الديانة المصرية القديمة (كتاب 1996)

من معرفة المصادر

الديانة المصرية القديمة هو كتاب تاريخي من تأليف ياروسلاف تشرني صدرت من النسخة المترجمة للعربية عن دار الشروق للنشر في عام 1996. يتناول الكتاب الديانة المصرية القديمة.

محتويات

مدخل عام

إن الزمن الذي يتيسر لنا من خلاله متابعة التطورات والتغيرات الدينية في إطار حضارة واحدة متسقة ، لهو عادة في مصر زمن متطاول يمتد منذ تعرفنا على أقدم الوثائق المكتوبة التي ترجع إلى حوالي 3200 ق.م.(1) وحتى إحراز المسيحية لنصرها النهائي في القرن الثالث الميلادي(2) . وبدءا من بواكير هذه الفترة اكتسبت الديانة المصرية طابعا معقدا ومتطورا على الرغم من أخلاط البقايا التي ظلت عالقة بها من الممارسات الروحية لعصور ما قبل التاريخ (التي لم تكن الكتابة قداخترعت فيها بعد) .

والديانة التي ألهمتها العواطف البشرية يمكن إدراكها بإمعان أكثر بدراسة المدونات المحررة ، بينما تضمن علينا الشواهد الصامتة للأنشطة الإنسانية - في المراحل التي لم تجد وسيلة لتدوين المعطيات الفكرية لهذه الأنشطة في حضارة ما - بأي تفسير صحيح أو على ألأقل غير ممارى فيه عن حقيقة عالم العقائد الدينية .

فمن الصعورة البالغة أن نستخلص أو نصوغ نتائج محددة خاصة بالديانة في العصور الحجرية القديمة ، حيث لم يصلنا من هذه الدهور السحيقة لعصور ماقبل التاريخ المصرية سوى بعض أدوات صوانية خشنة عثر عليها في أماكنها الأصلية على الهضبة الصحراوية على جانبي النيل ، أو دفعت بها السيول من هذه الهضبة فيما بعد إلى وادي النيل . ولقد كانت كل من الصحراء الليبيةفي الغرب والعربية في الشرق تزخر في هذه الدهور بالخضرة وينتشر في أنحائها البشر والحيوانات . ونحو نهاية العصر الحجري القديم (3) ، بدأ عصر من الجفاف تراجعت فيه الأحراش عن الهضبة الصحراوية إلى الانحدار إلى مناطق المستنقعات والحياة النباتية في وادي النيل وعلى امتداد مجراه الطويل ، حيث تجد بشرا قد استقر بهم الحال في مستوطنات عديدة بالمواقع التي وصلوا إليها قرب حافة النهر وواديه مستهلين المراحل الأولى للثورة <<النيوليتية>>(4) عندما مارسوا الزراعة وإن يكن القنص - الذي كان مهنة الصيادين طوال العصور الحجرية القديمة - قد استمر في اداء دوره باعتباره أسلوبا هاما - وإن لم يعد بعد رئيسيا - في الحصول على الطعام . ويمكن أن نفسر بجلاء التنظيم المبكر لهذه المستوطنات في ضوء الطبيعة الخاصة لوادي النهر ، فهنا تربة وإن كانت غنية بخصوبتها ، تحتاج إلى الري بواسطة القنوات وإلى الحماية بدعم الجسور التي تحف بها وهي بدورها لا تنشأ إلا عبر الجهود المشتركة لجماعات منظمة .

ولقد عمرت كلمن مصر العليا والسفلى بهذه المستوطنات أو القرى البدائية من العصر <<النيوليثي>> أو الثورة الزراعية ، وإن كانت الأولى منها وحدها - وإلى حد بعيد - قد أميط عنها اللثام بواسطة الأثريين عن مستوطناتها ، في حين أن مثل هذه المستوطنات أصبحت حاليا في الدلتا راقدة ومدفونة بعمق تحت الطمى المتراكم الذي يجلبه النيل .

وهناك ثلاث مراحل حضارية يمكن تصنيفها في مصر العليا وتدعى على التوالي : حضارات ((دير تاسا والبدارى ونقادة))(5) وهي أسماء لقرى حديثة اكتشفت وميزت في جوارها لأول مرة البقايا المادية لهذه الحضارات . ولاتختلف هذه الأطوار الثلاثة في الفارق الزمني فقط ، ولكنها تتمايز أيضا في أشكال الفخار والأدوات الأخرى ، وفي الدلتا تبدو مستوطنة ((مرمدة بني سلامة)) متعاصرة مع طور حضارة ((دير تاسا)) بالرغم من الإختلافات بينهما ، ومن ناحية أخرى فإن البقايا في موقع المعادي والمتعاصرة مع المراحل الوسيطة والمتأخرة لحضارة ((نقادة)) تشير إلى أن الصعيد والدلتا قد بدءا الانتماء على ذلك الوقت المتأخر من عصور ماقبل التاريخ - إلى حضارة مادية متجانسة أو مشتركة .

ومن الصعوبة البالغة أن نفسر العادة المتعلقة بطريقة دفن الموتى والتي لم تتغير تقريبا طوال العصر (النيوليتي) وهي تتسم بتوسيد الموتى بشكل أو آخر في وضع القرفصاء ، والتي كانت سائدة أيضا في ذلك العصر كل أوروبا وشمال أفريقيا وغرب آسيا ، فالجسد كان يثوى والعمود الفقري منحني والساقان مثنيتان إلى الدرجة التي يلامس فيها الفخذان أحيانا الجسم ذاته ، بينما توضع اليدان أمام الوجه ، وقد اقترح علماء عصور ماقبل التاريخ عدة تفسيرات لإلقاء الضوء على هذه الظاهرة منها : الاقتصاد في المكان والجهد المبذول في إعداد المقبرة ، خاصة وأن الأدوات المستخدمة في الحفر تتسم ببدائيتها وصغرها ، ولكن يبدو أن ذلك لم يكن بالدرجة الأولىمن الأهمية ، بقدر الحرص على توسيد الجسد في أقرب الأوضاع الطبيعية إلى النوم ، فإذا صح ذلك التفسير الأخير فإن ذلك يقودنا إلى اعتقاد بأن القدامى يرون الموت ضربا من السبات والراحة التي كان الإنسان البدائي - نتيجة لما تفرضه ضرورات حياته الصعبةمن عمل شاق طوال حياته - يتوق إليها دوما .

ووضع القرفصاء الذي مارسه المصريون المبكرون والذي لايمكن تنفيذه إلى بعد الموت الفعلي مازالت تقوم بأدائه بعض القبائل الأفريقية الحديثة حيث تثنى جثث موتاها في موقف مشابه للغاية عند اقتراب الموت من إنسان . هذا ويمكن تفسير وجود بعض الدفنات بأجساد ممتدة أطرافها في عصور ماقبل التاريخ إلى أنها اكتشفت بعد وفاة أصحابها حيث بدأت على أثره في التصلب مماح ال دون تحقيق وضع الفرقصاء عمليا .

والوضع الإعتيادي للجسد المجثى في المقبرة كان الرقود على الجنب الأيسر كما هو الحال في (البداري) وطوال مراحل حضارة (نقادة) ثم استمر بعد ذلك في العصور التاريخية خلال الأسر الملكية الأولى وإلىوقت متأخر في الدولة الوسطى .

وفي نصوص الأهرامات الشهيرة يمكن استخلاص أن الملك الميت كان يسجى على جنبه الأيسر حيث كان مدعوا لأن ينهض ويستدير إلى جانبه الأيمن لكي يتلقى القرابين . وقبل (البداري) كانت أجسام الموتى ترقد على جنوبها اليمنى في حضارة (مرمدة بني سلامة) المبكرة كما كان الوضع كذلك في حضارة (العمرة) في مصر العليا .

ولقد كانت المقابر ممتدة على محورها الأطول من الشمال للجنوب فالشمال المحلي هو الاتجاه الذي يتدفق النهر دوما إليه في أي موقع ، كما أن رأس الميت كانت تتجه إلى الجنوب حتى يمكن للجسد أن يواجه الغرب . وعلى الرغم من ذلك ففي (مرمدة بني سلامة) كانت المقابر تخطط بحيث يمكن للموتى مواجهة الشمال أو الشمال الشرقي بينما في (العمرة) كانت أجسادهم تواجه الشرق . والقاعدة الأخيرة عينها كانت سائدة أيضا في العديد من مقابر حضارة (جرزة) وهي مرحلة وسيطة من (نقادة) ، وأيضا في موقع (طرة) الذي يرجع إلى قرب نهاية عضور ما قبل التاريخ .

والسؤال الذي يطرح نفسه علينا هو : هل للوضع الذي يرقد عليه جسد الميت أو للاتجاه الذي كان يوجه إليه ثم تغير هذا التوجيه من الغرب إلى الشرق أو الشمال - على سبيل المثال - معنى يحمل في طياته تطورا في العقائد الدينية ؟ والحق أن كل ذلك مازال يمثل مشكلة علمية لم تحظ بإجابات شافية ، لكننا نعرف أنه خلال العصور التاريخية كان المكان الذي يفترض أن الموتى سيتوجهون إليه هو الغرب ، فالصحراء الغامضة لا نهائية الإمتداد حيث تغرب الشمس أوحت لفكر المصريين القدماء أن هناك مرقدا تصوريا يتوجه إليه الموتى بدورهم ، بينما كانت الصحراء الشرقية هي الجزء الذي تشرق منه الشمس كل صباح ، وبمراقبة ظهورها اليومي توقع المصريون أن الموتى ستتجدد حياتهم بنفس النسق ، وهي كلها ظواهر طبيعية أوحت لمخيلة المصري منذ عصور ماقبل التاريخ بعادات الدفن المبكرة هذه ، وأيضا فإن تقليد وضع الجسد والرأس في اتجاه الشمال والذي عرفنا سببه الحقيقي من نصوص دينية متأخرة حيث كان يعتقد أن أرواح الموتى تقطن بين النجوم في السماء الشمالية ، ربما كان رجعا مجددا أو إحياء لعقيدة قديمة ظهرت في حضارة (بني سلامة) والتي قد يرجى بها اتجاه دفن الموتى في مقابرها .

وحوالي عصر (نقادة) الوسيط كانت الأواني المزخرفة تحمل رسوما يعتقد أنها لقوارب زود كل منها بقمرات على سطحها ، مازال الغرض منها غامضا حتى الآن ، وربما مثلت سفنا جنائزية في عبورها للنيل ، وأيا كان الأمر فقدعلا كل قمرة منها عمود مرتفع واحد أو مزدوج ، يعلق على قمته شكل حيواني على الأرجح ، بينما يوجد على منتصف المسافة من هذا العمود شريطان ربطا به يخفقان في الهواء ، ونستيطع أن نميز في هذه الرسوم عددا بسيطا من الحيوانات والأشياء مثل سعف النخيل وقمتين لجبلين وأحيانا ثلاث أو أربع قمم وشمس ، وهي علامات من السهل التعرف عليها ، وعلامة تشبه تلك العلامة التي كانت الرمز العقيدي المقدس للإله (مين) فيما بعد ، وفيل وظائر وغزال وماعز ، ومع ذلك كانت الغالبية من هذه الرسوم تمثل فنا تخطيطيا فجا ، لدرجة يصعب أحيانا تمييز مضمونها بقدر كاف من الثقة أو الترجيح ، وإن أمكن في النهاية التعرف على أربعة وعشرين مجموعة مختلفة منها .

ولاشك أن هذه الصاريات بما يخفق فوقها من رسوم - كانت تمثل رموز المعبودات المصرية المبكرة في عصور ماقبل التاريخ ، فهي تشبه كثيرا العلامات المقدسة المعروفة لنا من العصور التاريخية الملاحقة عندما كان الرمز الحيواني أو المادي للآلهة يرفع على صارية عالية تزين بعلمين ، وعلى ذلك فمن المعقول أن نخلص من هذه المقارنة بأن القوارب التي كانت تزخر بها أواني حضارة (نقادة) هذه كانت ترتفع رموز آلهتها المحلية فوق صاريتها إشارة إلى المدينة أو الميناء المحلى الذي تنتمي إليه .

والحق يقال أن هذا التعدد والإختلاف ف رموز المعبودات في عصور ماقبل التاريخ يتسق مع الحقائق الثابتة عن هذا التعدد والاختلاف للآلهة في المراحل التاريخية .

وعلى الرغم من اختفاء الكثير من هذه العلامات وعدم ظهورها في العصور التاريخية مرة أخرى فإن ذلك لايعد دليلا حاسما يحق لنا بموجبه أن نهدر الاستنتاج المذكور آنفا ، فالمعبودات المحلية كانت كثيرا ماتفقد أهميتها وتغوص في أعماق النسيان عندما يتفوق عليها آلهة أخرى منافسة تنتمي إلى أقاليم أو مناطق أضحت أكثر ازدهارا وأعظم قوة .

وعلى الرغم من قيمة الدليل الأثري الذي لايمارى فيه عند التصدي لدراسة العناصر المادية لحضارات عصور ماقبل التاريخ في مصر ، إلا انه يفقد هذه الأهمية نسبيا عند معالجة موضوع الديانة في هذه العصور ، فالقليل من المعلومات المحددة يمكن استخلاصها عن المفاهيم الجنائزية ، كما أننا لانعرف عن المعبودات في هذا الوقت أكثر من كونها متعددة وأن رموزها الحيوانية أو المادية كانت قد تبلورت بالفعل ، ومن هذه المعبودات يمكن أن تميز وبقدر من الترجيح (مين) إله مدينة (قفط) في العصور التاريخية ، وذلك من رمزه المقدس المرسوم على الأواني وعلى سطح إحدى (الصلايات) التي كانت تستخدم لتجهيز المساحيق والكحل اللازم لتزجيج العيون والتي عثر عليها في مقبرة من موقع (العمرة) يمكن نسبتها إلى عصر (نقادة) الوسيط . ومن المجلى أيضا أن تقديس الحيوان بشكل ما يعود إلى عصور قديمة حيث وجدت مقابر من حضارة (البداري) تخصصت لحيوانات منها الغزال والثور والكبش وابن آوى لفت أجسادها بعناية في الحصير أو الكتان .

ومن أواخر عصور ماقبل التاريخ وبداية عصر الأسرات وجدت مجموعة من اللوحات والصلايات الإحتفالية ورؤوس دبابيس القتال حفرت سطوحها بزخارف من رسوم تمثل أحداثا تاريخية ، وتحتل الرموز المقدسة للمعبودات مكانا مميزا وسط هذه التكوينات الفنية ، فعلى صلابة منها لصيد الأسود نجد رمزين كل منهما يمثل صقرا وثالثا يمثل شيئا لوزي الشكل يحمله عدد من الصيادين ، بينما تحمل صلابة أخرى لميدان معركة مغطاة أرضها بأجساد القتلى وطيور الصيد البرية ، وشارتين يعلوهما صقر وظائر (أبيس) زود كل منهما بذراع تقبض على أسير من عين الجنس الذي تنتمي إليه الأجساد الملقاة على أرض المعركة، وعلى صلابة ثالثة تحمل نقشا يمثل تدمير إحدى المدن أو القلاع ، توجد خمسة رموز يعلو اثنين منها حيوان ابن آوى أو الكلب ، والباقي يرتفع على قمتها على التوالي طائر أبيس وصقر وعلامة الإله (مين) المقدسة ، وتنتهي بيد قابضة على حبل من المؤكد أنه قد ربط به أسير بالرغم من تهشم الأجزاء التي تنتهي بها هذه الحبال حاليا . وقد نقش رأس دبوس قتال الملك العقرب الشهير برسوم لساريات رفعت فوقها أقواس وطيور مخنوقة ، بينما هناك رموز أخرى رفعت أمام الملك .

وعلى كل من صلاية نعرمر ودبوس قتاله - وهو الملك الذي يرجح أنه (مينا) الذي ذكرته المدونات المتأخرة - نجد تسجيلا معاصرا لأحداث توحيد مصر العليا والسفلى تحت سيطرة حاكم واحد بها مجموعة من أربع ساريات على قممها ابن آوى ثم شكل بيضاوي غامق (يشبه الرمز اللاحق للإله (خنسو) الطيبي) ثم صقرين ، وجميعها محمولة أمام الملك المنتصر .

وبالمقارنة فإن مثل هذه الساريات كانت تشاهد عادة خلال العصور التاريخية في مناظر الأعياد ومواكب الإحتفالات ، وحتى (كليمنت السكندري Clement of Alexandria) الذي كتب في القرن الثالث الميلادي يروى لنا أن المصريين مافتئوا حتى ذلك القرن المتأخر (يحملون في مواكب أعياد آلهتهم تماثيلا ذهبية تمثل كلبين وصقرا وطائر أبيس). وتظهر إلى جانب هذه الساريات نقوش مصاحبة لها تشير إلى صلتها الرمزية بآلهة معينة ، فعلى هذا كانت رموزا لمعبودات كان المصريون منذ بواكير حياتهنم يحملونها معهم إلى أرض المعركة أو ساحة الصيد أو في إحتفالاتهم بأعيادهم المقدسة .

ولقد كانت هناك فضلا عن ذلك ضرب آخر من ساريات الأعلام استخدمت في العصور التاريخية ، يكتب فوق كل منها رمز أو اسم مقاطعة أو إقليم من تلك التي كانت مصر مقسمة إليها إداريا ، أطلق عليها اليونانيون اسم (Nomoi) (قطاعات) . وكان عددها يختلف قليلا من مرحلة تاريخية لأخرى ، لكن الرقم التقليدي الذي وصلنا من العصور التاريخية في شكل قوائم بأسماء هذه الأقاليم كان اثنين وعشرين لمصر العليا وعشرين لمصر السفلى . وهي تمثل البقايا المتأخرة التي آلت إليها دويلات المدن المستقلة في عصور ماقبل التاريخ ، والتي اندمجت تدريجيا ثم وحدت بالقوة قبل العصور التاريخية في مملكتين إحداهما للدلتا والأخرى للصعيد (7) .

ولقد حملت هذه الأقاليم أو بقاياها المتأخرة أسماء يونانية مشتقة من أسماء عواصمها في الفترة البطلمية (فمثلا إقليم <<ليكونبوليس Lykonpolis>> كان اسمه المصري الأصلي <<سيوتي Siowtey>> والذي آل في النهاية إلى اسم أسيوط الراهنة) . وفي النصوص الهيروغليفية كانت أسماء هذه الأقاليم مصطحبة دائما على وجه التقريب برسوم صاريات الأعلام التي تمثلها ، ولعل أقدم هذه النماذج التي وصلتنا هو اسم الإقليم الخامس عشر من مصر العليا في عهد الملك (زيسر) مؤسس الأسرة الثالثة.

ولقد كان الإستقلال السياسي والتشرذم لأقاليم مصر في عصور ماقبل التاريخ يسير جنبا إلى جنب مع التفرق الديني لكل منها ، فكل إقليم له معبوده الخاص به ، يحمل اسمه الذي يظهر به في شكل حيواني أو مادي وتستطيع أن تقول إن الديانة المصرية في مراحلها المبكرة - شأنها في ذلك شأن الحياة الروحية للجماعات البشرية ف المراحل البدائية منها - كانت ديانة فتيشية (8) . فالمعبود المحلي هو إله المدينة وحاميها ، وكان ينظر إليه باعتباره السلطة العليا وسيد المدينة أو المقاطعة التي ينتمي إلهيا . واختفاء العديد من الآلهة المحلية هذه بمرور الوقت يعزى أساسا إلى تعاظم مكانة آلهة محلية أخرى منافسة لها ، بفعل تصاعد النفوذ الإقتصادي والسياسي للمدن أو الأقاليم التي تمثلها الأخيرة ، مما يفضى في النهاية إلى تضاؤل الأولى منها ورفعها إلى الظل تماما ، أو امتصاصها في أقانيم الآلهة الأعظم أهمية وفي حالات أخرى كان ذلك يأخذ صورة اندماج معبودين متشابهين في صفاتهما في كيان معبود واحد .

وقد كان لاستخدام الأعمدة أو ساريات الأعلام هذه للتعبير عن المعبودات المبكرة - أن اتخذ المصريون عند بدء اختراعهم للكتابة شكل هذه السارية كعلامة هيروغليفية للدلالة على المعنى العام للإله أو المقدس . وبالرغم من أن الأشكال المتأخرة لهذه العلامات الدالة على لامعنى المذكور أصبح يشبه كثيرا منظر فأس ، كان في مقدور علماء المصريات تمييزها دائما ، لكن التنفيذ المتقن المتطور ، والألوان التي أضفيت على علامة الفأس أخفت حقيقتها الأصلية التي خرجت من صلبها ، فالشكل الأول المبكر لها منذ عصر الأسرات يحمل بوضوح القطعتين اللتين تمثلان علمين يخفقان أفقيا فوق الصارية والتي تطورت بدورها من رموز صاريات معبودات عصور ماقبل التاريخ ، والتي كانت تخفق في شكل بيضاوي ، أو تتدلى رأسيا إلى أسفل ، وقد كانت العلامة الهيروغليفية المذكورة تقرأ (نتر nutjer) في اللغة المصرية ، ثم أصبحت تنطق (نتى nute) في اللغة القبطية بعد ذلك ، وهي الكلمة التي استخدمت للتعبير عن الإله المسيحي بعد ترجمة العهد الجديد أو الإنجيل إلى اللغة القبطية في القرون الميلادية الأولى (9) .

المعبودات الرئيسية في المرحلة المبكرة

ومن الأهمية البالغة الآن تقديم بيان عن المعبودات الرئيسية التي انبثقت من المرحلة (الفتيشية) المبكرة ، وسيتضمن ذلك البيان بالضرورةالمعبودات التي وردت في آثار الأسرات الأولى ، وكذلك بعضها الذي ظهر فقط في وثائق متأخرة . وإن عدم عثورنا حتى الآن على مظاهر لها ، أو كتابة عنها على الآثار المبكرة يمكن أن يغزى إلى الصدفة وحدها ، كما أن هذا السرد يرتكز أساسا على منهج تصنيفي طبيعي يعتمد على الرمز الحيواني أو المادي العقيدي وليس على أساس جغرافي ، كما يجدر أن ننوه إلى أن اعتمادنا أساسا على أسماء معبودات تنتمي إلى مصر العليا يرجع إلى نقص معلوماتنا عن الديانة (الفتيشية) المبكرة في مصر السفلى كما ذكرنا من قبل .

والحق أن يندر العثور على أشكال أو صور حيوانات أو أشياء مادية مقدسة ترمز مباشرة لمعبودات بعينها ، وإن كان استنتاج وجودها يتم في معظم الحالات من مناظر الحيوانات أو الأشياء التي تستخدم باعتبارها علامات في كتابة أسماء هذه الآلهة . وبعض هذه الحيوانات كانت ترسم في هذا الإطار السابق في مظهرها الحي أو مستقرة على قاعدة مزودة بصولجانات تيجان وريش ، أو ممثلة في أوضاع متنوعة وإن اختلفت من رمز لآخر . ونحن نقدر أن هذه الرسوم كانت لتماثيل أو أشكال منحوتة أصلا من الخشب أو الطفلة أو المعدن . ويؤيد ذلك ثبوت وجود تماثيل للآلهة منذ هذه الفترة البعيدة من حوليات ملوك الأسرات الثلاث الأولى ، حيث كان نحت تمثال منها ، يعد مناسبة أو حدثا هاما يؤرخ له في هذه الحوليات ، فعلى سبيل المثال أن السنة التي نحت فيها تمثال الإله (أنوبيس Anubis) ورد ذكرها في عهد الملك الثاني من الأسرة الأولى .

معبودات على هيئة الحيوانات والطيور

ولقد كان الإنسان المبكر ينظر إلى الحيوانات البرية - رغم كونها هدفا للصيد - نظرة ملؤها الهيبة والرهبة ، بسبب ضراوتها أو قوتها ، فعلى صلايات العصورا لمتأخرة لما قبل التاريخ نجد صورا للأسود والثيران الوحشية ترمز للسلطة المسيطرة ، وهي ترمز بالمثل للملك (نعرمر) في صلايته الشهيرة وهو يطأ تحت قدميه أعداءه الذين ألحق بهم الهزيمة . وظهرت اللبؤةوليس الأسد باعتبارها معبودة فعلية حاملة أسماء عديدة تختلف باختلاف أماكن تقديسها في البلاد فهي (ماتيت Matit) في الإقليم الثاني عشر من مصر العليا ، كما تظهر لأول مرة في مقابر الدورة القديمة (بدير الجبراوي Der el-Gabrawi)(10) ، وهي (محيت Mehit) في (ثنى This)(11) بالولاية الثامنة ، والتي يمكن أن نستشف آثار عبادتها في الأسرة الأولى ، وهي أيضا (بخت Pekhet)في موقع (اسطبل عنتر Speos Artemidos) (12) بالإقليم الثامن أيضا بالصعيد وإن لم نشهد عبادتها تحت الإسم الأخير إلا منذ الدولة الوسطى .

أما عقيدة الثور الوحشي فيمكن استنتاجها فقط من العصور المبكرة من ساريات أعلام عدة أقاليم في مصر السفلى ، وكذلك فرس البحر الذي عرف تقديسه فقط منذ عصر متأخر نسبيا ، هو عصر الدولة الحديثة ، بينما قدس التمساح في فترات لاحقة في موقع (الفيوم) وقد كان اسم المعبود التمساح (سوبكSubek) ، والذي حرفه اليونانيون في لغتهم إلى (سوخوس Suchos)(13) .

وقد عثر على العديد من التماثيل الصغيرة للقردة ، وكذلك رسوم لها على بطاقات عاجية ترجع جميعها إلى العصور التاريخية مما يرجح تقديسها منذ وقت مبكر ، وربما كان ممارسة عبادتها في مدينة (خمون Khmum) أو (الأشمونين) الحديثة بالصعيد الأوسط ، والتي أطلق عليها اليونانيون بعد ذلك اسم (هرموبوليس)(14) ، وقد سبقت هذه العقيدة عبادة الإله (تحوت Thoth) أو (جحوتي)(15) في (الأشمونين) ، ورمزه المقدس الطائر (أبيس) في هذه المدينة على مايبدو . والقراءة الأصلية لاسم القرد المقدس غير مؤكدة ، وإن كان اسمه بعد ذلك (هدج - ور Hedj-wer) بمعنى (الأبيض العظيم) أو (أنصع العظماء بياضا) .

أما الرمز الحيواني للمعبود (ست Setekh)(16) كما يظهر على أحجار مقابر الأسرة الأولى فهو يمثل حيوانا يشبه الحمار ، له أرجل طويلة وآذان طويلة أيضا مستعرضة وذيل قصير قائم . كما يبدو أن المصريين الأوائل حوروا ذلك الرمز منذ الدولة القديمة على الأقل إلى شكل حيواني غريب أقرب شبها إلى كلب رابض بعنق مستطيل وآذان مربعة ومقدمة وجه طويلة مقوسة وذيل قائم ، ولم يكن من المستغرب أن فشلت جهود علماء المصريات في تمييز الأصل الحيواني لهذا الكائن .

ولقد كان مهد الإله (ست) هو مدينة (إنبويت Enboyet) (أمبوس Ombos باليونانية) وهي في المقاطعة الخامسة من مصر العليا ، تقع بين الموقعين الحديثين لقريتي (نقادة) و(بلاص) ، ولقد ازدهرت (أمبوس) منذ عصور قبل الأسرات ، يدل على ذلك مقابر هذه العصور المبكرة والممتدة إلى جوار هذه المدينة . ومع قيام الأسرة الأولى انتشرت عقيدة المعبود (ست) خارج حدود المقاطعة الخامسة ، وأصبح (ست) (إله الوجه القبلي) والممثل لهذا الجزء بأسره من البلاد ، وغدا بصلاحيته هذه منافسا خطيرا لعقيدة (حورس Horus) ، وهي منافسة شكلت ملامح هذا الإله فيما بعد ، وكذلك مصيره وهو موضوع سنناقشه لاحقا في الفصل الخاص به .

ولقد كانت - عبادة (الغزال Oryx-antelope)(17) في المقاطعة السادسة عشرة من مصر العليا ثابتة من توارد ظهور هذا الحيوان رمزا لها ، وهناك مثال يمكن أن يستشهد به على ذلك في عهد الملك (زوسر) في الدولة القديمة ، وإن كانت عقيدة ذلك الحيوان المقدس قد انحسرت منذ وقت مبكر لحساب الصقر (حورس) .

ولقد قام المصريون باستئناس الكلاب منذ عهد قديم للغاية ، وذلك ربما لفائدتها أثناء طراد الصيد ، واختيرت أنواع عدة منها في أماكن مختلفة باعتبارها رموزا مقدسة وهي أنواع يصعب تمييز أجناسها العلمية حاليا بوضوح من الرسوم التي وردت فهيا . وكان أكثر هذه الأنواع ظهورا في هذه الرسوم ذلك الذي حمل اسم (أوبواوت Upuaut) (فاتح الطريق)(18) معبود (آسيوط) والذي يدل معنى اسمه هذا على طبيعته في الكشف والتجوال ، وربما كان ذلك الاسم مجرد نعت حيث أن اسمه الحقيقي والذي ورد منذ عصر مبكر تماما كان (سد Sed) والذي كان رمزه الذي يعلو ساريته يشبه تماما في مظهره رمز (أوبواوت) أو لواؤه يحمل أمام الملك في ساحة القتال أو مواكب النصر ، ويدل الإسم اليوناني (ليكونبوليس Lykonpolis) (لأسيوط) ومعناه مدينة الذئب ، أن الأغريق قدروا أن الحيوان المقدس للمعبود (أوبواوت) هو الذئب ، أو ربما كان كلبا وحشيا حيث أن (كليمنت الإسكندري Clement of Alexandria) قد أشار إليه بهذه الصفة الأخيرة لكن كان هناك على الأقل كلب حقيقي مقدس هو (أنوبو Anupew)(19) يعرف الآن باسمه الذي أطلقه عليه اليونانيون وهو (أنوبيس Anupis) وكانت عقيدته تمارس في عدة أماكن بالإقليم السابع عشر لمصر العليا ، والتي عرفت عاصمته في العصر اليوناني باسم (كينوبوليس Kynopolis) أي مدينة الكلاب - وكان الحيوان المقدس رمز المعبود (أنوبيس) يمثل راقدا وعلى ظهره ريشة نعامة . ومنذ زمن يصعب التكهن به كان (أنوبيس) إلها للموتى ، وحاميا للمدافن ، وقد يكون سبب ذلك هو أنه كان قديما ينبش القبور بحثا عن عظام الموى ، فكان تقديسه ضربا من التقرب الحادث له لاتقاء شره ، وإحالته إلى حامي من حماة عالم الأموات .

ولقد كان هناك رمز حيواني آخر له صلة وثيقة بالموتى هو (خنتي - أمنتيو Khenti - Amentiu)(20) ويعني اسمه (المقدم من أهل الغرب) وكما يظهر من اسمه فإنه كان الإله الأصلي لأيبدوس ، ثم اندمج بعد ذلك في الإله (أوزيريس) ووحد تماما في كيانه . كما ظهر كلب أو ابن آوى مقدس آخر منذ وقت مبكر في الأسرة الرابعة يبدو أيضا أن له صلة بالموتى حيث رسم في شكل محنط ، لكن لانعرف مركز عبادته الأصلي أو حتى اسمه .

أما الإلهة الأنثى (مافدت Mafdet)(21) ورمزها الحيواني المقدس هو الهرة أو ربما النمس ولقبها (سيدة قلعة الحياة) فقد كانت معروفة منذ الأسرة الأولى أنها المعبودة الحامية من لدغات الثعابين ، حيث كانت القطة المصرية وكذلك النمس دائما قاتلة لهذه الكائنات السامة وأيضا فإن مركز عبادة الإلهة (مافدت) الأصلي غير معروف .

والرخمة أو أنثى النسر كانت الرمز الحيواني المقدس للإلهة (نخبت Nekhbet)التي كان محل عبادتها في مدينة (أنخاب) أو (الكاب) الحديثة كما تحول إليه الإسم المصري القديم على مايبدو (22) ، وهي في المقاطعة الثالثة من الصعيد . ويبدو أن هذه الإلهة لم تمتلك اسما مميزا خاصا بها ، حيث أن (نخبت Nekhbet) يعني ببساطة (سيدة الكاب) . ولقد أضحت هذه الإلهة في عصر ما قبل الأسرات الإلهة الرئيسية للصعيد ، ورمزه الذي حمله ملوك عصر الأسرات في ألقابهم بعد ذلك طوال العصور التاريخية . ولقد كانت هناك إلهة أخرى يرمز لها أيضا بالرخمة هي العبود (موت رية أوشرور Mut of loshrew)وهي منطقة تعد جزءا من مدينة طيبة وإن لم يرد لها ذكر قبل الدولة الوسطى .

وعقيدة الصقر (حورس Horus) كانت لها أهميتها العظمى منذ عصور ما قبل التاريخ (23) واسمه بالمصرية القديمة (حرو Horew) يعني (الساحق) ، وهو اسم يناسب طائرا من طيور القنص يرقى في تحلق\يقه إلى مسافات عظيمة في ارتفاعاتها . وقد عبد حورس في العديد من المقاطعات التي انتشرت فيها عقيدته قادمة من مركز هام لها في (نخن Nekhen) أي (هيراكونبوليس) اليونانية (الكوم الأحمر) الحديثة في المقاطعة الثالثة من الصعيد . وإن كان يساورنا الشك أن هذا المركز هو الموطن الأصلي لهذه العقيدة ، وقد اختلف الدارسون في تحديد هذا الموطن ، فبعضهم يرى الموطن المبكر في مدينة (بحدت Behdet) بالدلتا على الرغم من أنه منذ وقت يعود إلى بدايات العصور التاريخية كانت مكانة (حورس) قد توطدت في (هيراكونبوليس) ، بل أصبح الرمز المقدس لملك مصر العليا الذي عرف بدوره باسم (حورس) باعتباره لقبا دالا عليه ، ولقد كان لحورس قارب يمثل فيه عابرا الأفق ، وهو بهذا كان يعبر عن طبيعته كإله سمائي .

وهناك مركز هام أيضا لعقيدة ذلك المعبود في الصعيد عرف باسم (بحدت Behdet) مكان مدينة (إدفو) الحديثة وعرف به تحت اسم (حورس) بحدتي أو الإدفوي . وإلى جوار ذلك كان الصقر الطائر المقدس رمزا للعديد من المعبودات الموجودة في مختلف المواقع بمصر والتي توحدت في وقت لاحق مع (حورس) . منها على سبيل المثال المعبود (خنت ختاي Khentekhtay)(24)ومركزه بلدة (أتريب) بالدلتا ، وقدعرفت عقيدته في عصر متأخر نسبيا ، وهناك إله صقر آخر من مدينة (حبنو Hebenu) أو (زاوية الميتين الحديثة)(25) في المقاطعة السادسة عشرة من الصعيد . كما أننا نعرف معبودا آخر تحت اسم (حورس الشمالي) ذكر في وثائق الأسرة الرابعة ، ومركز عقيدته في المقاطعة الثالثة عشرة بمصر الدلتا ، وربما أطلق في (هيراكونبوليس) . ولقد كان هناك أيضا معبودان من الصقور قدسا في كل من (قفط Koptos)في المقاطعة الخامسة و(أفروديتوبوليس) في المقاطعة العاشرة وكلاهما بالصعيد .

واسم وموطن الطائر المقدس (أبيس Ibis)(26) تلك التي كانت لها صلة وطيدة بالإله (تحوت Thoth)غير معروفين لنا ، وقد وجدت آثار هذه العقيدة منذ الأسرة الأولى . وتبدو ساريات أعلامه المرسومة على صلايات عصور ماقبل التاريخ مرجحة أصله الصعيدي . وقد حصل هذا المعبود على لقب (سيد خمون) (نسبة إلى (الأشمونين) الحديثة (هرموبوليس باليونانية Hermopolis) منذ الدولة الوسطى وأضحت منذئذ وحتى العصور المتأخرة في التاريخ المصري أعظم مراكز عقديته أهمية .

ولقد كان الصل أو الكوبرا الرمز المقدس للإلهة الأنثى (وادجت Wedjoyet) وهذا الاسم يعني (الخضراء)(27) وقد كان مركز عقيدته مدينة (بوتو Buto) في المقاطعة السادسة بمصر السفلى ، وقد أضحت هذه الإلهة رمزا لمملكة الدلتا وعاصمتها هي مدينة (بوتو) في ذات الوقت ، وقد أبقي على لقبها بعد التوحيد السياسي لمملكة الدلتا والصعيد ، وأصبح مع لقب المعبودة الرخمة (نخبت) رمزا مزدوجا للقطرين الموحدين(28) .

وعلى مايبدو كان غموض طبيعة الدورة الحياتية للضفدعة بالنسبة للمصريين هو الأمر الذي حدا بهم إلى تقديسها بسبب خصائصها الإخصابة تحت اسم المعبودة (حكات Heket)(29)منذ الأسرة الرابعة على الأقل ، وكانت عقيدتها مركزة في مدينة (أنتينوبوليس Antinoupolis) واسمها المصري (حيور Hiwor) بالمقاطعة السادسة عشرة من الصعيدة .

ومن المثير ندرة اتخاذ السمكة كرمز حيواني لمعبود ما ، ومن ذلك ماعرفنا عن الإلهة الدلفن (نرسNeres) أو ربما (نسر Neser)(30) منذ الأسرات الأولى ، وكانت رمزا للمقاطعة السادسة عشرة بالدلتا ، كما عرفت أيضا إلهة أخرى هي (حاتمحيت Hatmehit) منذ الدولة الوسطى في هذه المقاطعة (31) .

وقد انطبعت في مخيلة الفلاحين الشعبيين في مصر الخصائص المميزة لبعض الحيوانات التي ارتبطت حياتهم بها ، فالثور والكبش قد أثرا على هذه المخيلة بقدراتهما الإنتاجية وقواهما الإخصابية ، أما البقرة فقد ألهمت عنايتها الفائقة بوليدها وحنوها عليه مفهوم تقديسها كرمز للأمومة . وتعود عقيدة العجل (حابي Hapi) بالمصرية و(أبيس Abis باليونانية) (32) إلى الأسرة الأولى الأولى - على الأقل - في رمكز لها في مدينة منف ، كما أن عقيدة عجل آخر هو (مرور Merwer) بالمصرية و (منيفيس Mnevis باليونانية) إلى نفس الوقت تقريبا ، وإن كنا لم نتعرف عليها إلا متأخرا ، ونحن نعرف القليل - فيما عدا بعض الأسماء - عن بعض هذه العجول أو الثيران المقدسة وكلها على الأرجح من الدلتا ، منها على سبل المثال (العجل الأبيض) ، و(العجل الأسود العظيم) و (العجل العظيم) و (العجل المكرس) وكلها تظهر في الدولة لاقديمة ، وقد نالت درجة أقل أو أكثر من التقديس وبينما كان للإثنن الأخيرين كهنة أو خدم الإله ، فإن (العجل الأبيض) وكذلك (أبيس) لم يكن لهما إلآ سدنة أو حفظة فقد يقومون على رعايتهما لايرتقون إلى رتبة الكهانة ، ونعرف أيضا فضلا عن ذلك أن العجل (الأسود العظيم) كان رمز المعبود المقدس للمقاطعة العاشرة بالدلتا .

أما عقيدة (البقرة المقدسة) فقد وجدت لها عدة مراكز ، منها الإقليمان السابع والثاني والعشرون في مصر العليا والإقليم الثالث من الدلتا . وفي عصر مبكر للغاية كان الرمز الحيواني المقدس للإلهة (حتحور) في (دندرة) هو البقرة(32) ، متوحدة معها تماما ، ولذلك فإنه في الرسوم المبكرة يصعب التمييز بينهما حيث صورت على سبيل المثال على لوحة الملك (نعرمر) برأس إنساني وأذني وقرني البقرة ، كما ظهرت أيضا في هذا الشكل داخل مقبرتي الملكين (جر Ddger) (ومربابيا Merpabia) من الأسرة الأولى .

ومنذ الأسرة الأولى عرفنا عن وجود عقائد الكباش المقدسة وفي عهد متأخر عن ذلك عرفنا الإله (خنوم Khnum) 34) معبود جزيرة الفنتين في المقاطعة الأولى لمصر العلا ورمزه الحيواني المقدس الكبش ، وكذلك كبش (عنبت Anpet)(35) وربما أيضا كبش مدينة (منديس Mendes)(36) من المقاطعة السادسة عشرة لمصر السفلى وقد توحدا أو ارتبطا بشكل وثيق على ألأقل مع رمز عقيدي ثان لكبش آخر هو (حارشاف Harshaf)(37) ومعناه (الذي فوق بحيرته)وظهر في اليونانية باسم (حارسافيس Harsaphes) وذلك في مركز له بمدينة (هيراكليوبوليس Herakleopolis Magna) بالمقاطعة العشرين من الصعيد ، وجميع هذه الكباش تمثل أو تصور حية أو في وضع جالس فيما عدا واحد منها هو (خرتي Kherty) فيظهر في شكل كبش محنط وفي وضع الرقود ، وهو ينتمي إلى مركز ليست له أهمية قرب مدينة (يتوبوليس Letopolis) في المقاطعة الثانية بالدلتا(38) ، وكل هذه الكباش السابق ذكرها هي من الأنواع المصرية الأصل والمنقرضة خلال عصر الدولة الوسطى ذات القرون الأفقية والمتموجة والمعروفة علميا باسم (Ovis longiceps palaeoaegyptiaca) ، أما الكبش المقدس الذي كان رمزا للإله آمون فقد عرفناه فقط منذ الدولة الوسطى وبعدها ، وهو من النوع ذي القرون المقوسة والذيل العريض والذي عرف علميا باسم (Ovis platyura aegyptiaca) .

والإلهة (باستت Bastet) التي كانت القطة حيوانها المقدس ثبت وجودها منذ الأسرة الثانية على الأقل ، كما أن اسمها اشتق من اسم مدينة (باست Bast) (بوباسطس Bubastis في اللغة اليونانية) وهي مركز عقيدتها في الإقليم الثامن عشر من مصر السفلى ، والأرجح أن حيوانها المقدس لم يكن أصلا القطة بل اللبؤة(39) .

العقائد النباتية

ولقد كانت العقائد النباتية حتى بواكير العصور المعروفة لنا نادرة ، وإن كانت لدينا أدلة كافية على وجودها . فقد كانت هناك مقاطعتان بمصر العليا تحمل ساريات أعلامها رمزا في شكل أشجار يصعب علينا تمييز نوعها ، وإن كان من المحتمل أن تكون إحداها هي الشجرة المسماه (الدفلى) (أولياندر Oleander) من النوع الدائم الخضرة . وقد اعتبرت بعض الأشجار المعينة - خاصة الضخمة منها - قاعدة أو مثوى لبعض المعبودات ، فهناك شجرة جميز على مقربة من مدينة منف ، كان يعتقد انها مستقر لإلهة أنثى طيبة تنفع الناس ببركتها ، وقد وحدت مثل هذه المعبودات المرتبطة بمثل هذه الأشجار مع الإلهة (حتحور) منذ الدولة القديمة التي منحت لقب (سيدة الجميزة) . ولقد كان من المعتقد أن أرواح الموتى القادمة من المدافن المجاورة على شكل طيور تجد في ظل الجميزة الوارف حاجتها من الطعام والشراب ، تقدمها لها الإلهة الخيرة التي تقطن هذه الشجرة . والحق أن هناك نباتات ارتبطت باسم إله أو إلهة معينة وقدست نزولا على ذلك الاعتبار ، وإن لم ينظر إليها كرمز أو مظهر لهذه الإلهة المرتبطة بها .

عقائد مرتبطة بأشكال مادية غير حية

والعقائد المرتبطة بأشكال مادية غير حية هي ظاهرة (فتيشية) بالغة القدم في تاريخ الديانة ومنها المصرية ، شأنها في ذلك شأن العقائد الحيوانية والنباتية ، وقد ارتبطت هذه الأشياء المادية بالمعابد أو بالملك الحاكم ، وطبيعتها الأصلية البعيدة غير معروفة لنا في معظمها ، ويبدو أن قدامى المصريين حتى في عصورهم المبكرة جدا لم يدركوا أيضا كنهها . ففي مدينة (هليوبوليس Heliopolis)(40) - وهو اسمها اليوناني - كان هناك عمود أو نصب مقدس يسمى (يون Yon) اشتق منه الاسم المصري لها (إيونو Yonew) والذي عرف باسم (أون On) في التوراة بعد ذلك ، وكن يوجد في هذه المدينة أيضا حجر مقدس هو ال(بنبن Benben) على شكل مسلة ، قد تكون السبب في أن اعتبرت المسلات بعد ذلك رمزا ومستقرا للشمس المشرقة . كما عرف أيضا نصب أو عمود آخر هو ال(جد Djed) يأخذ شكل حزمة مضمونة من سيقان نبات غير معروف كانت تقدم له القرابين وتقوم على خدمته المقدسة كهنة مختصون به ، وهو مرتبط على نحو ما باإله (أوزيريس Osiris) منذ وقت مبكر ، على الرغم من أن العمود (جد) لم يكن مرتبطا أصلا بعقيدة أي إله بعينه ، كما كان هناك عمود آخر خشبي ، له تاج في شكل زهرة البردى تعلوه - بدوره - ريشتان وهو الرمز المادي المقدس للمعبود (أوخ Ukh) إله مدينة القوصية (قرب مدينة (مير) الحديثة) ف يالمقاطعة الرابعة عشرة بالصعيد ، ويبدو أنه لم يكن ف الأصل سوى نصب ارتبط على نحو ما مع العقيدة المحلية للإلهة (حتحور) هناك .

وقد اعتبر الكثير من رموز السلطة والقوة كالصولجان والعصى وعلامات الملكية بمثابة أشياء مقدسة ، فالصولجان (سخم Sekhem) ويعني اسمه (القوة) كان يرمز للسلطة وهو محل لقوى إلهية تحبوه بقداسته ومضمون ما يرمز إليه ، وتحمل الآلهة بدورها صولجاناتها الخاصة بها ، وتلقى عبادة خاصة بها في معابدها . وعندما أضحت مدينة (أبيدوس) مراكز عبادة (أوزيريس) كان صولجان هذا الإله - ويطلق عليه أيضا اسم (سخم) - له قداسته الخاصة ، وقمة هذا الصولجان الأوزيري عبارة عن غطاء ذهبي له وجه إنساني تعلوه ريشتان ، وفي وقت متأخر مثل هذا الغطاء الذهبي برأس بشري مكتمل ربما من اعتقاد سائد بأن رأس الإله (أوزيريس) قد دفنت بعد مصرعه المأسوي في منطقة أبيدوس(41) ، أما صولجان الإلهة (إياموت Iamut) فهو يعود في أصله إلى ماض بعيد ، وكان على شكل عصا راع تعلو قمتها ثلاثة وربما أربعة أضلع خشبية أفقية الشكل ومقوسة في طرفيها ، وكذلك يعلو قمة هذه العصا بالإضافة لذلك ريشة واحدة .

وربما تعود قداسة اللحية الإحتفالية للملوك وهي لحية صناعية إلى عهد الملك (واجت أو جت Djet)(42) من الأسرة الأولى وكانت ترمز لقوة مقدسة غامضة تسمى (دواور Dua-wer) وتعني تقريبا (المنتمي العظيم للفجر) . ويعد الدرع الذي يحمل سهمين متقاطعين هو الرمز المادي المقدس للإلهة (نيت Neith) ذات الطبيعة الحربية وهي من أقدم المعبودات التي نعرفها ، وموطن عقيدتها الأصلي هي مدينة (سايس Sais)(43) عاصمة المقاطعتين الرابعة والخامسة بالدلتا ، وقد انتشرت عبادتها بعد التوحيد السياسي للقطرين في الصعيد بمثل ماكانت منتشرة في الدلتا من قبل .

أما الإلهة (سشات Seshat)ربة الكتابة(44) فكان يجسدها أصلا عمود أو نصب على قمته شكل نجم ، بينما كان رمز المعبود (حا Ha)(45) رب الصحراء الغربية هو شكل سلسلة جبلية من قمتين أو ثلاث ترتفع على سارية أو لواء ذك الإله ، أما الرب (إميوت Imiut) أو (الملتف في أربطته) فكان رمزه المادي المقدس هو عمود أو نصب معلق به جلد حيواني ، وقد وحد (إميوت) مع الإله (أنوبيس Anubis) رب الموتى منذ بداية الدولة الوسطى ، وأخيرا كان هناك عمود أو نصب الإله (مين Min) الذي ألمحنا آنفا إلى ظهوره على إحدى صاريات حضارة (نقادة) قرب نهاية عصور ماقبل التاريخ ، وإن كان طبيعة هذا العمود مازالت غامضة ، بل وأحيانا تختلف صورة بعضها عن البعض ، وإن كان ظهوره في عصر (نقادة) أخذ شكل نصب منحوت من حجر أو خشب قد يكون سهما أو حربة ذات رأسين .

والإنتقال العام من مفاهيم ومظاهر الديانة (الفتيشية) بأصولها الحيوانية والنباتية ، أو بأشكالها المادية غير الحية - وعلى النحو الذي عرضنا له - إلى الصورة البشرية أي (أنسنة) المعبودات - إذا صح التعبير - حدث على أرض مصر عندما أحرزت الحضارة المصرية درجة معينة من التمدين ، كما كان الشأن في الحياة الزوجية للشعوب الأخرى . وقد نجم هذا التطور من خلال اتجاهين حفرا مجراهما في تاريخ البشر الفكري ، أولهما انجلاء الكثير من الغموض ومن ثم الرهبة والافتتان بمظاهر الحياة الحيوانية والنباتية من جانب ، وعالم الطبيعة أو المادة غير الحية من جانب آخر ، وذلك باتساع نطاق معرفة البشر عن هذه العوالم ، وثاني هذين الإتجاهين هو تراجع تقدير المزايا الحيوانية أو الطبيعية البحتة مثل جبروت قوة الوحوش أو القدرات الفائقة لتحليق الطيور الجارحة ، أو لغرائز الأمومة في إناث الحيوانات وغيرها من المظاهر . وقد أفضى كل ذلك إلى ازدياد القوى التجريدية لدى البشر ، فأضحت القيم المعنوية أعظم تأثيرا ، وهي القيم التي تطورت وتبلورت مظاهرها في الإنسان أكثر من أية كائنات أخرى ، فالمعبودات التي يعزي إليها قدر جليل من المعرفة والقدرة ، أصبحت تمثل في صورة إنسانية في النهاية . وعلى ذلك فإن وضع الآلهة في هذه الصورة هي علامة تحدد المرحلة الأخرة لهذا التطور ، وإن كانت هذه الصورة لم تشمل كل الآلهة ، كما لم تتأثر بها كل طبقات السكان بنفس القدر . فبينما الطبقات العليا منهم والمتعلمة قد ارتفعت إلى مصاف المفاهيم الإنسانية لآلهتها ، نجد العامة الأكثر بدائية من المزارعين استمروا أكثر احتضانا للمفاهيم الحيوانية والنباتية أو المادية القديمة ، أي لم يكادوا يتجاوزون كثيرا مرحلة الديانة (الفتيشية) .

أرباب في صور بشرية

ويبدو أن إسباغ الأشكال والصفات الإنسانية قد بدأت منذ وقت مبكر منذ نهايات عصور ماقبل التاريخ ، ففي الصلاية الإردوازية للملك (نعرمر) في بداية عصر الأسرات نجد رسم معبود ذي وجه إنساني وإن حمل ذلك الوجه أذني بقرة(46)، وربما كان هذا الرسم يدل على الإلهة (حتحور) . وقد وجدت ثلاثة تماثيل للإله (مين Min) عثر عليها في كوبتوس Koptos)تعود تقريبا إلى نفس الفترة ، وهي منحوتة في شكل بشري يبدو منه عضو الإخصاب المميز للإله مين ف وضع (الانتشار) ، والجسد عار إلا من حزام ، والرجلان ملتصقتان ببعضهما بنيما الذراعان مشدودان إلى الجنب والرسغ الأيمن به حفرة لعلها كانت أصلا موضع تثبيت السوط الذي يعد أحد علامات الإله (مين) في عصوره التاريخية اللاحقة ، ورأس واحدة من رؤوس التماثيل الثلاثة غير محطمة وإن شوهت ملامحها تماما رغم آثار اللحية الصناعية على وجنتيه ، كما توجد أشكال مختلفة محفورة على سطوح التماثيل تمثل أسماكا وأصدافا لها علاقة بالبحر الأحمر على مايبدو . والأمر الأكثر أهمية أن تمثالين منهما يحملان شكلا غير مميز الأصل ، أصبح في العصور اللاحقة كعلامة هيروغليفية استخدمت في كتابة اسم الإله (مين) ويزيد ارتفاع اثنين منهما أيضا على افتراض أن حالتيهما الأصلية كانت أربعة أمتار .

وقد سجلت حوليات ملوك الأسرة الأولى مناسبة نحت تمثال لذلك الإله . وكتب اسم (مين) بهيئة آدمية ممسكا بيده اليمنى سوطا مرفوعا . وفي عهد الملك (بر إيب سن)(47) من الأسرة الثانية كانت الإلهة (وادجت Wedjoyet)تمثل على الأختام بوجه وجسم بشري ، وكذلك الإله المدعو (آش Ash)(48) رغم أن رأسه أحيانا يشكل على هيئة بشرية ، وأحيانا أخرى علىه يئة رأس شبيه برأس الحيوان المقدس للإله ست . وهناك أثر منقوش - من معبد في هليوبوليس - للملك (زوسر) مؤسس الأسرة الثالثة يحمل رسوما لآلهة صورت جميعا في هسئة بشرية .

ويبدو أن مفهوم توحيد الإله (جورس) بالملك الجالس على عرش ، والذي يمكن إرجاعه إلى نهايات عصور ماقبل التاريخ ، قد أثر إيجابيا على التطور نحو تصور الآلهة بشرا ، فصقر (حورس) الذي كان يقبع على ساريات الأعلام استخدم في الكتابة الهيروغليفية خلال المراحل المبكرة من الدولة القديمة كعلامة للتعبير عن معنى إله أو معبود . وقد استبدلت هذه العلامة منذ الأسرة السادسة بعلامة أخرى تمثل شخصا جالسا ذا لحية للدلالة على الإله .

ورغم أثر الكتابة الهيروغليفة نسبيا باتجاه تصور أشكال المعبودات على هيئة بشرية ، إلا أنه كقاعدة عامة كان ذلك في نقاط محدودة للغاية . إذ ظلت أسماء المعبودات - طوال التاريخ المصري - تكتب بوساطة صور الكائنات الحيوانية أو النباتية أو الأشياء المادية غير الحية التي ارتبطت بها في أصولها البعيدة كما ذكرنا .

والعادات الفكرية المحافظة للمصريين جعلت من الصعب التخلي تماما عن كل الخصاص الحيوانية كرموز لمعبوداتهم .

وقد كان من غير الممكن لديهم الإحلال التام لفكرة جديدة محل أخرى قديمة ، وهم إما أن يسمحوا للفكرتين بالتعايش جنبا إلى جنب حتى وإن تجاهلوا تناقضا واضحا في بنية هذا التعايش الملفق ، وإما - إذا أمكن - أن يمزجوا الفكرتين معا في مركب واحد ، فعلى ذلك كان الإله يصور غالبا بجسد بشري ، لكن نادرا ما يعطي أيضا رأسا إنسانيا ، بل يصور عادة برأس حيواني مع جسد بشري وهو الرأس الذي اعتاد المعبود الظهو به في الأصل فالإله (حورس) يصور بجسد إنسان ورأس صقر بينما (أنوبيس) يحمل على جسده الإنساني رأس ابن آوى أو ربما كلب وهو حيوانه المقدس ، أما (ختوم) فكان يحمل رأس كبش ، وكانت هذه الإضافة أو المزج بين الرأس الحيواني والجسد البشري يتم بمهارة ومقدرة فنية فذة ، حيث كانت الرقبة تغطيها طيات غطاء الرأس الذي يرتديه الإله ، وكانت الإلهة (حتحور) رغم أنها تحمل رأسا بشريا ذا وجه أنثوي إلا أن الرأس زود أيضا بقرني بقرة بينهما قرص الشمس ، ولقد كانت الإلهة (مافدت Mafdet) تصور في شكل إنساني كامل غير أن كساءها الذي ترتديه أشبه مايكون بجلد قطة وهي حيوانها المقدس ، وكذك الإلهة (حات محيت Hatmehit كانت تظهر في جسد ورأس بشري تام أيضا ، لكنها كانت تحمل على رأسها رمزها الحيواني المقدس وهو السمكة ،وقد تم تقديم نفس الحل السابق للآلهة التي يرمز لها بشكل مادي غير حي فالمعبودة (نيت) كانت تصور إنسانا بالكامل لكنها كانت تحمل درعا عليه سهمان متقاطعان ، أما الإلهة (سشات) فكان رأسها البشري الأنثوي متوجا بشكل يشبه النجمة مثبتا علىق مة عمود أو سارية(49) .

وأخيرا فإن هناك معبودات لاتمثل إلا في هيئة بشرية كاملة بجسد ورأس إنساني مثل الإله (مين) سيد (قفط) والإله (بتاح) سيد (منف) والإله (آتوم) سيد (هليوبوليس) وألإله (آمون) سيد (طيبة) . ويبدو أنها مثلت كذلك منذ البداية ، لكن نزولا على منحى التطور الذي اتبعته الأفكار المتعلقة بالمعبودات في مصر ، فإنه يصعب علينا تجنب الراي القائل بأن هذه الآلهة ذات الهئة الإنسانية الكاملة إنما ترجع إلى مرحلة متأخرة نسبيا في تطور الديانة المصرية وإن كان منها المعبود (مين) الذي قد سبق في مظهره الإنساني بداية التاريخ المصري أو يعود بهذا المظهر إلى الأسرة الأولى على أكثر تقدير .

وأقدم تمثيل معروف لنا للإله (بتاح يوجد على إناء من الألباستر عثر عليه في منطقة (طرخان Tarkhan) ويعود تاريخه إلى حكم الملك (أوديمو Udymu) خامس ملوك الأسرة الأولى ، وعرف الإله أتوم خلال الدولة القديمة ، أما المعبود (آمون) فقد ظهر فقط منذ عصر الدولة الوسطى ، وفارق القدم بنين الإلهين (مين وبتاح)من جانب وبين (أتوم وآمون) يبدو واضحا من خلال اختلاف الحلول التي لجا لها لافنان في تمثل الهيئة الإنسانية التي ظهروا بها ف(أتوم وآمون) وغيرهما من المعبودات التي اكتسبت مظهرها البشري في وقت أحدث نراها رغم ذلك محتفظة لبعض الوقت برؤوس حيواناتها المقدسة أحيانا ، بنيما مثلت أرجلها وأيديها في أثناء سيرها بصحة ودقة فنية ، بينما كان (بتاح ومين) يظهران دائما كتماثيل فوق واعد بأرجل مضمومة إلى بعضها وأيد جامدة لاتكاد تنفصل عن الجسد ويعود ذلك إلى أن فنون النحت في العصور البدائية لم تكن أحرزت بعد تقدمها اللاحق بما يكفي للسماح بأعضاء الجسم بالانفصال الذي تطلبه مظاهر الحركة أحيانا عن جسد التمثال .

ومن الآلهة الأخرى كان (أوزيريس) فقط وإن لم يكن دائما هو الذي يشارك الإلهين (مين وبتاح) هذه الخاصية التصويرية ، وهي حقيقة تؤكد بدورها الأصل المبكر (لأوزيريس) في الوثائق المكتوبة منذ النصف اثاني للأسرة الخامسة ، وإن كان عمود (جد) الذي وجد في إحدى مقابر الأسرة الأولى في حلوان اعتبر دائما دليلا على ألأصل المبكر للإله (أوزيريس) وإن كان يجدر بنا التحفظ في قبول ذلك الدليل حيث إن صلة عمود (جد) كرمز من رموز الإله (أوزيريس) لم تتحقق فيما يبدو إلا في عصر لاحق .

ولقد كان تأثير المتغيرات السياسية هو السبب إلى حد كبير في مصائر العديد من الآلهة في العصور التاريخية ، كالإختفاء التام لبعضها من على مسرح الحياة الدينية ، أو صعود البعض الآخر منها إلى المقام الأكبر ، أو التغير التدريجي في صفات وطبيعة العديد منها ، فالتطورات السياسية أدت أولا إلى توحيد المقاطعات المنفصلة إلى أقاليم ، وهي بدورها في النهاية اندمجت في وحدتين سياسيتن كبيرتين هما مملكتا الدلتا والصعيد ، ثم وصلت هذه التطورات السياسية إلى نهايتها باتحاد هاتين المملكتين في وحدة كبرى ضمت القطرين مصر العليا والسفلى تحت عرش واحد (50)

الآلهة الرئيسية

وقد أدت هذه الأحداث السياسية إلى علاقات متقاربة بين الآلهة المحلية ، فقد أصبح إله عاصمة ألإقليم - المعبود الرئيسي في الإقليم ، بينما انزوت الآلهة الأخرى إلى مصاف المعبودات الثانوية ، أيضا أضحى إله العاصمة السياسي للمملكة الموحدة بمثابة الإله الأكبر لها جميعا . وفي مجرى هذا التطور حجبت أو ضمرت بعض المعبودات لحساب الآلهة الأكثر أهمية ، أو امتصت واندمجت فها تماما فاقدة قوامها الفردي ، منتهية بذلك إلى النسيان ، وقد عمد كهنةوأتباع الآلهة المحلية المهددة إلى النضال من أجل الحفاظ على آلهتها من هذا المصير ، فأعلنوا أن معبوداتهم ماهي إلا مجرد أقنوم من أقانيم الإله الرئيسي لايختلف معه في جوهر صفاته الخاصة إذا كانا يحملان بالفعل ملامح مشتركة بينهما ، وقد تم على مدى الزمن التوحيد بين الكثير من المعبودات بدرجات مختلفة تتراوح بن المزج التام واختفاء أحدها كليا في كيان الآخر ، أو ظهور المعبود الأقل أهمية كمجرد نعت يضاف إلى ألقاب الإله الأعظم نفوذا وأهمية . فقد امتص (بتاح) إله منفق على سبيل المثال المعبود (سوكر) إله جبانة سقارة فأصبح الأخير لايظهر بعد ذلك إلا في شكل (بتاح - سوكر) وهناك أسلوب آخر لجأ إليه كهنة الآلهة القديمة للحفاظ على كيانها وذلك بإدخالها عضوا في ثالوث إلهي مقدس مع آلهة رئيسية بجعل دورها بينهم دور الزوج أو الزوجة أو الإبن . والنماذج هنا شهيرة في تاريخ الديانة المصرية ، ففي مدينة (أنتينوبوليس Antinoupolis) زوجت الإلهة (حكات) من الإله الكبش (خنوم) وفي منفق ضم ثالوثها المقدس المعبودة اللبؤة سخمت كقرينة للإله (بتاح) بينما لعب الإله (نفرتوم) دور الإبن والعضو الثالث في الثالوث المنسوب إلى منف .

ولقد تم توحيد مصر تحت تاج ملكي واحد بمبادرة من أحد ملوك (هيراكونبوليس Hierakonpolis) بالصعيد والتي كان إلهها الحامي الصقر (حورس) المعبود السمائي وقد توحد (حورس) مع ملك مصر العليا الذي حمل علاوة على اسمه الشخصي اسم (حورس) باعتباره التجسيد الحي لهذا الإله .

وبذا غدا (حورس) إله المنتصرين ، وأيضا إله الدولة الموحدة الجديدة . ويبدو أن هذا التوحيد السياسي تم بمعونة جوهرية من مدن وأقاليم الصعيد الأخرى مثل (أمبوس Ombos وخمون) (هرموبوليس أو الأشمونين) لأن معبوديهما (ست وتحوت) على التوالي كانت لهما مكانتهما الهامة فيما بعد في عصر المملكة الموحدة وهي أهمية لم تنكر على الإله (تحوت) الذي اعتبر دوما أحد المعبودا العليا ، أما الإله (ست) فقد أسبع عليه لقب (سيد الصعيد) وأصبح منافسا (لحورس) نفسه ، لدرجة أن الملك اعتبر منذ زمن الأسرة الأولى تجسيدا لكل من (حورس وست) معا ، بل لقد أصبح اسم الحورى المرتبط باسم (حورس) منذ الملك (خع سخموي Khasekhemui) من الأسرة الثانية هو (حورس - ست)والذي حمله الملك وأمر بنقشه حتى على أحد الأبواب الجرانيتية في معبد الإله (حورس) (بمدينة (هيراكونبوليس) ، وفي لحظة تاريخية أحرز (ست) تفوقا حاسما على (حورس) وذلك عندما استبدل الملك (بري إيب سن) من الأسرة الثانية الإسم الحوري المزدوج باسم (ست) فقط ثم أثبتت العودة اللاحقة من الملوك التاليين إلى الاسم حورس مرة أخرى (51) ، وإن هذا التفوق لم يكن مجرد تمييز مؤقت . ويبدو أن هذه المنافسة المبكرة بين (حورس وست) كانت هي الأساس التاريخي في تقديم (ست) في أسطورة أوزيريس وحورس) باعتباره منافسا وعدوا لهما .

ومازال علماء المصريات غير متفقين في تحديد الموطن الأصلي للإله (حورس) . فبينما يعتبره البعض أحد الآلهة التي تواجد لها العديد من المراكز العقيدية في عصور ماقبل التاريخ في مختلف بقاع مصر لعليا والسفلى على حد سواء ، لكن مركز عقيدة (حورس) في الصعيد هو الذي يمكن أن نعتبره الأصل لعقيدة (حورس) الملكية في العصور التاريخية ، والبعض الآخر يفسر الأدلة الآثارية تفسيرا مغايرا ، فهم يعتقدون أنها تشير إلى وجود مملكة للوجه البحري في وقت ما في عصور ماقبل التاريخ ، وأن عاصمتها مدينة (بي Pe) (أو بوتو في العصور التالية) كان (حورس) هو إلهها الحامي . وفي تقديرهم أن مملكة الشمال هذه قد غزت مملكة الصعيد التي كانت عاصمتها في ذلك الوقت المبكر مدينة (إنبويت Enboyet) (أو أمبوس بعد ذلك) والتي كان الإله (ست) معبودها الرئيسي . وقد استزرع الغزاة الشماليون عقيدة (حورس) في إدفو أو (بحدت) في الصعيد الأعلى ، وطبقا لهذه الفرضية كان في الأصل إله الدلتا قبل انتقال مراكز عقيدته إلى الصعيد ، وبعد انفصال مصر مرة أخرى إلى مملكتي الدلتا والصعيد المستقلتين أصبح (حورس) معبودا رئيسيا في كل منهما ، ولقد لعب (حورس البحدتي) أو الإدفوي دورا بالغ الخطر في عقيدة الملكية المقدسة وفي الديانة المصرية منذ عهد الأسرات .

ويجدر بنا أن نقر بعدم توفر معلومات جازمة حتى الآن عن متى وكيف أتت عقيدة (حورس) الصقر إلى (بحدت) أو ادفو ، خاصة وأن نصوص الأهرامات وهي أشمل مجموعة للأدب الجنائزي الديني نقشت نصوصها داخل أهرامات الأسرتين الخامسة والسادسة لم يرد بها أي ذكر لحورس ، وماعلينا إلا أن ننتظر ظهور مادة أثرية جديدة لاتخاذ موقف محدد بين الفرضين السابقين .

وقد انتقل الملك (مينا) بعد توحيده للقطرين إلى الشمال في منف التي أصبحت لعدة قرون لاحقة - العاصمة السايسية للبلاد ، بل استمرت دائما إحدى المدن الرئيسية والهامة بعد ذلك ، وعلى أية حال لم يكن من الصعب على (بتاح) الإله الرئيسي للمدينة أن يوطد مركزه في الدولة الجديدة والحفاظ على مكانته طوال التاريخ المصري دون أي مساس أو تغير جوهر طبيعته الإلهية أو صفاته لحساب أي معبود مصري آخر .

وعلى مسافة لست بعيدة عن منف كان هناك مركز ديني هام آخر في مدينة (يونو yonew) (أو هليوبوليس في اللغة اليونانية) وهنا كان يعبد إله الشمس (رع) ، وكان لايظهر في أي شكل حيواني أو بشري . وعند الضرورة كما يمثل في شكل قرص الشمس ويبدو أن العقيدة الشمسية كانت تتمتع بشعبية عظمى في مصر السفلى حتى قبل عصر الأسرات ، وأنها تغلغلت بقوة في مفاهيم الملكية المقدسة في الدلتا ، وعندما تأسست العاصمة الجديدة منف فإن ملوك مصر العليا المنتصرين والذين كانوا التجسيد الحي للإله (حورس) دخلوا بدورهم في بزوغ إله مركب هو الإله (حور آختي) أي ؛حورس الأفق) وأصبح الملك الذي كان موحدا من قبل مع (حورس) ينظر إليه أيضا باعتباره ابن الإله (رع) أي ابن الشمس .

ومن المحال تحديد اللحظة التاريخية التي احتضنت فيها عقيدة الشمس مفاهيم الملكية الجديدة ، والدليل المبكر في هذا المجال يبدو في اسم ثاني ملوك الأسرة الثانية (رع - نب) والذي يعني (رع السيد) ، كما أن الملك (زوسر) من الأسرة الثالثة حمل لقب (رع الذهبي) ويبدو أن كلا الملكين السابقين وحدا أنفسهما مع (رع) وإن كان ذلك باعتبارهما أبناء له ، لكن ذلك التوحيد لم يكن طويل الأمد حيث تخلى الملوك اللاحقون عن ذلك ، ثم كان (خفرع ومنكاورع) من الأسرة الرابعة هما أول ملكين يضيفان لقب (ابن رع) أي (ابن الشمس) إلى ألقابهما ، كما حمل ذلك اللقب أيضا ثلاثة ملوك قرب نهاية الأسرة الخامسة هم (ني وسررع ، وجد كارع ، وأوناس) ، ثم أصبح ذلك اللقب جزءا لاينفصم أبدا عن أسماء الملك منذ الأسرة السادسة وحتى نهاية التاريخ المصري القديم ، كما كان هذا اللقب يتقدم الاسم الشخصي للملك الذي ولد به . وبذلك أضحى ظاهرا أن الملك كان يعتبر منذ ولادته بمثابة ابن للإله (رع) ، وفي وقت سابق على ذلك ومنذ الملك (جد فرع) من الأسرة الرابعة كان أسماء ملوك بعض هذه الأسرة مركب من اسم (رع)أحيانا منذ ولادتهم أو عند اعتلاء العرش إذا لم يتضمن اسم الولادة العنصر المركب من الإله (رع) ، وطبقا لأسطورة متأخرة فإن ملوك الأسرة الخامسة كانوا أبناءا للإله (رع) ، وطبقا لأسطورة متأخرة فإن ملوك الأسرة الخامسة كانوا أبناءا للإله (رع) من زوجة لأحد كهنة الشمس ، وهي قصة تعكس انتصار عقيدة الشمس خلال عصر هذه الأسرة(52) التي بنى ملوكها معابد للشمس على غرار نموذج معبد الشمس القديم في هليوبوليس .

والحق أنه على الرغم من أن المركز المتفرد للإله (رع) كان قد بدأ في التراجع بعض الشيء قرب نهاية الأسرة الخامسة إلا أن عقيدته كانت قد نفذت بالفعل إلى لب الديانة المصرية ، ووجد العديد من الآلهة المحلية مع (رع). وفي المناظر المبكرة كان الصقر (حورس الإدفوي) يرسم بوضوح وهو يرفرف فوق رأس الملك ، لكن هذا المنظر تغير بعد ذلك ، وأصبح قرص الشمس المجنح يحمي بجناحيه لقب مصر العليا ومصر السفلى ، فالقرص المجنح يمثل الملك الفعلي ، كما أنه يحمل أحد ألقابه (الإله العظيم) الذي يرتبط باسم الملك وكل ذلك يقرر المزج التام بين (رع وحورس) والملك في عقيدة الملكية المقدسة .

وفي عين ذلك الزمن تقريبا الذي حققت فيه عقيدة الشمس توافقها مع مفهوم الملك باعتباره الإله (حورس) ، فإن هذه الديانةالهليوبوليسية نجحت أيضا في الوصول إلى ترضية مع ديانة (أوزيريس) التي نتشرت بشكل لايقاوم من مركز لها في الدلتا إلى الجنوب . وقد قدم (أوزيريس) أصلا من مدينة (جد Djedu) عاصمة الإقليم التاسع بمصر السفلى(53) ، وكان لقب (سيد جد) من أعرق النعوت التي يحملها . وقد سميت هذه المدينةف ي وقت لاحق باسم (بر - أوزير Per - Usire) أي (بيت إله أوزيريس) ، وأطلق عليها الإغريق (بوزيريس bUSIRIS)(54) وعلى الرغم من ذلك يبدو أن (جدو Djedu) كانت الموطن الأم لإله آخر أقدم صولجانا معوج الطرف وفي الأخرى سوط الراعي ، بينما تعلو رأسه ريشتان ، ومن الجلي أن (أوزيريس) امتص ذلك الإله تماما ، ولم يبق منه بعد ذلك سوى لقبه الذي ظهر كلقب للإله (أوزيريس) . ويؤكد ذلك أيضا الهيئة البشرية التامة التي كان يصور فيها (أوزيريس) حاملا على رأسه تاج الصعيد الأبيض ملحقا به ريشتان على الجانبين ومستقرا على زوجين من قرون الكباش . لكن على الرغم من ذلك فإن هناك فارقا جوهريا بن الإلهين ، فبينما (عنجتي) كان حاكما حيا ، فإن (أوزيريس) كان يرسم دائما في شكل شخص ميت قائم ملتف بأربطة طويلة يقبض على الصولجان بيديه ((((((صورة رقم 10)))) .

واسم (أوزير) الذي اشتق منه الإغريق الاسم الإغريق (أوزيريس Osiris) يبدو أن معناه (حدقة العين) أو (مستقر العين) ويبدو أيضا أنه اسم بشري الأصل . ويحتمل أن (أوزيريس) كان ملكا دنيويا حقيقيا أضحى ممجدا أو مقدسا بعد وفاته ، والأسطورة التي نسحبت عنه لم ترتكز اهتمامها على حياته الأولى كملك أو حاكم لمصر ، إنما وجهت اهتمامها على موته وعلى بعثه من جديد بعد مصرعه المأساوي والذي أضحى بعده حاكما أو ملكا على عالم الموتى ، ولا توجد رواية شاملة أو حتى كاملة معروفة حتى الآن لقصة (أوزيريس) في الوثائق المصرية ومصدرنا الرئيسي عن هذه القصة هي عمل المؤرخ الكلاسيكي (بلوتارخ Plutarch) عن (إيزيس وأوزيريس) . وبالطبع هنك إشارات متواترة ومستمرة نجدها في النصوص المصرية من كل العصور يتضح من سياقها أن الأسطورة التي أوردها (بلوتارخ) تتسق في جوهرها مع المفاهيم العقيدية المصرية(55) .

وقرينة (أوزيريس) هي الإلهة (إيزيس) (((((صورة رقم 17))))))) كما كتبها اليونانيون أو (إزت Eset) بالمصرية القديمة وتعني (مستقر) أو (عرش)وعلى ذلك يبدو أن اسمها كان تجسيدا لعرش (أوزيريس) الملكي ، أما أخت (أوزيريس) فهي المعبودة (نفتيس) ، ((((((صورة رقم 18))))))) وفي المصرية (نبت حوت Nebthut) وترجمة هذا الاسم هو (سيدة القلعة)(56) وربما كان اسما مصطنعا مقابلا لاسم زوجها الإله (ست Setekh) أخو (أوزيريس) أيضا ، الذي قتله هو ومعاونوه ، لكن (حورس بن أوزيريس) استطاع بعد قتال متطاول مع عمه الشرير أن ينتقم لأبيه ، وأن يخلفه على عرش مصر . وهناك روايتان مختلفتان عن موت (أوزيريس) ، فطبقا للأولى منهما فإنه قتل عند (نديت Nedit) وهو موقع غير معروف لنا حتى الآن ، ثم قطع جسده إلى أشلاه وألقي به في النيل ، وطبقا للرواية الثانية فإن (أوزيريس) أغرق في النهر . وفي كلتا الروايتين فإن بعثه أو إعادته للحياة كان نتيجة لأعمال السحر التي برعت فيها (إيزيس) (57) ، كما أن صلة موته بالنيل يفسر الإعتقاد بأن (أوزيريس) كان إله النيل والفيضان ، وأيضا كان له الخضرة والنبات الذي يعقب ظهورها بانتظام فيضان النهر(58) ، وهي خاصية تبدو واضحة منذ الإشارات المبكرة إليه في النصوص المصرية في نهاية الأسرة الخامسة ، لكن طابع الملكية والسلطة يبدو كثر وضوحا واستمرارا في ملامح هذا الإله ، فكل ملك مصري كان يوحد مع (أوزيريس) بعد وفاته ، وكما بعث (أوزيريس) سيبعث الملك مرة أخرى ، في عالم ما بعد الموت . وفي عصر الثورة الإجتماعية التي تفجرت في أعقاب الدولة القديمة ، امتد أولا مفهوم توحيد الملك الميت مع (أوزريس) إلى أعضاء آخرين من العائلة الملكية والطبقة الأرستقراطية ، ثم شمل بعد ذلك كل طبقات العامة ، فما أن حل عصر الدولة الوسطى إلا وأضحى كل مصري ميت ذكرا كان أم أنثى موحدا مع (أوزيريس) ، يحمل اسم (أوزير) مرتبطا باسمه الشخصي . وقد أضحت مدينة أبيدوس مركزا هاما لعقيدة ذلك الإله بعد انتشار ديانته في الصعيد ، وألقى (أوزيريس) بالإله الأصلي للمدينة (خنتي - أمنتيو Khenti - Amentiu) تدريجيا إلى الظل . وقد أمكن التعرف بالفعل على عدة أماكن تجاور منطقة أبيدوس ورد ذكرها في أسطورة (أوزيريس) . وكان من المعتقد في مصر في وقت ما أن واحدة من أقدم المقابر في أبيدوس وهي مقبرة الملك (دجر Djer) من الأسرة الأولى كانت مستقر جثمان (أوزيريس) نفسه . كما ادعت عدة مدن غيرها بأن جزءا من أشلائه الممزقة قد دفن بها ، والحق أن وجود مقابر ملوك الأسرتين الأ,لى والثانية في أبيدوس لاتثبت في حد ذاتها أن هؤلاء الملوك قد وحدوا أنفسهم مع (أوزيريس) كما فعل الملوك اللاحقون ، وأن عقيدته تواجدت في هذه المدينة في زمنهم .

وقد اختفت طبيعة (أوزيريس) كإله محلي تماما ، هذا بفرض أنها كانت قائمة أصلا ، ولم يجد أي مصري مهما كن ولاؤه لمعبود مدينته الخاصة صعوبة في احتضان عقيدة (أوزيريس) . وقد أسهم في هذا الانتشار العام لهذه العقيدة أن (أوزيريس) لم يكن منافسها لأي إله آخر محلي ، فلم يكن هناك إذا أية عقبات حقيقية من تناقضات مع آلهة أو عقائد أخرى تحول دون ذلك الانتشار ، كما كان هناك خاصية مميزة (لأوزيريس) دون بقية أعضاء مجمع الآلهة المصرية ، فقد كان ملكا وإلها ميتا ، فهو بذلك يعنى فقط بعالم الموتى ، وعدالة الدينونة في الدار الأخرى ، بينما ابنه (حورس) المتجسد في الملك الحي يعني بعالم الأحياء ، وكذلك كان الشأن مع الآلهة الأخرى التي كان الملك يوحد معها .

وقد انتهى عصر الثورة الإجتماعية عندما نجح عواهل منطقة (إن مونت En-mont) (أرمنت الحالية) جنوب طيبة في توحيد مصر مرة أخرى ، بعد ظروف الفوضى والإنهيار السياسي التي سادت أثناء هذه الثورة وقيام الأسرة الحادية عشرة . فأسبغ هذا الحدث السياسي أهمية كبرى على إله ميدنتهم الأصلي (مونت Mont) (مونتو)(59) ، وانشترت عبادته من (أرمنت) إلى المدن الثلاث المجاورة هي : طيبة والميدامود والطود . وقد تم ذلك التوحيد بقوة السلاح فانعكس ذلك على (مونتو) باعتباره إلها للحرب ، لكن سرعان ماسقطت الأسرة الحادية عشرة من السلطة على يد موظف كبير من أصل طيبي هو (أمنمحات)(60) فضل هو وأعقابه الملكيون إلها آخرا ذا طبيعة غامضة هو المعبود (آمون Amun) إله مدينة طيبة . ويمكن العودة بتاريخ ذلك الإله في طيبة إلى عهد الملك (إنتف الأول Intef I) من الأسرة الحادية عشرة ، حيث وجد اسم ذلك الإله على لوحة في مقبرته الملكية.

وعلى الرغم من الأصل الطيبي (لآمون) إلا أنه فيما يبدو كان قد قدم إليها من (هرموبوليس Hermompolis) (خمون Khmun) حيث كان هو مقابلته الأنثوية المدعوة (أمونت Amaunet) أعضاء في مجمع مقدس بها ، يتضمن أربعة ذكور وأربع إناث من المعبودات ، تجسد فيهم المحيط الأزلي بصفاته الأزلية (الظلمة واللانهائية والخفاء الغامض) (61) . وإعادة توطين (آمون) في موقع جديد يرجع إلى ضرورة منح البلاد الموحدة في شكل الدولة الجديدة إلها رئيسيا ، يمكن أن يلتف حوله كل السكان عامة ، وبذا أصبح (آمون) أكبر الآلهة وأضيفت على طبيعته الأشمونية الأصل ملامح جديدة انتزعت من آلهة هامة أخرى في البلاد كإله منف (بتاح) ، الذي كان هو نفسه موحدا مع الإله الأزلي (تاتنن Tatjenen)(62) والإله الهليوبوليمي (رع Re) ومع (مين Min) معبود مدينة (كوبتوس) (قفط) .

وخلال حكم (أمنمحات الأول) وخلفائه ، كان من الممكن (لآمون) أن يحقق السيادة السريعة التي أراد ملوك الأسرة الثانية عشرة إسباغها عليه ، لولا انتقالهم لعاصمة جديدة في الشمال عند مدخل منخفض الفيوم(63) ، والذي حفزهم إلى ذلك الإمكانيات الزراعية للأراضي المستصلحة التي انتزعوها لحساب الرقعة الزراعية بواسطة مطروعات الري الشهيرة على عهدهم ، وقد رفع ذلك من قدر الإله الحامي للفيوم (سوبك) وآلهة منفق وهليوبوليس المجاورين للعاصمة الجديدة في مواجهة الإله (آمون) رغم أن الأخير كان يطلق عليه لقب (سيد عروش الأرضين) .

وقد تصاعدت أهمية (آمون) الحقيية منذ النصر الذي أحرزه أمراء وملوك الأسرة الثامنة عشرة الطيبيون على لاهكسوس ، والتوسع المصري في آسيا الذي أعقب ذلك(64) . وقد تم امتصاص منافسه (الإله رع) بأن وحد مع (آمون) تحت اسم (آمون - رع) وتحت هذا الأقنوم الجديد (لآمون) وبمعونته نجح ملوك هذه الأسرة في تشييد الإمبراطورية التي أضحى (آمون - رع) إلهها الأعلى وبمثابة (ملك الآلهة) في ربوعها ، وكرس معبدان عظيمان لاسم الإله الأكبر في الكرنك (أوبت إسوت Opet - isut)(65) والأقصر (أوبت رسيت Opet-riset) ((((((صورة رقم 19)))))) واستخدمت الغنائم التي فاضت بها أملاك مصر من آسيا لإضفاء مزيد من الروعة والفخامة على أبهائها ، وبذلك تدعم مركز الإله (آمون - رع) حتى نهاية تاريخ مصر كأمة مستقلة .

صفات الآلهة

رأينا في الفصل السالف طائفة من الآلهة المصرية وهي تنبثق تدريجيا من ظلام عصور ماقبل التاريخ ، عندما ظهرت الوثائق الكتابية مع بداية العصور التاريخية . وتتمايز هذه الآلهة عن بعضها البعض بألقابها وأعيادها ، وكذلك المدن والأقاليم التي ارتبطت بها عبادتها في الأصل ، وفي حالات كثيرة استمر ذلك الارتباط طوال فترات التاريخ الكلي للبلاد . وبغض النظر عن هذه الملامح الخارجية لهذه المعبودات فإنه يتعسر إلى حد ما تحديد طبيعتها أو صفاتها الفردية بوضوح تام ، خاصة وأن الوثائق المحررة للدولة القديمة قد صمتت عن مثل هذا التحديد ، مما يقتضي منا محاولة التعرف على هذه الصفات وإعادة بناء عناصرها من وثائق متأخرة كثيرا عن عصر هذه الدولة ، وإن كان ذلك لا يمنعنا من استخلاص بعض المعلومات القيمة في هذا الصدد من نصوص الأهرامات الشهيرة التي بدأت في الظهور منذ نهاية الأسرة الخامسة .

والحق أنه منالمحال رسم صورة لديانة مستقة ومنطقية في كل تفاصيلها أو صلاحيتها العامة للإقليم المصري بأسره ، لأن مثل هذه العقيدة الموحدة والمتناسقة لم تتواجد قط ، فالديانة المصرية ليستمن خلق مفكر واحد ، لكنها النتاج الام للعديد من مختلف التيارات اللاهوتية والسياسة . ولم تكن هناك ثمة سلطة مفردة ومسيطرة بشكل كاف طوال التاريخ المصري القديم لكي تختصر كل العقائد المحلية وتوحدها في إطار لاهوتي أو فكري شامل يفرض علىك ل المصريين بمختلف انتماءاتهم الإقليمية أو الطبقية . حقا لقد حظيت بعض النظم العقائدية بالقبول خارج نطاق الحدود الإقليمية لموطنها الأم ، وذلك كنتيجة للسلطة السياسية والإقتصادية والثقافية التي تمتعت بها هذه المواطن ، لكن ذلك لم يعن التخلي النهائي عن العقائد المحلية للأقاليم والمدن التي انتشرت فيها نظم المراكز ذات النفوذ المتصاعد ، والتي كانت تفرض عادة على العقائد الأصلية في قالب تتوحد فيه معبوداتها أو تجسدها أو تتقمصها الآلهة الجديدة .

وتوحيد معبود مع آخر قد لايكون هو التعبير الصحيح تماما ولعل من الأصوب أن نقرر أنه في مثل هذه الحالات ينظر إلى الإله القديم على أنه مجرد مظهر آخر أو اقنوم للإله الصاعد ، أو على أنه قد تم اختواؤه في جوهر جديد . ومن البديهي أن فكرة التوحيد هذه تبدو غامضة وغير محددة تماما ، والمصريون في هذه المرحلة من تاريخ تطور الفكر الإنساني افتقروا - بالضرورة - للتعريف المنطقي المحدد ، ولا نتوقع منهم أن يشعروا بالحاجة إلى تتبع واضح للأحداث وتجريد الأفكار الدينية التي تنطوي عليها ، وفضلا عن ذلك فإن من غير الإنصاف للمصريين أن نحكم - نزولا على وجود الأعداد الكبيرة من المعبودات التي ظهرت أولا مرتبطة برموز حيوانية أو نباتية أو بأشياء مادية غير حية - بأنهم قد اعتبروا هذه الحيوانات أو الأشياء آلهة في حد ذاتها . والحق أن مثل هذا الحكم المخطئ عليهم قد تبنته شعوب أخرى في العالم القديم ، وهم اليونانيون على وجه التحديد ، الذين سخروا منهم ، وكذلك اضطهدهم المسيحيون في العصور اللاحقة . بناء على ذلك ، ومن الجلي أنه لايوجدعقل حتى لو كان بدائيا يمكن أن يعتقد أن الأشياء المادية أو الحيوانات أو حتى البشر - هم أكثر من مجرد مظهر مرئي ، أو مستقر لقوى مقدسة مجردة . والمصريون مثلهم في ذلك مثل غيرهم من البشر التمسوا - عموما - الاتصال بالقوى فوق الطبيعية وارتأوا أن أفضل السبل إلى ذلك هو اختيار إطار أو محور محدد ومرئي يمكن أن تتجمع فيه الصفات والنعوت التي تعبر عن هذه القوى ، وإن كان ذلك لايمنعنا من أن نقر بطبيعة الحال بأن غير المتعلمين أو عوام الفلاحين ربما أخذوا هذا التجسيد المادي للقوى المقدسة أو الآلهة على الوجه الحرفي والمباشر لهذا التجسيد ، والذي لم تستهدفه الديانة أساسا . فالمعتقدات والمفاهيم التي يتبناها العامة من الناس تمثل وضع الأفكار المجردة للمفكرين والمتعلمين في قالب مادي ، والذين يشكلون الطبقة التي تعطي الملامح الأكث تحديدا للمشاعر والوجدان الديني الغامض ، وبالمثل - ولأغراض فنية بحتة وفي حضارة كان الفن فيها دائما عنصرا هاما - كان التجسيد المادي لبعض المعبودات أمرا لاغنى عنه. فالاحتفاء بالآلهة ذات الأجساد البشرية برؤوس حيوانية على سبيل المثال يمكن أن يعزى أيضا إلى أن هذا الأسلوب هو الأسهل والأكثر توفيقا لتمييز أفرادها المقدسة ، ومن خلال تصوير الرأس الحيواني يمكن بشكل مااسترجاع الخصائص التي تعزى إلى هذه الآلهة .

والموطن الأصلي للآلهة المصرية يقع في ربوع أرض مصر ذاتها ، رغم أنه قد اقترح أحيانا أن البعض منها قد قدم من الخارج دون إثبات ذلك الأصل الأجنبي المفترض ، فأسماؤها مصرية بحتة ويمكن تفسيرها في ضوء اللغة المصرية القديمة . فهي آلهة وطنية خالصة ، وظلت كذلك حتى زمن امتداد النفوذ السياسي المصري إلى الخارج ، حيث انتشرت عقائد هذه الآلهة إلى البلاد المجاورة في النوبة ، والسودان ، وفلسطين وسوريا أما قبل ذلك وفي إطار العزلة الأصلية للبلاد ، فإنها اختصت فقط بمصر والمصريين ، فالأرض التي انطوت عليها سلطاتهم الإلهية كانت هي أرض مصر ، والبشر الذين ارتبطت معهم بعلاقة مقدسة كانوا هم المصريين وحدهم ، فكما أننا لانعرف شيئا عن أية عقيدة إلهية انتشرت في داخل مصر من الخارج ، كذلك لم نسمع إطلاقا عن مصريين بشروا شعوبا أخرى بديانتهم تماما عن العقل المصري ، فعلى الرغم من أن المصريين اعتقدوا أن آلهتهم الوطنية تساعد الفرعون في إحراز النصر في غزوه للأراضي الأجنبية وتأكيد سطوته وسلطة مصر السياسية ، إلا أن ذلك لم يكن هدفه نشر أو تأكيد العقائد الدينية المصرية في هذه البلاد .

وقد أبدى المصريون دوما تسامحا دينيا فما بينهم في داخل مصر نفسها ، كما أبدوا مثل ذلك التسامح مع آلهة البلدان المقهورة . فجنود الحاميات والموظفون منهم في الخارج وإن عمدوا بطبيعة الحال إلى بناء المعابد والهياكل المقدسة لآلهتهم المصرية إلا أنهم نهجوا إزاء الآلهة الأجنبية المحلية - كما كانوا يفعلون دائما في مصر - إزاء أي إله أو إلهة حامية لمديننتهم أو إقليمهم الأصلي على سبيل المثال . وفي مثل هذه الظروف فمن البدهي أن مفاهيم الهرطقة أو التعصب العقيدي لايمكن أن تنمو باستثناء فترة قصيرة وغير عادية خلال ثورة العمارنة الأخناتونية . ومجمل الأمر أنه لم يظهر طوال عصور الديانة المصرية أي مظهر من مظاهر الاضطهاد الديني ، والحق أنه ليس واضحا لنا هل عقيدة أخناتون التوحيدية قد رمت - كهدف لها - إلى الامتداد للخارج أيضا ، لتصبح ديانة عالمية لكل الشعوب داخل نطاق الإمبراطورية المصرية ، على الرغم من توفر بعض ملامح في بقيتها قد تميل بنا إلى هذا الرأي . ولقد كان من الغريب حقا أن تتبع بعض إجراءات عنف في فرض عقيدة (أخناتون) في مصر أو في قهرها بعد ذلك على حد سواء(1) .

والإنسان المصري الذي تحيط به مظاهر الطبيعة ويتوقف عليها وجوده ذاته قد تصور حوله قوى إلهية تقطن العناصر الكونية ، وعلى رأسها الأرض والسماء والأثير وفيضان النيل فضلا عن الشمس والقمر . فهذه القوى التي تجسدت في هيئات بشرية بلورت العديد من الآلهة الكونية ذات الأهمية العامة للجميع ، للدرجة التي لم تعد هذه الآلهة ترتبط في أصولها بأي إقليم أو مدينة في البلاد ، فهي بوجودها في كل مكان لم يكن ثمة حاجة لشكل منظم لعقيدة لها أو معبد محلي محدد بعينه . وطبقا للخيال الشاعري لشعب شرقي أسقط على هذه المعبودات سلوكا إنسانيا ، كما كان يتم الإشارة إليها بلغة الطبيعة البشرية ذاتها ، فدبحت الأساطير حول أشخاصها وأفعالها ، ولم يتردد المصريون حتى في إلصاق بعض مظاهر العنف الإنساني الذي كانوا هم أنفسهم يتعرضون له . وقد وصلنا عدد قليل من هذه الأساطير في صورة كاملة ومن عصور متأخرة نسبيا ولكن إشارات لاحصر لها عن أحداث أسطورية في بعض النصوص القديمة توضح أن هذه الأساطير كانت مزدهرة بالفعل منذ نهاية الأسرة الخامسة على الأقل .

ولم تكن هذه الآلهة والكون الذي تشغله معتبرة خالدة باعتقاد وجود سابق لها لانهائي ، فهي حقا متواجدة في الحاضر . ومظاهر الطبيعة تكررت في الماضي ، وهذه الإستمرارية ف يالماضي يفترض قيامها في أزمان بعيدة سحيقة ، لكن المنطق المصري تطلب وجود لحظة أزلية ما ، تخلقت فيها العناصر الكونية والآلهة المختلفة للمرة الأولى بالضرورة ، أطلق عليها (بدء الخليقة) أو (الوجود الأول) أو بعبارة أخرى (نشوء العالم المرئي) . وقبل هذا الانبثاق الخلقي كان هناك زمن لم تكن فيه ثمة سماء أو أرض أو آلهة أو بشر أو أثير أو نيل جار ، بل لم يكن هناك ثمة أسماء للأشياء ، وبالتالي هذه الأشياء ذاتها . ولقد أثار الأسلوب الذي تم به خلق الآلهة والبشر والأشياء ، المصريين تماما ، فانقسمت الآراء حول ذلك الخلق وقدم اللاهوتيون منهم العديد من النظريات الرامية إلى تفسير نشوء العالم . وكان أعظم ثلاث منها أ÷مة هي فلسفة الأشمونين وهليوبوليس ومنف(2) .

نظريات الخلق في الأشمونين وأون ومنف

وطبقا لفلسفة الأشمونين اللاهوتية لم يكن ثمة شيء ما في البداية سوى اللاوجود أو الفوضى ذاتها ، والتي تخيلها المصريون إما كعنصر عبارة عن (المياه الأزلية) ، أو قوى تتجسد في الإله (نون) الذي أطلق عليه اسم (الواحد القديم) فهو (المبدأ الأول) أو (الأصل الأول) وقوام هذا الأزل خواص أربع يمثل كل منها زوجين ذكر وأنثى من المعبودات . فالخاصية الأولى هي (العمق العظيم) ويجسدها (نون ونونت) ، ثم (اللانهاية) ويجسدها (حوح وحوحت) ، ثم (الظلام المخيم) ويجسده (كوك وكاوكت) فاللارؤية (آمون وآمونت) ولقدأطلق اسم (خمون Khmun) بالمصرية القديمة (أو الأشمونين الحديثة) وتعني (مدينة الثمانية) نسبة إلى الثامون المقدس لهذه الآلهة الأزلية ، والتي أطلق عليها اسم (هرموبوليس Hermopolis) في العصر البطلمي ونحن لانعرف على وجه الدقة تطور الفلسفة الكونية والأشمونية ، حيث أنها اختلطت منذ زمن مبكر خلال فترة الإنتقال الأول بلاهوت هليوبوليس ، حيث قدمت مفهوما أكثر تقدما في تفسير بدء الخليفة فيما بعد . والإله (أتومAtum) معبود هليوبوليس أو عين شمس قد بدأ وجوده الذاتي من فوق قمة تل أزلي انبثق بدوره من المياه أو اللانظام الأزلي ثم نفخ الإله في يده ويزق من فمه الإله (شو Show) وقرينته (تفنوت Tfenet) واللذين نسلا ومن خلال ولادة طبيعية بقية المعبودات الأخرى ، ويعزي إلى أتوم الذي يعني اسمه ف اللغة المصرية (الكامل) أو (لمطلق) ثلاث صفات رئيسية فهو (الموجود بذاته) (الذي أتى إلى الوجود بنفسه) وهو (الأقدم) أو (الأزل) كما أنه (الأوحد) المتفرد بذاته ، وعلى ذلك فهو الحاكم على كل الآلهة الأخرى (سيد الجميع)(3) . ولقد كان (شو) طبقا للرأي السائد الآن يجسد الهواء أو الأثير ، بينما (تفنوت) تمثل الرطوبة ، وبهما بدأ العالم المنظم ف(شو) كأثير كان معطي الحياة أو القوة الخالقة التي اعتمدت عليه في كل عناصرها ، وما الريح والأنسام التي تتنفسها الأحياء إلا من ظواهره وهو لا نهائي وغير مرئي لاتحيد به الأنظار ، ولقد فصل السماء عن الأرض بأن رفعها مالئا الفراغ بينهما بآي وجوده(4) .

ويصعب علينا أن نقرر من كان الأقدم في وجوده الأزلي الإله (نون) أم (أتوم) أم (شو) ، وعلينا حاليا أن نقبل الفرضية في النهاية بأن (أتوم) كان متحققا طوال الوقت في (نون) ، وأن الإله (شو) ولد في عين الوقت الذي انبثق فيه (أتوم) إلى الوجود من الأوقيانوس الأزلي (نون) ، وعلى ذلك فهو قديم عين القدم مثله . ومع (شو وتفنوت) كون (أتوم) ثالثوا من مادة أو جوهر واحد ، وهو مفهوم جوهري قديم ، يذكرنا على نحو ما بالجدل اللاهوتي الذي ثار بين مسيحيي القرنين الرابع والخامس الميلاديين عن العلاقة والأفضلية لأشخاص الثالثو المسيحي الثلاثة . وقد حلل اللاهوت المصري الخلق الميتافيزيقي للإله (شو) بأنه قد تم وجوده من خلال أنسام الحياة ، وهو تفسير يتسق إلى حد بعيد مع طبيعته كإله أثيري قد نفثه (أتوم) مستخدما قواه السحرية . ومنذ أن بشر اللاهوت الهليوبوليسي بأن (أتوم) ما هو إلا مظهر آخر لإله الشمس (رع) فإن الإثنين اندمجا معا في مركب إلهي واحد هو (رع-أتوم) الذي بانبثاقه من دياجير الظلمة المطبقة للأوقيانوس الأزلي غمر ضياؤه كل شيء . وقد شخص المصريون الكون طبقا لهذا المفهوم بتخيل الإله (شو) رافعا بذراعيه الممتدتين إلى أعلى ابنته (نوت) ربة السماء ، بينما (جب) رب الأرض يقع قابعا عند قدميه(5) .

وفي اللاهوت الأشمونيني كانت مدينة الأشمونين ذاتها هي البقعة التي ظهر فيها التل الأزلي لأول مرة ، والذي يعني ظهوره من المحيط الأزلي اكتمال الخطوة الأولى نحو (بدء الخليقة) وعلى ذلك أضفى على هذه البقعة قداسة دائمة أحيط موقع بها بحائط مرتفع مستطيل الشكل كان داخله الموضع الذي يمثل مسرح الخليقة سميت (بحيرة السكينتين Lake of the Two Knives)والتي تمثل الإله نون أو المياه الأزلية التي تتوسطها (جزيرة اللهب) يعلوها تل ، واسم الجزيرة الأخيرة يعني بوضوح أن الضياء قط ظهر منها ، ومن التل الأزل الذي يرتفع فوقها . وفكرة المياه الأزلية وظهور تل أزلي منها يبدو أنها تولدت من ظاهرة الفيضان السنوي المنتظم للنيل الذي يغمر الأرض تدريجيا بمياهه في موسم الفيضان ، بيما تنحسر هذه المياه عند نهايته لتظهر أولا المناطق المرتفعة من الأرض تدريجيا .

ولقد كان هناك الكثير من هذه التلال الأزلية في التاريخ الديني لمصر القديمة . ففي عين شمس كان هذا التل يمثل في العصور التاريخية بتل رملي يعلوه حجر مخروطي الشكل هو الأصل الذي تطورت منه المسلات بعد ذلك ، ومن هذا الحجر المقدس ظهر الإله (أتوم) لأول مرة عند خروجه من المياه الأزلية نون .

وطبقا لرواية قديمة أخذ الإله في هذا الظهور الأول شكل الطائر (البنو Phoenix) الأسطوري (((((صورة رقم 20)))))))) . وفي منف كان موقع المدينة بأسره يجسده الإله (تاتنن Tatjenen) الذي يعني (الأرض المرتفعة) أي التي تظهر فوق سطح المياه الأزلية(6) . وعندما أصبحت مدينة طيبة عاصمة مركزية في عصر الإمبراطورية ، كان لديها أيضا تلها الأزلي ، الذي يحدد موقعه عادة في البقعة التي شيد عليها معبد مدينة هابو على الضفة الغربية للنيل .

وفي فترة مابين عصري الأسرتين الثالثة والخامسة ، عندما كانت مدينة منف العاصمة السياسية لكل البلاد ، كانت هناك ثمة ضرورة عقائدية وسياسية معا لإجراء ضرب من المصالحة بين لاهوت هليوبوليس الذي احتل فيه الإله (أتوم) دور الإله الخالق ، وبين لاهوت منف الذي يتمتع فيه الإله (بتاح) بهذا الدور . وعلى ذلك فقد أعلن عن ثامون مقدس يضم ثمانية آلهة بدءا ب(نون) ونزولا بالإله (نفرتوم) بما في ذلك المعبود (أتوم) ، احتواها جميعا الإله (بتاح) متجسدة أشكالها فيه ، والتي لم تكن إلا (بتاح) نفسه ، (فأتوم) هو بمثابة القلب واللسان معا من الإله (بتاح) ، ومظهر هذا القلب المعبود (حورس) ، بينما مظهر اللسان (تحوت) ، وتعبر الفلسفة المنفية عن ذلك مرددة : (في الأصل تم الخلق من اللسان والقلب باعتباره صورة (أتوم) . ولكن (بتاح الأعظم) حبا الآلهة وأرواحها الفعالةب الحياة بفيض من قلبه ولسانه اللذان توحدا منذ البدء في (حورس وتحوت) واللذان هما (بتاح) بعينه الذي يثف تاسوعه المقدس منه كالأسنان التي هي بذور (أتوم) والشفاه التي هي أصابعه ، لأن أتوم قد ولد من بذرته ومن أصابعه . وما هذا التاسوع إلا الشفاه في فم هذا الذي نطق بالأسماء الأولى للأشياء جميعها التي خلقت (شو وتفنوت) وباقي تاسوعه(7)) .

فبالكلمة المقدسة التي استقرت في القلب ثم نطق بها اللسان خلقت كل الآلهة واستكمل التاسوع . وبهذا النسق خلقت الأرواح الفعالة (kas) (جمع (كا)) والأزواج المؤنثة (Hemset) التي خلقت من لدنها ، ومن الكلمة خرج الطعام والمؤن ، وهكذا خلق أيضا الإنسان ، الذي بأفعاله الطيبة له مايحبه ، وبالرديئة له مايكرهه ، فالحياة توهب لمحبي السلام وللخطاة الموت ولقد قدر لأن يكون (بتاح) أعظم الآلهة ، وأضحى راضيا بعد خلقه لكل الأشياء وللكلمات المقدسة ، وتتخلل نصوص الخليقة للمدرسة المنفية فقرات تقدم في سياقها فهما مدهشا للظواهر الفسيولوجية كما تقرر (أن القلب واللسان لهما للآلهة والبشر والماشية وكل المخلقوات والأشياء الحية ، والقلب يحتفظ بالأفكار بينما اللسان ينطق بالكلمة ، فنظة العين وسمع الأذن وشمة الأنف كلها من القلب . فالقلب مصدر كل معرفة ، منه تنجم المهن والأعمال ونشاط الأيدي والأذرع وكل ماسعى على قدميه ، وكل حركة للأعضاء التي تصدع بالأوامر التي يفكر فيها القلب وينطق بها اللسان والكلمات التي تعطي أثرها في إنجاز كل الأشياء) .

وهنا تبدو قصة بدء العالم الذي خلقه (بتاح) معروضة في أسلوب فكري رفيع ففكرة الخلق تبدأ في العقل أو القلب ثم يتحقق من خلال الكلمة المنطوقة للسان أو الأمر ، وما الآلهة الأخرى إلا اللسان والقلب والأسنان والشفاه للإله (بتاح) .

ورغم مرور ألفين من الأعوام على تبلور وصياغة هذا اللاهوت (المثيولوجي) لمنف فإنه قد احتفظ بأهميته ، لدرجة أن الملك النوبي (شباك Shabaka) أمر بنقله من علىم خطوط بردي مهشم لنيقش على لوحة من الحجر الأسود الصلد ، والحق أن هذا التكوين اللاهوتي ليس له أي مقابل في مثل هذه الفترة المبكرة من تاريخ البشرية .

وفي الفكر المصري كان هنك دائما زمن مايطلق عليه (زمن الآلهة) أو (زمن الإله) والمصريون لا يشيرون إلا هذا الزمن فقط عندما يتحدثون عن حدث في الماضي البعيد ، ولكنهم يشيرون أيضا إلى أزمنة محددة للآلهة (أتوم أو جب أو أوزيريس أو حورس) ، وبشكل أكثر إلى (زمن الإله رع) . وهم عندما يفعلون ذلك ، فإنهم لايعنون مجرد الإشارة الغامضة إلى زمن قد خبرى من الذكرى ، فالواضح أنهم كانوا يعتقدون أن الأرباب عاشت زمنا ما على الأرض أظلت عليها حكمها، أو على وجه التحديد حكم مصر ، ففي كل من تأريخ الكاهن السمنودي (مانيتون Manethos of sebennytus)(9) من مصر القديمة ، الذي كتبه باللغة اليونانية في العصر البطلمي ، وكذلك في بردية مهشمة من عصر (رمسيس الثاني) ومحفوظة حاليا في متحف مدينة (تورين Turin Museum) بإيطاليا - قوائم بأسماء الملوك من البشر ، وعدد سنوات حكمهم ، يلحق بكل منها قائمة أخرى بأسماء الآلهة وعدد سنوات حياتها ف (بردية تورين Turin Papyrus) وعدد سنوات حكمها عند (مانيتون) . ففي (بردية تورين) تضمنت القائمة عشرة آلهة ، لما يصلنا إلا سبعة منها فقط ، هم (جب ، أوزيريس ، ست ، حورس ، تحوت) والإلهة (ماعت Ma'et) ثم (حورس) آخر .

أما المقتطفات التي وردت نقلا عن (مانيتون) فالمرجح أن الأسماء (بتاح ، رع ، شو) (((صورة رقم 21)))) كانت تتصدر القائم أصلا . ومن الطريف أن تحوت قد افترض له عدد من سنوات الحياة وصلت إلى 3726 عاما ، بينما عاش (جب) 1773 سنة (وحورس) 300 عاما فقط ، ولقد تضمن العديد من الأساطير ربطا بين الأحداث التي وقعت في مختلف العهود الإلهية ، خاصة في عهد (رع) ، وربما كان أفضل وأكمل نموذجين منهما هما أسطورتي قرص الشمس المجنح ، ودمار البشر .

أسطورة قرص الشمس المجنح

فالأولى يتضمنها نقش هيروغليفي طويل في معبد إدفو يعود إلى عهد الملك (بطليموس السادس عشر Ptolemy XVL) أو (قيصرون Caesarion)(10) ، وإن كان هذا النقش يضم بالتأكيد عناصر تعود إلى عهود أقدم من ذلك كثيرا . ويستهل النقش على غرار استهلال أي نص تذكاري أو تأريخي بالعام 363 من حكم ملك مصر العليا والسفلى (رع حور آختي Re-Harakhte) . وإن كان النقش لم يتضمن أية إشارة إلى الشمس مباشرة بل إلى (رع حور آختي) كملك دنيوي تماما كان على رأس جيشه في النوبة عندما أبلغ عن مؤامرة حيكت ضده ، ونسجت خيوطها في مصر ، وإن لم يذكر لنا النص أسماء المتآمرين . ويبدو أن المؤلف تخيلهم ضربا من الأرواح الشريرة أو المعبودات الأقل رتبة ، وقد أبحر (رع حور آختي) في سفينته بالنيل ، منحدرا من النوبة إلى الشمال حتى أرسى أمام مدينة إدفو ، حيث نجده يعود إلى ابنه (حورس) - الذي كان برفقته - بقتال هؤلاء الأعداء ، فيحلق (حورس) في السماء في شكل قرص شمس مجنح مهاجما لهم من عل ، ومنقضا عليهم بضراوة ، حتى إنهم اضطروا إلى الهروب . وعندما يعود (حورس) إلى سفينة أبيه يقترح الإله (تحوت) منحه لقب (حورس بحدتي) أي (حورس الإدفوي) ، ثم يتفقد (رع حور آختي) أرض المعركة في صحبة الإلهة الآسيوية (عشتارت Astarte) . لكن يبدو أن القتال لم يكن قد أخمد تماما بعد ، حيث عمد الأعداء الفارون إلى النزول في الماء في شكل تماسيح وأفراس نهر مهاجمين سفينة (رع حور آختي) لكن (حورس) وأتباعه المسلحون بالحراب والحبال يقضون عليهم . ثم يتقمص (حورس) مرة أخرى قرص الشمس المجنح في مقدمة السفينة وعلى جانبيه الإلهتين (نخبت ووادجت) مستمرا في تعقب الأعداء على امتداد أرض مصر العليا والسفلى موقفا بهم الهزيمة في كل مكان بدءا بطيبة ودندرة و(حبنو Hebenu) في الإقليم السادس عشر من الصعيد ، و(مرت Meret) في الإقليم التاسع عشر منه(11) .

وفي هذه المرحلة من الأسطورة يظهر (حورس بن إيزيس وأوزيريس) إلى جوار (حورس البحدتي) ، بينما يظهر الإله (ست) رئيسا للأعداء المتآمرين ، ثم يختفي (ست) في فجاج الأرض بعد أن يظهر في شكل ثعبان ، ويتأجج القتال مرة أخرى في (تحل Thet) بالمقاطعة العشرين من مصر السفلى وهي مدينة تقع على الحدود مع آسيا قرب البحر ، وبعد تحقيق النصر أيضا في الدلتا ينحدر (حورس) وأتباعه مقلعين إلى النوبة حيث يسحقوا تمردا قام هناك . ويعود (رع حور آختي) ليرسو مع بطانته في إدفو مرة أخرى ، ويقرر مكافأة (حورس) على خدماته الجليلة بأن يأمر بوضع قرص الشمس المجنح في المستقبل في كل معابد وهياكل آلهة وآلهات مصر العليا والسفلى لكي يحفظها من الأعداء ويبقيها بعيدا عنها ((((صورة رقم 16))))) .

والأسطورة على هذا النسق هي سرد توضيحي عن أصل قرص الشمس المجنح ، وهو الشكل الذي ظهر فيه حورس البحدتي أو الإدفوي) خاصة فوق صروح المعابد في العصور المصرية المتأخرة . وطوال المعارك التي اشتعلت لم يرد ذكر بشر ، فكل المشاركين فيها هم إما آلهة أو جان ، وعلى الرغم من ذلك فإن هناك من يرى أن لهذه الأسطورة أصولا تاريخية ، الأمر الذي يبدو معقولا وإن هناك من يرى أن لهذه الأسطورة أصولا تاريخية ، الأمر الذي يبدو معقولا وإن انقسمت الآراء حول تأريخ ومدى قوة تأثير هذه الأحداث التاريخية . فبعض الدارسين يرجعونها إلى الصراع بين عباد (ست وحورس) الذي أخذ مكانه بالفعل في عهد الملك (بر إيب سن Peribsen) في الأسرة الثانية(12) ، بينما يرى آخرون منهم في هذه الأسطورة إشارة إلى أحداث الثورة المصرية التي نشبت ضد الإحتلال الفارسي في العقود القليلة السابقة مباشرة على عصر الإسكندر الأكبر(13) .

أسطورة دمار البشر

وبينما نرى في أسطورة (حورس البحدتي) كيف يتحول ربما مجرد عداء بشري في الأصل إلى عالم من الأرواح والشياطين ، فإن أسطورة (دمار البشر) تعبر عن الخطيئة التي ارتكبها البشر ضد الإله (رع) . ولقد حدث ذلك في زمن كان (البشر والآلهة فيه شيئا واحدا) يتعايشون معا على ألأرض ، وعندما بلغ الإله (رع) من السن عتيا بدأ البشر في تجديفهم وتآمرهم ضده ، لكنه أدرك أفكارهم ، ودعا الآلهة لكي يسألها المشورة فيما ينبغي عليه فعله مع هؤلاء الخطاة . فاقترحت عليه الآلهة أن يرسل عينه التي هي الشمس متقمصة مظهر المعبودة (حتحور Hathor) لكي تسحق المتآمرين . وبالفعل استعرضت هذه الآلهة قوتها ضدهم مما أكسبها لقب (سخمت Sakhmet) أي (القوية) (((((صورة رقم 22)))))) ، ثم عادت وهي مصممة على الذهاب إليهم كرة أخرى واستئصالهم تماما . وفي هذه الوهلة أدركت (رع) الشفقة على البشر فوجه رسله إلى جزيرة (إلفنتين) لإحضاره قدر كبير من فاكهة حمراء اللون يطلق عليها اسم (ديدي Didi) ثم أمر بتجهيز سبعة الآف أبريق من الجعة مزجت مع هذه الفاكهة حتى يمكن أن تظهر الجعة وكأنها دماء قانية . وفي صباح اليوم الذي أزمعت (حتحور) أن تذهب فيه لتدمير البشر أمر (رع) بأن تصب الخمر في الحقول وعندما قدمت الإلهة وعبت منها أصبحت ثملة تماما مما جعلها تغفل عن ضحاياها ، ومن ثم أمكن إنقاذ البشر من مصير رهيب بفضل تدخل الإله الأكبر (رع) (14) .

وعلى الرغم من ذلك ، فقد ظل (رع) ضائق بآثامهم ، فذهب إلى سمائه ممتطيا ظهر البقرة السمائية تاركا الإله (تحوت) ممثلا له على الأرض ، الذي ظهر للبشر في صورة القمر ، وأعاد الضياء مرة أخرى بعد أن عم الظلام الأرض بارتفاع (رع) عنها . ومن الجلي أن القضية بأسرها هي تفسير (مثيولوج) لاختفاء الشمس عند المغيب وحلول ضوء القمر ليلا .

والحق أن هناك العديد من النصوص التي يمكن من خلالها أن نستنتج مفهوم المصريين عن عصر أقامت فيه الآلهة على الأرض جنبا إلى جنب مع البشر ، ومع ذلك وإلى حد بعيد لس لدينا ثمة سرد كامل ومنسق عن خلق الإنسان نفسه ، فهم يدعون أحيانا (قطيع الإله Cattle of the God) أو (قطيع رع Cattle of re) ، والتخصيص الأخير يضعهم في علاقة وثيقة مع هذا الإله . وعلى ذلك يمكن أن نستنتج بأن (رع) هو خالق البشر أي المصريين عامة ، ويؤيد ذلك أنه في أسطورة (دمار البشر) فإن كلمة (رومي Rome) - التي تطلق على المصريين في اللغة المصرية القديمة - يمكن أن تدل أيضا على دموع الإله (رع) وفي مواضع أخرى يشار إلى البشر على أنهم (أتوا من عينه) بينما كانت الكائنات الأخرى من (صنعه) . لكن دور (رع) في الخلق سبقه اعتقاد بأن الإله الكبش (خنوم) قد شكل كل طفل يولد على عجلة الفخراني ، وربما كان ذلك مجرد صقل لدور (خنوم) الأساسي بخلقه لكل الأشياء الحية ، وهو دور ألهمته قوى الإخصاب الخاقة التي يتمتع بها الكبش رمزه الحيواني المقدس(15) .

تأليه البشر

فالآلهة إذا هي التي خلقت البشر ، بل إنهم فضلا عن ذلك ينطوون في تكوينهم على قبس إلهي ، وليس من المستحيل عليهم أن يصبحوا هم أنفسهم آلهة حال مماتهم ، وإن كان هناك استثناء لذلك ، هي قداسة الملك الحي حال حياته(16) على الأرض ((((صورة رقم 23))))) . ونحن نعرف العديد من هذه الحالات حيث كان الميت المؤله يحتل عادة قبل وفاته مركزا رفيعا كمنصب وزير الملك وأعظم موظفيه في القطر . وكنموذج لذلك تقديس (كاجمني Kagemni)(17) في نهاية الدولة القديمة ، فنجد أفرادا من أتباع عقيدته - يحملون جميعا اسم (جمن Gemen) وهو اختصار (كاجمني) - يبنون مقابرهم حول مصطبته قرب منف في سقارة . ورغم ذلك لم يكن يطلق عليه لفظ إله وربما كان شيئا قريبا من القديسين . وهناك عقيدة وزير آخر من نفس العصر هو (إزي Isi)(18) كانت منتعشة لقرون عدة بعد وفاته في مدينة إدفو ، حيث يحتمل أنه قد أمضى بقية عمره ودفن بها . وقد أقام العديد من أتباعه لوحات مكرسة ، باسمه أو شيدوا هياكل جنزية في قبره ، ووجهوا صلواتهم إليه وإلى الإله (حورس الإدفوي) ، وإلى (أوزيريس) داعين إياه (إزي الإله الحي) ، وإن لم يكن لدينا دليل على ستمرارية عبادته في عصر الانتقال الثاني .

وقد أله أيضا كل من (إيمحوتب Imhotep(19) ((((((صورة رقم 24 ، 25) وزير ومعماري الملك زوسر العظيم من الأسرة الثالثة (وأمنحوتب بن هابو Amenhotep, Hapu's son)(20) (((((صورة رقم 26)))))) وزير الملك (أمنحوتب الثالث) من الأسرة الثامنة عشرة ،واسترم تقديسهما حتى العصر الصاوي (Saite Period)(24) ، بل وامتدت عقيدتهما محرزة شعبية كبيرة في العصر البطلمي ، وبين الإغريق أنفسهم الذين أطلقوا عليهما على التتابع (إموثس Imuthes) و(أمنوثس بابيوس Amenothes paapios أي ابن هابو) حيث كانوا يمثلون حكمة الأجداد . ولقد أصبح (إيمحتب) إلها للطب ، ووحد مع الإله الإغريقي (أسكلبيوس Asklepios) ، وكان ينظر إليه منذ وقت مبكر في الدولة الحديثة كراعي وحامي للكتاب الذين اعتادوا أن يسكبوا قطراتمن مدادهم قربانا له قبل شروعهم في عملهم، كما اعتبر ابن الإله (بتاح) نفسه من السيدة (خردوعنخ Khreduonkh)(22) .

مظاهر الكون في نظر المصري القديم

ولقد كانت المياه الأزلية التي يجسدها الإله (نون Nun)(23) موجودة دائما بالنسبة للمصريين فهي مع (الأخضر العظيم The Great Green) - كما كانوا يطلقون على البحار - كانت تحيط بالأرض التي تطفو على سطحها في شكل قرص مسطح . ويمتد (نون) تحت الأرض حيث نجده دوما إذا ما حفرنا على عمق تحت سطحها ، وما النيل إلا الإله (نون) نفسه خاصة مياه فيضانه التي تغمر مصر كل عام . وطبقا لاعتقاد قديم لم يتخيل عنه اللاهوت المصري قط فإن مياه هذا النهر كانت تتدفق مع مصدرين يقعان في منطقة الشلال الأول قرب مدينة (إلفنتين Elephantine)(24) .

وفي نفس الوقت كان يحيط بالأرض من جميع أركانها سلسلة من جبال شاهقة تستقر فوقها السماء التي يطلق عليها (بت Pet)(25) وأحيانا (حريت Hreyet) أي (الأعلى) وتجسدها المعبودة (نوت) . وهناك أيضا سماء أخرى تدعى (نونيت Naunet) تحت الأرض تقابل السماء الأصلية . كما أنه هناك عالم آخر تحتها يدعى (دت Det) أو (دوات Duat كما كانت تقرأ سابقا)(26) . وتبزغ الشمس صباحا من بين جبلين من هذه السلسلة(27) ، وتبدأ رحلتها عبر السماء في قارب يطلق عليه (ماندجت Mandjet) ، وهي تمثل عادة شكل قرص أحمر متوهج بينما يصور إله الشمس في قوامه البشري المكتمل أو برأس كبش داخل القرص ، وأحيانا كقرص يستقر بين لاقدمين الأماميتين للجعران (Beetle The Scrab) (واسمه العلمي الحديث Ateuchus Sacer) ويعد رمز من رموز إله الشمس . ويشتق اسمه (خبرو Kheperer) ((((صورة رقم 27))))))) ، من الفعل المصري (خبر Khoper) بمعنى (يأتي إلى الوجود) ، وهو مايعبر تماما عن طبيعة إله الشمس الذي يأتي إلى الوجود بذاته في أسطورة (بدء الخليفة) ، ويكرر ذلك كل صباح منذئذ . والحق أن الجعران (الجعل) الحقيقي يمكن أن يرى وهو يدفع أمامه كرة مخلفاته التي يضع فيها بيضه أو بذور حياته المتجددة ، والتي أوحت إلى ذهن المصري القديم أنها تماثل دورة قرص الشمس التي تتجدد حياتها أيضا كل يوم .

ويصحب الإله (رع) في مركبه المقدس آلهة عدة يعملون كطاقم به ، وهم عادة الإله (جب وتحوت) وبعض الرموز التي تمثل بعض قوى إله الشمس وهي (حكا Hike) أو السحر(29) ، و(سيا Sia) (30) أي المعرفة ، و (حو Hu) (31) أي النطق الخلاق . وعند الوصول إلى الأفق الغربي (((((صورة رقم 28 ، 29))))))))) ينتقل (رع) من مركبه النهاري إلى قارب ليلي آخر يدعى (مسكت Meseket) ، أو يصور في شكل قرص ينتقل بين القاربين المذكورين مرفوعا بأذرع (إلهة الشرق)دافعة به إلى أيدي (إلهة الغرب) التي تجلس في القارب الليلي . ثم يواصل بعد ذلك الرحلة تحت الأرض في ذلك القارب ملقيا ضياءه ومبددا ظلمة (دت Det) أو العالم السفلي ، لكي يعاود الظهور في الشرق مرة أخرى في بداية اليوم التالي .

وهناك مفاهيم أخرى شعبية ترى في الشمس صورة طفل يخطو داخل فم إلهة السماء (نوت) في المساء(32) ثم يمر خلال جسدها أثناء الليل ((((((صورة رقم 30)))))) ، ويولد منها من جديد في الصباح ، وأحيانا في صورة وليد صغير لإلهة السماء التي تتجسد في صورة البقرة السمائية . ولقد كان هناك أيضا مزج بين مختلف هذه التصورات عن الرحلة اليومية لإله الشمس ، وعلى ذلك فليس من المستغرب أن تنقش قصة (دمار البشر) المذكورة آنفا ومعها رسم للإله (رع) في هيئته البشرية الكاملة مبحرا في قاربه المقدس على ظهر بقرة السماء (نوت) . وتمتد فكرة غروب الشمس باعتبارها ابتلاعا له بواسطة إلهة السماء إلى حركة نجوم السماء فهي ترى فها مجرد خنازير صغيرة تختفي في فم (نوت) حيث تلتهمهم في الصباح ، ثم تخرجهم مرة أخرى قبل بدء الليل . ولهذا السبب كانت كلمة (مسوت Mesut) في اللغة المصرية تعني حرفيا (وقت الولادة) .

وقد قدر المصريون أن النجوم هي كائنات إلهية قسمت إلى مجموعتين الأولى (التي لاتغرب أبدا) (Here Who can never set) هي مجموعة النجم القطب التي تلمع نجومها دوما في صفحة السماء ، والمجموعة الثانية (التي لاتعيا أبدا) (there who can never become wary) وهي النجوم التي تظهر في الشرق والتي يمكن رؤيتها في جزء من الليل ثم تختفي الغرب ثانية ، وقد تصور المصريون نجوم هذين المجموعتين بمثابة أطقم في سفينتي الشمس أثناء رحلتهما في النهار والليل فالنجوم (التي لاتغرب أبدا) تصحب الإله (رع) في رحلته النهارية ، وعدم رؤيتها أثناء النهار يعزي فقط إلى أن ضوء الشمس المتوهج قد حجبها . أما النجوم (التي لاتعيا أبدا) فهي تشكل طاقم المركب الليلي وهي تختفي واحدة وراء الأخرى في الأفق الغربي أثناء رحلة الإله في الجزء غير المرئي من الكون .

وفي مثل هذا النظام الكوني لم يكن من السهل إدماج دور القمر في نطاقه إلا باعتباره مظهرا للإله (تحوت) الذي يصحب (رع) في قاربه ، وعندما يفسر العالم بأسره باعتباره وجودا إلهيا متوحدا ، فإن مهمة إلحاق القمر بهذا النظام تصبح أيسر تحققا بأن تعتبر الشمس والقمر عيني الإله (رع) ، فالشمس عينه اليمنى أما اليسرى فهي القمر . ولقد كان الدور الذي لعبه الكوكب الأخير في بواكير الحضارة المصرية بالغ الأهمية حيث كانت دورته التي تأخذ أشكال متطورة في السماء أساسا لتقسيم الوقت إلى وحدات زمنية متساوية تقريبا هي الشهر القمري . وفي مراحل متأخرة لاحظ المصريون أن الوقت يمكن قياسه بدقة أكثر بملاحظة الدورة الشمسية ، ومن ثم لتحديد السنين التي لاتتسق معها الأشهر القمرية تماما . وبالتالي تم التخلي عن التقويم القمري لأغراض عملية ، واحتفظ به المصريون فقط لأغراض العقائد الدينة لتحديد الإحتفالات وتقديم القرابين التي يرتبط تأريخها بالتغييرات التي تطرأ على شكل القمر خلال الشهر القمري . وربما كانت لهذه الأهمية الأصلية لذلك الكوكب صداها في الأسطورة التي احتل فيها إله القمر (تحوت) مركز نائب الإله (رع) في السماء أثناء أوقات الليل وأ"لق عليه عندئذ (رع الساطع ليلا) (Re that shines in the night) ، كما أعتبر (ممثلا) (representative) (لرع ولآتوم) بالإضافة إلى لقب (ميقاتي الزمن) (reckoner of time) .

وكان هناك فيما يبدو إله كوني للسماء أطلق عليه (ور Wer) (أي الواحد العظيم) ، مع تأكيد خاص على طبيعته كإله للضياء توحد في وقت لاحق مع (حورس) ، وكانت هناك الشمس والقمر هما عيناه . وقد حمل لقب (مخنتي إرتي Mekhenti - irty) وتعني (الذي لاتوجد عينان في جبهته He on whose forehead there are no eyes) . وفي هذا الوضع الأخير صورة خيال المصريين كإله حامي للأعمى وللطبيب ولأولائك الذين يعانون من أمراض العيون ، كما كان إله الموسيقيين الذين كانوا على الأغلب من العميان ، بل هو الإله العازف على القيثارة . وهذا النموذج الشعب من المعبودات يوضح كيف أن جوهر إلهي مطلق كما أخرجه العقل اللاهوتي أصلا ، يمكن أن تنزل به المعتقدات الشعبية إلى مستوى بشري في مجمل طبائعه .

وكما أن البشر والكائنات العضوية التي كانت تعد من خلق الإله قد انطوت على قبس من مادته الإلهية كذلك اعتبرت الأشياء المادية غير الحية أجزاء من جسد الإله ، أو أنها قد خرجت من هذا الجسد ، كما هو الحال بالنسبة لمياه النيل ، فهي - كما رأينا من قبل ، وبناء على مفهوم المصري القديم - عطية الإله (نون) ، أو هي كما وصفت أحيانا بأطراف أو أعضاء جسد (أوزيريس) بما في ذلك العرق الذي يفرزه جسده الميت . وما الهواء إلا (أطراف أمون (limbs of Amun)أما حجر الصوان ومعدن الحديد فقد خرجا من جسد ألإله (ست) بينما كانت تعني كلمة (بخور Sonter) في اللغة المصرية (العبيق الإلهي divine odour) .

قدر الإنسان ومصيره

وقدر الإنسان ومصيره يقع بين يدي معبود هو (شوي Shoy) (32) (من فعل sho يعني يقدر) تقدمه إليه سبعة آلهات أو حتحورات عند مولده . وربما كان هذا القدر رديئا فيتحدد به حظوظه السيئة على مدى حياته ، ونوع الميتة التي سيلاقيها ، أما إذا كان ذلك القدر طيبا أطلق عليه (ريننت Renenet)(34) وهو اسم الإلهة الحاضنة التي تعني بالطفل عند ولادته ثم تظله بحمايتها . وفي علاقة (ريننت) بالقدر صورت منذ زمن مبكر كتجسيد للثروة (riches and fortune) واختلطت بعد ذلك بالربة (إرنوتت Ernutet) التي كانت أصلا إلهة للمحاصيل ، لها جسد امرأة ورأس كوبرا (((((صورة رقم 31))))))) ، وربما مبعث ذلك أن الرقطاء كانت توجد عادة بين أعواد القمح الناضجة . والتوحيد بين هاتين الإلهتين فسر بأن المحصور الزراعي في مصر القديمة كان يمثل قوام الثروات وحظوظ الحياة المتوقفة عليها . هذا وقد أطلق أحيانا على كل من (آمون وبتاح وخنوم) اسم (القدر) باعتبارهم الآلهة الفعلية الخالقة للبشر .

ويبدو في مفهوم المصري القديم أن مصائر البشر أو أقدارهم ليست حتما يستحيل تجنبها ، فالإنسان قادر على تغيير قدره من خلال أفعاله إذا أراد الإله له ذلك ، وطالما أن الغد دائما (يقع بين أيدي الإله) فالطفل يولد مصحوبا بالعناية الإلهية ، والوالدان يوطدان صلاتهما بالآلهة فتأمر بأن يولد الطفل لهما ومنذئذ فإن الإنسان يمارس أعماله فقط من خلال رضى الآلهة وموافقتها فالبشر يقترحون الأفعال ، أما الإله فيفرضها ، أو كما عبر عن ذلك أحد حكماء المصريين (الإنسان ينطق بالكلمة أما الأمر فللرب) .

ونجد نموذجا لما يأمله المصري من فضل الآلهة في القائمة التي دبجت بأمر الملك (رمسيس الرابع) (35) يسأل فها الإله (أوزيريس) أمانيه التي يرجو تحقيقها كمثوبة له على أعمال التقوى التي أعرب عنها لهذا الإله . وهو يضمن هذه الأماني ماهو خاص به وبرعاياه ، والذين يخاطب باسمهم الإله . وهو يعبر عن ذلك في أسلوب محدد هو نمط مصري حقيقي قائلا : (لسوف تحبونني بالصحة وبالعمر الطويل ، وبعهد ملكي ممتد ، وبالقوة لكل أطرافي ، البصر لعيني ، السمع لأذني والهناء لقلبي كل يوم ، ولسوف تعطونني الطعام حتى الشبع ، والشراب حتى الثمالة ، وتظلون بذرتي من الأطفال بالحماية ، حتى يصبحوا ملوكا تحكم أرض مصر دوما وإلى الأبد ، ولسوف تعمرون قلبي بالرضا ، وتمنحوني بسمعكم لما أقول ، وستأمرون بفيضانات للنيل مترعة تحقق متطلبات قرابيني وقرابين الآلهة والإلهات سادة مصر العليا والسفلى حفاظا على العجول المقدسة وكل الناس على أرضك ، مع قطعانهم وأشجارهم التي هي من صنع يديك ، لأنك أنت خلقتهم جميعا ولن تتركهم في ضلالة يعمهون) . وهنا تعرض أمامنا القيم والأشياء التي قيمها المصري عاليا ، ألا وهي : الحياة والصحة والعمر الناضج المديد ثم وفرة من طعام وشراب يطلبها لأطفاله ، كما سألها لنفسه ثم فيضان غامر تتوقف عليه رفاهية سكان مصر وثرواتهم من قطان وأشجار كما تتوقف عليه حياة دينية ثرية في ممارستها من التقدمات وقرابين لآلهة البلاد ، وفي النهاية يحث ربه على تحقيق هذه الدعوات بمبرر مقنع لالإله خالق البشر وكل شيء مما يرتب التزاما بأن يحبوههم بعميم رحمته ورعايته ، وألا يعدل عن تلك الخطط الإلهية التي قدرها لهم عندما خلق ذلك العالم .

وليست بحوزتنا وثائق تعود إلى عصر سابق عن الدولة الحديثة تتضمن مفاهيم مكتملة ومتسقة للمصريين عن طبيعة وصورة آلهتهم كما انطبعت لديهم ، ويتعين علينا أن نستخرج مثل هذه المفاهيم من خلال جهد منظم بالمقارنة بين الوثائق المتناثرة والتي تتضمن الإشارات الأكثر حداثة عنها . ففي الدولتين القديمة والوسطى ليس هناك أكثر من مجرد الأسماء الشخصية لأفراد الشعب يمكن أن تعطينا لمحة عن المعتقدات الشعبية وعلاقاتها بهذه الآلهة فعدد كبير من الأسماء المصرية في كل العصور مشتقة من أسماء الآلهة ، أي أنها تتضمن صفة مالها علاقة بمعبود منها ، فالأب عقب ميلاد طفله يطلق عليه اسما مرتبطا بإله ما ، وهي توضح مدى عمق الشعور الديني في حياة الإنسان المصري . وهذا الإسم الشخصي المشتق من اسم إله ما ، كان يمنح بالتأكيد لأن الطفل هو عطية الآلهة إلى والديه ، كما كان من المعتقد أن هذا الإسم المركب حقيق بأن يجلب البركة والحظ لحامله(36) .

طبيعة وصور الآلهة

وفي عصر الدولة القديمة كان الإله يوصف بأنه ثابت وواثق كما أنه يتجلى ويسطع مثل الشمس ، فالآلهة سادة الحياة ، وهم عظماء أقوياء طيبون رحماء نبلاء عادلون شامخون يشعون جمالا ، وهم شأنهم في ذلك شأن البشر لهم قرين (كا)(37)أو عدة قرائن وهي بدورها قوية ظاهرة طيبة عظيمة نبيلة وراسخة (((((((صورة رقم 32 ، 33)))))))) ، أما (البا) أو المظهر الخارجي من أرواحهم(38) فهي تنجلي كالشمس في سطوعها ، كما أنها عظيمة وطيبة . والآلهة هم الذين يصنعون الطفل ويخرجونه للحياة ويحبونه بالحماية والحب والتربية ، يقفون وراءه حافظين له حياته يغذونه ويغمرونه بالفضل والصحة والثياب رافعين إياه عاليا ، وإجمالا فإن حياته كلها تقع بين أيدي الإله ، لأن الإنسان هو خادم الرب المتبتل في عبادته وحبه . وعلى الرغم من أن معظم الصفات السالفة تعزي إلى الإله (بتاح) إلا أن ذلك مجرد محض صدفة ، لأن الكثرة من أسماء الأعلام التي نعرفها عن الدولة القديمة ارتبطت بالآثار التي عثر على معظمها في منطقة منف . ومن الطبيعي تواتر ظهور اسم الإله الأخرى المشتقة من أسماء آلهة أخرى نجد أن عين الصفات التي وجدناها مرتبطة بأسماء الأفراد المركبة من اسم (بتاح) تعزي إلى هذه الآلهة أيضا أو إلى أي إله آخر ، وفي الحقيقة إلى الآلهة بشكل عام .

ووثائق عصر الدولة الوسطى التي تحمل أسماء أعلام لاتضيف الكثير إلى الصورة السالفة فالآلهة أيضا (رضية ولطيفة) وما البشر إلا أبناؤهم وبناتهم الذين أصبحوا بفضلهم طيبين ، وللمرة الأولى نرى أنهم يشاركون في الإحتفالات ، فهم يتواجدون في صالات الأعمدة وأفناء المعابد بمثل مايتجلون على الملأ في البحيرة أو مقلعين مجدفين في النيل . وإذا كان ثمة جديد يمكن استخلاصه عن صفات الآلهة لم ترد في نصوص الدولة القديمة فهي العلاقات الحميمية بين الآلهة والجماهير في الدولة الوسطى ، وهي علاقات تتسق في مضمونها الجديد مع تصاعد مظاهر الديمقراطية الدينية التي هي إحدى معطيات الثورة الاجتماعية(40) في الفترة بين الدولتين القديمة والوسطى .

والصلوات الموجهة إلى الأرباب أو الترنيمات والأناشيد الدينية كما يطلق عليها علماء المصريات - تخلو إلى حد بعيد وحتى نهاية الدولة الوسطى من أية إشارات إلى العلاقة بين المتعبد وإلهه(41) ، وتتضمن في معظمها وصفا دقيقا نسبيا للمظهر الخارجي الذي تتجلى فيه المعبودات في تماثيلها ورسومها ولتيجانها وصولجاناتها الإلهية ، وعن القوة وألقاب الشرف التي أضيفت على آلهة بعينها من الآلهة الأخرى ، أو التي أطلقها البشر عليها في مختلف المواقع بمصر . وهي صروات منسوجة بخيوط أسطورة غاصة بالإشارات (المثيولوجية) مما يجعل استقرارها فضلا عن فهمها أمر بالغ التعقيد بالنسبة للقارئ المعاصر دون شرح مطول لها . وعلى الرغم من ذك فإن المجازفة بإضافة معلومات ضئيلة للغاية إلى صفات الآلهة من مثل هذه الصلوات لايمنعنا من إيراد نموذجين كاملين منها ، وهما يوضحان لنا أيضا كيف أن المعلومات التي توجد في مثل هذه الأناشيد ، والتي تبدو ظاهريا بأنها غنية بها ، سرعان ما تسفر عن ندرتها وتتبدد في غمار هذه النصوص بمجرد إشباع المصري القديم لمشاعره الدينية إزاء آلهته . والصلاتان اللتان سنقتبسهما هنا إحداهما ، ترتل صباحا للشمس المشرقة ، والأخرى للإله (مين - حورس Min-Horus) وتجري الأولى منها كالتالي :-

(( المجد للإله (حر آختي ، خبري) الذي وجد بذاته ، كما هو جليل إشراقك في الأفق غامرا الأرضين بضيائك وكل الآلهة تبهج لرؤيتك ، كملك لكل السماوات بينما تقبع الكوبرا الملكية على مفرقك ، ويستقر تاجا الوجهين القبلي والبحري على جبهتك ، والإله تحوت ثابت على مقدم سفينتك ، موقعين صارم العقاب بأعدائك ، وعند اقتراب موكبك يقدم هؤلاء الذين في العالم السفلى ليتطلعوا إلى سناء بهائك )) .

الصلاة الثانية كما يلي : ((إنني أعبد (مين) وأعظم (حورس) الذي يرفع شامخا ذراعيه . المجد لك (مين) في ظهوره ورياشه الشاهقة ابن (أوزيريس) المولود من (إيزيس) المقدسة ، العظيم في (محراب سنوت Senut - Sanctuary) القوي في (إبو Ipu)رب (قفط Koptos) ، حورس الرافع ذراعه ، سيد التبجيل ، ذو الكون الجليل عاهل الآلهة جميعا الغني بطبيعته عندما يقدم من أرض (المادجاي Medjau) المبجل في النوبة أنت ، القادم من بلاد (أوترت Uteret) )) >

والحق أننا نقابل فقط منذ الدولة الحديثة صلوات تشير إلى المشاعر الشخصية للأفراد إزاء أربابهم وهو أمر سنعرض له في الفصل القادم .

والقوى الغامضة التي منحت الآلهة قدرتها على إنجاز أفعالها الخارقة التي تقع خارج نطاق قدرات البشر كانت تسمى (حكا Hike)(42) وتعني القوة السحرية . وهي ليست وقفا على الآلهة وحدهم بل قد يحوزها بعض من الأحياء مثل السحرة الذين يفترض إتيانهم بأفعال لا يقدر عليها إلا المعبودات ، وإن كانت الآلهة فقط والملك الحي معهم هم الذين يملكون هذه القوة (حكا) على مستوى أرفع من غيرهم ، وإن كان من الطبيعي إذا استحوذ أحد السحرة من الأحياء على قدر من هذه القوة أكثر من تلك التي يمتلكها معبود بعينه فإن الأخير يصدع لأمره مسخرا لخدمته ومساعدته . ولقد اعتقد السحرة أحيانا أو على الأقل ادعوا بأنهم يملكون معرفة أعظم في ذلك الفن الغامض من أحد المعبودات . والإله في هذه الحالة لا يستحث على الخضوع لمشيئة البشر ، بل يجبر على التخلي عن استقلاليته ويفرض عليه ذلك التعاون . ولم يكن الآلهة والأحياء فقط في حاجة إلى السحر فلقد كان من المعتقد أن الموتى كذلك يحتاجون إليه ربما بدرجة أعظم . والأدب الجنائزي المصري خاصة في نصوص الأهرامات في الدولة القديمة(42) ، ونصوص التوابيت في الدول الوسطى(44) ، وفي فصول كتاب الموتى بالدولة الحديثة(45) احتوت على قدر عظيم من التعاويذ السحرية التي صيغت أصلا لصالح الأحياء ، ثم وضعت في المقابر لمنفعة الموتى . وطبقا للطبيعة فوق البشرية لكل من عالمي الآلهة والموتى - فإن الأفعال التي تأخذ مكانها في هذين العالمين ، وأي اتصال يعقده الأحياء معهم - يتعين أن يتم من خلال القوى السخرية وحدها . فكل فعل ديني هو سحر من وجهة النظر المصرية ، واللغة المصرية القديمة لاتحتوي على كلمة مباشرة تعني (ديانة) وإن كانت كلمة (حكا) أو القوة السحرية أقرب كلماتها إلى ذلك المفهوم .

ومن وجهة نظر عصرية بحتة يمكن أن نقتصر على استخدام كلمة (سحر) للدلالة على الأفعال التي يأتيها الأحياء لصالح موتاهم سواء قام بها ساحر أم أفراد آخرون والتي تنطوي طبيعتها على قدر من الصعوبة من شأنها أن تتطلب استخدام القوى فوق الطبيعية . ومن ذلك يتعين أن يبتهل إلى الآلهة والموتى في طلب عونه للإتيان بهذه الأفعال السحرية . والحق أن مثل هذه الأفعال في حد ذاتها تقع خارج نطاق دراسة الديانة المصرية القديمة .

وانعكاس القوى السحرية تأخذ مظهرها من خلال عمل أو كلمة ، ويمكن ملاحظتها وسير أثرها من كل أحد في عالمنا المرئي ، لكن إلى جانب ذلك العالم وعلى صعيد مقابل فإن هذه القوى لها فاعليتها في عالم آخر تصوري وله وجود حقيقي كعالمنا ، وسحر الآلهة والأحياء من السحرة كان قويا للدرجة التي تبدو آثاره - ليس فقط في عالم مافوق الطبيعة- لكن أيضا في العالم المادي المنظور . فالإله (خنوم يشكل المواليد على عجلة الفخراني(46) وبذلك خلق البشر . ولكن الكلمة - خاصة صيغة الأمر - تملك قوتها السحرية والنطق بها يرجع أثره إلى عالم مافوق الطبيعة ، وهذا هو السبب في أن الكلمات الطيبة المباكرة كانت مطلوبة بينما الشريرة منها كاللعنات يتعين على الأبرار تجنبها . أما أسماء الأفراد والأشياء فكانت ترتبط بجوهر الشخص أو الشيء الذي تطلع عليه ، ومعرفة حقيقة هذه الأسماء يمنح العارف بها سلطة فعالة على حامليها ، فالإله (بتاح) خلق الأشياء في العالم المادي بمجرد أن نطق أسماءها .

أيضا تضمنت الكتابة ما تتضمنه الكلمة والفعل من قوة سحرية ، وهو اعتقاد لم يكن قاصرا بكل المقاييس على مصر القديمة . إذا تذكرنا أن كلمة (أجرومية Grammer) (التي تعني المعرفة وتعلم الكتابة) هي أصلا جذر الكلمة الإنجليزية (Glamour) التي تقابل (تعويذة أو ترتيلة سحرية) ، وكذلك الكلمة الفرنسية (Grimoir) التي تعني (كتاب التعاويذ السحرية) . والكتابة المصرية الهيروغليفية بما تحتويه من علامات صورية لكائنات حية أو أشياء مادية كانت منطوية على طاقة سحرية كامنة أكثر من أي نوع آخر من أنواع الخطوط ، وفضلا على قوة الكلمات السحرية في حد ذاتها فإن الرسوم الفردية للبشر والحيوان التي تشكل العلامات الكتابية المكونة لكلمات تحمل في حد ذاتها أيضا وجودا صحريا . وقد حققت الآلهة التي تستقر أو تتقمص أشكال حيوانات أو أشياء مادية أو التي جسدت الظواهر الطبيعية ومنذ وقت مبكرا - تعبيرا عنها في هيئة بشرية . ولكن إلى جوارها وجدت بعض المعبودات الأخرى التي تعبر عن مفاهيم أو أنشطة مجردة تجسيدا لها ايضا في أشكال إنسانية ، فالعلامات الكتابية الهيروغليفية المصورة في هيئة بشرية أضيفت في سياق تطور الكتابة المصرية إلى المفردات المجردة للغة . وبذلك أصبح ممكنا معاملة مثل هذه العلامات البشرية الشكل على قدم المساواة مع المعبودات الأخرى التي تزخر بها الأساطير والفنون التصويرية ، وكانت تزود عند كتابتها عادة برمز أو علامة معينة تجعل من السهل لأي مصري إدراكها مباشرة .

وقد سبق الحديث عن جسيد مفهوم (القدر) لمبناه الطيب كإله في هيئة بشرية هو (شوي Shoy) وكذلك مفهوم الحضانة أو الرعاية في إلهة أنثى (رننت) Renenet) ويمكن أن نضيف هنا نماذجا لتجسيد الأشياء المادية في شخوص آلهة بشرية فالمعبود (نبري Napri)(48) هو إله القمح ، كما كانت هناك إلهة للذهب (نوب Nub)(49) واسمها أضحى نعتا منذ عصر مبكر من نعوت الإلهة (حتحور) ، كما كانت لقربان ماء التطهير البارد إلهة (كبحوت Kebhowet)(50) ، كذلك جسدت بعض الأنشطة العملية أيضا في شخوص إلهية ذات هيئة بشرية مثل (النسيج Weaving) الذي رمزت له الإله (تايت Tayet)(51) و(عصير الخمر Wine-pressing) رمز له الإله (شسموShesmu)(53) . وفي نطاق المفاهيم المجردة عن الوقت والتقويم نجد الإلهة (رنبت Ronpet)(53) تجسيدا للسنة المصرية ، بينما المعبودة (آخت) (54) عن موسم الفيضان و (برويت Proyet)(55) عن الربيع ، أما فصل الصيف فيجسده الإله (شمو Shomu)(56) . وتحدد الكلمة المصرية مؤنثة كانت أم مذكرة جنس المعبود الذي تعبر عنه هذه الكلمة بل إن المفاهيم الجغرافية كانت لها أربابها فالإلهة (سخت Sokhet)(57) ترمز للسهول الزراعية والحقول والإله (حا Ha)(58) رمز عن الصحراء ، أما اتجاه الغرب الجغرافي فتجسده الإلهة (أمنتت Amentet)(59) وهذه الإلهة تصور وهي تحمل العلامات الهيروغليفية التي تعني المفهوم الذي تجسده (((((صورة رقم 34))))) ، مثل العلامة التي تعطي معنى الحقل والصحراء والغرب على التعاقب . وربما كانت أعظم مظاهر التجسيد الإلهي للمفاهيم المجردة هي الإلهة (ماعت Ma'et) (60) التي شخصت معنى لاحق والصدق ، والتي عبرت عنها اللغة المصرية القديمة بكلمة واحدة هي (ماعت) والربة التي تحمل هذا الاسم الذي ظهر منذ الأسرة الثانية صورة في هيئة بشرية أنثوية منذ عصر مبكر أيضا حاملة على رأسها (ريشة نعام) على ما يبدو والتي أصبحت لسبب لانعرفه رمزا لها . والإلهة (ماعت) هي ابنة إله الشمس (رع) الذي يحكم طبقا لمبادئ راسخة من الحق والعدالة قررها كناموس عام ، ولذلك نرى هذه الربة دوما وهي تقف في مقدمة مركب الشمس المقدسة بصحبة رع خلال رحلته عبر السماء .

ولقد كانت القوة هي أعظم صفات الأرباب تجليا ، وكانت النصوص تشير إليها بالكلمة المصرية التي تعبر عن هذه الصفة (سخم Sekhem) ، بل وعبر عنها بصولجان القوة أو السلطة الملكية وهو ذو شكل خاص أطلق عليه سخم sekhem أي (القوة) . وكان من أوصاف الإله أوزيريس (القوة العظيمة sekhem) أو (قوة سخم) ، كما لقب نفسه (بصولجان القوة العظيم) فعلى الرغم من الهيئة البشرية الكاملة لأوزيريس فقد صور في الشكل المادي كصولجان على جدران معبده في أبيدوس ، وكان يحتفظ بصولجان كبير الحجم يوضع في مقصورة داخل محراب هذا المعبد ، يحمل عبر المدينة في مواكب الأعياد الدينية ، وكان الغطاء الذهبي المنحوت علىش كل رأس إنساني والذي يغطي به هذا الصولجان يذكر بالهيئة البشرية الأصلية للإله أوزيريس وينتهي الصولجان بريشتين مرتفعتين مثبتتين كتاج على الرأس الإنساني للصولجان ، بينما يقبع ثعباني كوبرا على مفرق الرأس المطعم بالخزف الأزرق والأحجار الكريمة والذي زين بالشرائط التي تعطي شكلا أشبه بشعر مستعار (أو باروكة) .

ولو كان المصريون أكثر اتساقا ومنطقة وأقل تناقضا لتعين عليهم أن يضفوا نظاما أكثر انسجاما للآلهة التي واجهتهم عندما حققوا الوحدة السياسية الشاملة للبلاد للمرة الأولى ، ولقد كان من المتيسر لهم أن يحددوا - بجلاء وبصورة أقل تداخلا - صفات كل الآلهة المختلفة وتعريف مجال نشاطها الحيوي ونفوذها في علاقاتها فيما بينها ، كما فعل الإغريق في مجمع آلهتهم المحلية عالمية شاملة . وعندما تفرض السيادة السياسية المرحلية لعاصمة ما تصاعد نفوذ إلهها الحامي فإن السبيل المتاح أمامهم هو توحيد آلهتهم المحلية الأخرى مع هذا الإله لكي تحتفظ جميعها ومن خلاله بطابعها المطلق العام ، وإن كان ذلك لم يحدث لبعض المعبودات الأقل شأنا والتي كان لها مجالاتها المحددة دون تمتعها بطابع مطلق ، وقد أضيفت عليها مؤخرا وبدورها بعض المفاهيم المجردة العامة .

تحوت وأنوبيس

ومن بين الآلهة الهامة إلهان لم يتعاظما يوما ما إلى منزل رفيع مطلق ، وبقيا دائما إلهين من الصف الثاني ، برغم أنهما عبدا في كل أنحاء مصر وهما : (تحوت وأنوبيس) ، وحسب منطق المجتمع البشري كانت صلتهما بالإله الأكبر تشبه مركز الوزير بالبنسبة للملك ، ففي عالم الأحياء كان (تحوت) يرتبط مع الإله الأكبر (رع) ، بينما (أنوبيس) يعمل في عالم إله الموتى (أوزيريس) ((((((((((((صورة 35)))))))))))))))))) ، ورغما عن ذلك نجد (تحوت) يتسرب إلى نطاق مملكة (أوزيريس) ويصبح مرتبطا بأنوبيس كما سنعرض لذلك لاحقا .

(وتحوت) إله القمر (61) كان إلها أيضا للحكمة والمعرفة ، ويمكن تفسير هذه العلاقة بالقمر بما أثاره هذا الكوكب في نفوس المصريين القدامى من توقير للأشكال التي كان يتجلى بها على مدار الشهر القمري . ولذلك أطلق على تحوت (سيد السماء) و(الغامض) و(المجلل بالأسرار) و(الصامت) و(رمز الحكمة والوقار) ، كما نعت جمال اللل وهكذا . ولقد كان الإحتفال الأكبر لتحوت يجري في الشهر الأول من التقويم المصري ، ومنذ الدولة الحديثة فصاعدا أطلق على ذلك الشهر اسم تحوت أو (توت) في اللغة والقبطية . والحق أن المظهر الحزين الصامت للطائر (إبيس) كان وراء ارتباطه بتحوت كرمز من رموز هذا الإله الذي كان يطلق عليه مباشرة أحيانا (إبيس Ibis) ، كذلك القرد (البابون Baboon) ارتبط بشكل مابذلك المعبود الذي أطلق عليه أيضا (المهيب العظيم) في العصور الأكثر تأخرا . وألقاب تحوت (العارف) و(المتمرس في المعرفة) تعكس جوهرة كمطلع على عالم السحر وقواه الغامضة فهو (سيد السحر) و(العظيم في السحر) وأيضا هو مخترع الكتابة وواضع القوانين والناموس التقليدي الذي تنطوي عليه الكتب المقدسة . وهو نفسه بصفته كاتبا فذا كان إلها حاميا لطبقة الكتاب المصريين ((((صورة رقم 36))))) ، وفي الدولة الحديثة صور في شكل تمثال كاتيب جالس يمارس العديد من المهام ، لأنه واهب المناصب لأولئك الذين يحبهم ، خالعا العظمة على من يثبت مهارته منهم في وظيفته لأنه في المنزل الأسمى في هذه المهنة المبجلة فهو (كاتب) (((((((((صورة رقم 17) أو (كاتب رسائل) الآلهة ( ومسجل حسابات) إله الشمس . وطبقا لأسطورة قديمة عمد بحكمته إلى تهدئة النزاع بين الإلهين المتقاتلين (حورس وست) (62) . وبسحره أمكن له شفاء عين (حورس) التي جرحت أثناء القتال وأصبحت مرة أخرى بارئة (Udjat) من أي سوء ، وقد شملت معارف تحوت لغات الشعوب الأخرى ، وربما لهذا السبب حمل لقب (سبد البلاد الأجنبية منذ الدولة القديمة .

وبصفته كاتبا ، كان تحوت مصاحبا لإله الشمس في العالم السفلي ، مدونا له على لوحته الكتابية نتائج وزن قلوب الموتى في ميزان العدالة ، وهو يؤدي عمله هذا بصدق وإخلاص وإتقان لأنه كان (محبا للحقيقة مبغضا للزيف) .

أخناتون والديانة الآتونية

وكما رأينا من قبل وصل المصريون إلى مفهوم الإله المطلق أو العالمي رغم عدم قدرتهم على التخلي عن الآلهة الأخرى التي توارثوها عن الماضي ، فالإله الأكبر تتبلور مكانته الجديدة تحت العديد من الأسماء طبقا للإقليم أو المؤسسة السياسية المسيطرة لفترة ما ، بينما تعتبر المعبودت الأخرى مجرد صافت أو أقانيم مختلفة للذات الإلهية هذه . وقد حدث مرة واحدة فقط في التاريخ المصري أن بذلك محاولة جادة لتقديم مفهوم توحيدي حقيقي مع إنهاء دور كل الآلهة العديدة الأخرى ةعقائدة المقدسة ، وهي محاولة لم يكن مقدرا لها أن تنال أي فرصة للنجاح حتى ولو فرصة مؤقتة ، مالم تكن قد تمت بمبادرة من شخص يعتلي قمة السلطة في البلاد ، مما أتاح له إمكانية هذا التغيير وهو الملك نفسه (أمنحوتب الرابع)(63) من الأسرة الثامنة عشرة أو (أخناتون) الذي كسب شهرته بصفته المصلح وأيضا المهرطق الأوحد في تاريخ الديانة المصرية ((((((صورة رقم 37)))))))) . ولسوء الحظ فإننا لانعرف إلا القليل عن هذا لاملك الشاب وعن الدوفع التي قادته إلى هذا الإصلاح الديني ، وتسفر - كما تبدو - صورة عن جسد رقيق ضعيف وعن صحة غير مؤكدة وعلى ذلك فإنه لم يكن معدا لمستقبل عسكري ، وربما أدى به ذلك إلى التركيز على عالم الفكر والتحليق في عالم مافوق الطبيعة . ولقد كان الإله الأعظم في هذا الوقت هو (آمون رع) ، وفي (رع) باعتباره الجوهر الإلهي السمائي ومن المعبود (حورس) ثم (رع حور آختي) الذي صور في جسد إنسان ورأس صقر .

ولقد كانت هناك بالضرورة وفي وقت ما - دوائر دينية تضفي أ÷مية على الطابع المادي البحث لإله الشمس باعتباره قرص الشمس أو (آتون) وهو اسم تردد بتواتر متزايد في عهد (أمنحوتب الثالث)(64) والد (أخناتون) وسلفه الملكي المباشر ، ولقد كان هذا هو مفهوم إله الشمس كما قدمه (أمنحوتب الرابع) ، وفكر فيه باعتباره هو قرص الشمس (آتون) ، لكنه دفع بتأملاته تدريجيا قبل أن يصل بها إلى نهايتها المعروفة ، والحق أنه حتى بعد توليه الملك مشتركا مع والده المسن والمريض كان مايزال يشيد مبانيه الدينية مكرسة للإله (آمون رع)(65) . ولم تعكس آثاره حتى هذه المرحلة أية ملامح لما سيكون عليه فكر الدين التوحيدي ف المستقبل ، لكن سرعان مانرى الملك بعد ذلك يقدم صلواته وطقوسه الدينية لإله جديد يحمل اسما طويلا يقرأ كالتالي : (الحي رع حور آختي رب الأفقين الذي يبتهج الأفق باسمه (شو) الذي هو آتون) . وليس من السهل فهم هذا التعريف الذي شكل جوهر تعاليم هذا الملك ، ف(شو) هنا هو إله قديم للأثير ولاضوء (66) ، وليس إلا اسما آخر للمعبود (رع حور آختي) والذي هو قرص الشمس أو (آتون) . ويشير اسم (رع حور آختي) إلى أن هليوبوليس كانت هي المنبع الذي استقى منه (أمنحوتب الرابع) فكره الجديد ، فكل عناصر هذا الفكر قديمة وإن كانت قد صيغت من جديد ، بل وهناك أيضا أدلة تصويرية بأن الإله الجديد كان يمثل حتى في هذه المرحلة في شكل بشري برأس الصقر .

ولقد اقتصر الأمر فقط على تقديم ذلك الإله الجديد على قدم المساواة مع الآلهة الأخرى ولم يكن هناك ثمة قضية جديدة ، فالديانة المصرية عبرت عن تسامحها وكرمها دوما ، وطالما قبلت لاكثير من المعبودات لجديدة القادمة من خارج مصر في مجمع الآلهة المصرية ، ولكن الإهدار الكامل للإله (آمون) وعدم ربط اسمه باسم الإله الجديد قد عقد الأمور ، فبالنسبة (لأمنحوتب الرابع) لم يجعل (لآمون) أي دور في الديانة الجديدة ، ولاريب أن ذلك قد تسبب في تفجير غضب عظيم بين كهنة آمون . وعندما عمد الملك في السنة الخامسة من عهده أو السادسة إلى إعداد ترتيبات الإحتفال بالعيد الثلاثيني أو الحب (سد) - وهو عيد مازالت طبيعته الحقيقية غامضة بالنسبة لنا(67) - كان قد تخلى عن الهيئة البشرية الأصليةلآتون ، وهو الاسم الذي أطلقه على إلهه الجديد ، ثم بدأ في إبرازه كجوهر سمائي في شكل قرص الشمس تخرج منه ألأشعة منتهية بأيدي بشرية ، تحمل كل يد منها العلامة الهيروغليفية الدالة على الحياة ، وهي تكاد تلامس أنف الملك أو أعضاء عائلته المكونة من زوجته الملكة (نفرتيتي) وبناته الأميرات (((((صورة رقم 38)))))) ، حيث لم ينجب (أمنحوتب الرابع) أي أبناء ذكور . والجديد هنا أن الإله (آـون) قد اشترك مع الملك ف الإحتفال بالعيد الثلاثيني وأصبح اسمه حينذاك (آتون الحي العظيم في عيد اليوبيل الثلاثيني) . وبذلك أضحى ذلك الإله سيدا أعلى ، وملكا في عين الوقت كما أحيط اسمه الكامل في خرطوشين ملكيين كأي اسم فرعوني حقيقي .

ولقد قرر أخناتون أخيرا بناء عاصمة ومقر جديد لإلهه ولبلاطه الملكي ، ووقع اختياره لذلك على بقعة لم ترتبط من قبل باسم أي معبود ، أو حتى مخلوق بشري ، تقع قرب منتصف المسافة بين مدينتي طيبة ومنف في جوار قرية العمارنة الحديثة بمصر الوسطى ، مطلقا عليها اسم (أختاتون Akhetaton) أو (أفق آتون)(68) . ومن المؤكد أن الدافع الذي حدا بالملك إلى اتخاذ هذا القرار يرجع إلى المقاومة المتزايدة لكهنة (آمون) ضد إلهه الجديد ، والذي استجاب لها الملك باضطهاده لعقيدة (آمون) وكهنوته ، فعمل على محق ذكرى ذلك الإله من على المعابد والآثار وأزيلت صور وأسماء آمون في موجة من التعصب المتهوس . وقد ذهب الملك بعيدا في ذلك الاتجاه إلى الحد الذي تخلي هو نفسه عن اسمه الأصلي (أمنحوتب) والذي يعني (آمون راض) متخذا له اسما جديدا (أخناتون أي المفيد أو المرضي لآتون) . ولم يقف تعصب الملك عند حدود (آمون) وعقيدته ، بل تنكر أيضا للآلهة الأخرى رغم أن اضطهاده لها كان أقل إصرارا وأوهى تنظيما من اضطهاده (لآمون)، فأزيلت وعطلت معابدهم ، بينما أقيمت الهياكل المقدسة (لآتون) في مختلف مدن مصر ، وبذلك أضحى (آتون) الإله الأوحد وليس مجرد إلها متفردا بين أقرانه . ولقد أزيلت بالتالي صيغة الجمع التي تدل على أكثر من إله واحد (أي آلهة) من وقت لآخر في النقوش القديمة . أما (نفرتيتي) زوجة (أخناتون) فقد غيرت اسمها أيضا إلى (نفر - نفرو - آتون) أي (جميل هو بهاء آتون) كما حملت الأميرات من بنات الملك بدورهن أسماء تحتوي على سم الإله الجديد(69) .

وفي العام السادس من حكم (أخناتون) أضحت البقعة التي تنطوي على مقره الجديد محددة بواسطة عدة لوحات حجرية ضخمة غطيت بالنقوش التذكارية لإنشاء هذا المقر ، وأنجز العمل في بناء المدينة المتسقة بهمة عظيمة التي لم تنس بها شيء بدءا من العديد من معابد (آتون) والقصور الملكية للفرعون وعائلته والمساكن الفسيحة للمقربين من بطانته نزولا بمقابر الملك وأتباعه التي حفرت في التلال الشرقية للعاصمة(70) . وكان المعبد الأكبر (لآتون) يضم بضع أفنية ومذبحا للقرابين مشيدا في الهواء الطلق المفتوح للسماء مشبها بذلك معابد الشمس في الأسرة الخامسة (71) . وعلى نقيض معابد الآلهة التقليدية التي كانت تقبع في محاريبها أو قدس الأقداس بها تماثيل هذه الآلهة دون استثناء في ظلام تام .

وقد انتقل (أخناتون) إلى عاصمته الجديدة آليا على نفسه - في قسم له ضمنه مرسوم تأسيسها - ألا يغادرها مرة أخرى ، ثم استرسل في تأملاتها الروحية دون أن يبذل أي جهد أو اهتمام بالأحداث التي كانت تجري في ذلك الوقت بالممتلكات المصرية في سوريا وفلسطين وهي على حافة الإنهيار تحت ضغط الهجمات التي لاتتوقف من الأعداء(76) . وفي العاما لعاشر من حكم (أخناتون) الملكي تم إسقاط اسم (حورس) من اسم الإله الجديد ، وأصبح الشكل النهائي كالتالي : (رع الحي حاكم الأفقين ، متهلالا في الأفق في اسمه رع ، الأب الذي تجلى مرة أخرى كآتون) . وبذلك اختفت الرابطة الأخيرة التي كانت تصل الديانة الجديدة مع القديمة ، بل ويبدو كما لو أن الفقرة التي تقرأ (الذي تجلى كرة أخرى كآتون) قدمت مفهوما بعود مجدد لحكم إله الشمس المباشر وغير المحدود على الأرض ، والذي انقطع منذ الإرتفاع (المثيولوجي) للإله إلى سماواته العلى . ويقرر الملك في نقوشه أن تعاليمه الجديدة إنماهي فيض من أبيه آتون ، كما لو كانت رؤية إلهية تجلت له كنبي . ولقد كانت المذامين الأكثير بساطة للعقيدة الجديدة مصاغة في شكلها الأفضل في نشيد (آتون) ، والذي وصل لنا منه نصان أحدهما مطول والثاني مختصر دبجهما الملك نفسه في تمجيد الشمس وتعظيم بركاتها من الضوء والحياة والحب والصدق صيغت فقراتها في كلمات بسيطة وإن كانت بالغة التأثير(72) .

ومن المحتم أن العديد من أتباع الملك قد شاركوه إيمانه الديني الجديد ، ليس فقط ممن أحاطوا به في عاصمته ، بل ربما في أماكن أخرى ، وإلا كان من المتعذر تنفيذ أوامره بالكفاءة التي تم بها هذا التنفيذ ، وإن كن من الجانب الآخر أن العقيدة الجديدة قد كسبت العديد من هؤلاء الأتباع بسبب الآفاق الرحبة التي تضعهم عليه هذه العقيدة في البلاط وجهاز الإدارة الأخناتوتي ، كما لم يتردد الملك من غمر غيرهم بعطاياه الثمينة لضمان دعمهم له . ولقد كانت هناك دوائر في البلاد تعتبر (أخناتون) فاقدا للرشد وتفيض بكراهيتها له ، أما بالنسبة للعامة والطبقات الدنيا من الشعب فإن السمو الفكري لمبادئه عزلتهم عنها وزادتهم التصاقا بمعتقداتهم القديمة . ففي حي العمال في العاصمة الجديدة أخناتون وجدت أدلة أثرية على عدم تركهم لأي من آلهتهم القديمة الرئيسية منها أو الصغرى ، مثل المعبودة (توريسToeris) التي كانت تصور في هيئة فرس البحر والإلهين (بس Bes وشد Shed) وكذلك الإلهتين (حتحور وإيزيس) ، وربما أن الملك وحاشيته المقربة لم تلق بإلا إلى الآراء الدينية المتحجرة لهؤلاء العمال من رعاياهم (74) .

ولقد اقترح البعض رأيا مفاده أن مبادرة (أخناتون) الروحية استهدفت أساسا تشييد ديانة عالمية تحظةى بالقبول من كل شعوب الإمبراطورية ، وذلك بتجريدها من الملامح المصرية البحتة ، خاصة في مصاف الأساطير ، وربما كان (أخناتون) مدركا بالفعل للطابع الدولي لإلهه ، ولكن من غير المتوقع أن يكون من ذلك الضرب من الرجال الذي يستوحون مبادئهم من مجرد المتطلبات العملية السياسية . فعلى النقيض من ذلك كان يبدو مدفوعا بحماسه الديني النقي ، وليس ثمة دليل مؤكد على محاولته التبشير بديانته لشعوب خارج حدود مصر ، فيما عدا إطلاق اسم (جم آتون Gematon) على مدينة بالنوبة ، مشتقا من اسم إلهه ، وبنائه لمعبد له هناك . والحق أن كان مستغرقا تماما في ضرب من التبتل والتأمل الباطني لذات إله ، ولم يعرب عن اهتمام له خاص فيما عدا افتتانه بإله وبأفراد عائلته .

وتبدو الأهمية التي عقدها الملك على قيم الحقيقة والصدق في أسلوبه الذي أمر بأن يوصف فيه (الملك الذي يحيا على الصدق) ، ورما كان الصدق هنا دلالة على الواقعية التي أراد أن يضيفها على نفسه ويضيفها غيره عليه . والحق أن العنصرين غير الواقعيين الوحيدين في صور إلهة كانتا فقط الحية المقدسة وأشعة الشمس التي تنتهي بأيدي بشرية قابضة على علامة الحياة(75) . وإن كانت هذه الأيدي قد تبدو مجرد تعبير شعري ، والحية الكوبرا مجرد رمز ملكي قديم . وتبدو لنا هذه الواقعية الجديدة في الدفقة التي دفع لها الملك في شرايين الفن المصري خاصة الأسلوب الذي تم به تنفيذ رسومه الشخصية سواء في التصوير أو النحت . كما نرى في النقوش الكتابية من عهده أن القيم الصوتية المنطوقة للكلمات أضحت تسجل في الكتابة ، كما أن اللغة القديمة التي كان من لاصعب فهمها على ذلك العهد والتي لم تكن بعد مستخدمة دائما قد تم التخلي عنها نهائيا .

ولقد كانت وفاة (أخناتون) بعد حكم استمر سبعة عشر عاما بمثابة بداية النهاية لديانته بعد أن اختفى المبشر الذي نظمه وفرضها معا ، وانطلقت بهذه الوفاة قوى ردود الفعل ضدها . وتحول خليفته الثاني (توت عنخ آمون) (أو الصورة الحية لآتون) إلى الديانة القديمة بعد أن غير اسمه إلى (توت عنخ آمون) أي (الصورة الحية لآمون) ((((صورة رقم 39)))))) ، كما عرف أنه عاد إلى العاصمة الأصلية طيبة حيث دفن هناك(76) . وبدأ اضطهاد ذكرى (أخناتون) منذ العهد الملكي (لحور محب) خليفة (توت عنخ آمون) فدمرت أسماؤه الملكية وصوره ، كما أزيلت أسماء إلهه (آتون) - التي كانت مدونة داخل خراطيش ملكية - من كل مكان وجدت به . ومن المثير رغما عن ذلك أن هذه النقمة كنت موجهة بصفة رئيسية ضد شخص صاحب العقيدة الآتونية ، أكثر مما كانت ضد الإله (آتون) نفسه . والحق أن قرص اشمس الذي تنتهي أشعته بايدي بشرية لم تعد تصور مرة أخرى ، لكنها تركت على لآثار دون أن تمس . أما (أخناتون) فقد احتمل مكانه في التاريخ المصري ، وبالصورة التي رأته بها أعين كهنة (آمون) باعتباره (عدو أخيتاتون الخسيء) ، أما عهده الملكي فقد أشيير إليه (بسنوات الخارج أو المهرطق)(77) .

البشر والآلهة

كان الملك طبقا للمفهوم الرسيم هو الوحيد بين البشر المخول في عقد صلات مباشرة مع الآلهة ، وفي الحقيقة أنه خلال الدولتين القديمة والوسطى كانت رسوم وتماثيل وصور الأرباب لاوجود لها على الآثار التي يقيمها أفراد عاديون . ورغم ذلك فإننا نرى خلال ألقاب بعضهم أنهم كانوا يرتبطون بالآلهة ككهنة ، كما أن أسماء هذه الآلهة كثيرا ماتذكر في الكتابات المنقوشة في المقابر أو على اللوحات الجنائزية والتماثيل ، ولايمكن أن يفسر غياب صور الآلهة أنه عدم اهتمام من الشعب بآلهتهم فالغرض الذي تستهدفه الرسوم عامة التي على حوائط المقابر والإنشاءات الجنائزية الأخرى ، كان يحقق استمرارية الأشياء المرسومة باعتبارها استمرارا لممتلكات الشخص الميت التي اكتسبها في حياته الأرضية . ومنذ بداية فترة الإنتقال الثانية فقط بدأت رسوم الآلهة وصورها تظهر على آثار الأفراد العاديين في بداية الأمر على استحياء ثم بعد ذلك بإطراد متزايد خاصة منذ الدولة الحديثة . فخلال هذه الفترة كان العامة يرسمون رافعين أذرعتهم في تضرع وابتهال (adoration) وتعظيم ، أو مقدمين إليهم القرابين . ويبدو أن هذا الغياب المبكر للآلهة في آثار الأفراد كان راجعا إلى ضرب من الحياء أو إلى ذلك المفهوم الرسمي الذي جعل من الملك ابنا للإله كما أنه هو نفسه إله ، والممثل الوحيد من البشر في حضرة الآلهة . والتفسير الأخير هو الأكثر ترجيحا حيث كان الملك نفسه في هذه المراحل المبكرة غير مرسوم على منشآت الأفراد الخاصة أو في صحبتهم ، ولكنه يعامل كما لو كان على قدم المساواة مع الآلهة .

وإن التغير الذي طرأ منذ فترة الإنتقال الثانية فصاعدا يعزي إلى المساواة المطلقة للجميع في الدين ، والتي أحرزها الشعب عمليا في وقت الأسرة الثانية عشرة ، والذي استلزم بعض الوقت لكي تبدو مظاهره واضحة في الفن ، وهذا التصاعد الديموقراطي في المفاهيم الدينية لم يكن بالرغم من ذلك معترفا به رسميا . ومن الناحية النظرية على ألأقل كان المعبد الذي يبنيه الملك هو فقط مكرسا منه للإله ، وظل الملك هو وحده من البشر الذي يستطيع الاتصال به .

ولقد كانت فترة الهرطقة الوجيزة في عهد (أخناتون) - وبالرغم من التراجع السريع إلى أرض الديانة القديمة - بمثابة نقطة التحول التي فتحت آفاق النصوص المصرية ، والتي نستمد منها معارفنا عن السلوك الشخصي للمصريين إزاء آلهتهم ولتعبر بحرية عن مشاعر الخوف والأمل أكثر مما كان ممكنا أو متبادلا من قبل ، وهذه النصوص تتكون أساسا من مجموعة من الصلوات ذات طابع جديد تعود إلى عصر الأسرة التاسعة عشرة ، بعضها مخطوط على لفائف البردى نسخت في المدارس بعد ذلك كجزء من التدريب على لاكتابة . ولكن إلى حد بعيد كان الجزء ألأكبر منها منقوشا على لوحات حجرية وضعت أصلا عند موقع حديث يسمى (دير المدينة) في جبانة طيبة وبالقرب منه . وخلال الدولة الحديثة كان هذا المكان مشغولا بقرية وجبانة العمال المشتغلين في حفر المقابر الملكية في صخور وادي الملوك . وكعمال ملكيين كانوا بدون شك يتمتعون بتميز بين الطبقة العاملة حيث كانوا يتقاضون أجرا أكبر وبانتظام أكثر من المعتاد ، ومكنهم هذا التمييز النسبي من صنع وحفر لوحاتهم وإقامتها في مقابرهم أو في هياكل الآلهة المختلفة المنشأة في القرية ، وإن يمكننا في عين الوقت أن تثق بأن تعليمهم ونظرتهم للأمور لم تكن تختلف كثيرا عن بقية السكان من العمال والفلاحين . وعلى ذلك فإن الآثار الصغيرة الحجم التي تركوها تمثل روح الطبقات العاملة وطبقات الفلاحين التي منعها فقرها من التعبير عن مشاعرها الدينية بمثل هذا الأسلوب المكلف نسبيا .

وفي هذه النقوش يبدو اتضاع وتذلل المتعبد إزاء إلهه وابتهاله من أ<ل الرحمة وإقراره بضعفه ورذائله وهذا يناقض مابدا من الثقة الواثقة وروح الإعتزاز infallibility التي سادت الأدب الديني المبكر . فالأدلة المجمعة من الأسماء المقترنة بأسماء الآلهة والتي أوردنا بعضها آنفا تقترح أن مثل هذه المشاعر لم تكن جديدة أو غير عادية في الدولة الحديثة ، لكن الجديد في الموضوع هو الإعتراف الواضح بها ، والدوافع التي ادت إلى تسجيلها واضحة في الكتابة ، وهذا التغير في المسلك يتضح مباشرة عقب انتهاء الآتونية ، وإنه من الصعب ألا نرى فيها أحد النتائج الثابتة لفترة العمارنة .

وعمليا كانت كل الآلهة الرئيسية ممثلة بين المعبودات التي كرست لها هذه اللوحات مثل : (آمون ، وآمون رع ، ورع حور آختي ، وبتاح ، وتحوت ، وإيزيس) إلى جوار عدد معين من المعبودات الأقل شأنا ، والتي كانت عبادتها متفشية خاصة بين الطبقة العاملة في منطقة جبانة طيبة . فآمون هنا (الإله المحبوب الذي يصغى إلى تضرع entreaties البسطاء ، والذي يمد يده إلى المتواضع والذي ينقذ الضعيف والذي يستمع إلى ابتهالات المصلين والذي يقبل على صوت المعوز المكروب والذي يمنح نسمة الحياة حتى إلى الشرير) .

أما (رع حور آختي) فهو (الجليل المحبوب الرحيم الإله الذي يستمع إلى أولئك الذين يقيمون الصلاة ، الذي يلبي النداء ، والذي يستمع إلى الكلمات المتواضعة لأولئك الذين يدعونه ، والذي يلبي نداء هؤلاء الذين يذكرون اسمه) .

والمصلون يدعون الإله حتى يخفضوا من نقمة قوته التي تصرع أولئك العصاة بسبب مايقترفون من الإثم . وعلى ذلك يعترف رجل في لوحته إلى (تحوت) قائلا (إنني أنا الذي ردد قسما كاذبا أمام الإله القمر (تحوت) ... والذي جعلني أدرك عظمة قوته أمام جميع الأرض ... كن على حذر أنت من الإله القمر . وأنت أيها الواحد الرحيم إنك لقادر أن ترفع هذا البلاء عني) . وكذلك فإن مثالا يدعى (قن Ken) كان هو الرجل الذي قدم (تعهدا وقسما كاذبا) أمام امرأة وهو الآن يتضرع مصليا إلى الإله (شو) وكل آلهة السماء والأرض) وبوجه خاص إلى الإله القمر - تحوت وبتاح وآمون قائلا : (كن رحيما معي) . وفي حالاتقليلة أوقع (تحوت) على المتعبد (ظلاما من صنعه - أي من صنع الإله -) ، وربما كان يعني ذلك إصابة إبصار العين أو ربما عمى فهو يتضرع (أنرني) أو (كن رحيما معي لكي أستطيع أن أراك ثانية) . وكون الإستنتاج السالف صحيحا يؤكده عامل آخر على لوحته (لبتاح) حيث يقول : (إنني رجل قد أقسمت حانثا أمام بتاح سيد الحقيقة فجعلني أعيش يومي في الظلمة ... وجعلني ككلب شريد بين يديه وجعلني ملعونا ، مدموغا أمام الناس والآلهة ، وكنت كسائر من ارتكب إثما ضد سيده ، الحق ... هو بتاح سيد الصدق ... كن معي عندما يعاقبني ... رحماك علني أرى آية رحمتك) . أما الرسام (نب رع Nebre) فهو يكرس لوحة كبيرة (لآمون رع) باسم ابنه الرسام (نخت آمون Nekhtamun) الذي يرقد مقبلا على حافة الموت ، ومن الواضح أن ذلك كان يسبب ذنب أو سلوك مذنب ارتكبه . ويعد الأب الملتاع الإله قائلا (سوف أجعل هذه اللوحات التذكارية باسمك واضع لك هذا النشيد مكتوبا فوقها إذا أنت أنقذت الرسام (نخت آمون) من أ<ل خاطري) . ولقد كان (نب رع) واثقا بالرغم من أن العبد ميال إلى أن يقترف الإثم فإن الإله حقيق بالرحمة ، فالإنسان يخطئ لأنه جاهل وغبي لايعرف الطيب من الخبيث) (كما تذكر لوحة أخرى) .

المعبودات الشعبية

ومن الواضح أن هؤلاء لم يجرؤوا ، أو ربما لم يكن مسموحا لهم بالإقتراب من آلهة الدولة العظام في معابدهم الفارهة عبر النهر في مدينة طيبة بمتاعبهم واعترافاتهم ، بل شعروا بثقة ويسر عندما يواجهون هذه الآلهة في هياكلهم الصغيرة التي كانت أيضا المدن الصغيرة أو الرى تزخر بها . وتماثيل ألآلهة العظام الموضوعة في هذه الهياكل الصغيرة كانت مقر هذه المعبودات بمثل ماكانت تماثيلهم في المعابد الكبرى ، والتي نشأت بها أصلا عقائدهم . فالهياكل الصغرى أصبحت بمثابة فروع للمعابد الرئيسية ، كما تطورت معبوداتها مع الوقت إلى آلهة محلية جديدة تميز أو تختلف عن الآلهة الأصلية بصفة أو لقب محلي يقرن بها ، ويشير عادة إلى صفة معينة في الإله أو إلى مكان مستقره الجديد .

فهناك (آمون أوبت رسيت Amun of Opet-riset) في (معبد الأقصر) ، أو (آمون رع) ملك الآلهة سيد عروش الأرضين في الكرنك ((((((((((صورة رقم 40)))))))))))))))))) ، وفي غرب طيبة نجد (آمون ذو اللقاء السعيد) ، وإن كنا لم نعرف حتى الآن مكان هيكله الفعلي أو مدلول هذا اللقب ، و(آمون باخنتي Pakhenty) وباخنتي هذه قرية صغيرة في هذه المنطقة ، وكذلك (بتاح في مكان الجمال) ومكانه في هيكل صغير بوادي الملكات . أما معبد الإلهة المحلية (سخمت منف) ((((((((((صورة رقم 41))))))))) فلها فرع في معبد جنائزي قديم في (أبو صير Abusir) وكانت الإلهة تدعى (سخمت ساحورع Sakhmet of Sahure) وهو الفرعون الذي بنى ذلك المعبد من الأسرة الخامسة . وقد وجد عدد من لوحات النذور في مشكاوات صغيرة منقورة في حوائط المعبد بين النقوش الجميلة الأصلية ، وبعض هذه اللوحات تحمل بالإضافة إلى الصلوات التي بها صورا لأذن أو لبعض آذان بشرية ، ترمز بلا ريب لآذان المعبود الذي كان من المعتقد أنه السميع لتضرعات الداعين ، ولم تكن قاصرة على هذا الهيكل فقط ولكننا نقابلها في معابد أخرى خاصة في معبد (بتاح) بمنف .

وإلى جوار هذه الأشكال الجديدة للآلهة القديمة فإن الإيمان وخيال عامة الشعب خلق سلسلة من المعبودات الصغرى تمتعت بشعبية واسعة بين الطبقات رغم أنها لم تحصل على اعتراف رسمي من الدولة . ودرجة العلاقة الحميمة بين الشعب وهذه الآلهة يمكن أن نتفهمها من واقعها التاريخي حيث لم يكن لها هياكل قائمة بذاتها ، بلك ان مركز عبادتها في المنازل ، وهذه ظاهرة غير معتادة في المعبود المصري حي أن رفعة مكانة أي إله تتطلب أن يكون له منزله الخاص أو قلعته أي المعبد أو الهيكل الخاص به . ويمكن أيضا معرفة مدى قرب هذه الآلهة الصغيرة إلى لاشعب العادي من المظهر الخاص ببعضها ، حي أخذت شكلا أقرب إلى لاحبور يتفق في حس المرح في الروح المصرية . ولقد كانت هذه التيارات التي جعلت القصص والأساطيل الشعبية تقدم هذه الآلهة مع بعض الضعف البشري ، وتضعهم في مواقف تدعو أحيانا للمرح . فالإلهة (تويريس Toeris) مشتقة من الكلمة المصرية (تاورت Tweret) بمعنى العظيمة) كانت إحدى الآلهة الصغرى ، وهي إلهة منزلية تمثل كفرسة بحر حامل تقف على قدميها الخلفيتين وتستندعادة على لاعلامة لهيروغليفية بمعنى (حماية) (((((صورة رقم 42)))))))))) .

وقد كان الجميع يؤمنون أن تماثيل (تويريس) تضمن الحماية للأمهات أثناء الولادة وكذلك للمواليد . وهي الوحيدة من هذه الطبقة من المعبودات التي بنى لها في لاعصور المتأخرة معبد في الكرنك .

وإله آخر منزلي هو الإله (بس Bes)(2) ويمثل على شكل قزم مقوس الساقين بوجه عريض وفم متسع ولسان بارز ولحية تشبه لبدة الأسد وأذنين وذيل حيواني ، وقد كان يرقص ويلعب على الناي لجلب الحبور للإله (((((صورة رقم 43)))))))) .

وكان يفترض أنه يقدم أو يسهم في تقديم السعادة والمزاج المعتدل في منازل البشر ويمكننا رؤية صورته أو وجهه كثيرا في نقوش ورسوم حوائط المنازل ، وعلى الأسرة ومساند الرأس وأيادي المرايات ، وصناديق العطور وعلى الأواني الفخارية .

وقد كان هناك أشكال قريبة من شكل ذلك القزم (بس) وإن أسقط عليها خيال الناس صلة مع الآلهة العظمى خاصة (بتاح) و (رع) . (رع) هو هذا القزم الذي في هليوبوليس ، القصير الذي تقع قدميه بين السماء والأرض ، وبالرغم من نعته بالقزم فإن المسافة التي تبلغها قدميه هي مليون من الأذرع وهي المسافة بين السماء والأرض ويبدو مرسوما في شكل تخطيطي إلى جوار نص سحري من الرقى المتكوبة على قطعة بردى تطوى وترتدى على لاجسد كتعويذة قوية أو طلسم .

ومن المحتمل أنه هو نفس القزم الذي يرسم عادة على مقدمة مركب الشمس والذي وصف قابعا مرة بأنه (القزم ذو الوجه الكبير والظهر الطويل والعجز القصير) . ومخلوق آخر يدعى (عحا Aha) أي (المقاتل) يشبه (بس) كثيرا ، ويظهر منقوشا في صحبة (توريس) وأشباح أخرى غامضة على السكاكين السحرية والتي تصنع عادة من ناب فرس البحر والتي كان من لامعتقد أن تدمر أرواح الشياطين المعادية . وربما كان الإله (شد Shed) أي المنقذ في الأصل مجرد تجسيد أو تشخيص للقبمن ألقاب الإله (أنوريس Onuris) ((((صورة رقم 44) رب (ثني This)(3) والذي نراه أميرا شابا يصطاد الغزلان والأسود في الصحراء في عربة يجرها جوادان وقد كان يتعقب الثعابين والعقارب والتماسيح . وتحمل لوحات صغيرة صورته تعلق حول الرقبة وكانت تعتبر رقية أو تميمة ضد هذه المخلوقات الخطيرة ، وكان (شد) أيضا يطلق عليه لقب (الإله العظيم) و(سيد السماء) و(سيد الصحارى) ، ووحد سريعا مع الإله (حورس) تحت اسم (حورشد Hor-Shed) ووجد بعد ذلك ممثلا على لوحة كطفل مقدس يحمل بين يديه ثعابين وعقارب وأسدا وغزالا (((((صورة رقم 45)))))) ، بينما بقية سطح اللوحة نقشت بتعاويذ سحرية واقية . وهذه اللوحة الحجرية ضخمة وثقيلة لايعقل أن ترتدي على الجسد ، وعلى ذلك فالأرجح أنها كانت تقام في المنازل لجلب الحماية .

ولقد كان إقامة عقيدة الإلهة (مرسجر Merseger)(4) على لاجانب الغربي من طيبة محاولة للرقي ضد الكوبرا القاتلة ، وهي تمثل في شكل كوبرا أو امرأة ذات رأس بشري أو رأس ثعبان وكانت تدعى (سيدة الغرب) أو بمعنى آخر (سيدة الجبانة) أي مدافن طيبة ، وهي وظيفة تلاءمت مع اسمها (تلك التي تحب السكون) .

وكان مستقرها الخاص قمة المرتفعات التي ترقى إلى ارتفاع ألف قدم فوق وادي الملوك والأرض المحيطة ، وكانت (مرسجر) تدعى أيضا (القمة Ta-dehent) بالمصرية القديمة و(قرن) بالعربية (من هنا جاءت كلمة القرنة) .

وكان جانب القمة المنحور مغطى بالعديد من الهياكل الصغيرة ، شيد كل منها من أحجار قليلة تحمي لوحة منقوشة مكرسة لواحد أو أكثر من المعبودات منهم (مرسجر) . ولقد كان للإلهة (حتحور) هيكل هام في الدير البحري والذي كان قريبا من سفح الصخور المرتفعة مما أدى إلى تصور الإلهة (مرسجر) مجرد أحد مظاهر الإلهة حتحور .

وإن نموذج هذه القمة الجبلية ترى إلى أي حد - وفي مرحلة متأخرة نسبيا من تاريخ الديانة المصرية ، وحيث أن كل المعبودات المقدسة تقريبا المذكورة هنا هي من الدولة الحديثة - ترى كيف أصبح الجبل هنا مستقرا أو مهدا لقوى إلهية قدس بسببها . فآثار قديمة مختلفة ، وتماثيل ومباني وأشياء ارتبطت بالعقيدة ، وكذلك ألهت الأشجار بنفس الطريقة . فأبو الهول العظيم في الجيزة كان من المحتمل أنه يفسر كصورة لإله الشمس ، على الرغم أنه لم يكن هناك إلا صخرة قائمة قطعت ثم عولجت بواسطة بناة هرم خفرع لكي تمثل أسدا قابعا برأس الملك ، كرمز للقوة الملكية ((((صورة رقم 46)))) . ثم بعد ذلك قلد على نطاق أصغر ، وعادة ما اصطفت مجموعة من تماثل أبي الهول هذا على جانبي الطرق المؤدية إلى المعابد(5) .

وهناك قائمة مثيرة لمعبودات طيبة من هذه الطبقة تضمنه خطاب كان مرسله يوجه مضمونه إلى ثالوث طيبة الإلهي المكون من (آمون) وزوجته (موت) وابنهما (خونسو) ((((00صور رقم 47)))))))) وكذلك إلى : ((الروح الكائنة في شجرة الأرز Cedar ، حب طيبة ، على طريق الكباش إلى أمنحوتب الفناء الأمامي ، وإلى أمنحوتب المفضل تفضيلا إلى حتحور شجرة اللبخ ، إلى آمون أوبت وإلى القرود الثمانية في الفناء الأمامي ، وإلى حتحور القاطنة في طيبة ، وإلى البوابة العظمى لباكي Baki وإلى الآلهة والإلهات سادة مدينة طيبة)) .

وهنا فإن ((الروح الكائنة في شجرة الأرز)) على طريق تماثيل الكباش القابعة في (لآمون) (((((صورة رقم 48))))) ، و(حتحور شجرة اللبخ))))) هما عبارة عن بعض الأشجار التي كانت متميزة بعمره المديد أو ضخامتها أو المكان الذي كانت قائمة به . أما (القردة الثمانية) فهي بالتأكيد تقريبا تماثيل حجرية لهذا الحيوان الرمز المقدس للإله (تحوت) قائما في فناء بعض المعابد ، وبينما (بوابة باكي العظيمة) ربما كانت صرح معبد بناه كبير كهنة آون (باك - إن خونسو Bakenkhons) والذي رما تمثل كلمة (باكي اختصارا لاسمه .

أما (أمنحوتب الفناء الأمامي) و(أمنحوتب المفضل) كانا تمثالين لملك واحد مؤله هو (أمنحوتب الأول) الذي كان هو وأمه الملكة (نفرتاري) يتمتعان بتقدير وتقديس في كل أنحاء المملكة عامة ، وبين الطبقة الفقيرة في غرب طيبة خاصة . وبالسبب في هذه الشعبية التي تفوقت إلى حد بعيد على الكثير من الفراعنة الموتى المؤلهين يبدو أنه راجع إلى أنه كان أول فرعون يدفن في مقبرة منقورة في صخور طيبة ، وأنه نظم مجموعة العمال الذين عاشوا في قرية دير المدينة والذين كانوا يعملون في المقبرة . ومثل عقائد الآلهة الأخرى فإن عقيدته لم تكن محدودة في المكان الأول الذي نشأت فيه ، ففي حالته كان معبده الجنائزي والهياكل العديدة الأخرى له بمثابة أفرع للمعبد الأصلي للملك ، وكل منها بالمثل يحتوي على تمثال للملك المؤله . وتدريجيا وبانقضاء الزمن يبدو أنه قد نسي أن كل هذه التماثيل تصور نفس الشخص ، رغم أن معظمها يختلف عن بعضها البعض في بعض التفاصيل والمظهر والملابس . وتم تشكيل العديد من الأشكال الجديدة للملك المؤله ، حيث لدينا منها أربعة أشكال علاوة على التمثالين السالفي الذكر ، وكل منها مميز أو مختص بصفة أو نعت خاص به . وربما كانت حالة (العذراء مريم) مثال مشابه لهذا الإنقسام في الذات المقدسة لمعبود واحد إلى لاعديد من المظاهر ، فهي تعبد في سمات خارجية عدة وبمختلف الألقاب التي تتسق للمظهر المفترض لها في مختلف الأماكن .

العرافة أو النبوءة

وربما كانت العرافة أو النبوءة هي أبرز مظاهر اهتمام الآلهة المفترض في شئون البشر وهي تبين أيضا كيف أن المصريين قد حفزوا آلهتهم أو أجبروهم تقريبا لكي يتخلوا عن سلوكهم المستهتر تجاه البشر ،ولكي يعربوا عن نصائحهم واطلاعهم على الغيب والمعرفة ، وقد كانت النبوءة هذه تتم من خلال تمثال الإله الذي كانت توجه إليه الأسئلة ، وإن كانت ثمة حالات لعرافة تمت بمبادرة من الإله نفسه . ومن الغريب أن عادة الإقتراب من الإله واستشارته تبدو عدة متأخرة نسبيا في مصر ، والحالات الأولى المعروفة لنا تقع منذ عصر الدولة الحديثة ، ولا يعني ذلك أن نخلص كما فعل البعض من أن هذه الممارسة كانت أجنبية في أصولها عن مصر ، وأنها أتت من الخارج ، بل على العكس فإن استشارة الإله هي نتيجة طبيعية للسبببية كملكة في العقل الإنساني كما أن الأساليب المتبعة والتي تبدو أصيلة وابتكرها المصريون لهذا الغرض قد تشير إلى أن العرافة المصرية كانت من أصل محلي .

والإشارة الأولى لإدارة الإله ربما تجلت في القصة التي رواها الملك (تحتمس الثالث) وكيف أنه عندما كان صبيا صغيرا لمحه الإله (آمون) وهو في أحد مواكب تمثاله حول المعبد ثم توقف فانبطح (تحتمس) على الأرض ساجدا أمامه حيث قاده إلى جانب من المعبد يسمى (موقف الملك Station of the king ) حيث أقر به ملكا على الملأ(6) . ففي هذه الحالة نرى الإله يعرب عن إرادته دون أن يسأله أحد ولكن بعد ذلك فصاعدا تعددت الحالات التي كان الوحي بإرادة الإله مقصودا في حد ذاته ، كما لم يقتصر الوضع على لاحالات التي يظهر فيها الملك متوسلا للإله في القضايا السياسية ، فكل مصري كان قادرا على مخاطبة الإله باختباره في مسائل شخصية محضة وطالما أن الملك وحده وعدد قليل من الكهنة المفوضين عنه كان مسموحا لهم بالإقتراب من قدس الأقداس حيث يستقر الإله والذي كان بمثابة بيته الخاص ، فإن استشارة الإله كانت قاصرة على المواكب العامة في الأعياد عندما يدور حول المعبد والمدينة رغم أن تمثاله كان مختفيا داخل مقصورة محمولة علهيا ستارة مسدلة . وقد كانت المقصورة تعتلي مسطح مركب موضوعة على محفة . ولقد ثبت أن العديد من الآلهة قد أصدروا نبوءات ، ومن هنا يبدو أن هذه الممارسة كانت عامة لأي معبود .

ولم تكن الأسئلة التي توجه للإله منبعثة .. من مجرد فضول لمعرفة المستقبل بل الرغبة في السلوك أو التصرف المطابق لمشيئة الإله كانت هي مقصد السؤال . وكانت مساعدته مطلوبة غالبا في أوقات الشدة وعدم الوثوق ، فإن ادعاء الملكية أمر يجب أن يحسم ، وذنب شخص مشبوه في جريمة مايجب تأكيده ، وكذلك موافقة الإله على تعيين موظف مايجب الحصول عليها . وهكذا فإن دور أو وظيفة الإله هنا كانت هي تلك التي للقاضي . والأسئلة كانت توحي إما مشافهة أو محررة على قطع من الشقف أو أوراق البردى في صيغتين إحداهما بالإيجاب والأخرى بالنفي ، وتوضع أمام الإله عندما يحمل في موكبه ليختار بين الصيغتين ، وذلك بأن يدفع حاملي تمثاله على أن يمشوا في اتجاه السؤال التأكيدي لتقرير (نعم) وحيث يقول النص : (ألإله وافق بشدة) ، أو في اتجاه السؤال السلبي لتقرير النفي (لا) . ويبدو أن هناك إجراء آخر وذلك عندما يقرأ المتوسل طالب النبوءة أو يتلو طلبه . ففي هذه الحالة فإن التمثال المحمول بواسطة الكهنة يتراجع ليعبر عن الرفض ، أما غذا واصل تقدمه فإن الإجابة تكون في صالح الطلب .

وعلى الرغم من ن الرغبة في تحقيق الأمر بواسطة الإله على وجه أو آخر قد تدعو حاملي تمثال المعبود على الاعتقاد بأن التمثال قد أجبرهم على لاسير في الاتجاه المطلوب ، فإنه من المؤكد أن أي ضربمن الخداع لم يكن متعمدا ، وليس هناك مايحملنا على افتراض حدوث ذلك . ولقد كان حاملو تمثال الإله من طبقة الكهنة العاديين (Lay-Priests) أي (وعب Weeb)(7) الذين أجروا نوعا من التطهر الخاص قبل ذلك ، بينما كان المتوسلين في بعض الحالات أعضاء محترفين في الكهنوت المصري الأمر الذي يجعلهم في حالة شكهم في أية خدعة للعدالة قادرين بالتأكيد على عدم قبول قرار غير مستحب من جانبهم ، وعلى ذلك فمن الأسد القول بأن الإيحاء ، والإيحاء الذاتي فقط قد أثر على الكهنة حاملي تمثال الإله .

القيم الأخلاقية والإيمان

كان التشوق للعمل بالاتساق مع إرادة الآلهة طابعا مميزا للمصريين فدائما أبدا كانوا يصرون على أن أي عمل معين (هو ما قرره الإله) . وفي رأي المجتمع فإن القيم الأخلاقية كانت تقرر بواسطة البشر أيضا فضلا على الآلهة ، وكان المعيار في ذلك عادة هو (مايحبه الإنسان وتقره الآلهة) لأن ذلك هو العدل والطيب ، وقد استخدم المصريون كلمة (نفر Nufer) للدلالة على (الطيب والجميل) فهم يتحدثون على سبيل المثال عن (شخصية طيبة) وعن شيء أو شخص بأنه من الجميل النظر إليه ، كما أن (نفر يرتبط أيضا مع البهجة والحظ الطيب . والكلمتان المضادتان لذلك تعني باللغة المصرية القديمة (دجو djow) (الرديء وغير سار أو غير محظوظ أو حزين) بينما كلمة (بوين boien) تعني (رديء في علاقته) مع (عدم الجدوى والكارثة والمصيبة) ، وهذه الكلمات لها على ذلك معنى (جمالي (استاطيقي) وأخلاقي) معا بينما كلمة (ماع Ma') التي تعني (حق ، صادق ، عادل) وكذلك الاسم المشتق منها (ماعت Ma't) (8) بمعنى (الحق ، الصادق ، العدالة) تنتمي على النقيض من ذلك فقط إلى المجال الأخلاقي ، كما كان هناك مفهومان مضادان لكلمة ماعت هما (جرجGoreg) بمعنى كذب أو زيف و (بسفت Yesfet) وتعني تقريبا (خطأ أو رذيلة) . وأحيانا نجد (ماعت) في صيغة المثنى (ماعتي Ma'ety) ، وربما تعبر هذه الصيغة الثنائية عن درجة كاملة أو عميقة من المعنى وليس إلى وجود مفهوم يعني حقيقتين أو عدالتين .

والإنسان نفسه مسئول تماما عن أثر أفعاله ، لأن المصريين على الرغم من إيمانهم بالقدر فإنهم لم يخلصوا إلى أن القدر يمكن أن يعرقل الإرادة الحرة للإنسان ، فالقدر يتبدى في مختلف الأحداث في العالم المحيط والتي تؤثر على حياة الإنسان من الخارج والإنسان تظل لديه الفرصة لكي يناضل ويواجه هذا التأثير لجهده الخاص .

وما نطلق عليه اسم الضمير الآن كان طبقا لإدراك المصريين مستقرا في القلب (إيب Yeb)(9) والذي كان موطن العقل و والعواطف والرغبات ، وصوت القلب هو صوت الإله وذلك الذي يقوده القلب إلى نسق طيب من السلوك هو السعيد .

والمصريون ذوو العقلية العملية لم يشغلوا أنفسهم بتأملات نظرية عن الخير المطلق الذي يمكن تطبيقه واتباعه تحت كل الظروف وبأي ثمن ، ووجهة نظرهم في هذا الصدد كانت نفيعة محضة ، فقد كان من المرغوب فيه عمل الخير ، لأن ذلك سيعود بالنفع على الفرد فرضا الآلهة والبشر سيثمر عطاؤه طال ذلك أم قرب . وهو يحفظ للإنسان اسما طيبا بين معاصريه وبين أخلاقه ويحمي هذا الاسم من السقوط في زوايا النسيان أو من اللغة . والاسم(10) كان عنصرا فعالا لأي شيء أو لأي شخص يسهم في جوهر وجوده . و(الاسم الطيب) كما يذكر - كما اعتقد المصريون - إلى الأبد ، كما أن حامله يتمتع بحياة ممتدة ومثل هذا الاسم أمر حركي بأن يجتهد الإنسان من أ<له .

وإتيان الخير والحق يتوافق إلى حد كبير مع السلوك الطيب ، وقد كان ذلك يلقن للشباب من خلال فرع خاص في الأدب هو أدب التعاليم ، وهو عبارة عن مجموعة من الحكم والنصائج التي تشكل الحكمة العملية أو بالأحرى الذكاء في تناول الحياة(11) . وهذه التعاليم كان يفترض أنها من نسج رجال ناجحين في حياتهم ومستقبلهم ، وعلى ذلك فقد كان هناك ضمان معين لنجاح مماثل لأولائك الذين يتبعون هذا النهج . وهناك أجزاء من الأعمال المتأخرة من هذا الفرع من الأدب المسماة تعاليم (أمنموبي Amenemope) والت صيغت في عصر الأسرتين العشرين والواحد والعشرين يبدو أنها وجدت طريقها في شكل محرف إلى (أمثال Proverbs) العهد القديم(12) . وأقدم نموذج معروف لهذه التعاليم هي التي نسبت للحكيم (بتاح حتب Ptah-hotep)(13) الذي كان وزيرا في الأسرة الخامسة وتتركز حول سلوك الإنسان إزاء رؤسائه في مختلف شئون الحياة ولب هذه التعاليم أن (ما يحدث هو أمر الإله الذي يهب المكانة العظمى) ، وأن النهج الأفضل للشخص الراغب في التقدم هو ألا يعمل في تناقض مع النظام الراسخ .

وبينما كان هذا النظام في الدولة القديمة مؤسسا فوق كل شيء على إدارة منظمة جيدة فإن الدولة الوسطى قد أضافت مفهوم تقوى الآلهة كجزء من هذا النظام ، فعلى الرغم من أن الإله قد خلق السموات والأرض طبقا لرغبة البشر والنبات والحيوان لطعامهم فهو كذلك فرض العقاب لأنه (ينمكل بالمخلوقات على ذلك الذي اقترفوه عندما كانوا أعداء له ، كما أنه محق كل العاصين منهم فمن المحال الإفلات منه لأن الإله يعرف كل اسم والتقوى أو الفضيلة هي الأكثر قبولا عند الإله من القربان الذي يقدمه الشرير) .

والتجربة قد أدت رغما عن ذلك إلى أن النظام الإلهي الذي يفرض المثوية للخير والعقاب للإثم لا يتحقق دائما في الحياة الدنيا ، وطالما أن المصريين قد آمنوا دائما باستمرار الحياة بعد الموت فإنه قد بدا لهم أن من الطبيعي والمنطقي أن يمتد أو يؤجل آثار النظام الإلهي أي العدالة إلى الحياة الأخروية ، ومن المحتمل أن الإيمان بأن السعادة في الحياة الأخرى التي تتوقف على السلوك والأعمال خلال الحياة على الأرض - كان سائدا في الدولة القديمة وقد استشففنا ذلك من الوثائق المكتوبة لهذه الفترة . ومنذ الدولة الوسطى فصاعدا أصبح ذلك الإيمان مفهوما سائدا ، مما يجعلنا نخلص بأن هذا الإمان تأصل في المرحلة الغامضة من التاريخ المصري التي تدعى فترة الانتقال الأول ، وفي غمار ظروفها الإجتماعية والسياسية المنهارة وغير المرضية ، والتي قدمت الأعمال الأدبية المتعاصرة معها وصفاحيا لها .

والنظر التشاؤمية ومفهوم عبثية هذه الحياة تشكلان الخلفية لقطعة أدبية أخرى من نفس هذه الفترة وهي (الحوار بين المتعب من الحياة وروحه) فهو بسبب يأسه من الظروف المحيطة بهذا العالم - والتي يلخصها قائلا : (ليس ثمة ما هو حق ، لقد انتقلت مقاليد العالم إلى أيدي من يرتكبون الشر مقترفي الإثم) - قرر الانتحار بأن يلقي بنفسه في النران حاثا روحه على أن تلحق به . وكآبة عالم الموت الذي لارجعة منه ، وإن اتفقت مع جدل صاحبها بأن من يصل إلى لاعالم الآخر سينعم بصحبة الآلهة وسيحظى بمكانة على غرار إله ، وربما أفاد ذلك في أن يعمل على عودة السلام والعدل على الأرض(14) .

وكما قررنا من قبل أن تاريخ تأليف مثل هذا الأدب التشاؤمي لايعتبر نتيجة تأملات فلسفية ، ولكن انعكاس لأحداث تاريخية في الأدب المعاصر تتناقص مباشرة مع النظرة التفاؤلية التقليدية للمصرين إلى الحياة ، والتمتع بنعائمها بدون أي خوف من الموت . رغم أن الموت كان حقيقة لم يغمض المصري عنها عينيه قط عامدا إلى مواجهته بالوسائل التي تتناسب مع إمكاناته . فالتشاؤم ليس أمرا طبيعيا للمصري ، ولم يكن هناك بعد ذلك في الدولة الحديثة (تشاؤم مماثل) عن المصائر بعد الموت والسلوك المسمى بالمصرية (Carp Diem) كان محصورا في إطار مجموعة من الأغاني ترتل في مصاحبة القيثارة في الولائم الإحتفالية (المآدب) وهي تتناقص تماما مع معتقدات المصريين عن الحياة بعد الموت ، وسوف نلقي نظرة الآن على بعض تفاصيل هذه المعتقدات الجنائزية .

عقائد الحياة بعد الموت

ويمكننا القول بأن المصريين في العصور التاريخية آمنوا دائما بالخلود ، رغم أه لاتوجد كلمة تعبر عن معنى الخلود في لغتهم ، فكلمة الحياة نفسها تستخدم لكل من الحياة على الأرض والحياة بعد الموت ، ولكن الخلود ليس مطلقا فإن متطلبات معينة يجب أن تتحقق للحصول عليه ن ومن المستحيل أن نتعرف على مدى العمق الزمني لعقائد الحياة بعد الموت . فالدليل على وجود مثل هذه العقائد في العصور التاريخية المبكرة هو مجرد العثور على أدلة أثرية ، حيث احتوت مقابر هذه العصور على الطعام والأدوات الأخرى التي لايفسر وجودها إلى في ضوء افتراض أن هناك تصورا بأن الحياة تمتد بعد الموت تحت ظروف شبيهة للغاية بتلك التي انصرمت على الأرض . وحالة الحفظ التي بعثت عليها أجساد الموتى فترة طويلة بعد الموت والتي تعزي إلى المناخ الجاف قد أسهمت إلى حد كبير ف أصل فكرة استمرارية الحياة ، ولقد كان الوضع الذي توسد الجثث على أساسه يختلف من مكان إلى آخر ، ولكن هذا الوضع كان ثابتا في الجبانة الواحدة مما يعكس أيضا بعض الإختلافات أو بعض التصورات في المفاهيم الجنائزية .

وبوجه عام كان الجسد يواجه الشرق ف العصور التاريخية ، بينما في عصور ما قبل التاريخ كانت الموتى تضجع على جنبها الأيس والرأس إلى الجنوب في مواجهة الغرب . ولقد كان الغرب هو الذي سادت الفكرة عنه بأنه أرض الموتى في كل الأزمنة حتى العصر القبطي ، والذي كانت الكلمة المصرية له (أمنتي Amente) هي الترجمة للمفهوم الإغريقي عن عالم الموتى (هاديس Hades) ولقد كانت الإلهة (أمنت Amentet) (((صورة رقم 34))))) تجسد الغرب وتمثل عادة مرحبة بالميت في عالمها(15) . وهناك كانت تستقبل الشمس الغاربة ، ولاريب أن حقيقة اختفاء الشمس ف الغرب قد أصلت مفهوم الغرب كعالم للموتى ، وعلى الرغم من تشييد العديد من الجبانات أيضا في شرق النيل إلا أنه نظريا كانت كل الموتى تدفن 0في الغرب الجميل) ، وكانت ترحل إلى الغرب عبر الطرق الجميلة التي يرحل عليها الميجلون (أي الموتى) . وكما تعبر نقوش الدولة القديمة فإن (أهل الغرب) تعبير ظل في المراحل اللاحقة سائدا في كناية عن الموتى ، ففي الغرب كانوا يحيون مكرمين من الإله (العظيم) أي الملك ، محيطين به على غرار النظام الرئاسي المقدس ف أثناء الحياة على الأرض . وفضلا عن الطعام والمؤونات الضرورية لهم والتي كانت توضع معهم يوم الدفن ، فإن إمدادات طازجة كانت تجلب من حين لآخر بواسطة ذويهم .

والمقبرة نفسها أو على الأقل جزء من التجهيزات الجنائزية كان يفترض أنها عطية من الملك كرمز للحظوة الملكية وكانت تسمى (الرضا الذي يمنحه الملك) أي (حتب دي نسو Hotp-di-nesu) .

لكن العطية العينية استبدلت منذ وقت مبكر بقائمة مطولة تتضمن سردا بمكونات هذه العطية ، مستهلة بالصيغة المبسطة (حتب دي نسو) ولكنها اختصرت منذ وقت مبكر إلى (ألف من الخبز والجعة ، وثيران وطيور وأواني مرمرية مع الملابس) ، وألف هنا تعبير عن العديد العظيم لكل من هذه المواد . ويرتبط في صحبة الملك كواهب هذا العطاء العيني - مختلف الآلهة الذيين كان الغرب في مختلف الأقاليم يع تحت حمايتهم . والواقع أن صيغة (حتب دي نسو) عنت أكثر من مجرد (صلاة) موجهة إلى آلهة لكي تهب تجهيزات المقبرة والعطايا الحافلة بها إلى الميت . وحيث أن وادي النيل الضيق في الصعيد والصحراء الغربية على مدى البصر في كل مكان ، لم يبعد أكثر من بضع أميال من القرى الواقعة على امتداد النهر ، كان الغرب الموقع الطبيعي لعالم الموتى . أما في شمال البلاد أي الدلتا حيث الصحراء الغربية بعيدة تماما ولا تطال إلى عبر رحلة طويلة فإننا نقابل مفهوما مختلفا ، فالأفق الممتد المفتوح للدلتا كان فيما يبدو الموطن الأصلي لفكرة وقوع عالم الموتى في السماء والتي يتحولون فيها إلى نجوز . ولقد اختلفط هذا المفهوم لاحقا مع فكرة أرض الموتى في الغرب لكن شذرات واضحة منه تأتي إلى الضوء من حين إلى آخر .

وخلال الأسرة الخامسة حيث كانت ديانة الشمس (بهليوبوليس) تحت مكانة سائدة كان من الطبيعي أن تتمتع نظرية السماء بالحظوة ، وتمدنا نصوص الأهرامات بوصف بالغ الحيوية عن صعود الملك المتوفي إلى السماء فهو يصعد إليها عبر سلم علوي عظيم أو قابضا على ذيل البقرة السمائية ، أو محلقا إليها كطائر ، أو محمولا إلهيا من دخان البخور المحترق ، أو عاصفة رملية . وهذه التفاصيل ربما لم تكن أكثر من خيال شاعر ولكنها توضح أن السماء كانت عندئذ المستقر الفعلي للميت .

ويشير الشكل الذي أسقطته مخيلة الإنسان البدائي على الجزء فوق الطبيعي والثابت من الإنسان أي الروح إلى عين الاتجاهات الفكرية . فالروح تغادر الجسد لحظة الموت ثم تطير بعيدا في صورة طائر ، وهذا الطائر كان إما (با Bai) أي (Jabiru)(16) (وهو نوع من الطيور اسمه العلمي Mycteria ephippiorhynchus) لم يعد موجودا في مصر الآن) ، أو (آخ Ikh)(17) وهو الطائر إبيس (واسمه العلمي Ibis comata) ، ورغما عن ذلك فيمكن للروح (أن تأخذ أي شكل حبه) . وفي العصور التاريخية كانت (البا والآخ) يستخدمان مع (الكا ka) (18) التي سنعالجها لاحقا ، وذلك للتعبير أو لتجديد المكونات الروحية لفرد ما ، ولكن من المستحيل أن نعرف طبيعة كل منها بدقة ولم تكن طبيعتها المحددة واضحة تماما للمصريين أنفسهم . (فالبا Bai)(19) تدل على أي شكل وليس فقط شكل طائر يمكن أن تختاره الروح ، لذلك يترجمها علماء المصريات عادة إما ب(المظهر الخارجي external manifestation) أو (روح) ببساطة ، وجمع الكلمة (باو Bew) يعبر عن مجموع هذه المظاهر التي يستطيع أن يتقمصها فردا ما ، ولذلك فهي تعني (قدرات abilities) أو قوة Power) . و(الآخ Ikh) تترجم (روح spirit) أو (الروح المشعة shining spirit) ، و(مشعة shining) هي المعنى الأصلي للكلمة التي تعبر عن الطائر بسبب الألوان الزاهية لريشه . ولقد بقي طائر (البا ba bird) في كل الأوقات الرمز المفضل للروح وكان يمثل عادة برأس إنسان ، ولكن منذ الدولة الوسطى لم نعد نقابل (طائر الآخ Ikh-bird) بعد ذلك ، وأصبحت كلمة (آخ) تميل أكثر وأكثر للتعبير عن معنى مارد أو شبح ، وقد استخدمت بهذا المعنى الأخير في اللغة القبطية .

وليس من السهل أن ننقل إلى عقل إنسان معصار المعنى الذي يكن أن ينتقل إلينا من كلمة (كا Ka) وهي الجزء الروحي الثالث للإنسان ، وربما من افضل بسبب ذلك أن نورد النتائج التي توصل إليا (السير ألن جاردنر Sir Alan Gardiner) بعد تمحيص شامل لهذا الموضوع حيث يقرر : (أن الاصطلاح يبدو أنه يحتضن النفس الكلية لشخص ما منظورا إليها ككل منفصلة إلى حد ما عن ذلك الشخص) . والمفاهيم الحديثة التي تقابل مفاهيم (الكا) هي الشخصية ، والروح ، والفردية ، والمزاج . والاصطلاح ربما يعني أيضا حظ الشخص أو مكانته ولقد أدرك المصريون هذه الدلالات بفهم شخصي ومتسق أكثر من إدراكنا .

ولقد كانت نصوص الأهرامات من الأسرتين الخامسة والسادسة تصور أساسا مصير الملك بعد الموت ، ولكن قدرا كبيرا من هذا بلا شك كان مقدرا أيضا لأي ميت عادي فأرواحهم تصل إل السماء التي تجسدها الإلهة (نوت) ، وترى النجوم على جسدها ليلا . فنوت كانت هي (الواحدة ذات الألف روح Kha-Bawes) وبالتأكيد فإن هذه النجوم التي لاحصر لها لاتعود إلى الملوك الموتى فقط ، لكن انطوت أيضا على الموتى من البشر كذلك . وتحت تأثير هذا الاعتقاد فإن غرفة الدفن في المقبرة وكذلك التابوت ، والتي كانت أصلا لاتعدو أن تكون بمثابة منزل الميت فقد تحولا تدريجيا إلى صورة مصغرة للكون فسقف غرفة الدفن مزخرفة تماما بصفوف من النجوم بينما غطاء التابوت يحمل على سقفه الداخل صورة للإلهة (نوت) وتحتوي النقوش التي عليه كلمات الترحيب التي تخاطب بها نوت المتوفي كاين لها ، كذلك كلمات إله الأرض (جب) الذي يعد الميت ابنا له (20) . فالملك إذا هو ابن السماء والأرض اللذين كما هو متخيل يحتضنان روحه والجزء المادي أو جسده .

أثر الشمس في الفكر والعقيدة

وفي المراحل اللاحقة فإن هذه المفاهيم حسب نصوص الأهرامات امتدت من الملك إلىكافة رعيته . وقد أعتبر الملك ابنا ل(رع) إله الشمس حيث يلحقه ويلتحق بعد وفاته بأبيه في السماء مرافقا له في مركبه المقدس خلال رحلته اليومية عبر الأفق . ومن الطبيعي تماما أن العامة من الشعب رغم أنهم لم يعتبروا أنفسهم قط أبناء للإله (رع) إلا أنهم آمنوا بأنهم من خلقه ، وعلى ذلك فسرعان ما اقتبسوا نفس مصير الملك .

ولعلنا نتساءل ما هو العنصر في ديانة الشمس الذي اجتذب المصريين بهذه الصورة ؟ لقد كان ذلك يعود جزئيا إلى أنه يرى الأهمية العظمى للشمس بضوئها وللدفء الذي تشعه ، وبالحياة التي تقدمها للإنسان وللطبيعة بأكملها ، ولقد أدرك المصريون ضرورة الشمس للحياة فبدونها تختفي مظاهرها على ألأرض ، ولكن إدراك هذه الحقيقة لايفسر السيطرة النهائية للعقيدة الشمسية . ولعل السبب في النظر إلهيا يعود أكثر إلى التماثل المفترض الذي اعتقد المصريون تواجده بين حياة الشمس وحياة البشر ، وإلى المنفعة والبهجة التي استمدها الإنسان من وجود مسار الشمس اليومي مضيفا إلى ذلك الطمأنينة الناجمة عن استمرار حياته بعد الموت على غرار الشمس .

فالشمس تشرق في الصباح وتسطع طوال النهار ثم تختفي مساء في الأفق الغربي . ولكن هذا الإختفاء ليس إلا ظاهريا ومؤقتا لأن الشمس لم تكف عن الحياة ، وخير دليل على ذلك هو معاودتها للظهور في الصباح التالي بعد أن أمضت الليل في عالم غير مرئي . ولقد شكل المصريون اعتقادهم بأن الحياة الإنسانية تتماثل مع المسار اليومي للشمس ، التي ترسل أشعتها الواهبة للحياة طوال اليوم ثم تغرب في المساء . فالإنسان يولد كما تولد الشمس في الصباح ويعيش حياته الأرضية ثم يموت مثلها فالتماثل المفترض يقتضي عدم اعتبار هذا الموت بمثابة نهاية المطاف . فالإنسان يواصل الحياة بعدما يسمى بالموت في عالم خارج نطاق حواسه ، وكحتمية منطقية يبعث مرة أخرى إلى حياة مجددة . فالغرب حيث تختفي كل من الشمس والإنسان يسمى (عنخ Onkh) أي (الحياة) والتعبيرات مثل (Wahm Onkh) تعني (الذي يجدد الحياة) أو في العصور المتأخرة (Ankh-hotep) أي (الذي يحيا ويستقر) وهذه كانت كلها تلحق بأسماء الميت . والتابوت نفسه يدعى (Neb Onkh) أي (ريب الحياة) . والسؤال الذي لم يحسم في ديانة الشمس هو : متى على وجه التحديد وتحت أية ظروف ستأخذ الحياة الجديدة أو المتجددة مكانها ؟ ورغم ذلك فإن هذه التفاصيل لم تكن كبيرة الأهمية . فامليت مثل الملك المتوفي كان يشارك في المسيرة الليلية للشمس كمشاهد في رفقة إله الشمس ، ومن لامقارنة والتماثل بين الشمس والإنسان لم يكن ثم إلا خطوة واحدة لاستكمال الإلتئام التام بين الإثنين عندما اعتبر الإنسان بعد موته أنه أضحى جزءا من جوهر مادة إلها لشمس او بتعبير المصريين (الروح الرائعة للإله رع Ikh Okeren Re) .

عقيدة أوزيريس وتجدد الحياة

ولقد كان هناك أيضا حدثان منتظمان آخران إلى جوار المسار اليومي للشمس دعا حاسة المقارنة لدى المصريين إلى استخلاص المفاهيم عن الحياة من جانب ثم عن الموت واستمرارية الحياة بعده من جانب آخر . وهذان الحدثان كانا هما فيضان النيل أو الإرتفاع السنوي للنهر والذي يستتبعه الإزدهار المبدع للحياة الخضراء التي كانت تكاد تتوقف من قبل الفيضان بسبب الحرارة المتزايدة ونقص المياه . ونفحة الحياة من النيل والتي تجدد الحياة الخضارء لابد وأنها أثرت بعمق على مفاهيم شعب زراعي وارتبطت منذ وقت مبكر للغاية مع الشخص الإله (أوزيريس) .

وهناك أيضا رأيا متناقضان تماما عن أصل لشخصية الإله (أوزيريس) صاغها علماء المصريات وطبقا لواحدة منهما كان (أوزيريس) أصلا ملكا من البشر حكم في عصر سحق للغاية جميع أرض مصر من عاصمته في شرق الدلتا(21) . ولقد فسرت ميتته العنيفة غارقا في النيل والتي تسبب فيها أخوه الإله (ست) طبقا لهذه النظرية باعتبارها ميتة لملك في ثورة ضده كان مركزها مدينة (أمبوس Ombos) في مصر العليا مقر عبادة الإله (ست)(22) . ولقد تسبب ذلك في انقسام البلاد إلى مملكتين مستقلتين أحدهما في الدلتا والأخرى في الصعيد وقد وحدتا مرة أخرى بعد ذلك نتيجة لحملة ناجحة للشماليين . وللقد انعكس هذا الصراع وإعادة تأسيس المملكة الأصلية في البلاد في الأسطورة بانتصار ابن (أوزيريس) الإله (حورس) على (ست) .ولقد أله (أوزيريس) وأصبحت له عقيدة خاصة ارتبطت بحياته ومصرعه والتي كانت تشبه كثيرا عقيدة المسيحية التي أسست المعاناة التي لاقاها (يسوع) عند موته .

وقد أصبحت هذه العقيدة - التي انتسبت إلى (أوزيريس) الذي بعث يحكم عالم الموتى ورأت في ذلك الهزيمة النهائية للإله (ست)- رمزا لانتصار مبدأ الخير والعدالة على الشر . والإله (إيزيس) (23) أخت (أوزيريس) لم تكن طبقا لنظرية هذه العقيدة الأوزيريسية إلا تجسيدا لعرش (أوزيريس) حيث أن الاسم (إيزيس) (بالمصرية القديمة إيست Eset( يعني في حقيقته (عرش أو نبت حوت Nebthut) (24) كانت تجسيدا لمقر أوزيريس الأمر الذي يتطابق أيضا مع حقيقة اسمها في اللغة المصرية ويعني (سيدة القلعة Lady of a Castle ) (((((صورة رقم 50)))))) .

وبينما تفسر هذه النظرية أسطورة (أوزيريس) كانعكاس لأحداث تاريخية قديمة ، فإن النظرية الثانية ترى في (أوزيريس) تشخيصا للفيضان النيلي وللميلاد الجديد وللحياة الخضراء التي تعقب ذلك الفيضان ، وإن مثل هذا المفهوم عن (أوزيريس) باعتباره إلها للخضرة كان سائدا في مصر ف كل عصور تاريخها المتأخر وربما ساد أيضا منذ العصور المبكرة عندما نقابل اسمه للمرة الأولى في الوثائق المكتوبة ، ولكن في الفقرات القليلة من نصوص هرم الملك (أوناس) ، والتي اقتبست لكي تبرهن على الأصل الطبيعي (لأوزيريس) كإله لفيضانات النيل ، فإنه ليس (أوزيريس) هو الذي يتطابق أو قارن مع فيضان النيل ، ولكن الملك الميت (أوناس)(25) ، وكما تقول هذه الفقرات : (إنه أوناس الذي يغمر الأرض والذي أتى قدما من البحيرة ، إنه أوناس الذي يغمر نبات البردى( ، وتقول التعويذة رقم 388 من نصوص الأهرامات وكذلك التعويذتان 7 ، 5 ، 8 ، 5 مايلي :-

(لقد أتى (أوناس) اليوم من امتلاء الفيضان ، إنه هو (سوبك Subek) بيشة خضراء ووجه يقظ ، ومقدمة جسده المرتفعة ... إنه أتى إلى المستنقعات على الشاطء الذي غمرته مياه الفيضان إلى مكان (أو أرض) الرضى ذات الجنان الخضراء في مملكة الضياء . لقد ظهر أوناس في صورة (سوبك) ابن (نيت Neith) . وسبب ربط الملك الميت هنا مع الفيضان في التعويذة الأخيرة هو لمجرد أنه يقارن مع التمساح أو الإله (سوبك) الذي يظهر من الماء ساعيا وراء فريسة أو طعام . وبناء على التوحيد التام المفترض بين الملك (أوناس) وبين (أوزيريس) في ثنايا أقدم الفقرات في نصوص الأهرامات ، فإن الفقرتين الأخيرتين أمكن استخدامهما لإثبات أن (أوزيريس) كان تجسيدا لظواهر طبيعية .

وهذا التوحيد يتواجد فقط في جزء واحد من النصوص ، وهو الجزء الذي يشير إلى طقوس تقديم القرابين حيث يخاطب الميت المستفيد منها دوما (أوزيريس - أوناس) . وإن كان ذلك تعديلا معاصرا لموت الملك حيث إنه في أي مكان آخر تجد أن الأجزاء الأكثر قدما من هذه النصوص لا يتوحد الملك الميت فيها مع (أوزيريس) بل على العكس فإنه يتوحد مع ابنه الإله (حورس) ، لكنه أي الملك يأتي ليحتل عرش (أوزيريس) ويحم مثله ، ويلتمس من (أوزيريس) أيضا أن يعلن عن نبأ قدومه إلى الآلهة .

ومن ثم فالملك المتوفي هو تكرار (لأوزيريس) ، فإن حالته متماثلة معه ، والملحق يجتهد في أن يماثله أو يقلده . حقا إن خاصية (أوزيريس) كحاكم لأرواح الموتى (Ikh) مألوفة تماما لكن ليس هناك أية ملامح أخرى من طبيعته يمكن أن تلاحظها . فالنصوص في هرم (أوناس) لايمكن لذلك أن تستخدم لإثبات أن (أوزيريس) إله فيضانات النيل منذ البواكير الأولى .

لكن في النسخ المتأخرة لنصوص الأهرامات نرى تحولا نوعيا ف(أوزيريس) يرتبط مع الفيضان النيلي في عدة مناسبات ، لكن مع غياب هذا الرأي في أقدم النصوص فإنه يبدو أكثر احتمالا أن (أوزيريس) قد أضيفت عليه هذه الخاصية من ملك الأحياء ، الذي كان توحيده التخيلي مع الفيضان والخضرة آخر لمحات من تراث المعتقدات البدائية التي ترى أن الحاكم إلى جانب سيطرته على رعيته له سلطة أيضا على الظواهر الطبيعية . وهذا التوحيد مع (أوزيريس) كان في البدء خاصية ينفرد بها الملك فقط وامتد بعد ذلك إلى الأعضاء الآخرين من الأسرة المالكة ، حيث نرى نصوص أهرامات الملكات تعرض هذا المفهوم في نهاية الأسرة السادسة . وأخيرا بتغليب جانب الموت عن جانب الملكية ، فإن هذا التوحيد امتد نطاقه بعد ذلك إلى أي فرد من العامة ، وعلى ذلك فإن صفة (أوزيريس) التي أخذت من الملكية المؤهلة وابتعاثها بعد الموت عادت إلى صفة مشابهة لحالتها الأولى هي البعث بعد الموت عامة . وهذا البعث احتوى الطبيعة كلها خاصة الظاهرتين منها المتعلقتين بالفيضان ونماء الخضرة ، وأضحى (أوزيريس) رمزا للحياة الدائمة أبدا خلال الموت .

وكان طبيعيا للغاية أن يتخيل العقل المصري ارتباطا بين البعث والبذور النامية ، ففي نص من عصر الانتقال الأول تقارن روح الميت مع (نبري Napri)الإله المجسد للقمح (والذي يحيا بعد موته)(26) . ومن الدولة الوسطى فصاعدافإن (أوزيريس) يشار إليه كإله للفيضان والخضرة ، وأيضا في الدولة الحديثة نجد طبيعته الرامزة إلى حياة الخضرة تتبدى تماما في تواتر الإشارة في المقابر إلى (القمح أوزيريس Corn-Osiris) . وهذا يحتوي على صندوق خشبي على هيئة (أوزيريس) محنط ، وكان الصندوق ممتلئا بطمى الأرض المستزرعة فيه حبوب القمح ثم كان الطمى يروى داخل الصندوق وتنضح البذور بالشكل الذي يخترق فيه النبات النامي ثقوبا في غطاء الصندوق . وفي حالة أخرى كان الطمى المشكل في صورة (أوزيريس) يوضع على شرائح الكتان الممتدة بدورها فوق حصيرة من الغابة داخل إطار خشبي(27) .

وهكذا أصبح (أوزيريس) النموذج المحتفظ به لكل الموتى ، فلا غرابة أن انتشرت عقيدته بشكل لايقاوم في كل البلاد وبعد مقاومة معادية أولا تم احتضانه في عقيدة الشمس وضم إلى تاسوع الآلهة في هليوبوليس كابن لإله الأرض (جب) . ولقد مارس أتباعه عبادته أكثر مما قامت به المعابد والكهنة رغم أن كليهما قد وجدا أيضا . ولقد امتص (أوزيريس) تدريجيا المعبودات الجنائزية المحلية ، كما وجد مركز دائم لعقيدته في أبيدوس ربما منذ الزمن الذي كان مازال فيه أساس المفهوم المؤله للملك الميت حيث كانت أبيدوس مهد مقابر الفراعنة الأول . وكان يعتقد أن مقبرة أحدهم وهو الملك (دجر Djer)(28) من الأسرة الأولى هي مقبرة أوزيريس في مدينة أبيدوس وحيث بنى معبده . ولقد أصبحت بقعة حج ، فقد كان المصريون من كل فجاج البلاد إما يدفنون بها أو يبنون مقابرا وهمية لهم بها أو على الأقل يقيمون لوحة على درجات (أوزيريس) . ولقد بنى الملك (سيتي الأول) من الأسرة التاسعة عشرة معبدا جنازيا في أبيدوس كان يحتوي على مقبرة سفلية رغم أن له معبدا ومقبرة فعلية في طيبة(29) .

وبالنظر إلى الطابع المحافظ للعقل المصري الذي كان لاينزع إلى التخلي عن عقائد قديمة عندما تظهر مفاهيم جديدة ، فإننا لاندهش إذا رأينا أن توحيد الميت مع (أوزيريس) لم يعن التخلي عن التعاويذ القديمة التي كانت ترتل خلال الإحتفالات الجنائزية ، والتي كانت تستهدف المحافظة على وجود ورفاهية الميت بالقوى السحرية لها ، بل على العكس من ذلك فإن عددا عظيما من هذه التعاويذ التي عرفناها من نصوص ألأهرامات اقتبست لاستخدامها لحساب البسطاء من الناس ، وأوضحت لدينا تعاويذ جديدة من نفس النوعية القديمة أضيفت إلى الحصيلة السالفة لها ، ولكنها لم تكن ترتل فقط في الجنازات ، بل كان من المعتقد أنه من المفيد أن توضع ف متناول الميت في أية لحظة عندما يحتاج إليها ، وعلى ذلك فإنها كتبت أولا على جدران التوابيت حيث نطلق عليها اسم نصوص التوابيت ، ومنذ الدولة الحديثة أصبحت تكتب على أوراق البردى وتودع مع جسد الميت والتي تسمى بكتبا الموتى ((((صورة رقم 51)))) . ومن الضروري أن نتذكر دائما أنها لاتمثل إخراجا منظما متسقا للمفاهيم المصرية فيما يتعلق بالحياة بعد الموت أو بالديانة المصرية ، ولكنها مجرد جمع عشوائي لممارسات سحرية ، والمصريون أنفسهم كانوا متنبهين تماما للطابع شبه البدائي هذا لكتاب الموتى ، وبذلت المحاولات لصقل مضمونها الغليظ أو الجافي وذلك بإنجاز التفسيرات الرمزية وهو اتجاه عام للتطور في كل الديانات .

ومن بين أنواع المساعدات المختلفة التي تقدمها هذه التعاويذ أو الفصول للميت : الحماية ضد الجوع والعطش في العالم الآخر ، وكذلك القدرة على التقمص في مختلف الأشكال الحيوانية ، وكذلك القدرة للخروج إلى النهار (Piret-emhrow) ، أما هذا الخروج إلى الضوء من ظلمة المقبرة لتناول التقدمات الجنازية فقد كان هاما لدرجة أن اصطلاح (برت إم هرو Piret-emhrow) أضحى العنوان لكتاب الموتى بأسره .

وفي نصوص الأهرامات نرى أن امتلاك ومعرفة التعاويذ السحرية وسيلة هامة للغاية لإحراز القوة والسعادة بعد الموت ، ويبدو هذا طبيعيا حيث كانت هذه النصوص مخصصة أصلا لصالح الملك الذي بصفته إلها يرتفع فوق البشر جميعا . وبالنسبة للأفراد أنفسهم فإن مفهوما أكثر صقلا تطور تدريجيا وأضحى منافسا للمفاهيم التي تعتمد فقط على قوى السحر ، فالسعادة في العالم الآخر هي الجائزة والشرط لسلوك فاضل ومستقيم على الأرض .

وفي هذه الخصوصية كان المصريون يرغبون في تقليد (أوزيريس) الذي قدمه (ست) أما (رع) ودائرة الآلهة في (هليوبوليس) ، لكن بئت ساحته بمساعدة الإله (تحوت) من القضاة الإلهيين على أنه (صادق الصوت Ma-Khrow) وتشوقا إلى البعث والحياة بعد الموت مثل (أوزيريس) وبالتماثل معه فإن الإنسان كان يجب أن يتلقى بدوره حكما إلهيا في هذه الحالة (من (أوزيريس) نفسه لأنه إله الموتى . وهذا الحكم كان نتيجة لمصلحة الإنسان وشكل المحكمة الأخروية التي تصدره كانت تمثله الرسوم المعروفة والتي تصاحب عادة الفصل 125 من كتاب الموتى(30) .

وهذه المحاكمة تأخذ مكانها أمام (أوزيريس) وأتباعه الإثنين والأربعين والفصل 125 يحتوي على مجموعتين من إنكار الميت للأفعال وللصفات الشريرة ، يبدو واضحا أنهما كانتا فقرتين منفصلتين في هذا الفصل ، وكل تقرير إنكاري من المجموعة الثانية يوجه إلى أ؛د مستشاري (أوزيريس) ويقود (حورس) المتوفي من يده أمام هؤلاء القضاة . ويوجد أمام (أوزيريس) ميزان يقف إزاءه الإله (أنوبيس) بينما يسجل الحكيم (تحوت) على لوحة كتابية نتائج وزن قلب الميت في مقابل الصدق .

وعلى كفتي الميزان يوزن القلب يقابله الصدق الذي يرمز إليه إما بريشة نعام ، أو بتمثال جالس لإلهة الصدق (ماعت) على رأسها ريشة نعام , وف الرسم تمثل كفتي الميزان دائما في توازن تام ، وهو مثال من الواضح أنه يستهدف مصلحة الميت حيث وزن القلب مستقر الإرادة ومصدر أفعال الإنسان كان يتساوى تماما مع وزن الصدق . وليس من المعروف كيف يوزن قلب إنسان خاطئ ، وإذا كانت الأفعال شريرة تجعل القلب ثقيلا أو تجعله أخف وزنا من الصدق ، لكن من المؤكد أن هناك فرقا في الوزن ين الصدق وبين قلب آثم(31) . فإذا كانت نتيجة الوزن مرضية فإن الميت يعلن مبرئا (أو صادق الصوت True of Voice ) مثل (أوزيريس) ويصبح حقيقا بالحياة والسعادة في مملكته لكن إذا كان الإختبار غير مرض فإن الميت يدمر بواسطة (الملتهمة Devourer of the Dead) ، وهو وحش خرافي ينتصب منتظرا إلى جوار امليزان وهو مزيج من تمساح و أسد وفرس بحر .

وبالنظر إلى هذا التأصيل للقيمة الأخلاقية للميت فإنه من الصعب أن نرى في نص هذا الفصل من كتاب الموتى - والذي يطلق عليها عادة وبدرجة كبيرة من المبالغة (الإعتراف الإنكاري) - أكثر من مجرد تعويذة سحرية يمكن تأكيده بمجرد الكلمات . لكن إنكار الخطايا التي تتضمنها هذه التعويذة هو دليل بذاته على اشتراط مستوى أخلاقي في الحفاظ على الحياة والسعادة في الحياة القادمة ، وهذه الإنتفاضة الأخلاقية ظهرت في العقيدة الأوزيرية ، ومنذئذ أصبح (أوزيريس) دائما مرتبطا بها .

الحفاظ على جسد الميت وتجهيزات المقبرة

ولقد كان الحفاظ على جسد الميت شرطا آخر للحياة بعد الموت ((((صورة رقم 52))))) ، والذي حاز مكانته فقط بالتدريج ، فالأجساد في عصور ماقبل التأريخ توضح أنه لم يكن هناك ثمة محاولة للحفاظ عليها صناعيا ، لكن حالات من التحنيط لوحظت مبكرا منذ الأسرات الملكية الأولى ، وفي الأسرة الرابعة لم يصبح ممارسته (((صورة رقم 53)))))))) . فهناك أربع أواني تحفظ بها أحشاء الميت ، كل منها كانت تحت حماية ابن من أبناء حورس الأربعة ((((((صورة رقم 54))))))))) وأسماؤهم (إمست Imset) و (حابي Hapy) و (دواموتف Duamuter) و (قبح سنوف Kebehsenuf)(32) (((((((( صورة 55- 58))))))) . فخشية التحلل التام للجسد أدت إلى تطوير وسيلة التحنيط ، وكانت الجهود المركزة تبذل للحفاظ على الملامح الطبيعية لجسد الميت وبالتالي على هويته .

وفي الأسرة الرابعة وجدت عادة مؤقتة استهدفت إمكان تعويض فقدان أكثر الأجزاء أهمية في الجسد ألا وهو الرأس ، يدفن (رأس بديل Substitute head) من الحجر يماثل بإتقان صورة الوجه . وقد ساعد الجفاف بشكل كبير في البلاد على الجفاف الطبيعي للأجساد وفي الحفاظ عليها ، وربما كانت هذه الظاهرة الطبيعية هي حذور الإعتقاد بأن المحافظة على الجسد هو أمر مرغوب فيه وشرط لاستمرار ذلك الشخص في الحياة (33) .

وقد كانت الحرص على الحفاظ على الجسد ينعكس أيضا في الإنتقال من استخدام التوابيت الخشبية إلى الحجرية ، وبزيادة أعدادها إلى اثنين أو ثلاثة منها للجسد الواحد وفي حالات الدفنات الملكية إلى عدد أكثر من ذلك (((((( صورة رقم 59-61))))))) .

وتفسر هذه المفاهيم إزاء الحياة بعد الموت بما فيه الكفاية في وضع مختلف أنواع التجهيزات في المقابر خاصة أدوات الإستخدام اليومي ، ويبقى أمامنا أن نلمح فيما يلي إلى بعض المفاهيم الأخرى والتي تبدو أصولها أقل غموضا والتي يتواتر وجودها وتبدو مميزة لمصر القديمة .

فالفصل الثلاثون من كتاب الموتى يعد نموذا آخر للمتطلبات الأخلاقية عن طهارة الذيل في محاكمة الميت بالتعاويذ السحرية (magical incantation) ، وهذا الفصل يخاطب القلب الذي يعتبره المصريون أكثر العناصر أهمية في اجتذاب رضاه ، وهو يتولى ذلك بالكلمات التالية (أواه ياقلب أمي ... أواه ياقلب أمي ... أواه ياصدري ... الذي يضم أشكالي المختلفة ... لاتقف ضدي كشاهد ... ولاتعاديني في مجلس القضاة ... ولا تعاديني أمام الحافظ على الميزان ... فأنت روحي التي في جسدي ... (وخنوم) الذي صنع أعضائي مزدهرة .... فلنتقدم في طريق السعادة ولنسرع خطانا إلى هناك ولاتجعل اسمي مرذولا عند النبلاء الذين يجعلون البشر (أكواما؟) ... وإنه لمن الأفضل لنا ولسامعي الدعوات والبهجة يامعطي الأحكام ... ألا تلق الأكاذيب ضدي في حضرة الإله الأعظم ولتحذر مما قد تلقى به) .

ومنذ نهاية عصر الإنتقال الثاني فإن هذه التعويذة وجدت محفورة على القواعد المسطحة لعدد من التمائم الحجرية استكملت حوافها العليا على شكل جعل (Scarab) . ولقد كان الجعل دائما رمزا لكلا من ولادة الشمس وميلاد الحياة عام . والجعل المغطى بالفصل الثلاثين من كتاب الموتى يخدم كبديل لقلب الميت ، وكان يوضع فوق صدره المومياء على قمة لفائفها . وإن الصلة اللصيقة لهذه (الجعارين القلبية Heart Scarabs) مع القلب يوضحه قطع الحواف الخارجية لقواعدها على شكل قلب (34) .

وإن آراء المصريين عن طبيعة الحياة بعد الموت في (الأرض الأخرى Other Land) كما أطلقوا عليها أحيانا لتمييزها عن (هذه الأرض This Land) كانت معرضة للتغيرات رغم محافظتها العنيدة ، وعلى ذلك فإن الأصول البسيطة نسبيا لهذه الآراء عن الحياة بعد الموت أصبحت مضطربة وغامضة بمرور الزمن. فحتى منتصف الأسرة الثامنة عشرة كان الرأي السائد أن الحياة هناك تعد نموذجاً مبسطاً لمفهوم الوجود على الأرض, وهذا المفهوم ليس واضحاً فحسب من خلال الأدوات الموجودة في المقابر, بل أيضاً من الرسوم والتماثيل في مقابر هؤلاء الذين تسمح مواردهم بمثل هذه الزحارف. ففيها يصور الميت محاظاً بأفراد عائلته وأصدقائه وأتباعه وكذلك ممتلكاته أو مصطحباً رئيسه أو مليكه ممارساً إهتماماته ومتعه, وبإختصار في إستمتاع كامل بكل ثروته التي أحرزها [صورة رقم 62]. ولقد كان هناك جدل بين علماء المصريات عن المغزى الذي تمثله مثل هذه المناظر فالبعض كان مقنعاً بأن هذه الرسوم والنقوش التي تمثل كل ما امتلكه أو حصل عليه الميت أثناء حياته على الأرض كان يفترض أن تصبح حقائق مجددة في العالم الآخر بفعاليتها السحرية التي نعرف أن المصريين ينسبونها إلى صور الأشياء بالإضافة إلى الكلمة المنطوقة والمكتوبة. والبعض الآخر منهم أنكر هذا الغرض وعزوا تواتر هذه الرسوم والنقوش بشكل رئيسي إلى إعتزاز صاحب المقبرة بها, بالإضافة إلى الحافز الفني يعد كظاهرة غير عادية في الشعب المصري. ومن المؤكد أن كلا الإعتبارين معاً على الإسهام في تكوين هذه العادة, لكن التفسير السحري يبدو أكثر إلحاحاً علينا في الوقت الراهن, فاصطلاحات مثل "إلى الأبد Eternally" والتي تصحب الرسوم من حين إلى آخر يمكن أن تفسر على وجه مرضي بإفتراض أن هذه الرسوم كانت تستهدف تحقيق أو إحياء واقعية المناظر. وعلاوة على ذلك فإن حيزاً قليلاً للغاية كان يخصص للأحداث الفردية في حياة الميت الماضية كما في سير الحياة المدونة في المقابر على سبيل المثال, الأمر الذي يدفعنا إلى التشكك في أن الفخر والإدعاء كان هو السبب الوحيد أو الرئيسي. وأحياناً كانت الرسوم والنقوش ترد في أماكن لم تكن من المقصود أن تكون للجمهور بعد العرض أو أنها كانت مقصورة على الطقوس الجنائزية, حيث الخلود بعد الموت كان هو بالتأكيد الشاغل الوحيد لصاحب المقبرة. وقرب نهاية الدول القديمة خلال فترة الإنتقال الأولى خاصة الدولة الوسطى كانت الصور والمناظر الجدارية داخل المقبرة كثيراً ما تستبدل بتماثيل صغيرة للخدم والحرفيين التابعين للميت ولمبانيه وحدائقه وماشيته وسفته. وهذه التماثيل كانت تجمع على أرضيات خشبية لتشكل مناظر من نفس طبيسعة المناظر التي تمثل في أماكن أخرى فوق جدران المقبرة مثل السفن بتجهيزاتها وطاقم بحايرتها الكامل وتسجيلات الكتبة للقمح المحمول في غرارات بواسطة الخدم إلى المخازن (أو الصوامع) وإستلام الماشية ومناظر الغزل وانسيج وأعمال النجارة والجزراة وتخمير الجعة والخبيز. . . ألخ. وهذه النماذج الخشبية وهي غالباً تمثل أعمال فنية جميلة تعتبر البدائل لثروته الأرضية التي ينبغي أن تصحبه إلى الحياة الأخروية كانت توضع في حجرة منيعة تحتوي التابوت الذي يحوي جسد الميت.

وحتى الدولة الوسطى كان الإعتقاد السائد أن العمل اليدوي يؤدى للرجل الثري في الحياة الأخرى بواسطة الخدم الممثلين في الصور التي على جدران المقابر أو في شكل تماثيل توضع معه في غرفة الدفن, وليس هناك بيان عن فكرة الطبقة العامة أو العاملة التي إعتقدوها عن مستقبل حياتهم, ولكن يمكن إستنتاج أنهم كانو يعتبرون ذلك أمراً طبيعياً أن يواصلوا العمل لسادتهم في المنول أو الحقول في الحياة بعد الموت. وكانت أسماء تضاف كثيراً إلى جوار صور الخدم في خربشات نفذت في عجلة تتناقض مع النقوش الرسمية المحفورة بعناية فائقة, كما كانت هذه الأسماء تخطط بالحبر أحياناً على التماثيل الخشبية وكلها أداة على أن الخدم لم يكن يفترض إصطحابهم مع أسيادهم فقط, ولكن أيضاً الأفراد الذين خدموا معه خلال حيانه, ومن المحتمل حتى انهم بتوحيد أنفسهم مع الأشخاص الممثلين في الصور أو أعمال النحت كان الخدم يجتهدون في تحقيق الطمانينة لهم عند الوجود بعد الموت.

ومن المرجح أن خلال الثورة الإجتماعية في عصر الإنتقال الأول جعل العمل اليدوي إجبارياً لأي شخص ميت, وهو أمر يتناقض مع الحالة التي كان أو كانت عليها الحياة الأرضي. وفي عين الفترة فإن تعويذة سحرية ضمت في وقت لاححق إلى الفصل السادس من كتاب الموتى صيغتت لكي تجنب الميت الخدمة في حقول العالم الآخر. وبدأت نماذج صغيرة لمومياء الميت داخل توابيت صغيرة في الظهور في المقابر مصحوبة بنقش كتابي يهدف بوضوح إلى إستدعاء هؤلاء الذين يقومون عن الميت بالعمل في الحقول عند إستدعائهم في الصباح في قوائم العمل. وهذه التعويذة على النحو التالي "تعويذة لدعوة (الشوابتي) أن يؤدي العمل عن شخص ما في العالم السفلي: أي (شوابتي). . .إذا كان فلان ينادي أو إذا وضعت في قائمة لتأدية أي عمل ما في العالم الآخر كرجل يؤدي واجباته ليزرع الحقول أو لري شواطئ النهر أو لنقل رمال الشرق إلى الغرب. . فسوف تقول: أنا حاضر هما". وبالتدريج أضحت نماذج المومياوات تستبدل بتماثيل صغيرة للأحياء عادة من طين محروق وقليلاً من حجر أو خشب, وكثير جداً من المعدن. وأيديهم المتقاطعة على صدورهم تمسك الأدوات المميزة للعمل في الحقول كالفاس والغرارة. وتنقش على سطوح هذه التماثيل أو الدمى فقرات من الفصل السادس من كتاب الموتى والتي تشير إلى أسماء هذه الدمى في اللغة المصرية "شواتي Shawabti" والتي أصبحت فيما بعد :أوشبتي Ushebti" والمعنى الأصلي للكلمة لا نعرفه على وجه الدقة, وربما ترتبط بإسم شجرة "البرسيا Presea-tree" وبالمصرية القديمة (Shawab), ولكن في الدولة الحديثة أصبح الشكل السائد للكلمة أوشبتي Ushebti بمعنى "مجيب" وذلك لمواءمة وظيفتها في الإجابة على النداء بدلاً من الميت [صورة رقم 63].

وعندما إختفت عادة دفن دمى الخدم في المقابر عند نهاية الدولة الوسطى, فإن تماثيل الخدم هذه تحولت إلى "أوشبتي" التي أضحت الآن تؤدي وظيفة مزدوجة في تجسيد الميت وخدمته معاً. وعلى ذلك لم يصبح هناك "أوشبتى" واحد فقط للشخص, ولكنها تععدت, وكان عددها يزداد بثبات, ففي العصور اللاحقة وصل عددها إلى 365 تمثالاً, لكل يوم من أيام السنه واحد منها, وكان هناك تمثال رئيس الأعكال لكل عشرة منها.

وقد ظلت عادة وضع الطعام والضرورات الأخرى مع الميت لإستخدامها في الحياة الأخرى والتي إشتقت من المفاهيم البدائية من الحياة بعد الموت – ثابنة دون تركها. رغم أنه في العصور المتأخرة أصبحت هذه التجهيزات تذكر رمزياً فقط, فنماذج صغيرة حجرية لمختلف أنواع اللحوم صارت عوضاً عن الطعام الفعلي والملابس والصنادل والمجوهرات . . . ألخ . . . أضحت تصور داخل التوابيت في عصر الإنتقال الأول والدولة الوسطى. وفي خلال العصر التالي تواترت أدوات مختلفة كالتيجان والصولجانات, ووجودها يمكن أن يفسر فقط بأن هذه العادة نشأت مع الملوك وامتدت بعد ذلك مؤخراً إلى الأفراد من غير ذوي الدماء الملكية, وعين التطور صحيح أيضاً بالنسبة للنصوص الجنائزية المدونة على التوابيت في عصر الدولة الحديثة حيث كان عدد كبير من هذه الأدوات يوجد كتمائم من ا لحجر أو القاشاني أو المعدن توضع فوق الجسد المحنط.

ولقد رأينا كيف كانت المفاهيم عن مصير البشر بعد الموت متناقضة ومتشابكة. فهم يصعدون إلى ال سماء لمزاولة وجودهم هناك كنجوم أو يواصلون حياتهم الأرضية مستمعين بكل ما تملكوه من قبل, أو كانو خاضعين ايضاً لكل ضروب العمل الزراعي السفلي الشاق, أو منضمين إلى "أوزيريس" لياخذوا نصيبهم في حكم العالم السفلي, أو منضمين لإله الشمس "رع" في مركبه لمصاحبته في رحلته إلى السماء خلال النهار وإلى العالم السفلي خلال الليل. وهذه الرحلة الليلية في العالم الآخر كانت موضواً لكتابين أحدهما "كتاب البوابات Book of Gates" و "كتاب من هو موجود في العام السفلي Book of him who is in the underworld" (والذي يسمى بالمصرية أمدوات Amduat[صورة رقم 64] أو بشكل أكثر صحة Amde). وقد كان الكتابان نموذجان أخرين للأدب الجنائزي المثير الذي إنفرد المصريون دون شعوب كل العصور وكل العالم, في إبداعه مه موتاهم. وأصلاً كان هذان الكتابان يمثلان الأفكار السائدة عن العالم الآخر فيما عدا الفكرة المركيزة عن الرحلة الشمسة, فهي إنتاج خيالي لعقول متفتحة لايمكن لنا تجاهلها لأنها تشكل مضمون معظم النصوص والرسوم التي تغطي المقابر أو سطوح التوابيت لملوك الدولة الحديثة في وادي الملوك بدءاً بالفرعون "تحوتمس الأول" فصاعدا. وفي عصر أكثر تأخراً في الأسرة الحادية والعشرين ظهرت هذه النصوص على أوراق البردي في صيغ مختصرة في مقابر الأفراد من غير ذوي الأصول الملكية, ومن غير الممكن نقل فكرة عن مضمون هذين الطرازين الفخمين من الأدب الجنائزي في بضع سطور, والنصوص ذاتها تاـي في مرتية تالية في الأهمية للرسوم التي تحتوي على هذين العملين.

وكتاب "من هو موجود في العالم السفلي" لا يورد أية إشارة إلى اميت على الإطلاق, كما يندر ذكر الإله"أزوريس", وهو يصف فقط رحلى الليل لإله الشمس خلال ملكوت الظلام في العالم الآخر من الغرب إلى الشرق, وهذا الملكوت مقسم إلى إثنتي عشرة مقاطعة أو منطقة, كل منها ياقبل ساعة من ساعات اليل الإثنتي عشرة وكل منها في كفالة إله, ويقطنه عدة آلهة آخرين سواء كانوا طيبين أو مردة أشرار لهم مظهر مرعب وأسماء مميزة. وفكرة كتاب الموتى مشابهة أيضاً لذلك المضمون, فهو يصف أيضاً رحلة الشمس في اليل خلال عالم سفلي مقسم إلى مقاطعات يتم الوصول إلى كل منها عبر بوابة محصنة, ولكل بوابة حارس مسلح بسكين [الصورة 65, 66].

وكما ان هناك أشراراً وطيبين بين الأحياء فكذلك هناك الطيب والشرير بين الموتى, فكانت أرواح الأشرار منهم مرهوبة فهي تسعى لإلحاق الضرر بالأحياء خاصة الأطفال, وكما يسعى إلى الوقاية من هذه الأرواح بكل المقاييس والوسائل: الرقى والتمائم. وبأعضاء الموتى لعائلة ما الذين كانوا مساعدين عن أبعاد الشر إذا أعتنى بمقابرهم وتقديم القرابين لهم وقد كان من الممكن الإتصال بهم من خلال وسائل محررة على أوراق البردي أو الكتان أو سطوح الأواني اتي تقدم فيها العطايا للميت. فالموتى كان يفترض أنهم يبدون إهتماً بشئون الأحياء وكانوا (قادرين) أقوياء بما فيه الكفاية على مساعدتهم في مواجهة الصعوبات التي تعترضهم على الأرض.

وبغض النظر عن عادة تقديس الآباء فإنه لم يكن هناك عبادة منتشرة للسلف القديم وإن كانت لدينا أدلة عن أشخاص قامو بزيارة مقابر أسلفهم الذين ماتوا منذ عدة أجيال سابقة. وكما سنعرض له في الفصل القادم فقد كان القبر هو المكان المناسب لعبادة الميت, لكن في قرى الدولة الحديثة كانت توجد تماثيل نصفية غفل نم أي أسماء تشير إلى أصحابها وجدت في ح نايا صغيرة في حوائط المنازل. ومن المعتقد أنها كانت تمثل الموتى ذوي القرابة الحميمية بالعائلة وذالين كانوا يقدسون في المنازل التي قطنوا بها حيال حياتهم على الأرض.

العقيدة

يعبر الإنسان عن مشاعره الدينية بتكرار سلسلة من الأفعال التي تكون شكلاً من أشكال عبادة أو عقيدة, وهذه الأفعال ترتب في نظام معين طقساً كان أو إحتفالاً ويتبع نهجاً فكرياً مميزاً.

والعقلية المصرية القديمة كانت متسقة في النظر إلى الأحياء والآلهة والموتى بإعتبارهم جميعاً كما يقرر عالم المصريات (جاردنر): "ثلاثة أنواع من نفس الجنس البشري تخضع لعين المتطلبات المادية, ولنفس العادات والرغبات" وهذه الظاهرة تشاهد كأعظم ما تكون وضوحاً في الأحياء من البشر الذين تتمثل متطلباتهم في الطعام والشراب والماء والإغتسال والعطور واملابس, وكذلك المنزل والراحة والترويح. ولقد خلص المصريون منطقياً إلى أن كل هذه الضروريات أو الإحتياجات يشارك الآلهة والموتى فيها إذا كان لهم أن بستمروا في تواجدهم, وكان الغرض من العقيدة الإلهية والجنائزية هو ضمان إشباع هذه المتطلبات. ومنذ وقت مبكر جداً كان هناك مقر لكل من الأنواع الثلاثة, فالمنزل للإنسان الحي, والمعبد للإله, ولامقبرة للميت, ففي حين كان الإنسان العادي يسكن منزلاص والملك فقط له قصر, إلا أن المعبد كان يطلق عليه "قلعة الأله" والمقبرة "قلعة القرين".

كما أن هناك إختلافاَ آخر فبينما كان منزل الأحياء بما في ذلك القصر الملكي يبنى من مواد فانية مثل طول اللبن المجفف أو الغاب فإن خلود كل من المعبد والمقبرة كان يتحقق بإستخدام الحجر في تشييدها أو بحفرها في الصخور الصلبة الحية.

ولقد كانت التغيرات التي طراـ على تصميم المنزل ثم المقبرة, بعدذ لك بفترة وجيزة قرب نهاية عصور ما قبل التاريخ متماثلة متماً. فالمنزل الدائري التخطيط في الأصل أصبح مستطيل الشكل مع زوايا مستديرة في الأركان ثم إستطال بعد ذلك إستطالة كاملة, أما الجزء السفلي أو الذي تحت الأرض من المقبرة فإنه كان يتبع نفس تصميم البناء العلوي. وحيث أن الهياكل أو المقاصير المبكرة إختفت الآن تماماً فإن تتبع تطور مواز لا يمكن رؤيته في حالة المعبد, ولكن من الأهمية أن الأمثلة المتأخرة للهيكل البدائي للإله "مين" – الذي يعد اقدم إله أمكن حتى الآن التعرف عليه – كان عبارة عن كوخ مخروطي لا يبعد كثيراً عن شكل الأكواخ المربعة والتي مازال يوجد العديد منها عند القبا\ل الإفريقية. وكل الأشكال الثلاثة للمباني تحتوي على غرف يحيا فيها صاحبها سواء الإنسان الحي أو الإله أو الميت واجزاء من المبنى يحفظ فيها أثاثه وممتلكاته, ويكلف الخدم بتقديم الراحة للأحياء ويقوم الكهنة بخدمة الآلهة, في حين أن طبقة خاصة من الكهنة الجنزيين كانوا خدمة القرين اليت تعني براحة الميت ومتطلباته.

ووجود الأواني التي تحتوي على الطعام والشراب في مقابر عصور ما قبل التاريخ تورينا أن هذين العنصرين كان يعتبران جوهرين لحياة ورفاهية الميت, وأقدم وثيقة مكتوبة لديناتؤكد أن الوجبة كانت تشكل أكبر الأجزاء أهمية في الطقس اليومي الجنائزي, وهذا أيضاً صحيح بالنسبة للقرابين والعطايا التي توهب للآلهة.

ولقد كان أي إحتفال معبدي أو جنائزي يبدأ بصب المياه فوق أيدي الكهنة وحرق البخور, وفي هذين الفعلين كان الكاهن يمثل المستفيد نفسه, وهذان الطقسان يسبقان أي وجبة طعام مصرية. ثم بعد ذلك يقدم اميت أو الإله الزيوت والدهون المعطرة وامناشف الأيدي, وفي النهاية يتم تبخيره. وكان صب الماء الذي يتبع ذلك يمثل ممارسة غسل الفم المعتاد قبيل كل وجبة. وفي حين أن الطعام كان يقدم بعد إنتهاء هذه المقدمة.

الممارسات الطقسية

ولقد كان هناك بالتأكيد طقوس أخرى تختلف من منطقة لأخرى وبانسبة لإختلاف صفات المعبودات, لكن القليل منها هو الذي وصل إلينا, وذلك راجع إلى رغبة مبكرة في توحيدها وتعميمها. وحواي الأسرة الثالثة فإن إله الشمس الهيلوبوليتاني "رع-آتوم Re-Atum" بدأ يحرز أرضاً جديدة, ومنذ الأسرة الرابعة فصاعداً وتحت نفوذ عقيدة الشمس فإن لدينا الدليل الواضح عن قبول الإعتقاد بأن الملك المصري الذي كان من قبل ينظر إله كتجسيد للإله "حورس" كان يعتبر أيضاً كأبن لإله الشمس "رع" أو هو إله الشمس نفسه. ومن أجل مكانتهم الدينية, فإن عدداً من الآلهة العظمى سمحت لنفسها بأن تكون موحدة مع الأله "رع" أو متماثلة معه. وكانت النتيجة أن طقسها المعبدي اليويم كان ممزوجاً بتقدم الوقت بعناصر مشتقة من الطقوس لهليوبوليس, والآلهة الصغرى التي حافظت على صفاتها الفردية الأصلية إتبعت عين النهج, وخضوعاً للمحافظة التي تميز بها المصريون القدامى فإن الصفة الخاصة للطقس اليومي الأكثر قدماً – أي الوليمة – لم يتم النخلي عنها نهائياً لكنها أدمجت في الطقس الشمسي الجديد, وبنهاية الدولة القديمة فإن الخدمة الدينية في معابد الألهة والإلهات في كل أنحاء البلاد اصبحت واحدة.

وطبقاً للعقيدة الهليوبوليتانية فإن إله الشمس قد ظهر في اوهلة الأولى من المحيط الأزلي "نون", ثم أصبح يولد كل صباح بعد ذلك عندما كانت الشمس تعاو الظهور في السماء بعد أن يتطهر في حقول "إيارو Iaru" أو حقول الحياة, وهناك إعتقاد آخر يفسر هذا التجلي المتكرر بإعتباره إعادة ولادة الإله الطفل من رحم إلهة السماء "نوت". والملك في صلاحياته كإبن لإله الشمس, وكإله الشمس بعينه, وككاهن أكبر كان عليه أن يجري تطهراً يومياً مماثلاً قبل أن يضع ملابسه وقيل أن يزود بإشارات أو رموزه الملكية. وعلى ذلك فإن التطهر أو صب الماء البديل له أصبح عنصراً رئيسياً في أية خدمة دينية وأضحى النقاء البدني والنظافة أمراً مطلوباً للمك والكاهن, بل والرجل العامي وبالمثل للإله وللميت [صورة رقم 67.]. ولقد أضحى الماء وسيطا\ص لعملية إعادة الولادة هذه, كما عزيت إليه الخصائص امعطية للحياة. وكان كل معبد يزود ببركة مقدسة لغرض التطهر, ولقد كان الطفس الصباحي المبكر ال1ي يفتتح بطقس التطهر يعطي الفعل المصري الذي يعني "يشرق صباحاً" معنى المديح والإطراء واتهجد أو الصلاة بوجه عام.

ولقد إزدادت الممارسات الطقسية تقعداّ عندما إنتشرت أسطورة وعبادة "أوزيريس" من موطنها الأصلي في "بوزيريس Busiris" بالدلتا إلى باقي أنحاء مصر. وهذا التطور كان قد إكتملت معالمه منذ نهاية الأسرة الخامسة مثل ما حدث في عقيدة الشمس, وأصبحت الطقوس الموجودة أنذاك تضع في إعتبارها الملك الميت والإله "أوزيريس" وقد كان "حورس" هو إبن "أوزيريس" ولكنه كان أيضاً هو الملك الحي, والكاهن الأعظم, وبالتالي فإن أباه الفرعون الميت يصبح "أوزيريس".

ولقد كانت هناك عدة صيغ لللأسطورة تذكر كيف أن "أوزيريس" الميت قد بعث للحياة بواسطة ابنه "حورس" [صورة رقم 68]. وطبقاً لواحد من تقليدين مقبولين عامة الأن, فإن "حورس" اعطى "أوزيريس" عينه ليأكلها وبذلك أعاده للحياة مرة أخرى, أما التقليد الثاني فيبدو متأثراً بالطقوس الشمسية في التطهر, وحسب الفقرة التي تحمل ذلك النقليد فإن "أوزيريس" الميت قد عمد أو غسل بواسطة الإله "حورس وتحوت" وهذا التعميد اعاد له الحياة مرة أخرى, ولكنه لم يبعث في جسد جديد مثل ما يحدث لإله الشمس "رع".

ورغم ورغم إحترام التقاليد الطقسية الأوزيرية للخدمة الدينية في المعابد فإن ذلك لم يغير شكل هذه الخدمة أو القداس والتي بقيت شمسية وهليوبوليتانية ولكن أضيفت إليها تفسيرات جديدة. فإن إله الشمس الذي كان يرى من قبل أنه يغسل كل يوم بواسطة إلهة الماء البارد "كبحورت Kebhowet" أصبح الآن يفترض أنه يغسل بواسطة الإلهين "حورس وتحوت" وهما المطهران "لإوزيريس" في الأصل. وقد ذهب المصريون إلى أبعد من ذلك فإنهم لم يتخلو عن مفهوم بعث :أوزيريس" من خلال إلتهام عين "حورس" فقط بل وحدوا بين كل عنصر في الوليمة الجنائزية والإلهية مع "عين حورس".

وقد فرق جسد "أوزيريس" إلى أشلاء عقب مصرعه بواسطة أعدائه., والآن عندما أضحى الملك الميت يتوحد مع "أوزيريس" كان جسد الملك يقدم كما لو كان ممزقاً بالمثل. وكما أن أطراف "أوزيريس" قد تم إحياؤها يغسلها فإن أعضاء جسد الملك كان يفترض أيضاً أنها ضمت إلى بعضها من خلال الإغتسال التطهري. ولقد كان هذا يحدث خلال عملية التحنيط, وكان المحنطون يلعبون أثناء ذلك دور كل من الإلهين "حورس وتحتوت" زربما كانوا يرتدون الأقنعة ادالة عليهما. ولقد كان الماء المستخدم في هذا الإغتسال يفترض أنه العرق الحيوي المتدفق اذلي أفرزه جسد "أوزيريس", وحيث أن المنابع الغامضة للنيل حددت منذ زمن بعيد عند جزيرة "إلفنتين Elephantine" أي الشلال الأول, فإن ماء التطهر كان يزعم أنه مجلوب من هناك, وكنتيجة لذلك فإن المقبرة التي إنطوت على جسد "أوزيريس" أو – على الأقل – جزءاً منها كان بفترض أنها موجودة في هذه البقعة, وبهذه الطريقة أضحى "أوزيرس" متحداّ مع النيل, والفيضانات. وعقب نهاية الدولة القديمة تخللت موجة ديمقراطية واسعة النطاق خلال المفاهيم والعقائد الدينية والجنائزية. وكل هذه المزايا التي كانت من قبل وقفا على المل وحده امتدت الأن إلى الأفراد من الشعب, وأضحى ل شخص ميت موحداً مع "أوزيرس" وابنه أو أي كاهن يقوم بالطقوس الجنائزية له كان ينظر إليه "كحورس".

ويعد هذه الأولويات الضرورية لشرح العناصر الرئيسية للأفكار المركبة ذات الدلالات التي تسود الطقوس المصرية, سنتعرض إلى وصف مختلف الطقوس الأخرى التي كما ذكرنا من قبل تشترك في قاعدة عامة ألا وهي الطقس الأصلي للوليمة المقدسة متحدة مع التطهر الهليوبوليتاني أو الإغتسال.

الخدمة الدينية اليومية

والخدمة الدينية حفظت لنا في سجلين رئيسيين أحدهما يتكون من سلسلة الرسوم والنقوش المصاحبة في عدة هياكل بمعبد "أوزريس" في "أبيدوس", والثاني يؤرخ اظلسرة الثامنة والعشرين ويعود إلى الإله "آمون" ونجده في بردية هيراطيقية بمتحف برلين وكلا الفقرتان متشابهتان جوهرايً, وهما معاً يكونان الصورة التالية للإحتفال الديني.

فقلب دخوا المعبد كان على الكاهن أن يطهر نفسه في البحيرة المقدسة (الملحقة بالمعبد) وعند وصوله للمعبد فإنه يشعل النار أولاً ثم يملأ مبخرة بالخور ومادة مشتعلة, ثم بعد ذلك يتقدم إلى قدس الأقداس حيث يوجد الإله طوال اليل, وينزع الكاهن الخاتم الطيني من على الباب ثم يدفع المزاليج, ويفتح مصراعيه ثم يظهر له تمثال الإله حيث يحي الكاهن الأله راكعاً على الأرض أمام تمثاله ثم يرتل بعد الصلاة نشيداً أو اثنين ويقدم العسل أولاً ويحرق المزيد من البخور, بينما يدور أربع دورات حول التثمال ثم يقدم له نموذجاً صغيراً "لماعت" إلهة الصدق. ثم في النهاية يأخذ تمثال الإله من مقصورته وينزع الملابس القديمة عنه ثم يمسحه بالزيت المقدس.

ويبدأ التزيين (التواليت) الفعلي بعد أن يوسد التمثال على حشوة صغيرة من الرمل منتشرة على الأرض ربما لتمثل الصحراء التي من خلفها تظهر الشمس كل يوم, ثم يبخر المعبود ثانية ويرشه بالماء من أربعة أواني "نمست Namser-vessels", وأربعة أواني أخرى حمراء اللون, ثم بعد تكرار التبخير فإنه يطهر فم التمثال بثلاثة أنواع مختلفة من ملح النترون ثم يضع عليه غطاء الرأس والملابس ذات الألوان المختلفة’ ويستبدل الجواهر التي عليه بغيرها ثم يطهره ويعيد طلاء رموش عينيه بمادة خضراء أو سوداء اللون, ثم يعد ذلك يضع للإله رموزه الملكية.

ثم تأتي بعد ذلك الوجية المقدسة, فيضع الكاهن بعد ذلك الإله في مقصورته ثم يطهر المذبح ويضع الطعام والشراب أمامه, ويرفع الكاهن كل لون من ألوان الطعام مقدماً كل منها على التتابع. وتنتهي الوليمة فيغلق باب المقصورة ثم يختمها, ويطهر الغرفة مزيلاً أثار أقدامه بعناية خاصة ثم يغادرها, في كل مرحلة من مراحل الخدمة الصباحية فإن الكاهن يرتل صيغ أو كلمات مناسبة. والتطهر الذي يجريه الملك قبل الخدمة ككاهن أعلى للإله كان على نفس المنوال, فقد كان يتم في ملحق خاص في المعبد يسمى "بيت الصباح" لأن التطهر يأخذ مكانه في الفجر. وقد كان الملك يرش بالماء من البحيرة بواسطة كاهنين يتقمصان إما شخصية "حورس وتحوت" وربما كانا يضعان أقنعة هذين الإلهين خلال الطقس ومراسم التطهر يصحبها ترتيل كلمات وصيغ مناسبة لتغمر الملك "بالحياة والحظ الطيب, وتجدد شبابه (فتوته). وبعد التطهير بالماء كان الملك يخر بالبخور وتقدم له أربع كرات من النترون لمضغها. وفي المراسم اللحقة كان الملك يضع الملابس ثم يدهم ويزود بأدوات الوينة وعلامات السلطة الملكية, عندئذ فإنه يكون مستعداّ لدخول المعبد وتقديم الخدمة ككاهن للإله طبقاً للخدمة اليومية التي وصفناها من قبل.

وتؤدى مراسم التطهر التي يؤديها الملك الحي أيضاً على جسد الملك, بل على أجساد كل الموتى لجعلهم أنقياء مثل إله الشمس و "أوزيريس" الذي أجرت عليه آلهة معينة عقب وفاته مراسم التطهر بالمثل. وهذا التطهر كان تطبيقه ممكناً قبل دفتن الميت, أي خلال عملية التحنيط وفي خلال الجناز. ولكن طالما أن إله الشمس كان يفترض أنه يؤدي مراسم التطهر, ومن ثم تكرار ولادته كل صباح فإنه الوسائل قد إستحدثت لإعادة التطهر والوجبة المقدسة المرتبطة بها بالنيابة عن الموتى خلال الخدمة اليومية, والبدن نفسه بعد الدفن. وعندما يصبح من المستحيل الإقتراب منه وهو يرقد في غرفة الدفن في قاع بئر المقبرة فإن مراسم التطهر إستبدلت بسكب الماء قرباناً في هيكل معبد الهرم أو المعبد الجنائزي بعد ذلك في حالة الملك, أو في الهيكل الجنائزي التابع للجزء العلوي من المقبرة في حالة الأفراد. ولأجل تحقيق ذلك الغرض فإن بدلاً دائماً وشبيه بالجسد المحفوظ إستبدل به وهو التمثال, ففي وجود يسكب الماء قربان الطعام والشراب. ولقد رأينا سابقاً أن طقوس الخدمة المقدسة في المعبد لحد الألهة كانت تؤدى أيضاً أمام تمثاله الصورة المرئية والملموسة للإله. لككن قبل أن يخصص تمثالاً لهذا الغرض الطقسي فإن مراسم "فتح الفم" كانت تؤدى له في (ستوديو) المثال التي يطلق عليه إسم "قلعة الإله". وبهذه المراسم الطقسية كان التمثال يقرن مع الإله أو مع إنسان, ويزود بالحياة والقوة في كل منهما. كان طقس "فتح الفم" يتكون من عدد من الطقوس القديمة في أصلها واليت ذكرت أول إشارة لها في بداية الأسرة الرابعة, كما أن أول وصف متكامل لها في حوزتنا يعود رغم ذلك إلى الأسرة التاسعة عشرة عندما كانت هذه الطقوس تقع في إطار مراسم طويلة تؤدى جميعاً في الجناز عند المقبرة على المومياء وليس على تمثال الميت, وبذلك كان جسد الميت يوهب بالحياة كما أن نلكاته كانت تتحد لكي يمكن له أن ينتفع من الخدمة اليويمة التي تؤدى له في الهيكل الجنائزي للمقبرة [صورة رقم 69].

وفي هذا النص الجنائزي المشار إليه أعلاه كان طقس "فتح الفم" يتكون من عدة أفعال يحتل فيها فتح الفم نقطى مركزية, ويستهل ويختتم بشعيرتين عرفناهما آنفاً من الخدمة الدينية في المعابد فالإغتسال الهليوبوليتاني, ومراسم وضع الملابس التي والجزء الأول منهما كان يقابل مراسم التطر, فالتمثال كان يوسد لىالرمال ورأسه إلى الجنوب ويطهر بالماء وتقدم له كرات النترون لتطهر فمه, ثم يتم تبخيره بالبخور. وبعد أداء هذه الشعائر كان يتبع ذلك حوار غامض متأثراً تماماً بالأسطورة بعد ذلك ثور وتقطع أطرافه وينزع منه القلب, ثم تذبح أوزة وجدي ماعز, وكانت الأطراف الأمامية والقلب تقد إلى التمثال, ويلمس الفم بالقدم الأمامية وبمختلف الأدوات كالأزاميل والبلط, ثم يقدم الماء. وهذه المراسم كان بفترض انها تؤدي إلى فتح فم وأعين التمثال وتهبها ملكات وقدرات الشخص الحي [صورة رقم 70].

ولقد كان الجزء الثالث والخي لمجمل هذه المراسم تكراراً فجراءات التوين التي تؤدى في الشعائر الأخرى مثل وضع غطاء الرأس والملابس والمجوهرات على التمثال ثم يدهن ويزود بالرموز الملكية وأخيراً يبخر بالخور, ويتبع ذلك تقديم وجبة على مذبح أو مائدة قرابين التي تم تطهيرها وأخيراً ينقل التمثال في جلال إلى مقره.

ومكونات هذه الوجبة الجنائزية التي تتضمنها المراسم هي ثور وغزلان وأوزة نيلية وهي نفس مكونات الوجبة في العصور المبكرة, حيث كانت هذه الكائنات فريسة المصري عندما كان صياداً في الأساس, ولكن منذ الدولة القديمة أصبحت ذهه ا لحيونات مستأنسة في الحقول.

عملية تحنيط الجثة وشعائر الدفن

وليس هناك وصف مصري للشعائر التي تؤدىأثناء عملية تحنيط الجثة’ لكننا نملك رغماٍ عن ذلك برديتين إحداهما في متحف اللوفر والثانية في المتحف المصري بالقاهرة تعودان للعصر البطلمي وتعالجان طقوس التحنيط, لكنهما غير كاملتين كما انهما يعنيان بشكل رئيسي بالصيغ التي يرددها الكهنة الذين يؤدون الخدمة خلال مختلف المراسم وهي بالغة الغموض نظراً للإشارات (الميثولوجية) العديدة في نسيجها. وبطبيعة الحال لدينا مومياوات في حالة جيدة من الحفظ نسبياً فحص بعضها ودرس وهي ترينا أن فن التحنيط قد تقدم تدريجياً كما اختلفت أنماطه في مختلف العصور لكن حتى في مرحلة ما فإنه كانت هناك عدة درجات من التحنيط تختلف (في التكاليف اليت تتطلبها) أو الثمن. ويبدو ان الطبقات الفقيرة لم تكن تملك مواجهة النفقات الباهظة لأرفعها مستوى, وبدلا من ذلك كانوا يعتمدون أساساً على التجفيف الطبيعي للجثة الذي ينجمن عنه ملامستها للرمال الدافئة.

ويبدأ التحنيط بشكل عام عقب الفواة مباشرة لكن في بعض الحالت كانت ترجل لحين تبدأ الجثة في التآكل, فالمحنطون يستدعون لمنزل الميت ويضعون الجسد على منضدة وياخذونه إلى معملهم الذي كان عبارة عن خيمة تسمى (مكان التطهير) أو "منزل الطيب". وكانت تستمر إجراءات التحنيط على أغلب الحالت سبعين يوماً, وكانت هذه الإجراءات يقلد فيها أسلوب المعالججة التي كان يظن أن الإله :اوزيريس" كان أول من تلقاها, فالشخص المتوفي على ذلك يصبح "أوزيريس" من خلال تحنيط جسده [صورة رقم 71] كما أن المحنطين كانوا يشخصون الآلهة التي شاركت في تحنيط "أوزيريس" وكان المحنط الأكبر هو الإله "أنوبيس" [صورة رقم 72] بينما مساعدوه كانوا يوحدون مع "أبناء حورس" ومع الإله "خنت Khentekhtay", أما "كاهن الخدمة Sem-priest" و "الكاهن المرتل Lector priest وبالمصرية القيدمة Khery-hebet" فكانوا يعيدون التعليمات للمحنطين ويرددون الرقى المناسبة. وتبدأ إجراءات التحنيط بغسل الجسد بماء النيل ثم تنزع الجزاء الرخوة واليت هي أكثر الأعضاء قابلية للتآكل, ويغمر الجسد في ملح (النترون) ثم ينقع ويغطى بالزيوت والدهون والعطور وتوضع عليه مختلف أنواع التمائم ثم يلف في لفائف الكتان ويوضع في التابوت. وغسل الجثة بالماء كان تطهراً شمسياً, وكان المستخدم هو (مياه النيل) التي يعتقد أنها حبوة بطاقة فعالة وبقوة حسية, ولذا كانت تجمع بعد إستخدامها بعناية في جرار مع غيرها من المواد المستخدمة في التحنيط, وكذلك المنضدة الخشبية التي أجريت عليها العمليات السالفة كانت تدفن في موقع المقبرة. ولقد كان حزاً (قطعاً) في الجانب الأيسر يكفي في نزع الأحشاء ووضع كرات الكتان مكانها, أما القلب فكان يترك مكانه في الجسد, والأعضاء التي تنزع كانت تحفظ في أربع أواني أطلق عليها علماء المصريات إسم "الأواني الكانوبية", وكان المخ في معظم الحالات ينتزع من خلال الخياشيم بواسطة خطاف معدني, وفي المراحل المبكرة كانت نماذج من (التيل) يستغنى بها عن الأعضاء الخارجية اللينة من الجسد. وفي عصر اكثر تأخراً كانت الرمل والطفلة توضع تحت الجلد للحفاظ على الشكل الأصلي, لقد كانت المواد المستخدمة في التحنيط تشمل المر وزيت الأرز, والبخور, والشمع والعسل والكتان لعمل الأربطة واللفائف وزيت الزيتون. . . إلخ. وكل هذه المواد كان من المعتقد انه نتاج دموع الآلهة التي تساقطت على الأرض عندما بكوا موت "أوزيريس" وهي تحي جسد الميت المحنط بقوى هذه الآلهة.

أما مواكب الدفن فنعرفها فقط من الرسوم اليت على جدران المقابر, ورغم تكرارها كثيراً فإن العديد من تفاصيلها يبدو غامضاً, ومن هذه التفاصيل رحلتان يقوم بهما جسد الميت إحداهما إلى "بوزيريس" في دلتا مصر, والثانية إلى "أبيدروس" في الصعيد حيث نرى مركباً (Barque) يعلوها الميت ترجها سفينة أو سفينتان شراعيتان, ويبدو ان هذه الرحلات كانت ففقط مجرد ذكرى مصورة للدفنة الملكية [صورة رقم 73]. فجسد الملك كان ينقل إلى "بوزيريس" حتى يظهر هناك كالملك "اوزيريس" مصطحباً برعاياه من أهل مصر السفلى, وكذلك إلى أبيدوس للمشاركة في اعياد "اوزيريس". وعندما يعمد الأفراد العاديون إلى إقتباس منظر الدفن الملكي في مقابرهم للإفادة من الرمز الذي تمثله, فإن هاتين الرحلتين تصوران في مقابرهم رغم أنهما لا تتمان عملياً وليس لهما مقابل حقيقي, وربما أيضاً وإلى حد ما تختلط مناظرهما مع منظر عملية عبور النيل بواسطة الموكب الجنائزي حيث تقع الجبانة في الضفة المقابلة لموطن الميت [صورة 74, 75].

وكانت تنقل المومياء إلى المقبرة في تابوت يوضع على قارب يتوسط موكب طويل, وذها القارب يجره رجال وثيران على زحافات, بينما يسكب اللبن أمام الموكب, ويتبع ذلك الأٌارب من الذكور ثم الأصدقاء. ويرافق التابوت سيدتان تتقمصان (تجسدان) الإلهتين "إيزيس ونفتيس" تسميان الحدأتين [صورة 76, 77]. تنحني إحداهما على رأس الميت والثانية على قدميه, ومن الممكن انهما ليستا أرملة المعتوفي أو إحدى قريباته بل كانت مجرد تمثالين يوضعان في القارب, وهناك زلاقة اخرى تحمل صندوقاً يحتوي على أواني كانوبية بها أحشاء الميت تتبع التابوت [الصور 78, 79], وجماعة من نساء اخريات منهم نائحات محترفات يمشين سوياً في ملابس ذات لون أزرق داكن وهو لون الحداد, ويصرخن بصوت عال ويذرفن جلابيبهم ويضربن على أجسادهن ويذررن التراب على رؤسهن, وملابسهن, ويمشي أيضاً في الموكب كهنة يحرقون البخور ويرتلون الصيغ الجنائزية. وفي النهاية ترى صفاً طويلاً من الخدم يحملون التجهيزات الجنائزية مثل الأثاث والأواني وصناديق بها الملابس والمجوهرات لتوضع جميعها في الضريح. ويقف الموسيقيون والراقصون في إستقبال الموكب عند المقبرة, وعند وصوله يؤدى طقس قتح الفم على المومياء, التي تقف منتصبة امام المقبرة ثم تنزل بعد ذلك إلى غرفة الدفن. وبعد العودة من الجنازة كانت تقاك لكل المشيعين مأدبة.

تطور المقابر

وكان الجسد يوسد في الجزء السفلي للمقبرة في كل العصور تقريباً, أما الجزء العلويمنها فقد حدث لتصميمه الكثير من التغيرات طبقاً إلى تعير المهارات الفنية واذوق الفني [صورة رقم 80], ويبدو أن أصلها كان مجرد كوم منخفض من رمل متراكم أو أحجار تكوم على الأرض فوق المكان الذي دفن فيه الجسد,وهذه البداية خدمت غرضين معاً فهي منعت أبناء آوى والضباع والحيوانات المفترسة الأخرى من إخراج الجسد من تحت الأرض, كما حددت موضع المقبرة بعلامة واضحة لأقرباء الميت الذين يأتون من حين لآخر حاميلن إمدادات طازجة. وفي مراحل سحيقة في بداية العصر التاريخي تطور هذا الكوم إلى تكوين مستطيل من الطوب اللبن المحروق في الشمس يشبه شكل المنزل للأفراد العاديين, أو قصراً ملكياً بالنسبة للمقابر الملكية, وكانت تزين الجدران الخارجية بدخلات عمودية ضيقة بالتبادل مع خرجات من نفس الطراز. وفي العصور الحديثة إستخدمت كلمة "مصطبة" للدلالة على المقابر من هذا الطراز. وفي مقابر العصر العتيق الملكية في "أبيدوس" كان الجسد يرقد في غرفة تحت موقعاً مركزياً تحت البناء العلوي, بينما تتجمع حولها غرف أصغر حجماً تحتوي على المؤن وأجساد الموتى من الخدم الإناث والرجال, والذين من المحتمل أنهم قد قتلوا في موكب الدفن ليلتحقوا بسيدهم ويصطحبوه في مقبرته, وإن كانت ذهه العادة البربرية قد إختفت تماماً منذ عصر مبكر. ولقد إستحدث البناء من الحجر في وقت الملك "زوسر" من الأسرة الثالثة حتى يمكن له أن يخلد إلى الأبد. وكانت لهذا الملك مقبرة حجرية ضخمة بني فوقها خمس مصاطب أخرى تتناقص تدريجياً في الحجم ليأخذ الشكل العام للبناء ما يشبه هرماً (مدرجاً) ذا درجات, وبإعتلاء السرة الرابعة للعرش أصبح القبر الملكي على شكل الهرم الكامل أو الهرم الحقيقي. وكان التخطيط الرضي مربعاً بينما كانت المدرجات تملأ بالأحجار, والجواني مسطحة, وتضاف له قمة مديية. ويبدو ان هذا التغيير من الشكل الهرمي المدرج إلى الهرم الحقيقي يغزى إلى إنتصار عقيدة الشمس الهليوبوليسية, فهذا الشكل الهرمي كان مستلهماً من "البنبن Benben, وهو حجر مخروطي الشكل مرتفع ومدبب القمة كان يقدس في هليوبولس بإعتباره مثوى أو مستقر الشمس التي تقبض بأشعتها عندما تشرق في الصباح على قمته. وتقع من جميع الجواني حول الهرم مصاطب أعضاء الأسرة الملكية ورجال ابلاط والموظفين على مسافة مناسبة في صفوف متراصة ومتماثلة تتخللها طرقات منتظمة وتمتد من اشلمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب. وكل هذه المصاطب كانت تبنى من الحجر وذات جوانب مائلة قليلاً دون اي زخارف خارجية. وتسور مدينة الموتى كلها بحائط يقع الهرم في مركزه وهي نسخة ثانية من بلاط الملك الحي.

ويقع مدخل الهرم في الضلع الشمالي قرب سطح الأرض, من هناك يقود ممر إلى غرفة الدفن وهي إما أن تكون محفورة في الصخر أسفل الهرم, أو في داخل كتلة الهرم نفسه. ويقع امام الهرم على الجانب الشرقي منه معبد جنائزي حيث كان يحتفل فيه بطقوس الروح الملك الميت, وهو يحتوي على عدة حجرات بعضها منفتحة للجمهور الذي يمكنه أن يلجها في حين ان الأخرى كانت قاصرة على الكهنة فقط. ومن المعبد يهبط ممر حجري في حين ان الأخرى كانت قاصرة على الكهنة فقط. ومن المعبد يهبط ممر حجري مغطى إلى الوادي وينتهي ببوابة حجرية ضخمة على حافة الرض المنزرعة.

والوصول إلى غرفة الدفن الواقعة تحت المصطبة كان يتم من خلال بئر عمودي تقع فوهته على القمة المسطحة للمصطبة وهذا البئر كان يملأ أو يردم بالأحجار بعد الدفن. ولممارسة الطقوس الجنائزية للميت كان يقام مبنى صغير من الطوب اللبن على ضلع المصطبة الشرقي بالقرب من الركن الجنوبي الشرقي. والمدخل إلى هذا المبنى كان يقع في الجهة الشمالية, وهو عبارة عن جزئين رئيسيين الجزء الأقرب إلى الشرق كان مخزن للمؤن والجزء الأقرب للغرب والملتصق بالمصطبة مباشرة كان يمثل هيكلاً. وفي الحائط الغربي لهذا الهيكل وفي وجه المصطبة كانت تقام لوحة مستطيلة الشكل من الحجر ينقش عليها رسم المتوفى يجلس إلى وليمة أمام مائدة قرابين, وبمرور الوقت أخذت هذه اللوحة الحجرية شكل الباب الوهمي اذلي كان يعتقد أن الميت يمكن من خلاله أن يترك العالم الروحي للمصطبة ويدخل إلى إلى غرفة الهيكل , حيث يتمتع بالتقدمات الموضوعة أمام هذا الباب الوهمي. وفي السرة الخامسة تم نقل الهيكل من خارج المصطية إلى داخلها, وبالتدريج أضيفت إلى الهيكل غرفات إضافية وأصبح الباب الوهمي في الحجرة التي تقع أقصى الداخل, يفصلها حائط عن باقي الحجرات في كثير من المصاطب خاصة المتأخرة منها, وتعرف هذه الحجرة الآن باللفظ العربي (سرداب) وكان المصريون يطلقون عليها إسم "بيت التمثال" وهي تسمية توضح الغرض منها حيث كان يوضع داخلها التمثال أو التماثيل التي تمثل الميت كمستقر لروحه. وكان الإتصال الوحيد بين السرداب والهيكل مجرد فتحات في الحائط الفاصل, ويطلق على هذه الثقوب إسم "عيون بيت الكا" وكانت تسمح أو تساعد الميت في رؤية ضوء النهار, ومشلاهدة الإحتفالت التي تؤدى في الهيكل وللتمتع بعبيق البخور المحترق. ولقد ظل الهرم هو الالشكل القياسي للمقبرة الملكية حتى القرن السادس عشر قبل الميلاد, ولكن قبل ذلك التاريخ بكثير إقتبس اعامة ذلك الشكل, وقد حفروا مقابرهم في الصخور التي تقع شرق وغرب النيل. وفي هذه المقابر تم الإحتفاظ بالعتاصر الجوهرية للمنزل المصري, فهناك أولاً طريق صاعد يؤدي إلى المرتفع الصخري ويفتح على فناء يحتوي عادة على الجانب البعيد, وبعده تقع صالة مغطاة محفورة في الصخر ذات أعمدة تماثل حجرة الإستقبال في المنزل الدنيوي. وفي بعض الأحيان كانت هناك غرفة ضيقة وعميقة تسمى "الفرغة الطويلة" تربط بين الحجرة الجانبية والحجرة المربعة الصغيرة التي تقع في النهاية, واليت كانت تعتبر الهيكل وهي مزودة بتمثال الميت. وفي هذا الهيكل كانت تقدم القرابين إلى روح صاحب المقبرة, وهو يماثل حجرة الطعام في منزله الدنيوي. ومن إحدى هذه الغرف كان هناك بئر أو ممر منزلق يؤدي إلى أسفل المقبرة تحت الأرض حيث غرفة الدفن, وأحياناً كانت فتحة أو فوهة هذا لابئر تقع في الفناء الأمامي للمقبرة. وبطبيعة الحال كان يترك لمخيلة المعماري أو لثراء المالك لكي يغير في التصميم وفي بعض نقاط التفاصيل أو لإضافة المزيد من الحجرات, لكن الأجزاء التي ذكرت ظلت هي العناصر الرئيسية للمقابر طوال عصر الدولة الحديثة. وخلف افناء مباشرة وفوق الحجرات المحفورة في الصخر كان يشيد هرم من الطول اللبن غير المحروق, وبالغرم من أنه مجرد إستلهام من المقبرة من المقبرة الملكية الهرمية الشكل إلا أنه لا يقارن بها من حيث احجم, كما أن زواية إرتفاعه كانت أكثر حدة. وكان هذا الهرم موجوداً فوق هياكل المقابر غير المحفورة في الصخر التي بنيت بالكامل من الحجر أو قوالب الطوب, ويطلى باللون الأبيض ليماثل لون الحجر الجيري, كما كان يوضع هريم صغير من الحجر الجيري فوق قمته وعلى الجوانب الأربعة لهذا الهريم كانت تنقش صورة الميت بالحفر وهو يتعبد لإله الشمس ويكرر نفس التصميم على لوحة فضية في منتصف المسافة بين قاعدة الهرم وقمته حتى جهة الشرق. ولقد كان "تحتمس الأول" هو أول من يهجر الشكل الهرمي لأسباب غير معروفة ويبتدع طرازاً جديداً للمقبرة الملكية إستمر مستخدماً من الأسرة الثامنة عشرة حتى الأسرة العشرين. وفي صحراي "وادي الملوك" على الجانب الغربي من طيبة حفر قبره في الصخر. ولقد احتوت هذه المقبرة على غرفتين صغيرتين نسبياً, أما الملوك الذين تعاقبوا من بعده فقد أوسعوا من أبعد مقابرهم محولينها إلى سلسلة من القاعات والممرات السفلية الطولية التي تنتهي داخل الصخر بغرفة ذات أعمدة يها التابوت الحجري وثرواتهم [الصورة 81, 82]. ومن زمن الملك "حورمحب" فصاعداّ أصبحت المقبرة تحفر ومحورها الرئيسي في خط مستقيم, وغير معروف لنا سبب التغير في إتجاه محورها إلي اليسار أولاً على شكل منحتى ثم بعد ذلك في زاوية قائمة والذي أخذ مكانه خلال الأسرة الثامنة عشرة, وهل كان لأسباب دينية أو غيرها من الأسباب؟ ففي مقبرة "تحوتمس" الرابع" و"أمنحتب الثالث" ترى هذا المحور قد تغير في الإتجاه بينما نراه في مقبرة "توت عنخ آمون" قد تغير بشكل حاد في الإتجاه إلى اليمين. وكان مدخل هذه المقابر يردم بالأحجار بعد الدفن مباشرة, وفي حالات كثيرة صعب التمييز بين المدخل وبين الأحجار والحصى المحيط به. زفي وادي الملوك العتيق لم يكن هناك مجال لمعابد جنائزية, ولذا لم تعد هذه المعابد جزءاً من المقبرة وأصبحت تشيد بعيداً على الحافة التي تفصل بين الأرض المنزرعة وبين الجبال التي تقع على الجانب الأيسر للنيل. أما ملوك الأسرة الحادية والعشرين ومن أعقبهم ممن عاشوا في "تانيس" بشرق الدلتا فقد كانوا يدفنون في سراديب تحت أرضية المعبد في عاصمتهم, وكذلك ملوك الأسرة السادسة والعشرين في "سايس" وطبقاً لما ذكره المؤرخون الإغريق لم يدخر المصريون أي جهد أو تكاليف لضمان خدمة منتظمة للطقوس الجنائزية, وانتظام افمداد بالمؤن التي اعتتقدوا بضرورتها لدوام الخلود للمقبرة ولإستمرار الحياة بعد الموت. وقد أدت التجربة أن عواطف البنوة ليست كافية وجودها لضمان ذلك إذا توقعنا قدراً معقولاً من عناية الأبناء أو البنات المباشرين ربما أيضاً الأحفاد, إلا أنه لم يكن من المحتمل كثيراً ان عين العناية يمكن أن تأتي من الأعقاب البعيدة الذين ليست لهم معرفة شخصية بالسلف البعيد الذي مات, ومن الطبيعي ان يركزا على مقابرهم وعمل ال خدمة الجنائزية الخاصة بهم أنفسهم.

الطفوس الجنائزية وصيانة المقبرة

وعلى ذلك كان أداء الطقوس الجنائزية وصيانة المقبرة يعهد بها إلى أشخاص مستعدين بأن يهتموا بصالح الميت في مقابل دخل يرصد من وقف جنائزي وفي الكثير من الحالات كان هؤلاء الأشخاص هم أبناء مالك المقبرة, وكانت الخدمة الجنائزية تؤسس على قاعدة قانونية راسخة, فالمصري احتجز جزءاً معيناً من ثروته وأوقف دخلها على ضمان إمداده بالقرابين الجنايزية في مقبرته, ويذهب جزء من هذا ا لدخل إلى (خدم القرين) الذين كان عليهم صيانة المقبرة والماء والطقوس الجنائزية المتعلقة بتقديم قرابين الخبز وسكب الماء أمام تمثال الميت, وكان يمكنهم أن ينقلوا حقوقهم وواجباتهم إلى أبنائهم أو أعقابهم. وفي الدولة القديمةم كان مالكو المقابر يستخدمون أكبر عدد تحققه لهم إمكانياتهم من الكهنة,ومنذ ذلك الحين عندما أضحى واضحاً أن إستخدام العديد من الكهنة الجنائزيين كان من المحتمل أن يتصارعوا فيما بينهم, وأصبحت الممارسة المألوفة منذ عصر الدولة الوسطى هي تحديد الحقوق واواجبات الجنائزية في كاهن مفرد واحد, كان يعةض عن جهده تعويضاً مجزياً ويحتفظ بدوره في أن يعهد بمركزه بعد موته إلى واحد فقط من أبنائه, ولقد حافظت هذه الممارسة على الثروة الموقوفة على المقبرة وعدم تبديد دخلها بين العديد من الذين يعهد إليهم بالطقوس الجنائزية. وكانت تتخذ هذه الترتيبات مع الكنهة المرتلين الذين يتولون ترتيل أو قراءة النصوص الجنائزية في أيام أعياد محددة, ويبدو أن الأول والخامس عشر من كل شهر كانت أعظمها أهمية, وأحياناً كانت تبرم عقود حقيقية بين مالك المقبرة وبين كاهنه الجنائزي, وكانت شروط العقد تحفر على حوائط المقبرة أو على لوحة, وكان من الممكن لكاهن واحد أن بعقد عدة اتفاقيات مع أكثر من صاحب مقبرة, وعلى ذلك أصبحت وظيفة "كاهن اكا (القربن)" وظيفة إاحترافية. ولقد كان "خادم القرين" يقدم إلى تمثال الميت القرابين المكونة من الطعام الذي يحتوي على الخبز والجعة وأيضاً اللحوم, وهذا بفعله في أيام محددة منها على اليويمن السابق ذكرهما ليلة رأس السنة وأول يوم في السنة وكذلك مساء يوم "عيد الواج" (Wag) (الموافق اليوم الثامن عشر من الشهر الأول من السنة المصرية). وكانت التقدمات أو القرابين تصحبها إضاة شمعة أمام التمثال لكي يرى الميت التقدمات, وكذلك يصحبها صلوات تدعى صلوات التعظيم. وفي وقت ما ليس متأخراً عن عصر الدولة الوسطى قدم الملوك تنازلاً هاماً مقدماً مهمفقط إلى بعض الأفراد ذوي الأهمية والفضائل لإقامة تماثيلهم في أفنية المعابد, وفي هذه الحالة أصبح الشخص الذي يكرس التمثال بإسمه مشاركاً في التنعم بالصلوات والتقدمات التي تقدم للآلهة بواسطة الزوار. وأحياناً أيضاً كانت تبرم العقود مع كهنةالمعابد لأداء الطقوس أمام التمثال في أيام الأعياد. وكان الكهنة المعينون للعقيدة الجنائزية لملوك الأسرة الخامسة في معابدهم الواقعة على الجانب الشرقي لأهراماتهم عديدين ينقسمون إلى طبقتين كل منها تحت قيادة "معلم": الطبقة الولى "خدم الإله", والطبقة الثانية "الكهنة المتطهرون". وإلى جانب إشتراكهم في طقوس العقيدة الملكية كان الكهنة المتطهرون يقدمون الخدمة الدينية في بعض الهياكل الخاصة بإله الشمس "رع", واليت بناها معظم ملوك هذه الأسرة. وإصطلاح "وعب" أي "المتطهر" يشير إلى التطهر أو الإغتسال الذي يجب على هؤلاء الكهنة القيام به, وحيث أن شعائر التطهر نبتت في هليوبوليس فإن من المحتمل أن الكهنة المتطهرين كطبقة تعود أصولهم إلى معبد إله الشمس "رع" في هليوبوليس ثم إنتشروا منذئذ إلى مراكز عقيدة الشمس خارج هليوبوليس. وتعود أصولهم كذلك إلى العقيدة الجنائزية للملوك الذين أضحوا منذ السرة الخامسة فصاعداً على علاقة وثيقة بلإله "رع" بإعتبارهم أبناء له.

تطور المعابد

وهناك خاصية جديرة بالذكر عن معابد الشمس في الأسرة الخامسة, فهي المعابد المصرية الوحيدة من الدولة القديمة الذي وصلنا منها نموذج فعلي, والذي تم كشفه علمياً, وهذا النموذج هو معبد الشمس للملك "ني وسر رع" في أبي صير. ويوضح لنا هذا النموذج مدى الإختلاف بين معابد الشمس عن غيرها من معابد الآلهة الخرى في طابعها وأوضاع تصميمها.

فمن بوابة تقع في وادي النيل يقودنا ممر مغطى إلى أعلى بوابة أخرى على الهضبة الصحراوية, وإلى المعبد المبني على مسطح صناعي. وضم فناء فسيحاً مستطيل الشطل تقع على جانبه الغربي قاعدة مخروطية الشكل مبنية من أحجار عليها مسلة من كتل الأحجار الجيرية, وأمام الجانب الشرقي من هذه القاعدة يقع مذبح يضم خمس كتل من المرمر, والجزء الشمالي من الفناء كان يحتله منزل للذبح أرضيته كانت تضم عدداً من القنوات المتوازية يتسرب من خلالها دماء الحيوانات الذبيحة, التي كانت تتدفق في عشرة أحواض موضوعة في اجانب الشرقي من منزل الذبح. ومن البوابة العلوية يخرج ممران أحداهما إلى اليمين يؤدي إلى مجموعة من المخازن تقع شمال الحائط الخارجي للمعبد, والثاني إلى اليسار يصحبنا أولاص إلى حجرة ملابس في قاعدة المسلة, ثم إلى مصطبة أسفل المسلة, وقد عثر على مركبة خشبية طولها ثلاثون متراً ترقد على قاعدة من الطوب إلى الجنوب من المعبد, تعتبر بالتأكيد تمثيلاً مادياً لواحدة من المركبتين اللتان كان إله الشمس يعتقد أنه يعبر بهما السماء في رحلته اليومية. وعلى الرغم من حفر المنطقة حول المعبد بعناية فإنه لم يوجد أي أثراً للمركبة الثانية والذي كان من المتوقع وجوده.

ولقد كانت مجموعة المعبد بأكملها بما في ذلك الفناء والمسلة تواجه الشرق في إتجاه شورق الشمس مفتوحة لأشعتها, وقمة المسلة شأنها في ذلك شأن الهرم من المفترض أنها مستقر لأله الشمس.

وربما كان سبب ذلك افختلاف بين معبد الشمس وغيره من معابد الآلهة الخرى يعزى إلى أنه يشبه في إعداده معبد الإله "رع" في هليوبوليس, فهناك أيضاً شيدت مسلة هي "بنبن" على تل رملي, وكانت العتصر المركزي للمعبد ومستقر إله الشمس الذي لم يكن له نحت او تمثال شان الآلهة الأخرى.

وإن التشابه واضح بين المخطط العام لمعبد مصري عادي من الدولتين الوسطى أو الحديثة وأي قصر ملكي أو حتى لمنزل من الطبقة العليا من المصريين, وليس ذلك مستغرباً في ضوء المفهوم البشري عن آلهتهم ذلك الذي اعتقده الكصرون. والمعبد شانه في ذلك شأن المنزل الدنيوي, كان يقف في وسط مساحة كبيرة مستطيلة يحيط بها حائط مرتفع من الطوب اللبن, تقع به بوابة ضخمة على جانبيها صرحان يقع خلفهما أولاً فناء مفتوح واسع محاط بأعمدة في ثلاثة جوانب. وكان يوجد أحياناً مذبح في مركز هذا الفناء وهو من خصائص عقيدة الشمس, ومن هذا ال فناء يلج الزائر إلى صالة أعمدة ليست عميقة وإن كانت تحتل نفس العرض اذلي يحتله بقية مبنى المعبد, وهذه ا لصالة العريضة كانت مغطاة بسقف يعتمد على أعمدة, ينفذ إليها الضوء من خلال نوافذ صغيرة مرتفعة تقع تحت السقف. والجزء الأخير من المعبد وهو قدس الأقداس عبارة عن فغرفة ضيقة وإن كانت عميقة دون نوافذ يغمرها الظلام تمثل الكئوى الخاص للآلهة لا يطرقها أحد الزوار فيما عدا الملك والكهنة الذين يؤدون الخدمة المقدسة. وكان تمثال الإله يختبئ داخل مقصورة أو ناووس يوضع فوق قارب, وكل منهما كان يصنع إما من الخشب أو الحجر. وتقع حول قدس الأقداس غرفات أخرى تحتوي على ثروات الإله وغمدادات الطعام والكلابس والعطور, أما امسافة بين مبنى المعبد وبين الحائط الخارجي فكان يشغل بمنازل الكهنة ومختلف الورش والحدائق والبحيرة المقدسة للمعبد.

طقوس تأسيس المعبد

ولقد كان تأسيس المعبد يتميز بإحتفال يطلق عليه "غمتداد خيط أو حبل القياس" ويطلق ذلك على الإحتفال بالنسبة للجزء الأكثر أهمية في التأسيس, وكانت الشخصية الأولى في هذا الإحتفال هو الملك نفسه أو كبير الكهنة المرتلين وكاتب الأسفار المقدسة, والذين يفترض أن الألهة تعاونهم في ذلك الواجب خاصة "سشات" إلهة المعرفة. فالملك تتبعه بطانته يركز عصا ف يالأرض في كل ركن من الأركان الربعة للموقع الذي سيقام عليه المعبد, وذلك بواسطة مطرقة تتصل فيما بينها بخيط, وبهذا يتم تحديد مساحتها. وكان موقع المعبد يحدد فلكياً في الليلة السابقة على الإحتفال, وذلك بتحديد المحور القصير للمعبد من الشمال للجنوب بين مجموعتي نجوم الدب القطبي و"الأوريون Orion" (كوكب الجوزاء). وكانت القرابين تتكون من رأسي أوزة وثور توضع في حفرة ف يالأرض, وكان الملك وهو ينحني على الأرض يرشها بالماء من ‘نائين يحملان رسوماً سمائية (نجوم). ثم ثتم صنع أربعة قوالب طوب, واحد لكل ركن من أركان المعبد بواسطة الملك نفسه الذي يركع ويمسك بمقبض إطار القالب الخشبي بيد بينما يملؤه بالطين باليد الأخرى, ويتلو ذلك حفر الملك لقناة بواسطة محراث أو فأس خشبي على الجوانب الأربعة للمعبد, وحتى يتم الوصول إلى مستوى المياه الجوفية التي تأتي من النيل, وتملأ القناة بعد ذلك بالرمل الممزوج بالشقف, حيث طبقاص للمارسة المصرية يستخدم الرمل لحماية الحوائط ضد المياه الجوفية امتسربة. وأخيراً ينتهي الإحتفال يوضع اللبنات الأولى من الطوب في الأركان الأربعة للمعبد. وفي نقاط مختلفة توضع أيضاً ودائع الأساس المكونة من نماذج صغيرة ن أدوات صانعي الطوب والتجاريين والأدوات الأخرى تحت حوائط المعبد. وكان هذا الإحتفال بالتأكيد قديماً جداً وكان تقليداً لمباني تشيد في الأصل من الطوب والخشب وسابقة على إستخدام الأحجار بالكامل في البناء.

وهند الإنتهاء من أعمال التشييد كان هناك طقس آخر يأخذ مكانه, حيث نرى الملك حاملاً عصى طويلة ودبوس قتال يطلي المبنى بمادة (البسن Besen) والتي ربما كانت نوعاً من الطباشير, وهو أداء كان يمثل التطهير رمزياً في العصور المتأخرة, ثم بعد ذلك يسلم المعبد إلى الإله. وهذا التسليم كان يجري سنوياً في إحتفال يتم في اليوم السابق لأول أيام العيد الجديد, حيث تضاء الشموع "ويقدم المنزل إلى سيده". وبواسطة طقس تكريس آخر, كان درب من الحياة الغامضة يضفي على تماثيل المعبد وعلى المعبد ذاته, وعلى نقوشه وأثاثه الديني, ويتكون هنا الطفس الأخير من أداء شعائر فتح الفم في كل غرفة للمعبد. وكانت الحياة تتجدد كل يوم بالخدمة الدينية المقدسة واليومية في المبعد. وكانت هذه الحياة تؤمد بعد ذلك بنقش الطقوس على حوائط المعبد. ويتبع ذلك التكريس بوليمة يقدم فيها الطعام إلى الفنيين والصناع الذي عملوا في بناء وزخرفة ونقش المعبد وللكهنة. وكان الملك هو الشخص الوحيد الذي يمثل في نقوش وزخارف المعبد في علاقاته مع اآلهة, فهو نفسه كان إلهاً او إبن إله, وعلى ذلك كان جديراً بأن يتصل بالألهة نظرائه, وبالبشر الذين يحكمهم في عين الوقت. وعلى الرغم من التمثيل السابق للملك طوال التاريخ المصري وحتى القرن الثالث بعد الميلاد, فمن الواضح أن هذا التمثيل لم يكن إلا خيالاً ليس له حظ من الحقيقة إلا في ع صور ما قبل التاريخ في دويلة مدينة صغيرة ذات حيز ضيق, حيث كان الحاكم أو الرئيس المحلي هو كاهن إله الميدنة في عين الوقت. وفي مصر العليا زالسفلى حيث يوجد في كل منهما العديد من المدن بآلهتها المختلفة فإن الملك وإن بقى من الوجهة النظرية البحتة الكاهن الأول الذي توحدت في شخصيته كل مناصب الرؤساء السابقين المحليين من قبل, لم يكن بمقدروه عملياً أن يؤدي بشخصيته واجباته الدينية المتعدةة في كل مكان, وكان يمكن أن يعين لذلك أشخاصاً آخرين للقيام بذلك نيابة عنه.

الكهنة وألقابهم

وتبدو الإحتفالت الأصلية التي تعود إلى الظروف الإقليمية المتبادلة في عدد من الألقاب التي يحملها كهنة الآلهة المختلفون, وعدد كبير من هذه الألقاب إستمر في العصور التاريخية على سبيل المقال: (الأعظم بين الرائين the greatest amone the seers) وهو لقب الكاهي الأكبر "لرع", و"الأعظم بين من يشرفون على الحرف", وهو لقب الإله "بتاح" الأكبر في منف, و"الأعظم الخمسة في بيت تحوت", وهو لقب لكبير كهنة ذلك الإله في (هليوبوليس).

والسم المصري الدائم للكاهنة كان هو "الخادك", ثم يصبح بعد ذلك "حم نتر" أي "خادم الإله", وكان هذا اللقب يرجع مع لقب (المتطهرون) إلى عقيدة الشمس كما ذكرنا سالفاص. وهناك غئة أخرى تضم أشخاصاً يدهون "أب الإله" وبين "الكهنة المتطهرين", لكن لم يتم إستيضاح بشكل مرضي حتى الآن لطبيعة وظيفتهم أو سبب تسميتهم باللقب الديني الذي يحملوه.

وفي الدولتين القديمة والوسطى كان الكهنة يشبهون إلى حد بعيد الموظفين الدنيويين وكانوا يعينون بواسطة الملك. وفي عصر الدولة الحديثة شكل الكهنة طبقة محددة أصبحت الوظيفة المقدسة فيها وراثية, وفي هذا الوقت يبدو ان خدم الآلهة كانوا كهنة محترفين بينما الطهنة المتطهرون كانوا من عوام الكهنة, وكانت وظيفتهم تقتصر على ميزة حمل تمثال افله ف يالمواكب العامة, وربما كان ذلك التفسير يؤيده حقيقة ان الإغريق ترجموا إصطلاح خادم الإله "بالنبي أو التمنب", يشيرون بذلك إلى أنهم يقومون بوظيفة تفسير إرادة الإله. وغصطلاح المتطهر ترجم بواسطة الإغريق بكلمة "hiereus" , ولكن وظيفة هؤلاء المتطهرين تترادف في هذه الفترة مع (الباستوفوروي Pastrophoroi) أي جملة المقاصير المقدسة التي تحوي تمثال الإله.

ولقد إستمر هذا التقسيم الثنائي للكهنة المحترفين والعاديين حتى العصور المسيحية, فالطبقة الأولى منهم أصبح يطلق عليهم في القبطية "hont" وهو شكل متأخر للكلمة القديمة "حم نتر" والتي تعني في اللغة القبطية "الكهنة الوثنيين", هذا الإختلاف بإفتراض أن الطبقة الأولى من الكهنة المحترفين تمسكوا بإصرار للديانة القديمة. بينما أخذت المسيحية إنتشاراً جزرياً لها بين عامة الكهنة من طبقة المتطهرين وربما أمكن للمسيحيين أن تجند منهم طبقة الطهنوت القبطي المبكر.

وفي الكهنوت المصري كان المؤدي الرئيسي للخدمة هو "خادم الإله". وكانت ترتل التعاويذ بواسطة "الكاهن المرتل Kher-hebet" أي "القائم على كتاب إحتفالات العياد". وطبقة الكهنة المسمون "سم Sem-priests" كانوا يوجدون بين كهنوت ألهة معينين فقط, ويبدو أنهم أقل نوعيات الكهنة أهمية وهم صامتون تماماً, وكان من واجبهم حمل وتقديم القرابين ورفع أذرعهم في وضع محدد.

والوقائع واليويمات التي وجدت في (اللاهون) تتيح لنا مزيداً من المعلومات التفصيلية عن تنظيك المعبد الجنائزي "لسنوسرت الثالث", والذي كان مشيداً في هذا الموقع. فكانت الهيئة الدائمة للمعبد (Kenbet) تتكون من "الخادم الأكبر للإلخ" و"المذيع" و"سيج الأسرار", و"حافظ مخزن الملابس" و"سيد القاعة الفسيحة", و"الشمرف على هيكل القرين" و"كاتب المعبد", و"كاتب المحراب" و"الكاهن المرتل". وهؤلاء الموظفون كان معظهم يتولون أعمالاً إدارية. اما باقي الكهنة المسمون "كهنة الساعة" (الوقت) فكانوا يشكلون مجموعات أربع (يسمون في اللغة المصرية سا Sa) وفي العصر اليويناني يسمون (فيلي Phyle). وكلا الكلمتين تعنيان مراقبة, وكل مجموعة منها تقوم بالحدمة لمدة شهر في درو ها في المغبد, وعندما تنهي الرابعة مدة الخدمة المحدةة لها فإن الأولى تعود لإداء دورها في الخدمة وبذلك فكل أعضاء مجموعة يخدمون ثلاثة أشهر من السنة, وفي العصر البطلمي أضيفت جماعة خامسة إلى كهنة الساعة. ولقد كانت سلطة كهنة أي معبود تتوقف أو توازي مع درجة ثراء معبده, ولقد أحرز كهنة الإله "آمون" خلال الدولة الحديثة تحت رئاسة كاهن "آمون" الأكبر أعظم سلطة سياسية. وفي طيبة وضواحيها إستطاعوا بالفعل خلق دولة داخل الدولة في عصر ملوك الأسرة الحادية والعشرين اذلي عاشوا في "تانيس" ف يالدلتا. وهذه الدولة كانت نظرياً محكومة بواسطة الإله "آمون", ولكنها كانت تحكم عملياً بواسطة كبار الكهنة أنفسهم, والذين كتبوا حتى أسماءهم داخل الخراطيش الملكية أو إهليج أسوة بالفراعنة المصريين, وأضفوا على أنفسهم الألقاب الملكية, ورغم إعترافهم بفترة حكم ملوك "تانيس" في الشمال, واقروا على الأقل نظرياً بتحالفهم معهم.

موارد المعبد

وكانت موارد المعبد تتكون من الضرائب المدفوعة من سكان المنطقة التي يقع فيها المعبد, وهي عبارة عن هبات عقارية من الأرض والماشية, أو عمال سخرة وأسرى حرب يقدمها الملك. ففي الدولة الوسطى على سبيل المثال كان كل مواطن من أسيوط يعطي أول ثمرة من المحصول للمعبد المحلي للإله "أبووات". وكانت أرض معينة, أو المشاركة في الغنائم التي تأتي من الغزوات او الحملات العسكرية. ومن خلا هبات الأرض المتدفقة أو المستمرة دائماً أصبحت المعابد من اهم ملاك الأرض في القطر. فقرب نهاية الأسرة العشرين إمتلك معبد "آمون" حوالي عشرين في المائة من كل الأرض المنزرعة في مصر, وهي حقيقة توضح القوة الإقتصادية والسياسية الضحمة لكبار كهنة الإلهة "آمون". وهناك مزايا أخرى كانت تضفي على المعابد بواسطة القرارات الملكية, فالمعابد وكهنتها كانت تعفى من الضرائب الزراعية الملكية, كما كان المعبد وثروته خارج نظاق سلطة الموظفين الملكيين. ومن الناحية النظرية فإن كل دخل او إيراد من ثروة المعبد, خاصة الطعام والشراب والملابس والعطور كان يذهب لإشباع القرابين الخاصة بإله المعبد. ولكن بعد أن يتشبع الإله رضاء منها (طبقاً للنعبير المصري) فإنها كانت تقسم بين الكهنة والموظفين الآخرين بالمعبد. ولقد كان ذلك مناقضاً للحاسة العملية للمصريين في تدمير التقدمات بإحراقيها, ولهذا كانت هناك محارق للغزلان والأوز والماهز, وكان إحراق هذه الحيوانات رمزاً للقضاء على أعداء الإله. والشعيرة التي يطلق عليها "ووضع في النار" يبدو أنها إمتداد لممارسة جنائزية مبكرة عامة, وهي ثابتة منذ الدولة القديمة. وكانت الماعز والأوز في الحفيفة من أقدم الحيوانات التي تذبح للتقدمة على سبيل المثال في الإحتفال القديم جداً والخاص بفتح الفم. وكانت الخاصية المشتركة للكهنة في تطهير الجسد تتم بالإغتسال ومضف النترون, وحلق الرأس تماماً الذي يعد أحد مظاهر ذلك التطهر منذ الدولة الحديثة فصاعداً, وكان رداؤهم اكثر تحفظاً من غيرهم من الأفراد, وحرمت عليهم كذلك بعض الأطهمة المعينة مثل السمك.

الخدمة المقدسة

ويبدو أن النساء لم يسمهمن بدور في الخدمة المقدسة ذاتها, وكان دورها محدوداً في الغناء والرقص ولعب الموسيقى في المعبد, وعند ظهور الإله للجمهور أثناء المواكب. وكما كان الكهنة هم "خدم الإله" فهؤلاء النسوة كن موسيقيات يجسدن "حريم الإله", وكانت قائدتهم ينظر إليها على أنها زوجة ذلك الإله, وكانت هذه الزوجة (الإلهية) تفترض في كل حالة على أنها الإلهة "حتحور" فيها بمثابة زوجة إله الشمس. وفي طيبة كانت الكاهنة الكبرى "لآمون" تدعى فعلياً "زوجة الآله", ومنذ السرة الثالثة والعشرين إلى السادسة والعشرين تعاقبت خمس زوجات للإله وكن يحكمن الدولة المقدسة لطيبة. ومن خلال عرضنا السابق عن الخدمة المقدسة يتضح لنا أن شعائر المعبد كان يؤديها عدد قليل من الكهنة في أقصى قدس الأقداس للمعبد, واذلي لم يكن مسموحاً بدخوله للجمهور, اذلي كان يسمح له فقط الدخول حتى الفناء المفتوح حيث يمكن له صب الماء للإله وترديد الصلاة. والفرصة الوحيدة المتاحة للعامة للسماح لهم بالتواجد في حرم اللإله كانت أثناء الأعياد المسامة التقدم (الظهور), وذلك عندما يحمل تمثال الإله في مربكه بعد مغادرته قدس الأقداس لكي يقوم بزيارة لإله آخر في نفس المدينة أو في منطقة أخرى. وهذه المواكب تدعو إلى الإعتقاد بان الإله مثله في ذلك مثل أي إنسان كان بستمتع بالمباهج, ومنها تمتعه برحلة أو زيارة, وفي عصور متأخرة كانت هذه المواكب تقام بمناسبة حدث في التاريخ المثيولوجي لهذا الإله. وبعض الأعياد كانت محلية محضة والبعض الآخر منها كان يتمتع بشهرة عريضة ويجتذب جماهيراً من القريب والبعيد, والنبذة التي أوردها "هيرودت" لعيد الإلهة "باستت" في "بوياستس" ينبغي أن تقرأ على أنها وصف رزين لحدث من هذا القبيل.

الأعياد الدينية

ولقد كانت أعياد الإله مرتبطة بموسم أو بتاريخ في السنة الدينية التي لا تنطوي عامة على أية علاقة لها بالمواسم, وذلك طبقاً لطبيعة الإله صاحب العيد, فهناك عيد "تجلي مين" إله الخصوبة, والذي كان يحتفل به في كل معابده بالقطر مع بداية موسم المحصول. وكان تمثال "مين" يحمله الكهنة على أعمدة وكل منهم ملتف في جلباب مزدان بأسماء الملك وبالشكل الذي لا تظهر فقط فيه إلا رؤسهم وأقدامهم من أعلى وأسفل الجلباب, وتتبعهم مجموعة أخرى صغيرة من الكهنة حاملة معها لفائف الخس, وهو النبات المقدس للإله "مين". وكان بقاد أيضاً ثور أبيض في الموكب, بينما تماثيل الملك ورموز أو علامات الآلهة ترفع على الساريات. وعندما بعتلي الملك عرشه المسمى "تحت مقصورة" فإن سنبلة قمح كانت تقطع للإله, وتطلق أربعة طيور للأركان للمعمورة حاملة الإعلانات المكتوبة عن العيد.

وهناك عيدان لإله "آمون" لهما أصولهما في طيبة, ورغم أنهما كانا عيدين محليين تماماً إلا أن بسبب شعبيتهما العظيمة فإن الشهرين التي خلالهما يحتفل بالعيدين تماماً إلا أن بسبب شعبيتهما العظيمة فإن الشهرين التي خلالهما يحتفل بالعيدين أطلق عليهما في النهاية إسما هذين العيدين في كل أنحاء المملكة. فعيد "الأوبت" يبدأ في اليوم التاسه هشر من الشهر الثاني من العام ويستمر لمدة 27 يوماً في عصر "رمسيس الثالث", وهي تبدو انها مجرد رحلة للآلهة "آمون وموت وخنسو" [صورة رقم 83] من معابدهم في الكرنك إلى معبد الأقصر ثم العودة. فالمعبودات الثلاثة يبدون في سفنهم الإحتفالية في النيل, ومركب الإله "آمون" كان مقطوراً بمركب الملك, ثم مراكب أصغر يجدف فيها كبار الموظفين, وطوال الرحلة كان ا لبخور يحرق أمام تماثيل المعبودات, بينما تعقد المراةح أمامهم. وكانوا يصطحبون سواء على الماء أو الأرض حشوداً ضخمة من سكان طيبة ومن الجيش والكهنة والمغنين الذكور والإناث, وعندما يلج الموكب معبد الإقصر كانت تقدم مختلف انواع القرابين مثل الثيران المسمنة الخاصة لهذه المناسبة [صورة رقم 84], بينما توضع السفن الصغرى التي حملت مختلف المعبودات أثناء رحلتها على الأرض في مقاصير خاصة. ةبعد بقائها هناك لبعض الوقت فإنها كانت تؤخذ ثانية للكرنك كل إلى معبده الأصلي هناك قاطعين رحلة العودة في نفس المسار الذي أخذوه عند قدومهم إلى معبد الأقصر. أما عيد الوادي فكان يقع في الشهر العاشر من السنة, حيث يعبر الإله "آمون" بمفرده هذه المرة النيل على مركبه [الصورة 85, 86] ليزور المعابد الجنائزية للملوك في الضفة الغربية, وذلك لصب الماء لملوك مصر العليا والسفلى. وكان الهدف النهائي لهذه الرحلة هو زيارة الوادي أو زيارة الير البحري, حيث المعبد الجنائزي للملكة "حتشبسوت" والذي كان يعد أيضاً معبداً للإلهة "حتحور",وفي خلال مواكب آلهة معينين كانت تؤدى مشاهد من التاريخ المثيولوجي للإله على نفس نمط الأسرار الإغريقية, وإن كان من المحتمل أن مشاهدتها كانت محدودة في دائرة ضيقة من الأشخاص المقربين وذوي الحظوة, فالأسرار الخاصة بالإله "أوزيريس" في أبيدوس كانت تجدد, وإن كانت تفاصيل قليلة جداً فيما عدا حقيقة وجودها – كانت معروفة. وهذه التفاصيل مستمدة أساساً من نقش على لوحة جنائزية في مقبرة (رئيس الخزانة) "إخر نفرت Ikhernofret" الذي أرسله الملك "سنوسرت الثالث" إلى أبيدوس لإعادة تنظيم عبادة "أوزيريس" [صورة رقم 86] وترميم تمثال الإله, وتجهيزات أخرى في معبده هناك, وخلال إقامته في أبيدوس شهد التمثيلية الدينية والتي بدأت بظهور تمثال "أبووات" الذي يتقدم تمثال "أوزيريس" حتى يؤمن له الطريق, بينما يتبعه "أوزيريس" في مركبه المسماة "نشمت Neshemet" وهو يصرع أعداءه. وقي هذا الجزء من الحفل كان النظارة يشتركون مقاتيلن جماعة أخرى تمثل أعداء الإله. ثم في موكب تجلي عظيم يذهب "أوزيريس" حيث يقتله "ست" ويبدو أن موت الإله كان يمثل محاطاً بسرية تامة, ويتبع ذلك عدة أيام حداد عام, وينار على تمثال "أوزيريس" الزينات الجنائزية وفروع الأغصان, ثم يحمل في مركب آخر للدفن في مقاطعة تسمى "بكر Peker" على بعد حوالي كيلومترين جنوب شرقي معبد "أوزيريس" حيث يقع القبر الفعلي "لأوزيريس" كما كان معتقداً. وكان يصحب الإله حشد من الجمهور وتغنى الأناشيد وتراتيل المودع,وتقدم القرابين حيث تقسم هي والأغصان التي تنزع من على تمثال الإله على المشتركين. وفي "نديت Nedit" وهي المكان الذي قتل فيه أوزيريس" طبقاً للأسطورة في موقع ما بمنطقة أبيدوس كان يؤدة فصل ثان يتم التغلب فيه على "ست" وأتباعه, ويتم الإنتقام بعد ذلك لمقتل "أوزيريس" بينما ترفع مركب الإله منتصراً وتقاد للعودة إلى امعبد وسط الإبتهاج العام للجمهور المحشد.

وبعض الآلهة كانت تماثيلهم تحجب عن نظر الجمهور حتى أثناء هذه المواكب العامة, فبينما كان تمثال الإله "مين" غير مغطى ومرئياً لكل شخص أثناء تقدم الإله الذي وصف آنفاً, فإن تماثيل "آمون وموت وخنسو" كانت مخبأة داخل مقاصير خشبية صغيرة توضع فوق السفن, ويبدو أن باب المقصورة كان مغطى بستارة [صورة رقم 87] كما بمكن أن يحكم على ذلك من المناظر العديدة للمواكب التي صورةت في أعمال الحفر والرسم التي وصلتنا عنها, وبالرغم من إختفاء صورة الله فإن العلاقة معه كانت قريبة للدرجة أن التضرعات كانت تقدم إليه بمجرد ظهوره مثلما يحدث عند ظهور الملك أو الموظفين الكبار. وكان الجكهور مسموحاً لع بان يقف إزاء مركب الإله عند توقف وتوجيه الأسئلة إليه التي يجيب عيلها في أسلوب العرافة.

وكانت تحدد أيام معينة للأعياد التي تقام على شرف الميت عندما تقدم القرابين وتضاء الشموع وترتل الأدعية أمام تماثيل الموتى, التي تحظى بشرف وضعها أحياناص في المعابد للإشتراك في تلقي القرابين والصلوات المقدمة للآلهة, أو توضع في هياكل المقابر تحت إشراف الكهنة الجنائزيين, ومعظم هذه الأعياد الجنائزية تأخذ مكانها قرب نهاية أو في بداية العام, وخاصة في اليوم الأول من أيام النسئ (أي اليوم 361 من السنة), وفي ليلة رأس السنة, أول يوم في السنة وفي عيد "الواج Wag" ومن المحال أن ننهي هذا السرد عن الأعياد المصرية دونأن نوجه بعضاً من الإهتمام إلى هيد منها ظل حتى وقت قريب غامضاً تمامص, وثم العيديد من اشلروح الغارقة في الخيال في نفسيره, وهذا هو "عيد السد Sed". ويعد منأقدم ال‘ياد التي يعود أصلها إلى البدايات المبكرة تماماً في التاريخ المصري, والذي كان بعض الملوك يحتفلون به بعد إتمام ثلاثين عاماً من الجلوس على العرش, ثم يكرر عقب ذلك كل ثلاث سنوات أخرى. وبعض الملوك إحتفلوا به رغم أنهم لم يحكموا هذه المدة على الإطلاق, وربما إحتسبوا عدد السنين المحددة لإقامة العيد من الوقت الذي أصبحوا فيه أوليء للعهد أو أمراء وارثين. وكان الطابع الحقيقي لهذا العيد هو الإعادة الدورية لتمثيل توحيد مصر بغزو مصر السفلي الذي تم على يد الملك "مين", ومنذئذ يمثل رمزياً بواسطة كل ملك عند إعتلاءه للعرش [صورة رقم 88]. وكان "عيد السد" يحتفل به منف, وفي عصر الرعامسة كان يجري الإحتفال تحت مظلة الإله "بتاح" حيث يجتمع الآلهة والآلهات مع كهنتهم من كل انحاء مصر لكي يقدموا تهانيهم للملك في عيد يوبيله, وكانت تماثيل أو علامات الآلهة الضيوف توضع في صفين من المقاصير أو الهياكل في فناء فشيح, وكان هناك فناء أقيم خصيصاً بهذه المناسبة يحتوي على عرشين كبيرين للملك تحت مظلة مقامة على سطح مرتفع يوصل إليها بواسطة درجين, وبناء آخر – وهو قصر مؤقت – كان يحوي غرف الملابس حيث يرتدي الملك ملابسه ويقوم بتغييرها في مختلف مراحل الإحتفال. ويبدو أن هذا العيد يبدأ في غرة الشهر الرابع من السنة وإن كانت مدته غير معروفة, وكان الشخص الأول فيه هو الملك, ولم تاخذ الملكة أي دور في الإحتفال به. ويبدأ الملك في مستهله بزيارة على قديمه في صحبة موظفيه إلى اآلهة المحليين غامراً إياهم بالتقدمات. وفي حفل ثان يسير غلى العرش المزودج,وامامه علامة الإله "أبووات" الأشسوطي الذي يلعب دوراً هاماً في الطقس الإحتفالي, والذي كان إسمه بعد حليفاص هاماً لملك "هيراكنوبوليس" في قتاله لإقانمة الوحدة السياسية الولى لمصر, ويجلس الملك بالتبادل على كل من العرشين, وتقام مراسم تتويجه أولاً بإعتباره ملك مصر العليا ثم ملك مصر السفلى, ويلف بعد ذلك في عباءة قصيرة حاملاً صولجاناً رمز غالسلطة الملكية, وعندما يجلس على العرش يستقبل بوادر الخضوع التي يغبر عنها رعاياه بالبركات اليت تهبه إياها الآلهة خلال شخوص كهنتهم, بينما تستقبل الآلهة بدورهم القرابين.

ويلي ذلك رقصة طقسية يبدو انها تمثل القمة الدرامية للعيد ويخلع املك نقبته ثم يرتدي نقبة قصيرة مثبت فيها من الخلف ذل حيوان وعلى رأسه تاج الوجه القلبي وصولجان صغير وعصا راعي في ديه, ثم يقوم بأربع مراحل قصيره مقدماً للإله "أبووات" رموزه الملكية. وفي المرحلة الختامية كانت توضع محفة امام العرش يعتليها الملك ملفوفاً في عباءة من مادة رقيق للغاية, ثم يحمل موكب ضخم لزيارة هيكلي الإلهين "حورس وست", وهؤلاء يسلمونه أسهم النص رالأربعة التي يطلقها الملك في الجهات الأصلية للكون لمحق أعدائه.

الآلهة المصرية والأجنبية واضمحلال الديانة المصرية

كان التسامح الديني ظاهرة عامة في عقائد الشرك, وقد حبا المصريون الالهة الأجنبية بعين – الرعاية وروح الضيافة التي إمتدت إلى أي أجانب آخرين يرغبون في الإقامة بقطرهم. ومن الملاحظ رغم ذلك انه خلال الدوليتن القديمة والوسطى لا نعرف إلا إلهاً إجنبياً واحجاً إستطاع الإفادة من مظاهر هذا الكرم, وربما كان سبب ذلك هو أن ديانات النوبة وليبيا وشبه جزيرة سيناء وجنوب فلسطين – وهي المناطق التي تحف بأرض مصر – لم يكن بمقدورها أن تقدم معبودات مؤثرة أو قوية بما فيها الكفاية لكي يجدوا لهم مكاناً مستقراً في مصر جنباً إلى جنب مع الآلهة الوطنية, ولكي تقبل كنظائر لهم في صحبتهم أو في المشاعر الدينية للمصريين.

ةمان الإستثناء الأوحد لذلك هو الإله النوبي "ديدون Dedun" الذي ذكر عدى مرات كجانب للبخور, وكان يطلق عليه الشاب الصعيدي الذي قدم من تو – سيتي To-Seti أي النوبة" في نصوص أهرامات ملوك الأسرة السادسة. وفي النصوص الأكثر قدما نتها في الأسرة الخامسة لم يرد لنا إسمه اللأمر اذلي يحملنا على أن نستخلص بانه كان وافداً جديداً إلى المجمع الإلهي المصري في بداية الأسرة السادسة, وذلك كنتيجة للمركز المميز للنوبة في ذلك الوقت الذي حازته بسبب الإزدهار التجاري كموقع وسيط مع الأقاليم التي تقه إلى الجنوب منها. وفي العصور المتأخرة عن ذلك ظهر "ديدون" كمعبود (فرعي او غير رئيسي) على الآثار في مختلف المناطق في مصر حتى شمال منطقة طيبة فقط.

والأصل الليبي للإله "آش Ash" هو أمر مشكوك فيه رغم أنه ثابت وجوده منذ السرة الثانية, وفي مناسبة متأخرة عن ذلك أطلق عليه "سيد تحنو (ليبيا) Lord of Tjehenu"". وربما كان إلهاً محلياً لمنطقة حدودية لمصر أضيفت إليه سلطة حكم مناطق أجنبية ملحقة, كما كان الأمر بالنسبة للإلهة "نيت Neith" الصاوية [صورة رقم 89] من "سايس Sais" لتسيطر على ليبيا والإله "سوبد Sopd" من "صفت الحنة" في شرق الدلتا ليسيطر على الأقاليم الشرقية. وعندما تعرف المصريون خلال رحلاتهمه للخارج على بعض الآلهة الأجنبية كان المر يبدو كما لو كان ذلك قد ذكرهم بإله أو إلهة مصرية ذات صفات مماثلة لتلك التي ميزوها في الآلهة الجنبية. فإلهة السماء "حتحور" كانت وبشكل خاص يمكن أن تقف إزاء مغظم المعبودات الأنثوية في الخارج خاصة في آسيا. ففي الميناء السوري "يبيلوس Byblos" كان التجار المصريون منذ فترة مبكرة تماماً يتعرفون على إلهة سورية عظمى أطلقوا عليها إسم "حتحمور سيدة بيبلوس" كانت ترعى البحارة, بينما في مكان آخر بشبه الجزيرة سيناء أصبحت هذه الإلهة العظيمة تدعى "حتحور سيدة (مناجم) الفيروز)" ذلك الحجر نصف الكريم الذي كان يستخرجونه من مرتفعات سيناء. ولقد حظيت "حتحور سيدة بيبلوس" في مصر ذاتها. وبالمثل رأوا في الألهة المشابهة ذات الطابع الحربي أو القتالي في فلسطين وسوريا إلههم "ست" الغريم السطوري "لحورس", الذي كان هو مجسداً في الملك المصري. وطبقاً لرواية قديمة أوقف القتال بين "حورس" بإعطاء مصر السفلى ومصر العليا لكل منهما على التوالي, وهناك رواية أعطيت فيها "الأرض السوداء" أي مصر إلى "حورس" بينما "الأرض أي البلاد الأجنبية إلى "ست". وليست هناك دلالات على تشييد معابد لاية عقيدة إلهية مصرية خارج مصر الدولة الوسطى, ما عدا النوبة التي غزاها ملوك الأسرة الثانية هشرة فجنباً إلى جنب مع بناء القلاع أو التحصينات والمستعمرات المصرية هناك فقد بشرت بعقيدة الإله "خنوم" إله منطقة الشلال في المعابد الجديدة المشيدة بالنوبة, رغم ان الإله "ديدون Dedun" إستمر في أدائه دوراً ثانوياً في هذه المعابد في صحبة "خنوم".

أثر الآلهة الجنبية على العقيدة المصرية في الدولة الحديثة

ورغم أن هيصعب تمتماً تتبع أثر أي إله أجنبي في مصر خلال الدولتين القديمة والوسطى إلا أنه هذا الوضع قد تغير تغيراً عظيماً في عصر ادولة الحديثة, حيث شيد فراعنة الأسرة الثامنة عشرة إمبراطورية دائمة في آسيا, وصلت حدودها في وقت ما إلى ضفاف الفرات. ولقد وجد المصريون هناك دويلات المدن السامية التي كانت خاضعة لنفوذ بابلي قوي وتتمتع بدرجة عالية من التحضر, وتعرفوا أثناء ذلك على عدد عظيم من آلهة وآلهات المدن المساه "بعل Ba'al" (سيد في اللغة السامية) أو "بعلت Ba'alat" أي (سيدة). ومن المناطق التي أخضعت جلب العديد من الأسرى إلى مصر واستقروا بها كرقيق في خدمة المعابد وضياع التاج, وأتبع ذلك التدفق الإختياري للمهاجرين من الصناع والتجار والجنود والذين وصلوا أحياناً إلى مراكز مؤثرة في البلاط الملكي والإدارة او الجيش, وقد جلبوا جميعاً معهم هبادات آلهتهم المحلية مكرسين لها الهياكل في الأرض التي إختاروها لإقامتهم. ولقد أضحى ضرباً من المودة عند المصريين تقليد النمط الآسيوي في العادات, فالكلمات عقائد الآلهة الأجنبية للوافدين الجدد من "بعل وبعلات" تحت أسمائهم مثل "ميكال Mikal, رشب Reshep (أو بالأفضل إرشوب Ershop)" وعبادة الآلهات "عشتارت Astarte, وعنات Anat وقادش Kadesh وكسرت Kesert" وأخريات غيرهن.

وكان الفراعنة أنفسهم قدروة في هذا الإتجاه الجديد, ففي مصر كان الملك يمثل في كل معبد أو هيكل كأبن للإله أو الإلهة المحلية, وبطبيعة الحال طبقت الإدارة المصرية والحاميات ذلك المفهوم أو الممارسة في مختلف الهياكل في الأقاليم الآسيوية التي كانوا معسكرين بها. وعلى ذلك يظهر "أمنحوتب الثاني محبوب إرشوب" الذي إبتهج به عندما كان مازال يعد اميراً وراثياً للعرش المصري, وكذلك كان الأمر بالنسبة للإلهة "عشتارات", التي شخصت القوى المجددة دوماً. والملك "رمسيس الثاني" قيل عنه أنه رضيع إلهة الحرب "عنات", بينما كانت "عنات ةعشتارت" بمثاية درعين أو دروع الملك "رمسيس الثاالث" التي حمت المركبة الحربية للملك, وعلى ذلك كانت مجاملة عظمى "لتحوتمس الرابع" عندما يطلق عليه "الفارس القوي مثل عشتارات". وهناك مجموعة من التماثيل تظهر "رمسيس الثاني" جالساً على يمين "عنات" التي مثلت ويدها على كتف الملك قائلة "إننى أنا أمك".

زبناء على هذه العلاقة الوثيقة بين هذه المعبودات وبين الفرعون فإننا لا ندهش إذا وجدنا الموظفين المصريين والجنود في المدن الفلسطينية والسورية يقتربون منهم بعين الثقة التي يولونها لآلهتهم الوطينة في مصر, فأحد البنائين المدعوان "أمينموبي Amenemope" أيام "تحوتمس الثالث" شيد لوحة في المعبد الموجود في "بيتشان Bethshan" في فلسطين "لميكال سيد بيت شان" و "الإله العظيم". كما أن سيدة مصرية في عهد "أمنحوتب الثالث" كرست لوحة "لعشتارت" في نفس المعبد, وأقام مصري آخر من عصر "رمسيس الثاني" لوحة إلى "عنات". وفي "رأس الشمرا" بسوريا كرست لوحة من "ميمي Memi" " إلى "بعل زيفون Ba'al-zephon" (أو بعل الشمال).

منف مركز العبادة عبادة الآلهة الآسيوية

ولقد كان مركز عبادة الآلهة الاسيوية في مصر هي منطقة منف حيث وجدت الأسماء الشخصية لبعض الأفراد مصاغة من أسماء هذه الآلهة في عصر الدولة الحديثة, ففي الأسرة الثامنة هشرة كان حياُ من المدينة يسمى "حي الحيثيين", وربما كان ذلك الحي هو الذي ذكره "هيرودوت" فيما بعد تحت إسم "معسكر التيرانيين Camp of the Tyrians" بإعتبار أنه مستقر أو مقر الإلهة :أفروديت" الأجنبية أي "عشتارت" غير المصرية. وهناك بردية مصرية تعدد أسماء الآلهة المنفية ذات الأصل المصري, وقد إحتوت بالمثل وجنباً إلى جنب معها أسماء "بعلت وهنات وبعل زيفون", وربما كانت كلها لها مراكزها الدينية في هذا الحي الذي لم يكن بعيداً عن معبد "بتاح". وطبقاً لهذا الجوار فقد أصبحت "عشتارت" إبنة ل "بتاح" ف يإحدى القصص المصرية, بينما في قصة أخرى كانت هي وعنات "بنات الإله رع". أما "رشوب" فقد حصل على لقب "المنصت إلى الصلوات", وهو لقب كان يطلق على "بتاح", فضلاً على ذلك لقب "إرشوب" بلقب "الإله العظيم", بينما "عنات وقادش وعشتارت" حملن جميعهن لقب "سيدة السماء وسيدة الآلهة" مثل الإلهات المصريات رغم أنهم في الرسوم يحتفظن بمظهرهن الجنبي, ""فإرشوب" يمثل وعلى رأسه غطاء مخروطي مرتفع ويحمل ردعاً ورمحاً في يده اليسرى, ومقمعة أو دبوس قتال في يده الينمى. أما "عشترات" فتصور حاملة درعاً ودبوس قتال ممتطية ظهر حصان وهي عادة غير مصرية تماماً, أما "قادش" فتقف عارية على ظهر أسد وتحمل الزهور في يد وثعباناً في اليد الأخرى. ومن الثابت وجود كهنة لهذه المعبودات في ممفيس, وأقدم من نعرفه منهم وهو كاهن للإله "بعل وعشتارت" زمن "أمنحتوب الرابع" كان سورياً من مدينة "زيرباشان Zirbashan".

ويبدو أن "رمسيس الثاني" كان متعبداً متحمساً ل"عنات" فضلاً عن أنه أطلق إسم "عنات" على فرسه وكذلك على إبنته المفضلة إسم "بنت عنات Bint-Anat" (إبنة عنات في السامية) فإنه أدخل هذه العبادة في عاصمته الجديدة في الدلتا "بر-رعمس Per-Rmsese" والتي أطلق عليها فيما بعد إسم "تانيس Tanis" حيث شيد بها معبداً للإلهة. وفي "تانيس" كان "رمسيس الثاني" يسمى أيضاً "محبوب حورون Beloves of Hauron" وهو إله سامي نعلم القليل جداً عنه حتى في موطنه الأصلي بآسيا, فهو قد مثل على صورة صقر في "تانيس" بينما كان مرتبطاً بأبي الهول العظيم؟

وعلى هذا لم تكن عبادة الآلهة السامية محدودة فقط في نطاق منف والحي الأجنبي فيها أو عاصمة الرعامسة في الدلتا, فالإله "إرشوب" وجد أيضاً في الجنوب حيث عثر له على مقش (جرفيتي) في الصخور القريبة من "توشكه Toshkah" في النوبة. كما كان "إرشوب وعنات وقادش" لهم شعبية ملحوظة بين الطبقات العاملة في منطقة جبانة طيبة. وعرفت "شتارت" بإسم "عشتار Ishtar" في "آشور" كما إشتهرت "عشتار" ربة "نينوي Nineveh" بقدراتها الشفائية, وعرفت أيضاً بذك في مصر, ونعرف ذلك من نقش مسماري عبارة عن عن خطاب موجه من الملك "توشراتا Tushratta" ملك "ميتاني" الذي يخبر فيه زوج إبنته "امنحوتب الثالث" بانه يرسل إيله "عشتارت ربة نينوي" مما يعني بالتأكيد تمثالاً لهذه الإلهة. والخطاب مؤرخ بالعام السادس والثلاثين من عهد "أمنحوتب الثالث" الملكي, ويبدو واضحاً أن الغرض من رحلة هذه الإلهة إلى مصر هو جلب الشفاء للملك الصري من مرض خطير عضال. ويبدو أن تماثل الإلهة قد بقى في مصر حيث أن لوحة موجوجة حالياً في مدبنة (كوبنهاجن) ربما تعود إلى تاريخ متأخر من عصر "أمنحوتب الثالث" كانت مكرسه لللإلهة "عشتارت" بواسطة أحد المصريين إسمه "روم Rom" الذي يمثل نفسه مصوراً على اللوحة, ومن هذا الرسم يتضح لنا الغرض من هذا التكريس فرغم أنه شاباً فكان يعاني من قدم مشوهة ويامل ان تشفيه "عشتارت".

الآلهة المصرية في فلسطين وسوريا

وبينما كان ال مصريون يبذلون إستعدادهم لقبول المعبودات السامية بينهم فإنه ليس هناك دلالة على أن رعاياهم في فلسطين وسوريا قد أبدوا عين السلوك إزاء الآلهة المصرية. حقاً لقد بنيت هناك معابد للآلهو المصرية مثل معبد الإله "آمون" الذي بناه "رمسيس الثالث", كما وجدت آثاراً تحمل أدلة على عبادة الآلهو المصرية قد وجدت معابد وهياكل الكعبودات الوطنية في فلسطين وسوريا, ولكنها جميعاً كانت مكرسة بواسطة مصريين نقلوا إلى هناك كموظفين أو كجدزد, ومن المستحيل أن نتبع نموذجاً واحداً لأصل وطني لإحدى عقائد الإله المصري, وعلى الرغم من ذلك فإن بعضاً منها قد تمتع ببعض القدر من الإحتارم حيثأنه حتى في نهاية الأسرة العشرين في عصر كان النفوذ ا لمصري فيه في آسيا قد غرب تقريباً تماماً, فإن ملك "بيبلوس" أقر بمكانة الإله "أمون" وهو يتحاور مع "ون آمون Wenamun" وهو مبعوث الكاهن "لأمون" في طيبة والذي قدم "لبيبلوس" لجلب أخشاب لازمة لمركب "آمون" المقدس وبالرغم من أن الملك رفض أن يعتبر نفسه خادماً للكاهن الكبر إلا أنه أعلن أن:"آمون قد حبا كل الأرض وحبا أرض مصر أولاً, فأعمال الفنون والصناعات قد أتت من مصر إلى موطننا, وكذلك امعرفة قدمت من مصر لتصل إلى موطني".

ولم يؤد في مصر إنتشار شعبية الآلهة السامية إلى إنجاحها في التأثير على التطور الفكري الديني المصري (على الإطلاق). وعندما فقدت مصرإمبراطوريتها في آسيا فإن شعبية هذه الآلهة هوت سريعاً. فعلي الرغم من أن مركز عقائد هذه الآلهة في الحي الجنبي في منف إستمر في العصر البطلمي الذي حمل ذلك الحي خلاله إسم "عشترتيون Astarticion" فإن أسماءهم قد ذلبت ذكراها في عقول المصريين, وإختفت من فوق الآثار المصرية فيما عدا بعض مناظر قرابين متفرقة أمام "عنات وعشتارت", وربما أيضاً كانت هذه المناظر مجرد نسخ غير مقصودة لنماذج مكبرة.

الآلهة المصرية في غرب وجنوب مصر

اما الأقاليم الواقعة غرب مصر فإن عقيدة الإله "ست" والذي – كما عرفنا آنفاً – كان منظوراً من المصريين بإعتباره إله البلاد الأجنبية قد تسربت إلى واحات الصحراوات الليبية منذ مرحلة مبكرة, وفي واحة الداخلة كانت عرافة "ست" مزدرهة حتى عصر الأسرة الثانية والعشرين. وأما أبعد هذه الواحات إلى الغرب وأكبرها أي واحة سيوة والتي كان بها عقيدة "لآمون", وكانت معروفة لذلك باسم واحة "جوتبر آمون Jupiter Ammon" في كل العالم الكلاسيكي, أما في واحة الخارجة فإن الإله "آمون" حل محل عقيدة "ست".

وتعود معابد الإله "آمون" في واحتي الخارجة وسيوة إلى العصر الفارسي, ولكن ديانة "آمون" إنتشرت هناك قبل ذلك العصر بعدة قرون, وقبل التدهور لعام لعقيدته في مصر ذاتها. وانتشرت شهرة عرافة ر آمون" في سيوة في حوض شرق البحر الأبيض, فلقد زار "الإسكندر الأكبر" المعبد عام 332 ق.م بعد غزوة لمصر ورحب به الكهنة بإعتباره إبناً للإله طيقاً للتقاليد المصرية. ولقد ثبت أن هذه الواقعة كانت البداية الحقيقية للتحول العميق لمفهوم "الإسكندر" عن الملكية وعن مصيره هو نفسه, وكان غزوه اللاحق للعالم بناء على وعد حصل عليه من عرافة "جوبتر آمون".

ولقد كان ذلك في النوبة والسودان غلى الجنوب من مصر حيث حازت الديانة المصرية على نفوذها ادائم والشامل معاً, فملوك الأسرة الثانية عشرة الأوائل الذين دفعوا بعددهم إلى أعلي النيل حتى الشلال الثاني وجدوا النوبة تقطنها قبائل رعاة من مربي الماشية يعيشون في حضارة لا تكاد تتجاوز عصور ما قبل التاريخ في مصر, ولا نعرف شيئاً عن ديانة هؤلاء السكان الوطنيين فيما عدا وجود الإله "ديدون" الذي ذكرناه سابقاً. وما يمكن لنا أن نستنتجه من بقايا مقابرهم وتجهيزاتهم وفي المعابد التي بناها الغزاة المصريون في المدن والحصون التي أقاموها هناك استمرت عبادة "ديدون", ولكن المصريين أدخلوا آلهتهم, خاصة ثالوث "إلفنتين" المكون من الإله "خنوم" والإلهتين "ساتت وعنقت".

وفي فترة الإنتقال الثاني فقدت مصر النوبة ولكن سرعان ما تم إستعادتها في بداية الأسرة الثامنة عشرة, وضمت مناطق جديدة منها تمتد حتى إقليم دنقلة الحديث, ولقد كان الإله المفضل في ذلك الوقت في معظم الأماكن هو الإله "حورس" الإله الملكي, والذي كان يمثل ملك مصر الذي تجسيده على الأرض. ولقد كان هناك العديد من مظاهر "حوري" في مختلف مدن النوبة مثل "حورس بوهن Horus of Buhen" (قرب وادي حلفا) و"حورس ميعام Horud of Miam" (عنيبة) وكذلك "حورس باكي Horus of Baki" (أو كوبان) وكذلك "حورس محا Horus of Meha" (أبو سمبل). وإلى جوار عقيدة "حورس" الملكي كانت عبادة الملوك المصريين وصلت إلى درجة متقدمة بالمقارنة إلى مصر نفسها "فسنوسرت الثالث" من الأسرة الثانية عشرة الذي يعزى إليه الغزو المنظم الأول للنوبة كان بقدس في معابد حصون "سمنة وقمنة" و"نحوتمس الثالث وأمنحوتب الثالث والملكة تي وتوت عنخ آمون ورمسيس الثاني" عبدوا أيضاً في مختلف المراكز, ولكن كل هذه العقائد الملكية كانت مجرد عبادات فرعية في مقابل عقائد الآلهة العظمى المصرية "آمون طيبة" و "رع حور آختي رب هليوبوليس" و "بتاح رب منف" خاصة الأول منهم. ولقد بنى "تحوتمس الثالث" معبداً "لآمون سيد عروش الأرضيين" (أي آمون الكرنك" بعيداً إلى الجنوب في "نباتا" (جبل برقل الراهن) تحت سفح جبل مرتفع ذي قمة مسطحة, وذالي أطلق عليه المصريون "الجبل النقي" والذي يرتفع في حدة على مقربة من السهل الذي يجف بالنيل. ولقد ادعى كهنة طيبة سطوة آلهتهم على كل بلاد النوبة, كما إداها هؤلاء الكهنة "لآمون" الكرنك على مصر وممتلكاتها الآسيوية, ولقد تم إستعمار النوبة وتمصييرها رغم أنه يصعب القول إلى أي حد أمكن تمصير البدو الرحل.

ونحن لانعرف على التحديد متى فقدت مصر النوبة تماماً, والمرجح أن ذلك حدث خلال الدولة الدينية لكهنة "آمون رع" في كيبة خلا الأسرة الحادية والعشرين, فدولة الإله هذه في مصر إستبدلت بدوولة عسكرية نظمت من مدينة "تل بسطة Bubadtis" في الدلتا بواسطة ملوك كانوا سلالة قائد من المرتزقة في الجيش المصري من أصل ليبي. كما أصبحت "نباتا" عاصمة لمملكة مستقلة في أثيويبا وبينما تدهورت سريعاً سلطة "آمون" في مصر فإن كهمة "آمون" بنباتا إحتفظوا في أثيويبا بسلطة ثيوقراطية. وكان الملوك يختارون للعرش ويحدد لهم تصرفاتهم السياسية بناء على عرافة آمون" في نباتا, ففي حوالي عام 730 ق.م, واليت كانت قد تجزأت إلى عدد من الممالك المستقلة في ذلك الوقت. ولقد أخضع "بعنخي" البلاد مضفياً عنايته الفائقة على المعابد في كل أنحاء مصر, وشهد بشخصه أعياد مختلف الآلهة جالباً القرابين لهم ملاحظاً الطقوس وافحتفالات, ولقد إعتبر نفسه مصرياً حقيقياً مستقيم الرأي (Orthodox), بينما عامل العواهل المصريين بإعتبارهم غير أنقياء, وعكس بذلك سلوك الأثيوبيين اذلين إعتبروا أنفسهم الورثة الحقيقيين وغير ا لفاسدين للديانة المصرية القديمة عامة, ونحجوا في حفر هذا الإنطباع في ا لعالم القديم لدرجة ان الإغريق كانوا يعتبرون الأثيوبيين أكثر الرجال حكمة وتديناً, وأن أثيوبيا هي مهد الحضارة المصرية, وهو مفهوم على العكس من الحقيقة التاريخية تماماً. ووكانت خملة "بعنخي" مؤقتة, وقد خلفه "شباكا" وإحتل مصر مرة ثانية, وأسس الأسرة الخامسة والعشرين الأثيوبية في مصر, حيث دفن الملوك مع زوجاتهم الملكيات في أهرامات في الجبانة الملكية بالقرب من عاصمتهم "نباتا". وكانت مقابرهم مصرية الطابع تماماً, حقيقة أن أهراماتهم تبدو غريبة بسطوحها الحادة للغاية لكن غرفات الدفن احتوت على مومياوات وأثاث جنائزي مألفو في مصر, مثل التوابيت وتماثيل الأوشبتي والأواني الكانوبية, والجعارين, كما غطت سطوح حوائطها بالرسوم والنقوش بالكتابة الهيروغليفية ونوادر ظهور "أوزيريس وإيزيس وأنوبيس" على هذه الآقار إلى جوار "أمون رع", وبإختصار كانت ديانة الأثيوبيين على الأقل في جانبها الرسمي مصرية تماماً, ومن المستحيل أن نؤكد إذا كان رعاياهم قد شاركوا في هذه العقائد الدينية وبالعودة لسادتهم الملكيين أم لا.

وعندما أحرزت مصر إستقلالها مرة اخرى في عهد "بسماتيك الأول" عام 663 ق.م إنفصمت العلقاات مع أثيوبيا وبدون رجعة, فلقد إنتقلت عاصمىة أثيوبيا إلى "مروى Meroe" في القرن اثالث ق.م شمال الخرطوم, وبدأت حضارة وديانة البلاد في التفسح ببطء إلى مرحلة من البربرية.

وبالعودة إلى مصر نرى أن تشييد الدولة المقدسة في طيبة التي حكمها "آمون" خلال كاهنه الأكبر كان قمة تراكمية في تاريخ الديانة المصرية. والحق انه ك ان قد بقي حوالي 1500 سنة من تاريخ هذه الديانة, ولكنها مجرد سنوات من التدهور البطئ, والثابت حقاً أن الديانة المصرية قد فقدت حيويتها وقوى تطورها أو تقدمها الداخلية. وكان التدهور في الديانة يسير في خطوط متوازية مع التدهور في مجالات أخرى من حياة مصر الوطنية والسياسية والحضارية فقد كان ملوك الأسرة الثانية والعشرين بتل بسطة هم من القادة الليبين المرتزقة الذين حولوا مصر إلى دولة عسكرية.

وعلى الرغم من أن كل ملوكها قد أضافوا إلى أسمائهم اللقب (الرعمسي) القديم (محبوب آمون) إلا أنهم فضلوا عقيدة الإلهة "باستت" من تل بسطة وآلهة آخرين من الدلتا, الذين كانت معابدهم تقع قريباً من عاصمتهم. ولقد حققوا سيطرتهم أو نفوذهم في طيبة بتعيين أبنائهم ككبار كهنة "لآمون" هناك, الزوجة الإلهية "لآمون" وهي الزوجة المفترضة للإله على ا لأرض. وهذا النظام الكهنوتي الخير كان قد أنشئ خلال الأسرة الثامنة عشرة, وكان على الأغلب يملأ المنصب باميرة من الأسرة الملكية, وبمرور الوقت أصبح هذا المركز يكاد يكون في مركز الملك الأكبر "لآمون". وفي الأسرة الثانية والعشرين بدأ مركز الزوجة الإلهية "لآمون" في إلقاء مركز كبير كهنته إلى الظل.

وعندما قعر ملوك أثيوبيا مصر وأسسوا الأسرة الخامسة والعشرين بدأ الأمر كما لو كانت الأيام المجيدة القديمة "لآمون" قد عادت, فلقد كان الأثيوبيين أنفسهم عباداً متحمسين "لآمون" بنباتا Nabata" موطنهم الأصلي, وها هم الآن يدعمون مركز "آمون طيبة", لكن في عاك 633 ق.م خلال الحروب اليت قارت بين "تانون آمون Tanutammun" وبين "آشور بانيبال Assurbanibpa" ملك ’شور, إحتل الآشوريين طيبة ودمروا المدينة معابدها وتراجع "تانون آمون" إلى أثيوبيا بعد بضع سنوات, ولم يعد مرة أخرى لمصر. وبرحيل الأثيوبيين هبط "آمون" إلى مستقلة تحت عرش الملك الوطني "بسماتيك الأول" وأسرته السادسة والعشرين, ولقد كان أصل هذه الأسرة الجديدو هي مدينة "يايس" في الدلتا حيث عاش ملوكها. زبقيت طيبة مدينة محلية وأصبحت الإلهة "نيت" من سايس هي إلهة الدولة, ووكان "كاهن آمون الكبر" على ذلك القت قد أصبح شخصاً غير مهم, أما السلطة التي كانت مازالت باقية في دي "زوجات ’مون الإلهيات" فقد إنتقلت إلى الأسرة الصاوية الجديدة عام 655 ق.م, عندما أحجبرت "زوجة الإله" التي تدعى "شبنوبت Shepenwepet" الأثيوبية الأصل وإبنة الملك الأثيوبي "بعنخي" بواسطة "بسماتيك الأول" على تبني إبنته "نيتوكريس Nitokro" كإبنة لها وخليفتها في مركزها الديني.

ولقد رأى المصريون أن الوسيلة الوحيدة – كعلاج للتآكل السياسي الذي وضح في التشرذم المتواتر وإنقسام البلاد من حين لآخر إلى وحدات صغيرة, ولتدهورها الروحي – هي العودة إلى المؤسسات واليحاة الروحية للماضي القديم. ولقد بدأ هذا الإتجاه أولاً على أيدي الملك الأثيوبيين الذين إعتبروا أنفسهمه الورثة الشرعيين لمصر, فجهدوا في توحديها سياسياً وفي الحياة الروية خاصة في الديانة والفن. وإختار ملوك الأسرة السادسة والعشرين مصر في الأيام المجيدة للدولة القديمة كنموذج لهم, وربما لم يعتقدوا أن الدولة الحديثة تعد نموذجاً جديراً بالإقتداء طالما أن كانت البلاد خلال فترتها مفتوحة على وسعها للتأثيرات الأجنبية من آسيا, وسعوا وراء العقائد القديمة والأشكال الفنية السحيقة. ولقد كان هذا الإتجاه نحو القديم هو ا لذي أعطى الديانة المصرية طابعها القديم مرة أخرى والذي أثر في الإغريق وأثار إعجابهم.

وتحت الحكم العبقري للأسرة والعشرين تميزت الإتجاهات نحو القديم بنجاح تام, عمن الناحية الشكلية الظاهرية أصبحت مصر تشبه عصر بناة الأهرام, وإلى حد بعيد أصبحت هذه الفترة جديرة بأن يطلق عليها إسم (النهضة) التي تعرف بها عادة, ولكن عسكرياً ولإقتصادياً كانت البلاد ضعيفة, وفي هذه المجالات كان على "بسماتيك الأول" وخلفائه ان يعتمدوا على الإغريق. فالمرتزقة من الجنود الإغريق إحتشدوا في تحصينات على حدود مصر, والتجار الإغريق أعطوا مستوطناً لهم تجارياً في "نقراطيس" بالدلتا, ولم يستطع المرتزقة الإغريق إنقاذ مصر من الفرس عام 525 ق.م, ويبدو أنه حتى التجار الإغريق قد رحبوا بهم, حيث فتحت طرقاً جديدة لتجارتهم في إطار الإمبراطورية الفارسية, وفي مصر ذاتها لم يعد إستقرارهم محدوداً في "نقراطيس" وحدها. وفيما عدا حشد الفرس لحامياتهم في مصر, وجمع الضرائب فإن الفرس لم يغيروا شسئاً من مؤسسات البلاد فيما يتعلق بالديانة, فلقد أبدوا تسامحاً, حيث بني معبد "آمون" في واحة الخارجة في عهد "دار الأول Darius I" ونقش به إسم ذلك الملك الأمر الذي كان مستحيلاً دون موافقته.

الآلهة الإغريقية وتقاربها مع الآلهة المصرية

وهناك القليل الذي نعرفه عن سلوكيات الإغريق المبكرين إزاء الديانة المصرية. ولقد حدثنا "هيردوت Herodotus" أن أمازيس Amasis" (أحمس) قد خصص أماكن لبناء مذابح وهياكل لليونانيين الذين لم يكونوا مستقرين بمصر, والذين كانوا يبحرون إليها فقط للتجارة والعمال. هذه المعلومة يجب أن تفسر بمعنى أن اليونانيين قد منحوا الفرصة لعبادة آلهتهم الخاصة, وفي "نوقراطيس Naucratis" ذاتها كشفت الحفائر عن بقايا المعابد المبكرة للآلهة "أبوللو A[pollo وهيرا Hera وأوفروديت Aphrodite وديوسكوري Dioskuroi" وذلك إلى جوار معبد عظيم أسهم في تأسيسه عدة مستعمرات هيللينية من آسيا الصغرى, بالإضافة إلى معبد للإله "زيوس Zeus" الذي نعرف عن وجوده مصادر أدبية. ولم يوجد أي أثر لهيكل لمعبود مصري ولا أي دليل على أن إغريقي "نوقراطيس" قد عبدوا أي إله مصري رغم أن عبادة "إيزيس" ذكرت هناك في نقش ربما من القرن الخامس ق.م. ولكن على الرغم من أن موقف التجار الإغريق كان يتسم بعدم الإهتمام إلى حد ما بالديانة المصرية, إلا أن البلاد وحضارتها عامة قد أثارت إعجاباً بين طبقات المثقفين اليونانيين الذين أتوا من اليونان لزيارتها. وربما كان الكتاب الثاني "لهيرودوت" مثالاً مميزاً لهذا التقدير والإهتمام, فهو يصف مختلف العقائد المصرية وبتكرار وبتفضيل عظيم, ويحكى أساطيرهم. وبذا أصبح مصدراص رئيسياً لنا عن الديانة في العصرين الصاوي والفارسي, ولم يبد "هيرودوت" دهشته لتقديس الحيوانات [صورة رقم 90], ويقرر عن حق أن المصريين قد تفوقوا على جميع البشر الآخرين في عبادة الآلهة وإتباعاً لنهج مواطنيه فإن "هيرودوت" رأى تشابهاص بين مختلف الآلهة الإغريق والمعبودات المصرية, وهي مماثلة كانت تؤسس أحياناً على تفاصيل غير جوهرية تماماً. فبالنسبة إليه كان "أوزيريس" هو "ديونيسوس Dionysus" و"حورس" هو "أبوللو Apollo" و"باستت Bastet" هي "أرتميس Artemis" و"إيزيس" هي "ديميتر Demeter" و"آمون" هو "زيوس Zeus". وعن الآلهة والآلهات المصرية الآخرين عرف "هيرودوت" فقط بالمقابل الإغريقي لأسمائهم مثل "أريس Ares وأفروديت Aphrodite وأثينا Athene وهيفايستوس Hephaestus وهرمز Hermes وهرقل Heracles وسيلين Selene وطيفون Tyhone" وقد إعتقد أن هذه الأسماء الإغريقية من أصل مصري وأخذها عنهم وتبناها الإغريق.

ولقد كان اليهود أقل حظاً من الإغريق الذين كان في مقدورهم عبادة آلهتهم دون عائق, وبناء هياكل لهم في المستوطنات الإغريقية بالدلتا, فمنذ عصر الأسرة السادسة والعشرين كونوا جزءاً هاماً من الحامية العسكرية في جزيرة إلفنتين كجنود مرتزقة في القلعة التي تحمي مصر من أية هجمات من الجنوب, وهناك سمح لهم بأن يبنوا معبداً "لياهو Yahve" إلههم ولرفيقته الإثنتين "أشيما Ashima" و"عنات Anat" والتي كانت عبادتهما غير محرمة بين اليهود قبل إدخال القانون الدنين الموحد بمناسبة إعادة بناء معبد "ياهو Yahve" في "أورشليم Jerusalem" عام 515 ق.م. ولقد تمتع يهود ألفنتين أيضاً بميزة إمتلاك عيكل لهم أثناء الحكم الفارسي خلال القرن الخامس قبل الميلاد, وإن حدث بعض المصادكات بينهم وبين السكان المصريون الوطنيين من حين لآخر ربما كنتيجة لتصاعد المشاعر الوطينة بسبب القهر اللأجنبي.

وفي عام 410 ق.م قام كهنة الإله "خنوم" بعد أن حيدوا موقف القائد الفارسي بتجنيد جنود من أصل مصري إقتحموا معبد "ياهوا" ونهبوا آنيته المقدسة الثمينة وحطموا المعبد ثم أحرقوه. وعندما إحتج اليهود على ذلك إلى الوالي الفارسي في منف, حكم بلإعدام على القائد الذي وافق على هذه الجريمة, ولكن كان ذلك فقط عام 407 ق.م, ةبعد العديد من إلتماسات والرشاوي إستطاع اليهود الحصول على إذن إعادة بناء المعبد مرة أخرى من السلطات الفارسية, وليس من المعروف إذا كانوا قد أفادوا عملياً من هذا الإذن لنه بعد ذلك مباشرة في 405 ق.م ثارت مصر ضد الفرس وإستعادت حريتها لعدة عقود تالية. ومن المرجح ان الموافقة على إعادة البناء قد أهدرها المصريون توا في "فيلة".

إمتزاج الديانة المصرية مع الإغريقية

وقد حدث تغير عميق في موقف الإغريق مع الديانة المصرية خلال غزو "الإسكندر الأكبر" لمصر عام 332 ق.م, والذي غير الوضع الإجتماعي للإغريق من مجرد مقيمين عاديين إلى أعضاء في الطبقة الحاكمة. فلقد أتبع جيش "الإسكندر" تدفق متزايد ومستمر من اليونانيين من كل انحاء العالم الإغريقي باحثين عن حظوظهم في البلاد التي فتحت لهم, ولم يعودوا بعد محددين في عدد قليل وصغير من المستوطنات, ولكنهم إنتشروا في جميع انحاء الأقاليم, فالإسكندرية التي أسست حديثاً كانت إغريقية تماماً في عمارتها وسكانها وإستمرت كذلك حتى أصبحت مركز الحياة الروحية والثقافية للإغريق لهذا الوقت, ولكن في اماكن أخرى كان الإغريق يواجهون أغلبية ساحقة من السكان الوطنيين. ولقد بدأ منذئذ التناقض بين الحضارة المصرية وبين الحضارة الحديثة نسبياً للإغريق. وفي جبانة مصر "هرموبوليس Hermopolis" (الواقعة قرب تونا الجبل الحالية في مصر العليا) نرى إمتزاجاً عظيماً للفنيين المصري والإغريقي بالإضافة إلى الصياغة المتداخلة للعناصر الدينية خلال فترة إمتدت عملياً من القرن الثالث قبل الميلاد حتى القرن الثالث بعد الميلاد. فهناك المعبد المشيد من الحجر لكاهن "تحوت" المدعو "بيتوزيريس Petosiris" يتضح فيه التأثير الإغريقي في نقوشه في زمن قريب بعد الغزو "الإسكندر الأكبر", وفي المنازل الجنائزية ذات الطابقين المبنيين من الطوب اللبن من العصر الروماني فإن الحوائط البيضاء مغطاة بمناظر من الأساطير اليوناينة عن "أجاممنون Agamemnon وأوديب Oedipus" وبمناظر "لتحوت" و"حورس" يصبان ماء التطهر على إمراة في رداء غغريقي الطراز.

والمستعمرة اليونانية التي إستقرت في منف وجدت هناك العقيدة الجنائزية المزدهرة للعجل المقدس "أبيس" [صورة رقم 91] المتوحد مع "أوزيريس" والذي عبد تحت إسم "أوزير حابي Usae-Hape", فإعتنقوها في شكل "أوزورابيس Osorapis". ولقد أضيفت عقائد المعبودات من المجموعة الأوزيرية خاصة "إيزيس وأنوبيس" إلى عقيدة "أوزورابيس". ولقد كان "أوزورابيس" المنفى هذا هو المعبود الذب إختاره "بطليموس الأول" ليكون الإله المشترك للعنصرين البشريين في البلاد – أي المصريين والإغريق – والذي كان حريصاً على أن يراهما وقد إندمجا ف يأمة واحدة. ولقد استشار "بطليموس الأول" كلا من "تيموثيوس Timotheus" الإغريقي و"مانتيون" المصري كلاهوتيين لكلا الديانتين الإغريقية والمصرية وكخبيرين من كلا الشعبين. وبعد الحصول على موافقتهما تم جلب تمثال للمعبود الجديد القديم معاً إلى الإسكندرية من "سينوب Sinope" على الشاطئ الشكالي لآسيا الصغرى, وأعطى له إسم جديد هو "سرابيس" وفرضت عبادة ذلك الإله بإرادة الملك والذي كان مصرياً بالإسم والأصل, وإغريقياً في المظهر الخارجي لتمثاله. وبني له معبد على الطارز اليوناني وهو "السرابيوم" صممه المهندس "بارمنيسكوس Parmeniscus" والذي إستبدل في عهد "بطليموس الثالث" بمعبد أكبر حجماً وأفخم. وكانت اليونانية هي لغة الخدمة الدينية للإله الجديد. ولقد أصبح "سرابيس" – الذي إستمر المصريون في إطلاق إسم "أوزيرحابي" عليه – ذا شعبية ضخمة بين كل المصريون والإغريق. ولقد كان مظهره في شكل إله العالم السفلي الإغريقي "بلوتو Pluto" ومثل جالساً على عرش يغطي رأسه شعر مموج مترف, ولع لحية طويلة وفي رداء ذو نقبة طويلة ممثلاُ وهو وينحني على عصا طويلة ممسكاً إياها بيده اليسرى, بينما تستقر يده اليمنى على المخلوق الخرافي المسمى "سربروس Cerberus" ذا الرأس الثلثاي (كان الإغريق يعتقدون أنه يحرس بوابة علام الموتى "هاديس Hades" وهو كلب ذو ثلاثة رؤوس) وكان يقبع عند قدميه. ومن الإسكندرية عاد مرة اخرى "سرابيس" إلى منف حيث سميت الجبانة القديمة للعجول المقدسة بإسم "سبيرابيوم" وتدريجياً إنتشرت عبادته في كلأقاليم ليصبح العقيدة الرسمية لإمبراطورية البطالمة.

ولسوف يصبح إنتصار عبادة "سبيرابيس" السهل مفهوماً أكثر وهو معبود جنائزي في جوهره إذا وضعنا في تقديرنا التغير العميق الذي كان يأخذ مكانه منذ عصر الدولة الحديثة, في عالم الآلهة وهو التطرق البطئ والمستمر معاً "لأوزيريس" داخل عالم الأحياء, فهو لم يعد بعد مهتماً فقط بالموتى الذين أظلمهم حكمه منذ عصر الدولة القديمة, لكن أيضاً أضفى على نفسه حكم العالم الدنيوي أيضاً. ففي العصور المبكرة لم يكن يطرأ في فكر أحد بل ربما كان ذلك بمثابة فأل ئؤم أن يحمل الإنسان إسماً مركباً من إسم "أوزيريس" لكن الآن أصبحت أسماء مثل "بيتوزيريس" (عطية أوزيريس) أصبحت مفضلة تماماً. أما العجل "أبيس Apis" الذي كان يسمى في عصر الدولة الحديثة "تكرار بتاح" أصبح الآن بعد وفاته مرتبطاً "بأوزويريس" للدرجة التي أصبحا فيها عملياً معبوداً واحداً هو "أوزير حابي", وإن الصلة بين "أبيس" والميت يمكن ملاحظتها مبكراً منذ العصر الصاوي عندما وجد تمثيلاً للعجل "أبيس" وهو يجري وهو يجري حاملاً الميت على ظهره وناقلاً إياه إلى المقبرة منقوشاً عند أقدام التوابيت.

وبإنتشار العقيدة الأوزيرية إختفت ديانة إله الشمس "رع" وإمتص "أوزيريس" شخصيته أكثر فأكثر منذ الأسرة العشرين [صورة رقم 92]. وأصبح الجزء الثاني من إسم "أوزيريس" مكتوباً بإستخدام العلامة الهيروغليفية لقرص الشمس بدلاً من صورة العين المعتادة, وهذا يوضح ان مفهوم إله الشمس بدأ في الغربو بواسطة إسم "أوزيريس". وفي العصر ابلطلمي كان يندر أن يرد إسم "رع" وقد آل دوره إلى "أوزويريس" ولعل هذا الحدث الفعلي عبر عنه في نص من الأسرة الثامنة والعشرين حيث أطبق النص على "أوزويريس" "الحاكم الذي احتل مقعد "رع" أي أصبح خليفة إله الشمس. ولقد تقدمت "إيزيس" أيضاً إلى المقدمة محتله مركز الآلهة العظمى مع "أوزبريس", وفي إبنهما "حورس الطفل" أو "حربوقراط Har-pe-khrad بالمصرية او Harpokrates باليونانية" لم يبقى شئ متبقي من الصفة الشمسية القديمة رغم أن عقيدته كانت شعبية للغاية.

أثر الآلهة المصرية في العالم الإغريقي

ولعل أول أثر للآلهة المصرية في العالم الإغريقي وجد قرب نهاية القرن الرابع ق.م في عقيدة "إيزيس آمون" في "بيريوس Piraeus" بين التجار المصريين الذين إعتادوا أن يقوموا إلى هناك للقيام ببعض الأعمال, وهناك إشارات أخرى لعبادة الآلهة المصرية في الجزر اليونانية والمدن اليونانية في آسيا الصغرى من قرابة عصر "بطليموس الأول" وربما كانت تعزى إلى مصريين أيضاً هناك. و"بطليمسو الثاني" الذي حقق تواجداً لمصر في جزر بحر "إيجة Aegean islands" والذي أخضع المدن اليونانية على سواحل آسيا أجرى محاولة للتدخل في إرادتهم. وربما ان الموظفين الذين أرسلهم من مصر لهذا الغرض قد ساعدوا في نشر العقائد المصرية هناك, ويبدو أن عقيدة "سرابيس" في "ديلوس Delos" ربما تعود إلى وقت أكثر تبكيراً, لكن بنيت له المعابد حينذاك في "ميلتوس Miletus" و"هاليكارناسوس Halicarnassus". ومن الجزر اليونانية عبرت عقائد الآلهة المصرية إلى بلاد اليونان ذاتها "فإيزيس" كان لها بالفعل مستقراً في "أثينا Athens وأيوبيا Auboes" إنضم لها "سرابيس" اذلي كانت عقيداه تمارسها جماعات ودوائر خاصة.

وفي أسيا أصبحت عبادة "إيزيس وسرابيس" رغماً عن ذلك عبادة شعبية. ولقد تم دفع ذلك بواسطة البطالمة الذي شاركوا بين عبادتهم (تقديسهم) كحكام مصريين وبين عقائد الآلهة المصري. كما إن هذه العقائد امصرية قد جلبها معهم أيضاً الموظفين اليونانيون والمقدونيون بعد عودتهم من مصر إلى مدنهم الوطنية, كما نعرف ذلك من حالة العقائد المصرية في جزيرة "ثيرا Thers وكنيدوس Cnidus". ولقد أدى فقد مصر للممتلكات البطلمية في بحر إيجة وآسيا الصغرى على عهد "بطليموس الثالث" "إيورجتيس الأول Euergetes" بإستثناء قبرص إلى توقف الإنتشار المباشر لعقيدة "سيرابيس" من مصر. ولكن ذلك لم يمنع من الإشعاع اللاحق لهذه العقيدة إلى اماكن جديدة منذ قرون مبكرة إلى العالم اليوناني, رعم ان تشييد مراكز جديدة تابعة مباشرة للإسكندرية أصبح الآن نادراً كنتيجة لتوتر الموقف السياسي. وقرب منتصف القرن الثاني قبل الميلاد أصبحت ممارسة عقيدتي "سرابيس وإيزيس" في "أثينا" تتم علانية على الملأ,وأصبح للأولى منهما معبد هناك شمال "الأكروبول Acropolis" أما "إيزيس" فقد ظهرت عدة مرات على قطع العملة الأثينية.

وعندما تم توحيد علام البحر المتوسط عام 30ق.م تحت الحكم الروماني كان العالم اليوناني بأجمعه قد غمرته عقيدتا "سرابيس وإيزيس", ولعل أبعد نقطة في الشكال لعقيدة "سرابيس" في العالم المعروف حينئذ كانت "ديونيسوبوليس Dionysopokis" علىالبحر الأسود, كما أدخل "أجاثوكليس Agathocles" عقيدة "سرابيس" إلى صقلية. ومنذ القرن الثاني قبل اميلاد كانت العقائد المصرية تتواجد في مختلف المدن في جنوب إيطاليا, ففي روما ذ1تها كانت عبادة "أوزيريس" وجود كهنته ثابتاً في عهد "سولا Sulla". ولكن بذلت أربع محاولات بين عامي 58 ق.م, 48 ق.م لسحق العقائد المصرية, وكان هناك موقف يتسم بالتردد في هذا الصدد من جانب "أغسطس Augustus وتيبريوس Tiperius" للإقرار "بإيزيس" في روما, واليت كانت إلهة "كليوباترا" عدو أغسطس اللدود.

وفي عام 210 ق.م شن "أجربيا Agrippa" حملة عاتية ضد عقيدة "إيزيس" وغيرها من الآلهة المصرية والتي حرمت عبادتها في حدود ألف مرحلة من مدينة روما. ولم يكن ذلك إلا في عهد "كاليجولا Caligula" عندما بني معبد "لإيزيس" في "كامب مارس Camp of Mars" قرب روما وتحت حكم "فيسباسيان Vespasian" ظهر كل من "سرابيس وإيزيس" على العملات الإمبراطورية. كما وسع "دوميتان Domitian"" معبد "إيزيس كامبنزيس Kampensis" كما كانت تدعى. وأخيراً بني لها "كاراكالا Caracalla" معبداص على "الكويرينالس Quirinalis" في داخل المدينة ذاتها. ولكن كان ذلك التقدم أحرزته "إيزيس وسرابيس" بالإنتشار غرباً قد سبقه أو صحبه أو أعقبه تقدم بعض المعبودات الشرقية الأخرى خاصة الآلهة السورية, ولكن "إيزيس وسرابيس" كانا الوحيدين الذين دامت عبادتهما وإزدهرت حتى نهاية العصور الوثنية فلم يكن هناك مكان في الإمبراطورية الرومانية لم يصلا إليه بواسطة التجار والموظفين والعبيد, والجنود الذين عادة يغيرون الحاميات العسكرية التي يتمركزون فيها حاملين معهم ديانة إقليمهم الوطني أو ديانة القطر من الذين تمركزوا في الحاميات المقيمة به, بل لقد كان هناك هيكل للإلهة "إيزيس" في منطقة "لندن London" الحالية.

وخلال هذا التقدم المظفر والمتطاول في جنبات الإمبراطورية الرومانية فثقدت الآلهة المصرية الكثير من خصائصها القومية الأصلية, ومن ناحية أخرى إكتسبت ملامح جديدى عديدى كانت غريبة عنهم, وذلك من خلال توحيدهم مع الكثير من الآلهة الإغريقية وغيرها من الآلهة والآلهات, ومن خلال التفسيرات التي عولجت بها عقائدهم في ضوء مختلف المدارس الفلسفية بواسطة (المثقفين) والطبقات المتعلمة. وفي القرن الثالث بعد الميلاد أصبح "سرابيس" تقريباً إلهاً شمسياً و"إيزيس" إلهة الأرض, وهو تطور كان قد بدأ منذ القرن الأول الميلادي, وفي حالة "سرابيس" كان ذلك نتيجة فرض إرادة الأباطرة فدخال عقيدة شمسية موجودة في كل أنحاء الإمبراطورية. وفي روما كانت "إيزيس" أيضاً إلهة حامية للبحارة والمسافرين وأحد أعيادها كان يعقد سنوياً هناك في الخامس من شهر مارس,وكان يدعى "ملاحة إيزس" او "إبحار إيزيس", وخلال هذا العيد كان تمثال "إيزيس" يوضع في قارب تحمله عربة في طرق وشوارع روما, وهي ممارسة شبيهة بتلك التي تحدث للآلهة المصريين في وطنهم القومي, فيما عدا أن هذه العربة قد حلت محل أكتاف "الكهنة المتطهرين". وربما كانت هذه العربة الحاملة لهذا القارب (Carrus navalis) هي التي إنتقلت بعد ذلك إلى "كارنفالات Carnvals" العصور الوسطى, وهي بهذا حافظت على ملامح من أعياد "إيزيس" (أو عاشت فيها أعياد إيزيس) والتي كان آخرها قد أحتفل به عام 394 بعد الميلاد, وإن كانت عقيدة الإلهة قد إستمرت حتى القرن الخامس الميلادي.

ولقد بذلت محاولات رجاء تفسير لشعبية الآلهة المصرية وغيرها من المعبودات الشرقية في كل أقطار الإمبراطورية الرومانية. ولقد علل ذلك بان الآلهة المصرية ليست إلا إنهكاساً للمخلوقات البشرية ومعاناتها, ولذا فقد جذبت معظم الناس أكثر من المعبودات مجمع الآلهة الإغريقي والروماني العارية من التدفق الحيوي والبادية البرودة, وليس هناك شك أن أعطافها ومظهرها الغريب وطابعها (صفاتها) والغموض الذي يلف هذه الآلهة, كل ذلك لعب دوراً عظيماً أيضاً, بل له الدور الأكبر في هذا الصدد. وبالإضافة إلى ذلك كان هناك السؤال الخالد الملح عن نوعية الوجود إذا كان ثمة وجود سيتبع الموت, والذي أجابت عليه الديانة المصرية بوعدها الجازم بالهناءه الخالدة في حياة أخروية يحظى بها, وينعم أولئك البررة ذوو السلوك المثالي خلال الحياة الدنيا. وعلى ذلك فلقد إقتحمت الديانة مشكلة إنسانية وعرة, ولم تستطع أن تقدم لها ديانة الرومان واليونان وفلاسفتهم سوى حل غامض وكئيب, ولقد كتب "مينوكيوس فليكس Minuciuz Felix" في حةالي منتصف القرن الثاني الميلادي فائلاً "إن هذه ا لآلهة المختلفة – المصرية أصلاً – أضحت الآن رومانية أيضاً".

ولقد تشكل كهنوت الآلهة المصرية في عصر الإمبراطورية المتأخرة معظمهم – فيما يبدو – من طبقة المحترفين, وبعضهم كانوا مصريي الأصل, فأحدهم المدعو "حرنوفيس Harnuphis" بالإشتراك مه مواطن روماني كرس مذيحاً "لإيزيس" في "أطويليا Aquileia" مركز القيادة الرومانية العامة في الحروب "الماركومانية Marcoman" قد رافق الجيش الروماني شاغلاً لوظيفة رسمية ككاهن, ولقد كان لإبتهالاته مع الإله "هرمس أيريوس Hermes Aerios" (هرمس الأثير) الفضل في مهجزة سقوط المطر الذي أنقذ تشكيلاً عسكرياً رومانيا من العطش عام 174 بعد الميلاد في منطقة إقليم "كوادس Quads", ومن التطويق والدمار بواسطة الأعداء. وفي النقش الموجود على المذبح المشار إليه آنفاً في "أكويليا" دعى "حرنوفيس Harnuphis" "المعلم المصري" كما أن "هرمس أيريوس" ليس إلا إسماً إغريقياً للإله المصري القديم للهواء "شو". وفي أثناء ذلك كان التطور الديني في مصر ذاتها يأخذ وجهته الخاصة به, وهنا أيضاً في مصر حازت الآلهة المصرية على المدى الطويل نصرها على الإغريقيين منها, فلقد وجد المصريون أن آلهتهم بالإضافة إلى لغتهم وتقالديهم المورثة كانت أفضل الوسائل للحفاظ خصائصهم القومية, ولم يعارض المصريون إنتشار عقيدة "سيرابيس", وذلك في محاولة لإرضاء الحامك البطلمي (لتفادي نقمته) الذي كان يراعى هذه العقيدة. وبذلك يمكن إنتزاع وظائف لهم في الجيش والإدارة, هذا فضلاً عن أن المصريين لم يكن لديهم ثمة إعتراض على ذلك الإله الجديد في النهاية, طالما أنهم رأوا فيهم إلههم القديم "أوزيريس – أبيس". في عهد الوالي الروماني "إيليوس أرستيدس Aelius Aristides" البلاغي (حوالي عام 150 بعد الميلاد) ورد ذكر أكثر من إثنين وأربعين "سيرابيوم" من مصر, وهذا قد يعني أن كل إقليم فيها كان به واحد, وبلغ مجموعها بالفعل إثنين وأ{بعين,وإعتبر مركزاً لعقيدة "سيرابيس". وفي الوثائق المحررة باللغة المصرية كان يطلق عليها دوماً "سيرابيس حابي", ولم يكن هو الإله الوحيد الذي ظهر إسمه في الكتابة المصرية فقط, فالحق إنه يمكن القول بمزيد من الثقة بأنه لم توجد حالة واحدة ورد فيها إسم إله يوناني في النصوص المصرية بالرغم من أن الأسماء الفعلية المشتقة من أسماء المعبودات اليونانية مثل "أبوللونيوس Apollonios وديونيسيوس Dionysios وإسكالبيدسAsklepiades وهرمياس Hermias أو هيراكس Hierax" (أي الصقر الطائر المقدس لحورس) أصبحت شائعى بين المصريين. ومثل هذه الأسماء الفعلية لم تكن مستبعدة تماماً من النصوص المصرية لكن كان يستبدل بها إسم الإله المصري المقابل لكل منها (مثل حورس مقابل لأبوللونيوس وباخوم مقابل لخيراكس). ولقد كان موقف اليونانيين أقل تصلباً إلى حد ما في هذا الصدد, فقد وردت الأسماء المصرية للآلهة من حين لآخر في الوثائق الإغريقية. ونادراً ما تستبدل بها أسماء "أوزيريس وحورس وأنوبيس" [صورة رقم 93] بالمقابل الإغريقي لها, فبالنسبة للإله "سوخوس" (سوبك بالمصرية) لم يكن لدى الإغريق بديل مقابل لتقديمه, ولم يكن أيضاً لديهم مقابل للحكيم "أمنحوتب بن حابو" الذي كانت قواه الشفائية توصف في إعجاب وعرفان في (الأوستراكا) الإغريقية المبكرة من طيبة. لكن الممعبودات التي شاركت "أمنحوتب بن حابو" التي خلفها الزوار الإغريق كان "أسكلبيوس" وإلهة الشفاء "هيجيا Hygieia". ولم بكن "أسكلبيوس" هذا إلا الوزير المؤله "إيمحوتب", أما "هيجيا" التي كانت إبنة "أسكلبيوس" في الديانة الإغريقية فهي هنا "الإلهة "حتحور".

إعتناق الإغريق للعقائد المصرية

فالوثائق المعاصرة لذلك توضح لنا ان الألهة الإغريقية قد مارست تأثيراً قليلاُ على المصريين, بينما إعتنق الإغريق تدريجياً العقائد الوطينة خاصة الذين يعيشون منهم في اعداد قليلة في قلب كتل السكان المصريين. ويبدو أن نقظة التحول كانت عام 217 ق.م, وهو عام معركة "رفح Raphia" (جنوب فلسطين), ومنذئذ نجد تصاعداً متزايداً في مكانة الديانة الوطينة. ولم يكن لدى "بطليموس الرابع فليوباتور Philopator" الذي كان يحكم حينئذ الأعداد الكافية من الإغريق ليشكل جيشاً قوياً وإضطر لإعادة تسليح المصريين, وهي خطوة لم تخطر على فكر البطالمة الأول. ولقد قاتلت وحدة مصرية قوية في "رفح", وأسهمت إلى حد كبير في النصر الذي أحرز, وهؤلاء المصريون بالإضافة إلى إمتلاك السلاح الذي إمتشقوه في رفح أعاد ثقة المصريين بأنفسهم, وقد بدءوا بعدها بالفعل الثورات المسلحة ضد الحكم البطلمي, وأصبحت مصر العليا في حالة ثورة دائمة تقريباً, وأعلن ملوك مصريون وطنيون عن أنفسهم بالإستقلال في طيبة لمدة حوالي تسعة عشر عاماً في الجزء الأخير من حكم "بطليموس الرابع". ولقد إنفتحت مغاليق المراكز الهامة في الجيش والإرادة للمصريين وبالإضافة إلى كل ذلك فإن الصراه داخل الأسرة البطلمية الحاكة كان متواتراً قبل إنتهاء الحكم البطلمي بقرن ونصف, وفي خضم بعض الصراعات الأسرية حاول الملوك دوماً إضفاء مزايا هامة للمعابد ليحوزوا تأييد الكهنة المصريون لهم حيث كانوا يتمتعون بنفوذ واسع على مواطنيهم.

ولقد بلغت هذه الإتجاهات قمة مداها في عصر "الملك بطليموس التاسع يورجتس الثاني Eurgetes II", وذلك في محاولاته لوقف الإضطرابت داخل الأسرة بأن قرر الإعتماد أساساً على التأييد الوطني للمصريين, فأصدرت منشورات بعيدة المدى في إحياء المعابد المصرية بالعطاءات وخاصة إلغاء كل أنواع الضرائب, وإقامة مراسم دفن العجول المقدسة على نفقة الدولة, وتأييد منح المعابد حق منح اللجوء وحماية اللاجئين إليها. وقد منح خلفاؤه بالمثل خاصة "بطليموس الحادي عشر" حق اللجوء لمعابد جديدة عديدة وذلك إضافة إلى قوتهم, حيق إن هذا الحق مكنهم في الواقع من مقامة الإدارة الملكية نفسها, ولقد كان إغريقياً ذلك الذي يؤدي وظيفة الضامن والذي يؤيد طلب المعبد من أجل منح الحماية, وهي علامة على العلاقة الحميمة مع المعابد المرية والديانة اليت أضحى عليها الإغريق قرابة القرن الأول قبل الميلاد.

ولم يكن هناك معابد إغريقية كبرى سوى ما بني في الإسكندرية, وهذه الحقيقة أسهمت بالتأكيد في مجرى تمصير الإغريق في شئون الديانة, فالإغريق كانوا أقلية في كل المدن اليونانية وهما "نوكراتيس Naucra tis" قرب الإسكندرية و"بطليموس Ptloemais" في مصر العليا. ويبدو أن عددهم لم يزد عن خمس السكان الإجمالي في أي مكان, ولم تكن معابدهم أكثر من مجرد هياكل متواضعة على الأغلب, بينما كانت المعبودات المصرية تقطن المباني الضخمة الفارهة المؤثرة والتي أضيف إليها عدد لابأس به في العصر البطلمي عينه. والحق ان أضخم المعابد وأحسننها حفظاً تعود غلى هذه الفترة والتي خلفت العمائر المبكرة للعصور الفرعونية, فمعبد الإلهة "حتحور" في دندرة (أفروديت A[hrodite) بدئ في تشييده في عهد "الملك بطليموس الثالث عشر نيوس ديونيسوس Neos Dionysos". وفي عهد ذلك "البطليموس" تم إنجاز معبد "حورس" (أبوللو) في إدفو واذلي كان قد بدئ في تشييده عام 237 ق.م في عهد "بطليموس الثالث إبورجتيس الأول". ولقد كانت النقوش المبكرة لمعبد "سوبك" و"حورور Har-wer" أو "حورس الكبير" (حورويس Haeroeris باليوناني) في "كوم أمبو" تعود في تاريخها إلى عصر "الملك بطليموس الرابع فيلوميتور Philometor", وعلى ذلك فإن تشييد المعبد نفسه يبدو أنه قد إنتهى قرابة ذلك الوقت. أما المعابد في أرمنت ومعبد "خنوك" والمعبودات الثانوية المصاحبة له في إسنا ومعبد "حورور" في قوص, ومعبد "مونت" وثوره المقدس في (الميدامود) شمال طيبة, فإنها تعود جميعها إلى عصر البطالمة. أما المعبدان اللذان من الحجر الجيري للآلهة "تريبيت Tripit" أو (Trippis باليونانية) في (أتريب Athripis) قرب سوهاج في الصعيد الأوسط فقد شيده "بطليموس الخامس" و"بطليموس الثاثل عشر أوليتس Euletes" على التتابع, ولكن معبد "إيزيس" وإبنها "حزبوقراط" على جزيرة فيلة فقد بناه "بطليموس السادس والتاسع". وهيكل "حورحمسنوف" (حارسنوفيس باليونانية) فقد شيده "بطليموس الرابع والخامس", أما هيكل "إيمحوتب" فشيده "بطليموس الثاني".

ولا تنطوي الرسوم والنقوش الزاخرة التي تغطي حوائط معابد ذلك العصر على أية مفاهيم جديدة فهي مكررات من الكتب المقدسة التي اكتشفها الكهنة في مكتبات المعابد, والتي أعيدت حينذاك بنقشها على الحجر جون تحريف أكثر من طريقة الخط في النصوص والأسلوب الفني للأشكال. ورغماً عن ذلك فإن كل هذه ال نقوش تعد مصدراً قيماً لدراسة المراحل المبكرة للديانة المصرية, وإن كانت لا تفيدنا في شئ عن ديانة العصر اليوناني الروماني, وهو عصر لم يقدم لنا إسهاماً لأية قطعة من الأدب الجنائزي, وهو ذلك النوع المميز من الأدب الديني الذي يدبج لصالح الميت. ولقد ظهر "كتاب التنفس" في طيبة في القرن الأول قبل الميلاد, كما أن كتاب "عبور (الخلود) الأبدية" يعود إلى ذات الفترة. ولكن كليهما لم يكونا أكثر من مجرد تجميع لجمل أو فقرات مستخرجة من الأدب الجنائزي المبكر, دون أية محاولة لإضفاء الأصالة على مضمونها.

والخاصية غير العادية للديانة المصرية المتأخرة تقبع في إعادة إحياء النمو المكثف لعبادة الحيوانات, وكان السبب في ذلك يرجع إلى حد كبير لمحاولة الكهنة واللاهوتين للعودة أو الرجوع إلى النهج العتيق لأسلوب المصريين في الحياة والتفكير, ولابد انهم كانوا يعلمون أن عقائد الحيونات قد تشكل مرحلة مبكرة للغاية في ديانتهم, حتى إنه في بداية العصور التاريخية لم يحتفظ إلا ببقايا منها, وهي التي تختلف فيها الديانة المصرية في شكلها الخارجي عن أية ديانات أخرى’ ةرجاء تركيز خاص على هذه السمة يبدو أنهم قد أصروا على ردع نفوذ الديانات الأخرى خاصة الإغريق على ديانتهم هم أنفسهم, وتقديس الحيوانات اتسق بشدة مع عقل المزارعين المصريين الذي كان على انسجام كامل مع الحيوانات والطبيعة. وفي العصر اليوناني الروماني نمت هذه العقائد ومورست بقدر من المغالاة.

ويذطر "ديودور Diodours" أن من يقتل حيواناً عمداً فعقابه الموت "أما من يقتل قطة أو طائر إبيس سواء عمداً أو بدون قصد فإن الجماهير المحتشدة تمذقه دون أية محاكمة". ولقد رأى هو نفسه مواطناً رومانياً قتل قطة خطأ فعوقب بهذا الأسلوب رغم جهود السلطات التي كانت تخشى مغبة غضب روما في إنقاذ الرجل, ولقد أثار التعدد العظيم للحيوانات المقدسة كثيراً من الغيرة والنقمة حيث كان أحد الحيوانات يقدس في مكان ما بينما لا يحظى بأى إحترام في مكان آخر. ولم يكن القتال الدامي بين مدينتي "أومبوي Ombos" و"دندرة Tentyra" في مصر العليا على الحيوانين المقدسين لكل منهما محض خيال بل حدثاً حقيقياً كما وصفه "جوفنال Juvenal" في هزلته الخامسة عشرة. ومن المدهش حقاً أن الإغريق أنفسهم عندما كانوا يصطفون آلهة محلية كانت تشمل بعض الحيوانات المقدسة معها, ف"سوخوس Suchos" وحيواناته المقدس التمساح عد إلهاً رئيسياً, حيث كان مقدساً في الفيوم التي أعيد الإستقرار فيعا من امصريين والإغريق معاً في عهد "بطليموس الثاني فيلادلفوس Philadelphus". وعلى ال رغم من ذلك فإن نهج الإغريق ذوي العقلية الفلسفية المتأملة منهم كان مفارقاً, ويمثله النفش الإغريقي اذلي يعود إلى القرن الأول الميلادي على آنية من أخميم, واذلي يقرأ كالتالي :"أنهم بنحتهم تماثيل "لأوزيريس وإيزيس" ولآلهة ذات وجوه حيوانية أو بشرية من مادة فانية فإنهم يخاطبونهم جميعاً كألهة. إنه لمن الغباء أن تخلقه هو ذلك الذي خلقك. وإنه لمن المحال على مثال أن يعبر عن الجوهر غير المتجسد واللامدرك والذي لا تحيط به الأبصار واللامادي. وفي الحقيقة أنه بالعقل وليس بالأيدي فقط أن يحتفظ بالسر المقدس. وهناك معبد واحد للإله هو الملكوت بأسره".

وإن ظاهرة إختفاء خصائص الآلهة الكبرى بإعتبارها آلهة محلية ثانوية والتي رأينا نماذج لها في الضفة العربية لطيبة خلال العصر الدولة الحديثة أصبحت ملحوظة مرة أخرى في العصر اليوناني – الروماني. وعلى ذلك فالإله "سوبك" (سوخوس) في الفيوم, والذي كانت عبادته مركزة في عاصمتها مدينة "كروكوديلوبوليس Crocodilopolis" تفرع عنه العديد من المظاهر المحلية لهذا الإله في المدن المجاورة والقرى: فهناك "سوكنوبايوس Soknopaios" أو (سوبك سيد الجزيرة), وهناك "سكنبتينيس Seknebtynis" أي سوبك سيد كدينة "تبتينيس Tebtynis" وكذلك "سكنبخونيس Soknechunis" أي (سوبك يبد بخون Bekhune".. ألخ. وهذه الإختلافات المحلية اليت جهد العواهل الوطنيون إلى ترويضها أو غستئصالها لصالح السلام الداخلي للبلاد لعبت على أنغامها السلطات الجديدة, حيثأنها حالت بين المصريين وبين تشييد جبهة موحدة ذد الحكم الأجنبي.

ولقد إستمر خطر التفوق الثقافي الحضاري ونفوذ الفكر الإغريقي حتى عندما سقطت مصر في أيدي "أكتافيانوس Ostavianus" عام 30 ق.م, نجح الإغريق – الذين كانوا مستقرين في مصر – الحفاظ على موقعهم كأقلية حاكمة. فيما عدا المسائل السياسية فقد كان نفوذ روما لا يمكن تجاهله, فالرومان كانوا متعاطفين بثقافتهم ووجدانهم مه الإغريق, وذلك بسبب الروابط الثقافية القوية بين روما وبلاد اليونان, ورغم ذلك لم يكن لديهم إتجاه عنصري ضد بعض. فالمصالح الرومانية في مصر كانت ذات طابع مادي وكان يمكن رعايتها على الوجه الأفضل بتحقيق استقرار أو توازن البلاد, وبالنسبة للمصريين لم يعن الغزو الروماني أكثر من غنتقال البلاد من حكم أجنبي إلى آخر, وغعترفوا بالطبيعة الإلهية (المقدسة) لللإمبراطور الروماني بيعن الإستعداد التي أضفوها من قبل على ملك من أصل مقدوني. لكن مفهوم عن الملكية المقدسة نجح في ممارسة تأثيره القوي في أنحاء الإمبراطورية, وأسهم في الإرتفاع السريع للإمبراطور الروماني إلى مصاف عاهل مقدس.

بداية اعتناق المسيحية

ولقد بدأت المسيحية في طرق أبواب مصر مبكراً منذ القرن الأول الميلادي, ولا نعرف عملياص شيئاً عن بديات المجتمع المسسيحي بها. فالوثائق المعاصرة لم تضف أية أضواء في هذا الشأن, ويبدو مؤكداً أن المسيحية قدمت عبر الإسكندرية ومن القدس كذلك عن طريق الأقارب والأصدقاء للمجتمع القوي لليهود السكندريين اذلي عاشوا هناك. وفي فلسطين أستهلت الحركة بهدف وحيد هو الإحياء الروحي للشعب المختار, ولإعدادهم لنهاية نظام العالم القائم, ولقدوم ملكوت السماوات. وعلى لذك فلقد أفتقدت المسيحية أولاً أية إهتمامات بتوجيه تعاليمها خارج مجتمع اليهودية, وهذا بالتأكيد هو العنصر المسئول عن تقدمها البطئ. ولقد أعارتها الديانات الأخرى إهتماماً قليلاً وخلط الرأي العام بين المسيحيين واليهود أنفسهم ولقد تم إنتشارها تدريجياً عندما إحتلت الديانة المسيحية إهتماماً بين الشعوب غير اليهودية. ولقد جاء ذلك الإهتمام تلقائياً دون أي جهد من جانب المسيحيين أنفسهم, ولقد بشر "القديس بول St. Paul" في كل مكان حتى في المعابد اليهودية, فقد كان هو نفسه يهودياً ثم تحول إلى المسيحية, وبدأ في رحلته التبشرية.

ولقد أدى رفض اليهود للآراء المسيحية إلى تحطيم الرابطة بين المسيحيين واليهود كما حولت اهتمام الميبحيين خراج الشعب اليهودي إلى البشر كافة. ومن الحكم على التاريخ المتأخر للكنيسة المسيحية في مصر عندما وقفت مصر بدون غستثناء موقف المعارضة ضد عاصمة الإمبراطورية مساندين العقيدة التي وسمت بالهرطقة من جانب روما والقسطنطينية, فإنه من الصعب تجنب الإعتقاد بان العداء ضد السلطات الرومانية قد أشعل إنتشار المسيحية في مصر في القرون الأولى. فعلى الرغم من أن الديانات الأخرى لم تعرب عن أي عداء للمسيحية إلا أنه بالتأكيد كان ينظر إليها بإمتعاض من قبل السلطات الرومانية الي اضطهدت أتباعها في مراحل غير منتظمة. ولقد كان السبب لهذا الموقف من جانب السلطات الدنيوية (العلمانية) كما هو الطابع العنيد بالتوحيد المسيحي الذي رفض الإقرار أو الإعتراف بأن الإمبراطور كان ‘لهاً أو الخضوع لديانة الدولة, حيث كانت الفكرة الثابتة بقرب القدوم الموعود لملكوت الله تحتل عقول المسيحيين الأول. أن عودة المخلص سوف تتحقق في حياتها. ولقد أنكرت السلطات الدنيوية هذا السلوك وحالوت إتباع إجراءات بوليسية لوقف هذه الحركة الثورية لكن دون جدوى. ولم يضعف ذلك الإضطهاد الجاذبية التي تنطوي عليها المسيحية للجماهير العريضة نم المصريين الذين كانوا يعانون ثقل الضرائب التي أدخلها البطالمة, والمستغلون بدون رحمة من الإدارة الرومانية. ولقد أدى النضال ضد السلطات المدنية في النهاية إلى محاربة الديانات الأخرى المعترف بها سسواء مصرية أو يوناينة أم شرقية على حد سواء.

ولقد بذلت محاولات عدة لتوضبح أثر الديانة المصرية على العقائد المسيحية المبكرة. وبالرغم من أنه يصعب إثبات هذا التأثير ‘إلا أنه من المرجح للغاية أن الديانة المصرية كان لها نصيباً في تشكيل الخلفية الحضارية العامة, والتربة الخصبة التي ارتفعت فيها المسيحية وإنتشرت, وفي الحقيقة نجد أن المفاهيم أو المتطلبات التي فرضتها المسيحية على أتباعها تكاد تتماثل مع الديانات أو الأفكار الفلسفية المعاصرة لها’ فالسلوك الطيب كان لا غنى عنه للحاق بملكوت الله, ولتحقيق السعادة في الدار الأخرى. وهذه فكرة قابلناها أولاً في مصر في وقت مبكر منذ نهاية الألف الثالث ق.م زإن أدب الحكم المصري يعلم ان السلوك القويم هو الضمانة الفضلى للهناءة في العالم الدنيوي أيضاًً, وإن متطلبات النطهر الطقسي والذي تطور بعد ذلك إلى الطهارة أو النقاء المعنوي كان سائداً. والمصريون تتفق معهم في ذلك كل الديانات القديمة قد وصلوا إلى مفهوم أن الآلهة المختلفة هي في النهاية إله واحد "الأب" الذي يحب الإنسان الذي خلقه, ويوجهه طبقاُ لإرادته. كما أن فكرة عودة المسيح إلى الحياة (بعثه) هي فكرة مقابلة لبعث "أوزيريس".

وبالمثل ففي المسيحية الكثير من الجديد الذي جعل لها شعبية خاصة في أوساط الطبقات الدنيا التي إنتشرت بينهم إنتشاراً عريضاً في وقت ظلت فيه الطبقات العليا من الأثرياء والمثقفين متمسكين بالوثنية. فالمحبة بين الأخوة المسيحيين وعدم الإكتراث بالثراء أو السلطة الدنيوية والكرم إزاء الفقير والمساعدة المتبادلة بين أعضاء المجتمع المسيحي ساعدت في خلق أو إرهاف الإحساس بالأمن لدى الفقراء والبسطاء والأرقاء. وفوق كل شئ كانت هناكالوعود برضاء الله التي مكنت المؤمن أن يعيش وفقاً لمتطلبات عقيدته. وبدلاً من التوجيه الإلهي المجرد لشئون العالم أصبح هناك تدخل إلهي مباشر لتغيير الحالة الغير مرضية للأشياء نحو الأفضل, وإن موت "الإله" بدلاً من كونه حدثاً إحتفالياً في مجرى الصراع بين الخير والشر أصبح منطوياً على دافع أخاذ, هو خلاص الإنسان رافعاً بذلك من أهمية البشر إلى درججة لم تحدث من قبل.

تأثير الديانة المصرية على المسيحية

 بالرغم من ذلك لا يمكن إنكار ان تزايد أعداد البشر الذي كسبته العقيدة المسيحية قد أثر عليها فإن مختلف العناصر الوثنية وجدت طريقها للمفاهيم او العقائد المسيحية والممارسات الدينية, فإن تقديس مريم العذراء, وصورتها مع إبنها المسيح الطفل بين ذؤاعيها تدين بالتأكيد تقريباص إلى قدر من تأثير صور الإلهة "أيزيس" مه "حورس" الطفل على حجرها [صورة رقم 94]. وخلق مختلف القديسين المحليين وتشييد هياكل لهم والحج إلى بقاعهم المقدسة وأعيادهم الدينية كانت بدائل أو حتى تقريباً إستمرار لعبادة اآلهة المحلية القديمة. والنشابة بين "القديس جورج St.George" وهو يقتل التنين برمحه وبين "حورس" الذي يقتل عدوه الإله الشرير "ست" في هيئة التمساح لهو تشابه متطابق. بل إن إختيار يوم 25 ديسمبر بإعتباره يوم مولد المسيح وإحتفالت أعياد (الكريسماس) قد حفظ العيد الشمسي القديم "مولد رع" "الذي كان يطلق عليه في اللغة المصرية مسورع Mesore". وإن ممارسة التنجيم والسحر الذي ظل محرماً لفترة طويلة أصبح الآن محللً, وقد وصل إلينا عدد كبير من النصوص السحرية من مصر المسيحية, وهي تشبه النصوص الوثنية تماماً عدا أسماء الآلهة المصرية القديمة التي استبدلت بأسماء "اليسوع" والقديسين والذين كانوا بهددون أحياناً إذا لم يستجيبوا لأوامر الساحر.

وقرابة نهاية القرن الثاني الميلادي كانت هناك مدرسة مسيحية في الإسكندرية, كما زخرت الدلتا بشبكة كثيفة من الجماعات المسيحية. ومن المثير أن أقدم مخطوط للعهد الجديد على البردي قد أتى من مصر يرجع إلى التصف الأول من القرن الثاني الميلادي وهو جزء من إنجيل "القديس حنا St. John" أي الفصل الثامن عشر المحفوظ الآن في (مانشستر). وبعد نصف قرن إنفجر إضطهاد عنيف ضد المسيحييخ في عهد "دطيوس Decius" (249 – 251م). ولكن ذلك لم يكن إلا مجرد كفاح يائس من قبل أقلية وثنية ضد أغلبية سائدة مسيحية كانت قد إنتشرت في ذلك العهد حتى صعيد مصر. وهذا يؤكد بوضوح أن إسم "دكيوس" الذي قاد هذا الإضطهاد هو آخر ذكر لإسم إمبراطور يرد في الكتابة الهيروغليفية منقوشاً على جدران معبد مصري وثني ألا وهو معبد الإله "خنوم" في إسنا. وبعد عهد "جالينوس Gallienus" بفترة وجيزة (260 – 268م) منح المسيحيون قدراً من التسامح الديني. وعند نهاية القرن الثالث وبداية الرابع كان كل شئ يشهد بالإنتصار الكامل للمسيحية على الديانة المصرية حيث أخذ الإضطهاد الأخير مكانته في عام 303م تحت عهد الإمبراطور "ديوقلديان Diocletian". وآخؤ نقش هيروغليفي معروف لدينا وجد منقوشاً على لوحة من أرمنت محفوظة الآن في المتحف البريطاني, وهي تعود لتاريخ سابق قليلاً على عام 295م, وهو عام الحكم المشترك بين "ماكسميانوس Maximianus وفاليريوس Vakerius", وهي تمثل الإمبراطور يقدم القرابين للعجل المقدس "بوخيس Buchis" الذي مات هذا العام عندما "طارت (حلقت) روحه (عالياً) إلى السماء" ويبدو أنه كان آخر "بوخيس" في الوجود. ومنذئذ قصاعداً أضحت لغة اليونانيين والمصريين الوطنيين هي القبطية, وهي تحريف صوتي لكلمة (Aiguptiqakos) باليونانية أي مصري واليت كانت تمثل المراحل الأخيرة للغة المصرية, وتكتب بحروف يوناينة وكانت هي الوسيلة الوحيدة للفكر المكتوب في البلاد. ولقد تمت ترجمة افنجيل إلى القبطية في ذلك العهد تقريباً ليستخدمه الجمهور المصري, وأصبح هناك بذلك إنفصام تام عن الأدب الثني القديم.

الإنتصار النهائي للمسيحية في مصر

وقرابة نهاية القرن الثالث الميلادي ظهر الراهب الأول القديس "أنطونيوس St.Anthony" في مرتفعات الصحراء شرق "أفروديتوبوليس A[hroditopolis". وفي عام 303م أصدر الإمبراطور "قسطنطين الأكبر Constantine" و"ليكنيوس Licinus" منشور (ميلان) معلنين فيه المساواة بين كل الديانات, وعقب ذلك أصبح الوثنيون في موقف دفاع في كثير من أرداء الإمبراطورية بما في ذلك مصر, فكانوا يهاجمون في مختلف البقاع من المسيحيين الذين وجههوا تعصبهم كون تمييز ضد كل الديانات الوثنية. ولكن نشور المساواة إلا مجرد خطوة إلى القيود الأولى للإمبراطور "قسطنطيوس Constanitus" (337 – 361م), وفي النهاية في عهد "تيودوسيوس Theodosius" (339 – 395م) أعلنت المسيحية الديانة الرسمية لللإمبراطورية وحرمت العقائد الزثنية برمتها. ولقد قام عامة المسيحيين المتحمسين لتدمير المعابد الوثنية رغم أن أوامر الإمبراطور كانت الحفاظ عليها كأعمال فنية وللإستفادة منها بغحالتها غلى مباني غدراية كلما أمكن ذلك.

لكن الوثنية إستمرت في وجودها مدة قرن آخر, ففي عام 415م قتلت الفيلسوفة "هيباتيا Hypatia" رمياً بالحجارة بالإسكندرية رغم أن ثمة مسيحيين مستنيرين مثل "سينسيوس Synesius" أسقف "برقة" كانوا أصدقاء لها. وقد كان ذلك في أقصى الجنوب على الحدود بين مصر والنوبة, عندما استطاعت طائفة وثنية صغيرة الإستمرار في التعبد في معبد "‘يزيس" على جزيرة (فيلة) الصغيرة تحميهم عشائر "البلمييز Blemmyes" المقاتلة والقاطنة في النوبة. ففي عام 451م بعد سلسلة من الغزوات ضد مصر عقد "البلمييز" معاهدة مع قائد الإمبراطور "ماركيان Marcian" المدعو "فلورس Florus" ضمنت بنودها لكهنتهم الوصول إلى "فيلة" والسماح لهم بجلب القرابين إلى "إيويس". ولقد كان "البلمييز" عباداً متحمسين "لإيزيس", وكان يسمح لهم بإنتظام بإستعارة تمثال الإلهة من الجزيرة. ولقد خلف زوار "البلمييز" نقوشاً (جرافيتية) كتبت باليوناينة أو الديموقراطية – وهو الخط المصري الوثني المعاصر – على جدران المعبد جنباً إلى جنب مع نقوش الكهنة المصريين, وإثنان من هؤلاء الأخويين المدهوين "إسمت الأكبر Esmet the Elder" و"إسمت الأصغر Esmer the Younger" \0عام 452م) كانا آخر كاهنان وثنيان نعرفهما من نقشهما الديموطيقي. وفب منتصف القرن السادس بعد مائة سنة من تطبيق المعاهدة مه "البلمييز", إستطاع "جوستنيان Justinian" أخيراً إغلاق معبد "إيزيس" ملقياً بكهنتها إلى السجن, وباعثاً تماثيل آلهة (فيلة) إلى القسطنطنية, في وقت تحولت فيه النوبة تماماً إلى المسيحية.