معرض المتعلقات الشخصية للرسول، ص  *  بدأ تجارب القمر الصناعي المصري إيجبت سات في قاعدة بايكونور إستعدادأً لإطلاقه في أبريل  *  بوكو حرام تقتحم سجناً في مايدوگوري شمال نيجريا وتهرب المئات من أتباعها  *  مصدر عسكري روسي: البرازيل تنوي تصنيع منظومات إيگلا-إس المحمولة المضادة للجو  *  بارزاني يعلن حلبجة محافظة رابعة لاقليم كردستان العراق  *  بوتفليقة يعلن ترشحه في الانتخابات الرئاسية في أبريل القادم  *  بعد إعلان زعيم القطاع الأيمن الأوكراني ديمتري ياروش نيته الترشح في الانتخابات الرئاسية الأوكرانية بمايو المقبل، الخارجية الروسية تدعو الغرب لمنعه من الوصول للسلطة  *  إختفاء طائرة ماليزية وهي طريقها إلى بكين على متنها 239 شخص، أثناء تحليقها فوق خليج تايلند  *  علماء يكتشفون عينة حية من الڤيروس العملاق پيثوڤيروس، كانت مجمدة منذ 30.000 سنة  *  وفاة رئيس سيراليون السابق أحمد كباح عن 82 عاماً، الذي أنهى الحرب الأهلية  *   حمل مجاناً من معرفة المخطوطات   *   هل انهارت مبادرة حوض النيل؟  *   ثروات مصر الضائعة في البحر المتوسط  *   شاهد أحدث التسجيلات  *  تابع المعرفة على فيسبوك  *  تابع مقال نائل الشافعي على جريدة الحياة: تطورات غاز المتوسط في أربع مشاهد  *      

سقوط الامبراطورية الرومانية

Disambig RTL.svgهذه المقالة عن تأريخ انهيار الامبراطورية الرومانية؛ إن كنت تبحث عن: «وصف للأحداث»، فانظر الامبراطورية الرومانية.
الامبراطوريتان الرومانيتان الغربية والشرقية في سنة 476

سقوط الامبراطورية الرومانية يشير إلى الانهيار المجتمعي المتضمن للتحلل التدريجي للمؤسسات السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية الأخرى في الامبراطورية الرومانية والغزوات البربرية التي كانت آخر مسمار في نعش تلك الحضارة. The English historian Edward Gibbon, author of The Decline and Fall of the Roman Empire (1776) made this concept part of the framework of the English language, but he was not the first to speculate on why and when the Empire collapsed. "From the eighteenth century onward," Glen W. Bowersock has remarked,[1] "we have been obsessed with the fall: it has been valued as an archetype for every perceived decline, and, hence, as a symbol for our own fears." It remains one of the greatest historical questions, and has a tradition rich in scholarly interest. In 1984, German professor Alexander Demandt published a collection of 210 theories on why Rome fell, and new theories have emerged since then.[2][3]

فهرست

استعراض

Romulus Augustus was deposed as Western Roman Emperor in 476 while still young. However, Julius Nepos continued to claim the title of Western Emperor after his deposition.


الأباطرة المنقذون 364-408

ولم تقفر الإمبراطورية في هذه الأزمة من الحكام القادرين. فقد نقل الجيش ومجلس الشيوخ تاج الإمبراطورية إلى فلنتنيان وهو جندي فظ مقطوع الصلة بالثقافة اليونانية يذكرنا بفسبازيان. وعين فلنتنيان أخاه الأصغر فالنز، بموافقة مجلس الشيوخ، أوغسطس وإمبراطوراً على الشرق، واختار هو لنفسه الغرب الذي كان يبدو أشد خطراً من الشرق. ثم أعاد تحصين حدود إيطاليا وغالة، وأعاد إلى الجيش قوته ونظامه، وصد مرة أخرى الغزاة الألمان إلى ما وراء نهر الرين، وأصدر من عاصمته ميلان تشريعات مستنيرة حرم فيها على الآباء قتل الأبناء، وأنشأ الكليات الجامعية، ووسع نطاق المساعدات الطبية الحكومية في روما، وخفض الضرائب، وأصلح النقد الذي انخفضت قيمته، وقاوم الفساد السياسي، ومنح جميع سكان الإمبراطورية حرية العقيدة والعبادة. وكان لهذا الإمبراطور عيوبه ونقاط ضعفه. من ذلك كان يقسو أشد القسوة على أعدائه؛ وإذا جاز لنا أن نصدق سقراط المؤرخ فإنه شرع الزواج باثنتين لكي يجيز لنفسه أن يتزوج جستينا(11)، التي غالت زوجته في ووصف جمالها له. ومع هذا كله فقد كان موته العاجل (375) مأساة كبرى حلت بروما. وخلفه ابنه جراتيان Gratian على عرش الإمبراطورية في الغرب، وسار فيها سيرة أبيه عاماً أو عامين، ثم أطلق العنان للهو والصيد، وترك أزمة الحكم إلى موظفين فاسدين عرضوا جميع المناصب والأحكام للبيع. لهذا خلعه القائد لكسموس عن العرش وغزا إيطاليا ليحاول تنحية فلنتنيان الثاني خلف جراتيان وأخيه غير الشقيق عن ولاية الملك، ولكن ثيودوسيوس الأول الأكبر الإمبراطور الجديد على الشرق زحف غرباً، وهزم الغاصب، وثبت الشاب فلنتنيان على عرشه في ميلان (388).

وكان ثيودوسيوس من أصل أسباني، أظهر مواهبه الحربية ومهارته في القيادة أسبانيا، وبريطانيا، وتراقية. وكان قد أقنع القوط المنتصرين بالانضواء تحت لوائه بدل أن يحاربوه، وحكم الولايات الشرقية بحكمة وروية في كل شيء إلا في عدم تسامحه الديني؛ فلما تولى الملك روع نصف العالم بما اجتمع فيه من صفات متناقضة هي جمال خلقه، ومهابته، وغضبه السريع ورحمته الأسرع، وتشريعاته الرحيمة، وتمسكه الصارم بمبادئ الدين القويم. وبينا كان الإمبراطور يقضي الشتاء في ميلان حدث في تسالونيكي (سالونيكا) اضطراب كان من خصائص تلك الأيام. وكان سببه أن بُثريك Botheric نائب الإمبراطور في ذلك البلد قد سجن سائق عربة محبوب من أهل المدينة جزاء له على جريمة خلقية فاضحة، فطلب الأهلون إطلاق سراحه، وأبى بثريك أن يجيبهم إلى طلبهم، وهجم الغوغاء على الحامية وتغلبوا عليها، وقتلوا الحاكم وأعوانه ومزقوا أجسامهم إرباً، وطافوا بشوارع المدينة متظاهرين يحملون أشلاءهم دلالة على ما أحرزوه من نصر. ولما وصلت أنباء هذه الفتنة إلى مسامع ثيودوسيوس فاستشاط غضباً وبعث بأوامر سرية تقضي بأن يحل العقاب بجميع سكان تسالونيكي. فدعى أهل المدينة إلى ميدان السباق لمشاهدة الألعاب، ولما حضروا انقض عليهم الجند المترصدون لهم وقتلوا منهم سبعة آلاف من الرجال والنساء والأطفال، (390)(12). وكان ثيودوسيوس قد بعث بأمر ثان يخفف به أمره الأول ولكنه وصل بعد فوات الفرصة.

وارتاع العالم الروماني لهذا الانتقام الوحشي وكتب الأسقف أمبروز Ambrose الذي كان يجلس على كرسي ميلان ويصرف منه على شؤون الأبرشية الدينية بالجرأة والصلابة الخليقتين بالمسيحية الحقه، كتب إلى الإمبراطور يقول إنه (أي الأسقف) لا يستطيع بعد ذلك الوقت أن يقيم القداس في حضرة الإمبراطور إلا إذا كفر ثيودوسيوس عن جرمه هذا أمام الشعب كله. وأبى الإمبراطور أن يحط من كرامة منصبه بهذا الإذلال العلني وإن كان في خبيئة نفسه قد ندم على ما فعل، وحاول أن يدخل الكنيسة، ولكن أمبروز نفسه سد عليه الطريق، ولم يجد الإمبراطور بداً من الخضوع بعد أن قضى عدة أسابيع يحاول فيها عبثاً أن يتخلص من هذا المأزق، فجرد نفسه من جميع شعائر الإمبراطورية، ودخل الكنيسة دخول التائب الذليل، وتوسل إلى الله أن يغفر له خطاياه (390). وكان هذا الحادث نصراً وهزيمة تاريخيين في الحرب القائمة بين الكنيسة والدولة.

ولما عاد ثيودوسيوس إلى القسطنطينية تبين أن فالنتنيان الثاني؛ وهو شاب في العشرين من عمره، عاجز عن حل المشاكل التي تحيط به. فقد خدعه أعوانه وجمعوا السلطة كلها في أيديهم المرتشية، واغتصب أربوجاست Arbogast الفرنجي الوثني قائد جيشه المرابط السلطة الإمبراطورية في غالة، ولما قدم فلنتنيان إلى فين ليؤكد فيها سيادته قتل غيلة (292). ورفع أربوجاست على عرش الغرب تلميذاً وديعاً سلس القياد يدعى اوجنيوس Eugenius وبدأ بعمله هذا سلسلة من البرابرة صانعي الملك. وكان أوجينوس مسيحياً: ولكنه كان وثيق الصلة بالأحزاب الوثنية في إيطاليا إلى حد جعل أمبروز يخشى أن يصبح يولياناً ثانياً. وزحف ثيودوسيوس مرة أخرى نحو الغرب ليعيد إلى تلك الأنحاء السلطة الشرعية ويردها إلى الدين القويم. وكان تحت لوائه جيش من الهون والقوط، والألاني، وأهل القوقاز، وأيبيريا، وكان من بين قواده جيناس Gainas القوطي الذي استولى فيما بعد على القسطنطينية، واستلكو الوندالي الذي دافع في المستقبل عن روما، وألريك القوطي الذي نهبها. ودارت بالقرب من أكويليا معركة دامت يومين، هزم فيها أربوجاست وأوجينوس (394)؛ فأما أوجينوس فقد ذبح بعد أن أسلمه جنوده، وأما أربوجاست فقد قتل نفسه بيده. واستدعى ثيودوسيوس ابنه هونوريوس Honorius وهو غلام في الحادية عشرة من عمره ليقيمه إمبراطور على الغرب، ورشح ابنه أركاديوس Arcadius البالغ من العمر ثماني عشر سنة ليكون إمبراطور معه على الشرق ثم مات بعدئذ في ميلان منهوكاً من كثرة الحروب (395) ولما يتجاوز الخمسين من عمره. وانقسمت بعد موته الإمبراطورية التي طالما وحدها، ولم يجتمع شملها مرة أخرى بعد ذلك الوقت إلا في فترة قصيرة تحت حكم جستنيان.

وكان ولدا ثيودوسيوس شخصين ضعيفين مخنثين، درجا في مهد الأمن والدعة الموهن للعزيمة، فلم يكونا خليقين بأن يوجها سفينة الدولة فيما يحيط بها من عواصف، وإن كانت أخلاقهما لا تقلان طيبة عن نواياهما. وسرعان ما أفلت زمام الأمور من أيديهما، وأسلما أعمال الدولة الإدارية والسياسة -إلى وزيرهما- إلى روفينوس Rufinus المرتشي الشره في الشرق، وإلى استلكو القدير المجرد من الضمير في الغرب. ولم يلبث هذا الشريف الوندالي أن زوج ابنته مارية Maria بهونوريوس في عام 398 راجياً أن يصبح بهذا الزواج جداً لإمبراطور وصهراً لآخر. ولكن هونوريوس أثبت أنه مجرد من العاطفة تجره من الفطنة، فكان يقضي وقته في إطعام الدجاج الإمبراطوري ويحبو هذا الدجاج بحبه وعطفه، حتى ماتت مارة عذراء بعد أن لبثت زوجة عشرة سنين(13).

وكان ثيودوسيوس قد جعل القوط يجنحون إلى السلم باستخدامهم في الحرب، وبتقديم معونة سنوية من المال لهم بوصفهم حلفاء له؛ ولكن خلفه قطع عنهم هذه المعونة، ولما جاء استلكو سرح جنوده الوط؛ وقام المحاربون المتعطلون يطلبون المال والمغامرات وهيأ لهم ألريك زعيمهم الجديد كليهما واستعان على ذلك بمهارة بزَّ بها الرومان في الحرب وفي السياسة على السواء، وقال لأتباعه إنه لا يدري كيف يَخضع القوطُ ذوو الأنفة والرجولة ويعملون أجزاء عند الرومان أو اليونان الضعفاء المنهوكين، بدل أن يعتمدوا على بسالتهم وقوة سواعدهم فيقتطعوا من الإمبراطورية المتداعية المحتضرة مملكة لهم؟ وقاد ألريك في السنة التي مات فيها ثيودوسيوس قوط تراقية كلهم تقريباً وزحف بهم على بلاد اليونان، واجتاز ممر ترموبيلي دون أن يلقي مقاومة، وذبح كل من لقي في طريقه من الرجال الذين في سن العسكرية، وسبى النساء، وخرب بلاد البلوبونيز، ودمر هيكل دمتر في إليوسيز، ولم يبق على أثينة إلا بعد أن افتدت نفسها بفدية استنفدت معظم ثروتها غير العقارية (393). وجاء استلكو لينقذها ولكنه وصل إليها بعد فوات الفرصة، فاستدرج القوط إلى موقع غير حصين، ولكن ثورة شبت في إفريقية اضطرته إلى أن يعقد معهم هدنة عاد بعدها إلى العرب. ثم وقع ألريك ميثاق حلف مع أركاديوس أجاز فيه ثانيهما للأول أن يستقر أتباعه من القوط في إبيروس، وبسط السلم لواءه بعدئذ على الإمبراطورية أربع سنين.

وفي هذه السنين الأربع ألقى سينيسيوس القوريني، وهو أسقف نصف مسيحي ونصف وثني، خطاباً في القسطنطينية أمام حاشية أركاديوس المترفة وصف فيها في وضوح وقوة المشكلة التي تواجهها روما وبلاد اليونان والتي لا بد لها أن تختار فيها واحدة من اثنتين. وكان مما قاله في هذه الخطبة: كيف تستطيع الإمبراطورية البقاء إذا ظل أهلها يتهربون من الخدمة العسكرية، ويكلون الدفاع عنها إلى الجنود المرتزقة، تجندهم من الأمم التي تهدد كيانها؟ وعرض على الولاة الأمور أن يضعوا حداً للترف والنعيم، وأن يجيشوا جيشاً من أهل البلاد بالتطوع أو التجنيد الإجباري يدافع عنها وعن حريتها؛ وأهاب بأركاديوس وهونوريوس أن ينفضا عنهم غبار الخمول وأن يوجها ضربة قاصمة إلى جموع البرابرة الوقحين الذين في داخل الإمبراطورية، وأن يردوهم إلى مرابضهم وراء البحر الأسود ونهري الدانوب والراين. وصفق رجال الحاشية إعجاباً بما حواه خطاب سينيسيوس من عبارات منمقة بليغة، ثم عادوا من فورهم إلى ولائمهم(14) وكان ألريك في هذه الأثناء يرغم صناع الأسلحة في أبيروس على أن يصنعوا لرجاله القوط كل ما هم في حاجة إليه من الحراب والسيوف والخوذ والدروع.

وفي عام 401 غزا إيطاليا، بعد أن نهب كل ما مر ب في طريقه من البلاد، وهرع آلاف من اللاجئين إلى ميلان ورافنا، ثم فروا منهما إلى روما. واحتمى الزراع في داخل المدن المسورة، وجمع الأغنياء كل ما استطاعوا نقله من ثروتهم، وحاولوا وهم في شدة الذعر أن يعبروا البحر إلى كورسكا، وسردينية، وصقلية. وجرد استلكو ولايات الدولة من حامياتها ليجمع منها جيشاً يستطيع صد تيار القوط الجارف، وانقض به عليهم في بولنتيا Pollentia في صباح يوم عيد القيامة من عام 402 حين وقفوا أعمال النهب ليؤدوا الصلاة. ونشبت بين الجيشين معركة لم تكن فاصلة، ارتد على أثرها ألريك إلى روما التي لم تكن فيها من يدافع عنها، ولم يغادر إيطاليا إلا بعد أن نفحه هونوريوس برشوة سخية.

وكان الإمبراطور الوجل قد فكر أثناء زحف ألريك على ميلان أن ينقل عاصمته إلى غالة، أما الآن فقد أخذ يبحث له عن مكان آخر أعظم منها أمناً، فوجد ذلك المكان في رافنا، التي تجعلها المناقع والبحيرات الضحلة، منيعة من البر، والشواطئ الرقراقة مستعصية على العدو من جهة البحر. ولكن العاصمة الجديدة أخذت ترتجف من الخوف كالعاصمة القديمة حين زحف ردگايسوس Radagaisus البربري بجيش تبلغ عدته مائتي ألف مقاتل من الألاني، والكوادي، والقوط الشرقيين، والوندال، وعبر بهم جبال الألب، وهاجم مدينة فلورنتيا الناشئة. وفي هذه العصيبة برهن استلكو مرة أخرى على براعته في القيادة، فهزم الجحفل المختلط بجيش أقل منه عدداً، وساق ردجيسيوس مكبلاً بالأغلال أمام هونوريوس، وتنفست إيطاليا الصعداء مرة أخرى، وعادت حاشية الإمبراطور، من أشراف وأميرات، وأساقفة، وخصيان، وطيور داجنة وقواد إلى ما ألفته من ترف، وفساد، ودسائس.

وكان أولمبيوس وزير الإمبراطور، يغار من استلكو ويرتاب في نواياه. فقد ساءه أن يتغاضى القائد العظيم، كما بدا له، عن هرب ألريك المرة بعد المرة. وخيل إليه أنه قد كشف ما بين القائد الألماني والغزاة الألمان من عطف كامن. واحتج على الرشا التي نفح بها ألريك أو وعد بها بناء على طلب استلكو. وتردد هونوريوس في إقصاء الرجل الذي لبث ثلاثة وعشرين عاماً يقود جيوش روما من نصر إلى نصر، والذي أنجى الغرب مما كان يتهدده من أخطار؛ فلما أن أقنعه أولمبيوس بأن استلكو يأتمر به ليجلس ابنه هو على العرش، وافق الشاب الوجل على قتل قائده، وأرسل أولمبيوس من فوره سرية من الجند لينفذوا قرار الإمبراطور. وأراد أصدقاء استلكو أن يقاوموا ولكنه أمرهم ألا يفعلوا ومد رقبته للسيف (408). وبعد بضعة أشهر من هذا الحادث عاد ألريك إلى إيطاليا.


ما كان يحدث في إيطاليا

كانت الدولة الرومانية الغربية في أواخر القرن الرابع تطالعنا بصورة معقدة مركبة من الانتعاش والاضمحلال، ومن النشاط والعقم الأدبي، ومن الأبهة السياسية والانحلال العسكري. وكانت غالة في هذه الأثناء تزدهر ويعمها الرخاء، وتنازع إيطاليا في جميع الميادين؛ فقد كان عدد الغاليين في الإمبراطورية عشرين مليوناً أو يزيدون من سكانها الذين يقربون من سبعين مليوناً، في حين أن الإيطاليين لا يكادون يبلغون ستة ملايين(15)؛ وأما من عدا هؤلاء وأولئك فكانت كثرتهم من الشرقيين الذين يتكلمون اللغة اليونانية. وقد استحالت روما نفسها منذ بداية القرن الثاني بعد الميلاد مدينة شرقية من الأجناس التي تسكنها. لقد كانت روما من قبل تعتمد في حياتها على الشرق كما كانت أوربا الحديثة تعتمد في حياتها على فتوحها ومستعمراتها إلى أواسط القرن العشرين، وكانت الفيالق الرومانية تستحوذ على غلات ولاياتها التي تزيد على عشرة، وتنتزع منها معادنها الثمينة التي كانت تنساب في قصور الظافرين وخزائنهم. أما في الوقت الذي نتحدث عنه فقد انقضى عهد الفتوح وبدأ عهد التقهقر والتراجع، واضطرت إيطاليا إلى الاعتماد على مواردها البشرية والمادية التي اضمحلت اضمحلالاً ينذر بأشد الأخطار من جراء تحديد النسل، والقحط والوباء، والضرائب الفادحة، والإتلاف والحرب. ولم تزدهر الصناعة يوماً ما في شبه الجزيرة الصقلية؛ ولآن وقد أخذت تفقد أسواقها في الشرق وفي غالة، لم يعد في وسعها أن تعول سكان المدن الذين كانوا يحصلون على الكفاف من العيش بالكدح في الحوانيت وفي البيوت. وكانت الكجلييا Cellegia أو نقابات أصحاب الحرف تعاني الأمرين من جراء عجز أفرادها عن بيع أصواتهم في دولة ملكية مطلقة كان التصويت فيها نادراً. وكسدت التجارة الداخلية، وانتشر قطاع الطرق، وأخذت الطرق التي كانت من قبل مضرب الأمثال في العظمة تضمحل وتتحطم وإن ظلت وقتئذ أحسن من أي طريق في العالم كله قبل القرن التاسع عشر.

وكانت الطبقات الوسطى قبل ذلك الوقت عماد حياة المدن في إيطاليا؛ أما الآن فقد ضعفت هي الأخرى من جراء الانحلال الاقتصادي والاستغلال المالي؛ فقد كان كل ذي مال يخضع لضرائب مطردة الزيادة لإعالة بيروقراطية آخذة في الاتساع، وأهم ما تقوم به من الأعمال هو جباية الضرائب. وكان الهجاءون الفكهون حين يشكون من هذه الحال يقولون إن "الذين يعيشون على الأموال العامة أكثر عدداً من الذين يمدونهم بهذه الأموال(16). وكانت الرشا تستنفد الكثير مما يجبى من الضرائب؛ وسن ألف قانون وقانون لمقاومة اختلاس إيرادات الحكومة أو أملاكها، والكشف عن هذه الاختلاسات ومعاقبة مرتكبيها، وكان الكثير من الجباة يفرضون على البسطاء أكثر مما يجب أن يؤدوه؛ ويحتفظون بالزيادة لأنفسهم؛ وكان في وسعهم في مقابل هذا أن يخففوا الضرائب عن الأغنياء نظير جعل يأخذونه منهم(17).

وكان الأباطرة يبذلون غاية جهدهم لكي تراعى الأمانة في جبايتها؛ من ذلك أن فلنتيان الثاني عين في كل بلدة موظفاً يسمى "المدافع عن المدينة" ليحمي أهلها من حيل الجباة، وأعفى هونوريوس المدن التي كانت تعاني الأزمات المالية مما كان متأخراً عليها من الضرائب. ومع هذه فإن بعض سكان المدن -إذ صدقنا قول سلفيان Salvian- كانوا يفرون إلى خارج الحدود ليعيشوا تحت حكم الملوك البرابرة الذين لم يتعلموا بعد فن جباية الضرائب كاملاً؛ فقد بدا لهم أن عمال الخزنة أشد رهبة من العدو"(18). وكان من أثر هذه الظروف أن قلت الرغبة في النسل فأخذ عدد السكان في النقصان، وبقيت آلاف الأفدنة من الأراضي الصالحة للزراعة بوراً لا تجد من يفلحها، فنشأ من ذلك فراغ اقتصادي اجتمع إلى ما بقي في المدن من ثروة فأدى إلى اجتذاب البرابرة الذين كانوا في أشد الحاجة إلى تلك الأرض. ووجد كثيرون من أصحاب الأراضي الزراعية أنهم عاجزون عن أداء الضرائب أو الدفاع عن مساكنهم ضد الغزاة أو اللصوص، فتخلوا عن أملاكهم لمن هم أكبر منهم من الملاك أو أعظم قوة، وعملوا عندهم زراعاً (Coloni)، وأخذوا على أنفسهم يقدموا لسادتهم قدراً معيناً من غلة الأرض ومن العمل والوقت، وعلى أن يضمن لك أولئك السادة ما يكفيهم من العيش، ويحموهم في وقتي السلم والحرب. وبهذا كانت إيطاليا، التي لم تعرف فيما بعد الإقطاع بمعناه الكامل، من أوائل الأمم التي عدت أسس هذا الإقطاع. وكانت خطة شبيهة بهذه تحدث في مصر وإفريقية وغالة.

وكان الاسترقاق آخذاً في الزوال على مهل، وسبب ذلك ألا شيء في الحضارة الراقية يعدل أجر الرجل الحر أو مرتبه أو مكتسبة من حيث هو دافع اقتصادي للعمل والإنتاج. ولم يكن كدح الأرقاء مجزياً من هذه الناحية إلا حين يكثر عددهم؛ وكانت أعباء الاحتفاظ بهن قليلة؛ ولكن نفقات الحصول عليهم زادت حين لم تعد الفيالق الرومانية تنقل إلى بلادها ثمار النصر من الآدميين؛ يضاف إلى هذا أن فرار الأرقاء من سادتهم أصبح الآن أمراً يسيراً بسبب ضعف الحكومة؛ هذا إلى أنه كان لا بد من العناية بهم إذا مرضوا أو تقدمت بهم السن. ولما أن زادت تكاليف الأرقاء رأى سادتهم أن يحافظوا على الأموال التي استثمروها فيه بحسن معاملتهم له؛ ولكن أولئك الأسياد كان لا يزال لهم على عبيدهم حق الحياة والموت، وإن كان هذا الحق مقيداً ببعض القيود(19)، كما كان في مقدور السيد أن يستعين بالقانون للقبض على العبد الآبق، وأن يشبع شهوته الجنسية مع من يهوى منهم رجالاً كانوا أو نساءً؛ وهل أدل على هذا من أن بولينوس البلائي Paulinus of Pella كان يفخر بطهارة ذيله في شبابه حين "كبحت جماح شهواتي... فلم أستجيب لعشق امرأة حرة... واكتفيت بالإماء اللاتي كن في بيتي"(20).

وكان معظم الأغنياء يعيشون الآن في بيوتهم الريفية بمنجاة من ضجيج المدن وغوغائها، غير أن الجزء الأكبر من ثروة إيطاليا كان لا يزال ينصب في روما؛ ولم تكن المدينة العظيمة، كما كانت من قبل، عاصمة الدولة، وقلّما كانت ترى الإمبراطور، ولكنها ظلت مركز الحياة الاجتماعية والذهنية في الغرب. وفي روما كانت أعلى درجات الطبقة الأرستقراطية الإيطالية الجديدة. ولم تكن هذه، كما كانت من قبل، طبقة وراثية، بل كانت طائفة يختارها الأباطرة بين الفينة والفينة على أساس الملكية العقارية. وكان أعضاء مجلس الشيوخ يعيشون بأعظم مظاهر الأبهة والفخامة وإن كان مجلسهم قد فقد بعض هيبته وكثيراً من سلطانه. وكانوا يشغلون بعض المناصب الإدارية الهامة ويظهرون فيها كثير من المقدرة والكفاية، ويقيمون الألعاب العامة على نفقتهم الخاصة. وكانت بيوتهم غاصة بالخدم مملوءة بالأثاث الغالي الثمن، وليس أدل على ذلك من أن طنفسة واحدة قد كلفت صاحبها ما قيمته أربعمائة ألف ريال أمريكي(21). وتكشف رسائل سيماركوس Symmacus وسيدنيوس Sidonius. كما يكشف شعر كلوديان عن الناحية الطيبة من حياة أولئك الأشراف الجدد، وما تمتاز به من نشاط اجتماعي وثقافي، وخدمة للدولة وولاء لها؛ وما كان بينهم من صداقة ورقة، وإخلاص متبادل بينهم وبين أزواجهم، وحب لأبنائهم وعطف عليهم.

لكن قس من مرسيلية عاش في القرن الخامس قد صور الحالة في إيطاليا وغالة بصورة أقل جاذبية من الصورة السابقة. فقد عالج سلفيان Salvian في كتابه "عن حكومة الله" (حوالي 450) نفس المشكلة التي أوحت إلى أوغسطين بكتابه "مدينة الله" وإلى أورسيوس Aorsius بكتابه "التاريخ ضد الوثنيين"-وهي كيف يستطاع التوفيق بين الشرور الناجمة من غزوات البرابرة وبين العناية الإلهية الرحيمة الخيرة؟ وقد أجاب سلفيان عن هذا السؤال بأن الآلام يقاسيها سكان الإمبراطورية إن هي إلا قصاص عادل لما كان متفشياً في العالم الروماني من استغلال اقتصادي، وفساد سياسي، واستهتار أخلاقي؛ ويؤكد لنا أنا لا نستطيع أن نجد بين البرابرة مثل ما نجده بين الرومان من ظلم الأغنياء للفقراء، لأن قلوب البرابرة أرق من قلوب الرومان؛ ولو أن الفقراء وجدوا وسيلة للانتقال لهاجروا بقضهم وقضيضهم ليعيشوا تحت حكم البرابرة(22). يواصل هذا الواعظ الأخلاقي وصفه فيقول إن الأغنياء والفقراء، والوثنيين والمسيحيين، في داخل الإمبراطورية كلهم غارقون في حمأة من الفساد لا يكاد التاريخ يعرف لها مثيلاً؛ فالزنى، وشرب الخمر قد أصبحا من الرذائل المألوفة في هذه الأيام، كما أضحت الفضيلة والاعتدال مثار السخرية ومبعث الآلاف من الفكاهات القذرة؛ وصار اسم المسيح لفظاً تدنسه أفواه الذين يسمونه إلهاً(23). ويمضي هذا التاستس Tacitus الثاني فيدعونا إلى أن ننظر إلى الفرق بين هذا كله وبين ما يتصف به الألمان من قوة وشجاعة، ومن مسيحية مليئة بالتقي خالية من التعقيد، ومن لين في معاملتهم للرومان المغلوبين، ومن ولاء متبادل بينهم، ومن عفة قبل الزواج، ووفاء بعده. لقد ذهل جيسريك Gaiseric الزعيم الوندالي إذ وجد حين استولى على قرطاجنة المسيحية أنه لا يكاد يخلو ركن فيها من بيت للدعارة، فما كان منه إلا أن أغلق هذه المواخير وخير العاهرات بين الزواج والنفي. وجملة القول أن العالم الروماني سائر إلى الانحطاط جسيماً، وقد فقد كل ما كان يتصف به من شجاعة أدبية، وترك الدفاع عنه إلى الأجانب المأجورين. ويختتم سلفيان هذا الوصف بقوله إن الإمبراطورية الرومانية "إما أن اكون قد ماتت وإما أنها تلفظ آخر أنفاسها"؛ وإذ كنا نراها في ذروة ترفها وألعابها، فإنها تضحك حين تموت Moritur et ridet(24).

تلك هي صورة مروعة، ظاهر فيها الغلو، لأن البلاغة قلّما تصحبها الدقة، وما من شك في أن الفضيلة قد توارت حياء في ذلك الوقت كما تتوارى الآن، وأفسحت الطريق للرذيلة، والبؤس، والسياسة، والجريمة. ويرسم أوغسطين صورة لا تقل عن هذه الصورة قتاماً يهدف بها إلى مثل هذه الغاية الأخلاقية؛ فهو يشكو من أن الكنائس كثيراً ما تخلو من المصلين لأن البنات الراقصات في دور التمثيل يجتذبن الناس منها بما يعرضنه من فتنتهن السافرة(25). وكانت الألعاب العامة لا تزال تشهد قتل الأسرى والمجرمين ليستمتع الناس بهذه المناظر البشعة في أعيادهم. وفي وسعنا أن نتصور ما في هذه المناظر من قسوة حين نقرأ ما يقوله سيماكوس من أنه أنفق ما قيمته 900.000 ريال أمريكي في إقامة حفلة واحدة، ومن أن المجالدين السكسون التسعة والعشرين الذين وقع الاختيار عليهم ليقاتلوا في المجتلد قد فوتوا عليه غرضه بأن خنقوا بعضهم بعضاً فانتحروا جميعاً قبل أن تبدأ الألعاب(26). وكان لروما في القرن الرابع 175 عيداً في العام، منها عشرة تقام فيها مباريات المجالدين، وأربعة وستون تعرض فيها ألعاب الوحوش، وما بقي منها بعد ذلك تعرض فيه مناظر في دور التمثيل(27). واغتنم البرابرة فرصة ولع الرومان بهذه المعارك الزائفة فانقضوا على قرطاجنة، وأنطاكية، وترير Trier حين كان الأهلون منهمكين في مشاهدتها في المدرجات أو حلبات اقتتال الوحوش(28). وحدث في عام 404 أن أقيمت في روما ألعاب للمجالدين احتفالاً بذكرى انتصار استلكو في بولنتيا نصراً مشكوكاً فيه. وحين بدأ الدم يراق قفز راهب شرقي يدعى تلمكس Telemachus من قاعدة النظارة إلى المجتلد ونادي بوقف القتال. ولكن النظارة استشاطوا غضباً فأخذوا يرجمونه بالحجارة حتى قتلوه؛ وأثر هذا المنظر في الإمبراطور هونوريوس فأصدر مرسوماً بإلغاء ألعاب المجالدين . أما السباق فقد بقي حتى عام 549 حين قضى عليه استنزاف الحروب القوطية لثروة المدن.

أما من الناحية الثقافية فلم تشهد روما منذ أيام بلني وتاستوس عصراً نشطت فيه الثقافة مثل ما نشطت في ذلك الوقت. لقد كان كل إنسان مولعاً بالموسيقى حتى لقد شكا أميانوس(29) من أنها قد حلت محل الفلسفة، وأنها قد "حولت الكتب إلى مقابر"؛ وهو يصف لنا أراغن مائية ضخمة، وقيثارات في حجم المركبات. وكانت المدارس كثيرة العدد، ويقول سيماكوس إن كل إنسان كان يجد الفرصة سانحة لتنمية ملكاته(30). وكانت "جامعات" الأساتذة الذين تؤدي لهم الدولة رواتبهم تعلم النحو، والبلاغة، والأدب، والفلسفة لطلاب جاءوا إليها من جميع الولايات الغربية، وذلك في الوقت الذي كان فيه البرابرة المحيطون بالدولة يدرسون فنون الحرب. إن كل حضارة ثمرة من ثمار شجرة الهمجية الصلبة وهي تسقط حين تسقط عند أبعد نقطة من جزع هذه الشجرة.

وجاء إلى المدينة التي يبلغ عدد سكانها مليوناً من الأنفس حوالي عام 365 يوناني سوري، كريم المحتد، وسيم الخلق، يدعى أميمانوس مرسلينوس الإنطاكي. وكان من قبل جندياً تحت قيادة أرسينوس Ursinus في أرض الجزيرة، واشترك بنشاط في حروب قنسطنطيوس ويوليان وجوفيان. وقد عاش هذا الرجل عيشة الجد والعمل قبل أن يشتغل بالكتابة. ولما عاد السلام إلى ربوع الشرق ارتحل إلى روما وأخذ على عاتقه إتمام العمل الذي بدأه ليفي وتاستوس، وذلك بكتابة تاريخ الإمبراطورية من عهد نيفا إلى عهد فالنز. وكتب بلغة لاتينية عسيرة معقدة، تشبه اللغة الفرنسية إذا ما كتبها ألماني؛ وكان من أسباب هذا العسر والتعقيد في كتاباته كثرة ما قرأه من كتابات تاستوس وطول الزمن الذي كان يتكلم فيه اللغة اليونانية. وكان هذا الرجل وثنياً سافراً، من المعجبين بيوليان، ومن الذين يزدرون الترف الذي كان يعزوه إلى أساقفة روما؛ ولكنه رغم هذا كله كان بوجه عام منزهاً عن الهوى فيما كتب، يمتدح كثيراً من فضائل المسيحية، ويلوم يوليان على تقييده الحرية العلمية، ويقول إن هذا خطأ يجب "أن يقضي عليه بالسكوت الأبدي"(31). وكان قد حصل من العلم أقصى ما يسمح وقت الجندي له بتحصيله. وكان يؤمن بالشياطين والسحر، ويقتبس من شيشرون أكبر المعارضين للقدرة على معرفة الغيب مما يؤيده به هذه العقيدة(32). ولكنه كان إلى حد كبير رجلاً شريفاً لا يداجي ولا يجامل، عادلاً مع جميع الناس وجميع الأحزاب؛ "لا أزين قصتي بالألفاظ الخداعة، أمين على الحقائق إلى أبعد حدود الأمانة"(33). وكان يكره الظلم، والبذخ، والمظاهر الكاذبة، ويجهر برأيه فيها أينما وجدت؛ وكان آخر المؤرخين اليونان والرومان الأقدمين، وكان كل من جاء بعده في العالم اللاتيني مجرد إخباريين.

لكن مكروبيوس Macerobius قد وجد في هذه المدينة نفسها، أي في روما، التي كانت أخلاقها في نظر أميانوس وضيعة متعاظمة فاسدة، مجتمعاً من الناس، يجملون ثراءهم باللطف والكياسة، والثقافة، ومحبة الناس. وكان مكروبيوس هذا في أول الأمر من رجال العلم مولعاً بالكتب وبالحياة الهادئة، لكننا نجده في عام 399 يعمل مبعوثاً للإمبراطور في أسبانيا. وقد أصبح تعليقه على كتاب شيشرون المسمى "أحلام سبيو" الوسيلة التي انتقل بها تصوف الأفلاطونية الجديدة وفلسفتها إلى عامة الشعب. وخير كتبه على الإطلاق هو كتاب الساترناليا Saturnalia أو عيد زحل الذي لا يكاد كتاب تاريخي في الخمسة عشر قروناً الأخيرة يخلو من مقتبسات منه. وهو مجموعة من (غرائب الأدب) أورد فيه المؤلف ما حصله من معلومات غير متجانسة في أيام جده ودراسته، ولياليه الطوال التي قضاها ينقب في بطون الأسفار. وقد تفوق في كتاباته على ألوس جليوس Oulus Gellius في الوقت الذي كان يسطو عليه، ذلك بأنه صاغ المادة التي أخذها عنه في صورة حوار خيالي بين رجال حقيقيين هم بروتكستاتوس Proetextatus وسيماخوس Symmachus، وفلافيان، وسرفيوس وغيرهم ممن اجتمعوا ليحتفلوا بعيد الساترناليا بالخمر الطيب، والطعام الشهي، والنقاش العلمي. وألقيت في هذا النقاش على الطبيب ديزاريوس Disarius أسئلة علمية منها: هل الطعام البسيط خير من الطعام المتعدد الألوان؟ ولم يندر أن ترى امرأة سكرى؟ ولم يسكر المسنون من الرجال على الدوام؟ هل طبيعة الرجال أقل أو أكثر حرارة من طبيعة الناس؟. ويدور النقاش حول التقويم، وفيه تحليل طويل لألفاظ فرجيل، ونحوه، وأسلوبه، وفلسفته، وسرقاته؛ وفيه فكاهات مأخوذة من جميع العصور، ورسالة عن الولائم الدسمة، والأطعمة النادرة. وتبحث في المساء مسائل أخف من هذه يتسلى بها هؤلاء العلماء منها: لم تحمر وجوهنا من الخجل وتصفر من الخوف؟-ولم يبدأ الصلع من أعلى الرأس؟ وأيهما أسبق من الآخر الفرخ أو البيضة؟

ونجد في مواضع متفرقة من هذا الخليط المهوش فقرات سامية كالتي يتحدث فيها بريتكستاتوس عن الرق فيقول: لن أقدر الناس بمراكزهم بل بآدابهم وأخلاقهم، لأن الثانية ثمرة طباعنا أما الأولى فهي نتيجة الصدفة.. وينبغي لك يا إفنجيلوس أن تبحث عن أصدقائك في منزلك لا في السوق العامة ولا في مجلس الشيوخ. عامل عبدك بالرفق والحسنى، وأشركه في حديثك، وأدخله أحياناً في مجالسك الخاصة. وقد عمل أباؤنا على محو الكبرياء من نفس السيد والخجل من نفس العبد بأن سموا الأول "والد الأسرة" وسموا الثاني "أحد أفراد الأسرة" وإن عبيدك ليبادرون إلى احترامك أكثر من مبادرتهم إلى خوفك(35).

وكانت ندوة شبيهة بهذه الندوة هي التي رحبت في عام 394 بأن ينضمم إليها شاعر شاءت الأقدار أن يتغنى بمجد روما في ساعة احتضارها. ولد كلوديوس كلوديانوس Claudius Claudianus كما ولد أميانوس، في بلاد الشرق، وكانت لغته الأصلية هي اللغة اليونانية. ولكنه تعلم اللاتينية بلا ريب في حداثة سنه، لأنه كان يكتب بها أسلوب سلس. وبعد أن أقام في روما زمناً قصيراً نزح إلى ميلان، واستطاع أن يجد له مكاناً في أركان حرب استلكو، ثم صار شاعراً غير رسمي لبلاط الإمبراطور هونوريوس، وتزوج سيدة ذات ثراء من أسرة شريفة. وكان كلوديوس يترقب أن تواتيه الفرصة الكبرى ولا يحب أن يموت وهو خامل الذكر. ولذلك كان يمدح استلكو بقصائد عصماء ويهاجم أعداءه بقصائد أخرى حوت أقذع الألفاظ. وعاد إلى روما في عام 400 ولقي منها أعظم آيات الشكر والترحاب حين مدح المدينة الخالدة في قصيدة "عن قنصلية استلكو" لا تقل روعة عن قصائد فرجيل نفسه:

«

أيا قنصل الناس جميعاً، ويا من تضارع الآلهة في المنزلة، وأنت حامي المدينة التي لا تدانيها مدينة يحيط بها الهواء الذي على سطح الأرض، ولا تبلغ مداها العين، ولا يتصور جمالها الخيال، ولا يوفيها صوت مهما علا حقها من الثناء. إنها ترفع هامتها الذهبية تحت ما جاورها من النجوم، وتحاكي بتلالها السبعة السبع السموات العلي. هي أم الجيوش والشرائع التي عنت لجبروتها الأرض بأجمعها وكانت أقدم مهد للعدالة على ظهر الأرض. تلك هي المدينة التي نشأت نشأة متواضعة، ولكنها امتدت إلى القطبين وبسطت سلطانها من مكانها الصغير حتى بلغ مداه منتهى ما يصل إليه ضياء الشمس... فهي دون غيرها من البلاد قد فتحت صدرها لاستقبال من غلبتهم على أمرهم، وعاملت الجنس البشري معاملة الأم الرؤوم لا معاملة الحاكم المتغطرس، فحمته وخلعت عليها اسمها، ودعت من هزمتهم إلى مشاركتها في حقوق المواطنية، وربطت الشعوب البعيدة برباط المحبة. وبفضل حكمها السلمي أصبح العالم كله وطناً لنا، نعيش فيه أينما شئنا، وأصبح في مقدورنا أن نزور ثول Thule ونرتاد براريها التي كانت من قبل تقذف الرعب في القلوب، والتي أصبح ارتيادها الآن نزهة هينة، وبفضلها يستطيع كل من أراد أن يشرب من مياه الرون ويعب من مجرى نهر العاصي، وبفضلنا صرنا كلنا شعباً واحداً. »

وأراد مجلس الشيوخ أن يعبر لكلوديوس عن شكره واعترافه بفضله فأقام في سوق تراجان تمثالاً "لأجَلّ الشعراء" الذي جمع بين سلاسة فرجيل، وقوة هومر. وقضى كلوديان بعض الوقت يقرض الشعر في موضوعات تدر عليه المال، ثم وجه مواهبه وجهة أخرى فأنشأ قصيدته "اغتصاب بسبرين Brosperine" وقص فيها القصة القديمة وصور البر والبحر وأسبغ على تلك الصورة من رقيق النغم ما يعيد إلى الذاكرة روايات الحب اليونانية في العصر الذي ظهرت فيه أول مرة. وبلغه في عام 408 أن استلكو قد قتل غيلة، وأن الكثيرين من أصدقاء هذا القائد قد قبض عليهم وأعدموا. واختفى الرجل بعدئذ من ميدان التاريخ فلم نعرف باقي قصته. وبقيت في روما كما بقيت في الإسكندرية أقليات وثنية كبيرة العدد، وكان فيها حتى نهاية القرن الرابع سبعمائة هيكل وثني(37). ويبدو أن جوفيان وفلنتنيان الأول لم يغلقا الهياكل التي فتحها يوليان؛ فظل القساوسة الرومان حتى عام 394 يجتمعون في مجامعهم المقدسة، وظلت أعياد اللوبركاليا يحتفل بها بكل ما فيها من شعائر نصف همجية، كما ظلت الطريق المقدسة نتردد فيها بين الفينة والفينة أصداء خوار الأثوار التي تساق للضحية.

وكان أعظم الناس إجلالاً بين الوثنيين في روما في أيامها الأخيرة هو فتيوس بريتكستاتوس، زعيم الأقلية الوثنية في مجلس الشيوخ. وكان الناس جميعاً يعترفون بفضائله-باستقامته، وعلمه، ووطنيته، وحياته العائلية اللطيفة. ومن الناس من يقول إنه يماثل كاتو وسنسناتوس Cincinnatus؛ ولكن الزمان يذكر أكثر منه صديقه سيماخوس (345-410)، الذي ترسم رسائله صورة رائعة ساحرة للأرستقراطية التي كانت تظن نفسها مخلدة وهي تحتضر. وحتى أسرته نفسها قد بدت أنها من المخلدين: فقد كان جده قنصلاً في عام 364، وكان هو نفسه حاكماً في عام 384، وقنصلاً في عام 391. وكان ابنته بريتورا، وحفيده قنصلاً في عام 485 بعد وفاة جده، وكان اثنان من أحفاده قنصلين في عام 522. وكان هو ذا ثروة طائلة؛ فقد كانت له ثلاثة قصور ريفية بالقرب من روما، وسبعة أخرى في لاتيوم، وخمسة على خليج نابلي، فضلاً عن قصور أخرى مثلها في أماكن أخرى من إيطاليا؛ وبفضل هذه القصور "كان في وسعه أن يسافر من أقصى شبه الجزيرة إلى أقصاها ثم يأوي إلى منزله في كل مكان يحل به(38)". ولا يذكر لنا التاريخ أن أحداً من الناس كان يحسده على ثروته، لأنه كان ينفق منها بسخاء وينميها بحياة الدرس، والخدمة العامة، والأخلاق الفاضلة، وأعمال البر والإنسانية، التي لا تعرف فيها شماله ما تفعل يمينه. وكان من أصدقائه الأوفياء مسيحيون ووثنيون، وبرابرة رومان. ولعله كان يضع وثنيته قبل وطنيته؛ فقد كان يظن أن الثقافة التي يمثلها ويستمع بها وثيقة الصلة بالدين القديم، وكان يخشى أن يؤدي سقوط أيهما إلى سقوط كليهما. ويعتقد أن المواطن بإخلاصه للشعائر القديمة يحس أنه حلقة في سلسلة مترابطة متصلة أعجب اتصال-تمتد من رميولوس إلى فلنتنيان، وأن هذا الإخلاص يبعث في نفسه حب المدينة وحب الحضارة التي نشأت بفضل الأجيال المتعاقبة خلال ألف عام. وقد استحق كونتس أورليوس سيماخوس بفضل أخلاقه الطيبة أن يختاره مواطنوه ممثلاً لهم في آخر كفاحهم الرائع في سبيل آلهتهم.

وقد استطاع أمبروز أن يجعل الإمبراطور جراتيان مسيحياً متحمساً لدينه، وأغراه تحمسه للدين القديم أن يعلن على الملأ أن العقيدة النيقية فريضة واجبة على جميع الشعوب الخاضعة لحكمنا الرحيم"، وأن إتباع غيرها من العقائد "مفتونون مسلوبو العقول"(39)، وفي عام 382 أمر ألا تؤدي خزانة الإمبراطورية أو خزائن البلديات أية إعانات لإقامة الاحتفالات الوثنية، أو للعذارى الفستية أو الكهنة الوثنيين، ثم صادر الأراضي التي تملكها الهياكل، جماعات الكهنة، وأمر أتباعه بأن يرفعوا من قاعة مجلس الشيوخ في روما تمثال إلهة النصر الذي أقامه فيها أغسطس في عام 29 ق. م، والذي ظل اثنا عشر جيلاً من الشيخ يقسمون بين يديه يمين الولاء للإمبراطور؛ وانتدب مجلس الشيوخ وفدا برياسة سيماخوس يشرح لجراتيان قضية تمثال النصر هذا. ولكن جراتيان أبى أن يستقبل الوفد، وأمر ينفي سيماخوس من روما (382)؛ وفي عام 383 قتل جراتيان وبعث هذا الأمل في مجلس الشيوخ فأرسل وفداً إلى خليفته على العرش؛ وكانت الخطبة التي ألقاها سيماخوس بين يدي فلنتنيان الثاني آية من آيات الدفاع البليغ، وكان مما قاله فيها إنه ليس من الحكمة في شيء أن يقضي هذا القضاء العاجل المفاجئ على شعائر دينية ظلت طوال ألف عام مرتبطة أشد الارتباط باستقرار النظام الاجتماعي وبهيبة الدولة، ثم قال: "ماذا يهمنا، في آخر الأمر، أي طريق يسلكا إنسان ليصل به إلى الحقيقة؟ والحق أن في وسع الناس أن يصلوا إلى معرفة هذا السر العظيم من طريق واحد"(40).

وتأثر فلنتنيان الشاب بهذا القول، ويقول أمبروز إن من كان في المجلس الإمبراطوري من المسيحيين أنفسهم قد أشاروا على الإمبراطور بإعادة تمثال النصر إلى مكانه، ولكن أمبروز، وكان في ذلك الوقت غائباً في بعثة دبلوماسية الدولة، تغلب على المجلس برسالة قوية مليئة بالكبرياء والغطرسة أسلها إلى الإمبراطور. وعدد فيها حجج سيماخوس حجة بعد حجة، ثم دحضها كلها بما وهب من قوة وبلاغة. وقد حوت هذه الرسالة ما يعد في الواقع تهديداً للإمبراطور بإخراجه من حظيرة الدين إذا أجاب الوفد إلى طلبه، "وقد يكون في وسعك أن تدخل الكنيسة ولكنك لن تجد فيها قساً يستقبلك، أو أنك قد نجدهم فيها ليحرموا عليك دخولها"(41). وكان من أثر ذلك أن رفض فلنتنيان طلب مجلس الشيوخ.

وبذل الوثنيون في إيطاليا مجهوداً آخر في عام 393، فأعلنوا الثورة وخاطروا في سبيل غايتهم بكل شيء. وكان ثيودوسيوس قد أبى أن يعترف بالإمبراطور يوجنيوس نصف الوثني، فرأى هذا الإمبراطور أن يستعين بوثني الغرب في دفاعه عن نفسه، فأعاد تمثال النصر إلى مكانه. وتباهى بقوله إنه حين تم له النصر على ثيودوسيوس سيربط خيله في الكنائس المسيحية. وسار نقوماكس خوس فلافيانوس Nicomachus زوج ابنة سيماخوس، على رأس جيش ليساعد به يوجنيوس، فقاسمه الهزيمة وانتحر. وزحف ثيودوسيوس على روما، وأرغم مجلس الشيوخ على أن يعلن إلغاء الوثنية بجميع أشكالها (394). ولما نهب ألريك روما حسب الوثنيون أن ما أصاب هذه المدينة التي كانت من قبل سيدة العالم من إذلال كان نتيجة غضب الآلهة الذين تخلت عنهم. وفككت حرب الأديان هذه وحدة الشعب. وحطمت قواه المعنوية، ولما أن وصل إليهم سيل الغزو الجارف لم يجدوا وسيلة يواجهونه بها إلا تبادل اللعنات والصلوات المتنافرة.


تيار البرابرة الجارف

عقب أولمبيوس على الأمر القاضي بقتل استلكو بأمر آخر يقضي بقتل آلاف من أتباعه ومنهم رؤساء فيالقه البربرية. وكان ألريك يتحين الفرصة السانحة له وراء جبال الألب، فوجد في هذا فرصته السانحة ولم يدعها تفلت من يده؛ فقال إن الربعة الآلاف من الأرطال الذهبية التي وعد الرومان بأدائها إليه لم تصله بعد، وقال إنه في نظير هذا المال يرضى أن يقدم أنبل الشباب القوطي ضماناً لولاته في مستقبل الأيام. فلما رفض هونوريوس طلبه اجتازا جبال اللب ونهب أكويليا وكرمونا، وضم إليه ثلاثين ألفاً من الجنود المرتزقة الذين أغضبهم قتل زعمائهم، وزحف بطريق فلامنيوس حتى وصل إلى أسوار روما (408). ولم يلق في هذا الزحف مقاومة اللهم إلا من راهب واحد قال له إنه قاطع طريق، فرد عليه إلريك بجواب حيره إذ قال له إن الله نفسه قد أمره بهذا الغزو. وارتاع مجلس الشيوخ كما ارتاع في أيام هنيبال، ودفعه الروع إلى ارتكاب أعمال وحشية. فقد ظن أن أرملة استلكو كانت تساعد ألريك فأمر بقتلها؛ ورد ألريك على هذا بقطع كل الطرق التي يمكن أن يصل منها الطعام إلى العاصمة، وسرعان ما أخذ الناس يموتون فيها من الجوع، وشرع الرجال يقتل بعضهم بعضاً، والنساء يقتلن أبنائهن ليتخذنهم طعاماً. وسار وفد من أهل المدينة إلى ألريك ليسأله عن شروط الصلح، وهددوه بأن ألف ألف من الرومان على استعداد لمقاومته، فتبسم ضاحكاً من قولهم وأجابهم "كلما ازداد سمك القش كان حصده أيسر". ثم رق قلبه فرضى أن ينسحب إذا أعطى كل ما في المدينة من ذهب وفضة، وكل ما تحتويه من ثروة منقولة قيمة. ولما سأله المبعوثون: "وأي شيء بعد هذا يبقى لنا؟" أجابهم في ازدراء: "حياتكم". وآثرت روما أن تمضي في المقاومة؛ ولكن الجوع اضطرها أن تطلب شروطاً جديدة للاستسلام؛ فقبل ألريك منها 5000 رطل من الذهب وثلاثين ألف رطل من الفضة، وأربعة آلاف قباء من الحرير، وثلاثة آلاف من جلود الحيوان، وثلاثة آلاف رطل من الفلفل. وفي هذا الوقت عينه فر عدد لا يحصى من البرابرة الأرقاء من أسيادهم الرومان وانضموا تحت لواء ألريك. وكأن الأقدار شاءت أن تعوض الرومان عن هذه الخسارة، ففر من جيش ألريك قائد قوطي يدعى ساروس Sarus وانضم إلى هونوريوس، وأخذ معه قوة كبيرة من القوط، وهاجم بها جيش البرابرة الرئيسي. وعد ألريك هذا العمل نقضاً للهدنة التي وقعها الطرفان، فعاد إلى حضار روما. وفتح أحد الأرقاء أبواب المدينة للمحاصرين؛ وتدفق منه القوط، واستولى العدو على المدينة الكبرى لأول مرة في ثمانمائة عام (410). ولبثت ثلاثة أيام مسرحاً للسلب والنهب بلا تمييز بين أماكنها أو أهلها اللهم إلا كنيستي القديسين بطرس وبولس فلم يمسسهما أحد بسوء، وكذلك نجا اللاجئون الذين احتموا فيهما. غير أنه لم يكن من المستطاع السيطرة على من كان في الجيش البالغ عدده أربعين ألف مقاتل من الهون والأرقاء. فذبح مئات من أغنياء المدينة، واغتصبت نساؤهم ثم قتلن، وبلغ من كثرة القتلى أن لم يعد من المستطاع دفن الجثث التي امتلأت بها الشوارع. ووقع في أيدي الغزاة آلاف من الأسرى بينهم أخت لهونوريوس غير شقيقة تدعى جلا بلاسيديا Galla Placidia. وأخذ الفاتحون كل ما وقع في أيديهم من الذهب والفضة؛ وصهرت التحف الفنية للاستيلاء على ما فيها من معادن نفيسة، وحطم العبيد السابقون روائع فني النحت والخزف وهم فرحون مغتبطون انتقاماً منهم لما كانوا يعانونه من فقر وكدح، هما اللذان أثمرا هذا الجمال وهذه الثروة. ثم أعاد ألريك النظام وزحف بجيشه جنوباً ليفتح صقلية؛ ولكنه أصيب بالحمى في هذه السنة عينها ومات بها في كوسنزا Cosenza. وحول الأرقاء مجرى نهر بوسنتو Busento ليفسحوا مكاناً آمناً رحباً ينشئون فيه قبره، ثم أعيد النهر إلى مجراه الأصلي، وقتل العبيد الذين بهذه الأعمال مبالغة في إخفاء المكان الذي دفن فيه.

واختير أتلف Atilf (أدلف Adolf) صهر ألريك ليخلفه في ملكه ورضى الملك الجديد أن يسحب جيشه من إيطاليا إذا تزوج بلاسيديا Placidia، وأعطى القوط بوصفهم أحلاف روما المتعاهدين معها غالة الجنوبية بما فيه نربونة Narbonne وطُلوشة (طولوز)، وبردو، ولتكون مملكة لهم يحكمونها مستقلة استقلالاً ذاتياً. ورفض هونوريوس الشرط الخاص بالزواج، لكن بلاسيديا قبلته، وأعلن الزعيم القوطي أنه لا يبغي تدمير الإمبراطورية، بل يريد المحافظة عليها وتقويتها، وسحب جيشه من إيطاليا، وأنشأ مملكة للقوط الغربيين في غالة مستعيناً على إنشائها بمزيج من الدهاء السياسي والقوة الحربية. وكانت هذه المملكة من الوجهة النظرية خاضعة للإمبراطورية، وتخذ طلوشة عاصمة لها (414). وقتل الزعيم القوطي بعد سنة واحدة، واعتزمت بلاسيديا من فرط حبها له أن تعيش من بعده أرملة طول حياتها ولكن هونوريوس وهبها للقائد قنسطنطيوس. ولما مات قنسطنطيوس (421) وهونوريوس (423) أصبحت بلاسيديا وصية على ابنها فلنتنيان الثالث، وحكمت الإمبراطورية الغربية ثلاثين عاماً حكماً يشرف بنات جنسها.

وكان الوندال حتى في أيام ناستون، أمة قوية كثيرة العدد تمتلك الأجزاء الوسطى والشرقية من روسيا الحالية. وكانوا قبيل حكم قسطنطين قد زحفوا جنوباً إلى بلاد المجر، ولما بدد القوط الغربيون شملهم في إحدى الوقائع الحربية، طلب الباقون منهم أن يؤذن لهم بعبور الدانوب ودخول الإمبراطورية الرومانية. ووافق قسطنطين على طلبهم هذا، وظلوا سبعين عاماً يتكاثرون ويتضاعف عددهم في بنونيا Pannonia. وأثارت انتصارات ألريك حميتهم؛ ولما سحبت الدولة فيالقها من وراء جبال الألب لتدافع بها عن إيطاليا، تفتحت لهم أبواب الغرب واستهوتهم بثروته، حتى إذا كان عام 406 زحفت جموع كبيرة من الوندال، والألاني، والسيوفي وعبرت نهر الرين وعاثت فساداً في بلاد غالة، ونهبوا مينز Manz وذبحوا كثيراُ من أهلها، ثم تحركوا شمالاً إلى بلجيكا، ونهبوا مدينة تيير Tier العظيمة وأحرقوها. ثم أقاموا الجسور على نهري الموز Meause والآين Aisne ونهبوا ريمس Reims، وأمين Amiens، وأراس Arras، وتورناي Tournai، وواصلوا الزحف حتى كادوا يبلغون بحر المانش. ثم اتجهوا نحو الجنوب وعبروا نهري السين Scine واللوار Loire ودخلوا أكوتانيا Aquitaine وصبوا غضبهم الوحشي على جميع مدنها تقريباً ما عدا طلوسة، التي دافع عنها إكسبريوس Exuperius دفاع الأبطال. ووقفوا عند جبال البرنس، ثم ولوا وجههم نحو الشرق ونهبوا نربونة، وشهدت غالة من التخريب والتدمير الكامل ما لم تشهد له مثيل من قبل. وفي عام 409 دخلوا أسبانيا وكان عددهم وقتئذ نحو مائة ألف. وكان الحكم الروماني في تلك البلاد قد أثقل كاهل أهلها بالضرائب، وأدخل فيها إدارة منظمة، وجمع الثروة في ضياع واسعة، وجعل الكثرة الغالبة من سكانها عبيداً، أو رقيق الأرض، أو أحراراً يعانون ويلات الفقر المدقع. ولكن أسبانيا كانت بفضل ما فيها من استقرار وسلطان للقوانين أعظم ولايات الإمبراطورية رخاء، وكانت مريدة، وقرطاجنة، وقرطبة، وأشبيلية، وطركونه Tarragona من أغنى مدائن الإمبراطورية وأعظمها ثقافة. وانقض الوندال والسيوفي والألاني على هذه الشبه الجزيرة التي كانت تبدو آمنة حصينة، وأعملوا فيها السلب والنهب عامين كاملين حتى لم ينجح فيها مكان من جبال البرنس إلى جبل طارق، بل إن فتوحهم امتدت إلى سواحل إفريقية الشمالية. وأدرك هونوريوس أنه عاجز عن حماية الأراضي الرومانية بالجيوش الرومانية، فأغرى القوط الغربيين بالمال الوفير ليردوا إليه أسبانيا. وقام ملكهم القدير واليا Wallia بهذا العمل بعد عدة وقائع حربية أحكم خططها (420)، فارتد السويفي إلى شمالي أسبانيا، كما ارتد الوندال إلى إقليم الأندلس (Andalusia) الذي لا يزال يسمى باسمهم حتى اليوم، وأعاد ولاية أسبانيا إلى حوزة الإمبراطورية، وكشف بذلك عما في أخلاق ساسة الرومان من غدر ونكث بالعهود.

وكان الوندال لا يزالون يتوقون إلى الفتح والخبز، فعبروا البحر إلى أفريقية (429). وإذا جاز لنا أن نصدق بروكبيوس Procopius(43)، وجردانيس Jordanes قلنا إنهم جاءوا إليها بدعوة من بنيفاس Boniface حاكم أفريقية الروماني ليستعين بهم على منافسه إيتيوس Eetius الذي خلف استلكو، لكن هذه القصة لا تعتمد على مصدر موثوق به. ومهما يكن من أمرها فإن ملك الوندال كان قادراً على خلق هذه الخطة. وكان جيرسيك ملك الوندال ابناً غير شرعي لعبد رقيق، وكان أعرج لكنه قوي الجسم، متقشفاً زاهداً، لا يهاب الردى في القتال، يلتهب غيظاً إذا غضب، ويقسو أشد القسوة على عدوه ولكنه عبقري لا يغلب في شؤون الحرب والمفاوضة. ولما نزل غلى أفريقية انضم إلى من كان معه من الوندال، والآلاني، من جند، ونساء، وأطفال المغاربة الأفريقيين الذي ظلوا عهوداً طوالاً حانقين على الحكم الروماني، كما انضم إليهم الدناتيون Donatist المارقون الذين كانوا يقاسون أشد أنواع الاضطهاد من المسيحيين أتباع الدين القويم. ورحب هؤلاء وأولئك بالغزاة الفاتحين وبالحكم الجديد. ولم يستطع بينفاس أن يحشد من سكان شمالي أفريقية الروماني البالغ عددهم ثمانية ملايين إلا عدداً ضئيلاً يساعد جيشه الروماني. ولما هزمته جحافل جيسريك هزيمة منكرة تقهقر إلى هبو Hippo حيث أثار القديس أوغسطين الطاعن في السن حمية السكان فهبوا يدافعون عن بلدهم دفاع الأبطال، وقاست المدينة أهوال الحصار أربعة عشر شهراً كاملة (430-431)، انسحب بعدها جيسريك ليلقي جيشاً رومانياً آخر، وأوقع به هزيمة منكرة اضطر على أثرها سفير فلنتنيان إلى أن يوقع شروط هدنة يعترف فيها باستيلاء الوندال على فتوحهم في أفريقية. وحافظ جيسريك على شروط الهدنة حتى غافل الرومان وانقض على قرطاجنة الغنية واستولى عليها دون أن يلقي أية مقاومة (439). وجرد أشراف المدينة وقساوستها من أملاكهم ونفاهم أو جعلهم أقنان أرض. ثم استولى على كل ما وجده من متاع سواء منه ما كان لرجال الدين أو لغيرهم من الأهلين، ولم يتردد في الالتجاء إلى التعذيب للوقوف على مخابئه.

وكان جيسريك لا يزال وقتئذ في شرخ الشباب، وكان إدارياً قديراً أعاد تنظيم أفريقية وجعل منها دولة ذات ثراء عليه المال الوفير، ولكن أسعد أوقاته كان هو الوقت الذي يشتبك فيه في القتال. وقد أنشأ له أسطولاً ضخماً، نهب به سواحل أسبانيا، وإيطاليا، وبلاد اليونان. وكان يفاجئ تلك البلاد حتى لم يكن أحد يدري أي الشواطئ سترسو فيها سفنه المثقلة بالفرسان، ولم تنتشر القرصنة في غرب البحر المتوسط طوال أيام الحكم الروماني دون أن تلقى مقاومة كما انتشرت في تلك الأيام. واضطر الإمبراطور في آخر الأمر أن يعقد الصلح مع ملك البرابرة ليحصل بذلك على القمح الذي تطعم منه رافنا وروما، ولم يكتف بذلك بل وعده أن يزوجه إحدى بناته. وكانت روما في هذه الأثناء لا تزال تضحك وتلعب لاهية عما سيحل بها بعد قليل من دمار. وكانت ثلاثة أرباع قرن انقضت مذ دفع الهون أمامهم البرابرة الغزاة بعبورهم نهر الفلجا. ثم تباطأ بعد ذلك زحف الهون نحو الغرب فكان هجرة على مهل، وكان أشبه بانتشار المستعمرين في القارة الأمريكية منه بفتوح ألريك وجيسريك. وما لبثوا أن استقروا بعدئذ شيئاً فشيئاً في داخل بلاد المجر، وبالقرب منها، وأخضعوا لحكمهم كثيراً من القبائل الألمانية.

ومات روا Rua ملك الهون حوالي عام 433 وأورث عرشه بليدا Baleda وأتلا Atilla ابني أخيه. ثم قتل بليدا- بيد أتلا كما يقول بعضهم- حوالي عام 444، وتولى أتلا (ومعنى اللفظ باللغة القوطية الأب الصغير) حكم القبائل المختلفة الضاربة شمال نهر الدانوب من الدن إلى الرين. ويصفه جردانس المؤرخ القوطي وصفاً لا نعرف مقدار ما فيه من الدقة فيقول:

هو رجل ولد في هذا العالم ليزلزل أقدام الأمم، هو سوط عذاب سلط على الأرض، روع سكان العالم أجمع بما انتشر حوله من الشائعات في خارج البلاد، وكان جباراً متغطرساً في قوله، يقلب عينيه ذات اليمين وذات الشمال، يظهر في حركات جسمه ما تنطوي عليه نفسه من قوة وكبرياء. وكان في الحق أخاً غمرات محباً للقتال، ولكنه يتمهل فيما يقدم عليه من أعمال، وكان عظيماً فيما يسدي من نصح، غفوراً لمن يرجو منه الرحمة، رؤوفاً بمن يضع نفسه تحت حمايته. وكان قصير القامة، عريض الصدر، كبير الرأس، صغير العينين، رقيق شعر اللحية قد وخطه الشيب. وكان أفطس الأنف، أدكن اللون، تنم ملامحه على أصله(46).

وكان يختلف عن غيره من البرابرة في أنه يعتمد على الختل أكثر من اعتماده على القوة. وكان يحكم شعبه باستخدامه خرافاته لتقديس ذاته العليا، وكان يمهد لانتصاراته بما يذيعه من القصص المبالغ فيها عن قسوته، ولعله هو الذي كان ينشئ هذه القصص إنشاء، حتى لقد سماه أعداؤه المسيحيون آخر الأمر "بسوط الله"، وارتاعوا من ختله ارتياعاً لم ينجهم من إلا القوط. وكان أمياً لا يستطيع القراءة أو الكتابة، ولكن هذا لم ينقص من ذكائه الفطري. ولم تكن أخلاقه كأخلاق المتوحشين، فقد كان ذا شرف، وكان عادلاً، وكثيراً ما أظهر أنه أعظم كرماً وشهامة من الرومان. وكان بسيطاً في ملبسه ومعيشته، معتدلاً في مأكله ومشربه، يترك الترف لمن هم دونه ممن يحبون التظاهر بما عندهم من آنية فضية وذهبية، وسروج، وسيوف وأثواب مزركشة تشهد بمهارة أصابع أزواجهم، وكان لأتلا عدد كبير من أولئك الأزواج ولكنه كان يحتقر ذلك الخليط من وحدة الزواج والدعارة الذي كان منتشراً عند بعض الطوائف في رافنا وروما. وكان قصره بيتاً خشبياً ضخماً أرضه وجدرانه من الخشب المسوى بالمسحج، ولكنه يزدان بالخشب الجميل الصقل والنحت، فرشت فيه الطنافس والجلود ليتقي بها البرد، وكانت عاصمة ملكه قرية كبيرة أغلب الظن أنها كانت في مكان بودا Buda الحالية؛ وقد ظل بعض المجريين حتى هذا القرن يطلقون على هذه المدينة إتزلنبرج Etzelnburg أي مدينة أتلا.

وكان في الوقت الذي نتحدث فيه عنه (444) أقوى رجل في أوربا، وكان ثيودوسيوس الثاني إمبراطور الدولة الشرقية، وفلنتنيان إمبراطور الغرب يعطيانه الجزية يشتريان بها السلام، ويتظاهرون أمام شعوبهما بأنها ثمن لخدمات يؤديها أحد أقيالها. ولم يكن أتلا، وهو قادر على أن ينزل إلى الميدان جيشاً خمسمائة ألف مقاتل، يرى ما يحول بينه وبين السيادة على أوربا كلها وبلاد الشرق بأجمعها. ففي عام 441 عبر قواده وجنوده نهر الدانوب، واستولوا على سرميوم Sirmium، وسنجديونوم Singidiunum (بلغراد) ونيسوس Naissus (نيش) وسرديكا Sardica (صوفيا)، وهددوا القسطنطينية نفسها. وأرسل ثيودوسيوس الثاني جيشاً لملاقاتهم، ولكنه هزم، ولم تجد الإمبراطورية الشرقية بداً من أن تشتري السلم برفع الجزية السنوية من سبعمائة رطل من الذهب إلى ألفي رطل ومائة. وفي عام 447 دخل الهون تراقية، وتساليا، وسكوذيا، (جنوبي روسيا) ونهبوا سبعين مدينة وساقوا آلافاً من أهلها أرقاء. وأضيفت السبايا إلى أزواج المنتصرين، ونشأ من ذلك جيل اختلطت فيه دماء الفاتحين والمغلوبين ترك آثاراً من الملامح المغولية في الأقاليم الممتدة من الشرق حتى بافاريا Bavaria، وخرجت غارات الهون بلاد البلقان تخريباً دام أربعة قرون، وأتى على نهر الدانوب حين من الدهر لم يعد فيه كما كان طريق التجارة الرئيسي بين الشرق والغرب، واضمحلت لهذا السبب المدن القائمة على شاطئيه.

ولما أن استنزفت أتلا دماء الشرق بالقدر الذي ارتضاه ولى وجهه نحو الغرب وتذرع لغزوه بحجة غير عادلة. وخلاصة تلك الحجة أن هونوريا Honoria أخت فلنتنيان الثالث كانت قد نفيت إن القسطنطينية بعد أن اعتدى على عفافها أحد رجال التشريفات في قصرها. وتلمست هونوريا أية وسيلة للخلاص من النفي فلم تر أمامها إلا أن تبعث بخاتمها إلى أتلا وتستجيره ليساعدها في محنتها، واختار الملك الداهية، الذي كانت له أساليبه الخاصة في الفكاهة، أن يفسر إرسال الخاتم بأنه عرض منها للزواج بها، فطالب من فوره بهونوريا وبنصف الإمبراطورية الغربية بائنة لها، ولما احتج وزراء فلنتنيان على الطلب أعلن أتلا الحرب. هذا هو السبب الظاهري، أما السبب الحقيقي فهو ان مرسيان Marcian الإمبراطور الجديد في الشرق أبى أن يستمر على أداء الجزية وان فلنتنيان قد حذا حذوه.

وفي عام 450 زحف أتلا ومعه نصف مليون رجل على نهر الرين، ونهبوا تريير ومتز Metz وأحرقوها وقتلوا أهلها. فقذف ذلك الرعب في قلوب غالة كلها فقد علموا أن الغزاة ليس على رأسهم جندي متمدين كقيصر، أو مسيحي -ولو كان من أتباع أريوس- مثل ألريك أو جيسريك، بل كان الزاحف عليهم هو الهوني الرهيب، سقوط الله المبعوث لعذاب المسيحيين والوثنيين على السواء لما هنالك من فرق شاسع بين أقوالهم وأعمالهم. وجاء ثيودريك الأول Theadoric I ملك القوط المعمر لينقذ الإمبراطورية من محنتها وانضم إلى الرومان بقيادة إيتيوس، والتقت الجيوش الضخمة في حقول قطلونيا Catalaunia بالقرب من ترويس، ودارت بينها معركة من أشد معارك التاريخ هولاً، جرت فيها الدماء انهاراً، حتى ليقال إن 162.000 رجل قد قتلوا فيها من بينهم ملك القوط البطل المغوار؛ وانتصر الغرب في هذه المعركة نصراً غير حاسم، فقد تقهقر أتلا بانتظام، وأنهكت الحرب الظافرين، أو لعلهم كانوا منقسمين على أنفسهم في خططهم، فلم يتعقبوا أتلا وجنوده ولهذا غزا إيطاليا في العام التالي.

وكانت أول مدينة استولى عليها في زحفه هي أكويليا Aquileia، وقد دمرها تدميراً قضى عليها قضاء لم تقم لها بعده قائمة حتى اليوم، أما فرونا Verona وفبسنزا Vicenza فقد عوملنا بشيء من اللين والرحمة واشترت بافيا وميلان نفسيهما من الغزاة بتسليم كل ما فيهما من ثروة منقولة. وبعد هذا فتحت الطريق إلى روما أمام أتلا؛ وكان جيش إيتيوس قليل العدد لا يقوى على أية مقاومة جدية، ولكن أتلا تباطأ عند نهر البو، وفر فلنتنيان الثالث إلى روما، ثم أرسل إلى ملك الهون وفداً مؤلفاً من البابا ليو الأول واثنين من أعضاء مجلس الشيوخ. وما من أحد يعلم ما جرى حين اجتمع هذا الوفد بأتلا. وكان ليو رجلاً مهيب الطلعة، يعزو إليه المؤرخون معظم ما أحرزه الوفد من نصر لم ترق فيه دماء. وكل ما يذكره التاريخ عن هذا النصر أن أتلا قد ارتد لأن الطاعون فشا بين جنوده، ولأن مئونتهم كانت آخذة في النفاد، ولأن مرسيان كان المدد من الشرق (452).

وقاد أتلا جحافله فوق جبال الألب وعاد بها إلى عاصمته في بلاد المجر، متوعداً إيطاليا بالعودة إليها في الربيع التالي إذا لم ترسل إليه هونوريا، ليتخذها زوجة له. وقد استعاض عنها في هذه الأثناء بشابة تدعى إلديكو Ildico ضمها إلى نسائه. وكانت هذه الفتاة هي الأساس التاريخي الواهي لقصة Krienhild المسماة نِبل أنجليد Nibelungenlied. واحتفل بزفافها له احتفالاً أثقلت فيها الموائد بالطعام والشراب. ولما أصبح الصباح وجد أتلا ميتاً في فراشه إلى جانب زوجته الشابة، وكان سبب موته انفجار أحد الأوعية الدموية، فكتم الدم الذي تدفق منه نفسه وقضى عليه (453)(47). وقسمت مملكته بين أولاده، ولكنهم عجزوا عن المحافظة عليها، فقد دبت الغيرة بينهم ورفضت القبائل التي كانت خاضعة لأبيهم أن تظل على ولائها لهؤلاء الزعماء المتنازعين، ولم تمض إلا بضع سنين حتى تقطعت أوصال الإمبراطورية التي كانت تهدد بإخضاع اليونان والرومان والألمان والغاليين لحكمها، وتطبع وجه أوربا وروحها بطابع آسية، ومحيت اليونان من الوجود.


سقوط روما


دور التسمم بالرصاص


التعداد المصدر مستوى الرصاص في المصدر الاستهلاك اليومي معامل الامتصاص الرصاص الممتص
الأرستقراطيون
الهواء 0.05 µg/m3 20 m3 0.4 0.4 µg/day
الماء 50 (50-200) µg/l 1.0 liter 0.1 5 (5-20) µg/day
النبيذ 300 (200-1500) 2.0 لتر 0.3 180 (120-900) µg/day
الطعام 0.2 (0.1-2.0) µg/g 3 kg 0.1 60 (30-600) µg/day
غيرهم/متفرقات 5.0 µg/day
الإجمالي 250 (160-1250) µg/day
العامة
طعام أقل، ونفس استهلاك النبيذ. 35 (35-320) µg/day
العبيد
طعام أقل كثيراً، المزيد من الماء، 0.75 لتر نبيذ 15 (15-77) µg/day

انظر أيضاً

الهامش

  1. ^ Bowersock, "The Vanishing Paradigm of the Fall of Rome" Bulletin of the American Academy of Arts and Sciences 49.8 (May 1996:29-43) p. 31.
  2. ^ Alexander Demandt: 210 Theories, from Crooked Timber weblog entry August 25, 2003. Retrieved June 2005.
  3. ^ Alexander Demandt: 210 Theories, Source: A. Demandt, Der Fall Roms (1984) 695. See also: Karl Galinsky in Classical and Modern Interactions (1992) 53-73.

المراجع

  1. ^ Fordham.edu

للاستزادة

  • Peter Heather, The Fall of the Roman Empire, 2005, ISBN 0-19-515954-3, offers a narrative of the final years, in the tradition of Gibson or Bury, plus incorporates latest archaeological evidence and other recent findings.
  • Peter Heather, Empires and Barbarians: The Fall of Rome and the Birth of Europe (Oxford University Press; 2010); 734 pages; Examines the migrations, trade, and other phenomena that shaped a recognizable entity of Europe in the first millennium.
  • Donald Kagan, The End of the Roman Empire: Decline or Transformation?, ISBN 0-669-21520-1 (3rd edition 1992) – a survey of theories.
  • Arther Ferrill The Fall of the Roman Empire: The Military Explanation" 0500274959 (1998) supports Vegetius' theory.
  • "The Fall of Rome – an author dialogue", Oxford professors Bryan Ward-Perkins and Heather discuss The Fall of Rome: And the End of Civilization and The Fall of the Roman Empire: A New History of Rome and the Barbarians.
  • Adrian Goldsworthy The Complete Roman Army, Thames & Hudson (2003); Chapter V 'The Army of Late Antiquity' p. 200-215.
  • Fall of Rome – Decline of the Roman Empire – Lists many possible causes with references
  • The Ancient Suicide of the West – A libertarian theory about the decline and fall of Rome.
  • Lucien Musset, Les Invasions : Les vagues germaniques, Presses Universitaires de France, Paris, 1965 (3rd ed. 1994, ISBN 2130467156)
  • Waiting for the Barbarians a poem by Cavafy