الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط (كتاب)

من معرفة المصادر

الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط



تأليف علي محمد محمد الصلابي



الإهداء الى العلماء العاملين ، والدعاة المخلصين، وطلاب العلم المجتهدين ، وأبناء الأمة الغيورين: أهدي هذا الكتاب سائلاً المولى عز وجل بأسمائه الحسنى وصفاته العُلا أن يكون خالصاً لوجهه الكريم

قال تعالى: ................ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِهِ فَلْيَعمَل عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشرِك بِعِبَادَةِ رَبِه أَحَدَاً.

                               (سورة الكهف، آية 110)

إن الحمدلله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله { ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حَق تقاتِهِ ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون} (سورة آل عمران : آية 102). { ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم اعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطعِ الله ورسوله فقد فازاً فوزاً عظيماً} (سورة النساء، الآية1). أما بعد؛

يارب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت. هذا الكتاب السادس (صفحات من التاريخ الاسلامي) يتحدث عن الدولة العثمانية (عوامل النهوض وأسباب السقوط)؛ فيعطي صورة واضحة عن أصول الأتراك، ومتى دخلوا في الاسلام وعن اعمالهم المجيدة عبر التاريخ، ويستل من بطون المصادر والمراجع بعض التراجم لشخصيات تركية صهرها القرآن الكريم وساهمت في بناء الحضارة الاسلامية، ونصرت مذهب أهل السنة أمثال، السلطان سلجوق، وألب أرسلان، ونظام الملك، وملكشاه، ويتحدث الكتاب عن جهادهم ودعوتهم وحبهم للعلم والعدل، ويبين أن الأتراك الذين قاموا ببناء الدولة العثمانية امتداداً للسلاجقة ويتحدث حديثاً منصفاً عن زعماء الدولة العثمانية كعثمان الأول ، وأورخان ، ومراد الأول، وبايزيد الأول، ومحمد جلبي ، ومراد الثاني ومحمد الفاتح، ويبين صفاتهم والمنهج الذي ساروا عليه، وكيف تعاملوا مع سنن الله في بناء الدولة كسنة التدرج، وسنة الأخذ بالأسباب ، وسنة تغيير النفوس ، وسنة التدافع، وسنة الابتلاء، وكيف حقق القادة الأوائل شروط التمكين ، وكيف أخذوا بأسبابه المادية والمعنوية؟ وماهي المراحل التي مرت بها؟ وكيف كان فتح القسطنطينية نتيجة لجهود تراكمية شارك فيها العلماء والفقهاء والجنود والقادة على مر العصور وكر الدهور وتوالي الأزمان؟ ويبين للقارئ الكريم أن النهوض العثماني كان شاملاً في كافة المجالات العلمية والسياسية والاقتصادية والإعلامية والحربية، وأن للتمكين صفات، لابد من توفرها في القادة، والأمة، وبفقدها يفقد التمكين. ويوضح للقارئ حقيقة الدولة العثمانية والأسس التي قامت عليها والأعمال الجليلة التي قدمتها للأمة؛ كحماية الأماكن المقدسة الإسلامية من مخططات الصليبية البرتغالية، ومناصرة أهالي الشمال الأفريقي ضد الحملات الصليبية الإسبانية وغيرها، وإيجاد وحدة طبيعية بين الولايات العربية ، وإبعاد الزحف الاستعماري عن ديار الشام ومصر، وغيرها من الاراضي الاسلامية، ومنع انتشار المذهب الاثنى عشري الشيعي الرافضي الى الولايات الاسلامية التابعة للدولة العثمانية ومنع اليهود من استيطان فلسطين، ودورها في نشر الاسلام في أوروبا ويتحدث هذا البحث عن سلبيات الخلافة العثمانية ، والتي كان لها الأثر في إضعاف الحكم، كأهمال اللغة العربية التي هي لغة القرآن الكريم والحديث الشريف في أخر عهدها، وعدم الوعي الاسلامي الصحيح، وانحرافها عن شرع الله تعالى وتأثرها بالدعوات التغريبية، ويتكلم عن حقيقة الصراع بين الحركة الوهابية والدولة العثمانية، وعن الدور المشبوه الذي قام به محمد علي لصالح بريطانيا وفرنسا في ضربه للتيار الاسلامي في مصر، والحجاز ، والشام، وعن حركته التغريبية التي كانت خطوة نحو الإنسلاخ عن المبادئ الاسلامية الأصيلة ويتحدث عن الدعم الماسوني الذي كان خلف سياسات محمد علي المدمرة للأمة الاسلامية ويوضح الكتاب أن محمد علي كان مخلباً وخنجراً مسموماً استعمله الأعداء في تنفيذ مخططاتهم ولذلك وقفوا معه في نهضته العلمية ، والاقتصادية والعسكرية بعد أن أيقنوا بضعف الجانب العقدي والإسلامي لديه ولدى أعوانه وجنوده، وكيف ترتب على دور محمد علي في المنطقة بأسرها أن تنبهت الدول الأوروبية الى مدى الضعف الذي أصبحت عليه الدولة العثمانية، وبالتالي استعدادها لتقسيم أراضيها حينما تتهيأ الظروف السياسية.

ويتكلم عن السلطان محمود الثاني الذي ترسم خطى الحضارة الغربية في حركته الاصلاحية، ويتحدث عن أبنه عبدالمجيد الذي تولى السلطنة من بعده والذي كان خاضعاً لتأثير وزيره رشيد باشا الذي وجد مثله وفلسفته في الماسونية، وكيف ساهم هذا الوزير مع أنصاره في دفع عجلة التغريب التي كانت تدور حول نقاط ثلاثة هامة: الاقتباس من الغرب فيما يتعلق بتنظيم الجيش، والاتجاه بالمجتمع نحو التشكيل العلماني، والاتجاه نحو مركزية السلطة في استانبول والولايات، وكيف كانت الخطوات الجرية التي اتخذها الماسون الأتراك نحو علمنة الدولة وإظهار خطى كلخانة وهمايون والوصول الى دستور مدحت باشا عام 1876م وكان ذلك الحدث أول مرة في تاريخ الاسلام ودوله يجري العمل بدستور مأخوذ عن الدستور الفرنسي والبلجيكي والسويسري وهي دساتير وضعية علمانية. ويوضح للقارئ كيف وضعت حركة التنظيمات الدولة العثمانية رسمياً على طريق نهايتها كدولة اسلامية ، فعلمنة القوانين ووضعت مؤسسات تعمل بقوانين وضعية، وابتعدت الدولة عن التشريع الاسلامي في مجالات التجارة والسياسة والاقتصاد، وبذلك سحب من الدولة العثمانية شرعيتها من أنظار المسلمين. ويبين للقارئ الكريم كيف هيمن رجال التغريب على الدولة العثمانية في زمن السلطان عبدالعزيز وعندما تعرض لكثير من مخططاتهم عزلوه ثم قتلوه. ويتحدث عن الجهود العظيمة التي قام بها السلطان عبدالحميد خدمة للإسلام ، ودفاعاً عن دولته ، وتوحيداً لجهود الامة تحت رايته، وكيف ظهرت فكرة الجامعة الاسلامية في معترك السياسة الدولية في زمن السلطان عبدالحميد؟ ويفصل الكتاب في الوسائل التي اتخذها السلطان عبدالحميد في تنفيذ مخططه للوصول الى الجامعة الاسلامية، كالاتصال بالدعاة، وتنظيم الطرق الصوفية، والعمل على تعريب الدولة، وإقامة مدرسة العشائر ، وإقامة خط سكة حديد الحجاز، وإبطال مخططات الأعداء، ويركز الكتاب على جهود الصهيونية العالمية في دعم أعداء السلطان عبدالحميد كالمتمردين الأرمن، والقوميين البلقان، وحركة حزب الاتحاد والترقي ، والوقوف مع الحركات الانفصالية عن الدولة العثمانية وكيف استطاع أعداء الاسلام عزل السلطان عبدالحميد؟ وماهي الخطوات التي اتخذت للقضاء على الخلافة العثمانية؟ وكيف صنع البطل المزيف مصطفى كمال؟ الذي عمل على سلخ تركيا من عقيدتها واسلامها، وحارب التدين ، وضيق على الدعاة، ودعا الى السفور والاختلاط، ولم يترك الكتاب الحديث عن بشائر الاسلام في تركيا ويشير الى الجهود العظيمة التي قامت بها الحركة الاسلامية في تركيا بفصائلها المتعددة وتترك القارئ المسلم ينظر بنور الإيمان الى مستقبل الاسلام في تركيا والعالم أجمع.

وفي نهاية الكتاب يهتم الباحث بإبراز أسباب السقوط من المنظور القرآني ، ليبين للقارئ أن اسباب السقوط عديدة منها؛ انحراف الأمة عن مفاهيم دينها، كعقيدة الولاء والبراء، ومفهوم العبادة، وانتشار مظاهر الشرك والبدع، وانحرافات وظهور الصوفية المنحرفة كقوة منظمة في المجتمع الاسلامي تحمل عقائد وأفكار وعبادات بعيدة عن كتاب الله وسنة رسوله ، وينبه القارئ المسلم عن خطورة الفرق المنحرفة في إضعاف الأمة كالفرقة الأثنى عشرية الشيعية الرافضية، والدروز والنصيرية والإسماعيلية، والقاديانية، والبهائية وغيرها من الفرق الضالة المحسوبة على الاسلام، ويتحدث الكتاب عن غياب القيادة الربانية كسبب في ضياع الأمة وخصوصاً عندما يصبح علمائها ألعوبة بيد الحكام الجائرين، ويتسابقون على الوظائف والمراتب وغاب دورهم المطلوب منهم، وكيف اصيبت العلوم الدينية في نهاية الدولة العثمانية بالجمود والتحجر؟ وكيف اهتم العلماء بالمختصرات والشروح والحواشي والتقريرات؟ وتباعدوا عن روح الاسلام الحقيقة المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله  ، ورفض كثير من العلماء فتح باب الاجتهاد، وأصبحت الدعوة لفتح بابه تهمة كبيرة تصل الى الرمي بالكبائر، وتصل عند بعض المقلدين والجامدين الى حد الكفر ، وتعرض الكتاب للظلم الذي انتشر في الدولة وما أصابها من الترف والانغماس في الشهوات وشدة الاختلاف والتفرق وماترتب عن الابتعاد عن شرع الله من آثار خطيرة، كالضعف السياسي ،والحربي، والاقتصادي، والعلمي، والأخلاقي، والاجتماعي، وكيف فقدت الأمة قدرتها على المقاومة ، والقضاء على أعدائها؟ وكيف استعمرت وغزيت فكرياً ، نتيجة لفقدها لشروط التمكين وابتعادهاعن اسبابه المادية والمعنوية ، وجهلها بسنن الله في نهوض الأمم وسقوطها، قال تعالى: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض، ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون} (سورة الأعراف: آية 196).

إن هذا الجهد المتواضع قابل للنقد والتوجيه وفي حقيقته محاولة جادة للجمع والترتيب والتفسير والتحليل للأحداث التاريخية التي وقعت في زمن الدولة العثمانية والتي تأثرت بحركة الشعوب في صراعها العنيف فيما بينها نتيجة للأختلاف في العقائد والمناهج والأهداف والقيم والمثل؛ فإن كان خيراً فمن الله وحده وإن أخطأت السبيل فأنا عنه راجع إن تبين لي ذلك، والمجال مفتوح للنقد والرد والتوجيه وهدفي من الكتاب: تسليط الأضواء على زعماء الدولة العثمانية، كعثمان الأول، وأورخان ومحمد الفاتح وغيرهم. بيان المنهج الذي سارت عليه الدولة العثمانية في مسيرتها الطويلة. التركيز على العوامل التي ساهمت في بناء الدولة العثمانية والأسباب التي نخرتها وساهمت في إضعافها ثم سقوطها وزوالها. تسهيل مبدأ الاعتبار والاتعاظ بمعرفة أحوال الدول، والنظر في سنن الله في الآفاق وفي الأنفس والمجتمعات. بيان الكيد العظيم الذي تعرضت له الدولة العثمانية من قبل النصارى واليهود والعلمانيين الأتراك.... وغيرهم. كشف الزور والبهتان الذي تعرضت له الدولة العثمانية من الأقلام المسمومة وبيان بطلان من سمّى الحكم العثماني استعماراً وقرنه بالاستعمار الغربي، كالاستعمار الفرنسي، والانكليزي .

الدفاع عن أخواننا في العقيدة (العثمانيين) الذين تعرضوا للظلم ونسب الى تاريخهم أباطيل وأكاذيب من قبل اليهود والنصارى والعلمانيين العرب والاتراك وترشيد الاجيال لمعرفة حقيقة العثمانيين . إظهار صفحات الجهاد العظيم الذي قام به العثمانيون، ومساهماتهم في الدعوة الى الله والتي حاول أعداء الأمة طمسها والتشكيك فيها، والطعن في حقيقتها. أثراء المكتبة الاسلامية التاريخية بالابحاث المنبثقة عن عقيدة صحيحة وتصور سليم بعيدة عن سموم المستشرقين، وأفكار العلمانيين الذين يسعون لقلب الحقائق التاريخية من أجل خدمة أهدافهم. بيان أن حركات الأصلاح التي تستحق التقدير والاحترام في الأمة هي التي سارت وتسير على منهج القرآن الكريم، وسنة سيد المرسلين  في العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات وكافة شؤون الحياة. التعريف ببعض العلماء العاملين والفقهاء الراسخين الذين ساهموا في بناء الدولة العثمانية وتربية الأمة ، كالشيخ أحمد الكوراني ، وشمس الدين آق (محمد بن حمزة) وغيرهم. هذا وقد قمت بتقسيم الكتاب الى مدخل وسبعة فصول ونتائج البحث:

  • المدخل: المناهج المعاصرة في كتابة تاريخ الدولة العثمانية.
  • الفصل الأول: جذور الأتراك وأصولهم ويشتمل على ثلاثة مباحث:
  • المبحث الأول: أصل الأتراك وموطنهم.
    • المبحث الثاني: قيام الدولة السلجوقية.
    • المبحث الثالث: نهاية الدولة السلجوقية.
  • الفصل الثاني: قيام الدولة العثمانية وفتوحاتها: ويشتمل على ستة مباحث:
    • المبحث الأول : عثمان مؤسس الدولة العثمانية.
    • المبحث الثاني: السلطان أورخان بن عثمان.
    • المبحث الثالث: السلطان مراد الأول.
    • المبحث الرابع: السلطان بايزيد الأول.
    • المبحث الخامس: السلطان محمد الأول.
    • المبحث السادس: السلطان مراد الثاني.
  • الفصل الثالث: محمد الفاتح وفتح القسطنطينية ويشتمل على سبعة مباحث:
    • المبحث الأول: السلطان محمد الفاتح.
    • المبحث الثاني: الفاتح المعنوي للقسطنطينية (الشيخ آق شمس الدين).
    • المبحث الثالث: آثر فتح القسطنطينية على العالم الأوروبي والإسلامي.
    • المبحث الرابع: أسباب فتح القسطنطينية.
    • المبحث الخامس: أهم صفات محمد الفاتح.
    • المبحث السادس: شيء من أعماله الحضارية.
    • المبحث السابع: وصية السلطان محمد الفاتح لأبنه.
  • الفصل الرابع: السلاطين الأقوياء بعد محمد الفاتح ويشتمل على تسعة مباحث:
    • المبحث الأول: السلطان بايزيد الثاني.
    • المبحث الثاني: السلطان سليم الأول.
    • المبحث الثالث: السلطان سليمان القانوني.
    • المبحث الرابع: الدولة العثمانية وشمال أفريقيا.
    • المبحث الخامس: المجاهد الكبير حسن آغا الطوشي.
    • المبحث السادس: المجاهد حسن خير الدين بربروسة.
    • المبحث السابع: سياسة صالح الرايس.
    • المبحث الثامن: سياسة حسن بن خير الدين في التضيق على الإسبان.
    • المبحث التاسع: المتوكل على الله ابن عبدالله الغالب السعدي.
  • الفصل الخامس: بداية اضمحلال الدولة العثمانية ويشتمل على 11 مبحث:
    • المبحث الأول: السلطان سليم الثاني.
    • المبحث الثاني: السلطان مراد الثالث.
    • المبحث الثالث: السلطان محمد خان الثالث.
    • المبحث الرابع: السلطان أحمد الأول.
    • المبحث الخامس: بعض السلاطين الضعاف.
    • المبحث السادس: السلطان سليم الثالث.
    • المبحث السابع: جذور الحملة الفرنسية الصليبية.
    • المبحث الثامن: السلطان محمود الثاني.
    • المبحث التاسع: السلطان عبدالمجيد الأول.
    • المبحث العاشر: السلطان عبدالعزيز.
    • المبحث الحادي عشر: السلطان مراد الخامس.
  • الفصل السادس: عصر السلطان عبدالحميد ويشتمل على ثمانية مباحث :
    • المبحث الأول: السلطان عبدالحميد.
    • المبحث الثاني: الجامعة الاسلامية.
    • المبحث الثالث: السلطان عبدالحميد واليهود.
    • المبحث الرابع: السلطان عبدالحميد وجمعية الاتحاد والترقي.
    • المبحث الخامس: الإطاحة بحكم السلطان عبدالحميد الثاني.
    • المبحث السادس : حكم الاتحاديين ونهاية الدولة العثمانية.
    • المبحث السابع: بشائر إسلامية في تركيا العلمانية.
    • المبحث الثامن: أسباب السقوط.
  • ثم نتائج البحث.

وأخيراً: أرجو من الله تعالى أن يكون عملاً خالصاً لوجهه الكريم وأن يثيبني على كل حرف كتبته ويجعله في ميزان حسناتي وأن يثيب إخواني الذين أعانوني بكافة مايملكون من أجل إتمام هذا الكتاب . ((سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين)).

الفقير الى عفو ربه ومغفرته علي محمد حمد الصّلابي


محتويات

المدخل

المناهج المعاصرة في كتابة تاريخ الدولة العثمانية لم يتورع المؤرخون الأوروبيون واليهود والنصارى والعلمانيون الحاقدون بالهجوم على تاريخ الدولة العثمانية، فأستخدموا أساليب، الطعن والتشويه والتشكييك فيما قام به العثمانيون من خدمة للعقيدة والاسلام، وسار على هذا النهج الباطل أغلب المؤرخين العرب بشتى انتماءاتهم واتجاهاتهم، القومية ، والعلمانية، وكذلك المؤرخون الأتراك الذين تأثروا بالتوجه العلماني الذي تزعمه مصطفى كمال، فكان من الطبيعي أن يقوموا بإدانة فترة الخلافة العثمانية، فوجدوا فيما كتبه النصارى واليهود ثروة ضخمة لدعم تحولهم القومي العلماني في تركيا بعد الحرب العالمية الأولى. كان الموقف من التاريخ العثماني بالنسبة للمؤرخ الأوربي بسبب تأثره بالفتوحات العظيمة التي حققها العثمانيون، وخصوصاً بعد أن سقطت عاصمة الدولة البيزنطية (القسطنطينية) وحولها العثمانيون دار إسلام واطلقوا عليها اسلام بول (أي دار الاسلام) ، فتأثرت نفوس الأوربيين بنزعة الحقد والحقد والمرارة المورثة ضد الاسلام فأنعكست تلك الأحقاد في كلامهم وافعالهم ، وكتابتهم وحاول العثمانيون مواصلة السير لضم روما الى الدولة الاسلامية ومواصلة الجهاد حتى يخترقوا وسط اوروبا ويصلوا الى الاندلس لإنقاذ المسلمين فيها، وعاشت أوروبا في خوف وفزع وهلع ولم تهدأ قلوبهم إلا بوفاة السلطان محمد الفاتح. وكان زعماء الدين المسيحي من قساوسة ورهبان وملوك يغذون الشارع الأوروبي بالأحقاد والضغائن ضد الاسلام والمسلمين ، وعمل رجال الدين المسيحي على حشد الأموال والمتطوعين لمهاجمة المسلمين (الكفرة على حد زعمهم) البرابرة، وكلما انتصر العثمانيون على هذه الحشود ازدادت موجة الكره والحقد على الاسلام وأهله، فأتهم زعماء المسيحيين العثمانيين بالقرصنة، والوحشية والهمجية، وعلقت تلك التهم في ذاكرة الأوروبيين. لقد كانت الهجمات الأعلامية المركزة من زعماء المسيحية بسبب الحفاظ على مكاسبهم السياسية والمادية، وكرههم للإسلام وأهله، وبالفعل استطاعت بعض الاسر الحاكمة في أوروبا أن يتربعوا على صدور المجتمعات الأوروبية في الحكم فترة زمنية طويلة، وحققوا مكاسب ضخمة فأثروا ثراء كبير ونصبوا حول أنفسهم هالة كبيرة اعتمدت في مجملها على الضلال والتضليل .

ومع أن المجتمعات الأوروبية ثارت على هذه الفئات، بعد أن اكتشفت ضلالها وتضليلها، مع بداية عصر النهضة ، وبداية مرحلة جديدة في التاريخ الأوروبي، إلا أنه لم يستطع وجدان المجتمع الاوروبي أن يتخلص من تلك الرواسب الموروثة من هذه الفئات تجاه العالم الاسلامي بشكل عام وتجاه الدولة العثمانية بشكل خاص. ولذلك اندفعت قواتهم العسكرية المدعومة بحضارته المادية للإنتقام من الاسلام والمسلمين، ونزع خيراتهم بدوافع دينية واقتصادية وسياسية وثقافية ، وساندهم كتابهم ومؤرخوهم، للطعن والتشويه والتشكيك في الاسلام وعقيدته وتاريخه، فكان نصيب الدولة العثمانية من هذه الهجمة الشرسة كبير. وشارك اليهود الأوروبيون بأقلامهم المسمومة، وأفكارهم المحمومة في هذه الهجمات المتواصلة ضد الدولة العثمانية خصوصاً والاسلام عموماً، وازداد عداء اليهود للدولة العثمانية بعد أن فشلت كافة مخططاتهم في اغتصاب أي شبر من أراضي هذه الدولة لإقامة كيان سياسي لهم طوال أربعة قرون هي عمر الدولة العثمانية السنية، استطاع اليهود بمعاونة الصليبية والدول الاستعمارية الغربية ومن خلال محافلهم الماسونية أن يحققوا أهدافهم على حساب الأنظمة القومية التي قامت في العالم الغربي والاسلامي والتي وصفت نفسها بالتقدمية والتحضر واتهمت الخلافة العثمانية على طول تاريخها بالتخلف والرجعية والجمود والانحطاط وغير ذلك واعتبرت المحافل الماسونية ، والمنظمات الخفية التابعة لليهود والقوى العالمية المعادية للاسلام والمسلمين أن مسألة تشويه الفترة التاريخية للدولة العلية العثمانية من أهم أهدافها. أما المؤرخون العرب في العالم الاسلامي فقد ساروا في ركب الاتجاه المهاجم لفترة الخلافة العثمانية مدفوعين الى ذلك بعدة أسباب يأتي في مقدمتها إقدام الاتراك بزعامة "مصطفى آتاتورك" على إلغاء الخلافة الاسلامية في عام 1924م، وأعقب ذلك إقدام الحكومة العلمانية التركية بالتحول الكامل الى المنهج العلماني في الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية على حساب الشريعة الاسلامية التي ظلت سائدة في تركيا منذ قيام الدولة العثمانية ، وتحالفت هذه الحكومة مع السياسة الأوروبية المعادية للدول الاسلامية والعربية، واشتركت سلسلة الاحلاف العسكرية الأوروبية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، والتي رفضتها الشعوب العربية الاسلامية وبعض حكوماتها ، وقد كانت تركيا من أوائل الدول التي اعترفت بقيام الكيان السياسي الاسرائيلي في فلسطين عام 1948م مما جعل الشعوب العربية الاسلامية تندفع خلف حكوماتها القومية، بعد غياب الدولة العثمانية التي كانت تجاهد كل من تسول له نفسه بالاعتداء على شبر من أراضي المسلمين.

ويأتي سبب التبعية البحثية لمدرسة التاريخ العربي لتاريخ المنهجية الغربية كعامل هام في الاتجاه نحو مهاجمة الخلافة العثمانية ، خصوصاً بعد التقاء وجهات النظر بين المؤرخين الأوروبيين المؤرخين العرب حول تشويه الخلافة الاسلامية العثمانية. ولقد تأثر كثير من مؤرخين العرب بالحضارة الأوروبية المادية، ولذلك اسندوا كل ماهو مضيء في تاريخ بلادهم الى بداية الاحتكاك بهذه الحضارة البعيدة كل البعد عن المنهج الرباني، واعتبروا بداية تاريخهم الحديث من وصول الحملة الفرنسية على مصر والشام وما أنجزته من تحطيم جدار العزلة بين الشرق والغرب، وما ترتب عليه بعد ذلك من قيام الدولة القومية في عهد محمد علي في مصر، وصحب ذلك اتجاهم لإدانة الدولة العثمانية التي قامت بالدفاع عن عقيدة الشعوب الاسلامية ودينها واسلامها من الهجمات الوحشية التي قام بها الأوروبيون النصارى. لقد احتضنت القوى الأوروبية الاتجاه المناهض للخلافة الاسلامية وقامت بدعم المؤرخين والمفكرين في مصر والشام الى تأصيل الاطار القومي وتعميقه من أمثال البستاني واليازجي وجورج زيدان وأديب اسحاق وسليم نقاش وفرح انطوان وشبلي شميل وسلامة موسى وهنري كورييل وهليل شفارتز وغيرهم، ويلاحظ ان معظمهم من النصارى واليهود، كما أنهم في أغلبهم إن لم يكونوا جميعاً من المنتمين الى الحركة الماسونية التي تغلغلت في الشرق الاسلامي منذ عصر محمد علي والتي كانت بذورها الاولى مع قدوم نابليون في حملته الفرنسية. لقد رأى اعداء الأمة الاسلامية أن دعم التوجه القومي والوقوف مع دعاته كفيل بتضعيف الأمة الاسلامية والقضاء على الدولة العثمانية. واستطاعت المحافل الماسونية أن تهيمن على عقول زعماء التوجه القومي في داخل الشعوب الاسلامية، وخضع أولئك الزعماء لتوجيه المحافل الماسونية أكثر من خضوعهم لمطالب شعوبهم وبخاصة موقفها من الدين الاسلامي الذي يشكل الإطار الحقيقي لحضارة المسلم وثقافته وعلومه ولم يتغير هذا المنهج المنحرف لدى المؤرخين العرب بشكل عام بعد قيام الانقلاب العسكري في مصر سنة 1952م، حيث اتجهت الحكومة العسكرية في مصر منذ البداية، والتفت حولها أغلب الحكومات العسكرية الى دعم التوجه القومي، كما أن معظم هذه الحكومات ارتكزت على أسس اكثر علمانية في كافة الجوانب بما في ذلك الجانب الثقافي والفكري، فنظروا الى الخلافة العثمانية والحكم العثماني للشعوب الاسلامية والعربية بأنه كان غزواً واحتلالاً، واسندوا إليه كافة عوامل التخلف والضعف والجمود والانحطاط التي ألمت بالعالم العربي الأسلامي، واعتبروا حركات الانشقاق والتمرد التي قامت ابان الفترة العثمانية، والتي كان دافعها الاطماع الشخصية، أو مدفوعة من القوى الخارجية المعادية للخلافة الاسلامية ، اعتبروها حركات استقلالية ذات طابع قومي كحركة علي بك الكبير في مصر، والقرمانليين في ليبيا، وظاهر العمر في فلسطين، والحسينيين في تونس، والمعنيين والشهابيين في لبنان، وغير ذلك من أجل تأصيل الاتجاه القومي الذي طرحوه. بل زعموا أن محمد علي كان زعيماً قومياً حاول توحيد العالم العربي ، وأنه فشل بسبب أنه لم يكن عربي الجنس، وتناسوا أن محمد علي كان ذا أطماع شخصية، جعلته يرتبط بالسياسة الاستعمارية التي دعمت وجوده، وحققت به أهدافها الشريرة من ضرب الدولة السعودية السلفية ، واضعاف الخلافة العثمانية ، ومساندته المحافل الماسونية في ضرب القوى الاسلامية في المنطقة وتهيئتها بعد ذلك للاحتلال الغربي المسيحي الحاقد لقد تحالفت المحافل اليهودية الماسونية مع القوى الإستعمارية الغربية والقوى المحلية العميلة التي أمكن تطويعها من خلال أطماعها، والتقوا جميعاً في تدمير القوة الإسلامية ومصادرة حريات شعوبها وسلب خيراتها وإقامت حكم ديكتاتوري مدعوم بالسلاح الغربي الحديث وهو ما مثله محمد علي وقد شارك بعض المؤرخين السلفيين في المشرق العربي في الهجوم على الفترة العثمانية مدفوعين إلى ذلك بالرصيد العدائي الذي خلّفه دور الخلافة العثمانية ضد الدعوة السلفية في عديد من مراحلها بسبب مؤامرات الدول الغربية الإستعمارية التي دفعت السلاطين العثمانيين بالصدام بالقوة الإسلامية في نجد قلب الدعوة السلفية وكذلك لمساندة الخلافة للإتجاه الصوفي وبما يصاحبه من مظاهر تخل بالجوانب الأساسية للشريعة الإسلامية، فضلا عن أن دولة الخلافة في سنواتها الأخيرة قد سيطر عليها دعاة القومية التركية الذين ابتعدوا بها عن الالتزام بالمنهج الإسلامي الذي تميزت به الدولة العثمانية لفترات طويلة في تاريخها وشجع كافة المسلمين بالإرتباط بها وتأييدها والوقوف معها.

وأما المؤرخون الماركسيون فقد شنوا حرباً لاهوادة فيها على الدولة العثمانية واعتبروا فترة حكمها تكريساً لسيادة النظام الإقطاعي الذي هيمن على تاريخ العصور الوسطى السابقة، وأن العثمانيين لم يُحدثوا أي تطور في وسائل أو قوى الإنتاج، وأن التاريخ الحديث يبدأ بظهور الطبقة البورجوازية ثم الرأسمالية التي أسهمت في إحداث تغيير في الجوانب الإقتصادية والإجتماعية في بداية القرن التاسع عشر، والتقوا في ذلك مع المؤرخين الأوربيين من أصحاب الإتجاه الليبرالي وكذلك مع أصحاب المنظور القومي وقام بعض المؤرخين والمفكرين من النصارى واليهود بترويج للإتجاهين الغربي والماركسي بواسطة التأليف والترجمة لمؤلفاتهم، والذي ساندته المحافل الماسونية، حيث أنهم حاولوا أن يبتعدوا عن أي من الأطر الإسلامية الوحدوية مفضلين عليها الدعوة القومية بمفهومها المحلي أو العربي، كمشروع الهلال الخصيب في الشام أو مشروع وحدة وادي النيل بين مصر والسودان فضلاً عن نشاطهم في ترويج الإتجاهات القومية المحدودة كالدعوة إلى الفرعونية في مصر، والآشورية في العراق، والفينيقية في الشام..الخ. وأما المؤرخون الأتراك الذين برزوا في فترة الدعوة القومية التركية فقد تحاملوا كثيراً على فترة الخلافة العثمانية سواء لمجاراة الاتجاه السياسي والفكري الذي ساد بلادهم والذي حمّل الفترة السابقة كافة جوانب الضعف والانهيار أو لتأثر الاتراك بالموقف المشين الذي بدت عليه سلطة الخلافة والتي اصبحت شكلية بعد الإطاحة بالسلطان عبدالحميد سنة 1909م حيث انهزمت في معارك متعددة عندما دخلت الحرب العالمية الأولى وترتب على تلك الخسائر ضياع كثير من أراضيها وتسليمها بتوقيع معاهدة سيفر سنة 1918م ، والذي في حقيقته هزيمة لرجال الاتحاد والترقي ، ونتيجة لسياستها، في حين استطاعت الحركة القومية بزعامة مصطفى كمال أن تنقذ تركيا من هذه الإهانة وتستعيد الكثير من الاراضي التركية وتجبر اليونان والقوى التي تساندها ، الى جانب تأثر المفكرين الأتراك بموقف بعض العرب الذين ساندو الحلفاء الغربيين إبان الحرب الأولى ضد دولة الخلافة وإعلان الثورة عليها سنة 1916م وبرغم تفاوت الأسباب وتباينها ألا أن كثير من المؤرخين ألتقوا على تشويه وتزوير تاريخ الخلافة الاسلامية العثمانية، لقد اعتمد المؤرخون الذين عملوا على تشويه الدولة العثمانية على تزوير الحقائق، والكذب والبهتان والتشكيك والدس ولقد غلبت على تلك الكتب والدراسات طابع الحقد الاعمى، والدوافع المنحرفة، بعيدة كل البعد عن الموضوعية، وأدى ذلك الى ظهور رد فعل اسلامي للرد على الإتهامات والشبهات التي وجهت للدولة العثمانية ولعل من أهمها وأبرزها تلك الكتابة المستفيضة التي قام بها الدكتور عبدالعزيز الشناوي في ثلاثة مجلدات ضخمة تحت عنوان "الدولة العثمانية دول اسلامية مفترى عليها" وبرغم الجهد الذي بذله ودافعه الاسلامي ، والموضوعية التي اتسم بها هذا العمل في أغلبه، إلا أنه لم يعالج كافة جوانب التاريخ العثماني وعليه بعض الملاحظات مثل حديثه عن حقيقة الإنكشارية والتي لاتثبت أمام البحث العلمي النزيه، ومن الجهود المشكورة في هذا الميدان ما قام به الباحث الكبير والاستاذ الشهير المتخصص في تاريخ الدولة العثمانية الدكتور محمد حرب الذي كتب للأمة الاسلامية بعض الكتب القيمة مثل؛ العثمانيون في التاريخ والحضارة، السلطان محمد الفاتح فاتح القسطنطينية وقاهر الروم، والسلطان عبدالحميد آخر السلاطين العثمانيين الكبار، ومن الأعمال القيمة في تاريخ الدولة العثمانية ماقدمه الدكتور موفق بني المرجة كرسالة علمية لنيل درجة الماجستير تحت عنوان "صحوة الرجل المريض أو السلطان عبدالحميد" أو الخلافة الاسلامية واستطاع هذا الكتاب أن يبين كثير من الحقائق المدعومة بالوثائق والحجج الدامغة وغير ذلك من الكتاب المعاصرين إلا أن هناك جوانب في تاريخ الخلافة العثمانية وفي تأريخنا الاسلامي في العصر الحديث تحتاج الى إعادة النظر من منظور اسلامي يساهم في إبراز الحقائق، والتئام تلك الشروخ التي نتجت عن صياغة تاريخنا من منظور قومي علماني خدم أعداءنا في المقام الاول واستخدموه كوسيلة من وسائلهم في تمزيق الشعوب الاسلامية. وعلينا عندما نكتب التاريخ الحديث أن نبين ونظهر دور المحافل الماسونية والمخططات الغربية في توجيه هذه الصياغة التاريخية الخبيثة والتي يقوم بها مجموعة من عملاء اليهود والنصارى من أدعياء المنهج الليبرالي والعلماني حيث يقومون بإبراز العناصر الماسونية على الساحة التاريخية ووضعم في دور الحركة الماسونية في الوقوف مع حركات التحرر. إن التاريخ الاسلامي القديم والحديث علم مستهدف من قبل كل القوى المعادية للاسلام بإعتباره الوعاء العقدي والفكري والتربوي في بناء وصياغة هوية الشعوب الاسلامية( ).

وهذه محاولة متواضعة للبحث في التاريخ العثماني في عمومه وتهتم بدور الخلافة العثمانية في الشمال الافريقي ، وتمتد هذه الدراسة الى الجذور القديمة التي قامت عليها الدولة العثمانية الى أن سقطت الخلافة على يد العميل الأنجليز، والملحد الكبير مصطفى كمال وفي ثنايا هذه الدراسة يتعرض الباحث لأسباب القوة العثمانية وأسباب ضعفهم ، وصفات رجالهم وسلاطينهم الأقوياء، واهتمامهم بالعلماء وتطبيق شرع الله وجهادهم العظيم لنشر الاسلام والدفاع عن دياره ضد الحملات الصليبية التي لا تنتهي ، ويلتزم الكاتب بمنهج أهل السنة عند عرض الاحداث محاولاً أن يتقيد بالعدل والإنصاف عند الحكم على الأحداث لعله يساهم في تصحيح الكثير من الأحكام والمفاهيم الخاطئة التي ألمت بالدولة الاسلامية العثمانية والله من وراء القصد وهو الهادي الى الصراط المستقيم.

الفصل الأول: جذور الأتراك وأصولهم

المبحث الأول: أصل الأتراك ومواطنهم

في منطقة ماوراء النهر والتي نسميها اليوم (تركستان) والتي تمتد من هضبة منغوليا وشمال الصين شرقاً الى بحر الخزر (بحر قزوين) غرباً، ومن السهول السيبرية شمالاً الى شبه القارة الهندية وفارس جنوباً، استوطنت عشائر الغز( ) وقبائلها الكبرى تلك المناطق وعرفوا بالترك أو الأتراك( ). ثم تحركت هذه القبائل في النصف الثاني من القرن السادس الميلادي، في الانتقال من موطنها الأصلي نحو آسيا الصغرى في هجرات ضخمة. وذكر المؤرخون مجموعة من الأسباب التي ساهمت في هجرتهم؛ فالبعض يرى أن ذلك بسبب عوامل اقتصادية ، فالجدب الشديد وكثرة النسل، جعلت هذه القبائل تضيق ذرعاً بمواطنها الأصلية، فهاجرت بحثاً عن الكلاء والمراعي والعيش الرغيد( ) والبعض الآخر يعزوا تلك الهجرات لأسباب سياسية حيث تعرضت تلك القبائل لضغوط كبيرة من قبائل اخرى أكثر منها عدداً وعدة وقوة وهي المغولية، فأجبرتها على الرحيل، لتبحث عن موطن آخر وتترك أراضيها( ) بحثاً عن نعمة الأمن والاستقرار وذهب الى هذا الرأي الدكتور عبداللطيف عبدالله بن دهيش( ). واضطرت تلك القبائل المهاجرة أن تتجه غرباً، ونزلت بالقرب من شواطئ نهر جيحون ، ثم استقرت بعض الوقت في طبرستان، وجرجان( )، فأصبحوا بالقرب من الأراضي الاسلامية والتي فتحها المسلمون بعد معركة نهاوند وسقوط الدولة الساسانية في بلاد فارس سنة 21هـ/641م( ).

اتصالهم بالعالم الاسلامي

في عام 22هـ/642م تحركت الجيوش الاسلامية الى بلاد الباب لفتحها وكانت تلك الأراضي يسكنها الاتراك، وهناك ألتقى قائد الجيش الاسلامي عبدالرحمن بن ربيعة بملك الترك شهربراز، فطلب من عبدالرحمن الصلح وأظهر استعداده للمشاركة في الجيش الاسلامي لمحاربة الأرمن ، فأرسله عبدالرحمن الى القائد العام سراقة بن عمرو، وقد قام شهر براز بمقابلة سراقة فقبل منه ذلك، وكتب للخليفة عمر بن الخطاب  يعلمه بالأمر، فوافق على مافعل، وعلى إثر ذلك عقد الصلح، ولم يقع بين الترك والمسلمين أي قتال، بل سار الجميع الى بلاد الأرمن لفتحها ونشر الاسلام فيها( ).

وتقدمت الجيوش الاسلامية لفتح البلدان في شمال شرق بلاد فارس حتى تنتشر دعوة الله فيها، بعد سقوط دولة الفرس أمام الجيوش الاسلامية والتي كانت تقف حاجزاً منيعاً أمام الجيوش الاسلامية في تلك البلدان، وبزوال تلك العوائق، ونتيجة للفتوحات الاسلامية ، أصبح الباب مفتوحاً أمام تحركات شعوب تلك البلدان والاقاليم ومنهم الاتراك فتم الاتصال بالشعوب الاسلامية، واعتنق الاتراك الاسلام، وانضموا الى صفوف المجاهدين لنشر الاسلام وإعلاء كلمة الله( ). وفي عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان  تم فتح بلاد طبرستان، ثم عبر المسلمون نهر جيحون سنة 31هـ، ونزلوا بلاد ماوراء النهر، فدخل كثير من الترك في دين الاسلام، وأصبحوا من المدافعين عنه والمشتركين في الجهاد لنشر دعوة الله بين العالمين( ).

وواصلت الجيوش الاسلامية تقدمها في تلك الاقاليم فتم فتح بلاد بخارى في عهد معاوية بن أبي سفيان  وتوغلت تلك الجيوش المضفرة حتى وصلت سمرقند، وما أن ظهر عهد الدولة الاسلامية حتى صارت بلاد مارواء النهر جميعها تحت عدالة الحكم الاسلامي وعاشت تلك الشعوب حضارة إسلامية عريقة( ). وازداد عدد الأتراك في بلاط الخلفاء والأمراء العباسيين وشرعوا في تولي المناصب القيادية والادارية في الدولة؛ فكان منهم الجند والقادة والكتاب. وقد ألتزموا بالهدوء والطاعة حتى نالوا أعلى المراتب.

ولما تولى المعتصم العباسي الخلافة فتح الأبواب أمام النفوذ التركي وأسند إليهم مناصب الدولة القيادية وأصبحوا بذلك يشاركون في تصريف شؤون الدولة، وكانت سياسة المعتصم تهدف الى تقليص النفوذ الفارسي ، الذي كان له اليد المطلقة في إدارة الدولة العباسية منذ عهد الخليفة المأمون( ). وقد تسبب اهتمام المعتصم بالعنصر التركي الى حالة سخط شديدة بين الناس والجند، فخشي المعتصم من نقمة الناس عليه، فأسس مدينة جديدة هي (سامراء) ، تبعد عن بغداد حوالي 125كم وسكنها هو وجنده وأنصاره. وهكذا بدأ الأتراك منذ ذلك التاريخ في الظهور في أدوار هامة على مسرح التاريخ الاسلامي حتى أسسوا لهم دولة إسلامية كبيرة كانت على صلة قوية بخلفاء الدولة العباسية عرفت بالدولة السلجوقية( ).


المبحث الثاني: قيام الدولة السلجوقية

كان لظهور السلاجقة على مسرح الأحداث في المشرق العربي الاسلامي، أثر كبير في تغير الاوضاع السياسية في تلك المنطقة التي كانت تتنازعها الخلافة العباسية السنيّة من جهة، والخلافة الفاطمية الشيعية من جهة ثانية. وقد أسس السلاجقة دولة تركية كبرى ظهرت في القرن الخامس للهجرة (الحادي عشر الميلادي) ، لتشمل خراسان وماوراء النهر وإيران والعراق وبلاد الشام وآسيا الصغرى. وكانت الري في إيران ثم بغداد في العراق مقر السلطنة السلجوقية، بينما قامت دويلات سلجوقية في خراسان ومارواء النهر (كرمان) وبلاد الشام (سلاجقة الشام) وآسيا الصغرى سلاجقة الروم، وكانت تتبع السلطان السلجوقي في إيران والعراق. وقد ساند السلاجقة الخلافة العباسية في بغداد ونصروا مذهبها السنّي بعد أن أوشكت على الانهيار بين النفوذ البويهي الشيعي في إيران والعراق، والنفوذ العبيدي (الفاطمي) في مصر والشام. فقضى السلاجقة على النفوذ البويهي تماماً وتصدوا للخلافة العبيدية (الفاطمية)( ). لقد استطاع طغرل بك الزعيم السلجوقي أن يسقط الدولة البويهية في عام 447هـ في بغداد وأن يقضي على الفتن وأزال من على أبواب المساجد سب الصحابة، وقتل شيخ الروافض أبي عبدالله الجلاب لغلوه في الرفض( ). لقد كان النفوذ البويهي الشيعي مسيطراً على بغداد والخليفة العباسي ، فبعد أن أزال السلاجقة الدولة البويهية من بغداد ودخل سلطانهم طغرل بك الى عاصمة الخلافة العباسية استقبله الخليفة العباسي القائم بأمر الله استقبالاً عظيماً، وخلع عليه خلعة سنية، وأجلسه الى جواره، وأغدق عليه ألقاب التعظيم ، ومن جملتها أنه لقبه بالسلطان ركن الدين طغرل بك، كما أصدر الخليفة العباسي أمره بأن ينقش اسم السلطان طغرلبك على العملة، ويذكر اسمه في الخطبة في مساجد بغداد وغيرها، مما زاد من شأن السلاجقة. ومنذ ذلك الحين حل السلاجقة محل البويهيين في السيطرة على الأمر في بغداد، وتسيير الخليفة العباسي حسب إرادتهم( ).

كان طغرلبك يتمتع بشخصية قوية ، وذكاء حاد، وشجاعة، فائقة ، كما كان متديناً ورعاً عادلاً، ولذلك وجد تأييداً كبيراً ومناصرة عظيمة من شعبه، وقد أعد جيشاً قوياً، وسعى لتوحيد كلمة السلاجقة الأتراك في دولة قوية( ). وتوطيداً للروابط بين الخليفة العباسي القائم بأمر الله، وبين زعيم الدولة السلجوقية طغرلبك، فإن الخليفة تزوج من أبنة جفري بك الأخ الأكبر لطغربك، وذلك في عام 448هـ/1059م ثم في شعبان عام 454هـ/1062م تزوج طغربك من أبنة الخليفة العباسي القائم بالله. لكن طغربك لم يعش طويلاً بعد ذلك، حيث أنه توفى ليه الجمعة لليوم الثامن من شهر رمضان عام 455هـ/ 1062م ، وكان عمره إذ ذاك سبعين عاماً، بعد أن تمت على يده الغلبة للسلاجقة في مناطق خراسان وإيران وشمال وشرق العراق( ).

أولاً: السلطان (محمد) الملقب ألب أرسلان أي الأسد الشجاع: تولى ألب أرسلان زمام السلطة في البلاد بعد وفاة عمه طغرلبك، وكانت قد حدثت بعض المنازعات حول تولي السلطة في البلاد، لكن ألب أرسلان استطاع أن يتغلب عليها. وكان ألب أرسلان -كعمه طغرل بك- قائداً ماهراً مقداماً، وقد اتخذ سياسة خاصة تعتمد على تثبيت أركان حكمه في البلاد الخاضعة لنفوذ السلاجقة ، قبل التطلع الى أخضاع أقاليم جديدة، وضمها الى دولته. كما كان متلهفاً للجهاد في سبيل الله ، ونشر دعوة الاسلام في داخل الدولة المسيحية المجاورة له، كبلاد الأرمن وبلاد الروم، وكانت روح الجهاد الاسلامي هي المحركة لحركات الفتوحات التي قام بها ألب أرسلان وأكسبتها صبغة دينية، وأصبح قائد السلاجقة زعيماً للجهاد، وحريصاً على نصرة الاسلام ونشره في تلك الديار، ورفع راية الاسلام خفاقة على مناطق كثيرة من أراضي الدولة البيزنطية( ). لقد بقي سبع سنوات يتفقد أجزاء دولته المترامية الأطراف، قبل أن يقوم باي توسع خارجي. وعندما أطمئن على استباب الأمن، وتمكن حكم السلاجقة في جميع الأقاليم والبلدان الخاضعة له، أخذ يخطط لتحقيق أهدافه البعيدة، وهي فتح البلاد المسيحية المجاورة لدولته، وإسقاط الخلافة الفاطمية (العبيدية في مصر، وتوحيد العالم الاسلامي تحت راية الخلافة العباسية السنيّة ونفوذ السلاجقة، فأعد جيشاً كبيراً أتجه به نحو بلاد الأرمن وجورجيا، فافتتحها وضمها الى مملكته، كما عمل على نشر الاسلام في تلك المناطق( ). وأغار ألب أرسلان على شمال الشام وحاصر الدولة المرداسية في حلب، والتي أسسها صالح بن مرداس على المذهب الشيعي سنة 414هـ/1023م وأجبر أميرها محمود بن صالح بن مرداس على إقامة الدعوة للخليفة العباسي بدلاً من الخليفة (الفاطمي/ العبيدي سنة 462هـ/1070م)( ). ثم أرسل قائده الترك أتنسز بن أوق الخوارزمي في حملة الى جنوب الشام فأنتزع الرملة وبيت المقدس من يد (الفاطميين) العبيديين ولم يستطيع الاستيلاء على عسقلان التي تعتبر بوابة الدخول الى مصر، وبذلك أضحى السلاجقة على مقربة من قاعدة الخليفة العباسي والسلطان السلجوقي داخل بيت المقدس( ).

وفي سنة 462هـ ورد رسول صاحب مكة محمد بن أبي هاشم الى السلطان يخبره بإقامة الخطبة للخليفة القائم وللسلطان وإسقاط خطبة صاحب مصر (العبيدي) وترك الأذان بـ (حي على العمل) فأعطاه السطان ثلاثين ألف دينار وقال له : إذا فعل أمير المدينة كذلك أعطيناه عشرين ألف دينار( ). لقد أغضبت فتوحات ألب أرسلان دومانوس ديوجينس امبراطور الروم، فصمم على القيام بحركة مضادة للدفاع عن امبراطوريته. ودخلت قواته في مناوشات ومعارك عديدة مع قوات السلاجقة، وكان أهمها معركة (ملاذكرد) في عام 463هـ الموافق أغسطس عام 1070م( ) قال ابن كثير: (وفيها أقبل ملك الروم ارمانوس في جحافل أمثال الجبال من الروم والرخ والفرنج، وعدد عظيم وعُدد ، ومعه خمسة وثلاثون ألفاً من البطارقة، مع كل بطريق مائتا ألف فارس، ومعه من الفرنج خمسة وثلاثون ألفاً، ومن الغزاة الذين يسكنون القسطنطينية خمسة عشر ألفاً ، ومعه مائة ألف نقّاب وخفار( )، وألف روزجاري، ومعه أربعمائة عجلة تحمل النعال والمسامير، وألفا عجلة تحمل السلاح والسروج والغرادات والمناجيق، منها منجنيق عدة ألف ومائتا رجل، ومن عزمه قبحه الله أن يبيد الاسلام وأهله، وقد أقطع بطارقته البلاد حتى بغداد، واستوصى نائبها بالخليفة خيراً، فقال له : ارفق بذلك الشيخ فانه صاحبنا، ثم إذا استوثقت ممالك العراق وخراسان لهم مالوا على الشام وأهله ميلة واحدة، فاستعادوه من أيدي المسلمين ، والقدر يقول : {لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون} (سورة الحجر: الآية : 72). فالتقاه السلطان ألب أرسلان في جيشه وهم قريب من عشرين ألفاً، بمكان يقال له الزهوة، في يوم الأربعاء لخمس بقين من ذي القعدة، وخاف السلطان من كثرة جند الروم، فأشار عليه الفقيه ابونصر محمد بن عبدالملك البخاري بأن يكون وقت الوقعة يوم الجمعة بعد الزوال حين يكون الخطباء يدعون للمجاهدين ، فلما كان ذلك الوقت وتواقف الفريقان وتواجه الفئتان ، نزل السطان عن فرسه وسجد لله عزوجل ، ومرغ وجهه في التراب ودعا الله واستنصره، فأنزل نصره على المسلمين ومنحهم اكتافهم فقتلوا منهم خلقاً كثيراً، وأسر ملكهم ارمانوس، أسره غلام رومي، فلما أوقف بين يدي الملك ألب أرسلان ضربه بيده ثلاثة مقارع وقال : لو كُنت أنا الأسير بين يديك ماكنت تفعل؟ قال : كل قبيح، قال فما ظنك بي؟ فقال: إما أن تقتل وتشهرني في بلادك، وإما أن تعفو وتأخذ الفداء وتعيدني. قال : ماعزمت على غير العفو والفداء. فأفتدى منه بألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار. فقام بين يدي الملك وسقاه شربة من ماء وقبل الأرض بين يديه، وقبل الأرض الى جهة الخليفة إجلالاً وإكراماً، وأطلق له الملك عشرة ألف دينار ليتجهز بها، وأطلق معه جماعة من البطارقة وشيعه فرسخاً، وأرسل معه جيشاً يحفظونه الى بلاده، ومعهم راية مكتوب عليها لا إله إلا الله محمد رسول الله،....)( ). لقد كان نصر ألب أرسلان بجيشه الذي لم يتجاوز خمسة عشر ألف محارب على جيش الامبراطور دومانوس الذي بلغ مائتي ألف، حدثاً كبيراً، ونقطة تحول في التاريخ الاسلامي لأنها سهلت على اضعاف نفوذ الروم في معظم أقاليم آسيا الصغرى، وهي المناطق المهمة التي كانت من ركائز وأعمدة الامبراطورية البيزنطية. وهذا ساعد تدريجياً للقضاء على الدولة البيزنطية على يد العثمانيين. لقد كان ألب أرسلان رجلاً صالحاً أخذ بأسباب النصر المعنوية والمادية، فكان يقرب العلماء ويأخذ بنصحهم وما أروع نصيحة العالم الرباني أبي نصر محمد بن عبدالملك البخاري الحنفي، في معركة ملاذكرد عندما قال للسلطان ألب أرسلان: إنك تقاتل عن دين وعدالله بنصره واظهاره على سائر الاديان. وأرجو أن يكون الله قد كتب باسمك هذا الفتح فالقهم يوم الجمعة في الساعة التي يكون الخطباء على المنابر، فإنهم يدعون للمجاهدين. فلما كان تلك الساعة صلى بهم، وبكى السلطان ، فبكى الناس لبكائه، ودعا فأمنوا، فقال لهم من أراد الإنصراف فلينصرف، فما ههُنا سلطان يأمر ولا ينهى. وألقى القوس والنشاب ، واخذ السيف، وعقد ذنب فرسه بيده، وفعل عسكره مثله، ولبس البياض وتحنط وقال: إن قتلت فهذا كفني( ) الله أكبر على مثل هؤلاء ينزل نصر الله. وقتل هذا السلطان على يد أحد الثائرين واسمه يوسف الخوارزمي وذلك يوم العاشر من ربيع الأول عام 465هـ الموافق 1072م ودفن في مدينة مرو بجوار قبر أبيه فخلفه أبنه ملكشاه( ).

شيء من أخلاق السلطان ألب أرسلان

(كان رحيم القلب، رفيقاً بالفقراء وكثير الدعاء بدوام ما أنعم الله عليه، اجتاز يوماً بمرو على فقراء الخرائسين ، فبكى، وسأل الله تعالى أن يغنيه من فضله وكان يكثر الصدقة ، فيتصدق في رمضان بخمسة عشر الف دينار، وكان في ديوانه اسماء خلق كثير من الفقراء في جميع ممالكه، عليهم الإدرارات والصلات، ولم يكن في جميع بلاده جناية ولا مصادرة، قد قنع من الرعايا بالخراج الأصلي يؤخذ منهم كل سنة دفعتين رفقاً بهم)( ). كتب إليه بعض السعاة في شأن وزيره نظام الملك وذكروا ماله في ممالكه فاستدعاه فقال : خذ إن كان هذا صحيحاً فهذب أخلاقك وأصلح أحوالك، وإن كان كذبوا فأغفر له زلته، الحرص على حفظ مال الرعايا، بلغ أن غلاماً من غلمانه أخذ إزاراً لبعض أصحابه فصلبه فارتدع سائر المماليك خوفاً من سطوته( ). وكان كثيراً مايُقرأ عليه تواريخ الملوك وآدابهم، وأحكام الشريعة، ولمّا اشتهر بين الملوك حُسن سيرته، ومحافظته على عهوده، أذعنوا له بالطاعة والموافقة بعد الامتناع، وحضروا عنده من أقاصي ماوراء النهر الى أقاصي الشام( ). ثانياً: ملكشاه وفشله في توحيد الخلافة والسلطنة: تولى السلطنة بعد ألب أرسلان ابنه ملكشاه وعارضه عمه قاورد بن جفري حاكم سلاجقة كرمان وطالب بالسلطنة ووقع الصدام بينهما قرب همذان حيث انهزم قارود وقتل وبذلك سيطر ملكشاه على دولة سلاجقة كرمان عين عليها سلطان شاه بن ألب أرسلان سنة 465هـ/1073م. واتسعت الدولة السلجوقية في عهد السلطان ملكشاه لتبلغ أقصى أمتداد لها من أفغانستان شرقاً الى آسيا الصغرى غرباً وبلاد الشام جنوباً، وذلك بعد أن سقطت دمشق على يد قائده أتسز سنة 468هـ/1075م، وأقيمت الدعوة للخليفة العباسي. وأسند ملكشاه المناطق التي سيطر عليها في بلاد الشام، لأخيه تاج الدولة تتمش سنة 470هـ/1077م، وذلك من أجل متابعة الفتح. فاسس هذا الأخير دولة سلاجقة الشام كما عين ملكشاه أحد أقاربه ويدعى سليمان بن قتلمش بن اسرائيل والياً على آسيا الصغرى التي كانت تتبع بلاد الروم، لمتابعة الفتح سنة 470هـ/1077م ، فأسس هذا أيضاً دولة سلاجقة الروم( ) وقد استمرت هذه الدولة 224 سنة ، ليتعاقب على حكمها أربعة عشر من سليلة أبي الفوارس قتلمش بن اسرائيل، وكان أولهم سليمان بن قتلمش الذي يعتبر مؤسس هذه الدولة( ) وقد تمكن من فتح انطاكية سنة 477هـ/1084م ، كما تمكن أبنه داود من السيطرة على قونية سنة 480هـ/1087م ليتخذها عاصمة له. وكانت قونية من أغنى وأجمل المدن البيزنطية في آسيا الصغرى؛ وقد حولها السلاجقة من مدينة بيزنطية مسيحية الى مدينة سلجوقية اسلامية. وقد سقطت هذه الدولة على يد المغول سنة 700هـ/1300م( ) وأصبحت فيما بعد من أملاك الدولة العثمانية. لقد كان سلاجقة الروم حريصين على تتريك آسيا الصغرى ونشر الاسلام فيها على المذهب السنّي وكانوا سبباً في نقل الحضارة الاسلامية الى تلك الأقاليم، واسقطوا الخط الدفاعي الذي كان يحمي المسيحية من أوروبا ضد الاسلام في الشرق( ). ورغم هذه السلطنة القوية زمن ملكشاه، لم يفلح قائده أتسز في توحيد بلاد الشام ومصر، بعد أن شكل السلاجقة تهديداً فعلياً للدولة العبيدية (الفاطمية) داخل مصر. وعندما أراد أتسز غزو مصر، حلت به الهزيمة على يد قوة من العرب، قبل مواجهة الجيش الكبير الذي أعده الوزير بدر الجمالي في رجب 469هـ/1076م، وقد أدى فشل أتسز الى مزيد من التشرذم، والتمزق السياسي والصراع الدامي، لينتهي الأمر بمقتله سنة 471هـ/1078م( ). كذلك لم يفلح ملكشاه في جعل الخلافة العباسية تتحول الى أسرته السلجوقية ، عندما زوج ابنته الى الخليفة العباسي المقتدي بأمر الله سنة 480هـ/1087م، فرزقت منه بولد، كما زوج أبنته الأخرى الى المستظهر العباسي . ولم يتمكن من حصر الخلافة والسلطنة في شخص حفيده( ). وفاته: توفى السلطان ملكشاه وانتهى دور القوة والمجد (447-485هـ/1055-1092م) الذي عرفته الدولة السلجوقية في عهد السلاطين الثلاثة ، طغرل بك، وألب أرسلان، وملكشاه، لتبدأ مرحلة الضعف والصراع ولقد ظهر في زمن ألب أرسلان وملكشاه الوزير نظام الملك الذي يهمنا معرفة سيرته ودروه في قوة الدولة السلجوقية. ثالثاً: نظام الملك: قال عنه الذهبي : (الوزير الكبير، نظام الملك، قوام الدين ، أبو علي الحسن بن علي ابن إسحاق الطوسي، عاقل، سائس، خبير ، سعيد، متدين، محتشم، عامر المجلس بالقرّاء والفقهاء. أنشأ المدرسة الكبرى ببغداد وأخرى بنيسابور ، وأخرى بطوس، ورغب في العلم، وأدرّ على الطلبة الصلات، وأملى الحديث، وبعد صيته)( ). تنقلت به الأحوال الى أن وزر للسلطان ألب أرسلان، ثم لابنه ملكشاه، فدبر ممالكه على أتم ماينبغي، وخفف المظالم، ورفق بالرعايا، وبني الوقوف، وهاجرت الكبار الى جانبه( ). واشار على ملكشاه بتعيين القواد والأمراء الذين فيهم خلق ودين وشجاعة وظهرت آثار تلك السياسة فيما بعد ومن هؤلاء القواد الذين وقع عليهم الاختيار آق سنقر جد نورالدين محمود، الذي ولي على حلب وديار بكر والجزيرة قال عنه ابن كثير: (من أحسن الملوك سيرة وأجودهم سريرة)( ) وقام ولده عمادالدين زنكي ببداية الجهاد ضد الصليبيين، ثم قام من بعده نور الدين محمود ، هذه الأسرة هي التي وضعت الأساس لانتصارات صلاح الدين والظاهر بيبرس وقلاوون ضد الصليبيين، وافتتحت عهد التوحيد والوحدة في العالم الاسلامي( ). وكذلك كان آق سنقر البرسقي من قواد السلطان محمود السلجوقي، وكان أميراً للموصل، واشتغل بجهاد الصليبيين، وفي سنة 520هـ قتله الباطنيون، وهو يصلي في الجامع الكبير في الموصل. قال عنه ابن الأثير: "وكان مملوكاً تركياً خيراً، يحب أهل العلم والصالحين ويرى العدل ويفعله، وكان خير الولاة، يحافظ على الصلوات في أوقاتها، ويصلي من الليل متهجداً"( ). ويحدثنا المؤرخ ابوشامة من آثار السلاجقة لاسيما في زمن نظام الملك: (فلما ملك السلجوقية جددوا من هيبة الخلافة ماكان قد درس لاسيما في وزارة النظام الملك، فإنه أعاد الناموس والهيبة الى أحسن حالاتها) ( ).

ضبطه لأمور الدولة

لما تولى ملكشاه أمور الدولة انفلت أمر العسكر وبسطوا أيديهم في أموال النَّاس، وقالوا مايمنع السلطان أن يعيطنا الأموال إلا نظام الملك، وتعرض الناس لاذى شديد، فذكر ذلك نظام الملك للسلطان، فبين له ما في هذا الفعل من الضعف، وسقوط الهيبة، والوهن ، ودمار البلاد، وذهاب السياسة ، فقال له: أفعل في هذا ماتراه مصلحة! فقال له نظام الملك: مايمكنني أن افعل إلا بأمرك فقال السلطان: قد رددت الأمور كلها كبيرها وصغيرها إليك، فأنت الوالد؛ وحلف له، وأقطعه إقطاعاً زائداً على ماكان ، وخلع عليه ، ولقبه ألقاباً من جملتها : أتابك، ومعناه الأمير الوالد، فظهرت من كفايته، وشجاعته، وحسن سيرته ما أثلج صدور الناس، فمن ذلك أن امرأة ضعيفة استغاثت به، فوقف يكلمها وتكلمه، فدفعها بعض حجّابه ، فأنكر ذلك عليه وقال : إنما استخدمتك لأمثال هذه، فإن الأمراء والاعيان لاحاجة لهم إليك، ثم صرفه عن حجابته( ). حبه للعلم واحترامه للعلماء وتواضعه: كان يحب العلم وخصوصاً الحديث، شغوفاً به وكان يقول : إني أعلم بأني لست أهلاً للرواية ولكني أحب أن أربط في قطار( ) نقلة حديث رسول الله ( )، فسمع من القشيري ، أبي مسلم بن مهر بزد، وأبي حامد الأزهري( ). وكان حريصاً على أن تؤدي المدارس التي بناها رسالتها المنوطة بها فعندما أرسل إليه أبو الحسن محمد بن علي الواسطي الفقيه الشافعي أبيات من الشعر يستحثه على المساعة للقضاء على الفتن التي حدثت بين الحنابلة والأشاعرة قام نظام الملك وقضى على الفتنة ومما قاله ابو الحسن الواسطي من الشعر : يانظام الملك قد حــلّ ببغداد النظــــــام وابنك القاطن فيهــــا مستهان مستضام وبها أودى له قتلــــى غلام، وغــــــلام والذي منهم تبقــــــي سالماً فيه سهــــام ياقوام الدين لـــــــــم يبقى ببغدا مقـــام عظُم الخطبُ وللحرب اتصـــــال ودوام فمتى لم تحسم الــــداء أياديك الحســــام ويكف القوم فـــــــي بغداد قتل وانتقام فعلى مدرسة فيهــــــا ومن فيها السلام واعتصام بحَريـــــــــم لك من بعدُ حرام( ) لقد كان مجلسه عامراً بالفقهاء والعلماء، حيث يقضي معهم جُلّ نهاره، فقيل له: (إن هؤلاء شغلوك عن كثير من المصالح، فقال: هؤلاء جمال الدنيا والآخرة، ولو أجلستهم على رأسي لما استكثرت ذلك، وكان إذا دخل عليه أبو القاسم القشيري وأبوالمعالي الجويني قام لهم وأجلسهما معه في المقعد، فإن دخل أبو علي الفارندي قام وأجلسه مكانه، وجلس بين يديه، فعوتب في ذلك فقال : إنهما إذا دخلا عليّ قال: أنت وأنت، يطروني ويعظموني، ويقولوا فيّ مالا فيّ، فأزداد بهما ماهو مركوز في نفس البشر، وإذا دخل عليّ أبوعلي الفارندي ذكرني عيوبي وظلمي ، فأنكسر فأرجع عن كثير مما أنا فيه...)( ). قال عنه ابن الأثير: (وأما أخباره، فإنه كان عالماً، ديناً، جواداً، عادلاً، حليماً، كثير الصفح عن المذنبيين ، طويل الصمت، كان مجلسه عامراً بالقرّاء، والفقهاء، وأئمة المسلمين، وأهل الخير والصلاح...)( ). كان من حفظة القرآن ، ختمه وله إحدى عشرة، واشتغل بمذهب الشافعي، وكان لايجلس إلا على وضوء، وما توضأ إلا تنفَّل( )، واذا سمع المؤذن أمسك عن كل ماهو فيه وتجنبه، فإذا فرغ لايبدأ بشيء قبل الصلاة وكان، إذا غفل المؤذن ودخل الوقت فأمره بالأذان ، وهذا قمة حال المنقطعين للعبادة في حفظ الاوقات، ولزوم الصلوات( )، وكانت له صلة بالله عظيمة وقال ذات مرة: رأيت ليلة في المنام إبليس فقلت له : ويحك خلقك الله وأمرك بالسجود له مشافهة فأبيت، وأنا لم يأمرني بالسجودله مشافهة وأنا أسجد له في كل يوم مرات، وأنشأ يقول: من لم يكن للوصال أهلاً فكلُّ إحسانه ذنوب( ) وكان يتمنى أن يكون له مسجد يعبد الله فيه، ومكفول الرزق قال في هذا المعنى : كنت أتمنىأن يكون لي قرية خالصة، ومسجد أتفرد فيه لعبادة ربي، ثم تمنيت بعد ذلك أن يكون لي رغيف كل يوم، ومسجد أعبد الله فيه( ). ومن تواضعه انه كان ليلة يأكل الطعام، وبجانبه أخوه أبو القاسم، وبالجانب الآخر عميد خُراسان، والى جانب العميد إنسان فقير، مقطوع اليد، فنظر نظام الملك فرأى العميد يتجنب الأكل مع المقطوع، فأمره بالانتقال الى الجانب الآخر، وقرّب المقطوع إليه فأكل معه. وكانت عادته أن يحضر الفقراء طعامه ويقربهم إليه، ويدنيهم( ). ومن شعره: بعد الثمانين ليس قُوة قد ذهبت شهوة الصُّبوة كأنني والعصا بكّفي موسى ولكن بلا نُبُوَّة( ) وينسب إليه أيضاً: تقوس بعد طول العُمر ظهري وداستني الليالي أيَّ دَوْسِ فأمسي والعصا تمشي أمامي كأن قوامها وتر بقوسِ وكان يتأثر بسماع الشعر فعندما دخل عليه أبوعلي القومَسَاني في مرضةٍ مرضها، يعوده فأنشأ يقول: إذا مرضنا نوَينا كل صالحةٍ فإن شفينا فمنا الزيغ والزَّلَلُ نرجو الإله اذا خفنا ونسخطه إذا أمنا فما يزكو لنا عمل فبكى نظام الملك وقال : هو كما يقول( ). وفاته: في عام 485هـ من يوم الخميس، في العاشر من شهر رمضان وحان وقت الإفطار، صلىّ نظام الملك المغرب، وجلس على الِّسماط، وعنده خلق كثير من الفقهاء، والقرّاء، والصوفية، وأصحاب الحوائج، فجعل يذكر شرف المكان الذي نزلوه من أراضي نهاوند، وأخبار الوقعة التي كانت بين الفرس والمسلمين، في زمان أمير المؤمنين، عمر بن الخطاب ، ومن استشهد هناك من الاعيان ، ويقول : طوبى لمن لحق بهم. فلما فرغ من إفطاره ، خرج من مكانه قاصداً مَضْرِب حَرَمه فبدر إليه حدث ديلميّ، كأنه مُستميح، أو مستغيث، فعلق به ، وضربه، وحمل الى مضرب الحرم. فيقال : إنه أول مقتول قتلته الاسماعيلية (الباطنية)، فأنبث الخبر في الجيش، وصاحت الأصوات، وجاء السلطان ملكشاه حين بلغه الخبر، مظهراً الحزن، والنحيب والبكاء وجلس عند نظام الملك ساعة، وهو يجُود بنفسه، حتى مات، فعاش سعيداً ، ومات شهيداً فقيداً حميداً( ). وكان قاتله قد تعثر بأطناب الخيمة، فلحقه مماليك نظام الملك وقتلوه. وقال بعض خدامه: كان آخر كلام نظام الملك أن قال : لاتقتلوا قاتلي، فإني قد عفوت عنه وتشهد ومات( ). ولما بلغ أهل بغداد موت نظام الملك حزنوا عليه، وجلس الوزير والرؤساء للعزاء ثلاثة أيام ورثاه الشعراء بقصائد، منهم مقاتل بن عطية حيث قال: كان الوزير نظامُ الملكِ لؤلؤة يتيمة صاغها الرحمن من شرفٍ عزَّت فلم تعرفِ الأيامُ قيمتها فرَّدها غيره منه الى الصــــدف( ) قال عنه ابن عقيل: بهر العقول سيرة النظام جوداً وكرماً وعدلاً، وإحياءً لمعالم الدين، كانت أيامه دولة أهل العالم، ثم ختم له بالقتل وهو مارُّ الى الحج في رمضان فمات ملكاً في الدنيا، ملكاً في الآخرة ، رحمه الله( ).


المبحث الثالث: نهاية الدولة السلجوقية

كان للسلطان ملكشاه عند وفاته أربعة أبناء هم بركيارق ومحمد وسنجر ومحمود. وكان محمود، والذي عرف فيما بعد بناصر الدين محمود، طفلاً فبايعوه على تولي السلطة لأن أمه تركان خاتون، كانت ذات شأن كبير ايام ملكشاه. وقد استمر حكمه حوالي العامين من 485هـ/1092م والى عام 487هـ/1094م، حيث توفي هو وأمه. ثم جاء من بعده ركن الدين أبوالمظفر بركيارق بن ملكشاه، واستمر حكمه حتى عام 498هـ/1105م، ثم تلاه ركن الدين مكلشاه الثاني وفي نفس العام تولى السلطة غياث الدين أبو شجاع محمد، واستمر حكمه حتى عام 511هـ/1128م وكان آخر حكام الدولة السلجوقية العظمى فيما وراء النهر والتي كانت لها السيطرة على خراسان وإيران والعراق. وقد انقرضت دولتهم عام 522هـ/1128م وذلك على يد شاهنات خوارزم( ). وبسقوط الدولة السلجوقية العظمى فيما وراء النهر انفرط عقد السلاجقة وتمزقت وحدتهم، وضعفت قوتهم، حتى أصبح السلاجقة شيعاً وأحزاباً ومعسكرات متباينة، تتصارع فيما بينها، حول الظفر بالعرش، وانقسمت على ضوء ذلك الدولة السلجوقية العظمى الى عدة دول وإمارات صغيرة. ولم تكن هذه الدولة والإمارات الصغيرة تخضع لحكم سلطان واحد كما كان الحال في عهد كل من السلطان طغرلبك الأول والسلطان ألب أرسلان والسلطان ملكشاه وأسلافهم. بل كان كل جزء من أجزاء الدولة السلجوقية مستقلاً تحت قيادة منفصلة، لايوجد بينها أي تعاون يذكر( ). ونتيجة لذلك خرجت الدولة الخوارزمية فيما وراء النهر وهي تلك الدولة التي وقفت ردحاً من الزمن أمام الهجمات المغولية وقد قامت معها إمارات سلجوقية في شمال العراق والشام عرفت بالأتابكيات، وأثناء ذلك برزت سلطنة سلاجقة الروم، وهي السلطنة التي قاومت الحملات الصليبية ، واستطاعت أن تحصرها في الركن الشمالي الغربي من آسيا الصغرى. أما سلطنة سلاجقة الروم فقد دمرتها الغارات المغولية المتلاحقة. لقد تضافرت عوامل عديدة في سقوط السلطنة السلجوقية التي مهدت بدورها لسقوط الخلافة العباسية. ومن هذه العوامل: الصراع داخل البيت السلجوقي بين الأخوة والأعمام والأبناء والأحفاد. تدخل النساء في شؤون الحكم. اذكاء نار الفتنة بين الحكام السلاجقة من قبل بعض الأمراء والوزراء والأتابك ضعف الخلفاء العباسيين الذين تميزوا بالضعف أمام القوة العسكرية السلجوقية، فلم يتورعوا عن الاعتراف بشرعية كل من يجلس على عرش السلطنة السلجوقية والخطبة لكل منتصر قوي( ). عجز الدولة السلجوقية عن توحيد بلاد الشام ومصر والعراق تحت راية الخلافة العباسية. الأنقسام الداخلي بين السلاجقة والذي وصل الى حد المواجهة العسكرية المستمرة، وهذا ما أنهك قوة السلاجقة حتى انهارت سلطنتهم في العراق. المكر الباطني الخبيث بالدولة السلجوقية وتمثل ذلك في حملة التصفيات والمحاولات المستمرة لاغتيال سلاطين السلاجقة وزعمائهم وقاداتهم. الغزو الصليبي القادم من وراء البحار وصراع الدولة السلجوقية مع جحافل الغزو الوحشية القادمة من أوروبا وغير ذلك من الاسباب والعوامل إلا أن السلاجقة كانت لهم أعمال جليلة من أهمها: أ‌. كان لهم دور في تأخير زوال الخلافة العباسية، حوالي قرنين من الزمان، حيث أوشكت قبل مجيئهم على الانقراض في ظل سيطرة البويهين الشيعة الروافض. ب‌. منعت الدولة السلجوقية الدولة العبيدية في مصر من تحقيق اغراضها الهادفة الى توحيد المشرق العربي الاسلامي تحت الراية الباطنية العبيدية الرافضية. ت‌. كانت الجهود التي بذلتها الدولة السلجوقية تمهيداً لتوحيد المشرق الاسلامي والذي تم على يد صلاح الدين الأيوبي وتحت راية الخلافة العباسية السنيّة( ). ث‌. قام السلاجقة بدور ملموس في النهوض بالمنطقة الخاضعة لهم علمياً وإدارياً ونشروا الأمن والاستقرار فيها. ج‌. وقفوا في وجه التحركات الصليبيبة من جانب الامبراطورية البيزنطية، وحاولوا صد الخطر المغولي الى حد كبير . ح‌. رفعوا من شأن المذهب السني وعلمائه في تلك المناطق( ) هذه نبذة موجزة عن السلاجقة السنيين ودورهم في نصرة الاسلام، وإن من الظلم والزور والبهتان أن نطلق على أولئك الشجعان كلمة الشراذم كما فعل الاستاذ نجيب زبيب في الموسوعة العامة في لتاريخ المغرب والأندلس( ).


الفصل الثاني: قيام الدولة العثمانية وفتوحاتها

ينتسب العثمانيون الى قبيلة تركمانية كانت عند بداية القرن السابع الهجري الموافق الثالث عشر الميلادي تعيش في كردستان، وتزاول حرفة الرعي، ونتيجة للغزو المغولي بقيادة جنكيزخان على العراق ومناطق شرق آسيا الصغرى، فإن سليمان جد عثمان هاجر في عام 617هـ الموافق 1220م مع قبيلته من كردستان الى بلاد الأناضول فأستقر في مدينة اخلاط( ) ثم بعد وفاته في عام 628هـ الموافق 1230م خلفه ابنه الأوسط أرطغرل، والذي واصل تحركه نحو الشمال الغربي من الأناضول ، وكان معه حوالي مائة أسرة وأكثر من أربعمائة فارس( ) وحين كان ارطغرل والد عثمان فاراً بعشيرته التي لم يتجاوز تعدادها اربعمائة عائلة، من ويلات الهجمة المغولية، فاذا به يسمع عن بعد جلبة وضوضاء، فلما دنا منها وجد قتالاً حامياً بين مسلمين ونصارى وكانت كفة الغلبة للجيش البيزنطي، فما كان من أرطغرل إلا أن تقدم بكل حماس وثبات لنجدة اخوانه في الدين والعقيدة، فكان ذلك التقدم سبباً في نصر المسلمين على النصارى( ) وبعد انتهاء المعركة قدر قائد الجيش الاسلامي السلجوقي هذا الموقف لأرطغرل ومجموعته، فأقطعهم ارضاً في الحدود الغربية للأناضول بجوار الثغور في الروم( )، وأتاحوا لهم بذلك فرصة توسيعها على حساب الروم، وحقق السلاجقة بذلك حليفاً قوياً ومشاركاً في الجهاد ضد الروم، وقد قامت بين هذه الدولة الناشئة وبين سلاجقة الروم علاقة حميمة نتيجة وجود عدو مشترك لهم في العقيدة والدين، وقد استمرت هذه العلاقة طيلة حياة أرطغرل، حتى إذا توفي سنة 699هـ-1299م( ) خلفه من بعده في الحكم ابنه عثمان الذي سار على سياسة أبيه السابقة في التوسع في أراضي الروم( ).


المبحث الأول: عثمان مؤسس الدولة العثمانية

في عام 656هـ/1258م ولد لارطغرل ابنه عثمان الذي تنتسب إليه الدولة العثمانية( ) وهي السنة التي غزا فيها المغول بقيادة هولاكو بغداد عاصمة الخلافة العثمانية، وكانت الأحداث عظيمة، والمصائب جسيمة، يقول ابن كثير: " ومالوا على البلد فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان، ودخل كثير من الناس في الآبار وأماكن الحشوش، وقني الوسخ، وكمنوا كذلك أياماً لايظهرون وكان الجماعة من الناس يجتمعون إلى الحانات ويغلقون عليهم الأبواب فتفتحها التتار إما بالكسر وإما بالنار، ثم يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالي الأمكنة فيقتلونهم بالأسطحة، حتى تجري الميازيب من الدماء في الأزقة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وكذلك في المساجد والجوامع والربط، ولم ينج منهم أحد سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى ومن التجأ إليهم( ). لقد كان الخطب عظيم والحدث جلل، والأمة ضعفت ووهنت بسبب ذنوبها ومعاصيها ولذلك سلط عليها المغول، فهتكوا الأعراض، وسفكوا الدماء، وقتلوا الأنفس، ونهبوا الأموال، وخربوا الديار، في تلك الظروف الصعبة والوهن المستشري في مفاصل الأمة ولد عثمان مؤسس الدولة العثمانية، وهنا معنى لطيف ألا وهو بداية الأمة في التمكين هي أقصى نقطة من الضعف والانحطاط تلك هي بداية الصعود نحو العزة والنصر والتمكين، إنها حكمة الله وإرادته ومشيئته النافذة. قال تعالى:{ إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبنائهم ويستحي نساءهم إنه كان من المفسدين } (سورة القصص:3). وقال سبحانه وتعالى : { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض } (القصص، آية: 5،6 ). ولاشك أن الله تعالى قادر على أن يمكن لعباده المستضعفين في عشية أو ضحاها، بل في طرفة عين قال تعالى: { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون .. } ( النحل: 40). فلا يستعجل أهل الحق موعود الله عزوجل لهم بالنصر والتمكين، فلابد من مراعاة السنن الشرعية والسنن الكونية، ولابد من الصبر على دين الله عزوجل: { ولو شاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض } ( سورة محمد: 4). والله إذا أراد شيئاً هيأ له أسبابه وأتى به شيئاً فشيئاً بالتدرج لادفعة واحدة. وبدأت قصة التمكين للدولة العثمانية مع ظهور القائد عثمان الذي ولد في عام سقوط الخلافة العباسية في بغداد. أولاً: أهم الصفات القيادية في عثمان الأول: عندما نتأمل في سيرة عثمان الأول تبرز لنا بعض الصفات المتأصلة في شخصيته كقائد عسكري، ورجل سياسي، ومن أهم هذه الصفات: 1. الشجاعة: عندما تنادى أمراء النصارى في بورصة ومادانوس وأدره نوس وكته وكستله البيزنطيون في عام 700هـ/1301م لتشكيل حلف صليبي لمحاربة عثمان بن أرطغرل مؤسس الدولة العثمانية واستجابت النصارى لهذا النداء وتحالفوا للقضاء على الدولة الناشئة تقدم عثمان بجنوده وخاض الحروب بنفسه وشتت الجيوش الصليبية وظهرت منه بسالة وشجاعة أصبحت مضرب المثل عند العثمانيين( ). 2. الحكمة: بعد ما تولى رئاسة قومه رأى من الحكمة أن يقف مع السلطان علاء الدين ضد النصارى، وساعده في افتتاح جملة من مدن منيعة ، وعدة قلاع حصينة، ولذلك نال رتبة الإمارة من السلطان السلجوقي علاء الدين صاحب دولة سلاجقة الروم. وسمح له سك العملة باسمه، مع الدعاء له في خطبة الجمعة في المناطق التي تحته( ). 3. الاخلاص: عندما لمس سكان الأراضي القريبة من إمارة عثمان أخلاصه للدين تحركوا لمساندته والوقوف معه لتوطيد دعائم دولة اسلامية تقف سداً منيعاً أمام الدولة المعادية للاسلام والمسلمين( ). 4. الصبر: وظهرت هذه الصفة في شخصيته عندما شرع في فتح الحصون والبلدان، ففتح في سنة 707هـ حصن كته، وحصن لفكه، وحصن آق حصار، وحصن قوج حصار. وفي سنة 712هـ فتح حصن كبوه وحصن يكيجه طرا قلوا، وحصن تكرر بيكارى وغيرها وقد توج فتوحاته هذه بفتح مدينة بروسة في عام 717هـ/1317م، وذلك بعد حصار شديد دام عدة سنوات، ولم يكن فتح بروسة من الأمور السهلة بل كان من أصعب ما واجهه عثمان في فتوحاته، حيث حدثت بينه وبين قائد حاميتها اقرينوس صراع شديد استمر عدة سنوات حتى استسلم وسلم المدينة لعثمان. قال تعالى :{ يأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون} (سورة آل عمران:200). 5. الجاذبية الايمانية: وتظهر هذه الصفة عندما احتك به اقرينوس قائد بروسه واعتنق الاسلام أعطاه السلطان عثمان لقب (بك) وأصبح من قادة الدولة العثمانية البارزين فيما بعد، وقد تأثر كثير من القادة البيزنطيين بشخصية عثمان ومنهجه الذي سار عليه حتى امتلأت صفوف العثمانيين منهم( )، بل أن كثيراً من الجماعات الاسلامية انخرطت تحت لواء الدولة العثمانية كجماعة (غزياروم) أي غزاة الروم، وهي جماعة اسلامية كانت ترابط على حدود الروم وتصد هجماتهم عن المسلمين منذ العصر العباسي، وقد أعطتها هذه المرابطة خبرات في جهاد الروم عمقت فيها انتماءها للاسلام والتزامها بكل ماجاء به الاسلام من نظام، وجماعة (الإخيان) (اي الاخوان) وهم جماعة من أهل الخير يعينون المسلمين ويستضيفونهم ويصاحبون جيوشهم لخدمة الغزاة وكان معظم أعضاء هذه الجماعة من كبار التجار الذي سخروا أموالهم للخدمات الاسلامية مثل : إقامة المساجد والتكايا و"الخانات" الفنادق، وكانت لهم في الدولة مكانة عالية، ومن هذه الجماعة علماء ممتازون عملوا في نشر الثقافة الاسلامية وحببوا الناس في التمسك بالدين، وجماعة (حاجيات روم) أي حجاج أرض الروم، وكانت جماعة على فقه بالاسلام، ومعرفة دقيقة لتشريعاته، وكان هدفها معاونة المسلمين عموماً والمجاهدين خصوصاً وغير ذلك من الجماعات( ). 6. عدله: تروي معظم المراجع التركية التي أرّخت للعثمانيين أن أرطغرل عهد لابنه عثمان مؤسس الدولة العثمانية بولاية القضاء في مدينة قره جه حصار بعد الاستيلاء عليها من البيزنطيين في عام 684هـ/1285م وأن عثمان حكم لبيزنطي نصراني ضد مسلم تركي، فاستغرب البيزنطي وسأل عثمان: كيف تحكم لصالحي وانا على غير دينك، فأجابه عثمان: بل كيف لا أحكم لصالحك، والله الذي نعبده ، يقول لنا : { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات الى أهلها واذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} (سورة النساء، ) وكان هذا العدل الكريم سبباً في اهتداء الرجل وقومه الى الاسلام( ). إن عثمان الأول استخدم العدل مع رعيته وفي البلاد التي فتحها، فلم يعامل القوم المغلوبين بالظلم أو الجور أو التعسف أو التجبر، أو الطغيان، أو البطش وإنما عاملهم بهذا الدستور الرباني: { أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد الى ربه فيعذبه عذاباً نكراً وأما من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسراً} (سورة الكهف: آية: 87،88). والعمل بهذا الدستور الرباني يدل على إيمان وتقوى وفطنة وذكاء وعلى عدل وبر ورحمة. 7. الوفاء: كان شديد الإهتمام بالوفاء بالعهود، فعندما اشترط أمير قلعة اولوباد البيزنطية حين استسلم للجيش العثماني، أن لايمر من فوق الجسر أي عثماني مسلم الى داخل القلعة التزم بذلك وكذلك من جاء بعده( ). قال تعالى {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤلا} (سورة الاسراء:آية ) 8. التجرد لله في فتوحاته: فلم تكن أعماله وفتوحاته من أجل مصالح اقتصادية أو عسكرية أو غير ذلك ، بل كان فرصة تبليغ دعوة الله ونشر دينه ولذلك وصفه المؤرخ احمد رفيق في موسوعته (التاريخ العام الكبير) بأنه (كان عثمان متديناً للغاية، وكان يعلم أن نشر الاسلام وتعميمه واجب مقدس وكان مالكاً لفكر سياسي واسع متين ، ولم يؤسس عثمان دولته حباً في السلطة وإنما حباً في نشر الاسلام) ( ).

  ويقول مصر اوغلو: "لقد كان عثمان بن أرطغرل يؤمن إيماناً عميقاً بأن وظيفته الوحيدة في الحياة هي الجهاد في سبيل الله لأعلاء كلمة الله، وقد كان مندفعاً بكل حواسه وقواه نحو تحقيق هذا الهدف"( ).

هذه بعض صفات عثمان الأول والتي كانت ثمرات طبيعية لإيمانه بالله تعالى والاستعداد لليوم الآخر ، وحبه لأهل الإيمان وبغضه لأهل الكفر والعصيان وحبه العميق للجهاد في سبيل الله والدعوة إليه ولذلك كان عثمان في فتوحاته يطلب من أمراء الروم في منطقة آسيا الصغرى أن يختاروا أحد ثلاثة أمور هي الدخول في الاسلام، أو دفع الجزية، أو الحرب، وبذلك أسلم بعضهم، وانضم إليه البعض الاخر وقبلوا دفع الجزية. أما ماعداهم فقد شن عليهم جهاداً لاهوادة فيه فانتصر عليهم، وتمكن من ضم مناطق كبيرة لدولته. لقد كانت شخصية عثمان متزنة وخلابة بسبب إيمانه العظيم بالله تعالى واليوم الآخر ، ولذلك لم تطغ قوته على عدالته، ولا سلطانه على رحمته، ولا غناه على تواضعه، وأصبح مستحقاً لتأييد الله وعونه، ولذلك أكرمه الله تعالى بالأخذ بأسباب التمكين والغلبة وهو تفضل من الله تعالى على عبده عثمان، فجعل له مكنة وقدرة على التصرف في آسيا الصغرى من حيث التدبير والرأي وكثرة الجنود والهيبة والوقار، لقد كانت رعاية الله له عظيمة ولذلك فتح له باب التوفيق وحقق ماتطلع إليه من أهداف وغاية سامية لقد كانت أعماله عظيمة بسبب حبه للدعوة الى الله، فقد جمع بين الفتوحات العظيمة بحد السيف، وفتوحات القلوب بالإيمان والإحسان، فكان إذا ظفر بقوم دعاهم الى الحق والايمان بالله تعالى وكان حريصاً على الأعمال الأصلاحية في كافة الأقاليم والبلدان التي فتحها، فسعى في بسط سلطان الحق والعدالة ، وكان صاحب ولاء ومحبة لأهل الإيمان، مثلما كان معادياً لأهل الكفران. ثانياً: الدستور الذي سار عليه العثمانيون: كانت حياة الأمير عثمان مؤسس الدولة العثمانية، جهاداً ودعوة في سبيل الله وكان علماء الدين يحيطون بالأمير ويشرفون على التخطيط الإداري والتنفيذ الشرعي في الإمارة ولقد حفظ لنا التاريخ وصية عثمان لابنه أورخان وهو على فراش الموت وكانت تلك الوصية فيها دلالة حضارية ومنهجية شرعية سارت عليها الدولة العثمانية فيما بعد يقول عثمان في وصيته: ( يابني: اياك أن تشتغل بشيء لم يأمر به الله رب العالمين وإذا واجهتك في الحكم معضلة فاتخذ من مشورة علماء الدين مؤئلاً. يابني: أحط من أطاعك بالأعزاز. وأنعم على الجنود، ولا يغرنك الشيطان بجندك وبمالك، وإياك أن تبتعد عن أهل الشريعة. يابني: إنك تعلم أن غايتنا هي أرضاء الله رب العالمين، وأن بالجهاد يعم نور ديننا كل الآفاق، فتحدث مرضات الله جل جلاله. يابني : لسنا من هؤلاء الذين يقيمون الحروب لشهوة حكم أو سيطرة أفراد، فنحن بالاسلام نحيا وللاسلام نموت، وهذا ياولدي ما أنت له أهل)( ). وفي كتاب (التاريخ السياسي للدولة العلية العثمانية) تجد رواية آخرى للوصية: (اعلم يابني ، أن نشر الاسلام ، وهداية الناس إليه، وحماية أعراض المسلمين وأموالهم، أمانة في عنقك سيسألك الله عز وجل عنها)( ). وفي كتاب مأساة بني عثمان نجد عبارات أخرى من وصية عثمان لابنه أورخان تقول: (يابني ، أنني أنتقل الى جوار ربي ، وأنا فخور بك بأنك ستكون عادلاً في الرعية، مجاهداً في سبيل الله، لنشر دين الاسلام. يابني ، أوصيك بعلماء الأمة، أدم رعايتهم، وأكثر من تبجيلهم، وانزل على مشورتهم، فانهم لايأمرون إلا بخير. يابني ، اياك أن تفعل أمراً لا يرضى الله عز وجل ، واذا صعب عليك أمر فاسأل علماء الشريعة، فانهم سيدلونك على الخير. واعلم يابني أن طريقنا الوحيد في هذه الدنيا هو طريق الله، وأن مقصدنا الوحيد هو نشر دين الله، وأننا لسنا طلاب جاه ولا دنيا)( ). وفي التاريخ العثماني المصور، عبارات اخرى من وصية عثمان تقول: (وصيتي لابنائي واصدقائي ، اديموا علوا الدين الاسلامي الجليل بادامة الجهاد في سبيل الله. أمسكوا راية الاسلام الشريفة في الاعلى باكمل جهاد. أخدموا الاسلام دائماً؛ لان الله عز وجل قد وظف عبداً ضعيفاً مثلي لفتح البلدان. اذهبوا بكلمة التوحيد الى اقصى البلدان بجهادكم في سبيل الله ومن انحرف من سلالتي عن الحق والعدل حرم من شفاعة الرسول الاعظم يوم المحشر. يابني: ليس في الدنيا أحد لا يخضع رقبته للموت وقد اقترب اجلي بأمر الله جل جلاله اسلمك هذه الدولة واستودعك المولى عز وجل. اعدل في جميع شؤونك....)( ). لقد كانت هذه الوصية منهجاً سار عليه العثمانيون، فأهتموا بالعلم وبالمؤسسات العلمية وبالجيش، وبالمؤسسات العسكرية ، وبالعلماء واحترامهم، وبالجهاد الذي أوصل فتوحاً الى اقصى مكان وصلت إليه رايته جيش مسلم وبالامارة وبالحضارة)( ). ونستطيع أن نستخرج الدعائم والقواعد والأسس التي قامت الدولة العثمانية من خلال تلك الوصية: 1- (يابني اياك أن تشتغل بشيء لم يأمر به الله رب العالمين): إنها دعوة الى الالتزام بشرع الله في كل صغيرة وكبيرة، وبحيث يكون حكم الله وأمره مهيمناً على كل شيء قال تعالى : {إن الحكم إلا لله ، أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ، ولكن أكثر الناس لايعلمون} (سورة يوسف: آية40). يعني : (ما الحكم الحق في الربوبية والعقائد والمعاملات إلا لله وحده يوحيه لمن اصطفاه من رسله، لايمكن لبشر أن يحكم فيه برأيه وهواه، ولا بعقله واستدلاله ولا باجتهاده واستحسانه، فهذه القاعدة هي أساس دين الله تعالى على ألسنة جميع رسله لا تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة)( ) لقد نزل القرآن الكريم من أجل تحقيق العبودية والحاكمية لله تعالى قال سبحانه : {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله} (سورة النساء: آية 105) فكما أن تحقيق العبودية غاية من إنزال الكتاب فكذلك تطبيق الحاكمية غاية من إنزاله( ). إن عثمان يوصي إبنه كحاكم من بعده لدولة إسلامية أن يتقيد بحكم الله في أعماله، لأنه يعلم أن إقامة حكم الله من خلال الحاكم المسلم عهد وميثاق ذكره الله تعالى: { واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به، إذ قلتم سمعنا وأطعنا واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور } ( سورة المائدة: 7). فهذا تذكير من الله تعالى لعباده المؤمنين بنعمته عليهم في الشرع الذي شرعه لهم في هذا الدين العظيم، المرسل به الرسول الكريم، وأخذ للعهد والميثاق عليهم في متابعته ونصرته وإبلاغه والقيام به، وهذا مقتضى البيعة التي كان الصحابة يبايعون عليها رسول الله  ، على السمع والطاعة في المنشط والمكره، كما أن الإخلال بعهد الحاكمية جاهلية قال تعالى : { أفحكم الجاهلية يبغون، ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون } ( سورة المائدة: 50). ففي الآية الكريمة إنكار وتوبيخ وتعجب من حال من يتولى عن حكم الله وهو يبغي حكم غيره والآية تعبير لليهود بأنهم مع كونهم أهل كتاب وعلم يبغون حكم الجاهلية التي هي هوى وجهل لايصدر عن كتاب ولايرجع إلى وحي( ). إن تحقيق الحاكمية، تمكين للعبودية، وقيام بالغاية التي من أجلها خلق الإنسان والجان، قال تعالى: { وماخلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ( سورة الذاريات: 56). أي ليطيعوه وحده لاشريك له( ).وإن المفهوم الواسع الرحيب للعبادة ليشمل علائق وأعمالاً كثيرة، منها مايمكن أن يقيمه الأفراد ومنها مالايمكن تحقيقه على الوجه الأكمل إلا في ظل دولة الإسلام وهذه المعاني الرفيعة كانت واضحة في ذهن المؤسس الأول للدولة العثمانية ولذلك وصى الأمير أورخان بهذه العبارة المنهجية المسددة ( يابني إياك أن تشتغل بشيء لم يأمر به الله رب العالمين ) وهذا التوجيه من عثمان لابنه كفرد وكرئيس لدولة وفي طياته معنى كون العبادة لها أصلان: احدهما: أن لا يعبد إلا الله، والثاني : أن يعبد بما أمر وشرع( ). فإنه مما لاشك فيه كانت الدولة العثمانية حريصة على حماية هذين الأصلين بمحاربة الشرك في داخلها وعملت على تقليص نفوذه خارجها وكانت حريصة على حماية الشرع ضد من يعاود الاعتداء عليه بابتداع أو تحريف أو تغيير أو تبديل، وكل ذلك من حرص أميرها والعلماء الذين من حوله على تحقيق العبودية لله على الوجه المرضي، وعلى حماية الدين من دخائل وانتحالات المضلين، وبهذا تكون دولة بني عثمان أخذت الصبغة الشرعية. (لقد كانت نشأتها إسلامية ، خالصة، مشبوبة بإيمان عميق، متوجهة الى أهداف عقائدية)( ). 2- إذا واجهتك في الحكم معضلة فاتخذ من مشورة علماء الدين مؤئلاً: إن الله تعالى قد شرع نظام الشورى لحكم بالغة، ومقاصد عظيمة، ولما فيها من المصالح الكبيرة، والفوائد الجليلة التي تعود على الأمة والدولة والمجتمع بالخير والبركة ولذلك أمر عثمان الاول إبنه أن يجعل من العلماء مجلس شورى له في معضلات الأمور وفي هذا الارشاد امتثال لأمر الله واقتداء برسول الله. - قال تعالى : { فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين} (سورة آل عمران: آية:159). قال الاستاذ سيد قطب -رحمه الله- : (وبهذا النص الجازم {وشاورهم في الأمر} يقرر الإسلام هذا المبدأ في نظام الحكم - حتى ومحمد رسول الله  هو الذي يتولاه، وهو نص قاطع لا يدع للأمة المسلمة شكاً في أن الشورى مبدأ اساسي لايقوم نظام الاسلام على أساس سواه)( ). - وقال تعالى : {والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون} (سورة الشورى:آية: 38). يقول الاستاذ عبدالقادر عودة -رحمه الله- (الشورى من دعائم الايمان وصفة من الصفات المميزة للمسلمين ، سوى الله بينها وبين الصلاة والإنفاق في قوله: { والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون}. فجعل للاستجابة لله نتائج بين لنا أبرزها، وأظهرها، وهي إقامة الصلاة والشورى والانفاق، واذا كانت الشورى من الايمان فإنه لا يكمل إيمان قوم يتركون الشورى، ولا يحسن إسلامهم إذا لم يقيموا الشورى إقامة صحيحة، ومادامت الشورى صفة لازمة للمسلم لايكمل إيمانه إلا بتوفرها، فهي إذن فريضة إسلامية واجبة على الحاكمين والمحكومين، فعلى الحاكم أن يستشير في كل أمور الحكم والإدارة والسياسة، والتشريع وكل مايتعلق بمصلحة الأفراد أو المصلحة العامة، وعلى المحكومين أن يشيروا على الحاكم بما يرونه في هذه المسائل كلها، سواء استشارهم الحاكم أو لم يستشرهم( ). والأحاديث القولية والسنة الفعلية الدّالة على وجوب الشورى كثيرة ونكتفي بما ذكرنا خوفاً من الإطالة. وفي رواية أن عثمان أمر ابنه بأن ينزل على رأي العلماء في قوله : ( وأنزل على مشورتهم فإنهم لايأمرون إلا بخير .. )( ) وكأن عثمان - رحمه الله - يرأى أن الشورى ملزمة للحاكم وقد ذهب إلى هذا الرأي مجموعة من العلماء المعاصرين منهم العلامة أبو الأعلى المودودي - رحمه الله - : ( وخامسة قواعد الدولة الإسلامية حتمية تشاور قادة الدولة وحاكمها مع المسلمين والنزول على رضاهم ورأيهم، وامضاء نظام الحكم بالشورى. يقول تعالى: { وأمرهم شورى بينهم }، { وشاورهم في الأمر }( ) . ( إن قاعدة: { وأمرهم شورى بينهم } تتطلب بذاتها خمسة أمور: خامسها التسليم بما يجمع عليه أهل الشورى أو أكثريتهم، أما أن يستمع ولي الأمر إلى آراء جميع أهل الشورى ثم يختار هو بنفسه بحرية تامة، فإن الشورى في هذه الحالة تفقد معناها وقيمتها، فالله لم يقل: ( تؤخذ آراؤهم ومشورتهم في أمرهم) وإنما قال : { وأمرهم شورى بينهم } يعني أن تسير الأمور بتشاور فيما بينهم، وتطبيق هذا القول الإلهي لايتم بأخذ الرأي فقط، وإنما من الضروري لتنفيذه وتطبيقه أن تجري الأمور وفق ما يتقرر بالإجماع أو الأكثرية..)( ). وهكذا نرى الأمير عثمان يسبق كثير من العلماء والمفكرين المعاصرين في ذهابه إلى أن الشورى ملزمة ويأمر بأنه بالنزول عند رأي العلماء ولكونهم لايأمرون إلا بخير. لقد ساهمت الشورى في بناء الدولة العثمانية وتماسك رعاياه وعززت السلطان السياسي والجهادي والدعوي للدولة وكانت الآراء تتقلب وفقا لجدارتها، وبمقدار انسجامها مع عقيدة الأمة ودستور الدولة، لقد كان الحكام العثمانيون يريدون لحكمهم أن يستمر ولنظام دولتهم أن يستقر ولذلك حرصوا على الإلمام بحقيقة الأوضاع ببلادهم وجعلوا من الشورى خير سبيل لتحقيق هذه الغاية. ولقد تطورت الشورى في الدولة العثمانية بل أصبح لكل أقليم حاكم يطلق عليه باشا وله مجلس الديوان يتشاورون في شؤون الحكم والرعية، ولقد شكلت مجالس وعين نواب وممثلون لكل جماعة واتيحت الفرصة للاختيار وتتطور الأمر حتى وصل في عهد السلطان محمد الفاتح إلى تشكيل مجلس استشاري لأمور الدولة. إن أشكال الشورى وأساليب تطبيقها ووسائل تحقيقها وإجراءاتها كانت في زمن الدولة العثمانية عرضة للاجتهاد والبحث والاختيار، أما أصل الشورى في إدارة شؤون الدولة فكان بالنسبة لهم من قبيل المحكم الثابت الذي لايجوز تجاهله أو إهماله وإن كان تاريخ الدولة العثمانية لايخلو من ظهور بعض السلاطين المتسلطين. 3- يابني أوصيك بعلماء الأمة، أدم رعايتهم وأكثر من تبجيلهم: كان عثمان على صلة متينة مع كبار العلماء والفقهاء وكبار الصالحين في عهده وكثيراً ما يجلس الساعات الطوال بين أيديهم ويتلقى مواعظهم ويستفيد من علمهم ويشاورهم في أمور الدولة وكان يتردد على المولى الشيخ ( إده بالي) القرماني المولد وقد زوجه ابنته بسبب رؤيا : ( كان في أحد الأيام يبيت عنده، فرأى في المنام قمراً خرج من حضن الشيخ ودخل حضنه، وعند ذلك نبتت شجرة عظيمة سدت أغصانها الآفاق، وتحتها جبال عظيمة تتفجر منها الأنهار، والناس ينتفعون بتلك الأشجار لأنفسهم ودوابهم وبساتينهم، فقص هذه الرؤيا على الشيخ فقال: لك البشرى، بما نلت مرتبة السلطنة، وينتفع بك وبأولادك المسلمون، وإني زوجت لك ابنتي هذه ..( ). لقد حاول بعض الكتاب أن يجعل من تلك الرؤيا اسطورة لا حقيقة لها مع أن هذه الرؤيا ذكرت في كتاب مهم اسمه الشقائق النعمانية في تاريخ الدولة العثمانية، وهذا الكتاب أفاد وأجاد في ذكر علماء وفقهاء الدولة لفترات زمنية ممتدة. إن هذه الرؤيا لاتخالف العقل ولا النقل، لأن عثمان الأول رحمه الله كان رجلاً تقياً ورعاً ومن ثمار التقوى الرؤيا الصالحة وثناء الخلق ومحبتهم : قال تعالى: { ألا إنّ أولياء الله لاخوف عليهم ولاهم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البُشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ... } ( يونس : 62-64). والبشرى في الدنيا ما بشر الله به المؤمنين المتقين، في غير مكان من كتابه وعن النبي  : " الرؤيا الصالحة من الله .. "( ) وعنه عليه الصلاة والسلام : " لم يبق من النبوة إلا المبشرات قالوا: وما المبشرات ؟ قال: " الرؤيا الصالحة"( ) وعن أبي ذر قال: قلت لرسول الله  : الرجل يعمل العمل لله ويحبه الناس "فقال تلك عاجل بشرى المؤمن"( ). إن عثمان الأول - رحمه الله - وضع الله له محبة في قلوب المسلمين لجهاده وتقواه وصلاحه. إن وصية عثمان لابنه بإحترام العلماء اصبحت منهجاً سار عليه حكام الدولة العثمانية وهذا يدل على التزام العثمانيين بشرع الله تعالى، لأن الشريعة أعطت اعتباراً للعلماء وبنته على أمرين: - أن طاعتهم طاعة لله - عزوجل ولرسوله  ، فالتزام أمرهم واجب. - أن طاعتهم ليست مقصودة لذاتها بل هي تبعٌ لطاعة الله ورسوله  . والأدلة على هذه المنزلة وهذا الاعتبار للعلماء في الشريعة كثيرة منها: الدليل الأول: قوله تعالى: { ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم } ( سورة النساء، الآية: 59 ). وقد اختلف المفسرون في أولي الأمر منكم على أقوال فقيل: هم السلاطين وذوو القدرة. وقيل: هم أهل العلم. قال ابن عباس - رضي الله عنهما - " يعني أهل الفقه والدين، وأهل طاعة الله الذين يعلمون الناس معاني دينهم، ويأمرونهم بالمعروف، وينهونهم عن المنكر، فأوجب الله سبحانه طاعتهم على عباده "( ). ( والتحقيق أن الأمراء إنما يطاعون إذا أمروا بمقتضى العلم، فطاعتهم تبعٌ لطاعة العلماء، فإن الطاعة إنما تكون في المعروف وما أوجبه العلم، فكما أن طاعة العلماء تبع لطاعة الرسول، فطاعة الأمراء تبع لطاعة العلماء، فإن الطاعة إنما تكون في المعروف وما أوجبه العلم، فكما أن طاعة العلماء تبع لطاعة الرسول، فطاعة الأمراء تبع لطاعة العلماء ولما كان قيام الإسلام بطائفتين، العلماء والأمراء، وكان الناس لهم تبعاً، كان صلاح العالم بصلاح هاتين الطائفتين، وفساده بفسادهما( ). والدليل الثاني : أن الله - سبحانه - أوجب الرجوع إليهم وسؤالهم عما أشكل: قال تعالى: { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لاتعلمون } ( سورة الأنبياء، الآية: 7 ). ( وعموم هذه الآية، فيها مدح أهل العلم، وأن أعلى أنواعه، العلم بالكتاب المنزل، فإن الله أمر من لايعلم بالرجوع إليهم في جميع الحوادث في ضمنه تعديل لأهل العلم وتزكية لهم حيث أمر بسؤالهم، وأن بذلك يخرج الجاهل من التبعة..)( ). إن الآيات والأحاديث التي تبين دور العلماء كثيرة ونكتفي بما ذكرنا. لقد كان العلماء في مسير الدولة العثمانية مرجع للسلاطين عند الفتن والملاحم والمحن وكانت لهم مقدرة عظيمة على حشد الناس تحت لواء الجهاد في سبيل الله تعالى، وإقامة شرعه على الرعية وكانوا لايسمحون للسلطان أن يتجاوز أحكام الشرع وإلا ربما هيجوا عليه الناس وعزلوه، وكانت أحكام العلماء والفقهاء تستنبط من: 1- القرآن الكريم: قال تعالى: { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله } (سورة النساء: 105). فهو المصدر الأول الذي يشتمل على جميع الأحكام الشرعية التي تتعلق بشؤون الحياة البشرية، كما يتضمن مبادئ أساسية وأحكاماً قاطعة لإصلاح كل شعبة من شعب الحياة، كما بين القرآن الكريم للمسلمين كل ما يحتاجون إليه من أسس تقوم عليها دولتهم. 2- السنة المطهرة: هي المصدر الثاني الذي يستمد منه العلماء الأحكام ومن خلالها يعرفون الصيغ التنفيذية والتطبيقية لأحكام القرآن ممثلة في قيادة الرسول  للأمة ومن خلال السنة يمكن التعرف على نوعية المجتمع المثالي الذي ينشده الإسلام. 3- إجماع الأمة: وخاصة الصحابة، وفي مقدمتهم الخلفاء الراشدين قال تعالى: { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ماتولى ونصله جهنم وساءت مصيراً } ( النساء: 115 ).

4- مذهب العلماء والمجتهدين: قال تعالى: { وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به، ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم } ( سورة النساء،آية : 83 ). والآية دليل على الأخذ بالاجتهاد إذا عُدم النص والإجماع( )، ولأن العلماء في أمة محمد  كالأنبياء في بني إسرائيل، فهم المؤتمون على نقل العلم، والمفوضون في استنباط الأحكام المتجددة في عمومات الشريعة، لا لعصمة اختصوا بها - فليس في الإسلام كهنوت - ولكن لأهليتهم في أن يُسموا - "أهل الذكر " والله تعالى يقول : { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لاتعلمون } (سورة النحل، آية: 43 ). لقد كان علماء الدولة العثمانية على فهم عميق لروح الشريعة وقواعدها ولهم المقدرة على معالجة مايستجد من قضايا في ضوء هذا الفهم، وكانت لهم القدرة على فهم ضبط المناط في الأحكام وقياس الفروع على الأصول فيها. ولقد كان المذهب الحنفي له القدح المعلى عند علماء الدولة وإن كانوا لايستغنون عن بقية المذاهب السنية التي كانت لها احترامها عند السلاطين العثمانيين. لقد حرص علماء الدولة العثمانية على أن يكون نظامها السياسي على عقيدة التوحيد، وتطبيق شريعة الله، وتقوم على الشورى، وأن يقوم نظامها الاقتصادي على التعامل بالذهب والفضة، وعدم التعامل بالربا، وعدم الاستغلال والاحتكار، وعدم الاتجار بما حرم الله، وأن يقوم نظامها السلوكي والأخلاقي الإجتماعي على أساس عقيدة الإسلام، وأن يقوم نظامها التعليمي والإعلامي على قاعدة من العلوم الشرعية، وأن تقوم علاقتها الدولية على أساس عقيدة الإسلام التي وضعها الله سبحانه وتعالى - حيث قال: { لاينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين . إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون } (آية: 8،9 سورة الممتحنة ). لقد كان العلماء والفقهاء في الدولة العثمانية يشرفون على تطبيق شرع الله، وإقامة الحدود، وتحريم ماحرم الله، ولا تستحل إلا ما حرم الله( ). لقد كان معظم سلاطين الدولة يحترمون العلماء ويجلونهم . 4- ( اعلم يابني ، أن نشر الإسلام وهداية الناس إليه وحماية أعراض المسلمين وأموالهم، أمانة في عنقك سيسألك الله عزوجل عنها ) ( ) لقد فهم عثمان الأول - رحمه الله - أن دين الإسلام، دين دعوة مستمرة، لاتتوقف حتى تتوقف الحياة البشرية من على وجه الأرض وأن من أهداف الدولة الإسلامية دفع عجلة الدعوة إلى الأمام ليصل نور الإسلام إلى كل إنسان. إن الدولة العثمانية كانت ترى من مسؤلياتها القيام بوظيفة الدعوة ونشرها في أرجاء الأرض وربط السياسة الخارجية على الأسس الدعوية العقدية، قبل بنائها على الأسس المصلحية النفعية، وذلك كما كان يفعل رسول الله ، كان يقوم بتبليغ الدعوة إلى الآفاق امتثالاً لقوله تعالى: { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين } ( سورة المائدة، 67 ). وقد امتثل عليه الصلاة والسلام للأمر وأرسل إلى ملوك الأرض، فكتب إلى ملوك الروم، فقيل له : إنهم لايقرءون كتاباً إلا إذا كان مختوماً، فاتخذ خاتماً من فضة وختم به الكتب إلى الملوك، وبعث كتباً ورسلاً إلى ملوك فارس والروم، والحبشة ومصر والبلقاء واليمامة في يوم واحد، ثم بعث إلى حكام عمان والبحرين واليمن وغيرهم( ). ولذلك اقتدى عثمان - رحمه الله - بالنبي  في دعوته وسار أبناءه من بعده على هذا المنهج وظهرت في الدولة جماعة الدعوة وكان الحكام والسلاطين يقفون معها ويدعمونها مادياً ومعنوياً، ولقد سلك العثمانيون دولة وشعباً سبلاً متعددة من أجل إدخال النصارى في الاسلام ومن هذه الطرق: - الاحتفال بمن يعلن اعتناقه للاسلام وإمداده بكل ما يعينه على الحياة والابتهال به في المساجد. - حرص العثمانيون على التمسك بالدين، والتواضع في أداء الشعائر مما جعل بعض المسيحيين يدخلون في الاسلام. - معاملة الرقيق من المسيحيين باللين حيث كانوا يعتقونهم إذا ثبت إخلاصهم حتى ولو ظلوا على دينهم ويتولون رعايتهم وبخاصة كبار السن منهم بعد العتق فضلاً عن حسن معاملة من يسلم منهم أو يظل على دينه مما كان دافعاً لكثير منهم على اعتناق الاسلام( ). - أقبل كثير من العثمانيين على الزواج من مسيحيات حرمت الكنيسة دخولهن فيها مما حدا ببعضهن الى اتباع أزواجهن. - قام من دخل في الاسلام من النصارى بدعوة أقاربهم وذويهم لما رأو من سماحة الاسلام وأنسجامه مع الفطرة، ومخاطبته للعقل، وأحياءه للقلب. - قامت الدولة العثمانية بنقل قبائل اسلامية تابعة لها الى قرى مسيحية ونقلت أعداد من النصارى الى تجمعات اسلامية مما ساعد على انتشار الاسلام تدريجياً. - قام السلطان مراد باتباع سياسة الأفراج عن الأسرى إذا هم اعتنقوا الاسلام وأسهم ذلك الأسلوب في زيادة عدد المسلمين. - ومما ساعد على انتشار الاسلام في البلقان تعسف الإقطاعيين المحليين في فرض الضرائب الباهظة أن كبار رجال الدين من الإقطاعيين قد باعوا أسرار الكنيسة ووظائفها من جهة وسعوا في توثيق علاقاتهم بالنظام العثماني بل بعضهم دخل في الاسلام. - توسع سلاطين العثمانيين في المنح والعطايا والتقدير لزعماء النصارى الذي أقبلوا على الاسلام وأظهر كثيرون منهم الاخلاص للدولة العثمانية( ). لقد أهتم العثمانيون بأمر الدعوة الى الله على مستوى الخارجي وادخال الناس في دين الاسلام ولم يتركوا أمر الإصلاح الداخلي في الدولة واحياء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . لقد بين عثمان الأول -رحمه الله- أن حماية أعراض المسلمين وأموالهم أمانة في عنق الحاكم المسلم وهذه الأمور تدخل تحت عبادة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتنفيذ الحدود، والدعوة الى مكارم الأخلاق وتعليم الأمة أمر دينها، ويكون ذلك باشراف الحاكم المسلم، فيترتب على تلك الأمور فوائد ومصالح عامة للأمة والأفراد، والحكام والمحكومين ومن أهم هذه الفوائد: - إقامة المِـلَّة والشريعة وحفظ العقيدة والدين لتكون كلمة الله هي العليا. قال تعالى : {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يُذكر فيها اسم الله كثيراً} (سورة الحج: آية 40). إن الإنسان لابد له من أمر ونهي ودعوة ، فمن لم يأمر بالخير ويدعو إليه أمر بالشر( ). - رفع العقوبات العامة: قال تعالى : {وما أصبكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} (سورة الشورى: آية 30). وقال أيضاً في الجواب عن سبب مصابهم يوم أحد : {قل هو من عند أنفسكم} (سورة آل عمران: آية 165). فالكفر والمعاصي بأنواعها سبب للمصائب والمهالك قال تعالى: {فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً مما أنجينا منهم...} (سورة هود: آية 116). وقال: {وماكان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون} (سورة هود: آية 117). "وهذه اشارة تكشف عن سنة من سنن الله في الأمم، فإن الأمة التي يقع فيها الظلم والفساد فيجدان من ينهض لدفعهما هي أمم ناجية لايأخذها الله بالعذاب والتدمير"( ). - استنزال الرحمة من الله تعالى؛ لأن الطاعة والمعروف سبب للنعمة قال تعالى : {وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدكم ..} (سورة ابراهيم: آية7) والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نوع من العبودية لله. - تحقيق وصف الخيرية في هذه الأمة: قال تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله}. - التجافي عن صفات المنافقين: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله...} (سورة التوبة: أية 7). 5- (يابني أحط من أطاعك بالإعزاز ، وأنعم على الجنود) ( ): إن أمة الاسلام تحتاج لكي تقوم بمهمتها في هداية الناس للخير الى أن تكون صالحة في نفسها، مصلحة لغيرها، فهي الشهيدة على الأمم لأنها أمة الوسط. قال سبحانه : {وكذلك جعناكم أمة وسطاً لتكون شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً} (سورة البقرة: آية 143). وهناك حقوق متبادلة بين الراعي والرعية، والحاكم والمحكوم، ومن وصية عثمان -رحمه الله- لابنه يبين له حق الرعية على الحاكم ولقد حرص العثمانيون كحكام على تنفيذ حقوق الرعية ومن أهم هذه الحقوق التي قاموا بها: العمل على الإبقاء على عقيدة الأمة صافية نقية. بذل الأسباب المؤدية الى وحدة الأمة. العمل على حماية الأمة من أعداء الخارج. أن يعمل الولاة على حماية الأمة من المفسدين والمحاربين. إعداد الأمة إعداداً جهادياً. حفظ ماوضعت الشريعة لاجله. تحصيل الصدقات وأموال الزكاة والخراج والفيء وصرفها في مصارفها الشرعية. تحري الأمانة في اختيار ارباب المناصب. اعطاء حقوق الرعية وما يستحقونه في بيت المال من غير سرف ولا تقتير، ودفعه في وقت لا تقديم فيه ولا تأخير . الإشراف المباشر على سير الأمور بين الرعية في كل النواحي الأدارية التي تتعلق بما يصلح أحوالهم( ). ومن واجبات الرعية تجاه الحكام: 1- قال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} (سورة النساء: آية 59). وكان المجتمع العثماني شديد السمع والطاعة لحكامه ماداموا ملتزمين بالشريعة؛ لأنهم كانوا على علم بأن طاعة الحكام مقيدة دائماً بطاعة الله ورسوله، كما قال : "لا طاعة في المعصية ، إنما الطاعة في المعروف"( ). 2- النصرة : كان المجتمع العثماني دائماً يلتف حول حكامه الشرعيين ويلبي دعوة الجهاد ويبذل الغالي والرخيص ويرى ذلك عبادة لله تعالى قال تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى} (سورة المائدة: آية 2). وكان من مفاهيم المجتمع العثماني السائدة عندهم ؛ من نصرة الحاكم ألا يهان، ومن معاضدته أن يحترم، وأن يكرّم ، فقوامته على الأمة وقيادته لها لإعلاء كلمة الله، تستوجب تبجيله وإجلاله وإكرامه تبجيلاً وإجلالاً وإكراماً لشرع الله سبحانه الذي ينافح ويدافع عنه. يقول رسول الله : "إن من إجلال الله تعالى: إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط"( ).

3- النصح: إن المجمتع العثماني كان يناصح ولاة أمره ويرى ذلك من صميم الدين لقول رسول الله : "الدين النصحية -ثلاثاً- قال الصحابة ك لمن يارسول الله؟ قال : لله -عز وجل- ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم"( ). 4- التقويم: لقد استقر في مفهموم المجتمع العثماني أن بقاء الأمة على الاستقامة رهن استقامة ولاتها، ولذلك نجد في التاريخ العثماني صور مشرفة في تقويم الحكام وأرشادهم ونصحهم ، فهذا المولى علاء الدين علي بن أحمد الجمالي المتوفى سنة 932هـ ، فقد كان عالماً عاملاً يمضي وقته في التلاوة والعبادة والدرس والفتوى، محافظاً على الصلوات الخمس مع الجماعة، وكان كريم النفس ، طيب الاخلاق، عظيم المهابة ، صدّاعاً بالحق، عفيف اللسان لايذكر أحد بسوء ولعلاء الدين احتساب عظيم مع السلطان سليم خان المتوفى عام 926هـ ومن ذلك: أن السلطان سليم أمر بقتل مائة وخمسين من موظفيه، فلما سمع المولى علاء الدين بالأمر ذهب الى الديوان، ولم تكن عادته الحضور الى السلطان إلا لأمر عظيم، فلم يشعر الوزراء وأهل الديوان إلا بدخول الشيخ المفتي عليهم، فوثبوا يستقبلونه حتى أقعدوه في صدر المجلس وقالوا له : أي شيء دعا المولى الى المجيء الى الديوان العالي؟ قال: أريد أن أدخل على السلطان ولي معه كلام، فأستأذنوا له على السلطان، فأذن له وحده فدخل عليه وجلس، وقال : وظيفة أرباب الفتوى أن يحافظوا على آخرة السلطان، وقد سمعت بأنك أمرت بقتل مائة وخمسين رجلاً من أرباب الديوان لايجوز قتلهم شرعاً، فغضب السلطان وكان صاحب حدة، وقال له: لا تتعرض لأمر السلطنة وليس ذلك من وظفيتك، فقال الشيخ: بل أعترض لأمر آخرتك، وإنه من وظيفتي ، ومهما عشت فإنك ميت ومعروض على الله، وواقف بين يديه للحساب، فإن عفوت فلك النجاة، وإلا فإن أمامك جهنم وعليك عقاب عظيم ، ولا يعصمك ملكك ولا ينجيك سلطانك، فما كان من السلطان إلا الاذعان والتسليم أمام نداء الحق من هذا المحتسب، وخضع للحق، وعفا عنهم جميعاً ، ثم إن المحتسب لم يكتف بذلك بل طالبه أن يعيد الجميع الى وظائفهم ففعل. رحم الله المولى علاء الدين الذي كان عظيماً باحتسابه جريئاً في الحق لايخشى فيه لومة لائم ولقد تأثر السلطان سليم بهذا العالم وأرسل إليه بعد ذلك وطلب منه أن يكون قاضي العسكر وقال له جمعت لك بين الطرفين لاني تحققت أنك تتكلم بالحق، فكتب إليه وصل اليّ كتابك سلمك الله تعالى وأبقاك وأمرتني بالقضاء وأني أمتثل أمرك إلا أن لي مع الله تعالى عهداً أن لاتصدر عني لفظة حكمت فأحبه السلطان محبة عظيمة( ). وهكذا سار العثمانيون على المنهج الذي وضعه لهم المؤسس الأول. 6- (ولايغرنك الشيطان بجندك ومالك) ( ): وهذه المعاني يعيشها من فهم القرآن الكريم وتأثر به، وتأمل في سير الانبياء والمرسلين والمصلحين، لأنه يعلم أن التوفيق من الله تعالى وليس بالجند ولا بالمال وهكذا كان موقف يوسف عليه السلام قال تعالى: {رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت ولي في الدنيا والآخرة توفني مسلماً وألحقني بالصالحين} (سورة يوسف:آية 110). وهكذا يناجي يوسف عليه السلام ربه؛ فيقول أصبحت ممكناً في الأرض تشد الي الرحال، وتنصاع لكلمتي الرجال، ورزقتني الفهم وصواب تأويل الرؤى ، وتفسير الأحاديث ويرجع الفضل الى صاحب المن والفضل يقول ابن القيم: "جمعت هذه الدعوة الإقرار بالتوحيد والاستسلام للرب وإظهار الافتقار إليه، والبراءة من موالاة غيره سبحانه، وكون الوفاة على الاسلام أجل غايات العبد، وأن ذلك بيد الله لا بيد العبد، والاعتراف بالمعاد وطلب مرافقة السعداء"( ). وهذا ذو القرنين عندما تمّ بناء سدِّه العظيم وكان يملك الجنود والمال ويتحكم في الشعوب بالعدل قال: {هذا رحمة من ربي} (سورة الكهف: آية97). إنها عبارة جميلة مباركة تشير الى عدة معاني: 1- قال سيد قطب : (ونظر ذو القرنين الى العمل العظيم الذي قام به؛ فلم يأخذه البطر والغرور، ولم تسكره نشوة القوة والعلم، ولكنه ذكر الله فشكره، ورد إليه العمل الصالح الذي وفقه إليه...)( ). إن من أعظم صور الذكر أن يتذكر العبد فضل الله عليه ، فيستشعر أن فضل الله عليه عظيم ؛ فيتواضع ويعدل ويذكر ويشكر. وهكذا كانت وصية عثمان لابنه يحذره فيه من الشيطان ومسالكه ومداخله ويدعوه الى الاحتراز من كيده. 7- (وأن بالجهاد يعم نور ديننا كل الآفاق، فتحدث مرضات الله جل جلاله)( ) إن عثمان الأول -رحمه الله تعالى- كان يرى أن نشر دين الله في كل الآفاق من وسائله الجهاد في سبيل الله تعالى، وأن الغاية العليا للجهاد في سبيل الله هي إعلاء كلمة الله لتحقيق عبادته وحدة لا شريك له كما قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  ماأريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} (سورة الذاريات: آية 56،58). ومفهوم العبادة شامل لنشاط الاسلام كله ويفسر ذلك قوله تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} (سورة الأنعام: آية ). ومن أجل هذه الغاية انطلق عثمان الأول بجنوده وشعبه مجاهداً في سبيل الله ولسان حاله يقول ابتعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة العباد الى عبادة الله ومن ضيق الدنيا الى سعتها ومن جور الأديان الى عدل الاسلام، لقد كانت وسيلة العثمانيين من أجل إقامة حكم الله ونظام الاسلام في الأرض الجهاد في سبيل الله. وعندما حاولت دول النصارى أن تعمل على منع توسع الدولة العثمانية وباشروا في شن هجموهم عليها كانت وسيلة الجهاد كالصخرة العظيمة التي تتحطم عليه محاولتهم المتكررة وامام قادة العثمانيين قول الله تعالى : {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين  واقتلوهم حيث ثقفتموهم، وأخرجوهم من حيث أخرجوكم، والفتنة أشد من القتل} (سورة البقرة: آية 190-192). ولقد عمل العثمانيون بهذه النصيحة والوصية، فعملوا على إزالة كل العوائق التي تمنع الناس من سماع دعوة الله تعالى التي جاءت لتعطي الناس أكمل تصور للوجود والحياة وبأرقى نظام لتطويرها. ولقد جاهدت الدولة العثمانية في سبيل الله تعالى وفتح الله على يديها دول وشعوب لازال الإسلام باقياً فيها حتى الآن مثل دول البلقان وعملت على حماية شعوب المسلمين من هجمات النصارى الغاشمة ، فكانت سبباً في بقاء الشمال الأفريقي على اسلامه ودينه وعقيدته ، وكانت عاملاً مهماً في حماية الأراضي المقدسة من البرتغاليين ومن دخل تحت لوائهم من النصارى الى غير ذلك من الأعمال الجليلة التي سنفصلها في بحثنا هذا بإذن الله تعالى.

8- (من انحرف عن سلالتي عن الحق والعدل حرم من شفاعة الرسول  الأعظم يوم المحشر) ( ): إن عثمان -رحمه الله تعالى - يتبرأ من ممن ينحرف عن الحق والعدل من ذريته ويدعوا من جاء بعده بالتمسك بالحق وإقامة العدل. إن العدل هو الدعامة الرئيسية في اقامة المجتمع الاسلامي والحكم الرباني؛ فلا وجود للإسلام في مجتمع يسوده الظلم ولا يعرف العدل ولذلك اهتم الاسلام بتقرير هذه القاعدة وتأسيسها وتدعيمها؛ فأكثر الحديث عنها في الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية ومن هذه النصوص: • قال تعالى : {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} (سورة النحل: آية9) وأمر الله بفعل كما هو معلوم يقتضي وجوبه. • قال تعالى : {إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات الى أهلها واذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل..} (سورة النساء : آية 58) . • وقال تعالى : {يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على انفسكم أو الوالدين والأقربين ان يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى ان تعدلوا وان تلوا او تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً} (سورة النساء: آية 135). ثم إن ترك العدل يعد ظلماً، والله سبحانه وتعالى حرم الظلم وذم أهله وتوعدهم بالعذاب الشديد يوم القيامة والهلاك في الدنيا( ). قال تعالى : {ولاتحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون} (سورة ابراهيم: آية 42). ومن خلال هذه التوجيهات الربانية حرص عثمان على إقامة العدل بين الناس وعمل أن يكون هذا المبدأ واقعاً تعيشه الأمة العثمانية من بعده حيث وكان يتحرك بجيوشه ويوظف كل إمكاناته من أجل نشر التوحيد وتعريف الناس بخالقهم، ولقد جمع بين الفتوحات العظيمة بحد السيف وفتوحات القلوب بالإيمان والإحسان وكان دستوره في التعامل مع الناس قول الله تعالى: { أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد الى ربه فيعذبه عذاباً نكراً  وأما من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسنى ، وسنقول له من أمرنا يسراً...}( سورة الكهف: آية 87،88). ولذلك حرص في وصيته على أن يحكم من بعده بالحق والعدل وفي رواية يقول لابنه في الوصية: (اعدل في جميع شؤونك...)( ). 9- (يابني لسنا من هؤلاء الذين يقيمون الحروب لشهوة حكم أو سيطرة أفراد، فنحن بالاسلام نحيا وبالاسلام نموت) ( ) إن هذه الفقرة من الوصية تبين طبيعة تكوين الدولة العثمانية عن غيرها من الدول، فالغاية التي قامت من أجلها إنما هي الدفاع عن الاسلام ورفع رايته في مشارق آسيا الصغرى والقضاء على الدولة البيزنطية التي كانت تهدد المسلمين في ديارهم ومن ثم أطلق على زعيم هذه الدولة الناشئة لقب الغازي، أي المجهاد في سبيل الله، وكان يتلقى هذا اللقب في حفل مشهود بتسليم يه راية الجهاد من عالم كبير( ) وأن الغازي عثمان -رحمه الله- دعا المسلمين من الترك وغيرهم لينضموا تحت راية الجهاد في سبيل الله فاستجاب له الكثير من المؤمنين الصابرين تحدوهم جميعاً رغبة شديدة في الانتصار لدين الله بالقضاء على الدولة البيزنطية( ). هذه الوصية الخالدة هي التي سار عليها الحكام العثمانيون في زمن قوتهم ومجدهم وعزتهم وتمكينهم. ترك عثمان الأول الدولة العثمانية وكانت مساحتها تبلغ 16.000 كيلومتر مربع واستطاع أن يجد لدولته الناشئة منفذ على بحر مرمرة واستطاع بجيشه أن يهدد أهم مدينتين بيزنطيتين في ذلك الزمان وهي : ازنيق وبورصة( ).



المبحث الثاني: السلطان اورخان بن عثمان 726-761هـ/1327-1360م

بعد وفاة عثمان تولى الحكم ابنه أورخان، وسار على نفس سياسة والده في الحكم والفتوحات، وفي عام 727هـ الموافق 1327هـ سقطت في يده نيقوميديا، وتقع في شمال غرب آسيا الصغرى قرب مدينة اسطنبول وهي مدينة أزميت الحالية، فأنشأ بها أول جامعة عثمانية، وعهد بإدارتها إلى داود القيصري، أحد العلماء العثمانيين الذين درسوا في مصر( ) واهتم ببناء الجيش على أسس عصرية وجعله جيشاً نظامياً( ). وحرص السلطان أورخان على تحقيق بشارة رسول الله  في فتح القسطنطينية ووضع خطة استراتيجية تستهدف إلى محاصرت العاصمة البيزنطية من الغرب والشرق في آن واحد، ولتحقيق ذلك أرسل ابنه وولي عهده "سليمان " لعبور مضيق " الدردنيل " والاستيلاء على بعض المواقع في الناحية الغربية. وفي عام ( 758هـ ) اجتاز سليمان مضيق " الدردنيل " ليلاً مع أربعين رجلاً من فرسان الإسلام ولمّا أدركوا الضفة الغربية، استولوا على الزوارق الرومية الراسية هناك، وعادوا بها إلى الضفة الشرقية، إذ لم يكن للعثمانيين أسطول حينذاك حيث لاتزال دولتهم في بداية تأسيسها، وفي الضفة الشرقية أمر " سليمان " جنوده، أن يركبوا في الزوارق حيث تنقلهم إلى الشاطئ الأوربي حيث فتحوا ميناء قلعة " ترنب "، " وغاليبولي " التي فيها قلعة " جنا قلعة " و "أبسالا " " ورودستو " وكلها تقع على مضيق " الدردنيل " من الجنوب إلى الشمال، وبهذا خطا هذا السلطان خطوة كبيرة استفاد بها من جاء بعده في فتح " القسطنطينية "( ). أولاً : تأسيس الجيش الجديد ديني تتارى : إن من أهم الأعمال التي ترتبط بحياة السلطان أورخان، تأسيسه للجيش الإسلامي وحرص على إدخال نظاماً خاصاً للجيش، فقسمه إلى وحدات تتكون كل وحدة من عشرة أشخاص، أو مائة شخص، أو ألف شخص، وخصص خمس الغنائم للانفاق منها على الجيش، وجعله جيشاً دائماً بعد أن كان لايجتمع إلا وقت الحرب، وأنشأ له مراكز خاصة يتم تدريبه فيها( ). كما أنه أضاف جيشاً آخر عرف بالانكشارية( )، شكله من المسلمين الجدد الذين ازداد عددهم بعد اتساع رقعة الدولة وانتصاراتها الكبيرة في حروبها مع أعدائها من غير المسلمين، ودخول أعداد كبيرة من أبناء تلك البلاد المفتوحة في الإسلام، ثم انضمامهم إلى صفوف المجاهدين في سبيل نشر الإسلام، فبعد أن يعتنقوا الإسلام ويتم تربيتهم تربية إسلامية فكرياً وحربياً يعينون في مراكز الجيش المختلفة، وقد قام العلماء والفقهاء مع سلطانهم أورخان بغرس حب الجهاد والذود عن الدين والشوق إلى نصرته أو الشهادة في سبيله وأصبح شعارهم ( غازياً أو شهيداً ) عندما يذهبون إلى ساحة الوغى( ). ولقد زعم معظم المؤرخين الأجانب أن جيش الانكشارية تكون من انتزاع أطفال النصارى من بين أهاليهم ويجبرونهم على اعتناق الإسلام، بموجب نظام أو قانون زعموا أنه كان يدعى بنظام ( الدفشرية )، وزعموا أن هذا النظام كان يستند إلى ضريبة إسلامية شرعية أطلقوا عليها اسم " ضريبة الغلمان " وأسموها أحياناً " ضريبة الأبناء " ، وهي ضريبة زعموا أنها تبيح للمسلمين العثمانيين أن ينتزعوا خمس عدد أطفال كل مدينة أو قرية نصرانية ، باعتبارهم خمس الغنائم التي هي حصة بيت مال المسلمين ومن هؤلاء المؤرخين الأجانب الذين افتروا على الحقيقة، كارل بروكلمان، وجيبونز، وجب( ) ، إن الحقيقة تقول أن نظام الدثرمة المزعوم ليس سوى كذبة دُسَّت على تاريخ أورخان بن عثمان ومراد بن أورخان وانسحبت من بعده على العثمانيين قاطبة، فلم يكن نظام الدثرمة هذا إلا اهتماماً من الدولة العثمانية بالمشردين من الأطفال النصارى الذين تركتهم الحروب المستمرة أيتاماً أو مشردين، فالإسلام الذي تدين الدولة العثمانية به يرفض رفضاً قاطعاً ما يسمى بضريبة الغلمان التي نسبها المغرضون من المؤرخين الأجانب إليها. لقد كانت أعداد هائلة من الأطفال فقدوا آبائهم وأمهاتهم بسبب الحروب والمعارك، فاندفع المسلمون العثمانيون إلى احتضان أولئك الأطفال الذين هاموا في طرقات المدن المفتوحة بعد فقدانهم لآبائهم وأمهاتهم وحرصوا على تأمين مستقبل كريم لهم وهل من مستقبل كريم وأمين إلا في الإسلام، أفاءن يحرص المسلمون على أن يعتنق الأطفال المشردون التائهون الإسلام، انبرى المفترون يزعمون أن المسلمين كانوا ينتزعونهم من أحضان آبائهم وأمهاتهم ؟؟ ويكرهونهم على الإسلام. ومن المؤسف أن هذه الفرية الحاقدة، وهذا الإفك المبين، وهذا البهتان العظيم التقفه بعض المؤرخين المسلمين يدرسونه في مدارسهم وجامعاتهم وكأنه أمر مسلم به ويطرح على الطلاب كأنه حقيقة من الحقائق ولقد تأثر بكتب المؤرخين الأجانب مجموعة من المؤرخين المسلمين ومن هؤلاء من يشهد له بالغيرة على الإسلام، فأصبحوا يرددون هذا البهتان في كتبهم من أمثال، المؤرخ محمد فريد بك المحامي في كتابه الدولة العلية العثمانية، والدكتور علي حسون في كتابه، تاريخ الدولة العثمانية، والمؤرخ محمد كرد في كتابه خطط الشام، والدكتور عمر عبدالعزيز في كتابه " محاضرات في تاريخ الشعوب الإسلامية " والدكتور عبدالكريم غرايبه في كتاب العرب والأتراك. الحقيقة تقول كل من ذكر ضريبة الغلمان أو أخذهم بالقوة من ذويهم تحت قانون أخذ خمس أطفال المدن والقرى ليس له دليل إلا كتب المستشرقين، كجب، المؤرخ النصراني سوموفيل، أو بركلمان وهؤلاء لايطمئن إليهم في كتابة التاريخ الإسلامي ولا إلى نواياهم تجاه الإسلام وتاريخ الإسلام. إن الذين يربون تربية خاصة على الجهاد لم يكونوا نصارى وإنما كانوا أبناء آباء مسلمين انخلعوا عن النصرانية، واهتدوا إلى الإسلام، وشرعوا من أنفسهم وعن طواعية لا عن إكراه، يقدمون أبناءهم للسلطان ليستكمل تربيتهم تربية إسلامية، أما باقي الأطفال فقد كانوا من الأيتام والمشردين الذين أفرزتهم الحروب فاحتضنتهم الدولة العثمانية. إن حقيقة الجيش الجديد الذي أنشأه أورخان بن عثمان هي تشكيل جيش نظامي يكون دائم الاستعداد والتواجد قريباً منه في حالة الحرب أو السلم على حد سواء، فشكل من فرسان عشيرته ومن مجاهدي النفير الذين كانوا يسارعون لاجابة داعي الجهاد ومن أمراء الروم وعساكرهم الذين دخل الإسلام في قلوبهم، وحسن إسلامهم وما كاد أورخان ينتهي من تنظيم هذا الجيش حتى سارع إلى حيث يقيم العالم المؤمن التقي الحاج بكتاش وطلب منه أن يدعو لهم خيراً، فتلقاهم العالم المؤمن خير لقاء ووضع يده على رأس أحد الجنود، ودعا لهم الله أن يبيض وجوههم، ويجعل سُيوفهم حادة قاطعة، وأن ينصرهم في كل معركة يخوضونها في سبيل الله ثم مال تجاه أورخان فسأله، هل اتخذت لهذا الجيش اسماً.. ؟ قال: لا، قال: فليكن اسمه " يني جري " وتلفظ " يني تشري " أي الجيش الجديد. وكانت راية الجيش الجديد من قماش أحمر وسطها هلال، وتحت الهلال صورة لسيف أطلقوا عليه اسم " ذي الفقار " تيمناً بسيف الإمام علي رضي الله عنه( ). لقد كان علاء الدين بن عثمان أخو أورخان صاحب الفكرة وكان عالماً في الشريعة ومشهور بالزهد والتصوف الصحيح( ). وعمل أورخان على زيادة عدد جيشه الجديد بعد أن ازدادت تبعات الجهاد ومناجزة البيزنطيين، فاختار عدداً من شباب الأتراك، وعدداً من شباب البيزنطيين الذين أسلموا وحسن إسلامهم، فضمهم إلى الجيش واهتم اهتماماً كبيراً بتربيتهم تربية إسلامية جهادية. ولم يلبث الجيش الجديد حتى تزايد عدده، وأصبح يضم آلافاً من المجاهدين في سبيل الله. لقد كان أورخان وعلاء الدين متفقين على أن الهدف الرئيسي لتشكيل الجيش الجديد، هو مواصلة الجهاد ضد البيزنطيين وفتح المزيد من أراضيهم بهدف نشر الإسلام فيها، والاستفادة من البيزنطيين الذين أسلموا في نشر الإسلام بعد أن يكونوا تلقوا تربية إسلامية جهادية وترسخت في قلوبهم مبادئ الإسلام سلوكاً وجهاداً. وخلاصة القول، أن السلطان أورخان، لم ينتزع غلاماً نصرانياً واحداً من بيت أبيه، ولم يكره غلاماً نصرانياً واحداً على اعتناق الإسلام، وأن كل ما زعمه بروكلمان وجيب وجببونز، كذب واختلاق، ينبغي أن تزال آثاره من كتب تاريخنا الإسلامي( ) إن من مقتضيات الأمانة العلمية، والأخوة الإسلامية، تضع في عنق كل مسلم غيور، وخاصة العلماء والمثقفين والمفكرين، والمؤرخين والمدرسين، والباحثين، والإعلاميين، أمانة نسف هذه الفرية ودحض هذه الشبهة التي ألصقت بالعثمانيين وأصبحت كأنها حقيقة لاتقبل النقاش والمراجعة والحوار. ثانياً: سياسة أورخان الداخلية والخارجية: كانت غزوات أورخان منصبة على الروم ولكن حدث في سنة (736هـ-1336م) أن توفي أمير قره سي - وهي إحدى الإمارات التي قامت على أنقاض دولة سلاجقة الروم واختلف ولده من بعده وتنازعا الإمارة . واستفاد أورخان من هذه الفرصة فتدخل في النزاع وانتهى بالإستيلاء على الإمارة وقد كان مما تهدف إليه الدولة العثمانية الناشئة أن ترث دولة سلاجقة الروم في آسيا الصغرى وترث ماكانت تملكه واستمر الصراع لذلك بينها وبين الإمارات الأخرى حتى أيام الفاتح حيث تم إخضاع آسيا الصغرى برمتها لسلطانه. واهتم أورخان بتوطيد أركان دولته وإلى الأعمال الإصلاحية والعمرانية ونظم شؤون الإدارة وقوى الجيش وبنى المساجد وانشأ المعاهد العلمية( ) وأشرف عليها خيرة العلماء والمعلمون وكانوا يحظون بقدر كبير من الاحترام في الدولة، وكانت كل قرية بها مدارسها وكل مدينة بها كليتها التي تعلم النحو والتراكيب اللغوية والمنطق والميتافزيقا وفقه اللغة وعلم الإبداع اللغوي والبلاغة والهندسة والفلك( ) وبالطبع تحفيظ القرآن وتدريس علومه والسنة والفقه والعقائد. وهكذا أمضى أورخان بعد استيلائه على إمارة قره سي عشرين سنة دون أن يقوم بأي حروب، بل قضاها في صقل النظم المدنية والعسكرية التي أوجدتها الدولة، وفي تعزيز الأمن الداخلي، وبناء المساجد ورصد الأوقاف عليها وإقامة المنشآت العامة الشاسعة، مما يشهد بعظمة أورخان وتقواه، وحكمته وبعد نظره، فإنه لم يشن الحرب تلو الحرب طمعاً في التوسع وإنما حرص على تعزيز سلطانه في الأراضي التي يتاح له ضمها. وحرص على طبع كل أرض جديدة بطابع الدولة المدني والعسكري والتربوي والثقافي وبذلك تصبح جزءاً لايتجزأ من أملاكهم، بحيث أصبحت أملاك الدولة في آسيا الصغرى متماثلة ومستقرة. وهذا يدل على فهم واستيعاب أورخان لسنة التدرج في بناء الدول وإقامة الحضارة، وإحياء الشعوب. وما أن تمّ أورخان البناء الداخلي حتىحدث صراع على الحكم داخل الدولة البيزنطية وطلب الأمبراطور ( كونتاكوزينوس ) مساعده السلطان أورخان ضد خصمه، فأرسل قوات من العثمانيين لتوطيد النفوذ العثماني في أوربا. وفي عام 1358 أصاب زلزال مدن تراقيا فانهارت أسوار غاليبولي وهجرها أهلها مما سهل على العثمانيين دخولها. وقد احتج الإمبراطور البيزنطي على ذلك دون جدوى - وكان رد أورخان أن العناية الإلهية قد فتحت أبواب المدينة أمام قواته. ومالبثت غاليبولي أن أصبحت أول قاعدة عثمانية في أوربا، ومنها انطلقت الحملات الأولى التي توجت في النهاية بالإستيلاء على كل شبه جزيرة البلقان.. وحين انفرد حنا الخامس باليولوجس بحكم بيزنطة أقر كل فتوح أورخان في أوروبا في مقابل تعهد السلطان بتسيهل وصول الطعام والمؤن إلى القسطنطينية. وأرسل أورخان أعداداً كبيرة من القبائل المسلمة بغية الدعوة إلى الإسلام ومنع تمكن النصارى من طرد العثمانيين من أوربا( ). ثالثاً: العوامل التي ساعدت السلطان أورخان في تحقيق أهدافه : 1- المرحلية التي سار عليها أورخان واستفادته من جهود والده عثمان ووجود الإمكانيات المادية والمعنوية التي ساعدتهم على فتح الأراضي البيزنطية في الأناضول وتدعيم سلطتهم فيها ولقد تميزت جهود أورخان بالخطى الوئيدة والحاسمة في توسيع دولته ومد حدودها، ولم ينتبه العالم المسيحي إلى خطورة الدولة العثمانية إلا بعد أن عبروا البحر واستولوا على غاليبولي( ). 2- كان العثمانيون - يتميزون - في المواجهة الحربية التي تمت بينهم وبين الشعوب البلقانية - بوحدة الصف ووحدة الهدف ووحدة المذهب الديني وهو المذهب السني. 3- وصول الدولة البيزنطية إلى حالة من الإعياء الشديد وكان المجتمع البيزنطي قد أصابه تفكك سياسي وانحلال ديني واجتماعي، فسهل على العثمانيين ضم أقاليم هذه الدولة. 4- ضعف الجبهة المسيحية نتيجة لعدم الثقة بين السلطات الحاكمة في الدولة البيزنطية وبلغاريا وبلاد الصرب والمجر، ولذلك تعذر في معظم الأحيان تنسيق الخطط السياسية والعسكرية للوقوف في جبهة واحدة ضد العثمانيين( ). 5- الخلاف الديني بين روما والقسطنطينية أي بين الكاثوليك والأرثوذكسية الذي استحكمت حلقاته وترك آثاراً عميقة الجذور في نفوس الفريقين. 6- ظهور النظام العسكري الجديد على أسس عقدية، ومنهجية تربوية وأهداف ربانية وأشرف عليه خيرة قادة العثمانيين.


المبحث الثالث: السلطان مراد الأول 761-791هـ/1360-1389م

كان مراد الأول شجاعاً مجاهداً كريماً متديناً، وكان محباً للنظام متمسكاً به، عادلاً مع رعاياه وجنوده، شغوفاً بالغزوات وبناء المساجد والمدارس والملاجئ وكان بجانبه مجموعة من خيرة القادة والخبراء والعسكريين، شكل منهم مجلساً لشورته، وتوسع في آسيا الصغرى وأوربا في وقت واحد. ففي أوربا هاجم الجيش العثماني أملاك الدولة البيزنطية ثم استولى على مدينة أدرنه في عام ( 762هـ/ 1360م ) وكانت لتلك المدينة أهمية استراتيجية في البلقان، وكانت ثاني مدينة في الإمبراطورية البيزنطية بعد القسطنطينية. واتخذ مراد من هذه المدينة عاصمة للدولة العثمانية منذ عام (768هـ / 1366م )، وبذلك انتقلت العاصمة إلى أوربا، وأصبحت أدرنه عاصمة إسلامية، وكان هدف مراد من هذه النقلة: 1- استغلال مناعة استحكامات أدرنة الحربية وقربها من مسرح العمليات الجهادية. 2- رغبة مراد في ضم الأقاليم الأوربية التي وصلوا إليها في جهادهم وثبتوا أقدامهم فيها. 3- جمع مراد في هذه العاصمة كل مقومات النهوض بالدولة وأصول الحكم، فتكونت فيها فئات الموظفين وفرق الجيش وطوائف رجال القانون وعلماء الدين، وأقيمت دور المحاكم وشيدت المدارس المدنية والمعاهد العسكرية لتدريب الانكشارية. واستمرت أدرنة على هذا الوضع السياسي والعسكري والإداري والثقافي والديني حتى فتح العثمانيون القسطنطينية في عام ( 857هـ- 1453م )، فأصبحت عاصمة لدولتهم( ). أولاً: تحالف صليبي ضد مراد : مضى السلطان مراد في حركة الجهاد والدعوة وفتح الأقاليم في أوربا، وانطلق جيشه يفتح مقدونيا، وكانت لانتصاراته أصداء بعيدة، فتكون تحالف أوربي بلقاني صليبي باركه البابا أوربا الخامس، وضم الصربيين والبلغاريين والمجريين، وسكان إقليم والاشيا. وقد استطاعت الدول الأعضاء في التحالف الصليبي أن تحشد جيشاً بلغ عدده ستين ألف جندي تصدى لهم القائد العثماني " لالاشاهين " بقوة تقل عدداً عن القوات المتحالفة، وقابلهم على مقربة من "تشيرمن" على نهر مارتيزا، حيث وقعت معركة مروعة وانهزم الجيش المتحالف، وهرب الأميران الصربيان، ولكنهما غرقا في نهر مارتيزا ، ونجا ملك المجر بأعجوبة من الموت أما السلطان مراد فكان في هذه الأثناء مشتغلاً بالقتال في بلاد آسيا الصغرى حيث فتح عدة مدن ثم عاد الى مقر سلطنته لتنظيم ما فتحه من الأقاليم والبلدان كما هو شأن القائد الحكيم( ). وكان من نتائج انتصار العثمانيين على نهر مارتيزا أمور مهمة منها: 1- تم لهم فتح إقليم تراقيا ومقدونيا ووصلوا الى جنوبي بلغاريا والى شرقي صربيا. 2- اصبحت مدن وأملاك الدولة البيزنطية وبلغاريا وصربيا تتساقط في أيديهم كأوراق الخريف( ). أول معاهدة بين الدولة العثمانية والمسيحية: لما اشتد ساعد الدولة العثمانية خاف مجاوروها، خصوصاً الضعفاء منهم، فبادرت جمهورية (راجوزه)( ) وارسلت الى السلطان مراد رسلاً ليعقدوا مع السلطان مراد معاهدة ودية وتجارية تعاهدوا فيها بدفع جزية سنوية قدرها 500 دوكا ذهب وهذه أول معاهدة عقدت بين الدولة العثمانية والدول المسيحية( ). معركة قوصره: كان السلطان مراد قد توغل في بلاد البلقان بنفسه وعن طريق قواده مما آثار الصرب، فحاولوا في أكثر من مرة استغلال غياب السلطان عن أوروبا في الهجوم على الجيوش العثمانية في البلقان وماجاورها ولكنهم فشلوا في تحقيق انتصارات تذكر على العثمانيين ، فتحالف الصرب والبوسنيون والبلغار وأعدوا جيشاً أوروبياً صليبياً كثيفاً لحرب السلطان الذي كان قد وصل بجيوشه بعد إعدادها إعداداً قوياً الى منطقة كوسفو في البلقان ومن الموافقات التي تذكر أن وزير السلطان مراد الذي كان يحمل معه مصحفاً فتحه على غير قصد فوقع نظره على هذه الآية: {يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا بأنهم قوم لايفقهون} (سورة الانفال: الآية 65) فاستبثر بالنصر واستبشر معه المسلمون ولم يلبث أن نشب القتال بين الجمعين وحمي وطيسه واشتدت المعركة وانجلت الحرب عن انتصار المسلمين انتصاراً باهراً حاسماً( ). ثانياً : استشهاد السلطان مراد : بعد الانتصار في قُوصُووَه، قام السلطان مراد يتفقد ساحة المعركة ويدور بنفسه بين صفوف القتلى من المسلمين ويدعوا لهم، كما كان يتفقد الجرحى، وفي أثناء ذلك قام جندي من الصرب كان قد تظاهر بالموت وأسرع نحو السلطان فتمكن الحراس من القبض عليه، ولكنه تظاهر بأنه جاء يريد محادثة السلطان ويريد أن يعلن اسلامه على يديه، وعند ذلك أشار السلطان للحرس بأن يطلقوه فتظاهر بأنه يريد تقبيل يد السلطان وقام في حركة سريعة بإخراج خنجر مسموم طعن به السلطان فاستشهد رحمه الله في 15 شعبان 791هـ( ). أ- الكلمات الأخيرة للسلطان مراد: " لايسعني حين رحيلي إلا أن أشكر الله إنه علام الغيوب المتقبل دعاء الفقير، أشهد إن لا إله إلا الله ، وليس يستحق الشكر والثناء إلا هو، لقد أوشكت حياتي على النهاية ورأيت نصر جند الاسلام. أطيعوا ابني يزيد، ولاتعذبوا الأسرى ولا تؤذونهم ولا تسلبوهم وأودعكم منذ هذه اللحظة وأودع جيشنا الظافر العظيم الى رحمة الله فهو الذي يحفظ دولتنا من كل سوء"( ) لقد استشهد هذا السلطان العظيم بعد أن بلغ من العمر 65 عاماً. ب- دعاء السلطان مراد قبل إندلاع معركة قوصوه: كان السلطان مراد يعلم أنه يقاتل في سبيل الله وأن النصر من عنده ولذلك كان كثير الدعاء والإلحاح على الله والتضرع إليه والتوكل عليه ومن دعاءه الخاشع نستدل على معرفة السلطان مراد لربه وتحقيقه لمعاني العبودية ، يقول السلطان مراد في مناجاته لربه : "يا الله يارحيم يارب السموات يامن تتقبل الدعاء لا تخزني يارحمن يارحيم استجب دعاء عبدك الفقير هذه المرة رسل السماء علينا مدراراً وبدد سحب الظلام فنرى عدونا وما نحن سوى عبيدك المذنبين إنك الوهاب ونحن فقراؤك. ما أنا سوى عبدك الفقير المتضرع، وأنت العليم ياعلام الغيوب والأسرار وما تخفي الصدور ليس لي من غاية لنفسي ولا مصلحة ولا يحملني طلب المغنم فأنا لا أطمع إلا في رضاك ياالله ياعليم ياموجود في كل الوجود( ) أفديك روحي فتقبل رجائي ولاتجعل المسلمين يبؤ بهم الخذلان أمام العدو. ياالله ياأرحم الراحمين لاتجعلني سبباً في موتهم، بل أجعلهم المنتصرين، إن روحي أبذلها فداءً لك يارب إني وددت ولازلت دوماً إبغي الاستشهاد من أجل جند الاسلام، فلا ترني ياإلهي محنتهم واسمح لي ياإلهي هذه المرة أن أستشهد في سبيلك ومن أجل مرضاتك..." ( ). وفي رواية : (يا إلهي ، أنني أقسم بعزتك وجلالك أننى لا أبتغي من جهادي هذه الدنيا الفانية، ولكنني أبتغي رضاك، ولا شيء غير رضاك ياإلهي، أنني أقسم بعزتك وجلالك أنني في سبيلك، فزدني تشريفاً بالموت في سبيلك"( ). وفي رواية : "ياإلهي ، ومولاي ، تقبل دعائي وتضرعي ، وأنزل علينا برحمتك غيثاً يطفئ من حولنا غبار العواصف، وأغمرنا بضياء يبدد من حولنا الظلمات، حتى نتمكن من ابصار مواقع عدونا فنقاتله في سبيل اعزاز دينك العزيز. إلهي ومولاي، ان الملك والقوة لك، تمنحها لمن تشاء من عبادك، وأنا عبدك العاجز الفقير، تعلم سري ، وجهري، أقسم بعزتك وجلالك انني لا أبتغي من جهادي حطام هذه الدنيا الفانية ، ولكني أبتغي رضاك ولا شيء غير رضاك. إلهي، ومولاي، أسألك بجاه وجهك الكريم، أن تجعلني فداء للمسلمين جميعاً، ولا تجعلني سبباً في هلاك أحد من المسلمين في سبيل غير سبيلك القويم. إلهي، ومولاي ، ان كان في استشهادي نجاة لجند المسلمين فلا تحرمني الشهادة في سبيلك ، لأنعم بجوارك ونعم الجوار جوارك. إلهي، ومولاي، لقد شرفتني بأن هديتني الى طريق الجهاد في سبيلك ، فزدني شرفاً بالموت في سبيلك"( ). إن هذا الدعاء الخاشع دليل على معرفة السلطان مراد لله عز وجل ، وعلى أنه حقق شروط كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) ولقد اجتمعت شروطها في سلوكه وحياته فهو على : - علم بمعناها المراد بها نفياً وإثباتاً المنافي للجهل بذلك قال تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله} (سورة محمد : آية 19). وقال تعالى: {إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} (سورة الزخرف: آية 86). أي بـ " لا إله إلا الله" وهم يعلمون "بقلوبهم مانطقوا به بألسنتهم . - اليقين المنافي للشك، فقد كان السلطان مراد مستقيناً بمدلول هذه الكلمة، يقيناً جازماً، فإن الايمان لايغني فيه إلا علم اليقين لا علم الظن( ). قال تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} (سورة الحجرات: آية 15). - قبوله لما أقتضته هذه الكلمة بقلبه ولسانه، وانقياده لما دلت عليه من أوامر واجتناب للنواهي قال تعالى: {ومن يسلم وجهه الى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى} (سورة لقمان: آية 22). قال تعالى: {فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما} (سورة - كان صادقاً مع ربه، مخلصاً اخلاصاً طهر به شوائب الشرك من نفسه قال تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء}(سورة البينة: آية5). - كان مخلصاً لخالقه مستعداً لبذل النفس والمال في سبيله قال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشدُ حباً لله...} (سورة البقرة: آية 165). وقال تعالى : {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم...} (سورة المائدة: آية 54). وفي الحديث الصحيح: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الايمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار"( ). لقد فهم السلطان مراد حقيقة الايمان وكلمة التوحيد وذاق آثارها في حياته، فنشأت في نفسه آنفة وعزة مستمدة من الايمان بالله ، فايقن أنه لا نافع إلا الله، فهو المحي والمميت، وهو صاحب الحكم والسلطة والسيادة ومن ثم نزع من قلبه كل خوف إلا منه سبحانه، فلم يطأطأ راسه أمام احد من الخلق، ولا يتضرع إليه، ولا يرتع من كبريائه وعظمته، لأنه على يقين بأن الله هو القادر العظيم ، ولقد اكسبه الايمان بالله قوة عظيمة من العزم والإقدام والصبر والثبات والتوكل والتطلع الى معالي الأمور ابتغاء مرضاته سبحانه وتعالى، فكان في المعارك التي خاضها ثابتاً كالجبال الراسية وكان على يقين راسخ بأن المالك الوحيد لنفسه وماله هو الله سبحانه وتعالى ولذلك لم يبالي بأن يضحي في سبيل مرضاة ربه بكل غال ورخيص. أن السلطان مراد عاش حقيقة الإيمان ولذلك اندفع الى ساحات الجهاد، وبذل مايملكه من أجل دعوة الاسلام. لقد قاد السلطان مراد الشعب العثماني ثلاثين سنة بكل حكمة ومهارة لا يضاهيه فيها احد من ساسة عصره قال المؤرخ البيزنطي هالكو نديلاس عن مراد الأول : (قام مراد بأعمال هامة كثيرة. دخل 37 معركة سواء في الاناضول أو في البلقان ، وخرج منها جميعاً ظافراً، وكان يعامل رعيته معاملة شفوقة دون النظر لفوارق العرق والدين)( ). ويقول عنه المؤرخ الفرنسي كرينارد: (كان مراد واحداً من اكبر رجالات آل عثمان ، وإذا قوّمنا تقويماً شخصياً ، نجده في مستوى أعلى من كل حكام أوروبا في عهده)( ). لقد ورث مراد الأول عن والده إمارة كبيرة بلغت 95.000كيلومتر مربع وعند استشهاده ، تسلم أبنه بايزيد هذه الامارة العثمانية بعد أن بلغت 500.000كليومتر مربع بمعنى أنها زادت في مدى حوالي 29 سنة أكثر خمسة أمثال ماتركها له والده أوروخان( ). أما النتائج التي ترتبت على انتصار المسلمين في معركة قوصوه ما يلي: انتشار الاسلام في منطقة البلقان وتحول عدد كبير من الأشراف القدامى والشيوخ الى الاسلام بمحض إرادتهم . اضطرت العديد من الدول الأوروبية الى أن تخطب ود الدولة العثمانية ، فبادرت بعضها بدفع الجزية لهم، وقام البعض الآخر بإعلان ولائه للعثمانيين خشية قوتهم واتقاء غضبهم. أمتدت سلطة العثمانيين على أمراء المجر ورومانيا والمناطق المجاورة للإدرياتيك حتى وصل نفوذهم الى ألبانيا( ).


المبحث الرابع: السلطان بايزيد الأول 791-805 هـ/1389-1402م

بعد استشهاد السلطان مراد تولى الحكم أبنه بايزيد، وكان شجاعاً شهماً كريماً متحمساً للفتوحات الاسلامية، ولذلك أهتم اهتماماً كبيراً بالشؤون العسكرية فاستهدف الإمارات المسيحية في الاناضول وخلال عام اصبحت تابعة للدولة العثمانية ، وكان بايزيد كمثل البرق في تحركاته بين الجبهتين البلقانية والأناضولية ولذلك أطلق عليه لقب "الصاعقة"( ). أولاً: سياسته مع الصرب: شرع بايزيد في إقامة علاقات ودية مع الصرب مع أنهم كانوا السبب في قيام تحالف بلقاني ضد الدولة العثمانية وكان غرض بايزيد من هذه العلاقة اتخاذ دولة الصرب كحاجز بينه وبين المجر، وكان يشعر بضرورة اتخاذ حليف له في سياسته العسكرية النشطة التي استهدفت الامارات السلجوقية التركية الاسلامية في آسيا الصغرى ولذلك وافق بايزيد على أن يحكم الصرب ابنا الملك (لازار) الذي قتل في معركة قوصوة وفرض عليهما أن يكونا حاكمين على صربيا، يحكمانها حسب قوانين بلاد الصرب واعرافها وتقاليدها وعاداتها، وأن يدينان له بالولاء ويقدمان له جزية وعدداً معيناً من الجنود يشتركون في فرقة خاصة بهم في حروية( ) وتزوج ابنة الملك لازار. ثانياً: اخضاع بلغاريا للسيادة العثمانية: بعد أن تم التفاهم مع الصرب وجه بايزيد ضربه خاطفة في عام (797هـ/1393م) الى بلغاريا، فاستولى عليها وإخضع سكانها ، وبذلك فقدت البلاد استقلالها السياسي. وكان لسقوط بلغاريا في قبضة الدولة العثمانية صدى هائل في أوروبا وانتشر الرعب والفزع والخوف أنحاءها وتحركت القوى المسيحية الصليبية للقضاء على الوجود العثماني في البلقان( ). ثالثاً: التكتل الدولي المسيحي الصليبي ضد الدولة العثمانية: قام سيجسموند ملك المجر والبابا بونيفاس التاسع بالدعوة لتكتل اوروبي صليبي مسيحي ضد الدولة العثمانية وكان ذلك التكتل من أكبر التكتلات التي واجهتها الدولة العثمانية في القرن الرابع عشر، من حيث عدد الدول التي اشتركت فيه، ثم أسهمت فيه بالسلاح والعتاد والأموال والقوات وبلغ العدد الاجمالي لهذه الحملة الصليبية 120.000 مقاتل من مختلف الجنسيات (ألمانيا وفرنسا إنجلترا واسكتلندا وسويسرا ولوكسمبرج والأراضي المنخفضة الجنوبية وبعض الامارات الايطالية)( ). وتحركت الحملة عام (800هـ/1396م) الى المجر، ولكن زعمائها وقادتها اختلفوا مع سيجسموند قبل بدء المعركة. فقد كان سيجسموند يؤثر الانتظار حتى يبدأ العثمانيون الهجوم، ولكن قواد الحملة شرعوا بالهجوم، وانحدروا مع نهر الدانوب حتى وصلوا الى نيكوبوليس شمال البلقان وبدؤوا في حصارها وتغلبوا في أول الأمر على القوات العثمانية، إلا أن بايزيد ظهر فجأة ومعه حوالي مئة ألف جندي، وهو عدد يقل قليلاً عن التكتل الأوروبي الصليبي، ولكنه يتفوق عليهم نظاماً وسلاحاً ، فانهزم معظم النصارى ولاذوا بالفرار والهروب وقتل وأسر عدد من قادتهم. وخرج العثمانيون من معركة نيكوبوليس بغنائم كثيرة وفيرة واستولوا على ذخائر العدو( ). وفي نشوة النصر والظفر قال السلطان بايزيد انه سيفتح ايطاليا ويطعم حصانه الشعير في مذبح القديس بطرس برومة( ). لقد وقع كثير من اشراف فرنسا منهم الكونت دي نيفر نفسه في الأسر ، فقبل السلطان بايزيد دفع الفدية وأطلق سراح الأسرى والكونت دي ينفر وكان قد ألزم بالقسم على أن لا يعود لمحاربته قال له أني أجيز لك أن لاتحفظ هذا اليمين فأنت في حل من الرجوع لمحاربتي إذ لاشيء أحب إليّ من محاربة جميع مسيحي أوروبا والانتصار عليهم( ). أما سجسموند ملك المجر كان قد بلغ به الغرور والاعتداد بجيشه وقوته أن قال: لو انقضت السماء عليائها لأمسكناها بحرابنا - فقد ولى هارباً ومعه رئيس فرسان رودس ولما بلغا في فرارهما شاطئ البحر الأسود وجد هناك الأسطول النصراني فوثبا على احدى السفن وفرت بهما مسرعة لا تلوي على شيء وتضاءلت مكانة المجر في عيون المجتمع الأوروبي بعد معركة نيكويوليس وتبخر ما كان يحيط بها من هيبة ورهبة( ) لقد كان ذلك النصر المظفر له أثر على بايزيد والمجتمع الاسلامي، فقام بايزيد ببعث رسائل الى كبار حكام الشرق الأسلامي يبشرهم بالانتصار العظيم على النصارى، واصطحب الرسل معهم الى بلاطات ملوك المسلمين مجموعة منتقاة من الأسرى المسيحين باعتبارهم هدايا من المنتصر ودليلاً مادياً على انتصاره. واتخذ بايزيد لقب (سلطان الروم) كدليل على وراثته لدولة السلاجقة وسيطرته على كل شبه جزيرة الأناضول. كما أرسل الى الخليفة العباسي المقيم بالقاهرة يطلب منه أن يقر هذا اللقب حتى يتسنى له بذلك أن يسبغ على السلطة التي مارسها هو وأجداده من قبل طابعاً شرعياً رسمياً فتزداد هيبته في العالم الاسلامي، وبالطبع وافق السلطان المملوكي برقوق حامي الخليفة العباسي على هذا الطلب لأنه يرى بايزيد حليفه الوحيد ضد قوات تيمورلنك التي كانت تهدد الدولة المملوكية والعثمانية وهاجر الى الاناضول آلاف المسلمين الذين قدموا لخدمة الدولة العثمانية ، وكانت الهجرة مليئة بالجنود وممن أسهموا في الحياة الاقتصادية والعلمية والحكومية في إيران والعراق ومارواء النهر- هذا بالاضافة الى الجموع التي فرت من أمام الزحف التيمورلنكي على آسيا الوسطى( ). رابعاً: حصار القسطنطينية: استطاع بايزيد قبل معركة نيكوبوليس أن يشدد النكير على الامبراطورية البيزنطية وأن يفرض على الامبراطور أن يعين قاضياً في القسطنطينية للفصل في شؤون المسلمين وما لبث أن حاصر العاصمة البيزنطية وقبل الامبراطور إيجاد محكمة اسلامية وبناء مسجد وتخصيص 700 منزل داخل المدينة للجالية الاسلامية، كما تنازل لبايزيد عن نصف حي غلطة الذي وضعت فيه حامية عثمانية قوامها 6.000 جندي وزيد الجزية المفروضة على الدولة البيزنطية، وفرضت الخزانة العثمانية رسوماً على الكروم ومزارع الخضروات الواقعة خارج المدينة. وأخذت المآذن تنقل الآذان الى العاصمة البيزنطية( ). وبعد الانتصار العظيم الذي حققه العثمانيون في معركة نيكوبوليس ثبت العثمانيون أقدامهم في البلقان، حيث انتشر الخوف والرعب بين الشعوب البلقانية، وخضعت البوسنة وبلغاريا الى الدولة العثمانية واستمر الجنود العثمانيون يتتبعون فلول النصارى في ارتدادهم . وعاقب السلطان بايزيد حكام شبه جزيرة المورة الذين قدموا مساعدة عسكرية للحلف الصليبي( ) وعقاباً للامبراطور البيزنطي على موقفه المعادي طلب بايزيد منه أن يسلم القسطنطينية وإزاء ذلك استنجد الامبراطور مانويل بأوروبا دون جدوى. والحق أن الاستيلاء على القسطنطينية كان هدفاً رئيسياً في البرنامج الجهادي للسلطان بايزيد الاول. ولذلك فقد تحرك على رأس جيوشه وضرب حصاراً محكماً حول العاصمة البيزنطية وضغط عليها ضغطاً لاهوادة فيه واستمر الحصار حتى اشرفت المدينة في نهايتها على السقوط- بينما كانت أوروبا تنظر سقوط العاصمة العتيدة بين يوم وآخر إذا السلطان ينصرف عن فتح القسطنطينية لظهور خطر جديد على الدولة العثمانية( ). خامساً: الصدام بين تيمورلنك وبايزيد: ينتمي تيمورلنك الى الأسر النبيلة في بلاد ماوراء النهر ، وفي عام 1369م جلس على عرش خراسان وقاعدته سمرقند. واستطاع أن يتوسع بجيوشه الرهيبة وأن يهيمن على القسم الأكبر من العالم الاسلامي؛ فقد انتشرت قواته الضخمة في آسيا من دلهي الى دمشق، ومن بحر آرال الى الخليج العربي وأحتل فارس وأرمينيا وأعالي الفرات ودجلة والمناطق الواقعة بين بحر قزوين الى البحر الأسود وفي روسيا سيطر على المناطق الممتدة بين أنهار الفولجا والدون والدنيبر وأعلن بأنه سيسيطر على الأرض المسكونة ويجعلها ملكاً له وكان يردد: "أنه يجب ألا يوجد سوى سيد واحد على الارض طالما أنه لايوجد إلا إله واحد في السماء"( ) وقد اتصف تيمورلنك بالشجاعة والعبقرية الحربية والمهارة السياسية وكان قبل أن يقرر أمر أن يجمع المعلومات ويرسل الجواسيس ثم يصدر أوامره بعد تروي وتأني بعيدة عن العجلة وكان من الهيبة بحيث أن جنوده كانوا يطيعون أوامره أيا كانت. وكان تيمور باعتباره مسلماً يرعى العلماء ورجال الدين وبخاصة اتباع الطريقة النقشبندية( ). وكانت هناك عوامل واسباب ساهمت في إيجاد صراع بين تيمورلنك وبايزيد منها: لجأ أمراء العراق الذين استولى تيمور على بلادهم الى بايزيد، كما لجأ الى تيمور بعض أمراء آسيا الصغرى - وفي كلا الجانبين كان اللاجئون يحرضون من استجاروا به على شن الحرب ضد الطرف الآخر . تشجيع النصارى لتيمورلنك ودفعه للقضاء على بايزيد . الرسائل النارية بين الطرفين ، ففي إحدى الرسائل التي بعث بها تيمور الى بايزيد أهانه ضمنياً حين ذكّره بغموض أصل أسرته ، وعرض عليه العفو على أعتبار أن آل عثمان قد قدموا خدمات جليلة الى الاسلام، ولو أنه اختتم رسالته -بصفته زعيماً للترك- باستصغار شأن بايزيد الذي قبل التحدي وصرح بأنه سيتعقب تيمور الى تبريز وسلطانية( ). وكان الزعيمان تيمور لنك وبايزيد يسعى كل منهما لتوسيع دولته .

سادساً: انهيار الدولة العثمانية: تقدم تيمورلنك بجيوشه واحتل سيواس، وأباد حاميتها التي كان يقودها الامير أرطغرل بن بايزيد والتقى الجيشان قرب أنقرة في عام 804هـ/1402م وكانت قوات بايزيد تبلغ 120.000 مجاهد لملاقاة خصمه وزحف تيمورلنك على رأس قوات جرارة في 20 يوليو 1402 (804هـ) وانتصر المغول ووقع بايزيد في الأسر وظل يرسف في أغلاله حتى وافاه الأجل في السنة التالية( ). وكانت الهزيمة بسبب اندفاع وعجلة بايزيد فلم يحسن اختيار المكان الذي نزل فيه بجيشه الذي لم يكن يزيد عن مئة وعشرين ألف مقاتل بينما كان جيش خصمه لا يقل عن ثمانمائة ألف، ومات كثير من جنود بايزيد عطشاً لقلة الماء وكان الوقت صيفاً شديد القيظ. ولم يكد يلتقي الجيشان في انقرة حتى فر الجنود التتار الذين كانوا في جيش يزيد وجنود الامارات الآسيوية التي فتحها منذ عهد قريب وانضموا الى جيش تيمورلنك ولم يجد السلطان العثماني بعد ذلك ما اظهره هو وبقية جيشه من الشجاعة والاستماتة في القتال( ). لقد فرحت الدول النصرانية في الغرب بنصر تيمورلنك وهزها الطرب لمصرع بايزيد وماآلت إليه دولته من التفكك والانحلال وبعث ملوك انجلترا وفرنسا وقشتالة وامبراطور القسطنطينية الى تيمورلنك يهنئونه على ما احرزه من النصر العظيم والظفر المجيد واعتقدت أوروبا انها قد تخلصت الى الابد من الخطر العثماني الذي طالما روعها وهددها( ). واستولى تيمورلنك بعد هزيمة بايزيد على ازنيق وبروسة وغيرها من المدن والحصون ثم دك اسوار ازمير وخلصها من قبضة فرسان رودس( ) (فرسان القديس يوحنا) ، محاولاً بذلك أن يبرر موقفه أمام الرأي العام الاسلامي الذي أتهمه بأنه وجه ضربة شديدة الى الاسلام بقضائه على الدولة العثمانية وحاول تيمورلنك بقتاله لفرسان القديس يوحنا أن يضفي على معارك الأناضول طابع الجهاد( ). كما أعاد تيمورلنك أمراء آسيا الصغرى الى أملاكهم السابقة، ومن ثم استرجاع الامارات التي ضمها بايزيد لاستقلالها كما بذر تيمور بذور الشقاق بين أبناء بايزيد المتنازعين على العرش( ). سابعاً: الحروب الداخلية: لقد تعرضت الدولة العثمانية لخطر داخلي تمثل في نشوب حرب أهلية في الدولة بين أبناء بايزيد على العرش واستمرت هذه الحرب عشر سنوات (806-816هـ/1403-1413م)( ). كان لبايزيد خمسة أبناء اشتركوا معه في القتال ، أما مصطفى فقد ظن أنه قتل في المعركة، أما موسى فقد أسر مع والده ونجح الثلاثة الآخرون في الفرار. أما أكبرهم سليمان فقد ذهب الى أدرنة وأعلن نفسه سلطاناً هناك، وذهب عيسى الى بروسة وأعلن للناس أنه خليفة أبيه، ونشبت الحرب بين هؤلاء الأخوة الثلاثة يتنازعون بينهم اشلاء الدولة الممزقة والأعداء يتربصون بهم من كل جانب. ثم اطلق تيمورلنك الأمير موسى ليؤجج به نار الفتنة ويزيدها ضراماً وشدة واخذ يحرضهم على القتال ويغري بعضهم ببعض( ). وبعد عام ارتحل تيمورلنك بجيشه الأخضر واليابس وترك وراءه البلاد على اسوأ حال من الدمار والخراب والفوضى( ). لقد كانت هذه المرحلة في تاريخ الدولة العثمانية مرحلة اختبار وابتلاء سبقت التمكين الفعلي المتمثل في فتح القسطنطينية، ولقد جرت سنة الله تعالى ألا يمكن لأمة إلا بعد أن تمر بمراحل الاختبار المختلفة، وإلا بعد أن ينصهر معدنها في بوتقة الأحداث، فيميز الله الخبيث من الطيب، وهي سنة جارية على الأمة الاسلامية لا تتخلف. فقد شاء الله -تعالى- أن يبتلي المؤمنين، ويختبرهم، ليمحص إيمانهم، ثم يكون لهم التمكين في الأرض بعد ذلك. وابتلاء المؤمنين قبل التمكين أمر حتمي من أجل التمحيص، ليقوم بنيانهم بعد ذلك على تمكين ورسوخ قال تعالى: {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لايفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} (سورة العنكبوت: آية 2،3). "الفتنة: الامتحان بشدائد التكليف من مفارقة الأوطان، ومجاهدة الاعداء وسائر الطاعات الشاقة، وهجر الشهوات وبالفقر والقحط وأنواع المصائب في الأنفس والأمور ، ومصابرة الكفار على أذاهم وكيدهم"( ). قال ابن كثير -رحمه الله- : (والاستفهام في قوله تعالى: {أحسب الناس} إنكاري ومعناه: أن الله سبحانه لابد أن يبتلي عباده المؤمنين بحسب ماعندهم من الإيمان)( ) كما جاء في الحديث الصحيح : "أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل، : يبتلي الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء( ). ولقد بين رسول الله  أن الابتلاء صفة لازمة للمؤمن ، حيث قال : "مثل المؤمن كمثل الزرع لاتزال الريح تميله ولايزال المؤمن يصيبه البلاء، ومثل المنافق كمثل شجرة الأرز لاتهتز حتى تستحصد"( ). إن سنة الابتلاء جارية في الأمم والدول والشعوب والمجتمعات ولذلك جرت سنة الله بالابتلاء بالدولة العثمانية. صمد العثمانيون لمحنة أنقرة بالرغم مما عانوه من خلافات داخلية، الى أن أنفرد محمد الأول بالحكم في عام 1413م، وأمكنه لم شتات الأراضي التي سبق للدولة أن فقدتها، إن إفاقة الدولة من كارثة أنقرة يرجع الى منهجها الرباني الذي سارت عليه حيث جعل من العثمانيين أمة متفوقة في جانبها العقدي والديني والسلوكي والأخلاقي والجهادي وبفضل الله حافظ العثمانيون على حماستهم الدينية وأخلاقهم الكريمة( ) ثم بسبب المهارة النادرة التي نظم بها أورخان وأخوه علاء الدين دولتها الجديدة وإدارة القضاء المثيرة للإعجاب والتعليم المتواصل لابناء وشباب العثمانيين وغير ذلك من الأسباب التي جعلت في العثمانيين قوة حيوية كاملة ، فما لبثت هذه الدولة بعد كارثة أنقرة إلا انبعثت من جديد من بين الأنقاض والأطلال وانتعشت وسرى في عروقها ماء الحياة، وروح الشريعة، واستأنفت سيرها الى الامام في عزم وإصرار حير الأعداء والأصدقاء( ).


المبحث الخامس: السلطان محمد الأول

ولد السلطان محمد الاول عام (781هـ/1379م)( )، وتولى أمر الأمة بعد وفاة والده بايزيد وعرف في التاريخ (بمحمد جلبي) . كان متوسط القامة ، مستدير الوجه، متلاصق الحاجبين، ابيض البشرة ، أحمر الخدين، واسع الصدر، صاحب بدن قوي، في غاية النشاط وجسوراً ، يمارس المصارعة، ويسحب أقوى أوتار الأقواس. اشترك اثناء حكمه في 24 حرباً واصيب بأربعين جرحاً( ) استطاع السلطان محمد جلبي أن يقضي على الحرب الأهلية بسبب ما أوتي من الحزم والكياسة وبعد النظر وتغلب على أخوته واحداً واحداً حتى خلص له الأمر وتفرد بالسلطان وقضي سني حكمه الثماني في إعادة بناء الدولة وتوطيد اركانها( ) ويعتبره بعض المؤرخين المؤسس الثاني للدولة العثمانية( ). ومما يؤثر عن هذا السلطان أنه استعمل الحزم مع الحلم في معاملة من قهرهم ممن شق عصا طاعة الدولة فإنه لما قهر أمير بلاد القرمان وكان قد استقل عفا عنه بعد أن أقسم له على القرآن الشريف بأن لا يخون الدولة فيما بعد وعفا عنه ثانية بعد أن حنث في يمينه( ) وكانت سياسته تهدف الى إعادة بناء الدولة وتقويتها من الداخل ولذلك سالم امبراطور القسطنطينية وحالفه وأعاد إليه بعض المدن على شاطئ البحر الاسود وفي تساليا وصالح البندقية بعد هزيمة اسطوله أمام كليتبولي وقمع الفتن والثورات في آسيا وأوروبا واخضع بعض الامارات الآسيوية التي أحياها تيمورلنك ودانت له بالطاعة والولاء( ). وظهر في زمن السلطان محمد شخص يسمى بدرالدين انتحل صفة علماء الدين الاسلامي وكان في جيش موسى اخو السلطان محمد وتولى منصب قاضي العسكر أعلى مناصب الدولة العثمانية وقتئذ، وكان هذا القاضي قد احتضنه موسى بن بايزيد. قال صاحب الشقائق النعمانية: (الشيخ بدر الدين محمود بن اسرائيل.. المشهور بابن قاضي سيماونه ولد في قلعة سيماونه في بلاد الروم إحدى قرى أدرنة التي تقع في الجزء الأوروبي من تركيا، كان أبوه قاضياً لها وكان أيضاً أمير على عسكر المسلمين (فيها) وكان فتح تلك القلعة على يده أيضاً ... ولادة الشيخ بدرالدين كانت في زمن السلطان الغازي خداوندكار (مراد الأول) من سلاطين آل عثمان، ثم أخذ الشيخ العلم في صباه عن والده ...وحفظ القرآن العظيم وقرأ على المولى المشتهر بالشاهدي، وتعلم الصرف والنحو عن مولانا يوسف، ثم ارتحل الى الديار المصرية.وقرأ هناك مع (اي مزمل) السيد الشريف الجرجاني ، على مولانا مبارك شاه المنطقي المدرس بالقاهرة، ثم حج مع مبارك شاه وقرأ بمكة على الشيخ الزيعلي ، ثم قدم القاهرة، وقرأ مع السيد الجرجاني على الشيخ أكمل الدين (البايبوري) وقرأ على الشيخ المذكور (اي تعلم وتتلمذ على يد الشيخ بدر الدين) السلطان فرج ابن السلطان برقوق ملك مصر (سلطان مصر المملوكي برقوق). ثم أدركته (اي الشيخ بدرالدين) الجذبة الالهية، والتجأ الى كنف الشيخ سعيد الأخلاطي الساكن بمصر وقتئذ وحصل عنده ماحصل (اي اصبح مريده). وأرسله الشيخ اخلاطي الى بلدة تبريز للارشاد (الصوفي) حكى انه لما جاء تيمورلنك تبريز ...نال (اي بدر الدين) من الامير المذكور (تيمورلنك) مالاً جزيلاً بالغاً الى نهايته، ثم ترك الشيخ الكل، ولحق ببدليس ثم سافر الى مصر..ثم الى حلب ثم الى قونية ثم الى تبرة من بلاد الروم ثم دعاه رئيس جزيرة ساقز (وهو نصراني ) فأسلم على يدي الشيخ...ثم لما تسلطن موسى من أولاد عثمان الغازي نصب الشيخ (اي جعل من الشيخ بدر الدين) قاضياً لعسكره ثم أن أخا موسى (محمداً) قتل موسى وحبس الشيخ مع أهله وعياله ببلدة أزنيق)( ). وفي أزنيق - وهي مدينة في تركيا- بدأ الشيخ بدر الدين محمود بن اسرائيل يدعو الى مذهبه الفاسد، فكان يدعو الى المساواة في الأموال، والأمتعة ، والأديان، ولايفرق بين المسلم وغير المسلم في العقيدة، فالناس أخوة مهما اختلفت عقائدهم وأديانهم وهو ماتدعو إليه الماسونية اليهودية ، وانضم الى هذه الدعوة الباطلة كثير من الاغبياء والجهلة وأصحاب الأغراض الدنيئة وأصبح للمفسد بدرالدين تلاميذ يدعون الى منهجه ومذهبه ومن أشهر هؤلاء الدعاة شخص يسمى (بير قليجة مصطفى) وآخر يقال إنه من أصل يهودي هو (طوره كمال) واليهود دائماً خلف المؤامرات من زمن النبي  وحتى عصرنا هذا. وشاع أمر هذا المذهب الفاسد وكثر أتباعه وتصدى السلطان محمد جلبي لهذا المذهب الباطل وأرسل أحد قواده على رأس جيش كبير لمحاربة بدر الدين وللأسف قتل القائد سيسمان الذي ارسله محمد جلبي على يد الخائن (بير قليجة) وهزم جيشه وأعد السلطان محمد جلبي جيشاً آخر بقيادة وزيره الأول (بايزيد باشا) ، فحارب (بير قليجة) وأنتصر عليه في موقعة (قره بورنو) وبعدها أقيم حد الحرابة على (بير قليجة مصطفى) امتثالاً لأمر الله( ) الذي يقول: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم} (سورة المائدة: آية 33). واستمر الشيخ بدرالدين في غيه وظن أنه سيتمكن من البلاد بسبب ماتمر به من حالة تمزق كامل وفوضى ضربت بأطنابها في كل ارجاء البلاد وكان بدر الدين يقول : (إني سأثور من أجل أمتلاك العالم، وباعتقاداتي ذات الاشارات الغيبية سأقسم العالم بين مريدي بقوة العلم وسر التوحيد، وسأبطل قوانين أهل التقليد ومذهبهم، وسأحلل -باتساع مشاربي- بعض المحرمات)( ). وكان أمير الأفلاق ( في رومانيا ) يدعم هذا المنشق وهذا المبتدع وهذا الزنديق مادياً وعسكرياً وكان السلطان محمد جلبي لهذه الدعوة الفاسدة بالمرصاد وضيق عليها الخناق، حتى اضطر بدر الدين أن يعبر إلى منطقة دلي أورمان ( في بلغاريا الآن( )) يقول محمد شرف الدين في مسألة توجه الشيخ بدر الدين إلى دلي أورمان : ( إن هذه المنطقة وما يحيط بها من مناطق هي مأوى الباطنية، وهي منطقة تعج بأتباع ثورة بابا إسحق التي قامت ضد الدولة العثمانية في منتصف القرن السابع الهجري، وأن توجه الشيخ بدر الدين إلى هذا المكان وتمكنه من جمع الآلاف المؤلفة من المؤيدين له ولحركته من هذه المناطق لفيه الدلالة الكافية لاختيار الشيخ هذا المكان بالذات )( ). وفي دلي أورمان بدأت المعونات الأوربية تفد إلى الشيخ، واتسع نطاق الثورة ضد السلطان العثماني محمد الأول، ووصلت فلولا المنشقين أعداء الإسلام الصحيح إلى مابين 7-8 آلاف مقاتل( ). وكان السلطان محمد الأول يتابع الأمور بحذر ويقظة ولم يكن غافلاً عما يفعله الثوار وقام السلطان بنفسه لحرب الشيخ بدر الدين وكان هذا على رأس جيش عظيم في دلي أورمان. اتخذ السلطان محمد من سيروز ( في اليونان الآن ) مركزاً لقيادته. أرسل السلطان قواته إلى الثوار فهزمتهم، وتوارى زعيمهم بدر الدين الثائر بعد هزيمته، في منطقة دلي أورمان، فراراً من السلطان( ). واستطاعت مخابرات السلطان محمد الأول أن تخترق صفوف الثوار وأن تكيد مكيدة محكمة وقع على أثرها زعيم الثوار المبتدع بدر الدين في الأسر( ). وعندما قابل السلطان محمد الأول بدر الدين قال له : مالي أرى وجهك قد اصفر؟ أجابه بدر الدين: إن الشمس يا مولاي ، تصفر عندما تقترب من الغروب. وقام علماء الدولة بمناظرة علمية حرة مع بدر الدين ثم أقيمت محكمة شرعية، وأصدر حكم الإعدام بناء على فتوى العلماء التي استندت إلى توجيه رسول الله  : " من أتاكم وأمركم جميعاً على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم ويفرق جماعتكم فاقتلوه "( ). إن المذهب الفاسد الذي كان يدعو إليه " بدر الدين " هو نفس مذهب الماسونية اليهودية المعاصرة ( القرن الخامس عشر الهجري / العشرون الميلادي) وهو يقوم على إلغاء الحواجز بين أصحاب العقيدة الإسلامية الصحيحة وأصحاب العقائد الفاسدة، إذ إنه يقول بالأخوة بين المسلمين واليهود والنصارى وعباد البقر والشيوعيين، وهذا يخالف عقيدة الإسلام التي تؤكد أنه لا أخوة بين المسلمين وبين غيرهم من أصحاب العقائد الفاسدة، لأنه كيف يكون هناك أخوة بين من يحاربون الله ورسوله، وبين المؤمنين الموحدين( ). كان السلطان محمد الأول محباً للشعر والأدب والفنون وقيل هو أول سلطان عثماني أرسل الهدية السنوية إلى أمير مكة التي يطلق عليها اسم الصرة، وهي عبارة على قدر معين من النقود يرسل إلى الأمير لتوزيعه على فقراء مكة والمدينة( ). وقد أحب الشعب العثماني السلطان محمد الأول وأطلقوا عليه لقب بهلوان ( ومعناها البطل ) وذلك بسبب نشاطه الجم وشجاعته كما أن أعماله العظيمة، وعبقريته الفذة التي قاد من خلالها الدولة العثمانية الى بر الأمان، كما أن جميل سجاياه وسلوكه وشهامته وحبه للعدل والحق جعل شعبه يحبه ويطلق عليه لقب جلبي ايضاً وهو لقب تشريف وتكريم فيه معنى الشهامة والرجولة. حقيقة إن بعض حكام آل عثمان قد فاقوه شهرة ، إلا أن بالإمكان اعتباره من أنبل حكام العثمانيين -فقد اعترف المؤرخون الشرقيون واليونانيون بإنسانيته واعتبره المؤرخون العثمانيون( ) بمثابة القبطان الماهر الذي حافظ على قيادة سفينة الدولة العثمانية حين هددتها طوفان الغزوات التترية، والحروب الداخلية، والفتن الباطنية. وفاته: بعد أن بذل السلطان محمد الأول قصارى جهده في محو آثار الفتن التي مرت بها الدولة العثمانية وشروعه في أجزاء ترتيبات داخلية تضمن عدم حدوث شغب في المستقبل وبينما كان السلطان مشتغلاً بهذه المهمام السليمة شعر بدنو أجله دعى الباشا بايزيد وقال له: (عينت ابني مراد خليفة لي فأطعه وكن صادقاً معه كما كنت معي . اريد منكم ان تأتونني بمراد الآن لانني لا استطيع أن أقوم من الفراش بعد. فان وقع الأمر الألهي قبل مجيئه حذاري ان تعلنوا وفاتي حتى يأتي)( ). وفاجأه الموت في سنة 824هـ (1421م) في مدينة أورنة واسلم روحه لخالقه وعمر 43سنة. وخوفاً من حصول مالاتحمد عقباه لو عُلم موت السلطان محمد الأول اتفق وزيراه ابراهيم وبايزيد على أخفاء موته على الجند حتى يصل أبنه مراد الثاني فأشاعا أن السلطان مريض وارسلا لابنه فحضر بعد واحد وأربعين يوماً واستلم مقاليد الحكم( ). ولقد كان السلطان محمد الأول محباً للسلام والعلم والفقهاء ولذلك نقل عاصمة الدولة من أدرنة (مدينة الغزاة) الى بروسة (مدينة الفقهاء)( ) وكان على خلق رفيع، وحزم متين ، وحلم فريد ، وسياسة فذة في معاملة الأعداء والأصدقاء.

المبحث السادس: مراد الثاني

تولى السلطان مراد الثاني أمر الدولة بعد وفاة أبيه (محمد جلبي) عام (824هـ/1421م)، وكان عمره لايزيد على ثماني عشرة سنة وكان محباً للجهاد في سبيل الله، والدعوة الى الاسلام في ربوع أوروبا( ). كان معروفاً لدى جميع رعيته بالتقوى، والعدالة والشفقة( )، استطاع السلطان مراد أن يقضي على حركات التمرد الداخلية التي قام بها عمه مصطفى والتي كانت تدعم من قبل أعداء الدولة العثمانية وكان الامبراطور البيزنطي مانويل الثاني خلف الدسائس والمؤامرات والمتاعب التي تعرض لها السلطان مراد، فهو الذي دعم عم السلطان مراد الذي اسمه مصطفى بالمساعدات حتى استطاع أن يحاصر مدينة غاليبولي ابتغاء انتزاعها من السلطان واتخاذها قاعدة له إلا ان السلطان مراد قبض على عمه وقدمه للمشنقة ومع ذلك ، فقد مضى الامبراطور مانويل الثاني يكيد للسلطان واحتضن شقيقاً لمراد الثاني ، ووضعه على رأس قوة استولت على مدينة نيقيافي الأناضول، وسار إليه مراد واستطاع أن يقض على قواته واضطر خصمه للاستسلام ثم قتل . ومن ثم صمم السلطان مراد أن يلقن الامبراطور درساً عملياً، فأسرع بإحتلال سلولنيك، فهاجمها ودخلها عنوة في مارس 1431م (833هـ) ، واصبحت جزءً لايتجزأ من الدولة العثمانية. وكان السلطان مراد يوجه الضربات الموجعة لحركات التمرد في بلاد البلقان، وحرص على تدعيم الحكم العثماني في تلك الديار، واتجه الجيش العثماني نحو الشمال لأخضاع إقليم ولاشيا وفرض عليه جزية سنوية، واضطر ملك الصرب الجديد (ستيف لازار ميتش) الى الخضوع للعثمانيين والدخول تحت حكمهم وجدد ولاءه للسلطان ، واتجه جيش عثماني نحو الجنوب، حيث قام بتوطيد دعائم الحكم العثماني في بلاد اليونان. ولم يلبث السلطان أن واصل جهاده الدعوي وقام بالقضاء على العوائق في كل من ألبانيا والمجر. واستطاع العثمانيون أن يفتحوا ألبانيا عام (834هـ/1431م) وركزوا هجومهم على الجزء الجنوبي من البلاد. أما شمالي ألبانيا ، فقد خاض العثمانيون فيه جهاداً مريراً، وتمكن الألبانيون الشماليون من القضاء على جيشين عثمانيين في جبال البانيا، كما ألحقوا الهزيمة بحملتين عثمانيتين متعاقبتين كان يقودهما السلطان مراد بنفسه، وتكبد العثمانيون خسائر فادحة أثناء عملية الانسحاب، ووقفت الدول النصرانية خلف الألبان لدعمهم ضد العثمانيين وخصوصاً من حكومة البندقية التي كانت تدرك خطورة الفتح العثماني لهذا الاقليم الهام بشاطئيه وموانئه البحرية التي تربط البندقية بحوض البحر المتوسط والعالم الخارجي ، وأنهم في استطاعتهم حجز سفن البنادقة داخل بحر مغلق هو بحر الأدرياتيك. وهكذا لم يشهد السلطان مراد الثاني استقراراً للحكم العثماني في ألبانيا( ). وأما ما يتعلق بجبهة المجر، فقد استطاع العثمانيون في عام (842هـ/1438م) أن يهزموا المجريين ويأسروا منهم سبعين ألف جندي وأن يستولوا على بعض المواقع، ثم تقدم لفتح بلغراد عاصمة الصرب، ولكنه أخفق في محاولته وسرعان ماتكون حلف صليبي كبير باركه البابا واستهدف هذا الحلف طرد العثمانيين من أوربا كلية. وشمل الحلف البابوية والمجر وبولندا والصرب وبلاد الأفلاق وجنوة والبندقية والإمبراطورية البيزنطية ودوقية برجنديا، وانضمت إلى الحلف أيضاً كتائب من الألمان والتشيك. وأعطيت قيادة قوات الحلف الصليبي إلى قائد مجري قدير هو يوحنا هنيادي. وقد قاد هنيادي القوات الصليبية البرية وزحف جنوباً واجتاز الدانوب وأوقع بالعثمانيين هزيمتين فادحتين عام ( 846هـ/ 442م )، واضطر العثمانيون إلى طلب الصلح( ) وأبرمت معاهدة صلح لمدة عشر سنوات في " سيزجادن " وذلك في شهر يوليو عام 1444م / 848هـ تنازل فيها عن الصرب واعترف " بجورج برانكوفيتش" أميراً عليها. كما تنازل السلطان مراد عن الافلاق للمجر، وافتدى زوج ابنته " محمود شلبي " الذي كان قائداً عاماً للجيوش العثمانية، بمبلغ 60 ألف دوقية.. وقد حررت هذه المعاهدة باللغتين العثمانية، والمجرية وأقسم "لاديسلاسي " ملك المجر على الانجيل كما اقسم السلطان مراد بالقرآن على أن تراعي شروط المعاهدة بذمة وشرف. وحين فرغ مراد من عقد الهدنة مع أعدائه الاوروبيين عاد إلى الأناضول وفجع بموت ابنه الأمير علاء واشتد حزنه عليه وزهد في الدنيا والملك ونزل عن السلطنة لابنه محمد وكان إذ ذاك في الرابعة عشرة من عمره، ولصغر سنه أحاطه والده ببعض أهل الرأي والنظر من رجال دولته ثم ذهب إلى مغنيسيا في آسيا الصغرى ليقضي بقية حياته في عزلة وطمأنينة ويتفرغ في هذه الخلوة إلى عبادة الله والتأمل في ملكوته بعد أن أطمأن إلى استتباب الأمن والسلام في أرجاء دولته ولم يستمتع السلطان طويلاً بهذه الخلوة والعبادة( ) حيث قام الكاردينال سيزاريني وبعض أعوانه بالدعوة إلى نقض العهود مع العثمانيين وطردهم عن أوربا، خصوصاً وأن العرش العثماني قد تركه السلطان مراد لابنه الفتى الذي لا خبرة له ولاخطر منه وقد اقتنع البابا أوجين الرابع بهذه الفكرة الشيطانية( ) وطلب من النصارى، نقض العهد، ومهاجمة المسلمين وبين للنصارى أن المعاهدة التي عقدت مع المسلمين باطلة لأنها عقدت بدون إذن البابا وكيل المسيح في الأرض وكان الكاردينال سيزاريني عظيم النشاط دائم الحركة لايكل عن العمل، يجد ويسعى للقضاء على العثمانيين ولذلك كان يزور ملوك النصارى وزعمهم ويحرضهم على نقض المعاهدة مع المسلمين ويقنع كل من يعترض عليه نكث المعاهدة ويقول له أنه باسم البابا يبرئ ذمتهم من نكثها ويبارك جنودهم وأسلحتهم، وعليهم أن يتبعوا طريقه فان طريق المجد والخلاص ومن نازعه ضميره بعد ذلك وخشي الاثم فإنه يحمل عنه وزره وإثمه( ). لقد نقض النصارى عهودهم، وحشدوا الجيوش لمحاربة المسلمين، وحاصروا مدينة " فارنا " البلغارية الواقعة على ساحل البحر الأسود، والتي كانت قد تحررت على أيدي المسلمين، ونقض العهود هو سَمْتُ ظاهر لأعداء هذا الدين، ولذلك أوجب الله سبحانه وتعالى على المسلمين قتالهم يقول سبحانه : {فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون } ( التوبة: 12). لاعهود، ولا مواثيق يرعونها، كما هو طابعهم دائماً . إنهم لا يتورعون عن مهاجمة أي أمة، أي إنسان يلمحون فيه ضعفاً، يقتلون ويذبحون( ) وصدق الله القائل في تصويرهم : { لايرقبون في مؤمن إلا ولا ذمّة وأولئك هم المعتدون } (التوبة : 10 ). وعندما تحرك النصارى وزحفوا نحو الدولة العثمانية وسمع المسلمون في أدرنة بحركة الصليبيين وزحفهم انتابهم الفزع والرعب وبعث رجال الدولة الى السلطان مراد يستعجلون قدومه لمواجهة هذا الخطر وخرج السلطان المجاهد من خلوته ليقود جيوش العثمانيين ضد الخطر الصليبي. واستطاع مراد أن يتفق مع الأسطول الجنوي لينقل أربعين ألفاً من الجيش العثماني من آسيا إلى أوروبا تحت سمع الأسطول الصليبي وبصره في مقابل دينار لكل جندي. وأسرع السلطان مراد في السير فوصل وارنه في نفس اليوم الذي وصل فيه الصليبيون. وفي اليوم التالي نشبت المعركة بين الجيشين النصراني والإسلامي وكانت عنيفة حامية وقد وضع السلطان مراد المعاهدة التي نقضها أعداؤه على رأس رمح ليشهدهم ويشهد السماء والأرض على الغدر والعدوان وليزيد حماس جنده( ). واقتتل الفريقان، ودارت بينهما معركة رهيبة كاد يكون فيها النصر للنصارى نتيجة حميتهم الدينية وحماسهم الزائد إلا أن تلك الحماية والحماس الزائد اصطدم بالروح الجهادية لدى العثمانيين، والتقى الملك "لاديسلاس " ناقض العهود مع السلطان مراد الوفي بالعهود وجها لوجه واقتتلا، ودارت بينهما معركة رهيبة، تمكن السلطان المسلم من قتل الملك المجري النصراني، فقد عاجله بضربة قوية من رمحه اسقطته من على ظهر جواده فأسرع بعض المجاهدين وجزوا رأسه ورفعوه على رمح مهللين مكبرين وفرحين( ) وصاح أحد المجاهدين في العدو " أيها الكفار هذا رأس ملككم " وكان لذلك المنظر أثر شديد على جموع النصارى، فاستحوذ عليهم الفزع والهلع، فحمل عليهم المسلمون حملة قوية، بددت شملهم وهزموهم شر هزيمة، وولى النصارى مدبرين يدفع بعضهم ولم يطارد السلطان مراد عدوه واكتفى بهذا الحد من النصر وانه لنصر عظيم( ). كانت هذه المعركة في سهول قوصوه في 17 أكتوبر 1448م ( 852هـ ) واستمرت المعركة ثلاثة أيام وانتهت بفوز ساحق للعثمانيين. وقد أخرجت هذه المعركة بلاد المجر لعشر سنوات على الأقل من عداد الدول التي تستطيع النهوض بعمليات حربية هجومية ضد العثمانيين( ). ولم تفارق السلطان مراد زهادته في الدنيا والملك فنزل على العرش مرة أخرى لابنه محمد وعاد إلى عزلته في مغنيسيا كما يعود الأسد المنتصر إلى عرينه. ولقد ذكر لنا التاريخ مجموعة من الملوك والحكام الذين نزلوا عن عروشهم وانقطعوا عن الناس وأبهة الملك إلى العزلة، وأن بعض هؤلاء الملوك قد عادوا إلى العرش ولكن لم يذكر لنا أحد منهم نزل عن العرش مرتين غير السلطان مراد فإنه لم يكد يذهب إلى معتزله بآسيا الصغرى حتى ثار الانكشارية في أدرنة وشغبوا وهاجوا وماجوا وتمردوا وطغوا وأفسدوا وكان السلطان محمد فتى يافعاً حديث السن وخشي بعض رجال الدولة أن يستفحل الأمر ويعظم الخطر ويتفاقم الشر، وتسوء العاقبة فبعثوا إلى السلطان مراد يستقدمونه ليتولى الأمر بنفسه( ) وجاء السلطان مراد وقبض على زمام الأمر وخضع له الانكشارية وأرسل ابنه محمد إلى مغنيسيا حاكماً عليها بالأناضول، وبقى السلطان مراد الثاني على العرش العثماني إلى آخر يوم في حياته، وقد قضاها في الغزو والفتح( ).

أولاً: مراد الثاني وحبه للشعراء والعلماء وفعل الخير: يقول محمد حرب: ( مراد الثاني وإن كان مقلاً وكان مالدينا من شعره قليلاً، لصاحب فضل على الأدب والشعر لا يجحد، لأن نعمة حلّت على الشعراء الذين كان يدعوهم إلى مجلسه يومين في كل أسبوع ليقولوا ماعندهم، ويأخذون بأطراف الأحاديث والأسمار بينهم وبين السلطان، فيستحسن أو يستهجن، ويختار أو يطرح، وكثيراً ماكان يسدّ عوز المعوزين منهم بنائلة الغمر أو بإيجاد حرفة لهم تدرّ الرزق عليهم حتى يفرغوا من هموم العيش ويتوفروا على قول الشعر، وقد أنجب عصره كثيراً من الشعراء( ). لقد حوّل القصر الحاكم إلى نوع من الأكاديمية العلمية ووصل به الأمر أن كان الشعراء يرافقونه في جهاده( ). ومن أشعاره : ( تعالوا نذكر الله لأننا لسنا بدائمين في الدنيا )( ). كان سلطاناً عالماً عاقلاً عادلاً شجاعاً، وكان يرسل لأهالي الحرمين الشريفين وبيت المقدس من خاصة ماله في كل عام ثلاثة آلاف وخمس مئة دينار، وكان يعتني بشأن العلم والعلماء والمشايخ والصلحاء، مهد الممالك، وأمّن السبل، وأقام الشرع والدين وأذل الكفار والملحدين( ) وقال عنه يوسف آصاف : ( كان تقياً صالحاً، وبطلاً صنديداً، محباً للخير، ميَّالاً للرأفة والإحسان )( ). ثانياً: وفاته ووصيته قال صاحب النجوم الزاهرة: في وفيات عام 855هـ في مراد الثاني: (وكان خير ملوك زمانه شرقاً وغرباً، مما اشتمل عليه من العقل والحزم والعزم والكرم والشجاعة والسؤدد، وأفنى عمره في الجهاد في سبيل الله تعالى، وغزا عدَّة غزوات، وفتح عدّة فتوحات، وملك الحصون المنيعة، والقلاع والمدن من العدوِّ المخذول. على أنه كان منهمكاً في اللذات التي تهواها النفوس، ولعل حاله كقول بعض الأخيار - وقد سئل عن دينه - فقال: أُمزقه بالمعاصي وأُرقعه بالاستغفار - ، فهو أحق بعفو الله وكرمه، فإن له المواقف المشهورة، وله اليد البيضاء في الإسلام ونكاية العدوّ، حتى قيل عنه إنه كان سياجاً للإسلام والمسلمين - عفا الله عنه، وعوّض شبابه الجنة ...)( ). توفي السلطان في قصر ادرنه عن عمر يناهز 47 عاماً وبناء على وصيته رحمه الله دفن في جانب جامع مرادية في بورصة. ووصى بان لايبنى على قبره شيء وأن يعمل أماكن في جوانب القبر يجلس فيها الحفاظ لقراءة القرآن الكريم وأن يدفن في يوم الجمعة فنفذت وصيته( ). وترك في وصيته شعراً، بعد أن كان قلقاً يخشى أن يدفن في قبر ضخم، وكان يريد ألاّ يبنى شيء على مكان دفنه، فكتبها شعراً ليقول: فليأتِ يوم يرى الناس فيه ترابي( ). لقد قام السلطان مراد ببناء جوامع ومدارس، وقصوراً وقناطر فمنها جامع ادرنه ذو ثلاثة شرف وبنى بجانب هذا الجامع مدرسة وتكية يطعم فيها الفقراء والمساكين( ).


الفصل الثالث: محمد الفاتح وفتح القسطنطينية

المبحث الأول: السلطان محمد الفاتح

هو السلطان محمد الثاني ( 431هـ- 1481م )، يعتبر السلطان العثماني السابع في سلسلة آل عثمان يلقب بالفاتح وأبي الخيرات. حكم مايقرب من ثلاثين عاماً كانت خيراً وعزة للمسلمين( ). تولى حكم الدولة العثمانية بعد وفاة والده في 16 محرم عام 855هـ الموافق 18 فبراير عام 1451م وكان عمره آنذاك 22 سنة ولقد امتاز السلطان محمد الفاتح بشخصية فذة جمعت بين القوة والعدل كما أنه فاق أقرانه منذ حداثته في كثير من العلوم التي كان يتلقاها في مدرسة الأمراء وخاصة معرفته لكثير من لغات عصره وميله الشديد لدراسة كتب التاريخ، مما ساعده فيما بعد على إبراز شخصيته في الإدارة وميادين القتال حتى أنه اشتهر أخيراً في التاريخ بلقب محمد الفاتح، لفتحه القسطنطينية. وقد انتهج المنهج الذي سار عليه والده وأجداده في الفتوحات ولقد برز بعد توليه السلطة في الدولة العثمانية بقيامه بإعادة تنظيم إدارات الدولة المختلفة، واهتم كثيراً بالأمور المالية فعمل على تحديد موارد الدولة وطرق الصرف منها بشكل يمنع الإسراف والبذخ أو الترف. وكذلك ركز على تطوير كتائب الجيش وأعاد تنظيمها ووضع سجلات خاصة بالجند، وزاد من مرتباتهم وأمدهم بأحدث الأسلحة المتوفرة في ذلك العصر. وعمل على تطوير إدارة الأقاليم وأقر بعض الولاة السابقين في أقاليمهم وعزل من ظهر منه تقصيراً أو إهمال وطور البلاط السلطاني وأمدهم بالخبرات الإدارية والعسكرية الجيدة مما ساهم في استقرار الدولة والتقدم إلى الإمام وبعد أن قطع أشواطاً مثمرة في الإصلاح الداخلي تطلع إلى المناطق المسيحية في أوروبا لفتحها ونشر الإسلام فيها، ولقد ساعدته عوامل عدة في تحقيق أهدافه، منها الضعف الذي وصلت إليه الإمبراطورية البيزنطية بسبب المنازعات مع الدول الأوروبية الأخرى، وكذلك بسبب الخلافات الداخلية التي عمت جميع مناطقها ومدنها ولم يكتف السلطان محمد بذلك بل انه عمل بجد من أجل أن يتوج انتصاراته بفتح القسطنطينية عاصمة الامبراطورية البيزنطية، والمعقل الاستراتيجي الهام للتحركات الصليبية ضد العالم الإسلامي لفترة طويلة من الزمن، والتي طالما اعتزت بها الامبراطورية البيزنطية بصورة خاصة والمسيحية بصورة عامة، وجعلها عاصمة للدولة العثمانية وتحقيق ما عجز عن تحقيقه أسلافه من قادة الجيوش الإسلامية( ).

أولاً: فتح القسطنطينية تعد القسطنطينية من أهم المدن العالمية، وقد أسست في عام 330م على يد الإمبراطور البيزنطي قسطنطين الأول( ) ، وقد كان لها موقع عالمي فريد حتى قيل عنها : " لو كانت الدنيا مملكة واحدة لكانت القسطنطينية أصلح المدن لتكون عاصمة لها "( )، ومنذ تأسيسها فقد اتخذها البيزنطيون عاصمة لهم وهي من أكبر المدن في العالم وأهمها( ) عندما دخل المسلمون في جهاد مع الدولة البيزنطية كان لهذه المدينة مكانتها الخاصة من ذلك الصراع، ولذلك فقد بشر الرسول  أصحابه بفتحها في عدة مواقف، من ذلك: ما حدث أثناء غزوة الخندق( )، ولهذا فقد تنافس خلفاء المسلمين وقادتهم على فتحها عبر العصور المختلفة طمعاً في أن يتحقق فيهم حديث الرسول  : (لتفتحن القسطنطينية على يد رجل، فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش)( ). لذلك فقد امتدت إليها يد القوات المسلمة المجاهدة منذ أيام معاوية بن أبي سفيان في أولى الحملات الإسلامية عليها سنة 44هـ ولم تنجح هذه الحملة، وقد تكررت حملات أخرى في عهده حظيت بنفس النتيجة. كما قامت الدولة الأموية بمحاولة أخرى لفتح القسطنطينية وتعد هذه الحملة أقوى الحملات الأموية عليها، وهي تلك الحملة التي تمت في أيام سليمان بن عبدالملك سنة 98هـ( ). واستمرت المحاولة لفتح القسطنطينية حيث شهد العصر العباسي الأول حملات جهادية مكثفة ضد الدولة البيزنطية، ولكنها لم تتمكن من الوصول إلى القسطنطينية نفسها وتهديدها مع أنها هزتها وأثرت على الأحداث داخلها، وبخاصة تلك الحملة التي تمت في أيام هارون الرشيد( ) سنة 190هـ. وقد قامت فيما بعد عدة دويلات إسلامية في آسيا الصغرى كان من أهمها دولة السلاجقة، التي امتدت سلطتها إلى آسيا الصغرى. كما أن زعيمها ألب أرسلان ( 455- 465هـ / 1063-1072م ) استطاع أن يهزم امبراطور الروم ديمونوس في موقعة ملاذ كرد عام 464هـ/1070م ثم أسره وضربه وسجنه وبعد مدة أطلق سراحه بعد أن تعهد بدفع جزية سنوية للسلطان السلجوقي، وهذا يمثل خضوع جزء كبير من امبراطورية الروم للدولة الإسلامية السلجوقية وبعد ضعف دولة السلاجقة الكبرى ظهرت عدة دول سلجوقية كان منها دولة سلاجقة الروم في آسيا الصغرى والتي استطاعت مد سلطتها إلى سواحل بحر إيجة غربا وإضعاف الامبراطورية الرومانية. وفي مطلع القرن الثامن الهجري الرابع عشر الميلادي خلف العثمانيون سلاجقة الروم( ) وتجددت المحاولات الإسلامية لفتح القسطنطينية وكانت البداية حين جرت محاولة لفتحها في أيام السلطان بايزيد " الصاعقة " الذي تمكنت قواته من محاصرتها بقوة سنة 796هـ - 1393م( )، وأخذ السلطان يفاوض الإمبراطور البيزنطي لتسليم المدينة سلماً إلى المسلمين، ولكنه أخذ يراوغ ويماطل ويحاول طلب المساعدات الأوربية لصد الهجوم الاسلامي عن القسطنطينية ، وفي الوقت نفسه وصلت جيوش المغول يقودها تيمورلنك إلى داخل الأراضي العثمانية وأخذت تعيث فسادا ، فاضطر السلطان بايزيد لسحب قواته وفك الحصار عن القسطنطينية لمواجهة المغول بنفسه ومعه بقية القوات العثمانية ، حيث دارت بين الطرفين معركة أنقرة الشهيرة ، والتي أسر فيها بايزيد (الصاعقة) ثم مات بعد ذلك في الأسر سنة 1402م( ) وكان نتيجة ذلك ان تفككت الدولة العثمانية مؤقتا ، وتوقف التفكير في فتح القسطنطينية إلى حين . وما أن استقرت الأحوال في الدولة حتى عادت روح الجهاد من جديد ، ففي أيام السلطان مراد الثاني الذي تولى الحكم في الفترة 824هـ-863هـ/ 1421-1451م جرت عدة محاولات لفتح القسطنطينية وتمكنت جيوش العثمانيين في أيامه من محاصرتها أكثرة من مرة ، وكان الإمبراطور البيزنطي في أثناء تلك المحاولات يعمل على إيقاع الفتنة في صفوف العثمانيين بدعم الخارجين على السلطان( )، وبهذه الطريقة نجح في إشغاله في هدفه الذي حرص عليه ، فلم يتمكن العثمانيون من تحقيق ما كانوا يطمحون إليه إلا في زمن ابنه محمد الفاتح فيما بعد . كان محمد الفاتح يمارس الأعمال السلطانية في حياة ابيه ومنذ تلك الفترة وهو يعايش صراع الدولة البيزنطية في الظروف المختلفة ، كما كان على اطلاع تام بالمحاولات العثمانية السابقة لفتح القسطنطينية ، بل ويعلم بما سبقها من محاولات متكررة في العصور الإسلامية المختلفة ، وبالتالي فمنذ أن ولى السلطنة العثمانية سنة 855هـ الموافق 1451هـ م( ) كان يتطلع إلى فتح القسطنطينية ويفكر في فتحها ولقد ساهمت تربية العلماء على تنشئته على حب الإسلام والإيمان والعمل بالقرآن وسنة سيد الأنام ولذلك نشأ على حب الإلتزام بالشريعة الإسلامية ، واتصف بالتقى والورع ، ومحبا للعلم والعلماء ومشجعا على نشر العلوم ويعود تدينه الرفيع للتربية الإسلامية الرشيدة التي تلقها منذ الصغر ، بتوجيهات من والده ، وجهود الشخصيات العلمية القوية التي أشرفت على تربيته، وصفاء أولئك الأساتذة الكبار وعزوفهم عن الدنيا وابتعادهم عن الغرور ومجاهدتهم لأنفسهم ، ممن أشرفوا على رعايته( ). لقد تأثر محمد الفاتح بالعلماء الربانيين منذ طفولته ومن أخصهم العالم الرباني "أحمد بن اسماعيل الكوراني" مشهودا له بالفضيلة التامة ، وكان مدرسه في عهد السلطان "مراد الثاني" والد "الفاتح" . وفي ذلك الوقت كان محمد الثاني -الفاتح- ، أميرا في بلدة "مغنيسيا" وقد أرسل إليه والده عددا من المعلمين ولم يمتثل أمرهم ، ولم يقرأ شيئا ، حتى أنه لم يختم القرآن الكريم ، فطلب السلطان المذكور ، رجلا له مهابة وحدّة ، فذكروا له المولى "الكوراني" ، فجعله معلما لولده وأعطاه قضيبا يضربه بذلك إذا خالف أمره . فذهب إليه ، فدخل عليه والقضيب بيده ، فقال: أرسلني والدك للتعليم والضرب إذا خالفت أمري، فضحك السلطان محمد خان من ذلك الكلام ، فضربه المولى الكوراني في ذلك المجلس ضربا شديداً ، حتى خاف منه السلطان محمد خان ، وختم القرآن في مدة يسيرة . . ." ( ). هذه التربية الاسلامية الصادقة، وهؤلاء المربون الأفاضل، ممن كان منهم بالأخص هذا العالم الفاضل، ممن يمزق الأمر السلطاني إذا وجد به مخالفة للشرع أو لاينحني للسلطان ، ويخاطبه باسم، ويصافحه ولايقبل يده، بل السلطان يقبل يده. من الطبيعي أن يتخرج من بين جنباتها أناس عظماء كمحمد الفاتح ، وأن يكون مسلماً مؤمناً ملتزماً بحدود الشريعة، مقيد بالأوامر والنواهي معظماً لها ومدافعاً عن إجراءات تطبيقها على نفسه أولاً ثم على رعيته، تقياً صالحاً يطلب الدعاء من العلماء العاملين الصالحين( ). وبرز دور الشيخ آق شمس الدين في تكوين شخصية محمد الفاتح وبث فيه منذ صغره أمرين هما: 1- مضاعفة حركة الجهاد العثمانية. 2- الإيحاء دوماً لمحمد منذ صغره بأنه الأمير المقصود بالحديث النبوي : (لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش) ( ) لذلك كان الفاتح يطمع أن ينطبق عليه حديث رسول الله  المذكور( ). ثانياً: الإعداد للفتح: بذل السلطان محمد الثاني جهوده المختلفة للتخطيط والترتيب لفتح القسطنطينية، وبذل في ذلك جهوداً كبيرة في تقوية الجيش العثماني بالقوى البشرية حتى وصل تعداده الى قرابة ربع مليون مجاهد( ) وهذا عدد كبير مقارنة بجيوش الدول في تلك الفترة، كما عني عناية خاصة بتدريب تلك الجموع على فنون القتال المختلفة وبمختلف أنواع الأسلحة التي تؤهلهم للعملية الجهادية المنتظرة كما أعتنى الفاتح بإعدادهم إعداداً معنوياً قوياً وغرس روح الجهاد فيهم، وتذكيرهم بثناء الرسول  على الجيش الذي يفتح القسطنطينية وعسى أن يكونوا هم الجيش المقصود بذلك، مما أعطاهم قوة معنوية وشجاعة منقطعة النظير ، كما كان لانتشار العلماء بين الجنود أثر كبير في تقوية عزائم الجنود وربطهم بالجهاد الحقيقي وفق أوامر الله. وقد اعتنى السلطان بإقامة قلعة (روملي حصار) في الجانب الأوروبي على مضيق البسفور في أضيق نقطة منه مقابل القلعة التي أسست في عهد السلطان بايزيد في البر الآسيوي ، وقد حاول الامبراطور البيزنطي ثني السلطان الفاتح عن بناء القلعة مقابل التزامات مالية تعهد به إلا أن الفاتح أصر على البناء لما يعلمه من أهمية عسكرية لهذا الموقع، حتى اكتملت قلعة عالية ومحصنة، وصل ارتفاعها الى 82 متراً وأصبحت القلعتان متقابلتين ولا يفصل بينهما سوى 660م تتحكمان في عبور السفن من شرقي البسفور الى غربيه وتستطيع نيران مدافعهما منع أي سفينة من الوصول الى القسطنطينية من المناطق التي تقع شرقها مثل مملكة طرابزون وغيرها من الأماكن التي تستطيع دعم المدينة عند الحاجة( ). أ- اهتمام السلطان بجمع الأسلحة اللازمة: اعتنى السلطان عناية خاصة بجمع الاسلحة اللازمة لفتح القسطنطينية، ومن أهمها المدافع التي أخذت اهتماماً خاصاً منه حيث أحضر مهندساً مجرياً يدعى (أوربان) كان بارعاً في صناعة المدافع فأحسن استقباله ووفر له جميع الإمكانيات المالية والمادية والبشرية، وقد تمكن هذا المهندس من تصميم وتنفيذ العديد من المدافع الضخمة كان على رأسها المدفع السلطاني المشهور، والذي ذكر أن وزنه كان يصل الى مئات الأطنان وأنه يحتاج الى مئات الثيران القوية لتحريكه، وقد أشرف السلطان بنفسه على صناعة هذه المدافع وتجريبها( ). ب- الاهتمام بالأسطول: ويضاف الى هذا الاستعداد مابذله الفاتح من عناية خاصة بالأسطول العثماني حيث عمل على تقويته وتزويده بالسفن المختلفة ليكون مؤهلاً للقيام بدوره في الهجوم على القسطنطينية ، تلك المدينة البحرية التي لايكمل حصارها دون وجود قوة بحرية تقوم بهذه المهمة وقد ذكر أن السفن التي أعدت لهذا الأمر بلغت أكثر من أربعمائة سفينة( ). ج- عقد معاهدات: كما عمل الفاتح قبل هجومه على القسطنطينية على عقد معاهدات مع أعدائه المختلفين ليتفرغ لعدو واحد، فعقد معاهدة مع إمارة (غلطة) المجاورة للقسطنطينية من الشرق ويفصل بيهما مضيق (القرن الذهبي) ، كما عقد معاهدات مع (المجد) و(البندقية) وهما من الامارات الأوروبية المجاورة ، ولكن هذه المعاهدات لم تصمد حينما بدأ الهجوم الفعلي على القسطنطينية، حيث وصلت قوات من تلك المدن وغيرها للمشاركة في الدفاع عن القسطنطينية( ) مشاركة لبني عقيدتهم من النصارى متناسين عهودهم ومواثيقهم مع المسلمين. في هذه الاثناء التي كان السلطان يعد العدة فيها للفتح استمات الامبراطور البيزنطي في محاولاته لثنيه عن هدفه، بتقديم الأموال والهدايا المختلفة إليه، وبمحاولة رشوة بعض مستشاريه ليؤثروا على قراره( ) ولكن السلطان كان عازماً على تنفيذ مخططه ولم تثنه هذه الأمور عن هدفه، ولما رأى الامبراطور البيزنطي شدة عزيمة السلطان على تنفيذ هدفه عمد الى طلب المساعدات من مختلف الدول والمدن الأوروبية وعلى رأسها البابا زعيم المذهب الكاثوليكي ، في الوقت الذي كانت فيه كنائس الدولة البيزنطية وعلى رأسها القسطنطينية تابعة للكنيسة الأرثوذكسية وكان بينهما عداء شديد وقد أضطر الامبراطور لمجاملة البابا بأن يتقرب إليه ويظهر له استعداده للعمل على توحيد الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية لتصبح خاضعة له، في الوقت الذي لم يكن الأرثوذكس يرغبون في ذلك، وقد قام البابا بناءً على ذلك بإرسال مندوب منه الى القسطنطينية ، خطب في كنيسة آيا صوفيا ودعا للبابا وأعلن توحيد الكنيستين، مما أغضب جمهور الأرثوذكس في المدينة، وجعلهم يقومون بحركة مضادة لهذا العمل الامبراطوري الكاثوليكي المشترك، حتى قال بعض زعماء الأرثودكس : (إنني افضل أن أشاهد في ديار البيزنط عمائم الترك على أن أشاهد القبعة اللاتينية) ( ). ثانياً: الهجوم: كان القسطنطينية محاطة بالمياة البحرية في ثلاث جبهات، مضيق البسفور ، وبحر مرمرة ، والقرن الذهبي الذي كان محمياً بسلسلة ضخمة جداً تتحكم في دخول السفن إليه، بالإضافة الى ذلك فإن خطين من الأسوار كانت تحيط بها من الناحية البرية من شاطئ بحر مرمرة الى القرن الذهبي، يتخللها نهر ليكوس، وكان بين السورين فضاء يبلغ عرضه 60 قدماً ويرتفع السور الداخلي منها 40 قدماً وعليه أبراج يصل ارتفاعها الى 60 قدماً ، وأما السور الخارجي فيبلغ ارتفاعه قرابة خمس وعشرين قدماً وعليه أبراج موزعة مليئة بالجند( )، وبالتالي فإن المدينة من الناحية العسكرية تعد من أفضل مدن العالم تحصيناً، لما عليها من الأسوار والقلاع والحصون إضافة الى التحصينات الطبيعية، وبالتالي فإنه يصعب اختراقها، ولذلك فقد استعصت على عشرات المحاولات العسكرية لاقتحامها ومنها إحدى عشرة محاولة اسلامية سابقة كان السلطان الفاتح يكمل استعدادات القسطنطينية ويعرف أخبارها ويجهز الخرائط اللازمة لحصارها، كما كان يقوم بنفسه بزيارات استطلاعية يشاهد فيها استحكامات القسطنطينية وأسوارها( )، وقد عمل السلطان على تمهيد الطريق بين أدرنة والقسطنطينية لكي تكون صالحة لجر المدافع العملاقة خلالها الى القسطنطينية، وقد تحركت المدافع من أدرنة الى قرب القسطنطينية، في مدة شهرين حيث تمت حمايتها بقسم الجيش حتى وصلت الأجناد العثمانية يقودها الفاتح بنفسه الى مشارف القسطنطينية في يوم الخميس 26 ربيع الأول 857هـ الموافق 6 أبريل 1453م ، فجمع الجند وكانوا قرابة مائتين وخمسين ألف جندي، فخطب فيهم خطبة قوية حثهم فيها على الجهاد وطلب النصر أو الشهادة ، وذكرهم فيها بالتضحية وصدق القتال عند اللقاء، وقرأ عليهم الآيات القرآنية التي تحث على ذلك، كما ذكر لهم الأحاديث النبوية التي تبشر بفتح القسطنطينية وفضل الجيش الفاتح لها وأميره، ومافي فتحها من عز للاسلام والمسلمين ، وقد بادر الجيش بالتهليل والتكبير والدعاء( ). وكان العلماء مبثوثين في صفوف الجيش مقاتلين ومجاهدين معهم مما أثر في رفع معنوياتهم حتى كان كل جندي ينتظر القتال بفارغ الصبر ليؤدي ما عليه من واجب( ). وفي اليوم التالي قام السلطان بتوزيع جيشه البري أمام الأسوار الخارجية للمدينة، مشكلاً ثلاثة أقسام رئيسية تمكنت من إحكام الحصار البري حول مختلف الجهات، كما أقام الفاتح جيوشاً احتياطية خلف الجيوش الرئيسية، وعمل على نصب المدافع أمام الأسوار، ومن أهمها المدفع السلطاني العملاق الذي أقيم أمام باب طب قابي ، كما وضع فرقاً للمراقبة في مختلف المواقع المرتفعة والقريبة من المدينة، وفي نفس الوقت انتشرت السفن العثمانية في المياه المحيطة بالمدينة، إلا أنها لم تستطع الوصول الى القرن الذهبي بسبب وجود السلسلة الضخمة التي منعت أي سفينة من دخوله بل وتدمر كل سفينة تحاول الدنو والاقتراب، واستطاع الاسطول العثماني أن تستولي على جزر الامراء في بحر مرمرة( ). وحاول البيزنطيون أن يبذلوا قصارى جهدهم للدفاع عن القسطنطينية ووزعوا الجنود على الأسوار، واحكموا التحصينات وأحكم الجيش العثماني قبضته على المدينة، ولم يخلوا الامر من وقوع قتال بين العثمانيين المهاجمين والبيزنطيين المدافعين منذ الايام الأولى للحصار، وفتحت أبواب الشهادة وفاز عدد كبير من العثمانيين بها خصوصاً من الأفراد الموكلين بالاقتراب من الابواب. وكانت المدفعية العثمانية تطلق مدافعها من مواقع مختلفة نحو المدينة ، وكان لقذائفها ولصوتها الرهيب دور كبير في إيقاع الرعب في قلوب البيزنطيين وقد تمكنت من تحطيم بعض الأسوار حول المدينة، ولكن المدافعين كانوا سرعان مايعيدون بناء الأسوار وترميمها . ولم تنقطع المساعدات المسيحية من أوروبا ووصلت إمدادات من جنوة مكونة من خمس سفن وكان يقودها القائد الجنوي جوستنيان يرافقه سبعمائة مقاتل متطوع من دول أوروبية متعددة واستطاعت سفنهم أن تصل الى العاصمة البيزنطية العتيقة بعد مواجهة بحرية مع السفن العثمانية المحاصرة للمدينة وكان لوصول هذه القوة أثر كبير في رفع معنويات البيزنطيين، وقد عين قائدها جستيان قائداً للقوات المدافعة عن المدينة( ). وقد حاولت القوات البحرية العثمانية تخطي السلسلة الضخمة التي تتحكم في مدخل القرن الذهبي والوصول بالسفن الاسلامية إليه، وأطلقوا سهامهم على السفن الأوروبية والبيزنطية ولكنهم فشلوا في تحقيق مرادهم في البداية وارتفعت الروح المعنوية للمدافعين عن المدينة( ). ولم يكل القس ورجال الدين النصارى، فكانوا يطوفون بشوارع المدينة، وأماكن التحصين ويحرضون المسيحيين على الثبات والصبر، ويشجعون الناس على الذهاب الى الكنائس ودعاء المسيح والسيدة العذراء أن يخلصوا المدينة، وأخذ الامبراطور قسطنطين يتردد بنفسه على كنيسة أيا صوفيا لهذا الهدف( ). ثالثاً: مفاوضات بين محمد الفاتح وقسطنطين: استبسل العثمانيون المهاجمون على المدينة وعلى راسهم محمد الفاتح وصمد البيزنطيون بقيادة قسطنطين صموداً بطولياً في الدفاع وحاول الامبراطور البيزنطي أن يخلص مدينته وشعبه بكل ما يستطيع من حيلة، فقدم عروضاً مختلفة للسلطان ليغريه بالانسحاب مقابل الأموال أو الطاعة، أو غير ذلك من العروض التي قدمها ، ولكن الفاتح رحمه الله يرد بالمقابل طالباً تسليم المدينة تسليماً( )، وأنه في هذه الحالة لن يتعرض أحد من أهلها ولا كنائسها للأذى، وكان مضمون الرسالة: (فليسلم لي إمبراطوركم مدينة القسطنطينية وأقسم بأن جيشي لن يتعرض لأحد في نفسه وماله وعرضه ومن شاء بقي في المدينة وعاش فيها في أمن وسلام ومن شاء رحل عنها حيث اراد في أمن وسلام أيضاً)( ). كان الحصار لايزال ناقصاً ببقاء مضيق القرن الذهبي في ايدي البحرية البيزنطية، ومع ذلك فإن الهجوم العثماني كان مستمراً دون هوادة حيث أظهر جنود الانكشارية شجاعة فائقة، وبسالة نادرة، فكانوا يقدمون على الموت دون خوف في أعقاب كل قصف مدفعي، وفي يوم 18 أبريل( ) تمكنت المدافع العثمانية من فتح ثغرة في الأسوار البيزنطية عند وادي ليكوس في الجزء الغربي من الأسوار ، فاندفع إليها الجنود العثمانيون بكل بسالة محاولين اقتحام المدينة من الثغرة، كما حاولوا اقتحام الأسوار الأخرى بالسلالم التي ألقوها عليها، ولكن المدافعين عن المدينة بقيادة جستنيان استماتوا في الدفاع عن الثغرة والأسوار، واشتد القتال بين الطرفين ، وكانت الثغرة ضيفة وكثرة السهام والنبال والمقذوفات على الجنود المسلمين،ومع ضيق المكان وشدة مقاومة الأعداء وحلول الظلام أصدر الفاتح أوامره للمهاجمين بالانسحاب بعد أن أثاروا الرعب في قلوب أعدائهم متحينين فرصة اخرى للهجوم( ). وفي اليوم نفسه حاولت بعض السفن العثمانية اقتحام القرن الذهبي بتحطيم السلسلة الحاجزة عنه، ولكن السفن البيزنطية والأوروبية المشتركة، إضافة الى الفرق الدفاعية المتمركزة خلف السلسلة الضخمة من المدافعين عن مدخل الخليج، استطاعوا جميعاً من صد السفن الاسلامية وتدمير بعضها، فاضطرت بقية السفن الى العودة بعد أن فشلت في تحقيق مهمتها( ). رابعاً: عزل قائد الأسطول العثماني وشجاعة محمد الفاتح: بعد هذه المعركة بيومين وقعت معركة اخرى بين البحرية العثمانية وبعض السفن الأوروبية التي حاولت الوصول الى الخليج، حيث بذلت السفن الاسلامية جهوداً كبيرة لمنعها ، وأشرف الفاتح بنفسه على المعركة من على الساحل وكان قد أرسل الى قائد الأسطول وقال له: (إما أن تستولي على هذه السفن وإما أن تغرقها، واذا لم توفق في ذلك فلا ترجع إلينا حياً)( ) لكن السفن الأوروبية نجحت في الوصول الى هدفها ولم تتمكن السفن العثمانية من منعها، رغم الجهود العظيمة المبذولة لذلك وبالتالي غضب السلطان محمد الفاتح غضباً شديداً فعزل قائد الاسطول( ) بعد ما رجع الى مقر قيادته واستدعاه وعنف محمد الفاتح قائد الاسطول بالطه أوغلي وعنفه واتهمه بالجبن، وتأثر بالطة أوغلي لهذا وقال : (إني استقبل الموت بجنان ثابت، ولكن يؤلمني أن أموت وأنا متهم بمثل هذه التهمة. لقد قاتلت انا ورجالي بكل ماكان في وسعنا من حيلة وقوة، ورفع طرف عمامته عن عينه المصابة)( ). أدرك محمد الفاتح عند ذلك أن الرجل قد أعذر، فتركه ينصرف واكتفى بعزله من منصبه، وجعل مكانه حمزة باشا( ). لقد ذكرت كتب التاريخ أن السلطان محمد الفاتح كان يراقب هذه المعارك البحرية وهو على جواده وقد اندفع نحو البحر حتى غاص حصانه الى صدره وكانت السفن المتقاتلة على مرمى حجر منه فأخذ يصيح لبطله أوغلي بأعلى صوته: ياقبطان! ياقبطان! ويلوح له بيده، وضاعف العثمانيون جهودهم في الهجوم دون أن يأثروا في السفن تأثيراً ليناً( ). كانت الهزائم البحرية للأسطول العثماني دور كبير في محاولة بعض مستشاري السلطان وعلى رأسهم الوزير (خليل باشا) إقتناعه بالعدول عن الاستيلاء على القسطنطينية والرضا بمصالحة أهلها دون السيطرة عليها وبالتالي رفع الحصار عنها، ولكن السلطان أصر على محاولة الفتح واستمر في قصف دفاعات المدينة بالمدافع من كل جانب ، وفي الوقت نفسه كان يفكر بجدية في إدخال السفن الاسلامية الىالقرن الذهبي ، خصوصاً وأن الأسوار من ناحية القرن الذهبي متهاوية، وبالتالي سيضطر البيزنطيون الى سحب بعض قواتهم المدافعة عن الاسوار الغربية من المدينة وبهذا التفريق للقوات المدافعة ستتهيأ فرصة أكبر في الهجوم على تلك الأسوار بعد أن ينقص عدد المدافعين عنها( ). خامساً: عبقرية حربية فذة: لاحت للسلطان فكرة بارعة وهي نقل السفن من مرساها في بشكطاش الى القرن الذهبي، وذلك بجرها على الطريق البري الواقع بين الميناءين مبتعداً عن حي غلطة خوفاً على سفنه من الجنوبيين، وقد كانت المسافة بين الميناء نحو ثلاثة أميال، ولم تكن أرضاً مبسوطة سهلة ولكنها كانت وهاداً وتلالاً غير ممهدة. جمع محمد الفاتح أركان حربه وعرض عليهم فكرته، وحدد لهم مكان معركته القادمة، فتلقى منهم كل تشجيع، واعربوا عن اعجابهم بها. بدأ تنفيذ الخطة، وأمر السلطان محمد الثاني فمهدت الأرض وسويت في ساعات قليلة وأتى بألواح من الخشب دهنت بالزيت والشحم، ثم وضعت على الطريق الممهد بطريقة يسهل بها انزلاج السفن وجرها، وكان أصعب جزء من المشروع هو نقل السفن على انحدار التلال المرتفعة، الا أنه بصفة عامة كانت السفن العثمانية صغيرة الحجم خفيفة الوزن( ). وجرت السفن من البسفور الىالبر حيث سحبت على تلك الأخشاب المدهونة بالزيت مسافة ثلاثة أميال ، حتى وصلت الى نقطة آمنة فأنزلت في القرن الذهبي، وتمكن العثمانيون في تلك الليلة من سحب أكثر من سبعين سفينة وإنزالها في القرن الذهبي على حين غفلة من العدو، بطريقة لم يسبق إليها السلطان الفاتح قبل ذلك ، وقد كان يشرف بنفسه على العملية التي جرت في الليل بعيداً عن أنظار العدو ومراقبته( ). كان هذا العمل عظيماً بالنسبة للعصر الذي حدث فيه بل معجزة من المعجزات ، تجلى فيه سرعة التفكير وسرعة التنفيذ، مما يدل على عقلية العثمانيين الممتازة، ومهارتهم الفائقة وهمتهم العظيمة. لقد دهش الروم دهشة كبرى عندما علموا بها، فما كان أحد ليستطيع تصديق ماتم. لكن الواقع المشاهد جعلهم يذعنون لهذه الخطة الباهرة. ولقد كان منظر هذه السفن بأشرعتها المرفوعة تسير وسط الحقول كما لو كانت تمخر عباب البحر من أعجب المناظر وأكثرها اثارة ودهشة. ويرجع الفضل في ذلك الى الله سبحانه وتعالى ثم الىهمة السلطان وذكاءه المفرط، وعقليته الجبارة ، والى مقدرة المهندسين العثمانيين، وتوفر الايدي العاملة التي قامت بتنفيذ ذلك المشروع الضخم بحماس ونشاط. وقد تم كل ذلك في ليلة واحدة واستيقظ أهل المدينة البائسة صباح يوم 22 أبريل على تكبيرات العثمانيين المدوية، وهتافاتهم المتصاعدة، واناشيدهم الإيمانية العالية( )، في القرن الذهبي، وفوجئوا بالسفن العثمانية وهي تسيطر على ذلك المعبر المائي، ولم يعد هناك حاجز مائي بين المدافعين عن القسطنطينية وبين الجنود العثمانيين( )، ولقد عبر أحد المؤرخين البيزنطيين عن عجبهم من هذا العمل فقال: (ما رأينا ولا سمعنا من قبل بمثل هذا الشيء الخارق، محمد الفاتح يحول الأرض الى بحار وتعبر سفنه فوق قمم الجبال بدلاً من الأمواج، لقد فاق محمد الثاني بهذا العمل الأسكندر الأكبر)( ). ظهر اليأس في أهل القسطنطينية وكثرت الإشاعات والتنبؤات بينهم، وانتشرت شائعة تقول: ستسقط القسطنطينية عندما ترى سفن تمخر اليابسة"( ) وكان لوجود السفن الاسلامية في القرن الذهبي دور كبير في إضعاف الروح المعنوية لدى المدافعين عن المدينة الذين اضطروا لسحب قوات كبيرة من المدافعين عن الأسوار الأخرى لكي يتولوا الدفاع عن الأسوار الواقعة على القرن الذهبي إذ أنها كانت أضعف الأسوار ، ولكنها في السابق تحميها المياه، مما أوقع الخلل في الدفاع عن الأسوار الأخرى( ). وقد حاول الامبراطور البيزنطي تنظيم أكثر من عملية لتدمير الأسطول العثماني في القرن الذهبي إلا أن محاولته المستميته كان العثمانيون لها بالمرصاد حيث أفشلوا كل الخطط والمحاولات. واستمر العثمانيون في دك نقاط دفاع المدينة وأسوارها بالمدافع، وحاولوا تسلَّق أسوارها، وفي الوقت نفسه انشغل المدافعون عن المدينة في بناء وترميم مايتهدم من أسوار مدينتهم ورد المحاولات المكثفة لتسلق الأسوار مع استمرار الحصار عليهم مما زاد في مشقتهم وتعبهم وإرهاقهم وشغل ليلهم مع نهارهم وأصابهم اليأس( ). كما وضع العثمانيون مدافع خاصة على الهضاب المجاورة للبسفور والقرن الذهبي، مهمتها تدمير السفن البيزنطية والمتعاونة معها في القرن الذهبي والبسفور والمياه المجاورة مما عرقل حركة سفن الأعداء وأصابها بالشلل تماماً( ). سادساً: اجتماع بين الملك قسطنطين ومعاونيه: عقد الملك قسطنطين ومعاونيه ومستشاريه ورجال النصرانية في المدينة اجتماعاً، فأشاروا عليه بالخروج بنفسه من المدينة والتوجه لطلب النجدات من الأمم المسيحية، والدول الأوروبية ، ولعل تأتي الجيوش النصرانية ، فيضطر محمد الفاتح لرفع الحصار عن مدينتهم، ولكنه رفض هذا الرأي وأصر على أن يقاوم الى آخر لحظة ولا يترك شعبه في المدينة حتى يكون مصيره ومصيرهم واحداً، وأنه يعتبر هذا واجبه المقدس وأمرهم أن لا ينصحوه بالخروج أبداً وأكتفى بإرسال وفود تمثله الى مختلف أنحاء أوروبا لطلب المساعدة( ) ورجعت تلك الوفود تجر خلفها أذيال الخيبة وكانت الأجهزة الأستخباراتية للدولة العثمانية قد اخترقت القسطنطينية وماحولها بحيث أصبحت القيادة العثمانية على علم تام بما يدور حولها. سابعاً: الحرب النفسية العثمانية: ضاعف السلطان محمد الثاني الهجوم على الاسوار وجعله مركزاً وعنيفاً، ضمن خطة أعدها بنفسه أيضاً لإضعاف العدو، وكررت القوات العثمانية عملية الهجوم على الأسوار ومحاولة تسلقها مرات عديدة بصورة بطولية بلغت غاية عظيمة من الشجاعة والتضحية والتفاني ، وكان أكثر ما يرعب جنود الامبراطور قسطنطين صيحاتهم وهي تشق عنان السماء وتقول: (الله أكبر الله أكبر) فتنزل عليهم كالصواعق المدمرة( ). وشرع السلطان محمد الفاتح في نصب المدافع القوية على الهضاب الواقعة خلف غلطة، وبدأت هذه المدافع في دفع قذائفها الكثيفة نحو الميناء وأصابت احدى القذائف سفينة تجارية فأغرقتها في الحال، فخافت السفن الأخرى واضطرت للفرار، واتخذت من أسوار غلطة ملجأ لها، وظل الهجوم العثماني البري في موجات خاطفة وسريعة هجمة تلوى الاخرى وكان السلطان محمد الفاتح يوالي الهجمات واطلاق القذائف في البر والبحر دون انقطاع ليلاً ونهاراً من أجل انهاك قوى المحاصرين، وعدم تمكينهم من أن ينالوا أي قسط من راحة وهدوء بال، وهكذا أصبحت عزائمهم ضعيفة ونفوسهم مرهقة كليلة، وأعصابهم متوترة مجهودة تثور لأي سبب، واصبح كل واحد من الجنود ينظر الى صاحبه ويلاحظ على وجهه علامات الذل والهزيمة والفشل، وشرعوا يتحدثون علناً عن طرق النجاة والافلات بأرواحهم وما يتوقعونه من العثمانيين اذا ما اقتحموا عليهم مدينتهم. واضطر الامبراطور قسطنطين الى عقد مؤتمر ثاني، اقترح فيه احد القادة مباغتة العثمانيين بهجوم شديد عنيف لفتح ثغرة توصلهم بالعالم الخارجي وبينما هم في مجلسهم يتدارسون هذا الاقتراح، قطع عليهم أحد الجنود اجتماعهم وأعلمهم بأن العثمانيين شنوا هجوماً شديداً مكثفاً على وادي ليكونس، فترك قسطنطين الاجتماع ووثب على فرسه، واستدعى الجند الاحتياطي ودفع بهم الى مكان القتال، واستمر القتال الى آخر الليل حتى انسحب العثمانيون( ). وكان السلطان محمد -رحمه الله- يفاجئ عدوه من حين لآخر بفن جديد من فنون القتال والحصار، وحرب الاعصاب وبأساليب جديدة وطرق حديثة مبتكرة غير معروفة للعدو( ). ففي المراحل المتقدمة من الحصار لجأ العثمانيون الى طريقة عجيبة في محاولة دخول المدينة حيث عملوا على حفر أنفاق تحت الأرض من مناطق مختلفة الى داخل المدينة وسمع سكانها ضربات شديدة تحت الأرض أخذت تقترب من داخل المدينة بالتدريح، فأسرع الامبراطور بنفسه ومعه قواده ومستشاروه الى ناحية الصوت وأدركوا أن العثمانيين يقومون بحفر أنفاق تحت الأرض، للوصول الى داخل المدينة، فقرر المدافعون الإعداد لمواجهتها بحفر أنفاق مماثلة مقابل أنفاق المهاجمين لمواجهتهم دون أن يعلموا، حتى إذا وصل العثمانيون الى الأنفاق التي أعدت لهم ظنوا أنهم وصلوا الى سراديب خاصة وسرية تؤدي الى داخل المدينة ففرحوا بهذا، ولكن الفرحة لم تطل إذ فاجأهم الروم، فصبوا عليهم ألسنة النيران والنفط المحترق والمواد الملتهبة ، فأختنق كثير منهم واحترق قسم آخر وعاد الناجون منهم أدراجهم من حيث أتوا( ). لكن هذا الفشل لم يفت في عضد العثمانيين ، فعاودوا حفر انفاق اخرى ، وفي مواضع مختلفة، من المنطقة الممتدة بين (أكرى فبو) وشاطئ القرن الذهبي وكانت مكاناً ملائماً للقيام بمثل هذا العمل، وظلوا على ذلك حتى أواخر أيام الحصار وقد اصاب أهل القسطنطينية من جراء ذلك خوف عظيم وفزع لايوصف حتى صاروا يتوهمون أن أصوات أقدامهم وهم يمشون ان هي أصوات خفية لحفر يقوم به العثمانيون، وكثيراً ماكان يخيل لهم ان الارض ستنشق ويخرج منها الجند العثمانيون ويملئون المدينة ، فكانوا يتلفتون يمنة ويسرة، ويشيرون هنا وهناك في فزع ويقولون : (هذا تركي ، ...،هذا تركي) ويجرون هرباً من أشباح يحسبونها انها تطارهم ، وكثيراً ماكان يحدث أن تتناقل العامة الاشاعة فتصبح كأنها حقيقة واقعة رأها احدهم بعيني رأسه وهكذا داخل سكان القسطنطينية فزع شديد أذهب وعيهم، حتى لكأنهم (سكارى وماهم بسكارى) ، فريق يجري، وفريق يتأمل السماء، ومجموعة تتفحص الأرض، والبعض ينظر في وجوه البعض الآخر في عصبية زائدة وفشل ذريع. ولم يكن عمل العثمايين هذا سهلاً ، فان هذه الانفاق التي حفروها قد أودت بحياة كثير منهم، فماتوا اختناقاً واحتراقاً في باطن الأرض، كما وقع الكثير منهم في بعض هذه المحاولات في أسر الروم، فقطعت رؤوسهم وقذف بها الى معسكر العثمانيين( ). مفاجأة عسكرية عثمانية: لجأ العثمانيون الى اسلوب جديد في محاولة الاقتحام وذلك بأن صنعوا قلعة خشبية ضخمة شامخة متحركة تتكون من ثلاثة أدوار، وبارتفاع أعلى من الأسوار، وقد كسيت بالدروع والجلود المبللة بالماء لتمنع عنها النيران، وأعدت تلك القلعة بالرجال في كل دور من أدوارها ، وكان الذين في الدور العلوي من الرماة يقذفون بالنبال كل من يطل برأسه من فوق الأسوار، وقد وقع الرعب في قلوب المدافعين عن المدينة حينما زحف العثمانيون بهذه القلعة واقتربوا بها من الأسوار عند باب رومانوس، فاتجه الامبراطور بنفسه ومعه قواده ليتابع صد تلك القلعة ودفعها عن الأسوار، وقد تمكن العثمانيون من لصقها بالأسوار ودار بين من فيها وبين النصارى عند الأسوار قتل شديد واستطاع بعض المسلمين ممن في القلعة تسلق الأسوار ونجحوا في ذلك، وقد ظن قسطنطين أن الهزيمة حلت به، إلا أن المدافعين كثفوا من قذف القلعة بالنيران حتى أثرت فيها وتمكنت منها النيران فاحترقت، ووقعت على الأبراج البيزنطية المجاورة لها فقتلت من فيها من المدافعين، وامتلاء الخندق المجاور لها بالحجارة والتراب( ). ولم ييأس العثمانيون من المحاولة بل قال الفاتح وكان يشرف بنفسه على ماوقع: غداً نصنع أربعاً أخرى( ). زاد الحصار وقوي واشتد حتى أرهق من بداخل المدينة من البيزنطيين، فعقد زعماء المدينة اجتماعاً 24 مايو داخل قصر الامبراطور وبحضوره شخصياً، وقد لاح في الأفق بوادر يأس المجتمعين من إنقاذ المدينة حيث اقترح بعضهم على الامبراطور الخروج بنفسه قبل سقوط المدينة لكي يحاول جمع المساعدات والنجدات لإنقاذها أو استعادتها بعد السقوط، ولكن الامبراطور رفض ذلك مرة اخرى وأصر على البقاء داخل المدينة والاستمرار في قيادة شعبه وخرج لتفقد الأسوار والتحصينات. وأخذت الاشاعات تهيمن على المدينة وتضعف من مقاومة المدافعين عنها، وكان من أقواها عليهم ماحدث في يوم 16 جمادىالأولى الموافق 25 مايو، حيث حمل أهل المدينة تمثالاً للسيدة مريم العذراء (بزعمهم)، وأخذوا يتجولون به في ضواحي المدينة، يدعونه ويتضرعون الى العذراء أن تنصرهم على أعدائهم، وفجأة سقط التمثال من أيديهم وتحطم، فرأوا في ذلك شؤم ونذير بالخطر، وتأثر سكان المدينة وخصوصاً المدافعين عنها، وحدث في اليوم التالي 26 مايو هطول أمطار غزيرة مصحوبة ببعض الصواعق، ونزلت إحدى الصواعق على كنيسة آيا صوفيا، فتشأم البطريق ، وذهب الى الامبراطور وأخبره أن الله تخلى عنهم وأن المدينة ستسقط في يد المجاهدين العثمانيين، فتأثر الامبراطور حتى أغمى عليه( ). وكانت المدفعية العثمانيةلا تنفك عن عملها في دك الأسوار والتحصينات، وتهدمت أجزاء كثيرة من السور والأبراج وامتلئت الخنادق بالأنقاض، التي يئس المدافعون من إزالتها وأصبحت إمكانية اقتحام المدينة واردة في أي لحظة، إلا أن اختيار موقع الاقتحام لم يحدد بعد( ). ثامناً: المفاوضات الأخيرة بين محمد الفاتح وقسطنطين: أيقن محمد الفاتح أن المدينة على وشك السقوط، ومع ذلك حاول أن يكون دخولها بسلام؛ فكتب الى الامبراطور رسالة دعاه فيه الى تسليم المدينة دون إراقة دماء، وعرض عليه تأمين خروجه وعائلته وأعوانه وكل من يرغب من سكان المدينة الى حيث يشاؤون بأمان( )، وأن تحقن دماء الناس في المدينة ولا يتعرضوا لأي أذى ويكونوا بالخيار في البقاء في المدينة أو الرحيل عنها، ولما وصلت الرسالة الى الامبراطور جمع المستشارين وعرض عليهم الأمر ، فمال بعضهم الى التسليم وأصر آخرون على استمرار الدفاع عن المدينة حتى الموت، فمال الامبراطور الى رأي القائلين بالقتال حتى آخر لحظة، فرد الامبراطور رسول الفاتح برسالة قال فيها: (إنه يشكر الله إذ جنح السلطان الى السلم وأنه يرضى أن يدفع له الجزية أما القسطنطينية فإنه أقسم أن يدافع عنها الى آخر نفس في حياته فإما أن يحفظ عرشه او يدفن تحت أسوارها)( )، فلما وصلت الرسالة الى الفاتح قال: (حسناً عن قريب سيكون لي في القسطنطينية عرش او يكون لي فيها قبر)( ). وعمد السلطان بعد اليأس من تسليم المدينة صلحاً الى تكثيف الهجوم وخصوصاً القصف المدفعي على المدينة، حتى أن المدفع السلطاني الضخم انفجر من كثرة الاستخدام، وقتل المشتغلين له وعلى راسهم المهندس المجري أوربان الذي تولى الإشراف على تصميم المدفع، ومع ذلك فقد وجه السلطان بإجراء عمليات التبريد للمدافع بزيت الزيتون، وقد نجح الفنيون في ذلك ، وواصلت المدافع قصفها للمدينة مرة أخرى، بل تمكنت من توجيه القذائف بحيث تسقط وسط المدينة بالإضافة الى ضربها للأسوار والقلاع( ). تاسعاً: السلطان محمد الفاتح يعقد اجتماع لمجلس الشوري: عقد السلطان محمد الفاتح اجتماعاً ضم مستشاريه وكبار قواده بالإضافة الى الشيوخ والعلماء، وقد طلب الفاتح من المجتمعين الإدلاء بآرائهم بكل صراحة دون تردد، فأشار بعضهم بالانسحاب ومنهم الوزير خليل باشا الذي دعا الى الانسحاب وعدم إراقة الدماء والتحذير من غضب أوروبا النصرانية فيما لو استولى المسلمون على المدينة، الى غير ذلك من المبررات التي طرحها، وكان متهماً بمواطئة البيزنطيين ومحاولة التخذيل عنهم( )، وقد قام بعض الحضور بتشجيع السلطان على مواصلة الهجوم على المدينة حتى الفتح واستهان بأوروبا وقواتها، كما أشار الى تحمس الجند لإتمام الفتح، وما في التراجع من تحطيم لمعنوياتهم الجهادية، وكان من هؤلاء أحد القواد الشجعان ويدعى (زوغنوش باشا) وهو من أصل ألباني كان نصرانياً فأسلم حيث هون من شأن القوات الأوروبية على السلطان( ). وذكرت كتب التاريخ موقف زوغنوش باشا فقالت: (ما أن سأله السلطان الفاتح عن رأيه حتى استوفز في قعدته وصاح في لغة تركية تشوبها لكنة ارناؤوطية: حاشا وكلا أيها السلطان، أنا لا أقبل أبداً ماقاله خليل باشا، فما أتينا هنا إلا لنموت لا لنرجع. وأحدث هذا الاستهلال وقعاً عميقاً في نفوس الحاضرين، وخيم السكون على المجلس لحظة ثم واصل زوغنوش باشا كلامه فقال: إن خليل باشا أراد بما قاله أن يخمد فيكم نار الحمية ويقتل الشجاعة ولكنه لن يبوء إلا بالخيبة والخسران. ان جيش الاسكندر الكبير الذي قام من اليونان وزحف الى الهند وقهر نصف آسيا الكبيرة الواسعة لم يكن اكبر من جيشنا فإن كان ذلك الجيش استطاع ان يستولي على تلك الأراضي العظيمة الواسعة أفلا يستطيع جيشنا أن يتخطى هذه الكومة من الأحجار المتراكمة، وقد أعلن خليل باشا أن دول الغرب ستزحف إلينا وتنتقم ولكن مالدول الغربية هذه؟ وهل هي الدول اللاتينية التي شغلها مابينها من خصام وتنافس، هل هي دول البحر المتوسط التي لاتقدر على شيء غير القرصنة واللصوصية؟ ولو أن تلك الدول أرادت نصرة بيزنطة لفعلت وأرسلت إليها الجند والسفن، ولنفرض أن أهل الغرب بعد فتحنا القسطنطينية هبوا الى الحرب وقاتلونا فهل سنقف منهم مكتوفي الأيدي بغير حراك، أو ليس لنا جيش يدافع عن كرامتنا وشرفنا؟ ياصاحب السلطنة ، أما وقد سالتني رأيي فلأعلنها كلمة صريحة، يجب أن تكون قلوبنا كالصخر ، ويجب ان نواصل الحرب دون أن يظهر علينا اقل ضعف أو خور، لقد بدأنا أمراً فواجب علينا أن نتمه، ويجب أن نزيد هجماتنا قوة وشدة ونفتح ثغرات جديدة وننقض على العدو بشجاعة. لا أعرف شيئاً غير هذا، ولا استطيع ان أقول شيئاً غير هذا ....) ( ). وبدأت على وجه الفاتح أمارات البشر والانشراح لسماع هذا القول، والتفت الى القائد طرخان يسأله رأيه فأجاب على الفور : ان زوغنوش باشا قد اصاب فيما قال وانا على رأيه ياسلطاني. ثم سأل الشيخ آق شمس الدين والمولى الكوراني عن رأيهما. وكان الفاتح يثق بهما كل الثقة فأجابا أنهما على رأي زوغنوش باشا وقالا: (يجب الاستمرار في الحرب، وبالغاية الصمدانية سيكون لنا النصر والظفر)( ). وسرت الحمية والحماس في جميع الحاضرين وابتهج السلطان الفاتح واستبشر بدعاء الشيخين بالنصر والظفر ولم يملك نفسه من القول : من كان من اجدادي في مثل قوتي( )؟ لقد أيد العلماء الرأي القائل بمواصلة الجهاد كما فرح السلطان حيث كان يعبر عن رايه ورغبته في مواصلة الهجوم حتى الفتح، وانتهى الاجتماع بتعليمات من السلطان أن الهجوم العام والتعليمات باقتحام المدينة باتت وشيكة وسيأمر بها فور ظهور الفرصة المناسبة وأن على الجنود الاستعداد لذلك( ). عاشراً : محمد الفاتح يوجه تعليماته ويتابع جنوده بنفسه: في يوم الاحد 18 جمادى الأولى 27 من مايو وجه السلطان محمد الفاتح الجنود إلى الخشوع وتطهير النفوس والتقرب إلى الله تعالى بالصلاة وعموم الطاعات والتذلل والدعاء بين يديه ، لعل الله أن يسر لهم الفتح ، وانتشر هذا الأمر بين عامة المسلمين ، كما قام الفاتح بنفسه ذلك اليوم بتفقد أسوار المدينة ومعرفة آخر احوالها ، وما وصلت إليه واوضاع المدافعين عنها في النقاط المختلفة ، وحدد مواقع معينة يتم فيها تركيز القصف العثماني ، تفقد فيها أحوالهم وحثهم على الجد والتضحية في قتال الأعداء ، كما بعث إلى أل غلطة التي وقفت على الحياد مؤكدا عليهم عدم التدخل فيما سيحدث ضامنا لهم الوفاء بعهده معهم ، وانه سيعوضهم عن كل ما يخسرونه من جراء ما يحدث. وفي مساء اليوم نفسه أوقد العثمانيون نارا كثيفة حول معسكرهم وتعالت صيحاتهم وأصواتهم بالتهليل والتكبير( ) ، حتى خيل للروم أن النار قد اندلعت في معسكر العثمانيين ، فإذا بهم يكتشفون أن العثمانيين يحتفلون بالنصر مقدما، مما أوقع الرعب في قلوب الروم ، وفي اليوم التالي 28 مايو كانت الاستعدادات العثمانية على أشدها والمدافع ترمي البيزنط بنيرانها ، والسلطان يدور بنفسه على المواقع العسكرية المختلفة متفقدا وموجها ومذكرا بالإخلاص والدعاء والتضحية والجهاد( ). وكان الفاتح كلما مر بجمع من جنده خطبهم وأثار فيهم الحمية والحماس ، وأبان لهم أنهم بفتح القسطنطينية سينالون الشرف العظيم والمجد الخالد ، والثواب الجزيل من الله تعالى وستسد دسائس هذه المدينة التي طالما مالأت عليهم الاعداء والمتآمرين وسيكون لأول جندي ينصب راية الإسلام( ) على سور القسطنطينية الجزاء الأوفى والإقطاعات الواسعة.

وكان علماء المسلمين وشيوخهم يتجولون بين الجنود ويقرأون على المجاهدين آيات الجهاد والقتال وسورة الأنفال ، ويذكرونهم بفضل الشهادة في سبيل الله وبالشهداء السابقين حول القسطنطينية وعلى رأسهم أبو أيوب الأنصاري ويقولون للمجاهدين : لقد نزل سيدنا محمد  عند هجرته إلى المدينة في دار أبي أيوب الأنصاري ، وقد قصد أبو أيوب إلى هذه البقعة ونزل هنا ، وكان هذا القول يلهب الجند ويبعث في نفوسهم أشد الحماس والحمية( ). 

وبعد أن عاد الفاتح إلى خيمته ودعا إليه كبار رجال جيشه اصدر إليهم التعليمات الأخيرة ، ثم ألقى عليهم الخطبة التالية: "إذا تم لنا فتح القسطنطينية تحقق فينا حديث من أحاديث رسول الله ومعجزة من معجزاته وسيكون من حظنا ما أشاد به هذا الحديث من التمجيد والتقدير فأبلغوا أبناءنا العساكر فردا فردا ، أن الظفر العظيم الذي سنحرزه سيزيد الإسلام قدرا وشرفا ، ويجب على كل جندي أن يجعل تعاليم شريعتنا الغراء نصب عينيه فلا يصدر عن أحد منهم ما يجافي هذه التعاليم ، وليتجنبوا الكنائس والمعابد ولا يمسوها بأذى ، ويدعوا القسس والضعفاء والعجزة الذين لا يقاتلون . . .)( ). وفي هذا الوقت كان الامبراطور البيزنطي يجمع الناس في المدينة لإقامة ابتهال عام دعا فيه الرجال والنساء والصبيان للدعاء والتضرع والبكاء في الكنائس على طريقة النصارى لعله أن يستجاب لهم فتنجوا المدينة من هذا الحصار ، وقد خطب فيهم الإمبراطور خطبة بليغة كانت آخر خطبة خطبها ، حديث أكد عليهم بالدفاع عن المدينة حتى لو مات هو ، والاستماتة في حماية النصرانية أمام المسلمين العثمانيين ، وكانت خطبة رائعة كما يقول المؤرخون أبكت الجميع من الحاضرين ، كما صلى الإمبراطور ومن معه من النصارى الصلاة الأخيرة في كنيسة آياصوفيا أقدس الكنائس عندهم( ) ثم قصد الإمبراطور قصره يزوره الزيارة الأخيرة فودع جميع من فيه واستصفحهم وكان مشهدا مؤثرا وقد كتب مؤرخو النصارى عن هذا المشهد ، فقال من حضره، (لو أن شخصا قلبه من خشب أو صخر لفاضت عيناه بالدموع لهذا المنظر)( ). وتوجه قسطنطين نحو صورة (يزعمون أنها صورة المسيح) معلقة في أحد الغرف فركع تحتها وهمهم بعض الدعوات ثم نهض ولبس المغفر على رأسه وخرج من القصر عند نحو منتصف الليل مع زميله ورفيقه وأمينه المؤرخ فرانتزتس ثم قاما برحلة تفقدية لقوات النصارى المدافعة ولاحظوا حركة الجيش العثماني النشطه المتوثبة للهجوم البري والبحري . وقبيل ذلك الليل بقليل رذت السماء رذا خفيفا كأنما كانت ترش الأرض رشا فخرج السلطان الفاتح من خيمته ورفع بصره إلى السماء وقال: (لقد أولانا الله رحمته وعنايته فأنزل هذا المطر المبارك في أوانه فإنه سيذهب بالغبار ويسهل لنا الحركة)( ). الحادي عشر: "فتح من الله ونصر قريب" عند الساعة الواحدة صباحا من يوم الثلاثاء 20 جمادى الأولى سنة 857هـ الموافق 29 مايو 1435م بدأ الهجوم العام على المدينة بعد أن أصدرت الأوامر للمجاهدين الذين علت أصواتهم بالتكبير وانطلقوا نحو الأسوار ، وخاف البيزنطيون خوفا عظيما ، وشرعوا في دق نواقيس الكنائس والتجأ إليها كثير من النصارى وكان الهجوم النهائي متزامنا بريا وبحريا في وقت واحد حسب خطة دقيقة أعدت بإحكام ، وكان المجاهدون يرغبون في الشهادة ولذلك تقدموا بكل شجاعة وتضحية وإقدام نحو الأعداء ونال الكثير من المجاهدين الشهادة ، وكان الهجوم موزعا على كثير من المناطق ، ولكنه مركز بالدرجة الأولى في منطقة وادي ليكوس ، بقيادة السلطان محمد الفاتح نفسه ، وكانت الكتائب الأولى من العثمانيين تمطر الأسوار والنصارى بوابل من القذائف والسهام محاولين شل حركة المدافعين ، ومع استبسال البيزنطيين وشجاعة العثمانيين كان الضحايا من الطرفين يسقطون بأعداد كبيرة( )، وبعد أن انهكت الفرقة الاولى الهجومية كان السلطان قد أعد فرقة أخرى فسحب الأولى ووجه الفرقة الثانية ، وكان المدافعون قد أصابهم الإعياء ، وتمكنت الفرقة الجديدة ، من الوصول إلى الأسوار وأقاموا عليها مئات السلالم في محاولة جادة للإقتحام ، ولكن النصارى استطاعوا قلب السلالم واستمرت تلك المحاولات المستمية من المهاجمين ، والبيزنطيون يبذلون قصارى جهودهم للتصدي لمحاولات التسلق ، وبعد ساعتين من تلك المحاولات أصدر الفاتح أوامره للجنود لأخذ قسط من الراحة ، بعد أن أرهقوا المدافعين في تلك المنطقة ، وفي الوقت نفسه أصدر أمرا إلى قسم ثالث من المهاجمين بالهجوم على الأسوار من نفس المنطقة وفوجئ المدافعون بتلك الموجة الجديدة بعد أن ظنوا ان الأمر قد هدأ وكانوا ، قد أرهقوا ، في الوقت الذي كان المهاجمون دماء جديدة معدة ومستريحة وفي رغبة شديدة لأخذ نصيبهم من القتال( ) كما كان القتال يجري على قدم وساق في المنطقة البحرية مما شتت قوات المدافعين وأشغلهم في أكثر من جبهة في وقت واحد، ومع بزوغ نور الصباح أصبح المهاجمون يستطيعون أن يحددوا مواقع العدو بدقة أكثر ، وشرعوا في مضاعفة جهودهم في الهجوم وكان المسلمون في حماسة شديدة وحريصين على إنجاح الهجوم ، ومع ذلك أصدر السلطان محمد الأوامر إلى جنوده بالإنسحاب لكي يتيحوا الفرصة للمدافع لتقوم بعملها مرة أخرى حيث أمطرت الأسوار والمدافعين عنها بوابل من القذائف ، واتعبتهم بعد سهرهم طوال الليل ، وبعد أن هدأت المدفعية جاء قسم جديد من شجعان الإنكشارية يقودهم السلطان نفسه تغطيهم نبال وسهام المهاجمين التي لا تنفك عن محاولة منع المدافعين عنها وأظهر جنود الإنكشارية شجاعة فائقة وبسالة نادرة في الهجوم واستطاع ثلاثون منهم تسلق السور أمام دهشة الأعداء ، ورغم استشهاد مجموعة منهم بمن فيهم قائدهم فقد تمكنوا من تمهيد الطريق لدخول المدينة عند طوب قابي ورفعوا الأعلام العثمانية( ). مما زاد في حماس بقية الجيش للاقحام كما فتّوا في عضد الأعداء ، وفي نفس الوقت أصيب قائد المدافعين جستنيان بجراح بليغة دفعته إلى الانسحاب من ساحة المعركة( ) مما أثر في بقية المدافعين ، وقد تولى الإمبراطور قسطنطين قيادة المدافعين بنفسه محل جستنيان الذي ركب أحد السفن فارا من أرض المعركة ، وقد بذل الامبراطور جهودا كبيرة في تثبيت المدافعين الذين دب اليأس في قلوبهم من جدوى المقاومة، في الوقت الذي كان فيه الهجوم بقيادة السلطان شخصياً على أشده، محاولاً استغلال ضعف الروح المعنوية لدى المدافعين. وقد واصل العثمانيون هجومهم في ناحية اخرى من المدينة حتى تمكنوا من اقتحام الأسوار والاستيلاء على بعض الأبراج والقضاء على المدافعين في باب أدرنة ورفعت الاعلام العثمانية عليها، وتدفق الجنود العثمانيون نحو المدينة من تلك المنطقة، ولما رأى قسطنطين الأعلام العثمانية ترفرف على الأبراج الشمالية للمدينة، أيقن بعدم جدوى الدفاع وخلع ملابسه حتى لايعرف ، ونزل عن حصانه وقاتل حتى قتل في ساحة المعركة( ). وكان لانتشار خبر موته دور كبير في زيادة حماس المجاهدين العثمانيين وسقوط عزائم النصارى المدافعين وتمكنت الجيوش العثمانية من دخول المدينة من مناطق مختلفة وفر المدافعون بعد انتهاء قيادتهم، وهكذا تمكن المسلمون من الاستيلاء على المدينة وكان الفاتح رحمه الله مع جنده في تلك اللحظات يشاركهم فرحة النصر، ولذة الفوز بالغلبة على الأعداء من فوق صهوة جواده وكان قواده يهنئونه وهو يقول : (الحمدلله ليرحم الله الشهداء ويمنح المجاهدين الشرف والمجد ولشعبي الفخر والشكر)( ). كانت هناك بعض الجيوب الدفاعية داخل المدينة التي تسببت في استشهاد عدد من المجاهدين ، وقد هرب أغلب أهل المدينة الى الكنائس ولم يأت ظهيرة ذلك اليوم الثلاثاء 20 جمادي الأولى 857هـ الموافق 29 من مايو 1453م، إلا والسلطان الفاتح في وسط المدينة يحف به جنده وقواده وهم يرددون : ماشاء الله ، فالتفت إليهم وقال : لقد أصبحتم فاتحي القسطنطينية الذي أخبر عنهم رسول الله  وهنأهم بالنصر ونهاهم عن القتل، وأمرهم بالرفق بالناس والإحسان إليهم ، ثم ترجل عن فرسه وسجد لله على الأرض شكراً وحمداً وتواضعاً لله تعالى)( ). الثاني عشر: معاملة محمد الفاتح للنصارى المغلوبين: توجه محمد الفاتح الى كنيسة آيا صوفيا وقد اجتمع فيها خلق كبير من الناس ومعهم القسس والرهبان الذين كانوا يتلون عليهم صلواتهم وأدعيتهم، وعندما اقترب من أبوابها خاف النصارى داخلها خوفاً عظيماً، وقام أحد الرهبان بفتح الأبواب له فطلب من الراهب تهدئة الناس وطمأنتهم والعودة الى بيوتهم بأمان، فأطمأن الناس وكان بعض الرهبان مختبئين في سراديب الكنيسة فلما رأوا تسامح الفاتح وعفوه خرجوا وأعلنوا إسلامهم، وقد أمر الفاتح بعد ذلك بتحويل الكنيسة الى مسجد وأن يعد لهذا الأمر حتى تقام بها أول جمعة قادمة، وقد أخذ العمال يعدون لهذا الأمر ، فأزالوا الصلبان والتماثيل وطمسوا الصور بطبقة من الجير وعملوا منبراً للخطيب، وقد يجوز تحويل الكنيسة الى المسجد لأن البلد فتحت عنوة والعنوة لها حكمها في الشريعة الاسلامية. وقد اعطى السلطان للنصارى حرية إقامة الشعائر الدينية واختيار رؤسائهم الدينين الذين لهم حق الحكم في القضايا المدنية، كما أعطى هذا الحق لرجال الكنيسة في الأقاليم الأخرى ولكنه في الوقت نفسه فرض الجزية على الجميع( ). لقد حاول المؤرخ الأنجليزي ادوارد شيبردكريسي في كتابة "تاريخ العثمانيين الاتراك أن يشوه صوره الفتح العثماني للقسطنطينية ووصف السلطان محمد الفاتح بصفات قبيحة حقداً منه وبغضاً للفتح الاسلامي المجيد( ) وسارت الموسوعة الأمريكية المطبوعة في عام 1980م في حمأة الحقد الصليبي ضد الاسلام ، فزعمت أن السلطان محمد قام باسترقاق غالبية نصارى القسطنطينية، وساقهم الى اسواق الرقيق في مدينة ادرنة حيث تم بيعهم هناك( ). إن الحقيقة التاريخية الناصعة تقول أن السلطان محمد الفاتح عامل أهل القسطنطينية معاملة رحيمة وأمر جنوده بحسن معاملة الأسرى والرفق بهم، وافتدى عدداً كبيراً من الأسرى من ماله الخاص وخاصة أمراء اليونان، ورجال الدين ، واجتمع مع الاساقفة وهدأ من روعهم ، وطمأنهم الى المحافظة على عقائدهم وشرائعهم وبيوت عبادتهم، وأمرهم بتنصيب بطريرك جديد فانتخبوا أجناديوس برطيركا، وتوجه هذا بعد انتخابه في موكب حافل من الاساقفة الى مقر السلطان، فاستقبله السلطان محمد الفاتح بحفاوة بالغة وأكرمه أيما تكريم، وتناول معه الطعام وتحدث معه في موضوعات شتى، دينية وسياسية واجتماعية وخرج البطريرك من لقاء السلطان، وقد تغيرت فكرته تماماً على السلاطين العثمانيين وعن الأتراك، بل والمسلمين عامة، وشعر انه أمام سلطان مثقف صاحب رسالة وعقيدة دينية راسخة وانسانية رفيعة، ورجولة مكتملة ، ولم يكن الروم أنفسهم أقل تأثراً ودهشة من بطريقهم، فقد كانوا يتصورون أن القتل العام لابد لاحقهم، فلم تمض أيام قليلة حتى كان الناس يستأنفون حياتهم المدنية العادية في اطمئنان وسلام( ). كان العثمانيون حريصون على الالتزام بقواعد الاسلام، ولذلك كان العدل بين الناس من أهم الأمور التي حرصوا عليها، وكانت معاملتهم للنصارى خالية من أي شكل من أشكال التعصب والظلم ، ولم يخطر ببال العثمانيين أن يضطهدوا النصارى بسبب دينهم( ). إن ملل النصارى تحت الحكم العثماني تحصلت على كافة حقوقها الدينية ، وأصبح لكل ملة رئيس ديني لا يخاطب غير حكومة السلطان ذاتها مباشرة، ولكل ملة من هذه الملل مدارسها الخاصة وأماكن للعبادة والأديرة، كما أنه كان لايتدخل أحد في ماليتها وكانت تطلق لهم الحرية في تكلم اللغة التي يريدونها( ). إن السلطان محمد الفاتح لم يظهر ما أظهره من التسامح مع نصارى القسطنطينية إلا بدافع إلتزامه الصادق بالإسلام العظيم، وتأسياً بالنبي الكريم  ، ثم بخلفائه الراشدين من بعده، الذين أمتلأت صحائف تاريخهم بمواقف التسامح الكريم مع أعدائهم( ).

المبحث الثاني: الفاتح المعنوي للقسطنطينية، الشيخ آق شمس الدين

هو محمد بن حمزة الدمشقي الرومي ارتحل مع والده الى الروم، وطلب فنون العلوم وتبحر فيها وأصبح علم من أعلام الحضارة الاسلامية في عهدها العثماني. وهو معلم الفاتح ومربيه يتصل نسبه بالخليفة الراشد أبي بكر الصديق ، كان مولوده في دمشق عم 792هـ (1389م) حفظ القرآن الكريم وهو في السابعة من عمره، ودرس في أماسيا ثم في حلب ثم في انقرة وتوفي عام 1459هـ. درّس الشيخ آق شمس الدين الأمير محمد الفاتح العلوم الاساسية في ذلك الزمن وهي القرآن الكريم والسنة النبوية والفقه والعلوم الاسلامية واللغات (العربية ، والفارسية والتركية) وكذلك في مجال العلوم العلمية من الرياضيات والفلك والتاريخ والحرب وكان الشيخ آق ضمن العلماء الذين أشرفوا على السلطان محمد عندما تولى إمارة مغنيسا ليتدرب على ادارة الولاية ، وأصول الحكم . واستطاع الشيخ آق شمس الدين أن يقنع الأمير الصغير بأنه المقصود بالحديث النبوي: (لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش)( ). وعندما أصبح الأمير محمد سلطاناً على الدولة العثمانية، وكان شاباً صغير السن وجّهه شيخه فوراً الى التحرك بجيوشه لتحقيق الحديث النبوي فحاصر العثمانيون القسطنطينية براً وبحراً. ودارت الحرب العنيفة 54 يوماً. وعندما حقق البيزنطيون انتصاراً مؤقتاً وابتهج الشعب البيزنطي بدخول أربع سفن ارسلها البابا إليهم وارتفعت روحهم المعنوية اجتمع الأمراء والوزراء العثمانيون وقابلوا السلطان محمد الفاتح وقالوا له : (إنك دفعت بهذا القدر الكبير من العساكر الى هذا الحصار جرياً وراء كلام أحد المشايخ -يقصدون آق شمس الدين- فهلكت الجنود وفسد كثير من العتاد ثم زاد الأمر على هذا بأن عون من بلاد الأفرنج للكافرين داخل القلعة، ولم يعد هناك أمل في هذا الفتح...)( ). فأرسل السلطان محمد وزيره ولي الدين أحمد باشا الى الشيخ آق شمس الدين في خيمته يسأله الحل فأجاب الشيخ: (لابد من أن يمنّ الله بالفتح)( ). ولم يقتنع السلطان بهذا الجواب، فأرسل وزيره مرة أخرى ليطلب من الشيخ أن يوضح له أكثر، فكتب هذه الرسالة الى تلميذه محمد الفاتح يقول فيها: (هو المعزّ الناصر ... إن حادث تلك السفن قد أحدث في القلوب التكسير والملامة وأحدث في الكفار الفرح والشماتة. إن القضية الثابتة هي : إن العبد يدبر والله يقدر والحكم لله... ولقد لجأنا الى الله وتلونا القرآن الكريم وماهي إلا سنة من النوم بعد إلا وقد حدثت ألطاف الله تعالى فظهرت من البشارات مالم يحدث مثلها من قبل)( ). أحدث هذا الخطاب راحة وطمأنينة في الأمراء والجنود. وعلى الفور قرر مجلس الحرب العثماني الاستمرار في الحرب لفتح القسطنطينية، ثم توجه السلطان محمد الى خيمة الشيخ شمس الدين فقبل يده، وقال : علمني ياسيدي دعاءً أدعو الله به ليوفقني ، فعلمه الشيخ دعاءً، وخرج السلطان من خيمة شيخه ليأمر بالهجوم العام( ). اراد السلطان أن يكون شيخه بجانبه أثناء الهجوم فأرسل إليه يستدعيه لكن الشيخ كان قد طلب ألا يدخل عليه أحد الخيمة ومنع حراس الخيمة رسول السلطان من الدخول وغضب محمد الفاتح وذهب بنفسه الى خيمة الشيخ ليستدعيه، فمنع الحراس السلطان من دخول الخيمة بناءً على أمر الشيخ، فأخذ الفاتح خنجره وشق جدار الخيمة في جانب من جوانبها ونظر الى الداخل فإذا شيخه ساجداً لله في سجدة طويلة وعمامته متدحرجة من على رأسه وشعر رأسه الأبيض يتدلى على الأرض، ولحيته البيضاء تنعكس مع شعره كالنور، ثم رأى السلطان شيخه يقوم من سجدته والدموع تنحدر على خديه، فقد كان يناجي ربه ويدعوه بأنزال النصر ويسأله الفتح القريب( ). وعاد السلطان محمد (الفاتح) عقب ذلك الى مقر قيادته ونظر الى الأسوار المحاصرة فإذا بالجنود العثمانيين وقد أحدثوا ثغرات بالسور تدفق منها الجنود الى القسطنطينية( ). ففرح السلطان بذلك وقال ليس فرحي لفتح المدينة إنما فرحي بوجود مثل هذا الرجل في زمني( ). وقد ذكر الشوكاني في البدر الطالع أن الشيخ شمس الدين ظهرت بركته وظهر فضله وأنه حدد للسلطان الفاتح اليوم الذي تفتح فيه القسطنطينية على يديه( ). وعندما تدفقت الجيوش العثمانية الى المدينة بقوة وحماس، تقدم الشيخ الى السلطان الفاتح ليذكره بشريعة الله في الحرب وبحقوق الأمم المفتوحة كما هي في الشريعة الاسلامية( ). وبعد أن أكرم السلطان محمد الفاتح جنود الفتح بالهدايا والعطايا وعمل لهم مأدبة حافلة استمرت ثلاثة أيام اقيمت خلالها الزينات والمهرجانات، وكان السلطان يقوم بخدمة جنوده بنفسه متمثلاً بالقول السائد (سيد القوم خادمهم). ثم نهض ذلك الشيخ العالم الورع آق شمس الدين وخطبهم، فقال: ياجنود الاسلام. اعلموا واذكروا أن النبي  قال في شأنكم: (لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش)( ). ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا ويغفر لنا. ألا لاتسرفوا في ما أصبتم من أموال الغنيمة ولاتبذروا وأنفقوها في البر والخير لأهل هذه المدينة، واسمعوا لسلطانكم وأطيعوه وأحبوه. ثم التفت الى الفاتح وقال له : ياسلطاني ، لقد أصبحت قرة عين آل عثمان فكن على الدوام مجاهداً في سبيل الله. ثم صاح مكبراً بالله في صوت جهوري جليد( ). وقد اهتدى الشيخ آق شمس الدين بعد فتح القسطنطينية الى قبر الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري بموضع قريب من سور القسطنطينية( ). وكان الشيخ آق شمس الدين أول من ألقي خطبة الجمعة في مسجد آيا صوفيا( ). الشيخ شمس الدين يخشى على السلطان من الغرور: كان السلطان محمد الفاتح يحب شيخه شمس الدين حباً عظيماً، وكانت له مكانة كبيرة في نفسه وقد بين السلطان لمن حوله -بعد الفتح- : (إنكم ترونني فرحاً . فرحي ليس فقط لفتح هذه القلعة إن فرحي يتمثل في وجود شيخ عزيز الجانب، في عهدي، هو مؤدبي الشيخ آق شمس الدين. وعبر الشيخ عن تهيبه لشيخه في حديث له مع وزيره محمود باشا. قال السلطان الفاتح: (إن احترامي للشيخ آق شمس الدين، احترام غير اختياري . إنني أشعر وأنا بجانبه بالانفعال والرهبة)( ). ذكر صاحب البدر الطالع أن :(... ثم بعد يوم جاء السلطان الى خيمة صاحب الترجمة - أي آق شمس الدين) - وهو مضطجع فلم يقم له فقبل السلطان يده وقال له جئتك لحاجة قال: وماهي؟ قال: ان ادخل الخلوة عندك فأبى فأبرم عليه السلطان مراراً وهو يقول: لا. فغضب السلطان وقال أنه يأتي إليك واحد من الاتراك فتدخله الخلوة بكلمة واحدة وأنا تأبى عليّ فقال الشيخ: إنك اذا دخلت الخلوة تجد لذة تسقط عندها السلطنة من عينيك فتختل أمورها فيمقت الله علينا ذلك والغرض من الخلوة تحصيل العدالة فعليك أن تفعل كذا وكذا وذكر له شيئاً من النصائح ثم ارسل إليه ألف دينار فلم يقبل ولما خرج السلطان محمد خان قال لبعض من معه: ماقام الشيخ لي. فقال له: لعله شاهد فيك من الزهو بسبب هذا الفتح الذي لم يتيسر مثله للسلاطين العظام فاراد بذلك أن يدفع عنك بعض الزهو....)( ). هكذا كان هذا العالم الجليل الذي حرص على تربية محمد الفاتح على معاني الإيمان والاسلام والإحسان ولم يكن هذا الشيخ متبحراً في علوم الدين والتزكية فقط بل كان عالماً في النبات والطب والصيدلة، وكان مشهوراً في عصره بالعلوم الدنيوية وبحوثه في علم النبات ومدى مناسبتها للعلاج من الأمراض. وبلغت شهرته في ذلك أن أصبح مثلاً بين الناس يقول: (إن النبات ليحدث آق شمس الدين)( ). وقال الشوكاني عنه: (...وصار مع كونه طبيباً للقلوب طبيباً للأبدان فإنه اشتهر أن الشجرة كانت تناديه وتقول: أنا شفاء من المرض الفلاني ثم اشتهرت بركته وظهر فضله...) ( ). وكان الشيخ يهتم بالأمراض البدنية قدر عنايته بالأمراض النفسية. واهتم الشيخ آق شمس الدين اهتماماً خاصاً بالامراض المعدية، فقد كانت هذه الامراض في عصره تسبب في موت الآلاف، وألف في ذلك كتاباً بالتركية بعنوان "مادة الحياة" قال فيه: (من الخطأ تصور أن الأمراض تظهر على الاشخاص تلقائيا، فالأمراض تنتقل من شخص الى آخر بطريق العدوى. هذه العدوى صغيرة ودقيقة الى درجة عدم القدرة على رؤيتها بالعين المجردة. لكن هذا يحدث بواسطة بذور حيّة) ( ). وبذلك وضع الشيخ آق شمس الدين تعريف الميكروب في القرن الخامس عشر الميلادي. وهو أول من فعل ذلك ، ولم يكن الميكروسكوب قد خرج بعد. وبعد أربعة قرون من حياة الشيخ آق شمس الدين جاء الكيميائي والبيولوجي الفرنسي لويس باستير ليقوم بأبحاثه وليصل الى نفس النتيجة. وأهتم الشيخ آق شمس الدين أيضاً بالسرطان وكتب عنه وفي الطب ألف الشيخ كتابين هما: (مادة الحياة) ، و(كتاب الطب) ، وهما باللغة التركية والعثمانية. وللشيخ باللغة العربية سبع كتب، هي : حل المشكلات، الرسالة النورية ، مقالات الأولياء، رسالة في ذكر الله، تلخيص المتائن، دفع المتائن، رسالة في شرح حاجي بايرام ولي( ). وفاته: عاد الشيخ الى موطنه كونيوك بعد أن أحسس بالحاجة الى ذلك رغم إصرار السلطان على بقائه في استنبول ومات عام 863هـ/1459م فعليه من الله الرحمة والمغفرة والرضوان( ). وهكذا سنة الله في خلقه لايخرج قائد رباني ، وفاتح مغوار إلا كان حوله مجموعة من العلماء الربانيين يساهمون في تعليمه وتربيته وترشيده والأمثلة في ذلك كثيرة وقد ذكرنا دور عبدالله بن ياسين مع يحيى بن ابراهيم في دولة المرابطين، والقاضي الفاضل مع صلاح الدين في الدولة الأيوبية ، وهذا آق شمس الدين مع محمد الفاتح في الدولة العثمانية فرحمة الله على الجميع وتقبل الله جهودهم وأعمالهم وأعلى ذكرهم في المصلحين.


المبحث الثالث: أثر فتح القسطنطينية على العالم الأوروبي والإسلامي

كانت القسطنطينية قبل فتحها عقبة كبيرة في وجه انتشار الاسلام في اوروبا ولذلك فإن سقوطها يعني فتح الاسلام لدخول أوروبا بقوة وسلام لمعتنقيه أكثر من ذي قبل ، ويعتبر فتح القسطنطينية من أهم أحداث التاريخ العالمي، وخصوصاً تاريخ أوروبا وعلاقتها بالإسلام حتى عده المؤرخون الأوروبيون ومن تابعهم نهاية العصور الوسطى وبداية العصور الحديثة( ). وقد قام السلطان بعد ذلك على ترتيب مختلف الأمور في المدينة، وإعادة تحصينها، واتخذها عاصمة للدولة العثمانية وأطلق عليها لقب اسلام بول أي مدينة الاسلام( ). لقد تأثر الغرب النصراني بنبأ هذا الفتح، وانتاب النصارى شعور بالفزع والالم والخزي ، وتجسم لهم خطر جيوش الاسلام القادمة من استنبول ، وبذل الشعراء والادباء ما في وسعهم لتأجيج نار الحقد وبراكين الغضب في نفوس النصارى ضد المسلمين ، وعقد الامراء والملوك اجتماعات طويلة ومستمرة وتنادى النصارى الى نبذ الخلافات والحزازات وكان البابا نيقولا الخامس أشد الناس تأثراً بنبأ سقوط القسطنطينية، وعمل جهده وصرف وقته في توحيد الدول الايطالية وتشجيعها على قتال المسلمين، وترأس مؤتمراً عقد في روما أعلنت فيه الدول المشتركة عن عزمها على التعاون فيما بينها وتوجيه جميع جهودها وقوتها ضد العدو المشترك. وأوشك هذا الحلف أن يتم إلا أن الموت عاجل البابا بسبب الصدمة العنيفة الناشئة عن سقوط القسطنطينية في يد العثمانيين والتي تسببت في همه وحزنه فمات كمداً في 25 مارس سنة 1455م( ). وتحمس الأمير فيليب الطيب دوق بورجونديا والتهب حماساً وحمية واستنفر ملوك النصارى الى قتال المسلمين وحذ حذوه البارونات والفرسان والمتحمسون والمتعصبون للنصرانية، وتحولت فكرة قتال المسلمين الى عقيدة مقدسة تدفعهم لغزو بلادهم ، وتزعمت البابوية في روما حروب النصارى ضد المسلمين وكان السلطان محمد الفاتح بالمرصاد لكل تحركات النصارى، وخطط ونفذ مارآه مناسباً لتقوية دولته وتدمير أعدائه، واضطر النصارى الذين كانوا يجاورون السلطان محمد أو يتاخمون حدوده ففي آماسيا، وبلاد المورة ، طرابيزون وغيرهم أن يكتموا شعورهم الحقيقي، فتظاهروا بالفرح وبعثوا وفودهم الى السلطان في أدرنة لتهنئته على انتصاره العظيم( ). وحاول البابا بيوس الثاني بكل ما أوتي من مقدرة خطابية ، وحنكة سياسية، تأجيج الحقد الصليبي في نفوس النصارى شعوباً وملوكاً، قادة وجنوداً واستعدت بعض الدول لتحقيق فكرة البابا الهادفة للقضاء على العثمانيين ولما حان وقت النفير اعتذرت دول أوروبا بسبب متاعبها الداخلية، فلقد انهكت حرب المائة عام انكلتر وفرنسا، كما أن بريطانيا كانت منهمكة في مشاغلها الدستورية وحروبها الأهلية، وأما أسبانيا فهي مشغولة بالقضاء على مسلمي الأندلس وأما الجمهوريات الايطالية فكانت تهتم بتوطيد علاقاتها بالدولة العثمانية مكرهة وحباً في المال ، فكانت تهتم بعلاقتها مع الدولة العثمانية. وانتهى مشروع الحملة الصليبية بموت زعيمها البابا واصبحت المجر والبندقية تواجه الدولة العثمانية لوحدهما؛ أما البندقية فعقدت معاهدة صداقة وحسن جوار مع العثمانيين رعاية لمصالحها وأما المجر فقد انهزمت أمام الجيوش العثمانية واستطاع العثمانيون أن يضموا الى دولتهم بلاد الصرب، واليونان والافلاق والقرم والجزر الرئيسية في الأرخبيل. وقد تم ذلك في فترة قصيرة ، حيث داهمهم السلطان الفاتح، وشتت شملهم ، واخذهم أخذاً عظيماً( ). وحاول البابا (بيوس الثاني) بكل ما أوتي من مهارة وقدرة سياسية تركيز جهوده في ناحيتين اثنتين : حاول أولاً أن يقنع الاتراك باعتناق الدين النصراني، ولم يقم بارسال بعثات تبشيرية لذلك الغرض وانما اقتصر على ارسال خطاب الى السلطان محمد الفاتح يطلب منه أن يعضد النصرانية، كما عضدها قبله قسطنطين وكلوفيس ووعده بأنه سيكفر عنه خطاياه ان هو اعتنق النصرانية مخلصاً، ووعده بمنحه بركته واحتضانه ومنحه صكاً بدخول الجنة. ولما فشل البابا في خطته هذه لجأ الى الخطة الثانية خطة التهديد والوعيد واستعمال القوة، وكانت نتائج هذه الخطة الثانية قد بدأ فشلها مسبقاً بهزيمة الجيوش الصليبية والقضاء على الحملة التي قادها هونياد المجري( ). وأما آثار هذا الفتح المبين في المشرق الاسلامي - فنقول لقد عم الفرح والابتهاج المسلمين في ربوع آسيا وأفريقيا فقد كان هذا الفتح حلم الأجداد وأمل الاجيال ، ولقد تطلعت له طويلاً وهاقد تحقق وارسل السلطان محمد الفاتح رسائل الى حكام الديار الاسلامية في مصر والحجاز وبلاد فارس والهند وغيرها؛ يخبرهم بهذا النصر الاسلامي العظيم- وأذيعت أنباء الانتصار من فوق المنابر، وأقيمت صلوات الشكر، وزينت المنازل والحوانيت وعلقت على الجدران والحوائط والاعلام والأقمشة المزركشة بألوانها المختلفة( ). يقول ابن إياس صاحب كتاب (بدائع الزهور) في هذه الواقعة : (فلما بلغ ذلك ، ووصل وفد الفاتح، دقت البشائر بالقلعة، ونودي في القاهرة بالزينة، ثم أن السلطان عين برسباي أمير آخور ثاني رسولاً الى ابن عثمان يهنئه بهذا الفتح)( ). وندع المؤرخ أبا المحاسن بن تغري بردي يصف شعور الناس وحالهم في القاهرة عندما وصل إليها وفد الفاتح ومعهم الهدايا واسيران من عظماء الروم، قال : (قلت ولله الحمد والمنة على هذا الفتح العظيم وجاء القاصد المذكور ومعه اسيران من عظماء اسطنبول وطلع بهما الى السلطان (سلطان مصر إينال) وهما من أهل القسطنطينية وهي الكنيسة العظيمة باسطنبول فسر السلطان والناس قاطبة بهذا الفتح العظيم ودقت البشائر لذلك وزينت القاهرة بسبب ذلك أياماً ثم طلع القاصد المذكور وبين يديه الأسيران الى القلعة في يوم الاثنين خامس وعشرين شوال بعد أن اجتار القاصد المذكور ورفقته بشوارع القاهرة. وقد احتفلت الناس بزينة الحوانيت والأماكن وأمعنوا في ذلك الى الغاية وعمل السلطان الخدمة بالحوش السلطاني من قلعة الجبل..) ( ). وهذا الذي ذكره ابن تغري بردي من وصف احتفال الناس وأفراحهم في القاهرة بفتح القسطنطينية ماهو إلا صورة لنظائر لها قامت في البلاد الاسلامية الاخرى. وقد بعث السلطان محمد الفاتح برسائل الفتح الى سلطان مصر وشاه ايران وشريف مكة وأمير القرمان، كما بعث بمثل هذه الرسائل الى الأمراء المسيحيين المجاورين له في المورة والأفلاق والمجر والبوسنة وصربيا وألبانيا والى جميع أطراف مملكته( ). من رسالة الفاتح الى سلطان مصر: واليك مقتطفات من رسالة الفاتح الى أخيه سلطان مصر الأشرف اينال وهي من إنشاء الشيخ أحمد الكوراني: (..إن من أحسن سنن أسلافنا رحمهم الله تعالى أنهم مجاهدون في سبيل الله ولايخافون لومة لائم ونحن على تلك السنة قائمون وعلى تيك الأمنية دائمون ممتثلين بقوله تعالى : {قاتلوا الذين لايؤمنون بالله}، ومستمسكين بقوله عليه السلام: (من أغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار) فهممنا في هذا العام عممه الله بالبركة والإنعام معتصمين بحبل الله ذي الجلال والاكرام ومتمسكين بفضل الملك العلام الى أداء فرض الغزاء في الاسلام مؤتمرين بأمره تعالى:{قاتلوا الذين يلونكم من الكفار...} وجهزنا عساكر الغزاة والمجاهدين من البر والبحر لفتح مدينة ملئت فجوراً وكفراً التي بقيت وسط الممالك الاسلامية تباهي بكفرها فخراً . فكأنها حصف على الخد الأغر

                         وكأنها كلف على وجه القمر 

......... هذه المدينة الواقع جانب منها في البحر وجانب منها في البر، فأعددنا لها كما أمرنا الله بقوله : { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة .. } كل أهبة يعتد بها وجميع أسلحة يعتمد عليها من البرق والرعد والمنجنيق والنقب والحجور وغيرها من جانب البر والفلك المشحون والجوار المنشآت في البحر كالأعلام من جانب البحر ونزلنا عليها في السادس والعشرين من ربيع الأول من شهور سنة سبع وخمسين وثمانمائة فقلت للنفس جدي الآن فاجتهدي

                           وساعديني فهذا ما تمنيت 

فكلما دعوا إلى الحق أصروا واستكبروا وكانوا من الكافرين فأحطنا بها محاصرة وحاربناهم وحاربونا وقاتلناهم وقاتلونا وجرى بيننا وبينهم القتال أربعة وخمسين يوماً وليلة

إذا جاء نصر الله والفتح هين

                     على المرء معسور الأمور وصعبها 

فمتى طلع الصبح الصادق من يوم الثلاثاء يوم العشرين من جمادي الأولى هجمنا مثل النجوم رجوماً لجنود الشياطين سخرها الحكم الصديقي ببركة العدل الفاروقي بالضرب الحيدري لآل عثمان قد من الله بالفتح قبل أن ظهرت الشمس من مشرقها { سيهزم الجمع ويولون الدبر، بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر }، وأول من قتل وقطع رأسه تكفورهم اللعين الكنود فأهلكوا كقوم عاد وثمود فحفظهم ملائكة العذاب فأوردهم النار وبئس المآب فقتل من قتل وأسر من به بقى وأغاروا على خزاينهم وأخرجوا كنوزهم ودفافينهم موفوراً فأتى عليهم حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً وقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين فيومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، فلما ظهرنا على هؤلاء الأرجاس الأنجاس الحلوس طهرنا القوس من القسوس وأخرجنا منه الصليب والناقوس وصيرنا معابد عبدة الأصنام مساجد أهل الإسلام وتشرفت تلك الخطة بشرف السكة والخطبة فوقع أمر الله وبطل ما كانوا يعملون......( ). وأرسل السلطان الفاتح رسالة إلى شريف مكة عن طريق سلطان مصر وقد رد سلطان مصر على خطاب السلطان محمد وهداياه بمقطوعة من النثر الأدبي الرفيع وجاءت فيها بعض الأبيات الشعرية المعبرة مثل قول الشاعر: خطبتها بكراً وما أمهرتها

                   إلا قنا وقواضباً وفوارسا 

من كانت السمر العوالي مهره

                   جلبت له بيض الحصون عرايسا 

الله أكبر ما جنيت ثمارها

                    إلا وكان أبوك قبلك غراسا( ) 

وقد جاء في رسالة سلطان مصر أيضاً هذا البيت: قال الشاعر: الله أكبر هذا النصر والظفر

                      هذا هو الفتح لا ما يزعم البشر( ) 

وقال شاعر سلطان مصر بمناسبة فتح القسطنطينية: كذا فليكن في الله جل العزايم

                     وإلا فلا تجفو الجفون الصوارم 

كتائبك البحر الخضم جيادها

                      إذا ما تهدت موجه المتلاطم 

تحيط بمنصور اللواء مظفر

                    له النصر والتأييد عبد وخادم 

فيا ناصر الإسلام يا من بغزوه

                   على الكفر أيام الزمان مواسم 

تهنَّ بفتح سار في الأرض ذكره

                   سرى الغيث يحدوه الصبا والنعايم( ) 

رسالة السلطان محمد الفاتح إلى شريف مكة : وجه السلطان محمد الفاتح رسالة إلى شريف مكة المكرمة بمناسبة فتح القسطنطينية بشره فيها بالفتح، وطلب الدعاء، وأرسل له الهدايا من الغنائم، وهذه بعض فقراتها: بعد مقدمة في المدح والثناء على شريف " مكة المكرمة " يقول : " فقد أرسلنا هذا الكتاب مبشراً بما رزق الله لنا في هذه السنة من الفتوح التي لا عين رأت ولا أذن سمعت، وهي تسخير البلدة المشهورة بالقسطنطينية، فالمأمول من مقر عزكم الشريفة أن يبشر بقدوم هذه المسرة العظمى والموهبة الكبرى، مع سكان الحرمين الشريفين، والعلماء والسادات المهتدين، والزهاد والعباد الصالحين، والمشايخ، والأمجاد الواصلين، والأئمة الخيار المتقين، والصغار والكبار أجمعين، والمتمسكين بأذيال سرادقات بيت الله الحرام، التي كالعروة الوثقى لا انفصام لها والمشرفين بزمزم والمقام، والمعتكفين في قرب جوار رسول الله عليه التحية والسلام داعين لدوام دولتنا في العرفات، متضرعين من الله نصرتنا، أفاض علينا بركاتهم ورفع درجاتهم، وبعثنا مع المشار اليه هدية لكم خاصة ألفي فلوري من الذهب الخالص التام الوزن والعيار المأخوذ من تلك الغنيمة، وسبعة آلاف فلوري أخرى للفقراء، منها ألفان للسادات والنقباء، وألف للخدام المخصوصين للحرمين، والباقي للمساكين المحتاجين في مكة والمدينة المنورة، زادهما الله شرفاً، فالمرجو منكم التقسيم بينهم بمقتضى احتياجهم وفقرهم، وإشعار كيفية السير إلينا، وتحصيل الدعاء منهم لنا، دائماً باللطف والإحسان إن شاء الله تعالى، والله يحفظكم ويبقيكم بالسعادة الأبدية والسيادة السرمدية إلى يوم الدين( ) وقد رد شريف مكة على رسالة السلطان محمد الفاتح: ( وفتحناها بكمال الأدب، وقرأناها مقابل الكعبة المعظمة بين أهل الحجاز وأبناء العرب فرأينا فيها من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين، وشاهدنا من فحاويها ظهور معجزة رسول الله خاتم النبيين وماهي إلا فتح " القسطنطينية " العظمى وتوابعها التي متانة حصنها مشهورة بين الأنام، وحصانة سورها معروفة عند الخواص والعوام وحمدنا الله بتيسير ذلك الأمر العسير وتحصيل ذلك المهم الخطير، وبششنا ذلك غاية البشاشة، وابتهجنا من إحياء مراسم آبائكم العظام والسلوك مسالك أجدادكم الكرام، روّح الله أرواحهم، وجعل أعلى غرف الجنان مكانهم، في إظهار المحبة لسكان الأراضي المقدسة( )


المبحث الرابع: أسباب فتح القسطنطينية

إن فتح المسلمين للقسطنطينية لم يأتي من فراغ وإنما هو نتيجة لجهود تراكمية قام بها المسلمون منذ العصور الأولى للإسلام رغبة من تلك الأجيال في تحقيق بشارة رسول الله  وزاد الاهتمام بفتح القسطنطينية مع ظهور دولة بني عثمان ونلاحظ أن سلاطين الدولة العثمانية كانوا أصحاب فقه عميق لسنة الأخذ بالأسباب ومارس محمد الفاتح ذلك الفقه ويظهر ذلك من خلال سيرته الجهادية وحرصه على العمل بقوله تعالى: { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ... } ( سورة الأنفال، آية: 60). لقد فهم محمد الفاتح من هذه الآية أن أمر التمكين لهذا الدين يحتاج إلى جميع أنواع القوى، على اختلافها وتنوعها، ولقد قام بشرح هذه الآية شرحاً عملياً في جهاده الميمون فقام بحشد جيش عظيم لحصار القسطنطينية ولم يتوانا في جلب كل سلاح معروف في زمانه من مدافع، وفرسان، ورماة .. الخ ولقد كان الجيش الذي حاصر القسطنطينية بقيادة محمد الفاتح قد أعد إعداداً ربانياً فتربى على معاني الإيمان والتقوى، وتحمل الأمانة وأداء الرسالة المنوطة به ولقد تربى على معاني العقيدة الصحيحة وأشرف العلماء الربانيون على تلك التربية ولقد جعلوا من كتاب الله تعالى وسنة نبيه منهجاً لهم في تربية الأفراد، فكانوا يربونهم على: 1- إن الله تعالى واحد لاشريك له، ولم يتخذ صاحبة ولا ولداً وأنه منزه عن النقائص، وموصوف بالكمالات التي لاتتناهى. 2- وأنه سبحانه خالق كل شيء، ومالكه، ومدبر أمره { ألا له الخلق والأمر} ( سورة الأعراف: 54 ). 3- وأنه سبحانه وتعالى مصدر كل نعمة في هذا الوجود، دقت أو عظمت، ظهرت أو خفيت { وما بكم من نعمة فمن الله } ( سورة النحل: 53 ). 4- وأن علمه محيط بكل شيء، فلا تخفى عليه خافية في الأرض، ولا في السماء، ومالا يخفى الإنسان ومالا يعلن: { وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً} ( سورة الطلاق: 12). 5- وأنه سبحانه يقيد على الإنسان أعماله بواسطة ملائكته، في كتاب لايترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وسينشر ذلك في اللحظة المناسبة والوقت المناسب { مايلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } ( سورة ق: 8 ). 6- وأنه سبحانه يبتلي عباده بأمور تخالف مايحبون، وما يهوون، ليعرف الناس معادنهم، من منهم يرضى بقضاء الله وقدره، ويسلم له ظاهراً وباطناً، فيكون جديراً بالخلافة والإمامة والسيادة، ومن منهم يغضب ويسخط فلا يساوي شيئاً ولايسند إليه شيء : { الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً } ( سورة الملك: 2 ). 7- وأنه سبحانه يوفق ويؤيد وينصر من لجأ إليه، ولاذ بحماه ونزل على حكمه في كل ما يأتي وما يذر : { إن وليِّ الله الذي نزل الكتاب، وهو يتولى الصالحين } ( سورة الأعراف: 196 ). 8- وأنه سبحانه وتعالى حقه على العباد أن يعبدوه، ويوحدوه، فلا يشركوا به شيئاً: { بل الله فاعبد وكن من الشاكرين } ( سورة الزمر: 16 ). 9- وأنه سبحانه - حدد مضمون هذه العبودية، وهذا التوحيد في القرآن العظيم. ولقد نهج علماء الدولة العثمانية منهج الرسول  في تربية الأفراد والجنود على حقيقة المصير وسبيل النجاة وركزوا في البيان على الجوانب التالية: 1- إن هذه الحياة مهما طالت فهي إلى زوال، وأن متاعها مهما عظم، فإنه قليل حقير : { إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض، مما يأكل الناس والأنعام، حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت، وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس، كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون } ( سورة يونس: 24 ). {قل متاع الدنيا قليل } ( النساء: 77 ). 2- وأن كل الخلق إلى الله راجعون، وعن أعمالهم مسؤولون ومحاسبون وفي الجنة أو في النار مستقرون: { أيحسب الإنسان أن يترك سدى } (القيامة:36). 3- وأن نعيم الجنة ينسي كل تعب ومرارة في الدنيا، وكذلك عذاب النار ينسي كل راحة وحلاوة في هذه الدنيا : { أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون، ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون } ( سورة الشعراء: 205-207 ). 4- وأن الناس مع زوال الدنيا، واستقرارهم في الجنة، أو في النار، سيمرون بسلسلة طويلة من الأهوال والشدائد: { يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم، يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد..} ( سورة الحج: 1-2 ). وقال تعالى : { فكيف تتقون إن كفرتم يوماً يجعل الولدان شيباً، السماء منفطر به كان وعده مفعولا } ( سورة المزمل: 17-18 ). 5- وسبيل النجاة من شر هذه الأهوال، ومن تلك الشدائد، والظفر بالجنة والبعد عن النار( ) ، بالإيمان بالله تعالى وعمل الصالحات ابتغاء مرضاته: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير} ( سورة البروج: 11 ). ومضى العلماء الربانيون في الدولة العثمانية على منهج الرسول  في تبصير الأفراد والجنود والقادة والشعب بدورهم ورسالتهم في الأرض، ومنزلتهم ومكانتهم عند الله وظلوا على هذه الحال من التبصير والتذكير حتى انقدح في ذهنهم، مالهم عند الله، ومادورهم ورسالتهم في الأرض، وتأثراً بهذه التربية الحميدة تولدت الحماسة والعزيمة في نفوس الأفراد والجنود والقادة فهذا محمد الفاتح نفسه الذي تربى على هذا المنهج يفتخر بهذه المعاني والقيم في أشعاره فنجده يقول: وحماسي: بذل الجهد لخدمة ديني، دين الله عزمي: أن أقهر أهل الكفر جميعاً بجنودي: جند الله وتفكيري: منصب على الفتح، على النصر على الفوز، بلطف الله جهادي: بالنفس وبالمال، فماذا في الدنيا بعد الامتثال لأمر الله وأشواقي: الغزو الغزو مئات الآلاف من المرات لوجه الله رجائي: في نصر الله. وسمو الدولة على أعداء الله( ). وعندما أراد السلطان محمد فتح مدينة طرابزون وكان حاكمها نصراني وكان يريد أن يباغتها على غرة، فأعد العدة، واستصحب معه عدداً كبيراً من العمال المتخصصين في قطع الأشجار وتعبيد الطرق. وقد صادف الفاتح في طريقه بعض الجبال العالية الوعرة فترجل عن فرسه وتسلقها على يديه ورجيله كسائر الجند (وكانت معه والدة حسن اوزون زعيم التركمان جاءت للإصلاح بين السلطان محمد وابنها) فقالت له: (فيم تشقى كل هذا الشقاء يابني وتتكبد كل هذا العناء، هل تستحق طرابزون كل هذا؟ ) .. فأجاب الفاتح: ياأماه ، إن الله قد وضع هذا السيف في يدي لأجاهد به في سبيله، فإذا أنا لم أتحمل هذه المتاعب وأؤد بهذا السيف حقه فلن أكون جديراً بلقب الغازي الذي احمله وكيف القى الله بعد ذلك يوم القيامة؟ ( ) وهكذا كان معظم الجنود والقادة بسبب تربيتهم الايمانية العميقة. لقد كان جيش محمد الفاتح في حصار القسطنطينية على جانب عظيم من التمسك بالعقيدة الصحيحة، والعبادات وإقامة شعائر الدين والخضوع لله رب العالمين( ). لقد ذكر المؤرخون أسباب كثيرة في فتح القسطنطنية، كضعف الدولة البيزنطية، والصراعات العقدية بداخلها، والتآكل الداخلي للدول الأوروبية بسبب القتال الذي نشأ بين الدول الأوروبية لعقود طويلة وغير ذلك من الاسباب. أثر تحكيم شرع الله تعالى على الدولة العثمانية في زمن السلطان محمد الفاتح: إن التأمل في كتاب الله وسنة رسوله  وفي حياة الأمم والشعوب تكسب العبد معرفة اصيلة بأثر سنن الله في الأنفس والكون والآفاق، وكتاب الله تعالى مليء بسننه وقوانينه المبثوثة في المجتمعات والدول والشعوب قال تعالى: {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم} (سورة النساء: آية 26). وسنن الله تتضح بالتدبر في كتاب الله وفميا صح عن رسول الله ، فقد كان  يقتنص الفرص ويستفيد من الأحداث ليرشد أصحابه الى شيء من السنن ، ومن ذلك أن ناقته عليه الصلاة والسلام "العضباء" كانت لا تُسبق، فحدث مرة أن سبقها أعرابي على قعود له، فشق ذلك على أصحاب النبي  فقال لهم عليه الصلاة والسلام كاشفاً عن سنة من سنن الله : (حق على الله أن لا يرفع شيء من الدنيا إلا وضعه) ( ). وقد أرشدنا كتاب الله الى تتبع آثار السنن في الأمكنة بالسعي والسَيْر، وفي الأزمنة من التاريخ والسير قال تعالى: {قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين} (سورة آل عمران: آية 137-138). وأرشدنا القرآن الكريم الى معرفة السنن بالنظر والتفكر قال تعالى : {قل أنظروا ماذا في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لايؤمنون، فهل ينظرون إلا مثل أيام الذين خلو من قبلهم، قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين} (سورة يونس: الآيات 101-102). ومن خلال آيات القرآن يظهر لنا أن السنن الإلهية تختص بخصائص: أولاً: إنها قدر سابق: قال تعالى: {ماكان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدراً مقدوراً} (سورة الأحزاب: آية 38). أي أن حكم الله تعالى وأمره الذي يقدره كائن لامحالة، وواقع لاحياد عنه، ولا معدل فيما شاء وكان ومالم يشأ لم يكن . ثانياً: أنها لاتتحول ولاتتبدل : قال تعالى : {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم، ثم لايجاورنك فيها إلا قليلاً، ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقيلاً، سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا} (سورة الأحزاب: الآيات 22-23، 60-62). وقال تعالى: {ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لايجدون ولياً ولا نصيراً سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً} (سورة الفتح: الآية 22،23).

ثالثاً: إنها ماضية لا تتوقف:

قال تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ماقد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين } ( سورة غافر: الآيات 82-85).

رابعاً: أنها لاتخالف ولا تنفع مخالفتها: قال تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم، كانوا أكثر منهم وأشد قوة وأثاراً في الأرض، فما أغنى عنهم ماكانوا يكسبون فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ماكانوا به يستهزئون، فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين، فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في عباده، وخسر هنالك الكافرون} (سورة غافر: الآيات 82-85). خامساً: لاينتفع بها المعاندون ولكن يتعظ بها المتقون : قال تعالى: {قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين} (سورة آل عمران : الآيات 137-138). سادساً: إنها تسري على البر والفاجر: فالمؤمنون والأنبياء أعلاهم قدراً تسري عليهم سنن الله ولله سنن جارية تتعلق بالآثار المترتبة على من امتثل أمر الله أو أعرض عنه وبما أن العثمانيين ألتزموا بشرع الله في كافة شؤونهم ومروا بمراحل طبيعية في حياة الدول فإن أثر حكم الله فيهم واضح بيّن: وللحكم بما أنزل الله آثار دنيوية وآخرى أخروية أما الآثار الدنيوية التي ظهرت لي من خلال دراستي للدولة العثمانية فإنها: أولاً: الاستخلاف والتمكين: حيث نجد العثمانيين منذ زعيمهم الأول عثمان حتى محمد الفاتح ومن بعده حرصوا على إقامة شعائر الله على أنفسم وأهليهم وأخلصوا لله في تحاكمهم الى شرعه، فالله سبحانه وتعالى قواهم وشد أزرهم واستخلفهم في الأرض وأقام العثمانيون شريعة الله في الأرض التي حكموها، فمكن لهم المولى عز وجل الملك ووطأ لهم السلطان. وهذه سنة ربانية نافذة لاتتبدل في الشعوب والأمم التي تسعى جاهدة لإقامة شرع الله. وقد خاطب تعالى المؤمنين من هذه الأمة واعداً إياهم بما وعد به المؤمين قبلهم، فقال سبحانه في سورة النور : {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض (بدلاً من الكفار) كما استخلف الذين من قبلهم} من بني أسرائيل( ). ولقد حقق العثمانيون الإيمان وتحاكموا الى شريعة الرحمن، فأتتهم ثمرة ذلك واثره الباقي {وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم} فحققوا التحاكم الى الدين، فتحقق لهم التمكين. ثانياً: الأمن والأستقرار: كانت بلاد آسيا الصغرى مضطربة وكثرت فيها الإمارات المتنازعة ، وبعدأن أكرم الله تعالى العثمانيين بتوحيد تلك الإمارات وتوجيهها نحو الجهاد في سبيل الله تعالى يسر الله للدولة العثمانية الأمن والاستقرار في تلك الربوع التي حكم فيها شرع الله. حيث نجد أن الدولة العثمانية بعد أن استخلفت مكن الله لها وأعطاها دواعي الأمن وأسباب الاستقرار حتى تحافظ على مكانتها وهذه سنة جارية ماضية ضمن الله لأهل الايمان والعمل بشرعه وحكمه أن ييسر لهم الأمن الذي ينشدون في أنفسهم وواقعهم ، فبيده سبحانه مقاليد الأمور، وتصريف الأقدار، وهو مقلب القلوب ، والله يهب الأمن المطلق لمن استقام على التوحيد وتطهر من الشرك بأنواعه قال تعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} (سورة الأنعام: آية ) فنفوسهم في أمن من المخاوف ومن العذاب والشقاء إذا خلصت لله من الشرك، صغيره وكبيره ، إن تحكيم شرع الله فيه راحة للنفوس لكونها تمس عدل الله ورحمته وحكمته. إن الله تعالى بعد أن وعد المؤمنين بالاستخلاف ثم التمكين لم يحرمهم بعد ذلك من التأمين، والتطمين والبعد عن الخوف والفزع. إن العثمانيين عندما حققوا العبودية لله ونبذوا الشرك بأنواعه حقق الله لهم الأمن في النفوس على مستوى الشعب والدولة. ثالثا: النصر والفتح: إن العثمانيين حرصوا على نصرة دين الله بكل مايملكون وتحققت فيهم سنة الله في نصرته لمن ينصره لأن الله ضمن لمن استقام على شرعه أن ينصره على أعدائه بعزته وقوته قال تعالى: {ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز  الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور} (سورة الحج: آية ). (وما حدث قط في تاريخ البشرية أن استقامت جماعة على هدى الله إلا منحها القوة والمنعة والسيادة في نهاية المطاف ... إن الكثيرين ليشفقونا من اتباع شريعة الله والسير على هداه يشفقون من عداوة أعداء الله ومكرهم ويشفقون من تألب الخصوم عليهم ويشفقون من المضايقات الاقتصادية وغير الاقتصادية ، وإن هي إلا أوهام كأوهام قريش يوم قالت لرسل الله : {إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا} (سورة القصص: آية 57)، فلما اتبعت هدى الله سيطرت على مشارق الأرض ومغاربها في ربع قرن أو أقل من الزمان)( ). إن الله تعالى أيد العثمانيين على الأعداء ومنّ عليهم بالفتح، فتح الأراضي وإخضاعها لحكم الله تعالى، وفتح القلوب هدايتها لدين الإسلام. إن العثمانيين عندما استجابوا وانقادوا لشريعة الله جلبت لهم الفتح، واستنـزلت عليهم نصر الله. إن الشعوب الاسلامية التي تبتعد عن شريعة الله تذل نفسها في الدنيا والآخرة. إن مسؤولية الحكام والقضاة والعلماء والدعاة في الدعوة الى تحكيم شرع الله مسؤولية عظيمة يسألون عنها يوم القيامة أمام الله: (إذا حكم ولاة الأمر بغير ما أنزل الله، وقع بأسهم بينهم..وهذا أعظم أسباب تغير الدول كما جرى هذا مرة بعد مرة في زماننا وغير زماننا ومن أراد الله سعادته جعله يعتبر بما أصاب غيره)، فيسلك مسلك من أيده الله ونصره ويجتنب مسلك من خذله الله وأهانه؛ فإن الله يقول في كتابه : { ولينصرنّ الله من ينصره إن الله لقوي عزيز} الى قوله تعالى: {ولله عاقبة الأمور}( ) فقد وعد الله بنصره من ينصره ونصره هو نصر كتابه ودينه ورسوله، لانصر من يحكم بغير ماأنزل الله ويتكلم بما لا يعلم)( ). رابعاً: العز والشرف: إن عز العثمانيين وشرفهم العظيم الذي سطر في كتب التاريخ يرجع الى تمسكهم بكتاب الله وسنة رسوله ؛ إن من يعتز بالانتساب لكتاب الله وسنة رسوله  الذي به تشرف الأمة وبه يعلو ذكرها ، وضع رجله على الطريق الصحيح وأصاب سنة الله الجارية في إعزاز وتشريف من يتمسك بكتابه وسنة رسوله  قال تعالى: {لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم أفلا تعقلون} (سورة الأنبياء : الآية 10). قال ابن عباس -رضي الله عنهما- في تفسير هذه الآية : (فيه شرفكم)( ) إن العثمانيين استمدوا شرفهم وعزهم من استمساكهم بأحكام الاسلام، كما قال عمر بن الخطاب  : (إنا كنّا أذل قوم ، فأعزنا الله بالاسلام، فمهما نطلب العز بغير ماأعزنا الله أذلنا الله)( )، فعمر  كشف لنا بكلماته عن حقيقة الارتباط بين حال الأمة عزى وذُلاً، مع موقفها من الشريعة إقبالاً وإدباراً، فما عزت في يوم بغير دين الله، ولا ذلت في يومٍ إلا بالإنحراف عنه قال تعالى: {من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً} (سورة فاطر: الآية 10) يعني من طلب العزة فيلعتز بطاعة الله عز وجل( ). وقال تعالى: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين، ولكن المنافقين لايعلمون} (سورة المنافقين: الآية 8). إن سيرة سلاطين العثمانيين من أمثال عثمان الأول، ومراد، ومحمد الفاتح تبين لنا أعتزازهم بالاسلام وحبهم للقرآن واستعدادهم للموت في سبيل الله، ولقد عاشوا في بركة من العيش ورغد من الحياة الطيبة وما نالوا ذلك إلا بإقامة دين الله قال تعالى : {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض، ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون} (سورة الاعراف: آية 96). خامساً: انتشار الفضائل وانزواء الرذائل: لقد انتشرت الفضائل في زمن محمد الفاتح وانحسرت الرذائل؛ فخرج جيل فيه نبل وكرم وشجاعة وعطاء وتضحية من أجل العقيدة والشريعة متطلعاً الى ما عند الله من الثواب يخشى من عقاب الله لقد استجاب ذلك المجتمع بشعبه ودولته وحكامه الى مايحبه الرحمن والى تعاليم الاسلام. إن آثار تحكيم شرع الله في الشعوب والدول التي نفذت أوامر الله ونواهيه ظاهرة بينة لدارس التاريخ وإن تلك الآثار الطيبة التي اصابت الدولة العثمانية لهي من سنن الله الجارية والتي لاتتبدل ولا تتغير فأي شعب يسعى لهذا المطلب الجليل والعمل العظيم يصل إليه ولو بعد حين ويرى آثار ذلك التحكيم على أفراده وحكامه ودولته. إن الغرض من الأبحاث التاريخية الاسلامية الاستفادة الجادة من أولئك الذين سبقونا بالايمان في جهادهم وعلمهم وتربيتهم وسعيهم الدؤوب لتحكيم شرع الله وأخذهم بسنن التمكين وفقه ومراعاة التدرج والمرحلية والانتقاء من أفراد الشعب والارتقاء بهم نحو الكمالات الاسلامية المنشودة. إن الإنتصارات العظيمة في تاريخ أمتنا يجريها الله تعالى على يدي من أخلص لربه ودينه وأقام شرعه وزكى نفسه ولهذا لم يأتي فتحاً عظيماً وفتحاً مبيناً إلا لمن توفرت فيهم صفات جيل التمكين التي ذكرت في القرآن الكريم.


المبحث الخامس: أهم صفات محمد الفاتح

لقد ظهرت بعض الصفات القيادية في شخصية محمد الفاتح عند البحث والدراسة ومن أهم هذه الصفات: 1- الحزم:

وظهر ذلك عندما غلب ظنه أن هناك تقصيراً أو تكاسلاً من جانب قائد الاسطول العثماني بالطه أوغلي عند حصاره للقسطنطينية، فأرسل إليه وقال: (إما تستولي على هذه السفن وإما أن تغرقها وإذا لم توفق في ذلك فلا ترجع إلينا حياً)( ).

ولما لم يحقق بالطه أوغلي مهمته عزله، وجعل مكانه حمزة باشا. 2- الشجاعة: وكان رحمه الله يخوض المعارك بنفسه ويقاتل الأعداء بسيفه وفي احدى المعارك في بلاد البلقان تعرض الجيش العثماني لكمين من قبل زعيم البوغدان استفان حيث تخفى مع جيشه خلف الأشجار الكثيفة المتلاصقة وبينما المسلمون بجانب تلك الاشجار انهمرت عليهم نيران المدافع الشديدة من بين الأشجار وانبطح الجنود على وجوههم وكاد الاضطراب يسود صفوف الجيش لولا أن سارع السلطان الفاتح وتباعد عن مرمى المدافع وعنّف رئيس الانكشارية محمد الطرابزوني على تخاذل جنده، ثم صاح فيهم: (أيها الغزاة المجاهدون كونوا جند الله ولتكن فيكم الحمية الاسلامية)( ) وأمسك بالترس واستل سيفه ركض بحصانه واندفع به الى الامام لايلوي على شيء وألهب بذلك نار الحماس في جنده فانطلقوا وراءه واقتحموا الغابة على من فيها ونشب بين الأشجار قتال عنيف بالسيوف استمر من الضحى الى الأصيل. ومزق العثمانيون الجنود البوغدانية شر ممزق ووقع استفان من فوق ظهر جواده ولم ينج إلا بصعوبة وولى هارباً، وانتصر العثمانيون وغنموا غنائم وفيرة( ). 3- الذكاء: ويظهر ذلك في فكرته البارعة وهي نقل السفن من مرساها في بشكطاش الى القرن الذهبي، وذلك بجرها على الطريق البري الواقع بين الميناءين مبتعداً عن حي غلطة خوفاً على سفنه من الجنويـين ، وقد كانت المسافة بين الميناءين نحو ثلاثة أميال، ولم تكن أرضاً مبسوطة سهلة ولكنها كانت وهاداً وتلالاً غير ممهدة وشرع في تنفيذ الخطة؛ ومهدت الأرض وسويت في ساعات قليلة وأتى بألواح من الخشب دهنت بالزيت والشحم، ثم وضعت على الطريق الممهد بطريقة يسهل بها انزلاج السفن وجرها، لقد كان هذا العمل عظيماً بالنسبة للعصر الذي حدث فيه بل تجلى فيه سرعة التفكير وسرعة التنفيذ، مما يدل على ذكاء محمد الفاتح الوقّاد( ). 4- العزيمة والإصرار:

  فعندما أرسل السلطان محمد الفاتح الى الامبراطور قسطنطين يطلب منه تسليم القسطنطينية حتى يحقن دماء الناس في المدينة ولا يتعرضوا لأي أذى ويكونوا بالخيار في البقاء في المدينة أو الرحيل عنها، فعندما رفض قسطنطين تسليم المدينة قال السلطان محمد : (حسناًعن قريب سيكون لي في القسطنطينية عرش أو يكون لي فيها قبر)( ).

وعندما استطاع البيزنطيون أن يحرقوا القلعة الخشبية الضخمة المتحركة كان رده (غداً نصنع أربعاً اخرى)( ). وهذه المواقف تدل على عزيمته وإصراره في الوصول الى هدفه. 5- عدله: حيث عامل أهل الكتاب وفق الشريعة الاسلامية وأعطاهم حقوقهم الدينية ولم يتعرض أحد من النصارى للظلم أو التعدي بل أكرم زعمائهم وأحسن الى رؤسائهم وكان شعاره العدل أساس الملك( ). 6- عدم الاغترار بقوة النفس وكثرة الجند وسعة السلطان: نجد السلطان محمد عند دخول القسطنطينية يقول: (حمداً لله، ليرحم الله الشهداء ويمنح المجاهدين الشرف والمجد، ولشعبي الفخر والشكر)( ). فهو أسند الفضل الى الله ولذلك لهج لسانه بالحمد والثناء والشكر لمولاه الذي نصره وأيده وهذا يدل على عمق إيمان محمد الفاتح بالله سبحانه وتعالى. 7- الأخلاص: إن كثير من المواقف التي سجلت في تاريخ الفاتح تدلنا على عمق اخلاصه لدينه وعقيدته في اشعاره ومناجاته لربه سبحانه وتعالى حيث يقول: نيّتي : امتثالي لأمر الله (وجاهدوا في سبيل الله). وحماسي: بذل الجهد لخدمة ديني، دين الله. عزمي: أن أقهر أهل الكفر جميعاً بجنودي : جند الله. وتفكيري: منصب على الفتح، على النصر على الفوز، بلطف الله. جهادي : بالنفس وبالمال، فماذا في الدنيا بعد الامتثال لأمر الله . وأشواقي : الغزو الغزو مئات الآلاف من المرات لوجه الله. رجائي: في نصر الله. وسموا الدولة على أعداء الله( ). 8- علمه : أهتم والده به منذ الطفولة ولذلك خضع السلطان محمد الفاتح لنظام تربوي إشرف عليه مجموعة من علماء عصره المعروفين ، فتعلم القرآن الكريم والحديث والفقه والعلوم العصرية -آنذاك- من رياضيات وفلك وتاريخ ودراسات عسكرية نظرية وتطبيقية، وكان من كرم الله للسلطان محمد الفاتح أن أشرف على تعليمه مجموعة من آساطين العلماء في عصره وفي مقدمتهم الشيخ آق شمس الدين والملا الكوراني (عالم الدين عند العثمانيين الأوائل يكون موسوعياً في شتى العلوم المعروفة في عصره). ولقد تأثر محمد الفاتح بتربية شيوخه وظهرت تلك التربية في اتجاهاته الثقافية والسياسية والعسكرية( ). ولقد تبحر السلطان محمد في اللغات الاسلامية الثلاثة التي لم يكن يستغني عنها مثقف في ذلك العصر وهي : العربية والفارسية والتركية ، ولقد كان السلطان محمد الفاتح شاعراً وترك ديواناً باللغة التركية( ).

المبحث السادس شيء من أعماله الحضارية

• اهتمامه بالمدارس والمعاهد: كان السلطان محمد الفاتح محباً للعلم والعلماء ولذلك اهتم ببناء المدارس والمعاهد في جميع أرجاء دولته. وقد كان السلطان أورخان أول من أنشأ مدرسة نموذجية في الدولة العثمانية وسار بعده سلاطين الدولة على نهجه وانتشرت المدارس والمعاهد في بروسة وأدرنة وغيرها من المدن. ولقد فاق محمد الفاتح أجداده في هذا المضمار وبذل جهوداً كبيرة في نشر العلم وإنشاء المدارس والمعاهد وأدخل بعض الاصلاحات في التعليم واشرف على تهذيب المناهج وتطويرها وحرص على نشر المدارس والمعاهد في كافة المدن الكبيرة والصغيرة وكذلك القرى وأوقف عليها الأوقاف العظيمة. ونظم هذه المدارس ورتبها على درجات ومراحل ، ووضع لها المناهج، وحدد العلوم والمواد التي تدرس في كل مرحلة ، ووضع لها نظام الامتحانات فلا ينتقل طالب من مرحلة الى اخرى إلا بعد اتقانه لعلوم المرحلة السابقة ويخضع لامتحان دقيق وكان السلطان الفاتح يتابع هذه الأمور ويشرف عليها واحياناً يحضر امتحانات الطلبة ويزور المدارس بين الحين والحين ولا يأنف من استماع الدروس التي يلقيها الاساتذة، وكان يوصي الطلبة بالجد والاجتهاد ولا يبخل بالعطاء للنابغين من الاساتذة والطلبة وجعل التعليم في كافة مدارس الدولة بالمجان وكانت المواد التي تدرس في تلك المدارس : التفسير، والحديث، والفقه، والأدب، والبلاغة ، وعلوم اللغة من المعاني والبيان والبديع، والهندسة...الخ. وأنشأ بجانب مسجده الذي بناه بالقسطنطينية ثمان مدارس على كل جانب من جوانب المسجد أربعة مساجد يتوسطها صحن فسيح وفيها يقضي الطالب المرحلة الأخيرة من دراسته وألحقت بهذه المدارس مساكن للطلبة ينامون فيها ويأكلون فيها طعامهم ووضعت لهم منحة مالية شهرية، وكان الموسم الدراسي على طول السنة في هذه المدارس وأنشأ بجانبها مكتبة خاصة وكان يشترط في الرجل الذي يتولى امانة هذه المكتبة أن يكون من أهل العلم والتقوى متبحراً في اسماء الكتب والمؤلفين وكان المشرف على المكتبة يعير الطلبة والمدرسين مايطلبونه من الكتب بطريقة منظمة دقيقة ويسجل اسماء الكتب المستعارة في دفتر خاص وهذا الأمين مسؤول عن الكتب التي في عهدته ومسؤول عن سلامة أوراقها( ) وتخضع هذه المكتبة للتفتيش كل ثلاثة أشهر على الاقل وكانت مناهج هذه المدارس يتضمن نظام التخصص، فكان للعلوم النقلية والنظرية قسماً خاصاً وللعلوم التطبيقية قسماً خاصاً أيضاً، وكان الوزراء والعلماء من أصحاب الثروات يتنافسون في انشاء المعاهد والمدارس والمساجد والأوقاف الخيرية( ). • اهتمام السلطان محمد الفاتح بالعلماء: لقد كان للعلماء والأدباء مكانة خاصة لدى محمد الفاتح، فقرب إليه العلماء ورفع قدرهم وشجعهم على العمل والانتاج وبذل لهم الأموال ووسع لهم في العطايا والمنح والهدايا ليتفرغوا للعلم والتعليم ويكرمهم غاية الإكرام ولو كانوا من خصومه ؛ فبعد أن ضم إمارة القرمان الى الدولة أمر بنقل العمال والصناع الى القسطنطينية غير أن وزيره روم محمد باشا ظلم الناس ومن بينهم بعض العلماء وأهل الفضل ومن بينهم العالم احمد جلبي بن السلطان امير علي فلما علم السلطان محمد الفاتح بأمره اعتذر إليه واعاده الى وطنه مع رفقائه معززاً مكرماً. وبعد أن هزم اوزون حسن زعيم التركمان وكان هذا الزعيم لا يلتزم بعهد ويناصر أعداء العثمانيين من أي ملة كانت، فبعد أن هزمه محمد الفاتح وقع في يده عدد كبير من الأسرى، فأمر السلطان الفاتح بقتلهم (إلا من كان من العلماء واصحاب المعارف مثل القاضي محمد الشريحي وكان من فضلاء الزمان، فأكرمه السلطان غاية الاكرام. وكان السلطان الفاتح يحترم العلماء وأهل الورع والتقى وقد تستبد به في بعض الاحيان نزوة جامعة او غضبة طارئة ولكنه ما يلبث إلا أن يعود الى وقاره واحترامه لهم. وتحدثنا كتب التاريخ أن السلطان محمد بعث مع احد خدامه بمرسوم الى الشيخ احمد الكوراني - وكان حين ذاك يتولى قضاء العسكر- فوجد فيه أمراً يخالف الشرع فمزقه وضرب الخادم. وشق ذلك على السلطان محمد وغضب من فعل الشيخ وعزله من منصبه، ووقع بينهما نفور وجفوة ورحل الكوراني الى مصر حيث استقبله سلطانها قيتباي وأكرمه غاية الاكرام واقام عنده برهة من الزمن. ومالبث الفاتح أن ندم على ماكان منه فكتب الى السلطان قيتباي يطلب منه ان يرسل إليه الشيخ الكوراني (فحكى السلطان قيتباي كتاب السلطان محمد خان للشيخ الكوراني ثم قال له لا تذهب إليه فاني اكرمك فوق مايكرمك هو. قال: نعم هو كذلك إلا أن بيني وبينه محبة عظيمة كما بين الوالد والولد. وهذا الذي جرى بيننا شيء آخر وهو يعرف ذلك مني ويعرف أني أميل إليه بالطبع فاذا لم أذهب إليه يفهم ان المنع من جانبك فتقع بينكما عداوة. فاستحسن السلطان قيتباي هذا الكلام واعطاه مالاً جزيلاً وهيأ له مايحتاج إليه من حوائج السفر وبعث معه هدايا عظيمة الى السلطان محمد خان. واسند إليه الفاتح القضاء ثم الافتاء واجزل له من العطاء واكرمه اكراماً لامزيد عليه( ). قال عنه الشوكاني: (.. وانتقل من قضاء العسكر الى منصب الفتوى وتردد إليه الأكابر وشرح (جمع الجوامع) وكثر تعقبه للمحلى (جلال الدين المحلي المفسر) وعمل تفسيراً ، وشرحاً للبخاري وقصيدة في علم العروض نحو ستمائة بيت. وأنشأ بأسطنبول جامعاً ومدرسة سماها دار الحديث وانشالت عليه الدنيا وعمر الدور وانتشر علمه فأخذ عليه الأكابر وحج في سنة 761هـ احدى وستين وسبعمائة ولم يزل على جلالته حتى (مات) في أواخر سنة 793هـ ثلاث وتسعين وسبعمائة وصلى عليه السلطان فمن دونه ومن مطالع قصائده في مدح سلطانه: هو الشمس إلا أنه الليث باسلا هو البحر إلا أنه مالك البر وقد ترجمه صاحب (الشقائق النعمانية) ترجمة حافلة...وانه كان يخاطب السلطان بأسمه ولا ينحني له، ولا يقبل يده بل يصافحه مصافحة ، وانه كان لا يأتي الى السلطان إلا اذا أرسل إليه وكان يقول له ، مطعمك حرام وملبسك حرام فعليك بالاحتياط. وذكر له مناقب جمة تدل على أنه من العلماء العاملين...)( ). وكان السلطان محمد الفاتح لا يسمع عن عالم في مكان اصابه عوزاً وإملاق إلا بادر الى مساعدته وبذل له ما يستعين به على أمور دنياه. وكان من عادة الفاتح في شهر رمضان أن يأتي الى قصره بعد صلاة الظهر بجماعة من العلماء المتبحرين في تفسير القرآن فيقوم في كل مرة واحد منهم بتفسير آيات من القرآن الكريم وتقريرها ويناقشه في ذلك سائر العلماء ويجادلونه، وكان الفاتح يشارك في هذه المناقشات ويشجع هؤلاء العلماء بالعطايا والهدايا والمكافآت المالية الجزيلة. اهتمامه بالشعراء والأدباء: ذكر مؤرخ الأدب العثماني أن السلطان محمد الفاتح ( راعٍ لنهضة أدبية، وشاعر مجيد حكم ثلاثين عاماً كانت أعوام خصب ورخاء وبركة ونماء وعرف بأبي الفتح لأنه غلب على إمبراطوريتين، وفتح سبع ممالك واستولى على مائتي مدينة وشاد دور العلم ودور العبادة، فعرف كذلك بأبي الخيرات )( ) . وكان الفاتح مهتماً بالأدب عامة والشعر خاصة، وكان يصاحب الشعراء ويصطفيهم، واستوزر الكثير منهم مثل أحمد باشا محمود ومحمود باشا وقاسم الجزري باشا، وهؤلاء شعراء( ) وكان في بلاط الفاتح ثلاثون شاعراً يتناول كل منهم راتباً شهرياً قدره ألف درهم وكان طبيعياً بعد هذا الاهتمام أن يتفنن الشعراء والأدباء في مدح السلطان محمد لما قدمه الى العلم والأدب من كريم الرعاية وجميل التشجيع. وكان محمد الفاتح ينكر على الشعراء التبذل والمجون والدعارة ويعاقب الذي يخرج عن الآداب بالسجن أو يطرده من بلاطه( ) . اهتمامه بالترجمة: كان السلطان محمد الفاتح متقن للغة الرومية ومن أجل أن يبعث نهضة فكرية في شعبه أمر بنقل كثير من الآثار المكتوبة باليونانية واللاتينية والعربية والفارسية إلى اللغة التركية من ذلك كتاب " مشاهير الرجال " لبلوتارك ونقل إلى التركية كتاب التصريف في الطب لأبي القاسم الزهراوي الطبيب الأندلسي مع زيادات في صور آلالات الجراحة وأوضاع المرضى أثناء إجراء العمليات الجراحية. وعندما وجد كتاب بطليموس في الجغرافيا وخريطة له قام بمطالعته ودراسته مع العالم الرومي جورج اميروتزوس ثم طلب اليه الفاتح والى ابنه ( ابن العالم الرومي ) الذي كان يجيد اللغتين الرومية والعربية بترجمة الكتاب إلى العربية وإعادة رسم الخريطة مع التحقيق في أسماء البلدان وكتابتها باللغتين العربية والرومية وكافأهما على هذا العمل بعطايا واسعة جمة وكان العلامة علي القوشجي وهو من أكبر علماء عصره في الرياضيات والفلك كلما ألف كتاباً بالفارسية نقله إلى العربية وأهداه إلى الفاتح. وكان الفاتح مهتم باللغة العربية، لأنها لغة القرآن الكريم كما أنها من اللغات العلمية المنتشرة في ذلك العهد. وليس أدل على اهتمام الفاتح باللغة العربية من انه طلب إلى " المدرسين بالمدارس الثماني أن يجمعوا بين الكتب الستة في علم اللغة كالصحاح والتكملة والقاموس وأمثالها ". ودعم الفاتح حركة الترجمة والتأليف لنشر المعارف بين رعاياه بالاكثار من نشر المكاتب العامة وأنشأ له في قصره خزانة خاصة احتوت على غرائب الكتب والعلوم وعين الشيخ لطفي أميناً عليها، وكان بها اثنا عشر ألف مجلد عندما احترقت عام 1465م وقد وصف الاستاذ ديزمان هذه المكتبة بأنها بمثابة نقطة تحول في العلم بين الشرق والغرب( ). اهتمامه بالعمران والبناء والمستشفيات: كان السلطان محمد الفاتح مغرماً ببناء المساجد والمعاهد والقصور والمستشفيات والخانات والحمامات والأسواق الكبيرة والحدائق العامة وأدخل المياه إلى المدينة بواسطة قناطر خاصة وشجع الوزراء وكبار رجال الدولة والأغنياء والأعيان على تشييد المباني وإنشاء الدكاكين والحمامات وغيرها من المباني التي تعطي المدن بهاءً ورونقاً واهتم بالعاصمة ( استنبول ) اهتماماً خاصاً وكان حريصاً على أن يجعلها ( أجمل عواصم العالم ) وحاضرة العلوم والفنون. وكثر العمران في عهد الفاتح وانتشر واهتم بدور الشفاء ووضع لها نظاماً مثالياً في غاية الروعة والدقة والجمال، فقد كان يعهد بكل دار من هذه الدور إلى طبيب - ثم زيد إلى اثنين - من حذاق الأطباء من أي جنس كان، يعاونهما كحال وجراح وصيدلي وجماعة من الخدم والبوابين ويشترط في جميع المشتغلين بالمستشفى أن يكونوا من ذوي القناعة والشفقة والإنسانية، ويجب على الأطباء أن يعودوا المرضى مرتين في اليوم وأن لاتصرف الأدوية للمرضى إلا بعد التدقيق من إعدادها، وكان يشترط في طباخ المستشفى أن يكون عارفاً بطهي الأطعمة والأصناف التي توافق المرضى منها وكان العلاج والأدوية في هذه المستشفيات بالمجان ويغشاها جميع الناس بدون تمييز بين أجناسهم وأديانهم( ). الاهتمام بالتجارة والصناعة: اهتم السلطان محمد الفاتح بالتجارة والصناعة وعمل على انعاشهما بجميع الوسائل والعوامل والأسباب وكان بذلك مقتفياً خط آبائه وأجداده السلاطين الذين : ( كانوا دائماً على استعداد لإنعاش الصناعة والتجارة بين رعاياهم وأن كثيراً من المدن الكبرى قد ازدهرت ازدهاراً كبيراً عندما خلصها الفتح العثماني مما أصابها في عهد الدولة البيزنطية من طغيان الثروة الحكومية التي عرقلت نهضتها وشلت حركتها، ومن هذه المدن نيقية وكان العثمانيون على دراية واسعة بالأسواق العالمية وبالطرق البحرية والبرية وطوروا الطرق القديمة وانشأوا الكباري الجديدة مما سهل حركة التجارة في جميع أجزاء الدولة واضطرت الدول الأجنبية من فتح موانيها لرعايا الدولة العثمانية ليمارسوا حرفة التجارة في ظل الراية العثمانية وكان من أثر السياسة العامة للدولة في مجال التجارة والصناعة أن عم الرخاء وساد اليسر والرفاهية في جميع أرجاء الدولة وأصبحت للدولة عملتها الذهبية المتميزة( ) ولم تهمل الدولة إنشاء دور الصناعة ومصانع الذخيرة والأسلحة وأقامت القلاع والحصون في المواقع ذات الأهمية العسكرية في البلاد( ). الاهتمام بالتنظيمات الإدارية: عمل السلطان محمد الفاتح على تطوير دولته ولذلك قنن قوانين حتى يستطيع أن ينظم شؤون الإدارة المحلية في دولته وكانت تلك القوانين مستمدة من الشرع الحكيم وشكل السلطان محمد لجنة من خيار العلماء لتشرف على وضع ( قانون نامه ) المستمد من الشريعة الغراء وجعله أساساً لحكم دولته، وكان هذا القانون مكوناً من ثلاثة أبواب، يتعلق بمناصب الموظفين وببعض التقاليد ومايجب أن يتخذ من التشريفات والاحتفالات السلطانية وهو يقرر كذلك العقوبات والغرامات، ونص صراحة على جعل الدولة حكومة إسلامية قائمة على تفوق العنصر الإسلامي أياً كان أصله وجنسه( ). واهتم محمد الفاتح بوضع القوانين التي تنظم علاقة السكان من غير المسلمين بالدولة ومع جيرانهم من المسلمين، ومع الدولة التي تحكمهم وترعاهم، وأشاع العدل بين رعيته، وجد في ملاحقة اللصوص وقطاع الطرق، وأجرى عليهم أحكام الإسلام، فاستتب الأمن وسادت الطمأنينة في ربوع الدولة العثمانية. وأبقى السلطان محمد النظام الذي كان سائداً لحكم الولايات أيام أسلافه، وأدخل عليه بعض التعديلات الطفيفة التي تناسب عصره ودولته. وكانت الدولة تنقسم إلى ولايات كبرى يحكمها أمير الأمراء وكان يسمى " بكلربك " وإلى ولايات صغرى ويحكمها أمير اللواء، وكان يسمى " سنجق بك " وكلا الحاكمان كان يقوم بأعمال مدنية وعسكرية في آن واحد، وترك لبعض الإمارات الصقلبية في أول الأمر بعض مظاهر الاستقلال الداخلي فكان يحكمها بعض أمراء منها ولكنهم تابعون للدولة ينفذون أوامر السلطان بكل دقة وهو يعزلهم ويعاقبهم اذا خالفوا أوامره أو فكروا في الثورة على الحكومة العثمانية. وعندما تعلن الدولة الجهاد وتدعوا أمراء الولايات وأمراء الالوية، كان عليهم أن يلبوا الدعوة ويشتركوا في الحرب بفرسان يجهزونهم تجهيزاً تاماً، وذلك حسب نسب مبينة، فكانوا يجهزون فارساً كامل السلاح قادراً على القتال عن كل خمسة آلاف آقجه من إيراد اقطاعه، فإذا كان إيراد اقطاعه خمسمائة ألف آقجة مثلاً كان عليه أن يشترك بمائة فارس، وكان جنود الإيالات مؤلفة من مشاه وفرسان، وكان المشاة تحت قيادة وإدارة باشوات الإيالات وبكوات الالوية( ). وقام محمد الفاتح بحركة تطهير واسعة لكل الموظفين القدماء غير الأكفاء وجعل مكانهم الأكفاء، واتخذ الكفاية وحدها أساساً في اختيار رجاله ومعاونيه وولاته. واهتم بالنظام المالي ووضع القواعد المحكمة الصارمة في جباية أموال الدولة وقضى على إهمال الجباة وتلاعبهم مما كان يضيع على الدولة ثروات هائلة. لقد أظهر السلطان محمد في الناحية الإدارية كفاية ومقدرة لاتقلان عن كفايته ومقدرته في الناحيتين السياسية والحربية( ). اهتمامه بالجيش والبحرية: لقد أنشأ الجيش النظامي من زمن السلطان أورخان واهتم من جاء بعده من السلاطين بتطوير الجيش وخصوصاً السلطان محمد الذي أولى الجيش رعاية خاصة، فالجيش في نظره من أسس الدولة وأركانها المهمة، فأعاد تنظيمه وتربيته وجعل لكل فرقة ( آغا ) يقودها وجعل لقيادة الانكشارية حق التقدم على بقية القواد، فهو يتلقى أوامره من الصدر الأعظم الذي جعل له السلطان القيادة العليا للجيش. وقد تميز عصر السلطان محمد الفاتح بجانب قوة الجيش البشرية وتفوقه العددي، بإنشاءات عسكرية عديدة ومتنوعة، فأقام دور الصناعة العسكرية لسد احتياجات الجيش من الملابس والسروج والدروع ومصانع الذخيرة والأسلحة، وأقام القلاع والحصون في المواقع ذات الأهمية العسكرية، وكانت هناك تشكيلات عسكرية متنوعة في تمام الدقة وحسن التنظيم من فرسان ومشاة ومدفعية وفرق مساعدة، تمد القوات المحاربة بما تحتاجه من وقود وغذاء وعلف للحيوان واعداد صناديق الذخيرة حتى ميدان القتال، وكان هناك صنف من الجنود يسمى " لغمجية " وظيفته الحفر للالغام وحفر الانفاق تحت الأرض أثناء محاصرة القلعة المراد فتحها وكذلك السقاؤون كان عليهم تزويد الجنود بالماء ولقد تطورت الجامعة العسكرية في زمن الفاتح وأصبحت تخرج الدفعات المتتالية من المهندسين والأطباء والبيطريين وعلماء الطبيعيات والمساحات، وكانت تمد الجيش بالفنيين المتخصصين وقد أكسب هؤلاء العثمانيين شهرة عريضة في الدقة والنظام( ). لقد حرص السلطان محمد على تطوير الجيش البري والقوة البحرية وظهرت أهميتها منذ فتح القسطنطينية، حيث كان للأسطول البحري العثماني دور واضح في احكام حصارها وتطويقها من البحر والبر جميعاً وبعد فتح القسطنطينية ضوعفت العناية بالسلاح البحري، فلم تمضي إلا مدة من الزمن حتى سيطر الأسطول العثماني على البحرين الأسود والأبيض وعندما نطالع كتاب ( حقائق الأخبار عن دول البحار ) لمؤلفه اسماعيل سرهنك، نلاحظ اهتمام السلطان محمد الفاتح بالبحرية العثمانية، وانه كان اهتماماً بالغاً استحق معه أن يعده المؤرخون مؤسس الاسطول البحري العثماني، ولقد استفاد من الدول التي وصلت إلى مستوى رفيع في صناعة الأساطيل مثل الجمهوريات الإيطالية وبخاصة البندقية وجنوا أكبر الدول البحرية في ذلك الوقت( ) وعندما وجد في سيئوب سفينة ضخمة نادرة المثال أمر السلطان محمد بأخذها وبناء سفن على نمطها مع ادخال التحسينات عليها( ). وكان الأسطول العثماني تشرف الترسانة على إدارته وكانت احد فروع الخاصة وتسمى بطافة العزب، ويبلغ عددهم نحو ثلاثة آلاف جندي بحري تتألف من: القبطان، وقواد السفن، والضباط، والبحارة( ). اهتمامه بالعدل: إن إقامة العدل بين الناس كان من واجبات السلاطين العثمانيين، وكان السلطان محمد شأنه في ذلك شأن من سلف من آبائه - شديد الحرص على إجراء العدالة في أجزاء دولته ولكي يتأكد من هذا الأمر كان يرسل بين الحين والحين إلى بعض رجال الدين من النصارى بالتجوال والتطواف في أنحاء الدولة ويمنحهم مرسوم مكتوب يبين مهمتهم وسلطتهم المطلقة في التنقيب والتحري والاستقصاء لكي يطلعوا كيف تساس أمور الدولة وكيف يجري ميزان العدل بين الناس في المحاكم وقد أعطى هؤلاء المبعوثون الحرية الكاملة في النقد وتسجيل مايرون ثم يرفعون ذلك كله إلى السلطان. وقد كانت تقرير هؤلاء المبعوثين النصارى تشيد دائماً بحسن سير المحاكم وإجراء العدل بالحق والدقة بين الناس بدون محاباة أو تمييز، وكان السلطان الفاتح عند خروجه إلى الغزوات يتوقف في بعض الأقاليم وينصب خيامه ليجلس بنفسه للمظالم ويرفع إليه من شاء من الناس شكواه ومظلمته. وكان على إدراك تام بأن رجال الفقه والشريعة هم أعرف الناس بالعدالة وأبصرهم بمواقعها وأشد الناس حرصاً على أنفاذها وكان يرأى أن العلماء في الدولة بمنزلة القلب في البدن، إذا صلحوا صلحت الدولة ولذلك اعتنى الفاتح بالعلم وأهله ويسر سبل العلم على طالبيه وكفاهم مؤونة التعيش والتكسب ليتفرغوا للدرس والتحصيل، وأكرم العلماء ورفع منزلتهم، وقد اعتنى الفاتح بوجه خاص برجال القضاء الذين يتولون الحكم والفصل في أمور الناس فلا يكفي في هؤلاء أن يكونوا من المتضلعين في الفقه والشريعة والاتصاف بالنزاهة والاستقامة وحسب بل لابد إلى جانب ذلك أن يكونوا موضع محبة وتقدير بين الناس، وأن تتكفل الدولة بحوائجهم المادية حتى تسد طرق الإغراء والرشوة، فوسع لهم الفاتح في عيشهم كل التوسعة، وأحاط منصبهم بحالة مهيبة من الحرمة والجلالة والقداسة والحماية( ). وتحدثنا كتب التاريخ: أن أحد غلمان محمد الفاتح ظهر منه بعض الفساد بأدرنة فأرسل إليه القاضي بعض الخدم لمنعه فلم يمتنع، فركب إليه القاضي بنفسه فاعتدى عليه الغلام وضربه ضرباً شديداً فما أن سمع السلطان الفاتح بذلك حتى أخذه الغضب واستطار به " وأمر بقتل ذلك الغلام لتحقيره نائب الشريعة. وتشفع الوزراء للغلام لدى السلطان الفاتح فلم يقبل شفاعتهم فالتمسوا من المولى محي الدين محمد أن يصلح هذا الأمر لدى السلطان، ولكن الفاتح أعرض عنه ورد كلامه فقال له المولى محي الدين : إن النائب ( أي القاضي بقيامه عن مجلس القضاء بسبب الغضب سقط عن رتبة القضاء فلم يكن هو عند الضرب قاضياً فلم يلزم تحقير الشرع حتى يحل قتله ( قتل الغلام ) فسكت السلطان محمد خان. ثم جاء الغلام إلى قسطنطينية فأتى به الوزراء إلى السلطان محمد خان لتقبيل يده شكراً للعفو عنه. فأحضر السلطان محمد خان عصاً كبيرة فضربه بنفسه ضرباً شديداً حتى مرض الغلام أربعة أشهر فعالجوه فبرئ ثم صار ذلك الغلام وزيراً للسلطان بايزيد خان واسمه داود باشا. وكان يدعو للسلطان محمد خان ويقول: إن رشدي هذا ما حصل إلا من ضربه( ). أما القاضي المرتشي فلم يكن له عند الفاتح من جزاء غير القتل. وكان السلطان الفاتح - برغم اشتغاله بالجهاد والفتوحات إلا أنه كان يتتبع كل ما يجري في أرجاء دولته بيقظة واهتمام وأعانه على ذلك ما حباه الله من ذكاء قوي وبصيرة نفاذة وذاكرة حافظة وجسم قوي وكان كثيراً ما ينزل بالليل إلى الطرقات والدروب ليتعرف على أحوال الناس بنفسه ويستمع إلى شكاواهم بنفسه( ) كما ساعده على معرفة أحوال الناس جهاز أمن الدولة الذي كان يجمع المعلومات والأخبار التي لها علاقة بالسلطنة وترفع إلى السلطان الذي كان يحرص على دوام المباشرة لأحوال الرعية، وتفقد أمورهان والتماس الإحاطة بجوانب الخلل في أفرادها وجماعاتها، وقد استنبط السلطان الفاتح هذه المعاني من حال سليمان عليه السلام في قوله تعالى : { وتفقد الطير } وذلك بحسب ماتقتضيه أمور الملك، والاهتمام بكل جزء فيه، والرعاية بكل واحدة فيه وخاصة الضعفاء( ) .


المبحث السابع: وصية السلطان محمد الفاتح لأبنه

هذه وصية محمد الفاتح لأبنه وهو على فراش الموت والتي تعبر اصدق التعبير عن منهجه في الحياة، وقيمه ومبادئه التي آمن بها والتي يتمنى من خلفائه من بعده أن يسيروا عليها: (ها أنذا أموت، ولكني غير آسف لاني تارك خلفاً مثلك. كن عادلاً صالحاً رحيماً ، وابسط على الرعية حمايتك بدون تمييز، واعمل على نشر الدين الاسلامي، فإن هذا هو واجب الملوك على الأرض، قدم الاهتمام بأمر الدين على كل شيء، ولاتفتر في المواظبة عليه، ولا تستخدم الأشخاص الذين لايهتمون بأمر الدين، ولايجتنبون الكبائر وينغمسون في الفحش، وجانب البدع المفسدة، وباعد الذين يحرضونك عليها وسع رقعة البلاد بالجهاد واحرس أموال بيت المال من أن تتبدد، إياك أن تمد يدك الى مال أحد من رعيتك إلا بحق الاسلام، واضمن للمعوزين قوتهم، وابذل اكرامك للمستحقين . وبما أن العلماء هم بمثابة القوة المبثوثة في جسم الدولة، فعظم جانبهم وشجعهم ، واذا سمعت بأحد منهم في بلد آخر فاستقدمه إليك وأكرمه بالمال. حذار حذار لا يغرنك المال ولا الجند، وإياك أن تبعد أهل الشريعة عن بابك، وإياك أن تميل الى أي عمل يخالف أحكام الشريعة، فان الدين غايتنا ، والهداية منهجنا وبذلك انتصرنا. خذ مني هذه العبرة: حضرت هذه البلاد كنملة صغيرة، فأعطاني الله تعالى هذه النعم الجليلة، فالزم مسلكي، وأحذ حذوي ، واعمل على تعزيز هذا الدين وتوقير اهله ولا تصرف أموال الدولة في ترف أو لهو، واكثر من قدر اللزوم فإن ذلك من أعظم أسباب الهلاك)( ). 1- (كن عادلاً صالحاً رحيماً): لقد قام محمد الفاتح بهذه المبادئ مع النصارى الذين اصبحوا من رعايا دولته وعندما دخل القسطنطينية فاتحاً كان يحارب حرب الاسلام (التي لاتهتك فيها حرمة، ولايقتل فيه صبي ولا شيخ ولا امرأة، ولايحرق فيها زرع، ولا يتلف فيها ضرع، ولايمثل فيها بإنسان، ولاتصيب إلا المقاتلين الذين يحملون السلاح في وجه المسلمين)( ).

   كان "محمد الفاتح" وهو يمثل اسلامه وعقيدته ومنهجه الاسلامي في الحرب على تعاليم الصديق (ابي بكر)  في معاملته للروم (لاتخونوا، ولاتغلوا ولاتغدروا، ولاتمثلوا ، ولاتقتلوا طفلاً صغيراً، ولا شيخاً كبيراً، ولا امرأة ، ولا تعقروا نخلاً ، ولا تحرقوه، ولاتقطعوا شجرة مثمرة، ولاتذبحوا شاة ولا بعيراً إلا لمأكله، وسوف تمرون بأقوام قد فرّغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم ومافرّغوا أنفسهم له ... اندفعوا باسم الله)( ).

لقد دخل محمد الفاتح الى قلب العاصمة البيزنطية وأعطى عالم الغرب النصراني دروس في العدالة والرحمة وأصبحت معلماً من معالم التاريخ العثماني. إن الدولة العثمانية سارت على منهج الاسلام، فأخذت منه العدالة والرحمة بالرعايا الذين حكموهم ولقد تحدث عبدالرحمن عزام عن رحمة العثمانيين وعدالتهم بالشعوب التي حكموها فقال : (وقد يظن بعض الناس بما يتناقلون من احاديث أو فكاهات عن بعض العهود للدولة العثمانية أنها كانت دولة عظيمة، ولكن لم تكن صفة الرحمة مميزاتها، وهو خطأ شائع لا يقف أمام البحث والتدقيق... ولقد سمعت بنفسي حديث هذه الرحمة في "بسرابيا" من رومانيا على نهر "الدنيستز" وقيل لي : إن أمثلة الفلاحين في هذه الأطراف النائية للملك العثماني لا تزال تعبر عن رحمة التركي وعدله. ومنها مايشير الى أن العدل ينزع مع الأتراك من الأرض. وقد لفت نظري في بولونيا ورومانيا وفي بلاد البلقان في رحلاتي المتعددة أمثلة وأساطير لاتزال تشير الى ما استقر في نفوس هذه الأمم المسيحية من احترام التركي المسلم كرحيم عادل. وفي سنة 1917م كنت في فيينا فروي لي أن البوليونيين مستبشرون بوصول العساكر العثمانية الى جاليسيا مدداً للنمساويين)( ). (... بأن العدل والرحمة الاسلامية هما اللذان مكنا للعثمانيين في أوروبا. وبالعدل والرحمة خرجت هذه الأمم من همجيتها وقسوتها وعرفت المساواة والإنصاف ، ويكفى أن تعلم أن استرقاق الطوائف بأشنع صورة كان نظاماً دولياً متعاهداً عليه في أوروبا الوسطى والجنوبية الى أن قضى عليه العثمانيون. وكانت هناك عهود دولية بين الملداف والبلونيين والمجر لتسليم كل فلاح يرحل من مزرعة سيده من "البويار" الى أحد هذه الأوطان، وكانت المزارع تباع بما عليها من الحيوانات والفلاحين. جاء العثمانيون الى أوروبا يحملون بين صدورهم عاطفة الرحمة كما أرادها صاحب الدعوة  ، ولم يكن الأتراك أكثر عدة ولا عدداً من أية أمة من الأمم التي سادوها، فوصلوا على رؤسهم جميعاً الى فيينا، تمهد لهم الرحمة صعاب الجبال والبحار والوهاد، كما مهدت للعرب قبلهم إفريقية وآسيا)( ). إن محمد الفاتح سار على منهج الرحمة والعدالة وأوصى أحفاده من بعده أن يلتزموا نفس المنهج الذي يمثل حقيقة الاسلام. 2- (وابسط على رعيتك حمايتك دون تمييز): وهذا ما قام به السلطان محمد بنفسه حيث حرص على حماية كل رعايا الدولة سواء مسلمين أو نصارى ومن القصص اللطيفة في هذا المعنى أنه كان على أهل جزيرة خيوس دين قدره أربعون ألف دوقة لتاجر من تجار "غلطة" يدعى فرانسسكوا درا بيريو ولما عجز هذا الدائن عن استرداد دينه من أهل الجزيرة رأى السلطان الفاتح أن يقوم هو بهذا الأمر بوصف أن هذا التاجر من رعاياه الذين يجب على الدولة العثمانية حمايتهم واستيفاء حقوقهم وأرسل الى الجزيرة عدة سفن بقيادة حمزة باشا إلا أن أهالي جزيرة خيوس قتلوا بعض الجنود ورفضوا الانقياد ودفع الحقوق. فقال محمد الفاتح للتاجر درالبيريو (أنا الذي سيتحمل دينك من أهل الجزيرة وسأطلب به مضاعفاً ثمناً لدم الجنود الذين هلكوا)( ). وسير السلطان الى هذه الجزيرة اسطولاً وقام هو بقيادة الجيوش بنفسه الى الجزر القريبة منها وفتح اينوس بغير حرب ولا قتال وبادرت جزيرتا ايمبروس وساموتراس الى الاستسلام وفتحتا ابوابهما على مصاريعها للعثمانيين، فاضطرت جزيرة خيوس الى دفع ماعليها من دين للتاجر الجنوي ودفعت للسلطان جزية سنوية قدرها ستة آلاف دوقة، ودفعت له فوق ذلك تعويضاً للسفن العثمانية التي غرقت( ). إن حماية الرعية والحفاظ على حقوقهم من واجبات الدولة الاسلامية. 3- (واعمل على نشر الدين الاسلامي، فإن هذا هو واجب الملوك

        على الأرض)

كان السلطان محمد الفاتح في حروبه لاينسى أنه داعية الى الاسلام ولذلك كان يشجع قواده وجنوده على نشر الدين والعقيدة والاسلام ويثنى على القادة الذين تفتح المدن على أيديهم ، فعندما أمر قائده عمر بن طرخان أن يزحف بجيشه الى أثينا واستولى عليها ويضمها الى الدولة العثمانية وتحرك القائد عمر بجيشه واضطرت المدينة للتسليم وزار السلطان الفاتح المدينة بعد عامين من فتحها وقال : (ما أعظم مايدين به الاسلام لابن طرخان). لقد اهتمت الدولة العثمانية بالدعوة الى الله وتركت بصماتها قوية واضحة في مجال نشر الدعوة في أوروبا؛ فعلى امتداد قرون وتعاقب عصور ودهور ظلت جماعات اسلامية تقاوم شتى انواع الضغوط التي بذلت لتحويلها الى المسيحية ولازالت هذه الاقليات الاسلامية تعيش الى يومنا هذا في بلغاريا ورومانيا وألبانيا واليونان ويوغسلافيا يصل أعدادها الى الملايين من البشر( ) وهذا يرجع الى فضل الله على تلك الشعوب ثم الى سياسة السلاطين العثمانيين الذين يحرصون على هداية الناس ودخولهم في الاسلام. 4- (قدم الإهتمام بأمر الدين على كل شيء ولا تفتر في المواظبة عليه): إن سلاطين الدولة العثمانية قبل زمن محمد الفاتح وبعده نشأوا نشأة اسلامية، خالصة، مشوبة بإيمان عميق، متوجهة الى أهداف عقائدية صريحة، خاضوا من أجلها حروباً دينية شديدة، وكانت أجمل عبارة على ألسن العثمانيين عند التنادي للجهاد الزحف الى الفتوحات إما غاز وإما شهيد، فمنذ بداية تأسيسها أطلق على زعيمها لقب الغازي - أي المجاهد في سبيل الله- وظل هذا اللقب الرفيع يتقدم كل الألقاب والنعوت بالنسبة للسلاطين العظام ، وكانت غاية الدولة العثمانية (الدفاع عن الاسلام ورفع رايته على الآنام). لذلك صبغت الدولة شعباً وسلطاناً ، حكومة وجيشاً ثقافة وتشريعاً ، نهجاً وضميراً، هدفاً ورسالة، بصبغة اسلامية خالصة منذ النشأة وعلى مدى سبعة قرون لقد كان اهتمام السلاطين بأمر الدين عظيماً وقدموه على كل شيء وواظبوا عليه الى أقصى حدود وأكدوا أنهم لاينتسبون إلا للإسلام وتراثه وحضارته وكان الوطن عندهم هو كل أرض يسكنها المسلمون، وكلمة الملة تعني الأمة والدين معاً، وذلك كان هدف المنهج التربوي في جميع المدارس والجامعات والمعاهد، تصاغ به نفوس الناشئة منذ بداية تعليمهم في الكتاتيب وجميع المسلمين كانوا يسجلون في دوائر النفوس - سجلات المواليد- وفي التذاكر العثمانية -بطاقات الهوية- كمسلمين فحسب، دون أن يذكر الى جانب ذلك فيما إذا كانوا من الاتراك، أو من العرب أو من الشراكسة أو الألبان أو الأكراد إن مايهم الدولة كان ينحصر في ملتهم في ديانتهم ؛ إنهم مسلمون وكفى، واعتبر العثمانيون أي مقاتل مسلم جاهد في سبيل الله ميراثهم البطولي وخلفيتهم التاريخية، وإن تباينت الأنساب، وتباعدت الأزمان؛ من ذلك المجاهد "عبدالله البطال" الذي استشهد في معركة أكرنيون في آسيا الصغرى عام 122 للهجرة، زمن الدولة الأموية والذي يقول عنه الطبري وهو يعلق على حوادث سنة 122هـ : (وفيها قتل عبدالله البطال في جماعة من المسلمين بأرض الروم)( ). يعتبره العثمانيون بطلهم القومي وبين "عبدالله البطال" العربي وقيام الدولة العثمانية مايقرب من سبعمائة عام، لقد كان تاريخ العثمانيين وأبطال العثمانيين، نسب الإسلام ، وتاريخ الاسلام، ومجاهدي الاسلام( ). إن سلاطين الدولة العثمانية كانوا يلقبون بكثير من الألقاب والنعوت التي تبين أن هدفهم الأكبر ومقصدهم الأسمى هو خدمة دين الله تعالى، فكانوا يلقبون بمثل سلطان الغزاة، والمجاهدين ، وخادم الحرمين الشريفين، وخليفة المسلمين)( ). 5- (ولا تستخدم الأشخاص الذي لايهتمون بأمر الدين ولا يجتنبون الكبائر وينغمسون في الفحش): ولذلك أهتم سلاطين الدولة العثمانية بإنشاء جامعات لتخريج قادة للجيش وللوظائف المهمة في الدولة ووضعوا منهجاً تربوباً لأعداد القادة وخصوصاً في داخل الجيوش وحرصوا على أن يختاروا لمناصب الدولة الأمناء والأكفاء أصحاب العقول والنهى والتقى وأسندوا إليهم الولايات والقيادات في الجيوش ومناصب القضاة، وباعدوا عنهم كل من لايهتم بأمر الدين، ويجتنب الكبائر والفواحش هكذا كان السلاطين الأوائل. 6- (جانب البدع المفسدة وباعد الذين يحرضونك عليها): إن السلاطين العثمانيين الأوائل ساروا على منهج أهل السنة والجماعة وعرفوا خطورة البدع والاقتراب من أصحابها واكتفوا بكتاب الله وسنة رسوله  واجماع الأمة واجتهادات العلماء الراسخين. إن الشريعة الاسلامية الغراء التي سار عليها السلاطين العثمانيون ذمت البدع. قال تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون} (سورة الانعام: الآية 153). وقال تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء إنما أمرهم الى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون} (سورة الانعام : آية 159). قال ابن عطية : (هذه الآية تعمّ أهل الأهواء والبدع والشذوذ في الفروع، وغير ذلك من أهل التعمق في الجدال والخوض في الكلام. هذه كلها عرضة للزّلل، ومظنة لسوء المعتقد)( ). وفي الحديث الشريف قال  : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)( ). وفي الصحيح عن حذيفة أنه قال : يارسول الله: هل بعد هذا الخير شر؟ قال : (نعم ؛ قوم يستنُّون بغير سنتي ، ويهتدون بغير هديي). قال : قلت : هل بعد ذلك الشرِّ شرُّ؟ قال : (نعم؛ دعاة على نار جهنم ، من أجابهم قذفوه فيها). قلت : يارسول الله : صِفْهم لنا. قال : (نعم ؛ هم من جلدتنا ، ويتكلمون بألسنتنا) . قلت: فما تأمرني إن أدركت ذلك؟ قال : (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم). قلت: فإن لم يكن إمام ولا جماعة؟ قال : (فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعضَّ بأصل شجرة حتى يدرك الموت وأنت على ذلك)( ). وعن ابي بكر الصديق  قال : (لست تاركاً شيئاً كان رسول الله  يعمل به إلا عملت به، إني أخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ)( ). إن الابتعاد عن المبتدعة ومحاربتهم من صميم الدين ، لأن المبتدع: - لايقبل منه عمل، وينزع منه التوفيق، وملعون على لسان الشريعة ، ويزداد من الله بعداً، مانعة من شفاعة الرسول  يوم القيامة، مظنة العداوة والبغضاء بين أهل الاسلام، رافع للسنن، يلقى عليه الذل في الدنيا والآخرة، ويخاف عليه من سوء الخاتمة، ويسود وجهه في الآخرة، ويخشى عليه من الفتنة)( ). ولذلك كانت وصية السلطان محمد -رحمه الله- لمن بعده (جانب البدع المفسدة وباعد الذين يحرضونك عليها). 7- وسع رقعة البلاد بالجهاد: إن السلاطين العثمانيين الأوائل قاموا بتوسيع رقعة الدولة بالجهاد وبسطوا الامن وقمعوا الاخطار التي هددت دولتهم، وعملوا على تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة حتى لا يستطيع الاعداء أن يظفروا بثغرة أو ينتهكوا محرماً ويسفكوا دماً مسلماً أو معاهداً، وعمل السلطان محمد ومن قبله على إعداد الأمة إعداداً جهادياً وقام بواجبه في جهاد الكفرة المعاندين للاسلام حتى يسلموا أو يدخلوا في ذمة المسلمين ولقد صبغ المجتمع العثماني بالصبغة الاسلامية الجهادية الدعوية وكان أفراد الجيش يعدون للحياة الجهادية العنيفة، منذ نعومة أظافرهم، إعداداً دقيقاً، كاملاً ولقد حققت الجيوش العثمانية انتصارات رفيعة في الساحات الأوروبية( )، لقد (حققت الدولة العثمانية الى عهد سليمان القانوني آمالاً عظيمة كان يستهدفها المسلمون منذ تسعة قرون برفع الراية المحمدية على قلاع كثير من العواصم الكبرى في أوروبا وإخضاع كثير من المماليك والامارات للحكومة الاسلامية وأخذ ظل الاسلام يمتد حتى أوشكت جيوش المسلمين في شرق أوروبا وغربها أن تلتقي في الأرض الكبيرة)( ). ومن المؤتمر السابع لوزراء خارجية الدول الاسلامية في استنابول ألقي المجاهد البروفسور المهندس نجم الدين أربكان خطاباً استرجع فيه صدى الماضي الاسلامي الذي مثلته الدولة العثمانية فقال: (... إن هذا القصر الذي شاء الله أن يعقد فيه هذا المؤتمر الاسلامي الكبير وقد نقشت على بابه كلمة الاسلام الجامعة: "لا إله إلا الله" .. هو قصر السلطان محمد الفاتح الذي بناه عقب فتح استنبول.. كيف لايكون هذا المكان تاريخياً ومنه كانت تدبر شؤون العالم الاسلامي ردحاً من الزمن؟ وكيف لايكون لتاريخنا ومنه كانت تنطلق جيوش المسلمين الى جميع أنحاء الدنيا، مجاهدة في سبيل الله، تنشر النور والهداية والعدل أينما حلت وحيثما ضربت.. كيف لايكون تاريخياً وفوق هذا الحجر الذي يرتكز عليه الميكرفون كانت تنصب رايات الجيوش الاسلامية، المنطلقة للذب عن ديار المسلمين جميعاً.. وأذكر على سبيل المثال لا الحصر : أن قرار إرسال الاسطول الاسلامي للحيلولة دون وقوع كل من أندونيسيا والفلبين في براثن الاستعمار الهولندي اتخذ من هذا المكان ، وفيه أيضاً اتخذت قرارات إرسال الجيوش والأساطيل الاسلامية لحماية شمال أفريقيا من الغزاة الطامعين. وفوق هذا كله فإن هذا البناء التاريخي يضم بين جدرانه لواء الرسول الأعظم  وبردته المباركة وسيوفه وكثيراً من آثاره الشريفة ...)( ). لقد كانت الدولة تعطي لمبدأ الجهاد أهمية قصوى ولذلك أعدت شعبها وجيشها لتحقيق هذا المبدأ الرباني وحققت من خلاله ثمرات مهمة الاسلام والمسلمين من أهمها: - إعزاز المسلمين وإذلال الكافرين. - دخول الناس في دين الله فواجا( ). - إسعاد الناس بنور الاسلام وعدله ورحمته. لقد انصبغت الدولة العثمانية بالروح الجهادية ووضعت أهدافاً لها من أهمها: - إقامة حكم الله ونظام الاسلام في الأرض. - دفع عدوان الكافرين. - إزاحة الظلم عن الناس. - نشر الدعوة الإسلامية بين البشر( ). 8- (واحرس أموال بيت المال من أن تتبد): إن السلاطين العثمانيين كانوا يرون أن الدولة هي الهيئة التنفيذية والمعبرة عن رأي الأمة، والمكلفة بحماية مصالحها، فمسؤلية الدولة ليست خاصة بالأمن والدفاع وإنما هي مسؤولة عن رعاية المصالح الاجتماعية وحماية بيت المال من الاسراف والتبذير والمحافظة على مصادر وموارد بيت المال وأهم موارد بيت المال: - جمع الزكاة المفروضة وتوزيعها في مصارفها المشروعة . - ترتيب الخراج على أملاك الدولة المعمورة وتحصيل عائدته للإنفاق العام على الجيش وتنمية المرافق العامة. - جباية الجزية على المعاهدين مقابل إعفائهم من القتال مع المسلمين . - تحصيل عشور التجارة على الواردات من خارج نطاق الدولة العثمانية. - التوظيف بقدر الحاجة على افراد الأمة سواء كان تطوعياً أو ألزامياً لإنفاقها في دروب الجهاد وسائر المصالح العامة طبقاً لقاعدة المصالح المرسلة. - تشغيل الموارد وحمايتها كالحمى والمناجم وإحياء الموات، وتحصيل أنصبة الدولة منها لاستخدامها في مجالات الإنفاق الحكومي( ). وعلى الدولة أن تراقب النشاط الاقتصادي وتحرص على تطبيق أحكام الشريعة فيه، وتشمل: - ضبط المقاييس والمواصفات المعيارية التي يحتاجها الناس في أسواقهم مثل المكاييل والموازيين، ومواصفات البضائع الجيدة. - منع الغش ، وإبطال العقود الفاسدة في البيع والعمل (الاستضاع). - الأمر بالمعروف في المعاملات كالصدق والعدل والوفاء في المعاملة كالبيع والشراء والنهي عن المنكر في البيوع كالحلف الكاذب على السلعة . - منع تلقي الركبان والمناجشة في البيع والتدليس والغبن الفاحش وغيره من الأساليب التي تؤدي الى العداوة والبغضاء بين الناس. - منع ترويج المحرمات كالخمر والخنزير وآلات القمار والميسر، ووسائل اللهو المؤدي الى تمويت القلوب. - منع مظاهر الترف والإسراف ، والتشجيع على نبذها( ). 9- (وإياك أن تمد يدك الى أحد من أموال رعيتك إلا بحق الاسلام): إن وظيفة الدولة تنفيذ أوامر الشريعة والشريعة جاءت لحفظ أموال الناس التي هي قوام حياتهم. وقد حرم الاسلام كل وسيلة لأخذ المال بغير حق شرعي، قال تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} (سورة البقرة: آية188). وحرم السرقة وأوجب الحد على من ثبتت عليه تلك الجريمة فقال تعالى : {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالاً من الله...} (سورة المائدة: آية 38). وكذلك حرم الاسلام الربا الذي يهدد مصالح الأفراد واقتصاد الدول، قال تعالى : {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة} (سورة آل عمران: آية 130). وحرم كذلك الغش والاحتكار والنهب والاختلاس والغلول وغير ذلك من أشكال الاعتداء على المال وكل ذلك داخل في أكل أموال الناس بالباطل المنهي عنه. ووظيفة الحاكم حماية أموال الرعية من السرقة والنهب لا أن يمد يده بغير وجه حق ويعتدي على أموال الناس . 10- ( واضمن للمعوزين قوتهم وابذل أكرامك للمستحقين): كان السلاطين العثمانيون يتسابقون في الإحسان للفقراء والمساكين وأبناء السبيل ..وكل من هو محتاج الى البر والإحسان وقامت الدولة بأعمال جليلة في هذا الباب بل أوقف السلاطين والوزراء أوقافاً عظيمة على طلاب العلم والفقراء والمساكين والأرامل وغير ذلك وكان الوقف ركناً اساسياً في اقتصاد الدولة يقول الاستاذ محمد حرب : (... نشطت الحركة العلمية في جوامع استنبول( ) ... وكان صقوللي محمد باشا -على سبيل المثال- ينفق على الحركة العلمية في استانبول من دخل وقف 2000 قرية عثمانية في تشيكوسلوفاكيا (وكانت تابعة للدولة العثمانية) وأسعد أفندي قاضي عسكر الروملي (يعني البلقان) أوقف وقفين كبيرين على تجهيز الفتيات المعدمات اللاتي يصلن الى سن الزواج. وكان لدى العثمانيين أوقاف كثيرة ومتعددة ؛ مثل آخر كانت هناك أوقاف بصرف مرتبات للعائلات المعوزة -غير الأكل- لأن الأكل المجاني له أوقاف عامة أخرى تسمى (عمارت وقفي) أي وقف المطاعم الخيرية وكانت الـ(عمارات) تقدم أكلاً مجانياً لعدد يبلغ 20.000 شخص يومياً مجاناً، وكان مثل هذا في كل الولايات...)( ). وكان المطعم الخيري بجامع السليمانية تبلغ ميزانيته عام 1586م ما يعادل (10) عشرة ملايين دولار أمريكي إلا قليلاً( ). وهكذا كانت سياسة الدولة على مستوى السلاطين والامراء والوزراء تضمن للمعوزين قوتهم وتكرم المستحقين بالإكرام.

11- (وبما أن العلماء هم بمثابة القوة المبثوثة في جسم الدولة فعظم جانبهم وشجعهم واذا سمعت بأحد منهم في بلد آخر فاستقدمه إليك وأكرمه بالمال...): لقد أهتم السلطان محمد الفاتح بترتيب وظائف العلماء في الجوامع الكبرى ووضع لها تقاليد سابقة ونظمها بمرسوم خاص واهم الوظائف في المساجد الكبرى: الخطيب والإمام ، والقيم والمؤذن ويقوم المرشحون لهذه الوظائف بطلب العلم في المدارس الدينية الكبيرة التي كثيراً ما كان السلاطين والوزراء يتنافسون على تشييدها تنافساً نبيلاً ويخضع الموظفون الدينيون في العاصمة لسلطة المفتي مباشرة ولكان ينوب عنه في الولايات الكبرى قضاة العسكر؛ أما في الولايات الصغرى فكان الإمام يقوم بكافة المهام الدينية وخاصة في الأرياف. وكانت المدارس التي تعد الموظفين الدينيين يوجد بها ثلاثة فئات من طلبة العلم: فا(الصوفتا) وهي أدناها تليها فئة المعيدين الذي يحمل الطالب عند التخرج منها لقب (دانشمند) أو عالم. أما الفئة الأعلى فهي منصب المدرس، وبلغ عدد الصوفتا في عهد السلطان مراد الثاني 90 ألفاً. وكانوا كثيراً ما يكون لهم أثر في شؤون الدولة( ). وقد استحدث محمد الفاتح لقب شيخ الإسلام وهو الذي يترأس الهيئة الإسلامية في الدولة، وهو يلي السلطان في الأهمية. وكان التشريع والمحاكم والمدارس الملحقة بالمساجد وممتلكات الأوقاف الواسعة جميعها خاضعة له، كما كان خاضعاً له القضاة الشرعيون والقضاة العسكريون والمفتون. وكانت الأولوية في بداية نشأة الدولة العثمانية لقاضي عسكر الذي رافق الجيش المحارب، ثم صارت للمفتي رئيس العلماء والفقهاء في عهد السلطان سليمان القانوني وأصبح المفتي هو شيخ الإسلام نفسه، وحرص السلاطين على تدعيم سلطة شيخ الإسلام فكانوا يلجؤون الى استغلال سلطته والإفادة منها كلما تعرضوا لأزمة خطيرة. وبلغ من ازدياد سلطة شيخ الإسلام أنه كان يحق له إصدار فتوى بعزل السلطان نفسه( ). كما كانت الدولة لاتقدم على حرب دون صدور فتوى منه يقرر فيها أن أهداف هذه الحرب لاتتعارض مع الدين وكانت أحكام المفتي نهائية لامعقب عليها وكان الجهاز الإسلامي المنبث في جسم الدولة يضم الأشراف وهم الذين ينحدرون من سلالة الرسول ، وكان نقيب الأشراف يحتل مكانة عالية في المجتمع( ). لقد قامت الدولة العثمانية بتأسيس جهاز للهيئة الدينية الإسلامية وحرصت على أن تمتد جذورها في أوساط الشعب والجيش وكل رعايا الدولة المسلمين وقد أصبحت أفراد هذه الهيئة يتولون مناصب القضاء والإفتاء وتدريس علوم الدين واللغة والمشاركة على نحو مافي إدارة الأوقاف الخيرية وإقامة الدينية والإشراف على المساجد والمؤسسات الدينية والخيرية مثل التكايا والأسبلة وغيرها وكان أفراد من الهيئة الدينية الإسلامية الحاكمة يصحبون شتى فرق الجيش إلى ميادين القتال ويقومون قبل المعركة بتسخين الجنود روحياً ابتغاء رفع روحهم المعنوية ويضربون للجنود أروع الأمثلة على استبسال الجنود المسلمين في صدر الإسلام حين انطلقوا على موجات بشرية متلاحقة من قلب شبه الجزيرة العربية واتجهوا شرقاً إلى العراق وفارس، وشمالاً إلى بلاد الشام، واتجهوا إلى مصر ثم شمال إفريقية، وعبروا البحر المتوسط إلى الأندلس. ويذكرون لهم الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة التي تدور حول الجهاد الديني والفوز بإحدى الحسنيين: النصر أو الاستشهاد. ويشرحون لهم مواقف الصحابة واسترخاصهم الموت حتى استطاعت الجيوش الإسلامية وقتذاك أن تدك معاقل دولة الفرس والدولة البيزنطية، كما كان رجال الهيئة الدينية الإسلامية يؤمون الجنود في صلاة الخوف وهم في ساحات القتال.. ( ). كان علماء الدولة الذين قادوا الهيئة الدينية ينظرون إلى السلطان على أنه يعتبر إماماً للمسلمين وتجب عليهم طاعة السلطان بصفته ولي الأمر كما يأمرهم سبحانه وتعالى في كتابه العزيز : { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلا .. } ( سورة النساء، آية: 59 ). وكانوا يعتقدون ليس لولي الأمر طاعة فيما وراء الشريعة لأن الطاعة لهم تبعية، وليست أصلية، إنها طاعة مستمدة من أصل، وليست هي بذاتها أصلا. وقد أشار إلى هذا المعنى أبو بكر الصديق أول الخلفاء الراشدين في أول خطبة عامة ألقاها بعد مبايعته بالخلافة أوضح فيها منهجه في الحكم وكان مما جاء في هذه الخطبة المشهورة قوله: " أيها الناس إني وليت عليكم، ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني ... أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم.. "( ). وهكذا طلب أبو بكر من جموع المسلمين طاعته طالما كان سائراً على هدى الله وسنة رسوله. لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق. وكان العلماء وعلى رأسهم شيخ الإسلام يعتمدون على الشريعة عند الخلاف مع السلطان أو الصدر الأعظم ولايسمحون لهم أن ينحرفوا عن مبادئ الشريعة( ) وكان الشعب يقف معهم ويلتحم معهم في القضايا المصيرية، لأن العلماء كانوا يملكون القوتين الروحية والأدبية اللتين تمثلتا في ممارسة أعمال القضاء والإفتاء والإمامة والإشراف على المساجد وإقامة الشعائر الدينية وإدارة المؤسسات الخيرية، ونشاطهم في مجالات التعليم بشتى درجاته وعلى قمتها الدراسات العليا في الكليات حيث كانوا يقومون بتدريس علوم الشريعة الإسلامية وأصول الدين ولذلك كانوا أكثر التفافاً برجل الشارع وأكثر تفاهماً وتعاطفاً وتجاوباً مع الأهلين( ). 12: ( حذارِ حذارِ لايغرنك المال ولا الجند وإياك أن تبعد أهل الشريعة عن بابك، وإياك أن تميل إلى أي عمل يخالف أحكام الشريعة فإن الدين غايتنا والهداية منهجنا وبذلك انتصرنا): إن السلطان محمد الفاتح يحذر وليه من بعده أن ينغمر بالمال أو الجند ويبين له خطورة ابعاد العلماء والفقهاء عن الحاكم، كما يحذره من أن يخالف أحكام الشريعة، لأن ذلك يجلب للأفراد والأمة تعاسة وضنكاً في الدنيا وهلاكاً وعذاباً في الآخرة وإن آثار الابتعاد عن شرع الله وأحكامه تبدو على حياة الأمة في وجهتها الدينية والإجتماعية والسياسية والإقتصادية. وإن الفتن تظل تتابع وتتوالى على الناس حتى تمس جميع شؤون حياتهم قال تعالى: { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} ( سورة النور، الآية: 13 ). إن من الآثار عن الابتعاد عن أحكام الشريعة أن تصاب الأمة بالتبلد وفقد الاحساس بالذات وموات ضميرها الروحي فلا أمر بمعروف تأمر به ولا نهي عن منكر تنهى عنه ويحدث لها ماحدث لبني إسرائيل عندما تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال تعالى: { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لايتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون..} ( سورة المائدة، الآيات 78-79 ). فإن أي أمة لاتعظم شرع الله أمراً ونهياً فإنها تسقط كما سقط بنو إسرائيل: قال رسول الله  : ( كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ثم لتأْخُذْنَّ ثم لتأْخُذْنَّ على يد الظالم ولتأطرنه على الحق اصراً، ولتقصرنه على الحق قصراً أو ليضربن الله على قلوب بعضكم ببعض ثم ليلعنكم كما لعنهم )( ). وعندما تتغير النفوس من الطاعة والانقياد لأحكام الله إلى المخالفة والتمرد على أحكام الله تتحقق فيهم سنة الله الماضية بسبب تغير النفوس : { ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } ( سورة الأنفال : آية 53) كما يترتب على ذلك توقف حركة الفتوح الإسلامية وتحرم شعوب كثيرة من سعادتها في الدنيا والآخرة بسبب تضييع أحكام الشريعة وارتكاب ما يخالفها من أفعال قبيحة وتحدث الحروب فيما بين المسلمين وتكثر الاعتداءات على الأنفس والأموال والأعراض كما يقوى الأعداء وتشتد شوكتهم ويغيب نصر الله على الإسلام والمسلمين ويحرموا من التمكين ويصبحوا في خوف وفزع وجوع، وتضيع المدن والقرى ويتسلط عليها الأعداء وتتوالى المصائب وهذا ما حدث في تاريخ الدولة العثمانية المتأخر. إن من سنن الله تعالى المستنبطة من حقائق الدين وأحداث التاريخ أنه إذا عصي الله تعالى ممن يعرفونه سلّط عليهم من لايعرفونه كما حدث في تسليط النصارى على المسلمين في الأندلس( ) وكما فعل اليهود والانجليز والروس.. في تفتيت الدولة العثمانية. إن السر في قوة العثمانيين وعزهم وشرفهم كامنة في طاعة الله وتنفيذ أحكامه، والالتزام بشريعته والجهاد في سبيله والدعوة إليه ولذلك قال محمد الفاتح لابنه ( فإن الدين غايتنا والهداية منهجنا وبذلك انتصرنا ). 13- ( واعمل على تعزيز هذا الدين وتوقير أهله ) : إن تعزيز هذا الدين وإقامته في الأرض يحقق نتائج طيبة في حياة الأمة والدولة، ومن هذه النتائج تهذيب النفس من الشرور والآثام وترويضها على الخير، لذا كان الوازع الديني ثمرة من ثمار تعزيز هذا الدين ويكون مانعاً من ارتكاب الجريمة ومحاسبة النفس عليها، ويكون ماثلاً أمام العين مما يجعل النفس تخشى الله وتتقيه دائماً وأبداً كما أن تعزيز الدين وإقامة الشرع يحقق المساواة بين الراعي والرعية في الحقوق والواجبات وتنشر العدالة في الدولة الإسلامية لجميع ساكنيها، كما أن في تطبيق الشريعة نزول البركة، وتوالي النعم، إذ ليس هناك طريق مستقل لحسن الجزاء في الآخرة وطريق مستقل لصلاح الحياة في الدنيا، إنما هو طريق واحد تصلح به الدنيا والآخرة، وفي تطبيقها بركات في النفوس وبركات في المشاعر وبركات في طيبات الحياة، فالبركة قد تكون مع القليل إذا أحسن الانتفاع به، ومن نتائج تطبيقها بناء مجتمع إسلامي معتز بدينه وعقيدته بما التزمه من سلوك مصدره كتاب الله وسُنة رسوله  ففيهما المواد اللازمة لبناء الفرد المسلم والجماعة المسلمة والأمة المسلمة والدولة المسلمة كما أن من النتائج حفز الهمم، وبعث النفوس إلى الأخذ بأسباب العلم والحضارة والرقي والتقدم لما تضمنته تلك الشريعة من الدعوة إلى الحياة كما أنها تتضمن نبذ عفن الحياة الحضاري لمجتمعات الرذيلة أياً كانت وأينما وجدت( ). إن الناس يحتاجون إلى العلماء الربانيين ليعلموهم دينهم ويربون نفوسهم على طاعة الله ولذلك لابد من القيادة الإسلامية من احترامهم وتقديرهم وإكرامهم، فهم الذين يبينون للناس حكم الله ورسوله وتفسير النصوص الشرعية وفق قواعد الإسلام الكلية قال تعالى: { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لاتعلمون }. 14- (ولا تصرف أموال الدولة في ترف أو لهو أو أكثر من قدر اللزوم فإن ذلك من أعظم أسباب الهلاك ): إن هذه الوصية ترشد ولي عهد السلطان محمد الفاتح إلى الاعتدال والتوسط في الاستهلاك وهذه الوصية فهم لأمر الله ورسوله بالقصد والتوسط ولقد أنزل الله كثيراً من الآيات التي تمتدح في التفقه وذم ماسواه من البخل والشح والتبذير والإسراف والترف قال تعالى: { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولاتبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً } ( الإسراء: 29 ). وقال تعالى يصف المؤمنين : { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما} (سورة الفرقان، الآية: 67 ). إن السلطان محمد الفاتح يرى وجوب ابتعاد الحاكم ودولته عن الإسراف لأن فيه معصية الله ورسوله. إن الدولة العثمانية كدولة مجاهدة كانت لها خطة اقتصادية لتدبير موارد الأمة في ظروف الحرب لتأمين احتياجات جيشها، وتوفير الحاجات الضرورية لشعبها من السلع والخدمات ولذلك كان السلاطين الأوائل في الدولة العثمانية يمنعون الإسراف والتبذير في القطاع الحكومي والقطاع الخاص وكانت الدولة ترشد الاستهلاك العام والخاص حتى لاتقع الأمة في أزمات اقتصادية خلال الحرب التي تسبب في هزائم الأمم، فكانت الدولة بالتعاون مع قطاعات أخرى حكومية وشعبية تقوم بما يلي: 1- توفير الأموال اللازمة للإنفاق على الحرب، وعلى ضروريات المجتمع من الغذاء والدواء والحماية. 2- توفير الإمدادات اللازمة خلال الحروب والأزمات. 3- تعويض النقص من مخزون السلع والأجهزة الحيوية من الإنتاج المحلي بقدر الإمكان. 4- السيطرة على التضخم في الأسعار الذي يصاحب عادة حالات الحرب. 5- التوزيع العادل للسلع والخدمات الضرورية بما يؤمن حد الكفاية لكل فئات المجتمع( ). إن الدول التي تقع في الترف واللهو وتصرف أموالها، في غير محلها مآلها إلى الهلاك والدمار. ولقد أدى الترف إلى انغماس بعض السلاطين المتأخرين في حياة الفسق واللهو بحيث يقضون أوقاتهم في الملذات وقضاء أوقاتهم بين الحريم وقد أدى ذلك إلى الابتعاد عن أمور الحكم وتركها للصدور العظام وللحريم، فانعكس ذلك على ضعف السلاطين، وعدم قدرتهم على تسيير أمور الدولة وقيادة الجيش، مما أثر على أوضاع الدول وأدى إلى ضعفها ثم اضمحلالها وضياعها فيما بعد( ). وفاة السلطان محمد الفاتح وأثرها على الغرب والشرق في شهر الربيع من عام 886هـ - 1481م غادر السلطان الفاتح القسطنطينية إلى آسيا الصغرى حيث كان قد أُعد في اسكدار جيش آخر كبير. وكان السلطان محمد الفاتح قبل خروجه من استنبول قد أصابته وعكة صحية إلا أنه لم يهتم بذلك لشدة حبه للجهاد وشوقه الدائم للغزو وخرج بقيادة جيشه بنفسه، وقد كان من عادته أن يجد في خوض غمار المعارك شفاء لما يلم به من أمراض إلا أن المرض تضاعف عليه هذه المرة وثقلت وطأته بعد وصوله إلى اسكدار فطلب أطباءه. غير أن القضاء حم به فلم ينفع فيه تطبيب ولا دواء، ومات السلطان الفاتح وسط جيشه العرمرم يوم الخميس الرابع من ربيع الأول 886هـ ( 3 مايو 1481م ) وهو في الثانية والخمسين من عمره بعد أن حكم نيفاً وثلاثين عاماً( ). وبعد أن ذاع نبأ الوفاة في الشرق والغرب، أحدث دوياً هائلاً اهتزت له النصرانية والإسلام، أما النصرانية فقد غمرها الفرح والابتهاج والبشرى وأقام النصارى في رودس صلوات الشكر على نجاتهم من هذا العدو المخيف( ) وكانت جيوش الدولة العثمانية قد وصلت إلى جنوب إيطاليا لفتح كل ايطاليا وضمها للدولة العثمانية إلا أن خبر الوفاة وصلهم فانتاب الجنود هم شديد وحزن عميق واضطر العثمانيون في الدخول لمفاوضات مع ملك نابولي لينسحبوا آمنين على حياتهم وامتعتهم وعتادهم وتمّ الاتفاق على ذلك إلا أن النصارى لم يفوا بما تعهدوا واعتقلوا بعض الجنود الذين كانوا في المؤخرة وصفدوهم بالحديد( ). وعندما وصل خبر وفاة السلطان إلى روما ابتهج البابا وأمر بفتح الكنائس وأقيمت فيها الصلوات والاحتفالات، وسارت المواكب العامة تجوب الشوارع والطرقات وهي تنشد أناشيد النصر والفرح بين طلقات المدافع وظلت هذه الاحتفالات والمهرجانات قائمة في روما طيلة ثلاثة أيام، لقد تخلصت النصرانية بوفاة محمد الفاتح من أعظم خطر كان يهددها( ). لم يكن أحد يعلم شيئاً عن الجهة التي كان سيذهب إليها السلطان الفاتح بجيشه، وذهبت ظنون الناس في ذلك مذاهب شتى. فهل كان يقصد رودس ليفتح هذه الجزيرة التي امتنعت على قائده مسيح باشا؟ أم كان يتأهب للحاق بجيشه الظافر في جنوبي إيطاليا ويزحف بنفسه بعد ذلك إلى روما وشمالي إيطاليا ففرنسا وإسبانيا ؟ لقد ظل ذلك سراً طواه الفاتح في صدره ولم يبح به لأحد ثم طواه الموت بعد ذلك( ). لقد كان من عادة الفاتح أن يحتفظ بالجهة التي يقصدها ويتكتم أشد التكتم ويترك أعداءه في غفلة وحيرة من أمرهم، لايدري أحدهم متى تنزل عليه الضربة القادمة ثم يتبع هذا التكتم الشديد بالسرعة الخاطفة في التنفيذ فلا يدع لعدوه مجالاً للتأهب والإستعداد( ) وذات مرّة سأله أحد القضاة أين تقصد بجيوشك فأجابه الفاتح : " لو أن شعرة في لحيتي عرفت ذلك لنتفتها وقذفت بها في النار ... "( ). إن من أهداف الفاتح أن يمضي بفتوحات الإسلام من جنوب إيطاليا إلى أقصاها في الشمال ويستمر في فتوحاته بعد ذلك إلى فرنسا وأسبانيا وماوراءها من الدول والشعوب والأمم. لقد تأثر المسلمون في العالم الإسلامي لوفاة محمد الفاتح وحزنوا عليه حزناً عميقاً وبكاه المسلمون في جميع أقطار المعمورة، لقد بهرتهم انتصاراته، واعاد إليهم سيرة المجاهدين الأوائل من السلف الصالح( ). قال عن وفاته عبدالحي بن العماد الحنبلي في وفيات سنة ست وثمانين وثمانمائة : ( .. كان من أعظم سلاطين بني عثمان وهو الملك الضليل الفاضل النبيل العظيم الجليل أعظم الملوك جهاداً وأقواهم اقداماً واجتهاداً وأثبتهم جأشاً وقواداً وأكثرهم توكلاً على الله واعتماداً وهو الذي أسس ملك بني عثمان وقنن لهم قوانين صارت كالأطواق في أجياد الزمان وله مناقب جميلة ومزايا فاضلة جليلة وآثار باقية في صفحات الليالي والأيام ومآثر لايمحوها تعاقب السنين والأعوام وغزوات كسر بها أصلاب الصلبان والأصنام من أعظمها أنه فتح القسطنطينية الكبرى وساق إليها السفن تجري رخاءً براً وبحراً هجم عليها بجنوده وأبطاله وأقدم عليها بخيوله ورجاله وحاصرها خمسين يوماً أشد الحصار وضيق على من فيها من الكفار الفجار وسل على أهلها سيف الله المسلول وتدرع بدرع الله الحصين المسبول ودق باب النصر والتأييد ولج ومن قرع باباً ولج ولج وثبت على متن الصبر إلى أن أتاه الله تعالى بالفرج ونزلت عليه ملائكة الله القريب الرقيب بالنصر العزيز من الله تعالى والفتح القريب ففتح استنبول في اليوم الحادي والخمسين من أيام محاصرته وهو يوم الأربعاء العشرين من جمادي الآخرة سنة سبع وخمسين وثمانمائة وصلى في أكبر كنائس النصارى صلاة الجمعة وهي أيا صوفيا وهي قبة تسامى قبة السماء وتحاكي في الاستحكام قبب الاهرام ولا وهت ولا وهت كبراً ولاهرماً وقد أسس في استنبول للعلم أساساً راسخاً لايخشى على شمسه الأفول وبنى مدارس كالجفان لها ثمانية أبواب سهلة الدخول وقنن بها قوانين تطابق المعقول والمنقول فجزاه الله خيراً عن الطلاب ومنحه بها أجراً وأكبر ثواب فإنه جعل لهم أيام الطلب مايسد فاقتهم ويكون به من خمار الفقر افاقتهم وجعل بعد ذلك مراتب يترقون اليها ويصعدون بالتمكن والاعتبار عليها إلى أن يصلوا إلى سعادة الدنيا ويتوسلون بها أيضاً إلى سعادة العقبى وأنه رحمه الله تعالى استجلب العلماء الكبار من أقصى الديار وأنعم اليهم وعطف باحسانه اليهم كمولانا علي القوشجي والفاضل الطوسي والعالم الكوراني وغيرهم من علماء الإسلام وفضلاء الأنام فصارت استنبول بهم أم الدنيا ومعدن الفخار والعليا واجتمع فيها أهل الكمال من كل فن، فعلماؤها إلى الآن أعظم علماء الإسلام وأهل حرفها أدق الفطناء في الأنام وأرباب دولتها هم أهل السعادة العظام فللمرحوم المقدس قلادة منن لاتحصى في أعناق المسلمين لاسيما العلماء الأكرمين( ). فرحمة الله ومغفرته ورضوانه على السلطان محمد الفاتح وأعلى ذكره في المصلحين .


الفصل الرابع : السلاطين الأقوياء بعد محمد الفاتح

المبحث الأول: السلطان بايزيد الثاني

بعد وفاة السلطان محمد الفاتح تولى ابنه بايزيد الثاني ( 886هـ - 918هـ) السلطة في البلاد وكان سلطاناً وديعاً، نشأ محباً للأدب، متفقهاً في علوم الشريعة الإسلامية شغوفاً بعلم الفلك. واستعان بالخبراء الفنيين اليونانيين والبلغاريين في تحسين شبكة الطرق والجسور لربط أقاليم الدولة ببعضها( ). أولاً: الصراع على السلطة مع أخيه : كان الأمير جم عندما بلغه وفاة أبيه يقيم في بروسة، وقد استطاع أن يتحصل على اعتراف السكان به سلطاناً على الدولة العثمانية في المناطق الخاضعة له، وبعد أن استتب له الأمر في بروسه وماحولها، أرسل إلى أخيه بايزيد يطلب منه عقد الصلح، ويقترح عليه التنازل، ورفض السلطان بايزيد ذلك لأن والده أوصى له بالحكم من بعده، لكن الأمير جم لم يقتنع بذلك فعاد واقترح على أخيه بايزيد تقسيم الدولة العثمانية إلى قسمين: القسم الأوربي لبايزيد والقسم الآسيوي له، ولكن بايزيد رفض أيضاً مبدأ التقسيم من أساسه لأن ذلك سوف يعمل على تفتيت الدولة التي سهر أسلافه على بنائها وتوحيدها، وأصر على أن تبقى الدولة موحدة تحت سلطته وأعد جيشاً ضخماً وسار به إلى بروسه وهاجمها وفر منها جم إلى سلطان المماليك قايتباي في مصر( ) فرحب به وأكرمه وأمده بجميع ما احتاجه من أموال للسفر مع أسرته إلى الحجاز لأداء فريضة الحج. ولما عاد من الأراضي المقدسة إلى مصر أرسل إليه السلطان بايزيد يقول له : ( بما أنك اليوم قمت بواجباتك الدينية في الحج، فلماذا تسعى إلى الأمور الدنيوية، من حيث أن الملك كان نصيبي بأمر الله، فلماذا تقاوم إرادة الله؟ فأجابه بقوله: هل من العدل أن تضطجع على مهد الراحة والنعيم وتقضي أيامك بالرغد واللذات، وأنا أحرم من اللذة والراحة وأضع رأسي على الشوك( )؟ وقام جم بالاتصال بكبار أتباعه في الأناضول، وأثارهم ضد بايزيد، وتقدم بأتباعه ليغتصب العرش، ولكنه هزم، واستأنف المحاولة فهزم أيضاً. والتجأ جم إلى رودس حيث يوجد بها فرسان القديس يوحنا، وعقد مع رئيس الفرسان اتفاقاً إلا أنه نقضه تحت ضغط بايزيد وأصبح جم سجيناً في جزيرة رودس، وكسب فرسان القديس يوحنا بهذه الرهينة الخطيرة امتيازات طوراً من بايزيد الثاني، ومرة أخرى من أنصار جم بالقاهرة، فلما تحصل على أموال ضخمة باع رهينته للبابا أنوست الثامن، فلما مات هذا البابا ترك جم لخلفه اسكندر السادس ولكن الأخير لم يبق على جم كثير حيث قتل واتهم في ذلك بايزيد الثاني الذي تخلص من خطر أخيه( ). ثانياً: موقف السلطان بايزيد من المماليك : حدثت معارك بين العثمانيين والمماليك على الحدود الشامية إلا أنها لم تحتدم إلى حد التهديد بحدوث حرب شاملة بينهما، وإن كانت قد أسهمت في أن يخيم شعور بعدم الثقة بينهما الأمر الذي أدى إلى تعثر مفاوضات الصلح سنة 1491م ومع أن السلطان المملوكي " قايتباي " قد ساورته مخاوف من احتمال قيام حرب واسعة بينه وبين العثمانيين سواء لإدراكه ما كان عليه العثمانيون من قوة أو لانشغال جزء هام من قواته في مواجهة البرتغاليين، إلا أن السلطان العثماني " بايزيد الثاني " قد بدّد له هذه المخاوف حيث قام بإرسال رسول من قبله إلى السلطان المملوكي سنة 1491م ومعه مفاتيح القلاع التي استولى عليها العثمانيون على الحدود وقد لقى هذا الأمر ترحيباً لدى السلطان المملوكي فقام بإطلاق سراح الأسرى العثمانيين، وأسهمت سياسة بايزيد السلمية في عقد صلح بين العثمانيين والمماليك في نفس السنة (1491م) وظل هذ الصلح سارياً حتى نهاية عهد السلطان بايزيد الثاني عام 1512م وأكد هذا الحدث على حرص السلطان بايزيد في سياسة السلام مع المسلمين( ). ثالثاً: السلطان بايزيد الثاني والدبلوماسية الغربية : استمرت راية الجهاد مرفوعة طيلة عهد السلطان بايزيد وأدرك الأعداء، أنه لايستطيعون مواجهة القوات الجهادية في حرب نظامية يحققون فيها أطماعهم لهذا لجأوا إلى أسلوب خبيث تستروا به تحت مسمى العلاقات الدبلوماسية لكي ينخروا في عظام الأمة ويدمروا المجتمع المسلم من الداخل، ففي عهد السلطان بايزيد وصل أول سفير روسي إلى ( إسلامبول ) عام ( 898هـ / 1492م ). إن وصول السفير الروسي عام ( 1492م ) على عهد دوق موسكو (إيفان) وما تابع ذلك، وما أعطى له ولغيره من حصانة وامتيازات، فتح الباب أمام أعداء الأمة الإسلامية لكشف ضعفها ومعرفة عوراتها، والعمل على إفسادها والتآمر عليها بعد تدميرها وإضعاف سلطان العقيدة في نفوس أبنائها. وفي عهد بايزيد الثاني في عام (886هـ) استطاع دوق موسكو ( إيفان الثالث ) أن ينتزع إمارة ( موسكو ) من أيدي المسلمين العثمانيين، وبدأ التوسع على حساب الولايات الإسلامية( ). ولايعني ذلك أن السلطان ( بايزيد ) وقف موقفاً ضعيفاً أمام هذه الظروف ولكن الدولة كانت تمر بظروف صعبة في محاربتها لأعداء الإسلام على امتداد شبه جزيرة الأناضول، وأوروبا الشرقية كلها، فانشغلت بها( ). رابعاً: وقوفه مع مسلمي الأندلس: تطورت الأحداث في شبه الجزيرة الأيبرية في مطلع العصور الحديثة، فأصبح اهتمام الأسبان ينحصر في توحيد أراضيهم، وانتزاع ماتبقى للمسلمين بها خصوصاً بعد ما خضعت لسلطة واحدة بعد زواج ايزابيلا ملكة قشتالة وفريدناند ملك أراغوان، فاندفعت الممالك الأسبانية المتحدة قبيل سقوط غرناطة في تصفية الوجود الإسلامي في كل اسبانيا، حتى يفرغوا أنفسهم ويركزوا إهتمامهم على المملكة الإسلامية الوحيدة غرناطة، التي كانت رمز للمملكة الإسلامية الذاهبة( ). وفرضت اسبانيا أقسى الإجراءات التعسفية على المسلمين في محاولة لتنصيرهم وتضييق الخناق عليهم حتى يرحلوا عن شبه الجزيرة الأيبرية. نتيجة لذلك لجأ المسلمون - المورسكيون - إلى القيام بثورات وانتفاضات في أغلب المدن الأسبانية والتي يوجد بها أقلية مسلمة وخاصة غرناطة وبلنسية وأخمدت تلك الثورات بدون رحمة ولاشفقة من قبل السلطات الأسبانية التي اتخذت وسيلة لتعميق الكره والحقد للمسلمين، ومن جهة أخرى كان من الطبيعي أن يرنوا المورسكيون بأنظارهم إلى ملوك المسلمين في المشرق والمغرب لإنقاذهم وتكررت دعوات وفودهم ورسائلهم إليهم للعمل على انقاذهم مما يعانوه من ظلم، وخاصة من قبل رجال الكنيسة ودواوين التحقيق التي عاثت في الأرض فساد وأحلت لنفسها كل أنواع العقوبات وتسليطها عليهم( ). وكانت أخبار الأندلس قد وصلت إلى المشرق فارتج لها العالم الإسلامي( ). وبعث الملك الأشرف بوفود إلى البابا وملوك النصرانية يذكرهم بأن النصارى الذين هم تحت حمايته يتمتعون بالحرية، في حين أن أبناء دينه في المدن الأسبانية يعانون أشد أنواع الظلم، وقد هدد باتباع سياسة التنكيل والقصاص تجاه رعايا المسيحيين، إذا لم يكف ملك قشتالة وأراغون عن هذا الاعتداء وترحيل المسلمين عن أراضيهم وعدم التعرض لهم ورد ما أخذ من أراضيهم ولم يستجيب البابا والملكان الكاثوليكيان لهذا التهديد من قبل الملك الأشرف ومارسوا خطتهم في تصفية الوجود الإسلامي في الأندلس، وجددت رسائل الاستنجاد لدى السلطان العثماني بايزيد الثاني، فوصلته هذه الرسالة: (..الحضرة العلية، وصل الله سعادتها، وأعلى كلمتها، ومهد أقطارها، وأعز أنصارها، وأذل عداتها، حضرة مولانا وعمدة ديننا ودنيانا، السلطان الملك الناصر، ناصر الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، قامع أعداء الله الكافرين، كهف الإسلام، وناصر دين نبينا محمد عليه السلام، محي العدل، ومنصف المظلوم ممن ظلم، ملك العرب، والعجم، والترك والديلم، ظل الله في أرضه، القائم بسنته وفرضه، ملك البرين وسلطان البحرين، حامي الذمار، وقامع الكفار، مولانا وعمدتنا، وكهفنا وغيثنا، لازال ملكه موفور الأنصار، مقرونا بالانتصار، مخلد المآثر والآثار مشهور المعالي والفخار، مستأثراً من الحسنات بما يضاعف به الأجر الجزيل، في الدار الآخرة والثناء الجميل، والنصر في هذه الدار، ولا برحت عزماته العلية مختصة بفضائل الجهاد ومجرد على أعداء الدين من بأسها، مايروي صدور السحر والصفاح، وألسنة السلاح بأذلة نفائس الذخائر في المواطن التي تألف فيها الأخاير مفارقة الأرواح للأجساد، سالكة سبيل السابقين الفائزين برضا الله وطاعته يقوم الأشهاد( ) وكانت ضمن الرسالة أبيات القصيدة يمدح صاحبها فيها الدولة العثمانية والسلطان بايزيد، ويدعوا للدولة بدوام البقاء قائلاً: سلام كريم دائم متجدد

                    أخص به مولاي خير خليفة 

سلام على مولاي ذي المجد والعلا

                    ومن ألبس الكفار ثوب المذلة 

سلام على من وسع الله ملكه

                   وأيده بالنصر في كل وجهة 

سلام على مولاي من دار ملكه

                   قسطنطينية أكرم بها من مدينة 

سلام على من زين الله ملكه

                  بجند وأتراك من أهل الرعاية 

سلام عليكم شرف الله قدركم

                   وزادكم ملكاً على كل ملة 

سلام على القاضي ومن كان مثله

                   من العلماء الأكرمين الأجلة 

سلام على أهل الديانة والتقى

                  ومن كان ذا رأي من أهل المشورة 

بعد ذلك وصفت القصيدة الحالة التي يعاني منها المسلمون وماتعرض له الشيوخ والنساء من هتك للإعراض ومايتعرض له المسلمين في دينهم حيث استطرد قائلاً: سلام عليكم من عبيد تخلفوا

                  بأندلس بالغرب في أرض غربة 

أحاط بهم بحرٌ من الردم زاخر

                  وبحرٌ عميق ذو ظلام ولجة 

سلام عليكم من عبيد أصابهم

                 مصاب عظيم يالها من مصيبة 

سلام عليكم من شيوخ تمزقت

                 شيوخهم بالنتف من بعد عزة 

سلام عليكم من وجوه تكشفت

                 على جملة الأعلاج من بعدة سترة 

سلام عليكم من بنات عوائق

                 يسوقهم اللباط قهراً لخلوة 

سلام عليكم من عجائز أكرهت

                 على أكل خنزير ولحم جيفة 

بعد ذلك الوصف، أخذت القصيدة تعالج شكلاً آخر، إذ أخذت توضح شعور المسلمين نحو الدولة العثمانية وتقدم الشكوى للسلطان قائلة: نقبل نحن الكل أرض بساطكم

                      وندعوا لكم بالخير في كل ساعة 

أدام الإله ملككم وحياتكم

                      وعافاكم من كل سوءٍ ومحنة 

وأيدكم بالنصر والظفر بالعدا

                     وأسكنكم دار الرضا والكرامة 

شكونا لكم مولاي ماقد أصابنا

                      من الضر والبلوى وعظم الرزية 

ثم تعود القصيدة في شرح المأساة، وتغيير الدين ما إلى ذلك، فاستطردت بقولها: غدرنا ونصرنا وبدل ديننا

                 ظلمنا وعوملنا بكل قبيحة 

وكنا على دين النبي محمد

                نُقاتل عمال الصليب بنية 

وتلقي أموراً في الجهاد عظيمة

                 بقتل وأسر ثم جوع وقلة 

فجاءت علينا الروم من كل جانب

                 بسيل عظيم جملة بعد جملة 

ومالوا علينا كالجراد بجمعهم

                 بجد وعزم من خيول وعدة 

فكنا بطول الدهر نلقي جموعهم

                   فنقتل فيها فرقة بعد فرقة 

وفرسانها تزداد في كل ساعة

                   وفرساننا في حال نقص وقلة 

فلما ضعفنا خيموا في بلادنا

                    ومالوا علينا بلدة بعد بلدة 

وجاؤوا بأنفاظ عظام كثيرة

                    تهدم أسوار البلاد المنيعة 

وشدوا عليها الحصار بقوة

                     شهوراً وأياماً بجد وعزمة 

غدرنا ونصرنا وبدل ديننا

                     ظلمنا وعوملنا بكل قبيحة 

وكنا على دين النبي محمد

                     نقاتل عمال الصليب بنية 

وتلقى أموراً في الجهاد عظيمة

                    بقتل وأسر ثم جوع وقلة 

فجاءت علينا الروم من كل جانب

                  بسيل عظيم جملة بعد جملة 

ومالوا علينا كالجراد بجمعهم

                       فنقتل فيها فرقة بعد فرقة 

وفرسانها تزداد في كل ساعة

                       وفرساننا في حال نقص وقلة 

فلما ضعفنا خيموا في بلادنا

                       ومالوا علينا بلدة بعد بلدة 

وجاؤوا بأنفاظ عظام كثيرة

                      تهدم أسوار البلاد المنيعة 

وشدوا عليها الحصار بقوة

                      شهوراً وأياماً بجد وعزمة 

فلما تفانت خيلنا ورجالنا

                      ولم نر من إخواننا من إغاثة 

وقلت لنا الأقوات واشتد حالنا

                     أحطناهم بالكره خوف الفضيحة 

وخوفاً على أبنائنا وبناتنا

                      من أن يؤسروا أو يقتلوا شر قتلة 

على أن نكون مثل من كان قبلنا

                        من الدجن من أهل البلاد القديمة 

ثم تحدثت القصيدة عن الخيار في مثل هذه الحالة، فإما القبول بالوضع السابق أو الإرتحال، إذ استطردت قائلة: ونبقى على آذاننا وصلاتنا

                 ولانتركن شيئاً من أمر الشريعة 

ومن شاء منا الجر جاز مؤمناً

                بما شاء من مال إلى أرض عدوة 

إلى غير ذلك من شروطٍ كثيرة

                 تزيد على الخمسين شرطاً بخمسة 

فقال لنا سلطانهم وكبيرهم

                لكم ماشرطتم كاملاً بالزيادة 

فكونوا على أموالكم ودياركم

                 كما كنتم من قبل دون أذية 

إلا أن الملكين الكاثوليكيين لم يفيا بتلك المواثيق إذ بدأ غدرهما على المسلمين فقال: فلما دخلنا تحت عقد ذمامهم

                   بدا غدرهم فينا بنقص العزيمة 

وخان عهوداً كان قد غرنا بها

                   ونصرنا كرهاً بعنف وسطوة 

وأحرق ما كانت لنا من مصاحف

                   وخلطها بالزبل أو بالنجاسة 

وكل كتاب كان في أمر ديننا

                   ففي النار ألقوه بهزءة وحقرة 

ولم يتركوا فيها كتاباً لمسلم

                ولا مصحفاً يخلى به للقراءة 

ومن صام أو صلى يعلم حاله

                 ففي النار يلقوه كل حالة 

ومن لم يجئ منا لموضع كفرهم

                  يعاقبه اللباط شر العقوبة 

ويلطم خديه ويأخذ ماله

                 ويجعله في السجن في سوء حالة 

وفي رمضان يفسدون صيامنا

                 بأكل وشرب مرة بعد مرة 

وهكذا مضت المسيحية في هتك الإسلام، وذل المسلمين، فمن تدخل في عبادة المسلم إلى شتم الإسلام فقالت القصيدة في ذلك: وقد أمرونا أن نسب نبينا

                      ولانذكرنه في رخاء وشدة 

وقد سمعوا قوماً يغنون باسمه

                      فأدركهم منهم أليم المضرة 

وعاقبهم حكامهم وولاتهم

                     بضرب وتغريم وسجن وذلة 

ومن جاءه الموت ولم يحضر الذي

                    يذكرهم لم يدفنوه بحيلة 

ويترك في زبل طريحاً مجدلاً

             كمثل حمار ميت أو بهيمة 

إلى غير هذا من أمور كثيرة

               قباح وأفعال غزار ردية( ) 

بعد ذلك أخذ الملوك الكاثوليك في إذابة المجتمع المسلم وذلك بتغيير الهوية الإسلامية إذ قالت القصيدة: وقد بدلت أسماءنا وتحولت

                   بغير رضا منا وغير إرادة 

فآها على تبديل دين محمد

                     بدين كلاب الروم شر البرية 

وآها على أسمائنا حين بُدلت

                    بأسماء أعلاج من أهل القيادة 

وآها على أبنائنا وبناتنا

                   يروحون للباط في كل غدوة 

يعلمهم كفراً وزوراً وفرية

                   ولايقدروا أن يمنعوهم بحيلة 

وآها على تلك المساجد سورت

                    مزابل للكفار بعد الطهارة 

وآها على تلك الصوامع علقت

                    نواقيسهم فيها نظير الشهادة 

وآها على تلك البلاد وحسنها

                      لقد أظلمت بالكفر أعظم ظلمة 

وصارت لعباد الصليب معاقلاً

                      وقد أمنوا فيها وقوع الاغارة 

وصرنا عبيداً لا أسارى فنفتدي

                      ولا مسلمين منطقهم بالشهادة 

ثم تتوجه القصيدة باستجداء السلطان لإنجادهم، وإنقاذهم من تلك المحنة فتقول: فلو أبصرت عيناك ماصار حالنا

                         إليه لجادت بالدموع الغزيرة 

فيا ويلنا يابؤس ماقد أصابنا

                        من الضر والبلوى وثوب المذلة 

سألناك يا مولاي بالله ربنا

                       وبالمصطفى المختار خير البرية 

عسى تنظروا فينا وفيما أصابنا

                       لعل إله العرش يأتي برحمة 

فقولك مسموع وأمرك نافذ

                       وما قلت من شيء يكون بسرعة 

ودين النصارى أصله تحت حكمكم

                       ومن ثم يأتيهم إلى كل كورة 

فبالله يامولاي منوا بفضلكم

                    علينا برأي أو كلام بحجة 

فأنتم أولوا الأفضال والمجد والعلا

                    وغوث عباد الله في كل آفة 

كما طلب المسلمون أن يتوسط السلطان بايزيد الثاني لدى البابا في روما وذلك لما للسلطان من ثقل سياسي في أوروبا فقال: فسل بابهم أعني المقيم برومة

                    بماذا أجازوا الغدر بعد الأمانة 

ومالهم مالوا علينا بغدرهم

                   بغير أذىً منا وغير جريمة 

وجنسهم المقلوب في حفظ ديننا

                    وأحسن ملوك ذي وفاء أجلة 

ولم يخرجوا من دينهم وديارهم

                     ولانالهم غدر ولاهتك حرمة 

ومن يعط عهداً ثم يغدر بعهده

                     فذاك حرام الفعل في كل ملة 

ولاسيما عند الملوك فإنه

                    قبيح شنيع لايجوز بوجهة 

وقد بلغ المكتوب منكم إليهم

                   فلم يعلموا منه جميعاً بكلمة 

ومازادهم إلا أعتداء وجرأة

                   علينا وإقداماً بكل مساءة 

ويشير المسلمون أن توسط ملوك مصر لدى المسيحيين لم تجد شيئاً، بل زادوا تعنتاً فقالوا: وقد بلغت ارسال مصر إليهم

                    ومانالهم غدر ولاهتك حرمة 

وقالوا لتلك الرسل عنا بأننا

                     رضينا بدين الكفر من غير قهرة 

وساقوا عقود الزور ممن أطاعهم

                    ووالله مانرضى بتلك الشهادة 

لقد كذبوا في قولهم وكلامهم

                       علينا بهذا القول أكبر فرية 

ولكن خوف القتل والحرق رونا

                       نقول كما قالوه من غير نية 

ودين رسول مازال عندنا

                      وتوحيدنا لله في كل لحظة 

بعد ذلك أوضح المسلمون للسلطان بايزيد أنه مع كل ذلك فإنهم متمسكون بالدين الإسلامي ويؤكدون ذلك بقولهم: ووالله مانرضى بتبديل ديننا

                     ولا بالذي قالوا من أمر الثلاثة 

وإن زعموا أنا رضينا بدينهم

                         بغير أذى منهم لنا ومساءة 

فسل وحرا عن أهلها كيف أصبحوا

                       أسارى وقتلى تحت ذل ومهنة 

وسل بلفيقاً عن قضية أمرها

                       لقد مزقوا بالسيف من بعد حسرة 

وضيافة بالسيف مزق أهلها

                      كذا فعلوا أيضاً بأهل البشرة 

وأندرش بالنار أحرق أهلها

                       بجامعهم صاروا جميعاً كفحمة 

ويكرر المسلمون ويجددوا الاستغاثة بالدولة العثمانية بعد تقديم هذه الشكوى: فها نحن يامولاي نشكو إليكم

                      فهذا الذي نلناه من شر فرقة 

عسى ديننا يبقى لنا وصلاتنا

                      كما عاهدونا قبل نقض العزيمة 

وإلا فيجلونا جميعاً عن أرضهم

                     بأموالنا للغرب دار الأحبة 

فأجلاؤنا خير لنا من مقامنا

                     على الكفر في عز على غير ملة 

فهذا الذي نرجوه من عز جاهكم

                    ومن عندكم تقضى لنا كل حاجة 

ومن عندكم نرجو زوال كروبنا

                      وما نالنا من سوء حال وذلة 

فأنتم بحمد الله خير ملوكنا

                       وعزتكم تعلو على كل عزة 

فنسأل مولانا دوام حياتكم

                       بملك وعز في سرور ونعمة 

وتهدين أوطان ونصر على العدا

                       وكثرة أجناد ومال وثروة 

وثم سلام الله قلته ورحمة

                       عليكم مدى الأيام في كل ساعة( ) 

كانت هذه هي رسالة الاستنصار التي بعث بها المسلمون في الأندلس، لإنقاذ الموقف هناك، وكان السلطان بايزيد يعاني من العوائق التي تمنعه من إرسال المجاهدين، بالإضافة إلى مشكلة النزاع على العرش مع الأمير جم، وما أثار ذلك من مشاكل مع البابوية في روما وبعض الدول الأوروبية وهجوم البولنديين على مولدافيا والحروب في ترانسلفانيا والمجر والبندقية وتكوين التحالف الصليبي الجديد ضد الدولة العثمانية من البابا جويلس الثاني وجمهورية البندقية والمجر وفرنسا، وما أسفر عنه هذا التحالف( ) من توجيه القوة العثمانية لتلك المناطق، ومع ذلك قام السلطان بايزيد بتقديم المساعدة وتهادن مع السلطان المملوكي الأشرف لتوحيد الجهود من أجل مساعدة غرناطة ووقعا اتفاقاً بموجبه يرسل السلطان بايزيد اسطولاً على سواحل صقلية بإعتبارها تابعة لمملكة اسبانيا، وأن يجهز السلطان المملوكي حملات أخرى من ناحية أفريقيا( ) وبالفعل أرسل السلطان بايزيد اسطولاً عثمانياً تحول إلى الشواطئ الأسبانية، وقد أعطى قيادته إلى كمال رايس الذي أدخل الفزع والخوف والرعب في الأساطيل النصرانية في أواخر القرن الخامس عشر( ) ، كما شجع السلطان بايزيد المجاهدين في البحر بإبداء اهتمامه وعطفه عليهم، وكان المجاهدون العثمانيون قد بدأوا في التحرك لنجدة اخوانهم المسلمين، وفي نفس الوقت كانوا يغنمون الكثير من الغنائم السهلة الحصول من النصارى، كذلك وصل عددٌ كبير من هؤلاء المجاهدين المسلمين أثناء تشييد الأسطول العثماني، ودخلوا في خدمته بعد ذلك أخذ العثمانيون يستخدمون قوتهم البحرية الجديدة في غرب البحر المتوسط بتشجيع من هؤلاء المجاهدين( ) وهذا الذي كان في وسع السلطان بايزيد الثاني فعله. لاشك أن تصرفات جم المشينة كانت سبباً أعاق حركة التوسع الإقليمي وعرقلت السلطان بايزيد عن العمل الخلاق، وأصبح اهتمام السلطان منصباً على تعقب أخبار أخيه والعمل على التخلص منه بكافة الوسائل( ). وعلى العموم، فقد استطاع بايزيد أن يحرز نصراً بحرياً على البنادقة في خليج لبانتوا ببلاد اليونان عام 499م/ 905هـ وفي العام التالي استولى على مدينة لبانتو وباستيلاء العثمانيين على مواقع البنادقة في اليونان، أقام البابا ( إسكندر السادس ) بناء على طلب البنادقة - حلفاً ضد العثمانيين مكوناً من فرنسا واسبانيا. وتعرض العثمانيون لهجوم الأساطيل الثلاثة: الفرنسي والإسباني والبابوي واستطاعت الدولة العثمانية أن تعقد صلحاً مع البنادقة( ). وكان بايزيد ميالاً للسلام، ونشطت العلاقات الدبلوماسية بين الدولة العثمانية وأوروبا، وكانت من قبل مقصورة على البلاد الواقعة على حدودها، ولكنها أقيمت بينها وبين البابوية وفلورنسا ونابلي وفرنسا وعقد صلحاً مع البنادقة والمجر. اهتم بايزيد بإنشاء المباني العامة وفعل الخيرات، فبنى الجوامع والمدارس والعمارات ودور الضيافة والتكايا والزوايا والمستشفيات للمرضى والحمامات والجسور ورتب للمفتي ومن في رتبته من العلماء في زمنه كل عام عشرة آلاف عثماني ولكل واحد من مدرسي المدارس السلطانية مابين سبعة آلاف وألفين عثماني، وكذلك رتب لمشايخ الطرق الصوفية ومريديهم ولأهل الزوايا كل واحد على قدر رتبته، وصار ذلك أمراً جارياً ومستمراً، وكان يحب أهل الحرمين الشريفين مكة والمدينة( ) . وحدثت في زمانه زلازل عظيمة في القسطنطينية فأخربت ألفاً وسبعين بيتاً ومئة وتسعة جوامع، وجانباً عظيماً من القصور وأسوار المدينة، وعطلت مجاري المياه، وصعد البحر إلى البر، فكانت أمواجه تتدفق فوق الأسوار، ولبثت تلك الزلزلة تحدث يومياً مدة 45 يوماً، وما أن سكنت الأمور كلف السلطان 15 ألفاً من العمال بإصلاح ماتهدم( ). عاش سبعاً وستين عاماً، وكان قوي البنية، أحدب الأنف، أسود الشعر رقيق الطبع، محباً للعلوم، مواظباً للدرس، وشاعراً أديباً، ورعاً تقياً، يقضي العشرة الأخيرة من شهر رمضان في العبادة والذكر والطاعة، وكان بارعاً في رمي السهام، ويباشر الحروب بنفسه( ) وكان يجمع في كل منزل حلّ من غزواته ما على ثيابه من الغبار ويحفظه، ولما دنا أجل موته، أمر بذلك الغبار فضرب منه لبنة صغيرة وأمر أن توضع معه في القبر تحت خدّه الأيمن، ففعل ذلك فكأنه أراد بذلك فحوى قوله  : " من أغبرت قدماه في سبيل الله حرم الله عليه النار". وكان مدة ملكه إحدى وثلاثين سنة إلا أياماً( ) كان السلطان بايزيد الثاني عالماً في العلوم العربية والإسلامية، كما كان عالماً في الفلك، مهتماً بالأدب مكرماً للشعراء والعلماء وقد خصص مرتبات لأكثر من ثلاثين شاعراً وعالماً، كما كان هو نفسه شاعراً يمتاز شعره بعمق الإحساس بعظمة الله وقدرته وكانت له أشعار في الحكمة توصي بالاستيقاظ من نوم الغفلة والنظر في جمال الطبيعة التي أبدعها الله وفي ذلك يقول: استيقظ من نوم الغفلة وانظر إلى الزينة في الأشجار انظر إلى قدرة الله الحق .. انظر إلى رونق الأزهار وافتح عينيك لتشاهد حياة الأرض بعد الممات( ) في 18 صفر 918هـ الموافق 125 ابريل 1512م ترك حكم الدولة لابنه سليم الأول ( 918- 926هـ / 1512- 1519م ) وذلك بدعم من الجيش، الذي كان ينظر إليه على أنه الأمل المرتجى في بعث النشاط الحربي للدولة العثمانية بصورة أوسع ودفع حركة الفتوحات إلى الأمام، ولذلك بادر الجيش إلى معارضة والده وتولية ابنه سليم مكانه( ). وتوفي السلطان بايزيد الثاني وهو ذاهب إلى ديمتوقة( ) فنقل نعشه إلى إسلامبول حيث دفن بجوار جامعه الشريف( ).


المبحث الثاني: السلطان سليم الأول ( 918- 926هـ / 1512 - 1520م )

تربع السلطان سليم الأول على العرش العثماني في عام 918هـ، وقد أظهر سليم منذ بداية حكمه ميلاً إلى تصفية خصومه ولو كانوا من إخوته وأبنائهم، وكان يحب الأدب والشعر الفارسي والتاريخ ورغم قسوته فإنه كان يميل إلى صحبة رجال العلم وكان يصطحب المؤرخين والشعراء إلى ميدان القتال ليسجلوا تطورات المعارك وينشدوا القصائد التي تحكي أمجاد الماضي( ). عندما ارتقى السلطان سليم الأول العرش العثماني، كانت الدولة العثمانية قد وصلت إلى مفترق الطرق، هل تظل على هذا الوضع وهذا القدر من الاتساع دولة بلقانية أناضولية؟ أو تستمر في التوسع الإقليمي في أوربا؟ أو تتجه نحو المشرق الإسلامي؟ والواقع أن السلطان سليم الأول قد أحدث تغييراً جذرياً في سياسة الدولة العثمانية الجهادية فقد توقف في عهد الزحف العثماني نحو الغرب الأوربي أو كاد أن يتوقف واتجهت الدولة العثمانية اتجاهاً شرقياً نحو المشرق الإسلامي وقد ذكر بعض المؤرخين الأسباب التي أدت إلى تغير السياسة العثمانية منها: 1- التشبع العسكري العثماني في أوربا، إذ يرى أصحاب هذا الرأي أن الدولة العثمانية كانت قد بلغت مرحلة التشبع في فتوحاتها الغربية بنهاية القرن الخامس عشر، وأنه كان عليها في أوائل القرن السادس عشر أن تبحث عن ميادين جديدة للنشاط والتوسع وهذا الرأي يخالفه الصواب لأن الفتوحات العثمانية لم تنقطع تماماً من الجبهة الغربية، ولكن لاريب في أن مركز الثقل في التوسع العثماني قد انتقل نهائياً من الغرب إلى الشرق( ) ليس بسبب التشبع كما تقول بعض المصادر غير المدركة للواقع. 2- كان تحرك الدولة العثمانية نحو المشرق من أجل إنقاذ العالم الإسلامي بصورة عامة والمقدسات الإسلامية بصورة خاصة من التحرك الصليبي الجديد من جانب الإسبان في البحر المتوسط والبرتغاليون في المحيط الهندي وبحر العرب والبحر الأحمر، الذين أخذوا يطوقون العالم الإسلامي، ويفرضون حصاراً اقتصادياً حتى يسهل عليهم ابتلاعه( ). 3- سياسة الدولة الصفوية في إيران والمتعلقة بمحاولة بسط المذهب الشيعي في العراق وآسيا الصغرى، هي التي دفعت الدولة العثمانية إلى الخروج إلى المشرق العربي لحماية آسيا الصغرى بصفة خاصة والعالم السني بصفة عامة( ). إن سياسة الدولة العثمانية في زمن السلطان سليم سارت على هذه الأسس ألا وهي القضاء على الدولة الصفوية الشيعية، وضم الدولة المملوكية ، وحماية الأراضي المقدسة وملاحقة الأساطيل البرتغالية ودعم حركة الجهاد البحري في الشمال الأفريقي للقضاء على الأسبان ومواصلة الدولة جهادها في شرق أوروبا. أولاً: محاربة الدولة الصفوية الشيعية: يعد نسب الصفويين الى الشيخ صفي الدين الأردبيلي 650-735هـ/1252-1334م الجد الأكبر للشاه اسماعيل الصفوي مؤسس الدولة الصفوية. وقد ألتف حول الشيخ صفي الدين الأردبيلي عدد كبير من الاتباع المريدين نتيجة للدعوة القوية او الدعاية المؤثرة التي قام بها هو وأتباعه من المتصوفة والدراويش الذين استطاعوا نشر دعوتهم لا في إيران وحدها وإنما في بعض أقاليم الدولة العثمانية وفي العراق وبلاد الشام( ). استطاع الشيخ صفي الدين عن طريق احدى الفرق التي تزعمها أن يشق طريقه في المجتمع الايراني كما استطاع أن يكسب تأييد ومساندة الكثيرين من الايرانيين مما أدى الى تحول هذه الفرقة الى الدعوة للمذهب الشيعي حيث أشيع أن الشيخ صفي الدين وأولاده ينتمون الى علي بن أبي طالب  ومن ثم لهم الحق في المطالبة بالحكم وكان صفي الدين قد لجأ الى التقية إذ كان مظهره يوحي بأنه سني الاتجاه بل إنه من أتباع المذهب الشافعي ولما تمهدت السبل أمام هذه الدعوة الشيعية أعلن أحد أحفاده الشاه اسماعيل الدعوة الشيعية، بل إن السلطان حيدر أكد صلة نسبه بالامام موسى الكاظم ومن ثم أصبحت الدولة الصفوية في ايران تعد نفسها من آل بيت رسول الله ( ). صمم اسماعيل الصفوي فرض المذهب الشيعي على شعبه وأعلنه مذهباً رسمياً للدولة في ايران، وقضى بالقوة المسلحة على معارضيه واستطاع الصفويون أن يجمعوا حولهم أعداداً غفيرة من الاتباع والمريدين، وتكاتفت الدعاية الشيعية القوية سواء في بقايا (العبيدين) الفاطميين في مصر أو الإسماعيلية أو الأسرة الصفوية نفسها في اعلان المذهب الشيعي في ايران لتتحول كلها من بعد ذلك من المذهب السني الى مذهب الدولة الجديدة وهو المذهب الشيعي. وكانت ردود الفعل عنيفة خاصة وأن كثيرين من سكان المدن الرئيسية في ايران مثل تبريز كانوا من السنة، بل أن علماء الشيعة أنفسهم كانوا يخشون على المذهب من رفض السنة له وإعلان عصيانهم على الحاكم الصفوي شيعي المذهب. بذل الشاه اسماعيل الصفوي جهوداً ضخمة في فرض المذهب الشيعي في ايران، فعلى الرغم من التهيئة الروحية للدعوة الشيعية بين سكان ايران الذين كانوا في غالبيتهم من السنة فقد لاقى المذهب اسماعيل الصفوي ان يواجه هذا الموقف بتجنيد العناصر الشيعية للغرض هذا ووجد منها تأييداً ومناصرة واستغل حميتهم لمناصرتهم فدفعهم لضرب معارضيه والتأكيد لمذهبه في ايران. لجأ السلطان اسماعيل الصفوي الى سياسة ماهرة في تأكيد دعوته السياسية والمذهبية فاعتمد على قبائل الترلباش التركية الأصل لتكون نواة لقوته العسكرية ذلك أن المجتمع الايراني في ذلك الوقت كان يتكون من عناصر مختلفة نتيجة لموجات الغزو المتعاقبة على البلاد مما كان يصعب معه صهر كل هذه العناصر في بوتقة واحدة لقد استطاع اسماعيل الصفوي بهذه السياسة أن يجند الطاقة المذهبية عند هذه العناصر لتكون المحور الذي تلتف حوله وتذوب فيها الفوارق العرقية وتحل محلها وحدة مذهبية يمكن له أن يقيم عليها الكيان السياسي الجديد( ). لقد كان اسماعيل الصفوي شرساً في حروبه شديد الفتك بمعارضيه وخصوصاً إن كانوا من أهل السنة (... افتتح ممالك العجم جميعها وكان يقتل من ظفر به وما نهبه من الاموال قسمه بين أصحابه ولا يأخذ منه شيئاً ومن جملة ما ملك تبريز واذربيجان وبغداد وعراق العجم وعراق العرب خراسان وكاد أن يدعي الربوبية وكان يسجد له عسكره ويأتمرون بأمره قال قطب الدين الحنفي في الأعلام انه قتل زيادة على ألف ألف نفس قال بحيث لايعهد في الجاهلية ولا في الاسلام ولا في الأمم السابقة من قبل في قتل النفوس ماقتله شاه اسماعيل وقتل عدة من اعاظم العلماء بحيث لم يبق من أهل العلم أحد من بلاد العجم واحرق جميع كتبهم ومصاحفهم وكان شديد الرفض بخلاف آبائه ومن جملة تعظيم أصحابه له أنه سقط مرة منديل من يده الى البحر وكان على جبل شاهق مشرف على ذلك البحر فرمى بنفسه خلف المنديل فوق ألف نفس تحطموا وتكسروا وغرقوا وكانوا يعتقدون فيه الألوهية ذكر ذلك القطب المذكرو ولم تنهزم له راية حتى حاربه السلطان سليم المتقدم ذكره فهزمه...)( ). لقد تزعم الشاه اسماعيل المذهب الشيعي وحرص على نشره ووصلت دعوته الى الأقاليم التابعة للدولة العثمانية وكانت الأفكار والعقائد التي تنشر في تلك الأقاليم يرفضها المجتمع العثماني السني حيث كان من عقائدهم الفاسدة، تكفير الصحابة، لعن العصر الأول، تحريف القرآن الكريم، وغير ذلك من الأفكار والعقائد فكان من الطبيعي أن يتصدى لتلك الدعوة السلطان سليم زعيم الدولة السنية ، فأعلن في اجتماع لكبار رجال الدولة والقضاة ورجال السياسة وهيئة العلماء في عام 920هـ/1514م أن ايران بحكوماتها الشيعية ومذهبها الشيعي يمثلان خطراً جسيماً لا على الدولة العثمانية بل على العالم الاسلامي كله وأنه لهذا يرى الجهاد المقدس ضد الدولة الصفوية وكان رأي السلطان سليم هو رأي علماء أهل السنة في الدولة، لقد قام الشاه اسماعيل عندما دخل العراق بذبح المسلمين السنيين على نطاق واسع ودمر مساجدهم ومقابرهم وازداد الخطر الشيعي ضرواة في السنوات الاخيرة من عهد السلطان بايزيد وعندما تولى السلطان سليم السلطنة قامت اجهزت الدولة العثمانية الأمنية بحصر الشيعة التابعين للشاه اسماعيل والمناوئين للدولة العثمانية ثم قام بتصفية اتباع الشاه اسماعيل، فسجن وأعدم عدداً كبيراً من انصار الشاه اسماعيل في الاناضول ثم قام بمهاجمة اسماعيل نفسه، فتداولت الرسائل الخشنة بينهما حسب المعتاد، وكتب السلطان سليم رسالة الى اسماعيل الصفوي قال فيها: (... إن علمائنا ورجال القانون قد حكموا عليك بالقصاص ياأسماعيل، بصفتك مرتداً، وأوجبوا على كل مسلم حقيقي أن يدافع عن دينه، وأن يحطم الهراطقة في شخصك، أنت وأتباعك البلهاء ، ولكن قبل أن تبدأ الحرب معكم فاننا ندعوكم لحظيرة الدين الصحيح قبل أن نشهر سيوفنا وزيادة على ذلك فإنه يجب عليك أن تتخلى عن الاقاليم التي اغتصبتها منا اغتصباً ، ونحن حينئذ على استعداد لتأمين سلامتك..)( ). وكان رد اسماعيل الصفوي على هذا الخطاب ان بعث للسطان العثماني هدية من الافيون قائلاً انه اعتقد ان هذا الخطاب كتب تحت تأثير المخدر( ). كذلك جاء في خطاب آخر مشابه: (... أنا زعيم وسلطان آل عثمان ، أنا سيد فرسان هذا الزمان، أنا الجامع بين شجاعة وبأس أفريدون الحائز لعز الاسكندر، والمتصف بعدل كسرى، أنا كاسر الأصنام ومبيد أعداء الاسلام أنا خوف الظالمين وفزع الجبارين المتكبرين، أنا الذي تذل أمامه الملوك المتصفون بالكبر والجبروت، وتتحكم لدى قوتي صوالج العزة والعظموت، أنا الملك الهمام السلطان سليم خان بن السلطان الأعظم مراد خان، أتنازل بتوجيه إليك أيها الأمير اسماعيل، يازعيم الجنود الفارسية .. ولما كنت مسلماً من خاصة المسلمين وسلطاناً لجماعة المؤمنين السنيين الموحدين.. واذ قد افتى العلماء والفقهاء الذين بين ظهرانينا بوجب قتلك ومقاتلة قومك فقد حق علينا أن ننشط لحربك وتخلص الناس من شَرِكْ)( ). أعد السلطان سليم الأول لمعركة فاصلة مع الدولة الصفوية حيث وصل الى استانبول وبدأ في التحرك من استانبول تجاه الأراضي الإيرانية وبعد أن غادر اسكوتراي أرسل يهدد الشاه اسماعيل الصفوي في رسالة يقول فيها: (بسم الله الرحمن الرحيم قال الله الملك العلام ان الدين عند الله الاسلام ومن يتبع غير الاسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين، ومن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ماسلف وأمره الى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون، اللهم اجعلنا من الهادين غير المضلين ولا الضالين وصلي الله على سيد العالمين محمد المصطفى النبي وصحبه أجمعين...)( ). وفي نفس الوقت أرسل السلطان سليم الأول الى أحد افراد أسرة آق قويونلو وهو محمد بن فرج شاه بيك يحثه على الاشتراك معه في قتال اسماعيل الصفوي، وبدأت حرب الاستطلاع بين المعسكرين المتحاربين، إلا أن سليم الأول قد بدأ التحرك نحو الدخول في القتال حيث عسكر في صحراء ياس جمن على مقربة من أذربيجان، ووصلت الأنباء التي أتت بها عيون ياس جمن تقول أن الشاه اسماعيل الصفوي لا ينوي القتال وأنه يؤخره الى ان يحل فصل الشتاء حتى يهلك العثمانيون برداً وجوعاً( ). وبدأ سليم الأول يسرع في تحريك الصراع بينه وبين الشاه اسماعيل فارسل إليه للمرة الثانية وأرسل مع رسالته خرقة ومسبحة وكشكولاً وعصا رمز فرق الدراويش وهو بهذا يقصد الى أن يذكره بأصله، وبأهل الأسرة الصفوية التي لاتستطيع الصمود في الحرب، ومع ذلك فقد رد الشاه اسماعيل بطلب المهادنة وتجديد علاقات السلم والصداقة بين الدولتين، ولم يقبل سليم الأول هذا من شاه الصفويين، وأهان رسوله وأمر بقتل رسول الشاه الصفوي وقد أدرك سليم الأول أن خطة أعدائه تتلخص في المهادنة والتباطؤ لتأجيل موعد اللقاء حتى يحين فصل الشتاء ، واستمر السلطان سليم في تحركه ووصلته الأخبار أن اسماعيل الصفوي قد بدأ الاستعداد للقتال والحرب بل إنه على وشك الوصول الى صحراء جالديران، فبدأ سليم الأول المسير نحوها فوصلها في أغسطس عام 1514م واحتل المواقع الهامة بها واعتلى الاماكن الهضبية فيها مما مكنه من ايقاع الهزيمة باسماعيل الصفوي وجنوده وكانت هزيمة ساحقة حلت بالجيش الصفوي الشيعي على ارضه( ). واضطر اسماعيل الى الفرار في نفس الوقت الذي كان سليم الأول يستعد فيه للدخول الى تبريز عاصمة الصفويين. ودخل سليم الاول تبريز وحصر أموال الشاه الصفوي ورجال القلزباس واتخذها مركزاً لعملياته الحربية( ). لم ينته الصراع بين السنة في الدولة العثمانية والشيعة في ايران بانتهاء معركة جالديران وانما ازداد العداء حدة وازداد الصراع ضراوة وظل الطرفان يتربص كل منهما بالآخر. لقد انتصر السلطان سليم بفضل الله تعالى وعقيدته السليمة ومنهجه الصافي، واسلحته المتطورة وجيشه العقدي المتدرب، وعاد الى بلاده بعد أن استولى على كردستان وديار بكر، ومرغش وأبلسين وباقي أملاك دلفاود، وبذلك صارت الأناضول مأمونة من الاعتداء من الشرق، وصارت الطرق الى أذربيجان والقوقاز مفتوحة للعثمانيين( ). وما أن هزمت فارس في موقعة جالديران السابقة أمام السلطان سليم حتى كان الفرس أنفسهم اكثر استعداداً وتقبلاً من قبل للتحالف مع البرتغاليين وبدأت تلك الاستعدادات للارتباط بالبرتغال عقب استيلاء البوكرك على هرمز، عندها وصل سفير من لدى شاه اسماعيل وتم الدخول في اتفاقية محدودة مابين البرتغاليين والصفويين نصت على مايلي: أن يقدم البرتغال اسطوله ليساعد الفرس في غزو البحرين والقطيف كما يقدم البرتغال المساعدة للشاه اسماعيل لقمع الثورة في مكران وبلوجستان وأن يكوّن الشعبان البرتغالي والفارسي اتحاداً ضد العثمانيين ، إلا أن وفاة البوكرك التي أتت بعد ذلك قد أعاق ذلك التحالف( ). لقد أظهر البرتغاليون تودداً للشاه اسماعيل قبل معركة جالديران وكانوا يهدفون من وراء توددهم للصفويين أن تتاح لهم فرصة تحقيق أهدافهم في إيجاد مراكز لهم في الخليج العربي، وكانوا يدركون أنهم إذا لم يكسبوا ود الصفويين فإن تعاون قوتهم مع القوى المحلية في الخليج قد يؤدي الى فشل البرتغاليين في تحقيق أهدافهم ولاسيما أن مشروعاتهم في إيجاد مراكز نفوذ في البحر الأحمر منيت بالفشل الى حد كبير( ). وتبدو سياسة البرتغال الرامية الى التحالف مع الفرس في رسالة ارسلها "البوكيرك" الى الشاه "اسماعيل الصفوي" جاء فيها: (إني أقدر لك احترامك للمسيحيين في بلادك، وأعرض عليك الأسطول والجند والأسلحة لاستخدامها ضد قلاع الترك في الهند، وإذا أردت أن تنقض على بلاد العرب أو تهاجم مكة فستجدني بجانبك في البحر الأحمر أمام جدة أو في عدن أو في البحرين أو القطيف أو البصرة، وسيجدني الشاه بجانبه على امتداد الساحل الفارسي وسأنفذ له كل مايريد)( ). لقد أدت هزيمة الشاه اسماعيل امام العثمانيين الى حرصه الشديد للتحالف مع النصارى وأعداء الدولة العثمانية ولذلك تحالف مع البرتغاليين وأقرّ استيلاءهم على هرمز في مقابل مساعدته على غزو البحرين والقطيف الى جانب تعهدهم بمساندتهم ضد القوات العثمانية وقد تضمن مشروع التحالف البرتغالي الصفوي تقسيم المشرق العربي الىمناطق نفوذ بينهما حيث اقترح أن يحتل الصفويون مصر والبرتغاليون فلسطين( ). يقول الدكتور عبدالعزيز سليمان نواز: ( ... إن الشاه لم يتوقف عن البحث عن حلفاء ضد الدولة العثمانية التي أصبحت القوة الكبرى التي تحول بينه وبين الوصول الى البحر المتوسط وكان مستعداً لان يتحالف حتى مع البرتغاليين أشد القوى خطراً على العالم الاسلامي حينذاك. وهكذا بينما كان البرتغاليين يخشون من وجود جبهة اسلامية قوية ضدهم في المياه الاسلامية ، وجدوا أن هناك من يريد أن يتعاون معهم. ومع أن ملك هرموز -الجزيرة الصغيرة التي أضيرت بشدة في اقتصادياتها التجارية بمجيء البرتغاليين المريعة، إلا أن الشاه وضع مصالحه الخاصة وحقده الشديد على الاتراك العثمانيين في مقدمة اية تسوية او تحالف مع البرتغاليين، فلا غرو أن وافق على أن تظل هرموز تحت السيطرة البرتغالية في مقابل حصوله على الاحساء ولكن حتى هذه الفرصة لم يتحها البرتغاليون لحليفهم الشاه. وكانت النتيجة أن ساعدت سياسة الشاه هذه على تقوية التسلط البرتغالي على الخليج..)( ). اكتفى السطان العثماني بانتصاره في جالديران واضطر الى الرجوع الى بلاده وترك مطاردة الشاه اسماعيل لعدة أسباب: 1- حدوث نوع من التمرد بين صفوف ضباط الجيش العثماني على متابعة الحرب في فارس بعد أن حقق السلطان هدفه واضعف شوكة اسماعيل الصفوي. 2- خوف السلطان سليم من أن يقع جيشه في كمائن للصفويين إذا توغل في بلادهم. 3- رأى أن يهتم بالقضاء على المماليك لأن جهاز أمن الدولة العثمانية ضبط رسائل بين المماليك والصفويين تدل على وجود تعاون ضد الدولة العثمانية( ).

وكانت نتيجة الصراع بين العثمانيين والصفويين:

1- ضم شمالي العراق ، وديار بكر الى الدولة العثمانية. 2- أمن العثمانيون حدود دولتهم الشرقية. 3- سيطرة المذهب السني في آسيا الصغرى بعد أن قضى على اتباع وأعوان اسماعيل الصفوي ثم هزيمة الشيعة في جالديران وهذا أشعر الدولة بمسؤوليتها تجاه العالم الاسلامي ، وبخاصة بعد أن أعلن نفسه حامياً للمسلمين( ). 4- شعور الدولة العثمانية بضرورة القضاء على القوة الثانية ألا وهي دولة المماليك( ). 5- أثر الصدام المسلح بين الدولة العثمانية والصفويين على قيمة ايرادات جمارك الدولة العثمانية من الطرق القديمة في الأناضول. لقد هبطت الايرادات بعد سنة 918هـ/1512م نتيجة الحروب القائمة بين الصفويين والعثمانيين، إذ أقفلت معظم الطرق التجارية القديمة، كما سادها الاخطار ، وصار التبادل التجاري بين الاقاليم الايرانية والعثمانية محدوداً، إذ انخفض ايراد الدولة العثمانية من الحرير الفارسي( ). 6- استفاد البرتغاليون من صراع الصفويين مع الدولة العثمانية وحاولوا أن يفرضوا على البحار الشرقية حصاراً عاماً على كل الطرق القديمة بين الشرق والغرب( ). 7- دخل السرور على الأوروبين بسبب الحروب بين العثمانيين والصفويين وعمل الأوروبيون على الوقوف مع الشيعة الصفوية ضد الدولة العثمانية لإرباكها حتى لاتستطيع أن تستمر في زحفها على أوروبا( ). ثانياً: ضم دولة المماليك: بعد أن تغلب السلطان سليم الأول على الصفويين في شمال وغربي ايران بدأ السلطان العثماني يستعد للقضاء على دولة المماليك ولقد ساهمت عدة أسباب في توجه العثمانيين لضم الشام ومصر منها: 1- موقف المماليك العدائي من الدولة العثمانية حيث قام السلطان قانصوه الغوري (907-922هـ/1501-1516م) سلطان الدولة المملوكية بالوقوف مع بعض الأمراء العثمانيين الفارين من وجه السلطان سليم وكان في مقدمتهم الأمير أحمد أخ السلطان سليم، وأرادت السلطات المملوكية أن تتخذ من وجود هؤلاء الأمراء لديها أداة لإثارة مزيد من المتاعب في وجه السلطان سليم، كما كان الموقف السلبي للدولة المملوكية في وقوفها المعنوي مع الشاه اسماعيل الصفوي فهي لم تلتزم الحيادة التامة بين العثمانيين والصفويين، وهي لم تتخذ موقفاً عدائياً صريحاً من السلطان سليم. 2- الخلاف على الحدود بين الدولتين في طرسوس في المنطقة الواقعة بين الطرف الجنوبي الشرقي لآسيا الصغرى وبين شمالي الشام. فقد تناثرت في هذه المنطقة إمارات وقبائل تأرجحت في ولائها بين الدولة العثمانية ودولة المماليك. وكان هذا التأرجح مبعث اضطراب في العلاقات بين الدولتين ومصدر نزاع مستمر. وأراد السلطان سليم الأول بادئ ذي بدء أن يحسم مسألة الحدود بالسيطرة التامة على منطقتها وسكانها. 3- تفشي ظلم الدولة المملوكية بين الناس ورغبة أهل الشام وعلماء مصر في التخلص من الدولة المملوكية والإنضمام الى الدولة العثمانية، فقد اجتمع العلماء والقضاة والأعيان والأشراف وأهل الرأي مع الشعب، وتباحثوا في حالهم، ثم قرروا أن يتولى قضاة المذاهب الأربعة والأشراف كتابة عريضة ، نيابة عن الجميع، يخاطبون فيها السلطان العثماني سليم الأول ويقولون أن الشعب السوري ضاق "بالظلم" المملوكي وإن حكام المماليك "يخالفون الشرع الشريف"، وإن السلطان إذا قرر الزحف على السلطنة المملوكية، فإن الشعب سيرحب به، وتعبيراً عن فرحته، سيخرج بجميع فئاته وطوائفه الى عينتاب -البعيدة عن حلب- ولن يكتفوا بالترحيب به في بلادهم فقط، ويطلبون من سليم الأول أن يرسل لهم رسولاً من عنده، وزيراً ثقة، يقابلهم سراً ويعطيهم عهد الأمان، حتى تطمئن قلوب الناس( ). ولقد ذكر الدكتور محمد حرب أن هذه الوثيقة موجودة في الأرشيف العثماني في متحف طوب كابي في استانبول، رقم 11634 (26) وبين أن ترجمة الوثيقة من العثمانية الى العربية كما يلي : (يقدم جميع أهل حلب: علماء ووجهاء وأعيان وأشراف وأهالي، بدون استثناء طاعتهم وولاءهم -طواعية- لمولانا السلطان عزنصره -وبإذنهم جميعاً، كتبنا هذه الورقة لترسل الى الحضرة السلطانية العالية. إن جميع أهل حلب، وهم الموالون لكم، يطلبون من حضرة السلطان، عهد الأمان، وإذا تفضلتم بالتصريح فإننا نقبض على الشراكسة، ونسلمهم لكم، أو نطردهم، وجميع أهل حلب مستعدون لمقابلتكم واستقابلكم، بمجرد أن تضع أقدامكم في أرض عينتاب، خلصنّا أيها السلطان من يد الحكم الشركسي، احمنا أيضاً من يد الكفار، قبل حضور التركمان، وليعلم مولانا السلطان، إن الشريعة الاسلامية ، لاتأخذ مجراها هنا، وهي معطلة، إن المماليك إذا اعجبهم أي شيء ليس لهم، يستولون عليه، سواء كان هذا الشيء مالاً أو نساءً أو عيالاً ، فالرحمة لاتأخذهم بأحد، وكل منهم ظالم، وطلبوا منا رجلاً من ثلاثة بيوت، فلم نستجب لطلبهم، فأظهروا لنا العداء، وتحكموا فينا ، (ونريد) قبل أن يذهب التركمان أن يقدم علينا وزيراً من عندكم أيها السلطان صاحب الدولة، مفوض بمنح الأمان لنا ولأهلينا ولعيالنا، أرسلوا لنا رجلاً حائزاً على ثقتكم يأتي سراً ويلتقي بنا ويعطينا عهد الأمان، حتى تطمئن قلوب هؤلاء الفقراء وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله أجمعين)( ). أما علماء وفقهاء مصر فقد ذكر عبدالله بن رضوان في كتابه: تاريخ مصر (مخطوط رقم 4971) بمكتبة بايزيد في استانبول ، إن علماء مصر (وهم نفس الشعب المصري وممثلوه) يلتقون سرّاً بكل سفير عثماني يأتي الى مصر، ويقصون عليه (شكواهم الشريف) و (يستنهضون عدالة السلطان العثماني) لكي يأتي ويأخذ مصر). لقد كان علماء مصر يراسلون السلطان سليم الأول لكي يقدم الى مصر على رأس جيشه ، ليستولي عليها، ويطرد منها الجراكسة (المماليك)( ). 4- رأى علماء الدولة العثمانية بأن ضم مصر والشام يفيد الأمة في تحقيق أهدافها الاستراتيجية، فإن الخطر البرتغالي على البحر الأحمر والمناطق المقدسة الاسلامية وكذلك خطر فرسان القديس يوحنا في البحر المتوسط كان على رأس الأسباب التي دعت السلطان العثماني لأن يتوجه نحو الشرق، فتحالف مع القوات المملوكية لهذا الغرض في البداية، ثم تحمل العبء الكامل في مقاومة هذه الأخطار بعد سقوط الحكم المملوكي( ). ونستدل على ذلك بما قاله السلطان سليم الأول العثماني لطومان باي آخر سلاطين المماليك بعد أن هزمه في معركة الريدانية (أنا ما جئت عليكم إلا بفتوى علماء الأعصار والأمصار ، وأنا كنت متوجهاً الى جهاد الرافضة (ويعني الصفويين) والفجار (ويعني بهم البرتغاليين وفرسان القديس يوحنا) ، فلما بغي أميركم الغوري وجاء بالعساكر الى حلب واتفق مع الرافضة واختار أن يمشي الى مملكتي التي هي مورث آبائي وأجدادي، فلما تحققت تركت الرافضة، ومشيت إليه)( ). أ- وقوع الصدام: بعد التطورات التي حدثت بين الدولة العثمانية والدولة الصفوية كان على السلطان المملوكي قانصوه الغوري أن يتخذ أحدى المواقف تجاه الحدث اما: 1- ان يأخذ جانب العثمانيين ضد الصفويين. 2- ان يأخذ جانب الصفويين ضد العثمانيين. 3- ان يقف على الحياد بين الطرفين. وفضل الغوري ان يقف على الحياد في ظاهره إلا أن المخابرات العثمانية عثرت على خطاب تحالف سري يؤكد العلاقة الخفية بين المماليك والفرس والخطاب محفوظ في أرشيف متحف طوب قابو في إستانبول. وكان السلطان سليم يريد الكرة على الشيعة الصفوية في بلاد فارس ومع توتر الأحداث رأي السلطان سليم تأمين ظهره وذلك بضم الدولة المملوكية الى أملاكه. وألتقى الجمعان على مشارق حلب في مرج دابق عام 1517م وانتصر العثمانيون وقُتِلَ الغوري سلطان المماليك وأكرم العثمانيون الغوري بعد مماته وأقاموا عليه صلاة الجنازة ودفنوه في مشارف حلب ودخل سليم حلب ثم دمشق ودُعي له في الجوامع وسُكَتْ النقود باسمه سلطان وخليفة( ) ومن الشام أرسل السلطان سليم الى زعيم المماليك في مصر طومان باي على أن يلتزم بالطاعة للدولة العثمانية وكان رد المماليك السخرية برسول السلطان ثم قتله. وقرر السلطان سليم الحرب وتحرك نحو مصر وقطع صحراء فلسطين قاصداً مصر ونزلت الأمطار على أماكن سير الحملة مما يسرت على الجيش العثماني قطع الصحراء الناعمة الرمال بعد أن جعلتها الأمطار الغزيرة متماسكة يَسهل اجتيازها. يروي المؤرخ سلاحثور صاحب مخطوطة فتح نامه ديار العرب -وكان مصاحباً لسليم- أن سليم الأول كان يبكي في مسجد الصخرة بالقدس بكاءً حاراً وصلى صلاة الحاجة داعياً الله أن يفتح عليه مصر( ). وحقق العثمانيون انتصاراً ساحقاً على المماليك في معركة غزة ثم معركة الريدانية. وتعود الأسباب التي أدت الى هزيمة المماليك وانتهاء دولتهم وانتصار العثمانيين وعلو نجمهم الى: 1- التفوق العسكري لدى العثمانيين: فسلاح المدفعية المملوكي كان يعتمد على مدافع ضخمة ثابتة لاتتحرك، في حين كان سلاح المدفعية العثماني يعتمد على مدافع خفيفة يمكن تحركيها في كل الاتجاهات. 2- سلامة الخطط العسكرية العثمانية: فرغم قطع العثمانيين لمسافات طويلة في سرعة اضطروا إليها ومحاربتهم في ارض يسيطر عليها عدوهم ومباغتتهم للمماليك كل ذلك كان مما يدخل في عوامل النصر، ومن سلامة التخطيط أيضاً استدارة القوات العثمانية من خلف مدافع المماليك الثقيلة الحركة -إذا أريد تحريكها- ودخول هذه القوات العثمانية القاهرة عن طريق المقطم مما شل دور المدفعية المملوكية وأحدث بالتالي الاضطراب في صفوف الجيش المملوكي لتدافعهم بلا انتظام خلف العثمانيين. 3- معنويات الجيش العثماني العالية وتربيته الجهادية الرفيعة واقتناعه بأن حربه عادلة بعكس القوات المملوكية التي فقدت تلك الصفات. 4- حرص الدولة العثمانية على الالتزام بالشرع في جميع نواحي حياتها واهتمامها البالغ بالعدل بين رعايا الدولة، بعكس الدولة المملوكية التي انحرفت عن الشريعة الغراء ومارست الظلم على رعاياها( ). 5- قناعة مجموعة قيادية من أمراء المماليك بالإنضمام لجيش السلطان سليم وكانوا مستعدين للتعاون مع الدولة العثمانية وتحمل مسؤولية الحكم تحت إطار الحكم العثماني ومن أمثال هؤلاء: فاير بك الذي اسند إليه سليم الأول حكم مصر، وجان بردي الغزالي الذي تولى حكم دمشق( ). لقد تلقى المماليك الهزيمة في سنة 1516/ 1517م وهم في شيخوخة دولتهم ومن آخر صفحة من صفحات تاريخهم كقوة اسلامية كبرى سواء في الشرق الأوسط أو في العالم، فقد كانوا فقدوا حيويتهم وقدرتهم على تجديد شبابهم ، فكان أن زالت دولتهم، وذهبت البلاد التي كانت حكمهم للنفوذ العثماني( ). وقد نقل الدكتور علي حسون عن الجبرتي من كتابة تاريخ عجائب الآثار في التراجم والآخبار في المجلد الأول وصفاً لفترة حكم العثمانيين في مصر إبان عهد سلاطينهم العظماء أقتطف بعضاً منها: ( ...وعادت مصر الى النيابة كما كانت في صدر الاسلام ولما خلص له (أي السلطان سليم) أمر مصر، عفا عمن بقي من الجراكسة وأبنائهم ولم يتعرض لأوقاف السلاطين المصرية بل قرر مرتبات الأوقاف والخيرات والعلوفات وغلال الحرمين والأنبار ورتب للأيتام والمشايخ والمتقاعدين ومصارف القلاع والمرابطين وأبطل المظالم والمكوث والمغارم ولما توفي تولى ابنه الغازي السلطان سليمان عليه الرحمة والرضوان فأسس القواعد وأتم المقاصد ونظم المماليك وانار الحوالك ورفع منار الدين وأخمد نيران الكافرين.. لم تزل البلاد منتظمة في سلكهم ومنقادة تحت حكمهم .. وكانوا في صدر دولتهم من خير من تقلد أمور الأمة بعد الخلفاء المهديين وأشد من ذبَّ عن الدين وأعظم من جاهد في المشركين فلذلك أتسعت ممالكه بما فتحه الله على أيديهم وأيدي نوابهم .. هذا مع عدم إغفالهم الأمر وحفظ النواحي والثغور وإقامة الشعائر الاسلامية والسنن المحمدية وتعظيم العلماء وأهل الدين وخدمة الحرمين الشريفين)( ). ب- مسألة انتقال الخلافة: إن مسألة انتقال الخلافة الى آل عثمان ترتبط بالفتح العثماني لمصر وقد قيل أن آخر الخلفاء العباسيين في القاهرة قد تنازل لسليم عن الخلافة، فالمؤرخ ابن إياس المعاصر لضم العثمانيين لمصر لم يتطرق إليها، كما أن الرسائل التي أرسلها السلطان سليم الى أبنه سليمان لم ترد فيها أية إشارة لتنازل الخليفة عن لقبه للسلطان، كما أن المصادر المعاصرة لاتشير الى مسألة نقل الخلافة الى آل عثمان الذين لاينتسبون الى الرسول. إن الواقع التاريخي يقول بأن السلطان سليم الأول أطلق على نفسه لقب "خليفة الله في طول الأرض وعرضها" منذ عام 1514م (920هـ) أي قبل فتحه للشام ومصر وإعلان الحجاز خضوعه لآل عثمان. فالسلطان سليم وأجداده كانوا قد كسبوا مكانة عظيمة تلائم استعمال لقب الخلافة في الوقت الذي كان فيه مركز الخليفة في القاهرة لايعتد به. كما أن فتوح سليم اكسبته قوة ونفوذاً معنوياً ومادياً وخصوصاً بعد دخول الحرمين الشريفين تحت سلطانه وأصبح السلطان العثماني مقصداً للمستضعفين المسلمين الذين يتطلعون الى مساعدته بعد أن هاجم البرتغاليين المواني الاسلامية في آسيا وإفريقيا. ملخص المبحث أن السلطان سليم لم يكن مهتماً بلقب الخلافة، وكذلك سلاطين آل عثمان من بعده وأن الاهتمام بهذا اللقب قد عاد بعد ضعف الدولة العثمانية( ). ج- اسباب انهيار الدولة المملوكية: هناك مجموعة من العوامل تجمعت وساعدت في وضع نهاية لدولة المماليك أهمها: 1- عدم تطوير المماليك، اسلحتهم وفنونهم القتالية، فبينما كان المماليك يعتمدون على نظام الفروسية الذي كان سائداً في العصور الوسطى كان العثمانيون يعتمدون على استخدام الاسلحة النارية وبخاصة المدفعية. 2- كثرة الفتن والقلاقل والاضطرابات بين المماليك حول ولاية الحكم مما أدى الى عدم استقرار الحكم في أحرج الأوقات. 3- كره الرعايا للسلاطين المماليك الذين كانوا يشكلون طبقة استقراطية مترفعة منعزلة عن الشعوب. 4- وقوع بعض الانشقاقات بين صفوف المماليك، كما فعل والي حلب "خاير بك وجانبرد الغزالي" مما أدى الى سرعة انهيار الدولة المملوكية. 5- سوء الأحوال الاقتصادية، وبخاصة عندما تغيرت طرق التجارة المارة بمصر واكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح . 6- العامل الجامع للأسباب السابقة ضعف التزام المماليك بمنهج الله ويقابله قوة تمسك العثمانيين بشرع الله( ). د- خضوع الحجاز للعثمانيين: كانت الحجاز تابعة للمماليك وعندما علم شريف مكة بمقتل السلطان الغوري ونائبه طومان باي بادر شريف مكة "بركات بن محمد " الى تقديم السمع والطاعة الى السلطان سليم الأول وسلمه مفاتيح الكعبة وبعض الآثار فأقر السلطان سليم شريف الحجاز بركات باعتباره أميراً على مكة والحجاز، ومنحه صلاحيات واسعة( ). وبذلك أصبح السلطان سليم خادماً للحرمين الشريفين وأصبحت مكانته أقوى أمام الشعوب الاسلامية وبخاصة أن الدولة أوقفت أوقافاً كثيرة على الاماكن المقدسة، وكانت ايراداتها تصب في خزانة مستقلة بالقصر السلطاني وقد أدى ضم الحجاز الى العثمانيين الى بسط السيادة العثمانية في البحر الأحمر مما أدى الى دفع الخطر البرتغالي عن الحجاز والبحر الأحمر واستمر هذا حتى نهاية القرن الثامن عشر( ). س- اليمن: بعد انهزام المماليك قدّم حاكم اليمن المملوكي الجركسي (اسكندر) وفداً الى السلطان سليم ليقدم فروض الولاء والطاعة له فوافق السلطان العثماني على إبقائه في منصبه وكانت اليمن تشكل بعداً استراتيجياً وتعتبر مفتاح البحر الأحمر وفي سلامتها سلامة للأماكن المقدسة في الحجاز وكانت السيطرة العثمانية في بداية الأمر ضعيفة، بسبب الصراعات الداخلية بين القادة والمماليك الى جانب نفوذ الأمامة الزيدية بين قبائل الجبال، هذا فضلاً عن الخطر البرتغالي الذي كان يهدد السواحل اليمنية وهذا دفع السلطان الى ارسال قوة بحرية إلا أنها فشلت بسبب النزاع الذي دب بين قائدها "حسين الرومي" متصرف جدة و"الريس سلمان" احد قادة البحر العثمانيين( ). ثم ارسل السلطان سليمان حملة "سليمان باشا ارناؤطي" سنة 945هـ/1538م وقد ضمت الحملة 74 سفينة و 20.000 شخص وكان هدف الحملة احتلال اليمن وبخاصة عدن ثم اغلاق مضيق باب المندب أمام السفن البرتغالية ودخل العثمانيون عدن عام 946هـ/1539م، وتعز عام 952هـ/1545م وسقطت صنعاء في قبضتهم عام 954هـ/1547م وتحرك "سلمان باشا" باسطوله ليستولي على بعض الموانئ العربية في حضرموت ومنها "الشحر ، والمكلا" واجتاح ساحل الحبشة، وسواكن ومصوع على الجانب الغربي من البحر الأحمر 964هـ/1557م. وقد ظلت اليمن في فترة خضوعها للحكم العثماني (1538-1635م) تنازعها قوى العثمانيين والأئمة الزيدية، فالعثمانيون لم يستطيعوا أن يضمنوا سيطرة حقيقية على البلاد نتيجة لحركة المقاومة التي تواجههم( ). وقد ظلت اليمن في فترة هيمنة الدولة العثمانية عليها (1538-1635م) تتنازعها قوى العثمانيين والأئمة الزيدية، فالعثمانيون لم يستطعوا أن يسيطروا كلياً على البلاد بسبب تمرد بعض القبائل( ). واستفاد العثمانيون من وجدوهم في اليمن فقاموا بحملات بحرية الى الخليج بقصد تخليصه من الضغط البرتغالي( ). ثالثاً: الصراع العثماني البرتغالي: قامت دولة البرتغال في عام 1514م بتحريك حملة على المغرب الأقصى يتزعمها الامير هنري الملاح واستطاعت تلك الحملة أن تحتل ميناء سبتة المغربي، وكان ذلك بداية لسلسلة من الاعمال العدوانية المتتالية( ) ثم واصلت البرتغال حملاتها على الشمال الأفريقي حتى تمكنت من الاستيلاء على اصيل، والعرائش ثم طنجة في عام 1471 للميلاد( ). وواصلت بعد ذلك أطماعها في مراكز هامة جداً مثل ميناء "أسفى وأغادير، وأزمورة، وماسة"( ). وأما عن توجه البرتغال الى المحيط الأطلسي ومحاولتهم الإلتفاف حول العالم الاسلامي فقد كان العمل مدفوعاً بالدرجة الاولى بدوافع صليبية شرسة ضد المسلمين ، حيث اعتبرت البرتغال انها نصيرة المسيحية وراعيتها ضد المسلمين ، حيث اعتبرت قتال المسلمين ضرورة ماسة وصارمة ورأت الاسلام هو العدو اللدود الذي لابد من قتاله في كل مكان( ). وكان الأمير هنري الملاح شديد التعصب للنصرانية عظيم الحقد على المسلمين وقد تحصل هذا الأمير من البابا نيقولا الخامس حقاً في جميع كشوفه حتى بلاد الهند، حيث قال : (إن سرورنا العظيم إذ نعلم أن ولدنا هنري أمير البرتغال، إذ يترسم خُطى والده العظيم الملك يوحنا، وإذ تلهمه الغيرة التي تملك الأنفس كجندي باسل من جنود المسيح، قد دفع باسم الله الى آقاصي البلاد وأبعادها عن مجال علمنا كما أدخل بين أحضان الكاثوليكية الغادرين من أعداء الله وأعداء المسيح مثل العرب والكفرة...) ( ). وقال البوكيرك في خطابه الذي ألقاه على جنده بعد وصوله الى "ملقا" مانصه: (إن ابعاد العرب عن تجارة الأفاوية هي الوسيلة التي يرجو بها البرتغاليون إضعاف قوة الاسلام). وفي نفس الخطبة قال :(الخدمة الجليلة التي سنقدمها لله بطردنا العرب من هذه البلاد وبإطفاءنا شعلة شيعة محمد بحيث لا يندفع لها هنا بعد ذلك لهيب وذلك لأني على يقين أننا لو انتزعنا تجارة "ملقا" هذه من أيديهم (يقصد المسلمين) لاصبحت كل من القاهرة ومكة أثراً بعد عين ولامتنعت عن البندقية كل تجارة التوابل مالم يذهب تجارها الى البرتغال لشرائها من هناك)( ). وقال في يومياته: (كان هدفنا الوصول الى الأماكن المقدسة للمسلمين واقتحام المسجد النبوي وأخذ رفاة النبي محمد  رهينة لنساوم عليها العرب من اجل استرداد القدس( ). وقال ملك البرتغال عمانويل الأول معلناً أهداف الحملات البرتغالية: إن الغرض من اكتشاف الطريق البحري الى الهند هو نشر النصرانية والحصول على ثروات الشرق( ). وهكذا يظهر للباحث المنصف أن الدافع الديني للكشوف البرتغالية كان من أهم العوامل التي دفعت البرتغال لارتياد البحار والإلتفاف حول العالم الاسلامي، فصدرت المراسيم والأوامر، ورسم الصليب والمدفع كشعار للحملات، وكان القصد من ذلك أن على المسلمين اعتناق المسيحية وإلا عليهم مواجهة المدفع. وكان الدافع الاقتصادي في الدرجة الثانية كعامل مؤثر في سير الكشوف الجغرافية البرتغالية، فقد سهل اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح في عام 904هـ/1497م بواسطة فاسكو دي جاما مهمة وصول منتجات الشرق الاقصى للأسواق الأوروبية دون الحاجة الى مرورها عن طريق مصر، ولهذا ساعد تحويل الخط التجاري عن مناطق العبور العربية والاسلامية -ساعد- على تحقيق الهدف الديني وذلك لما للمجال الاقتصادي من اثر فعال في إضعاف القوة الاسلامية التي كان لها ابلغ الأثر في زعزعة أوروبا خلال عدة قرون، فضلاً عن الركود الاقتصادي الذي مُنيت به الدولة المملوكية بسبب هذا التحول المفاجئ( ). ومما يجدر ذكره أن البرتغاليين استعانوا في حملاتهم باليهود الذين استخدموا كجواسيس ، وقد ساعدهم في ذلك معرفتهم باللغة العربية، وعلى سبيل المثال فقد ارسل ملك البرتغال يوحنا الثاني خادمه الخاص ومعه رفيق آخر يهودي الى مصر والهند والحبشة وكان من نتائج رحلتها تقديمها تقرير يتضمن بعض الخرائط العربية عن المحيط الهندي( ). وذكر ابن اياس إنه في زمن الشريف بركات أمير مكة تسلل ثلاثة أشخاص الى مكة وكانوا يحومون حول المسجد الحرام وعليهم لباس عثماني ويتحدثون العربية والتركية، فأمر بالقبض عليهم وبالكشف على اجسامهم اتضح أنهم مسيحيون لأنهم كانوا بغير ختان، وبعد التحقيق معهم ظهر أنهم جواسيس، ارسلوا للعمل كأدلاء للجيش البرتغالي الصليبي عند دخوله لمكة، وتم بعد ذلك إرسالهم الى السلطان قانصوه الغوري( ). ولتحقيق الأهداف البرتغالية رأى رواد الكشوف وساستهم ضرورة التحكم في مضيقي "هرمز" و "باب المندب" لكي يحكم أعداء الاسلام غزوهم للعالم الاسلامي من الخلف ودق عصب الإقتصاد في المناطق العربية والاسلامية ثم بالتالي نشر المسيحية في كل موقع يصلون إليه( ). ونجح البرتغاليون في خططهم وتمكنوا من السيطرة على معابر التجارة في الساحل الأفريقي والخليج العربي وبحر العرب، وقاموا بمنع وصول المنتجات الشرقية الى أوروبا عن طريقها، وقد ساعدهم في تحقيق ذلك عدم وجود منافس بحري لهم، مما سهل لهم السيطرة على المراكز الهامة بيسر وسهولة، ثم لم يتورع البرتغاليون بعد ذلك عن استخدام العنف فشهدت المناطق التي وصلوا إليها واحتلوها الكثير من المجازر وإشعال النيران والتدمير، والاعتداء على حرمات الناس ومنع المسلمين من الذهاب الى الحج وهدم المساجد عليهم( ). إما عن موقف المسلمين من هذا الغزو الغاشم فقد كان المماليك آنذاك في موقف لايحسدون عليه حيث اصابهم الوهن الاقتصادي والسياسي وانشغل السلاطين بمشاكلهم الداخلية ومجابهة الدولة العثمانية وقمع نشاط الفرسان الإسبارتية في شرق البحر الأبيض المتوسط( ) ولهذا واجه السكان في الساحل الأفريقي والخليج واليمن مصيرهم بأنفسهم، فهاجموا الحاميات البرتغالية في كل مكان، في شرق أفريقيا وفي مسقط والبحرين وقريات وعدن ، ولكن دون جدوى لاختلاف ميزان القوى( ). ثم ان المماليك شعروا بالمسؤولية على الرغم من المشاكل التي كانت تعيشها دولتهم ، وبذلوا مافي استطاعتهم للحد من وصول البرتغاليين الى الأماكن المقدسة، فقام السلطان قانصوه الغوري بإرسال حملة بحرية مكونة من ثلاثة عشرة سفينة عليه ألف وخمسائة رجل بقيادة حسين الكردي الذي وصل الى جزيرة "ديو" ثم "شول" وألتقى مع الأسطول البرتغالي بقيادة "الونز دي الميدا" وذلك في عام 914هـ/1508م فكان النصر حليفه( )، ثم ان البرتغال عززوا قواتهم وأعادوا الكرة مرة أخرى مما أدى الى هزيمة الاسطول الاسلامي سنة 915هـ/1509م في معركة "ديو" المشهورة في التاريخ( ). أما عن الدولة العثمانية فكانت في البداية بعيدة عن ساحة المعركة ويفصل بينها وبين البرتغال دولة المماليك والدولة الصفوية ومع ذلك لبى السلطان بايزيد الثاني طلب السلطان الغوري مساعدته ضد البرتغال ، فأرسل في شهر شوال سنة 916هـ/ 1511م عدة سفن محملة بالمكاحل والأسهم وأربعين قنطاراً من البارود وغير ذلك من المستلزمات العسكرية والأموال اللازمة( ). ولكن هذه المساعدة لم يكتب لها الوصول سالمة بسبب تعرضها لقرصنة فرسان القديس يوحنا( ). وبعد أن ضم العثمانيون بلاد مصر والشام ودخلت البلاد العربية تحت نطاق الحكم العثماني ، واجهت الدولة العثمانية البرتغاليين بشجاعة نادرة، فتمكنت من استرداد بعض الموانئ الاسلامية في البحر الأحمر مثل: مصوع وزيلع، كما تمكنت من إرسال قوة بحرية بقيادة مير علي بك الى الساحل الأفريقي فتم تحرير مقديشو وممبسة ومُنيت الجيوش البرتغالية بخسائر عظيمة( ). وفي عهد السلطان سليمان القانوني 927-974هـ/1520-1566م تمكنت الدولة العثمانية من إبعاد البرتغاليين عن البحر الأحمر ومهاجمتهم في المراكز التي استقروا بها في الخليج العربي. لقد ادرك السلطان سليمان أن مسؤولية الدفاع عن الأماكن المقدسة هي مسؤولية الدولة العثمانية، فبادر بعقد اتفاق مع حاكمي "قاليقوط" و"كامباي" وهما الحاكمان الهنديان اللذان تأثرا من الغزو البرتغالي وكان ذلك الاتفاق ينص على العمل المشترك ضد البرتغال، ثم أعقب ذلك الإتفاق إصداره مرسوماً الى سليمان باشا الخادم والي مصر هذا نصه: (عليك يابيك البكوات بمصر سليمان باشا، أن تقوم فور تسلمك أوامرنا هذه ، بتجهيز حقيبتك وحاجتك، وإعداد العدة بالسويس للجهاد في سبيل الله، حتى إذا تهيأ لك إعداد أسطول وتزويده بالعتاد والميرة والذخيرة وجمع جيش كافٍ، فعليك أن تخرج الى الهند وتستولي وتحافظ على تلك الأجزاء، فإنك اذا قطعت الطريق وحاصرت السبل المؤدية الى مكة المكرمة تجنبت سوء ما فعل البرتغاليون وأزلت رايتهم من البحر)( ). وقام سليمان الخادم بتنفيذ أوامر السلطان العثماني ، ووصل بعد سبعة أيام الى جدة ثم اتجه الى كمران وبعد ذلك سيطر على عدن وعيّن عليها أحد ضباطه وزودها بحامية بلغ عدد جنودها ستمائة جندي ، ثم واصل سيره الى الهند، وعند وصوله الى ديو لم يتمكن من الإستيلاء عليها وانسحب عائداً بعد ان فقد حوالي اربعمائة من رجاله، وحاول مرة اخرى الاستيلاء على الأمامية حتى استسلمت إحداها وتم أسر ثمانيين برتغالياً ، ولولا الإمدادات الجديدة للجيش البرتغالي لاستسلمت جميع القلاع، وتمّ طرد البرتغاليين من الهند ولخضعت قلعة ديو للعثمانيين خضوعاً تاماً( ). وهكذا تمكن العثمانيون من صد البرتغال وإيقافهم بعيداً عن المماليك الاسلامية والحد من نشاطهم ، وهكذا نجحت الدولة العثمانية في تأمين البحر الأحمر وحماية الأماكن المقدسة من التوسع البرتغالي المبني على أهداف استعمارية وغايات دنيئة ومحاولات للتأثير على الاسلام والمسلمين بطرق مختلفة. إن النجاح الذي حققته الدولة العثمانية في درء الخطر البرتغالي على العالم الاسلامي يستحق كل تقدير وثناء، فدولة المماليك المتهالكة كانت على وشك الانهيار، ولم تكن على مستوى من القوة يكفل لها الوقوف أمام الغزو البرتغالي فتحملت الدولة العثمانية أعباء الدفاع عن حقوق المسلمين وممتلكاتهم، ونجحت أيما نجاح في الحد من مطامع الغزاة ووصولهم الى الأماكن المقدسة كما كانوا يرغبون( ). أما عن الدولة الصفوية فقد تخلت عن مساعدة سكان المناطق التي وصل إليها الغزو البرتغالي، فتركت مدن الخليج العربي تواجه مصيرها بنفسها، وزادت على ذلك أن سارت الدولة الصفوية في فلك الأعداء ولبت رغباتهم خاصة وأنها على عداء وخلاف مذهبي مع المماليك والدولة العثمانية ولذلك نجد البوكيرك القائد البرتغالي يستغل هذا الموقف ويرسل في عام 915هـ/1509م مبعوثه "روى جومير" ومعه رسالة ذكر فيها: (اني أقدّر لك احترامك للمسيحيين في بلادك، واعرض عليك الأسطول والجند والأسلحة لاستخدامها ضد قلاع الترك في الهند، وإذا أردت أن تنقض على بلاد العرب أو أن تهاجم مكة فستجدني بجانبك في البحر الأحمر أمام جدة أو في عدن أو في البحرين أو في القطيف أو في البصرة ، وسيجدني الشاة بجانبه على امتداد الساحل الفارسي ، وسأنفذ له كل مايريد"( ). وقد صادف هذا العرض أو هذا الموقف الفترة التي كانت القوات العثمانية تتوجه فيها لمجابهة الصفويين على الحدود، حيث كانت بعد ذلك معركة جالديران سنة 920هـ/1514م التي انهزم فيها الفرس هزيمة ساحقة أمام الجيش العثماني، مما جعلهم - أي الفرس- أكثر استعداداً للتحالف مع البرتغاليين ضد العثمانيين، فكانت فرصة البرتغال التي لاتعوض لاسيما وأنهم يدركون مدى الخطر الذي يُهددهم ويقلق أمنهم من قبل الدولة العثمانية ، فاستغلوا احتلالهم لهرمز عام 921هـ/1515م وارتبطوا بعد ذلك مباشرة مع الصفويين بمعاهدة كان من أهم بنودها؛ تقديم البرتغال أسطولها لمساعدة الشاة في حملته على البحرين والقطيف مقابل اعتراف الشاة بالحماية البرتغالية على هرمز، وتوحيد القوتين وفي حالة المواجهة مع الدولة العثمانية عدوهما المشترك( ). ويظهر أن البرتغال رأوا في تحالفهم مع الصفويين وسيلة تحقق عدم الوفاق بين الدول الاسلامية التي فيما لو اتحدت ضدها لما تمكنت من السيطرة على مقدرات الشعوب في مناطق الخليج والبحر الأحمر وعدن وغير ذلك من الاماكن التي خضعت للسيطرة البرتغالية؛ ومن جهة اخرى فإن التحالف الصفوي البرتغالي والوضع السياسي والاقتصادي المتدهور لدى دولة المماليك، كل ذلك جعل الدولة العثمانية تتحمل المسؤولية كاملة في الدفاع عن الأماكن الاسلامية في كل موقع حاول البرتغاليون الوصول إليه والسيطرة عليه( ). لقد كان من نتائج الصراع العثماني البرتغالي: 1- احتفظ العثمانيون بالاماكن المقدسة وطريق الحج. 2- حماية الحدود البرية من هجمات البرتغاليين طيلة القرن السادس عشر. 3- استمرار الطرق التجارية التي تربط الهند واندونيسيا بالشرق الادنى عبر الخليج العربي والبحر الأحمر. 4- استمرار عمليات تبادل البضائع الهندية مع تجار أوروبا في أسواق حلب، والقاهرة واسطنبول ففي سنة 1554م اشترى البندقيون وحدهم ستة آلاف قنطار من التوابل وفي الوقت نفسه كانت تصل الى ميناء جدة عشرين سفينة محملة بالبضائع الهندية (توابل ، أصباغ، أنسجة)( ). وفاة السلطان سليم: في التاسع من شوال سنة ست وعشرين وتسعمائة، ليلة السبت توفي السلطان سليم -رحمه الله-، فأخفى موته الوزراء، وأرسلوا يعلمون ولده السلطان سليمان، فلما وصل الى القسطنطينية أعلنوا موت السلطان سليم، وصلوا عليه في جامع السلطان محمد، ثم حملوه ودفنوه في محل قبره، وأمر السلطان سليمان خان ببناء جامع عظيم ، وعمارة لطعام الفقراء صدقة على والده. وكان رحمه الله عالماً فاضلاً ذكياً، حسن الطبع، بعيد الغور، صاحب رأي وتدبير وحزم، وكان يعرف الألسنة الثلاثة: العربية والتركية والفارسية، ونظم نظاماً بارعاً حسناً، وكان دائم الفكر في أحوال الرعية والمملكة، وقَهَر الملوك وأبادهم، ولما كان بمصر كتب على رخام في حائط القصر الذي سكن فيه بخطه، فقال: الملك لله من يظفر بنيل مني يردده قهراً ويضمن بعده الدركا لو كان لي أو لغيري قدر أنملة فوق التراب لكان الأمر مشتركاً توفي رحمه الله تعالى وله من العمر أربع وخمسون سنة، وكانت مدة ملكه تسعة أعوام وثمانية أشهر( ).



المبحث الثالث: السلطان سليمان القانوني

ولد سليمان القانوني في مدينة (طرابزون) كان والده آنذاك والياً عليها اهتم به والده اهتماماً عظيماً، فنشأ محباً للعلم والأدب والعلماء والادباء والفقهاء، واشتهر منذ شبابه بالجدية والوقار، أرتقى عرش السلطنة في السادسة والعشرين من عمره وكان متأنياً في جميع شؤونه ولا يتعجل في الأعمال التي يريد تنفيذها بل كان يفكر بعمق ثم يقرر واذا اتخذ قراراً لايرجع عنه( ). أولاً: الفتن التي واجهته في بداية حكمه: ابتلى سليمان في السنوات الأولى في عهده بأربع تمردات شغلته عن حركة الجهاد، حيث ظن الولاة الطموحون أن فرصة الاستقلال بأقاليمهم حان وقتها، فقام جان بردى الغزالي والى الشام بتمرد على الدولة وأعلن العصيان عليها وحاول أن يستولي على حلب إلا أنه فشل في ذلك وأمر السلطان سليمان بقمع الفتنة فقمعت وقطع رأس المتمرد جان بردى وأرسل الى استنبول دلالة على انتهاء التمرد. وأما التمرد الثاني فقد قام به أحمد شاه الخائن في مصر وكان هذا عام 930هـ/1524م وكان هذا الباشا طامعاً في منصب الصدر الأعظم ولم يفلح في تحقيق هدفه، وطلب من السلطان أن يعينه والياً على مصر فعينه. وما أن وصل الى مصر حتى حاول استمالة الناس وأعلن نفسه سلطاناً مستقلاً إلا أن أهل الشرع وجنود الدولة العثمانية من الإنكشارية قاموا ضد الوالي المتمرد وقتلوه وظل اسمه في كتب التاريخ مقروناً باسم الخائن. والتمرد الثالث ضد خليفة المسلمين هو تمرد شيعي رافضي قام به بابا ذو النون عام 1526م في منطقة يوزغاد حيث جمع هذا البابا مابين ثلاثة آلاف وأربعة آلاف ثائر وفرض الخراج على المنطقة، وقويت حركته حتى أنه استطاع هزيمة بعض القواد العثمانيين الذين توجهوا لقمع حركته، وانتهت فتنة الشيعة هذه بهزيمة بابا ذو النون وأرسل رأسه الى استانبول. والتمرد الرابع ضد الدولة العثمانية في عهد سليمان القانوني كان تمرداً شيعياً رافضياً أيضاً وكان على رأسه قلندر جلبي في منطقتي قونية ومرعش وكان عدد أتباعه 30.000 شعياً قاموا بقتل المسلمين السنيين في هاتين المنطقتين. ويقول بعض المؤرخين أن قلندر جلبي جعل شعاره أن من قتل مسلماً سنياً ويعتدي على امرأة سنية يكون بهذا قد حاز أكبر الثواب. توجه بهرام باشا لقمع هذا العصيان فقتله العصاة، ثم نجحت الحيلة معهم إذ أن الصدر الأعظم إبراهيم باشا قد استمال بعض رجال قلندر جلبي ، فقلت قواته وهزم وقتل. بعد هذا هدأت الأمور في الدولة العثمانية وبدأ السلطان في التخطيط لسياسة الجهاد في أوروبا( ). ثانياً: فتح رودس: كانت رودس جزيرة مشاكسة إذ كانت حصن حصين لفرسان القديس يوحنا الذين كانوا يقطعون طريق الحجاج المسلمين الأتراك الى الحجاز، فضلاً عن اعمالهم العدوانية الموجهة لخطوط المواصلات البحرية العثمانية، فأهتم السلطان سليمان بفتحها وأعد حملة عظيمة ساعده على تحقيقها عدة أمور: 1- انشغال اوروبا بالحرب الكبرى بين شارل الخامس (كنت) -امبراطور الدولة الرومانية المقدسة وفرانسوا ملك فرنسا. 2- عقد الصلح بين الدولة العثمانية والبندقية. 3- نمو البحرية العثمانية على عهد سليم الأول. وشن سليمان القانوني حرباً كبيرة ضد رودس ابتداء من منتصف عام 1522م، وفتحها وأعطى للفرسان حق الانتقال منها، فذهبوا الى (مالطة) وهناك أعطاهم (شارك كنت) حق حكم هذه الجزيرة( ). ثالثاً: قتال المجر وحصار فينا: كان ملك المجر (فيلاد يسلاف الثاني جاجليو) قد عزم على فك أي تعهدات كانت قد اعطيت من قبل اسلافه لسلاطين الدولة العثمانية، وذهب الى حد قتل مبعوث السلطان سليمان إليه. وكان المبعوث يطالب بالجزية السنوية المفروضة على المجر. ولهذا رد سليمان في عام 1521م بغزوة كبيرة ضد المجر، ولكن استمرت المعارك حتى أحرز الاتراك انتصارهم الكبير، في موقعة موهاكس عام 1526م، ودخل سليمان القانوني (بودا) في 11 سبتمبر (أيلول) عام 1526م واستمرت المقاومة الهنغارية رغم هذا، وتابع السلطان ضغطه حتى بلغت جيوشه أسوار فينا عاصمة الامبراطورية الرومانية المقدسة عام 1529م، إلا أن طول خطوط المواصلات وتحول (شارل كنت) من قتال فرانسوا الى التصالح معه للتفرغ لحرب العثمانيين ولانقاذ عاصمة الهايسبورج جعل من المستحيل على سليمان القانوني فتح هذه العاصمة، وتراجع عنها بينما استمر الصراع بين سليمان والقوى الأوروبية المؤيدة لملك المجر من أجل السيطرة على هذه المملكة حتى وفاة سليمان. على أن أبرز حدث تاريخي في السياسة الخارجية العثمانية على عهد سليمان القانوني هو علاقته مع فرانسوا، تلك العلاقة التي تحولت الى محالفة( ). رابعاً: سياسة التقارب العثماني الفرنسي: كان عهد السطان سليمان القانوني بمثل رأس الهرم بالنسبة لقوة الدولة العثمانية ومكانتها بين دول العالم آنذاك. ويعتبر عصر السلطان سليمان هو العصر الذهبي للدولة العثمانية، حيث شهدت سنوات حكمه من 926-972هـ، الموافق 1520-1566م توسعاً عظيماً لم يسبق له مثيل، وأصبحت أقاليم الدولة العثمانية منتشرة في ثلاث قارات عالمية. وكان لهذا البروز أثره على دول العالم المعاصرة وبالأخص على دول أوروبا التي كانت تعيش انقسامات سياسية ودينية خطيرة، ولهذا تنوعت مواقف الدول الأوروبية من الدولة العثمانية حسب ظروف كل دولة. وكان تشارلز الخامس ملك الامبراطورية الرومانية المقدسة ينافس فرانسوا الأول ملك فرنسا على كرسي الحكم للامبراطورية الرومانية، وكان البابا ليو العاشر منافساً للراهب الألماني مارتن لوثر زعيم المقاومة البروتستانتية( ). وكانت بلغراد تعاني من اضطرابات داخلية بسبب صغر سن ملكها لويس الثاني مما أدى الى نشوب النزاع بين الأمراء( ). ولهذا رأى فرانسوا الأول أن يستغل مكانه وقوة الدولة العثمانية ويكسبها صديقاً له، فوقف منه موقف التودد والرغبة في الوفاق معتقداً أن الدولة العثمانية هي التي ستحد من طموحات تشارلز الخامس وتوقفه عند حده، ومما يثبت هذا التوجه الفرنسي ماذكره للسفير الفينسي عندما قال :(سعادة السفير لايمكنني أن أنكر أنني أرغب بشدة في أن أرى الأتراك أقوياء جداً ومستعدون للحرب ، ليس فقط لمصلحة السلطان العثماني الذاتية بل لإضعاف قوة الامبراطور تشارلز الخامس وتكليفه غالياً، وإعطاء جميع الحكومات الأمن والأمان ضد عدو عظيم كهذا "الامبراطور تشارلز"( ). بدأت مفاوضات فرنسا مع الدولة العثمانية بعد معركة "بافيا" التي أسر فيها ملك فرنسا "فرانسوا الأول" عام 1525م، فأرسلت والدته والوصية على العرش مبعوثها "جون فرانجيباني" ومعه خطاب منها وخطاب من الملك الأسير يطلبان فيهما مهاجمة قوات عائلة الهابسبرج وإطلاق سراح الأسير( ). وعلى الرغم من أن الأسير أطلق بموجب معاهدة تم عقدها في مدريد بين فرنسا وأسرة الهابسبرج سنة 1526م، إلا أن فرنسوا، بعد إطلاق سراحه أرسل في عام 941هـ/1535م سكرتيره "جان دي لافوريه" الى السلطان سليمان بهدف عقد تحالف في شكل معاهدة( )، سُميت فيما بعد بـ "معاهدة الامتيازات العثمانية الفرنسية"، ونظراً لما ستكون عليه هذه المعاهدة من أهمية كبرى بعد ذلك نورد هنا أهم نصوصها: حرية التنقل والملاحة في سفن مسلحة وغير مسلحة بحرية تامة. حق التجارة والمتاجرة في كل أجزاء الدولة العثمانية بالنسبة لرعايا ملك فرنسا. تدفع الرسوم الجمركية وغيرها من الضرائب مرة واحدة في الدولة العثمانية. الضرائب التي يدفعها الفرنسيون في الدولة العثمانية هي نفسها التي يدفها الرعايا الأتراك. حق التمثيل القنصلي، مع حصانة قنصلية ولأقاربه وللعاملين معه. من حق القنصل الفرنسي النظر في القضايا المدنية والجنائية التي يكون أطرافها من رعايا ملك فرنسا، وان يحكم في هذه القضايا وإنما للقنصل الحق في الاستعانة بالسلطات المحلية لتنفيذ أحكامه. في القضايا المختلفة التي يكون أحد أطرافها رعية من رعايا السلطان العثماني ، لا يستدعي ولا يستجوب رعية الملك الفرنسي ولا يحاكم إلا بحضور ترجمان القنصلية الفرنسية. افادات رعية الملك في القضايا مقبولة ويؤخذ بها عند اصدار الحكم. حرية العبادة لرعايا الملك. منع استعباد رعية الملك. وكان من نتائج هذه المعاهدة زيادة التعاون بين الأسطولين الفرنسي والعثماني وشن الاسطول العثماني هجمات قوية على شواطئ مملكة نابولي التي كانت تابعة لـ"شارل كنت" وفي عام 1543م تجمعت وحدات الاسطولين العثماني والفرنسي وهاجمت نسير التابعة لدوق سافوي حليف شارل كنت( ). واستفادت فرنسا من تقاربها مع الدولة العثمانية عسكرياً واقتصادياً وسياسياً واتخذت من المعاهدة السابقة وسيلة لفتح أبواب التجارة مع المشرق دون الخضوع للاحتكار التجاري الذي فرضته البرتغال بعد اكتشافها طريق رأس الرجاء الصالح، كما حصلت بموجبها على الحق الكامل في الحماية تحت علمها رعيا الدول الغربية الاخرى، مما جعل لها مكانة مرموقة بين دول الغرب الأوروبي. هذه المعاهدة بكل أسف لم يستفد منها رعايا الدولة العثمانية وكأنها عقدت فقط لتلبية المطالب الغربية ، وتحقيق مصالح الأعداء دون مقابل يذكر وقد كانت هذه المعاهدة الأساس الذي بني عليه وسار على نهجه الكثير من المعاهدات التي عقدت فيما بعد بين الدولة العثمانية والدول الأوروبية بصفة عامة( ). لم يستطع ملك فرنسا ان يلتزم بالعهود مع الدولة العثمانية بسبب الرأي العام النصراني، فيضطر الى التراجع ونقض العهود ثم يعود من جديد فيستجدي عطف وتأييد العثمانيين من جديد فيثور عليه الرأي العام والحقيقة التاريخية تقول أنه لا يمكن للصليبيين أعداء الاسلام أن يتخلى بعضهم عن بعض أمام تحدِّيه القوى لهم وإن كانوا مختلفين ظاهرياً تبعاً للمصالح والأهواء. وإن أعداء الاسلام من الصليبيين الحقادين لا أحلاف ولا مواثيق لهم في تعاملهم مع المسلمين كما يبين لنا الله عز وجل في كتابه الكريم. وحينما تتبين لهم بادرة ضعف عند المسلمين فإنهم سرعان مايقوى ساعدهم كي يجهزوا عليهم وهم في الوقت نفسه لايسمحون لحاكم منهم مهما كان اتجاهه او وضعه أن يتعاون مع المسلمين وأنه مهما اختلفت المصالح فهم جميعاً يتفقون في محاربة هذا الدين وتقتيل أهله في كل زمان ومكان( ). لقد كانت تلك الامتيازات التي أعطيت للدولة الفرنسية أول إسفين يدق في نعش الدولة العثمانية ظهرت آثاره البعيدة فيما بعد. وفي أواخر أيام الدولة العثمانية صارت دول أوروبا النصرانية تتدخل في شؤونها تحت حماية الامتيازات وللدفاع عن نصارى الدولة الذين كانوا يعدون رعايا للدول الأجنبية وخاصة في بلاد الشام( ).

المبحث الرابع: الدولة العثمانية وشمال أفريقيا

كان من آثار التهجير الجماعي للمسلمين من الأندلس ونزوح أعداداً كبيرة منهم الى الشمال الأفريقي حدوث العديد من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية في ولايات الشمال الأفريقي ولما كان من بين المسلمين النازحين الى هذه المناطق أعداداً وفيرة من البحارة، فكان من الضروري أن تبحث عن الوسائل الملائمة لاستقرارها، إلا أن بعض العوامل قد توافرت لتدفع بأعداد من هؤلاء البحارة الى طريق الجهاد ضد القوى المسيحية في البحر المتوسط. ويأتي في مقدمة هذه الأسباب الدافع الديني بسبب الصراع بين الاسلام والنصرانية وإخراج المسلمين من الأندلس ومتابعة الاسبان والبرتغال للمسلمين في الشمال الأفريقي. وقد ظلت حركات الجهاد الاسلامي ضد الاسبان والبرتغاليين غير منظمة حتى ظهور الأخَوان خير الدين وعروج بربروسا واستطاعا تجميع القوات الاسلامية في الجزائر وتوجيها نحو الهدف المشترك لصد اعداء الاسلام عن التوسع في موانئ ومدن الشمال الافريقي. وقد اعتمدت هذه القوة الاسلامية الجديدة في جهادها أسلوب الكر والفر في البحر بسبب عدم قدرتها في الدخول في حرب نظامية ضد القوى المسيحية من الأسبان والبرتغاليين وفرسان القديس يوحنا، وقد حقق هؤلاء المجاهدين نجاحاً أثار قلق القوى المعادية، ثم رآو بنظرهم الثاقب أن يدخلوا تحت سيادة الدولة العثمانية لتوحيد جهود المسلمين ضد النصارى الحاقدين. وقد حاول المؤرخون الأوروبيون التشكيك في طبيعة الحركة الجهادية في البحر المتوسط ووصفوا دورها بالقرصنة وكذلك شككوا في أصل أهم قادتها وهما خيرالدين وأخوه عروج الأمر الذي يفرض ضرورة إلقاء الضوء على دور الأخوين وأصلهما، وأثر هذه الحركة على الدور الصليبي في البحر المتوسط في زمن السلطان سليم والسلطان سليمان القانوني. أولاً : أصل الأخوين عروج وخير الدين: يرجع أصل الأخوين المجاهدين الى الأتراك المسلمين وكان والدهما يعقوب بن يوسف من بقايا الفاتحين المسلمين الأتراك الذين استقروا في جزيرة مدللي إحدى جزر الأرخبيل( ). وأمهم سيدة مسلمة أندلسية كان لها الأثر على أولادها في تحويل نشاطهم شطر بلاد الأندلس التي كانت تئن في ذلك الوقت من بطش الأسبان والبرتغاليين( ). وكان لعروج وخير الدين أخوان مجاهدان هما إسحاق ومحمد إلياس ولقد استند المؤرخون المسلمون الى أصلهم الأسلامي الى الحجج التالية: 1- ماذكره المؤرخ الجزائري "أحمد توفيق مدني" مستنداً على أثرين مازالا موجودين في الجزائر أولهما رخامة منقوشة كانت موضوعة على باب حصن شرشال، وثانيهما رخامة كانت على باب مسجد الشواس بالعاصمة الجزائرية، وقد نقش على الرخامة الأولى: (بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله، هذا برج شرشال أنشأه القائد محمود بن فارس التركي في خلافة الأمير الحاكم بأمر الله المجاهد في سبيل الله "أورج بن يعقوب" بإذنه بتاريخ أربعة وعشرين بعد تسعمائة (1518م) ونقش على الرخامة الثانية : (إسم "أوروج"بن أبي يوسف يعقوب التركي"). وهناك ثالثة مسجل عليها بعض ماشيده خير الدين في الجزائر سنة 1520م( ). 2- إن اسم "عروج" - "أوروج" مأخوذ من حادثة الاسراء والمعراج التي يرجح أنه ولد ليلتها، وأن الترك ينطقونه "أوروج" ثم عرب الى "عروج"( ). 3- إن ماذكر عن الدور الذي لعبه الأخوان يؤكد حرصهما على الجهاد في سبيل الله ومقاومة أطماع أسبانيا والبرتغال في الممالك الأسلامية في شمالي أفريقيا ولقد أبدع الأخوان في الجهاد البحري ضد النصارى وأصبحت لحركة الجهاد البحري في القرن السادس عشر مراكز مهمة في شرشال ووهران والجزائر ودلي وبجاية وغيرها في أعقاب طرد المسلمين من الأندلس ، وقد قويت بفعل انضمام المسلمين الفارين من الأندلس والعارفين بالملاحة وفنونها والمدربين على صناعة السفن( ). ثانياً: دور الأخوين في الجهاد ضد الغزو النصراني: اتجه الأخوان عروج وخير الدين الى الجهاد البحري منذ الصغر، ووجها نشاطهما في البداية الى بحر الأرخبيل المحيط بمسقط رأسهما حوالي سنة 1510م، لكن ضراوة الصراع بين القوى المسيحية في بلاد الأندلس وفي شمالي افريقيا بين المسلمين هناك، والذي اشتد ضراوة في مطلع القرن السادس عشر، قد استقطب الأخوين لينقلا نشاطهما الى هذه المناطق وبخاصة بعد أن تمكن الاسبان والبرتغاليون من الاستيلاء على العديد من المراكز والموانئ البحرية في شمالي افريقيا( ). وقد حقق الأخوان العديد من الانتصارات على القراصنة المسيحين الأمر الذي أثار أعجاب القوى الاسلامية الضعيفة في هذه المناطق ، ويبدو ذلك من خلال منح السلطان "الحفصي" لهم حق الاستقرار في جزيرة جربة التونسية وهو أمر عرضه لهجوم أسباني متواصل اضطره لقبول الحماية الاسبانية بالضغط والقوة، كما يبدو من خلال استنجاد أهالي هذه البلاد بهما، وتأثيرهم داخل بلادهم مما أسهم في وجود قاعدة شعبية لهما تمكنهما من حكم الجزائر وبعض المناطق المجاورة ويرى بعض المؤرخين أن دخول "عروج" وأخيه الجزائر وحكمهما لها لم يكن بناءً على رغبة السكان، ويستند هؤلاء الى وجود بعض القوى التي ظلت تترقب الفرص لطرد الأخوين والأتراك المؤيدين لهما، لكن البعض الآخر يرون أن وصول "عروج" وأخيه كان بناءً على استدعاء من سكانها لنجدتهم من الهجوم الأسباني الشرس، وأن القوى البسيطة التي قاومت وجودهما كانت تتمثل في بعض الحكام الذين أبعدوا عن الحكم أمام محاولات الأخوين الجادة في توحيد البلاد حيث كانت قبل وصولهما أشبه بدولة ملوك الطوائف في الأندلس، وقد ساند أغلب أهل البلاد محاولات الأخوين واشتركت أعداداً كبيرة منهم في هذه الحملات، كما ساندهما العديد من الحكام المحليين الذين شعروا بخطورة الغزو الصليبي الأسباني( ). ويظهر دور الأخوين المجاهدين بمحاولة تحرير بجاية من الحكم الاسباني سنة 1512م، وقد نقلا -لهذا الغرض- قاعدة عملياتها ضد القوات الأسبانية في ميناء جيجل شرقي الجزائر بعد أن تمكنا من دخولها وقتل حماتها الجنوبيين سنة 1514م لكي تكون محطة تقوية لتحرير بجاية من جهة ولمحاولة مساعدة مسلمي الأندلس من جهة أخرى ويبدو أن الأخوين قد واجها تحالفاً قوياً نتج عنه العديد من المعارك النظامية وهو أمر لم يتعودوه لكن أجبروا عليه بفعل الاستقرار في حكم الجزائر، وزاد من حرج الموقف قتل "عروج" في إحدى المعارك سنة 1518م مما اضطر خير الدين للبحث عن تحالف يعينه على الاستقرار والمقامة ومواصلة الجهاد وكانت الدولة العثمانية هي أقوى القوى المرشحة لهذا التحالف سواء لدورها البارز في ساحة البحر المتوسط أم لأن القوى المحلية في الشمال الأفريقي كانت متعاطفة معها( ). وتتابع انتصاراتها على الساحة الأوروبية منذ فتح القسطنطينية وأن الاتجاه لمحالفتها سيكسب دور خير الدين مزيداً من التأييد من قبل هذه القوى، والى جانب ذلك فإن الدولة العثمانية قد أبدت استجابة للمساعدة حين طلب منها الأخوان ذلك، كما أبدت رغبتها في مزيد من المساعدة لدوره وكذلك لبقايا المسلمين في الأندلس، ومن منظور ديني أسهم في إكساب دورها تأييداً جماهيرياً وجعل محاولة التقرب منهما أو التحالف معهما عملاً مرغوباً( ). ومن جهة أخرى كانت الظروف في الدولة العثمانية على عهد السلطان سليم الأول مهيأة لقبول هذا التحالف وبخاصة بعد أن اتجهت القوات العثمانية الى الشرق العربي، وكان من أبرز أهدافها في هذا الاتجاه -كما سبق التوضيح- هو التصدى لدور البرتغاليين والأسبان وفرسان القديس يوحنا في المنطقة ، وكان من المنطقي التحالف مع أي من القوى المحلية التي تعينها على تحقيق هذه الأهداف( ). ثالثاً: التحالف مع العثمانيين: اختلف علماء التاريخ حول بداية التحالف بين العثمانيين والأخوين عروج خيرالدين ، فتذكر بعض المراجع أن السلطان سليم الأول كان وراء إرسالهم الى الساحل الأفريقي تلبية لطلب المساعدة من سكان الشمال الأفريقي وعملاً على تعطيل أهداف البرتغاليين والأسبان في منطقة البحر المتوسط. وعلى الرغم من عدم تداول هذه الرواية بين المؤرخين إلا أنها توضح أن العثمانيين لم يكونوا بمعزل عن الأحداث التي تدور على ساحة البحر المتوسط( ). ويرجع بعض المؤرخين التحالف بين الجانبين الى سنة 1514م في أعقاب فتح عروج وخير لميناء "جيجل" حيث ارسل الأخوان الى السلطان سليم الأول مجموعة من النفائس التي استوليا عليها بعد فتح المدينة، فقبلها السلطان ورد لهما الهدية بإرسال أربع عشر سفينة حربية مجهزة بالعتاد والجنود( ) وكان هذا الرد من السلطان العثماني يعكس رغبته في استمرار نشاط دور الأخوين ودعمه. على أن بعض المؤرخين يذكرون أن الدعم العثماني لهذه الحركة كان في أعقاب وفاة "عروج" سنة 1518م وبعد عودة السلطان العثماني من مصر الى استانبول سنة 1519م( ). على أن الرأي الأكثر ترجيحاً أن الاتصالات بين العثمانيين وهذه الحركة كان سابقاً لوفاة عروج وقبل فتح العثمانيين للشام ومصر، وذلك يرجع الىأن الأخوين كانا في أمس الحاجة لدعم أو تحالف مع العثمانيين بعد فشلهما في فتح "بجاية" ، كما أنهما حوصروا في "جيجيل" بين الحفصيين الذين أصبحوا من أتباع الاسبان وبين "سالم التومي" حاكم الجزائر الذي ارتكز حكمه على دعم الأسبان له هو الآخر، فضلاً عن قوة الاسبان وفرسان القديس يوحنا التي تحاصرهم في البحر؛ فكان لوصول الدعم العثماني أثره على دعم دورهما وشروعهما في دخول الجزائر برغم هذه العوامل حيث اتفق العثمانيون مع الأخوين على ضرورة الإسراع بدخولهما قبل القوات الاسبانية لموقعها الممتاز من ناحية ولكي يسبقوا الاسبان إليها، لاتخاذها قاعدة لتخريب الموانئ الاسلامية الواقعة تحت الاحتلال الاسباني كبجابة وغيرها من ناحية اخرى. وقد تمكن عروج من دخول الجزائر بفضل هذا الدعم وقتل حاكمها بعد أن تأكد من مساعيه للاستعانة بالقوات الاسبانية، كما تمكن من دخول ميناء شرشال، واجتمع له الأمر في الجزائر وبويع في نفس السنة التي هزمت فيها القوات المملوكية أمام القوات العثمانية في الشام سنة 1516م في موقعة مرج دابق( ). ولم يكن من الممكن للأخوين أن يقوما بهذه الفتوحات لولا تشجيع السلطان العثماني ودعمه الى جانب دعم شعوب المنطقة وقد سبق أن فشلا من دخول بجاية أمام نفس القوات المعادية( ). بعد أن بويع "خير الدين" في الجزائر في أعقاب ماحققه من انتصارات على الأسبان والزعماء المحليين المتحالفيين معهم أصبح محط آمال كثير من الولايات والموانئ التي كانت مازالت خاضعة سواء للأسبان أو لعملائهم ، وكان أول الذين طلبوا نصرته أهل تلمسان. ومع أن استنجاد الأهالي كان من الممكن أن يكون كافياً لتدخل "خير الدين" إلا أن موقع تلمسان الاستراتيجي الذي كان يجعل وجود "خير الدين" في الجزائر غير مستتب قد جعله يفكر في التدخل قبل أن يطلب الأهالي نجدته، وأن مطالبهم قد دعته للتعجيل بذلك( ). وأعد "خير الدين" جيشاً كبيراً زحف به الى تلمسان سنة 1517م، وأمن الطريق إليها. وبعد أن نجح في السيطرة عليها تمكن الاسبان ، وعملاؤهم من بني حمود، من استعادتها ولقي أحد إخوة "خير الدين" حتفه وهو "اسحاق" ، كما قتل "عروج" وكثيرون من رجاله أثناء حصارهم للمدينة ذلك الحصار الذي أمتد لستة أشهر أو يزيد أمتد حتى سنة 1518م. وقد تركت هذه الأحداث أثراً بالغاً في نفس خير الدين مما دفعه الى التفكير في ترك الجزائر لولا أن أهلها ألحو عليه بالبقاء. وكانت موافقته على البقاء تفرض عليه ضرورة بذلك المزيد من الجهد خشية أن يهاجمه الاسبان ومؤيديهم، كما أن ذلك قد أدى الى أتجاهه الى مزيد من الارتباط بالدولة العثمانية، وبخاصة بعد أن والت لها مصر والشام، فكان ذلك يؤكد احتياج الجانبين الى مزيد من الارتباط بالآخر( ). رابعاً: سكان مدينة الجزائر يرسلون رسالة استغاثة للسلطان سليم الأول: قام الأستاذ الدكتور عبدالجليل التميمي بترجمة وثيقة تركية محفوظة في دار المحفوظات التاريخية باستنبول -طوب قابي سيراى- تحت رقم 4656، وهذه الوثيقة عبارة عن رسالة موجهة من سكان بلدة الجزائر على اختلاف مستوياتهم ومؤرخة في أوائل شهر ذي القعدة عام 925هـ، في الفترة من 26من شهر اكتوبر (تشرين الأول) الى 3 من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1519م، وكتبت بأمر من خير الدين الى السلطان سليم بعد عودته من مصر والشام الى استانبول وكان الغرض من تلك الرسالة ربط الجزائر بالدولة العثمانية. وجاء في الرسالة أن خير الدين كان شديد الرغبة في ان يذهب بنفسه الى استانبول ليعرض على السلطان سليم الأول شخصياً ابعاد قضية الجزائر. ولكن زعماء مدينة الجزائر توسلوا إليه أن يبقى فيها كي يستطيع مواجهة الأعداء إذا تحركوا. وطلبوا منه أن يرسل سفارة تقوم بالنيابة عنه وكانت الرسالة التي حملتها البعثة موجهة باسم القضاة والخطباء والفقهاء والأئمة والتجار والأعيان وكافة سكان مدينة الجزائر العامرة، وهي تفيض بالولاء العميق للدولة العثمانية وكان الذي يتزعم السفارة "الفقيه العالم الاستاذ أبو العباس احمد بن قاضي" وكان من أكبر علماء الجزائر ، كما كان قائداً عسكرياً وزعيماً سياسياً وكان بمقدوره أن يصور أوضاع بلاده والأخطار التي تحيط بها من كل جانب. لقد أشاد الوفد بجهاد بابا عروج في مدافعة الكفار وكيف كان ناصراً للدين وحامياً للمسلمين وتكلموا عن جهاده حتى وقع شهيداً في حصار الاسبانيين لمدينة تلمسان وكيف خلفه أخوه "المجاهد في سبيل الله أبو التقى خير الدين. وكان له خير خلف فقد دافع عنا ، ولم نعرف منه إلا العدل والإنصاف واتباع الشرع النبوي الشريف، وهو ينظر الى مقامكم العالي بالتعظيم والإجلال، ويكرس نفسه وماله للجهاد لرضاء رب العباد وأعلاء كلمة الله ومناط آماله سلطنتكم العالية مظهراً إجلالها وتعظيمها. على أن محبتنا له خالصة ونحن معه ثابتون ونحن وأميرنا خدام أعتابكم العالية. وأهالي أقليم بجاية والغرب والشرق في خدمة مقامكم العالي وإن المذكور حامل الرسالة المكتوبة سوف يعرض على جلالتكم مايجري في هذه البلاد من الحوادث والسلام)( ). إن الرسالة السابقة تبين للباحث آراء الجزائريين تجاه الدولة العثمانية وكان من تلك الآراء: - أن خير الدين يمثل الحاكم المسلم الأمثل في شمال افريقية، فهو يحترم وينفذ مبادئ الشريعة الاسلامية ويتخذ من العدل شرعة ومنهاجاً له في الحكم . - أن نشاطه يتركز في قيادة عمليات الجهاد ضد النصارى. - أنه يكن للدولة العثمانية وسلطانها كل تقدير واحترام. - تدل الرسالة على تماسك الجبهة الداخلية ووضوح الهدف أمام مسلمي الجزائر( ). خامساً: استجابة السلطان سليم الأول لأهل الجزائر: سارع السلطان سليم الى منح رتبة بكلر بك الى خير الدين بربروس وأصبح القائد الأعلى للقوات المسلحة في اقليمه ممثلاً للسلطان وبذلك أصبحت الجزائر تحت حكم الدولة العثمانية وأصبح أي اعتداء خارجي على أراضيها يعتبر اعتداء على الدولة العثمانية ودعم السلطان سليم هذا القرار بقرارات تنفيذية، إذ أرسل الى الجزائر قوة من سلاح المدفعية، وألفين من الجنود الانكشارية ومنذ ذلك الوقت (1519م) بدأ الانكشاريون يظهرون في الحياة السياسية والعسكرية في الأقاليم العثمانية في شمال افريقيا وأصبحوا عنصراً بارزاً ومؤثراً في سير الأحداث بعد أن كثر إرسالهم الى تلك الأقاليم، وأذن السلطان سليم لمن يشاء من رعاياه المسلمين في السفر الى الجزائر والانخراط في صفوف المجاهدين وقرر منح المتطوعين الذين يذهبون الى الجزائر الامتيازات المقررة للفيالق الإنكشارية تشجيعاً لهم على الانضمام الى كتائب المجاهدين ولقد هاجر سكان الأناضول الى الجزائر شوقاً الى عمليات الجهاد ضد النصارى ولقد ترتب على القرارات التي اصدرها السلطان سليم الأول عدة نتائج هامة كان من بينها: 1- دخول الجزائر رسمياً تحت السيادة العثمانية اعتباراً من عام 1519م ودعي للسلطان سليم على المنابر في المساجد وضربت العملة باسمه. 2- إن إرسال القوات العثمانية جاء نتيجة استغاثة أهل بلدة الجزائر بالدولة العثمانية واستجابة لرغبتهم فلم يكن دخول القوات العثمانية غزواً أو فتحاً عسكرياً ضد رغبة أهل البلد. 3- إن إقليم الجزائر كان أول أقليم من أقاليم شمال أفريقيا يدخل تحت السيادة العثمانية ، وأصبحت الجزائر ركيزة لحركة جهاد الدولة العثمانية في البحر المتوسط( ) وكانت حريصة على امتداد نفوذها بعد ذلك الى كل اقاليم الشمال الأفريقي لتوحيده تحت راية الاسلام والعمل على تخليص مسلمي الأندلس من الأعمال الوحشية التي كان يقوم بها الاسبان النصارى. لقد كان زمن السلطان سليم البداية المتواضعة لمد النفوذ العثماني الى أقاليم شمال أفريقية من أجل حماية الاسلام والمسلمين وواصل ابنه سليمان ذلك المشروع الجهادي. لقد استجاب السلطان العثماني سليم لنداء الجهاد من أخوة الدين وشرعت الدولة العثمانية في انشاء أسطول ثابت لهم في شواطئ شمال أفريقيا والذي ارتبط منذ البداية باسم الأخوين عروج وخير الدين بربروسة( ). سادساً: التحديات التي أمام خير الدين: كان أمام خير الدين بربروس في وضعه السياسي والعسكري الجديد أن يحارب على جبهتين: 1- الجبهة الاسبانية لطرد الاسبانيين من الجيوب التي أقاموها فضم إليه عنابة وقالة في شرقي الجزائر وحقق انتصاراً باهراً على الإسبانيين حين استولى عام 1529م على حض بينون الاسباني على الجزيرة المواجهة لبلدة الجزائر وقد كان قد استمر يقصف الحصن بقذائف مدافعه طوال عشرين يوماً حتى تداعت جوانبه، ثم اقتحم الحصن مع قوات كثيفة العدد كانت تحملها خمس وأربعون سفينة جاءت من الساحل وأسر قائد الحصن مع كبار ضباطه. إن استيلاء خير الدين على البينون سنة 1529م يعد بداية تأسيس ما عرف باسم نيابة الجزائر ومنذ ذلك التاريخ أصبح ميناء الجزائر عاصمة كبرى للمغرب الأوسط بل ولكل شمال افريقية العثمانية فيما بعد. وبدأ استخدام مصطلح الجزائر للدلالة على إقليم الجزائر حتى نهاية القرن الثامن عشر. 2- الجبهة الداخلية وكانت تتمثل في محاولة توحيد المغرب الأوسط التي لم تخلوا من مؤامرات بني زيان والحفصيين ومن بعض القبائل الصغيرة ولكنه استطاع مد منطقة نفوذه باسم الدولة العثمانية ودخلت الامارات الصغيرة تحت السيادة العثمانية لكي تحتمي بهذه القوة من الأطماع الصليبية الاسبانية ومن قهرها على اعتناق النصرانية ومالبث أن مد خير الدين النفوذ العثماني الى بعض المدن الداخلية الهامة مثل القسطنطينية( ). لقد نجح خيرالدين في وضع دعامات قوية لدولة فتية في الجزائر وكانت المساعدات العثمانية تصله بإستمرار من السلطان سليمان القانوني واستطاع خير الدين أن يوجه ضرباته القوية للسواحل الاسبانية وكانت جهوده مثمرة في انقاذ آلاف المسلمين من اسبانيا فقد قام عام 936هـ/1529م بتوجيه ست وثلاثون سفينة خلال سبع رحلات الى السواحل الاسبانية للدولة العثمانية في الحوض الغربي للبحر المتوسط وبفضل الله ثم مساعدات الدولة العثمانية وموارد خزينة الجزائر المتنوعة من ضرائب وسبي ومغانم وزكاة والعشر والجزية والفيء والخراج ومايقوم به الحكام ورؤساء القبائل والعشائر من دفع العوائد وغيرها أصبحت دولة الجزائر لها قاعدة اقتصادية قوية( ). لقد تضررت اسبانيا من نجاح خير الدين في الشمال الإفريقي وكانت إسبانيا يتزعمها شارل الخامس إمبراطور الدولة الرومانية المقدسة والتي كانت تضم وقتذاك إسبانيا وبلجيكا وهولندا وألمانيا والنمسا وإيطاليا وكانت الدولة الرومانية المقدسة تدافع عن أوربا المسيحية الخطر العثماني نحو شرق ووسط أوربا، لذا يمكن القول بأن الصراع بين شارل الخامس وبين ببليربكية الجزائر كان بمثابة فتح جبهة حربية جديدة ضد الدولة العثمانية في الشمال الإفريقي، لذلك لم يكتف شارل بالهجوم المفاجئ على سواحل الجزائر، بل أرسل مبعوثاً للتجسس في شمال افريقيا سنة 940هـ / 1533م وهو الضابط ( أوشوا دوسلا ) الذي طاف بأنحاء تونس وهناك وجد استعداد الحفصيين للتعاون مع شارل الخامس، وحذر من امتداد النفوذ العثماني على تونس، وذكر أن هذا الإستيلاء سيسهل على العثمانيين السيطرة على افريقيا، ثم يتجهون بعد ذلك لاسترداد الأندلس، وهذا مايخشاه العالم المسيحي. كانت سياسة المملكة الحفصية في تونس تسير نحو انحطاط مستمر، كان السلطان الحفصي الحسن بن محمد قد أساء السيرة في البلاد وقتل عدداً من أخوته، فاضطربت الأحوال في تونس وخرج البعض عن طاعة السلطان الحفصي، وكان أخو الحسن المسمى بالأمير الرشيد قد هرب من أخيه خوفاً من القتل ولجأ عند العرب في البادية، ثم ذهب إلى خير الدين في الجزائر وطلب منه الحماية والعون ضد أخيه( ) ، فمنحه ذلك خير الدين، الذي كان مركزاً اهتمامه على تونس بسبب ضعف الحفصيين والخلافات الداخلية التي مزقت الأسرة الحفصية، كما كان لتونس في نظره أهمية استراتيجية كبيرة لاشرافها على المضيق الصقلي بحيث تسمح له السيطرة عليها في تحديد وقطع المواصلات بين حوضي المتوسط الشرقي والغربي بالإضافة إلى رغبة خير الدين في توحيد بلاد المغرب تحت حكم الدولة العثمانية ليتمكنوا من استرداد الأندلس( ).

سابعاً: سفر خير الدين إلى استنبول عزم السلطان سليمان القانوني بعد أن استولى على بلغراد، السفر بسائر جنوده إلى اسبانيا للاستيلاء عليها، وبدا للسلطان سليمان، أنه لابد له من رجل يعتمد عليه في دخول تلك البلاد على أن يكون عالماً بأحوالها فوقع اختياره على خير الدين لما يعرفه عنه من شجاعة وإقدام، وكثرة هجومه على تلك النواحي، وما فتحه من بلاد العرب في الشمال الإفريقي وكيف أقر الحكم العثماني فيها، فوجه إليه خطابا يطلبه فيه إلى حضرته ويأمره باستنابة بعض من يأمنه في الجزائر، وأن لم يجد من يصلح لذلك، يبعث إليه السلطان نائباً وبعث ذلك الخطاب مع رجل يدعى سنان جاوشي، فوصل الجزائر، وأوصل خطاب السلطان إلى خير الدين فقبله ووضعه فوق رأسه ولما قرأه وعلم ما فيه نصب ديواناً عظيماً، وأحضر كافة العلماء والمشايخ وأعيان البلاد، وقرأ عليهم خطاب السلطان، الذي وجهه إليهم وأعلمهم أنه لايمكنه التخلف عن أمره، وعندما سمع اندريا دوريا زعيم الأسطول النصراني في البحر المتوسط بما عزم السلطان عليه من فتح اسبانيا واستقدام خير الدين من الجزائر لذلك، أراد أن يشغل خير الدين من سفره إلى حضرة السلطان( ) ، وأشاع بين الأسرى المسيحيين في الجزائر، عن عزم الحكومة الاسبانية في الهجوم على الجزائر، وتخليصهم من الأسر، ففرح الأسرى الاسبان لذلك الخبر وتمردوا على خير الدين، الذي رأى أن من المصلحة العامة اعدام اولئك الأسرى ليأمن غائلتهم، ثم قام بتقوية الاستحكامات في الجزائر وزاد من عدد القلاع مظهراً أتم الطاعة للسلطان( ) . عزم خير الدين على السفر الى استنابول 940هـ / 1533م، وعين مكانه حسن آغا الطوشي، وكان رجلاً عاقلاً وصالحاً، صاحب علم واسع( ). أبحر خير الدين شرقاً في البحر المتوسط وبرفقته أربع وأربعين سفينة وهزم في طريقه فرقة من اسطول آل هابسبرج بالقرب من المورة( ) ، واستمر خير الدين في رحلته ووصل إلى مدينة بيروازن، وفرح أهالي المدينة لمقدمه وكانوا خائفين من هجوم اندريا دوريا، الذي ابتعد عندما سمع بمقدم خير الدين، ثم واصل خير الدين سفره، ورست مراكبه في قلعة اوارين " انا وارنيه " ، فصادف هنالك اسطولاً للسلطان سليمان القانوني وفرحوا بذلك، ثم خرجوا جميعاً حتى وصلوا إلى قرون، ثم كتب خير الدين إلى السلطان يعلمه بوصوله ويستأذنه بالقدوم على حضرته، فوجه إليه السلطان خطاباً يستحثه بالقدوم عليه( ) ، اقلع خير الدين من قرون ولم يزل مسافراً حتى وصل إلى استانبول ورسا بها ورموا بالمدافع كما هي العادة في ذلك، ومثل خير الدين بحضرة السلطان ووقف بين يديه، فأمر بأن يخلع عليه وعلى خواص أصحابه الجرايات الوافرة، وأنزلهم بقصر من قصوره وفوض إليه النظر في دار الصناعة( ) ، ومنحه لقب قبودان باشا وزير بحرية - حتى تظل له السلطة الكاملة لمساندة النظام في الجزائر لتحقيق هدف الدولة في استعادة الأندلس. كان الصدر الأعظم في ذلك الوقت بمدينة حلب، فسمع بقدوم خير الدين على السلطان وقد كانت أنباء غزواته ونكايته بالمسيحيين تصل إليه، فاشتاق إلى لقاء خير الدين، فوجه خطاباً للسلطان يلتمس منه أن يوجه إليه خير الدين لمقابلته فأرسل السلطان إلى خير الدين مخبراً عن رغبة الصدر الأعظم فأجابه خير الدين بالموافقة، وسافر خير الدين متوجهاً إلى حلب، واحتفل الصدر الأعظم بمقدم خير الدين في حلب وأنزله في بعض القصور المهيبة، وفي اليوم الثاني من وصول خير الدين، وصل مبعوث من قبل السلطان ومعه خلعة وأمر بمقتضاه أن خير الدين من وزراء السلطان، ويلبس الخلعة فنصب الديوان الأعظم وألبسوه خلعة الوزارة واحتفل به احتفالاً مهيباً، وأكرم إكراماً عظيماً لما قدمه من خدمات للإسلام والمسلمين في حوض البحر المتوسط. ثم رجع خير الدين إلى استنبول وأكرمه السلطان سليمان غاية الإكرام وشرع خير الدين في النظر في أمر دار الصناعة كما رسم له السلطان( ). وبعد أن تم إعداد الأسطول العثماني الجديد خرج خير الدين بربروسا بأسطوله القوي من الدردنيل متجهاً نحو سواحل ايطاليا الجنوبية، فاستطاع أن يأسر الكثير منها، وأغار على مدنها وسواحلها، ثم اتجه نحو جزيرة صقلية، فاسترجع كورون وليبانتو( )، كان السلطان سليمان قد تشاور مع خير الدين بربروسا بأهمية تونس وضرورة دخولها في إطار استراتيجية الدولة العثمانية، لتحقيق هدفها نحو استرداد الأندلس، وتأتي أهمية تونس بالنسبة للدولة من حيث موقعها الجغرافي إذ تقع في منتصف الساحل الشمالي لأفريقيا، وتوسطها بين الجزائر وطرابلس، ولقربها من إيطاليا التي تعتبر أحد جناحي الإمبراطورية الرومانية المقدسة، بينما يمثل الجناح الآخر اسبانيا، علاوة على ذلك مجاورتها لجزيرة مالطة مقر فرسان القديس يوحنا حلفاء الإمبراطور شارل الخامس، وأشد الطوائف المسيحية عداوة للمسلمين ثم الامكانيات الهائلة التي تتيحها موانئ تونس في التحكم في المواصلات البحرية في البحر المتوسط وهكذا تضافرت تلك العوامل على اضفاء الأهمية العسكرية على تونس( ). كانت المرحلة الثانية بالنسبة لخير الدين بعد هجومه على السواحل الجنوبية لإيطاليا وجزيرة صقلية هي تونس، وذلك لتنفيذ خطة الدولة، والتي تقتضي تطهير شمال افريقيا من الاسبان كمقدمة لاستعادة الأندلس، إذ سبق وأن أشار خير الدين بربروسا على السلطان سليمان القانوني في خطابه للسلطان الذي بعثه قبيل استدعاء السلطان له في 940هـ / 1533م، إذ قال فيه " ... إن هدفي إذا قدر لي شرف الاشتراك هو طرد الاسبان في أقصر وقت من أفريقيا، ومن الممكن أن تسمع بعد ذلك أن المغاربة قد أغاروا على الاسبان من جديد ليستعيدوا مملكة قرطاجة وأن تونس قد أصبحت تحت سلطانك أنني لا أبغي من وراء ذلك أن أحول بينك وبين توجيه قواتك ناحية المشرق كلا ... لأن هذا لن يحتاج لكل ما تملك من قوات ولاسيما أن حروبك في آسيا أو أفريقيا تعتمد أكثر ما تعتمد على قوات برية، أما هذا الجزء الثالث من العالم فإن كل ما أطلبه هو جزء من أسطولك وسيكون ذلك كافياً، لأن هذا الجزء يجب أن يخضع لسلطانك أيضاً ... ( ). وصل الأسطول العثماني تحت قيادة خير الدين إلى السواحل التونسية فعرج على مدينة عنابة، وتزود ببعض الامدادات، ثم تقدم نحو بنزرت ثم اتجه إلى حلق الواد، إذ تمكن منها بدون صعوبة( ) ، واستقبل خير الدين من قبل الخطباء والعلماء، وأكرموه وتوجهوا إلى تونس في نفس الوقت وهرب السلطان الحفصي الحسن بن محمد إلى اسبانيا( ) ، ثم عين خير الدين الرشيد أخو الحسن بن محمد على تونس، وأعلن ضم تونس للأملاك العثمانية، في وقت بدت فيه سيادة العثمانيين في حوض البحر المتوسط الغربي( ) . ثامناً: أثر جهاد خير الدين على المغرب الأقصى استفاد السلطان أحمد الأعرج السعدي من الجهود التي بذلتها الدولة العثمانية والشعب الجزائري بقيادة خير الدين بربروسا، فقام بمحاصرة مدينة آسفي بأزمور وذلك سنة 941هـ/ 1534م، وكادت المدينة أن تقع بيد السعديين لولا النجدات التي بعثها البرتغاليون للمدينة المحاصرة، وقد بدا وكأن تعاوناً قد حصل بين العثمانيين والقوى الإسلامية في المغرب ضد المسيحيين ومراكزهم في الشمال الأفريقي وعندما سمع الملك البرتغالي جان الثالث بوصول الأسطول العثماني في 3 ربيع الأول 941هـ/ 13 سبتمبر؟ بقيادة خير الدين بربروسا إلى الشمال الأفريقي، فكر في الجلاء عن بعض المراكز مثل سبته وطنجة باعتبارها مناطق حيوية للدفاع عن مصالح المسيحيين في غرب البحر المتوسط، ولصد الهجوم العثماني عن شبه الجزيرة الايبرية بعث الملك يوحنا الثالث استفتاء الى جميع الوجهاء والأعيان والأساقفة في بلاده يستشيرهم في موضوع الجلاء عن بعض مراكز الوجود البرتغالي في جنوبي المغرب، وكان المطلوب الاجابة على الأسئلة الآتية: هل ينبغي ترك آسفي وأزمور للمغاربة، هل ينبغي الجلاء عنهما أو عن بعضهما؟ وإذا كان ينبغي الاحتفاظ بهما هل تحول إلى حصون للتقليل من حجم المصروفات؟ ثم ماهي الأضرار الناتجة عن ذلك؟ وكيف نتفاداها؟ . تلقى الملك البرتغالي أجوبة عديدة بين مؤيد في الابقاء على المناطق الجنوبية في حوزة البرتغاليين وبين معارض، وكانت أجوبة رجال الدين للملك جان الثالث موحدة تقريباً تضمنت النصح بالتخلي عن المراكز الجنوبية، يحول الملك كل وسائل الدفاع الموجودة هناك إلى المركز الشمالي لصد الخطر العثماني بقيادة خير الدين بربروسا فأسقف ينصح بإخلاء سانتاكروز وأسفي وأزمور لأن أهميتها أقل بكثير من النفقات التي تصرف عليها، ويرى توجيه القوى ضد فاس، كما ينصح بتحسين وسائل الدفاع عن سبتة خوفاً من هجوم خير الدين عليها( ). إن الوجود العثماني في الجزائر أثر على موقف الملك البرتغالي في المغرب إذ تراجع عن القيام بعمليات عسكرية فيه، كما أدخل استيلاء العثمانيين على تونس الحيرة لدى البابا، والإمبراطور شارل الخامس الذي اعتبر ذلك تهديداً مباشراً للمسيحية، ولخطوط مواصلاته البحرية مع أطراف مملكته( ) ، فوصل التهديد العثماني أقصاه فضلاً عن أن الدولة العثمانية ضمنت السيطرة على الممرات الضيقة بين صقلية وأفريقيا( ). تاسعاً: استيلاء شارل الخامس على تونس كان الموقف ملائماً بالنسبة لاسبانيا وذلك للقيام برد عنيف فقد انشغلت الدولة العثمانية بالحرب مع الشيعة الروافض في بلاد فارس، وطغى على الصراع في أوربا ووعد فرنسوا الأول ملك فرنسا شارل الخامس بالحياد - تردد شارل في اختيار المكان الذي سيوجه إليه ضربته في شمال أفريقيا الجزائر أو تونس ولكن استنجاد السلطان الحفصي الحسن بن محمد والرغبة في عزل استانبول دفع شارل الخامس إلى اختيار تونس للهجوم( ) قاد شارل الخامس عملية بحرية شاقة تكونت من ثلاثين ألف مقاتل اسباني وهولندي وألماني ونابولي وصقلي، على ظهر خمسمائة سفينة، وركب الأمبراطور البحر من ميناء برشلونة وعندما رست سفنه أمام تونس قامت المعارك العنيفة بين الطرفين( )، الأمر الذي أعاد السيطرة الاسبانية على تونس في 942هـ/1535م( ) إذ لم تكن قوة خير الدين بكافية للرد على ذلك الهجوم، فكان الجيش الاسلامي تعداده سبعة آلاف جندي عثماني وصلوا مع خير الدين ونحو خمسة آلاف تونسي، كما تخلف الأعراب عن الجهاد فكانت النتيجة الحتمية أن استولى شارل على معقل حلق الوادي مرسى تونس، تونس( )، ونصب الاسبان الحسن بن محمد حاكماً عليها، وعملاً بمنطوق المعاهدة كان الحسن بن محمد سيسلم بونه والمهدية الى شارل الخامس، فاستولى على بونة، وبما أن المهدية كانت في حوزة العثمانيين ، فإن الحسن لم يستطع الوفاء بعهده فاشترط الاسبان عليه أن يكون حليفاً ومساعداً لفرسان القديس يوحنا بطرابلس( )، وأن يقوم بمعاداة العثمانيين وأن يتحمل نفقات ألفي اسباني على الأقل يتركون كحامية في قلعة حلق الواد وعاد شارل الخامس الى اسبانيا واستقبل استقبال الغزاة الفاتحين في الوقت الذي كان فيه السلطان يحارب فيه الدولة الصفوية الشيعية الرافضية لبلاد فارس( ). عاشراً: عودة خير الدين إلى الجزائر : عاد خير الدين إلى الجزائر بعد هزيمته في تونس، واستقر أول الأمر بمدينة قسطنطينية، ومن هناك أخذ يستعد لاستئناف الجهاد ضد الاسبان في الجبهات التي يحددها، وكان لزاماً على خير الدين وقد استقر مؤقتا بمدينة الجزائر نظراً لالتزاماته التي تفرضها عليه خطته الجديدة كقبودان باشا للأسطول الإسلامي العثماني أن يشعر شارل الخامس بوجوده، وأن يرد على ضربة تونس بضربة مثلها فقام بالهجوم على جزر البليار الاسبانية وعلى سواحلها الجنوبية، فاجتاز مضيق جبل طارق، وأطلق العنان لنفسه بالانقضاض على السفن الاسبانية والبرتغالية العائدة من الأراضي الأمريكية، والمحملة بالذهب والفضة، فاهتزت لتلك الأحداث جميع الأوساط المسيحية، وأقلقت شارل الخامس الذي اعتقد أن خير الدين لن يقوى شأنه بعد حادثة تونس السابقة في 942هـ / 1935م( )، من ناحية أخرى دخلت الدولة العثمانية في تحالف ر سمي مع فرنسا في 943هـ/1536م، ويعتبر ذلك هو رد الفعل على الهجوم المضاد الذي قام به الاسبان على تونس( ) وبدا وكأن الإمبراطورية الرومانية المقدسة قد طوقت من قبل خصومها الفرنسيين والعثمانيين مما أدى إلى استئناف الحروب بينهما من جديد كما صارت أهداف اسبانيا والبرتغال واحدة وذلك في احتلال مراكز في بلاد المغرب بالاضافة إلى خوفهم من تقدم العثمانيين داخل شبه الجزيرة الايبيرية. الدبلوماسية البرتغالية وتفتيت وحدة الصف في الشمال الأفريقي : تلقى الملك أحمد الوطاس هزيمة 943هـ/1536م من السعديين في موقعة بير عقبة قرب وادي العبيد، بسبب تخلي قبائل الخلوط التي كادت تكون القوة الأمامية للجيش الوطاسي، ونشرت الفوضى في سائر الجيش وأثر هذه الهزيمة تقرب أحمد الوطاسي من البرتغال وذلك نتيجة شعوره بانشغال العثمانيين في حروبهم ضد الاسبان ووقع معهم معاهدة لمدة أحد عشر عاماً( ) تقضي بوضع المغاربة المقيمين في ضواحي أصيلا وطنجة والقصر الصغير تحت السلطة القضائية لملك فاس، كما يجوز لرعايا الملك الوطاسي المتاجرة بحرية داخل تلك المناطق باستثناء تجارة الأسلحة والبضائع المحظورة وإذا وصلت مراكب عثمانية أو فرنسية أو تابعة لمسيحيين من غير الاسبان ولا البرتغاليين إلى أراضي برتغالية، محملة بغنائم أخذت من المغاربة فلن يشتري منها شيء، وكذلك الحال بالنسبة للمغاربة لن يشتروا من العثمانيين ويتم الاسيتلاء على الغنائم وترد من طرف لآخر مالم يسمح قوات العدو في مهاجمتها( ). حاول البرتغاليون كذلك عقد هدنة مع السعديين، فبعثوا وفداً إلى مراكش للتفاوض مع المولى أحمد الأعرج الذي استجاب لذلك، لأنه كان في حاجة إلى تنظيم أمور دولته الناشئة سيما بعد الانتصارات التي حققها ضد خصومه الوطاسيين في موقعة بير عقبة 943هـ/1536م، واتفق البرتغاليون مع السعديين لعقد هدنة بينهما في 25 ذي القعدة 944هـ/ 25ابريل 1537م لمدة ثلاث سنوات، مع إقامة تبادل تجاري بين رعايا الطرفين( ) كان هدف البرتغاليين من التقرب مع الوطاسيين والسعديين هو الحيلولة دون قيام تعاون حقيقي بين العثمانيين من ناحية والوطاسيين والسعديين من ناحية أخرى، لأن أي تعاون من هذا القبيل معناه تهديد لمصالح شبه الجزيرة الايبرية في المغرب، والأهم من ذلك خوف اسبانيا والبرتغال من تقدم الدولة العثمانية داخل شبه الجزيرة الايبرية، وتحقيق هدفها في استرداد الأندلس( ).


المبحث الخامس: المجاهد الكبير حسن آغا الطوشي

اشتغل خير الدين بربروسا بحكم منصبه قبودان باشا بالعمل في الأسطول العثماني وبدأ نشاطه في الحوض الشرقي للبحر المتوسط، بينما استمر حسن آغا الطوشي في منصبه المستخلف عليه نائب البيلر بك يعمل على قهر القرصنة الأوربية فأبلى في سبيل ذلك البلاء الحسن، وصار شخصه في الجزائر مثالاً بارزاً في البطولة والتضحية الإسلامية في سبيل الدفاع عن بلاد الإسلام في الشمال الإفريقي فاكتسب الجزائر مهابة وجلالاً وجعلت الأمم المسيحية تهرع على عاهلها الأكبر الإمبراطور شارل الخامس مستنجدة بسلطانه منضوية تحت لوائه، ومن بينها البابا بول الثالث، وقد حاول شارل الخامس 946هـ/1539م عقد هدنة مع خير الدين إلا أنه خاب أمله( ) ، مثل ما خاب في محاولته السابقة عندما عرض على خير الدين سراً الاعتراف به حاكماً لشمال افريقيا مقابل جزية بسيطة، إذ كان شارل الخامس يأمل في قيام تحالف اسباني جزائري يجابه به التحالف الفرنسي العثماني ويعمل على فصل شمال افريقيا عن استنبول على أمل أنه إذا تحقق ذلك فلن تستطيع شمال افريقيا إبداء مقاومة قوية يكون من السهل سقوطها( ). انهمك حسن آغا الطوشي في توطيد الأمن، ووضع الأسس للإدارة المستقرة ومحاولة جمع أطراف البلاد حول السلطة المركزية الجزائرية( ) ، فأخضع مدينة مستغانم لدولته ثم تقدم نحو الجنوب الشرقي فاستولى على عاصمة الزاب بكرة وملحقاتها، وشيد هناك حصناً وأقام به حامية. ركب الجيش العثماني في شهر جمادي الأول 949هـ/ سبتمبر 1539م البحر، وكان قوامه 1300 رجل ، على ظهر ثلاث عشرة سفينة واندفعوا عنها من الاسبان نزل حسن آغا وجيشه إلى البر فاحتل البلدة وتمكن منها، واستحوذ على مافيها من خيرات وأرزاق وغنائم للمسلمين وتوغل في جهات الساحل الاسباني الجنوبي، وغنم ماوقع تحت يده من أموال ومتاع الاسبان ويختار من بينهم جماعات من الأسرى والسبايا يسوقهم للبيع في المدن المغربية الشمالية خاصة تطوان ثم يعود للميدان وعندما أراد الرجوع إلى الجزائر اعترضت طريقه عمارة اسبانية كبيرة العدد، وقامت المعركة بين القوتين وكانت عنيفة قاسية، أسفرت عن غرق عدد من سفن الجانبين ومع ذلك كانت خسائر الاسبان في هذه المعركة عظيمة( ). عزم شارل الخامس على القيام بحملة عسكرية تستهدف القضاء على حركة الجهاد الإسلامي في الحوض الغربي للبحر المتوسط وقبل أن يشرع في تنفيذها كان هدوءاً نسبياً يسود القارة الأوربية إثر عقد هدنة نيس في محرم 945هـ/ يونيو 1538م مع فرنسا والتي كانت مدتها عشر سنوات( ) رسا شارل الخامس أمام مدينة الجزائر في يوم الثامن والعشرون من شهر جمادي الأخيرة سنة 948هـ الموافق الخامس عشر من شهر اكتوبر 1541م وعندما شاهده حسن آغا الطوشي، اجتمع في ديوانه مع أعيان الجزائر وكبار رجال الدولة، وحثهم على الجهاد والدفاع عن الإسلام والوطن قائلاً لهم " ... لقد وصل العدو عليكم ليسبي أبناءكم وبناتكم، فاستشهدوا في سبيل الدين الحنيف... هذه الأراضي فتحت بقوة السيف ويجب الحفاظ عليها، وبعون الله النصر حليفنا، نحن أهل الحق... "، فدعا له المسلمون وأيدوه في جهاد العدو، ثم بدأ حسن آغا في إعداد جيوشه والاستعداد للمعركة( ). من ناحية أخرى بدأ الاسبان في تحضير متاريسهم وتعجب شارل الخامس لاستعدادات حسن آغا وأراد أن يستهزئ به، فأمر كاتبه بإعداد خطاب لحسن آغا جاء فيه " ... أنت تعرفني أنا سلطان .. كل ملة المسيحيين تحت يدي إذا رغبت في مقابلتي سلمني القلعة مباشرة.. أنقد نفسك من يدي وإلا أمرت بإنزال أحجار القلعة في البحار، ثم لا أبقي عليك ولاسيدك ولا الأتراك، وأخرب كل البلاد... " وصل ذلك الخطاب إلى حسن آغا وأجاب عليه "...أنا خادم السلطان سليمان ... تعالى واستلم القلعة ولكن لهذه البلاد عادة، أنه إذا جاءها العدو، لايعطي إلا الموت "( ) ، وفي رواية : ( غزت اسبانيا الجزائر في عهد عروج مرة، وفي عهد خير الدين مرة، ولم تحصل على طائل، بل انتهبت أموالها وفنيت جنودها، وستحصل المرة الثالثة كذلك إن شاء الله "( ). وفي الليلة ذاتها، وصل إلى معسكر شارلكان رسول من قبل والي الجزائر يطلب إذناً للسماح بحرية المرور لمن أراد من أهل الجزائر وخاصة نساءها وأطفالها مغادرة المدينة عبر ( باب الواد ) وعرف ( شارلكان ) أن حامية الجزائر مصممة على الدفاع المستميت، وأنه من المحال احتلال الجزائر إلا إذا تم تدميرها تدميراً تاماً. ولم يكن الإمبراطور قد أنزل مدفعية الحصار حتى تلك الساعة، فلم يتمكن بذلك من قصف الجزائر بالمدفعية، وفي الوقت نفسه كان المجاهدون يوجهون ضرباتهم الموجعة إلى القوات الاسبانية، في كل مكان، حتى قال أحد فرسان مالطة في تقريره عن المعركة: " لقد أذهلتنا هذه الطريقة في الحرب، لأننا لم نكن نعرفها من قبل "( ). وكانت أعداد المجاهدين تتعاظم باستمرار بفضل تدفق مقاتليهم من كل مكان بمجرد سماعهم بإنزال القوات الاسبانية وكان المجاهدون يستفيدون في توجيههم لضرباتهم من معرفتهم الدقيقة بالأرض واستخدامهم لمميزاتها بشكل رائع وسخر الله لجنود الإسلام الأمطار والرياح والأمواج ( وهبت ريح عاصف استمرت عدة أيام واقتلعت خيام جنود الحملة وارتطمت السفن بعضها ببعض مما أدى إلى غرق كثير منها وقذفت الأمواج الصاخبة ببعض السفن إلى الشاطئ وهجم عليها المدافعون المسلمون واستولوا على أدواتها وذخائرها، أما الأمطار فقد أفسدت مفعول البارود. وفي وسط هذه الكوارث حاول الإمبراطور مهاجمة مدينة الجزائر، إلا أن كل محاولاته باءت بالفشل .. )( ) وظهرت بطولات رائعة من القائد ( الحاج البشير ) الذي استطاع بجنوده أن يحصد رؤوس النصارى بشجاعة فائقة، وبسالة نادرة، وبطولة رائعة لقد استطاعت القيادة العسكرية الجزائرية أن تستفيد من الوضع المحيط بالنصارى، ووجهت جنودها بطريقة متميزة في الكر والفر أفنت جزءاً كبيراً من الأعداء واضطر الإمبراطور إلى الانسحاب مع بقية جنوده على ما تبقى لهم من سفن واتجه بأسطوله إلى إيطاليا بدلاً من اسبانيا وكان من العوامل التي ساعدت على إلحاق هذه الهزيمة بالإمبراطور، القيادة الرشيدة والتفاف الشعب الجزائري حولها وتدفق رجال القبائل إلى ساحة الوغى طلباً للشهادة في سبيل الله، ودفاعاً عن الإسلام والمسلمين، وقد شبه أهل الجزائر هذه الهزيمة بهزيمة أصحاب الفيل التي ورد ذكرها في القرآن الكريم فقالوا في رسالة وجهوها إلى السلطان سليمان إن الله سبحانه وتعالى عاقب شارل الخامس وجنوده " بعقاب أصحاب الفيل، وجعل كيدهم في تضليل، وأرسل عليهم ريحاً عاصفاً وموجاً قاصفاً، فجعلهم بسواحل البحر مابين أسير وقتيل، ولانجا منهم من الغرق إلا قليل "( ). لقد قام سكان الجزائر - سواء أهل الأقليم الأصليين أو مسلمي الأندلس الذين فروا بدينهم إلى الجزائر - بعثوا برسالة في الشهر التالي لهزيمة شارل الخامس إلى السلطان سليمان وقد أوضحت هذه الرسالة الأحوال المؤلمة والمفجعة التي تحيط بالمسلمين الذين احتفظوا بدينهم في إسبانيا بعد أن طويت صفحة الحكم الإسلامي في الأندلس وتعرضهم لاضطهاد السلطات المسيحية ولمحاكمات ديوان التحقيق - محاكم التفتيش وإحراقهم، وأشادت الرسالة بالخدمات الجليلة التي أداها للإسلام خير الدين باشا " المجاهد في سبيل الله، وناصر الدين، وسيف الله على الكافرين ". ومضت الرسالة تقول إن أهل الأندلس قد سبق لهم أن استغاثوا به فأغاثهم " وكان سبباً في خلاص كثير من المسلمين من أيدي الكفرة المتمردين ونقلهم إلى أرض الإسلام " وأصبحوا من رعايا الدولة العثمانية المخلصين. وحددت الرسالة مطلبين أساسيين: 1- إرسال نجدات عسكرية " لنصرة الجزائر، لأنها سياج لأهل الإسلام، وعذاب وشغل لأهل الكفر والطغيان، وهي موسومة باسمكم الشريف، وتحت إيالة مقامكم المنيف، وقد أصبحت القلوب المنكسرة بها عزيزة، والرعية المختلفة بها مؤتلفة أليفة "( ). 2- إعادة خير الدين باشا إلى منصبه السابق - بكلر بك الجزائر - " فهو المتمثل لأوامر مولانا، لأنه أحيا هذا الوطن، وأرعب قلوب الكفار وخرب ديار المردة والفجار، .... وإنه لهذا الوطن نعم ناصر، وجميع أهل الشرك منه خائف وحائر "( ) . وصل خير الدين بربروسا إلى مدينة الجزائر للاسهام في الدفاع عنها توفيق الله للمسلمين وسواعدهم قد قضت على أسطول الاسبان فاكتفى بتفقد أمور البليربكية واطلع على سير الأمور فيها، ثم انطلق بأسطوله نحو البلاد الاسبانية يذيقها العذاب الأليم، وأنعم السلطان سليمان على حسن آغا الطوشي برتبة الباشوية، لدوره الفعال في النصر وخلى البحر المتوسط تقريباً من الأساطيل الأسبانية التي كانت تضمد جراحها وتحاول استرجاع قوتها، فانطلقت السفن العثمانية نحو السواحل الاسبانية والايطالية وتوالت هنالك الغزوات وساد الرعب والفزع تلك النواحي التي بقيت مفتوحة في وجه العثمانيين يتوغلون داخلها ويغنمون مافيها( )، كما صارت الدولة الأوربية تعمل للعثمانيين حساباً، فاهتز بذلك مركز الاسبان في وهران وغيرها من مناطق نفوذهم في الشمال الافريقي( )، وحقق السعديون على صعيد آخر نصراً كبيراً على البرتغاليين وفتحوا حصن سانتاكروز، وما أن علم الملك البرتغالي جان الثالث بهذا الخبر حتى أمر حاميات آسفي وأزمور بالجلاء فوراً عنها، وقد وجه الملك جان الثالث في هذا الشأن إلى سفيره بمدريد رسالة مؤرخة في الثاني والعشرين رمضان 948هـ/ ديسمبر سنة 1541م، يطلع فيها الامبراطور الاسباني شارل الخامس، حيث جاء فيها ذكر للاسباب التي اجبرت البرتغال على اتخاذ قرار الجلاء عن قاعدتي لاسفي وأزمور فبالاضافة إلى موقعها الحرج هناك تزايد قوات السعديين بفضل المساعدات العثمانية، حيث صار الحاكم السعدي يملك المدفعية العثمانية، والآلات الحربية، وعلى جنود مدربين وظهرت تلك الإمدادات عند حصار سانتاكروز، مما جعل الاحتفاظ بهذين المركزين أمراً شاقاً وصعباً، ثم أن الجلاء عن أسفي وأزمور ليس معناه التخلي عن المغرب، فقد أعطيت الأوامر لتحصين مازكان لسهولة استغلال مينائها طوال أيام السنة( )، يظهر من ذلك مدى اهتمام الدولة العثمانية في تقديم المساعدة للقوى الإسلامية في المغرب ضد المسيحيين المتواجدين فيها وذلك لأن الدولة ترغب في تأمين ظهرها حتى يتسنى لها الهجوم، فرغبت الدولة هنا في مساعدة السعديين لينهوا التواجد البرتغالي في المراكز الجنوبية من المغرب، ثم ليعبروا للأندلس، لأن المغرب يمثل أقرب نقطة للعبور( ). مصير شارلكان : كان فشل شارلكان ( شارل الخامس ) في حملته على الجزائر، ذا أثر عميق لا على الإمبراطورية الاسبانية، ولا على ملكها شارلكان، وإنما على مستوى الأحداث العالمية. وقد حفظ الشعر العربي هذا الحدث الذي قيل فيه: سلوا شرلكان كم رأى من جنودنا

                     فليس له إلا هُمُ من زواجر 

فجهز اسطولاً وجيشاً عرمرماً

                     ولكنه قد آب أوبة خاسر 

ونزلت أنباء الهزيمة نزول الصاعقة على أوروبا وتطورت الأحداث هناك هنالك بسرعة. فلم يبقى حليف للإمبراطور سوى هنري الثالث ملك إنكلترا، وانضم إلى ملك فرنسا الدوق ( دي كليف ) وملك الدانمارك وملك اسكندينافيا. وكان فرح الفرنسيين عظيماً لأن سقوط الجزائر كان يؤدي لامحالة إلى سقوط فرنسا، وبادر ملكها فرنسوا الأول لإبرام معاهدات مع السلطان العثماني وكان لهذه الغارة أيضاً نتائج معنوية داخل الشمال الأفريقي وأما في أوربا ( بقى رعب المسلمين في قلوب أهل أوربا لمدة طويلة ). ولم يعد شارل الخامس قادراً على التفكير في حملة أخرى ضد الجزائر وطغى شبح خير الدين وحسن آغا على العامة والخاصة حتى أصبح الناس إذا رأوا جفناً عن بعد نسبوه إلى خير الدين، فيتصاعد الصراخ ويكثر العويل ويفر السكان من ديارهم ومن حقولهم ومتاجرهم. وإذا حطمت الزوابع مركباً توهم الناس أن خير الدين بربروسة هو الذي أثار البحر وهيجه وأغراه على اغراق سفنهم. وبلغ الخوف من قادة الجزائر أقصى درجة حتى أصبح أهل اسبانيا وإيطاليا إذا ما حدثت جريمة أو سرقة أو وقع فساد أو تخريب أو مرض أو وباء أو قحط قالوا خير الدين وأصحابه هم السبب في ذلك( ) - وكانوا في نحيبهم يقولون: بربروشة بربروشة أنت صاحب كل شر ما كان من ألم أو عمل مؤذ وجهنمي مدمر إلا والسبب فيه هذا القرصان الذي لانظير له في العالم( ) وفاة حسن آغا الطوشي : استمر حسن آغا في القيام بواجبه المقدس حتى وفاته 951هـ/ 1544م فأجمع أهل الديوان في الجزائر على تولية الحاج بكير مكانه، وريثما يعين الباب العالي باستانبول الحاكم الجديد، الذي عين حسن ابن خير الدين وقدم في نفس السنة( ).


المبحث السادس: المجاهد حسن خير الدين بربروسة

شرع حسن بن خير الدين حال وصوله، ليستعد للجهاد ومواجهة المسيحيين، فعمل على تحصين مدينة الجزائر، وذلك في المناطق التي أظهر هجوم شارل الخامس عن ضعفها، كما أخذ يعمل على توطيد النظام في الجزائر وبين صفوف الجيش، ثم انصرف إلى حل مشكلة تلمسان، إذ تبين له أن بقاء الأسرة الزيانية ووجود الاسبان في وهران يعيقان حل المشكلة( ). كان حاكم تلمسان ( أبو زيان ) أحمد الثاني قد تولى الحكم بدعم من العثمانيين، غير أنه مالبث أن خضع لمؤامرات خارجية وانساق في تيارها وأخذ يتقرب من الاسبان، مما أدى إلى كره الأهالي له وقرروا خلعه عن العرش ومبايعة أحد أخوته ( الحسن ) فتوجه أبو زيان إلى وهران طالباً للدعم من الاسبان، مقدماً لهم التعهدات بأن يحفظ على ولائه لهم، فقرر حاكم وهران انتهاز هذه الفرصة، فجهز جيشاً، وانضم اليه جموع الخاضعين للاسبان من بني عامر وفليتة وبني راشد وعلى رأسهم القائد المنصور من بو غنام، وتقدموا إلى تلمسان لابعاد الحسن، واعادة تنصيب أبو زيان على عرش المدينة، وما أن علم حسن بن خير الدين بتحرك القوة الاسبانية، حتى قاد الجيش الإسلامي في تلمسان ليمنع الاسبان من الوصول إلى هدفهم، وتمكن حسن بن خير الدين من ذلك، ودعم حليفه الملك حسن في تلمسان( ) ، الذي اعترف بسلطة الدولة العثمانية كما ترك الباشا حسن بن خير الدين حامية عثمانية بقيادة القائد محمد في قلعة المشوار في تلمسان، إلا أنه مع ذلك ظل نفوذ الدولة العثمانية مهتزاً خارج تلمسان، بسبب مضايقات بعض القبائل المجاورة بقيادة المزوار بن بوغنام، الذي يرغب في مساندة زوج ابنته الأمير مولاي أحمد، حليف الاسبان( ). قامت الدولة العثمانية بدعم السلطان الشريف السعدي بنحو عشرين ألف مجاهد، فالتفوا حوله، ودفعوه إلى بناء مراكب حربية للإستيلاء على اسبانيا، فوافق الشريف السعدي على ذلك وصرف لهم أجورهم ومكافآت لهم( ). واستطاع الشريف السعدي أن ينهي الحكم الوطاسي وأصبح الأسبان متخوفين من هجوم عثماني سعدي مشترك، فقاموا بإنهاء استحكامات مليلة، وفرضت عدة إجراءات أمنية على جبل طارق وقادش وغير ذلك من الاحتياطات. لقد ظهر السعديون أول الأمر كمحررين للمغرب من الوجود المسيحي فأكسبهم ذلك تأييد المسلمين، إذ اعتبروا ذلك نوعاً من الجهاد فقدمت الدولة العثمانية مساعدات كبيرة لتحقيق ذلك، ثم عرضت على السعديين مشروع استرداد الأندلس، إلا أنه بعد أن دانت بلاد المغرب للشريف السعدي وانتهاء الحكم الوطاسي، توجه الشريف بأنظاره نحو تلمسان، فأرسل جيوشاً كبيرة لإنهاء الحكم العثماني فيها، وعندما شعر العثمانيون بتلك الأطماع وانحراف الشريف السعدي عن الهدف الإسلامي أرسلت له حملات ليعود إلى بلاده( ). استمر المجاهدون في شمال افريقيا يهددون أمن غرب البحر المتوسط فقاموا بمناوشات بحرية أزعجت التجارة والسفن المحملة بين اسبانيا وايطاليا وغض المجاهدون من أهالي الشمال الأفريقي الجزء من البحر المتوسط بين سردينيا والساحل الأفريقي، وبذلك اضطرت السفن المسيحية أن تطرق الطرق الأكثر أماناً بالقرب من رأسي كورسيكا ولكن الاحتلال الفرنسي للرأس بمساعدة العثمانيين هددوا أيضاً الاتصالات بين اسبانيا وايطاليا، ولم تكن هناك مهلة لشارل الخامس في الدفاع عن الطرق البحرية ضد القسطنطينية التي كانت حلمه منذ سنوات طفولته، كما أنه صار غير قادر على تقديم مصالح مباشرة لاسبانيا( ). أولاً: أخر أيام خير الدين بربوسة: استمر خير الدين في قيادة الأسطول العثماني وحقق انتصارات رائعة هزت أوروبا كلها وبعد أن تحالفت الدولة العثمانية مع فرنسا جعل خير الدين من مدينة (مارسيليا) قاعدة لقيادته ومقراً لاسطوله وهناك -في مارسيليا- باع خير الدين ورجال اسطوله الغنائم التي حملوها معهم من اسبانيا، كما باعوا فيها رقيق الاسبان من الرجال والنساء. فتداولتهم أيدي القوم، واشتراهم الفرنسيون بضاعة رابحة، ثم اخذوا يبيعونهم بأرباح طائلة الى يهود (ليفورنو) الإيطالية، وكان هؤلاء بدورهم يعيدون بيع الأسرى الارقاء الى الامبراطور (شارلكان) بأرباح خيالية. وأنضم الاسطول الفرنسي الى الاسطول العثماني بأمر من ملك فرنسا. ووضع قائد الاسطول الفرنسي (الأمير فرانسوا دبو بوربون) قواته تحت قيادة (خيرالدين) باعتباره القائد العام للقوات المتحالفة (العثمانية-الفرنسية) وكان أول عمل قام به (خير الدين) هو قيادة القوات لمهاجمة (نيس) وطرد حاكمها (دوق سافوا) وانتزاعها من الحكم الاسباني وإعادتها لملك فرنسا. ثم استقر خير الدين باسطوله في مدينة (طولون) وجعلها قاعدة للجيش الاسلامي والاسطول الاسلامي ، بعد أن غادرها معظم سكانها بأمر ملك فرنسا وتركوها في ايدي المسلمين. ثارت ثائرة المسيحية جمعاء ضد هذا التصرف الأفرنسي ، وأخذت الدعاية المضادة للمسلمين تجتاح أرجاء أوروبا ، يحملها الاسبان وغلاة الصليبية، ويستثمرونها الى أقصى الحدود. ومن ذلك قولهم : (ان خير الدين قد اقتلع أجراس الكنائس، فلم تعد تسمع في طولون إلا أذان المؤذنيين) وبقي خير الدين والجند الاسلامي بمدينة طولون حتى سنة 1544م. وكان (شارلكان) أثناء ذلك قد هاجم شمال شرقي فرنسا وانهزم تحت جدران (شاتوتييري)( ) ثم اضطر للذهاب الى ألمانيا ، حيث كانت حركة التمرد البروتستانتي ضد الكاثوليكية بصفة عامة، وضده بصورة خاصة ، قد أخذت أبعاداً خطيرة. وأرغمه ذلك بعد أن هوى نجمه وذبل عوده بنتيجة نكبته أمام الجزائر -الى عقد معاهدة مع ملك فرنسا يوم 18 أيلول (سبتمبر) 1544م في مدينة (كريسبي دي فالوا). ونتج عن هذه المعاهدة جلاء (خير الدين) وقواته عن مدينة (طولون) ورجع الى العاصمة (استانبول). وبما أن الحرب لم تتوقف بين اسبانيا والمسلمين، فقد استمر (خير الدين) في ممارسة الأعمال القتالية أثناء طريق عودته، فتوقف أمام مدينة جنوة، وارتاع مجلس شيوخها فأرسل له مجموعة من الهدايا الثمينة مقابل عدم التعرض للمدينة بأذى، فتابع (خير الدين) طريقه حتى وصل جزيرة (البا) التي كانت تحت حكم اسبانيا -والتي أصبحت منفى نابليون بونابرت فيما بعد- فاحتلها، وغنم مابها، كما احتل عدداً من المدن الساحلية، من بينها مدينة (لبياري) ورجع الى العاصمة بسفنه مثقلة بالغنائم فاستقبل كأحسن ماتستقبل به الأم أبناءها البررة. ولم يعمر خير الدين بعد ذلك طويلاً، ومضى الى جوار ربه ، وكان قد سبقه رفيق جهاده حسن باشا الطوشي سنة 1544م. وغاب بوفاة (خير الدين) نجم طالما أضاءت له سماء المسلمين في البر والبحر ، وانطوت بغيابه صفحة ناصعة من صفحات الجهاد في سبيل الله لتبدأ صفحة جديدة. لقد قاد خير الدين حروب الإيمان وحقق فوزاً عظيماً واتصف بالوفاء والاخلاص وإنكار الذات والاستعداد الدائم للتضحية والصدق والشجاعة بكل أشكالها ويحفظ لنا التاريخ رده على شارلكان عندما قال له (يجب ألا تنسى أن الاسبان لم يخذلوا في معركة، وأنهم قتلوا أخويه الياس وعروج، وان تمادى فيما هو عليه وركب رأسه فإن عاقبته ستكون كعاقبة أخويه). فأجاب خير الدين: (سترى غداً، وإن غداً ليس ببعيد، أن جنودك ستتطاير أشلاؤهم وإن مراكبك ستغرق، وإن قوادك سيرجعون إليك مكللين بعار الهزيمة). وعندما حاصر شارلكان الجزائر بعد وفاة عروج بربروسة خرج له خيرالدين ومعه حزم وعزم، وتلا على جميع قواده وجنوده قوله تعالى: { إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم} وتقدم للميدان ومعه رجاله، وقال لهم : (إن المسلمين في المشرق والمغرب يدعون لكم بالتوفيق ، لأن انتصاركم انتصار لهم، وإن سحقكم لهؤلاء الجنود الصليبيين سيرفع من شأن المسلمين وشأن الاسلام)( ).‎ فصاحوا كلهم (الله أكبر) وهاجموا الاسبان فأبادوهم عن آخرهم)( ). إن هذه الصورة لا تختلف أبداً، لا في شكلها ولا في مضمونها عن صور أولئك القادة المجاهدين في سبيل الله ، والذين خرجوا من جزيرتهم فحملوا الى الدنيا رسالة الاسلام. غير أن الموقف العام لم يكن في عهد (خير الدين) مشابهاً لما كان عليه أيام الفتح، فقد أخذ الضعف طريقه الى قلوب المسلمين وانظمتهم فقد كانوا من قبل تحت قيادة واحدة لاتسمح لأعداء الداخل بالظهور أو بممارسة دروهم في التأثير على التيار العام.في حين أصبح لهؤلاء دورهم في توجيه الأحداث وكان أخطر ما في الأمر أن هؤلاء كانوا يحتلون مراكزاً قيادية تسمح لهم بممارسة دور خطير ضد مواطنيهم وإخوانهم في الدين. لقد كان من المحال تحقيق النجاح في مثل هذه العمليات لو لم تتوافر كفاءة قيادية عالية، تتولى إدارة المعركة في كل مرحلة من مراحلها الصعبة. وقد توافرت العوامل الثلاثة للنصر: شعب مجاهد في سبيل الله ، وتطبيق رائع للعقيدة القتالية الاسلامية وقيادة على درجة عالية من الكفاءة. بذلك انتصر (شعب الجزائر) وبذلك انتصر خيرالدين ، فكتب شعب الجزائر مع خير الدين تحت سيادة الدولة العثمانية قصته الرائعة في الجهاد والمجاهدين. ولم يكن (خير الدين) قادراً على تحقيق مايريده لولا ما قام به شعب الجزائر المجاهد، وما كان شعب الجزائر ليصل الى هدفه لولا توافر قيادة حازمة مارس (خير الدين) دوره في تكوينها ووضعها لتصبح على مستوى الأحداث. لقد مضى خيرالدين الى جوار ربه راضياً مرضياً، وبقي وبقيت الأمة الأسلامية تردد على مدى الدهر تلك المواقف البطولية التي صنعتها العقيدة ومبادئ الجهاد وقيمه في سبيل الله( ). ثانياً: عزل حسن بن خير الدين عن الجزائر: كان حسن بن خير الدين بربروساً بعد أن هزم السعديين في تلمسان ووطد دعائم الحكم العثماني فيها 959هـ/1151م، انتهج سياسة مضادة لكل الدول الأجنبية ، بما فيها فرنسا التي كانت ترتبط بالدولة العثمانية بروابط رسمية جيدة، ساعدت الفرنسيين على الإفادة من الامتيازات الاقتصادية التي منحت لها مع استانبول والتي شملت جميع أقاليم الدولة العثمانية، غير أن حسن ابن خير الدين لم يلتزم بذلك ، وأعلن عداءه لفرنسا في مناسبات عديدة فما كان من فرنسا إلا أن أرسلت سفيرها المعتمد في استانبول الى الجزائر يهدف معرفة المدى الذي سيصل إليه حسن بن خير الدين في عدائه لفرنسا ، وفيما إذا كان هذا العداء سيؤثر على العلاقة الاقتصادية مابين فرنسا وبيلربكة الجزائر. اجتمع سفير فرنسا بالبيلربك حسن بن خير الدين ، وعرض عليه تقديم مساعدات عسكرية ، لتنفيذ مشروع الدولة العثمانية في مهاجمة اسبانيا ، ونجدة مسلمي الأندلس ، لكن حسن رفض هذا العرض، لمعرفته بمواقف فرنسا السابقة من الدولة العثمانية نفسها، وأعلن صراحة أن قضية الجهاد هي قضية خاصة بالمسلمين ، وبين بأنه لاينتصر بكافر على كافر ورجع السفير الفرنسي الى استانبول ، حتى أوغر صدر الباب العالي بقوله: (ان السلطة الواسعة المطلقة التي يمارسها حسن بن خير الدين ومحاولته توسيع مملكته ستحطم وحدة الدولة العثمانية وتهدد كيانها بالانقسام)( ) خاصة وأن والدته من الاسر الجزائرية المعروفة. رأت الدولة العثمانية أنه لزاماً عليها من تغيير سياستها في المنطقة خاصة بعد أن صار المغرب حليفاً قوياً للاسبان، مما أدى الى قلب الموازين الاستراتيجية رأساً على عقب فأتخذ السلطان عدة تدابير لمواجهة الحالة الجديدة، ومن ذلك عزل السلطان سليمان القانوني بيلر بك الجزائر حسن بن خير الدين بدعوى الاساءة الى حسن الجوار مع المغرب، كما دعا الى الوحدة الاسلامية والى حسن الجوار( ). اسندت الدولة العثمانية بيلربيكيه الجزائر الى صالح رايس في صفر 960هـ/يناير 1552م، بدلاً من حسن بن خير الدين( ). ثالثاً: رسالة السلطان سليمان القانوني الى حاكم فاس محمد السعدي: ( ... هذا مثالنا الشريف العالي السلطاني وخطابنا المنيف السامي الخاقاني لازال نافذاً مطاعاً بالعون الرباني والصون الصمداني اصدرناه الى الجناب العالي الاميري الكبير الأكرمي الافخمي الاكملي الارشدي، الاعدلي الهامي الماجد النصيري الذخيري الحسبي النسبي نسل السلالة الهاشمية فرع الشجرة الزكية النبوية طراز العصابة العلوية المحفوف بصنوف لطايف عواطف الملك الصمد حاكم ولاية فاس يومئذ الشرف محمد دام علوه وزاد سموه. اصدرنا هذا المثال الشريف العالي الى جنابة العالي نخصه منا سلام بتكميل صلاة (الصلات) المحبة بالتحيات الطيبات وتتأكد بعطره صلات المودة بالتسليمات الزكيات وبعد فإن الله جلت قدرته وعظمت مشيئته منذ أقامنا في دولة هائلة نركب خيولها، ونعمة طائلة نسحب ذيولها وسيادة سائدة كالشمس وضحيها، وسعادة ساعيه كالقمر اذا تليها ، وخصنا خلافة جليلة عضد الايمان بها منصور ومنحنا سلطة ساعد الاسلام بها مرفوع لاجرم وجب علينا وتحتم على ذمتنا اداء (شكر) هذا اللطف الجسيم والاحسان العميم، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ، وكان ابداد ابنا، ودائماً عادتنا الاهتمام باجراء الشرع المبين وانقاذ سيد الأولين عليه الصلوة وعلى آله اجمعين والقيام في اطفاء نايرة الكفر والطغيان وطي الظلم والعدوان ونشر العدل والاحسان ولما بلغ سمعنا الشريف ان أمير الأمراء بولاية الجزائر سابقاً حسن باشا لم يحسن المجاورة مع جيرانه ومال الى جانب العنف والاعتساف ونبذ وراء ظهره طرق الوفاق والائتلاف وسد باب الاتحاد مع المجاهدين حماة الدين، لذلك بدلناهم غيره، فأنعمنا بولاية الجزائر على مملوك حضرتنا العلية وخلاصة خدام اعتابنا الجليلة امير الأمراء الكرام كبير الكبراء الفخام ذي الجلال والاكرام والاحترام صاحب الفرد والاحتشام المختص بمزيد عناية الملك الاعلى صالح باشا دام اقباله لفرط شهامته وشجاعته وكمال دينه وديانته فوضنا إليه تلك الديار وأمرنا باقامة الشراع (الشرع) الشريف المتين، واحياء تواقر سيد المرسلين وصون الرعايا وحفظ البرايا الذين هم ودائع الله تعالى وان يكون مع الاهالي الاسلام على أكمل اتحاد واجمل اتفاق مجداً فيما يتعلق بالدولة والدين وقيام ناموس سلطاننا المتين مثابراً على دفع اعداء الدين وقمع الكفرة الفجرة المتمردين على ان اقصى مراد حضرتنا العلية احياء مراسم الاسلام واطفاء ثائرة الكفرة والمتمردين اللئام وذلك المرام يكون باتفاق امراء الاسلام واتحاد امناء شرع سيد الانام ويتم به النظام ولاينفي لاثارهم في الشهور والاعوام. وأمرناه أيضاً أن ينظر الى احوال المسلمين بنظر الاشفاق والمراحم وينظر بينهم بكمال العدالة وحسن المكارم ليكونوا في ايام دولتهم العادلة أمنين مطمئنين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ولابد لكم ان تحسنوا المجاورة وتذهبوا طريق حسن المعاشرة مع كونكم أولاد سيد الأنبياء ، واحفاد سيد الاصفياء سمعنا عدلكم وانصافكم وبكمال التقوى وصفات الكمال اتصافكم ، ولذلك الشأن كتبنا اليكم منشوراً يوجب مضمونة المصافات ويشفي مكنونة ان تكون المودة في اقصى الغايات ولك ان تنبئوا باخباركم صحتكم الغالية الى اعتبانا العالية...)( ). تحريراً في أوائل شهر محرم سنة تسع وخمسين وتسعمائة، الموافق يناير 1552م بمقام ادرنة كما بعث السلطان سليمان القانوني بخطاب آخر الى حاكم المغرب محمد الشيخ السعدي، يمنحه بخلع، والخطاب عبارة عن مرسوم سلطاني قال فيه: ( ... هذا مثالنا الشريف ..الخ اصدرنا الى الجناب العالي حاكم فاس يومئذ الشريف محمد ... نخصه بسلام تتكمل به صلات المحبة بالتحيات الطيبات وتتأكد بعطره صلات المودة بالتسليمات الزاكيات وبعد. فان الله جلت قدرته وتعالت عظمته منذ اقامنا في دولة هايلة نركب خيولها، ونعمة طائلة نسحب ذيولها وسيادة سايدة كالشمس وضحيها. وامضاء سني سنن سيد الاولين والآخرين ومظاهرة حماة الدين ومجاهدين الكفرة المتمردين وانت من اولاد سيد المرسلين وقائد الغر المحجلين صلوات الله عليه وسلامه وقد سمع سيدتنا العلية حسن اقدامك وكمال دينك وديانتك وخلوص طويتك وصفاء سيرتك وقيامك في الذب عن المسلمين وقمع اعداء الدين ولذلك الشأن حباك احساننا الشريف العالي السلطاني ورعاك جزيل فضلها السامي الخاقاني فأنعمنا عليك وعلى ولديك بثلاث خلع سنية لتكون صلة للمحبة منا وسبباً لنسج المودة بيننا، على ان اقصى مراد حضرتنا العلية ان تكون اهالي الاسلام وحماة دين النبي عليه السلام في ايام دولتنا العادلة في اكمل الراحة وأجمل الاستراحة آمنين مطمئنين لا خوف عليهم ولاهم يحزنون ان شاء الله تعالى....) ( ). رابعاً : مرسوم السلطان العثماني بتقليد صالح رايس مقاليد الولاية: بعث السلطان العثماني مرسومه الى العلماء والفقهاء وسائر رعايا الجزائر يعلمهم فيه بتقليد صالح رايس مقاليد الولاية وقد جاء في ذلك المرسوم مايلي: (... هذا مرسومنا .. ارسلناه الى العلماء والفضلاء والفقهاء والأئمة والخطباء وجميع العلماء والقواد والنقباء وسائر رعايانا بولاية الجزائر الغربية، زيد توفيقهم يتضمن اعلامهم ان صدقاتنا الشريفة العالية الخاقانية وعوارضنا السنية السامية السلطانية قد انعمت على مملوك حضرتنا العالية ومعتمد دولتنا القانية امير الأمراء الكرام... صالح باشا دام اقبالاً ، بولاية الجزائر لفرط شهامته وشجاعته وكمال قوته وصلابته وحسن سيرته وصفاء سريرته فوضنا إليه تلك الارض وأمرناه باحياء السنن والفروض والرعايا الذين هم ودائع الله تعالى وحفظ الثغور وسد خارق الأمور، لتكون رعايا أهل الاسلام ثمة في ايام دولتنا العادلة في اكمل الراحة، واجمل الاستراحة آمنين مطمئنين لاخوف عليهم ولا هم يحزنون، فليكونوا مع امير الأمراء المشار إليه على احسن حال واكمل اتفاق مراد حضرتنا قيام قاموس الشرع القويم والصراط المستقيم واحيائه مراسم الاسلام وطريقة سيد الانام وحفظ العباد وصون البلاد وقمع الكفرة الفجرة بكل ناد وتقبلوا ذلك وتعتمدونه والله تعالى هو الموفق بمنه ويمنه والعلامة الشريف حجة بمضمونه)( ). تحريراً في أوائل محرم سنة تسع وخمسين وتسعمائة الموافق يناير 1552م.

المبحث السابع: سياسة صالح الرايس

عمل صالح رايس في سياسته الداخلية على تحقيق امرين: 1- تحقيق الوحدة بصفة تامة مطلقة بين كل اجزاء الجزائر . 2- ادخال بقية اجزاء الصحراء الجزائرية ضمن هذه الوحدة حتى يتفرغ للاندلس، اما سياسته الحربية الخارجية فقد كانت ترمي الى ثلاثة اهداف: أولها: ابعاد الاسبان نهائياً عن اراضي الجزائر. ثانيهما: وضع حد فاصل للمشاغبات والمفاجأت التي تقوم بها الدولة المغربية السعدية. وثالثها :اعلان نفير الجهاد العام والسير براً وبحراً على رأس الجيوش الاسلامية الى بلاد الاندلس( ). ابتدأ صالح رايس في مستهل ولايته بتحقيق الوحدة الداخلية، واستطاع ان يخضع الامارات المستقلة لنفوذ الدولة العثمانية واصبح وضع العثمانيين في الجزائر أقوى مما كان عليه ثم بدأ صالح رايس في مخططه نحو المغرب الأقصى واستفاد من الظروف التي تمر بها تلك الديار ووقف مع احد افراد اسرة بني وطاس الذي فقد أمله في وقوف الاسبان والبرتغاليين معه. وتحركت القوات العثمانية للوقوف مع ابي حسون الوطاسي وحصلت اصطدامات عسكرية بين قوات محمد الشيخ والقوات العثمانية قرب بادس التي رسا بها الاسطول العثماني إلا أن الهزيمة لحقت بالقوات السعدية، مما أفسح المجال امام العثمانيين لكي يواصلوا زحفهم نحو الداخل، وقبل أن تنتهي سنة 963هـ/1553م، سقطت مدينة تازة في يد العثمانيين الذين اشتبكوا مع السعديين في معارك متواصلة اهمها بكدية المخالي في ساحة فاس، عند ذلك تقدمت القوات العثمانية ومعها ابوحسون نحو فاس التي دخلتها في 3 صفر سنة 964هـ/ 8 يناير 1554م( ). واعلن الباب العالي ضم المغرب الى الدولة العثمانية بعد ان خطب الامام للسلطان العثماني( ). ازداد فزع الاسبان والبرتغال لرؤية الاساطيل العثمانية وهي تسيطر على بعض الموانئ المغربية القريبة من مراكز احتلالهم التي سيطر عليها العثمانيين ومن ثم التوجه للاندلس، وقد جاء في الرسالة التي بعثها الملك البرتغالي (جان الثالث) الى الامبراطور شارل الخامس، مايدل على هذا الفزع اذ كتب إليه يحثه على التدخل في المغرب للحيلولة دون توطيد العثمانيين لاقدامهم في هذه البلاد، لان ذلك يشكل خطراً كبيراً على مصالح الأمتين( ). مكث صالح رايس بمدينة فاس اربعة اشهر ضمن خلالها استقرار الامور للدولة العثمانية، وفي خلال تواجده في فاس لم يترك الجهاد ضد الاسبان فأرسل فرقة من جيشه الى الريف المغربي استرجع من الاسبان معقلهم الكبير باديس او صخرة فالين كما يدعونها( )، كما حاول صالح رايس ان يستبدل الباشا العثماني ابا حسون بالشريف الادريسي الراشدي مولاي بوبكر، بناء على اقتراح المرابطين الصوفيين للقيام على حكم فاس باسم السلطان العثماني، إلا ان ثورة الأهالي اضطرت صالح رايس لاعادة بوحسون الى حكم فاس، فأذعن بوحسون لشروط العثمانيين بشأن الحفاظ على السيادة العثمانية من حيث الخطبة باسم السلطان العثماني واقامة حامية عثمانية في مقر بلاطة( ). تمهيده للعمل المشترك في استرداد الاندلس: لم يكن صالح رايس يهتم قبل كل شيء إلا بمحاربة الاسبان، ولا يهدف من وراء أي عمل إلا جمع القوى الاسلامية من أجل تطهير البلاد من التواجد المسيحي، كان يرى قبل كل شيء وجوب طرد الاسبان من وهران، من النزول الى الاندلس، لكن كيف يتسنى له ذلك وسلطان السعديين بالمغرب يترقب به الفرص وسلطان قلعة بني عباس ببلاد مجانة يعلن انفصاله واستقلاله، ترامت لصالح رايس يومئذ الانباء عن ضعف القوى الاسبانية بمدينة مجانة، علاوة عن معاناة الحامية بالضيق فرأى صالح أن يغتنم الفرصة وأن يبدأ بتطهير الشرق من الاسبان قبل أن يطهر الغرب ولعل انقاذ بجاية سيكون له اثر في عودة ملك بجاية الى حظيرة الوحدة الاسلامية تحت ضغط السكان سار صالح رايس في ربيع اول سنة 963هـ/ يناير 1555م نحو مدينة بجاية على رأس قوة كبيرة بنحو ثلاثين ألف رجل عززهم في الطريق بالمجاهدين في امارة كوكو، فوطدت الجيوش العثمانية وحاصروا المدينة، بينما جاء الاسطول العثماني يحمل الاسلحة والمدافع بجانب الجيش وصوب المسلمين قذائفهم على القلعة( ) ودارت معركة عنيفة ونجح صالح رايس في انتزاع بجاية من الاسبان في ذو القعدة سنة 963هـ/سبتمبر 1555م، ولم يستطيع حاكم نابولي من نجدة حاكمها في الوقت المناسب( )، كما استسلم الحاكم الاسباني للقوات العثمانية( ). أولاً : مقتل بوحسون الوطاسي: واجه بوحسون منافسة محمد الشيخ السعدي الذي جمع قوات من السوس والحوز واتى بجنوده الى ان وصل رأس الماء من احواز فاس( ) وكان بوحسون بعد انسحاب العثمانيين قد اخذ في اعداد الجيوش وآلات الحرب الى ان قضت ثمانية شهور فأمر بالخروج لمواجهة مولاي محمد الشيخ والوصول الى مراكش ولما تقابل الجيشان قام بينهم قتال عظيم واستطاع بوحسون أن ينزل بالسعديين هزيمة شنيعة حتى استطاع أن يردهم على أعقابهم، ثم أرسل بوحسون لمولاي محمد الشيخ وقال له: أخرج أنت وأولادك الى لقائي وأنا أخرج إليكم بنفسي ونترك المسلمين بدون قتال، فتظاهر محمد ورجع الى والده وأخوته الستة الذين اجتمعوا على بوحسون فجعل يطاردهم حتى طمر به فرسه فسقط فطعنوه فأجتزوا رأسه وأتوا به جيشه، فأنهزموا بلا قتال، واخذ محمد الشيخ فاس( ) وهكذا مات بوحسون بعد تسعة شهور من عودته لحكم فاس، وان كانت قد ضاعت بموته الفرصة الاولى لاعلان السيادة العثمانية على فاس ، إلا ان احداث هذه الوقائع كانت تعني ان الفرصة مازالت واسعة امام العثمانيين لتطبيق غزوهم المحلي للمغرب، لاسيما وان محمد الشيخ السعدي باسم القضاء على الحزب العثماني بين المغاربة أنزل القتل في اكثر من مائتين من كبار اعيان فاس فضلاً عن الفقيهين المرينيين الى محمد عبدالوهاب الزقاق قاضي فاس، والى الحسن علي حزوز خطيب فاس( ). ثانياً: التعاون البرتغالي الاسباني السعدي ضد العثمانيين: بعد عودة فاس للسعديين ظهر محمد الشيخ كخصم عنيد للعثمانيين، ومن المعارضين لسياستهم التوسعية في بلاد المغرب، بل والأكثر من ذلك انه اعلن اثر دخوله فاس بأنه عازم على الذهاب الى الجزائر لمنازلة العثمانيين هناك، فهذا التنافس السعدي العثماني على شمال افريقيا، بل وعلى الخلافة الاسلامية كان في صالح الاسبان والبرتغال، ولا عجب اذا رأينا بعد ذلك تقارباً بين هؤلاء جميعاً ضد العثمانيين( ). بعث الملك جون الثالث رسالة الى حاكم مازكان البرتغالي الفارودي كالفولو رداً على الطلب الذي تقدم به المولى محمد الشيخ الى كل من مدريد ولشبونة لتزويده بقوات عسكرية ضد العثمانيين كما حددت الرسالة بعض الشروط التي يراها البرتغاليون لمساعدة السعديين كتسليم بعض المراكز البحرية المغربية مثل بادس بنيون والعرائش، بالاضافة الى تموين القوات المسيحية التي سيرسلها لمساعدته ، وأخيراً يختتم الملك البرتغالي يوحنا الثالث بضرورة إخبار الأمبراطور الاسباني بذلك للتنسيق في عمل مشترك ضد العثمانيين ، ونتيجة لهذا التقارب فقد عقدت هدنة بين السعديين والبرتغال بواسطة حاكم مازكان لمدة ستة أشهر وذلك في مطلع 962هـ/1555م، وظل مفعول هذه الهدنة زمناً طويلاً. إذا كان حاكم مازكان هو الذي قام بدور الوساطة مع السعديين فإن المزوار بوغانم هو الذي كلف من قبل المولى محمد الشيخ بالوساطة مع الاسبان وأول رسالة للمنصور في هذا الصدد، تلك التي بعثها الى حاكم وهران الاسباني الكونت دي الكودين في مطلع ربيع أول 963هـ/يناير 1555م ، وقد أخبر المزوار الكونت الاسباني بوصول رسائله وأنه أعلم بها المولى محمد الشيخ وابنه عبدالله الذين أعربا عن سرورهما لقدوم وفد اسباني للتفاوض معه، وقد ارسل حاكم وهران بالفعل الى فاس وفداً يتألف من ثلاثة أشخاص جاؤوا للاتفاق مع المولى محمد الشيخ حول إعداد حملة مشتركة اسبانية - مغربية ضد العثمانيين( ). وقد جاء في التقرير الذي رفعه الوفد للكونت حاكم وهران الاسباني الذي اشرف على سير المحادثات (... بعد أسلمناه الرسائل ... طلب إلينا الملك السعدي أن نقول له شفوياً عن سبب المهمة التي قدموا من أجلها الى فاس .. إننا جئنا استجابة لطلب مولاي عبدالله والقائد منصور بن غانم حيث طلب من حاكم وهران إرسال بعض الرجال للتفاوض في أمر الجزائر. أجابنا الشريف بأنه لايزال عند فكرته وأنه يرغب في طرد العثمانيين من بقايا افريقيا ومن أجل ذلك فهو يطلب من جلالة الامبراطور امداده بعشرة آلاف مقاتل مسلحين بأسلحة نارية، وأنه ( أي الشريف) يرى بأنه من المناسب أن يقوم جلالة الأمبراطور بكل مايلزم لهؤلاء المقاتلين من نفقات ، ذلك لأن طرد العثمانيين انما هو عمل تستفيد منه ممالك الأمبراطور والمسيحية جمعاء ... وطالت المذكرات كثيراً وأخيراً علمني القائد برشميده، بأن الشريف قد ادخر كثيراً من المال لمحاربة العثمانيين، وأنه يسعده أن يعين الأمبراطور على ذلك وأن الأمر مستعجل جداً ...). (... جاء ذكر الجزائر ماذا نصنع بها بعد احتلالها، فكان من رأي الملك السعدي تحطيم هذه المدينة وإزالتها تماماً، أما أهلها فتؤخذ أموالهم، وإذا امتنعوا فيقتلوا ورفض الملك السعدي أن يؤخذوا عبيداً للمسيحيين، وذكر الوفد أن الأتراك أجانب عن البلاد وأنهم أعداء له فيجب معاملتهم معاملة الأعداء، أما العرب فيمكن أن تترك لهم حريتهم في حالة استسلامهم دون مقاومة. إلا أن الملك السعدي أوضح أنه لن يسمح أبداً بأن يصبح أي عربي عبداً، لأن هذا مخالف للشريعة)( ). يتبين من خلال ذلك مدى حقد الشريف السعدي على العثمانيين ، الذي لم يتورع في الاستنجاد بالقوى المسيحية اسبانيا والبرتغال في سبيل تحقيق أهداف شخصية، حتى لو كان على حساب عقيدته الاسلامية ومصالح المسلمين. نتيجة لذلك التقرير فقد بعث الكونت الكوديت حاكم وهران ذلك الى الأمير فليب ابن الأمبراطور شارل مشفوعة بخطاب هذا نصه: (... يجب علينا أن نعتبر أنفسنا سعداء جداً في الوقت الذي يبذل فيه ملك فرنسا عدونا الألد كل جهوده للحصول على أسطول السلطان العثماني، حتى يهاجم ممتلكات جلالة الأمبراطور وكون أمير عربي يعرض علينا نفوذه في مهاجمة العثمانيين في الجزائر ومحاربتهم وابعادهم عن الأرض التي يحتلونها في افريقيا وذلك فيما إذا قدمنا له اثنى عشر ألف من المقاتلين الاسبان على حسابه، كذلك يتعهد الشريف السعدي في حالة الموافقة أن أبعث بأحد أبنائي رهينة لديه، وأن يصنع المال اللازم لتجهيز هذه الحملة بكل سرعة ، بما أن هذه الصفقة ستجر خيراً عظيماً على جلالته وعلى المسيحية جمعاء فأنا لا أتردد في قبول طلب الشريف وأرسل إليه ابني رهينة حتى لو كنت على يقين أنه يريد أن يذبحه بل أنني وجميع من حولي مستعدين لتقديم أنفسنا كرهائن حتى لو كان الشريف يريد بيعنا عبيداً....)( ). ثالثاً: المخابرات العثمانية تكتشف المؤامرة: أطلع صالح ريس على تلك المؤامرة التي كانت تحاك ضد الدولة العثمانية بين ملك المغرب والاسبان والتي كان هدفها طرد العثمانيين من الجزائر، لأنه طالما أن الدولة في الجزائر معناه خطر على اسبانيا، فبعث صالح ريس للباب العالي يخبره بشأن تلك المحادثات، فكان جواب السلطان سليمان سريعاً وحاسماً بوجوب مهاجمة وهران قبل أن تستمر المحادثات بين الجانبين السعدي والاسباني عن نتيجة عملية، فأرسل السلطان سليمان أربعين سفينة لمساعدته في الاستيلاء على وهران والمرسى الكبير، ومنذ ذلك الوقت كانت الهجرة والتجنيد الطوعي من مختلف أنحاء الدولة العثمانية هي التي تغذي الأوجاق، الذي كان تبعاً لذلك يتجدد على الدوام( ). رابعاً: وفاة صالح ريس: استعد صالح ريس لفتح وهران، وضم اسطوله الى جانب أسطول السلطان وصار لديه نحو سبعين سفينة، واجتمع لديه من الجند ما يقارب من اربعين ألف جندي، وكان ينوي من اتمام زحفه هذا بالمسير الى مراكش للقضاء على الفتن والاضطرابات واخضاعها لسلطانه، ولكن القدر لم يمهله فتوفى صالح ريس بالطاعون في شهر رجب 963هـ/1556م عن عمر سبعين سنة( ). إن الدولة العثمانية سعت الى ضم المغرب في نطاق توحيد البلاد الاسلامية والوقوف بها صفاً واحداً ضد الهجمات المسيحية، ذلك أن استقراره في قواعد بحرية تنتشر على طول سواحل المغرب الأقصى المطلة على المحيط الاطلسي، يعني في حقيقة الأمر نجاح الأساطيل العثمانية في اعتراض الطرق البرية للبرتغال أو اسبانيا مع العالم الجديد والشرق، من هنا نرى أن نجاح الفكرة كان يعتمد اساساً على وصول العثمانيين الى تلك السواحل ليشاركهم في ذلك المجاهدون الذين عملوا سنوات طويلة تحت أمرة أمراء البحر العظام، أمثال خير الدين وعروج بربروسا وصالح رايس( ). قام القائد يحيى بإكمال خطة صالح ريس فأبحر نحو وهران وفي الطريق وصلت الأوامر السلطانية بتعيين حسن قورصو لمنصب بيلرباي ، ووصلت الجيوش البرية والبحرية الى وهران وحوصرت حصاراً شديداً، إلا أنها لم تفتح رغم استعدادات العثمانيين الكبيرة وذلك بسبب النجدات المتواصلة التي كانت تبعثها اسبانيا الى المدينة المحاصرة( ). خامساً: احتلال محمد الشيخ السعدي لتلمسان: انتهز الشريف السعدي محمد الشيخ فرصة عودة الأسطول العثماني الى استنبول فأسرع بإرسال جيوشه نحو تلمسان التي كان رجالها قد انضموا الى صفوف المجاهدين في محاولتهم لاسترجاع وهران فدخلها الشريف السعدي على غفلة ووضع على رأسها القائد ابن غنام زعيم القبائل بني راشد ، ووزير آخر ملوك الزيانيين المحتمين باسبانيا، أما الحامية العثمانية الموجودة في تلمسان بقيادة القائد محمود صفا بك فقد استطاعت الصمود في وجه السعديين حتى احتوت ذلك الهجوم السعدي. إن السعديين كانوا يرون في ضم تلمسان عاملاً قوياً في توطيد سيطرتهم على المغرب الشرقي لصد كل تدخل عثماني في المغرب بعكس العثمانيين الذين كانوا يرون في التمركز بتلمسان تدعيماً لوجودهم في الجزائر وقاعدة حصينة لغزو المغرب( )، باعتبارها أقرب نقطة للوصول للأندلس كما أن شواطئ المغرب الشمالية والغربية تعتبر قواعد رئيسية لتهديد المواصلات البحرية للبرتغاليين والاسبان( ). بدأت الدولة العثمانية بتغيير سياستها مع الحكام السعديين، عندما بعث السلطان سليمان القانوني برسالة الى سلطان الدولة السعدية يهنئه بما أحرزه من انتصارات ويعلمه لما كان عليه بنو مرين من الهدايا والرد والخدمة والميل إليه، وأن السلطان في نصرتهم وقد سبق وأن ظهر ذلك في آخر ملوك دولتهم أبي حسون، الذي زوده بأربعة آلاف جندي كان ذلك في محاولة من السلطان لتكوين اتحاد اسلامي كبير يواجه به الأخطار الخارجية، غير أن ذلك قوبل بالرفض من السلطان السعدي محمد الشيخ، الذي رد على مبعوث السلطان بقوله : (سلم على أمير القوارب سلطانك وقل له أن سلطان الغرب لابد أن ينازعك على محمل مصر ويكون قتاله معك عليه إن شاء الله ويأتيك الى مصر والسلام)( ). يظهر من ذلك استياء محمد الشيخ الذي لم يكن يرى شرعية الخلافة العثمانية، كما أظهر طموح محمد الشيخ الذي كان يحلم بإمامة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها( ). سادساً: مقتل محمد الشيخ: قتل محمد الشيخ في عام 964هـ/1557م من قبل حرسه الخاص وتطورت الأحداث بالمغرب وخاصة فيما يتعلق بالدولة السعدية، إذ لم يعد هناك مجال للشك في أن العثمانيين إنما يسعون جادين للاستيلاء على المغرب لا باعتباره الجزء المتمم للشمال الأفريقي فحسب، بل ولأهميته الاستراتيجية كأقرب نقطة الى بلاد الاسبان والبرتغال( ). عودة حسن بن خير الدين الى الجزائر: رأى السلطان العثماني ضرورة إعادة حسن بن خيرالدين الى الجزائر وذلك بعد مصرع حسن قور عام 964هـ/1557م بعد انقطاع استمر لعدة أعوام قضاها في الجهاد في مواطن اخرى، واستبشر الناس برجوعه، وشرع في ترتيب أمور الجزائر، فنظم الادارة ، ورتب الجيش ترتيباً أعانه على ضبطه وبدأ في رحلته الجهادية ووضع أمامه هدفين عظيمين ، تطهير الشمال الأفريقي من الوجود المسيحي واسترداد الأندلس لحوزة المسلمين( ). سابعاً : الثورات الداخلية في المغرب الاقصى: اندلعت الثورات المناهضة للإمارة السعدية بعد مقتل محمد الشيخ في تارودانت، فقامت ثورة المولى عثمان في السوس بالجنوب في جمادى الأول عام 965هـ/ فبراير عام 1558م، وثورة المولى عمر في دبدو بالمشرق في رجب عام 965هـ/ ابريل عام 1558م وثورة المولى عبدالمؤمن في مراكش في ربيع الأول عام 966هـ/ ديسمبر عام 1558م، ثم كانت المذبحة الجديد التي أنزلها عبدالله الغالب بثلاث من أخوته لرفضهم البيعة بولاية العهد لابنه محمد المتوكل، مما اضطر أخوته للهروب الى تلمسان والجزائر فهرب المولى عمر والمولى عبدالمؤمن وعبدالملك وأحمد المنصور، وذلك خوفاً من القتل( ). قصد عبدالله الغالب الى مراكش ثم تارودانت حيث انتقم من قتلة أبيه، كما قضى على ثورة السوس التي نزعها عثمان ، ثم عاد سريعاً الى فاس لاعداد قواته، لصد الحملة العسكرية التي يقودها حسن بن خير الدين الذي حاول اغتنام فرصة الأحداث الداخلية المغربية لاحتلال البلاد( ) وقامت بين الطرفين معركة على وادي اللين بالقرب من فاس لم تسفر عن شيء إلا أن حسن بن خير الدين الذي وصلته أنباء عن تحرك الاسبان من مدينة وهران بما يوشك أن يقطع عنه خط العودة، فذهب الجيش العثماني الى مرفأ قصاصة في الشمال فركب سفينة وعاد للجزائر بينما ذهب قائد تلمسان الى حاميته استعداداً للحوادث المقبلة( ).

ثامناً: مقتل حاكم وهران الكوديت: كان دو الكوديت حاكم وهران يدرك أن استرجاع العثمانيين لتلمسان يهدد الوجود الاسباني تهديداً خطيراً فقرر الاستيلاء على مستغانم التي جعلها العثمانيون قاعدة لهم للهجوم على وهران، وكان دا الكوديت يأمل أن يجعلها قاعدة للهجوم على الجزائر( ) لذلك أعد قوة كبيرة تتكون من أثنى عشر ألف مقاتل وخرج على رأسها فهاجم مدينة مستغانم ، إلا أن محاولته باءت بالفشل إذ تكبدت القوات الاسبانية في ذي القعدة عام 965هـ/ أغسطس عام 1558م خسائر فادحة وكان حاكم وهران الكوديت من بين القتلى، ورغم فشل الحملة الاسبانية ضد مستغانم فإن العثمانيين لم يعد لديهم أدنى شك في تواطئ المولى عبدالله الغالب بالله مع الاسبان مما جعلهم يتخذون جانب الحيطة والحذر عند محاولة القيام بمساعدة الثائرين ضد الحكام السعديين، فعندما ثار المولى عبدالمؤمن في مراكش في ربيع الأول عام 966هـ/ ديسمبر 1558م واستنجد بوالي الجزائر الذي لم يمده بأية مساعدة عسكرية بل رحب به في بلاد الجزائر وزوجه بإحدى بناته ثم ولاه مدينة تلمسان( ).


المبحث الثامن: سياسة حسن بن خير الدين في التضييق على الاسبان

أراد حسن بن خير الدين أن يغتنم فرصة انتصار مستغانم لتطهير المركز الاسباني في وهران وأخذ يستعد في مدينة الجزائر لجمع قوى جديدة منظمة منقادة الى جانب الجيش العثماني، فجند عشرة آلاف رجل من زواوة( )، كما أنشأ قوة أخرى ووضع على رأسها أحد أعوان والده القدامى وفي الوقت نفسه حاول الحصول على تأييد القوة المحلية فتزوج من ابنة سلطان كوكو ابن القاضي وكان هذا الزواج يخدمه من ناحية اخرى في الاستعانة بقوة ابن القاضي لمواجهة زعيم قبلي آخر (عبدالعزيز بن عباس) الذي أعلن استقلاله في المغرب( )، بذلك صار اسطول الدولة العثمانية يتردد دائماً على مدينتي حجر باديس وطنجة( ). عين حسن بن خير الدين في عام 965هـ/1558م بويحيى الرايس( ) قائداً على باديس، فقام بتخريب الساحل الاسباني من قرطاجنة حتى رأس سانت فنست، وصار تحت قيادته في باديس عدة سفن وتلقب بحق سيد مضيق جبل طارق، وقد جاء في تقرير اسباني بقلم فرانسكوا دي ايبانير أن يحي يملك أربع سفن حربية الأولى بقيادته وعلى ظهرها 90 عثماني مسلحين بالسهام والأقواس والمناجيق والثانية يقودها قره مامي وعلى ظهرها 80 عثماني مسلحين بنفس الأسلحة والثالثة بقيادة مراد الرايس بقوة 70 جندي، والرابعة تحمل نفس العدد وبنفس الأسلحة وبالاضافة الى هذه السفن الأربعة العاملة عبر مياه المضيق، كان في حوزة بويحي سفينتان في باديس ويقوم بصنع سفينة اخرى، ويتصل بنشاط سفن باديس سفن تطوان العرائش وسلا، ففي تطوان ثلاث سفن صغيرة ، وفي العرائش ثلاث سفن اخرى على شاكلة سفن تطوان، وفي سلا سفينتان من النوع الآخر، إلا أن السفن الأخيرة لم تتبع قيادة بويحي ودعا حسن بن خير الدين السفن الحربية الاسلامية للنهوض بنشاط يستهدف تخريب سواحل الأندلس والاستيلاء على سفن الهند ورفع تجار اشبيلية نتيجة لذلك شكواهم للملك الاسباني يشكوون فيها الفظائع التي تركتها سفن باديس والسفن الاسلامية الأخرى ضد السفن الاسبانية على طريق الملاحة والتجارة الهندية( )، ولم تستطع السفن العبور دون إذن من بويحي، فعم الخوف سكان الساحل الاسباني ، لدرجة أن هؤلاء لم يكونوا يزرعون أراضيهم إلا بكل حذر، وغالباً ما كان العثمانيون يحاصرونهم أثناء عملهم وكذلك الصيادون لم يكونوا يبتعدون كثيراً عن الشاطئ( ). سياسة المولى عبدالله: تابع المولى عبدالله سياسة والده الرامية الى مقاومة الهدف في المغرب والاستعانة في سبيل ذلك بأعداء العثمانيين من اسبان وبرتغال عن طريق مهادنتهم ، والمحافظة على أحوال السلم معهم وقد دفعته سياسة المهادنة مع النصارى الى الاستجابة لكثير من المطالب التي تقدمت بها بعض الدول الأوروبية كفرنسا التي استقبل سفيرها وحمله الى الأمير أنطونيو دي بربون رسالة يعبر فيها عن استعداد المغرب للاستجابة للمطالب الفرنسية، ثم عقد الأمير الفرنسي معاهدة في شوال 966هـ/ يوليو 1559م مع المولى عبدالله الذي تنازل عن المرسى الصغير لفرنسا مقابل مده بالاسلحة والعتاد الحربي ، وإرسال فرقة عسكرية تكون بمثابة حرس خاص للغالب، بعد ان فقد ثقته بالحرس التركي الذي سبق وأن أغتال والده محمد الشيخ كانت فرنسا بعد أن عقدت معاهدة كاتوكمبر سيس في 21 جمادى الأولى في سنة 966هـ/ 13 ابريل 1559م مع اسبانيا والتي أنهت الحرب الايطالية، أخذت تبحث عن أسلوب جديد يمكن الاعتماد عليه في حالة تجدد النزاع مع اسبانيا، خصوصاً وقد صار لفليب الثاني نفوذ قوى في اوروبا، لأن المعاهدة المذكورة دعمت نفوذ اسبانيا في ايطاليا والأراضي المنخفضة مما يهدد فرنسا، فأخذ في التقرب من المغرب البلد الاسلامي. ومما لاشك فيه أن فرنسا كانت ترى في المغرب حليفاً يمكن الاعتماد عليه، كما كانت ترى في ميناء القصر الصغير الاستراتيجي الذي لايبعد إلا بضع كيلومترات عن جبل طارق منطقة هامة يمكن إتخاذها للهجوم على اسبانيا. ولعل ذلك كان سبباً في عدم قيام الدولة العثمانية بموقف إيجابي تجاه المعاهدة لأنها كانت تأمل في أن تقوم فرنسا بدور الوسيط مع السعديين ، فهدف الدولة العثمانية وفرنسا واحد في مسألة الهجوم على اسبانيا وإن اختلفت من الناحية العقائدية ففرنسا كانت ترغب في الهجوم على اسبانيا من أجل تحقيق نصر عسكري لتكون سيدة الموقف في غرب البحر المتوسط، بينما الدولة العثمانية تهدف الى انقاذ المسلمين من الحكام الاسبان ثم استرداد الاراضي الاسلامية في الأندلس حَوَّلَ حسن بن خير الدين انظاره سنة 966هـ/1559م وتحرك بجيوشه نحو النواحي التابعة لأمير قلعة بني عباس عبدالعزيز فاستولى على المسيلة وحصنها وبني برجاً وذلك لتثبيت الوجود العثماني هناك، ووضع حامية بلغ عددها أربعمائة جندي، ثم عاد حسن بن خيرالدين متوجهاً الى بلاد حمزة في أنحاء بربرة، عندها انقض أمير قلعة بني عباس على الحصن العثماني ونشبت معارك بين الحامية العثمانية لقي فيها الأمير عبدالعزيز بن عباس صاحب القلعة حتفه وخلفه أحمد مقران الذي أمتلك نواحي بلاد كوكو فاعترف به حسن بن خير الدين( ). اشتدت حملة ازعاج تجارة المسيحيين من ناحية موانئ تونس والجزائر وذلك بالاغارة على السفن المسيحية، كما بعثت تلك الموانئ ببعض القوات العسكرية البرية وجزء من الأسطول، لمساندة السلطان في الشرق( ). أولاً : الاسطول العثماني يهاجم جربة في تونس: قام الاسطول العثماني بقيادة بيالي باشا بالهجوم على جزيرة جربة في رمضان سنة 967هـ/مايو 1560م، ونجح الاسطول في تحقيق أهدافه ضد الاسبان( )، الذين لم يجدوا حرجاً من الاستنجاد بفرنسا( )، بعد ذلك كان من المقرر أن يقوم بيالي باشا ببعض الغارات في البحر المتوسط قبيل عودته لقسطنطينية، ولكن درغوث باشا الذي سبق وأن ضايقه الثوار في الداخل، أقنع بيالي باشا بالتوجه الى طرابلس لمساعدته في القضاء على التمرد قرب تاجوراء، وقد وصل بيالي باشا الى طرابلس وصول الفاتحين ودخلت السفن العثمانية المزينة بالأعلام والشارات التي غنمها من الاعداء بينما كانت أعلام الأعداء منكسة فوق سواري السفن وقام بيالي باشا بطرابلس أياماً قليلة كافية لمعاقبة سكان تاجوراء، ثم أقلع بأسطوله صوب عاصمته( ). ثانياً: اعتقال حسن خير الدين وأرساله الى استانبول: استمر حسن خير الدين في استعداداته لمهاجمة المغرب، فشرع في تكوين قوة من رجال القبائل كان ينوي أن يوكل إليها حراسة الجزائر أثناء غيابه لعدم ثقته بالانكشارية ، الذين احسوا بالخطر فقاموا في صيف 696هـ/1561م بإعتقال حسن باشا وأعوانه وأرسلوه مقيداً الى استانبول ورافق حسن باشا عدد من زعماء الجند مهمتهم أن يوضحوا للسلطان الأسباب التي دفعتهم الى هذا التصرف متهمين حسن باشا أنه كان ينوي القضاء على الأوجاق والاعتاد على جيش محلي بغرض الاستقلال عن السلطان، لكن السلطان ارسل أحمد باشا مع قوة بحرية لمعاقبة المتمردين والقضاء على الفوضى ونجح احمد باشا في اعتقال زعماء التمرد وأرسلهم الى استانبول( ). ثالثاً: عودة حسن بن خير الدين الى الجزائر: أعاد السلطان العثماني سليمان القانوني حسن بن خير الدين الى بيلربكية الجزائر للمرة الثالثة في أواخر سنة 970هـ/1562م معززاً بعشرة سفن حربية ومزوداً بقوة عسكرية مسلحة( ) قضى بعدها حسن بن خير الدين خمسة أشهر بعد عودته يهيء العدة والعتاد لمهاجمة وهران والمرسى الكبير وهما كل مابقي لاسبانيا ببلاد الجزائر( ). خرج حسن بن خير الدين في سنة 971هـ/1563م من مدينة الجزائر نحو الغرب ، يقود جيشاً كبيراً مؤلفاً من خمسة عشر ألف رجل من رماة البندقية وألف فارس من الصباحية تحت أمرة احمد مقرن الزواوي ، واثنى عشر ألف رجل من زواوة وبني عباس، أما مؤن وذخيرة الجيش فقد حملها الاسطول العثماني الى مدينة مستغانم التي اتخذها قاعدة للعمليات وفي 13 ابريل وصل حسن خير الدين بكامل قوته أمام مدينة وهران وضرب حصار حولها، وكان الاسبان مستعدين لتلقي الصدمة وراء حصونهم وقلاعهم( )، بعد أن توالت النجدات الاسبانية والبرتغالية على وهران استجابة لنداء حاكمها، ومنذ أن صارت القوات العثمانية على مسافة مرحلتين، وبينهما كان البيلربك نفسه على بعد ست مراحل مما اضطر حسن بن خير الدين الى رفع الحصار قبل وصول المزيد من هذه النجدات التي اتخذت من مالطة مركزاً لتجمعها( ) وهكذا لم يستطع حسن بن خير الدين من تحقيق هدفه ذلك لأن فيليب الثاني كان قد وضع برنامجاً طموحاً للأسطول الاسباني، والبناء البحري في ترسانات إيطاليا وقطالونيا، كما وردت لخزانة اسبانية إعانة من البابوية واجتمعت سلطة قشتالة التشريعة في جلسة غير عادية ، وأقرت وجوب امداد اسبانيا بمعونات مالية، لتساندها في حربها مع العثمانيين ، ومما كانت ثمرة تلك المجهودات وإعادة التنظيم لهيكل اسبانيا وهزيمة العثمانيين في وهران سنة 971هـ/1563م. بدأ فيليب الثاني يستعد لاحتلال جزيرة باديس وتشجع بذلك النصر الذي حققه في وهران ، وتوجه لذلك اسطولاً في نفس السنة 971هـ/1563م، فقاومه المجاهدون مقاومة عنيفة، اضطرت الأسطول الى التراجع( ) والجدير بالذكر أن جزيرة باديس كانت أقرب نقطة مغربية الى جبل طارق، وأنها كانت بالنسبة للمجاهدين ميناءً هاماً( )، إذ يمكنهم من خلالها العبور للأندلس ، كما يمكنهم التسلل لداخل الأراضي الاسبانية لتقديم المساعدة للمسلمين هناك والذين أطلقوا على أنفسهم الغرباء، وهذا مادفع الاسبانيين الهجوم عليها من خلال محاولتهم السابقة كما كانت جزيرة باديس بالإضافة الى ذلك مثار رعب وخوف لدى السلطان السعدي الغالب بالله، إذ خاف السلطان أن يخرج الأسطول العثماني من تلك الجزيرة الى المغرب، فاتفق مع الاسبان أن يخلي لهم الادالة من حجرة باديس ويبيع لهم البلاد ويخليها من المسلمين ، وينقطع اسطول العثمانيين في تلك الناحية( )، مقابل الدفاع عن شواطئ المغرب إذ هاجمها الاسطول العثماني الذي علم بتلك المؤامرة فانسحب ورجع الى الجزائر( ) كما عزل بويحي رايس من منصبه في باديس في أواخر عام 971هـ/1563م، وانصرف العثمانيون عن الحرب في غرب البحر المتوسط، إذ توجه نشاط الاسطول الحربي الى جزيرة مالطة في الشرق( ). رابعاً: الصراع على مالطة: كان السلطان العثماني سليمان القانوني قد عزم على فتح جزيرة مالطة التي كانت أكبر معقل للمسيحيين في وسط البحر المتوسط، والتي سبق وأن استقر فيها فرسان القديس يوحنا، فأرسل السلطان العثماني أسطوله بقيادة بيالي باشا نفسه، كما طلب من درغوث رايس حاكم طرابلس وجربة، وحسن خيرالدين أن يتوجها على رأس أسطوليهما الاسلاميين للمشاركة في عملية مالطة واخضاعها استعداداً لمنازلة بقية المعاقل الاسلامية بعد ذلك فسار حسن بن خير الدين على رأس عمارة تشمل 25 سفينة وثلاثة آلاف رجل ووصل الاسطول الاسلامي أمام مالطة يوم 18 مايو وفرض الحصار عليها، واستمر الحصار ضيقاً شديداً الى أن جهزت المسيحية رجالها وأساطيلها ووصل المدد تحت قيادة نائب الملك في صقلية، برفقة اسطول تعداده 28 سفينة حربية تحمل عدد كبير من المقاتلين ونشبت المعركة بين الطرفين، وتمكن الاسطول الأسلامي من الانسحاب في 18 ربيع الأول 973هـ/8 ديسمبر 1565م( ). خامساً : حسن بن خير الدين بربروسة القائد العام للأسطول العثماني: خلف السلطان سليمان القانوني السلطان سليم الثاني، الذي اسند منصب القائد العام للأسطول العثماني الى حسن بن خير الدين ؛ فترك الجزائر متوجهاً الى استانبول سنة 975هـ/1567م( )، وتولى منصب بيلر بي الجزائر بعد حسن بن خير الدين محمد بن صالح رايس، في ذي الحجة 974هـ/يونيو 1567م وصادف في تلك السنة انتشار الأوبئة والمجاعة، صحبها تمرد الجند العثماني واضرب الشعب، فاضطر الى صرف وقته في مواساة المصابين وتسكين الفتن، ثم فاجأت محمد صالح رايس ثورة عامل قسنطية المتأثرة بولاة تونس الحفصيين فعزله البيلر باي وقضى على ثورته وولى على قسنطنية القائد رمضان بن تشولاق، وفي ربيع الأول سنة 975هـ/سبتمبر 1567م، هاجم الاسبان مدينة الجزائر، إلا أنهم ردوا على أعقابهم ، ثم لم تطل ولاية محمد صالح بن رايس، إذ تعين نقله الى ولاية أخرى في أنحاء الدولة( ). سادساً : قلج علي تولى بيلر بك الجزائر: اسند منصب بيلربك الجزائر الى قلج علي في 14 صفر سنة 976هـ/الموافق 8 أغسطس 1568م وعرف عنه بالعزم في تسيير الادارة والبطولة الحربية والشجاعة( ). اتخذ قلج علي خطوات عملية لتنفيذ مشروع خطير للغاية وهو إعادة الحكم الاسلامي في اسبانيا وتحرير الشمال الافريقي من الجيوب الصليبية فوجه اهتمامه الى الأسطول أكثر من غيره وصار بعده مبعث قلق ورهبة للأوروبيين( )، كما انتزع من الفرنسيين حق احتكار المرجان بمركز القالة بسبب تماطلهم وتخلفهم عن دفع الضريبة لثلاث سنوات مضت وتصرفهم في المنطقة التي نزلوا فيها تصرف السادة( ). سابعاً: إعادة تونس للحكم العثماني: صمم قلج علي على ضرورة تصفية القواعد الاسبانية في تونس، قبل أن يبدأ نشاطه في شبه الجزيرة الايبيرية( )، وذلك لتعبئة الدفاع عن طرابلس والجزائر وكان الاسبان قد اتخذوا من تونس نقطة ارتكاز وقاعدة انطلاق على العثمانيين في طرابلس والجزائر( )، لذلك لابد من تأمينها. كان قلج علي على اتصال بالوزير الحفصي أبي الطيب الخضار ورأى ذلك الوزير أن فتح تونس قد حان وقته وأرسل الى قلج علي يهون عليه أمرها ويتعهد له بتقديم العون( ). جهز بيلربك الجزائر قلج علي جيشاً مؤلفاً من نحو سبعة آلاف مقاتل وزحف به نحو تونس فقابل سلطانها أبي العباس أحمد بباجة، ثم بعد قتال عنيف انهزم الأمير الحفصي وتقدم قلج علي بمجموعة نحو تونس وأخذ بيعة أهلها للسلطان سليم الثاني ورتب حامية لحراسة البلاد تحت رعاية حيدر باشا وعاد الى مقره بالجزائر( )، وبقيت منطقة حلق الواد بيد الاسبان، وكانت قوات قلج علي لاتكفي وحدها لتطهير البلاد من الاحتلال الاسباني ، لذا فإنه كتب الى استانبول يطلب مده بقوة تكفي لتحرير الموقع( )، وكان اهتمام قلج علي بشرق الجزائر سياسة اختص بها من دون اسلافه، فكان يرى أنه لابد من تأمين ظهره ليتسنى له التقدم للغرب، ثم التوجه للأندلس، بعد أن يكون قد أضعف التواجد الاسباني في الشمال الأفريقي( ). ثامناً: ثورة مسلمي الأندلس: كانت حركة الجهاد في الشمال الأفريقي قد شجعت مسلمي الأندلس وفجرت طاقاتهم الكامنة وجعلتهم يتغلبون على الحواجز النفسية التي بنيت في نفوسهم على مر السنين وسادت الاقاليم الاسبانية موجة من الظلم والارهاب والفظائع، فهذه الحالة المربكة وماصاحبها من مظالم وويلات جعلت بقية مسلمي اسبانيا في الجنوب سواء من الذين ظلوا محافظين على دينهم أو المنتصرين ظاهرياً، يتأهبون للانقضاض على الحكم الاسباني( ). سادت اسبانيا ارهاصات ثورة المسلمين في غرناطة فشكل الملك الاسباني فيليب الثاني نوعاً جديداً من الميلشيات تقيم في كل مدينة من مدن اسبانيا لمواجهة الثورة بين الذين استقبلوا مبعوثين من ملك فاس لجمع الخراج على تبعيتهم في الولاء لسيادة الأمير السعدي، كما تلقى مسلمي الأندلس مساعدات عثمانية( )، اصبح الموقف صعباً بالنسبة لاسبانيا خاصة غرناطة ومما زاد الحالة خطورة أن بحرية فيليب الثاني كانت متفرقة في أنحاء بعيدة، وحصونه غير معززة والسواحل مكشوفة، خاصة الشواطئ الجنوبية موقع المجاهدين. بعد أن أعيت النصارى كل الوسائل للقضاء على الروح الدينة لمسلمي الأندس وتحويلهم للمسيحية لجأوا الى العنف فحرموا على المسلمين التحدث بالعربية والاتصال بالمسلمين في الشمال الافريقي وفي بعض اقاليم اسبانيا كما حرموا على النساء الخروج الى الشوارع متحجبات وقفل أبواب دورهم وتحطيم الحمامات وإقامة الحفلات حسب تقاليدهم، كل ذلك فجر الثورة وقاد مسلمي الأندلس الى حرب البوشارات التي هي أهم حرب أو ثورة مسلحة قام بها المسلمون بعد سقوط غرناطة كانت هذه الحرب في 1568م وتزعمها محمد بن أمية( ). تاسعاً: خيانة السلطان السعدي الغالب بالله لمسلمي الأندلس: بذل السلطان السعدي الغالب بالله الوعود المعسولة لرسل الثوار البورشارات ووعدهم بالنصر وتقديم كل مايحتاجونه من عتاد وسلاح ورجال... ، لكن استمر الغالب بالله محافظاً على روابطه الودية مع فيليب الثاني، وعمل على خذلان أهل الأندلس: (وأما أهل الأندلس وغشه لهم وتوريطهم للهلكة في دينهم وأقوالهم وأولادهم وفي نفوسهم فأمر مستعظم عند جميع من في قلبه ذرة من الايمان، وأدنى مملكة من الاسلام وذلك أنه لما احتوى عليهم النصراني ، وأخذ جميع أراضيهم وشملها سلطانه، بقي المسلمون بضع سنين تحت الذمة والذلة فقهروهم بكثرة المكس ، فصاروا يكتبون الى ملوك المسلمين شرقاً وغرباً وهم يناشدونه الله في الإغاثة وأكثر كتبهم الى مولاي عبدالله لأنه هو القريب الى أراضيهم ، زمان قد قوي سلطانه وصحت أركانه وجندت أجناده وكثرت أعداده فأمرهم غشاً منهم بأن يقوموا مع النصارى ليثق بهم في قولهم ويظهروا فعلهم، فما قاموا على النصارى تراخى عما وعدهم به من الإغاثة وكذب عليهم وغشا منه لهم ولدين الله عز وجل ومصلحة لملكه الزائل وكانت بينه وبين النصارى مكاتبات في ذلك ومراسلات، وأنه استشار معهم وأشار عليهم أن يخرجوا أهل الأندلس الى ناحية المغرب وقصده بذلك تعمير سواحله ويكون لهم بمدينتي فاس ومراكش جيش عظيم ينتفع به في صالح ملكه) ( ). تسارعت الاحداث في اسبانيا، وبلغ عدد المجاهدين في أوائل سنة 976هـ/1569م أكثر من مائة وخمسين ألف، وصادف تلك الثورة صعوبات كبيرة بالنسبة للحكومة الاسبانية ، إذ كانت غالبية الجيش متقدمة مع دوق البابا في الأراضي المنخفضة وأثبتت الدوريات البحرية أنها غير قادرة على حرمان الثوار المسلمين من الاتصال بالعثمانيين في الجزائر( ). عاشراً : قلج علي يقف موقف الأبطال مع مسلمي الأندلس: كان قلج علي على اتصال مباشر بقيادة مسلمي الأندلس عبر قنوات خاصة أشرف عليها جهاز الاستخبارات العثمانية واستطاع هذا القائد أن يمد الثوار في اسبانيا بالرجال والاسحلة والعتاد، وتم الاتفاق مع مسلمي الاندلس على القيام بثورة عارمة في الوقت الذي تصل فيه القوات الاسلامية من الجزائر الى مناطق معينة على الساحل الاسباني( ). جمع قلج علي جيشاً عظيماً قوامه أربعة عشر ألف رجل من رماة البنادق وستين ألفاً من المجاهدين العثمانيين من مختلف أرجاء البلاد، وأرسلهم الى مدينتي مستغانم ومازغران استعداداً للهجوم على وهران ثم النزول في بلاد الأندلس، وكان يرافق ذلك الجيش عدداً كبيراً من المدافع وألف وأربعمائة بعير محملة بالبارود الخاص بالمدافع والبنادق. وفي اليوم المتفق عليه وصلت اربعون سفينة من الأسطول العثماني أمام مرسى المرية الاسباني ، لشد آزر الثورة ساعة نشوبها لكن أخفق ذلك المخطط وذلك بسبب سوء تصرف أحد رجال الثورة الأندلسيين إذ انكشف أمره فداهمه الاسبان، وضبطوا ماكان يخفيه من سلاح( ) بعد أن نجح قلج علي في انزال الأسلحة والعتاد والمتطوعين على الساحل الاسباني( )، لم تقع الثورة في الموعد المحدد لها، وضاعت بذلك فرصة مفاجئة الاسبان( ). لقد قام قلج علي في شعبان سنة 976هـ/ يناير سنة 1569م ببعث اسطول الجزائر لتأييد الثائرين في محاولتهم الأولى، وحاول انزال الجند العثماني في الأماكن المتفق عليها ، لكن الاسبان كانوا قد عرفوا ذلك بعد اكتشاف المخطط فصدوا قلج علي عن النزول وكان الثورة في عنفوانها، وزوابع الشتاء قوية في البحر فالأسطول الجزائري صار يقاوم الاعاصير من أجل الوصول الى أماكن أخرى من الساحل ينزل بها المدد المطلوب ، إلا أن قوة الزوابع أغرقت 32 سفينة جزائرية تحمل الرجال والسلاح، وتمكنت ست سفن من انزال شحنتها فوق سواحل الأندلس، وكان فيها المدافع والبارود والمجاهدين( ). استمر قلج علي في امداد مسلمي الأندلس رغم الكارثة التي حلت بقواته ، وتمكن ذلك المجاهد الفذ من انزال اربعة آلاف مجاهد من رماة البنادق مع كمية كبيرة من الذخائر وبعض من قادة المجاهدين العثمانيين، للعمل في مراكز قيادة جهاد مسلمي الأندلس( ). وعاد العثمانيون فأرسلوا دعماً جديداً من الرجال والسلاح وإعانة للثورة الاندلسية، فصدرت الأوامر الى قلج علي بذلك في 23 شوال 977هـ/31 مارس 1570م ( ... عليك بالتنفيذ بما جاء في هذا الحكم حال وصوله وأن تعاون أهل الاسلام المذكورين بكل مايتيسر تقديمه لهم وأن الغفلة عن الكفار أصابهم الدمار غير جائزة...) وكان القائد المجاهد قلج علي قد عزم على الذهاب بنفسه ليتولى قيادة الجهاد هناك لكن ماشاع عن تجمع الاسطول الصليبي للقيام بمعركة حاسمة مع المسلمين وأمر السلطان العثماني له بالاستعداد للمشاركة في هذه المعركة جعله مضطراً للبقاء في الجزائر منتظراً لأوامر استانبول( ). وفي غمرة الثورة الاندلسية اتهم زعيم الثورة ابن أمية بالتقاعس عن الجهد وهاجمه المتآمرون وقتل في منزله واختير مولاي عبدالله بن محمد بن عبو بدلاً منه وبعث قلج علي تعزيزات له ونجح الزعيم الجديد في حملاته الأولى ضد النصارى الاسبان وطوق جيشه مدينة أرجيه. انزعجت الحكومة الاسبانية لهذا التطورات وعينت دون جوان النمساوي على قيادة الاسطول الأسباني (وهو ابن غير شرعي للأمبراطور شارل) فباشر قمع الثورة في سنواتها 977-987هـ/1569-1570م، وأتى من الفظائع مابخلت بأمثاله كتب الوقائع فذبح النساء والأطفال أمام عينيه، وأحرق المساكن ودمر البلاد وكان شعاره لاهوادة وانتهى الأمر بإذعان مسلمي الأندلس، لكنه إذعان مؤقت، إذ لم يلبث مولاي عبدالله أن عاد الكرة، فاحتال الاسبان عليه ، حتى قتلوه غيلة ونصبوا رأسه منصوباً فوق أحد أبواب غرناطة زمناً طويلاً( ).



المبحث التاسع: المتوكل على الله ابن عبدالله الغالب السعدي

تولى أمر السعديين بعد وفاة عبدالله الغالب بالله ابنه المتوكل على الله الذي كان يضمر الشر لعميه عبدالملك ابي مروان وأحمد المنصور فخرجا من المغرب واتجها الى السلطان العثماني يستنجدوا به( )، وما من شك في أن انتصار العثمانيين في تونس ضد الاسبان واستتباب الأمر فيها، قد شجعهم على مساعدة المولى عبدالملك المطالب بالعرش المغربي، لبسط نفوذه على البلاد، ولأن الاستيلاء على المغرب يؤمن الحدود الغربية للدولة العثمانية،ويوطد أقدام العثمانيين في مجموع الشمال الأفريقي علاوة على أن ضم المغرب من شأنه أن يبعث الرعب في قلوب الاسبان والبرتغال ويبعثهم على طلب ود السلطان في استانبول( ). تابع المتوكل على الله خطة والده في التقرب من الدول المسيحية ومسالمتها لصد العثمانيين ، حيث لم يعد لديه شك في أنهم سينجدون عميه بقوات عسكرية فعقد اتفاقاً مع انجلترا، التي كانت ترغب في تجارتها مع المغرب للفوائد التي تعود على التجار الانجليز من وراء ذلك، زيادة على أنها تدرك الأهمية العظمى التي للمغرب ، خصوصاً وقد كانت انجلترا في حالة حرب ضد اسبانيا( ) وتوقيع المتوكل للاتفاقية التجارية مع الانجليز ، يعد العمل الوحيد الذي قام به خلال حكمه القصير، وقد فعل ذلك باعتبار أن الانجليز كانوا من بين التجار الاجانب الذي يبيعون مواد الحرب من ذخائر وأسلحة للمغاربة منذ زمن بعيد، ولا تخفى علينا حاجة المتوكل في هذا الوقت الى السلاح لصد الخطر العثماني ولمقاومة عمه المطالب بالعرش. وجدت الدولة العثمانية في انشغال ملك اسبانيا فيليب الثاني بأحداث أوروبا الغربية حيث ثورة الأراضي المنخفضة، فرصة مناسبة للتدخل في المغرب( )، فأمدوا المولى عبدالملك بجيش قوامه خمسة آلاف مقاتل مسلحين بأحسن الأسلحة، ودخل المولى عبدالملك فاس بعد أن أحرز انتصاراً كبيراً على ابن أخيه المتوكل وعاد الجيش أدراجه الى الجزائر( ). وقام عبدالملك بإصلاحات في دولته من أهمها: 1- أمر بتجديد السفن، وبصنع المراكب الجديدة، فانتعشت بذلك الصناعة عامة. 2- اهتم بالتجارة البحرية ، وكان للأموال التي غنمها من حروبه على سواحل المغرب سبب في انتعاش ونمو الميزان الاقتصادي للدولة. 3- أسس جيشاً نظامياً متطوراً واستفاد من خبرة الجندية العثمانية وتشبه بهم في التسليح والرتب. 4- استطاع أن يبني علاقات متينة مع العثمانيين وجعل منهم حلفاء واصدقاء وإخوة مخلصين للمسلمين في المغرب. 5- فرض احترامه على أهل عصره، حتى الأوروبيين ، احترموه وأجلوه قال الشاعر الفرنسي أكبريبا دو بين المعاصر لأحداث هذه الفترة: ( كان عبدالمك جميل الوجه، بل أجمل قومه، وكان فكره نيراً بطبيعته، وكان يحسن اللغات الاسبانية والإيطالية والأرمنية والروسية، وكان شاعراً مجيداً في اللغة العربية ، وباختصار، فإن معارفه لوكانت عند أمير من أمرائنا لقلنا إن هذه أكثر مما يلزم بالنسبة لنبيل، فأحرى لملك)( ). 6- أهتم بتقوية مؤسسات الدولة ودواوينها وأجهزتها، واستطاع أن يشكل جهازاً شورياً للدولة اصبح على معرفة بأمور الدولة الداخلية، وأحوال السكان عامة، وعلى دراية بالسياسة الدولية وخاصة الدول التي لها علاقة بالسياسة المغربية وكان أخوه أبوالعباس أحمد المنصور بالله الملقب في كتب التاريخ بالذهبي ساعده الأيمن في كل شؤون الدولة)( ). أولاً: تحالف محمد المتوكل السعدي مع ملك البرتغال سبستيان: كان محمد المتوكل بعد هزيمته من عمه عبدالملك قد اتصل بملك البرتغال سبستيان واتفق معه على أن يعينه على طرد عمه من حكم المغرب، وأن يتنازل له مقابل ذلك عن جميع شواطئ المغرب، فقبل سبستيان ذلك العرض المغربي( ). انتقل المتوكل الى سبته وأقام بها أربعة شهور، ومنها اتجه الى طنجة في انتظار دون سبستيان على رأس القوات العسكرية. وفي أثناء استعدادات الدول المسيحية وخاصة البرتغال للوثوب على المغرب، وإخضاعه بالكامل ، أرسل العثمانيون مدربين وأسلحة متنوعة ، واشفعوا في ذلك بفيلق عسكري( )، حيث تتجلى هنا الروح الاسلامية في الدفاع عن عقيدتهم لأن المعركة معركة المسلمين جميعاً وخصوصاً الدولة العثمانية التي كانت تحمل على عاتقها حماية المسلمين واراضيهم بعيدة عن المصالح المادية( ). ثانياً: معركة وادي المخازن: إن من الأعمال العظيمة التي قامت بها الدولة السعدية في زمن السلطان عبدالملك انتصارهم الرائع والعظيم على نصارى البرتغال في معركة الملوك الثلاثة، والتي تسمى في كتب التاريخ معركة القصر الكبير أو معركة وادي المخازن بتاريخ : 30 جمادي الثانية 986هـ الموافق 4 آب (أغسطس) 1578م. لقد كان لتلك المعارك أسباب من أهمها: 1- أراد البرتغاليون أن يمحو عن أنفسهم العار والخزي الذي لحقهم بسبب ضربات المغاربة الموفقة والتي جعلتهم بنسحبون من أسفى وأزمور وأصيلا وغيرها في زمن يوحنا الثالث آب (1521-1557م). 2- أراد ملك البرتغال الجديد سبستيان ابن يوحنا أن يخوض حرباً مقدسة ضد المسلمين حتى يعلو شأنه بين ملوك أوروبا، وزاد غروره بعد ماحققه البرتغاليين من اكتشافات جغرافية جديدة أراد أن يستفيد منها من أجل تطويق العالم الاسلامي يدفعه في ذلك حقده على الاسلام وأهله عموماً، وعلى المغرب خصوصاً، لقد جمع ذلك الملك بين الحقد الصليبي والعقلية الاستعمارية التي ترى أن يدها مطلقة ، في كل أرض مسلمة تعجز عن حماية نفسها من أي خطر خارجي من جهة اخرى، ومن جهة اخرى خطط لغزو واحتلال المغرب( ). ثالثاً: حشود النصارى: استطاع سبستيان أن يحشد من النصارى عشرات الألوف من الاسبان والبرتغاليين والطليان والألمان وجهز هذه الألوف بكافة الأسلحة الممكنة في زمنه، وجهز ألف مركب لتحمل هؤلاء الجنود نحو المغرب( ). ووصلت قوات النصارى الى طنجة واصيلا في عام 1578م. رابعاً: الجيش المغربي: كانت الصيحة من جنبات المغرب الأقصى: "أن أقصدوا وادي المخازن للجهاد في سبيل الله". والتقت جموع المغاربة حول قيادة عبدالملك المعتصم بالله، وحاول المتوكل المخلوع أن يخترق ذلك التلاحم فكتب الى أهل المغرب مااستنصرت النصارى حتى عدمت النصرة من المسلمين وقد قال العلماء: إنه يجوز للانسان أن يستعين على من غصبه حق بكل ماأمكنه وتهددهم( ) قائلاً: {فإن لم تفعلوا، فأذنوا بحرب من الله ورسوله} (سورة البقرة، آية ). فأجابه علماء المغرب عن رسالته برسالة دحضت أباطيله، وفضحت زوره وبهتانه وكذبه، ومما جاء فيه : (الحمدلله كما يجب لجلاله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير أنبيائه ورسله، والرضى به، حتى أسس الله دين الاسلام بشروط صحته وكماله وبعد: فهذا جواب من كافة الشرفاء والعلماء والصلحاء والأجناد من أهل المغرب. لو رجعت على نفسك اللوم والعتاب، لعلمت أنك المحجوب والمصاب .. وأما قولك في النصارى فإنك رجعت الى أهل العدوة واستعظمت أن تسميهم بالنصارى، فيه المقت الذي لايخفى ، وقولك رجع إليهم حين عدمت النصرة من المسلمين ففيه محظورات يحضر عندهم غضب الرب جل جلاله، أحدهما: كونك اعتقدت أن المسلمين كلهم على ضلال ، وأن الحق لم يبق من يقوم به إلا النصارى والعياذ بالله. والثاني: إنك استعنت بالكفار على المسلمين: قال عليه الصلاة والسلام. إني لا استعين بمشرك.. الاستعانة بهم -بالمشركين- على المسلمين فلا يخطر إلا على بال من قلبه وراء لسانه، وقد قيل قديماً : لسان العاقل من وراء قلبه .. وقولك: فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله، إيه أنت مع الله ورسوله ولما سمعت جنود الله وأنصاره وحماة دينه من العرب والعجم قولك هذا، حملتهم الغيرة الاسلامية والحمية الايمانية ، وتجدد لهم نور الايمان وأشرق عليهم شعاع الايقان؛ فمن قائل يقول لا دين إلا دين محمد صلى الله عليه وسلم ، ومن قائل يقول: سترون ما أصنع عند اللقاء، ومن قائل يقول: {وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين..} (سورة العنكبوت: آية 110) وقد افتخرت في كتابك بجموع الروم وقيامهم معك، وعولت على بلوغ المُلك بحشودهم ، وأني لك هذا( ) مع قول الله تعالى : {ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون} ولما عاين أهل القصر الكبير النصارى واستبطؤوا وصول السلطان عبدالملك أرادوا الفرار والتحصن في الجبال، فقام الشيخ أبو المحاسن يوسف الفاسي بتثبيت الناس. وكتب عبدالملك بالله المعتصم بالله من مراكش الى سبستيان : (إن سطوتك قد ظهرت في خروجك من أرضك، وجوازك العدوة، فإن ثبت الى أن تقدم عليك، فأنت نصراني حقيقي شجاع، وإلا فأنت كلب بن كلب)( ). فليس من الشجاعة ولا من روح الفروسية أن ينقض على سكان القرى والمدن العزل، ولا ينتظر مقابلة المحاربين وكان لذلك الخطاب أثر في غضب سبستيان وقرر أخيراً التريث رغم مخالفة أركان جيشه الذين أشاروا عليه بالتقدم لاحتلال تطوان والعرايش والقصر( ). وتحركت قواد عبدالملك المعتصم بالله، وسار أخوه أحمد المنصور بأهل فاس وماحولها وكان اللقاء قرب محلة القصر الكبير. خامساً: قوى الطرفين (البرتغالي النصراني والاسلامي المغربي): الجيش البرتغالي : 125.000، ومايلزمهم من المعدات والرواية الأوروبية تقلل بعد الهزيمة عدد جيشها، وتضخم عدد جيش المغرب، فهي تتحدث عن 14.000راجحل، و2000 فارس ، و36 مدفعاً، ومقابل 50.000 راجل في الجيش المغربي و22.000 ، 1.500 من الرماة، 20 مدفعاً. ذكر ابو القاضي في (المنتقى المقصور): (عدد الجيش البرتغالي مئة ألف وخمسة وعشرون ألفاً)( ). وقال أبو عبدالله محمد العربي الفاسي في (مرآة المحاسن): أن مجموعهم كان مئة وعشرين ألفاً، وأقل ماقيل في عددهم ثمانون ألف مقاتل( ). كان مع الجيش البرتغالي: 20.000 إسباني، 3000 ألماني، 7000 إيطالي... وغيرهم عدد كبير .. مع ألوف الخيل، وأكثر من أربعين مدفعاً.. وكل هذه القوى البشرية والمادية بقيادة الملك سبستيان. وكان معهم، المتوكل المسلوخ بشرذمة تتراوح مابين 300-600 رجل على الأكثر( ). الجيش المغربي: وكان جيش المغاربة تعداده 40.000 مجاهداً يملكون تفوقاً في الخيل ومدافعهم أربعة وثلاثون مدفعاً فقط وكانت معنوياتهم مرتفعة جداً بسبب : 1- ذاقوا حلاوة الانتصار على النصارى المحتلين واستخلصوا من ايديهم ثغوراً كثيرة كانت محاطة بالأسوار العالية، والحصون المنيعة، والخنادق العميقة. 2- إلتفاف الشعب حول القيادة، تم إلتحام القبائل والطرق الصوفية وأهل المدن لأن المعركة كانت حاسمة في تاريخ الاسلام وفاصلة في تاريخ المغرب وكان الشيخ ابو المحاسن الفاسي زعيم الطريقة الشاذلية الجزولية لا يكل ولا يمل في شحذ الهمم ورفع المعنويات وقد قاد هذا الشيخ أحد جناحي الجيش المغربي وأبلى بلاءً حسناً رائعاً وثبت الى أن منح الله المسلمين النصر، وركبوا أكتاف العدو يقتلون ويأسرون وتورع أبو المحاسن عن الغنيمة بعد الانتصار العظيم ، وعفَّ عنها، ولم يأخذ منها شيئاً( ). وأظهر عبدالملك المعتصم بالله وأخوه ابوالعباس والقادة العثمانيون عبقرية فذة في المعركة. " لقد حنكت التجارب عبدالملك المعتصم بالله، فعزل عدوه عن اسطوله بالشاطئ بمكيدة عظيمة، وخطة مدروسة حكيمة، عندما استدرج سبستيان الى مكان حدده عبدالملك ميداناً للمعركة. وكان عزله عن أسطوله محكماً عندما أمر عبدالملك بالقنطرة أن تهدم ووجه إليها كتيبة من الخيل بقيادة أخيه المنصور فهدمها"( ). لقد جعل عبدالملك المدفعية في المقدمة، ثم صفوف للرماة المشاة، وجعل قيادته في القلب وعلى المجنبتين رماه فرسان والقوى الاسلامية المتطوعة وجعل مجموعة من الفرسان كقوة احتياطية لتنقض في الوقت المناسب وهي في غاية الراحة لمطاردة فلولا البرتغاليين ، واستثمار النصر( ). كان صباح الاثنين 30 جمادى الآخرة 986هـ/1578م يوماً مشهوداً في تاريخ المغرب، ويوماً خالداً في تاريخ الاسلام. وقف السلطان عبدالملك المعتصم بالله خطيباً في جيشه، مذكراً بوعد الله للصادقين المجاهدين بالنصر( ) : {ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز} (الحج: آية 40). { وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم} (الانفال: آية 10). كما ذكر بوجب الثبات: { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولهم الأدبار} (الانفال: آية 15). { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاأثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون} (الانفال : آية 45). وبضرورة الانتظام: { إن الله يحب الذين يقاتلون في سيبله صفاً كأنهم بنيان مرصوص} (الصف: آية 4). وذكر أيضاً حقيقة لا مراء فيها: إن انتصرت الصليبية اليوم، فلن تقوم للاسلام بعدها قائمة. ثم قرئت آيات كريمة من كتاب الله العزيز، فاشتاقت النفوس للشهادة( ). ولم يأل القسسُ والرهبان في إثارة حماس جند أوروبا الذين يقودهم سبستيان، مذكرين أن البابا أحل من أوزار والخطايا أرواح من يلقون حتفهم في هذه الحروب التي أتسمت بطابع الحروب الصليبية. وانطلقت عشرات الطلقات النارية من الطرفين كليهما إيذاناً ببدء المعركة. لقد قام السلطان عبدالملك برد الهجوم الاول منطلقاً كالسهم شاهراً سيفه يمهد الطريق لجنوده الى صفوف النصارى، وغالبه المرض الذي سايره من مراكش ودخل خيمته وماهي إلا دقائق حتى فاضت روحه في ساحة الفدى، لقد رفض أن يتخلف عن المعركة قائلاً ومتى كان المرض يثني المسلمين عن الجهاد في سبيل الله، وأمر هذا القائد المجاهد عجيب في الحزم والشجاعة، ولقد فاضت روحه وهو واضع سبابته على فمه مشيراً أن يكتموا الأمر حتى يتم النصر، ولا يضطربوا وكان كذلك، فلم يعلم أحد بموته إلا أخوه أحمد المنصور وحاجبه رضوان العلج، وصار حاجبه يقول للجند : (السلطان يأمر فلاناً أن يذهب الى موضع كذا، وفلاناً يلزم الراية، وفلاناً يتقدم وفلاناً يتأخر)( ). وقاد احمد المنصور مقدمة الجيش وصدم مؤخرة الجيش البرتغالي ، وأوقدت النار في برود النصارى، وصدم المسلمون رماتهم، فتهالك قسم منهم صرعى، وولى الباقون الادبار قاصدين قنطرة نهر واد المخازن وكانت تلك القنطرة أثر بعد عين ، نسفها المسلمون بأمر سلطانهم ، فارتموا بالنهر، فغرق من غرق وأسر من أسر ، وقتل من قتل ، وصُرع سبستيان وألوف من حوله ، ووقع المتوكل رمز الخيانة غريقاً في نهر وادي المخازن. واستمرت المعركة أربع ساعات وثلت الساعة، وكتب الله فيها النصر للاسلام والمسلمين( ). جاء في (درة السلوك) لأحمد بن القاضي ، وهو معاصر لأحداث المعركة "مخطوط بدار الوثائق بالرباط د 428، ص14"( ): وابن أخيه( ) بالنصارى اعتصما وصار يستجدهم لمن سَمَا أجابه اللعينُ بستيان( ) بجيشه ومعه الاوثان وعدد الجيوش الذي جمعا ينيف عن مائة ألف سُمِعا فخلص الاسلام من يَدِ اللعين بصبره على لقاء المشركين مامنهم إلا قتيل وأسير في ساعة من الزمان( ) ذا شهيد مات بها بستيان اللعين فماله عن الردى معين ثم محمد( ) الذي أتى به مات غريقاً يوماً فانتبهِ لحكمه الله العظيم القاهر أفادهم وزيَّنَ المنابر بذكر عمه أبي العباس الحازم الرّ أي شديد الباس نجلُ الرسول المصطفى المختار به زها المغربُ على الأقطار( ) سادساً: أسباب نصر وادي المخازن: 1- القيادة الحكيمة التي تمثلت في زعامة عبدالملك المعتصم بالله وأخيه أبي العباس، ولحاجبه المنصور، وظهور مجموعة من القادة المحنكين من أمثال أبي علي القوري ، والحسن العلج، ومحمد أبي طيبة، وعلي بن موسى، الذي كان عاملاً على العرائش. 2- التفاف الشعب المسلم المغربي حول قيادته بسبب أبي المحاسن يوسف الفاسي والذي استطاع أن يبعث روح الجهاد في القوى الشعبية. 3- رغبة المسلمين في الذود عن دينهم وعقيدتهم وأعراضهم، والعمل على تضميد الجراح بسبب سقوط غرناطة، وضياع الأندلس ، والانتقام من النصارى الذين عذبوا المسلمين المهاجرين والذين تحت حكمهم في الأندلس. 4- اشتراك خبراء من العثمانيين تميزوا بالمهارة في الرمي بالمدفعية وشارك كذلك مجموعة من الاندلسيين تميزوا بالرمي والتصويب بدقة مما جعل المدفعية المغربية تتفوق على المدفعية البرتغالية النصرانية . 5- الخطة المحكمة التي رسمها عبدالملك المعتصم بالله مع قادة حربه حيث استطاع أن يستدرج خصومه الى ميدان تجول فيه الخيل وتصول، مع قطع طرق تموينه وإمداده ثم نسفه للقنطرة الوحيدة على نهر وادي المخازن. 6- القدوة والأسوة المثالية التي ضربها للناس كل من عبدالملك وأخيه أحمد المنصور حيث شاركوا بالفعل والسنان في القتال فكان حالهما له أثر أشد في اتباعهم من قولهم. 7- تفوق القوات المغربية بالخيل حيث استطاع الفرسان أن يستثمروا النصر ويطوقوا النصارى المنهزمين ومنعتهم خيل المسلمين الخفيفة الحركة من أي فرصة للفرار. 8- استبداد سبستيان بالرأي وعدم الأخذ بمشورة مستشاريه وكبار رجال دولته مما جعل القلوب تتنافر. 9- وعي الشعب المغربي المسلم بخطورة الغزو النصراني البرتغالي وقناعته بأنه جهاد في سبيل الله ضد غزو صليبي حاقد( ). 10- دعاء وتضرع المسلمين لله بإنزال النصر عليهم وخذل وهزيمة أعدائهم ، وغير ذلك من الاسباب. سابعاً: نتائج المعركة: 1- أصبح سلطان المغرب بعد عبدالملك أحمد المنصور بالله الملقب بالذهبي وبويع بعد الفراغ من القتال بميدان المعركة، وذلك يوم الاثنين 30 جمادى الآخرة سنة ست وثمانين وتسع مئة للهجرة. 2- وصلت أنباء الانتصار بواسطة رسل السلطان أحمد الذهبي الى مقر السلطنة العثمانية، وفي زمن السلطان مراد خان الثالث، والى سائر ممالك الاسلام المجاورة للمغرب وغيرها، وحل السرور بالمسلمين وعم السعد في ديارهم ووردت الرسائل من سائر الاقطار مهنئين ومباركين للشعب المغربي نصرهم العظيم. 3- ارتفع نجم الدولة السعدية في آفق العالم وأصبحت دول أوروبة تخطب ودها واضطر ملك البرتغال الجديد وملك اسبانيا أن يرسلوا وفوداً محملة بالهدايا الثمنية. ثم قَدِمَتْ رسل السلطان العثماني مهنئة ومباركة ومعهم هدياهم الثمينة وبعدها رسل ملك فرنسا واصبحت الوفود (تصبح وتمسي على اعتاب تلك القصور)( ). 4- سقط نجم نصارى البرتغال في بحار المغرب واضطربت دولتهم، وضعفت شوكتهم ، وتهاوت قوتهم. يقول لويس ماريه -المؤرخ البرتغالي- واصفاً نتائج المعركة: " وقد كان مخبوءاً لنا في مستقبل الاعصار ، العصر، الذي لو وصفته -كما وصفه غيره من المؤرخين- لقلت: هو العصر النحس البالغ النحوسة ، الذي انتهت فيه مدة الصولة والظفر والنجاح، وانقضت فيه أيام العناية من البرتغال ، وانطفأ مصباحهم بين الأجناس، وزال رونقهم، وذهبت النخوة والقوة منهم، وخلفها الفشل الذريع ، وانقطع الرجاء واضمحل إبان الغنى والربح، وذلك هو العصر الذي هلك فيه سبستيان في القصر الكبير في بلاد المغرب"( ). 5- مات في تلك المعركة ثلاثة ملوك، صليبي حاقد سبستيان ملك البرتغال، وملك مخلوع خائن محمد المتوكل، ومجاهد شهيد، عبدالملك المعتصم بالله. 6- سارع البرتغاليون النصارى بفكاك أسراهم ودفعوا أموالاً طائلة للدولة السعدية. 7- سادت فترة هدوء ورخاء وبناء وازدهار في العلوم والفنون والصناعات في بلاد المغرب. 8- حدث تحول جذري في التفكير والتخطيط على مستوى أوروبا حيث رأوا أهمية الغزو الفكري لبلاد المسلمين، لأن سياسة الحديد والنار تحطمت أمام إرادة الشعوب الاسلامية في المشرق والمغرب( ). استمر احمد المنصور على منهج أخيه في بناء المؤسسات واقتناء ماوصلت إليه الكشوفات العلمية وتطوير الادارة والقضاء والجيش، وترتيب الأقاليم وتنظيمها، وكان أحمد المنصور يتابع وزراءه وكبار موظفيه ويحاسبهم على عدم المحافظة على أوقات العمل الرسمية، أو التأخير في الرد على المراسلات الإدارية والسياسية. وأحدث حروف لرموز خاصة بكتابة المراسلات السرية حتى لايعرف فحواها إذا وقعت في يد عدو، وهذا يدل على اهتمامه الشخصي بجهاز الأمن والاستخبارات التي تحمي به الدولة من الاخطار الداخلية والخارجية. واهتم بالجهاز القضائي ، وفصل السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية تماماً، ومنع السلطة التنفيذية من التدخل في السلطة القضائية. وقد قارن مؤرخ فرنسي بين القضاء الأوروبي والقضاء المغربي في القرنيين الحادي عشر والثاني عشر الهجريين (16، 17م) فقال: "في الوقت الذي كانت أوروبة في العصر السعدي يحتفظ الملوك فيها وحدهم بحق الحكم في عدد من القضايا ، فإن الملوك السعديين لا ينظرون إلا في القضايا المرفوعة ضد رجال السلطة ، وهذا ماكان يدعى بقضاء المظالم( ). وترأس أحمد المنصور مجلس المظالم وجعله في جامع القصبة في مراكش ، بجوار قصره وشكل لجنة تراقب مجرى القضاء في الاقاليم ويهتم بمطالعة ودراسة تقاريرهم بعناية واهتم بضبط الادارة وإحكام دولته وإقامة العدل على رعاياه وعمل على إقامة محطات في أرجاء البلاد يحرسها جنود مقيمون لا يبعد بعضهم عن بعض إلا بمسافة عشرين كيلومتراً بحيث يستطيع المسافرون والقوافل أن تمر عبر القرى والبوادي بأمن وسلام. وطور عمل المؤسسات الاستشارية وأوجد مجلس الديوان أو مجلس الملاء واختصاصاته سياسية وقضائية وعسكرية، وهو أعلى مرجع قانوني للبلاد، إلا أنه لايستطيع أن يتجاوز أحكام السلطة القضائية ، ولوكانت ضد المجلس كله أو بعض رجاله وكان مجلس الديوان من المرونة وسعة الافق بحيث يسمع بدخول المختصين أو ممثلين المدن والمراكز القروية عندما يقتضي الامر استشارات على نطاق شعبي واسع( ). وطور السلطان احمد المنصور جيش دولته واقتدى بالنظام العثماني في التسليح والرتب واللباس واهتم بإسناد القيادات لمن أظهر كفاءة عسكرية عالية واثبتت الايام انه أهل لذلك ومن أهم هذه القيادات ، إبراهيم محمد السُّفياني قائد الجبهة الامامية في وادي المخازن، وأحمد بن بركة، وأحمد العمري المعقلي. ودعمّ جيشه بالوحدات الطبية من جراحين وغيرهم وأقام مستشفيات متنقلة ميدانية تستقبل الجرحى والمرضى في الحروب واهتم بتأهيل التقنيين المتخصصين في جيشه، وقام السعديون ببناء دار العدة لصناعة المدافع واهتموا بتطوير الأسطول، خصوصاً في مينائي العرائش وسلا( ). ومد نفوذ الدولة السعدية نحو الجنوب وضم بلاد السودان الغربي إلى نفوذه ودخل في لعبة الموازنات الدولية بين الاسبان والانجليز والعثمانيين، وظهرت منه مواهب سياسية متميزة، واستطاع أن يحقق الأمن والأزدهار والرفاه والخصب لبلاده( ). ثامناً: اقتراح عثماني على السعديين: بدأت القوات الاسبانية في اكتساح الأراضي البرتغالية، ولم يستطع الأمير البرتغالي دون أنطونيو مقاومة تلك القوات الاسبانية، التي ضمت أراضيه لسنة 988هـ/1580م عند ذلك اقترح السلطان العثماني مراد الثالث عقد تحالف عسكري ضد الاسبان على أساس امداده بأسطول حربي وقوات عسكرية فبعث برسالتين في رجب 988هـ/ سبتمبر 1580م، قال فيها " .. فلما وصل بمسامعنا الشريفة ومشاعرنا الحقانية المنيفة خبر طاغية قشتالة وأنه احتوى على سلطنة برتغالي، أو كاد وأنه جعل أهلها في الأغلال والأصفاد، وأنه لكم جار وعدو مضرار حركتنا الحمية الإسلامية .. لإظهار الألفة الأزلية أن تتخذ عهداً وتؤكد أن المملكتين محروستا الجوانب ونعلق العهد بالكعبة ... فإذا تم هذا الشأن .. نوجه لكم ثلاثمائة غرابا سلطانية وجيش عز ونصر وكماه عثمانية تستفتح بها إنشاء الله بلاد الأندلس .. ". كان قلج علي بعد استقرار الدولة العثمانية في تونس بدأت أنظاره تتطلع إلى المغرب( )، وأخذ يعمل في توحيد الوجهة السياسية لبلاد المغرب الإسلامي، لضمه إلى الدولة العثمانية( )، خاصة بعد تذبذب موقف المولى أحمد المنصور الأخير من الدولة صدرت الأوامر إلى قلج علي قائد الأسطول العثماني بالتوجه إلى المغرب لضمه للدولة العثمانية، فوصل قلج علي إلى الجزائر في جمادي الثانية 989هـ/ يونيو 1581م، بينما كان المنصور يرابط بقواته عند نهر تانسيفت، وكانت القوات المغربية قد استعدت لمواجهة التدخل العثماني، إذ جهز المنصور جنوده وتقدم بها حتى حدود بلاده، كما سد مدخل مملكته، وحصن الثغور، وإلى جانب تلك الاستعدادات وجه المنصور سفارة خاصة لأسطنبول وذلك بعد أن توصل إلى شبه اتفاق عسكري مع الملك الاسباني الذي انتهى من مشاكله بدخوله للعاصمة البرتغالية لشبونة في 27 جمادي الثانية 989هـ/ 31 يوليو 1581م، على أساس تقديم المساعدة العسكرية للمغرب، لمواجهة التدخل العثماني، مقابل التنازل عن مدينة العرائش وامتيازات أخرى وأمام تطور الأحداث لم يجد السلطان العثماني بداً من قبول الأمر الواقع والتراجع عن غزو المغرب بأن أمر قلج علي( ) ، وجعفر باشا نائب قلج علي في الجزائر، بالتخلي عن العمل بالمغرب والانتقال إلى الشرق، حيث اضطربت الأمور بالحجاز فتخلى قلج علي عن هدفه الطموح في استرداد الأندلس، بعد توحيد الجبهة لبلاد المغرب الإسلامي( ). تردد السفراء بين الاستانة وفاس فتوجهت سفارات أحمد بن ودة والشاظمي وابي الحسن علي بن محمد التمكروتي بين عامي 979هـ/ 1588م، 999هـ/1590م، واستقبل أحمد المنصور سفيراً عثمانية في 998هـ/ 1589م( ) لم تتحقق رغبة السلطان العثماني في التحالف مع السعديين لاسترداد الأندلس وذلك بسبب انشغال الدولة بحروبها المضنية ضد الشيعة الصفوية في إيران، والهابسبرج في وسط أوروبا، بالإضافة إلى واجبها نحو حماية مقدسات الأمة الإسلامية في الحجاز، وتدعيم حزامه الأمني( ). تاسعاً: جهاد الوالي الجزائري وتغير الأوضاع : جهز الوالي العثماني في الجزائر أسطوله في سنة 990هـ/1582م لمحاربة اسبانيا فوق أرضها، فنزل المجاهدون المسلمون في برشلونة فأعملوا فيها تدميراً ثم عبروا مضيق جبل طارق وهاجموا جزر الكناري التي تحتلها اسبانيا فدمروا المراكز العسكرية وغنموا مافيها ولم يكن الأسطول العثماني يذهب للأندلس لمجرد التنكيل بالاسبانيين ولتدمير منشآتهم بل كان بالدرجة الأولى لانقاذ المسلمين من نكبتهم وتعرض المجاهدون أثناء ذلك لمعارك قاسية وهزائم أحياناً( ). ازداد تطاول الانكشارية في الجزائر على الأهالي في الوقت الذي انصرف رجال البحر ليمارسوا الجهاد البحري على نطاق واسع( ) ، لذلك حضر حسن فنزيانو من نشاطه البحري، الذي بادر إلى عودته إلى الجزائر حينما بلغه انتشار الفوضى بين الجنود، فانتصب على الجزائر للمرة الثانية، وفرض طاعته على الرعية وذلك في ربيع الثاني سنة 991هـ/ ابريل 1583م، ولم يعارض الباب العالي في توليه، لما كان له من العقل في حسم الخلاف وإطفاء نار الفتن واستتباب الأمن بالجزائر . باشر حسن فنزيانو تسيير الإدارة بما عهد منه من نشاط وحزم فإنه لم يترك قيادة الأسطول العثماني بالجزائر لغيره، وكثرت في أيامه المغانم بما كانت تجلبه السفن من السواحل الاسبانية والجزر الشرقية من نفائس، وبما كان يستولي عليه من الأسرى والمغانم في غزواته. وفي 992هـ/1584م أبحر حسن فنزيانو بأسطوله على ثغر بلنسية وحمل أعداداً كبيرة من مسلمي الأندلس، إذ أنقذهم من اضطهاد الاسبان، كما استطاع في السنة التالية انقاذ جميع سكان كالوسا، إذ حملهم إلى الجزائر وفي السنة بعدها توغل مراد رايس في المحيط الأطلس فأغار على جزر الكناري وغنم منها غنائم كثيرة بما فيهم زوجة حاكم تلك الجزر، وبقي حسن فنزيانو على رأس الحكومة العثمانية بالجزائر إلى أن استدعاه السلطان في اسطنبول ليتولى منصب إمارة البحر " قبودان دوريا "( ) وذلك بعد وفاة قلج علي سنة 995هـ/1587م . عاشراً: انتهاء نظام البيلربك في الجزائر: بوفاة قلج علي انتهى في الجزائر نظم البيلربك الذي جعل من حكام الجزائر ملوكاً واسعي السلطة والنفوذ واستعيض عنه بنظام الباشوية مثلها في ذلك تونس وطرابلس( ) ، ويفسر هذا التغيير في شكل الحكم العثماني بخوف السلطان العثماني في أن يتجه البيلربك بسبب قوتهم وضعف البحرية العثمانية نحو الاستقلال. وكان الباشا موظف ترسله الاستانة لمدة ثلاث سنوات يتولى خلالها حكم البلاد دون أن يكون له سند أساسي أو سند محلي بين القوى التي تسيطر على البلاد( ) ، ويكون الباشا في كل من طرابلس وتونس والجزائر وكيلاً للسلطان ويكون مطلق التصرف لبعد الولاية عن العاصمة اسطنبول. كانت أحداث مابعد 997هـ/1588م في نيابات العثمانية الثلاث طرابلس وتونس والجزائر تفيد بسطوة الجنود ورجال البحرية على السلطنة فيها على حساب سلطة الباشا إلا أن طبيعة علاقات السلطة في داخل الولاية مع امساك السلطنة العثمانية بسلطة إصدار الغرامات، قد ضمنا تحقيق الأهداف العثمانية في الحكم من حيث الخطبة باسم السلطان وتحصيل الأموال سنوياً والمساهمة في حروب الدولة والقبول بالباشا القادم من الاستانة ممثلاً أعلى للسلطان في حكم النيابة وهي جميعها من رموز السيادة العثمانية الرسمية( ). كان ذلك هو التحول الذي جرى في الدولة نحو الشمال الافريقي، إثر معركة ليبانتوسنه 978هـ/1571م ، فبعد أن كان الشمال الأفريقي تحت مسؤولية البيلربك الموجود في الجزائر، انقسمت المنطقة إلى ثلاث ولايات هي طرابلس وتونس والجزائر وصارت ولايات عادية مثلها مثل سائر الولايات العثمانية الأخرى، لقد كان موقف الدولة السعدية من جهة، وتصرف بعض الانكشاريين من جهة وجبهات المشرق من جهة وغير ذلك من الأسباب أضعف همة الدولة في إرجاع الأندلس . لقد حالت عدة أسباب دون ضم المغرب الأقصى للدولة العثمانية منها: 1- ظهور شخصية قوية حاكمة في المغرب ونعني به المنصور السعدي. 2- وفاة قلج علي في 1587م ومن بعده أدخل الشمال الأفريقي في نظام الولايات. 3- كان النصر الذي أحرزه المغاربة على البرتغاليين في معركة وادي المخازن سبباً في تقدير السلطات العثمانية للسعديين واحترامهم( ) لقد كانت الدولة العثمانية في جهودها البحرية في البحر المتوسط أكثر توفيقاً من البحر الأحمر والمحيطات لعدة أسباب منها: 1- قرب الشمال الأفريقي من كل من اسطنبول ومصر يجعل الامدادات متلاحقة ويجعل صورة الأحداث واضحة، والتطورات العسكرية مفهومة، بعكس الحال في المحيطات حيث كانت تطورات الأمور لاتصل إلا بعد وقت طويل وبشكل غير واضح. 2- كانت للعثمانيين قواعد قوية في شمال افريقية تستند إلى خلفية إسلامية واسعة وخبرة عملية في محاربة النصارى وكانوا على استعداد للتعاون مع العثمانيين والدخول تحت نفوذهم. 3- لم تكن هناك مقاومة مذهبية عنيفة في شمال افريقية بل كانت الهيمنة للمذهب السني الذي استطاع أن يقف أمام المذاهب المنحرفة ويجتثها من جذورها( ).


الفصل الخامس: بداية اضمحلال الدولة العثمانية

اتفق المؤرخون على أن عظمة الدولة العثمانية قد انتهت بوفاة السلطان العثماني سليمان القانوني عام ( 974هـ/ 1566م ) وكانت مقدمات ضعف الدولة قد اتضحت في عهد السلطان سليمان، إذ وقع السلطان تحت تأثير زوجته روكسلانا التي تدخلت للتآمر ضد الأمير مصطفى ليتولى ابنها سليم الثاني الخلافة بعد أبيه وكان مصطفى قائداً عظيماً ومحبوباً من الضباط، مما أدى إلى سخط الانكشارية ونشوب ثورة كبرى ضد السلطان وأخمدها السلطان سليمان، وبذلك تم القضاء على مصطفى وابنه الرضيع وكذلك قتل السلطان ابنه بايزيد وأبناءه الأربعة بدسيسة من أحد الوزراء( ) ومن مظاهر الضعف في عهد سليمان بدء انسحاب السلطان من جلسات الديوان، وبروز سطوة الحريم والعجز عن مواجهة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي أدت إلى نشوب القلاقل الشعبية في الروميلي والأناضول( ).

المبحث الأول: السلطان سليم الثاني

تولى الحكم في 9 ربيع الأول سنة 974هـ، ولم يكن مؤهلاً لحفظ فتوحات والده السلطان سليمان ولولا وجود الوزير الفذ والمجاهد الكبير والسياسي القدير محمد باشا الصقللي( ) لانهارت الدولة، إذ قام بإعادة هيبتها وزرع الرهبة في قلوب أعدائها وعقد صلحاً مع النمسا وأتم توقيع معاهدة في عام 975هـ الموافق 1967م احتفظت بموجبها النمسا بأملاكها في بلاد المجر ودفعت الجزية السنوية المقررة سابقاً للدولة كما اعترف أمراء تراسلفانيا والأفلاق والبغدان( ). أولاً: تجدد الهدنة مع شارل التاسع ملك فرنسا: تجددت الهدنة مع ملك بولونيا وشارل التاسع ملك فرنسا في عام 980هـ الموافق 1569م كما زادت الامتيازات القنصلية الفرنسية وجرى تعيين هنري دي فالوا - وهو أخو ملك فرنسا - ملكاً على بولونيا باتفاق مع فرنسا التي أصبحت بذلك ملكة التجارة في البحر المتوسط . وطبقاً للمعاهدات السابقة فقد قامت تلك الدولة - أي فرنسا - بإرسال البعثات الدينية النصرانية إلى كافة أرجاء البلاد العثمانية التي يسكنها نصارى وخاصة بلاد الشام وقامت بزرع محبة فرنسا في نفوس نصارى الشام ممّا كان له أثر يذكر في ضعف الدولة، إذ امتد النفوذ الفرنسي بين النصارى وبالتالي ازداد العصيان وتشجعوا على الثورات فكان من أهم نتائج ذلك التدخل الاحتفاظ بجنسية ولغة الأقليات النصرانية حتى إذا ضعفت الدولة العثمانية ثارت تلك الشعوب مطالبة بالإستقلال بدعم وتأييد من دول أوروبا النصرانية( ). إن اقتناع الدول الأوروبية بكون " نظام الامتيازات الأجنبية، حقاً من حقوقها الطبيعية هو الذي دفع فرنسة لإرسال جنودها لمساعدة البندقية التي كان السلطان مراد الرابع ( 1624-1640م ) يحاربها، كما أرسلت سفيرها برفقة عمارة بحرية لإرهاب الدولة العلية ومطالبتها بتحديد الامتيازات. لكن الصدر الأعظم حينئذ والذي كان مازال يمتلك قراره السياسي، أخبر السفير "بأن المعاهدات هذه ليست اضطرارية واجبة التنفيذ ذلك لكونها منحة سلطانية فحسب، الأمر الذي جعل فرنسة تتراجع عن تهديداتها وتتحايل لدى السلطان ليوافق من جديد على تجديد نظام الامتيازات عام 673م، مما زاد الطين بلة، وبدل أن تتعظ الدولة العثمانية مما حدث أمر السلطان محمد الرابع (1648-1687م) بتفويض فرنسة حق حماية بيت المقدس( ) تتابع بتجديد الامتيازات، وفي كل مرة يضاف قيد جديد على السلطنة ففي تجديد عام 1740م أضافت السلطنة امتيازات تجارية جديدة لفرنسة. ولكن الامتيازات تعرضت لتهديد حقيقي عندما احتل نابليون بونابرت مصر، فقد أوقفت السلطنة العمل بها، غير أن نابليون كان قد تراجع في الوقت المناسب حفاظاً على علاقته مع السلطنة، وذلك حين عرض انسحاب فرنسة من مصر لقاء تجديد الامتيازات، وقد تم ذلك بالفعل في 9 تشرين أو ( أكتوبر ) 1801م وأضافت السلطنة امتيازاً جديداً يقضي بمنح فرنسة حرية التجارة والملاحة في البحر الأسود( ). لقد كانت نتائج هذه الامتيازات وخيمة جداً على السلطنة ولقد بين المؤرخ اليوناني ويمتري كيتسيكس : " .. أن الامتيازات حطمت اقتصاد الامبراطورية بتحطيمها النظام الضريبي العثماني القائم على حماية التجارة المحلية ضد المنافسة الاجنبية .. "( ). بل هذه الامتيازات حالت دون قيام السلطنة بتنفيذ مشروعات إصلاحية واستنباط موارد مالية جديدة لمواجهة نفقات الإدارة والحكم، لذلك أصبحت معاهدات الامتيازات الأجنبية بمثابة مواثيق مذلة للعثمانيين مادام الأوربيون لايخضعون للسلطات العثمانية، فقد أصبحوا وكأنهم يشكلون حكومة داخل الحكومة العثمانية( ). ثانياً: حاكم خوارزم يطلب الحماية من السلطان سليم الثاني اشتكى حاكم خوارزم للسلطان سليم الثاني، من أن شاه فارس يقبض على الحجاج الوافدين من تركستان، بمجرد عبورهم حدوده، وأن موسكو بعد استيلائها على استراخان منعت مرور الحجاج والتجارة، ووضعت العقبات والعراقيل أمامهم، لهذا طلب حاكم خوارزم، وحكام بخارى وسمرقند من السلطان سليم الثاني أن يفتح استرخان بهدف إعادة فتح طريق الحج( ) لاقى ذلك الطلب القبول لدى الدولة العثمانية اعد صوقللي باشا الصدر الأعظم في الدولة حملة كبرى سنة 976هـ/977هـ/568-1569م للاستيلاء على استراخان وتحويلها إلى قاعدة عثمانية للدفاع عن المنطقة وأن يصل مابين نهري الفولجا والدون بقناة صالحة لمرور السفن لتسهل دخول الأسطول العثماني بحر الخزر ( قزوين ) عن طريق البحر الأسود لتمكن العثمانيين من وقف التوسع الروسي نحو الجنوب وتطرد الفرس من القوقاز واذربيجان بل وغزو فارس من الشمال، بدلاً من مرور الجيوش العثمانية بأرض أذربيجان الوعرة، والاتصال بالأزبك أعداء الصفويين وتتار القرم، ومن شأن كل ذلك أن يؤدي إلى إحياء طريق القوافل القديمة المارة بأواسط آسيا من الشرق إلى الغرب( ). شرع العثمانيون في تنفيذ مشروع وصل نهر الدون بالفولجا، وحل شهر جمادي الأولى 977هـ/ اكتوبر 1569م حتى كان ثلث القناة قد اكتمل، وان يكن موسم الشتاء قد أدى إلى إيقاف العمل، وحينئذ اقترح قائد الحملة استعمال سفن صغيرة محملة بالمدافع والذخيرة لشن الهجوم على استراخان إلا أن الحملة فشلت بسبب الظروف الطبيعية ومع هذا استطاع صوقللي باشا أن يحقق بعض النجاحات كتشديد قبضة السلطان على أمراء مولدافيا وولاشيا وبولندا، وبذلك اعترضت الدولة العثمانية مرحلياً توسع روسيا شمال وغرب البحر الأسود( ). ثالثاً: فتح قبرص: كانت إيطاليا واسبانيا تقدر أهمية جزيرة قبرص وشاع في أوروبا عن تكون حلف ضد السلطان ولكن لم يعمل شيء في حينه لانقاذ قبرص من العثمانيين الذين نزلوها بقوة كاسحة، نفذت إلى الجزيرة بدون صعوبة ووقفت مدينة فامرجستا الحصينة أمام العثمانيين بقيادة باحليون وبراجادنيو الذين واجهوا القوة العثمانية التي وصلت مائة ألف مقاتل استعمل خلالها العثمانيين جميع وسائل الحصار المعروفة، من فر وكر، وزرع للألغام ولم ينتج أي تأثير على الحامية، ولو وصلت قوة مسيحية للنجدة، لصار العثمانيون في خطر، إلا أن المجاعة قامت بعملها، واستسلمت المدينة في ربيع الثاني 979هـ / اغسطس 1571م . نقلت الدولة العثمانية بعد فتحها لقبرص عدداً كبيراً من سكان الأناضول الذين لايزال أحفادهم مقيمين في الجزيرة، ورغم ترحيب القبارصة الارثوذكس بالحكم العثماني، الذي انقذهم من الاضطهاد الكاثوليكي الذي مارسته البندقية لعدة قرون، إلا أن احتلال العثمانيين أثار الدولة الكاثوليكية( ). رسى الأسطول العثماني بعد انتهاء مهمته في ابنانجني وانصرف معظم جنوده بمناسبة حلول موسم الشتاء، حيث تتوقف ساحة المعارك في مثل هذا الوقت من السنة، والاستعداد للسنة المقبلة( ). رابعاً: معركة ليبانتي( ) ارتعدت فرائص الأمم المسيحية من الخطر الإسلامي العظيم الذي هدد القارة الأوروبية، من جراء تدفق الجيوش العثمانية براً وبحراً فأخذ البابا بيوس الخامس ( 1566 - 1572م ) يسعى من جديد لجمع شمل البلاد الأوروبية المختلفة وتوحيد قواها براً وبحراً تحت راية البابوية( ) وقد كتب يقول " ... إن السلطنة التركية قد تبسطت تبسطاً هائلاً بسبب نذالتنا "( ) عقد البابا بيوس الخامس وفيليب الثاني ملك اسبانيا وجمهورية البندقية معاهدة في أوائل 979هـ/ مايو 1571م، تعهدوا فيه بالقيام بهجوم بحري ضد العثمانيين شارك في الحلف كذلك بعض المدن الايطالية، وذلك بعد تحريك بيوس الخامس لروح التحالف، فارتبطت توسكاني وجنوة، وسافوي، وبعض الايطاليين في الحلف المقدس( )، وأرسل البابا إلى ملك فرنسا يريد العون: فاعتذر شارل التاسع بحجة ارتباطه بمعاهدات مع العثمانيين، فأجابه البابا طالباً منه التحلل من مواثيقه هذه ولم تمض سوى أيام قليلة حتى نقض الامبراطور عهوده ومواثيقه التي أبرمها مع العثمانيين واتجه نحو إيفان ملك الروس يطلب إجابته نفير الحرب ووجد تباطؤاً عند ملك بولونيا واختير ( دون جوان ) النمساوي قائداً للحملة وجاء في أحد بنود المعاهدة النصرانية : " إنَّ البابا بيوس الخامس وفيليب ملك إسبانيا وجمهورية البندقية يعلنون الحرب الهجومية والدفاعية على الأتراك لأجل أن يستردوا جميع المواقع التي اغتصبوها من المسيحيين ومن جملتها تونس والجزائر وطرابلس "( ). سار دون جون إلى البحر الادرياتيك، حتى وصل إلى الجزء الضيق من خليج كورنث بالقرب من باتراس وليس ببعيدة عن ليبانتو والذي اسمها اعطى للمعركة. كان من رأي قادة الأسطول الإسلامي الإفادة من تحصين الخليج وعدم الاشتباك بالأسطول الصليبي، غير أن القائد العام علي باشا صمم على الخروج للمعركة معتمداً على تفوقه في عدد سفنه، ونظم علي باشا قواته فوضع سفنه على نسق واحد من الشمال إلى الجنوب، بحيث كانت ميمنتها تستند إلى مرفأ ليبانتو، ومسيرتها في عرض البحر، وقد قسمها علي باشا إلى جناحين وقلب فكان هو في القلب وسيروكو في الجناح الأيمن وبقي الجناح الأيسر بقيادة قلج علي. ومقابل ذلك نظم دون جون قواته فوضع سفنه على نسق يقابل النسق الإسلامي ووضع جناحه الأيمن بقيادة دوريا مقابل قلج علي، وأسند قيادة جناحه الأيسر إلى بربريجو مقابل سيروكو وجعل دون نفسه لقيادة القلب وترك أسطولاً احتياطياً بقيادة سانت كروز( ). خامساً: احتدام المعركة : احتدمت المعركة في 17 جمادي الأولى سنة 979هـ/ 17 اكتوبر 1571م أحاط الأسطول الإسلامي بالإسطول المسيحي وأوغل العثمانيون بين سفن العدو، ودارت معركة قاسية أظهر فيها الفريقان بطولة كبيرة وشجاعة نادرة( )، وشاءت إرادة الله هزيمة المسلمين ففقدوا ثلاثين ألف مقاتل وقيل عشرين ألفاً، وخسروا 200 سفينة حربية منها 93 غرقت والباقي غنمه العدو وتقاسمته الأساطيل النصرانية المتحدة( ) وأسر لهم عشرة آلاف رجل( ) واستطاع قلج علي انقاذ سفنه واستطاع كذلك المحافظة على بعض السفن التي غنمها ومن بينها السفينة التي تحمل عمل البابا، رجع بها لاسطنبول التي استقبلته استقبال الفاتحين، رغم الشعور بمرارة الهزيمة( ) وبادر السلطان سليم الثاني أثر ذلك بترفيع قلج علي إلى رتبة قائد البحرية العثمانية " قبودان باشا "، مع الاستمرار في منصبه كبيرلبك للجزائر( ) . سادساً: أثر ليبانتو على أوروبا والدولة العثمانية: احتفلت القارة الأوربية بنصر ليبانتو، فلأول مرة منذ أوائل القرن الخامس عشر تحل الهزيمة بالعثمانيين( ) فهلل الأوروبيون وكبروا لذلك الانتصار وأقيمت معالم الزينات في كل مكان وأفرطت في التسبيح بحمد دون جون أمير الأساطيل المتحدة الذي أحرز هذا الانتصار، إلى حد أن البابا لم يتورع عن القول أثناء الاحتفال في كنيسة القديس بطرس، بمناسبة هذا النصر ( إن الإنجيل قد عنى دون جون نفسه، حيث بشر بمجيء رجل من الله يدعى حنا ) وظل العالم المسيحي ومؤرخوه ينوهون بهذا النصر البحري، حتى أن القواميس المدرسية الحديثة لاتذكر ثغر ليبانت، إلا وتذكر معه دون جون المشار إليه على اعتبار أنه أنقذ المسيحية من خطر كان يحيق بها( ). لقد فرح البابا فرحاً عظيماً على الرغم من عدم ارتياحه لأنَّ عدوه لايزال عظيماً مرهوب الجانب وحاول إثارة شكوك الشيعة الأثنى عشرية الصفوية ضد العثمانيين مستغلاً بعض الضغائن والمشكلات والاختلاف العقائدي، فأرسل إلى الشاه طهماسب ملك العجم ومن جملة ماقال له : " .. لن تجد أبداً فرصة أحسن من هذه الفرصة لأجل الهجوم على العثمانيين ، إذ هم عرضة للهجوم من جميع الجهات ... "( ). وأرسل يستعدي ملك الحبشة وإمام اليمن على الدولة العثمانية ولكن المنية عاجلته( ). إن نتيجة معركة ليبانتو، كانت مخيبة لآمال العثمانيين، فقد زال خطر السيادة العثمانية في البحر المتوسط ومع زوال الخطر، زال الخوف الذي كان قوياً، للمحافظة على حلف مقدسي دائم و استعاد الحسد والغيرة نشاطه بين الدول المسيحية( ). إن أهمية ليبانتو كانت عظيمة وأسطورة عدم قهر العثمانيين قد اختفت ولم تعد للوجود ثانية على أقل تقدير في البحر، وأزيح ذلك الخوف عن قلوب حكام إيطاليا، واسبانيا، وتزعزع تأثير الدولة العثمانية على سياسة القوى الغربية لأوروبا، إذ كانت من الحقيقة القوات العثمانية هائلة في كل المجال البري، والمجال البحري( )، كما أن الانتصار المسيحي في ليبانتو 1571 كان إشارة لتحضير حاسم في ميزان القوة البحرية في البحر المتوسط، كما أنه أنهى عصراً من عصور العمليات البحرية الطموحة في البحر المتوسط، والتي تكاليفها باهظة( ). لم يعد يفكر العثمانيون بعد تلك الهزيمة في إضافة حلقة أخرى إلى سلسلة أمجادهم البحرية( )، إذا كان هذا الإنكسار نقطة البداية نحو توقف عصر الإزدهار لقوة الدولة البحرية( ). سابعاً: ظهور أطماع فرنسا في الشمال الأفريقي: كانت معركة ليبانتو فرصة مواتية لإظهار طمع فرنسا نحو المغرب الإسلامي، إذ بمجرد انتشار خبر هزيمة الأسطول العثماني في تلك المعركة قدم ملك فرنسا شارل التاسع مشروعاً إلى السلطان العثماني ( 980هـ / 1572م ) ، وذلك بواسطة سفيره باسطنبول، يتضمن طلب الترخيص لحكومته في بسط نفوذها على الجزائر، بدعوة الدفاع عن حمى الإسلام والمسلمين بها وأن فرنسا مستعدة في مقابل ذلك دفع مغرم للباب العالي، فأعرض السلطان عن السفير الفرنسي ولم يهتم به، ومع ذلك أوغلت فرنسا طموحها وألحت على طلبها وسلكت للتوصل إلى هدفها مسالك دبلوماسية عديدة، حتى تحصلت على امتيازات خاصة، في السقالة وأماكن أخرى على الساحل الجزائري وتصريح من السلطان بإقامة مراكز تجارية( ). ثامناً: إعادة بناء الأسطول العثماني: قبل القبودان باشا قلج علي، بهمة ونشاط متزايد، على تجديد الأسطول العثماني، وتعويض ما فقد منه، وما حل صيف 980هـ/ 1572م، حتى قد هيأ مائتان وخمسون سفينة جديدة، وخرج قلج علي بأسطوله في البحر وارتاعت البندقية من هذا الاستعداد البحري، فطلبت الصلح من الدولة العثمانية بشروط مخزية إذ تنازلت لها عن جزيرة قبرص، كما دفعت غرامة حربية قدرها ثلاثمائة ألف دوكه( )، ولكن هذا النشاط كان من قبيل اليقظة التي تسبق فترة الاحتضار البحري ذلك لأن الدولة انصرفت إلى حروب متواصلة ، نشبت بينها وبين النمسا وحليفاتها من جهة، وبينها وبين فارس من جهة أخرى كما أنها انشغلت بإخماد الثورات الداخلية المستمرة( ) . تاسعاً: احتلال تونس: كان فيليب الثاني قد تشجع لاحتلال تونس بسبب لجوء السلطان الحفصي أبي العباس الثاني الذي حكم تونس 942-980 / 1535- 1572م إليه، وطلب منه المساعدة في إخماد الثورات بإعطائهم امتيازات كبيرة، وتتيح لهم سكن جميع أنحاء تونس، وتتنازل عن عناية وبنزرت وحلف الواد( ) فرفض أبو العباس الشروط ولكن أخاه محمد بن الحسين قبلها( ) بعد ذلك خرج دون جون بأسطوله من جزيرة صقلية في رجب 981هـ اكتوبر 1573م، على رأس أسطول مكون من 138 سفينة تحمل خمسة وعشرون ألف مقاتل، ونزل بقلعة حلق الواد التي كانت تحتلها اسبانيا، ثم باغت دون جون تونس واحتلها وخرج أهلها بوادي تونس فارين بدينهم من شر الاسبان( )، كما انسحب الحاكم العثماني الى القيروان( ) وكانت أوروبا قد أدركت أنها لاتستطيع أن تقضي على الدولة إلا مجتمعة( ). عاشراً: قلج علي واستعداداته الحربية: اهتم قلج علي بتسليح البحارة وتدريبهم على الأسلحة النارية الحديثة، وقد لفت هذا النشاط البحري انظار كل المقيمين الأجانب وازدادت مكانة قلج علي حتى أن البابا نصح فيليب الثاني ملك اسبانيا أن يسعى لاغرائه( ) وذلك بمنحه راتباً من عشرة آلاف واقطاعية من مملكة نابلس أو غيرها من ممتلكات العرش الاسباني ويتوارثها نسله من بعده، مع لقب كومت أو ماركيز أو دوق، كما شمل المشروع أيضاً منح امتيازات مماثلة لاثنين من مساعديه( ) ، وكان البابا يدرك أن مثل هذه المحاولة أن لم تنجح فإنها على الأقل ستثير شكوك السلطان على قلج علي وهو الشخص الوحيد القادر على دعم أمور السلطنة ولكن هذه المحاولة فشلت وكانت النتيجة أنها أثارت غضب قلج علي بدلاً من أن تقربه( ) ، وأنه لايمكن شراء إمانة المسلم المجاهد إذ أنه وجوده في خدمة الدولة، إنما كان يعني أنه وهب نفسه لسبيل الله وهذا ماسارت عليه الدولة في سياستها في جميع فتوحاتها ولعل ذلك كان سبباً مباشراً في سرعة الفتح ونجاحه، في كل الأقاليم والميادين التي طرقتها الدولة وكان العثماني في أي موقع يخدم الدولة بكل إخلاص وما خدمته تلك، إلا خدمة للإسلام( ). الحادي عشر: السلطان سليم يصدر أوامره لإعادة تونس : أصدر السلطان سليم الثاني أوامره إلى وزيره سنان باشا وقبودانه قلج علي بالاستعداد للتوجه إلى تونس، لفتحها نهائياً، واعادة نفوذ الدولة العثمانية اليها، كما صدرت نفس الأوامر والتوجيهات لبقية الأقاليم بتحضير الجنود والذخيرة، والمؤن والجنود مع مائتين وثلاث وثمانين سفينة مختلفة الأحجام، كما أكد على المكلفين بالخدمة في الأناضولي والروم يلي بالإشتراك في السفر بحراً، كما أحضر المجدفين اللازمين للأسطول، وأنذر من لايحضر من المجدفين بالفصل من مناصبهم على أن لايسند إليهم في المستقبل أي عمل وبينما كان الأسطول يتأهب، أخذ حيدر باشا الحاكم العثماني في تونس والذي انسحب للقيروان في حشد المجاهدين من الأهالي الذين التفوا حوله( ). أبحر الأسطول العثماني بقيادة سنان باشا وقلج علي في 23 محرم 982هـ / 14 مايو 1574م، فخرج من المضائق ونشر أشرعته في البحر الأبيض، فقاموا بضرب ساحل كالابريا، مسينا، واستطاع العثمانيون أن يستولوا على سفينة مسيحية ومن هناك قطعوا عرض البحر في خمسة أيام( ) في هذا الوقت وصل الحاكم العثماني في تونس حيدر باشا، كما وصلت قوة من الجزائريين بقيادة رمضان باشا، وقوة طرابلس بقيادة مصطفى باشا، كما وصل ثمة متطوعين من مصر( ). بدأ القتال في ربيع سنة 981هـ/ 1574م، ونجح العثمانيون في الإستيلاء على حلق الواد، بعد أن حوصروا حصاراً محكماً( ) وقامت قوات أخرى بمحاصرة مدينة تونس، ففر الاسبان الموجودن فيها ومعهم الملك الحفصي محمد بن الحسن إلى البستيون( ) التي بالغ الاسبان في تحصينها وجعلوه من أمنع الحصون في الشمال الأفريقي . توجه العثمانيون بعد تجمع قواتهم إلى حصار البستيون، وضيق العثمانيون الخناق على أهلها من كل ناحية وباشر الوزير سنان الحرب بنفسه كواحد من الجند حتى أنه أمر بعمل متراس يشرف منه على قتال من في البستيون كما كان ينقل الحجارة والتراب على ظهره مثل الجنود، فعرفه أحد أمراء الجنود فقال له: ما هذا أيها الوزير؟ نحن إلى رأيك أحوج منا إلى جسمك، فقال له سنان: لاتحرمني من الثواب. وشدد سنان باشا في حصاره على البستيون حتى استطاع فتحه( ). لجأ الحفصيون إلى صقلية حيث ظلوا يوالون الدسائس والمؤامرات والتضرعات لملوك اسبانيا سعياً لاسترداد ملكهم، واتخذهم الاسبان آلات طيعة تخدم بها مآربهم السياسية حسبما تمليه الظروف عليهم وقضى سقوط تونس على الآمال الاسبانية في افريقيا وضعفت سيطرتها تدريجياً حتى اقتصرت على بعض الموانئ مثل مليلة ووهران والمرسى الكبير وتبدد حلم الاسبان نحو إقامة دولة اسبانية في شمال افريقيا وضاع بين الرمال( ) . الثاني عشر: السلطان سليم الثاني يرسل حملة كبرى إلى اليمن: اضطربت الأحوال في اليمن مع ظهور الزعيم الزيدي المطهر الذي كاتب أهل اليمن ودعاهم للخروج عن طاعة السلطان العثماني فاجتمعت القبائل لدى المطهر الذي دخل صنعاء بعد أن ألقى بالعثمانيين هزيمة ساحقة( ) وشعرت الحكومة العثمانية بخطورة الموقف وقررت ارسال حملة كبرى إلى اليمن بقيادة سنان باشا وقد اهتم السلطان العثماني سليم الثاني اهتماماً كبيراً بإرسال تلك الحملة، لأن اليمن كان يمثل جزءاً هاماً من استراتيجية العثمانيين في البحر الأحمر وهي غلق هذا البحر أمام الخطر البرتغالي( ) علاوة على ذلك يكون درعاً قوياً للحجاز، وقاعدة للتقدم في المحيط الهندي. وصل الوزير العثماني سنان باشا إلى مصر تنفيذاً لأوامر السلطان وهناك اجتمعت لديه الجنود في كافة الأنحاء، حتى أنه لم يبقى في مصر إلا المشايخ والضعفاء( ). تحركت الحملة ووصلت إلى ينبع واستقبله هناك قاضي القضاة في مكة وعند وصوله إلى مكة المكرمة استقبله أهلها ودخلت الجيوش العثمانية معه، وكأن جنود مصر انتقلت إلى مكة بالإضافة إلى جنود الشام وحلب وفرمان ومرعش، وضبط سنان باشا الجنود، وأجرى الصدقات وأحسن على العلماء والفقهاء، ومكث عدة أيام في مكة وغادرها إلى جازان، وعندما اقترب منها، هرب حاكمها من قبل الإمام الزيدي المطهر، وأقام سنان باشا في جازان، فأقبلت عليه العربان يطلبون الطاعة وكان منهم أهل صبيا فأكرمهم سنان باشا وخلع عليهم وكساهم كما أقبلت عليه وفود عربان اليمن وبذلوا الطاعة طالبين الأمان. أسرع سنان باشا إلى تعز، بعد أن ضبط جازان إذ بلغه أن الوالي العثماني في تعز ومن معه من الجنود في ضيق من أمرهم بسبب قطع عرب الجبال عليهم الميرة، وحصل عليهم المجاعة، فقطع الوزير سنان باشا المسافة في غاية السرعة، ونزل خارج تعز، وانتشر جنوده في جبالها ولما شاهد الزيديون كثافة ذلك الجيش، اعتصموا بأحد الجبال المسمى الأغبر. قام سنان باشا وجزء من جيشه بمتابعة الزيود في جبل الأغبر، وتمكنوا منه عند ذلك خرج الزيود من مخابئهم لمواجهة العثمانيين، فانهزم الزيود وولوا هاربين فأنعم سنان باشا على جميع الجنود العثمانيين( ). الثالث عشر: الاستيلاء على عدن: جهز سنان باشا حملتان وذلك للإستيلاء على عدن، الأولى عن طريق البحر بقيادة خير الدين القبطان المعروف بقورت أوغلي، واخو سنان باشا، والثانية عن طريق البر بقيادة الأمير حامي وبرفقته عدد من الفرسان. وكان حاكم عدن قاسم بن شويع من قبل الإمام الزيدي المطهر، قد أظهر شعار الزيدية، فكرهه أهالي عدن لأنهم شافعيون، ثابتون على الكتاب والسنة وبنى مدرسة بإسم مطهر يدرس فيها بعض من مذهب الزيدية، كما استدعى البرتغاليون الذين أرسلوا سفينة وعليها عشرين جندياً، فأطلعهم قاسم إلى القلعة وأراهم مافيها من العدد والآلات وأعطاهم المدافع ليدافعوا عن عدن من جهة البحر ويكون البر للزيدية وأشياعهم إلا أن خير الدين القبطان سبق إلى عدن ورأى من وسط البحر عشرين شراعاً للمسيحيين قاصدة عدن ولما تحقق خير الدين من ذلك توجه بسفنه إليهم فولوا هاربين، وتتبعهم خير الدين حتى اطمأن على ذلك. لما عاد خير الدين إلى الساحل وأنزل مدافعه فوجهها نحو قلعة عدن منتظراً القوة البرية لتتم محاصرة عدن ففاجأهم الزيود، وإذا بالأمير ماحي قد وصل وأحاطوا بعدن من كل جانب، فهجموا عليها هجمة واحدة ودخلوا عليها من كل جانب، وأعطى خير الدين الأمان للأهالي الذين جاءوا بقاسم بن شويع وولده وذويه، وإذا بشخص منهم تقدم ليقبل يد خير الدين، فضربه بخنجر في بطنه وجرح خير الدين على أثرها، وتقدم الأمير ماحي، وقطع رأس بن شويع لاتهامه بهذه الخيانة وأراد قتل ولده وجميع أتباعه فمنعه الأمير خير الدين عند ذلك فرح لذلك الفتح الوزير سنان باشا وشاركه في ذلك الجنود وزينوا زبيد وتعز وسائر الممالك السلطانية في اليمن، ثم عين الوزير سنان باشا ابن اخته الأمير حسين، وأرسل معه مئتين من الجنود، ورقى جميع الجنود الذين فتحوا عدن( ). الرابع عشر: دخول صنعاء : فرغ سنان باشا في هذا الوقت من جنوب اليمن، فاتجه نحو ذمار وأمر بسحب المدافع لحصار صنعاء، فجهز المطهر نفسه للإنسحاب منها، ونقل ما فيها من الخزائن وتقدم سنان باشا نحو صنعاء بعد أن وعد أهلها بالأمان فاطمأنت قلوبهم واختاروا عدداً منهم لمقابلته، فأكرمهم سنان ودخل صنعاء بعد ذلك إلا أنه لم يستقر فيها بل نهض بجيوشه الجرارة لحرب كوكبان وثلا( ) لأن سنان باشا رأى أنه لن يتمكن من السيطرة على اليمن بأكمله إلا بالقضاء على مقاومة المطهر واتباعه فأخذ يوالي حشد قواته وتبعه في ذلك الوالي العثماني ودامت الحرب سجالاً مايقرب من عامين، انتهت بموت الإمام الزيدي المطهر في مدينة ثلا سنة 980هـ/ 1573م وقد أتاح موت المطهر للعثمانيين مزيداً من السيطرة وبسط النفوذ حتى تمكن الوالي العثماني حسن باشا من الإستيلاء على ثلا ومدع وعفار وذي مرمر والشرفين الأعلى والأسفل وصعدة مركز الإمامة الزيدية فقضى بذلك على حركة المقاومة اليمنية فترة من الوقت واستطاع حسن باشا أن يأسر الإمام الحسن بن داود الذي استحوذ على الإمامة بعد وفاة المطهر( ). لقد تحولت سياسة الدولة العثمانية بعد معركة ليبانتو 979هـ/ 1571م إلى أن تكون الأولوية للمحافظة على الأماكن المقدسة الإسلامية أولاً ثم البحر الأحمر والخليج العربي كحزام أمني حول هذه الأماكن وتطلب ذلك منها أسطولاً قادراً على أن يقاوم البرتغاليين( ). استطاعت الدولة العثمانية أن تبني درع قوي، حمى الأماكن المقدسة الإسلامية من الهجمات المسيحية، ومع ذلك الدرع فقد احتفظ السلطان بحرس عثماني خاص في مكة المكرمة والمدينة المنورة وينبع، كما أقامت الدولة العثمانية محطات حراسة بجوار آبار المياه على طول الطريق بين مصر وسوريا ومكة المكرمة لحماية القوافل، كما قررت الدولة أن يكون الوالي في جدة ممثلاً للباب العالي في الحجاز، عرف الحجاز في العصر العثماني بثنائية السلطة، وقررت الدولة أن تقسم حصيلة الرسوم الجمركية التي تجمع من السفن في ميناء جدة بين الوالي العثماني وشريف مكة المكرمة( ). الخامس عشر: دفاع عن السلطان سليم ووفاته رحمه الله: وصف المستشرق " كارل بروكلمان "( ) السلطان سليم الثاني بأنه اشتهر باسم السكير، وبارتكابه المعاصي والذنوب والكبائر وبمصاحبته صحبة السوء والفسق والعصيان، وتأثر بهذه التهم الدكتور عبدالعزيز الشناوي( ) رحمه الله ورد الدكتور جمال عبدالهادي على هذه الإتهامات فقال: 1- شهادة الكافر على المسلم مردودة، فكيف يسمح الكتاب من أبناء المسلمين لأنفسهم بترديد مثل هذه الشهادات والافتراءات على الحكام المسلمين بدون دليل، ألم يتعلموا في مدرسة الإسلام قال تعالى: { لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً } ( سورة النور، آية:12) ويقول سبحانه : { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا } (سورة الحجر، آية: 6 ). 2- أن المستشرقين ومن سار على نهجهم، دأبوا على تصوير الحكام المسلمين المجاهدين بصورة السكارى الذين لايتورعون عن ارتكاب المحرمات( )، بل دأبوا على النيل من دين الله، والأنبياء والرسل - عليهم السلام -، فكيف نأخذ عنهم مع علمنا بأنهم غير أمناء( ). ثم ذكر أهم أعمال السلطان سليم الثاني التي تدل على نفي التهم التي ألصقت به وتقدم بنصيحة إلى أساتذة التاريخ الذين لايتحرون الصدق والأمانة العلمية فقال: " نصيحة إلى أولئك الذين لايتحرون الحقيقة، ويرمون الناس في دينهم وخلقهم دون بينة أو دليل، أن يتبينوا وليضعوا في الاعتبار أن القذف جريمة، وعليه تقام الحدود، آمل أن ينتبه أساتذة التاريخ ويتورعوا على إيراد أي شبهة أو تهمة تتصل بأي شخص دون دليل أو بينة. وليضعوا في الاعتبار أن الله يزن الحسنات، ويزن السيئات، ولايزن السيئات فقط دون الحسنات، والمؤرخ يجب أن يستشعر هذا، ويدرك أن الكلمة أمانة وهي شهادة أمام الله عزوجل - ومن هنا يلزمه التأكد من الخير قبل أن يورده في كتابه )( ). إن الدارس لتاريخ الدولة العثمانية في عهد السلطان سليم الثاني يدرك مدى القوة والهيمنة التي كانت عليها الدولة " طلب نائب البندقية الصليبية في " استانبول " - في أعقاب معركة ليبانتو، وتحطم الأسطول العثماني مقابلة الصدر الأعظم، " محمد صوقلو باشا " ليسبر غوره ويقف على اتجاهات السياسة العليا للدولة العثمانية تجاه البندقية، وقد بادره الصدر الأعظم قائلاً: إنك جئت بلا شك تتحسس شجاعتنا وترى أين هي، ولكن هناك فرق كبير بين خسارتكم وخسارتنا، إن استيلاءنا على جزيرة " قبرص " كان بمثابة ذراع قمنا بكسره وبتره، وبإيقاعكم الهزيمة بأسطولنا لم تفعلوا شيئاً أكثر من حلق لحانا، وإن اللحية لتنمو بسرعة وكثافة تفوقان السرعة والكثافة اللتين تنبت بهما في الوجه لأول مرة "( ). وقد قرن الصدر الأعظم قوله بالعمل الفوري الجاد، وإنصافاً للسلطان سليم الثاني فإنه قد أبدى تحمساً شديداً لإعادة بناء الأسطول العثماني، فقد تبرع بسخاء من ماله الخاص لهذا الغرض كما تنازل عن جزء من حدائق القصر السلطاني لتبني فيه أحواض السفن للتعجيل بإنشاء وحدات بحرية جديدة، واستطاع الأسطول الجديد أن يعاود جولاته في البحر المتوسط( ). إن هذا الموقف يؤكد أن الإدارة القوية ليست مجرد حماس، وإنما لابد وأن يقترن ذلك بالعمل الجاد الذي أثمر إعادة بناء الأسطول في فترة وجيزة، وفي هذا دليل أيضاً على الرخاء الذي كانت تعيش فيه الأمة، مافرضت الضرائب، وماصودرت أموال، ولاقالوا موتوا جوعاً لأنه لاصوت يعلو على صوت المعركة، لقد أنفق السلطان سليم من ماله ومال أسرته لأنه تعلم من مدرسة الإسلام( )، قال تعالى: { وماتنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لاتظلمون } ( سورة الأنفال، آية: 60 ). وفاته : إن مؤرخي الغرب ذكروا أن سبب وفاة السلطان سليم الثاني الإفراط الشديد في تناول الخمر، إلا أنّ المؤرخين المسلمين يذكرون أن سبب وفاته انزلاق قدمه في الحمام فسقط سقطة عظيمة مرض منها أيام ثم توفي عام 982هـ( ).

المبحث الثاني: السلطان مراد الثالث ( 982 - 1003هـ/ 1574-1594م )

تولى العرش بعد وفاة والده، اهتم بفنون العلم والأدب والشعر وكان يتقن اللغات الثلاثة التركية، والعربية والفارسية وكان يميل إلى علم التصوف اشتهر بالتقوى واهتم بالعلماء، صرف للجنود عطايا الجلوس ومقدارها (110.000) ليرة ذهبية، فمنع الاضطرابات التي كانت تحدث عادة إذا تأخر صرف تلك الهبات( ). أولاً: منعه للخمور وكان من أول أعماله أن أصدر أمر بمنع شرب الخمور بعد ما شاعت بين الناس وأفرط فيها الجنود وخصوصاً الانكشارية، فثار الانكشاريون واضطروه لرفع أمره بالمنع وهذا يدل على ظهور علامات ضعف الدولة بحيث السلطان لايستطيع منع الخمور وإقامة أحكام الشرع عليهم وكذلك يدل على إنحراف الانكشارية عن خطها الإسلامي الأصيل من التربية الرفيعة، وحبها للجهاد وشوقها للشهادة( ). ثانياً: وضع الحماية على بولونيا وتجديد الامتيازات: عمل السلطان مراد الثالث على تنفيذ السياسة التي انتهجها والده من قبل، ففي عهده قام بعدة حروب في أماكن مختلفة. ففي عام ( 982هـ/1574م ) هرب ملك بولونيا هنري دي فالوا وذهب إلى فرنسا، فأوصى الخليفة العثماني أعيان بولونيا بانتخاب أمير ترانسلفانيا ملكاً عليهم، ففعلوا، وصارت بولونيا (بولندا ) فعلاً تحت حماية العثمانيين عام ( 983هـ/1575م ) واعترفت النمسا بذلك في معاهدة الصلح التي أبرمتها مع الدولة العثمانية عام ( 984هـ/ 1576م ) ومدتها ثماني سنوات، وهاجم التتار على حدود بولونيا عام ( 984هـ/1576م ) فاستنجدت بالسلطان العثماني فأعلن حمايتها بمعاهدة رسمية( ) وجدد السلطان مراد الامتيازات مع فرنسا والبندقية وزاد بعض الامتيازات القنصلية والتجارية مع زيادة بعض البنود في صالحهما أهمها، أن يكون سفير فرنسا مقدماً على كافة سفراء الدول الأخرى في الاحتفالات الرسمية والمقابلات الحكومية، لقد كثر توارد السفراء على الباب العالي للسعي في إبرام معاهدات تجارية أصبحت ذريعة فيما بعد للتدخل الفعلي في شئون الدولة، وفي زمن السلطان مراد تحصلت إيزابلا ملكة الانجليز على امتياز خصوصي لتجار بلادها وأصبحت السفن الانجليزية تحمل العلم البريطاني وتدخل الشواطئ والموانئ العثمانية( ). ثالثاً: الصراع مع الشيعة الصفوية : وفي عام ( 985هـ/1577م ) ونتيجة لحدوث اضطرابات في بلاد فارس بعد وفاة طهماسب، أرسل العثمانيون حملة عسكرية، تمكنت من قطع مفازات شاسعة في بلاد القوقاز وفتحت مدينة تفليس وكرجستان ( الكرج ). ودخل العثمانيون بعدها تبريز عام ( 993هـ/1585م ) وتمكنت فيها جيوش مراد من السيطرة على أذربيجان والكرج ( جورجيا ) وشيروان ولوزستان. فلما تولى الشاه عباس الكبير حكم فارس، سعى إلى إقامة صلح مع العثمانيين، تنازل بمقتضاه عن تلك الأماكن التي أصبحت بيد العثمانيين. كما تعهد بعدم سب الخلفاء الراشدين - أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم- في أرض مملكته وبعث بابن عم له يدعى حيدر ميزرا رهينة إلى استنبول لضمان تنفيذ ما اتفقا عليه( ). رابعاً: تمرد وعصيان على أيدي الانكشارية : قام الإنكشاريون بتمرد وعصيان في الولايات العثمانية بعد توقف الحروب، وكان السلطان قد كلفهم بحرب المجر غير أنهم هزموا أمام النمسا التي ساندت المجر، واحتلت عدة قلاع حصينة استردها سنان باشا بعد ذلك. كما أعلن أمراء الأفلاق والبغدان وترانسلفانيا التمرد وانضموا إلى النمسا في حربها مع العثمانيين، فسار إليهم سنان باشا عام 1003هـ/1594م غير أنه لم يحرز النصر وخسر عدة مدن( ). خامساً: مقتل الصدر الأعظم صوقللي محمد باشا: قتل الصدر الأعظم نتيجة لدسائس حاشية السلطان المتأثرة بدسائس الأجانب الذين لايروق لهم وجود مثل هذا الوزير القدير، الذي سار على منهج الاستقامة، وطريق الحكمة، وبناء الدولة، وحسن القيادة، ودقة التخطيط، وضبط الإدارة، ومتابعة الولاة، واستغلال الفرص، فكان موته ضربة شديدة ومحنة عظيمة وفتح باب للشر في تنصيب وعزل الصدور العظام والتنافس عليه مما أضعف قوة السلطنة، وارتبكت أحوال البلاد، وتمردت بعض فرق الجيش، ولم تتمكن الحكومة من القضاء على هذا التمرد، ونتيجة لهذه الاضطرابات والثورات الداخلية خرجت بولونيا عن الدولة العثمانية واشتبكت في صراع معهما( ). سادساً: اليهود والسلطان مراد الثالث : ظن اليهود أن الفرصة سانحة لهم لتحقيق حلم راودهم طويلاً، فنزحوا في هجرات متقطعة ومتقاربة إلى " سيناء " لاستيطانها، وكانت خطتهم تقوم في المراحل الأولى على تركيز إقامتهم في مدينة الطور، وكان اختيارهم لهذه المدينة اختياراً هادفاً، فهذه المدينة وهي تقع على الشاطئ الشرقي لخليج السويس لها ميناء يصلح لرسو السفن التجارية، وكان تأتيه سفن من جدة، وينبع، وسواكن، والعقبة، والقلزم، كما كانت المدينة ترتبط براً بخط قوافل مع "القاهرة " و " الفرما ". وبذلك كان يسهل على اليهود إيجاد اتصالات خارجية فلا يصبحون في عزلة عن العالم بل تستطيع السفن أن ترسو في ميناء " الطور " تحمل أفواجاً من اليهود الجدد. وقد تزعم حركة التهجير رجل يهودي اسمه ( إبراهام )، استوطن " الطور" مع أولاده وسائر أفراد أسرته، ولما أقام اليهود بالطور تعرضوا بالأذى لرهبان "ديرسانت كاترين " مما دفعهم إلى إرسال شكاوى مكتوبة إلى سلاطين الدولة العثمانية وولاتها يشتكون من إيذاء اليهود لهم مذكرين بعهد العثمانيين لحمايتهم، ومنع اليهود استيطان " سيناء " ومحذرين من تروح اليهود إلى "سيناء" - وخاصة مدينة " الطور " - في جماعات كثيرة بقصد إيقاع الفتن. ولما كانت الدولة الإسلامية مسئولة بحكم الشرع عن حماية أهل الذمة، فقد سارع على الفور المسؤولون العثمانيون إلى إصدار ثلاثة فرمانات ديوانية في عهد السلطان ( مراد الثالث )، فأمروا بإخراج " إبراهام " اليهودي وزوجته وأولاده وسائر اليهود من " سيناء " ومنعهم في قابل الأيام منعاً باتاً من العودة إليها بما فيها مدينة " الطور " والإقامة بها أو السكنى( ). سابعاً: وفاة السلطان مراد الثالث : توفى السلطان مراد الثالث في 16 كانون الثاني 1595 عن عمر يناهز 49 عاماً ودفن رحمه الله في فناء أيا صوفيا( ).

المبحث الثالث: السلطان محمد خان الثالث

ولد عام 974هـ، وجلس على سرير السلطنة عام 1003هـ بعد وفاة والده باثني عشر يوماً، لأنه كان مقيماً في مغنيسا( )، كانت أمه إيطالية الأصل تسمى صفية( ). ورغم حالة الضعف والتدهور التي كانت قد بدأت تعتري الدولة العثمانية إلا أن راية الجهاد ضد الصليبيين ظلت مرفوعة ومما يذكر لهذا السلطان أنه لما تحقق له أن ضعف الدولة في حروبها بسبب عدم خروج السلاطين وقيادة الجيوش بأنفسهم برز بنفسه وتقلد المركز الذي تركه سليم الثاني، ومراد الثالث، ألا وهو قيادة عموم الجيوش، فسار إلى بلغراد ومنها إلى ميادين الوغى والجهاد، وبمجرد خروجه دبت في الجيوش الحمية الدينية والغيرة العسكرية، ففتح قلعة ( أرلو الحصينة ) التي عجز السلطان سليمان عن فتحها في سنة 1556م ودمر جيوش المجر والنمسا في سهل كرزت بالقرب من هذه القلعة في 26 اكتوبر سنة 1596 حتى شبهت هذه الموقعة بواقعة ( موهاكز )( ) التي انتصر فيها السلطان سليمان سنة 1526م وبعد هذه المعركة استمرت الحروب دون أن تقع معركة حاسمة( ). وتعرضت الدولة في زمنه لثورات داخلية عنيفة قادها قره يازيجي وأخرى قام بها الخيالة إلا أن السلطان استطاع القضاء عليهما بصعوبة ومن تلك الأحداث الداخلية يظهر للباحث المدقق اختلال النظام العسكري وعدم صلاحيته لحفظ اسم الدولة وشرفها من أعدائها. أولاً: الشيخ سعد الدين افندي كان من شيوخ السلطان محمد الثالث وممن شجعه على الخروج بنفسه لقيادة الجيوش وقال للسلطان : ( أنا معك أسير حتى أخلص وجودي من الذنوب، فإنني بها أسير )( ). وفي أحد المعارك كاد أن يؤسر فيها السلطان وفرّ من حوله الجنود والأعوان قال الشيخ سعد الدين أفندي: ( أثبت أيها الملك فإنك منصور بعون مولاك، الذي أعطاك، وبالنعم أولاك، فركب السلطان جواده، وحمل سيفه وتضرع إلى القوي العزيز، فما مضت ساعة حتى نزل نصر الواحد القهار وكانت تلك المعركة بعد فتح حصن اكري( ). ثانياً: من شعره: كان على نصيب عالٍ من التعليم والثقافة والأدب، وكان شديد التدين ويميل الى التصوف ومن أشعاره ذات المعاني السامية: لانرضى بالظلم بل نرغب في العدل( ) نحن نعمل لحب الله، ونصغى بدقة لأوامره( ) نريد الحصول على رضى الله( ) نحن عارفون وقلوبنا مرآة العالم. قلوبنا محروقة بنار العشق في الازل نحن بعيدون من الغش والخديعة وقلوبنا نظيفة( ) ثالثا: وفاته: توفي السلطان محمد الثالث بعد أن أخمد الحركات التمردية، والثورات العنيفة، وقاد الجيوش بنفسه وكانت وفاته في نهار الأحد الثامن عشر من رجب سنة اثنتي عشرة وألف، ومده حكمه تسع سنين، وشهران ، ويومان، وله من العمر ثمان وثلاثون سنة( ). وكان هذا السلطان عندما يسمع اسم نبينا محمد  يقوم إجلالاً واحتراماً لسيد الكائنات( ).

المبحث الرابع: السلطان احمد الاول (1012-1026هـ/1603-1617م)

تولى الحكم بعد وفاة والده وعمره 14 سنة ولم يجلس أحد قبله من سلاطين العثمانيين في هذه السن على العرش وكانت أحوال الدولة مرتبكة جداً لانشغالها بحروب النمسا في أوروبا وحرب إيران والثورات الداخلية في آسيا. فأتم مابدأ به أبوه من تجهيزات حربية( ). أولاً: الحرب مع النمسا والدول الأوروبية : عين السلطان أحمد لالا محمد باشا صدراً أعظم خليفة للصدر الأعظم يمشجي حسن باشا، حيث كان سرداراً عاماً للجيوش التي جاهدت في النمسا وهو من خيرة قواد الجيوش، فاهتم بتقوية الجيوش العثمانية وحاصر قلعة استراغون وفتحها. كما حارب إمارات الأفلاق والبغدان والأردل وعقد صلحاً معهم. ولما مات لالا باشا خلفه قبوجي مراد باشا صدراً أعظم وكان قائداً لإحدى فرق الجيش، وقد نجحت الجيوش العثمانية في هزيمة النمسا واسترداد القلاع الحصينة من مدن يانق واستراغون وبلغراد وغيرها كما نجحت الجيوش العثمانية في جهادها بالمجر وهزمت النمسا هناك. ونجم عن ذلك، قبول النمسا بطلب الصلح ودفع جزية للدولة العثمانية مقدارها مائتا ألف دوكة من الذهب، وبقيت بلاد المجر بموجب هذه المعاهدة تابعة للدولة العثمانية( ). وجرت حروب بحرية بين السفن العثمانية وسفن إسبانيا، ورهبان القديس يوحنا في مالطة، والإمارات الإيطالية، وتراوح النصر بين الجانبين( ). ثانياً: تجديد الامتيازات : وجددت الدولة امتيازات فرنسا، وانجلترا، على مثلها، كما جددت الاتفاقية مع بولونيا بحيث تمنع الدولة تتار القرم من التعدي على بولونيا، وتمنع بولونيا القازاق، من التعدي على الدولة العثمانية( ). وتحصلت هولندا على امتيازات، واستغلت ذلك في نشر الدخان داخل ديار الإسلام وبدأ تعاطيه من قبل الجنود، فأصدر المفتي فتوى بمنعه فهاج الجند، وأيدهم الموظفون، فاضطر العلماء إلى السكوت عنه( ). وهكذا أصبح الجند ينقادون خلف شهواتهم ويعترضون على العلماء. إن القوى الأجنبية الكافرة تهتم بنشر كل محرم في أوساط المسلمين. إن الله تعالى أحل لنا الطيبات النافعة وحرم علينا الخبائث الضارة لأجسامنا وعقولنا وأموالنا ولذلك أفتى العلماء - رحمهم الله تعالى - بتحريم شرب الدخان وبيعه وشرائه لما فيه من الأضرار الدينية والدنيوية والإجتماعية والصحية وهي: 1- أنه دخان لايسمن ولايغني من جوع. 2- أنه مضر بالصحة الغالية وما كان كذلك يحرم استعماله. 3- أنه من الخبائث المحرمة قال تعالى: { يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث } ( الأعراف، آية: 157 ). 4- إن رائحة الدخان تؤذي الناس الذين لايستعملونه بل وتؤذي الملائكة الكرام لأن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم وقد حرم الله تعالى أذية المسلم قال تعالى: { والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا. فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً }. وغير ذلك من الأدلة التي ذكرها العلماء ولكن لضعف الوازع التربوي، وضعف سلطان الدولة التي تشرف على تنفيذ الأحكام يحدث التمرد من قبل الجنود والأفراد. ثالثاً: الحرب مع الشيعة الصفوية ( الفرس ): انتهز الشاه عباس الصفوي فرصة اضطراب الدولة العثمانية وباشر في تخليص عراق العجم واحتل تبريز ووان وغيرهما واستطاع أن يحتل بغداد والأماكن المقدسة الشيعية في النجف وكربلاء والكوفة، وقد زارها وسط مظاهر الإجلال والتقديس، وقد أورد بعض المؤرخين أنه قضى عشرة أيام في زيارته للنجف حيث قام بنفسه بخدمة الحجاج في ذلك المكان كما يذكرون أيضاً أنه إمعاناً في إعلان تمسكه بالمذهب الشيعي وولائه للرفض، وعلى الرغم من تعصبه الشديد للمذهب الشيعي إلا أنه رفع أيدي رجال الدين عن التدخل في شئون الحكم والسياسة ومارس نوعاً من السلطة المطلقة في حكم البلاد. وقد أنزل الشاه عباس الصفوي أقسى أنواع العقاب بأعداء الدولة من السنة فإما أن يقتلوا أو تسمل عيونهم، ولم يكن يتسامح مع أي منهم إلا إذا تخلى عن مذهبه السني وأعلن ولائه للمذهب الشيعي( )، واضطرت الدولة العثمانية أن تترك للدولة الصفوية الرافضية الشيعية جميع الأقاليم والبلدان والقلاع والحصون التي فتحها العثمانيون في عهد السلطان الغازي سليمان الأول بما فيها مدينة بغداد. وهذه أول معاهدة تركت فيها الدولة بعض فتوحاتها وكانت فاتحة الانحطاط والضعف وأول المعاهدات التي دلت على ضعف الدولة العثمانية( ). لقد بالغ الشاه عباس الصفوي في عداءه للمذهب السني واتصل بملوك المسيحيين، وامعاناً في ضرب الدولة العثمانية حامية المذهب السني فقد عقد اتفاقات تعاون مشترك معهم من أجل تقويض أركان الدولة العثمانية السنية، ولم يكن يعبأ حتى إذا قدم العديد من التنازلات للدول الأوروبية تأكيداً لتعاونه معهم انطلاقاً من عدائه للدولة العثمانية. وعامل الشاه عباس الصفوي المسيحيين في إيران معاملة حسنة على عكس معاملته للسنة، وقد كان لمعاملته المتميزة للمسيحيين أن نشطت الحركة التنصيرية المسيحية في إيران كما شجع التجار الأوروبيين في عقد صفقات تجارية كبيرة مع التجار في إيران وأصبحت إيران سوقاً رائجاً للتجارة الأوروبية، لقد توج تسامحه مع المسيحيين بأن أعلن في عام 1007هـ/1598م أوامره بعدم التعرض لهم والسماح لهم بحرية التجول في ربوع الدولة الصفوية وجاء بالمرسوم الذي أصدره شاه الدولة الصفوية مايلي: ( ... من اليوم يسمح لمواطني الدولة المسيحية ومن يدينون بدينهم بالحضور إلى أي بقعة من وطننا ولايسمح لأي شخص بأي حال من الأحوال إهانتهم، ونظراً لما بيننا وبين الملوك المسيحيين من علاقات ود ومحبة فيسمح للتجار المسيحيين بالتجول في جميع أنحاء إيران، ومزاولة نشاطهم التجاري في أي بقعة من الوطن، دون أن يتعرض لهم بالإيذاء من أي شخص سواء كان حاكماً أو أميراً أو خاناً أو موظفاً أو تابعاً للدولة كما تعفى جميع أموال تجارتهم التي يحضرونها معهم من ضرائب المال وليس لأي شخص مهما يحضرونها معهم من ضرائب المال وليس لأي شخص مهما بلغت مكانته أن يزاحمهم أو يكلفهم المشاق، وليس من حق رجال الدين مهما كانت طوائفهم التجرؤ على الإضرار بهم أو التحدث معهم بخصوص العقائد المذهبية )( ). لقد جامل الشاه عباس الصفوي المسيحيين وشرب معهم الخمر احتفالاً بأعيادهم كما أنه سمح لهم بالتبشير بالمسيحية في داخل إيران، وأعطاهم امتيازات ببناء الكنائس المسيحية في كبرى المدن الإيرانية وهذه المعاملة للمسيحيين كانت نكاية في الدولة العثمانية السنية( ). إن تاريخ الشيعة الأثنى عشرية طافح بالعداواة والبغضاء لأهل السنة ودولتهم الميمونة إينما كانوا وحيثما وجدوا ولايزال هذا العداء مستمراً رغم الشعارات السياسية الرّنانة التي يرفعها الروافض بين الحين والآخر. رابعاً: الحركات الإنفصالية : ظهرت إلى حيز الوجود في عصر السلطان أحمد الأول حركات داخلية تهدف إلى تقويض كيان الدولة وبنيانها مثل حركة " جان بولاد " الكردي، وحركة والي أنقرة " قلندر أوغلي "، وحركة فخر الدين الدرزي المعنى الثاني حفيد " فخر الدين المعنى الأول " الذي انضم إلى السلطان سليم الأول عندما دخل الشام عام (922هـ)( ). وسبب تلك الحركات اضطرابات داخلية حتى هيّأ الله للدولة وزيراً محنكاً أكسبه تقدم السن مزيداً من الخبرات والتجارب فعين صدراً أعظم فكان عوناً للسلطان الفتى وانتصر على الثائرين وخاصة ثائر الأناضول قلندر أوغلي الذي كان قد عين والياً على أنقرة فقد نكلت به الدولة، وتمكن الصدر الأعظم قبوجي مراد باشا من تطهير الأناضول من أولئك الثائرين( ).

خامساً: حركة فخر الدين بن المعنى الثاني الدرزي: اعتلى فخر الدين بن المعنى الثاني السلطة في لبنان عام 999هـ وكان درزياً وصولياً كبيراً واستطاع أن يجمع المعادين للإسلام من نصارى ونصيرية، ودروز، وأمثالهم( ). نبذة عن الدروز: فرقة باطنية تؤله الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، أخذت جل عقائدها عن الإسماعيلية، وهي تنتسب إلى نشتكين الدرزي، نشأت في مصر ثم انتقلت إلى الشام، عقائدها خليط من عدة أديان وأفكار، كما أنها تؤمن بسرية أفكارها، فلا تنشرها على الناس( ). من أهم معتقداتها وأفكارها: - يعتقدون بألوهية الحاكم بأمر الله ولما مات قالوا بغيبته وأنه سيرجع. - ينكرون الأنبياء والرسل جميعاً ويلقبونهم بالأبالسة. - يعتقدون بأن المسيح هو داعيتهم حمزة. - يبغضون جميع أهل الديانات الأخرى والمسلمين منهم بخاصة ويستبيحون دماءهم وأموالهم وغشهم عند المقدرة. - يعتقدون بأن ديانتهم نسخت ماقبلها وينكرون جميع أحكام وعبادات الإسلام وأصوله كلها. - ولا يكون الانسان درزياً إلا إذا كتب أو تلي الميثاق الخاص. - يقولون بتناسخ الأرواح وأن الثواب والعقاب يكون بانتقال الروح من جسد صاحبها الى جسد أسعد أو أشقى. - ينكرون الجنة والنار والثواب والعقاب الأخرويين. - ينكرون القرآن الكريم ويقولون أنه من وضع سلمان الفارسي ولهم مصحف خاص بهم يمس المنفرد بذاته. - يرجعون عقائدهم الى عصور متقدمة جداً يفتخرون بالانتساب الى الفرعونية القديمة والى حكماء الهند القدامى. - يبدأ التاريخ عندهم من سنة 408هـ وهي السنة التي أعلن فيها حمزة ألوهية الحاكم. - يعتقدون أن القيامة هي رجوع الحاكم الذي سيقودهم الى هدم الكعبة وسحق المسلمين والنصارى في جميع أنحاء الأرض وأنهم سيحكمون العالم الى الأبد ويفرضون الجزية والذل على المسلمين. - يعتقدون أن الحاكم أرسل خمسة أنبياء هم حمزة واسماعيل ومحمد الكلمة وأبوالخير وبهاء. - يحرمون التزاوج مع غيرهم والصدقة عليهم ومساعدتهم كما يمنعون التعدد وإرجاع المطلقة. - يحرمون البنات من الميراث. - لا يعترفون بحرمة الأخ والأخت من الرضاعة. - يقولون في الصحابة أقولاً منكرة منها قولهم: الفحشاء والمنكر هما (أبوبكر وعمر) رضي الله عنهما. - لايصومون في رمضان ولا يحجون الى بيت الله الحرام، وإنما يحجون الى خلوة البياضة في بلدة حاصبية في لبنان. - إن الجذور الفكرية والعقائدية للدروز ترجع الى المذهب الباطني ، وخاصة الباطنية اليونانية متمثلة في أرسطو وأفلاطون وأتباع فيثاغورس واعتبروهم أسيادهم الروحانيين، وأخذوا جُلّ معتقداتهم عن الطائفة الاسماعيلية، وتأثروا بالدهريين في قولهم بالحياة الأبدية ، وبالبوذيين في كثير من الأفكار والمعتقدات ، كما تأثروا ببعض الفلاسفة الفرس والهند والفراعنة القدامى( ). هذه نبذة مهمة عن معتقدات الدروز حتى تتعلم الأجيال من هم أعدائهم، وكيف يتحينون الفرص للقضاء على الاسلام وأهله. فهذا فخر الدين ين المعنى الثاني، أظهر تقربه من الخليفة العثماني وأعلن طاعته له حتى تمكن من جبال لبنان ، والسواحل وفلسطين ، وأجزاء من سورية، ولما قوي أمره فاوض الطليان فدعموه بالمال وبني القلاع والحصون ، وكون لنفسه جيشاً زاد على الأربعين ألفاً، ثم أعلن الخروج على الدولة العثمانية عام (1022م) ، غير أنه هزم وفرّ الى "إيطاليا" ، وكان قد تلقى الدعم من إمارة "فلورنسا" الإيطالية ، ومن البابا، ورهبان جزيرة مالكة (فرسان القديس يوحنا)( ). وقد عاد فخر الدين الى لبنان عام 1618م بعد أن أصدر السلطان فرماناً بالعفو عنه واندفع لتغريب البلاد ثم أعلن التمرد من جديد مستغلاً الحرب العثمانية الصفوية الشيعية ولكنه فشل وأسر وسيق الى استانبول ثم اندلعت الثورة عام 1045هـ ولكنه هذه المرة أسر وشنق، وفشلت الحركة المسلحة التي قادها ابن أخيه ملحم للأخذ بثأره( ). سادساً: وفاة السلطان أحمد الأول: كان رحمه الله في غاية التقوى، وكان رجلاً مثابراً في الطاعات، ويباشر أمور الدولة بنفسه، وكان متواضعاً في ملابسه، وكان كثير الاستشارة لأهل العلم والمعرفة، والقيادة وكان شديد الحب للنبي  ، وفي عهده بدأ ارسال ستائر الكعبة الشريفة من استانبول ، وقبل ذلك كانت ترسل من مصر، توفي رحمه الله في 1617م ودفن عند جامع سلطان أحمد( ). وكان يعمل هذه الابيات الشعرية واضعاً إياها تحت عمامته: أرغب دوماً في حمل صورة انطباع أقدام النبي عالي المقـام من هو سيـد الأنبياء فوردة الحديقة الأنبياء ملكة هذه الأقدام الشريفة فيا أحمدي لاتتردد ولو للحظـة ومرغ وجهك بأقدام الوردة الرفيعية الشريفـة( )

المبحث الخامس: بعض السلاطين الضعاف

أولاً: السلطان مصطفى الأول: تولى السلطة بعد وفاة أخيه عام (1026هـ) ، ومنذ عهده يظهر جلياً أن يداً أجنبية كانت خلف تعيين وإزاحة الخلفاء، فهذا السلطان عزل بعد ثلاثة أشهر ، وجيء بأبن أخيه (عثمان الثاني) الذي لم يزد عمره على الثالثة عشر( ). ثانياً: السلطان عثمان الثاني (1026-1031هـ/1617-1621م) تولي الحكم بعد عزل عمه مصطفى الأول، وكان صغيراً لم يزد عمره على الثالثة عشرة، أعلن الجهاد على بولونيا لتدخلها شؤون إمارة البغدان، وتم الصلح بين الطرفين عام 1029هـ/1620م بناء على طلب بولونيا، وطلب الانكشارية ، الذين تعبوا من مواصلة القتال، فغضب الخليفة عليهم( ) من طلبهم الراحة وخلودهم الى الكسل وإلزامه على الصلح مع بولونيا ، فعزم على التخلص من هذه الفئة الباغية ، ولأجل الاستعداد لتنفيذ هذا الأمر الخطير أمر بحشد جيوش جديدة في ولايات آسيا وأهتم بتدريبها وتنظيمها وشرع فعلاً في تنفيذ هدفه ، وعلمت الانكشارية بذلك فهاجوا وماجوا وتذمروا واتفقوا على عزل السلطان وتم لهم ذلك في 9 رجب سنة 1031هـ (20 مايو سنة 1622م) وأعادوا مكانة السلطان مصطفى وقتلوا السلطان عثمان الثاني ترك لنا بعض الأشعار منها: كانت نيتي الخدمة لحكومتي ودولتي وللعجب ان الحسود يعمل لنكبتي( ) تولى السلطان مصطفى الحكم وللمرة الثانية إثر فتنة الانكشارية وصارت الحكومة ألعوبة بأيديهم، ينصبون الوزراء ويعزلونهم بحسب أهوائهم وأصبحت المناصب تباع جهاراً وارتكبوا أنواع المظالم( ) وتغير الوزراء الصدور في مدته هذه سبع مرات خلال عام واحد وأربعة شهور، وكان الخلاف قد دب بين أمراء الأناصول وفرقة السباهية على استمرار الوزراء الصدور، حتى أن بعضهم لم يكمل شهراً واحداً. ونظراً لضعف السلطان وعجزه عن إدارة شؤون البلاد، تم عزله وتنصيب الأمير مراد الرابع ابن السلطان أحمد الأول( ). ثالثاً: مراد الرابع (1032-1049هـ/1622-1639م): تولى أمر السلطنة بعد عزل عمه مصطفى عام 1032هـ/1622م وهو أخو عثمان الثاني ، ولصغر سنه فقد سيطر الانكشارية عليه. وكانت أحوال الدولة سيئة للغاية، فقام بإصلاح الأحوال الداخلية أولاً حتى تسنى له التفرغ للأحوال الخارجية ولذلك بدأ بالقضاء على طغاة العسكر الذي قتلوا أخاه السلطان عثمان( ) وأعدم جميع المتأسدين في استانبول وفي جميع أنحاء الدولة، وأسس تشيكلات قوية للمخابرات وثبت من خلالها اسماء جميع المستبدين في الدولة، وكان اذا صادف بلداً في اسفاره كان يدعوا مستبديها باسمهم ويعدمهم( ). منع في عهده الخمر والتدخين وأعدم كل مرتد عن الاسلام( ). الحرب مع الشيعة الصفوية: اندلعت الحرب مع الشيعة الصفوية في العراق عام 1044هـ/1634م، فقاد السلطان مراد الجيوش بنفسه واتجه الى بغداد، وكان عباس شاه فارس قد استولى عليها وقتل واليها العثماني واذل أهل السنة بها وعمل بهم الأفاعيل ، فحاصر مراد بغداد وهدم جزءاً كبيراً من اسوارها بالمدفعية ودخلها عام 1048هـ وقتل من جنود الشيعة عشرين ألفاً، ثم أقام بها مدة جدد عمارتها، وأصلح ماتهدم من أسوارها ، وعين لها وزيراً ، وكان هذا السلطان يباشر الحروب بنفسه، ويخالط جنوده، وينام أحياناً في الغزوات على حصانه( ). وفاته: مرض سنة 1640م وكان يخشى عليه من الموت ولكن شفي ثم مرض من جديد وتوفي رحمه الله في 8 شباط 1640م( ) بسبب مرض النقرس وامتد حكمه 16 سنة و11 شهراً استلم الخزينة عند ارتقائه العرش فارغة وتركها مملؤة عند وفاته( )، لقد كان هذا السلطان عاقلاً شجاعاً ثاقب الرأي ، استأصل الفساد وقمع العصاة، ولقب بمؤسس الدولة الثاني لأنه أحياها بعد السقوط واصلح حال ماليتها( ). رابعاً: السلطان ابراهيم بن أحمد (1049-1058هـ/1639-1648م): تولى الحكم بعد أخيه مراد الذي لم يعقب ذكوراً، ولم يبق بعد موت السلطان مراد الرابع من نسل آل عثمان سوى أخيه السلطان ابراهيم، الذي كان مسجوناً مدة سلطنة اخيه ، ولما توفي أخيه أسرع كبار المملكة الى مكان الحبس ليخبروه بذلك، فعندما قدموا ظن أنهم قادمون لقتلة، فخاف وذعر ولم يصدق ماقالوه له، ولذلك لم يفتح لهم باب السجن ، فكسروه ودخلوا عليه يهنئونه، فظن أنهم يحتالون عليه للأطلاع على ضميره، فرفض قبول الملك بقوله: إنه يفضل الوحدة التي هو بها على ملك الدنيا، ولما أن عجزوا عن إقناعه، حضرت إليه والدته وأحضرت له جثة أخيه دليلاً على وفاته وحين ذلك جلس على سرير السلطنة، ثم أمر بدفن جثة أخيه باحتفال وافر ، وساق أمامها ثلاثة أفراس من جياد الخيل التي كان يركبها في حرب بغداد ثم مضى الى جامع أيوب الانصاري، وهناك قلدوه بالسيف، ونادوا له بالخلافة( ). كان يقول عند ارتقائه العرش: الحمدلله اللهم جعلت عبداً ضعيفاً مثلي لائقاً لهذا المقام اللهم اصلح واحسن حال شعبي مدة حكمي واجعلنا راضيا بعضاً عن بعض( ). ولقد دافع عنه صاحب كتاب السلاطين العثمانيون وقال إن الافتراءات الكاذبة التي قيلت في حقه اكاذيب مختلفة من قبل الذين ارادوا عزله ثم قتلوه بعد ذلك( ). كانت الأحوال الداخلية شبه مستقرة بسبب اصلاحات أخيه نحو الانكشارية، وتجديد الجيش ، فاتجه الى الاقتصاد في نفقات الجيش والاسطول وإصلاح النقد وإقامة النظام الضرائبي على أسس جديدة( ). استطاع الصدر الأعظم قرة مصطفى باشا أن يوقف تدخل النساء في شؤون السلطنة وتمكن من القضاء على محاولات رجال البلاط السلطاني لإفساد الدولة وقضى على العابثين والمفسدين وقاطعي الطريق في مختلف الولايات( ). الحرب ضد البنادقة: كانت جمهورية البنادقة تهيمن على جزيرة كريت وعلى الحركة التجارية في بحر إيجة مستغلين الصلح مع الدولة العثمانية، فعزم العثمانيون على تدمير نفوذ البنادقة في اشرق، فجهزت الجيوش والأسطول وأعلنت الحرب على البنادقة، واعتقل جميع البنادقة في طول البلاد وعرضها وأمر بمصادرة أموالهم وممتلكاتهم، ثم سير حملة الى جزيرة كريت عام 1055هـ/1645م واستولت على أجزاء منها( )، ولكن الجنود تمردوا في استانبول وأهاجوا وماجوا وقرورا عزل السلطان ابراهيم وتولية ابنه محمد الرابع الذي لم يتم السابعة من عمره وقتل السلطان ابراهيم وقد امتد حكمه 8 سنين و9 شهور وكان عمره 34 سنة( ). خامساً: السلطان محمد الرابع (1051-1104هـ/1642-1692م): ولد هذا السلطان عام 1051هـ، وتولى المسؤولية وهو ابن سبع سنوات ورأت أوروبا أن الوقت حان للنيل من الدولة العثمانية؛ لذلك كونت أوروبا حلفاً ضم : النمسا، وبولونيا، والبندقية، ورهبان مالطة، والبابا، وروسيا وسموه (الحلف المقدس) وذلك للوقوف في وجه المد الاسلامي الذي اصبح قريباً من كل بيت في أوروبا الشرقية بسبب جهاد العثمانيين الأبطال وبدأ الهجوم الصليبي على ديار الدولة العثمانية وقيض الله لهذه الفترة (آل كوبريلل) الذين ساهموا في رد هجمات الاعداء وتقوية الدولة، فالصدر الاعظم محمد كوبريللي المتوفي عام (1072هـ/661م) فأعاد للدولة هيبتها ، وسار على نهجه ابنه (احمد كوبريللي) الذي رفض الصلح مع النمسا والبندقية وسار على رأس جيش لقتال النمسا، وتمكن عام 1074هـ أن يفتح أعظم قلعة في النمسا وهي قلعة نوهزل شرقي فينا في 25 صفر 1074هـ/28 سبتمبر 1663م وفي عهد هذا الصدر الاعظم حاولت فرنسا التقرب من الدولة العثمانية، وتجديد الامتيازات ، غير أن الصدر الاعظم رفض ذلك، ثم حاولت فرنسا التهديد حيث ارسل "لويس الرابع عشر" ملك فرنسا السفير الفرنسي مع أسطول حربي، وهذا مازاد الصدر الاعظم إلا ثباتاً، وقال : (إن الامتيازات كانت منحة، وليست معاهدة واجبة التنفيذ)( ). لقد تراجعت فرنسا أمام تلك الارادة الحديدية واستعملت سياسة اللين والخضوع للدولة العثمانية حتى جددت لها المعاهدات القديمة وأعادت لها امتياز حماية بيت المقدس عام 1084هـ( ). وبوفاة الصدر الاعظم "أحمد كوبريللي" ضعف النظام العثماني، وهاجمت النمسا بلاد المجر، واغتصبت قلعة نوهزل ومدينة بست ومدينة بودا، وأغار ملك بولونيا على ولاية البغدان، وأغارت سفن البندقية على سواحل المورة واليونان واحتلت أثينا وكورنثة عام 1097هـ وغيرها من المدن. وتذكر كتب التاريخ أن العلماء ورجال الدولة قد اتفقوا على عزل السلطان (محمد الرابع) فعزل عام 1099هـ، وتولى مكانه أخوه سليمان الثاني( ). سادساً: السلطان سليمان خان الثاني: ولد عام 1052هـ وتولى الحكم بعد أخيه (محمد الرابع) عام 1099هـ واستمر التدهور في الدولة العثمانية في عهده، وازدادت شراسة الأعداء على عهده، فاغتصبت النمسا كثير من المواقع والمدن ومنها بلجراد عام 1099هـ، كما احتلت البندقية وسواحل دالماسيا السواحل الشرقية لبحر الأدرياتيك وبعض الأماكن في اليونان وتوالت الهزائم على الدولة، وقيض الله لها رجلاً لهذا الفترة هو الصدر الأعظم (مصطفى بن محمد كوبريللي) الذي سار على نهج ابيه، وسمح للنصارى في استانبول ببناء ماتهدم من كنائسهم ، وأحسن إليهم( ) وعاقب بأشد العقاب كل من عرض لهم في إقامة شعائر دينهم حتى استمال جميع مسيحي الدولة، وكانت نتيجة معاملة المسيحيين بالعدل أن ثار أهالي موره الأورام على البنادقة الكاثوليك، وطردوا جيشها من بلادهم بسبب إضطهادهم وإجبارهم على المذهب الكاثولوليكي. ودخلوا في حماية الدولة العثمانية مختارين طائعين لعدم تعرضها لديانتهم مطلقاً( ). هذه شهادة من أبناء النصارى على سماحة الاسلام الذي مانعمت البشرية بنعمة الأمن والطمأنينة على الدين والعرض والمال والدم إلا في ظله؛ لأن القرآن الكريم وسنة سيد المرسلين علمتهم ذلك، قال تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين} (سورة الممتحنة: آية 8). وشاء الله تعالى أن يختار الصدر الأعظم شهيداً في ساحة الوغى وهو ينافح عن حرمات الدين في أحد المعارك ضد النمسا الصليبية عام 1102هـ( ). وفاة السلطان سليمان الثاني: في 26 رمضان سنة 1102هـ الموافق 23 يونيو 1691م توفي السلطان سليمان الثاني عن غير عقب وعمره 50 سنة بعد أن حكم ثلاث سنوات وثمانية أشهر ودفن في تربة جده السلطان سليمان الأول وتولى بعده أخوه( ). سابعاً: السلطان احمد الثاني (1102-1106هـ/1690-1694م): تولى الحكم عام 1102هـ بعد وفاة أخيه سليمان الثاني، واستشهد في زمنه الصدر الأعظم مصطفى كوبر يللي الذي كان عظيم النفع للدولة العثمانية، وتولى بعده الصدر الاعظم جي علي باشا عريجي وكان ضعيفاً، واحتلت البندقية بعض جزر بحر إيجة، ولم تطل أيام السلطان وتوفي عام 1106هـ/1694م وكان القتال في أيامه القصيرة عبارة عن مناوشات ، وتولى الحكم بعده ابن أخيه وهو مصطفى الثاني بن محمد الرابع( ). ثامناً: السلطان مصطفى الثاني (1106-1115هـ/1694-1703م): ولد عام 1074هـ وتولى الخلافة عام (1106هـ/1694م) وهو ابن السلطان محمد الرابع وفي عهده، بدأ تراجع المد الاسلامي عن ديار أوروبا الشرقية بسبب ضعف الايمان، وضعف روح الجهاد، وتسرب اسباب الهزيمة في كيان الامة، وقسوة الهجمات الصليبية على ديار الدولة العثمانية، وفي عهده تم توقيع معاهدة كار لوفتس جنوب غرب زغرب على نهر الدانوب عام 1110هـ/1699م، مع روسيا وطبقاً لشروط هذه المعاهدة انسحب العثمانيون من بلاد المجر، وإقليم ترانسلفانيا، وهذا مؤشر سيء في تاريخ بعض حكام الدولة العثمانية، وهو انسحابهم في المعارك تاركين المسلمين بين يدي عدو نزعت من قلبه الشفقة والرحمة( )، وأصبحت كل الدول التي كانت تدفع الجزية عن يد وهي صاغرة ممتنعة من دفعها وكانت الدول النصرانية تقف في وجه العثمانيين ، وكانت متفقة فيما بينها للوقوف في وجه تقدم الدولة العثمانية، والعمل على تقسيمها وذلك خوفاً من انتشار المد الاسلامي. كان تنازل العثمانيين عن أراضيها بداية الانسحاب العثماني من أوروبا، كما أنه يسجل الانتقال الى عصر التفكك والاضمحلال السريع. وعلى أثر تدخل الانكشارية ومطالبتهم بعزل الصدور ورفض السلطان لذلك فقد قرروا عزله وتوفي بعد أربعة أشهر وكان عند وفاته في التاسعة والثلاثون من عمره ودفن رحمه الله. تاسعاً: السلطان احمد الثالث (1115-1143هـ/1703-1730م): في عهده ظلت راية الجهاد مرفوعة ، واستطاعت الدولة أن تعيد المورة وآزاق ، وواصلت جهادها ضد روسيا وأنزل بها ضربة كادت أن تكون قاصمة، حينما حاصر المجاهدون العثمانيون قيصر روسيا وخليلته ومعهما 200.000 مجاهد كادوا يقعون في الأسر ولكن الخيانة تحت فتنة المال والنساء دفعت الصدر الأعظم الى رفع الحصار ، وخيانة الدولة، ووقع معاهدة (فلكزن) في جمادى الاخرة عام 1123هـ مع الروس، ترتب عليها إخلاء مدينة آزاق للصليبيين الروس وتعهد بعدم التدخل في شؤون القوزاق، ولهذا السبب عزل السلطان أحمد الثالث الصدر الأعظم بلطة جي باشا واستمر الجهاد ضد الروس، ورأت هولندا وإنجلترا إن مصلحتها إيقاف الحرب ولذلك تدخلوا، ووقعت معاهدة أدرنة عام 1125هـ/1716م( )، وتنازلت فيها روسيا عن كل مااستولت عليه من سواحل البحر الأسود، ولكنها تخلت في الوقت نفسه عما كانت تدفعه الى حكام القرم( ). ومن ناحية الغرب انتصر العثمانيون على البنادقة، واستولوا على كريت وبعض الجزر الاخرى، فاستنجد البنادقة بالنمسا من الدولة العثمانية إعادة ماأخذ من البنادقة إليهم فرفضت الدولة، وقامت الحرب بين الطرفين وانتصرت النمسا وسقطت بلغراد عام 1129هـ/1717م ثم جرى الصلح بعد ذلك في عام 1130هـ/1718م وتوسطت بريطانيا وهولندا في الصلح. وعقد صلح بساروفتز ، وبموجبه انتزع النمساويون بلغراد، وأكثر بلاد الصرب، وجزءاً من الأفلاق وتبقى سواحل دالماسيا (شرق الأدرياتيك) للبندقية، وتعود بلاد المورة للعثمانيين كما أتاح الصلح لرجال الدين الكاثوليك في أن يستعيدوا مزاياهم القديمة في الأراضي العثمانية ، مما أتاح لهم وللنمسا التدخل في شؤون الدولة العثمانية باسم حمايتهم، وقد نص اتفاق منفصل على حرية التجارة لصالح تجار الدول الموقعة على المعاهدة. وهكذا حصلت النمسا على حق حماية التجار الأجانب داخل الدولة العثمانية( ). ولما رأى الروس ضعف العثمانيين طلبوا منهم السماح للتجار وزوار بيت المقدس بالمرور في أراضي الدولة العثمانية دون دفع أية رسوم فوافق العثمانيون على ذلك. واحتل العثمانيون بلاد أرمينيا بلاد الكرج، بينما احتل بطرس الاكبر بلاد داغستان وسواحل بحر الخرز الغربية بسبب ضعف الدولة الصفوية، وكادت الحرب أن تقع بين الطرفين لولا وساطة فرنسا بناءً على طلب روسيا، وبقي كل فريق في المناطق التي دخلها دون معارضة الآخر. غير ان الصفويين هبوا وقاتلوا العثمانيين، ولكنهم هزموا وفقدوا تبريز وهمدان وعدداً من القلاع، ثم جرى الصلح عام 1140هـ/1728م. وخلال هذه الفترة ثار الانكشاريون وعزلوا الخليفة ونصبوا مكانه ابن أخيه( ). الداماد ابراهيم باشا والحضارة الغربية: كان عدد قليل من العثمانيين قد نادى بالاصلاح للوصول الى الوسائل التي حققت بها أوروبا قوتها خاصة في التنظيم العسكري والاسلحة الحديثة. وكان الداماد ابراهيم باشا الذي تولى الصدارة العظمى في عهد السلطان احمد الثالث هو أول مسؤول عثماني يعترف بأهمية التعرف على أوروبا، لذا فإنه أقام اتصالات منتظمة بالسفراء الأوروبيين المقيمين بالآستانة، وأرسل السفراء العثمانيين الى العواصم الأوروبية، وبخاصة فينا وباريس للمرة الأولى. وكانت مهمة هؤلاء السفراء لا تقتصر على توقيع الاتفاقات التجارية والدبلوماسية الخاصة بالمعاهدات التي سبق توقيعها ، بل أنه طلب منهم تزويد الدولة بمعلومات عن الدبلوماسية الأوروبية وقوة أوروبا العسكرية. وكان معنى ذلك فتح ثغرة في الستار الحديدي العثماني والاعتراف بالأمر الواقع الخاص بأنه لم يعد بإمكان العثمانيين تجاهل التطورات الداخلية التي كانت تحدث في أوروبا( ). وقد بدأ التأثر بأوروبا في مجال بناء القصور والإسراف والبذخ اللذين شارك فيهما السلطان أحمد ذاته بنصيب كبير، مما جعل الأغنياء وعلية القوم يسعون الى اقتباس العادات الأوروبية الخاصة بالاثاث وتزيين الدور وبناء القصور وإنشاء الحدائق( ). لقد بدأ ظهور تقليد الغرب في شهواتهم وإسرافهم تظهر للعيان وطبيعي أن تمضي فيهم سنة الله تعالى قال تعالى: {ولو أن أهل القرى آمنوا وأتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون} (سورة الأعراف : آية 96). وقال تعالى : {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرنها تدميراً} (سورة الاسراء: آية 76). وسجلت هذه الفترة بداية الحركة الأدبية العثمانية الحديثة فنشطت حركة الترجمة الى اللغة التركية ، كما أرسل السلطان أحمد مبعوثين الى فرنسا للاطلاع على المصانع ومنجزات الحضارة الفرنسية. كما تم إنشاء مكتب للطباعة في استانبول( ). عاشراً: السلطان محمود الأول (1143-1168هـ/1730-1758م): تولى الحكم بعد ان هدأت الأحوال بسبب اضطرابات الانكشارية فقرر السلطان محمود الأول استقدام مستشار أوروبي فرنسي للشؤون العسكرية واسمه الكسندر الكونت دي بونفال، وقد عهد إليه بإحياء فرقة المدفعية، وادخلت أنظمة جديدة للخدمة العسكرية على أسس فرنسية ونمسوية بهدف جعل الخدمة العسكرية من جديد مهنة حقيقية وذلك بتوفير المرتبات والمعونات. واقترح توزيع فرق الانكشارية الى وحدات صغيرة يقودها ضابط شاب، غير أن الانكشارية عارضوا تنفيذ هذه الخطة وأوقفوها ، مما أدى الى تركيز بونفال على فرقة المدفعية وأهتم كذلك بصناعة المدافع والبارود والبنادق والألغام وعربات المدافع، وافتتح مدرسة للهندسة العسكرية، إلا أن الانكشارية عارضوا كل المشروعات، وعلاوة على ذلك أنشأ مصنع للورق، لكن هذه الاصلاحات سرعان مااندثرت( ). اتجهت الدولة العثمانية الى قتال الشيعة الصفوية، فتغلبت على طهماسب الذي طلب الصلح عام 1144هـ/1731م، وتخلى العثمانيين عن تبريز ، وهمدان ، ولورستان غير أن والي الشاه على خراسان وهو نادر شاه، لم يقبل بهذه المعاهدة. فسار الى أصفهان ، وعزل الشاه طهماسب وولى مكانه أبنه عباس، وعين عليه مجلس وصاية ، سار لحرب العثمانيين فانتصر عليهم، وحاصر بغداد، طلبت الدولة الصلح، وجرى الاتفاق عام 1149هـ/1736م في مدينة تفليس حيث أعلن نادر خان نفسه ملكاً على الفرس، واتفقوا على أن يرد العثمانيون كل ماأخذوه الى الشيعة الايرانية( ). الحرب مع الدول الأوروبية: أعلنت روسيا والنمسا الحرب على بولندا، واحتلتها روسيا ، ورغبت فرنسا التحالف مع الدولة العثمانية لإنقاذ بولندا من كل من النمسا وروسيا وأرضت النمسا فرنسا بمعاهدة فينا واتفقت من جهة ثانية لقتال الدولة العثمانية، وبدأت روسيا القتال مع الدولة العثمانية، فتمكن العثمانيون من وقف تقدم الروس في إقليم البغدان، كما أوقفوا تقدم النمسا في البوسنة والصرب والأفلاق، وأنتصرت على الصرب ، وعلى جيوش النمسا التي انسحبت من الحرب ، وطلبت الصلح عن طريق فرنسا، وتم توقيع معاهدة الصلح في بلغراد عام 1152هـ/1739م، تنازلت فيه النمسا عن مدينة بلغراد وعن بلاد الصرب الافلاق، وتعهدت روسيا بعدم بناء سفن في البحر الأسود وهدم قلاع ميناء آزوف( ). السلطان عثمان الثالث (1168-1171هـ/1758-1761م): تولى الحكم وعمره 58 سنة، وبويع في جامع أبي أيوب الأنصاري، وهنأه سفراء أوروبا ، وحكم ثلاث سنوات فقط لم يحدث فيه حروب ولا نزاعات خارجية واهتم بالاصلاحات الداخلية، وأصدر أوامر بمنع كل ما يخالف الشرع الشريف وقضى على الثورات والانتفاضات التي قامت في أنحاء الدولة وخاصة ثورات الأكراد( ) ويذكر عنه أنه كان يتحسس أحوال الرعية ليلاً متنكراً( ). الحادي عشر:السلطان مصطفى الثالث(1171-1187هـ/1757-1773) تولى الحكم وعمره اثنتان وأربعون سنة، وكان على دراية واسعة بإدارة الدولة فعين الوزير قوجه راغب صدراً أعظم لسعة أطلاعه وخبرته بشؤون البلاد. وقد استطاع محمد راغب باشا من إخماد ثورة عرب الشام الذي اعتدوا على قوافل الحجاج( ). كان السلطان مصطفى يرى أن الخطر الداهم على الدولة العثمانية يتمثل في ظهور القوة الروسية الجديدة ويبدوا أنه اطلع على المخطط الأسود الروسي لتفتيت الدولة العثمانية الذي وضعه بطرس الأكبر في وصيته( ) ولذلك أعد السلطان مصطفى الثالث لحرب روسيا ، فبدأ يعد التنظيمات المزمع تنفيذها بالجيش العثماني حتى يصبح قادراً على مواجهة الجيوش الأوروبية، لذا فقد تمكن الصدر الأعظم من عقد اتفاق مع حكومة بروسيا لمساعدة الدولة العثمانية عند الحاجة ضد النمسا وروسيا. وعملت على توسيع نطاق التجارة البحرية والبرية. وعمل على وضع مشروع فتح خليج لإيصال نهر دجلة بالآستانة وأن تستعمل الأنهار الطبيعية مجرى له ليسهل نقل الغلال من الولايات الى دار الخلافة، ويساعد على نشر التجارة، إلا أن المنية عاجلته قبل البدء في مشروعه عام 1176هـ/1762م. وخلفه في الصدارة حامد حمزة باشا ثم خلفه مصطفى باهر باشا 1177هـ/1763م ثم بعد سنة تولى الصدارة محسن زاده محمد باشا 1178هـ/1764م( ). خاضت الدولة العثمانية حرباً مع روسيا بسبب اعتداءات القوزاق على مناطق الحدود، نجح ملك القرم في غارته وهدم عدداً من الضياع وذلك عام 1182هـ/1768 كما سار الصدر الأعظم بفك الحصار عن بعض المواقع التي يحاصرها الروس، ولكنه فشل فكان جزاؤه القتل، وهزم الصدر الذي أتى بعده، واحتل الروس إقليمي الأفلاق والبغدان، وأخذ الروس يثيرون النصارى من الروم الأرثوذكس للقيام بثورات ضد الدولة ، فأثاروا نصارى شبه جزيرة المورة فقاموا بثورة، غير أن الثورة قد أخمدت( ). كما هاجم الروس مدينة طرابزون وفشلوا في احتلالها، ولكنها (روسيا) نجحت في اقتحام بلاد القرم والسيطرة عليها وذلك عام 1185هـ/1771م. ثم جرت مفاوضات الصلح ولكنها فشلت بسبب مطالب روسيا التعسفية، وعادت الحرب وانتصر العثمانيون( ). الإهتمام بدعم الثورات الداخلية: لقد ظهر التآمر الروسي الصليبي ضد ديار الدولة العثمانية واضحاً وقاموا بمحاولة تمزيق الدولة من الداخل ، فقد دفعوا والي مصر من قبل دولة الخلافة، وهو "علي بك الكبير" الذي لقب بشيخ البلد الى الخروج على الدولة العثمانية عام (1183هـ/1770م)، ففعل ، وأمر بأن يخطب باسمه على المنابر. وفي جزيرة (باروس) تم لقاء بين الصليبيين الروس ومبعوثين من قبل (علي بك الكبير) وتم التخطيط الماكر لتدمير الدولة العثمانية من الداخل، يكون فيها علي بك الكبير هو مخلب القط ومعه طاهر العمر والي مدينة عكا من قبل العثمانيين وبناء عليه قاد علي بك أبناء مصر المسلمين لقتال القوات العثمانية في بلاد الشام ودخل "سورية" عنوة في عام 1185هـ، بل إنه دخل دمشق، وصيدا وحاصر "يافا" بمساعدة طاهر العمر، بل إن الروس حينما قامت قوات الدولة العثمانية بمحاصرة صيدا، عاونوا عميلهم في رفع الحصار ومده بالأسلحة واستولوا على بيروت عام 1186هـ. وجاء الوقت الذي أسر فيه علي بك الكبير، وتوفي في أسره، وقتل الخائن الآخر طاهر العمر بعد حصار عكا، وذلك على يد محمد بك الشهير بأبي الذهب( ). إن الصليبية النصرانية عندما عجزت عن مقاتلة الدولة العثمانية في جبهات الوغى لجأت الى تفجير الدولة من الداخل عبر ضعفاء النفوس ممن ينتسبون الى الاسلام ويظهرون شعائره وأضاعوا مفهوم الولاء والبراء في بحر شهواتهم وأطماعهم وإلا كيف يكون ذلك والله يقول : {يا أيها الذين آمنوا لاتتخذوا عدوى وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق} (سورة الممتحنة: آية 1). وقوله تعالى :{لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين} (سورة آل عمران : آية 21). إن المسلم الصادق مع نفسه وربه وأمته لايقف مع الروس الأرثوذكس ضد المسلمين السنيين العثمانيين ويستحل دماءهم( ). إن أعداء الأمة المسلمة يلجأون دوماً الى إشعال نار الفتنة داخل ديار الاسلام لتدمير قوة الأمة البشرية والاقتصادية والاخلاقية لتصبح الأمة مؤهلة للسقوط بيد الأعداء( )، لقد كان السلطان مصطفى الثالث من السلاطين المجاهدين وقد تصدى للهجمات الروسية الصليبية على الدولة، وأنزل بهم هزائم عدة وكان يرى بثاقب بصره وبعد نظره أن الدولة العثمانية بدأت في عصر التراجع والسقوط وظهرت تلك الرؤية في شعره: ان الدنيا منهدمة لا تظن أنها تستقيم لنا جميع مراتب الدولة بقيت في أيدي الاراذل وان السعداء اليوم كلهم ادناء ونحن متوكلون على الله جل جلاله كان هذا السلطان مهتماً بالتاريخ الاسلامي عموماً وتاريخ الدولة العثمانية خصوصاً. لقد استمرت الحرب مع روسيا فترة طويلة حيث بدأت في عام 1768م وانتهت في 1774م وفقدت الدولة العثمانية اراضي واسعة ومهمة وبدأ ظهور الضعف والتأخر والتخلف الحقيقي في الدولة، ومرض السلطان مصطفى الثالث في حرب روسيا حزناً وتوفي وعمره يناهز 57 عاماً تقريباً( ). وتوفي الخليفة عام 1187هـ وتولى مكانه أخوه عبدالحميد الأول( ). الثاني عشر:السلطان عبدالحميد الأول(1187-1203هـ/1773-1788م) تولى الحكم عام 1187هـ/1773م بعد وفاة أخيه مصطفى الثالث، وكان محجوزاً في قصره مدة حكم أخيه مصطفى الثالث استطاعت روسيا أن تحقق نصراً على العثمانيين في مدينة فارنا في بلغاريا على البحر الأسود، وطلب الصدر الأعظم الصلح والمفاوضة، وتم ذلك في مدينة قينارجة في بلغاريا عام 1187هـ/1774م( ) وأهم ماجاء فيها: ازالة العداوة بين الدولة العثمانية وروسيا وحلول الصلح وصيانة الاتفاقات من التغيير والعفو عن الجرائم التي اقترفها رعايا الطرفين. عدم حماية الرعايا الملتجئين او الفارين أو الخونة ضمن شروط. اعتراف الطرفين بحرية بلاد القرم بلا استثناء واستقلالها، ولهم الحرية التامة بانتخاب خان لهم دون تدخل ولايؤدون ضريبة. وباعتبارهم مسلمين فإن أمورهم المذهبية تنظم من قبل السلطان بمقتضى الشريعة الاسلامية. سحب القوات العثمانية من القرم وتسليم القلاع وعدم إرسال جنود أو محافظ عسكري. حرية كل دولة في بناء القلاع والأبنية والتحصينات وإصلاح مايلزم منها. تعيين سفير روسي في الآستانة من الدرجة الثانية، والاعتذار له رسمياً عن مايحدث من خلل. تعهد الدولة العثمانية بصيانة الحقوق والكنائس النصرانية في أراضيها ومنح الرخصة من الخلل. حرية زيارة رهبان روسيا للقدس والأماكن الأخرى التي تستحق الزيارة مرخص بها دون دفع جزية أو خراج ويعطون التسهيلات والحماية أثناء ذلك( ). حرية الملاحة للروس في كافة الموانئ العثمانية في البحرين الأبيض المتوسط والأسود مضمونة وكذلك حرية اتجار الرعايا الروس في البلاد العثمانية براً وبحراً مكفولة وللتجار الروس حريةالاستيراد منها والتصدير إليها والإقامة فيها. ويحق لروسيا تعيين القناصل في كافة المواقع التي تراها مناسبة. يجب على الدولة العثمانية التعهد ببذل جهدها في كفالة حكومات الولايات الأفريقية اذا مارغب الروس بعقد معاهدات تجارية فيها. يحق للروس بناء كنيسة على الطريق العام في محلة بكل أوغلي في غلطة باستانبول غير الكنيسة المخصصة وتكون تحت صيانة سفير روسيا وتؤمن الصيانة الكاملة لها والحراسة التامة خوفاً من التدخل. إعادة بعض المناطق للدولة العثمانية من روسيا بشروط منها العفو العام عن أهاليها وحرية النصارى منهم من كافة الوجوه وبناء كنائس جديدة ومنح امتيازات للرهبان وحرية الهجرة للأعيان وعدم التعرض لهم وإعفائهم من تكاليف الحرب والجزية. يرد الروس جزائر البحر الأبيض المتوسط التي هي تحت حكمهم للدولة العثمانية التي يجب أن تعفو عن أهلها وتعفيهم من الرسوم السنوية وتمنحهم الحرية الدينية وترخص لمن يريد منهم ترك وطنهم. كما ذكرت بنود اخرى تتعلق ببعض المناطق في القرم وبتدابير الانسحاب وإخلاء الافلاق والبوجاق والبغدان وبتسريح الأسرى وتعيين السفراء من أجل المصالحة وتعهدت الدولة العثمانية بتأدية خمسة عشر ألف كيساً لروسيا في مدة ثلاث سنين يدفع منها في كل سنة قسط وهو خمسة آلاف كيس( ). وحين التمعن في هذه الشروط يمكن ملاحظة مايلي: إنهاء السيطرة العثمانية على البحر الأسود وتهيئة الأسس الديبلوماسية المقبلة للتدخل الروسي في القضايا العثمانية الداخلية . تمدد الحدود الروسية الى نهر بوغ الجنوبي واشتمالها آزوف وسهوب كرش ونيكال في النهاية الشرقية من شبه نهري الدينيبر وبوغ وسهوب وكينبورن. أصبحت بلاد القرم مستقلة ورعاياها لا يلحقون الدولة العثمانية إلا دينياً فقط. أصبح لروسيا حق بناء قناصل في أي مكان في الدولة العثمانية والملاحة الحرة في مياها. سمحت المعاهدة للروس بالحصول على الامتيازات ضمن البلاد العثمانية تشمل الأرثوذكس في الأفلاق والبغدان وجزر بحر إيجة وبالتالي تحولت روسيا الى حماية الارثوذكس في أي مكان في الدولة العثمانية( ). ولم يكتف الروس الصليبيون بذلك ، بل واصلوا تآمرهم ، وفاجئوا الدولة العثمانية بدخول قواتهم بلاد القرم وهي جزء من ولايات الدولة العثمانية بسبعين ألف جندي غير مبالين بمعاهدة (كينارجه)( ). وانبهرت ملكتهم كاترينا بهذا النصر وطافت ربوع القرم وأقيمت لها الزينات واقواس النصر التي كتب عليها (الطريق بيزنطة). وأثارت الدولة العثمانية من جديد فأرسل الباب العالي مذكرة الى السفير الروسي بالاستانة وذلك في صيف عام 1200هـ فيها عدة مطالب منها التنازل عن حماية بلاد الكرج التي تخضع للسيادة العثمانية وتسليم حاكم الفلاح العاصي للدولة ورفضت روسيا المذكرة فأعلن الباب العالي الحرب وسجن السفير الروسي( ).

تحالف النمسا مع روسيا: وكتبت كاترينا الى القائد العسكري بوتمكين بعدم انتظار العثمانيين والتقدم بإتجاه مدينتي بندر وأوزي وتمكن نتيجة لذلك من دخول (أوزي) وعندها أعلنت النمسا الحرب على الدولة العثمانية وحاول يوسف الثاني الامبراطور النمساوي احتلال بلغراد ولكنه عاد يجر أذيال الخيبة منسحباً الى مدينة تمسوار والجيش العثماني يتعقبه حتى هزمه شر هزيمة. وفاة السلطان عبدالحميد الأول وأثرها على الأحداث: في هذه الآونة توفى السلطان عبدالحميد الأول ووهنت عزيمة الجند ودخل اليأس قلوبهم واستغل الأعداء ماحدث وتظافرت جهودهم لإضعاف العثمانيين وتمكنوا من النصر في 31 تموز وفي 22 أيلول عام 1789م واستولى الروس على مدينة بندر الحصينة واحتلوا معظم الفلاخ والبغدان وبسارابيا ودخل النمساويون بلغراد وبلاد الصرب التي ردت بعد ذلك بمقتضى معاهدة زشتوي( ).

المبحث السادس: السلطان سليم الثالث (1203-1222هـ/1788-1807م)

تولى السلطة بعد وفاة عمه عبدالحميد الأول عام 1203هـ/1788م وبدأت مرحلة جديدة من مراحل الحرب بين الدولة العثمانية وأعداءها شرع في احياء الروح المعنوية في نفوس جنده واعتمد على تاريخ الدولة العثمانية وماقامت به من أعمال بطولية، ففي مراسيم تولية عرش الدولة قام السلطان بإلقاء خطبة حماسية أمام قادة الدولة أشاد فيها بما حقتته الجيوش العثمانية من انتصارات في الماضي على أعدائها، وتكلم عن سبب هزائمهم المتأخرة أمام أعدائهم وبين بأنها بسبب ابتعادهم عن دينهم وعدم اتباع كتابهم وسنة نبيهم، وحثهم على ضرورة التضحية والجهاد ضد أعدائهم ، والاعتماد على الله في كل تصرفاتهم وطاعة أولي الأمر، ومقاومة الأعداء الذين استولوا على اراضي المسلمين وقتلوا وسجنوا الآلاف منهم حتى تستعيد الدولة بلاد القرم منهم( ). أولاً: اصراره على الجهاد: هذه الآمال عند السلطان سليم الثالث جعلته يرفض مساعي الصلح التي قام بها سفراء اسبانيا وفرنسا وبروسيا ، وطلب من الصدر الاعظم يوسف باشا اتخاذ الترتيبات اللازمة للتصدي لأعداء الدولة. لقد أدرك السلطان المأساة التي يعيشها شعبه من جراء الهزائم المتوالية على الدولة العثمانية، ولكي يخفف من حدة الغضب والنفور، رفض السلطان مساعي الصلح وقرر التوجه بنفسه على رأس جيش نحو الدانوب. وقام بزيادة مرتبات الجند وصرف مكافآت إضافية تزيد عما كانت عليه في عهد سلفه( ). ورأى السلطان العثماني ضرورة تقوية مركزه بتعيين صديقه القديم حسين باشا الكريدلي قائداً للأسطول العثماني ونقل خدمات القائد السابق حسن باشا الى قيادة الجيش البرية في مُولدافيا وتعيينه حاكماً على مدينة "إسماعيل" وتكليفه في نفس الوقت بإعادة أوزي والتوجه بطريق البر نحو القرم( ). وكان هذا التغيير في مناصب قيادة الجيش له أسبابه، فمن جهة كان القائد حسن باشا على خلاف مع الصدر الأعظم يوسف باشا عندما رأى أن إعلان الحرب على روسيا لم يكن في وقته المناسب وأنهم بحاجة الى الاستعداد التام قبل دخول الحرب، ومن جهة أخرى فإن إخفاق الجيش العثماني بقيادة حسن باشا في استعادة "أوزي" وعودته قبل الوقت المحدد قد أثر على نفسية السلطان فرأى ضرورة تغيير القيادة ولكن السبب المعقول والأقرب الى المنطق أن القائد الجديد كان من أصدقاء السلطان( )، مما يجعل تعيينه في منصب الصدرة العظمى سنداً قوياً وتقوية لمركزه أمام أعدائه في الداخل والخارج( ). أصبح السلطان سليم في موقف يحتم عليه المواجهة مع أعدائه ومما قام به في هذا الشأن تكليفه لصدره الأعظم يوسف باشا بالاهتمام باقليم ولاشيا وحماية بلغراد من أي هجوم في منطقة الكوبان بهدف إثارة تتار القوقاز ضد روسيا ومساعدة الدولة العثمانية لاستعادة بلاد القرم. استبشر الصدر الأعظم بثقة السلطان سليم الثالث فيه وظن كأن النصر قريب وكان يأمل أن يحقق أهداف الدولة المطلوبة منه( ). ثانياً: هزيمة الجيوش العثمانية: عززت القوات الروسية والنمساوية مواقعها ، واستنفرت جيوشها وأصبحت قواتهم قريبة من بلغراد مولدافيا ولم يستطيع الصدر الأعظم من إبعاد الأعداء عن بلغراد واضطر السلطان لعزله وعين حسن باشا بدله، لقد منى يوسف باشا بهزائم متتالية على يد القائدين الروسي "سواروف"، والنمساوي "كوبرق". كان السلطان سليم الثالث حريص على استعادة القرم وتحقيق النصر على أعدائه، ورأى البدء بإعادة بناء الجيش وأصدر أوامره للصدر الأعظم باتخاذ اللازم نحو تطوير الجيش ومتابعة الجهود في سبيل الاصلاح وإرسال حملة عسكرية الى ساحة القتال، ورأى السلطان دعم هذه التوجهات بعقد معاهدة صداقة مع السويد تلتزم فيها الدولة العثمانية بدفع مبالغ نقدية سنوية محددة لمدة عشر سنوات مقابل أن تقاوم السويد روسيا من الناحية الشمالية، واتفقتا أيضاً على مواصلة الحرب معاً ضد روسيا وأن لايقوم أي منهما بعقد معاهدة سلام مع دولة اخرى دون علم الثانية( ). ثالثاً: موقف الدول الأوروبية من هذه المعاهدات: كانت مواقف الدول الأوروبية من هذه المعاهدات متباينة فبروسيا رحبت بهذه المعاهدة وذلك لأنها كانت دائماً تحث السلطان سليم الثالث على مواصلة الحرب خوفاً من أن تكون هي الأخرى من فرائس روسيا، وفرنسا لم تؤيد عقد المعاهدة على هذا الوضع لاتخدم السياسة الفرنسية وأهدافها. أما بريطانيا فيه كما يقول الشاعر: يعيطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ منك كما يروغ الثعلب( ) فهي وإن رضيت بالمعاهدة، ورغبت في بقاء الدولة العثمانية قوية، إلا أنها لاتفضل الوقوف جنباً الى جنب مع الدولة العثمانية ضد روسيا أو النمسا، ولاتفضل تقديم أي نوع من الدعم. هذه المواقف الأوروبية يجب أن لاتستغربها، فهي طبيعية، لأن علاقاتهم مع الدولة العثمانية علاقات مصالح ومطامع فقط، وإذا سعت بعض الدول الأوروبية الى بقاء الدولة العثمانية قوية الجانب، فذلك ليس حباً فيها ولكنه هدف لخدمة أغراض سياسية تتعلق بتوازن القوى في القارة الأوروبية وتتعلق بالرغبة في الحفاظ على مصالحهم الإقتصادية سواء في داخل الدولة العثمانية أو خارجها. على الرغم من تأثير هذه المواقف الأوروبية على الاتجاه العام لسياسة الدولة العثمانية وتقدمها في المناطق الأوروبية ، لم ييأس السلطان العثماني وكان يحدوه الأمل بنجاح المهمة في حال توجيه الجيش، فأصدر أمره بتحريك القوات العثمانية عبر البغدان والافلاق حتى وصلت مقدمات جيشه الى نهر "رمينيك" عند حدود النمسا وهناك حدث مالم يكن في الحسبان حيث تمكن الجيشان الروسي والنمساوي من مباغته الجيش العثماني على غفلة وانتصر عليه وسميت تلك المواجهة بمعركة "يوزا" أو "رمينيك" نسبة الى النهر الذي وقعت عنده المعركة( ). كان لهذه المعركة آثارها السيئة على الدولة العثمانية فلم يعد هناك فرصة لتنظيم الجيش ، فتوالت الهزائم على الدولة العثمانية وتزحزحت الى الوراء باتجاه شرق الدانوب، وأعطت النمساويين الفرصة لفك حصار بلغراد وفتح الطريق لقوات الحلفاء وطرد العثمانيين من أوروبا( ). لقد كانت الحملات الصليبية على الأقاليم العثمانية خلال الشهور الأخير من عام 1789م من أفضع ما شهدته المناطق الحدودية بين الطرفين ، ولذلك تميزت الفترة التي أعقبت هذه الحملات بحالتين مختلفتين: الأولى: وتتمثل في قيام نشاط دبلوماسي وحركات دينية وسياسية في الأوسط الأوروبية تنذر بالخطر، مما جعل الدول القوية تبحث عن السلام وتنادي بإيقاف الحرب بين الدولة العثمانية وعدوتها روسيا والنمسا. ولاحت الثورة الفرنسية في الأفق وبدأت أخطارها تظهر على مختلف الأصعدة في اوروبا وأوجدت شعوراً قوياً عند الدول الأوروبية ومعها روسيا بأن الوقت قد حان للتعاطف مع الدولة العثمانية خوفاً من استفحال الثورة النابليونية وهيمنة فرنسا على شؤون القارة الأوروبية( ). والثانية: هي ماشهدته الفترة من تطورات واستعدادات عسكرية جديدة بسبب تلك الهزائم المتتابعة التي لحقت بالدولة العثمانية قبل وبعد معركة "بوزا" والتي أدت الى إثارة السخط والغضب في أوساط الرعية حتى ارتفعت الأصوات بتصحيح الأوضاع وإقالة الصدر الأعظم من منصبه( ). وتوالت الأحداث واستمرت الهزائم ، وضعفت الدولة العثمانية ، ومع ظهور الثورة الفرنسية رأت الدول الأوروبية ضرورة التوصل الى معاهدة مع الدولة العثمانية لجمع الشمل الأوروبي أمام الحركة النابليونية التوسعية، والأطماع الفرنسية التي أنستهم أطماعهم في اراضي الدولة العثمانية كمرحلة أولى، ونجحت الدول الأوروبية في وساطتها وتم عقد معاهدة "زشتوى المشهورة" في 22 من ذي الحجة عام 1205هـ الموافق 4 من أغسطس 1791م( ). ولما تحقق لهم ذلك بقي عليهم المرحلة الثانية وهي وقف الحرب العثمانية الروسية التي بدون تحقيق ذلك سيكون موضوع المناطق في أوروبا معرضة للأخطار بسبب المغامرات النابليونية أو بسبب تفوق روسيا على الدولة العثمانية وبالتالي تهديداً لأوروبا( ). وكان وضع الدولة العثمانية بسبب الأحداث التي تعرضت لها أثرت على قوتها وعلى سير حملاتها نحو أوروبا وجعلتها في موقف لايمانع من الموافقة على أي أمر يؤدي الى السلام وبأي شروط، وكان تلك الأحداث مساعدة في مهمة الوسطاء، فتوصلوا بعد مفاوضات مع كل من روسيا والدولة العثمانية، الى عقد معاهدة سلام بينها في مدينة ياش وذلك بتاريخ 15 جمادى الأولى عام 1206هـ، الموافق التاسع من شهر يناير عام 1792م. كان من أهم بنود هذه المعاهدة: 1- تبادل أسرى الحرب والسماح للرعايا الذين يعيشون خارج دولتهم بسبب الأزمات السياسية ، بالعودة الى بلدانهم الأصلية أو البقاء حسب رغباتهم. 2- تتنازل الدولة العثمانية لروسيا عن ميناء أزوف وبلاد القرم وشبه جزيرة طمان وبلاد القويان وبساربيا والأقاليم الواقعة بين نهري بجد والدينستر، ويكون النهر الأخير حداً فاصلاً بين الدولتين. 3- ترجعُ روسيا للدولة العثمانية مناطق: البغدان واكرمان وكيلي واسماعيل مقابل أن تقوم الدولة بإعفاء رعايا البغدان من الضرائب وعدم مطالبة روسيا بتعويضات حرب أو ماشابه ذلك. 4- يمنع الباب العالي رعايا دولته من الغارات على محافظتي تفليس وكاتالينا الروسيتين ، وعلى السفن الروسية في البحر المتوسط، وعليه القيام بدفع تعويضات لأي اضرار تحدث بعد ذلك من قبل رعايا الدولة العثمانية( ). وحققت بذلك المعاهدة وقف الحرب الروسية العثمانية، وحققت بذلك أهداف الدول الأوروبية وأهمها إيقاف الحرب في زمن كانت أوروبا تعيش فيه انطلاق الثورة النابليونية تخشى تطورها على أنظمة الحكم فيها، وهكذا ضاعت آمال الدولة العثمانية وضاعت معها تلك المناطق التي كانت تحت نفوذها حتى أصبح البحر الأسود تحت رحمة العلم الروسي وأصبحت موائنه العثمانية مثل أزوف وأوديسا وسيفاستبول قواعد للأسطول الروسي وأصبحت مصبات الأنهار العظيمة مثل الدانوب وبج والدنيستر وبروت وحركتها الملاحية تحت تصرف روسيا. وهكذا قلصت هذه المعاهدة حدود الدولة العثمانية في أوروبا وأعطت في نفس الوقت الصفة التنازلية الشرعية من مكتسباتها لاعدائها. وهكذا خطت الدول الأوروبية خطوات ساهمت في القضاء على الكيان العثماني في أوروبا وكأنها بذلك تحقق المشروعات الكثيرة( ) التي نادى بها الساسة والمفكرون الأوروبيون ضد الدولة العثمانية منذ قرون طويلة، وكانت القوى الصليبية والقوى الاستعمارية والقوى اليهودية تعمل في مثابرة وتنظيم نحو الهدف المنشود وكأنها: (شركة عالمية يتبادل فيها المؤسسون الأوروبيون النظرات الشذراء ، وقد يختلفون معاً ولكنهم متفقون على آل عثمان، وكل منهم متحفز للنهش والقضاء والابتلاع)( ). وإن كانت معاهدة ياش قد أنهت المواجهات الروسية العثمانية لفترة مؤقتة إلا أنها في حقيقة الأمر بداية لنهاية أكثر فاجعة من الأولى( ). رابعاً: الإصلاح الداخلي والمعارضة: وبعد هدوء القتال انصرف سليم الثالث للإصلاحات الداخلية فبدأ بتنظيم الجيش للتخلص من الانكشارية الذين أصبحوا سبب كل فتنة واتجه نحو تقليد أوروبا التي تجاوزتهم كثيراً فأهتم بصناعة السفن والأسلحة خاصة المدافع على الطريقة الفرنسية، وشهد عهده بدايات التعليم العسكري الغربي. ونظراً لإقدام السلطان سليم على الاصلاحات وإنشاء فرقة النظام الجديد، فقد ثار الجنود الانكشارية وساندهم الأعيان ضد النظام الجديد، ورغم ان السلطان أصدر أمراً بإلغاء النظام العسكري الجديد، إلا أن الثوار قرروا عزل الخليفة وخلعه من الحكم( ) وتولي بعده ابن عمه مصطفى الرابع الحكم مرشح المحافظين الذي اصبح دمية في أيدي من عينوه على السلطنة ثم صدرت مراسيم سلطانية ألغت النظام الجديد وكل المدارس والمؤسسات والاصلاحيات المرتبطة به، ورغم ذلك فقد حدثت مشاكل في عهده أدت الى الإطاحة به( ). خامساً: الغزو الفرنسي الصليبي على الدولة العثمانية في مصر (1213هـ/1798م): انتهز أعداء الاسلام تدهور الدولة العثمانية فأستغلت فرنسا ذلك الضعف وأرسلت حملتها المشهورة بقيادة القائد المشهور نابليون بونابرت، كانت تلك الحملة صدى للثورة الفرنسية ومتأثرة بافكارها الثورية. وقد أصطحب نابليون معه مجموعة كبيرة من العلماء الفرنسيين في حملته هذه بلغ عددهم (122) عالماً وهو عدد يزيد عن اضعاف العدد الذي أعتاد أن يصحبه في حملاته الأوروبية، وقد تأثر فكر هؤلاء العلماء في الغالب بالدور الفرنسي الذي يسعى لإصلاح الكنيسة الكاثوليكية ويعادي حركات الاصلاح البروتستانتية منذ بداية القرن السادس عشر، ثم تأثروا في الفترة السابقة لقدومهم الى الشرق بأفكار روسو وفولتير ومونتسكيو أبرز مفكري الثورة الفرنسية والمعروفين بانتمائهم للمحافل الماسونية اليهودية من خلال مارفعوه من شعارات (الحرية ، الاخاء، المساواة)، وهي أفكار واتجاهات تعادي في مجموعها الدين والأفكار المستمدة منه بشكل عام وبالتالي فإنه من السذاجة أن نقبل مايروجه كتّاب التاريخ من أن الهدف الرئيسي لهذه الحملة كان قاصراً على ضرب المصالح البريطانية في الشرق فمثل هذا الهدف لا يحتاج الى هذا الحشد الهائل من العلماء( )، فكان الى جانبه هدف إقامة امبراطورية فرنسية في الشرق إرضاء لطموحات الطبقة البرجوازية فيها والتي تسللت الى الحكم في اعقاب الثورة، وإرضاء للكنيسة التي وإن كانت الثورة قد وجهت لها بعض الضربات بشكل أضعف دورها داخل فرنسا عن ذي قبل إلا أنها ظلت لها تأثيرها الواسع والفعال على كثيرين من أبناء الشعب الفرنسي، فضلاً عن الدور الذي كانت تقوم به في تدعيم النفوذ الفرنسي في المستعمرات وكذلك في الشرق الاسلامي. ومن هنا كانت أهداف الحملة خليطاً من أهداف اقتصادية وتوسعية وسياسية ودينية ، أو بالاحرى غزو عسكري وفكري، ولهذا اصطحب نابليون معه في حملته هذا الحشد الهائل من العلماء( ).

المبحث السابع: جذور الحملة الفرنسية الصليبية

لاشك أن هؤلاء المستعمرين كانوا عاملين بطبيعة واحوال المسلمين في مصر من خلال وسائلهم المتعددة، منها ماقام به الرحالة الفرنسي (الجواسيس) الذي أكثروا من رحلاتهم خلال القرنيين السابع عشر والثامن عشر، وكانوا على صلة بالعناصر القبطية المسيحية واليهودية وبعض عناصر المماليك في مصر، ودرسوا كافة الجوانب السياسية، والاقتصادية والفكرية والعسكرية بأدق التفاصيل ومما يدلنا على ذلك حرصهم الشديد في ترويج أفكارهم فترة بقاء الحملة ، وحتى بعد رحيلها وزرعهم للمحافل الماسونية اليهودية في مصر التي أصبحت على صلة وثيقة بمحمد علي باشا فيما بعد، لقد كانت خطوات الحملة الفرنسية مدروسة بعناية شديدة قبل القدوم ولم تكن مفاجئة وحتى اكتشاف حجر الرشيد الأثري وفك رموز اللغة الهيروغليفية للمصريين القدماء فإنه إذا كان مفاجئة -وهو أمر مازال يحتاج الى بحث- فإن العناية لهذا الحدث والترويج له وماتبعه من فك رموز لغة الفراعنة واستخدامه كان أمراً مدروساً بعناية كذلك، وكان يدور في إطار الأهداف الكلية لهذه الحملة المعلن منها وغير المعلن. ويشير المؤرخ المسلم عبدالرحمن الجبرتي الذي عاصر هذه الحملة الى هذه الأمور في معرض حديثه عن المعهد العلمي الذي انشأه الفرنسيون في حارة "الناصرية" فيقول: (وإذا حضر إليهم بعض المسلمين ممن يريدوا الفرجة لايمنعونه الدخول الى أعز أماكنهم ويتلقونه بالبشاشة والضحك وإظهار السرور بمجيئه إليهم خصوصاً إذا رأو فيه قابلية أو معرفة أو تطلعاً للنظر في المعارف والأقاليم والحيوانات والطيور والنباتات وتواريخ القدماء وسير الأمم وقصص الأنبياء وبتصاويرهم وآياتهم ومعجزاتهم وحوادث أممهم مما يحير الأفكار)( ).

أولاً :سر قوة المسلمين: كان الفرنسيون -والغربيون بصفة عامة- يدركون أن السر في قوة المسلمين يتمثل في جانبين هامين الأول هو تمسكه بالدين والثاني في وحدة بلادهم في ظل حكومة اسلامية مطاعة مهابة، وقد أكد رجال الحملة الفرنسية إدراكهم لهذين العاملين حين أعلن نابليون وبعض رجاله( ) اعتناقهم للاسلام واحترام تعاليمه وزواجهم من مسلمات كي يتخذوا من ذلك ذريعة للتقرب للعوام أملاً في الاستقرار، وقد بدأ ذلك واضحاً في المنشور الأول الذي أعلنه نابليون على شعب مصر حيث ذكر: (أيها المصريون قد قيل لكم أنني مانزلت لهذا الطرف إلا بقصد إزالة دينكم فذلك كذب صريح فلا تصدقوه وقولوا للمغترين أنني ماقصدت إليكم إلا لأخلص حقكم من يد الظالمين، وأنني أكثر من المماليك أعبد الله سبحانه وتعالى وأحترم نبيه والقرآن العظيم)( ). كما سعى رجال الحملة الى زعزعة الدين في نفوس الشيوخ والعلماء المسلمين بعرض نماذج من الحضارة الغربية عليهم، أما العامل الثاني وهو الرامي الى تمزيق وحدتهم فقد بدا واضحاً في سعي الفرنسيين لتجنيد قوة مسلحة من مسيحي مصر قادها "المعلم يعقوب" لمساعدة الحملة في ضرب الثورة الشعبية التي قادها العلماء ، والوقوف أمام قوات الخلافة العثمانية الاسلامية( ). ثانياً: تفجير الجيوب الداخلية: نجح الفرنسيون في استثارة العناصر القبطية المسيحية على معاونة الحملة بمختلف الوسائل ، واعتبر بعض الكتاب المسيحيين أن الفائدة التي جنتها مصر خلال سني الحملة الثلاث أكثر من القرون الطويلة للحكم العثماني وقد أشاد البعض من هؤلاء العملاء بدور الخسة والنذالة الذي قام به المعلم يعقوب في تعاونه مع الفرنسيين ضد العثمانيين واعتبروه "تعاوناً يستحق بموجبه أن يقام له تمثال من ذهب في أكبر ميادين القاهرة ويكتب عليه أنه أول من نادى باستقلال مصر في العصر الحديث"( ). كان هذا الموقف من النصارى معادياً لرغبة الأغلبية المسلمة بنفس القدر مايمكن ادراكه من اتجاه أغلب المفكرين النصارى العدائي للأغلبية المسلمة في مصر المعاصرة والذي يبدو جلياً في تأييدهم لخيانة بلادهم طالما هي ضد الوجود الاسلامي، وحتى بمفهوم الوحدة الوطنية الذين يسعون للتمسح به فإن "المعلم يعقوب" يعد من أبرز الذين خانوا بلادهم. وعلى أية حال كانت هذه الحادثة بداية لما عرف في التاريخ المصري باسم الفتنة الطائفية( ). لقد قامت الأقليات غير الاسلامية من النصارى واليونان بمعاونة الاحتلال الفرنسي وقد علق على ذلك الاستاذ الدكتور عبدالعزيز الشناوي : (أسرفت بعض الطوائف غير الاسلامية في مصر في تأييد الفرنسيين اسرافاً وصل الى حد تكوين فرقة عسكرية من ابناء هذه الطوائف. وقام الضباط والجنود الفرنسيون بتدريبهم على النظم العسكرية الأوروبية وتزويدهم بالأسلحة الحديثة. ثم ألحقت هذه الفرق بجيش الاحتلال الفرنسي لسد النقص في عدده، نتيجة المعارك التي خاضها في مصر والشام وإخماد الثورات الشعبية، وفتك الطاعون وغيره من الأمراض الوبائية بالجنود الفرنسيين وقد نظر الشعب المصري الى هذه الفرق على أنها أدوات لدعم الاحتلال الفرنسي لمصر، وتزعم هذه الفرق المعلم "يعقوب حنا" إذ كون فرقاً عسكرية من الأقباط، وكانوا يرتدون زياً مشابهاً لزي الجنود الفرنسيين ، وقلده "كليبير" قيادة هذه الفرقة منحه رتبة أغا ثم رقى على عهد "مينو" الى رتبة لواء (جنرال) ومنحه رسمياً لقب القائد العام للفيالق القبطية بالجيش الفرنسي)( ). ورغم المقاومة الشديدة والحركة الجهادية بقيادة علماء الأزهر، فقد استطاعت القوات الفرنسية بمعاونة "المعلم يعقوب" المصري من احتلال مصر، وارتكبت من الفظائع ما يستلزم أن يفرد له صفحات من تاريخ هذه الفترة ، لترى الأجيال كم من القرى أحرقت، وكم الدور والأموال قد سرقت، وكم أعراض النساء الحرائر انتهكت وكم من الأسر قد شردت على يد فرنسا زعيمة الحرية والاخاء والمساواة والانسانية. وبعد احتلال القاهرة واصل نابليون احتلاله لبقية مدن مصر، "وغزة" والرملة ، ويافا وقد حاول احتلال عكا، ولكن يقظة أهلها بقيادة أحمد باشا الجزار حالت بين نابليون الصليبي وبين مايشتهي. وحينما وصل نابليون الصليبي الى عكا وأصدر بياناً الى يهود العالم مُطلقاً عليهم اسم "الورثة الشرعيين لفلسطين" لإقامة دولة يهودية على ارض فلسطين. ألا يكشف ذلك عن علاقة وثيقة بين نابليون الذي تستر بالاسلام، واليهود الذين خططوا وقاموا بما تسمى الثورة الفرنسية( )؟؟ ثالثاً: السطان سليم الثالث يعلن الجهاد ضد فرنسا: كان الهجوم الفرنسي على مصر يعتبر اول هجوم صليبي على ولاية عربية من ولايات الدولة العثمانية في التاريخ الحديث ، وعلى الفور أعلن السلطان سليم الثالث الجهاد على الفرنسيين الصليبيين (1213هـ/1798م) واستجاب لدعوته المسلمون في الحجاز، والشام، وشمال أفريقيا. فمن الحجاز خرجت جموع من المسلمين بقيادة محمد الكيلاني ، يقول الجبرتي في حوادث (شهر شعبان عام 1213هـ/8 يناير الى 5 فبراير عام 1799م): (لما وردت أخبار الفرنسيين الى الحجاز وأنهم ملكوا الديار المصرية، انزعج أهل الحجاز وضجوا بالحرم وأن هذا الشيخ الكيلاني صار يعظ الناس ويدعوهم الى الجهاد، ويحرضهم على نصرة الحق والدين ، وفاتعظ جملة من الناس وبذلوا أموالهم وأنفسهم واجتمع نحو الستمائة من المجاهدين وركبوا البحر الى القيصر مع ما أنظم إليهم من أهل ينبع وخلافه وكان مسلموا الحجاز خصوماً أشد للجنرال "ديزيه" الذي عهد إليه "بونابرت" غزو الصعيد والقضاء على قوات الجهاد بقيادة "مراد بك" ، وقد صمموا على الظفر بإحدى الحسنيين: الاستشهاد أو الانتصار واتخذوا شعاراً لهم الآية القرآنية: { انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} (سورة البقرة: آية 41) وتكونت منهم ومن مسلمي الوجه القبلي في "مصر" وخاصة عرب "الهوارة"، وأهالي النوبة، وقوات "مراد بك" جبهة حربية اسلامية في مواجهة جبهة حربية نصرانية كانت تتألف من القوات الفرنسية، النهرية والبرية، والفيالق القبطية بقيادة المعلم "يعقوب يوحنا" في الجيش الفرنسي( ). رابعاً: استجابة المهدي الدرناوي الليبي لنداء الجهاد ضد فرنسا: حركته الغيرة الاسلامية والحمية الدينية فقام بدعوة مسلمي شرق ليبيا الى الجهاد في سبيل الله تعالى، فأقبل عليه الناس أفواجاً مثل قبائل أولاد علي، والهنادي وغيرهم، كما أنضم إليه سكان القرى التي مر بها وسار بهذه الجموع حتى بلغ دمنهور (1214هـ/ ابريل عام 1799م) وكانت تعسكر بها حامية فرنسية أبادها المهدي عن بكرة أبيها وكان لانتصار الدرناوي الليبي على الفرنسيين الكفار صدى كبير، مما دفع حاكم الاسكندرية العسكري الفرنسي الجنرال "مارمون" الذي أرسل نجدة مزودة بالمدفعية لتعقب المهدي ولكنها هزمت أيضاً؛ فأرسل قوات أخرى من رشيد، ودارت معركة "سنهور" ، وكان من أشد المعارك هولاً، ومن أعنف الوقائع التي واجهها الفرنسيون في "مصر"، واستمر القتال سبع ساعات، انتهت بانتصار المهدي الدرناوي وانسحاب الفرنسيين الى الرحمانية( ). وقيل أن المهدي الدرناوي ادعى المهدية. وقد علق على ذلك أحد المؤرخين بقوله: "واعترف نابليون بأهمية العازل الديني بين الفرنسيين والشعب المسلم وخلص الى رأي أن الحرب ضد المسلمين تعتبر حرب الاستنزاف ضد الفرنسيين ولم يمكن التغلب عليها. وقال آخر : إن المصريين وصفوا "بونابرت" بأنه نصراني ابن نصراني"( ). وبرغم كل وسائل التودد فقد أبدى المصريون عدم تقبلهم للفرنسيين ، وعبر الجبرتي عن هذه المشاعر حين اعتبر سني الاحتلال الفرنسي لمصر "أولي سني الملاحم العظيمة والحوادث الجسيمة والوقائع النازلة والنوازل الهائلة وتضاعف الشرور وترادف الأمور وتوالي المحن واختلاف الزمن وانعكاس المطبوع وانقلاب الموضوع وتتابع الأهوال واختلاف الأحوال وفساد التدبير وعموم الخراب وتواتر الأسباب {وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون}( ) (سورة هود، آية 11). وقد ذكر الاستاذ الدكتور الشناوي جملة حقائق تتعلق بالحملة الفرنسية على مصر: • أن الشعب المصري بقيادة علماء الأزهر ينظرون الى الغزوة الفرنسية على انها غزوة صليبية تستهدف دينهم، وتستهد الخلافة الاسلامية. • أن ماتسمى بثورة القاهرة الاولى والثورة الثانية، لم تكن في الحقيقة إلا حركة جهادية تستهدف إنهاء الحكم الفرنسي النصراني لمصر، وإعادة "مصر " الى حظيرة الخلافة العثمانية الاسلامية. • أن العثمانيين والمماليك كانوا مسلمين، وأن مصر حينما كان يحمها المماليك ، إنما كانوا يحكمونها باسم السلطان العثماني المسلم. • أن سكان الولايات العربية لم ينظروا الى السلطان العثماني على أنه سلطان المسلمين فحسب بل نظروا إليه على انه خليفة المسلمين( ). خامساً: الانجليز وأطماعهم في مصر: كانت بريطانيا تتابع الأطماع الفرنسية في مصر وغيرها بدقة متناهية وعندما تحركت الحملة الفرنسية ووصلت الى مصر أرسلت أسطولاً بقيادة الاميرال نيسلون لتعقب الحملة الفرنسية، وفاجأ نيسلون الأسطول الفرنسي وهو رابض في خليج أبي قير بعد أن أنزل قوات الحملة في الاسكندرية، وأشتبك معه في معركة ادت الى إغراقه في أول أغسطس 1718م ، وقد كان لمعركة ابي قير البحرية نتائج خطيرة من أهمها: كبدت البحرية الفرنسية خسارة جسيمة قضت على كل أمل في إمكان إحيائها، فظل الانجليز أصحاب السيطرة في البحار. فرض الإنجليز حصاراً شديداً على الشواطئ المصرية المطلة على البحر المتوسط حتى أصبح من المتعذر تماماً على فرنسا أن ترسل النجدات الى جيشها في مصر. اضطر الفرنسيون في مصر الى الاعتماد اعتماداً كلياً في تدبير شؤونهم وسد حاجاتهم في هذه البلاد على مواردها الداخلية وحدها، وكان لذلك أكبر الأثر في اتباع بونابرت لما عُرف "بالسياسة الاسلامية الوطنية" التي كان هدفها توفير اسباب الحياة للفرنسيين وترويض المصريين بشتى الأساليب على قبول حكم اجنبي عنهم ولقد اعتمدت السياسة الفرنسية ثلاثة دعائم: 1- التظاهر باحترام الدين الاسلامي والمحافظة على تقاليد أهل البلاد وعاداتهم. 2- محاولة انتزاع المصريين من أحضان الخلافة العثمانية . 3- إنشاء حكومة وطنية من "عقلاء" وأفاضل المصريين( ). غير أن هذه السياسة فشلت فشلاً ذريعاً في تحقيق أهداف بونابرت، والدليل على ذلك تلك المقاومة الاسلامية الشديدة التي انطلقت تقاتل جنوده إينما ساروا أو حلوا في الدلتا والصعيد، ثم الثورة التي قام بها المسلمون في القاهرة الاولى (حركة الجهاد الأولى). وكان بونابرت وقت اندلاع المعركة خارج القاهرة ، فعاد إليها مسرعاً ونصب المدافع على تلال المقطم لتعاون مدافع القلعة في إطلاق القنابل على حي الأزهر مركز حركة الجهاد وشعلتها المتأججة. ويؤخذ من رواية الجبرتي ومن رواية الفرنسيين أنفسهم أنه في اليوم الثاني للثورة (22 أكتوبر) حين شرع الثوار في مهاجمة مقر القيادة الفرنسية العامة بحي الأزبكية كان الجنود الفرنسيون يهاجمون الجامع الأزهر ثم دخلوه وهم راكبون الخيول وسلبوا ماكان فيه من الودائع وألقوا الكتب والمصاحف على الأرض وداسوها بأرجلهم ونعالهم، وظل الجنود الفرنسيون يحتلون الأزهر حتى ذهب وفد من مشايخه الى بونابرت يطلبون منه الجلاء عنه فكان ذلك نهاية للثورة التي استمرت ثلاثة أيام (21-23 اكتوبر 1798م). وانتقم الفرنسيون من المسلمين في القاهرة وضواحيها ابشع انتقام، فنهبوا ديار حي الأزهر والأحياء المجاورة وأعدموا صغار المشايخ الذين حرضوا على الثورة وصادروا ممتلكاتهم، واحاطوا القاهرة وضواحيها بالحصون والقلاع والمعاقل، وهدموا في سبيل ذلك الشيء الكثير من المنازل والقصور( ). سادساً: العثمانيون وسياستهم الدولية: كانت هزيمة الأسطول الفرنسي في موقعة ابي قير البحرية قد شجعت الباب العالي على مهاجمة الحملة الفرنسية في مصر، فأعلن الحرب على فرنسا وأصدر أوامره بإلقاء القبض على القائم بأعمال السفارة الفرنسية وجميع رعايا فرنسا في العاصمة العثمانية وإلقائهم في السجون. ولم تلبث وزارة الخارجية العثمانية أن دخلت مع انجلترا من جهة ومع روسيا من جهة اخرى في مفاوضات أسفرت عن عقد محالفة دفاعية هجومية بين روسيا وتركيا (25 ديسمبر 1798م) وعن عقد محالفة اخرى بين إنجلتر وتركيا (5 يناير 1799م) ، وكان العثمانيون يقومون في بلاد الشام باستعدادات جهادية ضد الحملة الفرنسية في مصر، مما جعل بونابرت يتخذ قراراً بأن يسق أعداءه في شن هجوم عليهم قبل أن يهاجموه، فكانت حملته على بلاد الشام (فبراير - يونيو 1799م) التي تمكنت من ضرب القوات العثمانية المتجمعة هناك، إلا أنها لم تستطع أن تحطم قوات أحمد باشا الجزار بسبب فشلها في الاستيلاء على عكا. وبعد عودة الحملة الى مصر انتصر بونابرت في معركة أبو قير البرية 25 يوليو 1799م على قوة عثمانية اتخذت طريقها في رودس الى مصر، وكان من أهم نتائج هذه الموقعة حصول بونابرت من القائد العثماني مصطفى باشا الذي وقع في الأسر على معلومات تفيد بأن حرباً عامة في أوروبا قد أندلعت ضد فرنسا، فغادر بونابرت مصر سراً الى بلاده تاركاً قيادة الحملة الى الجنرال كليبير( ). وعلى العموم فبعد رحيل بونابرت الى فرنسا أقبل كليبر على تصريف الأمور بكل همة، فأعد تنظيم الحكومة وقسم القطر المصري الى ثمانية أقاليم إدارية، وأبقى الدواوين التي أنشأها بونابرت في الأقاليم، كما نظم شؤون تحصيل الضرائب وعني بضبط حسابات المديريات المختلفة الى جانب عنايته بسائر فروع الادارة والاهتمام بنشاط ديزيه العسكري في الصعيد إلا أن الضغوطات المطالبة بالعودة الى فرنسا أثرت على كليبير وبادر بالكتابة الى الصدر الأعظم في 17 سبتمبر 1799م ينفي رغبة فرنسا في انتزاع مصر من تركيا، ويذكر الأسباب التي جعلت فرنسا ترسل حملتها الى مصر وهي محاولة إلقاء الرعب في قلوب الانجليز وتهديد ممتلكاتهم في الهند وإرغامهم على قبول الصلح مع فرنسا، بالإضافة الى الانتقام مما لحق بالفرنسيين من أذى على أيدي المماليك، وتخليص مصر من سيطرة البكوات وإرجاعها الى تركيا، ثم طلب كليبير من الصدر الأعظم فتح باب المفاوضات من أجل جلاء الفرنسيين عن مصر( ). وقد جرت هذه المفاوضات بالفعل في مدينة العريش وأسفرت عما يسمى باتفاقية العريش (24 يناير 1800م) التي نصت على : جلاء الفرنسيين عن مصر بكامل أسلحتهم وعتادهم ، وعودتهم الى فرنسا. هدنة ثلاثة شهور قد تطول مدتها إذا لزم الأمر، ويتم خلالها نقل الحملة. الحصول من الباب العالي أو حلفائه - أي الأنجليز وروسيا- على بلاده على أن تتعهد تركيا وحلفاؤها بعدم التعرض لهذا الجيش بأي أذى. غير أن الحكومة البريطانية عندما بلغتها أنباء مفاوضات العريش كانت قد أتخذت موقفاً من شأنه تعطيل إتفاقية العريش عن إبرامها، إذ كانت تخشى من أن يعود جيش فرنسا المحاصر في مصر الى ميادين القتال في أوروبا، فترجح كفة الجيوش الفرنسية ويختل ميزان الموقف العسكري في القارة. ولما كان من المعتقد في ضوء رسائل الضباط والجنود الفرنسيين الى ذويهم في فرنسا، والتي وقعت في ايدي رجال البحرية البريطانية أن الحملة الفرنسية تمضي ببطء داخل الأراضي المصرية فقد فضلت حكومة لندن أن يبقى الفرنسيون في مصر أو يسلموا أنفسهم كأسرى حرب. ولذلك أصدرت في 15 ديسمبر 1799م أوامر صريحة الى اللورد كيث القائد العام للأسطول البريطاني في البحر المتوسط برفض أي اتفاق أو معاهدة بشأن الجلاء عن مصر، طالما كان هذا الاتفاق لا ينص على ضرورة أن يسلّم الفرنسيون أنفسهم كأسرى حرب تسليماً مطلقاً دون قيد أو شرط ، فأعد كيث رسالة بهذا المعنى الى كليبير وصلته في أوائل مارس 1800م. وأمام هذا التحول المفاجئ لم يجد كليبير مفراً من وقف عملية الجلاء التي كان قد بدأها تنفيذاً لاتفاقية العريش، ثم أسرع في صبيحة يوم 20 مارس 1800م بالزحف على رأس جيشه لوقف تقدم العثمانيين الذين وصلت طلائعهم الى المطرية على مسافة ساعتين من القاهرة، فوقعت معركة (عين شمس) التي امتد ميدانها من المطرية حتى جهات الصالحية، وهزم الفرنسيون فيها العثمانيون هزيمة شديدة. وفي أثناء معركة هليوبوليس كان فريق من جيش الصدر الأعظم وبعض عناصر المماليك قد تسللوا الى داخل القاهرة وأثاروا أهلها على الفرنسيين، فكانت ثورة القاهرة الثانية التي استمرت مدة شهر تقريباً من 20 مارس الى 20 أبريل سنة 1800م( ). ولم يستطيع كليبر إخماد الثورة إلا بعد إلتجائه الى العنف، فدك القاهرة بالمدافع من كل جانب، وشدد الضرب على حي بولاق حيث تركزت الثورة فاندلعت ألسنة النيران في كل مكان منه، والتهمت الحرائق عدداً كبيراً من الوكائل والخانات، فلم يجد سكان بولاق مفراً من التسليم، وتلاهم سكان الأحياء الاخرى، وتولى مشايخ الأزهر الوساطة وأخذوا من كليبر العفو الشامل والأمان، ولكنه مالبث أن غدر بالمسلمين بعد أن خمدت الثورة، وكان اقتصاصه منهم رهيباً شديداً فأعدم بعضهم وفرض غرامات فادحة على كثير من العلماء والأعيان، كما فرض المغارم على أهل القاهرة جيمعاً، ولم يستثني منهم الطبقات الشعبية الكادحة( )، وعهد كليبر الى المعلم "يعقوب" أن يفعل بالمسلمين مايشاء، ومما يذكر أن بطريرك الأقباط لم يقر يعقوب على تصرفاته، وكثير مابذل له النصح بالعدول عن خطته، ولكن يعقوب كان يغلظ له القول وكان يدخل الكنيسة راكباً جواده ورافعاً سلاحه، ولم يزدد إلا إمعاناً في تأييد الفرنسيين( ). ولم يمض على إخماد ثورة القاهرة إلا شهرين حتى أغتيل كليبر في 24 يوليو 1800م بطعنة قاتلة من أحد طلبة الأزهر الشاميين، وهو سليمان الحلبي، ومن المعتقد أن السلطات العثمانية كانت لها يد في مصرع كليبر وفي 17 يونيو أحتفل الجيش الفرنسي احتفالاً رهيباً بتشييع رفات كليبر ، وبعد دفن الجثة أعدم سليمان الحلبي وآلت القيادة العامة للحملة الى الجنرال مينو باعتباره أكبر ضباط الحملة سناً( ) وكان هذا القائد من أنصار البقاء في مصر وخط سياسته استهدفت توطين الفرنسيين فيها إلا أن الضغوطات الداخلية والخارجية أضطرته الى مغادرة مصر بعد الهجوم المشترك الذي قام به الانجليز والعثمانيون على الفرنسيين في مصر. لقد تظافرت عوامل عدة أرغمت المحتلين الفرنسيين على الخروج من مصر في النهاية، منها تحطيم أسطولهم في معركة ابي القير البحرية، وسيطرة الانجليز البحرية في البحر المتوسط، وتشديدهم الحصار على الشواطئ المصرية، مما أعجز الحكومة الفرنسية عن إرسال النجدات والإمدادات الى فرنسا في مصر، وانضمام الدولة العثمانية الى أعداء فرنسا، والانقسام الذي حدث في صفوف الحملة وبدأت بوادره منذ بدأ جيش بونابرت زحفه الشاق من الاسكندرية الى القاهرة، ثم استفحل أمره بعد رحيل بونابرت وخصوصاً عقب مصرع كليبر وإبان قيادة مينو للحملة، وجهاد الشعب المصري المسلم ضد الاحتلال الفرنسي الصليبي، ذلك الجهاد الذي تمثل في ثورتي القاهرة الاولى والثانية، وفي العمليات الجهادية التي اشتعلت في الدلتا ، وفي المقاومة التي اشتدت في الصعيد. ودون أدنى شك كان لجهاد مسلمي مصر للحكم الفرنسي بالغ الأثر في زعزعة أركانه، وفي عجز الفرنسيين عن بلوغ غايتهم وتنفيذ أهدافهم وانهيار آمالهم في تشييد تلك المستعمرة الجميلة التي كانوا يحلمون بإتخاذها نواة لامبراطوريتهم الاستعمارية الجديدة في مصر( ). سابعاً: آثار الحملة الفرنسية على الأمة الاسلامية: لقد كان لهذه الحملة آثاراً بالغة وسبباً من أسباب هزيمة الأمة الداخلية ولقد صور هذه الآثار على الأمة الاستاذ محمد قطب فقال: (ثم كانت الهزيمة الحربية التي وقعت بالمماليك على يد نابليون في إمبابة إيذاناً بالهزيمة الداخلية؛ هزيمة العقيدة في داخل النفوس. لقد روع المسلمون بمدافع نابليون وبدت لهم سيوف المماليك هذراً فارغاً إزاء تلك المدافع الجديدة التي لم يكونوا يعرفونها أو يتصورون وجودها، في يد الاعداء. وانقلب ميزان القوى انقلاباً عنيفاً في نفوسهم فتلك هي المرة الأولى التي تنهزم فيها جيوش المسلمين عن جدارة، وتتغلب جيوش الصليبيين لأنها تملك قوة حقيقية من العتاد والفن الحربي والمعرفة لايملكها المسلمون ولقد كان ممكناً مع ذلك كله ألا يتغير الميزان في داخل النفوس، كان ممكناً أن تصمد النفوس للهزيمة ريثما تتجمع للانقضاض من جديد كما حدث مرات كثيرة من قبل، ولكن الرصيد الداخلي للعقيدة في تلك الفترة لم يكن من القوة بحيث يصمد للصدمة ويتجمع من جديد. حقاً لقد قام الشعب بمقاومة باسلة للحملة الفرنسية، وثارت القاهرة بزعامة العلماء وتأثيرهم الروحي وحدثت بطولات عجيبة. حقاً لقد حدث كل ذلك، ولكنه كان أشبه بالاعمال الفردية الفدائية، أما الكيان ال