هرقليطس

الفلسفة الغربية
فلسفة قديمة
Heraclitus, Johannes Moreelse.jpg
هرقليطس بريشة يوهانس موريلس. الرسم يصوره بصفته "الفيلسوف الباكي" معتصراً كفيه فوق العالم، ولكونه "الفيلسوف الغامض" فهو يرتدي ملابس داكنة، كلاهما نمطان تقليديان.
الاسم: هرقليطس Heraclitus
تاريخ الميلاد: ح. 535 ق.م.
تاريخ الوفاة: 475 ق.م.
مدرسة/تقليد فلسفي: لا يـُعتبر منتمياً إلى أي مدرسة فكرية، ولكن المنتسبين لفلسفته يـُطلق عليهم "هراقليطيون Heracliteans."
الاهتمامات الرئيسية: الميتافيزيقا، نظرية المعرفة، الأخلاق, السياسة
أفكار مميزة: لوگوس، التدفق
أثر في : پارمنيدس، افلاطون، أرسطو، هيجل، نيتشه، هايديگر، هوايتهيد، كارل پوپر، وآخرون كثر

هرقليطس من إفسوس (بالاغريقية :Ηράκλειτος ό Εφέσιος ) (بالإنجليزية : Heraclitus ، ح.535 - ح.475 ق.م.) كان فيلسوف يوناني، قبل سقراط، قال بـ التغيّر الدائم. ويصعب تحديد تاريخ حياته بدقة، غير أنه من الراجح أنه ازدهر (أي كان في الأربعين من عمره) حوالي سنة 500 ق.م.، ولا يُعرف عن حياته غير أنه كان من الأسرة المالكة في مدينة إفسس (بآسيا الصغرى).

Contents

المكان

إفسوس على ساحل آسيا الصغرى، مسقط رأس هيراقليطس

على الجانب الثاني المقابل لساموس من خليج كايسترا كانت تقوم إفسوس أشهر مدائن أيونيا، وقد أنشأها حوالي عام 1000ق.م مستعمرون من أثينة. وكان اجتماع تجارة نهري كايشتر وميندر سبباً في رخاء المدينة. وكان في أصلها، وفي دينها، وفنها، عنصر شرقي واضح. وكانت أرتميز التي تُعبد فيها من بداية أمرها إلى نهايته إلهة شرقية للأمومة والخصوبة. وقد حدثت في هيكلها العظيم وفيات كثيرة وعاد فيه إلى الحياة خلق لا يقلون في عددهم عمن ماتوا فيه. وقد شُيد هيكلها الأول حوالي عام 6000 ق.م. في موضع كان فيه من قبل هيكل قديم، وأعيد بناؤه مرتين ودمر مرتين، ولعله كان أول صرح عظيم شُيد على الطراز الأيوني. وشُيد الهيكل الثاني حوالي عام 540 وقدم كروسس جزءاً كبيراً من المال الذي أنفق في تشييده، واشترك في تصميمه بيونيوس الإفسوسي وثيودورس الساموسي، ودمتريوس أحد كهنة الضريح. وكان أكبر هيكل يوناني أقيم حتى ذلك الوقت، وكان بعد بلا نزاع من بين عجائب الدنيا السبع . ولم تشتهر المدينة بهياكلها وحدها، بل اشتهرت أيضاً بشعائرها، وفلاسفتها، وبنسائها ذوات الجلابيب الغالية(51). وعاش فيها في ذلك الزمن البعيد أي حوالي 690 ق.م كلنوس Callinus أول من نعرف من شعراء المرائي في بلاد اليونان. وكان أعظم منه قدراً وأقبح منه منظراً هپوناكس Hipponax الذي ألف عام 550 قصائد قبيحة في موضوعها، غامضة في ألفاظها، لاذعة في فكاهتها، دقيقة في وزنها الشعري، جعلت بلاد اليونان كلها تتحدث عنه، وإفسوس كلها تحقد عليه. وكان قصير القامة نحيل الجسم، أعرج، مشوهاً، غاية في قبح المنظر. ويقول في بعض ما بقي من إحدى قصائده إن المرأة تسبب السعادة للرجل في يومين - "أحدهما يوم يتزوجها، والثانية يوم يدفنها" (52). وكان هجّاءً قاسياً، هجا كل عظيم في إفسوس من أحقر المجرمين إلى أعظم كهنة الهيكل، ولما عرض المثالان بوپالوس Bupalus وأثنيس Athenis رسماً له مضحكاً لطيفاً، هجاهما في شعره هجواً لاذعاً بلغ من القذارة حداً جعله أبقى على الدهر من حجارتهم وأحد من أسنان الزمان.

حياته

لا نكاد نعرف شيئاً عن حياة هرقليطس؛ ولا نعرف عن موته إلا قصة لا سند لها، رواها ديوجنيس ليرتيوس توضح لنا ما قد تنتهي إليه حياة النوابغ الأفذاذ. ذلك أنه أصبح أخيراً شديد الكره للإنسانية، فكان يقضي وقته يضرب في الجبال يقتات بالعشب والنبات، فأصابه بسبب هذا داء الاستسقاء، وعاد إلى المدينة يسأل الأطباء ويحاورهم هل يستطيعون أن يحدثوا الجفاف بعد الجو الرطب؟ ولما لم يفهموه حبس نفسه في حظيرة ثيران، وغطى نفسه بروث البقر، لعل الرطوبة تتبخر منه بما يحدثه هذا الروث من دفء، ولكن عمله هذا لم يفده شيئاً، ومات بعد أن عاش من العمر سبعين عاماً.

الفيلسوف الباكي

كان يعرف بالفيلسوف الباكي، لأنه شاع في العصر القديم بأن ديمقريطس، كان (يضحك) من حماقة بني الإنسان. بينما هرقليطس، كان (يبكي) منها. فسمّي ديمقريطس بالفيلسوف الضاحك وسمّي هرقليطس بالفيلسوف الباكي.

الفيلسوف الغامض

كذلك اشتهر هرقليطس فالغموض، فقيل عنه "الفيلسوف الغامض". وشاع هذا القول في كل العصر اليوناني والروماني، والسبب في ذلك أنه كان يطيب له المفارقات والأقوال الشاذة، وكان يعبر عنها بلغة مجازية رمزية. ومن هنا لقبه تيمون الفليوسي (300 ق . م) بلقب "صاحب الألغاز". ويقول عنه أفلوطين: " كان يتكلم بالتشبيهات، ولا يعنى بإيضاح مقصوده، ربما لأنه كان من رأيه، أن علينا أن نبحث داخل نفوسنا كما بحث هو بنجاح".


مبادئه وفسلفته

كان هرقليطس أول من قال بـ اللوگوس : انظر مقال مفصّل عن لوگوس.

وإلى جانب القول باللوگوس، قرر هرقليطس المبادئ الثلاثة التالية:

  1. الانسجام هو دائماً نتاج المتقابلات، ولهذا فإن الحقيقة الأساسية في العالم الطبيعي هي الكفاح.
  2. كل شيء في حركة مستمرة وتغيّر.
  3. العالم نار حية دائمة البقاء.

والمبدأ الأول له ثلاثة أوجه :

  • كل شيء مؤلف من المتقابلات، ولهذا فإنه خاضع للتوتر الداخلي.
  • المتقابلات في حالة هوية بعضها مع بعض، أي أن المتقابلات واحدة.
  • الحرب، هي القوة المهيمنة والخلاقة، وهي الحالة السليمة للأمور.

أما المبدأ الثاني فيعبّر عنه بقوله : "كل شيء في سيلان دائم : παυτα ρξι والقول المشهور الذي يعبر هرقليطس عن هذا المبدأ " لا تستطيع أن تنزل في نفس النهر مرتين" ويضيف إليه فلوطرخس، التفسير التالي : " لأن مياهاً جديدة تتدفق فيه".

أما المبدأ الثالث فيشرحه بالقول : "إن نظام العالم واحد للجميع، لم يصنعه أحد الآلهة ولا الناس، لكنه هو دائماً وسيكون كذلك أبداً : ناراً حية دائمة البقاء، أشعلت بمقاييس وأطفئت بمقاييس". ويشرح اللائرسي هذا القول بأنه يعني أن " الكون ولد من نار وسينحل من جديد إلى نار، في عصور متوالية على التبادل، وهكذا أبداً".

شرح ديورانت

وقد صُوَّر هرقليطس في الأدب الحديث بأنه يقيم فلسفته حول فكرة التغير، ولكن من الصعب علينا أن نجد القليل الباقي من هذه الفلسفة، ما يؤيد هذا التفسير. وقد كان يتوق كما يتوق معظم الفلاسفة للكشف عن الواحد المستتر وراء الكثرة، وعن وحدة تثبت العقول، ونظام بين ما في العالم من زحام وفوضى وكثرة. وقد قال في هذا المعنى قولاً لا يقل قوة وحماساً عن قول برمنيدز Parmenidez(1) إن الأشياء كلها وحدة؛ والمشكلة التي تواجهها الفلسفة هي أن تعرف ما هي هذه الوحدة. وقد أجاب هرقليطس عن هذا السؤال بأنها هي النار. ولعله كان في هذا الجواب متأثراً بعبادة الفرس للنار. وأكبر الظن أنه كان يستعمل هذا اللفظ استعمالاً رمزياً وحرفياً معاً، ويقصد به الطاقة كما يقصد به النار نفسها، كما نستدل على هذا من جمعه بين النار والنفس والله في معنى واحد. على أننا ليس في وسعنا أن نقطع برأي في هذا بالاستناد إلى القليل الباقي من فلسفته. انظر مثلاً إلى قوله: "إن هذا العالم ... لم يصنعه إله ولا إنسان، ولكنه كان منذ الأزل، وهو كائن، وسيكون، ناراً حية أزلية، توقد بقدر، وتنطفئ بقدر"(20)، وكل شيء صورة من صور النار، فهو إما في "طريق" النار "إلى أسفل" في تكثفها المتتابع إلى رطوبة، فماء، فأرض؛ أو إلى "طريقها إلى أعلى" من الأرض، إلى الماء، إلى الرطوبة ، إلى النار(54).

ومما يضايق هرقليطس في النار الخالدة أنها تتبدل تبدلاً لا يقف عند حد، وإن كان يجد فيها ثباتاً يخفف عنه ما يسببه هذا التبدل من ضيق؛ والمحور الثاني الذي يدور حوله تفكيره هو أبدية "هذا التبدل ووجوده في كل شيء، فهو لا يجد قط شيئاً جامداً في الكون أو في العقل أو في النفس؛ فلا شيء كائن بل كل شيء صائر، وليس ثمة حالة تبقى على حالها دون أن تتغير، حتى في أقصر اللحظات؛ فكل شيء دائب على الخروج عن حاله التي هو عليها، صائر إلى ما سيكون عليه. وتلك حال جديدة من حالات الفلسفة تلقى من هرقليطس عناية وتوكيداً، وهو لا يقتصر (كما يقتصر طاليس) على السؤال عن ماهية الأشياء في حاضرها، ولكنه يسأل كما يسأل أنكسمندر، ولكريشيوس، واسبنسر عن الطريقة التي أدت بها إلى ما هي عليه. وهو يشير، كما يشير أرسطو، إلى أن دراسة الحالة الثانية هي خير طريقة تعرف بها الأولى. ولسنا نجد فيما بقي لدينا من أمثاله المثل القائل: "كل شيء يسير، ولا شيء يسكن" (Panta rei,ouden menei)، ولكن الأقدمين على بكرة أبيهم يعزون هذا المثل إلى هرقليطس(56): "إنك لا تستطيع أن تخطو خطوتين في نهر واحد، لأن مياهاً أخرى لا تنفك تجري إليك"(41). "نحن كائنون ونحن غير كائنون" (81)؛ والكون عنده كما هو عند هيجل صيرورة كبرى. والتضاعف، والاختلاف، والتغير حقائق لا تقل في ذلك عن الوحدة، والذاتية، والكينونة؛ والتعدد، حقيقة لا تقل في ذلك عن الوحدة(57). فالكثرة هي الوحدة؛ وكل تغير ما هو إلا انتقال الأشياء نحو حالة النار أو منها، إن الوحدة هي الكثرة، وفي قلب النار نفسها يخفق التغير الذي لا يستقر أبداً .

ومن هنا ينتقل هرقليطس إلى العنصر الثالث من عناصر فلسفته - وهو وحدة الأضداد، واعتماد المتناقضات بعضها على بعض، وائتلاف النزاع. "الله هو الليل والنهار، والشتاء والصيف، والحرب والسلم، والتخمة والجوع" (36). "والخيّر والشرير واحد، وكذلك الخير والشر" (57-58) "والحياة والموت شيء واحد، كذلك اليقظة والنوم، والشباب والشيخوخة" (78) لأن هذه الأضداد كلها مراحل في حركة متقلبة، ولحظات في النار الدائمة التغير؛ وكل فرد في الزوجين المتضادين لا غنى عنه لمعنى الآخر ووجوده، والحقيقة هي توتر الأضداد وتفاعلها وتبادلها وتغيرها ووحدتها وانسجامها. "وهم لا يفهمون كيف يتفق مع نفسه ما يختلف مع نفسه. وهنا يكون تتطابق التوترات المتضادة، كتطابق قوس الرامي ووتر القيثارة"(45)، فكما أن وتر الآلة الموسيقية إذا أرخيته أو شددته أحدث التآلف في الذبذبة الذي نسميه موسيقى أو نغمة، فكذلك تبادل الأضداد وتنازعها يخلق جوهر تآلف الحياة والتغير ومعناهما. وفي النزاع القائم بين كائن حي وكائن حي، وبين رجل ورجل، وبين رجل وامرأة، وبين جيل وجيل، وبين طبقة وطبقة، وبين أمة وأمة، وبين فكرة وفكرة، وبين عقيدة وعقيدة، تكون الأضداد المحتربة هي اللحمة والسدى على نول الحياة، تعمل كل منها لغاية تناقض التي تعمل لها الأخرى، لتنتج وحدة الكل غير المنظورة واتفاقه المخبوء. وأجمل التطابق ما كان بين الأشياء التي تختلف(46)؛ وليس هذا المعنى بخافٍ على كل عاشق.

وهذه المبادئ الثلاثة جميعها - النار والتغير ووحدة التوتر في الأضداد - تدخل كلها في فكرة هرقليطس عن الروح والله. وهو يسخر من الذين "يسعون عبثاً ليطهروا أنفسهم من خفايا الدم بتدنيس أنفسهم بالدم" (130)، ومن الذين يُصَلّون إلى التماثيل القائمة هنا - ولا فرق بين من يفعل هذا وبين من يخاطب البيوت؛ إن هؤلاء الناس لا يعرفون قط شيئاً عن طبيعة الآلهة الحقة(126). وهو لا يوافق فكرة الخلود الشخصية، ويقول إن الإنسان أيضاً، ككل شيء آخر، لهب كثير التغير كثير التقلب، "يشتعل ثم ينطفئ كالضوء في الليل"(77). والإنسان في هذه الحالة نفسها، نار؛ والنفس، أو المبدأ الحيوي في الإنسان، جزء من الطاقة الخالدة في الأشياء جميعها؛ وهي بهذا الوصف لا تموت أبداً، والموت والميلاد نقطتان حددهما العقل البشري المحلل للأشياء تحديداً تعسفياً؛ ولكنهما من وجهة نظر الكون النزيهة الخالية من التحيزات لا تعدوان أن تكونا صورتين من صور تغير الأشكال التي لا تقف عند حد؛ ففي كل لحظة من اللحظات يموت جزء منا، ويعيش الكل، وفي كل ثانية يموت واحد منا وتبقى الحياة. والموت بداية كما هو نهاية؛ والمولد نهاية كما هو بداية. وألفاظنا، وأفكارنا، وحتى أخلاقنا نفسها، نزعات وأهواء، وتمثيل لمصالحنا مجزأة أو مجتمعة؛ ومن واجب الفلسفة أن تنظر إلى الأشياء الفردية في ضوء المجموع. "والأشياء كلها عند الله جميلة طيبة، حقة؛ ولكن الناس يرون بعض الأشياء خطأ ويرون بعضها صواباً"(61).

وكما أن الروح لسان عابر من لهب الحياة المتغير إلى أبد الدهر، فكذلك الله هو النار الخالدة الأبدية، وهو طاقة العالم التي لا تفنى أبداً. وهو الوحدة التي تربط جميع الأضداد، وهو الانسجام الكائن بين جميع التفاعلات، وهو جماع المعاني في كل المشاحنات. وهذه النار المقدسة كالحياة (لأن كلتيهما توجد في كل مكان، وهما شيء واحد) تغير شكلها على الدوام، ولا تنفك تنقل إلى أعلى أو أسفل على سلم التغير، ولا تفتأ تبيد الأشياء وتعيد صنعها؛ والحق أنه سيأتي يوم بعيد "تحكم فيه النار على جميع الأشياء وتدينها"(26)، تهلكها وتمهد السبيل لأشكال جديدة، في يوم الحساب الأخير، أو يوم الكارثة الكونية. بيد أن أعمال النار الخالدة ليست خالية من المعنى أو مجردة من النظام؛ ولو أننا استطعنا أن نفهم العالم مجتمعاً، لرأينا فيه حكمة عظيمة غير شخصية، علماً أو عقلاً أو كلمة(65)؛ ومن واجبنا أن نحاول تشكيل حياتنا بحيث تتفق مع هذه السُّنة من سنن الطبيعة، وهذا القانون العالمي، هذه الحكمة أو الطاقة المنظمة التي هي الله (91). "إن من الحكمة ألا تستمعوا إليَّ، بل إلى الكلمة"(1)، وأن تبحثوا عن العقل اللانهائي للكل وتتبعوه.

الأخلاق في فلسفة هرقليطس

ويعدّ هيراقليطس أول من بحث في ميدان الأخلاق دون أن يكوّن لنفسه مذهباً أخلاقياً بمعنى الكلمة، فنادى بالحرية الأخلاقية وضرورة احتكام الإنسان إلى العقل في أفعاله وسلوكه وعدم اتباع العامة من الناس.

وحين يطبق هرقليطس على الأخلاق هذه القواعد الأربع الأساسية من أفكاره - الطاقة، والتغير، ووحدة الأضداد - وعقل الكل - ينير بعمله هذا سبيل الحياة كلها والسلوك كله. فالطاقة إذا سيطر عليها العقل، واقترنت بالنظام، نشأ عنها أعظم الخير. وليس التغير شراً بل هو خير وبركة؛ "وفي التغير يجد الإنسان الراحة؛ والإنسان يمل الكدح الدائم في الأشياء نفسها والبدء دائماً من جديد" (72-73). وحاجة الأضداد بعضها إلى بعض تجعل نزاع الحياة وآلامها شيئاً معقولاً لا يمكن فهمه وغفرانه. "ليس حصول الناس على كل ما يرغبون فيه هو أحسن الأشياء؛ فالمرض هو الذي يجعل الصحة سارة حلوة؛ والشر هو الذي يفهم به الإنسان الخير، والجوع هو الذي يُفهم به الشبع، والكدح هو الذي يُفهم به الراحة"(104). وهو يلوم الذين يرغبون في القضاء على ما في العالم من نزاع(43)؛ فبغير تَشَادّ الأضداد لا يكون هناك تآلف، ولا ينسج نسيج حي ولا يحدث تطور. وليس الانسجام هو القضاء على النزاع وإنما هو تَشَادّ لا ينتهي بانتصار عنصر على عنصر، بل يعمل فيه العنصران دون أن يستغني كلاهما عن الأخر (كتطرف الشباب وتحفظ المشيب)، وتنازع البقاء ضروري لكي ينفصل الأطيب عن الأخبث، وينشأ الأعلى. والنزاع والد كل شيء ومَلِك كل شيء، وقد اختار البعض ليكون لآلهة، والبعض ليكونوا رحالاً؛ وجعل البعض عبيداً، والبعض أحراراً(44). وفي النهاية يكون التنازع هو "العدالة"(62). وتنافس الأفراد، والجماعات، والأنواع، والأنظمة، والإمبراطوريات يكوَّن محكمة الطبيعة العليا، التي لا ُيستأنف حكمها ولا يُنقض.

تقييم لفلسفته

فلسفة هرقليطس في جملتها، كما تجمعها لنا الآن مائة وثلاثون جذاذة متفرقة، تعد من أعظم نتاج العقل اليوناني. وقد انتقلت نظرية النار المقدسة منها إلى الرواقية؛ كما انتقلت منها فكرة النار الأخيرة إلى المسيحية بطريق الرواقية، وكما صارت الكلمة أو عقل الطبيعة في اللاهوت المسيحي هي الكلمة الإلهية، أو الحكمة المجسدة التي يخلق الله بها الأشياء كلها ويحكمها. وقد مهدت هذه الفلسفة إلى حد ما لفكرة القانون الطبيعي في الفلسفة الحديثة؛ وأصبحت الفضيلة بوصفها إطاعة الطبيعة شعار الرواقية؛ وانتعشت وحدة الأضداد انتعاشاً قوياً في فلسفة هيجل، واستردت فكرة التغير في فلسفة برگسون Bergson ما كان لها من قوة، وعادت إلى الظهور فكرة التنازع والكفاح المحددة لجميع الأشياء، في فلسفة دارون، وسبنسر، ونتشه - وقد واصل آخرهم حرب هرقليطس ضد الديمقراطية بعد أربعة وعشرين قرناً.

كان لهيراقليطس تأثير بالغ في صياغة المفاهيم والأنظمة الفلسفية اللاحقة، ومنه أخذ أفلاطون مفهوم التغير وأيضاً فكرة الجدل dialectic ومفهوم صراع الأضداد، كما أخذ منه «الرواقيون» مفهوم اللوگوس، وأقاموا عليه منظومتهم الفلسفية في العقل الكلي. كذلك تأثرت الفلسفة الحديثة بجدل هيراقليطس، فاستفاد منها كثير من فلاسفة العصر الحديث أمثال ديكارت في نظريته عن خلق الكون وسپينوزا في رأيه عن الجوهر وروسو في نظريته عن التطور التاريخي، حتى تبلور أخيراً على يد هيگل وماركس.

لا للمساواة

كان يكره الآراء القائلة بالمساواة بين الناس. قال: " إن على كل رجل ناضج من أهالي أفسس أن يشنق نفسه ويترك المدينة للأولاد. لأن أهل أفسس نفوا هرمودورس الذي كان افضلهم جميعاً، قائلين "لا يتفوقن أحد بيننا، وإذا تفوق فليكن ذلك في مكان آخر وبين أناس آخرين".

لا للديمقراطية

كان هرقليطس يرى أن الديمقراطية نظام خاطئ. ومن أقواله في هذا المعنى: "إن الفاسدين كثيرون والصالحين قلائل" و "عندي أن رجلاً واحداً خير من عشرة آلاف إذا كان هو أحسنهم". ولكن الأشراف أنفسهم لم يعجبوه، كما لم يعجبه العلماء والنساء. وقد كتب في هذا المعنى خاصة بعبارة طريفة هي: "إن العلم الكثير لا يُكوِّن العقل، ولو كان يُكوِّنه لأفاد هزيود، وفيثاغورس، واكسنوفانيس، وهكاتيوس". "لأن الحكمة الحقة الوحيدة هي معرفة الفكرة التي تسيطر بنفسها على كل شيء في جميع الأحوال". ثم خرج، كما كان يخرج حكماء الصين، ليعيش في شعاب الجبال، ويجيل العقل في الفكرة الوحيدة التي يستطيع بها أن يفسر كل شيء. وترفع عن شرح ما هداه إليه تفكيره في ألفاظ يفهمها عامة الناس، وأخذ يطلب في غموض الحياة وغموض الأقوال ملجأ يعصمه من متابعة الأحزاب والعامة الذين يقتلون الفردية، ولذلك أخذ يعبر عن آرائه في أمثال جامعة غامضة في الطبيعة، أودعها هيكل أرتميس لتحير عقول الخلف.

من أقواله

  • لا تستطيع أن تنزل في نفس النهر مرتين.
  • أناس آخرون لا يعلمون ما يفعلون وهم يقظى، تماماً كما ينسون ما يفعلون وهم نيام.
  • الحمقى حين يسمعون يكونون مثل الصّم. والمثل يصفهم فيقول : "رغم أنهم حاضرون هم غائبون.
  • الحمير يفضلون سقط المتاع على الذهب.
  • الكلاب تنبح في وجه كل من لا تعرفه.
  • الطبيعة الإنسانية لا بصيرة لها أما الطبيعة الإلهية فبصيرة.
  • الرجل طفل في أعين الإله، كما أن الطفل طفل في عيني الرجل.
  • أحكم الناس يبدو قرداً إذا ما قورن بالله، في الحكمة والجمال وسائر الأمور.
  • في نظر الله كل الأمور جميلة وحسنة وعادلة، لكن الناس زعموا أن بعضها غير عادلة وبعضها الآخر عادلة.

مصادر ومراجع

هامش


قائمة الكتب

  • يوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية (دار القلم، بيروت، د.ت).
  • ماجد فخري، تاريخ الفلسفة اليونانية من طاليس إلى أفلوطين (بيروت 1991).
  • علي سامي النشار ومحمد علي أبو ريان، هيراقليطس فيلسوف التغير وأثره في الفكر الفلسفي (دار المعارف، الإسكندرية 1969).
  • Bakalis, Nikolaos (2005). Handbook of Greek Philosophy: From Thales to the Stoics: Analysis and Fragments. Trafford Publishing, pages 26-45 under Heraclitus. ISBN 1-4120-4843-5. 
  • Barnes, Jonathan (1982). The Presocratic Philosophers [Revised Edition]. London & New York: Routledge Taylor & Francis Group. ISBN 0-415-05079-0. 
  • Burnet, John (2003). Early Greek Philosophy. Kessinger Publishing. ISBN 0-7661-2826-1.  First published in 1892 this book has had dozens of editions and has been used as a textbook for decades. The first edition is downloadable from Google Books for free at [1] and the text is also available on the Internet (follow the Wikipedia author link).
  • Davenport, Guy (translator) (1979). Herakleitos and Diogenes. Bolinas: Grey Fox Press. ISBN 0-912516-36-4.  Complete fragments of Heraclitus in English.
  • Heidegger, Martin; Fink, Eugen; Seibert (translator), Charles H. (1993), Heraclitus Seminar, Evanston: Northwestern University Press, ISBN 0-8101-1067-9 . Transcript of seminar in which two German philosophers analyze and discuss Heraclitus' texts.
  • Heraclitus; Haxton (translator), Brooks; Hillman (Forward), James (2001), Fragments: The Collected Wisdom of Heraclitus, New York: Viking (The Penguin Group, Penguin Putnam, Inc.), ISBN 0-670-89195-9 . Parallel Greek & English.
  • Laertius, Diogenes. Lives and Opinions of Eminent Philosophers in Ten Books.  Book IX, Chapter 1, Heraclitus.
  • Lavine, T.Z. (1984). From Socrates to Sartre: The Philosophic Quest. New York, New York: Bantam Doubleday Dell Publishing Group, Inc. (Bantam Books), Chapter 2: Shadow and Substance; Section: Plato's Sources: The Pre-SocraticPhilosophers: Heraclitus and Parmenides. ISBN 0-553-25161-9. 
  • Robinson, T.M. (1987). Heraclitus: Fragments: A Text and Translation with a Commentary. Toronto: University of Toronto Press. ISBN 0-8020-6913-4. 
  • Wright, M.R. (1985). The Presocratics: The main Fragments in Greek with Inroduction, Commentary and Appendix Containing Text and Translation of Aristotle on the Presocratics. Bristol: Bristol Classical Press. ISBN 0-86292-079-5. 

انظر أيضاً

وصلات خارجية