الحياة الاجتماعية في عصر محمد علي

تطورت حالة مصر الاجتماعية تطورا بعيد المدى في عصر محمدعلي، فتكونت هيئة اجتماعية تختلف كثيرا عما كانت عليه من قبل.[1]

عدد السكان

كان سكان مصر في اواخر القرن الثامن عشر يبلغون ثلاثة ملايين نسمة، واذا احذنا باحصاء الميسو مانجان عن سنة 1823 فان عددهم كان تلك السنة 2.514.400 نسمة وهذا النقص في العدد له اسباب معقولة، فان سكان مصر قد نقصوا في عهد الحملة الفرنسية والسنوات التي اعقبتها، وفي اوائل حكم محمد علي، لكثر الفتن والثورات والحروب التي افنت عددا كبيرا من السكان وانقصت النسل، على ان الاحصاء الذي عمل سنة 1845 دل على زيادة عدد السكان الى 4.476.440 نسمة، فلنتكلم عن طبقاتهم وحالتهم الاجتماعية في ذلك العصر.

طبقات المجتمع

اسلفنا الكلام في الجزء الاول من "تاريخ الحركة القومية وبالطبعة الاولى" ص 48 عن حالة مصر الاجتماعية في اواخر القرن الثامن عشر، وبينا ان سكان مصر في ذلك العصر كانوا فئتين: فريق الحكام ، وفريق المحكومين، فالحكام هم فئة المماليك الذين استبدو بحكم البلاد السنين الطوال، والمحكومون هم الشعب المصري بطبقات الاربع التي فصلنا الكلام عنها وهم طبقة العلماء، طبقة الملاك والتجار، وطبقة المزارعين وطبقة الصناع.

الهيئة الحاكمة

تبدلت طبقات المجتمع في عصر محمد علي، فبادت فئة المماليك، ولم يعدل هم حول ولا قوة، بل لم يعد لمعظمهم وجود، وآل الحكم الى محمد علي باشا واسرته، ولا يغيب عن البال ان محمد علي اصبح بولايته الحكم بارادة زعماء الشعب جزءا من الهيئة الاجتماعية المصرية، وانه قد تمصر واستعرب، فاسس دولة مصرية، وجيشا مصريا، واسطولا مصريا، وثقافة مصرية عربية، واندمجت شخصيته في شخصية مصر، فاصبح مصريا حكما وسياسة وعملا. وزاد في هذا الاندماج انه رهن مصريه ومصير اسرته بمركز مصر ومستقبلها، واتخذ مصر موطنا له كما اتخذ نابليون الكورسيكي الاصل الايطالي الجنسية فرنسا موطنا له، ورضيت هي به عاملا لها وموضع فخرها.

ومما اكد ارتباط محمد علي بمصر واندماجه فيها اعلانه الحرب على تركيا ومناصبته اياها العداء، وحروبه المتواصلة عليها، فقد جعلت هذه الحروب لمصر وحاكمها شخصية منفصلة عن السلطنة العثمانية، واستمد محمد علي قوته من الجيوش المصرية، ونال انتصاراته الحربية باسم مصر، ولحساب مصر وعظمتها، وانقطعت الصلات القديمة التي كانت تجعل ولي الامر في مصر نائبا عن سلطان تركيا، بل انقطعت الروابط بين مصر وتركيا، وصار لمصر شخصية مستقلة اظهرها محمد علي باشا، فالمماليك بحكم ابتياعهم اصلا من اسواق الرقيق واعتمادهم على هذا المصدر في تاليف بطانتهم واشياعهم وجنودهم، كانوا يستمدون كيانهم وقوتهم من مصدر خارجي، فهم ابدا يعدون انفسهم عنصرا منفصلا عن البلاد، وهم لذلك ولقلة تناسلهم لم يندمجوا في الهيئة الاجتماعية المصرية، ولا كان لهم بها صلة ما، اما محمد علي والاسرة المحمدية العلوية فقد استمدوا قوتهم ومجدهم من قوة الامة المصرية، ولعلك تذكر في كلامنا عن الجيش المصري النظامي ان محمد علي لم يستطع تاليفه من العناصر غير المصرية ، كالأرناءود والترك والدلاة وغيرهم لما فطروا عليه من التمرد والعصيان، وانه لم يوفق لانشائه الا من صميم المصريين، فالقوة الحربية التي شاد عليها محمد علي ملكه، والتي هي عماد الدول والممالك، كانت مادتها مصرية، وعنصرها مصري، وهذه الاعتبارات قد قضت على ما في نفس محمد علي من العواطف القديمة نحو تركيا ومقدونيا، وزادته اندماجا في مصر.

وهذه الحقيقة تنطبق كذلك على اعوانه ممن كانوا في الاصل من اصل غير مصري، فكثير منهم كانوا من سلالة تركية او مقدونية، ولكن الحروب التي اشتركوا فيها تحت لواء محمد علي وابراهيم قد فصلتهم عن موطنهم الاصلي وادمجتهم في مجموعة الشعب المصري، فصارت مصر وطنا خالدا لهم ولاسراتهم وذراريهم، حاربوا من اجلها، وبذلوا جهودهم وارواحهم ودماءهم في سبيل رفعتها ومجدها، وهؤلاء قد اندمجوا في الشعب وصاروا جزءا من الهيئة الاجتماعية المصرية الجديدة ولا غربة في ذلك فان من مميزات مصر انها تدمج في كيانها العناصر والقوميات التي تتصل بها برابطة الفتح او التوطن، وتصبغها على الزمن بصبغة القومية المصرية، ولقد عبر ابراهيم باشا عن هذا العشور بحديثه الذي نقلناه عنه (ص 247 وبالطبعة السابقة) وذكر البارون بوالكونت، حديثا اخر لمصطفى مختار بك ياور ابراهيم باشا وملازمه في حروب سورية والاناضول (ووزير المعارف العمومية في عهد محمد علي) قال فيه: "اننا وان كنا في الغالب مولودين في تركيا لكن قد اكتسبنا الجنسية المصرية بحكم التوطن، وانتم معشر الفرنسيين تعترفون بالجنسية الفرنسية لم يقيم بفرنسا عشر سنوات، اما نحن فقد جئنا مصر قبل انت نتجاوز الصبا، فلسنا الان اتراكا، ولم يتبق فينا ما يربطنا بهذا العشب الذي لا يترك في طريقا اينما سار سوى دلائل الخراب، ولقد اندمجنا في امة اخرى ارقى وانبل واذكى من الامة التركية، اندمجنا في تلك الامة العربية التي سبقت اوروبا الى الحضارة وازدانت ايام عزها وسؤددها بذلك العمران الذي يتجلى للنظارين في المدن الزاهرة التي انشاتها والعمائر الجميلة التي اقامتها".

فاول عمل سياسي واجتماعي لمحمد علي انه ادمج شخصية اسرته في كيان مصر وقوميتها، وكذلك نحا نحوه اعوانه في الحكم ممن كانوا في الاصل من عصر غير مصري، وهنا يبدو لك جانب من عبقرية محمد علي، فلقد كان في بداءة حكمه لا يعدوا ان يكون واليا من ولاة السلطنة العثمانية، فلو انه حذا حذوهم وكان على شاكلتهم لتعصب للجنسية التركية وعمل على تتريك المصريين كما عمل ولاة السلطنة العثمانية اذ كانوا دائبين على تتريك العناصر العربية، فيحاربون اللغة العربية، والقومية العربية، ويثيرون في هذا السبيل الفتن والثورات في مختلف الانحاء، ويضعون القيوم والعقبات امام تقدم الشعب، لكن محمد علي باشا عمل على نقيض تلك السياسة فاحيا القومية المصرية واندمج فيها واقتادها الى الامام، واسس دولة مصرية،وعرشا مصريا، وملكا مصريا.

ويكفيك للتبين مبلغ عمله في احياء القومية المصرية ان الثقافة التي نشر لواءها في مصر كانت ثقافة مصرية عربية، وانه لم يفكر يوما في انشاء ثقافة تركية او مقدونية، وان الفضل يرجع اليه في بعث اللغة العربية والاداب العربية، من مرقدها بعد ان ظلت مئات السنين ذاوية مضمحلة في عهد الحكم التركي وحكم المماليك.

واندمج اذن محمد علي واسرته واعوانه في الحكم في الهيئة الاجتماعية، ولا شك ان اندماج هذا العنصر فيها قد قواها وبعث فيها روحا جديدا كان لها اثرها في تقدم مصر السياسي والاجتماعي، صحيح ان فئة من المصريين الذين كانوا من عنصر تركي او مقدوني قد ظلوا ينظرون الى المصريين الصمييمين بعين الزارية، واستمرت هذه الحالة النفسية حتى صارت مع الزمن من بواعث الثورة العرابية، لكنها كانت تتلاشى تدريجيا ، وادى تطور الحوادث الى محو الفوارق بينهم، وصارت القومية المصرية مفخرة المندمجين فيها وموضع حبهم وتقديسهم، وقد ساعد على محو هذه الفوارق ما اكتسبته سلالة الترك والمقدونيين المصريين من الثقافة والتهذيب في المدارس والمعاهد التي اسسها محمد علي باشا، فان هذه الثقافة قد صبغت شبابهم بالصبغة المصرية، فتلاشت الفروق الدقيمة التي كان يشعر بها آبائهم، وكذلك ساعد على محوها اتصالهم بالمجتمع المصري بصلات النسب والمصاهرة، واندماجهم في الاهالي مشاركتهم اياهم في الحياة الاجتماعية باشتغال الكثيرين منهم وخاصة سكان الاقاليم بالتجارة وزراعة املاكهم، ومساهمتهم في اعباء الخدمة العامة.

هذا بالنسبة الى محمد علي واسرته ورجالات دولته، وهم قوام الهيئة الحاكمة، واتماما للكلام عن هذه الهيئة يجب ان نتكلم عن الطبقة المتعلمة التي اشتركت في الحكم، فلا يغرب عن الذهب ان المدارس التي فتحها محمد علي والبعثات العلمية التي ارسلها الى اوروبا قد كونت عنصرا جديدا من صميم المصريين كان له فضل كبير في تقدم المجتمع المصري والادارة المصرية، ذلك هو عنصر الشباب المتعلم الذي ثقفته العلوم والمعارف، فنهض بالهيئة الاجتماعية المصرية نهضة كبرى، وكان رسول العلم والحضارة والعمران في ربوع وادي النيل، في المدن والقرى والاقاليم، وتولى الوظائف العامة في عصر محمد علي وخلفائه، فاضطلع باعبائها في الحربية والبحرية والادارة والتعليم والمالية والصحة والاشغال العمومية، وعلى يده تمت منشات الري والعمران ، كفتح الترع واقامة القناطر والنشاء المدارس والمعاهد والمستشفيات وبناء القصور والثكنات والقلاع والاستحكامات والمصانع والترسانات والموانئ والمنائر والسفن الحربية والتجارية وغير ذلك من المنشات العامة.

فالهيئة الحاكمة في عصر محمد علي كان قوامها شخصية محمد علي واسرته ورجالات حكومته وخريجي المدارس والمعاهد والبعثات العلمية، ونظرة بسيطة في تاليف هذه الهيئة تدلك على مبلغ التقدم الذي تدرج اليه نظام المجتمع في ذلك العصر، قياسا الى ما كانت عليه الهيئة الحاكمة في عصر المماليك، فالحكام المماليك كانوا خليطا من اجهل العناصر لم يهذبهم تعليم ولا عرفان، فلا جرم ان بقيت ادارة الحكومة في عهدهم مثلا لاحط نظم الحكم، وقد بينا في الجزء الاول من تاريخ الحركة القومية مبلغ ما وصل اليه انحطاط نظام الحكم في عصرهم وما افضى اليه من التاخر في حالة البلاد الاجتماعية والعلمية، اما الهيئة الحاكمة في عصر محمد علي فقد نالت حظا كبيرا من الرقي وخاصة بعد ما خرجت البعثات والمدارس الحديثة عددا كافيا في مختلف الاعمال، فانشاء الدواوين وتنظيمها، وتاسيس المعاهد والمدارس، ونشر لواء الحضارة والعلوم هو اثر من اثار الهيئة التي تولت الحكم في عصر محمد علي ثم في عصر سعيد واسماعيل.

فالطبقة المتعلمة في المدارس والبعثات – وهي الطبقة الممتازة من طبقات المجتمع – بدات في الظهور على عهد محمد علي، وقد كان لها فضل كبير في ترقية مستوى الهيئة الاجتماعية، ومنهم من لعبوا دورا كبيرا في حياة مصر السياسية او العلمية في عهده وعهد خلفائه، امثال شريف باشا وعلي باشا مبارك ورفاعة رافع الطهطاوي ومظهر باشا وبهجت باشا وغيرهم ممن ترجمنا لهم.

ويكفيك ان تلقي نظرة على كثير من المعاهد والمباني العامة التي انشئت في ذلك العصر وتحصر ثمراتها لتعرف اثر ذلك العنصر الجديد من الهيئة الحاكمة في تقدم مصر وتطور الهيئة الاجتماعية المصرية.

هذه كلمتنا عن الهيئة الحاكة، واذ تكلمنا عن الحكام فلنتكلم عن المحكومين، ولنستعرض الطبقات الاخرى من الشعب وما طرا عليها من التبديل في عصر محمد علي.


الازهر والعلماء

فالعلماء هم الطبقة التي كانت لها في عهد المماليك النفوذ العظيم والتاثير الكبير في الامة وقيادة افكارها كما اوضحنا ذلك في الجزء الاول من تاريخ الحركة القومية، وكانت لهم الزعامة الادبية والسياسية بين الجماهير، واليهم يرجع تدبير الحركات الشعبية التي ظهرت على مسرح الحوادث السياسية في عهد الحملة الفرنسية، وبعد انتهائها، وهم الذين اثاروا الشعب على حكم المماليك ثم على الوالي التركي، كما تراه مبسوطا في الجزأين الاول والثاني، ولكن نفوذهم قد تضاءل في عهد محمد علي وانحلت زعامهم بتحادسهم وتخاذلهم وائتمارهم واياه بالسيد عمر مكرم حتى انتهت المؤامرة بنفيه كما سبق الكلام عن ذلك في الفصل الاول، فلم تقم لهم قائمة بعد نفي زعيمهم واقصائه من الميدان، بل صاروا تبعا للحكومة من غير ان يكون لهم اثر في سياستها او في مشاريعها، وهذا تاويل ما ذكرناه في الجزء الثاني من تاريخ الحركة القومية (ص 361 وبالطبقة الاولى) لمناسبة الكلام عن ع عظم نفوذ العلماء في اوائل القرن التاسع عشر اذ قلنا انهم "كانوا موئل الشعب، يفزع اليهم عند وقوع الملمات، وكانت مساوئ خورشد باشا هي الباعثة على ذلك، ففي عهده قوى سلطان العلماء وبلغ نفوذهم اقصى مداه حتى اثاروا الشعب واقتلعوا بقوته الوالي عن كرسي ولايته واجلسوا محمد علي مكانه، ولم يسبق لهم هذا النفوذ من قبل، كما لم يخلص لهم مثله بعد انقضاء هذا العصر".

وفي الواقع انهم لم يخلص لهم نفوذهم القديم بعد نفي السيد عمر مكرم، ولم يبق لهم الا اثارة من الاحترام يسبغها عليهم انتسابهم الى الدين والازهر.

ومما زاد في تضاؤل نفوذ العلماء ان الازهر ظل على نظامه القديم ولم يساير حركة التقدم والاصلاح التي نهض بها محمد علي باشا، فانتقل مركز الثقافة من الازهر الى المدارس والمعاهد والبعثات، وانكمش العلماء ولم يشتركوا في حركة التجديد والانشاء في مختلف نواحيها، فعجزوا عن الاشتراك في حروب مصر او في ادارة حكومتها او في سياستها واعمال العمران التي قامت بها، وبديهي ان انعكافهم على المسائل الدينية، وعجزهم عن الاشتراك في الاعمال العامة التي تمت في عصرهم، كل ذلك كان له اثره في تضاؤل نفوذهم واضعاف كلمتهم، اذ ما من شك في ان الفئة التي تخرجت من المدارس الحربية والبحرية او العلمية والهندسية هي التي اضطلعت باعباء الاعمال العامة سواء في خارج مصر او في داخلها، وهم بحكم توليهم عبء الجهاد وسياسة الحكمة وحملهم لواء النهضة قد امتازوا على طبقة العلماء وحجبوها بما نالوه من السلطان والنفوذ، وتضاءلت منزلة العلماء وظهر الفرق جسيما بين ما ال اليه امرهم من الضعف وخمول الذكر وما كان لهم من نفوذ وسؤدد حين تولوا قيادة الحركات الشعبية في عهد الحملة الفرنسية او بعدها، وحين كانوا في اوائل حكم محمد علي يتقدمون الصفوف في العدوة الى التطوع للجهاد دفاعا عن الذمار كما فعلوا عند مجئ الحملة الانجليزية سنة 1807.

ولهذه المناسبة يحضرنا ما رواه الجبرتي عن رجوع ابراهيم باشا بعد انتصاراته في حروب الوهابية وكيف استقبل العلماء الذين جاءوا لتهنيئته، فقد لاحظ الجبرتي انه لم يقابلهم بالاحترام اللائق، وذكر في هذا الصدد: "ان ابراهيم باشا رجع من هذه الغيبة متعاظما في نفسه جدا، وداخله من الغرور مالا مزيد عليه، حتى ان المشايخ لما ذهبوا للسلام عليه والتهنئة بالقدوم واقبلوا عليه، وهو جالس في ديوانه لم يقم لهم ولم يرد عليهم السلام، فجلسوا وجعلوا يهنئونه بالسلامة فلم يجبهم ولا بالاشارة".

فهذا الذي ذكره الجبرتي يعطينا فكرة عن تضاؤل منزلة العلماء بعدما كان لهم من صولة ونفوذ، ونعتقد ان تقصيرهمعن الاضطلاع بالاعباء العامة كان له اثر كبير في سقوط هيبتهم، فضلا عن تحاسدهم وتنافسهم، وخذلانهم للسيد عمر مكرم، فلا غرو ان يقابلهم ابراهيم باشا بعد قدومه من حرب شاقة احتمل فيه ما احتمل من الشدائد والاهوال بغير المقابلة التي كان يقابلهم بها محمد علي في اوائل حكمه.

ومما يسترعي النظر ان يد الاصلاح التي تناولت التعليم والادارة والري والحربية والبحرية لم تمد الى الازهر، بل تركه محمد علي كما كان على نظامه القديم، ولعل السبب في ذلك انه خشي ان يثير سخط العلماء والجماهير اذا هو عرض لنظام التعليم فيه او اقدم على اصلاحه وجعله يساير حركة التقدم العلمي الحديث، او لعله لم يجد من بين العلماء من يضطلع بهذه المهمة ويعهد اليه بها ولو انه وجد من بينهم مثل السيد جمال الدين الافغاني او الشيخ محمد عبده لنهض الازهر منذ نيف وثمانين سنة نهضة علمية واجتماعية تؤتي ابرك الثمرات، ولكن محمد علي لم يفكر في اصلاح الازهر، ولا فكر في علماؤه واقطابه، فوقفت حركته وانتقلت النهضة العلمية الى المدارس النظامية التي اسسها محمد علي.

على ان الازهر مع ذلك المورد السائغ الذي استمدت منه المدارس الحديثة والبعثات العلمية تلاميذها، فمنه اختارت الحكومة طلبة المدارس العالية التي انشاتها، وكثيرا من اعضاء البعثات العلمية التي اوفدتها الى اوروبا، فتخرج منه بواسطة البعثات والمدارس علماء نابهون كان لهم القدح المعلى في نهضة مصر العلمية والاجتماعية، فالازهر من هذه الناحية كان له فضل كبير على النهضة العلمية الحديثة، ومن جهة اخرى فان الحكومة كانت تختار من رجاله بعض المتضلعين في اللغة العربية لتنقيح وتهذيب الكتب المترجمة للغة العربية في الطب والرياضيات وغيرها، ويسمون المحررين، وطائفة اخرى لتصحيح الكتب عند طبعها وهم المصححون، ولهؤلاء واولئك فضل كبير على نهضة التعريب والتاليف.


الزراع والصناع والتجار

تقدمت حالة الفلاح تقدما نسبيا عما كانت عليه في عهد المماليك، ولكن لا يخفى ان حياته في الجملة بقيت تدعوا الى الالم والاشفاق. فان ما ذكرناه عن حرمانه حق التملك واستهدافه لفداحة الضرائب ومساوئ الاحتكار ومظالم الحكام جعله في حالة تعيسة، فزيادة الحاصلات الزراعية واقامة اعمال العمران لم يقترن بها ارتقاء حالة الفلاح الاجتماعية، وقد وصف المسيو مانجان حالته في ذلك العهد بقوله: "اذا صح انه لا يوجد في العالم بلاد اغنى من مصر من الوجهة الزراعية فليس ثمة بلاد اخرى اتعس منها سكانا، واذا بقى فيها العدد الذي بها من السكان سنة 1832 فالفضل في ذلك انما يرجع الى خصوبة ارضها وقناعة فلاحها".

وقد ساءت حالة الفلاحين لدرجة اضطرار الكثيرين منهم الى الهجرة من قراهم، وخربت قرى عديدة بسبب هذه الهجرة، واضطرت الحكومة الى اصدار الاوامر المشددة برجوع المهارين وتهديد من لم يرجع باشد انواع العقاب، ولكن مهما قيل في مظالم ذلك العصر، فانها لا تذكر بجانب مظالم الحكام في عهد المماليك.

اما الصناع فان امرهم يحتاج الى بيان، فالعمال الذين انتظموا في سلك المصانع الكبرى التي انشاها محمد علي كالترسانة البحرية والحربية او الفابريقات التي سبق الكلام عنها، فانهم مارسوا صناعات جديدة حذقوها ومهروا فيها، وتكونت منهم طبقة من العمال الفنيين كانوا موضع اعجاب من شاهد اعمالهم، وكان لهم اثر صالح في تقدم مصر الصناعي، ويكفيك ان ترجع الى شهادة الافرنج في هذا الصدد لتعرف مدى هذا التقدم.

اما عمال الصنائع اليدوية في الصناعات الصغرى التي كانت معروفة من قبل فؤلاء قد ساءت حالتهم بسبب نظام الاحتكار حتى اضطر كثير منهم كما قال المسيو مانجان الى ترك الصناعة والاشتغال بالزراعة.

وكذلك طبقة التجار قد تراجعت واضمحل شانها لاحتكار الحكومة التجارة الداخلية والخارجية، وبالرغم من ازدياد متاجر مصر في ذلك العصر فان ثمرة التجارة كانت تعود على الحكومة وعلى الوسطاء من الافرنج الذين كانوا يتبادلون واياها حركة التجارة الخارجية، ولذلك اقترنت زيادة حاصلات مصر وتجارتها الخارجية بظاهرة غريبة، وهي تضاؤل الثروات الشخصية، فحينما كانت حاصلات مصر اقل مما وصلت اليه، كان الاهالي ايسر حالا، ولما زادت الحاصلات حل الفقر محل اليسر بين الاهلين، وذلك راجع الى نظام الاحتكار الذي فرضته الحكومة على حاصلات مصر، ولم ينتفع من هذه الزيادة في الحاصلات سوى الاسكندرية التي اتسعت تجارتها وصارت سوقا لاقطان القطر المصري وحاصلاته، اما المحلات التجارية في القاهرة ودمياط ورشيد فقد هبط عددها عما كانت عليه من قبل.

ويقول المسيو مانجان (ج3 ص 227) ان عدد التجار المصريين في القاهرة قد تناقص في ذلك العصر، ومما يستدعي النظر ويؤيد هذا القول انه لم يظهر في ذلك العصر من التجار الوطنيين من شغل مركزا كبيرا في عصر محمد علي مثل السيد احمد المحروقي كبير تجار مصر في اوائل القرن التاسع عشر وابنه السيد محمد المحروقي ممن ترجمنا لهم، وهذا كله راجع الى مساوئ نظام الاحتكار.


الاعيان

وبقى الاعيان من ذوي البيوت والعصبيات القديمة حافظين لمكانتهم، غير انهم صاروا في عهد محمد علي اكثر خضوعا للحكومة مما كانوا في عهد المماليك.

العربان

كان عدد العربان او البدو المصريين في عصر الحملة الفرنسية نحو مائة الف، تتالف منهم ستون قبيلة، وعدد المقاتلة منهم من 18 إلى 20 ألفا من الفرسان، ولم يتغير هذا الاحصاء كثيرا في عصر محمد علي. وكانوا الى اوائل القرن التاسع عشر لم يالفوا حياة الحضر، فكان تنقلهم في صحراء يجعلهم في حرب مستمرة مع الفلاحين القائمة على الزراعة، وانصرف كثيرمنهم الى قطع الطريق والاعتداء على القرى الآمنة، وكلامنا ينصرف الى غالبية العربان فان بعض القبائل البدوية كانت ولم تزل متصفة بكريم الخصال، تكرم الضيف وتأوى الجار وتنصر الضعيف وتحمي الذمار.

فكر محمد علي مليا في علاج حالة العربان، وراى من الحكمة بادئ الامر ان يهادن زعماء القبائل، ويسلك حيالهم مسلك المحاسنة، فعقد الاتفاقات معهم، ولكن القبائل نقضت هذه الاتفاقات، فادرك محمد علي أن لا مناص من اخذهم بالقوة، فجرد عليهم كتائب الفرسان فاخذت تناوشهم وتسد عليهم السبل الى ان اذعنوا وثابوا الى الطاعة وطلبوا الصلح فرضى ان يصالحهم على ان يقيم زعماؤهم بالقاهرة ليكووا رهائن عنده يضمن بهم طاعتهم وولاء قبائلهم واجرى عليهم الرواتب والارزاق فكان لهذه الوسيلة تاثير كبير في اخلاد القبائل الى الهدوء والسكينة، ولجات الحكومة الى وسيل حكيمة تصرف بها البدو المتشردين في اطراف البلاد عن عيشة البداوة وتدخلم في حظيرة العمران، فاقطعهم اراضي شاسعة اعفتها من الضرائب ينتفعون بها ويستغلونها.

وقد كانت هذه الوسيلة من بواعث تحضير القبائل البدوية، وادماجها في جسم الهيئة الاجتماعية، ولما اجتذب محمد علي رؤساء العشائر من العربان حبب اليهم ان ينتظموا في سلك الجيش النظامي الذي اسسه، وعرض عليهم ان تدفع الحكومة لمن ينتظم من العربان في سلك الجيش اجورهم على شرط ان ياتي كل منهم بفرسه وبندقيته، فلبوا الدعوة واستفاد الجيش المصري منهم فوائد جمة، واشتركوا في حروب السودان والحجاز وسورية والاناضول، واتخذ منهم ابراهيم باشا حرسه الخاص.

ولقد كان ادماج القبائل الدبوية في جسم الهيئة الاجتماعية من اهم اعال العمران التي قام بها محمد علي.

بقايا الرقيق

كانت تجارة الرقيق لم تزل مباحة في ذلك العصر، فاستخدم كثير من الترك وقليل غيرهم فتيان المماليك يشترونهم من اسواق الرقيق ليكونوا اتباعا لهم وخدما وقد بلغ عدد اولئك الفتيان 2000 مملوك، يضاف اليهم من اسروا من الاروام في حرب اليونان واعتقنوا الاسلام (ص 240 الطبعة السابقة)، وكان يوجد في بيوت الاغنياء نحو ثلاثة الاف من الجواري البيض الشركسيات، منهم نحو ستمائة من يونانيات الموره او من جزيرة كريت وسافز، وقد اعتنق غالبهم الاسلام وصرن في حكم الجواري البيض، وكان يوجد في القاهرة ايضا نحو الف جارية حبشية او سودانية بنسبة جارية في كل بيت يقمن في البيوت بالخدمة والطهي وتريبة الطفال ونحو الفين من السودانيين اشتراهم الافراد من اسواق الرقيق، ونحو 2500 اخرين منتظمن جنودا في سلك الجيش المصري، وقد اندمج كل اولئك في جسم الهيئة الاجتماعية المصرية وصاروا مع الزمن والتناسل من عناصر تكوينها لا يختلفون في شئ عن عناصرها الاصلية.

المصادر

  1. ^ الرافعي, عبد الرحمن (2009). عصر محمد علي. القاهرة، مصر: دار المعارف.