ثرثرة فوق النيل (رواية)

ثرثرة فوق النيل
غلاف رواية ثرثرة فوق النيل.jpg
المؤلفنجيب محفوظ
البلدFlag of Egypt.svg مصر
اللغةالعربية
الصنف الأدبيرواية
الناشر
الإصدار1966

ثرثرة فوق النيل، هي إحدى روايات نجيب محفوظ، نُشرت في 1966. بعد نشر الرواية تعرض محفوظ لغضب المسئولين من مجلس قيادة الثورة، في عهد الرئيس جمال عبد الناصر.[1]

Contents

ملخص الرواية

رواية ثرثرة فوق النيل. لتحميل الرواية، اضغط على الصورة.

تدور الرواية في عوامة على ضفاف النيل، يجتمع في هذه العوامة مجموعة من الأصدقاء لا تكاد تجد هناك رابط حقيقي مشترك بينهم اللهم إلا العربدة وإدمان تعاطي الكيف وهو نوع من المخدر.

وتأتي أحداث الرواية في صورة محادثة بين هؤلاء الأصدقاء داخل العوامة، وأنيس بطل القصة لا يكاد يرجع إليه عقله فهو يهلوس من أول الرواية إلى آخرها وهو حانق أشد الحنق على واقعه و على مديره في الوظيفة وهو مثقف جدا ولديه ثقافة تاريخية موسوعية، فهلوسته عندما يتعاطى المخدرات لها طابع تاريخي فيرى المماليك والرشيد والملوك والفراعنة.[2]

وأصدقاء العوامة جماعة مثقفة تقاطع الحياة ودنيا السياسة والناس. تعيش حياتها طولا وعرضا كما تريد هي لا غيرها. حياة عبث. حياة لذات. رأي المثقف لا يُعبأ به في نظرهم لذلك تركوا كل شيء ليقرره الطغاة بينما هم يعيشون في واد آخر يروق لهم" نرى أن السفينة تسير دون حاجة إلى رأينا أو معاونتنا، وأن التفكير بعد ذلك لن يجدي شيئا، وربما جرّ وراءه الكدر وضغط الدم.

نظرة هزيلة وعدمية للحياة. الهمّ لإنساني كان في الخانة المحرمة. نظرة خائفة من كل شيء أدت بهم إلى ألا يبالوا بأي شيء" لأننا نخاف البوليس والجيش والإنجليز والأمريكان والظاهر والباطن، فقد أدى بنا إلى ألاّ نخاف شيئا." وهم في هذه الحالة.. ليس ثمة شخصية حاولتانتشالهم من عزلتهم سوى شخصية واحدة كانت تملك وجهة نظر مختلفة فبادرت بالتغيير لكن الطوفان جرفها قبل أن تحقق حلمها.

ولما أرادوا أن يخرجوا ليتعرفوا على العالم الآخر المحيط بهم - ونادرا ما يفعلون - كانت الحادثة التي صدمتهم جميعا وأقلقت الضمير الغافي، ومع ذلك فقد كان التعامل مع تلك الحادثة تعاملا غريبا يفسرلك الضياع والتشتت الذي كانوا يعيشونه. وبالطبع كانت نتيجة ذلك انمحاء ونهاية وإفاقة من الحلم المعاش. النهاية الضائعة، والقلقة تفسر للقارىء حال الإنسان العربي المهدور والسارح في دنيا الضيم والطغاة.

أحداث الرواية

تدور أحداث الرواية فوق عوامة على النيل يجتمع فيها كل ليلة مجموعة من الأصدقاء رجالا ونساء في مجلس" الكيف"ويتناقشون في أمور حياتهم وهموم مجتمعهم ثم يعود بعضهم إلى منزله ويبقى واحد وهو" أنيس "الذي يقيم بالعوامة وقد ينفرد بعض رواد العوامة ببعض الرائدات لتحقيق رغبته وأفراد هذه المجموعة من أصحاب المهن والوظائف المختلفة فأنيس زكى بوزارة الصحة وهو رجل مثقف كان طالبا ريفيا جاء إلى القاهرة والتحق بكلية الطب ولم يكمل دراسته واستطاع بواسطة احد الأساتذة في الكلية إن يلتحق بالعمل في وزارة الصحة ماتت زوجته وطفلته في يوم واحد وقد اعتاد الإدمان وتطلق عليه المجموعة لقب فارس الشلة وولى أمرهم وهو يمثل صوت السارد الفني في الرواية فكثيرا ما يطلقه هذا السارد للتعليق على ما يدور حوله أو التعبير عن الأفكار والتأملات العميقة الناتجة عن تيار الوعي في الرواية وبقية أفراد المجموعة فهم احمد نصر مديرالحسابات ومصطفى راشد المحامى وعلى السيد الناقد الفني وخالد عزوز كاتب القصة ورجبالقاضي الممثل وسارة بهجت الصحفية وسناء الرشيدى بكلية الآداب وليلى زيدان المترجمةبالخارجية وسنية كامل الرائدة القديمة بالعوامة وصديقة على السيد وعم عبده حارس العوامة وخادم روادها وهذه المجموعة تجد في العوامة مهربا من الهموم الخاصة والعامة وهى تتفق في الثقافة والإدمان والتسيب الخلقي والانغماس في المتع بكل إشكالها ولم يجعلهم الراوي بمعزل عن الحياة العامة حولهم وإنما كانوا جزءا منها فهم يتحدثون عن كوبا وفيتنام والرشوة والاشتراكية ومشاكل العمال والفلاحين والجمعيات التعاونية وغير ذلك مما يعترى الحياة العامة من حولهم من أحداث عامة

ولم يتبع الكاتب في هذه الرواية أسلوب السرد أو التداعي الحر ولم يترك شخصيات الرواية تفصح عن نفسها وتقدم نفسها من خلال تفاعلها مع الأحداث كما كان يفعل في الروايات الأخرى وإنما اتبع أسلوبا جديدا في هذه الرواية وهو أسلوب الكشف عبر الوسيط الأخر فيدخل صوت أخر مع صوت السارد الرئيس وهو صوت سارة بهجت الصحفية والتي تهوى التأليف المسرحي فتقوم برسم شخصيات تلك الرواية في مذكراتها التي تعتبرها مشروعا لعمل مسرحي تنوى كتابته وذلك تدعيما لتحويل شخصيات الرواية من مجرد شخصيات فردية إلى شخصيات كونية تعبر عن وضع الإنسان في هذا الكون وحيرته أمام أسراره وبخاصة فيما يتعلق منها بفلسفة الوجود وقضية الموت وكذلك نظرته إلى الحياة نظرة فلسفية فالحياة تفقد معناها بالنسبة لهم ولأهدف لهم فيها وبذلك ينهار عندهم الإيمان بأية قيمة في الحياة فيحل العبث محل الجدية فحين تقول سمارة بهجت الصحفية : الحق أننى أومن بالجدية فتنهال عليها الأسئلة أي جدية؟ الجدية لحساب اى شئ ؟ أليس من الجائز أن نؤمن بالعبث بجدية؟والجدية تتضمن أن يكون للحياة معنى فما المعنى؟ وعلى أى أساس جديد نقيم المعنى؟ فتقول سمارة في إيجاز :إرادة الحياة.

شخصيات الرواية

  • أنيس، موظف حكومي بسيط الحال، ساخط على الواقع، ومثقف. وهو بطل الرواية الرئيسي، والراوي لأحداثها.
  • أحمد نصر: وهو موظف متزوج لديه ابنة في سن المراهقة وهو كما تم وصفه محافظ وغير منفتح.
  • مصطفى راشد : محام تزوج عن غير حب وهو متذمر دائما.
  • علي السيد: على الرغم من نشأته الأزهرية إلا أنه يعيش حياة غير محافظة فهو من قرية ريفية وتزوج من امرأتين إحداهما ريفية لتشبع ميوله السلطوية ومع ذلك فهو يعربد مع امرأة متزوجة في العوامة.
  • خالد عزوز: روائي ورث عمارة عن والده وهو لذلك لا يعمل وإنما هو عالم على المجتمع.
  • رجب القاضي: زير نساء لا يكف عن كونه زير نساء.
  • سمارة: صحفية طموحة تسللت إلى العوامة لترصد هؤلاء المدمنين كشخصيات لمسرحية تعتزم كتابتها ويتم إكتشاف أمرها لاحقا.
  • حارس العوامة، وفهو رجل ضخم يعيش في إزدواجية بين عمله كمؤذن للمصلى الذي بناه وبين عمله في القوادة أي احضار فتياة الليل لأصحاب العوامة.

لغة الرواية

ظل نجيب محفوظ عبر مسيرته الروائية في صراع دائم مع اللغة كما ذكر في حواره مع الروائي جمال الغيطانى ولذلك تعددت المستويات اللغوية عند نجيب محفوظ بتعدد المراحل الفنية التيمرت بها مسيرته الفنية ويمكن تصنيف مستويات اللغة عنده على ثلاثة مستويات هي اللغة الملحمية التي تمزج بين لغة التراث ولغة التخاطب الحديثة في المراحل الروائية الأولى التي كتب فيها (رادوبيس)واللغة الوصفية التسجيلية في المرحلة الثانية والتي وصلت قمتها في الثلاثية وزقاق المدق واللغة الإيحائية التي يمتزج فيها السرد بتيار الوعي في المرحلة الثالثة والتي كتب فيها رواية (ثرثرةعلى النيل ) وفى هذه الرواية يلفت النظر تفوق نجيب محفوظ في التوظيف الجمالي للغة الذي يكاد يطابق بين النسق اللغوي والمدلول الفني في السياق الروائي فلم تعد البيئة الإحداث والشخصيات في هذه الرواية مطلوبة لذاتها فقد صارت الشخصيات اقرب إلى النموذج ولم تفرض البيئة تفاصيلها الشديدة كما كان يحدث في الروايات الأخرى وحلت اللغة بتوظيفها الجمالي والدلالي محل البطل والبيئة والأحداث.[3]

نقد أدبي

يلاحظ المدقق في هذه الرواية انه ثمة تفاعل حي بين البنية الروائية والتي تظهر في بيئة الشخصيات وثقافتها والنية اللغوية التي تظهر في تلك التراكيب اللغوية الناتجة عن الشخصيات فاللغة هنا لا تمثل ملحما جماليا أو وعائيا لأفكار شخصيات الرواية وإنما تمثل جزءا من التكوين النفسي لهذه الشخصيات فإذا كان المشهد الاساسى المتكرر لمجموعة العوامة هو عكوفها على تعاطى المخدرات فان السياق اللغوي الروائي يتوافق مع هذا المشهد فتكثر في السرد مفردات اللغة الخاصة بهذاالمشهد مثل مفردات الصنف /التموين /البلبعة /الكيف /الانسطال / العبارة /السلطنة / الغرزة وغير ذلك بل المدهش أيضا أن تتجاوز هذه المفردات سياق المفردة الواحدة إلىسياق مجازى دال على هذه البيئة (الضوء المسطول وعين البنفسج الناعسة والقمر المرهق ويبدو ذلك في قول أنيس ذكى :التربيع الأولى المختفي يضفى على الظلمة ضياء مسطولا كعين البنفسج الناعسة أتذكر كيف كان البدر مرهقا في ليالي الغارات ؟ ص 79

وإذا كنت لغة السرد عند محفوظ تتميز بشكل عام بأنها تمتلك قدرة فائقة على الوصف الشديد والاستغراق في وصف التفاصيل الصغيرة الدالة الملتصقة بالبنية الروائيةفان اللغة الصفية في هذه الرواية تتجاوز هذا المعنى إلى معنى لغة الترميز الكاشفة عن البعد النفسي للشخصية ولم تعد لغة محايدة تعرض التفاصيل أمام المتلقي وعلية أنيقيم هذه التفاصيل ومن ذلك موقف أنيس من جذع الشجرة الذي اعترضه عند خروجه لأول مرةمفيقا من العوامة فاستوقفه هذا الجزع لضخامته فرفع عينيه إلى الغصون المنتشرة فيالهواء كقبة هائلة مغروسة الهامة في سحابات الصباح الشفافة الدانية ثم رجع إلى الجزع المعمر هابطا ذى جذور كالحة متفرعة عن أصله وضاربة في ارض الطور كأنما تنشب أظافرها متوترة غاصة في التحدي والألم وهناك رقعة من اللحاء الخارجي قد تآكلت كاشفة عن طبقة من اللحاء الداخلي ذات لون باهت اصفر على هيئة بوابة قوطية استوت أمامهبطول قامته داعية إياه للدخول -الرواية ص 160

والاستغراق في وصف هذا الجزع ينبغي ألا يفهم على ظاهره بل حين نربطه بالسياق الروائي نكتشف انه يرمز إلى فكرة سعى الإنسانإلى استلهام فلسفة الكون والوجود من كائنات الطبيعة الحية الأخرى وهى فلسفة جوهرهاتحدى الألم واثبات الإرادة ويدل على ذلك أن الكاتب جعل أنيس زكى يفيق لأول مرة فيخروجه إلى الشارع وكأنه يعي ما يرى قاصدا وكذلك فان هذا الوصف هو مقابل مادي لحالةأنيس زكى النفسية وإحساسه الحاد بالعجز والضيق بالحياة ويبدو الاستغراق الوصفى في الرواية أداة لبلورة أفكار تيار الوعي التي يحملها وعى بطل الرواية أنيس زكى ففيموقف آخر يستغرق الكاتب في وصف النار على هذا النحو:

حمل أنيس المجمرة إلى عتبة الشرفة بعه ان زودها بقطع من فحم تعرضت هناك لتيار الهواء وراح ينتظر اتسعت المراكز المحترقة فيشتى القطع حنى استحال سواد الفحم إلى حمرة متوهجة هشة عميقة ناعمة واندلعت عشرات منالالسنة الصغيرة الموسومة بالشفق فانتشرت ثم تلاقت أجنحتها مكونة موجة راقصة نقيةشفافة مكللة الأطراف بزرقة خيالية ثم ازت فتطاير من جوفها سرب من عناقيد الشرر (الرواية ص 50 وهذه اللغة الوصفية ليست في الأساس تلميحا إلى كون هذه المجمرة جزءا منحياة أنيس وإنما هي كاشفة لشخيصة أنيس النفسية وعالمة الداخلي الذي تتصارع فيه قوى الخير مع قوى الشر ويدل على ذلك قول أنيس بعد الوصف السابق :إنها أجمل من الوردة والأعشاب في البحر فكيف أمكن أن تطوى بين جوانحها اكبر قوة مدمرة؟(الرواية ص 50 والكاتب استطاع أن يواءم مواءمة فنية دقيقة بين التركيبة النفسية لشخصية بطلالرواية أنيس زكى وبين المادة الإخبارية الصادرة عنه في السرد الروائي مما حقق للرواية تناغما فنيا عجيبا بين اللغة المتحدث بها في السرد وبين الشخصية المتحدثعنها وقد واءم أيضا بين الطابع الرمزي للرواية وبين الطابع الشعري للغة السردية ويبدو الطابع الرمزي في التكثيف والإحالة والغموض الفني والتكنية وهو بذاته يمثل خصوصيات الطابع الشعري للغة ولعل من أهم الأسباب التي ساعدت على صبغ لغة الرواية بهذه الصبغة الشعرية تداخل الأزمنة وامتزاج الحلم بالواقع واستخدام لغة التداعيات باتساع إمكانياتها التعبيرية والتصويرية مما يؤدى إلى إبداع صورة فنية للغة في الرواية ومن جماليات اللغة أيضا في هذه الرواية أنها لم تقف عند حد القص والحكاية وبعثرة الأحداث بل تجاوزت ذلك إلى بلورة أفكار الشخصيات ودفع التفاعل والتبادل بين السرد والحوار ويبدو ذلك في الجمل الخاطفة التي تأتى تعليقا على الحوار والتي تصنع تقابلا دلاليا بين مضمون الحوار وبين مضمون الحملة المعقبة وهى مقابلة تشي بتنازع وعيين في الرواية وهو تنازع قد يصل إلى حد الضدية فخالد عزوز وسمارة بهجت يتناقشان في المسرحية التي تنوى سارة كتابتها ويشير عليها خالد أن تجعلها مسرحية هزلية أومسرحية عبثية فوضوية تعبر عن عالم ماهيته الفوضى ويختلفان في الرأي ثم تأتى جملة لا شئ هنا يدور بيقين ويعرف هدفه إلا الجوزة وهذه الحملة تصنع تقابلا مع مضمونالحوار كالتقابل بين الأبيض والأسود وكذلك حين هنأ عم عبده أنيس زكى بالعيد لثالثأو رباع مرة سأله أنيس ماذا تعرف عن العيد؟ أجاب بأنه اليوم الذي هاجر فيه النبي منالكفار ولعن الكفار فقال أنيس :سوف يملأ ون هذا المجلس الذي تعده بعد قليل

ويأتي احتشاد الموز اللغوية في الرواية دافعا تيار الوعي إلى البروز على سطح التكنيك الفني للرواية والسيطرة على البعد الفتى لتوظيف الحوار الداخلي والخارحى فيالرواية ويظهر هذا الاحتشاد في الهذيان تارة والكابوس تارة وفى كل هذه الصور تصبحتلك الرموز وسيلة لغاية واحدة هي التحذير من الهلاك فما خوف مجموعة العوامة منالحوت الذي يظهر لهم إلا تعبير عن الخوف الدفين من الموت والنهاية وجاء هذا الخوففي ثوب لغوى كاشف لفلسفة الموت عند هؤلاء وإذا عرفنا أن شخصيات الرواية باستثناء عمعبده تنتمي إلى نمط الشخصية المثقفة التي تتقن الحوار والجدل فجاءت لغة الحوار بينالشخصيات لغة مراوغة تعتمد على الكنايات والتوريات والمشترك اللفظي ويبدو ذلك عندما تقول سمارة بهجت لأنيس:

-على أي حال فأنت ألطفهم جميعا.

-أنا

-لا يخرج من فمك سوء

-ذلك اننى اخرس

-ويجمع بيننا شئ واحد

-ما هو؟

-الوحدة

-المسطول لا يعرف الوحدة

-لماذا لا تغازلني؟

-المسطول الحق يتمتع باكتفاء ذاتي

وهو يعنى بالاكتفاء الذاتي هنا انصرافه الكامل إلى الجوزة وكم كان بارعا في أداء معنى هزلي بعبارة محكمة جادة البناء وكذلك رصد هذا الحار المرواغ الدال على ثقافة المتحاورين وعمق الوعي لديهما ومن هنا فإننا نجزم بان اللغة في هذه الرواية هي التي لعبت دور البطل وان المتعة الحقيقية التي نخرج بها من قراءة الرواية قدرة اللغةالسحرية على صنع مفارقة جمالية كاشفة عن الأبعاد النفيسة لشخصيات الرواية وقدرة على التطابق مع البيئة الروائية وتقلها من واقع مادي ممقوت إلى واقع جمالي مبهرباعتبارها أداة الإبداع الادبى الأولى في الرواية

أخرج من الدرج محبرة وراح يملأ القلم ، عليه ان يعد البيان من جديد . حركة الوارد . في الحقيقة لا حركة البته ، حركة دائرية حول محور جامد ، حركة دائرية تتسلى بالعبث ، حركة دائرية ثمرتها الحتمية الدوار ، وفي غيبوبة الدوار تختفي جميع الأشياء الثمينة. من بين هذه الأشياء الطب والعلم والقانون والأهل المنسيون فيالقرية الطيبة والزوجة والابنه الصغيرة تحت غشاء الأرض ، وكلمات مشتعلة بالحماس دفنت تحت ركام من الثلج. ولم يبق في الطريق رجل، وأغلقت الأبواب والنوافذ، وثارالغبار لوقع سنابك الخيل، وصاح المماليك صيحات الفرحة في رحلة الرماية، كلما عثرواعلى آدمي في مرجوش او الجماليه أقاموا منه هدفا لتدريبهم. وتضيع الضحايا وسط هتافالفرح المجنون، وتصرخُ الثكلى الرحمة يا مملوك، فينقضُّ عليها الصائد في يوم اللهو. بردت القهوة وتغير مذاقها ومازال المملوك يضحك ملء شدقيه، وحلَّ الصداع مكان الخيال ومازال المملوك يضحك. وهو يطلقون اللحي ويثيرون الغبار ويفرحون بالأبهة والتعذيب .. ودبَّ نشاط مرح في الحجرة القاتــمة مؤذنا بالانصراف .. "

".. ولكن ماقيمة أن تبقى أوأن تذهب ، أو أن تعمر كسلحفاة . ولما كان الزمن التاريخي لا شيئا بالقياس بالزمن الكوني فسناء في الواقع معاصرة لحواء، ويوما ما ستحمل لنا مياه النيل شيئاً يستحسنأن نسميه فقالَ له صوت الظلام ( أحسنت ).. ولا أستبعد أن اسمع ذات ليلة نفس الصوتوهو يأمرني بعمل خارق يذهل له من لا يؤمن بالمعجزات.. وقد قال العلم في النجوم كلمته ولكن ما هي في الحقيقة الا أفراد عالم آثروا الوحدة فتباعدوا عن بعضهم آلافالسنين الضوئية.. فيا أي شئ افعل شيئا فقد طحننا اللاشــــــئ.."

" التقط من النافضة عقب سيجارة من السجائر التي دخنها أثناء الجلسة ، بقي منها الفلترالبرتقالي وعقب ابيض مضغوط فتأملها طويلا ثم أعادها الى موضعها وسط مجموعة من الهاموش الهالك، وتضوع من النيل شذى مائي ذو نكهة أنثوية ، وخطر له أن يتسلى بعدّ النجوم ولكن أعوزتهُ الهمة اذ لم يكن في النجوم من يعنى برصد كوكبنا ودراسة أحوالنا الغريبة فنحن ضائعــون . وترى كيف يفسر الراصد مجلسنا الضاحك مابين اجتماع شمله حتى تقوضه .. سيقول ثمة تجمعات دقيقة تنفثُ غبارا مما يكثر في الغلاف الجوي للكواكبوتصدر عنها اصوات مبهمة لا يمكن فهمها مادمنا لم نصل بعد الى معرفة اي فكرة عن تكوينها ، ويزيد حجم التجمعات مابين مرة وأخرى مما يدل على أنها تتكاثر بطريقة ماذاتيه أو خارجية ، ولذلك فمن غير المستحيل ان يوجد نوع من الحياة البدائية في ذلكالكوكب البارد خلافا للقائل باستحالة وجود حياة في غير الأجواء النارية .. ومنالعجيب أن هذه التجمعات تختفي لتعود من جديد ويتكرر الحال على ذلك المنوال دون هدفواضح مما يرجح معه الراي القائل بعدم وجود حياة بالمعنى الصحيح على الأقل .. وحسرالجلباب عن ساقيه المشعرتين وضحك بصوت عالي ليرى الراصد ويسمع .. وقـــال : بل لناحياة / وقد أوغلنا في الفهم حتى أدركنا اللامعنى وسوف نوغل أكثر وأكثر ولا أحديستطيع التكهن بما سيكون .. ولن نكون أدهش من يوليوس قيصر اذ تدهمه الحسناء الخالدةبارزة من البساط المنطوي ويسأل القائد الذاهل : ( من الفتاة؟ ) .. فتجيب ممتلئة ثقة وجمالا كليوباترة ملكة مصر . ) .. "

" ويضيقُ الصدر بأي حكمة الا حكمة تنعي جميع الحكم ، فليذهب العذابالمتراجع أمام السحر الى غير رجعة .. وعندما نهاجر الى القمر سنكون اول مهاجرينيهاجرون هربا من لا شئ الى لا شئ .. فواحسرتاه على نسيج العنكبوت الذي غنى ذات مساءفي قريتنا مع نقيق الضفادع "

" ليس من العجيب ان يعبد المصريون فرعون ولكن العجيب ان فرعون آمن حقاًبأنه اله "

".. ذلك أن الفلسفات قصور جميلة هائلة لكنها لا تصلح للسكنى .. "

" .. من المحقق أنهما لايعرفان ان النيل هو الذي قضى علينا بما نحنُ فيه .. وأنه لم يبقَ من عباداتناالقديمة الا عبادة ابليس . وأن الداء الحقيقي هو الخوف من الحياة لا الموت .. "

" … في كوخ عم عبده شئ لا يتغير حقاً .. هو الخلاء "

" .. عليكم اللعنه .. ليسأعدى للكيف من التفكير. وعشرون جوزة كادت أن تضيع هباء. ولا شئ يبدو راسخ الايمانكشجرة البلح ، كما ان اصرار الهاموش يستحق الاعجاب، ولكن اذا فقدت أنات عمر الخيامحرارتها فقل على الدنيا السلام ، وجميع هؤلاء الساخرين تكوينات ذرية، وهاهو كل فردمنهم ينحل الى عدد محدود من الذرات. فقدوا الشكل واللون ، اختفوا تمام ، ولم يعدمنهم شئ يرى بالعين المجردة، وليس ثمة هناك الا أصوات ..".

جدل حول الرواية

من يقرأ الرواية في معزل عن ظروفها سيجدها عادية نوعا ما لكن حين يعرف الوقت الحرج الذي كُتبت به،سيدرك أنها كانت شُجاعة وجريئة في مواجهة الطغاة حينها. فقد كانت في صميم عهد عبدالناصر مما جلبت الرواية المشكلات لنجيب محفوظ من خلال استنفار رجال السلطة الذين حاولوا أن يوقعوا به لكن عبدالناصر وقف مع الأديب الراحل - كما يقال - ورأى أن الرواية ليس فيها ما يؤذي كبرياءه وهي من الحالات النادرة التي ينجو فيها الأدب ذو السوط النقدي من سطوة الساسة.

انظر أيضاً

المصادر

  1. ^ رواية ثرثرة فوق النيل. مدونة بلقيس اليمن: (2011-11-07). وُصِل لهذا المسار في 11 نوفمبر 2012.
  2. ^ رواية ثرثرة فوق النيل لنجيب محفوظ. نادي إقرأ: (2009-06-14). وُصِل لهذا المسار في 11 نوفمبر 2012.
  3. ^ أشرف البشيري (2010-04-25). ثرثرة فوق النيل. مدونات ياهو. وُصِل لهذا المسار في 11 نوفمبر 2012.