نتائج الحملة الفرنسية

هزت الحملة العسكرية الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت عام 1798 روتين الحياة السائدة في الاقاليم العربية، التي عاشت فترة طويلة من الركود الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، اثر توطد اركان السيطرة العثمانية في مطلع القرن السادس عشر.

ينبغي التذكير في هذا السياق ان جيش نابليون لاقى مواجهة شديدة وعداء صارخا من الشعب المصري، وأن البعثة العلمية التي رافقت الجيش عجزت – رغم عظمة الدور الذي قامت به – عن آداء رسالة تنويرية في وادي النيل الغارق في ظلام القرون الوسطى. ومما لا شك فيه أن البحوث اللامعة التي قام بها العلماء الفرنسيون في شتى حقول المعرفة كانت تخدم في المقام الأول الأهداف الحربية السياسية التي خططت لها الدوائر الاستعمارية في باريس. وان نسينا فلن ننسى التذكير بأن نسغ الحياة الثقافية في مصر كاد يتوقف تماما بسبب الخراب الاقتصادي والتأخر الاجتماعي السياسي اللذين سادا في البلاد من جراء السيطرة التركية التي جثمت على صدر الشعب المصري أكثر من قرنين ونصف القرن من الزمان. فالقاهرة (أم الدنيا) التي أصبحت في القرن العاشر الميلادي المركز الحضاري الرئيسي في العالم العربي لم تتمكن في ظل الحكم التركي الجائر الا من الحافظ على الأزهر: مركز التعليم الاسلامي الذي توالت عليه أحوال شتى بين عسر ويسر.

لقد بدأ الفرنسيون بطبع المنشورات والأوامر بالعربية وهم على سفنهم في عرض البحر. ولما وطئت أقداهم أرض النيل أمر نابليون باصدار الجريدة الرسمية السياسية الناطقة بلسان الجيش الفرنسي بعنوان "بريد مصر" ("كورييه ديجبت") في 29 أب (أغسطس) 1798، كانت تصدر كل خمسة أيام، وصدر منها 116 عددا، تبعتها جريدة "العشارى المصرية" (دكاد إجبسيان) ، وكانت تصدر كل عشرة أيام (كانت في الحقيقة فصلية لم يصدر منها سوى ثلاثة أعداد). وهي لسان حال البعثة العلمية المرافقة للجيش الفرنسي. كان قراء هاتين الجريدتين باللسان الفرنسي أساسا من الفرنسيين المرافقين للحملة العسكرية، فضلا عن الدوائر الحاكمة في باريس (169، ج1، 45).

وامتثالا لأوامر نابليون صدرت في القاهرة عدة صحف في لغة الناطقين بالضاد، وهي جريدة "الحوادث اليومية" التي اكتنفت الغموض ظروف نشأتها ولا يزال. فقد ذكر المؤرخ المصري الكبير عبد الرحمن الجبرتي (31 ، ج4، 238) خبرا مفاده ان قائد الجند الفرنساوية أنشا جريدتين باللسان العربي، كانت احداهما "الحوادث اليومية (169، ج1، 48) وقد أشار المؤرخ الجليل فيليب الطرزي أنه لم يتحقق من اسم الجريدة، ورجح هذه التسمية استنادا الى رواية الجبرتي المنقولة عن إسماعيل بن سعد الخشاب، إمام زمانه في العلوم الأدبية، وقد حاول مؤرخ الأدب العربي حنا الفاخوري اماطة اللثام هن هذا الابهام من خلال تعريبه لاسمي الجريدتين المذكورتين أعلاه "بريد مصر" و"العشارى المصرية" (136، ج2، 326).

ومن الجائز أن "التنبيه كانت الصحيفة العربية الأولى التي نشرها الفرنسيون بتاريخ 6 كانون الاول (ديسمبر) 1800، فلم تعمر طويلا، كان الهدف الرئيسي لنشرها ايصال الأوامر والتعلميات العسكرية الصادرة عن القيادة الفرنسية الى المصريين . وقد اعتنى بنشرها الجنرال الفرنسي جاك منو الذي اعتنق الاسلام وتكنى بعبد الله. أما محررها إسماعيل بن سعد الخشاب فلم يستحق – وياللعجب- سوى اشارات عابرة في تاريخ الثقافة العربية. والمعروف عنه انه عكف على تعلم العربية بنفسه وتضلع فيها حتى أصبح كاتبا بليغا وشاعرا أديبا خلف لنا العديد من الآثار الأدبية، لعل أشهرا "ديوان الخشاب" الذي جمعه صديقه الشيخ حسن العطار (156، ج4، 210). ولكن كتاباته الأخرى لم تجد حتى اليوم ما تستحقه من البحث والتنقيب. وقد يزول عجبنا اذا عرفنا ان التاريخ العربي – كقاعدة – يتغاضى عن مسألة البحث في نشأة الصحيفة العربية البونابرتية ، او يسعى في أحسن الأحوال لاسدال ستار من التكتم حول هذه الدورية.

وبعد انشاء المطبعة الفرنسية مباشرة قام 146 من العلماء الفرنسيين بتاسيس مدرستين لتعليم أبنائهم المولودين في مصر على الطراز الاوروبي وانشؤوا مسرحا للتمثيل، ومجمعا علميا مصريا، ومركزا للطب والصيدلة ومستشفى من خمسمئة سرير وخدمة الكرنتينا (الحجر الصحي) ومخبرا كيميائيا ومرصدا فلكيا ومعرضا للرسم وحديقة للحيوانات ومتحفا للتاريخ الطبيعية وسلاح الهندسة وورشات لانتاج المواد الاستهلاكية والصناعات والمعامل والطواحين... وهلم جرا.

ورغم الأهداف العسكرية السياسية الكامنة وراء هذه التدابير الانشائية، فان الأهداف التنويرية لم تكن تجد سبليها الى الحياة المصرية لولا صدور أمر بونابرت بتاسيس المعهد المصري باقسامه الأربعة (الرياضيات – الطبيعيات – الاقتصادي السياسي – الأدب والفن) في 21 آب (أغسطس) 1798. كان هذا المعهد العلمي صورة مصغرة لمجامع العلوم الأوروبية، وقد تراس ادارته العالم الفرنسي مونج، واضع أسس الهندسة التصويرية ومؤسس معهد البوليتكنيك في باريس. وكان بونابرت نائبا للرئيس ، والرياضي الشهير لافوربيه أمينا للمعهد ( وهو الذي أطلع شاملبيون على الآثار الفرعونية، فكان الأخير أول من فك رموز الكتابة الهيروغليفية المصرية على حجر رشيد). وقد عمل في المعهد المذكور أكثر من 48 عالما طبقت شهرتهم الآفاق في أوروبة والعالم قاطبة، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: برتلو عالم الكيمياء والطبيعيات، والأكاديمي فيفيان دينون مدير معهد الفنون بباريس والرسام الأديب، والفلكيان نوي وتوت، والطبيب ديجينت، والجراح أدرييه، والمهندس ليبر، والخبير العسكري أندريوز، والرياضي لانفريه، وغيرهم (74/ ج1، كذلك 255، 65-66).

كان هدف نابليون من انشاء المعهد المصري يتركز من جانب في آداء رسالة تثقيقية حضارية تمثلت في نشر منجزات العلم والتقنية الأوروبيين بين أبناء الشعب المصري ، ومن جانب آخر، الاستفادة من التراث العربي الاسلامي القروسطي في مجال تطوير العلم الفرنسي. والجدير بالذكر أن جهود العلماء الفرنسيين قد تكللت بالنجاح الكامل، ولاسيما ما يخص الجانب الثاني، فهم لم يكتفوا بوضع جداول مقارنة بين المقاييس والأوزان الفرنسية والمصرية، وتاليف كتاب محادثة فرنسي عربي، وتقويم توافقي مصري قبطي أوروبي، بل جمعوا وحققوا المخطوطات العربية القديمة، ودرسوا دراسة دقيقة التاريخ المصري القديمة والحضارة الفرعوينة والاثنوغرافية والفولوكلور والجغرافية وعلم النبات والحيوان والمعادن وغيرها من حقول العلم والمعرفة. كما أنهم توصلوا الى فكرة مشروع شق قناة بين البحر الأبيض والمتوسط والبحر الأحمر، وخططوا الملاحة طوال العام في نهر النيل، وانشاء قنوات الري، وتأمين مياه الشرب، والقضاء على الأمراض والأوبئة المتفشية، وزراعة المحاصيل الزراعية الجديدة وغيرها من المشاريع التي وجدت طريقها الى التنفيذ في وقت قصير جدا، كما أعاروا انتباها خاصة لترميم الشوارع وانارتها في كل من القاهرة والإسكندرية، فضلا عن تحسين ظروف العمل والمعيشة فيهما (10، 4، و71، ج1، 213-223:225، و66و80-81).

وقد ظهرت نتائج دراستهم في 24 مجلدا ضخما من كتاب "وصف مصر" (أنظر:56).

غير أن رجال الدين والفكر في المجتمع المصري واجهوا الغزاة الفرنسيين بعداء صارخ ولم ينصاعوا للنداء النابليوني. ومما جاء في ذلك النداء قوله: "ايها المشايخ والقضاة، والأئمة والجريجية، وأعيان البلد، قولوا لأمتكم ان الفرنساوية هم أيضا مسلمون مخلصون، واثبان ذلك أنهم قد نزلوا في رومية الكبرى وخربوا فيها كرسي البابا الذي كان دامئا يحض النصارى على محاربة الإسلام، ثم قصدوا جزيرة مالطة وطردوا منها الكوالليرية الذين كانوا يزعمون أن الله تعالى يطلب منهم مقاتلة المسلمين". والنداء لا يخلو من خلفية اجتماعية تنبه اليها العلماء المسلمون ذوو الصلات الوثيقة مع أشراف المماليك، الذين دافعوا عن مصالحهم بكل تفان واخلاص وشكلوا الدعائم الاساسية التي اعتمد عليها بكوات المماليك، ولاسيما أولئك المشايخ الذين انحدروا من أسر عريقة ثرية. يقول النداء: "ان جميع الناس متساوون عند الله، وان الشئ الذي يفرقهم عن بعضهم هو العقل والفضائل والعلوم فقط. وبين المماليك والعقل والفضائل تضارب. فماذا يميزهم عن غيرهم حتى يستوجبوا ان يمتلكوا مصر وحدهم ويختصوا بكل شئ أحسن فيها من الجواري الحسان، والخيل العتاق, والمساكن المفرحة؟ فان كانت الارض المصرية التزاما للماليك فليرونا الحجة التي كتبها الله لهم. ولكن رب العالمين رؤوف وعادل وحليم. ولكن بعونه تعالى، من الآن فصاعدا لا ييأس واحد من أهالي مصر عن الدخول في المناصب السامية، وعن اكتساب المراتب العالية. فالعلماء والفضلاء والعقلاء بينهم سيديرون الأمور، وبذلك يصلح حال الأمة كلها" (31 ج4، 4-5، وايضا 81،9).

ان الغالبية العظمى من رجالات الأزهر العقلاء والفضلاء والعلماء الذين وعدهم نابليون بتقلد المناصب السامية وادارة امور البلاد ، فضلا عن الاستمتاع بالخيرا، قد قاطعوا قيادة الحملة الفرنسية، لا بل وأثاروا حفيظة الأهالي ضد المتدخلين.

بيد أن نفرا من الأزهريين وجدوا حظوة لدى نابليون، اما بسبب الظروف القاهرة واما انطلاقا من مصالحهم الضيقة. كان على رأس هؤلاء الشيخ الفقيه العلامة عبد الله الشرقاوي (1737-1812( (192-223) الذي تولى مشيخة الأزهر، فانصب كل جهده على تخليص البلاد من نير الحكم التركي وتسلط المماليك. أقامه الفرنسيون رئيس الديوان لاجراء الأحكام، وانتفع في أيامهم. ومن أشهر مؤلفاته" تحفة الناظرين فيمن ولى مصر من الولاة والسلاطين"، اختتمه بوصف خروج الفرنسيين ودخول العثمانية. وكان بين هؤلاء المشايخ عبد الهادي بن محمد المهدي (أمين الديوان) ، وخليل البكري، ومصطفى الدمنهوري، وإسماعيل الزرقاني، وغيرهم (21، ج3، 137). وكان من بينهم أيضا المؤرخ الشهير الجبرتي (1753-1825) الذي وضع كتاب "عجائب الآثار في التراجم والأخبار" في اربعة أجزاء، ونسب اليه كتاب "مظهر التقديس بذهاب دولة الفرنسيس".

ومثال الجبرتي دليل كافي على الأثر الايجابي الذي تركته الحملة الفرنسية على الحياة الثقافية في مصر. فلما ملك الفرنسيون عين الجبرتي كاتبا في الديوان، فاختلط الشيخ بالعلماء الفرنسيين، وحدث نوع من الانقلاب الفكري في تصورات الشيخ عن مستويات العلوم والتقنية في أوربة. فبينما كان في الماضي هو وأبناء بلده مأخوذين بالنقالة التي استخدمها الفرنسيون بدلا من السلال لنقل التراب ومواد البناء الأخرى، أخذ الشيخ يزور غرفة المطالعة في المكتبة التي تستحق كل الاعجاب، فكان يطلع على الكتب النادرة ويحضر التجارب في المخابر العلمية التي كانت نتائجها كما قال: "عصية الفهم وعسيرة المنال لعقول مثل عقولنا". وترك القضاء الفرنسي المرتكز على مبادئ العقل انطباعا عظيما واخاذا في نفس الشيخ الذي اعتاد على القضاء الخاضع لأحكام الدين والشريعة، في الشرق (31، ج3، 33 – 23و166 – 117).

أما صديق الجبرتي الشيخ حسن بن محمد العطار (في حدود 1766- 34-1838) الذي كان أحد كبار مشايخ الأزهر وفر من القاهرة الى الصعيد خشية من الفتن التي نجمت عن دخول الفرنسيين، فقد عاد ادراجه اليها واتصل بعلمائهم، فاستفاد منهم العلوم العصرية الشائعة في بلادهم، وعلمهم اللغة العربية، ثم عمل موظفا في دار النشر الفرنسية، وعل الرغم من أن الكاتب ج. أحمد قد أكد ندرة المعلومات عنه، لكنه جزم بأن العطار كان قد تاثر أكثر من جميع أقرانه بالتقدم الأوروبي الذي تجلى في أروع صوره من خلال أفكار وتأليف العلماء الفرنسيين في مصر، وأنه كان من أول من اقتنع بالتأخر الشرقي المهيمن في صفوف الأزهريين. وقد أفاد أ. مبارك أن العطار كان يطلع أصدقائه على المعارف الواسعة في بطون الكتب الفرنسي، وانه كان شغوفا جدا بترديد العبارة التالي: "يجب أن تتغير بلادنا، وعلينا اقتباس العلوم الأوروبية الجديدة علينا" (198/5). ينبغي التذكير هنا أن العطار رغم اتصاله الوثيق بالفرنسيين – لم يتخل في الواقع عن أحلامه بطرد المتدخلين الأجانب من البلاد.

ومن غير المستبعد اطلاقا أن بعض المصريين الذيين اتصلوا بالفرنسيين بأية وسيلة من الوسائل المتاحة، ومن بينهم بعض المشايخ الذين اشتغلوا مباشرة أو مستقبلا في الوظائف الأدارية (مثل الشيخ المهدي)، أو حتى بعض القراء الذين كانوا يطالعون الجريدة العربية الصادرة آنذاك، أن يكونوا قد اطلعوا على مبادئ الثورة الفرنسية الكبرى (جمهورية – حرية – مساواة – عدالة)، وعلى الأفكار الجديدة، ولاسيما التشديد على فكرة "الأمة العصرية" التي ظهرت للمرة الأولى في الواقع المصري. لكن المعطيات التارخيية لا تفيدنا بأي خبر عن حدوث أي تحرك اجتماعي في الواقع الصمري ولو بالمعنى الضيق لهذا التعبير.

فقد كتب باتون بهذا الشان ما يلي: "العقبة الكاداء أمام نشر العلوم في مصر لا تكمن في عدم رغبة الفرنسيين في تعليم المصريين ، بل في الاحتقار الشديد الذي يكنه الأخيرون ازاء العلوم الأوروبية عموما" (71، ج1، 222). واذا كان مصدر الحقد كامنا بدائ ذي بدء في العداء السافر للمحتلين الفرنسيين وللمسيحية عامة دفاعا عن معتقداتهم الدينية ومبادئ حب الوطن، فانه تحول في القريب العاجل الى تحد ظاهر لاساليب العنف والقمع التي مارسها الاستعماريون، فضلا عن الاهانات التي كانوا يوجهونها الى تقاليد المصريين وعاداتهم وقيمهم الاخلاقية.

لقد أكد بعض الكتاب الفرنسيين في ثلاثينيات القرن التاسع عشر الحقيقة التالية: "ان البذور الأولى للحضارة الأوروبية قد تسربت بسرعة في الارض المصرية من شقوق صناديق الذخيرة التي نقلتها الحملة الفرنسية" (48، 445، راجع أيضا: 225، 65). وقد رأى كلوت بك في حينه أنه بات بالامكان تعداد الانعكاسات الطويلة الأمد التي تركتها الحملة العسكرية، وهي:

1- "لقد زعزع نابليون بيده القوية تلك الأركان التي اعتقد الشرق أنه يقف عليها بأقادم ثابته، كانت الحملة المصرية الشرارة التي ايقظت الشرق من رقاده الطويل. ان هيبة جيوشنا الجبارة وانتصاراتها أثارت انقلابا كبيرا في تفكير الشرقيين".

2- "قضت انتصارات الفرنسيين على الممالكي، فأظهرت للعرب حقيقة ضعف وخذلان حكامهم المستبدين، ومهدت السبيل لاحياء الأمة العربية وبعثها".

3- ان التسامح المرن الذي أبداه نابليون ازاء المعتقدات الدينية والقيم الأخلاقية للشعب المحتل (للعرب) حفزه، ولو متأخرا، لاجراء اتصالات واسعة مع أوروبة، وللتوجه نحو الحضارة الغربية " (51، ج1، 54-55، ج2، 164-165).

واليوم نجد موقفا مماثلا من الحملة الفرنسية لدى العديد من الكتاب العرب المعاصرين، وكأنه أصبح من مسلمات التاريخ . ولعل م. صبري خير نموذج لهؤلاء المؤرخين، "لقد ارست الحملة الفرنسية بداية حركة حضارية في مصر، وتركت آثارا ايجابية على النهضة المصرية الحديثة" تجلت أساسا في الحقائق الآتية:

1- كانت منجزات العلم والتقنية والمشاريع والتدابير الثقافية الفرنسية بمثابة كشف عظيم دفع المصريين باتجاه التفكير الواعي الهادف.

2- أرست أسس الاتصالات الفرنسية المصرية.

3- مهدت الضربات القاصمة التي تلقاها المماليك تربة صالحة لاستلام الاصلاحي محمد علي زمام السلطة (257، 21).

أما الكاتب الأردني حازم نسبية فقد عد سنة 1798 بداية التاريخ العربي الحديث، وكرر حرفيا ما جاء على لسان الكاتب السوري خير الله خير الله في مطلع القرن العشرين (237، 26، 30)، مؤكدا ان الحملة البونابرتية "لم توقظ فقط مصر من سباتها الطويل، بل أيقظت الوعي القومي في البلاد العربية ووضع بداية حركة التغريب التي أفضت الى نشوء الطباعة الحديثة واحياء الثقافة العربية التقلديية وبعث الوعي القومي" (252، 35، 108) . ويتصف بعض الكتاب العرب برباطة الجاش وضبط النفس في تقييمهم للحملة. فهم يؤيدون بعض النتائج المشار اليها أعلاه ويرفضون بعضها الآخر. فألبير حوراني السوري الأصل، الإنكليزي الجنسية، يقبل بواقع التمهيد لظهور محمد علي بينما يكتفي المؤرخ اللبناني كمال الصليبي بالاشارة الى حافز المنجزات العلمية التقنية التي "أثارت اهتماما عظيما"، ولمح الكاتب عبد الجليل الى "الهزة الحقيقية" التي أصابت البلاد العربية "الغارقة فيما يشبه الغيبوبة". وثمت كتاب (أحمد السوداني مثلا) رغم محاولاتهم الارمية لنفي أية محصلة جدية للمغامرات المفاجئة التي بدأها نابليون وانتهت على لاشكل ذاته، فانهم اضطروا للاقرار بحقيقة التحول الذي حدث في وعي بعض المفكرين العرب الذين اتصلوا بالحملة الفرنسية. والاعتراف بالازدياد الملموس في محصلة النتائج الايجابية، ففي النضال ضد الغزاة الفرنسيين، نبتت بذور اليقظة السياسية والوعي القومي في مصر، وعلى الرغم من ان الاتصال بين أوربة والشرق لم ينقطع انقطاعا كاملا في أي وقت من الأوقات، فان الاحتلال الفرنسي لمصر وضع أساس علاقات جديدة بين القارتين، وشكل بداية عصر جديد بالنسبة لمصر.

ورغم التحفظ الظاهر في تقييم أثر الحملة الفرنسية لدى الأجيال المتعاقبة من المستعمرين السوفيي، فانهم قد قدروه تقديرا ايجابيا، على وجه الاجمال. فكريمسكي مثلا اتخذ جانب الحذر في تقييمه وأضار الى أن النهضة المصرية بدأت اثر الحملة البونابرتية (1798-1801) في ظل الحاكم – المصلح محمد علي (1805-1848) – بيد أن تنسيق الأفكار العلمية والآراء المتناثرة في تضاعيف كتابه يتيح لنا الاستنتاج بأن تطلع الشرق المتأخر لاستيعاب الفكر العلمي التقاني الاوربي كان من الحوافز الرئيسية للنهضة المصرية. وأدى بالتالي الى اجراء اصلاحات على الطراز الاوروبي. وان ذلك التطلع والطموح تولدا لدى الشعب المصري اثر احتكاكه بنابليون بونابرت. ويرى كراتشكوفسكي ان المؤثرات الخارجية تركت على العموم أثرا بالغا على وجه الأدب العربي في القرن التاسع عشر، ولذا عد توطد العلاقات مع أوربة بعيد الحملة الفرنسية واستلام محمد علي لمقاليد الحكم الباعث الرئيسي للنهضة المصرية.

تجدر الاشارة الى أن تقييمات الجيل الجديد من المستعمرين السوفيين لم تكن ذات مدلول واحد، فالمتسعرب عثمانوف يعتقد "أن التقليد المتبع، والأفكار المسبقة، يدفعان أحيانا لتفسير تلك التغييرات الاقتصادية الثقافية بأنها عاقبة للحملة الفرنسية على مصر". وكتب كوديلين أيضا يقول: "كانت للمواجهة مع الغرب (ولاسيما الحدث الهام المتمثل في حملة بونابرت على مصر (1798-1801) نتائج هامة جدا في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في الشرق العربي، اذ أنها عجبت وتيرة التفاعلات التي لم تكد تكون ملموسة في أعماق المجتمع الاسلامي".

ومن المؤكد أن معظم المستعربين يميلون الى الراي القائل بتخصيص مكانة هامة للحملة العسكرية الفرنسية في مصاف المقدمات الاضافية. واعتبار التحولات الاقتصادية الاجتماعية الجارية في القاعدة من العوامل الحاسمة المقررة. فخالدوف يرى أن الصلات التجارية والثقافية في الغرب الراسمالي وجر العالم العربي نهائيات الى حلبة الصراع السياسي العالمي، والمتغيرات التي حدثت في الوعي الاجتماعي، والانطباع العظيم الذي تركته الحملة الفرنسية على العالم العربي والاسلامي، وادراك ضرورة استيعاب واقتباس منجزات العلم والتقنية الاوروبية، من الحوافز التي أدت الى التطور الاقتصادي الاجتماعي الذي حتم موضوعيا بداية العملية التاريخية الثقافية العظمى".

بداية هذه العملية على الأرض المصرية اقترنت ولاشك باسم حاكم مصر محمد علي.

المصادر