظ بمياه الفيضان بما يسمح بترسيب الغرين الغنى بالمواد العضوية، ومن ثم زيادة خصوبة التربة. وثانيهما أن تغطية الأراضى بمياه الفيضان يخلصها من الأملاح الزائدة، وبالتالى تحسين جودة الأرض. غير أنه جدير بالذكر أن التوسع فى زراعات الأرز باستخدام الميكنة يقلل من الرعى فى موسم الجفاف، خاصة مع تزايد أعداد الماشية بشكل متواصل. ويظل القحط هو العائق الرئيسى أمام فاعلية هذا النسق. ويتسم النمط الخامس بالحرث العميق الذى ينهك الطبقة تحت السطحية المنخفضة أصلاً من حيث قيمتها العضوية، وهو الأمر الذى يتطلب كميات كبيرة من السماد وإلا جاءت المحاصيل ضعيفة. وفى بعض المواقع يؤدى نسق الإنتاج هذا إلى زيادة الملوحة وارتفاع منسوب المياه ومن ثم انخفاض جودة الأرض. كما أنه يؤدى أيضاً إلى صغر منطقة الرعى فى موسم الجفاف بسبب قنوات الرى التى تعيق حركة الماشية. أما النمط السادس فى استخدام الأرض فيتسم من الناحية البيئية بزيادة غير محدودة فى رؤوس الحيوانات، وممارسات غير محكومة فى الرعى على موارد رعوية محدودة. وهو ما أدى إلى الرعى الزائد وتآكل التربة وغرينة الموارد المائية وظهور وتفاقم المواصفات الصحراوية فى نسق بيئى يتسم أصلاً بالهشاشة. وهناك إفادات بأن الإدارة التقليدية لتربية الماشية قد أفضت إلى آثار بيئية عامة من خلال تغيير المراعى. وقد أسهم هذا النمط بدرجة كبيرة فى نشر الرعى الزائد وحرائق الأحراش وانتشار الأمراض خارج حدود القرية والناحية والإقليم. كما تنشب الصراعات بين الرعاة والفلاحين، وكذلك بين الرعاة وحراس المحميات، وهكذا فإن الرعى الزائد يتسبب فى نشوب صراعات أهلية متكررة. فعلى مستوى القرية، عادة ما تلتهم الماشية مخلفات الزراعة دون موافقة مالك الأرض. وتأتى هذه التغذية كإضافة إلى رعى موسم الجفاف، وهى الممارسة التى يمكن أن تؤدى – إن لم يتم التحكم فيها- إلى تدهور الأراضى شبه الجافة بدرجة تهدد بالتصحر. ومن مظاهر تدهور البيئة فى المراعى زوال الأعشاب، وكثرة الحشائش غير المستساغة للحيوان، وتفتت سطح التربة وانتشار الحفر المتكونة بفعل دهس الماشية. وقد لوحظ أن الإنبات الثانى فى المناطق التى لا يتم فيها رعى هو بالأساس إعادة نمو للنباتات الباقية أكثر منه نمواً لنباتات جديدة. وهناك ما يفيد (Rugumamu 1998) بأن أعراض ما يسمى الرعى الزائد قد كانت بمثابة آلية من جانب الحكومة لحماية الماشية من الأمراض والقحط. ويبدو أن مستقبلاً سيئاً ينتظر التنقل الرعوى فى صورته الحالية كأسلوب محلى لإدارة الرعى. وينسب فشل هذه المنظومة إلى انحياز الحكومة ضد الرعاة. فلدى إدخال أفكار أو ممارسات (أى تكنولوجيا) جديدة هناك أهمية بالغة لأن يتقبل الناس بشكل ديمقراطى هذه المفاهيم باعتبارها تلبى احتياجاتهم (Bandyopadhy and Shiva 1989, Cooke 1991) وإذا لم تكن هذه الاحتياجات موضع شعور عام يصبح من المهم توليدها من خلال العمل المخطط بوعى من جانب الممارسين. إذ إن المعتقدات غائرة الجذور لدى الخبراء الفنيين وصناع القرارات بالصحة المطلقة للمعرفة العلمية، تحول دون رؤيتهم الإمكانية القائمة فى استخدام المعرفة البيئية التقليدية التى تراكمت لدى السكان المحليين عبر القرون (Biowman 1974, Peatti 1968, Blaike 1989) وهى الخلفية التى يمكن فى إطارها توليد تكنولوجيات ما بعد الحداثة. فعلى سبيل المثال فى إقليم "روكا" استقر هناك بشكل دائم بعض الرعاة الزارعون، الأمر الذى غير الشروط الإيكولوجية الاجتماعية – الاقتصادية للمنطقة، وهم يواجهون ضغوط السلطات الإقليمية للرحيل. فهم متهمون بإشعال الحرائق فى المحميات الوطنية والصيد فيها، ومن ثم تسعى "مصلحة الموارد الطبيعية" بالإقليم إلى تدمير المستوطنات التى أقامها أولئك المهاجرون. هذا وقد تورط علماء تنمويون باحثون ميدانيون فى استغلال ثقة بعض الفلاحين الصغار لإجبارهم على استخدام التقنيات الأجنبية. وفوق هذا فإن الأوضاع المادية قد أجبرتهم أكثر على هذا النهج، بصرف النظر عن استعدادهم من عدمه للتكيف مع التكنولوجيا الجديدة (Rugumamu 1998). وكانت العاقبة هى فشل الفلاحين فى التعامل مع مشكلة التدهور البيئى، ونقص المحاصيل الغذائية، ومن ثم الفقر.

3- بعض آثار العولمة على الاستدامة البيئية والاجتماعية- الاقتصادية 3/1 مقدمة يحاول هذا الجزء القاء نظرة على الآثار الممكنة لعمليات العولمة على نسق هامشى وهش بيئيا واجتماعيا – اقتصاديا. وقد كان "كارسون" (Carson 1962) من أوائل الذين أرجعوا التدهور البيئى إلى سوء الإدارة البشرية. ولا يمكن أن نستثنى من ذلك عمليات اللبرلة الاقتصادية الحالية التى تدعمها مختلف أشكال التحكم السياسى وللشركات العابرة للحدود، وخاصة تلك المستثمرة فى الزراعة (Seidman and Anang 1992, Brown and Tiffen 1993). ولأغراض التحليل يركز هذا الفصل على الشواهد المتاحة بالمنطقة شبه الجافة فى تنزانيا، وهى تماثل بالقطع أى مكان آخر حيث يستخدم صغار الحائزين مستوى تقنياً منخفضاً فى الإنتاج والتخزين وفى صيانة وحماية الموارد البيئية. بيد أن الخبرة التاريخية قد كشفت كيف أن الفلاحين يجرون "التجارب" فى حقولهم، ويتكيفون ويجددون ويلاحظون نتائج جهودهم. ومن ثم فإن خلق المعرفة بهذه الطريقة يمثل جزءاً لا يتجزأ من استدامة الإنتاجية البيئية والزراعية فى المنطقة المدروسة (Rugumamu 1993) وربما لاح واضحاً من البداية أن الاستغلال البشرى الكثيف لأنساق هشة يمثل مجازفة استثمارية من الناحيتين الاقتصادية والبيئية. ولهذا فمن المتصور أنه يمكن فهم عمليات العولمة وآثارها البيئية والاقتصادية من خلال دراسة: (أ) الاستثمار المالى للشركات متعدية القوميات، (ب) نمو الصناعة التحويلية للآلات المتقدمة تكنولوجيا والبذور والأسمدة والمبيدات الحشرية، (ج) تسويق وإنتاج التكنولوجيا.

3/2 الاستثمار المالى للشركات عابرة القوميات تعتبر الشركات الخاصة والمؤسسات المالية فى مراكز البلدان المتقدمة صناعياً من أهم وسائط الاستثمار المالى فى البلدان النامية اليوم، وذلك تحت راية تحرير الاقتصاد العالمى. إذ إن بعض منظمى المشروعات الحضريين (والندعومين من مستثمرين أجانب مثل الشركات متعدية القوميات) ينشئون شركات كبيرة للاستثمار فى سلع عالية القيمة فى القطاع الزراعى (Barraclough and Finger- Stich 1996) الذى يلقى دعم منظمة التجارة العالمية. ونظر للنفوذ الهائل للشركات متعدية القوميات، فإنها تملك بالفعل قدرة ساحقة على الحصول على الأراضى العامة والخاصة، والمياه، والاعتمادات، والأسواق، والاعفاءات الضريبية، والدعم، والنقد الأجنبى والتكنولوجيا. وبالإضافة إلى ذلك فإن تطبيق معايير بيئية ضعيفة- نتيجة لسوء فهم الآثار البيئية – سوف يؤدى إلى تفاقم مشكلات التدهور البيئى. كما أن العوائد الضخمة بالنقد الأجنبى نتيجة الاستثمار فى محاصيل عالية القيمة (مثل الخضروات والفواكه الاستوائية) تجعل هذه الأنشطة محل ترحيب كبير من حكومات البلدان النامية، مثلها فى ذلك مثل البنوك متعدية القوميات. وفى هذا السياق، تضطر الدولة إلى تحويل موارد متعددة الاستخدام والمستخدمين تاريخياً (من جانب الجماعات المحلية) إلى ملكية خاصة لشركات وطنية أو متعدية للقوميات، وهو ما قد يؤدى إلى استخدام عشوائى وغير كفؤ للموارد البيئية. وبمجرد نقل ملكية الأرض إلى الشركات متعدية القوميات تتحول المجتمعات المحلية إلى جماعات لاجئين بيئياً. ولكن من المستفيد من تلك العوائد بالنقد الأجنبى ومن يدفع تكلفتها؟ وقد ينظر إلى سيطرة رأس المال الأجنبى على الموارد الطبيعية المحلية على أنه يمثل العملية الأولى للاندماج المنظم دولياً فى صناعة الزراعة الحديثة وفى إطار العولمة، أى عمليات اللبرلة. وكثيراً ما عملت البيروقراطيات الوطنية المسيطرة على سلطة الدولة (Amin 1976, Adams 1991) على إدامة عمليات الاستثمار التى تفاقم من عدم المساواة بين الأقاليم، وهى العملية التى تمضى يداً بيد مع التصنيع فى البلدان المتقدمة، ومن ثم تعميق وتوسيع الفجوة الاقتصادية بين الشمال والجنوب.

3/3 نمو الصناعة التحويلية للمعدات والبذور والأسمدة والمبيدات الحشرية عالية التقنية أشرنا من قبل أن الصناعات التحويلية للمعدات والبذور والأسمدة والمبيدات الحشرية عالية التقنية قد أصبحت ومنذ أوائل الثمانينيات أكثر أهمية وبدرجة كبيرة فى البلدان الصناعية فى أوربا وأمريكا الشمالية وآسيا، وذلك بسبب الطلب السريع على المنتجات الزراعية الآتية من اقليمنا الفرعى، مع الاستثمارات الضخمة منذ أول الأمر. كذلك لا حاجة إلى الإشارة إلى النمو الواضح الذى حدث لبحوث التطوير فى المراكز الرأسمالية. وكان تدفق مختلف المدخلات المصنعة كأدوات تقنية فى الإدارة الزراعية أمراً جلياً، خاصة فيما يتعلق بتدفق الآلات الزراعية الثقيلة والخفيفة، والهندسة الوراثية (البذور)، والأسمدة، والمبيدات الحشرية والعقاقير البيطرية. وتتسع القائمة لتشمل أيضاً روابط إنتاجية فيما بعد الزارعة، مثل الصناعات الخاصة بالمزيد من تحويل المنتج. إن منتجى هذه المدخلات (بوصفهم قادرين على تحديد أسعار سلعهم وخدماتهم) قد استطاعوا عبر الزمن زيادة أرباحهم الخاصة، خاصة على ضوء الدور الذى يلعبونه فى تكثيف الزراعة بالبلدان النامية. وقد أصبح هذا الأمر أكثر يسراً من خلال سياسة اللبرلة التى تنتجها معظم البلدان النامية اليوم. بيد أنه من الجدير بالذكر أن عدداً قليلاً من الشركات متعدية القوميات هو الذى يملك سيطرة حقة على قطاع إنتاج التكنولوجيا. ولهذا فمن المتوقع أن يشهد هذا الاستثمار الهائل فورة اقتصادية فى بلدان الشمال من خلال النمو الصناعى الذى يدفع اليه تعاظم الطلب على المدخلات فى هذا المجال. وإن هذه العمليات التى تربط بين استغلال الموارد الطبيعية فى البلدان النامية وبين الصناعات فى البلدان المتقدمة لتبين لنا عملية أخرى من عمليات العولمة، تلك التى يشار إليها باسم التسويق.

3/4 تسويق التكنولوجيا تتضمن عمليات التسويق تلك تصدير المنتجات الزراعية واستيراد تقنيات إنتاج المحاصيل والماشية. ويقود هذه العملية وسطاء تسويق فيما وراء البحار تزايد دورهم كثيراً كلاعبين أقوياء فى سلسلة الإنتاج. إذ إن موردى هذه المدخلات (مثل تسهيلات التجميد) قد تمكنوا من تشجيع المنتجين المباشرين على توسيع وتكثيف إنتاجهم. وجدير بالذكر أن هؤلاء اللاعبين الأجانب فى سلسلة الإنتاج وفى المنعطف الحالى قد أصبحوا يحصلون على دخول أكثر استقراراً، وذلك نظراً لحصصهم الهامة فى مجمل السوق، والتى تغطى جميع البلدان تقريباً. وبناء على ما سبق، هناك اتجاه عام نحو التكامل الرأسى لسلسلة الإنتاج مع الشركات متعدية القوميات، بوصف الأخيرة موردة للتكنولوجيا والمدخلات والاعتمادات، ومن ثم فإن تحكمها آخذ فى التزايد عبر جميع المراحل بدءًا من الإنتاج وانتهاء بالتسويق فى كل من البلدان المتقدمة والنامية. 3/5الآثار العامة المحتملة إن الألفية الجديدة يجب أن تشكل نقطة انطلاق للتحول من "طبيعة قابلة للتجديد الدائم إلى التمرد على الاستغلال الزائد لمواردها" (Report of Independent Commission on Population and Quality of Life 1996) . فعلى سبيل المثال يبدو الاستثمار فى المشروعات الزراعية ولأول وهلة محافظاً فعليا على الحيوية الاقتصادية والاستدامة البيئية، خاصة فى ظل التقدم التكنولوجى الحديث. غير أن هذا الوضع يبدو الآن آخذاً فى التحدى أكثر من أى وقت مضى، وبالذات فى سياق تفاعل أزمة الديون فى الاقليم المدروس والتى شلت القطاع الاجتماعى إلى أبعد حد (التعليم، الصحة، البنية التحتية للنقل والمواصلات) .(Adams 1991) غير أن القوة المحركة للمستثمرين تظل الربحية العالية للصناعة وليس دورها فى تحقيق الاستدامة. وينبغى التشديد على أن الإقليم يجب حمايته من إفلاس الموارد الطبيعية وعدم الاحتفاظ بها للأجيال القادمة، تلك الأجيال التى يجب أن تكون المستفيد الأول من كل ما ننجزه الآن. فمثلاً تتقدم الشركات متعدية القوميات (التى تقوم بالاستثمار فى مشروعات بالبلدان النامية تؤدى إلى خلق فرص عمل جديدة) باستراتيجية لتصفية الفقر (Frobe, Heinrichs and Kreys 1988, Brown and Tiffen 1993) ولكن فرص العمل المتاحة للعمال غير المهرة لا تتصف بالاستدامة. ومن بين أهم أسباب ذلك: أولاً عدم وجود إمكانيات تدريبية تسمح للعمال المحليين بالتأهل للعمل بتلك المشروعات، ومن هنا كان انخفاض معامل الأمن فى استمرارية هذه الوظائف. ثانيا: أن عمر هذه المشروعات قصير عادة حيث يتراوح بين خمس وعشر سنوات. وهى المشكلات التى ينبغى مقارنتها بالأنساق الأهلية أو الوطنية لاستخدام الموارد البيئية، والتى إن تم تحسينها يمكن أن تحقق الاستدامة والانتاجية والعدالة (Rugumamu 1998). وبناء على العرض السابق من تغيرات سريعة فى الاحتياجات الغذائية وفقدان المعرفة الوطنية والتماسك الاجتماعى، غالباً ما يفقد الفلاحون الصغار ومجتمعاتهم الثقة بقدرتهم على التعديل والتجديد والإبداع (Muller 1980). وقد أسهمت هذه العوامل – مع غيرها – فى تغيير عادات الاستهلاك الغذائى على المستويين المحلى والوطنى، وما نتج عن هذا من النقص الغذائى وسوء التغذية وحتى المجاعة. ومع ذلك فإن أنساق التقنية البيئية التقليدية لم تعد فى الغالب كافية لضمان التنمية المستدامة على الجبهتين الاجتماعية – الاقتصادية والبيئية. وفيما يتعلق بتحقيق الاستدامة فإن التحولات التكنولوجية الزراعية فى الإقليم يجب ان تتضمن إدماج السكان المحليين فى هذه العملية كفلاحين صغار متطورين وليسوا كمجرد عمال زراعيين أو حتى رؤساء عمال. وجدير بالذكر أن حيوية هذا القطاع لخلق فرص العمل فى ظل برامج العولمة لتمكين المجتمعات المحلية، يجب ان تسير يداً بيد مع الاستثمار الزراعى. لقد لعبت الأسمدة والمبيدات الحشرية دوراً أساسيا – عبر التاريخ – فى تحويل الزراعة. فكما سجل البعض (Altieri 1993) حدثت الزيادات الهائلة فى انتاج المحاصيل الزراعية – سواء فى البلدان المتقدمة أم النامية – من خلال التطبيقات الكيميائية بالدرجة الأولى. بل إن "الثورة الخضراء" فى الجنوب قد مكنت بعض دوله – على الأقل – من تحقيق الاكتفاء الذاتى فى الغذاء. ومع تداعيات اللبرلة الاقتصادية أصبحت واردات الآلات والبذور والمبيدات والأسمدة عملية غير منظمة، وحيث يتم إغراق البلدان النامية بهذه السلع. وهناك أدلة قوية من البلدان النامية فى الجنوب على أن استخدام المبيدات الحشرية لم يكن مناسباً لبقاء الفلاحين فى الأطراف على أسس اقتصادية وبيئية (Altieri 1993). وعلى الرغم من الأسعار المرتفعة جداً للأسمدة والمبيدات، يتم إغراء عدد قليل نسبياً من الفلاحين القادرين على شرائها باستخدام المزيد والمزيد من الكيماويات ومن ثم يتم إهدار جزء ثمين من رأس المال مع التسبب فى التلوث البيئى. ومن بين الآثار الكارثية لاستخدام تلك المدخلات فى بلدان الجنوب الفقيرة: زيادة الوفيات والأمراض، والارتفاع المتواصل لتكاليف الإنتاج، وزيادة اعتماد الفلاح على الواردات الغالية، وتلوث المياه، وتدمير التنوع الحيوى. أضف إلى هذا: ارتفاع ملوحة الأرض بسبب عدم قدرة صغار الفلاحين فى أغلب الأحوال على قراءة التعليمات المكتوبة على تلك العبوات الكيماوية، وخاصة إذا تضمنت مواداً يحظر استخدامها فى بلدان الشمال (مثل "دى دى تى") لأسباب صحية، ومع هذا يستمر تصديرها إلى بلدان الجنوب. أما الهندسة الوراثية للبذور فهى غير صديقة بالمرة لكل من صغار الفلاحين وأنصار حماية البيئة. فعلى سبيل المثال يتم القضاء على الممارسة الثقافية المحلية فيما يتعلق بأنظمة تنويع وتخزين البذور والتى تسهم فى خفض تكلفة المدخلات. ولقد وصل عدم الاستقرار فى أنساق التنوع الحيوى إلى مرحلة مزعجة لأنصار البيئة. وعلى العكس من إنتاج الحيازات الصغيرة (حيث يتم استهلاك المحاصيل والمنتجات الحيوانية فى إطار المجتمع المحلى) فإن العولمة تدفع السكان المحليين إلى الإنتاج المتوجه للتصدير. ويساهم تسويق المنتجات فيما وراء البحار فى إنهاك التربة. ويزداد الأمر سوءاً مع تكثيف الإنتاج، وزيادة المحتوى المغذى فى المنتجات، وجميع خصائص النظم الغربية فى استغلال الموارد. وهى الممارسات التى ينظر إليها أنصار البيئة المخلصون كنوع من العمل اللاأخلاقى (Lal, Miller and Logan 1988)، وهى الرؤية التى لا يمكن اتهامها بالمبالغة فى تقييم الآثار البيئية لتلك الممارسات. وبالإضافة إلى ما سبق يجب على أنشطة المتابعة لتقييم الآثار البيئية أن تقدم حلولاً بديلة لمسائل مثل الصدمات الاجتماعية – الاقتصادية الحادثة فى السوق الدولية. وجدير بالذكر أن كثرة من المستهلكين فى بلدان الشمال أصبحوا أكثر اهتماماً بالطرق التى يتم بها إنتاج غذائهم، وهم مستعدون لدفع أموال أكثر مقابل الحصول على منتجات يتم الوصول إليها بأساليب أكثر ملاءمة للبيئة والإنسان والزراعة. ومن الأرجح جداً أن تمارس تلك القوى نفوذاً أكبر على الصناعات الزراعية، قد تصل إلى حد الوقف النهائى لبعض المنتجات. ونظراً لأن طبيعة تقييم الأثر البيئى عند نهاية نظام الاستثمار لا يتم التعبير عنها فى قوانين الاستثمار، فإن انتاجية الأرض عند نهاية موسم الانتاج تكون أقل من بدايته وهو الموقف الذى يتناقض ومبادىء التنمية الزراعية المستدامة، ومن ثم يمثل كارثة لكل من الاقتصاد والبيئة. وتتواكب المخاطر السابقة مع نشأة لاجئين بيئيين يتم تهميشهم بفعل الصناعات الجديدة، إلى جانب الآثار النفسية والاقتصادية والبيئية المحدقة بهم. من ثم يتوجب التأكيد على تلك الكوارث بشكل كلى، وبوصفها متراكمة ومتداخلة عبر الزمان والمكان. وهو ما يتطلب المزيد من البحث المعمق.

3/6 آفاق العولمة نناقش هنا الفرص الديمقراطية للارتقاء بالاكتفاء الغذائى الذاتى لصغار الفلاحين والمقاربات التشاركية للاستدامة البيئية، وذلك كأساس للانتفاع ببعض الفرص التى جاءت بها العولمة. وقد سبق أن أوضحنا أن تمكين الفلاحين يجعلهم أكثر قدرة على الاستفادة من العولمة من خلال ممارسة نظم إنتاج صديقة للبيئة، وتلبى احتياجات الأسر الفلاحية فى نفس الوقت، إلى جانب إنتاج منتجات عالية القيمة للآخرين، أى للسوق. وقد تكرر القول حول ضرورة المشاركة الديمقراطية لجميع الأطراف فى عمليات تصميم وتطبيق ومتابعة وتقييم خطط وسياسات استخدام الموارد فى شرق وجنوبى أفريقيا. إن تصفية الفقر وحماية النسق البيئى يتطلبان من حيث المبدأ: الاشتراك الفعال للسكان المحليين فى الانتفاع الكفؤ بمواردهم الطبيعية (Rugumamu 1999). إذ إن استثمار رؤوس الأموال فى عمليات استغلال مفرط للموارد يؤدى إلى إقصاء أو نفى السكان المحليين وخلق ظواهر اللجوء البيئى وتدهور الأرض والمياه، ومن هنا فإنه يؤدى إلى تفاقم الفقر أكثر من أى وقت مضى. ومن أجل تحقيق العدل والاستفادة من عمليات العولمة هناك حاجة ماسة إلى إعادة النظر فى تقسيم العمل بين النوعين الاجتماعيين، وفى احتياجات الارتقاء بإنتاجية صغار الفلاحين فى سياق كل من الأسرة المعيشية والمجتمع والإقليم المحليين والبلد ككل وكذلك العالم، خاصة فيما يتعلق بالشروط البيئية والاجتماعية – الاقتصادية. ونقترح فى هذا الصدد ما يلى:- 1- ضبط عملية اللبرلة بما يلبى احتياجات استدامة البيئة وصغار الزراع. 2- النفاذ إلى الموارد الضرورية لرفع الإنتاجية مثل الآلات والمبيدات والأسمدة والبذور وحتى مواقد الطهى الجيد. 3- النفاذ إلى التعليم، وخاصة من زاوية تقسيم العمل بين النوعين الاجتماعيين، وكذلك الإدارة السليمة للموارد البيئية. وينبغى أن يتمتع بأهمية خاصة هنا: كيفية الحصول على البذور والأسمدة المناسبة والاستخدام الآمن للمبيدات والخدمات البيطرية والمياه والصرف... بما يحقق التنمية المتكاملة. وهكذا ينبغى على الباحثين- ومن خلال مبدأ المشاركة – أن يدعموا عمليات التنمية المحلية بإجراء بحوثهم بالتعاون مع الفلاحين والتمعن فى المشكلات التى يحددونها بأنفسهم (Rugumamu 1999). فعليهم مثلاً أن يشتركوا فى الدراسات الخاصة بتقييم الوضع المحلى، وتقديم المشورة فيما يتعلق ببرنامج إنتاج البذور. ويجب على الباحثين أن يعملوا على جانب الفلاحين فى متابعة وتقييم المبادرات البحثية فى مجال وضع البرامج والسياسات. ونظراً لارتفاع تكاليف العمل البحثى يتوجب على القطاع الخاص والحكومة المركزية والمنظمات الدولية والمانحين أيضاً، أن يعملوا معاً على دعم هذه المبادرة الإصلاحية فى الألفية الجديدة. ومن ثم ينبغى توجيه اهتمام أكبر إلى أنساق التقنية البيئية التقليدية بهدف زيادة إنتاجية الموارد البيئية، وتحسين الأمن الغذائى، والقضاء على الفقر الريفى. غير أنه تظل هناك نقطة فائقة الأهمية، وهى ضرورة تماشى البحوث الزراعية مع التغير الحادث فى الأنساق الاجتماعية – الاقتصادية، ومن ثم التغير المتواصل فى الأهداف والمستهدفات. ومع تطور واستخدام التكنولوجيا فإن انجاز التنمية المستدامة وإنتاجية الموارد يجب بناؤها على الإدماج الديمقراطى للرجال والنساء كلاعبين مهمين فى التخطيط بالمشاركة لإدارة الموارد الطبيعية، المتاحة منها والممكنة. ومن ثم هناك حاجة ملحة الآن لتصميم تقنيات زراعية مطورة ومناسبة للحفاظ على الموارد وتطوير الزراعة، وخاصة رفع إنتاجية صغار الفلاحين وحماية أنساقهم البيئية فى خضم الاندفاع العالمى نحو الاستثمار فى البلدان النامية. ولا يمكن الوفاء بهذه الحاجة إلا من خلال إصلاح بحوث السياسيات على المستويين الوطنى والدولى، وبما يكفل خلق الشروط الضرورية للتنمية المستدامة فى المجال الزراعى. وينبغى أن يصبح الحكم العالمى الديمقراطى المبنى على منظمات مدنية قوية هو القوة القائدة لخلق فرص جديدة من وراء العولمة فى شرق وجنوبى أفريقيا فى القرن الحادى والعشرين.






المـراجـع

Adams, P. 1991. Odious debts: Loose lending, corruption and Third World's environmental legacy. London: Earthscan. Allan, W. 1965. African husbandman. Edinburgh: Oliver and Boyd. Altieri, M. A., ed. 1993. Crop protection strategies for subsistence/armors. London: Intermediate Technology. Amin, S. 1976. Unequal development. New York: Monthly Review Press. Amin, A. Z. 1986. Country profile, Tanzania. UNEP, Nairobi. Anderson, M. D., C. S. Hollingsworth, V. Van Zee, W. M. Coli, and M. Rhodes. 1996. Consumer response to integrated pest management and certification. Agriculture, Ecosystem and Environment Journal60: 97 - 106. Bandyopadhyay, J., and V. Shiva. 1989. Political economy of ecology movement. Ifda Dossier 71 (May/June): 37 - 60. Barraclough, S., and A. Finger-Stich. 1996. Some ecological and social implications of commercial shrimp farming in Asia. Discussion paper WWF & UNRISD. Berry, L., and J. Townshend. 1973. Soil conservation policies in the semi-arid regions of Tanzania: A historical perspective. In Soil erosion and sedimentation in Tanzania, edited by A. Rapp, L. Berry, and P. H. Temple, 241 - 253. BRALUP Research Monograph No. 1. Dar es Salaam. Biowman, W.D. 1974. Research in natural resources: A review and commentary. Natural Resources Journal 4: 42-66.? Blaikie, P.- 1985. The political economy of soil erosion in developing countries. London: Longman. ___. 1989. Explanation and policy in land degradation and rehabilitation for developing countries. Land Degradation and Rehabilitation 1, 1: 23 -37. Boserup, E. 1965. The conditions of agricultural growth. London: Faber. Brown, M. B., and P. Tiffen. 1993. Short changed: Africa and world trade. London: Pluto Press. Carson, R. 1962. Silent spring. Greenwich Conn: Fawstt Publ. Inc. Choucri, N. 1998. Knowledge networking for technology "leapfrogging", cooperation South, UNDP. No. 2:40 - 52. Christiansson, C. 1981. Soil erosion and sedimentation in semi-arid Tanzania.Studies of Environmental Change of Ecological Imbalance. Stockholm, Sweden: Scandinavian Institute of African Studies. ___. 1988. Degradation and rehabilitation of agropastoral land: perspectives on environmental changes and ecological imbalance. Ambio 17, 2: 44 - 52. Chungu, A. S., and G.R.R. Mandara. 1994. The Use of technology in alleviating poverty in Tanzania. In Poverty' alleviation in Tanzania: Recent research issues, edited by M.S. D. Bagachwa. Dar es Salaam: Dar es Salaam University Press. Conacher, A. J., and J. B. Dalrymple. 1977. The Nine Unit Landsurface Model: An approach to pedogeomorphic research. Geoderma, Special Issue, no. 18. Cooke, R. U. 1991. Common ground shared inheritance: Research imperative for environmental geography. Transactions of the Institute of British Geographers 17:131-151 Danish International Development Agency (DANIDA). 1989. Environmental Profile: Tanzania. Danish Foreign Affairs. Dar es Salaam: Dar es Salaam University Press J FAO. 1983. Guidelines: Land evaluation for rainfed agriculture. Soils Bulletin, no. 53. 1 Fierman, S. 1990. Peasant intellectuals: Anthropology ami nwu Wisconsin, Madison: University of Wisconsin Press. Frobe, F., J. Heinrichs, and 0. Kreye. 1988. The new international division of labour: Structural unemployment in industrialized countries and industrialization in developing countries. Cambridge: Cambridge University Press. GEO-SAREC. 1990. Relationship between land degradation and food security in Tanzania. University ofDar es Salaam, (mimeo). Hudson, N. 1987. Soil conservation practices for the future. Splash 3, no. 3. lllife, J. 1972. Agricultural change in modern Tanganyilca. Nairobi: East Africa Publishing House. Independent Commission on Population and Quality of Life. 1996. Caring for the future: A radical agenda for positive change. Oxford: Oxford University Press. Juma, C., and D. Ford. 1992. Facing Africa's ecological crisis. In Twenty first century Africa: Towards new vision of self- sustainable development, edited by A. Seidman and F. Anang, 183 - 201. Trenton, NJ: Africa World Press. Kjekshus, H. 1977. Ecology control and economic development in Exist African History. London: Heinemann. Lal, R., F. P. Miller, and T. J. Logan. 1988. Are intensive agricultural practices environmentally and ethically sound? Journal of Agricultural Ethics 1: 193 - 210. Mascarenhas, A. 1990. Towards an understanding of the problems of population and human settlements in rural Tanzania in the context of conservation and development. Paper presented at the First Workshop on National Conservation Strategy. Dodoma. Mbilinyi, M. 1972. The new women and tradition of norms in Tanzania. Journal of Modern African Studies 10, no. 1:57-72. McAuslan, ]. P. W. B. 1980. A National Environment Agency for Tanzania. UNEP Report. Morgan, R. P. C. 1986. Soi/ erosion and conservation. London: Longman. Muller, J. 1980. Liquidation or consolidation of indigenous technology. Development Research Series No. 1. Uppsala, Sweden: Aalborg University Press. Neriove, M. 1988. Modernizing traditional agriculture. Occasional papers. No. 6. Washington, D.C.: International Food Policy Research Institute. Ohiorhenuan, J. F. E. 1998. The South in an era of globalization. Cooperation South, UTMDP.No.2:6-15. Participatory Rural Appraisal (PRA). 1991. World Resources Institute, Washington, D.C.; dark University, Worster, USA; and Egerton University, Kenya. Peatti, L. R. 1968. Reflections on advocacy planning. American Institute of Planners 34, no. 2: 69-76; 80-88. Rapp, A., L. Berry, and P. H. Temple, eds. 1973. Soil erosion and sedimentation in Tanzania. BRALUP Research Monograph No. 1. Rocheleau, D. E. 1992. Shared use of private and public property: The commons between. Graduate School of Geography, dark. (mimeo). Rodney, W. 1980. How Europe underdeveloped Africa. Oxford and New York: Oxford University Press. Rounce, N. V., and D. Thornton. 1939. The ridge in native cultivation, with special reference to the Mwanza District. East African Agricultural and Forestry Journal IV: 352 - 5. Rugumamu, W. 1991. Environmental impact assessment of indigenous and modem agricultural technology as a basis for technology policy design for semi-arid Tanzania. IDRC Report. ___. 1993. Outline of an action programme to combat environmental degradation and increase food and energy production in Southern Africa. Desertification Control Bulletin, No. 22. UNEP. ___. 1996. The state of the environment in semi-arid Tanzania: A strategy toward environmentally sustainable development. Report Series of UNESCO, No. 13. ___. 1997 The impact of gender on land productivity in Tanzania. Institute of Southern African Studies, University of Lesotho. GHEC Working Papers, No. 13. ___. 1998 The impact of agricultural technology on sustainable land resource utilization in Africa: The case of semi-arid Tanzania. In Environment and sustainable development in Eastern and Southern Africa: Some critical issues, A. G. H. Ahmed, and W. Mlay, 144 -160. New York, N.Y.: Macmillan Press Ltd & St. Martins Press Inc. ___. 1999. Gender dimension in relation to desertification control initiatives in the Southern African Community. Desertification Control Bulletin, No. 34 41-47. UNEP. Rugumamu, C. P., and E. Mtumbuka. 1998. Efficacy of indigenous materials to insect pests of household stored crops: Strategy for food security in Tanzania. Research Report. Sida-Sarec. Ruthenberg, H. 1980. Farming systems in the tropics. London: Clarendon Press. Seidman, A., and F. Anang, 1992. Towards a new vision of self-sustainable development. Trenton, N.J.: Africa World Press Inc. Shiva, V. 1991. Ecology and the politics of survival: conflicts over natural resources in India. Tokyo: United Nations University Press. Shiyji, G. S. 1998. Not yet democracy: Reforming land tenure in Tanzania. IIED/HAKIARDHI/FoL, UDSM. Sinare, H. 1979. Women and the struggle for national liberation in Tanzania. Faculty of Law, University ofDar es Salaam. Smyth, A. J. 1972. Interpretative classification of soil in land development. In International Geography. Proceedings of 22nd International Geographical Congress. Toronto: University of Toronto'Press. Stebbing, E.P. 1935. The encroaching Sahara. Geographical Journal 85, no. 6:506- 24- Tanzania National Agricultural Policy, 1983. Dares Salaam: Government Printers. Timberlake, L. 1985. Africa in crisis: The causes, the cures of environmental bankruptcy. London: Earthscan. (JNSO. 1986. Assessment of the problem of desertification and review of ongoing and proposed activities to implement the plan of action to combat desertification in Tanzania. New York: UNSO. Van de Welle, E. 1972. Implications of increase in rural density. In Population growth and economic development, edited by S. H. Ominde and C. N. Ejiogu, 117- 122. London: Heinemann. Van Rensburg, H. J. 1955. Runoff and soil erosion test, Mpwapwa, Central Tanganyika. East African Agricultural and Forestry Journal 20, no. 4; 228-31. World Commission on Environment and Development. 1987. Our common future.New York: Oxford University Press.




















الفصل الثانى عشر

حماية الكوكب أم رفاهة البشر؟ أفريقيا الجنوبية وقضايا التغير البيئى العالمية





















حماية الكوكب أم رفاهة البشر؟ أفريقيا الجنوبية وقضايا التغير البيئى العالمية



بقلم: رابان تشاندا قسم العلوم البيئية- جامعة بوتسوانا ترجمة: مصطفى مجدى الجمال 1- مقـدمـة تعتبر مشكلة "الصوبة الزجاجية" (بآثارها المخيفة على المناخ) من بين أهم القضايا البيئية فى عصرنا، مثلها فى ذلك مثل تآكل طبقة الأوزون وتدهور التنوع الحيوى واقتلاع الغابات وازدياد التصحر. وقد ربط بعض العلماء (Commoner 1971) بين تغير المناخ وتآكل طبقة الأوزون وبين انتشار تقنيات الإنتاج غير الصديقة للبيئة منذ بدء الثورة الصناعية. غير أن هناك علماء آخرين (Ehrlich, Ehrlich and Holdern 1977) قد أرجعوا عملية التصنيع غير الصحية هذه إلى المقتضيات التى فرضها النمو السكانى بمتوالية هندسية. ومع ذلك فهناك من ينسب مشكلات التلوث إلى صعوبة إدارة المناخ بوصفه ملكية مشتركة للإنسانية (Vogler 1995) حيث هناك إمكانية لا محدودة للنفاذ إلى وظائفه التمثيلية وغير المتجددة (Chanda 2002). ولهذا فإن التغير المناخى ينظر إليه من الناحية الأنثربولوجية على أنه "تراجيديا المشتركات"، أى كمشكلة يتطلب حلها بذل جهود دولية منسقة للتحول نحو استخدام تقنيات إنتاج وأساليب حياة سليمة بيئياً. بيد أننا نوضح فى هذا الفصل أن إسهام بلدان العالم الثالث (وأفريقيا الجنوبية بشكل خاص) فى هذه الجهود سيكون بالغ المحدودية، على الأقل فى الأمدين القصير والمتوسط، وذلك لأن مواقف هذه البلدان تجاه المشكلات البيئية العالمية تتأثر بعاملين أساسيين، أولا: اقتناعها بدورها المحدود فى خلق تلك المشكلات، وثانيا: انتشار الفقر والتخلف فيها.

من يجب أن يلام؟ -السياق العالمى تقول الدراسات إن مناخ الأرض قد مر بحقب جليدية ومطيرة فى العصر البليستونى وقبل أن يصبح الإنسان البدائى وسيطاً هاماً فى التغير البيئى. وعلى الرغم من الاتفاق على أن الأسباب البيوفيزيقية هى التى كانت وراء التغيرات التى حدثت فى عصور ما قبل التاريخ إلا أن الآليات الحافزة ما زالت موضع افتراضات كثيرة (مثل أطروحتى المضخة البيولوجية ودوائر" ميلانكوفتيس"). ويعتقد الآن أن الأرض تمر حالياً بدورة ما قبل جليدية أو مطيرة. ولا يزال غير واضحاً حتى الآن المدى الذى يمكن تؤدى إليه ظاهرة الصوبة الزجاجية فى تأجيل أو تعجيل عودة العصر الجليدى (Mannion 1991). ومع هذا فمن الجلى أن آثار الصوبة المعاصرة هى تعبير أو مظهر لخرق الإنسان للقوانين الطبيعية القائلة بأن المادة لا يمكن أن تستحدث أو تدمر فى مسار الإنتاج أو الاستهلاك أو التحويل. ولهذا فإن زيادة ثانى أكسيد الكربون فى الغلاف الجوى تعد مؤشراً على زيادة الأنشطة الإنتاجية (والاستهلاك المرتبط بها) التى تولد هذا الغاز، أى أنه كلما اتسع حجم هذه الأنشطة كلما زادت كمية انبعاثات ثانى أكسيد الكربون. والشىء نفسه ينطبق بالقطع على الملوثات الأخرى الموجودة فى البيئة. وبمجرد إدراكنا لهذه الحقيقة تقل صعوبة فهم من الملوم على المستوى الوطنى أو الإقليمى عن ظاهرة تأثير الصوبة. وقد وجهت أصابع الاتهام فى السبعينيات وأوائل الثمانينيات إلى النمو السكانى السريع بوصفه العدو الأكبر للبيئة (Ehrlich, Ehrlich and Holoden 1977, Meadows et al. 1971). ولما كانت أعلى معدلات النمو السكانى هى تلك المتحققة فى بلدان العالم الثالث، فإن الوصفة العلاجية العامة كانت ضرورة انتهاج إجراءات حازمة للسيطرة على النمو السكانى هناك. وإذا كنا لا ننكر أن مطالب الأعداد الزائدة من السكان تفرض الضغوط على الوظائف البيئية الرئيسية، بل وحتى تدميرها على المستوى المحلى، إلا أنه قد أصبح واضحاً للكافة أن القسم الأكبر من تشوش أو انقطاع التنوع البيئى قد تحقق أولاً بفعل انتشار تقنيات الإنتاج غير السليمة بيئياً منذ قيام الثورة الصناعية، وثانياً بفعل انماط الحياة والاستهلاك المرفهة وسط أعداد أصغر نسبياً من البشر وأقل نمواً من حيث التعداد السكانى فى البلدان المتقدمة صناعياً (Commoner 1971). ومن ثم فإن حصة الفرد الأمريكى أو الأوروبى من التأثير البيئى هى أكبر بكثير جداً من حصة الفرد الأفريقى أو الهندى. وحينما عبر "ديفز" (Davis 1971) عن هذا الرأى فى أواخر الستينيات لم يوافقه عليه إلا عدد ضئيل من علماء الشمال. أما اليوم فقد أصبح هذا المنظور موضع اتفاق واسع، خاصة بعد أن حصل على أدلة وتوضيحات مقنعة من جانب علماء كبار (Parikh and Panuly 1994) كما تم تطويره وتقييمه على أيدى آخرين (Bruce, Lee and Haites 1996). فعلى الرغم من أن سكان البلدان المتقدمة صناعياً يشكلون أقل من 25% من سكان العالم، نجدهم يستهلكون 60% من الأسمدة الكيماوية، 52% من الأسمنت، 86% من النحاس، 87% من الكيماويات غير العضوية، 92% من سيارات الركوب، 85% من المركبات التجارية، 66% من الوقود الصلب، 75% من الوقود السائل، 85% من الغاز الطبيعى، 81% من الطاقة الكهربية (Parikh and Panuly 1994: 434-5). وتؤدى مستويات هذا الاستهلاك الهائل (والانتاج له) إلى مستويات مماثلة من توليد التلوث، وخاصة من غازى ثانى أكسيد الكربون والميثاق (أنظر الجدول رقم 1) وغيرهما من مصادر التلوث. يتضح من الجدول أن المجتمعات الصناعية المتقدمة مسئولة عن حوالى 84% من انبعاثات ثانى أكسيد الكربون الصناعية، و 68% من إجمالى انبعاثات ثانى أكسيد الكربون خلال الحقبة من 1800 إلى 1988. أما إذا نظر للأمر من زاوية حصة الفرد من هذه الانبعاثات نجد أنها فى البلدان الأقل تقدماً (Parikh and Panuly 1994, Fuji 1990, Meyer 1995).





جدول رقم (1) النسبة المئوية لحصة الاقاليم من انبعاثات ثانى أكسيد الكربون والميثاق (1800-1988) ثانى أكسيد الكربون والميثان إجمالى ثانى اكسيد الكربون ثانى أكسيد الكربون الصناعى الاقليم 29.2 16.4 4.7 12.4 2.3 1.9 6.3 4.8 5.2 1.8 5.2 3.3 6.5 66.9 33.1

100 29.7 16.6 4.8 12.5 2.3 1.9 6.0 4.5 5.0 1.7 5.2 3.3 6.5 67.8 32.2

100 33.2 26.1 5.5 14.1 3.7 1.1 5.5 1.6 1.5 2.2 1.6 0.7 3.2 83.8 16.2

100 *بلدان منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية:أمريكا الشمالية

  • بلدان منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية: أوربا
  • شرق أوربا
  • الاتحاد السوفيتى سابقاً
  • اليابان
  • بلدان الأقيانوس
  • الصين
  • الهند
  • بقية آسيا
  • شمال أفريقيا والشرق الأوسط
  • بقية أفريقيا
  • البرازيل
  • بقية أمريكا اللاتينية
  • البلدان المتقدمة صناعياً (الأقاليم الستة الأولى)
  • البلدان النامية (الأقاليم السبعة التالية)
  • العالم

Source: Bruce, Lee and Haites 1996: 94. وهكذا لا يصبح هناك مجال للشك فى أن ظاهرة الصوبة الزجاجية هى نتيجة بالدرجة الأولى للأنشطة الصناعية الكثيفة والمفرطة فى استخدام الوقود فى الاقتصادات الأكثر تطوراً. وهو الشىء الذى ينطبق أيضاً على تآكل طبقة الأوزون فى الغلاف الجوى، رغم التغاضى عن ذلك بعض الشىء منذ توقيع بروتوكول مونتريال عام 1987 (Bruce, Lee and Haites 1996). غير ان الانخفاض النسبى فى انبعاثات ثانى أكسيد الكربون من اليابان (وهى الاقتصاد الذى يحتل المرتبة الثانية عالمياً بعد الولايات المتحدة) يشير إلى أن فرض سياسات حماية بيئية فعالة يمكن أن يحفز على اتباع تقنيات فى الانتاج الصناعى صديقة للبيئة. إن ظاهرة الصوبة الزجاجية وتآكل طبقة الاوزون مرتبطة بأنماط الحياة المسرفة فى بضع من البلدان. ويرى بعض العلماء من البلدان الأقل نمواً أنه سيكون من العدل الاجتماعى أن يتحمل المسئولون عن خلق هذا الوضع عبء علاجه. فبالنسبة لظاهرة الصوبة الزجاجية تصاعدت مقولة "المتسبب يدفع"، وخاصة من خلال اقتراح (Parikh and Panuly 1994) "نظام حصص سنوى" لانبعاثات ثانى أكسيد الكربون بمقتضاه "تلزم البلدان التى تنبعث منها كميات أكبر من المعدل العالمى بأن تدفع للبلدان التى تنبعث منها كميات أقل من المعدل العالمى". وهكذا فإن تحقيق العدل على مستوى الغلاف الجوى يؤدى إلى تصبح البلدان الصناعية المتقدمة هى "المدينة" أما البلدان الأقل نموًا فتصبح "دائنة". غير أن هذا الرأى لا يعفى البلدان الأقل نمواً إعفاء كلياً من مشكلة الانبعاثات الغازية المتسببة فى ظاهرة الصوبة الزجاجية. فكما يوضح الجدول رقم (1) تساهم هذه البلدان هى الأخرى فى صنع المشكلة وإن بدرجة قليلة الاهمية، خاصة إذا نظرنا للمشكلة من زاوية حصة الفرد من تلك الانبعاثات. ويقدم الشكل رقم (1) دليلاً قوياً على هذه النقطة حيث يبين الارتباط القوى بين حصة الفرد من الدخل الوطنى وانبعاثات ثانى أكسيد الكربون (r2 = 0.61, p = 0. 0001) وذلك بناء على البيانات الخاصة ببلدان جماعة تنمية أفريقيا الجنوبية وثمانى اقتصادات متطورة. وفيما عدا جنوب أفريقيا نجد بلدان تلك الجماعة (المتجمعة معاً بالقرب من الركن الأيسر للشكل) متماثلة فى انخفاض دخولها وانخفاض انبعاثات ثانى أكسيد الكربون أيضاً، مقارنة بالبلدان المتقدمة اقتصادياً. وهناك عامل آخر يجب أخذه فى الاعتبار، وهو أنه إذا كانت انبعاثات ثانى أكسيد الكربون فى البلدان الصناعية نتيجة بالدرجة الأولى لأنماط الحياة المرفهة، فإن الانبعاثات فى الدول الفقيرة تتم أساساً نتيجة لأنشطة تتصل بتلبية الاحتياجات الضرورية، مثل الزراعة من أجل البقاء واستهلاك الطاقة المنزلية وغير التجارية (Bruce, Lee and Haites 1996, Parikh and Panuly 1994). وبالإضافة إلى ما سبق فإن ظاهرة الصوبة الزجاجية لها نتائجها بالنسبة للتكيف الاجتماعى. فكما لاحظ "المعهد العالمى للموارد" WRI و"برنامج الأمم المتحدة للبيئة" UNEP و"البرنامج الإنمائى للأمم المتحدة" UNDP فإن الشعور بنتائج هذه الظاهرة سيكون أكبر فى البلدان الاقل نمواً بسبب نقص الموارد اللازمة للتكيف أو التغلب على آثارها. بينما البلدان المتقدمة – فى الناحية الأخرى – تمتلك من الاقتصادات المرنة والامكانيات المالية والقدرات التقنية ما يكفى للتكيف مع التغير البيئى. وعلى العكس من البلدان النامية تستطيع الاقتصادات الصناعية – بل واستطاعت بالفعل منذ وقت طويل – تلبية الاحتياجات الرئيسية للتنمية، وتراكمت لديها الموارد (هل نقول الرفاهية؟) الكافية للتعامل مع المشكلات البيئية فوق الوطنية مثل الصوبة الزجاجية وتآكل طبقة الأوزون. شكل رقم (1) متوسط دخل الفرد (بالدولار) وانبعاثات ثانى أكسيد الكربون (بالاطنان) من بلدان جماعة تنمية أفريقيا الجنوبية وبعض البلدان الصناعية الأخرى







2/1 القضايا البيئية فى أفريقيا الجنوبية: السياق الاجتماعى- الاقتصادى لاحظ "تقرير التنمية الافريقى" عن عام 1998 أن القارة الأفريقية دخلت القرن الحادى والعشرين فى وضع يعانى نصف سكانها تقريباً من الفقر المطلق، و"يصنف 30% من السكان على أنهم فقراء فقراً مدقعاً – أى يعيش الفرد على أقل من دولار واحد فى اليوم" (African Development Bank 1998: 163). ومن أجل علاج هذا الموقف يوصى التقرير باعتماد سياسات تسمح بتعزيز النمو الاقتصادى المتسارع وتنمية رأس المال البشرى، مع إعطاء الأولوية المطلقة لتقليص الفقر. وإذا أخذنا فى الاعتبار المعدلات المرتفعة للزيادة السكانية (تقترب من 3% سنوياً) فإن القارة الأفريقية تحتاج إلى نمو اقتصادى مستدام بمعدل 7% سنوياً حتى تتمكن من تحقيق تقدم يعتد به فى القضاء على البطالة والفقر. وتتطلب تنمية رأس المال البشرى إنفاق استثمارات ضخمة على التعليم والتدريب والصحة وغيرها من الخدمات الاجتماعية. وإن تحقيق مستويات معقولة من النمو الاقتصادى وتنمية رأس المال البشرى ليتطلب – ضمن عوامل أخرى – وجود قاعدة جيدة للبنية المادية التحتية (ADB 1999) وهو ما يتطلب أيضاً استثمارات كبيرة. وفى حدود هذا السياق ينبغى تقييم وفهم موقف البلدان الأفريقية تجاه القضايا البيئية العالمية (وحتى الوطنية والمحلية). هذا وقد قدم التقرير الصورة السائدة فى الاقليم بشكل واضح. ويوضح الجدول رقم (2) السمات الأساسية لتلك البلدان من خلال مؤشرات اجتماعية – اقتصادية رئيسية مختارة:- أ- الإقليم شديد الفقر، من حيث الناحية الاقتصادية ومؤشر التنمية البشرية. إذ إن أعلى متوسط لحصة الفرد من الدخل الوطنى فى الإقليم (موريشيوس) يقل 13 مرة عن نظيره فى سويسرا، وهى أغنى بلد فى العالم من حيث نصيب الفرد من الدخل الوطنى. وتنتمى ثلاثة أرباع بلدان الإقليم تقريباً إلى أدنى فئات مؤشر التنمية البشرية. (ب)الإقليم ريفى بالأساس، ويتزايد سكانه بمعدلات مرتفعة مع زيادة نسبة الشباب للسكان، ومن ثم فإن بلدان الإقليم لديها حافز قوى لتحقيق المزيد من النمو.
























Source: Various UNDP`s Human Development Reports, 1993-95: World Bank`s World Development Reprts, 1992-99 African Development Bank`s African Development Reports, 1998& 1999: WRI UNEP, UNDP (1998).

(ج) الإقليم يتسم بمستويات عالية جداً من عدم المساواة الاجتماعية – الاقتصادية داخل بلدانه (حسب قيم "معامل جينى")، وهو ما يعنى تركز الثروة فى أيدى فئة قليلة من السكان.

(د) إن دول الإقليم ذات مديونية ثقيلة – فيما عدا استثناءات قليلة – وتعد حالة موزمبيق هى الأسوأ حيث تبلغ القيمة الحالية لديونها الخارجية 411% من الناتج الوطنى الإجمالى عام 1996. وإلى جانب تلك التحديات الاقتصادية الهائلة التى تواجهها بلدان الإقليم، فإنها تواجه أيضاً مشكلات بيئية عسيرة. ويوضح أول تقرير جماعى يصدر عن حالة البيئة فى الإقليم (SARDC, IUCN and SADC 1994) عدداً من أهم تلك المشكلات البيئية:- (1) تلوث المياه، وخاصة من شبكات الصرف حول المراكز الحضرية الرئيسية، وكذلك من النفايات الصناعية والكيماوية الزراعية. (2) إزالة الغابات، نتيجة لمختلف ديناميات استخدام الأرض والضغوط البشرية. ويوجد فى أفريقيا الجنوبية واحد من أعلى مستويات الاعتماد على الطاقة الحيوية، وخاصة أخشاب الوقود. وفى الحقيقة أن مساهمة معظم بلدان الإقليم فى انبعاثات ثانى أكسيد الكربون تأتى أساساً من أنشطة استخدام الأرض التى تؤدى إلى إزالة الغابات (الجدول 3). ومما يثير القلق بوجه خاص ذلك المعدل المرتفع لإزالة الغابات فى مالاوى ذلك البلد صغير المساحة.

جدول رقم (3) انبعاثات ثانى أكسيد الكربون فى بلدان جماعة تنمية أفريقيا الجنوبية SADC مقارنة بأمريكا الشمالية (بملايين الأطنان)

مصدر الانبعاث البلد/ الإقليم إزالة الغابات حرق الوقود الحجرى 13 4 2 3 775 12 6 8 44 867 12435 55 7 157 70 غ م* غ م 49 42 42 422* 250 * أنجولا

  • بوتسوانا
  • مالاوى
  • موزمبيق
  • جنوب أفريقيا
  • سوازيلاند
  • تنزانيا
  • زامبيا
  • زيمبابوى
  • جماعة تنمية أفريقيا الجنوبية
  • أمريكا الشمالية

Source: SARDC 1994: 280. غ م= البيانات غير متاحة بدون سوازيلاند وجنوب أفريقيا (3) تدهور التنوع الحيوى، نتيجة للضغوط المتضاعفة على موارد الأرض، وهو ما يتسبب فى التآكل التدريجى للموارد النباتية والحيوانية البرية فى الإقليم. ومن الواضح أن تلك المشكلات البيئية شديدة التداخل فيما بينها. فقد كان لتدهور نوعية الأرض وتلوث المياه وإزالة الغابات آثار سلبية على الحفاظ على التنوع الحيوى للأنساق البيئية فى الأرض والمياه. ولا شك أن هناك ارتباطاً أيضاً بين تلك المشكلات وبين السمات الاجتماعية – الاقتصادية سابقة الذكر. إذ إن التدهور البيئى وتآكل قاعدة الموارد المتجددة يمكن ربطهما بالمحنة الاجتماعية – الاقتصادية التى تعانى منها دول وشعوب الإقليم. وفى الحقيقة أنها رابطة تدركها جيداً حكومات الإقليم، ولعل ما يشهد بذلك هو اعتماد "جماعة تنمية أفريقيا الجنوبية" عام 1996 ما سمى "سياسة واستراتيجية إقليمية للبيئة والتنمية" على طريق تطبيق "أجندة القرن الحادى والعشرين" فى سياق الحقائق الاجتماعية – الاقتصادية لأفريقيا الجنوبية (SADC- ELMS 1996). وقد حددت هذه الوثيقة الكثير من التحولات الاجتماعية – الاقتصادية والبيئية التى يجب أن يضطلع بها الإقليم من أجل تحقيق التنمية المستدامة (أنظر الملحق). ومن الممكن بالطبع تنفيذ هذه الوثيقة بالدرجة الأولى على المستوى الوطنى، رغم وجود عدد من المشكلات عابرة الحدود التى تتطلب حلاً جماعياً أو متعدد الأطراف. وفى هذا الصدد، أقرت الدول أعضاء الجماعة سياسات بيئية فى صورة استراتيجيات وطنية للحفاظ على البيئة، وخطط عمل بيئية محلية، بالإضافة إلى وفرة من القوانين البيئية (SARDC, IUCN 1994,SADC- ELMS 1996, Dalal Clayton 1997). وفوق هذا قامت العديد من البلدان الأعضاء بالجماعة بالتوقيع على اتفاقيات بيئية دولية كثيرة، مثل تلك التى تتعلق بالتغير المناخى وتآكل طبقة الأوزون والتصحر. غير أن الدراسة الواقعية لمستوى تنفيذ السياسات والتشريعات البيئية فى إطار الاستراتيجية المذكورة آنفاً، تبين أن الأداء التطبيقى يتراوح بين: غير كاف وسيىء، بالنسبة لمعظم الدول الأعضاء بالجماعة (SADC-ELMS 1996: 17).

2/2الإخفاق وآفاق تنفيذ السياسة البيئية: محاولة فى التفسير والتنبؤ لم يتم إلا فى وقت متأخر تبنى "سياسة واستراتيجية جماعة تنمية أفريقيا الجنوبية من أجل حماية البيئة والتنمية المستدامة" (عام 1996)، ومن ثم فإن محاولة تقييم نتائج هذه السياسة سوف تكون مبتسرة إن لم تكن غير منصفة. وهو ما ينطبق بالمثل على "اتفاقيات أجندة القرن الحادى والعشرين" التى أقرتها بلدان الجماعة. إلا أن جميع تلك البلدان كان له بالفعل قبل ذلك سياساته وتشريعاته البيئية الخاصة به، ولكن أياً منها لا تستطيع الادعاء بالطبيق الفعال لها، وإلا لما كانت تلك المشكلات البيئية المتفاقمة والمرصودة فى دراسات وتقارير عديدة. فماذا كان السبب وراء هذا الإخفاق؟ إن علم النفس البيئى هو الذى يمكن أن يوفر الإطار الملائم للإجابة عن ذلك السؤال. إذ إن المواقف الإنسانية تجاه البيئة يمكن أن تكون مركزية الأنا، أو مركزية الإنسان، أو مركزية البيئة. وتتصف مركزية الأنا بأنها تضع المصلحة الذاتية للفرد فوق كل القيم الأخرى فيما يتعلق بالعلاقات بين الإنسان والبنية. أما المركزية الإنسانية فتحمى مصالح الجنس البشرى، وعلى العكس من مركزية البيئة التى تهتم بحماية المجال الحيوى كله. وهى مواقف تراتبية يقف على قمتها الموقف الأخير (Gardner and Stern 1996) وهو الأكثر تمشياً مع أخلاقيات التغير البيئى العالمى المنبعث من العالم الصناعى. أما الاهتمامات البيئية فى البلدان النامية فتتصف بمركزية الإنسان إلى حد بعيد على المستوى الاجتماعى، ومركزية الأنا على المستوى الفردى، فكلاهما ينظر إلى البيئة من منظور الانتفاع على المدى القريب. وتتفق هذه الرؤية أيضاً مع فرضية "ماسلو" Maslow عن "الاحتياجات الأساسية" والافتراض ذى الصلة بها عن "تراتبية الاحتياجات" (Chanda 1999). وينطلق كلا الافتراضين من أن البشر المنشغلين بحل مشكلات البقاء، لا يرجح أن يعطوا اهتماماً كبيراً لأى أهداف أخرى، إذ إن قليلاً جداً منهم هم الذين ينظرون إلى المستقبل البعيد. وقد نالت هذه الرؤية تأييد الكثير من المحللين (Leonard 1989, Omar 1996, Bruce, Lee and Haites 1996, Blaikie and Brookfield 1987, Parikh and Painuly 1994, Chandah 1999, 2000). وربما كان من أوضح الكتابات حول هذه المسألة ما خطته "إنديرا غاندى" قبل ثلاثة عقود حين قالت: "إن الناس والبلدان شديدى الفقر يقومون بمجازفة كبرى حين يقبلون حدوث تدهور للبيئة على المدى البعيد لقاء تلبية احتياجاتهم الملحة إلى الطعام والمأوى" (Leonard 1989: 4). وقد صادقت "اللجنة العالمية حول البيئة والتنمية" WCED على هذه الرؤية حينما لاحظت أن "الفقر هو السبب والنتيجة الرئيسيين للمشكلات البيئية العالمية. ولهذا أصبح من غير المناسب التعامل مع المشكلات البيئية بدون منظور أكثر اتساعاً يشمل العوامل المختلفة وراء الفقر وعدم المساواة العالميين" (WCED 1987: 3). وحتى المادة السابقة من "إطار اتفاقية التغير المناخى" FCCC تعترف بأهمية الفقر فى تحديد الأولويات الفردية والوطنية، حيث إن ما يعانيه الفقراء أكبر بكثير من الاغنياء نظراً لضغوط احتياجات البقاء والتى تتطلب إشباعاً فورياً. وكما لاحظ البعض فإنه بالنسبة للناس الذين يعيشون عند مستوى الوجود الكفافى يصبح "التوقف لحماية أو تجديد البيئة بمثابة انتزاع الطعام من أفواه الأسر الجائعة" (Leonard 1989: 4). وتعد الأشكال من (2) إلى (5) والمبنية على الجدول رقم (4) بمثابة توضيحات بيانية لكل من الفقر النسبى فى إقليم "جماعة تنمية أفريقيا الجنوبية"، وأهمية النمو الاقتصادى لتحقيق التنمية البشرية. إن التناقض بين بلدان الإقليم والبلدان الصناعية المتقدمة من حيث الدخول والتنمية البشرية، هو أمر واضح بنفس درجة وضوح العلاقة الايجابية القوية بيـن الثروة والرفاه البشرى (شكل رقم2 ) والنفاذ إلى الخدمات الأساسية (شكل رقم 3 ) بالنسبة للصحة العامة، وشكل رقم 4 بالنسبة للمياه النظيفة)، وكذلك الأثر السلبى للثروة على النمو السكانى (الشكل رقم 5). كما تبين أن النمو الاقتصادى له أثر مفيد على الأمد الطويل على نوعية البيئة (الشكل رقم 6) (World Bank 1992). وهكذا يصبح من الرشادة أن تركز بلدان "جماعة تنمية أفريقيا الجنوبية" أولاً على دفع النمو الاقتصادى من أجل الارتقاء بالتنمية البشرية فى الإقليم، وتضييق الفجوة بين بلدانه والعالم الصناعى. ومن غير المرجح فى الحقبة الحالية أن تحتل الانشغالات البيئية مكانة أولى، وذلك إلى أن يتم الوصول إلى مرحلة متقدمة فى التنمية البشرية. وهو المسلك نفسه الذى مرت به من قبل أوربا الغربية وأمريكا الشمالية.



شكل رقم (2) الدخل القومى والتنمية البشرية (r 2= 5068, P= 0.0000)














شكل رقم (3) الدخل القومى والنفاذ إلى الصحة العامة (r2 = 0.53, P = 0.0002)














شكل رقم (4) الخل القومى والنفا إلى المياه الآمنة (r2 = 0.48, P= 0.0005)














شكل رقم (5) الثروة القومية والنمو اسكانى (r2= 0.0000, P= 0.0000)














شكل رقم (6) العلاقة بين الرفاه ونوعية الحياة الحضرية














جدول رقم (4) مؤشرات الرفاه الوطنى فى بلدان "جماعة تنمية افريقيا الجنوبية" SADC وبعض البلدان الصناعية المختارة

معدل نمو السكان (%) مؤثر التنمية البشرية نسبة من يتمتعون بصحة عامة كافسة (%) نسبة من يحصلون على مياه آمنة (%) نصيب الفرد من إجمالى الناتج القومى (بالدولار) البلد 2.4 3.2 3.1 2.4 2.7 2.1 2.0 2.3 2.6 2.8 3.2 2.2 3.2 1.3 1.0 0.5 0.8 0.5 0.6 0.8 0.3 0.29 0.76 0.83 0.47 0.33 0.82 0.25 0.61 0.71 0.52 0.36 0.43 0.54 0.94 0.94 0.92 0.91 0.93 0.92 0.93 0.94 16 55 18 28 6 53 54 34 53 غ م 86 64 66 85 85 96 100 96 100 100 100 32 93 42 56 37 99 63 57 99 46 38 27 77 90 97 100 99 100 100 100 100 410 3020 120 770 170 3380 80 2000 3160 1170 120 400 540 26980 39640 18700 19020 24990 27510 23750 38700 أنجولا بوتسوانا الكونغو الديمقراطية ليسوتو مالاوى موريشيوس موزمبيق ناميبيا جنوب أفريقيا سوازيلاند تنزانيا زامبيا زيمبابوى الولايات المتحدة اليابان المملكة المتحدة إيطاليا فرنسا ألمانيا السويد هولندا Sources: Various UNDP`s Human Development Report, 1993-95, World Bank`s Development Reports 1992-99, African Developmenr Bank`s African Development Report , 1998 & 1999, WRI, UNEP, UNDP (1998). وعلى الرغم من اتساع ظاهرة إقرار سياسات حماية البيئة وانضمام الدول الأعضاء فى الجماعة إلى الكثير من الاتفاقيات الدولية بشأن البيئة، فإن سيادة الفقر والديون فى الإقليم ترجح الإبقاء على الفجوة الواسعة بين الوعى البيئى واتباع سياسة ملائمة فى هذا الصدد من ناحية، وبين تطبيق هذه السياسة من الناحية الأخرى. وهو ما يمكن أن نطلق عليه الاصطلاح السيكلوجى عدم التوافق بين الإدراك والسلوك. ومن ثم فإن بوتسوانا وجنوب أفريقيا وموريشيوس هى فقط المرشحة على المدى المتوسط لتحقيق الحد الأدنى من التنمية المطلوب لوضع حماية البيئة على رأس قائمة الأولويات، هذا بافتراض أن المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية لتلك البلدان سوف تستمر فى التحسن دونما انقطاع.

3-خاتمة هناك ما يكفى من الشواهد لتأكيد أن البيئة العالمية تمر بتغيرات سلبية، وأنه على عكس الحال فى العهود الجيولوجية الغابرة، أصبحت النشاطات البشرية هى القوة الأساسية وراء تلك التغيرات. وتركزت معظم هذه الأنشطة فى بلدان الشمال، أما بلدان الجنوب فهى مسئولة فقط عن التدهور البيئى المحلى المرتبط بتحقيق البقاء والكفاف. ومثلها مثل بقية بلدان العالم الثالث، تواجه البلدان الأفريقية التحديين المتداخلين الكبيرين لتحقيق التقدم الاجتماعى – الاقتصادى وحماية البيئة. وعلى المدى القصير سيظل النمو الاجتماعى – الاقتصادى هو الشاغل الأول والأخير لبلدان الإقليم. ولقد أظهرت تجارب البلدان المتقدمة الآن أن النمو الاقتصادى هو الذى ينتج الخيرات الضرورية للإنسان. ومن ثم فإن الثروة التى تولدت لديها عبر فترات طويلة من النمو الاقتصادى المتواصل، يتم استخدامها الآن بشكل مباشر أو غير مباشر لتنظيف وحماية البيئة. إن التنمية الاقتصادية وحماية البيئة لا تنفى إحداهما الأخرى، رغم أن الأمر قد يبدو هكذا للوهلة الأولى فى المناطق التى ينتشر فيها الفقر. وكما لاحظ بعضهم فإن "أسوأ السيناريوهات بالنسبة للبيئة هو وجود مجموعة كبيرة من البلدان الفقيرة ذات النمو السكانى السريع والعاجزة عن زيادة دخولها بالمعدلات الضرورية للقضاء على مشكلات التلوث على المستوى الوطنى" (Omar 1996: 23). وينطبق هذا السيناريو على بلدان "جماعة تنمية أفريقيا الجنوبية"- عدا استثناءات قليلة – ليس فقط فيما يتعلق بالتلوث، وإنما أيضاً بخصوص صور كثيرة لتدهور الأرض لأسباب تتعلق بسبل العيش، ومن أمثلة تلك الصور: تراجع التنوع الحيوى، والتصحر، وتآكل الموارد الطبيعية المتجددة. ولذلك فإن التحدى الماثل أمام بلدان الإقليم على المدى القريب هو: كيف يمكن تحقيق النمو الاقتصادى والتنمية التى تقضى على الفقر فى نفس الوقت الذى تنفذ سياسات الحفاظ على البيئة. ومن الأرجح ألا تنجح من استراتيجيات حماية البيئة سوى تلك المرتبطة – بشكل واضح – بالقضاء على الفقر، مثل سياسات إدارة الموارد الطبيعية على المستوى المحلى، وهى السياسات المدعومة فى العديد من البلدان (مثل بوتسوانا وناميبيا وجنوب أفريقيا وزامبيا وزيمبابوى). ومن المتصور عقلياً أن الفقراء يسعون أولاً وراء ضمان سبل العيش وقبل أى شىء آخر. وسيكون من قبيل الشطط تصور أن الفقراء سوف تزعجهم القضايا البيئية العالمية، مثل تآكل طبقة الأوزون وظاهرة الصوبة الزجاجية، فهى تمثل انشغالات بعيدة ومجردة، مقارنة بالضغوط الملموسة لتحقيق البقاء والتنمية. كما أن الأمر يتطلب أيضاً معالجة مسألة المساواة الاجتماعية – الاقتصادية داخل بلدان الاقليم، وإنه سيبدو عملاً أخرق وغير أخلاقى أن تمارس الحكومات دور الواعظ البيئى للأغلبية الفقيرة والجائعة والذين لا يملكون بدائل أو خيارات ذات شأن، بينما ترفل الأقلية المترفة فى التمتع بثرواتها المشبوهة والانغماس فى أنماط حياتية معادية للبيئة.

ملحق: الانتقالات الحاسمة لبلدان "جماعة تنمية أفريقيا الجنوبية" بعد عقود عديدة من النمو الاقتصادى الهامشى غالباً، وزيادة الفقر، وتفاقم التدهور البيئى، فإن بلدان جماعة تنمية أفريقيا الجنوبية تواجه ضرورة المرور بسلسلة متراصة من الانتقالات الحاسمة حتى تتمكن من التحول من تنمية غير مستدامة إلى تنمية مستدامة اقتصاديا واجتماعيا وبيئيا. ومن أهم تلك الانتقالات والتحولا:-

  • انتقال سكانى للوصول إلى الحجم الأمثل للسكان، وتوزيع السكان والأنشطة الاقتصادية فيما يتعلق بقاعدة الموارد البيئية والطبيعية.
  • انتقال اجتماعى نحو التشارك العادل فى فرص التنمية، مع إعطاء الأولوية للأغلبية الفقيرة.
  • انتقال نوعى اجتماعى نحو توسيع حقوق ومشاركة النساء فى عملية التنمية.
  • انتقال اقتصادى نحو نمو تحدوه العدالة مع إعطاء الأولوية للفقراء وحماية البيئة والموارد الطبيعية الضرورية للتنمية فى المستقبل.
  • انتقال زراعى نحو استخدام أفضل ومستدام للأرض من أجل إنتاج غذائى أكبر وإنتاجية أعلى، مع إعطاء الأولوية للأمن الغذائى على مستوى الأسرة المعيشية والمستوى الاقليمى.
  • انتقال فى الطاقة نحو الاستخدام الأكثر كفاءة والأقل تلويثاً لمصادر الطاقة. مع إعطاء الأولوية للتنمية المتسارعة للموارد المتجددة، وتوفير البدائل للوقود الخشبى الذى يستخدمه الفلاحون الفقراء.
  • انتقال تكنولوجى، مع إعطاء الأولوية للتقنيات التى تنتج فاقداً أقل وطاقة أكبر وكفاءة فى استخدام الموارد.
  • انتقال مؤسسى باتجاه ترتيبات مؤسسية وطنية وإقليمية، مع إعطاء الأولوية لإدماج الجوانب الاقتصادية والاعتبارات البيئية فى التخطيط لصنع القرار داخل وبين الوزارات والبلدان المختلفة.
  • انتقال أكبر فى الحكم نحو تحقيق مساءلة عامة أكبر، وكذلك المشاركة الشعبية مع إعطاء الأولوية لمشاركات التنمية المستدامة بين الحكومات والصناعات والمنظمات غير الحكومية.
  • انتقال فى بناء القدرات نحو الاعتماد على الذات وطنياً وإقليمياً مع إعطاء الأولوية للتنمية المتسارعة، واستخدام المعارف والتكنولوجيا والخبرات المحلية.
  • انتقال للموازنة من الاعتماد على المعونات إلى الاعتماد على الذات.
  • انتقال صوب السلم والأمن، مع إعطاء أولوية للتسوية السلمية للمنازعات، وللنمو المنذور للمساواة لتحقيق التنمية وتطوير التنمية المعتدة بنفسها.

المـراجـع:

African Development Bank (ADB). 1998. African development report 1998 - Africa in the world economy: Human capital development in Africa, economic and social statistics on Africa. New York: Oxford University Press. __. 1999. African development report 1999 - Africa in the world economy: Infrastructure development in Africa, economic and social statistics on Africa. New York: Oxford University Press. Blaikie, P., and H. Brookfield. 1987. Land degradation and society. London: Methuen. Bruce, J. P., H. Lee, and E. F. Haites. 1996. Climate change 1995: Economic and social dimensions of climate change. New York: Cambridge University Press. Chanda, R. 1999. Dimensions and correlates of environmental quality concern among residents of an African subtropical city: Gaborone, Botswana. Journal of Environmental Education 30, no. 2: 31 -39. __. 2000. Towards contextualizing urban environmental quality in the SADC region; The South African Geographical Journal 82, no. 2: 43-50. Commoner, B. 1971. The closing circle: nature, man and technology. New York: Alfred A. Knopf. Dalal-Clayton, B. 1997. Southern Africa beyond the millennium: Environmental trends and scenarios to 20] 5. Environmental Planning Issues no. 13. London: IIED. Davis, W. H. 1971. Overpopulated America. In Environmental: Essays on the planet as a home, edited by P. Shepard and D. McKinley. Boston: Houghton Miffin Co. Ehrlich, P. R., A.H. Ehrlich, and J. P. Holdren 1977. Ecoscience: Population, resources and environment. San Francistown: Freeman. Fuji, Y. 1990. An. assessment of the responsibility for the increase of the CO; concentrations and intergenerational carbon accounts. IIASA Working Paper WP-05-55. Lexenburg, Austria: International Institute of Applied Systems Analysis. Intergovernmental Panel on Climate Change (IPCC). 1990. Report of the special committee on the participation of developing countries. Geneva: IPCC. Gardner, G. T. and P.C. Stern. 1996. Environmental problems and humal behavior. Boston: Allyn and Spencer. Hardin, G. 1968. The tragedy of the commons. Science, no. 162: 1243-1248. Leonard, H. J. 1989. Environment and the poor: Development strategies/or a common agenda. US - Third World Policy Perspectives no. 11, Washington, D.C.: Overseas Development Council. Mannion, A. M. 1991. Global environmental change: A natural and cultural environmental history. Essex: Longman Scientific Technical. Meadows, D. H., D.L. Meadows, J. Randers, and W. W. Behrens. 1972. The limits to growth. Washington: Universe Books. Meyer, A. 1995. The unequal use of the global commons. Paper presented at IPCC Workshop on Equity and Social Considerations, Nairobi, July. Omar, N. 1996. Economic development and environmental policy. London: Kegan Paul International. Parikh, J. K. and J. P. Painuly. 1994. Population, consumption patterns and climate change: A socio-economic perspective from the South. Ambio 23, no. 7: 434- 437. Southern African Development Community-Environment and Land Management Sector (SADC-ELMS). 1996. SADC policy and strategy for environment and sustainable development: Towards equity-led growth and sustainabie development in Southern Africa. Maseru, Lesotho: SADC-ELMS. ___. 1997. Sub-regional action program to combat desertification in Southern Africa. Maseru, Lesotho: SADC-ELMS. SARDC, IUCN, SADC 1994. The state of the environment in Southern Africa. Harare, Zimbabwe: SARDC. Vogler, J. 1995. The global commons: A regime analysis. Chichester: John Wiley. World Bank. 1992. World development report, 1992. Washington, D.C.: World Bank. World Commission on Environment and Development. 1987. Our common future. London: Oxford University Press. WRI, UNEP, UNDP 1998. 1998-99 World resources: A guide to the global environment environmental change and human health. New York: Oxford University Press.












جدول رقم (2) المؤشرات الاجتماعية- الاقتصادية لبلدان جماعة تنمية افريقيا الجنوبية وبعض البلدان الصناعية المتقدمة البلد نصيب الفرد من إجمالى الناتج الوطنى (بالدولار) معدل نمو إجمالى الناتج المحلى (%) معدل النمو السكانى نسبة سكان الحضر (%) معدل الحياة المتوفعة (بالسنوات) نسبة الأطفال للسكان (%) معامل جينى نسبة المتمتعين بمياه آمنة (%) نسبة المستفيدين بصحة وقائية كافية (%) نسبة الفقراء (%) نسبة الديون إلى اجمالى الناتج الوطنى (%) أنجولا 410 0.4 2.4 32 40 44.7 غ م 32 16 غ م 310 بوتسوانا 3020 7.1 3.2 15 56.4 48.7 0.54 93 55 34.7 غ م الكونغو الديمقراطية 120 1.5 3.1 29 48 46.0 غ م 42 18 غ م 120 ليسوتو 770 7.0 2.4 26 51.8 41.9 0.56 56 28 50.4 33 مالاوى 170 2.1 2.7 14 43.1 47.5 0.63 37 6 غ م 76 موريشيوس 3380 5.9 2.1 41 64.9 35.6 0.37 99 53 غ م 45 موزمبيق 80 5.8 2.0 36 43.5 43.4 غ م 63 54 غ م 411 ناميبيا 2000 3.2 2.3 38 51.3 43.1 غ م 57 34 غ م غ م جنوب أفريقيا 3160 1.1 2.6 50 55.9 40.3 0.62 99 53 23.7 18 سوازيلاند 1170 3.5 2.8 18 45.0 غ م غ م 46 غ م غ م غ م تنزانيا 120 3.6 3.2 26 19.0 47.6 0.38 38 86 16.4 114 زامبيا 400 0.5 2.2 44 49.3 49.4 0.50 27 64 84.6 116 زيمبابوى 540 2.1 3.2 33 48.5 47.9 0.57 77 66 41 67 الولايات المتحدة 26980 2.5 1.3 77 73.2 22.5 0.38 90 85 1.4 - اليابان 39640 2.9 1.0 78 75.5 23.6 0.35 97 85 0.2 - المملكة المتحدة 18700 2.2 0.5 89 72.8 20.9 0.32 100 69 0.5 - ايطاليا 19020 2.1 0.8 67 73.6 22.3 0.32 99 100 غ م - فرنسا 24990 2.1 0.5 75 73.7 22.3 0.35 100 96 0.8 - المانيا 27510 2.2 0.6 87 72.5 18.5 0.32 100 100 0.7 - السويد 23750 1.2 0.8 83 75.2 19.6 0.32 100 100 0.3 - هولندا 38700 0.8 0.3 66 70.6 23.5 0.27 - - - -







الفصل الثالث عشر

مواجهة التصحر مقاربة جديدة للاستدامة البيئية





















مواجهة التصحر مقاربة جديدة للاستدامة البيئية



بقلم: إتش. إم. موشالا قسم الجغرافيا والعلوم البيئية- جامعة سواويلاند ترجمة: مصطفى مجدى الجمال

1-مقـدمــة حسب المفهوم الذى أقره "مؤتمر الأمم المتحدة بشأن البيئة والتنمية" UNCED عام 1992 فإن التصحر هو "تدهور نوعية الأرض فى المناطق الجافة وشبه الجافة وشبه الرطبة، نتيجة لعوامل مختلفة تتضمن التغيرات المناخية والأنشطة البشرية". وجاء الاعتراف الرسمى بالتصحر كمشكلة عالمية نتيجة فى آخر المطاف لمقررات "مؤتمر الأمم المتحدة بشأن التصحر" UNCOD الذى عقد فى نيروبى عام 1977. ومنذ هذا العام تولى برنامج البيئة التابع للأمم المتحدة UNEP مسئولية تطبيق خطة عمل للقضاء على العوامل المؤدية إلى انتشار التصحر. وكان ينظر إلى الجفاف فى هذا الوقت باعتباره العامل المساعد على إظهار الآثار الضارة التى يلحقها البشر بالبيئة. وتم تحديد الأسباب الرئيسية فى الزراعة الزائدة ومشكلات الصرف بالأراضى المروية، والرعى الزائد، وإزالة الغابات. ولا شك أن التصحر وأسبابه قد أصبحت تخترق قطاعات الاقتصاد المختلفة، فضلاً عن الإضرار بالتنمية المستدامة. ومن ثم فإن الجدل بشأن التصحر قد مضى إلى ما هو أبعد من المسائل البيئية، حيث تم إدخال اعتبارات التفاعل بين البيئة والتنمية المستدامة. ويتوخى هذا الفصل تحليل مشكلة التصحر مع الإشارة الخاصة إلى حالة سوازيلاند، وإعطاء خلفية موجزة عن هذا البلد. ووصف حالة التصحر به، وتحليل الجهود المبذولة لمواجهة التصحر فى السياقين الوطنى والإقليمى فى عصر العولمة.

2-خلفية عن سوازيلاند تقع سوازيلاند فى أفريقيا الجنوبية بين خطى عرض 25 و 28 جنوب خط الاستواء، وبين خطى طول 30 و 33 شرقاً، وتبلغ مساحتها 17.364 كيلو متراً مربعاً، وهى محاطة بدولة جنوب أفريقيا من جميع الاتجاهات فيما عدا جزء صغير بالشرق حيث توجد لها حدود مشتركة مع موزمبيق. وهى مقسمة إلى مناطق جغرافية طبيعية متوازية تقريباً من الغرب إلى الشرق وتعرف بـ "هاى فيلد"، "ميدلفيلد"، "لوفيلد"، "لوبومبو" على الترتيب (أنظر الجدول رقم 1).

3-الإطار النظرى دائماً يتم تصور التصحر بطرق مختلفة، وهذا نتيجة لاختلاف تعريفاته الناجمة عن تباين القيم والخبرات والمصالح والأهداف. ويعتبر تدهور نوعية الأرض هو المحدد الحاسم للتصحر، حيث ينطوى على انخفاض القدرة الإنتاجية للأرض. أما التدهور الصافى فهو حصيلة الفارق بين العمليات الطبيعية والتدخلات الإنسانية من ناحية، وبين العمليات الطبيعية والبشرية للاسترداد والتجديد من ناحية أخرى (Blaikie and Brookfield 1987). وهكذا فإن التصحر مفهوم اجتماعى يتضمن أحكامًا بشأن ما يشكل الإنتاج والإنتاجية، وهى أحكام قيمية تختلف من سباق اجتماعى إلى آخر. ومن المستحيل التوصل إلى تعريف للتصحر يسمح بتحقيق إجماع حول كيفية قياسه ومقارنته ومراقبته فى الأنساق البيئية والاجتماعية المختلفة فتحديد وقياس تدهور الأرض هو – جزئياً- مسألة أيديولوجية وسياسية. وحسب "جرينجر": "يقف وراء انتشار التصحر أربعة أسباب مباشرة، هى الزراعة الزائدة والرعى الزائد وإزالة الغابات وسوء إدارة الأرض المروية المزروعة بالمحاصيل. وهذا لا يحدث عرضًا، وإنما يتأثر إلى حد كبير بالنمو السكانى والتنمية الاقتصادية والقرارات السياسية للحكومة والوكالات التنموية" (Grainger 1990). ومن خلال تلك النظرة يمكن استخلاص أن جهود مواجهة التصحر ينبغى أن تتصدى لجوانب التنمية الاقتصادية التى تؤثر فى البيئة. إذ إن مختلف الجماعات الاجتماعية تتأثر سلباً بالتصحر وتضطر إلى التكيف مع الأوضاع البيئية المتدهورة أو تبحث عن سبل جديدة للمعيشة، وهى بالتأكيد جوانب ذات مضامين ودلالات سياسية. وبناء على تلك الافتراضات اعتمدت بلدان "جماعة تنمية أفريقيا الجنوبية" SADC سياسة لتجمعها الاقليمى تهدف إلى حماية وتحسين أحوال الصحة والبيئة وسبل معيشة السكان فى أفريقيا الجنوبية، مع إعطاء الأولوية فى الاهتمام للغالبية الفقيرة. وتعد سوازيلاند من أكثر البلدان اهتماماً بمشكلة التصحر فى السياق العام للمشكلات البئية، ومن زاوية تأثيرها على التنمية المستدامة.

جدول رقم (1) المناطق الجغرافية الطبيعية فى سوازيلاند

المنطقة الارتفاع فوق سطح البحر طبوغرافية الأرض الطبيعة الجيولوجية نمط الإنبات "هاى فيلد" 33% من المساحـــة، (5680 كم2) 900-1400 متر تلال على أراض منحدرة جرانيت، جنابيز، صخور بركانية، كوارتز حشائش قصيرة مع غابات "ميدلفيلد" العليا، 14%، (2420 كم2 ) 600-800 متر تلال مع أطراف وأحواض الهضبة جرانودوريت/ جرانيت، جنابيز، طين صفحى أعشاب طويلة مع أشجار وشجيرات متفرقة "ميدلفيلد" السفلى، 14%، (2420 كم2) 400-600 متر سهل متدرج مع أحواض وتلال منعزلة جنابيز، جرانيت/ جرانودريت سافانا ذات أوراق عريضة "لوفيلد" الغربية، 20%، (3410 كم2) 250-400 متر سهل متموج حجر رملى/ طينى، تداخلات دلوريت متفرقة، جرانيت/ جرانودوريت سافانا مختلطة "لوفيلد" الشرقية، 11%، (1960 كم2 ) 200-300متر سهل متموج برفق بازلت سافانا أكاسيا "لوبومبو"، 8%، _1480 كم2 ) 250-600 متر هضبة متموجة مع تلال على أراض منحدرة صخور نارية أحراش بجوار التلال، سافانا على الهضبة

3-حالة التصحر فى سوازيلاند تتبدى أوجه التصحر فى سوازيلاند فى تدهور نوعية الأرض والتعرض لخطر القحط, ومن المتفق عليه أن هذا التدهور جاء نتيجة للرعى الزائد، وإزالة الغابات، والانخفاض الكبير فى إنتاجية التربة بسبب الزراعة الزائدة (Mushala et al. 1997, ESC 1999). ولا شك أن عمليات الزراعة الزائدة والرعى الزائد وإزالة الغابات هى من نتائج الضغوط الكبيرة على أنساق الموارد البيئية بفعل عوامل محلية مثل زيادة أعداد السكان واحتياجاتهم، والفقر، وندرة الأراضى الزراعية، والسياسات الوطنية الرديئة (Darkoh 1998). وقد لوحظ فى سوازيلاند أن المناطق التى تعانى من تآكل التربة (بوصفه الشكل الرئيسى لتدهور نوعية الأرض) تكاد تتطابق مع المناطق التى يكون فيها رعى الماشية هو النمط المهيمن فى استخدام الأرض (Downing and Zuke 1996). كما لاحظ محللون آخرون (Jensen, Remmelzwaal and Dlamini 1994) أن تدهور نوعية الأرض يحدث أساسًا فى مناطق الرعى المشاعية الواسعة بسبب الافتقار إلى إدارة جيدة لاستغلال الأرض وغياب الإجراءات الضرورية للحفاظ على التربة والمياه، كما لاحظوا أن ذلك التدهور يتركز فى المناطق المحيطة بالضفاف ومنابع المياه فى جميع أنحاء البلاد. وقد كانت منطقة "ميدلفيلد" العليا ذات التربة الحمراء العميقة، و"ميدلفيلد" السفلى التى تعانى من الملوحة، هما أكثر المناطق تضرراً. كما يمكن أن يأتى التصحر نتيجة استمرار الجفاف لفترة طويلة. إذ إن مفهوم التصحر يشير أيضاً إلى نقص فى سقوط الأمطار لفترة طويلة من الزمن، وهو ما يضر بشكل خطير بكل من الأنماط البيئية والاجتماعية (Darkoh 1998). ويحدد مناخ التربة الزراعية إنتاج المحاصيل، وتنقسم المناطق وفق هذا إلى مناطق رطبة وحارة. وتصنف المناطق الرطبة على أساس معدل الأمطار السنوية وطول فترة النمو. والأخير هو بمثابة ميزان مبنى على سقوط الأمطار والبخر وقدرة التربة على الاحتفاظ بالنداوة، ومن ثم فهو يقدم مؤشراً مفيداً على كمية المياه المتاحة لزراعة المحاصيل المختلفة. وحسب خطة العمل البيئى فى سوازيلاند (1997) يمكن تقسيم البلد إلى ست مناطق. أولاً: المنطقة الرطبة حيث يتراوح طول فترة النمو بين 270-290 يومًا، وهى ذات معدل سنوى للأمطار يمكن الاعتماد عليه حيث يبلغ من 1250-1450 مليمتر وتحتل هذه المنطقة 3% فقط من مساحة البلاد وتوجد أساسًا فى الأجزاء العليا من شمال "هايفيلد". أما المنطقة الرطبة الأقرب للنداوة فتتراوح فترة النمو فيها بين 225-289 يومًا، ومتوسط الأمطار السنوى 1000-1250 ملميتر، وهى تغطى 15% من مساحة البلاد وتمثل الجزء الأكبر من "هايفيلد". وبالنسبة للمنطقة الرطبة الأقرب للجفاف فمتوسط فترة النمو 180-224 يومًا، ومعدل الأمطار السنوى 850-1000 مليمتر، وتغطى 27% من مساحة البلاد حيث تمثل الجزء الأكبر من "ميدلفيلد" العليا، وأجزاء من "لوبومبو" و"هايفيلد". أما المنطقة شبه الجافة فتصل فترة النمو إلى ما بين 150-179 يوماً ومتوسط أمطار سنوية 725-850 مليمتر، وتغطى 21% من مساحة البلاد وتوجد أساساً فى "ميدلفيلد" السفلى وفى الأقسام الأكثر جفافاً فى "لوبومبو" و"ميدلفيلد" "العليا". وبالنسبة للمنطقة شبه القاحلة الجافة فمتوسط فترة النمو 120-149 يومًا، ومتوسط الأمطار السنوى 625-725 مليمتراً، وتغطى 23% من مساحة البلد حيث توجد أساسًا فى الأجزاء الشمالية والغربية من "لوفيلد". وأخيراً المنطقة القاحلة وفيها يتراوح طول فترة النمو بين 100-119 يوماً، ومعدل الأمطار السنوية بين 550-625 مليمتر، وتغطى 11% من مساحة سوازيلاند حيث توجد أساساً فى جنوب شرقى "لوفيلد" التى تعد أكثر المناطق جفافًا فى البلاد. وحسب تقديرات البرنامج الإنمائى للأمم المتحدة (UNDP 1997) فإن 28% من أراضى سوازيلاند توجد بها ظروف شبه جافة، بينما 50% منها يمكن اعتبارها ذات ظروف رطبة أقرب للجفاف. كما يعيش 22% من السكان فى المنطقة شبه الجافة، بينما يعيش 53% منهم فى المناطق الرطبة الأقرب للجفاف. بيد أن مساحة الأرض المنتجة المعرضة للتصحر تبلغ 78% من مساحة البلاد، ويعيش عليها 74% من سكانها. وكما يتضح من حالة سزازيلاند فإن التصحر يرتبط بالتغير المناخى، ولكنه يأتى أساساً كنتيجة للإخفاق فى إدارة الموارد. فحينما يؤدى سوء الإدارة البشرية إلى إضعاف النسق الطبيعى، غالباً ما يؤدى الجفاف إلى التصحر (Darkoh 1998).

5-سياسات المواجهة وقعت حكومة سوازيلاند فى عام 1996 على اتفاقية الأمم المتحدة لمواجهة التصحر، وتم التصديق عليها فى العام التالى. وتمت صياغة أطر سياسية عامة لمكونات قهر التصحر، كما صممت الاستراتيجيات الخاصة لتحقيق ذلك. وقد بنيت تلك الأطر والاستراتيجيات على أساس من تقرير اللجنة الوطنية لمؤتمر الأمم المتحدة بشأن التصحر (1999). ومن بين البرامج السابقة "برنامج تنمية المناطق الريفية" RDAP، وبرنامج مزارع تسمين المواشى، وبرنامج إدارة المراعى، وإنشاء "الهيئة المركزية للتنمية الريفية" CRDB. وبالنسبة لبرنامج تنمية المناطق الريفية فقد بدأ عام 1972 بهدف زيادة الدخول ورفع مستويات المعيشة فى المناطق الريفية، وذلك عن طريق التحويل التدريجى للزراعة من أجل الكفاف إلى الزراعة المتوجهة للسوق، ومن خلال توسيع الخدمات وتشجيع الزراعة وتربية الماشية ذات الطابع التجارى، وإقامة مستوطنات سكانية على أسس سليمة، وتطوير الأرض وصيانتها، وتوفير البنية التحتية والمساعدات التقنية وبناء القدرات. أما مشروع التسمين فقد جاء لمعالجة الرعى الزائد على الأراضى السوازية والذى تسبب فى تدهور المراعى وتآكل التربة. وقد انشأت الحكومة مزارع التسمين هذه لتخفيف الضغط الرعوى على الأراضى السوازية، وتمكين الفلاح من تحقيق عوائد اقتصادية جيدة عن طريق إدارة أفضل لتربية المواشى. فكانت الماشية تسمن وتباع بالنيابة عن الفلاح. وفى مزارع تسمين "سيسا" أصبح بإمكان الفلاحين مضاعفة أعداد الماشية التى يملكونها، بفضل الإدارة المطورة. أما مناطق التحكم فى إدارة المراعى فقد أنشئت لتعليم الفلاح السوازى كيفية تبنى مواقف تجارية تجاه الزراعة. فبدلاً من إرسال إناث الماشية إلى مزارع "سيسا"، كانت الجماعات المحلية تحدد مناطق خاصة عندها لهذا الغرض. وتمكن أعضاء تلك المجتمعات المحلية من إدارة تلك المناطق بأنفسهم تحت الإشراف المباشر للمسئولين الحكوميين. بيد أن تلك المشروعات لم تتمتع بالشعبية وسط الفلاحين مربى الماشية، لأنها لم تتطرق إلى الأسباب الحقيقية التى تجعل الفلاح يحتفظ بالماشية. فمثلاً احتفظ كثير من الفلاحين بماشيتهم لتوفير الحليب للأسرة، أو للمشاركة فى أعمال الزراعة، أو لتوفير اللحم. وهى الفوائد التى كان يحرم منها الفلاح الذى يشترك فى أى من تلك المشروعات. وقد أنشئت الهيئة المركزية للتنمية الريفية فى الخمسينيات لقيادة ومتابعة برامج إعادة التوطين على أراضى الأمة السوازية، ولوضع ومتابعة برامج حماية التربة، ومراقبة سائر العمليات فى هذا الإطار، ولتشجيع مشاركة الرؤساء التقليديين فى برامج حماية التربة والتنمية الريفية. ومن بين الخطط والاستراتيجيات الحالية: "استراتيجية التنمية الوطنية" NDS، "خطة العمل البيئى فى سوازيلاند" SEAP ، "السياسة البيئية الوطنية" NEP، "قانون إدارة البيئة"، "أجندة الإصلاح الاقتصادى والاجتماعى" ESRA، "الإطار العام للسياسة الوطنية لمواجهة الكوارث"، "برنامج استدامة سبل المعيشة"، "برنامج تقليص الفقر"، و"الوحدة الوطنية للإنذار المبكر" NEWU. أعلنت "استراتيجية التنمية الوطنية" فى أغسطس 1999، وقد اهتمت أساساً بنوعية الحياة فى البلاد، مع التشديد بشكل خاص على استئصال الفقر وخلق الوظائف والمساواة بين الرجل والمرأة والاندماج الاجتماعى وحماية البيئة. وبالنسبة للانشغال الأخير أكدت الاستراتيجية أن إدارة البيئة يجب أن تتكامل تماماً مع التخطيط التنموى، مع ضرورة إشراك المواطنين فى إدارة البيئة، ومراعاة البعد الخاص بنوع الجنس الاجتماعى، والاهتمام بإيقاف ومنع تدهور التربة، وضرورة تطبيق "خطة العمل البيئى فى سوازيلاند". وبالنسبة لاستراتيجيات تحقيق الاستخدام المستدام وردت التوصيات التالية لتحقيق رشادة استخدام الأرض: إجراء تغييرات فى أسلوب استخدام الأرض فى المناطق المتدهورة والأراضى المهددة بالقحط نتيجة الرعى الزائد او إزالة الغابات، تكثيف الجهود لتعديل أنساق حيازة الأرض بما يضمن زيادة الإنتاج وفرص العمل، إعطاء الأولوية فيما يتعلق باستغلال الأرض إلى الاعتبارات الاقتصادية والبيئية والسكانية والاجتماعية، تقديم الحلول الكفيلة بتحقيق استخدام رشيد للأرض فى القطاع الريفى، وصياغة سياسة سليمة لإنتاج المحاصيل والماشية. ومن الواضح أيضاً أن التمو السكانى يمثل إحدى المشكلات الكبرى التى تلحق الأذى بالتنمية الوطنية. ومن ثم تدعو "استراتيجية التنمية الوطنية" إلى: إشراك قواعد الجماعات المحلية فى وضع وتطبيق سياسة مستدامة للسكان، إدراج قضايا السكان بشكل حامل فى التخطيط للتنمية الوطنية، تدعيم برامج تنظيم الأسرة التى تشتمل على مشاركة الذكور أيضاً، وصك تشريعات تشجع وتدعم مسئولية الآباء تجاه الأبناء. وتتمشى السياسات الواردة فى "استراتيجية التنمية الوطنية" مع وثيقة "السياسة البيئية الوطنية"، وخاصة المبدأ الرابع المتعلق بالتنمية المستدامة. فطبقاً لهذه الوثيقة تعتبر "حماية البيئة والتنمية الاجتماعية والاقتصادية قضيتين متداخلتين ولا يمكن الفصل بينهما. ومن الأمور الجوهرية إدخال عنصر حماية البيئة فى عملية التنمية الاجتماعية والاقتصادية من أجل تحقيق نمو يحدوه العدل وإرساء التنمية المستدامة". ولما كانت التنمية المستدامة هى الهدف الأول لاستراتيجية التنمية الوطنية، فمعنى هذا أن على جميع المبادرات التنموية أن تلبى احتياجات الفقراء. ففى منظور تلك الاستراتيجية يمثل الفقر السبب الرئيسى للتدهور البيئى، وهو فى الوقت نفسه من أهم عواقبه حيث يتكفل بتدمير قدرة الفقراء على البقاء والعيش. إن الرابطة وثيقة جداً وشديدة التعقيد بين كل من الفقر وتدهور البيئة. إذ يعتمد الفقراء اعتماداً شبه تام على قاعدة الموارد الطبيعية لتلبية احتياجاتهم الحياتية. وحينما يستنفدون إمكانية الاستمرار فى تلك الاستراتيجيات والآليات، يجدون أنفسهم بلا خيار سوى إنهاك قاعدة مواردهم (Pinstrup- Andersen and Pandya- Lorch 1994). إن الافتقار إلى الفرص والاختيارات والوصول إلى الأصول المنتجة يمثل موقفاً يعجز فيه الناس عن تلبية احتياجاتهم الأساسية ويفقدون القدرة على الاستمرار، أى الفقر. وفى اغلب الأحوال يؤدى النمو السكانى إلى تفاقم التدهور البيئى، وخاصة فى المناطق الهامشية والنائية. حيث يؤدى إلى تفتيت الحيازات الزراعية، ومن ثم يفضى فى النهاية إلى خروج الناس من الأرض بحثاً عن أرض أخرى أو عن فرص العمل فى أى مكان آخر. يزيد السكان فى سوازيلاند بمعدل 2.8% سنوياً تقريباً، وحيث تشكل الفئة الأقل من 15 عاماً 49% من إجمالى السكان. ويعتبر النمو السكانى السريع عاملاً قوياً فى انتشار الفقر فى المناطق الريفية، وهو ما يؤدى عادة إلى ازدياد الهجرة من الريف إلى المناطق الحضرية، والاستخدام الكثيف للأرض المتاحة مما يفضى إلى المزيد من تدهور الأرض الزراعية والمراعى، وهو من علامات التصحر. وتمثل "خطة العمل البيئى فى سوازيلاند" إطاراً كلياً للسياسات الخاصة بالتعامل مع القضايا البيئية فى البلاد. ومن بين أهم أهدافها: إيجاد الحلول للمشكلات الملحة من خلال تصميم أنشطة وبرامج وتحديد الإصلاحات المؤسسية والقانونية المطلوبة، وتحديد المناطق والمجالات التى يجب أن تعطيها الحكومة الأولوية فيما يتعلق بحماية البيئة، وبما يشكل مؤشراً هادياً إلى التوجهات السليمة والملحة التى يجب أن يهتم بها المانحون فى تدخلاتهم. ولقد كانت عملية تطوير استراتيجية بيئية بمثابة منبر وسياق للجدل بشأن قضايا التنمية المستدامة وبلورة الرؤية الجماعية تجاه المستقبل، إلى جانب كونها آلية لتطوير القدرات التنظيمية والمؤسسات الضرورية لتحقيق التنمية المستدامة (SEA 1997: 3). تركز "السياسة البيئية الوطنية" على المبادىء والمقاربات العامة التى ينبغى اعتمادها من جانب كل الدوائر الحكومية والبنية التقليدية – مؤسسات وأفرادًا- لدى الاضطلاع بأى نشاط يؤثر فى البيئة. وتستهدف تلك السياسة تقليل تدهور التربة وإيقاف عملية التصحر. ومن المؤكد أن مسئولية التحكم فى تدهور الأرض تقع على عاتق كل من مستخدمى الأرض الأفراد والجماعات، كما تفترض تلك السياسة إرساء التخطيط لاستغلال الأراضى فى المناطق غير الحضرية على أساس مراعاة الاختلاف فى العادات والإنبات بين المناطق الزراعية – البيئية المختلفة. كما تلزم الحكومة بإشراك الجماعات المحلية فى اتخاذ القرارات الخاصة باستخدام الأرض، وفى صياغة البرامج البيئية. أما "أجندة الإصلاح الاقتصادى والاجتماعى" فهى قائمة بأهداف محددة زمنياً تريد الحكومة إنجازها خلال السنوات الثلاث القادمة. وهناك افتراض بأن تحقيق تلك الأهداف على نحو ملموس سوف يعنى أن سوازيلاند قد أنجزت نمواً اقتصادياً جيداً وحسنت الخدمات الاجتماعية. ومن المجالات التى نالت أولوية متقدمة فى هذه الأجندة: تطوير زراعة الحيازات الصغيرة، وتشجيع قطاع المشروعات صغيرة ومتوسطة الحجم، وتطوير البنية التحتية، حماية البيئة، وإصلاح القطاع العام والحكومى. وفى كل الحالات يعتبر برنامج العمل الوطنى لمواجهة التصحر هو الإطار العام لمعالجة مشكلات تدهور الأرض الزراعية، وتعزيز سبل المعيشة المستدامة فى المناطق التى تعانى من الجفاف. وفى هذا الصدد اعتبرت المسائل الآتية ذات طبيعة حاسمة: إصلاح وإعادة تأهيل الأراضى المتدهورة، واستراتيجيات تخفيف آثار القحط وتقليص القفر، وتعزيز المشاركة النشيطة للمجتمعات المحلية والمستويات القاعدية فى برامج إدارة الأرض. وتبين هذه الجهود توفر الإرادة السياسية - وإن على مستوى السياسات على الأقل – لإدراج قضية حماية البيئة فى إطار التنمية الوطنية. وهو ما يتسق مع الإعلان الصادر فى البرازيل عام 1992 عن مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة والتنمية، والذى دعا إلى إدماج الحماية البيئية فى عملية التنمية. وكما ذكرنا من قبل فقد بدأ هذا فى سوازيلاند من خلال إدخال بعض الأهداف البيئية فى إطار الأهداف القريبة لأجندة الإصلاح الاقتصادة والاجتماعى، ومن بينها العمل على حماية موارد الأرض وتحسين إدارة الموارد المائية.

6-مناقشة إن اتفاقيات دولية مثل "اتفاقية الأمم المتحدة لمواجهة التصحر" CCD تعطى سياقًا عالمياً لتناول ظاهرة التصحر – وفق التعريف العالمى – ولكن يظل تطبيق الاستراتيجيات أمراً محلياً فى النهاية. وتوفر المنابر الدولية آليات للمفاوضة الجماعية، وتعبئة الموارد من جانب المانحين لصالح الدول الأعضاء بتلك المنتديات. وقد وقعت سوازيلاند على تلك الاتفاقية التى تدعو إلى إعطاء أفريقيا الأولوية فى هذا الصدد، وشرعت سوازيلاند فعلاً فى تطبيق برنامج العمل الوطنى NAP وهو إطار عمل لمواجهة مشكلة تدهور الأرض وتعزيز استدامة سبل العيش فى المناطق الجافة. وتعتبر اتفاقية مواجهة التصحر بمثابة مظلة توفر أجندة جذرية لتنمية المناطق التى تعانى من الجفاف. فهى تدعو حكومات مختلف البلدان إلى إعطاء الأولوية لعلاج مشكلة تدهور الأراضى من خلال إجراء التغيرات على كل من السياسات والمؤسسات، واتخاذ الإجراءات الاقتصادية والمالية وتوفير الدعم التقنى لصالح هذه التغيرات. ومن المتصور أن تؤدى هذه الآليات إلى إرساء حقوق وحوافز أكثر وضوحاً لمستخدمى الأرض تمكنهم من إدارة أراضيهم والاستثمار فيها، وتحقيق الفوائد الاقتصادية وزيادة الدخول من جراء تحسين الإدارة والاستثمار، ودعم الفلاحين فى استخدام الأساليب الملائمة لاتباع ممارسات أكثر استدامة للبيئة ومبنية قدر الإمكان على الأنساق والمهارات والأولويات التقليدية (Toulmin 1998). وقد اتخذت بلدان نامية عديدة هذه المفاوضات فرصة لمناقشة القضايا المشتركة وتحديد سبل مقاربتها. وقد مثلت الاتفاقية قناة بديلة للحصول على تمويل المانحين لمشروعات التنمية. وبمقتضى الاتفاقية تشارك الجماعات المحلية فى صياغة وتطبيق البرامج، أما بالنسبة للحكومات فهذا يوفر أساساً لتعبئة الموارد الشعبية، وهو الأمر الذى كان صعباً على الدوام.

7-دروس من بلدان أخرى إن سوازيلاند بلد صغير أثبت قدرة على التقدم فى مجال مواجهة التصحر، ولكنها تظل بحاجة إلى التعلم من الأمثلة الناجحة – وربما أيضًا من الأخطاء- فى بلدان أخرى تواجه مشكلات مماثلة. ولعل أفضل الأمثلة التى يعرفها الباحث تأتى من شرق أفريقيا، ومن تنزانيا خاصة. ولعل أكثر المشروعات شهرة ونجاحاً هناك هو مشروع "الحفاظ على أراضى دودوماً" HADO وقد بدأ المشروع عام 1973 فى إحدى مناطق إقليم "دودوما" فى وسط تنزانيا والتى كانت تعانى من تدهور حاد فى الأرض. وقد نفذ المشروع على مرحلتين. استهدفت المرحلة الأولى: تعزيز الاكتفاء الذاتى من احتياجات الأخشاب، تعزيز المشروعات الجماعية للغابات، تشجيع المناحل القروية، إقامة أحزمة حماية ومصدات رياح وستائر وممرات وأشجار فاكهة، حماية التربة والمياه، إصلاح الأراضى المتدهورة. أما المرحلة الثانية فقد خططت للتركيز على تقنيات الحفاظ على التربة، والمشاركة الشعبية .(Kikula 1999) وهناك فى تنزانيا برامج أخرى مشابهة مثل مشروع "الحفاظ على أرض شنيانجا" HASHI، و"برنامج السيطرة على تآكل التربة واستزارع الغابات" SECAP ، و"برنامج الحماية البيئية فى إقليم إيرنجا" HIMA، و"برنامج إدارة الأراضى من أجل الحفاظ على البئة" LAMP فى مقاطعة "باباتى". ويمكن الإشارة إلى مشاريع مماثلة فى كينيا، وحيث كانت حماية التربة ذات أولوية متقدمة دائماً فى جميع البرامج الحكومية. هذا ويعتبر مشروع "دودوما" من أهم قصص النجاح فى هذا المجال (Mushala 1986, Annersten 1989, Mbego 1996, Kikula 1999)، وبالإمكان أن نستخلص منه الدروس الآتية:-

  • إن حل المشكلات البيئية يتطلب تشريعات مناسبة، والالتزام بتطبيقها، والمتابعة المنتظمة لها.
  • رغم أن تدهور الأرض يمكن اعتباره مشكلة تقنية تتطلب حلولاً تقنية، فإنه يتطلب أيضاً المشاركة الشعبية وبناء وبناء القدرات، وهما العنصران اللذان يتطلبان اهتماماً خاصاً.
  • إن نجاح برامج إعادة تأهيل الأرض يتطلب استخدام التكنولوجيا المناسبة مع مراعاة عنصر فعالية التكاليف.
  • يجب الاهتمام قبل بدء المشروع بوقت كافٍ ببناء الوعى وسط الجماهير وتفعيل المشاركة الشعبية.
  • إن مشاريع تجميع وتسمين الماشية تمثل مكوناً هاماً لعملية إعادة تأهيل أراضى الرعى المتدهور، إذ أنها تسمح بالشفاء السريع للغطاء النباتى، ولكنها فى الوقت نفسه يجب أن تحظى أولاً بالتأييد التام من جانب الجماعات المحلية التى يمكن أن تتضرر من مشروعات كهذه. حيث من الممكن أن تتسبب هذه المشروعات فى إنكار حقوق المربين فى الحصول على احتياجاتهم الأساسية من اللحم والحليب والسماد العضوى وحيوانات الجر.
  • ضرورة اعتماد مقاربة متكاملة لعملية إدارة الأرض.
  • يجب استكشاف موارد بديلة لسبل المعيشة قبل إجراء أى تغيير فى إدارة الأرض، وذلك لتوليد الدخول للجماعات المحلية المتضررة.
  • يمكن لإعادة تأهيل الأرض أن تصبح مصدراً للنزاعات على الأراضى، وذلك بمجرد استعادة زرع الأراضى التى كانت مضيعة. كذلك يجب توفر إرادة وعزم سياسيين.

وهكذا فإن مواجهة التصحر تقدم رؤية جديدة تكون فيها برامج التنمية مصاغة على أساس الإصلاحات الاقتصادية والسياسية الجوهرية. وتمثل الأغلبية الفقيرة صلب مسألة التنمية، ومن ثم يجب مساعدتهم على تطوير أنفسهم خاصة إذا تم تمكينهم من خلال المشاركة الشعبية وإكسابهم مهارات وتقنية تنموية واقتصادية لازمة لتحقيق سبل العيش المستدام. وبهذه الطريقة أيضاً يمكن تحقيق الاستدامة البيئية.

  • استخلاصات

قد لا تكون مشكلة التصحر فى سوازيلاند حادة بالدرجة الموجودة فى بلدان أخرى. ولكننا إذا أخذنا الحجم الصغير للبلد فى الاعتبار لتجلى أمامنا الخطر الذى يمثله التصحر، وهو ما يستدعى اتخاذ إجراءات عاجلة للتحكم فى هذه الظاهرة. وحسب المفهوم السائد عالمياً فإن التصحر يأتى جزئيا بفعل تغيرات مناخية، ولكنه يأتى أساساً كنتيجة لسوء إدارة الموارد. ولما كان الأمر هكذا فإن المبادرات المقترحة لمواجهة التصحر فى البلاد تكون مثالية حينما يتم إدماجها فى إطار التنمية المستدامة وحماية البيئة. وتعتبر استراتيجية التنمية الوطنية مجرد آلية واحدة يمكن من خلالها تعبئة التأييد الشعبى لعملية التنمية الاقتصادية فى البلاد وضمان الاستخدام الكفؤ للموارد المتاحة. وحتى تتكلل استراتيجيات مواجهة التصحر بالنجاح هناك حاجة إلى الصياغة والتنفيذ المعجلين لسياسات جديدة فيما يتعلق بالسكان، وحيازة الأرض واستخدامها، والغابات، والطاقة، والماشية.. الخ. ومن الممكن الاستفادة بالدروس الكبيرة المستخلصة من تجارب بلدان أخرى، خاصة إذا تبلورت إرادة سياسية قوية. إن وضع السياسات ليس كافياً فى حد ذاته لحل المشكلة، ما لم تصحبها استراتيجيات سليمة للتنفيذ والمتابعة، وهو ما يستدعى الاهتمام ببناء القدرات على جميع مستويات التنمية الوطنية.









المـراجـع

Annersten, L. 1989. Soil conservation in the SADCC Region: An analysis of approaches to soil conservation. Uppsala: IRDC. Blaikie, P., and H. C. Brookfield, eds. 1987. Land degradation and society. London: Routledge. Darkoh, M. B. K. 1998. The nature, causes and consequences of desertification in the drylands of Africa. Land Degradation and Development 9: 1 -20. Downing, B. H., and S. Zuke. 1996. Review of drought and desertification in Swaziland: A background to the First National Forum. Prepared for the Government of Swaziland (Ministry of Agriculture and Cooperatives). Hassel and Associates, Mbabane. Environmental Consulting Services. 1999. A study to define a sustainable land management programme countering land degradation in Swaziland. Commissioned byJICA, Mbabane. Grainger, A. 1990. The threatening desert: Controlling desertification. London: Earthscan. Jansen, L. J. M., A. Remmelzwaal, and Z. M. Diamini. 1994. Actual erosion and land degradation in Swaziland. FAO/UNDP/GOS Land Use Planning for Rational Utilization of Land and Water Resources Project SWA/89/001. Field Document 13. Mbabane. Kikula, I. S. 1999. Lessons from twenty-five years of conservation and seven years of research initiatives in the Kondoa Highlands of Central Tanzania. Ambio 28, no. 5: 444 - 449. Mbegu, A. C. 1996. The problems of soil conservation and rehabilitation: Lessons from the HADO project. In Proceedings, Dodoma Workshop on Man-Land Interrelations in Semi-arid Tanzania, edited by C. Christiansson, and I. S. Kikula, 147 - 157. Nairobi: RSCU. Mushala, H. M. 1986. An analysis of soil loss measurements on small agricultural plots and the implications for soil conservation in Kondoa District, Tanzania. Ph.D. Thesis, dark University. Mushala, H. M., R. P. C. Morgan, T. Scholten, and R. J. Rickson. 1997. Soil erosion and sedimentation in Swaziland: An introduction. Soil

Technology 11,no.3:219 - 228.

Pinstrup-Anderson, P., and R. Pandya-Lorch. 1994. alleviating poverty, intensifying agriculture, and effectively managing natural resources. Washington, D.C.: International Food Policy Research Institute. Swaziland Environment Authority (SEA). 1997. Swaziland Environmental Action Plan. Vol. 1. . Mbabane: Ministry of Tourism, Environment and Communications. Toulmin, C. 1998. The 'convention to combat desertification: A code of good practice. The Courier, no. 172 (November/December): 66 - 68. UNCCD National Steering Committee. 1999. First National Report to the Conference of Parties on the Implementation of the United Nations Convention to Combat Desertification. Mbabane. UNPD. 1997. An Assessment of population levels in the world's drylands: Aridity zones and dryland populations. New York: Office to Combat Desertification and Drought (UNDP).















الفصل الرابع عشر

العولمة والمعرفة البيئية المحلية فى إثيوبيا






















العولمة والمعرفة البيئية المحلية فى إثيوبيا



وركينى كيبيسا* ترجمة: يسرى مصطفى

1- مقــدمــة يجرى تفسير مفهوم العولمة بطرق متعددة. فكما لاحظ جان نيدرفين بيترس Jan Nederveen Pieterse فإن "الجدل الراهن حول العولمة أقل تعقيدا وأقل تطورا من الناحية النظرية، ولكنه بصورة أكبر يعد مجالا للتراشق الأيديولوجى وإلقاء الحجارة، وفائق التنوع وأحيانا متسامح التقييمات التى تثيرها هذه الجدالات" (1997, 370). ولكننا قد نعتبر العولمة عملية تشتمل على إعادة تنظيم لفضاء الإنتاج، وتداخل بين الصناعات عبر الحدود، وانتشار الأسواق المالية، والاتصالات العالمية، والاندماج الثقافى على مستوى العالم. "وبصورة أكثر خصوصية، فإنها معنية باندماج الأسواق المالية، وزيادة سلطة وتوسع الشركات العالمية، وزيادة التنميط العالمى لأمكنة مثل الفنادق والمطارات، وزيادة الاتصالات العالمية من خلال الابتكارات التكنولوجية مثل الإنترنت، وزيادة استخدام اللغة الإنجليزية كلغة عالمية" (Attfield 1999, 196). وبشكل خاص، شكلت تطورات الثمانينيات وبداية التسعينيات فى العالم تحديا للنظام القائم، وأدت إلى بزوغ تكتلات اقتصادية إقليمية منافسة. وقد أدت رياح التغيير إلى انهيار الاتحاد السوفيتى السابق والأقطار التى كانت تدور فى فلكه. وأثرت التكتلات الاقتصادية الاقليمية، بسماتها المميزة، على تقسيم العمل الدولى بطرق شتى. فقد حولت الشركات العظمى تجارتها من تبادلاتها الدولية للمنتجات المحلية إلى الانتاج للسوق العالمى (Hamelink 1994, 104). أيضا، أصبحت المشكلات البيئية قضية رئيسية فى العالم. "لقد أدى التركيز على المشكلات البيئية التى أٌعتقد أنها ذات تأثيرات كونية (تآكل طبقة الأوزون، والأمطار الحمضية، والكوارث النووية، وإزالة الغابات) إلى تحويل الاهتمام عن المشكلات البيئية المحلية والتى تنجم إلى حد كبير عن الرأسمالية العالمية بصورة مباشرة " (Marshal 1999, 257). وقد حاول العديد من الكتاب و علماء البيئة إعادة الاعتبار للعلاقة بين الحضارة والبيئة الطبيعية. وكما لاحظ ديفيد سلاتر David Slater فإن "الركود الاقتصادى العالمى فى بدايات الثمانينيات، والخوف العميق من الحرب النووية والاهتمام المتزايد بالتدهور البيئى على مستوى العالم، كل هذا يميل إلى تأكيد الوعى ببزوغ حالة كونية" (Slater 1995, 370). وبالتالى، فإن هدف هذا الفصل تقديم تقييم أولى للعلاقة بين الأقلمة Regionalization والعولمة، وبيان تأثيرها على المعرفة البيئية المحلية فى إثيوبيا، وتقديم اقتراحات قد تحث الجدل والنقاش حول هذا الموضوع. ومن خلال استخدام بعض الأمثلة، سوف تكون محاولات هناك لشرح كيف أن التحديث قد أثر على الفلاحين والرعاة الإثيوبيين. وثمة تحذير وحيد وهى أننى: لست معنيا مباشرة بتفاصيل عملية العولمة والأقلمة، ولا أدعى تقديم فهما شاملا لتأثير عمليات العولمة على الفلاحين الإثيوبيين.

2- الأقلمة والعولمة على الرغم من الإسهامات الفكرية للفلاسفة الأوربيين بشأن السمات الأساسية لليبرالية منذ القرن السابع عشر، إلا أن الديمقراطية الليبرالية وصلت ذروتها فى أوربا فى القرن التاسع عشر. لعبت الليبرالية خلال هذه الفترة دورا كبيرا فى أوربا. وبسبب التصنيع والتكنولوجيا العسكرية، غزت الدول-الأمة فى أوربا العالم فى القرن التاسع عشر. وقد اطلق سلاتر على هذه الظاهرة "إدراكا لحتمية جيوبولتيكية، شكل الاعتقاد بضرورة مهمة هائلة لجعل الآخر متحضر، وتحويل المجتمعات الأخرى إلى نسخ أدنى من النموذج ذاته، عدم احترام للأختلاف، وفوق كل شىء استقلالية الاختلاف والذى استمر علــــى مـدار القــرن التالى"، (1995, 369). وكانت انجلترا، فى القرن التاسع عشر، زعيمة البلدان الرأسمالية. وفى بداية القرن العشرين امتلكت الولايات المتحدة وألمانيا زمام الأمور. ومن ناحية أخرى، شهدت مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية منافسة شديدة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتى. فقد سعت كل منهما كقوة عظمى لكسب ولاء دول البلدان النامية للحد من قدرة الخصم على فعل ذلك. فقد كانت نظرة كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى للبلدان النامية تقوم على الأساس أن لهذه البلدان أهمية استراتيجية فى الصراع العالمى. ومع ذلك، ففى نهاية الثمانينيات انهار الاتحاد السوفيتى وبعض حلفائه تحت ضغط مزدوج بسبب حرب فاشلة وخلاف داخلى. وبالتالى، اعتقدت البلدان الرأسمالية فى انتصار الرأسمالية واقتصادات السوق. وبعد انهيار السلطة الشيوعية، أحيت الأمم عددا من الاتفاقيات على الصعيد الإقليمى. فقد تم تشكيل عدة تكتلات تجارية إقليمية مثل اتفاقية أمريكا الشمالية للتجارة الحرة (NAFTA)، ورابطة دول جنوب شرق آسيا (ASEAN) وغيرها. كما سعت أقطار نامية أخرى، خاصة فى آسيا وأمريكا اللاتينية، إلى التكيف مع الديناميات العالمية الجديدة، حيث بدأت تنكب على مصالحها الوطنية والإقليمية. نظر بعض الكتاب إلى هذا التحول على أنه يمثل نظاما عالميا جديدا. وجادلوا بأن الأقلمة الجديدة تسير عكس اتجاه الأقلمة القديمة. فالأقلمة الجديدة تعمل ضد الهيمنة العالمية. ويعلن هذا عن تحول العالم من هيمنة وبنية مرتكزة على الدولة إلى تعدد قطبى ونظام عالمى غير ممركز سياسيا. كما أن الأقلمة الجديدة تمهد الطريق لتكامل اقتصادى وسياسى فعال. فضلا عن أنها تقلص من دور الدولة. فحسب ميسترى Mistry (1995, 21)، فإن الأقلمة الجديدة: "تتحرك الآن من خلال الأسواق وليس السياسة، ومن خلال قوة آمرة أو مؤسسات متعددة الأطراف ذات المصالح المكتسبة vested (ربما فيما عدا أوربا،. كما أنها تتحرك من خلال قوى الشركات العالمية والتنافس العالمى، من خلال عولمة السواق المالية، وتدفقات رأس المال، وحاجة المستهلك، وعلامات المنتج/الخدمة؛ ومن خلال السهولة العالمية والتى بات من خلالها فى مقدور التكنولوجيا والابتكارات أن تعبر الحدود رغما عن المطالب الجديدة بحماية حقوق الملكية الدولية. ولكن على العكس، يجادل بعض الكتاب بأن الأقلمة القديمة كانت قد فرضت من أعلى، وكانت ذات طبيعة حمائية ومهيمنة وبيروقراطية. فقد سيطر الاستعمار على العديد من البلدان. وتدخلت البلدان الغربية، بين الحين والآخر، فى الشئون الداخلية للبلدان النامية حتى تمد سيطرتها على الأراضى، وتبقى على نفوذها السياسى والاقتصادى والثقافى على هذه البلدان. تشجع الأقلمة الجديدة بزوغ تعددية قطبية جديدة. وهكذا يجادل بعض الكتاب بأن ثمة تأثير متبادل بين الأقلمة والعولمة. على أى حال، فإن الأولوية، فى إطار التعددية القطبية الجديدة، للتكتلات التجارية الإقليمية. وقد كتب مستيرى يقول: "سوف يجرى بناء التعددية القطبية الجديدة بواسطة تكتلات اقليمية تكون المستشار الرئيسى فى بنى صنع القرار العالمى، وبواسطة دول-أمة لها رأى مباشر على المستـوى الإقليمى أكثر من المستوى متعدد الأقطاب، كما يفعلون الآن" (1995, 22). يتضمن هذا أن النظام العالمى الجديد ييسر التفاعل بين العوامل الدولية والإقليمية. وباختصار فإن: "انتهاء الحرب الباردة، والعلاقات الجديدة بين القوى الرأسمالية المتقدمة، وزيادة عولمة التجارة والإنتاج، وتحول أنماط المعاملات المالية الدولية، والتيارات الأيديولوجية الجديدة تعد العناصر الخمس الرئيسية لما يسمى السياق الدولى للتنمية" (Stallings 1995, 2-22). ما يبدو واضحا هو أن العولمة أفضت إلى نزوعين مترابطين "وهما على صلة خاصة باستنزاف الموارد، والتلوث، والتنظيم. النزوع الأول، يتمثل فى تقلص نفوذ الدولة فى مقابل تزايد نفوذ الشركات عابرة القومية. النزوع الثانى، يتمل فى أن رأس المال عابر القومية أصبح أكثر قدرة على التحرك بشكل متزايد، الأمر الذى يعنى تحرره من قيود المكان" (Marshall 1999, 259). إن حالة العالم الحالية يجرى تخيلها بوصفها "قرية كونية". ويعلن أنصار هذا الخطاب أن العالم قد تم ضغطه أو تقليصه فى المكان والزمان. ويؤكدون أن ثورة معلومات تظهر أننا نعيش فى "قرية كونية"، مثال ذلك الأخبار العالمية فى التليفزيون. ولكن، كما أعلن هيملنك Hamelink بشكل مقنع، فإن "المثير بصورة خاصة حول تخيل القرية أن مؤلفيها لا يعرفون إلا القليل عن حياة القرية. ففى القرية، يعرف معظم الناس ما يجرى ويعرفون بعضهم بعضا. أما ما يحدث فى العالم الحقيقى فهو شئ مختلف. فثمة أشياء تحدث تفوق بكثير ما كان عليه الوضع فى الماضى، ومع ذلك فإن معظمنا يعرف القليل عنها وغالبية مواطنى العالم ليس لديهم من المعرفة والفهم إلا القليل ببعضهم البعض. وحتى فى المناطق الصغيرة نسبيا مثل أوربا الغربية، ثمة اختلافات ثقافية لا تحصى تحول دون تواصل ذو معنى" (1994, 1) أيضا يقول ستيفن ييرلى Steven Yearley: "حتى لو نظر المرء فقط إلى التمايزات الداخلية داخل البلدان الصناعية الغنية- مثل الولايات المتحدة وبريطانيا- فسوف يجد السنوات الخمسة عشر الأخيرة قد شهدت تزايد الهوة بين الأغنياء والفقراء. إن العالم المعولم ليس عالما متناسقا" (1996, 23). أما هيملنك فيعارض الرؤية التى تقول أن العالم قد تقلص، على الرغم من اعترافه بالإسهامات الايجابية التى حظى بها العالم نتيجة تقدم تكنولوجيا الاتصال والنقل. وفى هذا الصدد يؤكد قائلا: "حقيقة قد اتسع العالم. فلم يوجد فى التاريخ عالما أكثر مما هو الآن: مزيد من البشر، ومزيد من الأمم، ومزيد من الصراعات .... فغالبية البشر يعيشون حياتهم داخل حدود "القرية المحلية". وقد يكون لديهم "نافذة" تطل على العالم الخارجى من خلال الإعلام وتكنولوجيا الاتصالات. تقدم هذه النافذة رؤية جزئية فقط وقد يحدث بالنسبة لمعظم البشر أن حتى هذا ليس متاحا بسبب أنهم يعيشون فى الفقر االريفى بدون مصادر كهرباء أو دور سينما أو أجهزة إرسال. عندما يكونون أميين، حيث لا يوجد صحف أو كتب (1994, 2). وفى الحقيقة، لا تبدو العولمة وكأنها تضم غالبية البشر فى العالم. فنحن نشهد تزايد الفجوة بين الأقطار المتطورة والنامية. فما أطلق عليه بشكل واسع الاقتصاد العالمى قد يبدو بالأحرى تعبيرا عن اقتصادات قلة من الدول من أعضاء OECD والبلدان المصنعة حديثا. وما يشار إليه "بالاتصال الكونى" هو فى الواقع تنامى عبر قومى لدعاية السوق وأدوات الاستمتاع الالكترونية المنتجة من قبل قلة من الشركات العملاقة" (Hamelink 1994, 2). النقطة الأخرى الهامة هى أن المشكلات البيئية أصبحت هما كونيا للعديد من الكتاب والأمم. ففى الماضى كانت مشكلة بيئية ما مجرد قضية محلية تخص الدولة. "إن تزايد التنظيم البيئى الدولى- المطلوب بدافع حقيقة أن القضايا البيئية تتخطى الحدود الوطنية، وحقيقة أنها غير منفصلة عن القضايا الاقتصادية- يشكل تحديا للطريقة التى تقارب بها الدول توزيع الأعبـاء علـى المستــوى الوطنى" (Yamin 1999, 494). وكان مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة والذى عقد فى ستوكهولم عام 1972 قد أكد لأول مرة أن المشكلات البيئية تعد شواغل كونية ولا يمكن أن تحل من قبل دولة واحدة. وقد اتفق ممثلو الدول على نقاط عديدة وقدموا اقتراحات عدة لحماية الأنواع المعرضة للخطـر، والاهتمام بتلوث الماء والهواء. (Kupchella and Hyland 1993, 543). وقد عقد مؤتمر البيئة الثانى فى نيروبى فى مايو 1982. وكان هدفه إعادة دفع التوصيات الصادرة عن مؤتمر ستوكهولم، وتسهيل الحماية البيئية والتخطيط لمؤتمر ريو اللاحق. وكان على المؤتمر التذكير بأن بلدان الجنوب أعطت أولوية للتنمية بحيث تكافح الفقر وتعوض reserve اللاتكافؤ الاقتصادى العالمى. فقد كانت هذا البلدان تعتقد أن الانشغال بالبيئة ترف يمكن للبلدان الغنية فقط أن تتحمله (Weizsacker 1994, 3). وفى المقابل، فضلت البلدان المتطورة فى الشمال حماية البيئة. وقد نصحوا الجنوب بأن يجاهد من أجل النمو الاقتصادى بوصفه السبيل الذى يمكنهم من الحصول عـلى تكنــولوجيا السيـــطرة على التلوث عالية الكلفة من الشمال (Weizsacker 1994, 4). وفى عام 1987 شددت اللجنة العالمية للبيئة والتنمية على أهمية مصطلح "التنمية المستدامة" من أجل تجنب الرؤى المتصارعة لبــلدان الشمال والجنوب. (Weizsacker 1994, 5). إن دمج شواغل الاقتصاد والتنمية ضمن أهداف اتفاقية التنوع البيولوجى يشعل دعماً "الأقطار النامية" بموقف أخلاقى مفاده أن صيانة الموارد والتنمية ينبغى أن تكون متوازنة، وان مصالح وظروف البلدان النامية يجب أن توضع فى حسبان الشركات الدولية من أجل حماية البيئة (Yamin 1999, 492). وتعرف التنمية المستدامة بأنها التنمية التى تفى باحتياجات الحاضر دون الافتئات على قدرة الأجيال القادمة على اشباع احتياجاتهم الخاصة. وفى هذا الصدد، عقد عام 1992 مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة والتنمية، المعروف باسم قمة الأرض، فى ريو دى جانيرو بالبرازيل. وفى هذا المؤتمر ركز ممثلو 170 دولة على التنمية المستدامة، والتغير المناخى، والتنوع البيولوجى، ومبادئ حماية الغابات، والعلاقة بين الدول المتطورة والنــامية فى قضايا البيئة (Homberg et al, 1993). وقد مهدت قمة الأرض الطريق للتعاون الدولى فى مشكلات البيئة على نطاق العالم. وقد تم صياغة مصطلح "التنمية المستدامة" ليشير إلى أن النمو الاقتصادى أساسى من أجل حماية بيئية فعالة. وفى ضوء هذه الرؤية، حاول بعض الكتاب التوفيق بين النمو الاقتصادى وحماية البيئة. هذه المقاربة تعرف الحركة البيئية للسوق الحر free market environmentalism. ويسعى أولئك الكتاب إلى البرهنة على وجود تكامل بين حماية البيئة وتعزيز التنمية الاقتصادية. وتفضل الحركة البيئية للسوق الحرة دولة الحد الأدنى. فقد افترض ربط المصلحة الخاصة بحوافز السوق.فهى تشدد على مؤسسات السوق، إذا ما تركت لتعمل بمفردها، سوف تعزز النمو الاقتصادى، وتحسن السلع والخدمات المنتجة من حيث الكم والكيف، وسوف تصبح صديقة للبيئة. وحسب أندرسون ِAnderson وليل Leal "تعتمد الحركة البيئية السوق على التبادل الطوعى لحقوق الملكية بين ملاك متوافقين، وتعزز التعاون والتفاهم. باختصار، إنها تقدم بديلا يوجه الوعى البيئى الواضح نحو حلول لا مجال فيها للخسارة والتى يمكن أن تديم النمو الاقتصادى، وتزيد من القيمة النوعية للبيئة، وتعزز التناغم" (1998, 530). وقد شددوا على أن الأسواق فى مقدور الموارد بطريقة أكثر فاعلية من أى إدارة علمية مركزية. ووفقا لبرينتون Brenton: "فى ظل التجارة الحرة، يجرى انتاج السلع حيثما تكون عملية الانتاج هذه فعالة بصورة أفضل من أن إنتاجها من خلال الدعم المالى أو وفرض الرسوم. وهكذا ففى ظل التجارة الحرة، فإن مستوى مفترض من الانتاج العالمى سوف يستهلك موارد أقل، وينتج تلوثا أقل عنه فى حالة تشويه التجارة" (1994, 264). ويقترح البيئيون أنصار السوق الحرة، نظاما لحقوق الملكية قابلا للاتجار tradable property rights مقابل تلويث البيئة واستغلال الموارد الطبيعية النادرة (Anderson and Leal 1991). وهكذا يكون ارتفاع أسعار هذه الحقوق، باعثا أكبر على عدم التلويث أو الاستغلال. وهكذا يؤكد مناصرو الحركة البيئية بالسوق الحرة أنه بمعانى عديدة تعتبر التجارة الحرة مكملة لحماية البيئة، ويجب تدعيمها من قبل أنصار البيئة. كما يؤكدون أيضا أن التجارة الحرة يمكن أن تساعد البلدان على جعل التكاليف البيئية والاجتماعية شأنا داخليا. هنا يجب ملاحظة أشياء مشتركة الحركة البيئية للسوق الحرة والليبرالية الجديدة: deregulation، التجارة الحرة، لبرة الاقتصاد وما يشبه ذلك and the like. وقد حاول أنصار الحركة تبرير موقفهم بالتأكيد على دور اتفاقية التجارة الحرة (GATT) وغيرها مـن التكتلات التجارية الاقليمية. فمنذ تشكليها عام 1948، سعت الجات إلى حفز التجارة الدولية من خلال خفض التعريفات والحواجز التجارية. فالجات، إذا، تعتبر عملية تجنيس عالمى لمختلف الممارسات التجارية، ووضع معايير للقواعد التى تسمح للاتجار فى البحرية بالنسبة إلى الـ 108 بلداً المشاركة فى الاتفاقية. (Hawken 1993, 97). أيضا، ثمة مبادئ متشابهة تشترك فيها الحركة واتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية النافتا NAFTA. فقد أولى الموقعون على النافتا اهتماما بلبرة التجارة والاستثمار. وعقدوا العزم على الحد من التدمير البيئى من خلال اتفاقيات تتعلق بالسياسة الاقتصادية. مثال ذلك، فرض الضرائب على الانبعاثات، وتحديد المسموح به تجارياً، وتراخيص استخدام الموارد وغيرها. ومع ذلك فقد جادل بعض الكتاب بأن "النافتا تسعى لتأكيد أن المعايير القائمة مصانة، ولكنها لا تتضمن الشروط اللازمة لتطوير إعمال هذه المعــايير، أو تبنـــى معايير أكثر قيمة" (Hufbauer and Schott, 1993, 91). كما يتضح من النقاش السابق فأن أنصار الحركة يعتقدون فأن حماية البيئة ولبرة الاقتصاد يمكن أن يسيروا جنبا إلى جنب. وهنا فإن السؤال الهام الذى يجب طرحه هو: ما هو المتضمن فى الحركة بالنسبة لحماية البيئة؟ أكد حديثا بعض رواد مجتمع الأعمال وكتاب آخرين أن بعض المشكلات البيئية تجد جذورها فى التجارة العالمية. فلا يمكن حل بعض المشكلات البيئية مثل تأثير الصوبة أو ظاهرة الاحتباس الحرارى من خلال الحلول التى تقدمها السوق فحسب. لأن الحريو المطلقة الحرية لمؤسسات السوق يمكن أن يكون لها تأثيرات كارثية على البيئتين الطبيعية والبشرية (Weizsaker 1994, 99; Gray 1994, 62, 112 & 127). وعلى الرغم من أننى أقر بأن السوق الحرة يمكن أن يكون لها تأثير إيجابى فى تطور بلد ما، إلا أننى أتفق مع رؤى هؤلاء الكتاب وأضمر بعض الشكوك فيما يتعلق بإسهام التجارة الحرة من أجل البيئة. إن قابلية إنفاذ الأنظمة البيئية فى البلدان المتقدمة يشجع الصناعات الى تستهدف الربح إلى الانتقال إلى البلدان النامية حيث تكون المؤسسات المنظمة هشة وغير فعالة. ويمكن لهذا أن يؤدى بدوره إلى استغلال الموارد فى هذه البلدان. "إن حركة رؤس الأموال عابرة القومية فى أن تذهب حيث تكون الأنظمة البيئية فى أضعف صورها يعد أحد الأمور الأكثر تعبيرا عن حجم الشواغل الخــــاصة بالتأثيرات السلبية للعولمة" (Newell 1999, 2). ومن ناحيتى فإننى أسلم بأن الاستغلال غير المحدود للموارد قد يقود إلى هبوط عائد الزراعة والفرد والمجتمع، الأمر الذى يفضى إلى زيادة الفقر وغياب مزمن للأمن الغذائى، وزيادة فى التنافس على الموارد النادرة القتل يؤدى إلى صراع سياسى وربما القتل. ولذا فإن التجارة الحرة وحرية حركة رؤوس الأموال قد يكون لها تأثير شديد التدمير على الموارد الطبيعية. ويذكرنا التاريخ أيضا أن المعاهدات البيئية الإقليمية والعالمية تحتوى على كثير من مواطن الضعف. فيمكن للدول الموقعة على هذه المعاهدات أن تخرقها وتستمر فى تدمير البيئة (Weizsaker 1994, 165). وعلى الرغم من أن الاتفاقيات المتعلقة بالسياسة الاقتصادية قد تستخدم من أجل إجبار هذه الدول على اتخاذ تدابير بيئية، فإن البلدان الأخرى والبيئيين الآخرين ليس لديهم سلطة حقيقية لجعل هذه الدول تلتزم بالقانون. علاوة على ذلك، ترفض بعض البلدان، من أجل تحقيق مصالحها الأنانية، التعاون مع الدول الأخرى. على سبيل المثال، خلال مؤتمر ريو للبيئة والتنمية، عارضت الولايات المتحدة الأمريكية إقرار اتفاقية خاصة بالتنوع البيولوجى، حيث فضلت الحلول المعتمدة على السوق (Homberg et al, 1993). وعلى الرغم من ذلك أن العديد من المشكلات البيئية الكونية سببها الولايات المتحدة الأمريكية. وقد وقعت الولايات المتحدة الاتفاقية مؤخرا. إن حصيلة كل هذا: أن الحركة والاتفاقيات التجارية الاقليمية والعالمية ليس لديها ما تقدمه لحماية البيئة إلا النذر القليل. ويبدو أن مبادئ الحركة غير قادرة على دعم البيئة. ويعرف أنصار الحركة المساواة البيئية بتعبيرات اقتصادية بدلا من أن تكون تعبيرات أخلاقية أو جمالية. وكما اعلن مارك ساجوف Mark Sagoff بصورة مقنعة فإن أندرسون وليل يعنيان "بالمساواة البيئية" و "وحسن السيطرة على الموارد" هذا النوع من السيطرة الذى يسمح بذلك القدر من استنزاف المناجم، Clear-cutting، والتعرية أو التآكل ، والذى يدر فائدة تولد، إذا استثمرت، عائدا أكبر من صيانة هذه الموارد" (1998, 547). ويجادل توم أثاناسيو Tom Athanasiou بأن التجارة الحرة تدفع كل البلدان باتجاه أقل حد من المعايير البيئية المشتركة. "تثير التجارة الحرية حتما القواعد النسبية القوية الخاصة بالصحة والبيئة والرفاهية والعمل فى الشمال مقابل المعايير الرخوة إلى حد بعيد التى يمكن أن توجد فى مناطق أخرى- فى آسيا، الكتلة الشرقية السابقة، أمريكا اللاتينية أو أفريقيا. علاوة على ذلك، فإنه يجب عليها أن تفعل ذلك، وعلى وجه الدقة لأنها تفترض إلقاء الفقراء مع الأغنياء، والضعفاء مع الأقوياء فى سوق وهمية ومشوشة وغير ومنظمة وهائلة" (1999, 501). إن ما يقرر قيمة شىء ما فى السوق العالمية هو المال. فعلى عكس ما تعد به حركة، فقد كان فى مقدور الشركات الكبرى أن تتملص من التكاليف البيئية والاجتماعية. يقول هاوكن Hawken: "................................" (1993, 95). وهكذا، "ففى ظل عالم الأعمال المعولم زادت القدرة على التملص من التكاليف، وخاصة تلك الغير اقتصادية مثل التدمير البيئى. فالمدراء يخضعون لمحاسبة حاملى الأسهم والمستثمرين عوضا عن الخضوع لمحاسبة البشر الذين يعيشون فى المواقع التى يباشرون فيها أعمالهم. وتسترشد قراراتهم غالبا وحصرا بالحاجة إلى جلب ربح مادى" (Glover 1999, 76). وتعتبر قواعد وتجارب الجات غير مواتية للبيئة. ففى ظل قاعدة الجات الجديدة، مطلوب من قوانين ومبادئ البيئة أن تخضع لاتفاقية التجارة العالمية. كما أن الجات تتحدى ضوابط التصدير الحكومية. "إن محاولة حكومة ما الحفاظ على الموارد النادرة بالحد من تصديرها سوف يمثل انتهاكا للجات. إن تدابير الحفاظ على هذه الموارد مثل البرنامج البريطانى الكولومبى لغرس الأشجار تم الإدعاء بأنها إعانة مالية حكومية "جائرة" لشركات الأخشاب الكندية (Hawken 1993, 100). أيضا فى ظل الجات لا يمكن استخدام العقوبات الاقتصادية من أجل حماية البيئة. فالمطلوب من الحكومات الوطنية إزالة شروط الاستثمار، وحصص التصدير، والمشتريات المحلية والمواصفات التكنولوجية. وحسب أثاناسيو Athanasiou: "تضمن الجات فى نهاية الأمر، بوصفها اتفاقية العولمة الاقتصادية، تحرير للتجارة بما قد يقيد قدرة الحكومات بما فى ذلك القوية منها فى السيطرة على الوفاء بالمعايير الصحية والبيئية داخل حدودها.. ففى بداية التسعينيات، استخدمت الجات بالفعل لمواجهة الحكام الأوربيين إزاء اللحوم الملوثة بالهـرمونات، وإجبار النمسا على التراجع عن خطط لفرض ضريبة تصل إلى 70% على أخشاب الغابات، وإسقاط القيود التايلندية على التدخين لصالح شركات التبغ الأمريكية. فى هذه الحالة الأخيرة والأكثر شهرة، قضت الجات بأنه ليس فى مقدور أى بلد استخدام القيود التجارية باعمال قوانين الصحة العامة ما لم يكن فى مقدورها البرهنة على أنها كانت الوسائل الأقل تقييدا للتجارة لهذا الغرض" (التشديد فى الأصل، 1999, 501). وبالمثل، فعلى الرغم من أن النافتا تبدو المعاهدة التجارية "الأكثر اعتدالا" على الإطلاق، إلا أن مساهمتها فى حماية البيئة لا تذكر. "يجادل البيئيون أن النافتا ينبغى عليها أن تعلن صراحة أن القوانين البيئية الرخوة أو الممارسات الخاصة بإعمالها تشكل ممارسات تجارية جائرة، الأمر الذى يستوجب بدوره السماح للبلد الشريك أن يطــالـــب باتخاذ تدابير تجارية لمعالجة هذا الوضع" فى السابق (Hufbauer and Schott) ، كان من المتوقع أن تكون النافتا مفيدة لاقتصاد وشركات الولايات المتحدة. ومع ذلك فقد سجل دالى أن "الثمار الأولى للنافتا جاءت فاسدة" (1996, 15). ووفقا لاقتصاديى الكلاسيكية المحدثة، تعنى التجارة الحرة التخصص وفقا للفائدة المقارنة. وكما أكد بعض النقاد، فإن الفائدة المقارنة ضارة للبلدان النامية حيث تكون مجبرة على تصدير مواردها للبلدان المتقدمة. فلم تمكن قوى السوق البلدان النامية من السيطرة على استغلال مواردها المعدنية وغيرها من الموارد الطبيعية. بل على العكس، انتقصوا من قيمة مواردهم. وبالإشارة إلى أثر الأقلمة والعولمة على كل من البلدان النامية والمتقدمة، سوف أحاول بيان أثر عمليات العولمة والتحديث على المعرفة البيئية المحلية فى إثيوبيا.

3- العولمة وأثرها على إثيوبيا لقد أثرت عمليات العولمة أيضا على إثيوبيا، على الرغم من صعوبة الاحساس بأثر هذه العمليات فى السنوات القادمة. فقد أثرت وسائل الاتصال الحديثة، والأسواق، والانترنت، وغيرها من أوجه العولمة بشكل كبير على سكان الحضر أكثر من سكان الريف. وفيما يلى، سوف أنظر فى كيفية تأثر الفلاحين ومجموعات أخرى فى إثيوبيا بعمليات العولمة.

3-1 المعرفة البيئية المحلية والزراعة الحديثة همشت عملية العولمة الفلاحين ودخلت فى مواجهة مع الممارسات الصالحة بيئيا. إن عولمة الانتاج الرأسمالى وأنظمة السوق تعمل على تقويض وجود انتاج محلى وأنماط استهلاك محلية فى البلدان النامية بشكل عام وفى إثيوبيا بشكل خاص. ويعمل التفاوت بين البلدان النامية والمتطورة فى مجال التكنولوجيا والإنتاجية على عرقلة محاولة بناء تكنولوجيا على أساس الممارسات والقيم المحلية. فكما لاحظ أرنسن Arnesen بصورة مقنعة "بينما بات من الواضح أن الطابع المعقد لإعادة تشكل الرأسمالية الصناعية خلال العقدين الأخيرين يشير إلى التطلعات الكوكبية المميزة لتدفق رأس المال والتوسع غير المسبوق للسوق العالمية، فإن خبرة معظم البلدان الأفريقية أقل من أن تدعو للتفاؤل سواء فيما يتعلق بالأداء الاقتصادى ولكن أيضا وبصورة أكبر فيما يتعلق بمستقبل الدولة الأفريقية ذاتها (1996, 1-2). تكشف بعض الأمثلة الواقعية التأثير السلبى على الفلاحين الإثيوبيين نتيجة الانقياد لاقتصاد السوق. فخلال خطة العام الثالث (1968-73) لحكومة هيل سلاسى Haile Sellassie (1930-1974)، كان هناك تأكيد ودعم للزراعة الموجهة للتصدير والإنتاج الزراعى التجارى الموسع على حساب قطاعات الانتاج الصغير smallholder للفلاحين. علاوة على ذلك، تم الانتقاص من انتاج المحاصيل الغذائية لصالح المحاصيل النقدية. وفى حين فرضت الحكومة الاستبدادية (أو الملكية Imperial) ضرائب على أدوات الزراعة اليدوية مثل المنجل والمجراف، فقد تم إعفاء الجرارات وغيرها من المعدات الثقيلة ووقود المزارع (خلال عام 1973) والمبيدات والأسمدة من رسوم الاستيراد وذلك من أجل تشجيع الزراعة الرأسمالية المكثفة. كما شجعت الحكومة ملكية المزارع التجارية الشاسعة من أجل استخدام الأراضى الخصبة فى إنتاج محاصيل ترفية أو سلع غير غذائية معدة للتصدير للخارج (Cohen 1975, 348; Koehn 1982, 255-56). وهكذا بدأت الحكومة التغيير فى الانتاج الزراعى باتجاه الزراعة التجارية من أجل السوق العالمى. وكانت المحصلة النهائية للانتاج الزراعى التجارى مخيبة للآمال. فبفعل الزراعة التجارية تم ترحيل بدو عفار Afars ِمن مراعيهم التقليدية فى وادى عواش ِAwash valley، وأدى كفاحهم من أجل البقاء فى المرتفعات إلى تدهور النظام البيئى مما أسفر عن موت الماشية والبشر جوعا. أيضا تدهورت صحة الرعاة والماشية فى وادى عواش بسبب صرف مخلفات الصناعات الخاصة بالزراعات النقدية (مثل القطن) وصناعة السكر فى نهر عواش، واستخدام المبيدات الحشرية فى المزارع التجارية بدون ضوابط (Kohen 1982, 253-89). ينبغى، فى هذا الصدد، ملاحظة أن "الضغط من أجل سداد الديون دفع الدول المدينة إلى زيادة انتاج وتصدير السلع النقدية (مثل منتجات الغابات، والبن، والسكر، والموز) وتقليل انتاج المواد الغذائية اللازمة للاستهلاك المحلى. فى الاتجاه ذاته، كشفت المعلومات التى حصلت عليها من الرواة أن مئات من صغار الفلاحين قد تم إخلائهم عن منازلهم التقليدية فى منطقة جومارو أبو Gumaro Abo فى إلوبابور Ilubabor (غرب إثيوبيا)، بواسطة الحكومة من أجل إنشاء مصنع جومارو للشاى. وقد أنشأت الحكومة هذا المصنع لتفى بالاحتياجات المحلية والعالمية من الشاى. وقد انتزعت الحكومة أراضى الفلاحين لتزرع الشاى وأشجار الأوكالبتوس* من أجل هذا المصنع. وهو الأمر الذى دفع هذا العديد من الفلاحين إلى الافراط فى استغلال ما تبقى من الأراضى. إلى جانب ذلك، شهدت السنوات العشر الأخيرة من الحكم الملكى محاولات من أجل تشجيع زراعة المحاصيل الغذائية من أجل الاستهلاك المحلى. وقد دعمت الحكومة خطط الزراعة المعتمدة على الميكنة فى انتاج الغذاء للأسواق المحلية. أدت هذه الاستراتيجية إلى إنشاء وحدة شيلالو للتنمية الزراعية Chilalo Agricultural Development Unit (CADU) ، ووحدة وولامو {والاياتا} للتنمية الزراعية Wolamo [Walayatta] Agricultural (WADU) Development Unit، ومشروع مقاطعة أدا للتنمية Ada District Development Project (ADDP)، ومشروع شاشامينى ونيجيلى للتنمية Shashamene and Negele Development Project (SNDP)، وذلك بمساعدة من الحكومة السويدية، والبنك الدولى، وهيئة المعونة الأمريكية، والفاو على التوالى. وعلى الرغم من تسيير الزراعة المعتمدة على الميكنة من خلال سياسة محلية، فقد أدت إلى عدم استقرار أوضاع المستأجرين، والاستغلال، والطرد من الأراضى، وتآكل التربة ونزع الغابات (Stahl 1974, 75-7, 103-5, 126-67; Cohen 1975, 349; Koehn 1982, 256-57). إن الحالة وثيقة الصلة بالموضوع تتمثل فى الأثر السلبى لوحدة شيلالو للتنمية الزراعية (CADU) على فلاحى أورومو Oromo فى شيلالو. فقد أنشأت الحكومة الإثيوبية هذه الوحدة فى شيلالو بوسط إثيوبيا عام 1967 (Negusse 1984, 49). ولم يكن لدى فلاحى شيلالو وغيرها من المناطق أية حماية قانونية فعالة ضد الطرد القسرى والمفاجئ. ومع ذلك لم تجر دراسة منهجية لتوثيق مدى حجم القلاقل التى تعرض لها مستأجرى الأراضى ولا حجم عمليات الطرد من الأراضى فى هذه المنطقة. "وبمراجعة الدراسات والمقابلات والملاحظات المتاحة، ثمة افتراض بأن إجمالى من تم طردهم فى الفترة بين عامى 1967 و 1974 يتراوح ما بين 2500-5000 مستأجر (Cohen 1987, 128) . علاوة على ذلك، ارتفعت ايجار الأرض سريعا إلى نصف انتاج المحاصيل، وتزايد الضغط من أجل تحويل المراعى إلى مناطق زراعية بسبب إدخال الميكنة الكثيفة. ولم يتم تشجيع المستأجرين من أجل تحسين جودة أراضيهم. بل على العكس، فعندما كانوا يحسنون من جودة الأراضى ويزيدون من عائد المحصول، كان ملاك الأراضى يزيدون الإيجار بالمقابل (Cohen 1987). باختصار، أدى انتاج السع النقدية على حساب الانتاج من أجل البقاء على المستوى المحلى، وميكنة الزراعة، والافتقار إلى إصلاحات زراعية فعالة إلى التدهور البيئى. لقد تم الانتقاص من قدر المعرفة التقليدية، ولم يكن هناك إلا مجالا محدودا للتكيف مع الشروط الفردية والمحلية. يذكرنا هذا أن بعض برامج التنمية الحديثة التى صممت بلامبالاة قد أبطلت أو دمرت مباشرة الاستخدام التقليدى للأرض الصالح بيئيا والبنى المهنية باسم التقدم العلمى.

3-2 المعرفة البيئية المحلية وبرامج التكيف الهيكلى يؤثر الضغط الناجم عن برامج التكيف الهيكلى على المعرفة البيئية المحلية واقتصاد البلدان النامية. بسبب الانحياز للشركات عابرة القومية. فحسب روبنسون Robinson "تتخلل برامج التكيف الهيكلى الدول النامية سعيا إلى الاستقرار على مستوى الاقتصاد الكلى بوصفه شرطا مسبقا أساسيا لنشاط رأس المال العابر للقومية" (مقتبس فى Mulugeta 1999). فوفقا لما تم عرضه "تسعى اللبرالية-الجديدة لرسم صورة عن الازدهار الاقتصادى الذى جلبته للعالم منذ الثمانينيات بفعل الملكية الخاصة والأسواق الحرة القائمة على المنافسة. فقد صادق البنك الدولى وصندوق النقد الدول على أهداف النظرية الكلاسيكية-الجديدة للتنمية. ويؤكد أنصار هذه المؤسسات أن السياسة الحكومية المشوهة فى السبعينيات والثمانينيات هى المسئولة "عن سلسلة من المشكلات المترابطة {فى بلدان العالم الثالث} (مثل ركود الانتاج، المديونية، والعجز فى ميزانية الدولة)" (Brohman 1996, 28). وهكذا، فبالنسبة لليبراليين الجدد ليس ثمة طريق إلا اقتصاد السوق الحر. فى عام 1991، توافقت الاصلاحات الهيكلية فى إثيوبيا مع مقترحات اقتصاديى الكلاسيكية-الجديدة. وكما هو الحال فى البلدان النامية الأخرى، تأثرت الحكومة الانتقالية فى إثيوبيا بالشروط السياسية للمانحين الغربيين. فقد كان مطلوباً من القادة الجدد إعطاء اهتماما لقضايا حقوق الإنسان، والمجتمع المدنى، والحكم الجيد، والتعديدية السياسية والديمقراطية من أجل ضمان كل أنواع الدعم. فمنذ البداية، أجبرت الحكومة الانتقالية على قبول برامج التكيف الهيكلى لمؤسسات بريتون وودز وغير ذلك من سياسات. وقد أعلنت عن السياسة الاقتصادية للمرحلة الانتقالية فى 1991. وتمثل الهدف على المدى الطويل فى استراتيجية تصنيع معتمدة على تنمية زراعية والتى تستلزم تحول هيكلى من أجل تحقيق نمو زراعى عالى يمكن أن يعقبه نمو صناعى. وحسب بيفيكادو ديجيفى Befekadu Degefe "فى سبيل قبول مطالب مؤسسات بريتون وودز، فقدت أثيوبيا القدرة على ابداع سياستها الاقتصادية، مثل الأقطار التـــى سبقتها وتلك التى فى سبيلها إلى ذلك" (1999, 291). أيضا صرح مولوجيتا أبيبى Mulugeta Abebe قائلا "يبدو أن التكيف قد اعطى صناع القرار المغتربين ليس فقط نفوذاً اقتصاديا ولكن أيضا امتيازات سياسية للتدخل فى شئون إثيوبيا" (1999, 71). وقد تم صياغة ورقة إطار السياسة الشاملة (PFP) Policy Framework Paper لعامى 1992/93-1994/95 والموافقة عليها من قبل الحكومة الانتقالية ومؤسسات بريتون وودذ. وقد تضمن برنامج الإصلاح ثلاثة مراحل: التثبيت، الإصلاح الهيكلى، ومزيد من الإصلاح الهيكلى (PFPI, 1992). وبناء على ذلك، اتخذت الحكومة الانتقالية التدابير التالية: تخفيض قيمة العملة birr؛ وإدخال نظام foreign exchange auctioning؛ وإعادة هيكلة للشركات العامة؛ وإعلان قانون الاستثمار والعمل؛ وتحرير سعر عدد من السلع؛ وتحرير تعريفات طرق النقل؛ وإزالة كل الضرائب على الصادرات فيما عدا تلك المفروضة على البن؛ وتقليص المعدل الأقصى للرسوم المفروضة على الواردات؛ وتحويل ضريبة المبيعات إلى رسم ضريبة excise tax واستحداث ضريبة على دخل الإيجار rental income؛ ورفع معدلات الفائدة على أن تنطبق بشكل منتظم على القطاعين العام والخاص؛ والإعلان عن قانون تقاسم الدخل بين الحكومة المركزية والمناطق؛ وإصدار قانون جديد للتعاونيات؛ وإصدار أذون proclamation بنكية ومالية؛ والإعلان عن قانون بإنشاء بنوك خاصة ومشاريع تأمين (Eshetu 1994, 316-17). وتنص المادة رقم 40 من دستور FDRE بشأن الأرض على أن "يعتبر الحق فى تملك الأراضى الريفية والحضرية، وكذلك جميع الموارد الطبيعية، محصورا بشكل مطلق فى الدولة والسكان الإثيوبيين، ولا يجوز أن تعرض للبيع أو لأى وسيلة أخرى من وسائل نقل الملكية." وقد اتفقت الحكومة الحالية ومانحيها على ورقة إطار للسياسة لعامى 1996/97-1998/99. وتأمل الحكومة تحسين إدارة الضرائب من خلال توسيع قاعدة الضرائب على الدخول، وخفض نمو الإنفاق ليكون أقل من النمو الاسمى للناتج المحلى الإجمالى GDP، وتحسين فعالية الإنفاق. لقد أدينت حكومة FDRE بسبب اتخاذها بعض التدابير الايجابية. حيث حسنت البيئة من أجل فعالية القطاع الخاص داخل اقتصاد سوق تنافسى. فقد شجعت مناطق مختلفة على تعزيز التنمية الزراعية. وعلى أى حال، فقد كان لتطبيق برامج التكيف الهيكلى بعض النتائج السلبية. وقد أكد بعض الكتاب ومن أدلوا إلى بمعلومات أن ملكية الدولة للأراضى لم توفر شروط الأمن الخاصة بالملكية والبواعث من أجل أداء أفضل. أما التملك الحر للأراضى فسوف يوفر الأمن الخاص بالملكية، كما سيوفر بواعث قوية للفلاحين من أجل استثمار أراضيهم، وسيعمل على أن تكون التعاملات التجارية فى الأراضى أكثر سهولــة وكفـاءة (Dessalegn 1994). ومع ذلك، فليس بالضرورة أن تؤدى حقوق الملكية الخاصة إلى معالجة المشكلات البيئية. فقد يفرط الملاك فى استخدام الموارد. وقد اظهرت بعض الدراسات أنه فى بعض الحالات مجتمعة، أن السلطات اللامركزية قد نجحت فى حماية انتاجية الموارد (Hanna et al. 1996, 9). وهكذا، "بالنسبة للبيئة الطبيعية فإن القضية ليست ماذا ينبغى أن تكون عليه حقوق التملك: خاصة أم مجتمعية أم ملكية دولة. فالقضية هى كيف ترتبط حزم الحقوق المختلفة ببعضها، من الخاصة إلى المجتمعية إلى الوطنية إلى الدولية، ومن المحلى إلى الإقليمى إلى الكونى، ذات صلة ببعضها، وكيف تربط البشر ببعضهم، وتربطهم ببيئتهم الطبيعية التى يعتمد عليها التطور الاجتماعى والاقتصادى (Hanna et al. 1996, 9). لقد بدت إجراءات اللبرة الاقتصادية وكأنها خلقت بواعث من أجل انتاج وتصنيع وتسويق البن. إن سياسة خفض العملة وما ترتب عليها من تحديد معدل التبادل على أساس المزاد auction-based قد رفعت من عوائد التصدير من منظور الـ birr وأسعـار استــلام البـــن من المزارع رأساً farm gate (Alemayehu 1999). "وعلى مستوى المزرعة، يجرى تشجيع ملاك الأراضى الصغار بواسطة الأسعار الأفضل عند الاستلام من المزرعة لزيادة رقعة البن المنزرعة ومن أجل تعظيم الإنتاج من خلال استخدام خبرات العلوم الزراعية الحديثة .. وثمة مؤشرات على أن الفلاحين قد خصصوا مزيد من الأرض للزراعات الجديدة من خلال التخلى عن محاصيل أخرى" (Itana 1999, 90). إن الرغبة فى توسيع انتاج البن على حساب المحاصيل الأخرى سوف يكون له نتائج مدمرة للبلد على المدى الطويل. علاوة على ذلك، "يجرى التخلص من مخلفات محطات إعداد الثمار بحرية وبدون اية سيطرة، إن مقادير البن المغسول والمعالج من خلال المحطات التى تلقى فى الأنهار فتؤدى إلى تدهورها، أيضا تصبح حياة البشر والحيوانات فى خطر نتيجة استخدام الأنهار الملوثة" (Itana 1999, 91). لقد أخبرنى البعض فى إليوبابور، غرب إثيوبيا، مؤكدين أن العديد من الفلاحين فى السنوات الأخيرة أزالوا الغابات الطبيعية لإيجاد سبيل لزراعة البن. أيضا أكدت دراسة عبد الرحمن آمى Abdurahman Amme التى أجريت على مقاطعتين فى مرتفعات هارارغى Hararghe بشرق إثيوبيا أن الفلاحين بعد اللبرة شجعوا انتاج المحاصيل النقدية، مثل البن وال chat على حساب المحاصيل الغذائية. وبالمثل، بعد فحص انتاج مجموعة مختارة من مزارع الانتاج المنزلى فى مقاطعتى جوما Gomma ومانا Manna فى منطقة جيما Jemma بغرب إثيوبيا، سجل تاى Taye أيضا أنه نتيجة اللبرة زاد توجه الفلاحين نحو انتاج البن (انظر جدول رقم 1)

جدول رقم 1: أثر التحول فى الثروة على عينة الأسر من المنتجة

بعد الإصلاح قبل الإصلاح 0.6265 0.4867 أراضى المزروعة بنبات البن (بالهكتار) 497.61 201.00 نبتات البن (no.) 30.49 19.19 العمالة المأجورة (MDS) 3.08 2.20 الزواج (تكراره) 452.51 425.35 انتاج البن (كم/للهكتار) 2.06 18.10 الرش ضد مرض برى الذى يصيب نبات البن (كم) المصدر: بيانات مسح أجراه تاى Taye (1997)

قد يعترض شخص ما بالقول أن السياسات الليبرالية كان لها آثار إيجابية على انتاج المحاصيل الغذائية وعلى اقتصاد إثيوبيا. وتؤكد البيانات الرسمية الحكومية هذه الرؤية. وبعد فحص أداء الاقتصاد الإثيوبى خلص بيرهانو Berhanu وسيد Sied إلى أنه "من خلال المقاييس المعيارية لأداء الاقتصاد الكلى كان أداء الاقتصاد الإثيوبى معقولا إثر قولى الجبهة الإثيوبية الشعبية الثورية الديمقراطية EPRDF الحكم منذ سبع سنوات مضت" (1999, 46). فقد سجلا أن الناتج المحلى الإجمالى GDP الحقيقى قد نما بمتوسط 4.7 بالنسبة للسنوات السبع الأخيرة (انظر الجدول رقم 2). علاوة على ذلك، ثمة زيادة فى الأراضى والمنتجات الزراعية بعد الإصلاح (انظر جدول رقم 3). ومع ذلك، فقد استمرت إثيوبيا فى استيراد الغذاء (انظر الجدول رقم 4). يضاف إلى ذلك، "يعتمد البلد على المساعدة الغذائية لسد الفجوة بين الطلب والإنتاج المحلى. ويتراوح الحجم السنوى للمساعدة الغذائية من الحبوب بين 2.3% إلى 26% من إجمالى الانتاج المحلى على مدار الفترة من 1985-1996 (Alematehu 1999, 31). علاوة على ذلك، على الرغم من أن مؤشرات الاقتصاد الكلى تظهر أن الناتج المحلى الاجمالى قد زاد فى المتوسط بالنسبة للفرد منذ 1992، فإنه لم يؤد إلى تقليص الفقر فى إثيوبيا (Abebe 1999, 20). وحتى لو افترضنا أن البيانات الحكومية صحيحة، فمن الواضح أن الاصلاحات الاقتصادية لم تحسن الأوضاع المعيشية لفقراء الريف، حيث يعتبر الأثر الاجتماعى لهذه الإصلاحات سيئا. فقد أدى تخفيض العملة ولبرة الأسعار إلى ارتفاع تكلفة الانتاج. وقد تأثر العديد من السكان بسبب ارتفاع أسعار معظم السلع التى تستخدم لتباع فى المنافذ التجارية الحكومية (مثل الصابون والملابس الخ). تفاقم تدنى الدخول بسبب تطبيق سياسات التكيف الهيكلى. وقد تم فصل الآلاف من البشر من وظائفهم الحكومية. فعلى سبيل المثال، توقفت أنشطة الشركة الإثيوبية العامة للبناء والتشييد Ethiopian Building and Construction Corporation Authority وهيئة النقل البحرى Marine Transport Authority، وتم تسريح نحو 25.000 عامل (Eshetu 1994). بالإضافة إلى أن انهاء توظيف حملة الشهادات الجامعية فى المؤسسات العليا فاقم من مشكلة البطالة.













جدول رقم (2)















يظهر البرهان فى طرحنا هذا أن تحسن وتراجع المخرجات الزراعية قد تأثر بشكل كبير بالظروف المناخية أكثر من الاصلاحات الاقتصادية. فالأمطار الجيدة تؤدى إلى حصاد جيد نسبيا بينما يؤدى سوء الظروف المناخية والجفاف إلى تراجع الانتاج الزراعى. وفى مقدمة ذلك، أثر التدفق الوفير للموارد الأجنبية على الأداء الاقتصادى للحكومة الجديدة.

جدول رقم 3 : تقديرات انتاج المحاصيل الرئيسية بواسطة الفلاحين ذوى الملكية الخاصة (فى موسمين مقدرة بالألف قنطار) إجمالى البذور الزيتية القطانى الحبوب السنة قبل الإصلاح 44611 1046 4838 38727 1984/85 50036 1153 4605 44278 1985/86 69605 1089 5741 62775 1986/87 66091 881 5940 59570 1987/88 64316 891 5953 57472 1988/89 69115 983 6749 61383 1989/90 70240 3141 9968 57131 1990/91 بعد الإصلاح 38362 3057 9702 55603 1991/92 80304 1240 8425 70639 1992/93 70520 1107 7501 61912 1993/94 75010 1172 7947 65891 1994/95 103279 1963 8662 92654 1995/96 104368 2168 8609 93591 1996/97 83489 1817 7323 74349 1997/98

المصدر: وزارة التنمية والتعاون الاقتصادى (MEDaC)، 1999.


جدول رقم 4: نسبة الواردات وفقا لأصناف البضائع

إجمالى الواردات (بالمليون بير) بضائع أخرى منتجات البترول منتجات المصانع الآلات ومعدات النقل النسيج الغذاء السنة قبل الإصلاح 2278.7 13.2 9.1 22.6 32.2 1.5 21.4 1986 2279.4 11.4 10.4 24.6 41.7 1.7 10.8 1987 22.46.0 14.8 9.9 21.1 29.9 0.8 14.5 1988 1967.2 12.9 11.3 31.9 33.6 1.7 8.7 1989 2225.7 12.6 11.9 23.6 - 2.0 12.5 1990 1081.7 9.7 19.3 25.2 38.8 3.0 4.0 1991 بعد الإصلاح 2251.8 11.7 30.4 17.0 24.7 4.9 11.4 1992 4074.9 5.5 25.8 31.0 24.7 2.3 10.8 1993 6147.0 7.6 22.7 22.2 25.9 2.7 18.4 1994 8086.6 12.9 22.6 20.2 30.5 2.6 11.2 1995

المصدر: أحصيت بواسطة أليمايهو جيدا Alemayehu Geda (1999) من بيانات الرسوم الجمركية.  

وعلى الرغم من أن الحكومة حاولت تحسين بيئة الاستثمار من خلال اتخاذ تدابير ليبرالية، فقد اجتذبت فقط عدد محدود من المستثمرين. ويلاحظ بيرهانو نيجا Berhanu Nega أن كمية الاستثمار الأجنبى المباشر فى إثيوبيا تعتبر قليلة. فوفقا لكلامه، يعتبر النقص فى الطلب، وعدم القدرة على منافسة الواردات الرخيصة، والنقص فى رأس المال، وصعوبة الحصول على الأرض بتكلفة معقولة، وعدم الكفاءة البيروقراطية تعتبر العوائق الرئيسية أما الاستثمار الخاص فى إثيوبيا (Berhanu 1999). أيضا، خلق موقف الحكومة إزاء الملكيات التى أممتها السلطة السابقة شكوكا حول مصير المستثمرين. وهكذا، "ظل معظم القطاع الخاص فى مجال التجارة والخدمات بالأساس بسبب أن مخاطر هذه الأنشطة ضمن الحد الأدنى حيث يضع المستثمرون أيديهم على أصولهم الثابتة فى شكل بضائع أو أموال طوال الوقت" (Befekadu 1994, 37). أيضا، قوضت برامج التكيف الهيكلى ظهور وتطور تراكم محلى لرأس المال من خلال اقتصاد معتمد على السوق. لقد حول التشديد المفرط على الاستيراد-التصدير معظم الأنشطة الاقتصادية بعيدا عن القطاعات الانتاجية، وربما أعاق، بالتبعية، نمو مجموعة رأسمالية حيوية (Mulugeta 1999). ويمكن لنظام السوق الحرة أن ينزع الطابع التصنيعى عن الاقتصاد. "من الممكن التفكير فى كيف يمكن أن تبقى الصناعات على المنافسة العالمية الحادة" (Befekadu 1999, 292). وبالمثل، فقد أعاق تصدير السلع الأولية، واستيراد البضائع الأجنبية الرخيصة، والمساعدة الخارجية محاولة تطوير تكنولوجيا محلية فى إثيوبيا. وكذلك، فإن "الارتباط بالاقتصاد العالمى من خلال الاعتماد على الصادرات لتولفير العملة الأجنبية لدفع الدين وخلق وضعا أصبحت فيه الدولة الأفريقية تدار من خلال التجارة عوضا عن أن تدير التجارة. ونتيجة لذلك، تخضع البلدان النامية للمحاسبة من قبل الدائنين والمستثمرين الأجانب والمؤسسات المالية الدولية والدول المصنعة أكثر من شعوبها (Fantu 1996, 150). ويجب أيضا ملاحظة أن من نتائج سياسة التكيف الهيكلى أنها تدفع الدول المرهقة بالديون إلى قبول صناعات ملوثة للبيئة (Yearly 1996). ومن الجدير بالذكر أيضا المواقف السلبية للشعوب إزاء الصناعات اليدوية أدى بالتساوى إلى إعاقة تطوير تكنولوجيا محلية فى إثيوبيا. فالناس تعتبر صناع الأدوات التقنية والصناعات اليدوية من المنبوذين اجتماعيا. والأمر المثير للسخرية أنه على الرغم من مواقفهم هذه، إلا أن الناس تستخدم أعمالهم. فعلى وجه الخصوص، اعتاد الحكام الاحتفاظ بالحرفيين المهرة، والخطاطين، والعازفين ضمن حاشيتهم بسبب أعمالهم المفيدة (Assafa 1996). وكما قال آتيه Atteh بشكل مقنع "فى كل أفريقيا تم تصميم صناعة العديد من الأدوات والصناعات اليدوية من خلال نظام الانتاج المحلى" (1992.012). ولكن "انحرافا نظريا نشأ عن طريق التفاعل بين أفريقيا وأوربا من خلال الاستعمار السياسى والثقافى والتكنولوجى أدى إلى عدم الاستفادة من المعرفة والتكنولوجيا المحلية الضرورية لسبل العيش والنمو والتنمية المعتمدة على الذات (Atteh 1992, 13). ويضيف آتيه: "إن تحويل هذه المواقف بواسطة القادة والنخب الأفريقية مما يمكن من الاعتراف بقيم وإمكانيات شعوبهم واستخدامها كبؤرة لتخطيط تنموى مستدام يعتبر ضروريا على وجه السرعة. وتعتبر المعرفة المحلية indigenous local knowlrdge الميراث الوحيد الذى يمكن من خلاله للأفارقة-ريفيين وحضريين- أن يستعيدوا بها ذاتهم بحق. إن التنمية التى تعتمد على مجرد نسخ انجازات الآخرين بينما تبخس انجازاتهم هى فى الحقيقية تخلف. فهى انكار لجذور المرء وتاريخه (1992, 13). إن انسحاب الدولة من الشئون الاجتماعية والبيئية ليس انتقالا مفيدا. إن التدخل من قبل دولة فعالة مطلوب من أجل تحسين الظروف البيئية والبشرية، ومن أجل تجنب الآثار السلبية للسوق الحرة التى ترفع سعر السلع الزراعية وغيرها من السلع الاستهلاكية. ولا يعنى هذا أن السوق الحرة عديمة الفائدة بشكل كامل. على العكس، يعتبر اقتراح الليبراليين الجدد بتقليص قصور الدولة وعدم كفاءتها أمرا مرغوبا فيه. ففى بعض الحالات، قد يكون لحوافز السوق تأثيرات إيجابية على البيئة. "إن المجتمع قد يصل بفعالية أكبر إلى الأهداف البيئية... من خلال إعادة هيكلة حوافز السوق عوضا عن تعيين الموارد مباشرة. الحوافز من أجل تقليص التلوث... خطط معتمدة على السوق التجارة الملوثة للبيئة ... على سبيل المثال... قد تكون أفضل بكثير من مقاربات "الأمر-السيطرة" command-control لتقليص التلوث" (Sagoff 1998, 551). وعلى الرغم من ذلك، فإن تعيين الموارد لمن يعرض أعلى ثمن من خلال السوق قد لا يحل المشكلات البيئية والتنموية. "ويمكن للتدخل الاختيارى والمنسق من قبل الدولة أن يحول الأسواق لأن تكون أكثر فعالية بما يخدم سلسلة من أهداف التنمية (Brohman 1996, 329). ويحتاج سكان الريف أيضا مساعدة من الدولة بخصوص الخدمات التى لا تستطيع الإدارة المحلية توفيرها على المستوى المحلى. وتتضمن هذه الخدمات توفير المساعدة التقنية، الائتمان الزراعى، توزيع عادل للموارد النادرة، دعم البحوث الزراعية والمنظمات الريفية. كما أن لتدخل الدولة دور عظيم لاقتصادات البلدان الضعيفة مثل إثيوبيا. "لا ينبغى على الدولة أن توفر القيادة السياسية فقط، بل عليها أيضا توفير القيادة الاقتصادية فعليها أن تلعـب دور رجل الأعمال والمنتج لرجال الأعمال الخاصين" (Befekadu 1994, 40). فمن الصعب على المنتجين المحليين منافسة الواردات التى تغرق الأسواق المحلية نتيجة لإزالة القيود الكمية والتعريفات الهائلة. فالقطاع الخاص الضعيف فى حاجة لدعم من الدولة. 3-3 المعرفة البيئية المحلية وحقوق الملكية الفكرية يفترض، فى ظل قانون براءة الاختراع فى البلدان الصناعية، استبعاد المعرفة البيئية المحلية من مجال براءة الاختراع. ويعنى هذا أنه ليس من المفترض أن ينطبق على اكتشاف منتج من الطبيعة والمعرفة المرتبطة به على أنها تفتقد إلى "الابتكار". وحسب أنطونى ستنسون Anthony Stenson وتيم جراى Tim Gray فإنه "فيما يتعلق بالمعرفة التقليدية، ليس هناك قانون واحد للإبداع، فهذه المعرفة ليست اكتشافا لفرد أو لمجموعة من البشر، ولكنها نتاج قرون من الخبرة الجماعية .. فى تلك الحالة لم يكن هناك على الاطلاق شخص واحد أو مجموعة من الأشخاص لهم حق الملكية الخاصة لهذه المعرفة" (1997, 190). فثمة اعتراف قليل القيمة من قبل البلدان والشركات الغربية بالمعرفة الخاصة بمختلف النباتات التى تستخدم كأساس للعقاقير المعتمدة على النبات فى الصناعات الدوائية. فالمصدر الذى يشكل معرفة السكان الأصليين يعد مشاعا وفى متناول اليد. وبالتالى، فإن إعتبار البشر مبدعين، يمكنهم من تحقيق أرباح والحفاظ عليها من خلال حماية الملكية الفكرية. وهكذا يبدو أن كل قيمة يجرى اختزالها فى أسعار السوق، وكل نشاط بشرى يختزل فى كونه تجارة. ويؤدى هذا بدوره إلى انكار إبداع البشر الآخرين ممن لا يستهدفون تحقيق أرباح ولكنهم يشجعون التبادل الحر للأفكار كأساس للإبداع. ويعنى هذا لماذا يجادل بوزى Posey وداتفيلد Dutfield بأن "حقوق الملكية الفكرية قد تكون فى خدمة المجتماعات المحلية، ولكنها بالأساس غير كافية وغير ملائمة لتوفير الحماية والتعويض الضرورين للحقوق الفردية والجماعية للسكان الأصلين ذات الصلة بمعرفتهم وثقافتهم ومواردهم. إن هذه الحقوق، فى حقيقة الأمر، أقرب لأن تكون ضارة بمصالحهم (Posey and Dutfield, 1996, 94 ). وقد سمحت حقوق الملكية الفكرية حديثا ببراءات الاختراع فيما يتعلق بالكائنات الحية. لقد اجتذبت التكنولوجيا الحيوية الامتياز على الأشكال الجديدة للحياة والبحث الكونى الشره عن البذور والنباتات المحلية لبراءة الاختراع والسوق، مع تأثيرات مدمرة على الزراعة والبيئة وحقوق الإنسان فى الأقطار النامية. وكما يصرح آتفيلد Attfield: "بينما تتحمل البلدان النامية كلفة الوقاية، فإنها نادرا ما تكون قادرة على جنى الأرباح الاقتصادية المرتبطة بذلك. فهذه الأرباح تذهب إلى صناعات التكنولوجيا الحيوية، والتى تسوق المنتجات التجارية للتنوع البيولوجى لأغراض زراعية ودوائية وأغراض مشابهة. ولكى تفعل ذلك فإنها تعتمد من أجل الوصول إلى التنوع البيولوجى وبصورة متكررة على معرفة المجتمعات المحلية، وغالبا بدون أن تدفع لهذه المجتمعات ولا لبلدانها" (1999, 141). وقد استخدمت البلدان الصناعية الاتفاقيات التجارية الدولية متعددة الأطراف مثل الجات ومنظمة التجارة العالمية لبسط سلطتها فى حقوق الملكية الفكرية على النباتات والحيوانات والكائنات المجهرية (Nijar 1996, 75). كذلك، مكنت الهندسة الوراثية البشر من تطوير كائنات جديدة متنوعة من خلال تحويل الجينات ذات الصفات المرغوبة إلى سلالات مناسبة. فقد طورت البلدان المتقدمة، على وجه الخصوص، كائنات جديدة متعددة الجينات اعتمادا على الجينات التى حفظت بواسطة الفلاحين وا