معركة ملاذ كرد

معركة ملاذ كرد
جزء من الحروب البيزنطية السلجوقية
thumb.

هذه المنمنمة الفرنسية من القرن الخامس عشر تصور معركة ملاذ كرد, المحاربين متدرعين بزي الحرب الاوروبي الغربي المستخدم آنئذ.

التاريخ 26 أغسطس, 1071
المكان ملاذ كرد، أرمنيا البيزنطية (ملاذ كرد المعاصرة, تركيا)
النتيجة نصر سلجوقي حاسم
الأطراف المتخاصمة
الإمبراطورية البيزنطية الامبراطورية البيزنطية
مرتزقة فرنجة وإنگليز ونورمان وكرج وأرمن وبلغار وتورك پچنگ وكومان
Buyuk selcuklu devleti.gif السلطنة السلجوقية
تورك پچنگ وكومان[note 1]{{#if:
القادة
رومانوس الرابع #،
نقفوروس بريـِنيوس،
تيودور ألياتس،
أندرونيكوس دوكاس
ألپ أرسلان
أفشين باي
أرتق باي
سليمان شاه
الحشود
~20-30,000 رجل[1][2]
(في البداية 70,000 رجل[3][2])
~20-30,000 رجل[1][2]
الخسائر
~8,000 قتلى [1]
(أكثر من نصف الجيش فر)
غير معروفة


معركة ملاذ كرد (463هـ/1071م) بين جيش السلاجقة المسلمين بقيادة السلطان ألپ أرسلان والروم بقيادة إمبراطورها رومانوس الرابع، هُزم الروم شر هزيمة وكانت هذة هي البداية انتهاء الدولة الرومية واندحارها.

نجح السلاجقة في النصف الأول من القرن الخامس الهجري في إقامة دولة قوية في خراسان و بلاد ما وراء النهر على حساب الدولة الغزنوية، وأن يعلنوا تبعيتهم للخلافة العباسية، ثم لم تلبث هذه الدولة أن اتسعت بسرعة هائلة؛ فسيطرت على إيران و العراق، وتوج طغرل بك إنجازاته العسكرية بدخول بغداد في (25 من رمضان 447هـ = 23 ديسمبر 1055م)، وبدأ عصر جديد للدولة العباسية، أطلق عليه المؤرخون عصر نفوذ السلاجقة؛ حيث كانت السلطة الفعلية في أيديهم، ولم يبقَ للخليفة سوى بعض المظاهر والرسوم.

ويُعَدُّ طغرل بك من كبار رجال التاريخ؛ فهو المؤسِّس الحقيقي لدولة السلاجقة، نشأت على يديه، ومدت سلطانها تحت بصره، وغدت أكبر قوة في العالم الإسلامي، ونفخت الرُّوح في جسد الدولة العباسية الواهن؛ فدبت فيه الحياة، بعد أن أوشكت على الموت، منذ أن أعلن البساسيري، أحد قادة الجند تبعية بغداد للدولة الفاطمية في مصر، في سابقة لم تحدث في تاريخها.[4]

الولاية

تُوفِّي طغرل بك في سنة (455هـ = 1063م) دون أن يترك ولدًا يخلفه على سدة الحكم، فشب صراع على الحكم، حسمه ابن أخيه ألب أرسلان لصالحه بمعونة وزيره النابه نظام الملك، المعروف بالذكاء وقوة النفوذ، وسعة الحيلة، وتنوع الثقافة.

وكانت سوابق ألب أرسلان تزكِّي اختياره للحكم؛ فهو قائد ماهر، وفارس شجاع، نشأ في خراسان، حيث كان والده "جغري" حاكمًا عليها، وأُسندت إليه قيادة الجيوش في سن مبكرة، فأظهر شجاعة نادرة في كل المعارك التي خاض غمارها، وبعد وفاة أبيه تولى هو إمارة خراسان خلفًا له.

ولم تسلم الفترة الأولى من عهده من الفتن والثورات، سواء من ولاته، أو من بعض أمراء البيت الحاكم؛ فقضى على فتنة ابن عم أبيه "شهاب الدولة قتلمش سنة (456هـ الموافق 1064م)، وكانت فتنة هائلة كادت تقضي على ألب أرسلان بعد أن استولى على الري عاصمة الدولة، وأعلن نفسه سلطانًا، وأحبط محاولة عمه "بيغو" للاستقلال بإقليم هراة سنة (457 = 1065م)، وبعد سنوات من العمل الجاد نجح ألب أرسلان في المحافظة على ممتلكات دولته، وتوسيع حدودها، ودانت له الأقاليم بالطاعة والولاء، وأُخمِدَت الفتنة والثورات، وتصاعد نفوذه، وقويت شكوته، حتى أصبحت دولته أكبر قوة في العالم الإسلامي في سنة (463هـ = 1070م) مما شجَّعه على التفكير في تأمين حدود دولته من غارات الروم.

فتح بلاد الروم

اطمأن ألب أرسلان إلى جبهته الداخلية المستقرة؛ فبدأ يتطلع إلى ضم المناطق النصرانية المجاورة له؛ بهدف نشر الإسلام فيها؛ فأعد جيشًا بلغ أربعين ألف جندي لهذا الغرض، وتمكن به من فتح بلاد الأرمن، و جورجيا، والأجزاء المطلة على بلاد الروم، وكان لهذه الانتصارات أثرها؛ فتحرك قيصر الروم الذي أدرك أن بلاده معرضة للهجوم من ألب أرسلان، وأن القتال معه وشيك لا محالة؛ فخرج على رأس جيش كبير لمواجهة غزو السلاجقة لممتكلاته، وذلك في سنة (463هـ = 1070)؛ لتطويق الجيش السلجوقي، واستولى على حلب ، وكان حاكمها يتبع الخليفة الفاطمي في مصر.

فطن ألب أرسلان إلى محاولات القيصر؛ فبعث ابنه ملكشاه على رأس قوة من جيشه؛ لاسترداد حلب من الروم، وتأمين الحدود الشمالية لبلاد الشام؛ فنجح في مهمته، واستولى على حلب، وأصبحت تابعة للسلاجقة، وضم القدس أيضًا، وأجزاء من بلاد الشام.

المعركة

الأراضي البيزنطية (بنفسجية), الهجمات البيزنطية (حمراء) والهجمات السلجوقية (خضراء).

لم يجد قيصر الروم بدًا من الهجوم على جيش ألب أرسلان بعد أن فشلت خطته في تطويق الجيش الإسلامي؛ فخرج بجيوشه الجرارة التي ضمت أخلاطًا من الروس والبلغاريين واليونانيين والفرنسيين إلى المنطقة التي يعسكر فيها جيش السلاجقة في "ملاذكرد"، وكان جيش ألب أرسلان صغيرًا إذا ما قُورِنَ بجيش القيصر، الذي يبلغ عدده مائتي ألف جندي، ويفوقه أسلحة وعتادًا.

أسرع ألب أرسلان بقواته الصغيرة، واصطدم بمقدمة الجيش الرومي الهائل، ونجح في تحقيق نصر خاطف، يحقق له التفاوض العادل مع القيصر؛ لأنه كان يدرك أن قواته الصغيرة لا قِبَل لها بمواجهة هذا الجيش العظيم، غير أن القيصر رفض دعوة ألب أرسلان إلى الصلح والهدنة، وأساء استقبال مبعوثه؛ فأيقن ألب أرسلان ألاَّ مفرَّ له من القتال، بعد أن فشلت الجهود السلمية في دفع الحرب؛ فعمد إلى جنوده يشعل في نفوسهم رُوح الجهاد، وحب الاستشهاد، والصبر عند اللقاء، ووقف الإمام "أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاري" يشد من أزر السلطان، ويقول له: "إنك تقاتل عن دين وعد الله بنصره، وإظهاره على سائر الأديان، وأرجو أن يكون الله تعالى قد كتب باسمك هذا الفتح".

وحين دنت ساعة اللقاء صلَّى بهم الإمام أبو نصر البخاري، وبكى السلطان؛ فبكى الناس لبكائه، ودعا، ودعوا معه، ولبس البياض وتحنَّط وقال: "إن قُتِلت فهذا كفني"، والتقى الفريقان، وحمل المسلمون على أعدائهم حملة صادقة، وأبلوا بلاءً حسنًا، وهجموا عليهم في جرأة وشجاعة، وأمعنوا فيهم قتلاً وتجريحًا، وما هي إلا ساعة من نهار حتى انكشف غبار المعركة عن جثث الروم تملأ ساحة القتال، ووقع قيصر الروم "رومانوس ديوجينس" أسيرًا في أيديهم، وحلَّت الهزيمة بهذا الجيش الجبَّار في (ذي القعدة 463هـ = أغسطس 1071م).


أسر رومانوس ديوجينس

ألپ أرسلان يهين الإمبراطور رومانوس الرابع. من ترجمة فرنسية مصورة من القرن 15 لكتاب بوكاتشيو المدعو De Casibus Virorum Illustrium.

عندما اُحضـِر الامبراطور رومانوس الرابع إلى ألپ أرسلان, لم يصدق أرسلان أن الرجل الجريح ذو الملابس الممزقة المغطى بالوحل هو امبراطور الروم القوي.[5] وبعد تأكده من أن الأسير هو الامبراطور, نقلت عدة مصادر الحوار الشهير التالي الذي دار بينهما:

ألپ أرسلان: "ماذا كنت ستفعل لو أحضروني أسيراً إليك؟"
رومانوس: "ربما كنت سأقتلك, أو أعرضك في شوارع القسطنطينية."
ألپ أرسلان: "عقوبتي ستكون أشد قسوة. سأعفو عنك, وأطلق سراحك."

وبعد أن وضع السلطان السلجوقي حذاءه على رقبة الإمبراطور وأجبره على تقبيل الأرض,[5] عامله برفق ملحوظ وأعاد عرض شروط السلام نفسها التي عرضها عليه قبل المعركة.

ظل رومانوس أسيراً لدى السلطان لمدة أسبوع. خلاله, كان يتناول الطعام على مائدة السلطان بينما كان التفاوض يجري حول تنازل البيزنطيون عن أنطاكية, إدسـّا, هيراپوليس و ملاذ كرد.[6] ولم تمس التنازلات قلب الأناضول الهام للبيزنطيين. طلب ألپ أرسلان فدية قدرها 10 مليون قطعة ذهب للإفراج عن الامبراطور، الذي اعتراض على فداحة المبلغ. فخفض السلطان المبلغ إلى فدية فورية قدرها 1.5 مليون قطعة ذهب يتبعها مبلغ سنوي قدره 360,000 قطعة ذهبية.[6] وأخيراً, سيزوج رومانوس احدى بناته للسلطان. وبعد ذلك أعطى السلطان الامبراطور العديد من الهدايا وسمح له بالعودة برفقة أميرين ومئة مملوك إلى القسطنطينية.

وبـُعيد عودته إلى رعيته, وجد رومانوس حكمه في أزمة خطيرة. وبالرغم من محاولاته لحشد قوات موالية له, فقد هـُزِم ثلاث مرات في معارك ضد أسرة دوكاس وخـُلِع عن العرش, وثـُمِلت عيناه ونـُفـِي إلى جزيرة پروتي; وبعد ذلك بفترة وجيزة, توفي نتيجة الإصابة أثناء العملية الوحشية لثمل عينيه. وآخر مرة شاهد فيها رومانوس قلب الأناضول الذي أمضى حياته مدافعاً عنه كانت مهينة له إذ وُضـِع على حمار مشوه الوجه لإهانته.[6]

تبعات المعركة

لم يتحرك الأتراك إلى الأناضول حتى وفاة ألپ أرسلان في 1072. إلا أن الإمبراطورية البيزنطية كانت ما زالت في حرب أهلية فوضوية ولم تقم بأي مقاومة فعالة.

المعركة كانت أوج الفتح التركي للأناضول وقد تبعها بعد عامين سيل عرم من المستوطنين والجنود الأتراك, كثير منهم بطلب من الامبراطورية البيزنطية المتداعية. إلا أن المعركة لم تكن المذبحة التي صورها العديد من المؤرخين, بما فيهم الكتاب الذين عاصروها, — فأعداد ضخمة من المرتزقة وجنود السخرة الأناضوليون فروا من الجيش البيزنطي ونجوا من المعركة, والفضل الجزئي في ذلك يعود لقرار ألپ أرسلان بألا يطاردهم. وبالرغم من النصر الساحق للسلاجقة فإن معظم قادة الجيش البيزنطي بقوا أحياءً بما فيهم رومانوس [6] وقد شاركوا في قمع القلاقل الداخلية التي اجتاحت الأناضول بعد المعركة. إلا أن الامبراطورية البيزنطية لن تستطيع حشد مثل هذا الجيش الجرار بعد ذلك, ولن تستطيع فرض سلطانها كما كانت قبل تلك المعركة.

افتدى الروم قيصرهم بفدية كبيرة قدرها مليون ونصف المليون من الدينارات، وعقدوا صلحًا مع السلاجقة مدته خمسون عامًا، وتعهدوا بدفع جزية سنوية طوال هذه المدة، واعترفوا بسيطرة السلاجقة على المناطق التي فتحوها من بلاد الروم، وتعهدوا بعدم الاعتداء على ممتلكات دولة السلاجقة.

وكان من نتائج هذا النصر العظيم أن تغيرت صورة الحياة والحضارة في هذه المنطقة؛ فاصطبغت بالصبغة الإسلامية بعد أن أشرقت عليها شمس الإسلام، ودخل سكانها في الإسلام، وتعلموا مبادئه وشرائعه.

ملاحظات

  1. ^ التورك الپچنگ والكومان غيروا ولاءهم من البيزنطيين إلى السلاجقة عند بدء المعركة.

الهامش

  • بدر الدين الحسيني – أخبار الدولة السلجوقية – تحقيق محمد إقبال – لاهور – 1933م.
  • عبد النعيم محمد حسنين – إيران والعراق في العصر السلجوقي – دار الكتب الإسلامية – القاهرة – 1402 هـ = 1982م.
  • عصام عبد الرؤوف الفقي – الدول الإسلامية المستقلة في الشرق – دار الفكر العربي – القاهرة – 1987م.
  • حسن إبراهيم حسن – تاريخ الإسلام الديني والسياسي والثقافي – دار الجيل – بيروت – 1991م
  1. ^ أ ب ت "The Battle of Manzikert". Retrieved 2008-08-26. 
  2. ^ خطأ استشهاد: وسم <ref> غير صحيح؛ لا نص تم توفيره للمراجع المسماة Norwich238
  3. ^ خطأ استشهاد: وسم <ref> غير صحيح؛ لا نص تم توفيره للمراجع المسماة Konstam40
  4. ^ أحمد تمام. "ألب أرسلان بطل ملاذ كرد". إسلام اونلاين. 
  5. ^ خطأ استشهاد: وسم <ref> غير صحيح؛ لا نص تم توفيره للمراجع المسماة Norwich240
  6. ^ أ ب ت ث Norwich, John Julius (1997). A Short History of Byzantium. New York: Vintage Books. pp. p. 241. 

المصادر

  • Haldon, John. The Byzantine Wars: Battles and Campaigns of the Byzantine Era, 2001. ISBN 0-7524-1795-9.
  • Treadgold, Warren. A History of the Byzantine State and Society, Stanford University Press, 1997. ISBN 0-8047-2421-0.
  • Runciman, Sir Steven. A History of the Crusades (Volume One), Harper & Row, 1951.
  • Norwich, John Julius. Byzantium: The Apogee, Viking, 1991. ISBN 0-670-80252-2.
  • Carey, Brian Todd; Allfree, Joshua B.; Cairns, John. Warfare in the Medieval World, Pen & Sword Books ltd, 2006. ISBN 1-84415-339-8

وصلات خارجية