لويس الخامس عشر من فرنسا

(تم التحويل من لويس الخامس عشر)
لويس الخامس عشر
Louis XV
ملك فرنسا وناڤار (المزيد...)
لويس الخامس عشر، بريشة لوي ميشل ڤان لو
'لويس الخامس عشر، بريشة لوي ميشل ڤان لو
فترة الحكم 1 سبتمبر 1715 - 10 مايو 1774
التتويج 25 اكتوبر 1722, ريمز
سبقه لويس الرابع عشر
تبعه لويس السادس عشر
Consort ماريا ليشنسكا
الأنجال
Louise-Élisabeth, Duchess of Parma
Henriette-Anne de France
Louis, Dauphin of France
Marie Adélaïde de France
Victoire-Louise de France
Sophie-Philippine de France
Louise-Marie de France
Titles and styles
HM The King
HRH The Dauphin of Viennois
The Duke of Anjou
البيت الملكي بيت البوربون
الأب لوي، ولي عهد فرنسا
الأم Marie-Adélaïde of Savoy
وُلـِد (1710-02-15)15 فبراير 1710
قصر ڤرساي، فرنسا
توفي 10 مايو 1774(1774-05-10) (عن عمر 64 عاماً)
قصر ڤرساي، فرنسا
المدفن Saint Denis Basilica, Saint-Denis, France

لويس الخامس عشر ..بالفرنسية ( Louis XV de France ) ملك فرنسا منذ الأول من سبتمبر العام 1715 م. الي 10 مايو العام 1774 م.

ولد لويس الخامس عشر باسم ( Louis, duc d'Anjou ) وهو الابن الثاني للدوق " لوي دافو " دوق برگندي و الدوقة " ماري أدليد " دوقة ساڤوا .

تولي لويس الخامس عشر العرش الفرنسي بعد وفاة الملك لويس الرابع عشر أحد أعظم ملوك فرنسا حيث حكم فرنسا ومنطقة ناڤار ذات الحكم الذاتي منذ العام 1715. وحتي وفاته، عاني الملك الفرنسي من وفاة جميع أفراد أسرته، كما تمتع بسمعة طيبة في بداية فترة حكمه لفرنسا وبالرغم من هذا فان سياسته الخاصة بالاصلاح في النظام الملكي الفرنسي وسياسته الخارجية علي الساحة الأوروبية أفقدتاه دعما شعبيا وجعلته أحد أقل الملوك شعبية في فرنسا.

فيما عامل المؤرخون لويس الخامس عشر بقسوة في كتاباتهم، إلا أن كتاباً في العصر الحديث تحدثوا عن كونه من أفضل من حكم فرنسا في وقته كما كان ذكيا ليحكم جيدا أكبر مملكة في أوروبا وقتذاك.

ورغم القناع الذي ارتداه كملك " جبار " إلا أنه يحسب له أعمال لحساب الفقراء والتي ظهرت لاحقاً من فترة حكمه.

سيرته

عجباً: ماذا يكون شعور الإنسان عندما يكون ملكاً وهو في سن الخامسة؟ أن الصبي الذي قدر له أن يحكم فرنسا تسعة وخمسين عاماً، كان لا يكاد يسترعي الانتباه أو الملاحظة في طفولته المبكرة، كان ضعيفاً هزيلاً، يتوقعون أن يعاجله الموت بين آونة وأخرى. وفجأة في 1712 توفي والداه دوق ودوقة برجندي بالجدري، وأصبح الصبي وريث العرش، وبعد ثلاث سنوات كان هو الملك.

واتخذت كل الاحتياطات لجعله غير صالح للحكم. وقلقت مربيته مدام دي فنتادور أشد القلق على صحته، وعملت على وقايته من قسوة الجو، وغرس فيه كاهن اعتراف يسوعي احتراماً رهيباً للكنيسة. وكان فليري، معلمه ومؤدبه، كيساً متسامحاً، ويبدو أنه فكر في أنه من الخير لفرنسا أن يكون مليكها كسولاً بليداً. أما معلمه الخاص ماريشال دي فيلروا فقد دبر سماً عكسياً، حيث قاده إلى نافذة في قصر التويلري ليرى الجماهير التي احتشدت لتصفق وتهلل وتهتف له، وهو يقول "أنظر يا مولاي، هذا الجمع وهؤلاء الناس كلهم لك تابعون لك. أنت مليكهم وسيدهم.(89)واقترنت القدرة على كل شيء بالعجز وعدم الأهلية لأي شيء. لقد افسد لويس هالة القداسة التي أضفوها عليه، وكان أنانياً في سلطته بليداً عنيداً، ومن ثم نشأ شاباً ضجراً صموتاً، مع التجاوز عن تجنبه مراقبة حراسه وفيما بعد تجنبه مراسم حاشيته وخنوعها ليجد متنفساً في الحفر على الخشب وشغل الإبرة وحلب البقر واللعب مع الكلاب.(90)إن عناصر القسوة التي تكمن فينا جميعاً تمكنت عنده من أن تظهر إلى السطح من خلال جبنه. ويروى أنه كان في صباه يجد لذة في صيد الحيوانات بل قتلها.(91)وفي سني نضجه هذب من هذه القسوة إلى مجرد الصيد، وربما برزت في سوء معاملته، وسرعة نبذه للبنات اللائى شاركنه فراشه بعد تدريبهن على ذلك في "متنزه الظباء" على أن معاملته لأصدقائه تميزت بقدر من الحساسية المقرونة بالحذر والخجل ومراعاة شعورهم وحقوقهم. وكان له ذهن سليم، كان من الممكن أن يتفوق لو أن الأخلاق ساندته ودعمته. وأدهش الجميع بقوة ذاكرته وسرعة بديهيته. وكان بطبيعته يؤثر الألعاب على الدرس. ولكنه استوعب بعض التعليم الصحيح في اللاتينية والرياضيات والتاريخ وعلم النبات والفنون العسكرية. وشب فارع الطول نحيل القوام، ولكن عريض المنكبين، مع بشرة جميلة وشعر ذهبي متجعد. وقال عنه ماريشال دي ريشيليو أنه "أكثر الصبية وسامة وملاحة في مملكته"(92)يحتفظ متحف فرساي بصورة رسمها له فانلر، وهو في الثالثة عشرة بالسيف والدرع، مما يكاد يتلاءم مع الوجه الصبياني. وقارنه رينيه لوس دي آرجنسون بإله الحب عند اليونان "ايروس" (كيوبيد عند الرومان). ووقعت النساء في غرامه لأول نظرة. وحين مرض في 1722 صلت كل فرنسا من أجله، وعندما أبل من مرضه بكت كل فرنسا فرحاً وابتهاجاً. إن هذا الشعب الذي كثيراً ما عانى وقاسى من ملوكه طرب وابتهج لما رواده من أمل في أن الشاب سرعان ما يتزوج وينجب ابناً يحفظ العرش في الأسرة الكريمة العريقة.

والحق إنه كان قد خطب (1721) وهو في سن الحادية عشرة، ماريا آنا فكتوريا، وعمرها عامان، ابنة فيليب الخامس ملك أسبانيا. وكانت قد انتقلت إلى باريس، وكانت الآن تنتظر أن تبلغ سن الزواج. ولكن مدام دي بري رأت أنها قد تستطيع الاحتفاظ بنفوذها المتزايد بفسخ هذا القران المرتقب، وتزويج لويس من ماري لزكزنسكي ابنة ملك بولندة المخلوع. وشرعت في تنفيذ خطتها، وأعيدت الأميرة إلى أسبانيا (1725) وتلك إهانة لم يغتفرها البلاط الأسباني قط. وكان ستانسلاس في مأواه في ويزمبرج في الألزاس حين تلقى طلب ملك فرنسا يد أبنته، فدخل إلى الحجرة الني كانت أبنته وأمها تعملان فيها وقال "فلنسجد شكراً لله". فتعجبت ماري فرحة مبتهجة وقالت "أبي العزيز، هل دعيت ثانية لارتقاء عرش بولندة؟ "فأجاب ستانسلاس" بل إن الله من علينا بنعمة مذهلة أكثر. لقد أصبحت ملكة فرنسا"(93)إن ماري لم تكن تحلم قط بارتقاء أعظم عرش في أوربا. وكانت قد رأت صور لويس الخامس عشر، شاباً يكلله المجد والرفعة، وسيماً قوياً، إلى أبعد حد. وأرسلت إليها الخزانة الفرنسية الأردية والثياب والملابس الداخلية والأحذية والقفازات والمجوهرات، ووعدتها بمائتين وخمسين ألف جنيه لدى وصولها إلى فرساي، وبراتب سنوي قدره عشرون ألف كراون ذهباً مدى الحياة. وتلقت ماري هذا كله في ذهول وهي لا تكاد تصدق، واتجهت إلى الله بالشكر على حظها السعيد. وفي 15 أغسطس 1725 عقد قرانها على الملك بتوكيل في ستراسبورج، وسارت فرحة إلى باريس عبر طرق تجتاحها العواطف لعدة أيام قاسية. وزفت إلى الملك في فونتنبلو في 5 سبتمبر. وكان هو في الخامسة عشرة، وكانت هي في الثالثة والعشرين من العمر، ولم تكن جميلة، بل طيبة فقط.

أما لويس الذي قد أبدى بعد ولعاً بالنساء، فإنه أفاق عندما مس عروسه المتواضعة، وعانقها في حرارة أدهشت حاشيته، وكانت حياتهما لبعض الوقت مثالاً للحب والسعادة، وحظيت باحترام الناس وولائهم، ولكنها لم تكن يوماً ذات شعبية أو محبوبة. وكانت لطيفة ودودة رقيقة حساسة، لا تعوذها الدعابة المرحة، ومع ذلك افتقدت فرساي فيها الذهن المتوقد والحديث المرح المفعم بالحيوية، مما أصبح لزاماً أن تتحلى به سيدات البلاط. وصعقت ماري لأخلاقيات الأرستقراطية الفرنسية، ولكن نقدها لها لم يجاوز أنها ضربت مثلاً للزوجة الأمينة المخلصة الحريصة على إسعاد زوجها وعلى إنجاب وريث له. وعلى مدى اثني عشر عاماً وضعت عشرة أطفال، وفي سنوات أخرى عانت كثيراً من الإجهاض. وكان إشباع شهوة الملك معضلة واجهت الملكة. أنها توسلت إليه أن يتعفف ويستعصم، على الأقل أيام الاحتفال بأعياد كبار القديسين، وأصيبت في غمرة جهودها وواجباتها "بناسور" خبيث، والتمست "الحرارة" التي تضطرم بين جنبي الملك منافذ أخرى. وكان عرفانها بحسن صنيع مدام دي بري والدوق دي بوربون محنة ابتليت بها وأصغت في صبر ناقد حين هاجم الدوق بوربون فليري في حضرة الملك. وعندما تولى زمام السلطة أرسل بناتها إلى دير ناء بحجة الاقتصاد في النفقات. ورجح نفوذه المتزايد من كفة أعدائها. ولما زاد فتور الملك نحوها آوت إلى حلقة محدودة من أصدقائها، ولعبت الورق ونسجت البسط، وحاولت الرسم، ووجدت بعض السلوى والعزاء في التقوى وأعمال البر. "وعاشت حياة الدير والرهبنة وسط انفعالات الحاشية وعبثها"(94).

وكان ينبغي للملك أن يلهو ويتسلى، ولكن مدام دي بري كانت قد اختارت له زوجة غير مسلية. على أنه لم يتخذ خليلة إلا بعد سبعة أعوام من زواجه، وعند ذاك اتخذ أربعاً على التعاقب، مع قدر محدود من الإخلاص، لأنهن كن أخوات. ولم يكن رائعات الجمال، ولكن كن جميعاً نشيطات مسليات مفعمات بالحيوية، وكن جميعاً ما عدا واحدة ذوات خبرة بأساليب الغنج والدلال والعبث. وواضح أنه كان للويزا دي نسل كونتيسة دي مللي الشرف في أن تكون سباقة إلى إغراء الملك وإغوائه (1732). إنها، مثل لويزا دي لآفالبير، أخلصت في حبها لعشيقها الملكي، ولم تكن تسعى للثراء أو السلطة، وكل ما سعت إليه هو أن تسعده. فلما زاحمتها أختها فليسيتيه، وكانت لتوها قد غادرت الدير، على مخدع الملك، فإن لويزا شاركتها في لويس (1739) في قران رباعي مهرطق-لأنه ظل يتردد على الملكة. وأزعج هذا التعقيد ضمير الملك، وتجنب تناول القربان المقدس، لفترة من الوقت، بعد أن سمع قصصاً رهيبة مفزعة عن أناس كانوا قد تناولوا القربان في فم آثم خاطئ.(95)إن هذه المرأة المغوية الخطرة (السيرانه: عند الإغريق كائن أسطوري له رأس امرأة وجسم طائر، كانت تسحر الملاحين بغنائها فتوردهم موارد الهلاك)-كما تروي إحدى أخواتها "كان لها شكل الغرناد (سمك بحري) وعنق الغرنوق (طائر ذو عنق طويل) ورائحة القرد"(96). ومع ذلك احتالت التحمل. وحفاظاً على ماء الوجه وآداب المجتمع أوجد لها لويس زوجاً، وعينها مركيزة فنتميل. وفي 1740 آوت مدام دي ميللي إلى أحد الأديار، ولكنها غادرت بعد عام واحد لترعى منافستها المنتصرة التي كانت تعاني سكرات الموت أثناء الولادة (1741). وبكى الملك وبكت مدام دي ميللي معه. ووجد بعض العزاء بين ذراعيها، وعادت عشيقة له من جديد.

وثمة أخت ثالثة، أدليد نسل، البدينة الدميمة، وكانت بارعة ذكية، عملت على تسلية الملك بحركاتها الجسدية وسرعة بديهتها وأجوبتها السريعة. واستمتع الملك بها، ووجد لها زوجاً، وظل على علاقة بها. أما الأخت الرابعة، مدام دي فلافاكور، فإنها صدت الملك وصادقت الملكة. ولكن الأخت الخامسة، أقدرهن جميعاً، هي ماري آن دمي نسل دي لاتورنل، أقنعت مدام دي ميللي بأن تقدمها للملك. ولم تغز ماري قلب الملك فحسب، بل أنها أصرت كذلك على أن تكون المحظية الوحيدة، وأقصيت ميللي فقيرة معدمة، وهوت بين عشية وضحاها من أبهة الملكية إلى كآبة الدير. وهكذا أزاحت كل من الأخوات من بنات نسل أختاً لها. وبعد ذلك بقليل كانت ماري تشق طريقها لتصل إلى مقعدها في كنيسة نوتردام، فكان في هذا إزعاجاً لجماعة من المصلين، وتذمر أحدهم قائلاً: "كل هذه الضجة من اجل بغي فاجرة" فقالت هي: "سيدي، مادمت عرفتني جيداً فأرجو أن تمن علي بالصلاة لله من اجلي.(97)" ولا بد من أن الله سبحانه وجد من اليسير أن يغفر لها. وكانت السيدة نسل الجديدة أجمل الأخوات. إن الصورة التي رسمها لها ناثييه-وجه وسيم، صدر بارز منتفخ، قوام رشيق، في ثوب من حرير مهفهف متموج يكشف عن قدمين صغيرتين رقيقتين-لتفسر شدة اندفاع الملك نحوها وميله إليها. وإلى هذا كله كانت تجمع ذكاء متقداً قدر بريق عينيها. وعلى النقيض من دي ميللي كانت ماري تتلهف على الثروة والسلطان. وقدرت أن نفقاتها تستحق أن يكون لها دوقية شاتورو التي تدر 85 ألف فرنك في العام، فحصلت عليها وعلى لقب دوقة (1743). ودخلت التاريخ لمدة عام.

وتحيز لها وساندها حزب قوي في البلاط، كان يأمل في استخدام نفوذها في كسب الملك إلى جانب سياسة عسكرية فعالة، تعود فيها سلطة الحكومة من البيروقراطية البرجوازية إلى النبالة العسكرية (نبلاء السيف) وكان لويس في بعض الأحيان، شعوراً منه بالواجب، ينهمك في العمل مع وزرائه، ولكنه على الأغلب كان يفوض إليهم سلطاته وواجباته. ونادراً ما اجتمع بهم، أو عارضهم، وأحياناً وقع مراسيم اقترحها أو عرضها عليه أعوان متنافسون. وهرب من قواعد التشريفات في البلاط إلى كلابه وجياده وإلى الصيد والقنص. فإذا لم يخرج يوماً للصيد قال رجال الحاشية "أن الملك لا يفعل شيئاً اليوم". وعلى الرغم من انه لم تعوزه الشجاعة، فإنه لم يكن يميل إلى الحرب، وكان يؤثر الفراش على الخندق.

وفي المخدع وفي حجرة الجلوس حرضت الدولة الشهوانية اللعوب-مستعيدة ذكرى أجنيس سوريل-الملك على القيام بدور فعال في الحرب ضد إنجلترا والنمسا. وصورت له لويس الرابع عشر يقود جيشه إلى المجد والعظمة في مونزونامور، وتساءلت: لماذا لا يتألق لويس الخامس عشر الوسيم الشجاع في درعه وسيفه وعلى رأس جيشه، مثلما كان يفعل جده العظيم. ونجحت الخطة، وماتت الدوقة منتصرة. وأفاق الملك الكسول لحظة من سباته. وربما كان نتيجة لاستحثاثها وتحريضها، إنه عندما حانت منية فليري المسالم، أعلن لويس أنه سيحكم ويملك معاً. وفي 26 أبريل 1744 استأنفت فرنسا الحرب الفعلية ضد النمسا، وفي 22 مايو تجدد التحالف مع فردريك ملك بروسيا الذي بعث بشكره وامتنانه إلى مدام شاتوره. وتقدم لويس إلى الجبهة في أبهته الملكية وتبعه بعد يوم واحد خليلاته وسائر سيدات البلاط، تحيط بهن كل كظاهر البذخ والترف المألوفة، وكسبت القوات الفرنسية الرئيسية التي يقودها الملك، ولكن يخطط عملياتها أدريان موريس دي نواي وموريس دي ساكس، انتصارات يسيرة في كورتراي ومنان وأبيرس وفورنيس. وبدا وكان لويس الرابع عشر والقرن العظيم ولدا من جديد.

ووسط المهرجانات والإبتهاجات ترامت الأنباء بأن قوة فرنسية تخلي عن مساندتها إلى حد كاف حلفاءها البافاريون، كانت قد هيأت الفرصة لجيش نمساوي مجري أن يحتل أجزاء من الألزاس واللورين، مما اضطر معه ستانسلاس الذي لم يفارقه سوء الطالع، إلى الهرب من لونفيل. وترك لويس فلاندرز وأسرع إلى متز أملاً في استثارة همم الجيش المنهزم بوجوده. ولكنه، هناك، نتيجة المشاغل المتنوعة وسوء الهضم وحرارة أواسط الصيف، انتابه مرض شديد، وازدادت الحالة سوءاً بسرعة إلى حد أنه في 11 أغسطس ظن أن في خطر من أن يهلك، وكانت خليلته قد لحقت به، وهي الآن تسهر على العناية به ورفض أسقف سواسون أن يناوله الأسرار المقدمة الأخيرة إلا إذا طردت الدوقة. واستسلم لويس، وأقصاها إلى نحو 150 ميلاً بعيداً عن الحاشية (14 أغسطس 1744) وشيعها الأهالي بصيحات الاحتقار والاستنكار وهي تغادر المدينة.

وفي الوقت نفسه كانت ماري لزكزنسكي قد عجلت بالسفر عبر فرنسا لتكون إلى جانب زوجها وهو طريح الفراش. وعلى الطريق التقى ركبها بعربة شاتور وبطانتها. وعانق الملك الملكة قائلاً "لقد سببت لك ما لا تستحقين من الحزن والأسى، وأرجو أن تغتفري لي هذا كله". فكان جوابه "ألا تعرف أنك لست في حاجة أبداً إلى الصفح من جانبي. إن الخطأ في حق الله وحده". وعندما بدأ الملك يسترد صحته كتبت الملكة إلى مدام دي موريا بأنها "أسعد مخلوقة على وجه الأرض". واغتبطت فرنسا كلها أيما اغتباط بشفاء الملك وندمه على ما فات، وعانق المواطنون بعضهم بعضاً في الشوارع، وعانق بعضهم جواد الرسول الذي حمل هذه الأنباء السارة. وأطلق بعضهم على الملك "لويس المحبوب جداً" ورددت الأمة هذه العبارة. وعندما سمع بها لويس تعجب قائلاً "ماذا فعلت لأجعلهم يحبونني إلى هذا الحد؟"(98)إنه كان رمز الوالد لشعبه.

وأنقذ فردريك الألزاس بغزو بوهيميا، فإن الجيش النمساوي المجري ترك الألزاس لإنقاذ براج. وأنضم لويس، وهو لا يزال ضعيفاً إلى جيشه المتقدم نحو ألمانيا، ورآه يستولي على فريبورج-أم بريسجو. وفي نوفمبر عاد الملك إلى فرساي، وأعاد مدام دي شاتورو إلى سابق حظوتها ومكانتها، ونفي أسقف سواسون. ولكن في 8 ديسمبر، وبعد أن عانت من الحمى والهذيان لعد أيام، قضت الخليلة نحبها. ودفنت في ظلام الليل، تفادياً لامتهان الجمهور لرفاتها. واستاء الملك من رجال الدين فامتنع عن تناول الأسرار المقدسة في عيد الميلاد، وظل يترقب غراماً جديداً.

ونسيت الأمة لبعض الوقت خطايا "المحبوب جداً" وسط انتصارات جيشه، وكان قائد ألماني بروتستانتي هو بطل فرنسا. ذلك أن موريس دي ساكس كان ابن أوغسطس القوي ناخب مكسونيا وملك بولندة. وكانت أمه هي الكونتيس ماريا أورورا فون كونجز مارك التي اشتهرت بين محظيات الملك بالجمال والذكاء إلى حد أطلق معه فولتير عليها "أنها أشهر امرأة على مدى قرنين من الزمان"(99). وفي سن الثانية عشرة تزوج موريس من جرهانا فكتوريا، كونتيس فون لوين، وكانت سيئة الخلق مثل أبيه. وبدد ثروتها واستنكر دعارتها وفجورها وطلقها (1721). وبعد أن أظهر شجاعته في حملات كثيرة قصد باريس لدراسة الرياضيات. وفي 1720 حصل على منصب في الجيش الفرنسي. وبعد أن نجا من كل محاولات زوجته لقتله بالسم، عثر على خليلة مخلصة في شخص أدريين لكوفرير التي برزت مكانتها في الكوميدي فرانسيز آنذاك (1721). وفي 1725 غادر فرنسا ليؤسس له مملكة في كورلند (جزء من لتفيا الحالية). أما الممثلة العظيمة، فإنها على الرغم من حزنها الشديد على فقد حبيبها، منحته، عوناً على تنفيذ مشروعه، كل ما لديها من فضة وحلي ومصوغات، قيمتها أربعون ألف جنيه. وبهذا المبلغ، بالإضافة إلى سبعة آلاف طالير (عملة فضية ألمانية قديمة) من والدته، قصد إلى كورلند، وانتخب لعرش الدوقية (1726). ولكن كاترين الأولى قيصرة روسيا وأياه ساندا مجلس الديت البولندي في مناهضة ارتقائه العرش، وطردت القوات البولندية من كورلند، الجندي الذي لم يكن ليقهر لولا هذه المقاومة، ولما عاد إلى باريس (1728) وجد أن الممثلة الكبيرة كانت تنتظره مخلصة له، ولكنه كان قد ورث عن أبيه خلقه وتقلبه، ورضى بها صاحبة الحظوة الأولى بين عشيقاته.

ومع هذا الانحلال الخلقي الجدير بالازدراء وتقلبه بين أحضان النساء الواحدة بعد الأخرى دون أن يبادلهن إخلاصهن، أصبح موريس في ميدان القتال عبقرياً لا يجارى في استراتيجية الحرب، جريئاً في تفكيره، يقظاً لأي خطر يتهدده، وأية فرصة تسنح له. وقال عنه فردريك الأكبر منافسه الوحيد في ذاك العصر إنه "قادر على تلقين الدروس لأي قائد في أوربا"(100)وفي ربيع 1745 عين قائداً عاماً للجيش الفرنسي، وصدرت إليه الأوامر بالتقدم نحو الجبهة. وكان على شفا الموت آنذاك في باريس، حيث أنهكه إفراطه في الشراب وآلام داء الاستسقاء المبرحة، وسأله فولتير كيف يذهب إلى ميدان القتال في مثل هذه الحالة، فأجابه موريس "ليس المهم أن أعيش ولكن المهم أن أبدأ"(101). وفي 11 مايو التحم بجيشه البالغ 52 ألف رجل مع قوات الإنجليز والهولنديين البالغ عددهم 46 ألفاً من الرجال الأشداء، في فونتنوي. وكان لويس والدوفين يتابعان سير المعركة الشهيرة على ربوة قريبة، أما موريس الذي أقعده الاستسقاء عن ركوب الخيل، فكان يديرها وهو على كرسي من الأغصان المجدولة. ويروي لنا فولتير، فيما كان يمكن أن يتطور إلى أسطورة وطنية،(102)أنه عندما أصبح مشاة العداء وجهاً لوجه على مرمى البنادق، صاح لورد تشارلز هاي قائد الحرس الإنجليزي "أيها الفرنسيون أطلقوا النار" فأجابه كونت دي أنتروخ عن الفرنسيين "أيها الرجال، نحن لن نبدأ بإطلاق النار، فهل تبدءون أنتم"(103)وأياً كان الأمر كياسة أو خدعة حربية، فإن الثمن كان غالياً، حيث قتل بالطلقات الأولى تسعة ضباط و434 من المشاة، وجرح 35 ضابطاً و430 جندياً.(104)واضطرب المشاة الفرنسيون وتفرقوا وولوا الأدبار. وأرسل موريس إلى الملك يعرض عليه الانسحاب، فأبى لويس، حتى حين وصل إلى مكانه الجنود العائدون، وربما أخجلهم تصميمه. فما كان من موريس إلا أن امتطى صهوة جواد، وأصدر أوامره إلى قوته من جديد وأعاد تنظيمها، وأطلق القوات الملكية الخاصة على العدو. وقد رأى الفرنسيون مليكهم في خطر الأسر أو الهلاك، وحيث شجعهم وجود ماريشال دي ساكس المتهور تحيط به طلقات النار من كل مكان في أية لحظة، فإنهم جددوا القتال، وأبدى النبلاء والعامة بطولة عظيمة مشربة بروح الانتقام في ساحة المجد. وأخيراً هزم الإنجليز واختلت صفوفهم، وأرسل موريس إلى الملك يبشره بالفوز في هذا الالتحام المرير. وفقد الإنجليز والهولنديون 7500 رجل، والفرنسيون 7200. وحنى لويس رأسه خجلاً حين حياه الجنود الباقون على قيد الحياة. والتفت إلى الدوفين ولي العهد قائلاً "انظر يا بني كم يكلف النصر، احرص على أن تكون ضنيناً بدماء رعاياك"(105). وبينما عاد الملك ومرافقوه إلى فرساي، تقدم موريس للاستيلاء على غنت وبروجز وأودينارد وأوستند وبروكسل. ودانت الفلاندرز كلها فترة من الزمن. وضيع فردريك نتائج فونتنوي بتوقيعه صلحاً منفرداً مع النمسا (ديسمبر 1745) وتركت فرنسا تقاتل وحدها على ست جبهات من الفلاندرز إلى إيطاليا. وبمقتضى معاهدة إكس لاشبال (1748) تخلت عن الفلاندرز، وكان عليها أن تقنع بالحصول على دوقيات بارما وبياشنزا وجوستللا لصهر لويس الجديد (زوج ابنته) الأمير دون فيليب الأسباني. وعاش موريس أوف سكوسونيا حتى عام 1750، غنياً معززاً مكرماً، ومثقلاً بالأمراض. وكان يجد فسحة من الوقت، بين الغواني، ليدون بعض نظرات فلسفية حالمة: "ماذا نرى اليوم في الأمم! نفر من الناس يعيشون في فراغ وسرور وجدة على حساب الجماهير التي لا تعيش إلا على توفير ملذات جديدة دوماً لهذه القلة من الناس. إن هذه المجموعة من الظالمين والمظلومين تشكل ما نسميه مجتمعاً"(106).

وتجاسر رجل آخر من القلة المرموقة المنعمة على أن يحلم بنظام أرحم وأكرم. ذلك أن ريننيه لويس دي فواييه، مركيز أرجنسون الذي تولى منصب وزير الخارجية لمدة ثلاث سنوات (1744-1747)، كتب في 1739 "تأملات في حكومة فرنسا"، ولم يجرؤ على نشره إلا في 1765. وجاء فيه أن هؤلاء الذين يفلحون الأرض هم أعظم قطاع من السكان قيمة، وينبغي أن يتحرروا من كل الرسوم والالتزامات الإقطاعية، والحق أنه يجدر بالحكومة، أن تقرض صغار الفلاحين أموالاً لتساعدهم على الإنفاق على زراعاتهم(107). والتجارة حيوية لازدهار الأمة ويجب تحريرها من المكوس والرسوم الداخلية، بل من رسوم التصدير والاستيراد كلما أمكن ذلك. والنبلاء هم أقل العناصر قيمة في الدولة، أثبتوا عجزهم في الإدارة، وهم عالة على المجتمع". وإذا قال أحد بأن هذه المبادئ تتفق مع الديموقراطية، وتميل إلى القضاء على طبقة النبلاء فلن يكون مخطئاً". وإنه ليجدر بالتشريع أن يهدف إلى أكبر قدر ممكن من المساواة. وينبغي أن يحكم الكوميونات موظفون ينتخبون محلياً، على ان تبقى السلطة المطلقة الرئيسية في يد الملك، لأن الملكية المطلقة وحدها هي القادرة على حماية الناس من ظلم (108). واستبق دي آرجنسون الفلاسفة في التطلع إلى الإصلاح على يد ملك مستنير، وقص على النبلاء ما لم يعترفوا به إلا في 4 أغسطس 1789 حين تنازلوا عن امتيازاتهم الإقطاعية، ومن ثم كان مرحلة في طريق فرنسا إلى روسو وإلى الثورة.

وفي 1747 استسلم لويس لتحريض نواي ومورياس وبمبادور وعزل دي آرجنسون. وفقد المركيز ثقته في الملوك.وفي 1753 تنبأ بما حدث في عام 1789: "إن المساوئ والشرور الناجمة عن الحكومة الملكية الاستبدادية لتقنع كل فرنسا وكل أوربا بأنها أسوأ الحكومات.... وإن هذه الفكرة لتبرز وتنتشر وتزداد قوة، وقد تؤدي إلى ثورة وطنية... وكل شيء يمهد الطريق إلى حرب أهلية.. وأذهان الناس مهيأة للتمرد والعصيان، ويبدو أن كل شيء يتجه إلى ثورة كبرى في الدين والحكومة معاً(109)". أو كما قالت خليلة الملك الجديدة "من بعدي الطوفان".

خطوبته

لويس الخامس عشر، كمراهق، پورتريه من ألكسي سيمون بل (ح. 1723).
لوحة للملكة ماري ليشينسكا زوجة لويس الخامس عشر وابنه دوفين لويس

تزوج لويس الخامس عشر من ماري ليزينسكا وابنة ملك بولندا ستانسلاف ليشينسكي وأنجب منها عشرة أولاد منهم دوفين لويس الذي توفي لاحقا و ماري اليزابيث دوقة بارما لاحقا .

كما كانت له علاقة عاطفية في الخفاء مع مدام دو بومبادور جلبت له انتقادات واسعة.

وصلت مراحل دعم الفنون و الآداب والحرفيين في عصره الي ذروتها وكانت فرنسا من أكثر الدول الأوروبية وقتها اضافة إلي روسيا في دعم الفنون والآداب إلا أن التجربة الفرنسية نالت اعجاب وحسد الأوروبيين وقتها.

وحتي اليوم بعد ما يزيد عن 250 عاما لا يزال أسلوب الفن والتصميم الذي اتبع في عصر لويس الخامس عشر هو الأسلوب المفضل في البلدان الغنية والمعروفة في جميع انحاء العالم.

وزارة دوق البوربون

لم يشارك الملك في اتخاذ أية قرارات حكومية في عهد دوق البوربون. وكانت الحكومة واقعة سراً تحت نفوذ جماعة من المضاربين ورجال الصفقات السريعة، مثل إ. برتلو ده پلينوف والمصرفي ج. پاري-دوڤرني.



السياسة الخارجية وحرب وراثة العرش النمساوي

خاضت فرنسا في عهده حرب وراثة العرش النمساوي (1740-1748) إلي جوار پروسيا ضد النمساويين والبريطانيين والهولنديين أدت لعدة انتصارات فرنسية وكان من نتائجها احتلال فرنسا ل"هولندة النمساوية" (بلجيكا الحالية)، كما توسعت حدود فرنسا لتتخطي نهر الراين وزاد نفوذها في أوروبا.


الأنجال

الاسم الميلاد الوفاة ملاحظات
Louise-Elisabeth 14 August 1727 6 ديسمبر 1759 Duchess of Parma, had issue
هنرييت-آن 14 أغسطس 1727 10 فبراير 1752 ماتت عزباء، دون خلف.
Marie-Louise de France 28 يوليو 1728 19 February 1733 توفيت في طفولتها
Louis, Dauphin of France 4 September 1729 20 December 1765 married, had issue
Philippe de France 30 أغسطس 1730 17 April 1733 توفي في طفولته
Adélaïde 23 March 1732 27 February 1800 ماتت عزباء، دون خلف.
Victoire-Louise 11 May 1733 7 June 1799 ماتت عزباء، دون خلف.
صوفي-فلپين 17 July 1734 3 March 1782 ماتت عزباء دون خلف
Stillborn Child 28 March 1735 28 March 1735 وُلدت ميتة
Thérèse-Félicité 16 May 1736 28 September 1744 ماتت في طفولتها
Louise-Marie 5 July 1737 23 ديسمبر 1787 كانت راهبة، توفيت عزباء، دون خلف

أنجب لويس الخامس عشر عدداً من الأطفال غير الشرعيين وكان زوج أم لوحيدة مدام ده پومپادور:

من عشيقته ماري-لويز اومرفي أنجب لويس الخامس عشر الابنة التالية:

وزارة الكاردينال ده فلوري

معاهدة ڤيينا

السفير العثماني يرمسكز محمد چلبي افندي في پاريس، عام 1721.


مدام ده پومپادور


محاولة الاغتيال

لويس الخامس عشر بريشة كارل ڤان لو
روبير-فرانسوا داميان، بريشة أنج-جاك گابرييل (1757)

تعرض لمحاولة اغتيال في يناير 1775، حيث قام القاتل بدخول قصر فرساي كما يفعل الآلاف من الناس يوميا آنذاك لتقديم التماسات للملك الا أن المنفذ اختفي داخل حدائق القصر وانتظر إلي أن أطل الليل حيث كان الملك يقوم كل ليلة بنزهة منفرداً في حدائق القصر علي ضوء القناديل، ومالبث أن انقض منفذ الهجوم علي الملك وباغته بطعنة في أضلعه بسكين .

ويعتقد أن الحملة التي تعرض لها الملك من منتقديه وقتئذ كانت قد أثرت في الشخص الذي قام بالجريمة، وقيل أنه وقتها طلب الصفح من زوجته " لسوء سلوكه " بينما كان ينزف، إلا أن الملك نجا من الموت ويرجع السبب للملابس الثقيلة التي كان يرتيها في تلك الليلة الباردة والتي حمت أعضاؤه الداخلية، وقد علق ڤولتير وقتها علي الأمر ساخراً وواصفا الطعنة " بوخزة الدبوس ".

آخر عمره

إيكو فضي للويس الخامس عشر، سك في 1764
الوجه: (باللاتينية) LUD[OVICUS] XV D[EI] G[RATIA] FR[ANCORUM] ET NAV[ARRAE] REX، أو بالعربية: "لويس XV، بفضل الرب، ملك فرنسا وناڤار" الخلف: (باللاتينية) SIT NOMEN DOMINI BENEDICTVM 1764، أو بالعربية: "مبارك اسم الرب، 1764"

أما لويس الخامس عشر فقد ابتسم سخرية من هؤلاء الشيوعيين-على قدر علمه بهم-لأنهم قوم حالمون لا وزن لهم، وراح يتنقل في ود من فراش إلى فراش. وأما البلاط فواصل قماره المستهتر وزهوه المسرف، من ذلك أن أمير سوبيز أنفق 200.000 جنيه على توفير أسباب اللهو للملك في يوم واحد، وكان كل انتقال لجلالته إلى أحد مقاره الريفية يكلف دافعي الضرائب 100.000 جنيه. وكان خمسون من كبار القوم يملكون "أوتيلات" أي قصوراً في فرساي أو باريس؛ وكان عشرة آلاف خادم يبذلون العرق في كبرياء وفخر لتلبية حاجات النبلاء؛ والأحبار، والخليلات والأسرة المالكة وإشباع غرورهم. وكان للويس نفسه ثلاثة آلاف جواد و217 مركبة، و150 غلام يرتدون حللاً من المخمل والذهب، وثلاثون طبيباً يقصدونه وينظفون أمعاءه ويسممونه. وقد أنفق البيت المالك في سنة واحدة (سنة 1751) 68.000.000 جنيه-وهو ما يقرب ربع إيراد الحكومة(71). وشكا الشعب ولكن أكثر شكاواهم كانت غفلاً من التوقيع، وفي كل عام كشفت عشرات النشرات والملصقات، وأغاني الهجو، عن كراهية الملك. وقد جاء في أحد الكتيبات "إذا كنت يا لويس مرة موضع حبنا فما ذلك إلا لأن رذائلك كانت لا تزال مجهولة لنا. وفي هذه المملكة، التي نضبت من أهلها بسببك، وأسلمت نهبها للمشعوذين الذين يحكمون معك، إن بقي فرنسيون، فإنما يبقون ليكرهوك(72)".

فكيف انقلب لويس المحبوب ملكاً محتقراً مهاناً؟ أننا لو صرفنا النظر عن إسرافه، وإهماله، وفواحشه، لن نجده في ذاته بالسوء الذي صوره به التاريخ الحقود. كان في بنيته رجلاً وسيماً، طويلاً، قوياً، قادراً على الصيد طوال المساء واللهو مع النساء في الليل. أفسده معلموه، فأفهمه فيلرو أن فرنسا كلها ملكه بالوراثة والحق الإلهي. وقد خفف من كبرياء الملكية وشهوتها الظل الذي خلفه لويس الرابع عشر وتقاليده، إذ ألح على الملك الحدث إلحاح الهاجس، وأورثه الجبن، إحساسه بالعجز عن الارتفاع إلى ذلك المستوى الجليل من الفخامة وقوة الإرادة؛ فأصبح عاجزاً عن البت في الأمور، وترك مهمة اتخاذ القرارات لوزرائه مغتبطاً. وأتاحت له قراءاته وهو غلام، وذاكرته القوية، بعض الإلمام بالتاريخ، واكتسب مع الوقت معرفة لا يستهان بها بالشؤون الأوربية؛ واحتفظ سنوات كثيرة بمراسلاته الدبلوماسية السرية. كان ذكياً في تراخٍ وفتور، يحكم حكماً شديداً ولا رحمة فيه على أخلاق من أحاط به من الرجال والنساء؛ في وسعه أن يجاري خير العقول في بلاطه حديثاً ونكته، ولكن يبدو أنه قبل حتى أسخف العقائد اللاهوتية التي تبثها فيه فلوري وهرصي. وبات الدين عنده أشبه بالحمى المتقطعة إذ راح يتذبذب بين التقوى والفجور. فكان يعاني من خوف الموت والجحيم، ولكنه يقامر على غفران خطاياه وهو في النزع الأخير. وقد أوقف اضطهاد الجانسنيين، وإذ نستحضر تاريخ تلك الحقبة نتبين أن جماعة الفلاسفة استمتعوا في حكمه بين الحين والحين بقدر كبير من التسامح.

كان يقسو أحياناً، ولكنه في الأكثر رحيم. تعلمت بومبادور ودورباري أن تحباه من أجل شخصه كما أحبتاه من أجل السلطة التي منحهما إياها. وكانت برودة عاطفته وتحفظه جزءً من حياته وانعدام ثقته بنفسه، ولكن وراء ذلك التحفظ عناصر من الحنان والرقة أعرب عنها خاصة في محبته لبناته، وقد أحببنه أباً منحهن كل شيء إلا القدوة الحسنة. وكان في سلوكه عموماً تلطف وكياسة ولكنه كان قاسي الفؤاد أحياناً، ويتكلم في هدوء مفرط على أمراض أفراد حاشيته أو موتهم الوشيك. وقد نسي تماماً أن يسلك مسلك الرجل المهذب وهو يقيل فجأة دارجانسون، وموريا، وشوازيل؛ ولكن هذا أيضاً ربما كان نتيجة عدم ثقته بنفسه. فقد شق عليه أن يقول لا لإنسان في وجهه. ومع ذلك كان قادراً على أن يواجه الخطر بشجاعة كما كان يفعل في الصيد أو في فونتنوا.

وكان على ظهوره بمظهر الوقار أمام الناس لطيفاً حلو العشرة بين أخصائه، يعد لهم القهوة بيديه الكريمتين. وقد راعى قواعد السلوك المعقدة التي أرساها لويس الرابع عشر للملكية ولكنه أنكر الشكلية التي فرضتها على حياته. وكثيراً ما كان يستيقظ قبل تقليد "الاستيقاظ" المقرر رسمياً ويوقد ناره بنفسه لكي لا يوقظ خدمه، ويغلب عليه أن يلبث في فراشه حتى الحادية عشرة. أما في الليل، فإنه بعد أن يحتفل رسمياً بذهابه إلى فراشه، قد يتسلل ليلهو بمحظيته أو حتى ليتفقد مدينة فرساي متنكراً وكان يلوذ بالصيد من مراسم البلاط المتكلفة، وفي الأيام التي لا يهرب فيها للصيد كانت بطانته تقول "أن الملك لا يعمل اليوم شيئاً(73)". وكان يعرف عن كلاب صيده أكثر مما يعرف عن وزرائه؛ إذ رأى أن في قدرة وزرائه أن يعنوا بشؤون الدولة خيراً منه، فلما نبه إلى أن فرنسا في طريقها إلى الإفلاس الثورة؛ عزى نفسه بهذه الفكرة "ستسير الأمور على هذه الوتيرة حتى ينتهي أجلي".

أما من الناحية الجنسية فقد كان وحشاً فاسقاً. ولقد تغتفر له اتخاذه المحظية التي اتخذها حين ضاقت الملكة ذرعاً بفحولته، وقد نفهم اقتناءه ببومبادور؛ وحساسيته لجمال المرأة وظرفها وحيويتها المشرقة، ولكن قل في تاريخ الملوك ما أشبه حقارة تنقله بين الفتيات اللاتي أعددهن لفراشه في البارك أو سير واحدة تلو أخرى. وكان مجيء دوياري بالقياس إلى هذا رجوعاً إلى الحالة السوية.

وفاته

لم يؤتَ لويس الخامس عشر كما لم يؤتَ من قبله لويس الرابع عشر فن الموت في الوقت المناسب. لقد كان عليماً بأن فرنسا تترقب زواله، ولكنه لم يطق التفكير في الموت. كتب السفير النمساوي "أن الملك يبدي الملاحظات بين الحين والحين عن سنهِ، وصحتهِ والحساب العسير الذي لا بد أن يقدمه يوماً ما للخالق الأعظم"(108). وقد يتأثر لويس تأثراً عابراً باعتكاف ابنته لويز-ماري في دير كرملي تكفيراً عن ذنوب أبيها فيما زعموا؛ وقيل إنها كانت تدعك أرض الحجرات وتغسل الملابس. فلما ذهب لزيارتها وبخته على عيشته وتوسلت إليه أن يطرد دوباري ويتزوج الأميرة دلامبال ويصلح ما فسد بينه وبين الله.

وقد مات عدة أصدقاء له في أخريات عهده، وقع اثنان منهم صريعين تحت قدميه بهبوط في القلب(109). ومع ذلك بدا أنه يجد لذة رهيبة في تذكير الشيوخ من حاشيته بقرب موتهم. قال مرة لأحد قواده. "إنك تشيخ يا سوفريه، فأين تريد أن تدفن؟" فأجاب سوفريه "عند قدمي جلالتك يا مولاي". وقيل أن هذا الجواب "جعل الملك واجماً كثير التفكير(110)". وقالت مدام دؤوسيه أنه "لم يُخلق رجل أكثر منه اكتئاباً وغماً(111)".

وكان موت الملك انتقاماً طال انتظاره، انتقمه على غير عمد جنس النساء الذي هام به وحط من كرامته، فحين لم تكفِ حتى دوباري لإشباع شهوته، جاء إلى فراشه بفتاة يبلغ من حداثتها أنها لم تكد تبلغ سن الزواج. وكانت تحمل جراثيم الجدري، فنقلت عدواه إلى الملك. وفي 29 إبريل 1774 بدأ هذا المرض يهاجمه. وأصرت بناته الثلاث على ملازمته وتمريضه مع أنهن لم يسبق لهن التحصين ضد الجدري (وقد أصبن بالمرض جميعهن ولكنهن شفين) وكن يتركنه في الليل فتحل دوباري محلهن. غير أن الملك صرفها برفق حين رغب في تناول الأسرار المقدسة في 5 مايو قائلاً:

Cquote2.png "أعلم الآن أنني مريض مرضاً خطيراً. أن فضيحة متز يجب ألا تتكرر.

أني أدين بنفسي لله ولشعبي. وإذن يجب أن نفترق. فاذهبي إلى قصر الدوق ديجون الريفي في روبيل وانتظري أوامر جديدة. وصدقيني إنني سأظل على الدوام أحتفظ لك بشعور المحبة العميقة(112)".

Cquote1.png

وفي 7 مايو صرح الملك في حفل رسمي أمام البلاط بأنه نادم على ما فرط منه من فضائح أمام رعاياه، ولكنه أصر على أنه لا يدين بأي مؤاخذة على سلوكه إلا لله وحده(113). وأخيراً رحب بالموت. فقال لابنته لم أشعر في حياتي بمثل هذه السعادة(114). ولفظ أنفاسه في 10 مايو 1774 وهو في الرابعة والستين، بعد أن حكم تسعة وخمسين عاماً. وحمل جثمانه الذي لوث الهواء على عجل إلى المدافن الملكية في سان دنيس دون أبهة وسط تهكم الجميع الذي اصطف على الطريق. واغتبطت فرنسا مرة أخرى بموت ملكها كما اغتبطت من قبل عام 1715.

ودُفِن في مقبرة كنيسة بازيليك سان دينيس والتي دفن بها ملوك و ملكات فرنسا، وبما أن ابنه ولي العهد دوفين لويس توفي قبله فقد خلفه حفيده لويس السادس عشر والذي شهد عهده الثورة الفرنسية.

أجداده

انظر أيضاً

Notes

  1. Duke of Saint-Simon, Mémoires, Book 12, Chapter 15. [1]
  2. Marquis Philippe de Dangeau, Journal; 1856-60, Paris; XVI, 136; in Olivier Bernier, Louis the Beloved, The Life of Louis XV: 1984, Garden City, New York: Doubleday and Company. p.3.
  3. The scene is described in Olivier Bernier, Louis the Beloved, The Life of Louis XV: 1984, Garden City, New York: Doubleday and Company. p.17.

وصلات خارجية

للاستزادة

  • Zieliński, Ryszard (1978). Polka na francuskim tronie. Czytelnik.
لويس الخامس عشر من فرنسا
فرع أصغر من أسرة كاپيه
وُلِد: 15 فبراير 1710 توفي: 10 مايو 1774
ألقاب ملكية
سبقه
لويس الرابع عشر
ملك فرنسا وناڤار
1 سبتمبر 1715 – 10 مايو 1774
تبعه
لويس السادس عشر
العائلة الملكية الفرنسية
سبقه
لوي
Dauphin of France
8 مارس 1712 – 1 سبتمبر 1715
تبعه
لوي