مقاومة فلسطينية

المقاومة الفلسطينية ، هي مقاومة يواجه بها شعب فلسطين الاحتلال الاسرائيلي.

فهرست

التاريخ

منذ أن بدأ الاحتلال الاسرائيلي أواخر القرن العشرين في فلسطين والشعب الفلسطيني يستشعر الخطر الداهم ، كما استشعره العرب في مصر و بلاد الشام ؛ وزاد من خطورة الأمر ثلاثة عوامل: الأول قيام مؤتمر بال سنة 1897 م ، وإعلان مشروع الدولة الصهيونية ، والثاني: تغلغل الحركة الصهيونية في أجهزة السلطنة العثمانية وخاصة بعد الانقلاب الدستوري سنة 1908 م، وبدء التسلسل الصهيوني، والثالث: احتلال البريطانيين للدولة الفلسطينية 1917 م ودور وعد بلفور. [1]

مراحل المقاومة

مرت المقاومة الفلسطينية بمراحل مختلفة وهي كالتالي:

هجرة استراتيجية ومقاومة عفوية (1897-1917)

بدأت المقاومة - في الحقيقة - قبل بداية هذه المرحلة ؛ لأن تدفُّق الهجرة واتساع استيلاء اليهود على الأراضي العربية، ومعاملة العرب بروح العداء والشراسة وامتهان حقوقهم بصورة مُعْوَجَّة غير معقولة، وتوجيه الإهانات لهم دون أي مبرر كافٍ، والمفاخرة بتلك الأفعال فوق كل ذلك – كما يقول "آحادهاعام" سنة 1891م – أدى إلى تفاقم النقمة؛ ولذلك فإن فلاحي الخضيرة، وملبس (بتاح تكفا) الذين فقدوا أراضيهم حتى تحولت إلى مستعمرات قاموا بهجوم على المستعمرات التي قامت على أرضهم، ثم عادوا فقاموا بهجوم مماثل سنة 1892م، وقام وفد من وجهاء القدس بالاحتجاج على المتصرف رشاد باشا؛ لأنه تَحَيّز لليهود، وفي 24/6/1891 أرسلوا احتجاجًا إلى الصدر الأعظم بالآستانة طالبوا فيه بمنع هجرة اليهود الروس إلى فلسطين، وتحريم استملاكهم للأراضي فيها.

ومع انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في بال سنة 1897 م، لم يَعُد موضوع الهجرة موضوع مهاجرين مشردين بلا هدف سياسي. إذ كانت أهداف مؤتمر "بال" واضحة من تشجيع الاستيطان إلى تنظيم اليهود، ومن تعبئة المشاعر اليهودية إلى تعميق الوعي القومي.

وكان تطور الحياة السياسية في مصر ، وبروز نشاط الأحزاب والصحافة قد ساعد على التعريف بالخطر الصهيوني؛ ولذلك فإن عرب فلسطين وهم يسمعون بالاستعدادات لقيام المؤتمر، كانوا يبحثون سُبُل درء الخطر. والتقى – ضمن هذا الإطار- متصرِّف القدس مع قنصل ألمانيا لبحث "ضرورة وضع حد للخطر الصهيوني على فلسطين"، وَتَرَأَّس في العام نفسه مفتي القدس محمد طاهر الحسيني هيئة مكلفة من السلطة بالتدقيق في نقل الملكية، حتى لا يتمكن المهاجرون الصهيونيون من الحصول على أراضٍ جديدة.

ونستطيع أن نقسم هذه المرحلة إلى فترتين: الأولى من عام 1897 م حتى عام 1907 م، والثانية من عام 1907 م حتى عام 1917 م.

الفترة الأولى

بدأ الرد العربي في فلسطين والوطن العربي سنة 1898م، ففي هذا العام وقف "أهل فلسطين موقفًا حازمًا ضد المشاريع الصهيونية والهجرة اليهودية، وإمكان قيام (إسرائيل) في بلادهم؛ لأنهم اعتبروا ذلك خطرًا على حقوقهم وامتيازاتهم". وقام عرب شرق الأردن في هذا الوقت بالقضاء على المستعمرة الوحيدة التي أسست في منطقة جرش.

ولم تلبث سنة 1900م أن شهدت حملة عرائض واسعة النطاق ضد بيع الأراضي للمهاجرين الصهيونيين، وارتفع صوت نجيب عازوري سنة 1905م محذرًا من الخطر الصهيوني، وكان نجيب موظفًا في القدس (1898 - 1904)، ولكنه استقال لأن المتصرف المعين "رشيد بك" لم ينفذ قوانين الباب العالي المتعلقة بالهجرة، قال نجيب عازوري في كتابه "يقظة الأمة العربية": "هناك حادِثان هامَّان من طبيعة واحدة، ولكنهما متناقضان، وهما يقظة الأمة العربية، والجهد اليهودي الخفي لإنشاء مُلْك إسرائيل القديم من جديد، وعلى مقياس أوسع. إن مصير هاتين الحركتين هو الصراع المستمر إلى أن تَغْلُب إحداهما الأخرى، ومصير العالم كله منوط بالنتيجة النهائية لهذا الصراع بين الشعبين اللذين يمثلان مبدأين متعارضين".

الفترة الثانية

تبدأ بالقرار الذي اتخذه المؤتمر الصهيوني سنة 1907م بمباشرة "النشاط الاستعماري العملي في فلسطين على أوسع نطاق". وأعلن ماكس نوردو في المؤتمر: "نحن ننوي الذهاب إلى فلسطين بمثابة الحَمَلَة المعتمدين للمدنية والتحضر، ورسالتنا هي توسيع الحدود الأخلاقية (الأدبية) لأوروبا حتى تصل إلى الفرات"، ثم أضاف نوردو أن "فلسطين تحوي كثافة سكانية ضئيلة؛ مما يؤهلها لاستيعاب الملايين من المستوطنين المتحمسين للعمل"، والذين "لا يمكنهم الانتعاش إلا هناك دون سائر الأمكنة.

وأنشئ سنة 1908م مكتب فلسطين في يافا، وكانت مهمته شراء الأراضي في فلسطين، وفي هذا العام نفسه "بوشر بناء الأحياء اليهودية قرب يافا"، وهي التي أصبحت تل أبيب فيما بعد. وأنشأت الحركة الصهيونية مؤسسات أخرى كشركة "أنكلو ليفانتين" المصرفية في الآستانة، وشركة تطوير الأراضي الفلسطينية والصندوق الثقافي اليهودي… إلخ.

أشكال المقاومة في المرحلة الأولى

اتخذت المقاومة في هذه المرحلة ثلاثة أشكال:

الأول- خط التعبئة الصحفية والثقافية

وقد لعبت هنا الصحف ورجال الفكر والثقافة دورًا أساسيًّا. وجاء الرد على المؤتمر الصهيوني من الشيخ محمد رشيد رضا (1865 - 1935) في القاهرة، وعلى صفحات المنار، وتابعت ذلك الصحف العربية الأخرى.

وزاد اهتمام الصحافة بالأمر مع اتضاح الأهداف الصهيونية، ومع قيام الحركة الدستورية سنة 1908م؛ إذ ظهرت في العهد الجديد صحف جديدة، في دمشق وبيروت والقدس ويافا، وكان الجديد في الأمر ظهور عدة صحف في فلسطين. فقد صدرت صحيفة "الكرمل" عام 1908م في حيفا لصاحبها نجيب نصَّار، واعتبرت كشف مخاطر الصهيونية هدفها الرئيسي، وقامت صحيفة "الأصمعي" بدور مماثل، وما لبثت أن صدرت صحيفتا "فلسطين" 1911م و"المنادي" لتسهما في تبيان مخاطر الصهيونية.

وقد لعبت "الكرمل" دورًا طليعيًّا، فدعت إلى "عقد المؤتمرات للبحث عن الطرق المؤدية لتنظيم هيئتكم الاجتماعية، وحفظ كيانكم، وإلا صرتم حكاية تاريخية بعد حين.."، وانتقدت المؤتمر العربي الأول؛ لأنه لم يعالج مسألة الصهيونية، وقد قامت صحيفة "فلسطين" بنقد مماثل، كما قامت الصحف العربية بحملات مماثلة، وكانت تشدد على ضرورة التنبيه على الخطر الصهيوني. وصَاحَبَ ذلك نشاط ثقافي مُنْذِر ومُحَذّر، كان للشعر دور فيه، وقد لعبت الصحافة والثقافة هنا دورًا مشهودًا.

الثاني- خط العمل السياسي والنضالي

ويتوزع هذا الخط على الميادين الآتية:

1 - مطالبة الدولة العثمانية باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع المهاجرين الصهيونيين من التوطن والتملك، وكانت اتصالات القيادة الصهيونية بالدولة العثمانية – وخاصة بعد الحركة الدستورية - تثير مخاوف العرب؛ ولذلك أخذت برقيات الاحتجاج والتنبيه تتوالى على عاصمة السلطنة منذ 1900م. وجاء في مضبطة نشرتها "الكرمل" يوم 4/7/1913م وقّعتها غزة والقدس ويافا احتجاجًا على ما نشرته الصحف من عزم الحكومة على إعطاء 800 دونم لشركة الأصفر: "كتاب مفتوح إلى أمير المؤمنين وسلطان العثمانيين والصدر الأعظم وناظر الداخلية.. فتغلغل الشركات الصهيونية داخل هذه البلاد طولاً وعرضًا، لا تقلّ نتيجتها في المستقبل عن حرب البلقان..".

2 - إنشاء الجمعيات والأحزاب لتعبئة الشعب ضد المخاطر الصهيونية، ولبناء الحياة السياسية والاقتصادية بما يكفل القدرة على المقاومة، فأنشئت سنة 1909م "منظمة محلية مهمتها الحيلولة دون بيع الأراضي لليهود"([xiv][xv])، وقامت سنة 1913م جمعية مكافحة الصهيونية في نابلس، وتأسست سنة 1914م الجمعيات التالية في القدس: "المَعِيّة الخيرية الإسلامية" و"جمعية الإخاء والعفاف"، و"شركة الاقتصاد الفلسطيني - العربي". و"شركة التجارة الوطنية الاقتصادية"، وكان هدف هذه المؤسسات "الوقوف في وجه الأخطار الوشيكة التي تهدد أرض الوطن، وإنقاذ البلاد من الدمار".

ونشأت مثل هذه الجمعيات في مدن فلسطين الأخرى، كما نشأت في بيروت والقاهرة والآستانة. وكان هدف "جمعية مكافحة الصهيونية" ما يلي:

أ - "معارضة الصهيونيين بكل الوسائل، سواء بإيقاظ الرأي العام وتوحيد وجهات النظر حول هذه النقطة، ونشر برنامج الجمعية بين كل أوساط الأمة العربية عامة، وفي سورية وفلسطين خاصة".

ب - "تأسيس فروع وجمعيات في كل مدن سوريا وفلسطين من أجل هذا الغرض وحده".

جـ- "السعي لنشر الوحدة بين كل العناصر التي تتكون منها الأمة العربية".

د - "تقديم مساعدات في الشؤون الاقتصادية والتجارية والزراعية، وتطوير المزارعين والفلاحين من أجل أن يكونوا قادرين على إنقاذ أنفسهم من أيدي الصهيونيين.

هـ- "إرسال ممثلين إلى كل ذوي العلاقة في هذه المسألة لوقف جدول الهجرة الصهيونية".

وإذا كان هذا هو البرنامج الرسمي للجمعية، فإن "الإرهاب ضد المستوطنين اليهود في فلسطين جرى التفكير به في السر".

ولما كان خلق وعي قومي مطلوبًا عن طريق نشر العلم والثقافة، فقد أنشئ معهدان، هما: معهد الدستورية ومعهد الروضة.

3 - خوض المعركة ضد الصهيونية: وذلك عبر مجلس "المبعوثان"، وقد اعتبر النواب المنتخبون عن مدن فلسطين هذا برنامجهم كما يظهر من محاضر مجلس "المبعوثان". ويبرز هنا أسماء روحي الخالدي، وسعيد الحسيني.. وكان النواب يخوضون المعركة الانتخابية على هذا الأساس. وأَسْهَم في ذلك نواب عرب آخرون وعلى رأسهم الشهيد شكري العساي - نائب دمشق -. ولقد أجبر النواب العرب في مجلس المبعوثان؛ رئيس الوزراء على أن يعلن "أنه لن يسمح لليهود باستيطان فلسطين"، كما أجبروا وزير الداخلية سنة 1911م "على أن يعلن معارضته للأهداف الصهيونية".

4 - القيام بنشاطات متعددة الأشكال لمواجهة النشاط الصهيوني، وكان من ذلك:

أ - مهاجمة المستعمرات، وسرقة المواشي، وقطع الأغْرَاس، وإفلات المواشي على الحقول، وتهديم الأسوار.. لأن السكان العرب "اعتبروا اليهود أَلَدَّ أعدائهم". وكانت هذه العمليات عمليات انتقامية يقوم بها الذين طُرِدُوا من أراضيهم، والفلاحون الساخطون الذين رأوا قيام قلاع تأسيسية للدولة الصهيونية بين ظَهْرَانيهم. وتزايدت النقمة الشعبية مع بداية الحرب بسبب تزايد النشاط الصهيوني، والتنازلات التي قدّمتها السلطات المركزية في الآستانة، وقاد ذلك إلى تزايد قتل المستوطنين، وانتشار عمليات القتل من الشمال إلى الأجزاء الأخرى.

ب - القيام بتظاهرات شعبية مختلفة، وتوزيع نشرات معادية للصهيونية. وكانت محاكمات الصحف التي أوقفت بسبب مهاجمة الصهيونيين تتحول إلى شبه مظاهرات وطنية.

جـ- إنشاء أحزاب مثل الحزب الوطني العثماني سنة 1911م، وتشكيل جمعيات ولجان ذات طبيعة خاصة، كلجان منع بيع الأراضي، ولجان الإشراف على الموانئ، لضمان تطبيق القوانين الخاصة بالدخول.

وهكذا نرى أن حركة المقاومة كانت واسعة، وأنها تعددت في أشكالها وشملت ميادين مختلفة، من الصحافة إلى الغارات، ومع ذلك فإنها كانت خلال هذه المرحلة كلها لا تزال مقاومة شبه عفوية، وخاصة في ميدان المقاومة المسلحة. ولم تستطع هذه المقاومة أن توقف مدّ الهجرة، وأن تُظْهِر للحركة الصهيونية، وللصهيوني المهاجر أن تكلفة بناء متسوطنات في فلسطين عالية، وأن مواصلة الهجرة غير ممكنة.

وعد بلفور وتبلور الأطماع الصهيوينة (1917-1917)

تبدأ هذه المرحلة باحتلال القوات البريطانية للقدس وإعلان وعد بلفور، وقد جاءا متزامنيْن تقريبًا، وكانت فلسطين التي عاشت ظروف الحرب القاسية مُرْهَقَة، وكان إعلان الثورة العربية وهزيمة الجيوش العثمانية يعطي نوعًا من الأمل.

ولكن الأمور أخذت تتضح ببدء تَنَصّل الحلفاء من عهودهم، وبكشف الثورة البلشفية أسرار اتفاقية سايكس - بيكو، ومحاولة الأتراك أن يستفيدوا من الوضع. وزاد الأمر وضوحًا ببدء النشاط الصهيوني، واقتران الإعلانات الصهيونية عن المشروع الصهيوني بازدياد فعالية النشاط الصهيوني، ومن ذلك زيارة وايزمن - رئيس المنظمة الصهيونية - لفلسطين بتاريخ 9/12/1917م، ثم عودته إليها في 8/5/1918م. ورافق ذلك تدفق الهجرة ليبلغ عدد المهاجرين 20 ألفًا سنة 1919م، و33 ألفًا سنة 1925م، ومجموع المهاجرين خلال هذه المرحلة حوالي 100 ألف.

وكان شعور الفلسطينيين واضحًا، حتى إن تقارير الخبراء العسكريين والسياسيين البريطانيين عكست ذلك من اللحظات الأولى، وكان أول التقارير يقول: "إن نبأ تصريح بلفور فيما يتعلق بفلسطين، جديد على القدس، وقد أحدث قدرًا غير ضئيل من المخاوف". وأشار تقرير آخر كُتِب في الأسبوع نفسه إلى توتر العلاقات بين العرب واليهود، وإلى شعور متبادل بالعداء، ويذكر التقرير أن هذا الشعور ازداد حدّة في الآونة الأخيرة "بسبب تصريح بلفور"، وإلى أن "الاحتكاك بكلمة مختصرة ليس ببعيد".

أشكال المقاومة في المرحلة الثانية

أخذ النشاط العربي المضاد في فلسطين يتطور، واتخذ في هذه المرحلة الأساليب والأشكال التالية:

1 - المؤتمرات:

عقدت القيادات والوجهاء خلال هذه المرحلة (1919 - 1929) سبعة مؤتمرات، الأول في القدس – آذار/ مارس 1919م، والثاني في يافا شباط/ فبراير 1920م، وقد مُنِع بالقوة، والثالث في حيفا آذار/ مارس 1921م، والرابع في القدس حزيران/ يونيو 1921م، والخامس في نابلس آب/ أغسطس 1922م، والسادس في يافا تشرين الأول/ أكتوبر 1925م. والسابع في القدس تموز/ يوليو 1928م.

وكان هدف هذه المؤتمرات تعبئة الشعب لمقاومة المشروع الصهيوني، والتأكيد على الاستقلال ضمن الوحدة العربية، وكان كل مؤتمر يؤكد على التمسك بالميثاق الذي ينص على استمرار الجهود الرامية "إلى استقلال بلادنا وتحقيق الوحدة العربية بجميع الوسائل المشروعة" وعدم القبول "بإقامة وطن قومي يهودي أو هجرة يهودية".

2 - المشاريع الاقتصادية:

اتجهت القيادات العربية إلى النشاطات الاقتصادية لمواجهة نشاط الحركة الصهيونية، فعقدت سنة 1923م مؤتمرًا اقتصاديًّا، وكان من قراراته مقاطعة مشروع روتنبرج (شركة كهرباء فلسطين المحدودة)، كما أنشئ سنة 1929م صندوق الأمة، وهو مشروع الحركة الوطنية لمجابهة مشكلة بيع الأراضي.

3 - المظاهرات:

تفجرت المظاهرات في موسم النبي موسى في القدس بتاريخ 4/4/1920م، واستمرت أربعة أيام، وتحولت إلى اشتباكات سنة 1921 و1923 و1924. وظلت المظاهرات والاشتباكات تتوالى حتى انفجر الوضع سنة 1929م، وكان الصهيونيون سنة 1928م قد قاموا باحتفالات غير عادية عند حائط المَبْكَى، وجاء الرد العربي بإنشاء "جمعية حراسة المسجد الأقصى" بمبادرة من الحاج أمين الحسيني رئيس المجلس الإسلامي الأعلى - وهو مناضل بارز - وانتشرت هذه الجمعية في كل أنحاء فلسطين، وأسست فروعًا لها، وعقدت مؤتمرها.

وكانت الحركة الصهيونية قد عقدت مؤتمرها في زيورخ ما بين 28/7 و11/8/1929، وأثار الخطباء قضية فلسطين وحائط المَبْكَى، فحرّك ذلك مشاعر المستوطنين الصهيونيين، وأثار غضب العرب.

وفي الوقت الذي تَشدّد فيه الصهيونيون بشأن حائط المَبْكَى رَدّ العرب على ذلك الرد الذي رأوه ملائمًا، فخرجت يوم الجمعة 16/8/1929م مظاهرة توجهت إلى حائط المَبْكَى، وأزالت الآثار التي وضعها الصهيونيون فيه، فتوتر الجو؛ ولذلك عَمَد خطباء المساجد يوم 23/8 إلى تهدئة المصلين، فما كان من بعض المصلين في حرم المسجد الأقصى إلا أن صعدوا المنبر "ودعوا الجمع إلى عدم الاهتمام بما قاله الخطباء، لأنهم غير مخلصين لقضية المسلمين"([xxviii]). وخرج الجمع المحتشد في المسجد حوالي الساعة 12.30، وبدأت الاشتباكات، وراحت الجماهير في القدس، ثم في يافا والخليل وصَفَد تُسَوِّي حساباتها مع الصهيونيين، وفعلت ما لم تفعله من قبل؛ إذ صَفَّت المستوطنة الصهيونية في الخليل، وألحقت أضرارًا كبيرة بالمستوطنين والمستوطنات.

4 - الاتصالات الخارجية:

قامت القيادات من خلال اللجنة التنفيذية للمؤتمر الإسلامي - المسيحي التي انتخبت سنة 1921م بعدة اتصالات وزيارات عربية ودولية لمحاصرة المشروع الصهيوني، وكانت هذه القيادات تحاول أن تُحَيِّدَ حكومة بريطانيا في صراعها مع المشروع الصهيوني، ورغم وضوح السياسة البريطانية، فقد ظل الجهد مصبوبًا في هذا الاتجاه. ولما كانت الجماهير غير مقتنعة بهذه السياسة، فقد سلكت طريقها العُنْفِيّ في أحداث 1929م غير آبهة بمناشدات القيادات والوجهاء.

وانتهت هذه المرحلة والقيادة الصهيونية تجمع مشاريع وخبرات ومهاجرين، والقيادات العربية تتنازع وتفقد ثقة الجماهير بها.

ورغم الجهود التي بذلت، ورغم أنها تقدمت عنها في المرحلة السابقة، إلا أنها لم تُفْلِح في ردع المشروع الصهيوني والتخفيف من زخم هجومه.


الثورة الكبرى (1930-1939)

كانت هذه المرحلة مرحلة الإضراب الكبير والثورة الكبرى؛ لأن مطالب الحركة الوطنية بوقف الهجرة لم تتحقق، ولأن الهجرة زادت، وزادت معها حركة الاستيلاء على الأراضي، وزادت التحديات الصهيونية سواء بتدفق الأسلحة، أو بإنشاء حرس للمستعمرات وحاميات صهيونية. وزاد النقمة الشعبية أن أداء القيادة الوطنية كان متخلفًا ومترددًا، وكان الانقسام والسعي وراء المكاسب يُشِلُّها.

أشكال المقاومة في المرحلة الثالثة

ظلت خطوط العمل الوطني في هذه المرحلة هي نفس خطوطه في المراحل السابقة، وإن كانت قد تطورت في كل الاتجاهات.

فعلى صعيد القيادة الوطنية ظل الاهتمام منصبًّا على الاتصالات السياسية العربية والدولية، وإرسال الوفود، وكانت الاتصالات ببريطانيا على رأس هذه الاتصالات، وكانت الاتصالات مع المندوب السامي البريطاني ومندوبي حكومة بريطانيا القادمين إلى فلسطين ومصر على رأس جدول الأعمال، كما كانت مهمة إرسال الوفود إلى بريطانيا على رأس الأولويات.

وعلى صعيد فلسطين دعت اللجنة التنفيذية يوم 27/10/1929م إلى اجتماع للجمعية العمومية للمؤتمر الفلسطيني في القدس، حضره أعضاء الجمعية العمومية وزعماء العشائر وعدد من المندوبين من شرق الأردن، ودعا الحاج أمين الحسيني - بعد معركة طرد عرب الزبيدات من أراضيهم - إلى مؤتمر في 25/1/1935م لعلماء الدين حضره حوالي 500 من القيادات والوجهاء السياسيين والاجتماعيين والدينيين. ولما كان الموضوع موضوع الأرض، فقد اتخذ المجتمعون قرارًا بالعمل على منع بيع الأراضي.

وكان الحاج أمين الحسيني – رئيس المجلس الإسلامي الأعلى وأحد أبرز قادة الحركة الوطنية - قد دعا سنة 1931م إلى مؤتمر إسلامي في القدس في 1/12/1931م، وقد دعت اللجنة التحضيرية للمؤتمر أبرز الشخصيات الإسلامية، فاستجاب معظمهم، وكان من المحاضرين عبد العزيز الثعالبي الذي أسهم في بلورة فكرة المؤتمر، ومحمد رشيد رضا، والمجتهد الأكبر كاشف الغطاء، والشاعر إقبال، وضياء الدين الطباطبائي. وقد واجه المؤتمر نوعين من الصعوبات: الأولى ناتجة عن خشية الإدارة البريطانية والحركة الصهيونية من نتائجه. والثانية ناتجة عن اختلاف قيادات فلسطين ووجهائها حول دور كل منها.

ولما كان الحاج أمين الحسيني هو المبادر، فإن منافسيه حاولوا إحباط المؤتمر، فلما فشلوا، دعوا إلى عقد مؤتمر آخر - ورغم ذلك - فإن المؤتمر قد نجح واتخذ قرارات هامة منها:

1 - إنشاء جامعة إسلامية كبرى في القدس تسمى "جامعة المسجد الأقصى"، وتأليف دائرة معارف إسلامية.

2 - الدفاع عن فلسطين لأهميتها بالنسبة للعالم الإسلامي، وشجب السياسة البريطانية - الصهيونية فيها، وإعلان قدسية البراق.

3 - تشكيل شركة إسلامية لإنقاذ أراضي فلسطين.

إلا أن كل هذه النشاطات لم تكن تحظى باهتمام الجماهير التي كانت ترى أن الخطر بحاجة إلى أساليب أخرى. وكانت اللجنة التنفيذية تحاول أن تشارك الجماهير همومها؛ ولذلك شاركت في بعض الفعاليات الشعبية مثل مظاهرة القدس يوم 13/9/1933م، حيث هاجمت الشرطة البريطانية المظاهرة فأصيب أحد القادة واعتُقِل آخرون، وكان موسى كاظم الحسيني على رأس المظاهرة رغم كِبَر سنه.

وفي 13/10/1933م قامت مظاهرة مماثلة في يافا، واشتبكت الشرطة مع المتظاهرين، فجُرِح موسى كاظم الحسيني، واعتقلت السلطات عددًا من القادة الآخرين. وحين توفي موسى كاظم الحسيني إِثْر إصابته، لم تستطع اللجنة التنفيذية أن تتفق على بديل في ظل التنافس الشخصي والعائلي والصراع السياسي؛ فَحَلَّت نفسها، وقاد هذا على الصعيد الشعبي إلى بروز مبادرات جديدة متعددة الأشكال وكان من ذلك:

1 - اتساع المشاركة الشعبية في أعمال التظاهر، واتجاه المظاهرات إلى طابع أكثر عنفًا، وصار التظاهر في هذه المرحلة عملاً متواترًا لا يتوقف رغم القمع البريطاني. وكان من هذه المظاهرات مظاهرات القدس يوم 13/9/1933م، ومظاهرات يافا يوم 13/10/1933م، واشتباكات يوم 14/10/1933م في معظم مدن فلسطين. وكان الشعب يعبر فيها عن نقمته دون انتظار لموقف قيادته ودون انتظار موافقة السلطان على السماح بمظاهرة سلمية.

2 - قيام مبادرات شعبية بعقد مؤتمرات وتكوين لجان شعبية للتعبير عن الموقف الشعبي، ومن ذلك:

أ - عقد المؤتمر الشعبي في نابلس في 31/7/1931، والذي دعت إليه لجنة تكونت لهذه الغاية، وقد تدخلت اللجنة التنفيذية لمنعه؛ لأنه عُقِد دون موافقتها، ووافق المجتمعون على الالتزام بقيادة اللجنة التنفيذية بعد الاتفاق على إعلان الإضراب احتجاجًا على سياسة الحكومة البريطانية التي وافقت على تسليح المهاجرين الصهيونيين.

ب - إقامة احتفالات شعبية بذكرى معركة حِطِّين.

جـ- الدعوة إلى اجتماع شعبي في بيت جبرين حضره حوالي 2000 شخص، ولم يحضره أحد من قادة الأحزاب، وقد دعا الاجتماع إلى: السعي للتفاهم وتوحيد الكلمة، السعي لوقف بيع الأراضي، السعي لتأسيس بنك زراعي عربي، العمل بالوسائل الممكنة لوقف الهجرة الصهيونية.

د - القيام بتحركات طلابية ونسائية وصحفية وعُمَّالِيَّة، فانعقد مؤتمر نسائي في 26/10/1929م حضرته حوالي 100 مندوبة، وفي 20/9/1931م عقد الصحفيون مؤتمرًا ناقشوا فيه مسألة إغلاق السلطة للصحف العربية، وأرسلوا برقية احتجاج إلى الحكومة احتجاجًا على تعطيل الصحف، وبرقية إلى اللجنة التنفيذية ينتقدون فيها سياساتها، وطالبوها بألا تَفَاوُضَ إلا على الاستقلال ضمن إطار الوحدة العربية.

هـ- الدعوة إلى الإضراب، وقد تكررت الإضرابات لتصل ذروتها في الإضراب الكبير الذي دام ستة أشهر.

3 - تشكيل اللجان القومية في 20/4/1935م لفرض الإضراب، وإيقاف التراخي في قيادة الحركة الوطنية. وقد انعقد مؤتمر عامٌّ للِّجان القومية في 8/5/1935م، واتخذ قراراته باستمرار الإضراب ومقاطعة سلطات الاحتلال.

4 - القيام بنشاطات اقتصادية، وكان منها إنشاء البنك العربي سنة 1934م، ثم قامت بعد ذلك بنوك ومؤسسات أخرى.

5 - تكوين خلايا مسلحة، وفي الوقت الذي بدأ فيه الشيخ عز الدين القسَّام يطور خلاياه مع بداية هذه المرحلة؛ ظهرت عصابة الكف الأخضر أواخر 1929م، وبدأ الحديث يتواتر عن تشكيل خلايا مسلحة وجمع التبرعات لها.

ولكن موضوع العمل المسلح لم يبرز إلى حَيِّز العمل إلا حين خرج القسَّام في 2/11/1935م إلى الريف ليبدأ الثورة، وقد اختار منطقة جنين، وكان يستهدف الاتصال بالفلاحين والعمل على إشراكهم في الثورة المسلحة، إلا أنه لم يُقَيَّض له أن يواصل المسيرة؛ لأن القوات البريطانية داهمت مكان اختبائه وطلبت منه الاستسلام، فقاتل حتى الاستشهاد هو ورفاقه، إلا مجموعة افترقت عنه قبل المعركة بقيادة فرحان السعدي، ومجموعاته الأخرى التي لم تخرج معه بقيادة خليل عيسى "أبو إبراهيم الكبير".

وقد أشعل استشهاد القسَّام نار الحمية في فلسطين، ولكن قيادات الحركة الوطنية لم تشارك في مراسيم تشييعه - إلا نفرًا قليلاً - والتقت قبل مرور أسبوع على وفاته بالمندوب السامي، وقدمت له المطالب الوطنية المتعلقة بتشكيل حكومة وطنية ومنع انتقال الأراضي للصهيونيين ووقف الهجرة… إلخ.

واحْتُفِل في التاسع من كانون الأول/ ديسمبر بذكرى فتح القدس، فتحدث حمدي الحسيني – وهو من الزعماء الوطنيين المدافعين عن مصالح الشعب - فنَدَّد "بالطرق الفاشلة للعمل الوطني الفلسطيني، وذكر أنها كانت عاملاً قويًا في ترسيخ قدم الاستعمار" وبَيَّن "كيف أن الزعامة سَعَتْ لتقوية مراكزها فقط عند المستعمرين بالتظاهر بالوطنية، واستغلت مع الاستعمار الدماء الزكيَّة التي سُفِكَت في سِنِي 20 و21 و29 و33، حتى ضاعت هدرًا".([xxix])

وحين جاء رد المندوب السامي البريطاني حمل معه فكرة قيام مجلس تشريعي، فاختلف قادة الحركة الوطنية عليها، ورغم الخلاف على المجلس التشريعي فقد وافقت الأحزاب على إرسال وفد إلى لندن. ولكن الجماهير كانت تزداد غليانًا، ووضْع القيادات يبعث على الأسى؛ ولذلك دعا رشيد الحاج إبراهيم يوم 11/4/1936م – وهو من الزعماء الوطنيين المخلصين - إلى اجتماع عام للقيادات الوطنية يضم أعضاء اللجنة التنفيذية للمؤتمر السابع، وأعضاء الوفود إلى البلاد العربية والأجنبية، ورؤساء الأحزاب، وأصحاب الصحف لدراسة ما تطلبه مصلحة البلاد.

اشتعال الثورة

لم تنتظر الجماهير، فأصدرت لجنة شعبية في يافا وأخرى في نابلس يوم 20/4/1936م دعوة للإضراب، وتجاوبت القدس مؤيدة دعوة نابلس، وسرت الدعوة في فلسطين، فقدّمت اللجنة القومية في حيفا مذكرة إلى حاكم اللواء تعلن فيه الإضراب ابتداء من 22/4/1936م، وطالبت بما يلي:

1 - وقف الهجرة حالاً.

2 - سن تشريع يمنع تسرب الأراضي.

3 - تشكيل حكومة وطنية.

وأجبرت الموجة الوطنية رؤساء الأحزاب على أن يجتمعوا ويتفقوا على تأجيل إرسال الوفد إلى لندن، ورجاء الأمة أن تستمر في إضرابها.

وفي هذا الوقت برزت دعوة إلى تشكيل لجنة عربية عليا برئاسة الحاج أمين الحسيني، وأُعْلِن عن أول اجتماع لها يوم 27/4/1936م، وكان ميثاقها استمرار الإضراب إلى أن تُوقِفَ الحكومة البريطانية الهجرة وبيع الأراضي وتقوم حكومة وطنية نيابية، على أن يكون وقف الهجرة هو البادرة.

وعُقِد يوم 8/5/1936م مؤتمر اللجان القومية التي دعت إلى الإضراب للتأكيد على ضرورة استمراره، والتعبير عن إرادة الشعب. وما إن عَمّ الإضراب فلسطين، حتى انفجرت الثورة المسلحة وعادت جماعة القسَّام إلى الميدان. وكان الهدف من الإضراب شل الحياة السياسية والاقتصادية. أما الثورة المسلحة فقد استهدفت إثارة الذعر في المعسكرات البريطانية والتجمعات الصهيونية، وتخريب ما أمكن تخريبه من المرافق والمصالح البريطانية والصهيونية.

ولما فعل الإضراب فعله، جاء نوري السعيدي – وزير خارجية العراق - إلى فلسطين في 26/8/1936م، واقترح أن تتخذ اللجنة العربية العُليا إجراءات لوقف الإضراب، على أن تتوسط الحكومة العراقية لدى الحكومة البريطانية لتحقيق جميع مطالب عرب فلسطين.

وافقت اللجنة العربية العليا على الوساطة ولكن الشعب لم يوافق، واستمر الإضراب، وظل الأمر كذلك إلى أن وجه الملوك والرؤساء العرب بيانًا إلى عرب فلسطين يطالبونهم فيه بوقف الإضراب؛ لأن حكومة بريطانيا وعدت بالنظر في مطالبهم. وقبلت اللجنة العربية العليا النداء فدعت إلى وقف الإضراب صباح الاثنين 16 رجب 1355 الموافق لـ 12 تشرين الأول/ديسمبر 1936م.

وقد استغلت السلطات البريطانية وقف الإضراب لتُخْرِج القوات العربية التي دخلت للإسهام في الثورة المسلحة بقيادة فوزي القاوقجي ومحمد الأشمر، وقد هَبَّت القرى للدفاع عنهم، ولكنهم أُخْرِجُوا إلى شرق الأردن يوم 14/10/1936م وعادوا من حيث جاءوا.

ورغم ذلك فقد استمرت الثورة المسلحة، واستطاعت في ربيع 1938م أن تقود كل فلسطين، وأن تنشئ مراكز وقيادات، وأن تفرض سلطة الثورة على الريف وقطاعات واسعة من المدن. واعتمد مقاتلو الثورة أساليب حرب العصابات الحديثة؛ فكانوا يَتَجَمَّعون في زُمَر صغيرة، ويبادرون بالهجوم ثم ينسحبون، وينظمون الكمائن التي تَشُلّ تحركات العدو. وقد أثبتوا جدارة حين اضْطُرُّوا لخوض معارك كبيرة.. ومن معاركهم المشهورة في المرحلة الأولى من الثورة: معركة جبل حريش 24/8/1936، ومعركة بلعا 3/9/36، ومعركة أم الفحم 12/9/36، ومعركة جبع 24/9/36، ومعركة بيت أمرين 29/10/36، ومعركة كفر عبوش 7/10/36.

ثم اتسعت الاشتباكات في الفترة (1937 - 1939) حتى إن المصادر البريطانية ذكرت أن قوات الثورة قامت بـ 5708 عمليات سنة 1938م، 3315 عملية سنة 1939م. وكانت العمليات في هذه المرحلة موجهة أساسًا ضد قوات الاحتلال البريطاني عكس ما كانت عليه في الماضي، ومع ذلك فإن الثورة توقفت ولم تحقق أهدافها، فلماذا حدث ذلك؟!

فشل الثورة الكبرى

يعود ذلك إلى الأسباب التالية:

أولاً- عدم توافر قيادة سياسية قادرة على القيادة ميدانيًّا ومؤمنة بالمقاومة المسلحة؛ ذلك أن المقاومة المسلحة ولدت في النقمة الشعبية، وخارج سيطرة القيادة السياسية. ولقد تكونت اللجنة العربية العليا تحت ضغط النقمة الشعبية، وحين انطلق تيار المقاومة المسلحة بخروج القسّام، أو بعد ذلك لم يكن ذلك بقرار القيادة السياسية، وظلت القيادة ميّالة إلى الحلول السياسية، ولذلك وافقت على حضور مؤتمر لندن سنة 1939م بحضور ممثلي الاستيطان الصهيوني في فلسطين، ومندوبي الدول العربية.

ثانيًا- عدم وجود قيادة عسكرية واحدة ومؤهلة، وكانت جماعة القسَّام ملتزمة ببرنامج المقاومة المسلحة وأبرز قيادات الثورة، ولم يكن إعدادهم العسكري وتأهيلهم السياسي يؤهلهم لأن يفعلوا أكثر مما فعلوا، ولذلك قامت قيادات محلية فرضت نفسها على اللجنة المركزية للجهاز، وكان تنافس القيادات يصل إلى حد الصراع.

ثالثًا- قيام حزب الدفاع الوطني بدفع الأمور نحو الحرب الأهلية، وكان حزب الدفاع مؤيدًا للمشاريع البريطانية ومنافسًا للحزب العربي، حزب رئيس المجلس الإسلامي الأعلى الحاج أمين الحسيني.

رابعًا- تغير بعض ظروف المعركة؛ إذ إن اتفاق الإنجليز والفرنسيين قبل الحرب العالمية الثانية قاد إلى إغلاق حدود سوريا ولبنان، وكانت هذه الحدود طريق إمداد الثورة.

خامسًا- زيادة العنف البريطاني، مع بروز مؤشرات الحرب العالمية الثانية، وفرض الأحكام العرفية.([i][xxx])

ومع بدء الحرب العالمية الثانية كانت الثورة المسلحة تلفظ أنفاسها الأخيرة.

هزيمة العرب وسقوط فلسطين (1940–1949)

انتهت الثورة وعاشت فلسطين سنوات الحرب العالمية الثانية القاسية، كانت القيادة السياسية قد تفرقت منذ 1937م، فاضطر الحاج أمين الحسيني إلى الهروب للبنان ثم العراق، واعتقل البريطانيون عددًا منهم ونفوهم، أما قيادات الثورة العسكرية فقد استشهد بعضهم، وفرَّ آخرون إلى سوريا والعراق.

وانتصر الحلفاء في نهاية الحرب، وانتصرت معهم الحركة الصهيونية، أما دول المحور فقد هزمت، وهزمت معها المراهنة الشعبية العربية عليها، ومنها المراهنة الفلسطينية. وقد كانت الحكومات العربية واقفة في صف الحلفاء.

وحين انتهت الحرب أعلنت بريطانيا في 29/1/1946م أنها ستبقي باب الهجرة مفتوحًا بعد انتهاء المدة التي حددها الكتاب الأبيض سنة 1939م، وأن لجنة بريطانية - أمريكية ستتولى التحقيق في الأمر، وقد وافقت اللجنة العربية العليا على التعاون مع اللجنة الأنجلو-أمريكية. وصدر قرار اللجنة الأنجلو- أمريكية في 20/4/1946م؛ لينص على إدخال مائة ألف مهاجر صهيوني جديد، ورفع الحظر عن انتقال الأراضي، وبقاء الانتداب حتى يكون ممكنًا قيام دولة أو دول في فلسطين.

وقد قاد هذا القرار إلى مظاهرات وإضرابات في الوطن العربي، وإلى تداعي الملوك والرؤساء العرب لاجتماع في أنشاص يومي 28 و29/5/1946م، وأعلن الملوك والرؤساء العرب أن قضية فلسطين "قضية العرب جميعًا، وأن فلسطين عربية يتحتم على دول العرب وشعوبها صيانة عروبتها"، وأضاف الملوك والرؤساء أن "لهم عظيم الأمل ألا يعكر صفو علائق المودة القائمة بين الدول والشعوب العربية من جهة، والدولتين الديمقراطيتين الصديقتين من جهة أخرى؛ أي تشبث من جانبهما يرمي إلى إقرار تدابير ماسة بحقوق عرب فلسطين، حرصًا على دوام هذه الصداقة، وتفاديًا لرد فعل ينشأ بسبب ذلك، ويفضي إلى اضطرابات قد يكون لها أسوأ الأثر في السلام العام"([i][xxxi]).

استكمال تشكيل الهيئة العربية العليا

كانت فلسطين خلال الحرب العالمية الثانية بلا قيادة، وانتهت الحرب وفي فلسطين فراغ قيادي، فحاول مجلس الجامعة أن يحل المشكلة، وظل الأمر كذلك حتى عاد الحاج أمين الحسيني من المَنْفَى وأكمل تشكيل الهيئة العربية العليا، وأخذ نشاط الهيئة العربية العليا منذ أواخر 1946م يتزايد، وكان من ذلك أن أنشأت مكتبًا لها بالقاهرة ومكاتب في فلسطين، وأخذت تضع النظم الخاصة بسير عملها.

وكانت هنالك ثلاثة مستويات تعالج القضية الفلسطينية في إطارها:

الأول- المستوى الدولي، وعلى هذا المستوى قررت هيئة الأمم المتحدة تشكيل لجنة تحقيق لم تشارك فيها الدول الكبرى، وقد وصلت هذه اللجنة فلسطين يوم 17/6/1947م، وقررت الهيئة العربية مقاطعتها، وطالبت الشعب بالإضراب يوم وصولها.

الثاني - المستوى العربي، وقد اتخذ مجلس الجامعة في اجتماعاته (17-29/3/1947) أن تقدم دول الجامعة المساعدات المالية للهيئة العربية، وكان مثل هذا القرار قد اتخذ في اجتماعات سابقة (8-12/6/1946)، ورغم ذلك فإن ما تسلمته الهيئة العربية العليا حتى حزيران/ يونيو 1948م لم يتجاوز 143 ألف جنيه دفعت سوريا منها 103 آلاف، وعاد مجلس الجامعة فقرر في اجتماعاته التي عقدت في لبنان (17-25/10/1947م) ما يلي:

1 - أن تحشد الدول العربية قطاعات من جيوشها على حدود فلسطين.

2 - أن تقدم الدول العربية السلاح إلى عرب فلسطين الذين يقطنون في المناطق المتاخمة لليهود، وأن تخصص لذلك عشرة آلاف بندقية مع ذخائرها.

3 - تدريب الشباب في المناطق غير المتاخمة للحدود وتعبئتهم للمعركة المقبلة، وقد أنشئت لجنة عسكرية لتحقيق ذلك اتخذت دمشق مقرًّا لها، واختارت العميد الهاشمي مسؤولاً عن شؤون التدريب والتعبئة.

وكانت الهيئة العربية العليا مع هذه القرارات؛ لأنها تمكنها من تولي القيادة في فلسطين، ومن الحصول على المساعدات اللازمة.

وعادت الدول العربية وقررت في 12/4/1948م، أي قبل موعد نهاية الانتداب بشهر وثلاثة أيام؛ إدخال الجيوش النظامية إلى فلسطين، ولم يكن هذا منسجمًا مع موقف الهيئة العربية العليا.

الثالث- المستوى الفلسطيني، فقد أخذت القيادة الفلسطينية تُعِدُّ للمواجهة، ولم تكن قد أعدت شيئًا منذ 1940م، كما أنها لم تكن مؤهلة لإعداد بنية سياسية وعسكرية، ولذلك فعندما أعلن قرار التقسيم وَهَبَّ الشعب لمقاومته، لم يكن لدى الشعب شيء من مقومات الاستعداد، فلا تنظيم كتنظيم القَسَّام، ولا مؤسسات سياسية وعسكرية، ولم تكن الأحزاب قد تحولت إلى أحزاب حقيقية، وكانت الهيئة العربية العليا حديثة التكوين، في الوقت الذي كان فيه العدو الصهيوني على أتم استعداد. وعلى المستوى العربي كان الوضع الرسمي أيضًا غير مشجع، فما كان من الشعب إلا أن لجأ إلى تشكيل لجان قومية، وأخذت هذه اللجان تجمع الأموال وتشتري الأسلحة بكميات محدودة، ويَذْكُر صبحي ياسين – أحد قادة المجاهدين- أن حيفا لم تكن فيها بندقية حربية واحدة عند إعلان قرار التقسيم، وبدأ الانفجار الشعبي، وكان هنالك عدد من المسدسات والقنابل اليدوية.

حرب 1948م

قامت الهيئة العربية العليا بإنشاء قيادة للعمليات، وقسمت فلسطين إلى سبع قيادات عسكرية، وعيَّنت عبد القادر الحسيني قائدًا للمنطقة الوسطى.

وأخذت تتكون القوى العسكرية في هذه الظروف؛ تحت ضغط العجلة، ونتيجة الحاجة إلى وجودها، ودون إعداد مسبق. وكانت هنالك هواجس تشغل الهيئة العربية العليا، منها:

1 - دخول القوات النظامية ودورها السياسي والعسكري.

2 - دخول قوات جيش الإنقاذ، وهي قوات عربية بقيادة الفريق إسماعيل صفوت، وهي مرتبطة بقيادة عربية في دمشق آنذاك.

3 - تعبئة القوى لمواجهة العدو الصهيوني.

وكان دخول قوات عربية نظامية وشبه نظامية يخلق الراحة لدى المواطنين، الذين لم يُعِدُّوا للقتال.

كان في فلسطين ثلاث قوات:

1 - القوى النظامية العربية، وتبلغ حوالي 27 ألفًا.

2 - قوات جيش الإنقاذ بقيادة الفريق إسماعيل صفوت وفوزي القاوقجي في فلسطين، وعددها حوالي ثلاثة آلاف، وإن كان هنالك خلاف حول العدد.

3 - القوات الفلسطينية، وكانت تتكون من ثلاثة أصناف:

الأول- القوى النظامية التي تقدم لها الهيئة العربية العليا الأسلحة والعتاد، وتدفع لها رواتبها، وقدرت بين 6-10 آلاف، وهي قوى نظامية بالاسم لأنها لم تكن كذلك من حيث التدريب والقيادة والضبط.

الثاني- قوى محلية ترابط في مناطقها، وتقدم لها الهيئة العربية العليا ما أمكن من الأسلحة والذخائر والإعانات المالية، وعددها حوالي 15 ألفًا.

الثالث- قوى شعبية مسلحة، لا تُسَلُّح ولا تُمَدُّ بالذخائر لأنها تعتمد على إمكانياتها، وعددها يبلغ حوالي 40 ألفًا.

وقد قدمت اللجنة العسكرية لمقاتلي فلسطين 1600 بندقية فقط، أما الهيئة العربية العليا فقد قدمت 5396 بندقية، و499 مدفعًا رشاشًا، و364 بندقية تومي، و309 مسدسات ، و124 مدفعًا مضادًّا للمصفحات، و66 مدفعًا مضادًّا للدبابات، و33 مدفع هاون، وصناديق من المتفجرات والقنابل والألغام الجاهزة، وكميات من الذخيرة.

وكانت تجهيزات كل القوى العربية – بما فيها الفلسطينية - بدائية ومحدودة، وكانت بمجموعها من حيث العدد قليلة إذا قيست بالمهمات المنوطة بها، ورغم ذلك فقد كان هناك ما يمنعها من تحقيق أهدافها حتى الدفاعية، ومن ذلك عدم التنسيق بينها؛ لأن القوات النظامية كانت تتبع لقياداتها السياسية، وكانت الأهداف السياسية للدول المشاركة غير موحدة، ومن ذلك أيضًا عدم تعبئة القوى في الدفاع أو في الهجوم، وترك كل قوة تخوض معاركها وحدها، وكان التنسيق نادرًا ما يجري وبصعوبة.

ولذلك فقد أخذت المدن تسقط واحدة إثر أخرى، فسقطت طبرية في 19/4/48، وحيفا في 22/4، وصفد في 10/5، وبيسان في 12/5، وعكا في 19-20/5، والناصرة في 16-17/7/48 واللد والرملة في 12/7 …. وهكذا.

كان الحشد العربي الرسمي والشعبي محدودًا جدًّا بالنسبة للمهمات المطلوبة، وكان قليلاً جدًّا أيضًا بالنسبة للمهمات المطلوبة، وكان قليلاً جدًّا أيضًا بالنسبة لسكان الدول المشاركة ( مصر وسوريا والعراق والأردن ولبنان والسعودية)، كان الحشد الشعبي العربي أقل من القليل.

وعلى الصعيد الفلسطيني كانت القوات شبه النظامية رمزية، وكان الحشد الشعبي قليلاً جدًّا نسبة إلى ما كان يجب أن يكون عليه، وكان المستوى العسكري متدنيًا إلى أبعد الحدود، وفوق هذا وذاك لم تكن هناك غرفة عمليات موحدة، ولا قيادات محلية معترف بها.

وإذا كان ممكنًا الحديث عن معارك مشرفة وعن بطولات فردية وجماعية تستحق الفخر، فلا يمكن الحديث عن عمل عسكري منظم، وعن عمليات هجوم ودفاع مدروسة جيدًا، وترابط في الإستراتيجية والتكتيك.

وكانت القوات الصهيونية في الميدان أكثر عددًا في كل مراحل الحرب، إذ بلغت 151 ألف جندي، وأكثر قدرة على الحشد والهجوم والدفاع، بينما كانت كل القوات العربية أقل عددًا في كل مراحل الحرب، وأقل قدرة على الحشد والهجوم والدفاع، وهكذا خسر شعب فلسطين الحرب، وخسر العرب المعركة.

وحين قررت الهيئة العربية العليا إعلان حكومة عموم فلسطين في غزة في 23/9/1948م؛ كانت غير قادرة على الدفاع عن قرارها، وانتهى الأمر بمطالبة الحاج أمين أن يغادر غزة.

وهكذا انتهت مرحلة من مراحل الصراع في فلسطين، واحتل العدو الأجزاء الأساسية منها، ولم يبق إلا قطاع غزة والضفة الغربية، وعاد رئيس الهيئة العربية العليا إلى مكتبه في القاهرة، وعادت معه حكومة عموم فلسطين، وكان شعب فلسطين يخضع للاحتلال الصهيوني، أو يلجأ إلى الدول العربية المجاورة.


مرحلة ما بعد الهزيمة (1949–1963)

كانت هزيمة 1948 م هزيمة كبرى بالنسبة للأمة العربية، ولكنها كانت - بالإضافة إلى ذلك - انقلابًا عظيمًا في حياة الشعب الفلسطيني، ذلك أنه لم يحقق أهدافه في التحرر والاستقلال، وشُرِّدَ معظمه من أرضه، وخضع باقيه في الأرض المحتلة لاحتلال شرس جديد، أما الضفة الغربية وغزة، فقد أصبحتا جزءاً من الأردن ومصر سياسيًّا وإداريًّا، وكانت محاولات التكيف مع الوضع الجديد الشغل الشاغل لكل الفلسطينيين، وانقسم الفلسطينيون إلى أربعة أقسام:

الأول - يخضع للحكم الصهيوني من الجليل إلى النقب، وكانت كثافة هؤلاء كبيرة في الجليل والنقب، وضعيفة في يافا واللد والرملة والقدس المحتلة.

الثاني - يتبع الحكم الأردني في الضفة الغربية، وقد أعلنت الوحدة بين الضفتين سنة 1950م وأخذ مواطنو الضفة الجنسية الأردنية، ولكن الضفة كانت تعج بلاجئي 1948م، وقامت من جراء ذلك مخيمات عديدة لا يزال معظمها قائمًا حتى الآن.

الثالث - يرتبط بنظام الحكم المصري في منطقة غزة التي تكدس فيها جمهور كبير من اللاجئين.

الرابع - يخضع لأنظمة الحكم القائمة في الأقطار التي هاجر إليها، وخاصة في سوريا ولبنان، حيث تجمع عدد كبير من اللاجئين، ومن الشمال والساحل خاصة، وكانت الهزيمة قد أيقظت الرأي العام العربي، فبدأت الانقلابات والنشاطات السياسية المختلفة الاتجاهات، فوجد الفلسطينيون أنفسهم – رغم ظروفهم الجديدة - جزءاً من النشاط السياسي العام على مختلف اتجاهاته، ففي هذا الوضع الجديد ظل هم مقاومة الصهيونية قائمًا، ولكن أشكاله اختلفت وتعددت، ومن ثم تطورت في كل الاتجاهات.

اتجاهات المقاومة في المرحلة الخامسة

وقَّعَت الدول العربية اتفاقات الهدنة سنة 1949م، وَحُلَّت قوات الجهاد المقدس، وراحت حكومة عموم فلسطين والهيئة العربية العليا تصدران البيانات، وتجريان الاتصالات. وفي هذا الوقت كانت المقاومة الفلسطينية تتخذ ثلاثة أشكال:

الأول - الاستمرار في المقاومة للدفاع عن الأرض والهوية، ولتكوين أُطر مقاومة سياسية في الأرض المحتلة الخاضعة للعدو الصهيوني، وهنا كان الدفاع عن الأرض والهوية في رأس الأولويات، واتخذ أشكالاً سياسية وثقافية أساسًا، وكان إنشاء حركة الأرض جزءاً من هذه المقاومة.

وفي الوقت الذي كان فيه الشعب الخاضع للاحتلال الصهيوني يبحث عن سبل المقاومة الأكثر نجوعًا؛ كان اتجاهان رئيسيان ينموان على الأرض؛ أولهما اتجاه الجماعات التي تحاول بلورة اتجاه دفاع عن النفس عبر قبول قيام الدولة الصهيونية، والمطالبة بحقوق أقلية، كما فعل الحزب الشيوعي الإسرائيلي وأغلبيته العربية التي تحولت إلى حزب "راكاح" فيما بعد. ثانيهما الاتجاه العربي الذي كان يراهن على التطورات العربية في العواصم العربية، وكان هذا هو الاتجاه الشعبي الأوسع، وفي النخب السياسية الطافية على السطح.

الثاني- اتجاه المقاتلين الذين ظلوا يقاتلون دون قيادة، وكان يلتقي مع هؤلاء رجال يقومون بالتردد على قراهم ومدنهم لاستعادة ما خبؤوه أو خبأه غيرهم، أو للسطو على مستوطنات العدو، وكان هؤلاء يقومون بعمليات عسكرية.

وقد التقى بعض هؤلاء في غزة وسوريا ولبنان والأردن؛ بمن يشجعهم من القوات العربية، وخاصة بعد 1954م، فأخذوا يقومون بعمليات ذات أبعاد سياسية وعسكرية وخاصة بالعلاقة مع مصر سنة 1955-1956.

وتشير تقارير وزارة خارجية العدو بأنه تعرض منذ توقيع اتفاق الهدنة سنة 1949م وحتى حرب 1956م ما مجموعه 7850 حادثًا في الجبهة الأردنية، وثلاثة آلاف في الحدود مع غزة ومصر، و600 في الحدود مع لبنان، وقد قدمت الحكومة الأردنية سنة 1954 - 1955 ما مجموعه 997 شخصًا للمحاكمة بتهمة التسلل عبر الحدود، وقد أخذ هذا "التسلل" ملامح جديدة سنة 1955-1956.

وتعالت الدعوات منذ 1957م في أوساط الشتات الفلسطيني إلى الإعداد لبدء مقاومة مسلحة، وولدت في هذا الوقت حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" ومنظمات وجبهات أخرى، واتجه حزب البعث العربي الاشتراكي وحركة القوميين العرب إلى إنشاء هياكل عمل فلسطيني في صفوفهما.

الثالث - اتجاه مقاومة الإمبريالية، والأنظمة العربية التابعة التي التقت فيه الحركة القومية كلها والأحزاب الشيوعية والقوى الوطنية عامة، وكان هذا الاتجاه يرى أن مقاومة الإمبريالية عامة وإسقاط الأنظمة المرتبطة بها؛ هو الطريق لتحرير فلسطين.

وقد شارك الفلسطينيون في الضفة وغزة وفي شرق الأردن وسوريا ولبنان، حيث كانوا في المعارك التي خاضها هذا الاتجاه، وكانت مشاركتهم كبيرة بالنسبة لعددهم، وكان اشتراك الفلسطينيين في أحزاب الحركة القومية والأحزاب الشيوعية كبيرًا من حيث النسبة، وكانت قيادات حركة القوميين العرب تضم عددًا كبيرًا وبارزًا من الفلسطينيين.

إن هذه المرحلة لم تكن مرحلة مقاومة مسلحة أساسًا، وكان الذين عملوا في المقاومة المسلحة من بقايا المقاتلين السابقين الذين جندوا مقاتلين جددًا، وكانوا يعملون بدافع الاستمرار أو نتيجة النقمة على وضعهم الجديد، ولم تكن تُوَحِّدُهم قيادة أو برنامج سياسي، وكان بعضهم على استعداد للعمل مع القوات العربية المعادية للصهيونية في سبيل الحصول على السلاح وحماية الظهر.

ولكن هذه المرحلة، ومنذ 1957م خاصة؛ شهدت حوارات وصراعات سياسية بين التركيز على الوحدة أو التشديد على التحرير، وبين بناء الأحزاب أو بناء مقاومة، وتداخلت في هذا السجال قضايا أيدولوجية وسياسية وعملية، وكان الاتجاه القومي يدعو إلى الوحدة ويعتبرها الضرورة الأولى وطريق تحرير فلسطين، وكان الاتجاه الشيوعي يرى المعركة مع الإمبريالية هي الأساس. وهنا برز اتجاه فلسطيني يرى في ذلك كله شتاتًا، ويدعو إلى بناء تنظيمات فلسطينية مقاومة، ولقد أخذ القوميون يتجاوبون مع هذه الدعوة في أواخر الخمسينيات، وفي دوامة هذا السجال ولدت حركة المقاومة الفلسطينية المسلحة فيما بعد.

لقد غلب على هذه المرحلة الحوار والنشاط التنظيمي والسياسي ولم تحتل المقاومة المسلحة موقعًا بارزًا فيها، وكانت الدعوة للمقاومة المسلحة وإحباط مخطط التصفية والانتقال من الكلام إلى العمل؛ هي الغالبة في الأدب السياسي لهذه المرحلة.

من المقاومة المسلحة إلي عملية التسوية (1964-1993)

تتسم هذه المرحلة بالكثير من التطورات في ميدان الصراع العربي- الصهيوني، وكان من أبرز هذه التطورات:

1 - احتدام الحروب العربية - الصهيونية (1967 ، 1973 ، 1982)، وقد حوَّلت هذه الحروب الصراع إلى صراع عربي - صهيوني سواءً من حيث الجيوش المشاركة، أم ميادين القتال، وكان من نتيجة هذه الحروب الثلاثة أن احتُلَّت سيناء والجولان والضفة الغربية سنة 1967م، وجنوب لبنان سنة 1982م، وتحول الثقل الأساسي للمفاوضات إلى بحث العلاقات الصهيونية - العربية، وقاد ذلك إلى اتفاقية كامب ديفيد سنة 1979م، ومفاوضات مدريد سنة 1991م، واتفاق واشنطن واتفاقية السلام الأردنية - الصهيونية سنة 1994م.

2 - قيام "م.ت.ف" والمقاومة الفلسطينية داخل الأرض المحتلة وخارجها، والمعارك التي خاضها الشعب الفلسطيني على كل الصعد السياسية والعسكرية والثقافية، وكان من أهم ما أنتجته هذه المرحلة على الصعيد العربي عامة - والفلسطيني خاصة - اتجاه التسوية السلمية مع العدو الصهيوني.

3 - حدوث تطورات دولية كبيرة؛ من انهيار الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية في أوروبا الشرقية، إلى حرب الخليج (1990-1991)، ومن تفرد حكومة الولايات المتحدة الأمريكية بالقيادة الدولية، إلى انفجار الصراعات الإثنية والطائفية والاجتماعية في بلدان العالم الثالث.

وتعتبر هذه المرحلة أغنى المراحل في مقاومة العدو الصهيوني، سواء كان ذلك عبر الدور العربي في الصراع العربي - الصهيوني، أم عبر المقاومة الفلسطينية.

تشكيل فتح وقيام المنظمة

وتبدأ هذه المرحلة بحدثين بارزين: أولهما: إعلان قيام "م.ت.ف" سنة 1964م، وثانيهما: إعلان حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" بدء المقاومة المسلحة مع مطلع عام 1965م.

ولقد أنشئت المنظمة بقرار رسمي عربي في الجامعة العربية سنة 1963م، إلا أن هذا الحدث جاء نتيجة تزايد الشعور العربي بضرورة إبراز عمل فلسطيني سياسي، وتزايد شعور الفلسطينيين بأن عليهم أن يلعبوا دورًا أكبر، إن لم يكن الدور الأول في الدفاع عن قضيتهم.

ورغم الحذر الفلسطيني من الأنظمة العربية، فإن قرار إنشاء المنظمة تم تلَقِّيه بترحاب شعبي واسع رغم معارضة فئات صغيرة، وربما كان دور عبد الناصر في عملية الإنشاء سببًا من أسباب القبول بها شعبيًّا. أما على صعيد القيادات التقليدية وشبه التقليدية الفلسطينية، فكان يهمها أن تكون جزءاً من العملية السياسية العربية ؛ لأنها لم تكن تطمح – وما زالت لا تطمح - بدور مستقل.

أما إعلان "فتح" بيانها الأول، فقد لقي صدى أعمق في أوساط المثقفين عامة والمسيسين خاصة، وفي أوساط الشعب العادي؛ لأن الشعب يؤمن أن طريق المقاومة المسلحة هو طريق فلسطين، وزاد من هذه القناعة أن الأنظمة التقليدية سقطت في مصر وسوريا والعراق، وهي الأقطار العربية الأساسية، ورغم ذلك فإن المواطنين لم يروا جديدًا على صعيد فلسطين، فلا الوحدة تحققت لتكون طريق التحرير، ووحدة مصر وسوريا سنة 1958م انقسمت سنة 1961م، والخلافات في الحركة القومية وبين القوميين والشيوعيين محتدمة، ثم إن الجزائر تحررت بالحرب الشعبية.. وكان هذا كله يدفع باتجاه تحرير فلسطين إلى المقاومة المسلحة.

وقاد قرار "فتح" إلى أمرين؛ الأول تحفيز الجماهير في فلسطين والأقطار العربية للقتال، والثاني اتجاه القوى المختلفة إلى إنشاء فصائل فلسطينية مسلحة.

وقد جاءت حرب حزيران والهزيمة فيها؛ لتؤكد ضرورة المقاومة المسلحة، ولتجعل هذه المقاومة الشغل الشاغل للجميع في فلسطين وسائر الوطن العربي.

كان التحرير الكامل هو الهدف المعلن، والمقاومة المسلحة هي الأسلوب الوحيد، وطرحت المقاومة المسلحة بديلاً للحرب النظامية، ونقيضًا للحل السياسي وترافق مع ظهور المقاومة المسلحة، وخاصة بعد 1967م؛ نشاط سياسي وشعبي واسع، وأخذت تنبثق فعاليات سياسية وشعبية في كل الميادين.

وكانت اللجنة التنفيذية للمنظمة قد بدأت منذ 1946م بإنشاء جيشها ومكاتب إعلامها وثقافتها وعلاقاتها السياسية ومنظماتها الشعبية ومراكزها للتخطيط والصندوق القومي والتعليم، وما لبثت الفصائل أن اتبعتها في ذلك.

وبدا منذ 1965م حتى 1970م أن المقاومة المسلحة هي محور كل النشاطات، ولكن الأمور بدت تتكشف بعد 1970م على أن هناك برنامج اتصالات سياسية يستهدف الحل السياسي، وأن هذا الخط تم الاتفاق عليه قبل أن يُبْعَد أحمد الشقيري من رئاسة المنظمة ليعهد بها إلى ياسر عرفات([i][xxxvi]).

وحين انتقلت قيادة المنظمة إلى ياسر عرفات سنة 1968م؛ اندمجت فتح والفصائل بالمنظمة، وصارت المنظمة هي الإطار الأوسع لكل الفصائل.

إشكاليات فصائل المقاومة المسلحة

انتشرت قواعد المقاتلين بين 1967م و1970م، حول الكيان الصهيوني في الأردن وسوريا ولبنان، وكانت في هذا الوقت تنمو داخل الأرض المحتلة كلها، وخاصة في الضفة الغربية وغزة؛ حتى تحققت سيطرة شبه تامة على غزة خلال 1970م والنصف الأول من 1971م. وكانت هذه القوات المنتسبة لكل الفصائل تتبع "م.ت.ف" اسميًّا، إلا أن هذا واجه ثلاث إشكاليات:

الأولى- عجز القيادة العليا، سواء اللجنة التنفيذية أم المجلس العسكري الأعلى، عن تحقيق توحيد حقيقي في القيادة والتخطيط والبرامج؛ لعوامل ذاتية تتعلق بالقيادة، ولعوامل موضوعية تتعلق بساحات العمليات والتداخل مع الأنظمة…. إلخ، ولكن العامل الرئيسي كان عجز القيادة وقصور تشكيلاتها ومراتبها.

الثانية - ميل الفصائل إلى الاستفادة من إمكانيات المنظمة وحمايتها السياسية، والتفرد بالقرار والعمل لاختلاف السياسات ولذاتية القيادات ولقصور الوعي، وعدم الالتزام بأسس العمل العسكري النظامي أو الشعبي.

الثالثة - اختلاف هذا الفصيل أو ذاك مع قيادة المنظمة؛ لأن قيادة المنظمة كانت تتبع سياسة محاور؛ ولأن مصالح قيادات الفصائل أو علاقاتها أو خلافاتها السياسية، كانت تدفعها إلى الخروج عن أطر المنظمة.

ولذلك كله عجزت المقاومة المسلحة عن أن تتحد أو تطور قدراتها وتستفيد من الإمكانيات البشرية والمادية الكبيرة التي أُتيحت لها، وظلت أبعد ما تكون عن النظامية سواء من منظور العسكرية التقليدية أم الشعبية، كما ظلت منذ نشأت وحتى الآن، وكأنها نشأت لتوها؛ ولذلك لم تتجاوز العملية البطولية الفردية وعمليات الكمائن المحدودة داخل الأرض المحتلة، أما خارج الأرض المحتلة فإنها لم تتسم بالقدرة على عمليات ميدانية واسعة، وكانت عمليات الدفاع أو الهجوم مجرد حشد قوي دون أية ضوابط للقيادة، ولا تخطيط عسكري، ولا أوامر عمليات، ولا انضباط في حدوده الدنيا، ما عدا الانضباط التطوعي.

وقد حرم هذا كله المقاومة من أن تستثمر قواها استثمارًا أوسع وأقوى وأكثر فعالية ضد العدو، والتحكم بظروف وجودها في الأرض العربية المحيطة بفلسطين، وكان هذا الخلل الذي عرفته المقاومة في بنيتها العسكرية متغلغلاً في كل أجهزتها السياسية والمدنية والشعبية، وفي كل مراتبها من أعلى الهرم القيادي إلى أسفل؛ ولذلك كانت فعاليتها السياسية والنقابية والشعبية محدودة قياسًا بما كانت تستطيع فعله لو كان بنيانها أنقى وأسلم وأكثر تنظيمًا وأكثر ارتباطًا بالقضية.

وأدى ترهل واحتشاء جسم المنظمة بقوى غير نضالية إلى الاتجاه إلى التسوية السياسية الذي كان كامنًا فيها منذ البدء، والذي أخذ ينمو منذ 1968م؛ ليعلن عن نفسه بعد أيلول/سبتمبر 1970م، وليصبح اتجاهًا رئيسيًّا بعد حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973م، وليقود المنظمة بعد ذلك.

ورغم ذلك، فإن اتجاه المقاومة المسلحة وإعلان برنامج التحرير؛ استطاع أن يطلق طاقات الشعب داخل فلسطين وخارجها، وقد دفع جماهير من أبناء شعبنا إلى العمل السياسي والشعبي والعسكري، وولد الروح النضالية التي عرفناها في كل المعارك والمواجهات منذ 1965م وحتى الآن، وهذا التيار سيظل متدفقًا رغم اتجاه قيادة "م.ت.ف" إلى إنجاز اتفاق أوسلو وتسليمها بمطالب العدو.

=الأولويات بين السياسة والعمل المسلح

نستطيع أن نرى في هذه المرحلة تطورات واضحة من حيث الأولويات السياسية والعسكرية، فما بين 1965-1970 كان التشديد على المقاومة المسلحة هو الأساس، وكان العمل يستهدف بناء فصائل مقاتلة، ودمج المنظمة بالفصائل، وخلق هياكل سياسية وعسكرية ونقابية تضمن ارتباط الشعب الفلسطيني بقيادته.

ومنذ نهاية 1970م وحتى أوائل 1973م؛ بدأت أطروحات التسوية السياسية – التي كانت محرمة سابقًا – تطفو على السطح وتتغلغل في أجهزة المنظمة والفصائل، وما لبثت أحاديث التسوية أن انطلقت في مشروع الحل المرحلي الذي طرحته الجبهة الديمقراطية بحماية قيادة عرفات.

وشهدت هذه المرحلة بداية ما سمي بـ"التجييش" وبناء الأجهزة الأمنية وضرب الحركة الشعبية التي وجهت لها ضربة قوية أيلول/سبتمبر 1970م.

ومنذ اجتماع المجلس الوطني الثاني عشر في صيف 1974م؛ صار حديث التسوية رسميًّا، وبدأ التغلغل الواسع لأطروحات التسوية ورجالها في بنية المنظمة وبعض الفصائل. وما لبث اتجاه التسوية أن أصبح الاتجاه الرئيسي في القيادة سنة 1977-1978، وعبر معارك خاضها رئيس المنظمة استخدم في بعضها السلاح، وجاء الخروج من لبنان سنة 1982م؛ ليكرس دور قيادة المنظمة في عملية التسوية التي أدت إلى أوسلو سنة 1993م.

وكانت المقاومة المسلحة تتضاءل ما بين 1982-1987، بينما كان العمل الدبلوماسي يتحول إلى العمل الرئيسي، وأهملت كل أشكال العمل السياسي والشعبي والنقابي.


المرحلة الأخيرة (1994–2000)

قامت هذه المرحلة على أمرين، الأول: المفاوضة بدلاً من المقاومة، والثاني: التفاهم مع العدو بدلاً من الصراع معه، واكتساب مواقع بدلاً من تنظيم معارك.

دوافع القيادة الفلسطينية

يعود السبب في هذا الانتقال إلى أن قيادات فتح - المنظمة التي بدأت من برنامج التحرير اعتقدت أن أمامها بعد مدريد أن تسير في برنامج سلام خاص، أو أن تخرج نهائيًّا من الساحة لأن الحكومات العربية أخذت تفاوض، ولما كانت حكومة مصر قد وصلت إلى اتفاق مع العدو الصهيوني في كامب ديفيد، وحكومة الأردن في وادي عربة، وكان العدو يلوح بالخروج من لبنان بلا قيد ولا شرط، وكانت لدى الحكومة السورية أوراق تستخدمها، فإن القيادة الفلسطينية الرسمية قد خشيت أن تظل خارج إطار السلام، فتخرج "من المولد بلا حمص" كما يقول السيد عرفات؛ ولذلك هرعت قيادة عرفات إلى ميدان المفاوضات ولكن من موقع الضعف، ومن موقع من يريد أن يبقى طرفًا مهما كانت النتائج.

وكان ما يخيف هذه القيادة أن حركتي حماس والجهاد الإسلامي قد بدأتا تبرزان كقوة استشهادية وهو مما يجعلهما بديلاً سياسيًّا، يحسب له حساب، وتلتف حوله الجماهير والقوى، وتراهن عليه الحكومات العربية والقوى الدولية، وقد تصبحان –أي حماس والجهاد الإسلامي- مركز استقطاب لتوحيد قوى المقاومة الفلسطينية المعارضة في دمشق وفي كل مكان للاتحاد وبناء م.ت.ف من جديد.

إن هذا كله جعل قيادة المنظمة الرسمية تحاول أن تسابق على الاحتفاظ بموقعها من خلال تحولها إلى طرف رسمي دولي يؤمِّن للشعب بعض المكاسب.

التحول من قيادة المقاومة إلى قمع المقاومة

انقلب دور قيادة فتح- المنظمة من قيادة القتال من أجل التحرير، إلى سلطة فلسطينية وظيفتها الأساسية التفاوض والعمل لمنع الفلسطينيين من القتال ضد العدو. ولقد نجحت قيادة المنظمة الرسمية في استبدال دورها والتحول إلى قوة تمارس تصفية القضية، وتحارب قوى التحرير لتفتح للعدو مجالات اقتحام الوضع العربي واختراق الشعب الفلسطيني. ولم يقتصر دور الق

يادة على إلقاء السلاح، ولكن إلقاء الوثائق التي يستند إليها الكفاح المسلح (الميثاق الوطني أساسًا)، وأخذت تنشر دعاوى استسلامية باسم المفاوضات والدولة… إلخ.

المأزق

تقف المقاومة المسلحة والحركة السياسية الفلسطينية أمام مأزق في الداخل والخارج، ففي الداخل تقف شرطة السلطة الفلسطينية في مواجهة مع قوى المقاومة المسلحة والسياسية إلى جانب العدو الصهيوني، وقد استطاعت السلطة الفلسطينية أن تجر معها أجزاء أساسية من حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح"، وقِسْمًا من الجبهة الديمقراطية، وأن توحد معها ووراءها كل السائرين على خط التسوية الصهيوني، وفي الخارج تخضع فصائل المقاومة إلى عاملين آخرين: الأول الترهل الذي أصابها منذ 1982م نتيجة عدم تجديد شبابها، والابتعاد عن ميادين القتال، وعدم المشاركة الجدية في العمل السياسي والشعبي، والثاني إجراءات الأنظمة العربية في دول الطوق، والاتجاه نحو التسوية السياسية الذي أصبح السياسة الرئيسية في هذه الدول ، سواء وقعت اتفاقيات مع العدو الصهيوني أم لم توقع.

وهذا المأزق يتفاقم الآن ؛ لأن قوى الداخل يهددها العدو الصهيوني بإجراءاته القمعية الجديدة، كما يتهددها دور السلطة الفلسطينية، وإجراءات السلام العربية. أما قوى الخارج فإنها تعاني إشكالات ترهلها وعدم قدرتها على التجدد، وعدم البحث عن أساليب جديدة لمرحلة ما بعد الاتفاقات مع العدو الصهيوني.

انظر أيضا

المصادر