اوپرا

"تياترو ألا سكالا" في ميلان، إيطاليا. تأسس عام 1778، وهو أحد أشهر دور الاوپرا في العالم.

الأوبرا Opera كلمة إيطالية تعني عملاً أو أثراً أدبياً أو فنياً وهي مشتقة من كلمة أوبوس Opus اللاتينية. وهي، في الموسيقى، عمل مسرحي مؤلف من نص مسرحي يسمى «كتيّب» libretto تواكبه الموسيقى غناء وبمصاحبة فرقة موسيقية orchestra. وتتألف جوقة المؤدين (كورس chorus أو choir) من مغنين منفردين solists وجماعيين. ويضم العمل المسرحي (بالإضافة إلى التمثيل مع الغناء والرقص) الفنون الأخرى وبينها التصوير وتصميم الملابس والمناظر والأثاث والمؤثرات الصوتية وهندسة الإضاءة. ويطلق على المسرح الذي يختص بعروض الأوبرا اسم «دار الأوبرا». كما تستخدم لفظة الأوبرا كذلك للدلالة على سلسلة أعمال المؤلف الموسيقية حيث يكتب منها الحرفان.op اختصاراً، وإلى جانبهما رقم العمل الموسيقي. ومع أن الأوبرا نوع من التسلية باهظ التكاليف وتختلف الآراء حولها بين مؤيد ومعارض فقد ظلت طوال أربعة قرون ومازالت تلاقي إقبالاً كبيراً.

تاريخ الأوبرا

من المتعارف عليه أن مطلع القرن السابع عشر هو بداية لتاريخ الموسيقى الدرامية، لأن ظهور الأوبرا حينذاك دفع إلى الاعتقاد بأنها فن مبتكر وجديد كل الجدة، ولكن الحقيقة أنه خضع لتطور بطيء. فهناك أوبرا قبل الأوبرا حسب تعبير الكاتب الفرنسي رومان رولان Romain Rolland. ففي القرن الرابع عشر عُرف نوع من التمثيليات المقدسة التي انحدرت من أغاني العبادة تقدم بكاملها غناءً مصحوباً بالحركات الإيمائية والرقص. ومنذ بداية عام 1470، وتحت تأثير فلسفة النزعة الإنسانية humanism كانت تقدم على المسارح في إيطاليا أشكال من المأساة والملهاة اللاتينية. ونحو عام 1540 برز نوع ثالث هو المسرحية الرعوية كان مبشراً بميلاد الأوبرا. وفي نهاية القرن السادس عشر نما الفن الغنائي المتعدد الأصوات (البوليفوني polyphony) مما حمل الموسيقيين على الاتجاه نحو طريق جديدة. وفي سبيل محاولة إحياء الفنون الإغريقية القديمة ومحاكاتها قامت جماعة من النبلاء بتأسيس أكاديميات ترعاها مجموعات من «المثقفين الجماليين» Esthéticiens المعروفين ليعملوا على ترقية الفن وذلك باحتوائه ضمن صيغ محددة. وقد انتشرت تلك الأكاديميات في أنحاء إيطالية وبينها ما كان للأدب أو للتصوير أو للنحت. وأول أكاديمية للموسيقى كانت تلك التي أسسها الكونت باردي Bardi في فلورنسة بمشاركة من الكونت كورسي Corsi، وكانت تجمع بين رجال الأدب والموسيقى والعلماء النظريين، وقد دعيت تلك المجموعة بالكاميراتا Camerata وكان من أبرز أعضائها الموسيقيون: [[بيري، وكاتشيني Caccini، وگاليلي Galilei (والد عالم الطبيعة الشهير)، وكافالييري Cavalieri، والأديب الشاعر رينوتشيني. وفي عام1581 نشر غاليلي كتاباً باسم «محاورة ثنائية (ديالوگ) dialogue في الموسيقى القديمة والحديثة» لخص فيه الفلسفة الموسيقية لجماعة الكاميراتا التي آلت على نفسها تطبيق المثل الجمالية العليا للفلسفة الإغريقية على الموسيقى الإيطالية. وفي رأيه أن فن تعدد الأصوات هو مكمن العلة وعلى الموسيقى أن تخضع للكلمات التي تتحكم أيضاً في الإيقاع والقفلات، وتعمل على تجميل الكلمة المنطوقة، وعلى دعم الحركات المسرحية للممثل المغني، لكي يؤدي التزاوج الروحي بين الموسيقى والمسرحية إلى بعث المثل الأعلى اليوناني لفلسفة أفلاطون الجمالية. وقد رأى كاتشيني، في مجموعة ألحانه التي نشرها باسم «الموسيقات الحديثة» nuove musiche، أن فن تعدد الأصوات الذي يعدّ السمة البارزة لعصر النهضة يؤدي إلى تقطيع أوصال الشعر لأن الأصوات الفردية تغنّي ألحاناً مختلفة في وقت واحد مما يؤدي إلى مطّ مقاطع الشعر المغنى أو ضغطها وبذلك تقضي على الكلمة والوزن. ومهما كان الاختلاف بين أنصار المدرسة القديمة في عصر النهضة وأنصار المدرسة الحديثة في عصر الباروك فقد بنى الفريقان معاً أفكارهما الجمالية على النظرية الأفلاطونية القائلة بأن الفن هو محاكاة للطبيعة. أما جماعة الكاميراتا فقد خرجوا بعد موقفهم المتطرف من موسيقى عصر النهضة بتطرف ثان يحسب عليهم، فقد تركوا للموسيقى دوراً ثانوياً قاصراً على دعم الكلمة المنطوقة، ولا ينكر أنهم في البداية استخدموا مذهب المشاعر affections لتأكيد دلالات النص وزيادة فعالية اللحن الموضوع له. ولعل ما حصل في فلورنسا يذكّر بالمدرستين المتضادتين في تاريخ الغناء العربي فقد عمل عرب الأندلس على تطويع الشعر للموسيقى في حين عمل المغنون العرب في المشرق على إخضاع الموسيقى للشعر.

الأوبرا الإيطالية

المسرحية الأوبرالية دافني (1597) لـ:جاكوبو بيري، تعتبر بشكل عام الأوبرا الأولى، ولكن المؤلف الأول العظيم للأوبرا كان كلاوديو مونتيفيردي (1567-1643) الذي لا تزال أعماله تعرض وتؤدى حتى اليوم. ما لبثت الأوبرا بعدها إلا أن انتشرت من البندقية وروما من إيطاليا إلى بقية أرجاء أوروبا: شوتز في ألمانيا، لولي في فرنسا، وبرسل في إنجلترا، كل هؤلاء ساعدوا في إنشاء تواريخهم الوطنية. على أية حال، وفي القرن الثامن عشر، استمرت سيطرة الأوبرا الإيطالية على معظم أرجاء أوروبا، ما عدا فرنسا، مما ساعد على جذب مؤلفين أجانب مثل هاندل. في ذلك الوقت، كانت أوبرا سيريا أو الأوبرا الجدّية أو الدرامية، أكثر أنواع الأوبرا الإيطالية رفعةً في المستوى، حتى جاء گلك الذي عاكس اصطناعية الأخيرة بمسرحياته الأوبرالية المعدّلة. وفي أواخر القرن الثامن عشر، كان موتسارت من أكثر الشخصيات تأثيرًا على الأوبرا آنذاك، ابتدأ موتسارت بأوبرا سيريا، ولكنه اشتهر بمسرحياته الأوبرالية الكوميدية الإيطالية، خصوصًا لي نوتزي دي فيغارو أو زواج فيگارو، دون جوفاني أو السيد جوفاني، وكوزي فان توتي. أوبرا دي زاوبرفلوت أو المزمار السحري تعد من أشهر أعمال موتسارت وتعد أيضًا من العلامات الواضحة للتاريخ الألماني في الموسيقى.

مولد الاوپرا

لقد شارك الدين، الحب، والرقص، والبلاط، بل حتى العمل، في مولد الموسيقى. ووجد إيفلين أهل الريف الإيطالي »غاية في المرح وإدمان الموسيقى، وحتى الزراع كانوا كلهم تقريباً يعزفون على القيثارة... ويمضون عادة إلى الحقل ومعهم كمانهم(60)« وكان لكل بلاط دوق فرقة مرتلين وقائد للعازفين في الكنيسة؛ وفي فيرارا أثار رباعي من النساء اشتهر باسم »فرقة موسيقى السيدات« الدموع في عيني ناسو وأطلق قلمه بالقوافي. ونسجت أغاني الحب الشعرية شكاواها المتعددة الأصوات، فجعلت التعبد للمرأة حتى زواجها موضع توقير يكاد يرقى إلى توقير الابتهالات الموجهة إلى والدة الإله. وانطلقت القداديس وصلوات المساء والألحان والترتيل يصدح بها ألف أرغن. وحوالي عام 1600 بدأت فرق من خصيان صغار تشنف آذان المصلين. ووصف زائر بروتستنتي موسيقى الكنيسة الكاثوليكية »التي يرتلها خصيان واصوات أخرى نادرة، تصحبهم الآلات الموسيقية، كالعود والبيان القيثاري والفيول؛ ترتيلا كاد يذهب بألبابنا ودرب الرهبان والراهبات في فرق ترتيل تبعث الإيمان القويم حتى في الصدور المتوحشة. واجتذب أندريا گابرييلي، وكلوديو ميرولو، وجوفاني گابرييلي (ابن أخي أندريا) على التوالي ألوف المستمعين إلى كنيسة القديس مرقس بالبندقية لينصتوا لعزفهم على الأرغن ولفرقتهم الموسيقية ولفرق المرتلين التي يقودونها. وحين عزف جرولامو فرسكوبالدي على الأرغن الكبير في كنيسة القديس بطرس احتشد ما لا يقل عن ثلاثين ألفاً في الكنيسة أو من حولها ليستمعوا لعزفه. وقد أثرت ألحانه المنوعة، المعقدة بتجاربها العويصة، في دومنيكو سكارلاتي، ومهدت للتطويرات الهارمونية التي جاء بها يوهان سباستيان باخ.

وكانت الآلات الموسيقية متنوعة تنوعها اليوم تقريباً. وحوالي منتصف القرن السادس عشر بدأ الكمان، المتطور عن القيثارة، يحل محل الفيول. وكانت بريشيا مقر أول صانعين من صناع الكمان العظام، وهما گاسبارو داسالو وتلميذه جوفاني ماجيني. ويلوح أن أندريا أماني أخذ الفن عنهما وحمله إلى كريمونا؛ حيث اسلمه ابناؤه إلى آل جوارنيري وآل ستراديفاري. وقد لقيت الآلة الجديدة مقاومة من أولئك الذين آثروا أنغام القبول الأكثر نعومة ورقة. وقامت المنافسة بين الفيول والعود والكمان قرناً من الزمان. ولكن حين وجد آل أماتي الوسائل للتخفيف من حدة صوت الكمان ارتقت الآلة الجديدة إلى مقام الصدارة غير منازع، يعينها عليه ازدياد غلبة اصوات السوبرانو في الموسيقى الصوتية.

كانت الألحان لا تزال توضع للصوت أكثر منها للآلة. وإلى هذه الفترة تنتمي شخصية شاعرية هي شخصية كارلو جزوالدو، أمير فينوزا، الذي زين النبالة بالموسيقى؛ والقتل بالأغاني الشعرية. ولد في نابلي (حوالي 1560) وأصبح عازف عود ممتازاً، وتزوج سيدة عريقة المولد؛ ودبر قتلها هي وعشيقها لشبهة الزنى؛ ثم هرب إلى فيرارا، وتزوج دونا اليونورا ديستي؛ ونشر خمسة كتب من أغاني الغزل انتقلت أنغامها الجريئة وانتقالات طبقاتها الحادة من قوالب النهضة إلى قوالب الأصوات المتعددة الحديثة. وفي فبراير 1600 أخرج ايميليو دي كافالييري؛ في مصلى القديس فيليب نيري بروما؛ قصة رمزية شبه مسرحية، الحركة فيها للرمز فقط؛ ولكن يصاحبها الأوركسترا والرقص والخورس والمغنون المنفردون هذه الموشحة الدينية »الأوراتوريو الأولى«، سبقت أوبرا بيري المسماة »أوريديتشي« بثمانية شهور لا أكثر، وشابهتها من وجوه كثيرة. وبعد مرور جيل آخر ألف جاكومو كاريسيمي أوراتوريوات وكنتاتات أثرت تراتيلها الفردية في تطور الإلقاء الأوبري الملحون.

والتقت خطوط كثيرة أخرى من التطور الموسيقي لتخرج لنا الأوبرا، فبعض »التمثيليات المقدسة« التي خلفتها العصور الوسطى أضافت الموسيقى والغناء إلى الحركة. ففي هذه، وفي موسيقاها المعبرة عن آلام المسيح، كانت الكنيسة أما للأوبرا أو حاضنة لها كما كان شأنها في كثير من الفنون الأخرى. فقد كانت المقاطع الملحوظة المصحوبة بالموسيقى تسمع في القصور أواخر العصور الوسطى. وذكر علماء النهضة أن قطعاً من المآسي اليونانية كانت تغني أو ترتل بمصاحبة الموسيقى. وفي بلاط مانتوا، عام 1472؛ جمع إنجيليو بولتسيانو بين الموسيقى والدراما في مسرحيته القصيرة »فافولادي أورفينو أورفينو وبدأت هذه الأسطورة الحزينة تشق الآن طريقها الطويل إلى الأوبرا. كذلك شقت مسرحية الأقنعة »الماسك« التي اشتد الإقبال عليها في قصور القرن السادس عشر طريقاً آخر إلى الأوبرا؛ ولعل الباليه؛ والمشاهد المسرحية المترفة؛ والملابس الفخمة التي تراها في الأوبرا الحديثة، منحدرة من الرقص والمواكب والثياب الفاخرة التي غلبت على الحركة في مسرحيات الأقنعة أيام النهضة.

وفي أخريات القرن السادس عشر اقترح فريق من المتحمسين للموسيقى والأدب التقوا في بيت جوفاني باردي بفلورنسة أن يحيوا مسرحية اليونان الموسيقية بتحرير الأغنية من تعدد الأصوات الشديد ومن لغة القصائد الغزلية المفرقة المكتومة، وردها إلى ما كانوا يعتقدونه اسلوب المأساة القديمة الفردي (المونودي). فقام أحدهم وهو فنشنزو جاليلي، أبو الفلكي، بتأليف موسيقى مونودية لأجزاء من جحيم دانتي. ووضع عضوان آخران من الجماعة، هما الشاعر أوتافيو رينوتشيني والمغني ياكوبو بيري، النص والموسيقى لما يمكن أن نعده أول أوبرا واسمها »دافني«، وقد أخرجت في بيت ياكوبو كورسي في 1597)63). وقوبل الأداء بالاستحسان الكبير حتى أن رينوتشيني دعى إلى وضع الكلمات للحن أهم، وبيري وجوليو كاتشيني إلى تأليف موسيقى اللحن، وذلك احتفالا بزفاف هنري الرابع وماريا دي مديتشي بفلورنسة (6 أكتوبر 1600). و »الأوريديتشي« التي مثلت هناك هي أقدم الأوبرات الباقية على قيد الحياة. وقد اعتذر بيري عن عيوب هذا العمل المستعجل، راجيا »أن أكون قد فتحت الطريق لموهبة غيري من المؤلفين، ليتأثروا خطاي نحو هذا المجد الذي لم يتح إلى بلوغه(63)«.

هذا المجد بلغه أحد الفحول في تاريخ الموسيقى، وهو كلوديو مونتيفردي. حذق العزف على الكمان في مسقط رأسه كريمونا، حتى أنه عين عازفاً للكمان في قصر دوق مانتوا وهو لا يتجاوز الثانية والعشرين (1589)، وفي الخامسة والثلاثين أصبح قائد فرقة المرتلين في الكنيسة. وقد ندد النقاد تنديدا شديدا بكتبه الخمسة في الأغاني الشعرية (1587-1605) لما أخذوه عليها من تنافر شديد، و »نقلات شديدة التحرر«، ومتواليات هارمونية »غير قانونية«، وخروج على قواعد مزج الألحان (الكونتر بنط). كتب جوفاني ارتوزي في »مثالب الموسيقى الحديثة« (1600-3) يقول »هؤلاء الملحنون المحدثون يحلو لهم فيما يبدو أن يخرجوا أعظم ما يستطيعون من ضوضاء بالجمع بين عناصر لا رابط بينها اطلاقا ومجموعات متعاظمة من الأنغام المتنافرة(64)«.

ووجه مونتيفر دي محاولاته المتهورة إلى الشكل الجديد الذي سمعه في فلورنسا، فأخرج في مانتوا أول اوبرا من تلحينه، وهي »اورفيو« أخرى (1607) يشارك في عزفها أوركسترا من ستة وثلاثين عازفا. وسجلت الموسيقى والحركة في هذه الأوبرا تقدما عظيما على أوبرا »أوريديتشي« لبيري. وفي الأوبرا الثانية التي لحنتها مونتيفردي، واسمها »أريانا« (1608) كانت الحركة أشد مسرحية والموسيقى أكثر استهواء للسامعين. وبدأت إيطاليا كلها تردد عويل أردياني التي هجرها حبيبها »دعوني أمت«، وفي توسيع مونتيفردي للاوركسترا واعادة تنظيمه، وفي تمييزه المتكرر لكل شخصية بلحن خاص، وفي افتتاحياته 0سنفونياته) التي استهل بها اوبراته، وفي تجويده للموسيقى الصوتية والألحان، وفي جمعه الحميم، المعقد، بين الموسيقى والدراما، في هذا كله سجل من التقدم الحاسم في الأوبرا ما كان يفعله معاصره شكسبير في المسرح.

وانتقل مونتيفردي في 1612 إلى البندقية قائدا للمرتلين بكنيسة القديس مرقس. ولحن مزيدا من الأغاني الشعرية، ولكنه غير من هذا اللون الآخذ في الانحلال مسرفا في العنصر الالقائي اسرافا حدا بالنقاد إلى اتهامه بأنه يخضع الموسيقى للدراما (على نحو ما سيتهم به برنيني من اخضاع النحت للدراما)، ومما لا ريب فيه أن أوبرا مونتيفردي-ككل أوبرا تقريبا- ضرب »من الباروك« الموسيقى. وافتتحت البندقية أول دار عامة للأوبرا »تياترو دي سان كاسيانو«، وفيها استمر عرض أوبرا مونتيفردي »أدوني« من عام 1639 إلى كرنفال 1640، بينما كان أوبرا أخرى له تسمى »أريانا« تشغل مسرحا آخر بين الحين والحين. فلما أخرج آخر أوبراته »تتويج البابا« (1642) اغتبطت إيطاليا لأنها رأت أنه ما زال في عنفوانه رغم بلوغه الخامسة والسبعين (شأن فردي الذي أخرج »عطيل« وهو في الرابعة والسبعين). وبعد عام مات تاركا دنيا الموسيقى بعد أن أن الهمتها وجددت شبابها ثورته الخلاقة.

الأوبرا في فرنسا

كانت لفرنسا تقاليدها الخاصة في المسرحيات الكلاسيكية، مثل مسرحيات كورنيي Corneille وراسين Racine، وفي الباليه. وكان تكوين الأوبرا يتطلب شكلاً يجمع بين الاثنتين الأوبرا والباليه، وهذا ما قام به لولّي (الإيطالي الأصل) وأطلق على الأوبرا اسم «المأساة الغنائية» tragedie lyrique، وقد أهمل طريقة «الغناء الجميل» الممتلئة بالتزيينات والزخارف اللحنية مقابل تطويع الموسيقى للنص متبنياً أسلوباً غنائياً جديداً يتلاءم مع اللغة الفرنسية. ثم أتى رامو Rameau (المشهور بأبحاثه في علم الصوت وفي الانسجام) بعد لولّي وأحرز نجاحاً كبيراً في أعماله ومنها الأوبراـ الباليه: «الهنديات الحمر المهذبات» (1735) les indes galantes. فأسلوبه الغني في تركيبه، الموصوف بجديته البالغة وحبكته الخيالية، كان يتعارض تماماً مع الإيطاليين الذين كانوا يعملون وقتها في الأوبرا الملهاة. وعند غلوك Gluck (الألماني الأصل)، أصبحت القصص أكثر بساطة واستخدمت الموسيقى لتكشف عن الطبائع وتهيء الأجواء. ومع أوبراه «أورفيو وإورِديتشه» (1762 ثم عدلت عام 1774) تعادلت كفتا الميزان بين الموسيقى والمسرحية. وقد شهدت باريس نزاعاً بين أنصار كل من الأوبرا الفرنسية والأوبرا الإيطالية دام سنتين، دعي بحرب الهازلين، وذلك بعد عرض أوبرا «إيفيجينية في توريد» Iphigénie en Tauride لكل من گلوك وبيتشينّي Piccinni.

الأوبرا في إنكلترا

كتب بورسيل Purcell أوبرا قصيرة بعنوان «ديدو وإينياس» (1685) تأثر فيها بالأسلوبين الإيطالي والفرنسي. ثم وفد هَندل (الألماني الأصل) وتلميذ سكارلاتي إلى إنگلترا، وبصحبته فرقة إيطالية، وقام بوضع أوبرات رائعة فيها ولكن بالأسلوب الإيطالي البحت ومنها «يوليوس قيصر في مصر» (1724).

الأوبرا في النمسا وألمانيا

أما في النمسا وألمانيا فقد احتضن موتسارت النمسوي نوعي الأوبرا كليهما: الجدية في الأوبرا الفرنسية والخفة في الأوبرا الإيطالية الهازلة. ففي «اختطاف من السراي» (1782)، و«الفلوت المسحور» (1791) بلغ الإتقان فيهما عنده مبلغاً عظيماً في المزج بين المشهد والملهاة والرواية الخرافية والرواية الأخلاقية ، فكانتا الأساس الوطيد للأوبرا الألمانية. وأوبراته الثلاث التالية: «أعراس الفيگارو» (1786)، و«دون جوفاني» (1787) و«هكذا يفعلن كلهن» (1790) cosi fan tutte، كانت كلها إيطالية بنصوصها وأسلوبها، بالتعاون مع كاتب النصوص الموهوب دابونته Da Ponte. أما أوبرا «فيديليو» Fidelio، (التي أجريت عليها تعديلات عدة مرات)، فكانت المغامرة الوحيدة لبتهوفن في فن الأوبرا: ففيها موسيقى رائعة ولكنها أقل التزاماً في طابعها المسرحي. ويعد فيبر Weber الأب الحقيقي للأوبرا الألمانية الرومنسية. وقد نالت أوبراه «الصياد الحر» der freischütz (1821) نجاحاً شعبياً وختم أعماله بأوبرا «أوبيرون»Oberon (1826) معتمداً على نص بالإنكليزية إلا أنها لم تلق نجاحاً.

الأوبرا في الولايات المتحدة الأمريكية

ظهرت الأوبرا في الولايات المتحدة جد متأخرة مثل أوبرا «بورگي وبيس» Porgy and Bess (أوبرا شعبية) (1935) ل[[غيرشوين Gershwin، و«القنصل» (1950) لِمنوتّي Menotti، و«فانيسّا» (1958) لباربر Barber، و«الأرض الغضة» the tender land (1954) لكوبلاند Copland.

اتجاهات الأوبرا في القرن التاسع عشر

شهدت الأعمال الأوبرالية في القرن التاسع عشر تطوراً ملحوظاً:

في إيطاليا

تألق من جديد فن الغناء الجميل للأوبرا في أعمال روسّيني كأوبرا «حلاق إشبيلية» (1816)، و[[بلّيني Bellini في «نورما» (1831)، ودونيزيتي Donizetti في «لوتشيا دي لامرمور» (1835)، وبونكييلّي Ponchielli في «الجوكونده» (1876)، وكل منهم خبير في اكتشاف المواقف الدرامية الحقة. وعند هذه النقطة راحت أهمية الأوبرا الهازلة تتضاءل بسرعة. فقد ولد عصر الأوبرا الفخمة مثل: «الفرنسيون البروتستنت» أو «الهوغونو» (1836) les Huguenots لميربير Meyerbeer الألماني الأصل، و«الإفريقية» (1865) لآليفي Halévy الفرنسي. أما فيردي الإيطالي الذي غلب على أعماله الطابع الدرامي الحقيقي فقد نالت أعماله استحساناً غير عادي بدءاً من «نابوكّو» Nabucco أي (نبوخذ نصر) (1842) وتبعتها سلسلة طويلة من الأعمال الناجحة بينها «مهرج الملك» (1851) rigoletto، و«المرأة الضالة» (1853) la traviata وغيرهما ثم أوبرا «آيدا» Aïda أي (عايدة) (1871). هذا مع العلم أن أسلوبه في التلحين بدأ يتبدل منذ أوبرا «ماكبث» Macbeth، وأنجز عملين مهمين، بعد انقطاع طويل، بدا فيهما تأثره الواضح بدرامية فاگنر و[[شكسبير معاً، وهما «عطيل» (1887) و«فالستاف» (1893) وهما آخر أعماله. وجاء فريق من مؤلفي الأوبرا الإيطاليين بفهم وأسلوب جديدين تبديا بما سمي بـ «الواقعية» verismo, realism وهو مذهب ينحو نحو التعامل مع الإنسان العادي في أجوائه المعاصرة. وأفضل من مثّل ذلك في إيطاليا: ماسكانيي Mascagni في أوبرا «الشهامة الريفية» (1890) cavalleria rusticana، وليونكافالّو Leoncavallo في أوبرا «مهرجو السيرك» (1892) I pagliacci، وبعض أعمال بوتشيني Puccini الرائعة في الأوبرا مثل: «الحياة البوهيمية» (1896) la Boheme و«توسكا» (1900) Tosca و«مدام بترفلاي» (1904).

في فرنسا

شهر عدد من المؤلفين بينهم: گوستاف شاربانتييه G.charpentier في «لويز» (1900)، وبيزيه Bizet في «كارمن» (1875) التي حظيت بنجاح باهر. وفي فرنسا كذلك كان برليوز Berlioz يبني مجداً شامخاً مع إبداعه المسمى «الفكرة الثابتة» idée fixe وهي جملة لحنية قصيرة تستخدم في العمل الموسيقي لربط الأجزاء بعضها ببعض، وقد صادفت مؤلفاته، مثل «الطرواديون» (1863) les Troyens، تأرجحاً بين الإخفاق والنجاح في حين لاقت أعمال لزملائه نجاحاً فائقاً يمثله ما لاقته كل من «فاوست» (1859) Faust و«روميو وجولييت» (1867) لگونو Gounod، و«شمشون ودليلة» (1877) لسان سانس Saint-Saéns، و«حكايات هوفمان» (1881) لأوفنباخ، و«لاكميه» (1883) Lakmé لديليب Delibes. كما امتلأت بأرق الأحاسيس والشاعرية الدافقة كل من أوبرا «مانون» (1884) Manon وأوبرا «تاييس» (1894) Thaïs لماسنيه Massenet. وكانت أوبرا «بيلياس وميليزاند» (1902) Pelléas et Mélisande لديبوسي Debussy ممثلة للمدرسة الانطباعية الفرنسية، ومعها أوبرا «أريان وذو اللحية الزرقاء» (1907) لدوكاس Dukas، وذلك إلى جانب أعمال رافيل Ravel في الأوبرا مثل «الساعة الإسبانية» (1911)، و[[ميّو Milhaud في أوبرا «كريستوف كولومبوس» (1930)، وأونيگر Honegger السويسري في أوبرا «أنتيگونا» (1927) Antigone.

في ألمانيا

يمكن وصف أعمال فاغنر الأولى بالتقليدية إلى أن اتجه إلى الأساطير الألمانية وشرع بذلك في تحقيق أفكاره في المسرحية الموسيقية التي تقول بالمسرحية المتواصلة غير المتقطعة بالأغاني القصيرة والثنائيات وغيرها، والتي ترافقها موسيقى أوركسترية غنية في إخراج ضخم. ومن أوبراته: «الهولندي الطائر» (1843) the flying Dutchman، و«تانهويزر» (1845) Tannhäuser، و«لوهنگرين» (1850).

وتبدو إنجازات فاگنر الباهرة في سلسلة أوبرات أربع في «حلقة النيبلونغ» der ring des Nibelungen وهي: «ذهب الراين» das Rheingold، و«الفالكيريه» Die Walküre، و«زيگفريد» Siegfried، و«شفق الآلهة» Götterdammerung. وقد قدمت الرباعية مجتمعة في أربع ليال متتالية (1876)، واستغرق تحضيرها عشرين عاماً، وقد ظهرت له في أثنائها أوبرا «تريستان وإيزولدِه» (1865). أما أوبراه الأخيرة «بارسيفال» (1882) فلم يمكن عرضها إلا على مسرح بلدة بايروت Bayreuth البافارية الضخم الذي افتتح عام 1876، وما يزال يقام فيه مهرجان دوري لأعمال فاغنر، وقد أقيم وفق تصميمات فاغنر الثورية ومنها إخفاء الأوركسترا والجوقة الغنائية عن العيان وذلك ليتم التوازن الصوتي بين الآلات والأصوات، إلى جانب الإمكانات الضخمة المتاحة للفنون المسرحية جميعاً.

كان فاگنر يناضل في سبيل تحقيق الانصهار والاندماج الكاملين بين فنون الموسيقى والدراما، وبغيته تأسيس العمل الفني الذي يوحد بين الفنون جميعها، في حين كان من قبله يهدف إلى إيجاد التوازن بينها. وقد استخدم فاغنر جملة لحنية أو إيقاعية سماها باللحن أو الفكرة الدالّة leitmotive كعلاقة مميزة لشخصية معينة أو مزاج أو عاطفة ما، فيعطيها ما يشبه الهوية الشخصية، وهذا ما يذكّر بالفكرة الثابتة لبرليوز.

ويعد ريتشارد شتراوس الوريث الأقرب لفاگنر وذلك في أوبرا «سالومي» (1905) Salomé، و«إليكترا» (1909) وغيرهما. ومن الأوبرات الألمانية الشهيرة أيضاً «مارتا» (1847) لفلوتو]] Flotow، و«الزوجات الطروبات من ويندسور» (1849) لنيكولاي]] Nicolai، و«هنتزل وگريتل» (1883) لهومبردينك Humperdinck، و«ماتيس المصور» (أوبرا ـ أوراتوريو) (1930) لهيندميث Hindemith، و«لولو» (1937) لبيرغ Berg النمسوي.

المدرسة القومية الروسية

أغنت القرنين التاسع عشر والعشرين أوبرات مشاهير المدرسة «القومية الروسية]]» مثل: «بوريس گودونوف» (1874) لموسّورسكي Moussorgsky، و«الأمير إيگور» (1890) لبورودين Borodin، و«الديك الذهبي» (1909) لريمسكي كورساكوف Rimsky-Korsakov. هذا بالإضافة إلى «إيوگين أُونيگين» (1879) لتشايكوفسكي، و«حُب البرتقالات الثلاث» (1921) لبروكوفييف Prokofiev اللتين لا تلتزمان النزعة القومية.

وقد أثرت الحركة القومية أيضاً في كثير من أعمال المؤلفين الأوربيين مثل: «العروس المباعة» (1866) لسميتانا Smetana، و«ينوفا]]» (1904) enüfa لياناتشيك Janácek التشيكوسلوفاكيين، و«قصر ذي اللحية الزرقاء» (1918) لبارتوك Bartók، و«هاري يانوش» (1926) لكوداي Kodaly الهنگاريين.[1]

انظر أيضاً

No portals specified: please specify at least one portal

القوائم

مواضيع متعلقة

الهامش

  1. ^ هشام الشمعة. الأوبرا. الموسوعة العربية.

المصادر

  • باندولفي، فيتو، تاريخ المسرح، الجزء الاول، ترجمة الاب الياس زحلاوي، منشورات وزارة الثقافة والارشاد القومي، دمشق، 1979.
  • باندولفي، فيتو، تاريخ المسرح، الجزء الثاني، ترجمة الاب الياس زحلاوي، منشورات وزارة الثقافة والارشاد القومي، دمشق، 1981.
  • بيومي، أحمد، القاموس الموسيقي، دار الأوبرا المصرية، وزارة الثقافة.
  • ديورانت، ول وايريل،قصة الحضارة، 12،16،21، ترجمة الدكتور زكي نجيب محمود، دار الجيل للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس، 1988.
  • صالومة، عبد الله، الفنون السبعة وانعكاساتها على فنون التصوير (بحث مقدّم لنيل درجة الماجستير في التصوير)، إشراف د. نزار صابور، كليّة الفنون الجميلة قسم التصوير، جامعة دمشق، 2004.
  • عكاشة، ثروت، موسوعة تاريخ الفن، الزمن ونسيج النغم، دار المعارف، القاهرة، 1980.
  • المعرفة، الناشر: شركة ترادكسيم، شركة مساهمة سويسرية، جنيف:

CONOSCERE, 1958 Pour tout le monde Fabbre, Milan, 1971 TRADEXIM SA-Genève, autorisation pour l'édition arabe.


وصلات خارجية

gan:歌劇pcd:Opéra