الحملة الفرنسية على مصر والشام


Contents

نبذة تاريخية

في صيف عام 1798, وبالتحديد في 19 أيار سنة 1798، خرجت قوات معززة من الجيش الفرنسي من مدينة طولون في جنوب فرنسا, وهذه القوات وُضعت تحت قيادة ومسؤولية ضابط صغير السن آنذاك في الجيش الفرنسي, وعبقري بالتخطيط والتكتيك العسكري, ويدعى نابليون بونابرت(1) (Napoleon Bonaparte), عُرف فيما بعد هذا الجيش بـ "جيش الشرق" الفرنسي (Arm’ee d’orient), وكان قوام وتعداد جيش نابليون آنذاك 36826 جنديًا وضابطًا, يرافقهم حوالي 1200 عالم وخبير فرنسي. هدف قوات الحملة الفرنسية احتلال مصر وبلاد الشام بهدف السيطرة على الطريق التجارية للهند ورفع شأن فرنسا كدولة عظمى واستعمارية في أوروبا.

قبل وصول قوات الجيش الفرنسي إلى مصر, احتلت هذه القوات جزيرة مالطة التي كانت تحت حكم فرسان القديس يوحنا, والذين كانوا تحت حماية قيصر روسيا, ومن ثم تابعت الحملة سيرها نحو مصر. وبالرغم من تعقب الأسطول الانجليزي بقيادة الأميرال نلسون (Nelson) لتحركات الأسطول الفرنسي, إلا أن الأسطول الإنجليزي لم يتمكن ولم ينجح بمعرفة هدف ووجهة القوات الفرنسية.

في 21 تموز سنة 1798 نزلت القوات الفرنسية بميناء الإسكندرية, وفي أولى المعارك بالقرب من الأهرام – معركة الأهرام – اشتبك الجيش الفرنسي بقيادة نابليون مع قوات المماليك, وكان الانتصار في هذه المعركة حليف القوات الفرنسية. ورغم أن قوات الأسطول الإنجليزي تعقبت مسيرة القوات الفرنسية واشتبك الطرفان في معركة أبي قير, التي تغلب فيها الأسطول الإنجليزي بقيادة نلسون والذي استطاع إبادة الأسطول الفرنسي عن بكرة أبيه, لكن ذلك لم يعرقل ويمنع نابليون من فرض سيادته وسيطرته على مصر.

أسباب الحملة:

لحملة نابليون على مصر وفلسطين فيما بعد عدة أسباب, منها ما يتعلق بفرنسا (أسباب داخلية) ومنها ما يتعلق بالوضع الدولي والمصالح التجارية والسيادة على المناطق الغنية والاستراتيجية (أسباب خارجية). والمصادر التاريخية تشير إلى أسباب الحملة الفرنسية بالعوامل التالية:

أولا: أطماع فرنسا الاستعمارية بفرض سيادتها وسيطرتها على الطريق التجارية القصيرة بين البحر المتوسط والهند والتي تمر بالشرق الأوسط.

ثانيًا: الانتقام من بريطانيا, العدو الرئيسي لفرنسا في تلك الفترة والتي أعلنت الحرب على فرنسا, واستمرار التنافس الاستعماري القديم بينهما, وحينما فشلت محاولات فرنسا بمهاجمة بريطانيا واحتلالها, فالشرق الأدنى ومصر, كان ميداناً آخر للمس وإلحاق الضرر بانجلترا العظمى.

ثالثًا: كانت مصر تعتبر أغنى ولايات وأجزاء الامبراطورية العثمانية من ناحية اقتصادية وتجارية, عدا عن كونها مركزًا استراتيجيًا وتجاريًا مُهمًا ومصدرًا للمنتوجات الزراعية بسبب خصوبة أراضيها وإمكانية استغلالها لإنتاج المحاصيل الزراعية في المستقبل.

رابعًا: ضعف الامبراطورية العثمانية والسلطة في استانبول وسقوط هيبتها كدولة قوية وعظمى بأعين الدول الأوروبية.

خامسًا: البحث عن فتح أسواق جديدة لتصريف البضائع الفرنسية والسلع المصنعة من فرنسا.

سادسًَا: اضطهاد التجار الفرنسيين من قبل المماليك الموالين لانجلترا, فكثرة الاعتداءات المتكررة من قِبل حكام مصر على التجار الفرنسيين, دفع بالحكومة الفرنسية للعمل على توفير الحماية لرعاياها والإعلان المباشر لفرنسا من إرسال حملتها إلى مصر (الهدف المعلن)هو توفير الحماية للتجار الفرنسيين من ظلم واعتداء المماليك عليهم, وليس هدف الحملة هو الاعتداء على أملاك السلطان العثماني.

سابعًا: سعي وكره رجال حكومة الدايركتوار – الحكومة الفرنسية – لنابليون القائد العسكري الذي نبغ بالحنكة والتكتيك العسكري, وسعيهم للتخلص من وجوده في فرنسا وإبعاده إلى منطقة بعيدة عن مركز السلطة, على أمل ألا يعود مطلقًا إلى فرنسا.

ثامنًا: الطموح والأطماع الشخصية لنابليون بونابرت بإقامة امبراطورية فرنسية عظمى, تكون صاحبة السيادة في الشرق والغرب بدون منازع.

تاسعًا: الوضع السياسي والعسكري الدولي عشية الحملة, كان ملائمًا لخروج حملة عسكرية على مصر, فالسلطنة العثمانية ضعيفة وغير قادرة علىالدفاع عن ولاياتها وأراضيها وروسيا القيصرية والنمسا منشغلتان بالحرب فيما بينهما باقتسام أراضي بولندا وبريطانيا عدوة فرنسا ولعدم معرفتها بوجهة الحملة, ستركز طاقاتها وقوتها بالدفاع عن بريطانيا والجزر البحرية التابعة لها, ولم تأخذ بالحسبان إمكانية السيطرة الفرنسية على الطريق التجارية للهند, مركز بريطانيا التجاري والاقتصادي.

جميع هذه الأسباب وغيرها, تعتبر الأسباب الحقيقية والرئيسية لحملة نابليون على الشرق (مصر والشام).

مصر والشام عشية الحملة الفرنسية

بلاد الشام ومصر عشية الحملة الفرنسية كانت تخضع لسيادة وسيطرة الامبراطورية العثمانية وذلك منذ عام 7/1516م, حينما احتل السلطان العثماني سليم الأول (1512-1520) بلاد الشام ومصر وبعد قضائه على السلطة المملوكية, ومنذ ذلك التاريخ ضمت عاصمتي الخلافة المملوكية السابقتين: دمشق والقاهرة, لسلطة ونفوذ الخليفة العثماني, الذي أصبح يُعرف ويلقب بحامي الحرمين الشريفين.

خلال هذه الفترة منذ الفتح العثماني وحتى الحملة الفرنسية على مصر (1798), شهدت المنطقة الكثير من الأحداث والتغيرات, بلغت ذروتها بفترتي السلطان سليم الأول, والسلطان سليمان القانوني (1520-1566), فخلال فترة هذين السلطانين وصلت السلطنة العثمانية إلى أوج ذروة قوتها وتوسعها في آسيا وأوروبا وامتازت بقوة السلطة المركزية في استانبول, لكن الوضع لم يبق كذلك في فترات لاحقة, خاصة حينما تولى أمور الخلافة والسلطنة, سلاطين ضعفاء وأمور الدولة أديرت تارة من قبل الوزير وتارة أخرى من قِبل جنود الانكشارية أو الحُكام المحليين.

خلال فترة الحكم العثماني قُسمت البلاد والمناطق العربية إلى ولايات إدارية, يحكم كل ولاية وال يعينه السلطان العثماني, وبلاد الشام شملت أربع ولايات وهي: الشام, حلب, طرابلس وصيدا. أما مصر فاعتبرت جميعها ولاية واحدة.

الحكم العثماني للشام ومصر وبقية الأقطار العربية دام قرابة أربعمائة سنة, وخلال هذه الفترة التاريخية نكاد لا تُذكر تغيرات اجتماعية جذرية أو نهضة حضارية نتيجة للحكم العثماني, وإنما الوضع لم يكن في الحقيقة سوى استبدال حكم المماليك بحكم العثمانيين, والتأثير العثماني كان في الواقع سطحيًا وهامشيًا على الشعوب العربية واهتم السلاطين العثمانيون بالإبقاء على الوضع السائد مقابل تقديم الطاعة ودفع الضرائب للخزينة العثمانية في اسطنبول, دون السعي والاهتمام لإدخال التطويرات والبناء والعمران اللازم للسكان المحليين. وإذا استثنينا بعض الحركات الانفصالية لبعض الأمراء والحكام المحليين, كالشهابيين في جبل لبنان وظاهر العمر في فلسطين, وفي مصر لم يختلف الوضع كما هو عليه في الشام. فمع ضعف السلاطين العثمانيين زاد نفوذ الفئات المحلية بشكل بارز, وفي مصر تجلى ذلك بازدياد نفوذ المماليك, كحكم علي بك ومحمد بك أبي الذهب, حتى نزول قوّات نابليون في الإسكندرية عام 1998, ومع الغزو الفرنسي لمصر يعتبر في الواقع بداية النهاية لحكم المماليك في مصر.

نابليون يحتل مصر:

في أوائل شهر تموز عام 1798 وردت إلى القاهرة أنباء نزول قوات نابليون بونابرت في الاسكندرية الذي بدأ في 1 تموز, وحينما لم ينجح سكان المدينة بالدفاع عنها, احتل نابليون وجيشه الاسكندرية ليبدأ بناء الحجر الأول في طريق السيطرة الفرنسية على مصر لفترة تقارب الثلاث سنوات, وهذه الحقبة التاريخية رغم قصر مدتها سيكون تأثيرها على مصر والمنطقة مُهماً وذا تأثير لعدة أجيال فيما بعد, وعن ذلك سنتطرق بتوسع في سياق مقالنا لاحقاً.

بعد أن نجح نابليون بفرض سيطرته على الاسكندرية وبعد تدبير أمورها الإدارية, توجه على رأس جيشه لاحتلال عاصمة البلاد القاهرة. وفي أولى المعارك البرية بالقرب من الأهرام, اشتبك الجيش الفرنسي بقوات المماليك, عُرفت هذه المعركة فيما بعد بمعركة الأهرام والانتصار فيها كان حليف نابليون, إذ تمكن الجيش الفرنسي من إخضاع والتغلب على الجيش المملوكي وتمّ ذلك في 21 تموز 1798, واضح أن لانتصار القوات الفرنسية المدربة والمجهزة بالأسلحة الحديثة والمدافع على جيش الخيالة المملوكي, كانت عدة أسباب وعوامل لا مجال هنا للدخول والتوسع في أسبابها ونتائجها والخطة العسكرية وما إلى ذلك. المهم أن انتصار الفرنسيين في معركة الأهرام فتحت أمامهم الطريق لاحتلال القاهرة, وتمّ ذلك للفرنسيين في 22 تموز 1798. وبالرغم من أن الجنرال نلسون قائد الأسطول الانجليزي, نجح في تعقب الحملة الفرنسية ونجح في أن يبيد الأسطول الفرنسي عن بكرة أبيه في معركة أبي قير البحرية (أو معركة النيل كما تُسمى ببعض المصادر التاريخية), شرقي الاسكندرية وتمّ ذلك في 1 آب 1798, مما أدى إلى قطع الطريق البحرية بين نابليون وقواته بمصر مع فرنسا, لكن بالرغم من ذلك استطاع نابليون بونابرت من فرض سيطرته وسلطته على مصر بعد أن انتزع أمور الحكم والسلطة من المماليك.

مؤرخ ومعاصر أحداث الحملة الفرنسية لمصر, عبد الرحمن الجبرتي, سرد بمؤلفه وكتابه القيّم "عجائب الآثار في التراجم والأخبار" الوقائع التفصيلية لبداية الاحتلال الفرنسي للاسكندرية والقاهرة, والمنشور الذي وزعه نابليون على السكان المحليين كُتب وطبع باللغة العربية, يشرح فيه أسباب قدومه لمصر, وكأن هدفه ليس احتلال مصر أو مقاومة السلطان العثماني وإنما العكس تمامًا, مساعدة السلطان وأهل مصر من جور وظلم المماليك, بالرغم من أن الجبرتي كان معادياً للغزو الفرنسي وبرز ذلك بأسلوب كتابته الناقد واللاذع للجيش الفرنسي وقائده, إلا أن كتابه يعتبر وبحق المرجع التاريخي الرئيسي والأولي لوصف أحداث هذه الحقبة التاريخية المهمة في تاريخ مصر.

احتلال جيش فرنسي أجنبي لمصر وفرض سيادته وسلطانه على أبناء البلاد, ليس بالشيء المألوف والمقبول على أبناء الشعب المصري, ونابليون بونابرت وبالرغم من تأثره بأفكار الثورة الفرنسية من الحرية والديمقراطية وسيادة الشعب وسعيه لتطبيقها على الحكم والادارة بمصر, لم يلق آذاناً صاغية ورغم محاولاته المتكررة لإظهار نفسه أمام الشعب بأنه صديق للمسلمين ولأبناء الشعب المصري وأنه في الواقع يناصر ويساند السلطان العثماني في استانبول من ظلم وتمرد المماليك وسعي الانجليز للسيطرة على مصر وسعيه للتقرب من العلماء ورجال الدين ونشر المطبوعات والمراسيم باللغة العربية وبأنه يعترف بسيادة السلطان العثماني على مصر وأنه لا ينبغي سوى تنظيم شؤون البلاد الداخلية وتحرير شعبها من المماليك, إلا أنه كان لإعلان السلطان العثماني في سبتمبر عام 1798 الحرب على فرنسا وعقده اتفاقيات تعاون ودفاع مع روسيا وبريطانيا, قد خيّب آمال نابليون وأشعل نار العداء لنابليون والجيش الفرنسي من قِبَل الشعب المصري.

مع أن نابليون حاول تنظيم أمور السلطة والحكم في مصر وإصلاح الجهاز الإداري, فقد أمر بإقامة ديوان ضمّ كبار المشايخ وعلماء الدين بداية في القاهرة ومن ثم في بقية الألوية والمحافظات. وهذه الدواوين تمتعت بصلاحية تنفيذية بما يتعلق بالأمور المدنية والحياة العامة للسكان كالمراقبة والإشراف على الأسواق ودوريات شرطة للمحافظة على الأمن العام ومراقبة عبور القوارب والبواخر في النيل وما شابه, ومن ثم تمّ انتخاب ديوان عام شمل 25 عضواً, كان بمثابة البرلمان أو الجمعية التحضيرية والاستشارية لنابليون لإدارة شؤون مصر.

كما ذُكر سابقاً رغم التغييرات التي أدخلها نابليون في الإدارة والحكم لكن ذلك نُفذ بما يتلاءم والمصالح الفرنسية وبما يتماشى مع أهداف ومصالح نابليون نفسه. فألزم السكان المصريين برفع العلم الفرنسي في كل مكان, وتعامل الفرنسيون مع السكان المحليين كأسيادهم الجدد, والصلاحيات التنفيذية المهمة والواسعة بقيت من ضمن صلاحية القائد الأعلى وممثليه. وحينما أثقل نابليون أبناء الشعب المصري بالضرائب وانتشار أعمال القتل والنهب وأساليب المعاقبة الجماعية التي نفذها نابليون وجنوده بحق كل من يخالف أوامره, اثار هذا التصرف وهذه السياسة نقمة واستياء جماهير المصريين. وفي أكتوبر سنة 1798 ثار سكان القاهرة ضد الفرنسيين وقامت جماعات من المصريين بمهاجمة دوريات الفرنسيين وتعطيل طرق مواصلاتهم وأتباع القوات الفرنسية سياسة اليد الحديدية وأساليب القمع وإحراق القرى وما شابه لكل من خالفهم وقاومهم, كل ذلك لم يزد إلا من نقمة أبناء الشعب المصري ضد جيش الغزاة الفرنسي.

فشل نابليون بفرض السيطرة والهدوء في مصر ومحاولات المماليك الثأر من نابليون وجيشه بعد هزيمتهم أمامه بشن غارات بين الحين والآخر وإلحاق الخسائر في صفوف الجيش الفرنسي وإعلان السلطان العثماني الحرب والجهاد ضد نابليون وجيشه وتخوف نابليون من قدوم جيش عثماني ومواجهته في مصر, جعله يضع أمور مصر جانباً ويستعد لخطوته التالية, وهي مواجهة الجيش العثماني المتحالف مع الانجليز في الشام وليبدأ نابليون بالتحضير والاستعداد لشن حملة عسكرية على فلسطين والشام في بداية سنة 1799.

نابليون يغزو فلسطين:

في شهر شباط عام 1799م/1214هـ, توجه نابليون على رأس جيش فرنسي قوامه 13,000 جندي بحملة عسكرية نحو فلسطين, هدفها احتلال فلسطين والشام وإخضاعها للسيطرة الفرنسية ومن ثم القضاء على السلطنة والامبراطورية العثمانية في اسطنبول, مع أن الهدف المعلن والرئيسي للحملة هو استباق الخطر العثماني وإقامة منطقة عازلة بين مصر واسطنبول.

الجيش الفرنسي اتبع طريق الساحل الفلسطيني من الجنوب نحو الشمال ولم يتوغل في داخل البلاد, ربما لسهولة طرق المواصلات والإمدادات والقرب من البحر والموانىء الفلسطينية إذا احتاج الأمر. في 22 شباط 1799 احتل الجيش الفرنسي مدينة العريش وبعدها غزة, بعد مقاومة بسيطة للسكان المحليين وحاميتي المدينتين, لم تستطع ايقاف الزحف الفرنسي. وفي 7/3/1799 سقطت مدينة يافا بأيدي الفرنسيين, بعد مقاومة جبارة وباسلة لسكان وحامية المدينة ضد قوات نابليون. وبعد استسلام المدينة واحتلالها ارتكب نابليون وجنوده أبشع أعماله قسوة وغير إنسانية حين قتل وأعدم ما يزيد عن ألفين من حامية يافا وأعدموا آلاف الأسرى الآخرين بمجزرة رهيبة ارتكبتها القوات الفرنسية, ويقدر عدد الذين قُتلوا وأعدموا في يافا بنحو 4000 أسير من الجنود والمدنيين.

بعد احتلال مدينة يافا, تابع نابليون وجيشه تقدمهم شمالاً, عبر طريق الساحل الفلسطيني, والهدف احتلال مدينة عكا وإخضاع واليها, أحمد باشا الجزار, حاكم عكا آنذاك. خلال تقدم الجيش الفرنسي شمالاً واجهته صعوبات جمّة كالأمراض والتعب وقلة المؤن والعتاد, وحتى خسارة عسكرية بالقرب من نابلس. وفقط بفضل قوة الدعم الفرنسية التي وصلت من مصر لمساندة نابليون بقيادة الجنرال كليبر (Kl’eber), استطاع الجيش الفرنسي مواصلة الطريق واحتلال مدينة حيفا في 17/3/1799, وقوة الدعم العسكري بقيادة كليبر هي التي استطاعت في الواقع احتلال وإخضاع مدينة حيفا حيث أن هذه القوة التي وصلت عن طريق البحر, سبقت نابليون وقوته بالوصول لمشارف حيفا. وقوات كليبر لم تلقَ في الواقع مقاومة تذكر من قِبل سكان المدينة بعد أن نزح عنها الجزار وجلب مدافع وحامية المدينة إلى عكا. وسكان حيفا اكتفوا بايفاد أحد سكان المدينة وكان من أصل أوروبي الذي انتظر قدوم الفرنسيين خارج بوابات ومداخل المدينة, وقامَ بتسليم الجنرال كليبر مفاتيح المدينة. وبعد ذلك التاريخ 17/3/1799, انضم نابليون وقوته إلى قوات كليبر لتتشكل قوة مشتركة للجيش الفرنسي بقيادة نابليون وكليبر, متوجهين نحو هدفهم التالي والصعب وهو احتلال مدينة عكا وإخضاع الجزار, وقد بلغ عدد الجنود الفرنسيين نحو 12 ألف جندي.

في 19 آذار سنة 1799, وصل الجيش الفرنسي لمشارف مدينة عكا وفرض الحصار حول المدينة وباشرَ بضربها بالمدفعية. فقط من الجهة الغربية, من البحر والميناء, بقي مفتوحاً وتمركزت في الميناء قوة بحرية انجليزية لمساندة الجزار. أثناء حصار نابليون لعكا تركزت قيادة الجيش الفرنسي, على هضبة إلى الشرق من مدينة عكا تدعى بتل الفخار (عرفت فيما بعد بتل نابليون).

حاكم ووالي عكا والمنطقة خلال الحصار الفرنسي كان أحمد باشا الجزار (1775-1804), الذي اهتم بتحصين المدينة وبناء أسوار ضخمة حولها في وقت سابق, كان له الفضل الأكبر في صد وردع القوات الفرنسية عن المدينة. بالإضافة للأسوار اهتم الجزار ببناء مرابض للمدفعية وتشييد خندق حول الأسوار بعمق ثمانية أمتار. وتذكر المصادر التاريخية أن عدد المدافع على أسوار عكا بلغ ما يقارب 250 مدفعاً, أثناء الحصار الفرنسي, هذا بالإضافة لاهتمام الجزار بجمع كميات كبيرة من الغذاء والقمح والأرز والمؤن وتوفير كميات كافية من المياه في الفترة التي سبقت وصول الجيش الفرنسي إلى عكا, وذلك استعداداً لوقت الحصار.

في 23 آذار 1799, بدأت المعركة على عكا حيث طوّق نابليون المدينة وضرب حصاراً حولها من كافة الجهات البرية مستعملاً أثناء ذلك القصف المدفعي المكثف, خاصة من ناحية الجهة الشرقية والشمالية-الشرقية للمدينة, لكن نابليون وجنوه فشلوا في اختراق أسوار المدينة المنيعة وبطولة أحمد الجزار المستميتة بالدفاع عن عكا وصد العدوان كان له الأثر المعنوي الكبير على حامية وسكان المدينة بالتصدي للقوات الفرنسية. وعندما لم تنجح محاولات نابليون باختراق أسوار عكا أصدر أوامره لجيشه بالاستمرار بحصار المدينة والحيلولة دون وصول مساعدة خارجية للجزار. وخلال حصار عكا نجح جنود نابليون بالاشتباك وإلحاق هزيمة بقوات الجيش العثماني القادمة من دمشق بمعركة قرب طبريا, وكانت تلك القوات قادمة لمساعدة ومناصرة الجزار. وفي هذه الفترة القصيرة تمكنت القوات الفرنسية من احتلال طبريا والناصرة وصفد, وخلال فترة حصار عكا التي استغرقت أكثر من 60 يوماً, استطاع الفرنسيون من السيطرة وبسط نفوذهم على منطقة الجليل الغربي والتي امتدت من [حيفا] جنوباً وحتى مدينة صور شمالاً, ومن البحر حتى شفاعمرو شرقاً. وبعد معركة جبل تابور في 16/4/1799, امتدت منطقة نفوذ الجيش الفرنسي لتشمل بقية مناطق الجليل ومرج ابن عامر.

ميناء الطنطورة كان الميناء الوحيد على الساحل الفلسطيني الشمالي الذي خضع لاحتلال الفرنسيين والذي خدم الجنود الفرنسيين لمغادرة سفنهم ليافا ولاستقبال العتاد والمؤن والمحافظة على اتصالهم بيافا وغزة. ميناء حيفا كان مغلقاً أمام الفرنسيين نتيجة الحصار الذي فرضه الأسطول الانجليزي حوله, وميناء عكا كان تحت سيطرة قوات الجزار والأسطول الانجليزي بقيادة الجنرال سيدني سميث (Sidny Smith), الذي ساعد الجزار بتصديه بنابليون وبالدفاع عن عكا.

خلال حصار نابليون لعكا, استعمل واستغل دير الرهبان الكرمليين على جبل الكرمل, كمستشفى لمداواة ومعالجة الجرحى والمرضى الفرنسيين, في حين تمت معالجة المرضى والجرحى من الجنود الفرنسيين المحاصرين لعكا في شفاعمرو, حيثُ تم تحويل قلعة سرايا ظاهر العمر إلى مستشفى عسكري لخدمة الجنود الفرنسيين.

بعد حصار دام 62 يوماً حول عكا, من18/3 – 21/5/1799, وبعدما فشل نابليون وجيشه ومدافعه باختراق أسوار المدينة المنيعة والدفاع البطولي لأحمد باشا الجزار عن عكا بمساعدة الأسطول الانجليزي, وبعدما رفض الأمير بشير الشهابي الثاني (لبنان) في الانضمام لنابليون والتحالف مع الفرنسيين ضد الجزار والعثمانيين, وبعدما باءت بالفشل محاولات وخطط الجنرال لويس كافرلي, المهندس الرئيسي لجيش نابليون المحاصر لعكا, لاختراق أسوار المدينة ولتفشي الأمراض خاصة الطاعون في صفوف الجنود الفرنسيين وقلة العتاد والمؤن والخسائر البشرية والمادية الفادحة التي تكبدها الجيش الفرنسي خلال فترة حصاره لعكا, قرر نابليون في 20 أيار سنة 1799 فك الحصار عن عكا وأمر جنوده برمي ما بقي معهم من قذائف على المدينة وأبنيتها, لا سيما قصر الجزار والمنطقة المحيطة به, مما ألحق دماراً كبيراً في أبنية المدينة, وبعد أن فك الجنود الفرنسيون مقر قيادتهم ومعسكرهم من تل الفخار, عادوا أدراجهم لمصر, حتى دون أن يشعر بذلك المدافعون عن عكا, وبعد أن ألقى الجنود الفرنسيين بمدافعهم الثقيلة وعتادهم وأسلحتهم للبحر تاركين عكا وعلامات الفشل والإرهاق والخسارة تلاحقهم. ومهما يكن من أمر فيمكننا استنتاج عجز وفشل نابليون بونابرت باحتلال عكا لسببين رئيسيين, الأول: أسوار المدينة المنيعة وتحصيناتها, والثاني: مساعدة الأسطول الانجليزي بالعتاد والأسلحة للجزار, كان لذلك أكبر الأثر في دعم ورفع معنويات الجزار بتصديه للقوات الغازية. وبفشل نابليون بكسر شوكة الجزار واختراق أسوار عكا, تلاشت وتحطمت أحلامه باحتلال اسطنبول والقضاء على الامبراطوية العثمانية ولتبقى مقولته المشهورة مدوّنة على صفحات التاريخ: "لقد أنستني عكا عظمتي, لو سقطت عكا لغيرت وجه العالم, فقد كان حظ الشرق محصوراً في هذه المدينة الصغيرة".

في طريق عودتهم نحو مصر, دمر الجنود الفرنسيون تحصينات الساحل وأبادوا الحقول المزروعة وتكبدوا الكثير من الخسائر في الأرواح, خلال اشتباكهم مع أبناء العشائر والقبائل البدوية وسكان نابلس الذين تعرضوا لهم بطريق عودتهم,هذا فضلاً عن موت ومقتل أكثر من ثلث أفراد الجيش الفرنسي خلال الحصار حول عكا. ولا تزال حتى يومنا هذا لوحات القبور والمدافن على جبل الكرمل تحمل أسماء الضحايا الفرنسيين الذين لاقوا حتفهم بفترة الغزو الفرنسي على فلسطين. وفي 22 آب عام 1799, غادر نابليون ميناء الإسكندرية سراً إلى فرنسا, بعد أن ترك قيادة "جيش الشرق" وإدارة الأمور في مصر بأيدي الجنرال كليبر وبقية الجيش الفرنسي المنهار والضعيف الفاقد الأمل بالعودة حتى إلى فرنسا.وفي 24 كانون الثاني عام 1800 وقّع كليبر على اتفاقية العريش مع العثمانيين, التي نصت على جلاء القوات الفرنسية عن مصر. وبعد بضعة أشهر من الاتفاق قُتل كليبر وخلفه على قيادة الجيش الجنرال مينو, الذي هزمه الإنجليز في معركة بالقرب من الإسكندرية في 21 آذار عام 1801. وفي أعقاب هذه الهزيمة تمّ جلاء وعودة القوات الفرنسية عن مصر إلى فرنسا, ورجعت ولاية مصر لنفوذ السلطان العثماني وفقاً لصلح أميان المبرم بين بريطانيا وفرنسا. وفي أيلول سنة 1801, غادر آخر جندي فرنسي أرض مصر لتنتهي فترة تاريخية ذات تأثير بعيد الأمد على العلاقات بين ا لشرق والغرب. عُرفت بفترة الحملة الفرنسية على مصر.

نتائج الحملة وتقييمها:

لحملة نابليون على مصر وفلسطين, أو الحملة الفرنسية على الشرق كما تعرف ببعض المراجع التاريخية والتي استغرقت ما يزيد عن الثلاث سنوات, كان بالغ الأثر التاريخي والحضاري والعسكري والاقتصادي والتي غيرت تاريخ المنطقة برمتها. فمع نزول قوات نابليون بونابرت في الإسكندرية عام 1798, تعتبر بداية النهاية لنفوذ المماليك في مصر ونشوء ما عُرف لاحقاً بالمسألة المصرية وبداية التدخل الأوروبي في شؤون الامبراطورية العثمانية والولايات العربية التابعة لها, وهذا ما تذكره كتب التاريخ وتعرفه بالمسألة الشرقية (The Eastern Question) .

حملة نابليون على مصر كانت أول حملة أوروبية مسلحة على الشرق الأوسط منذ الحروب الصليبية, وبداية التدخل الأجنبي المباشر في الشؤون الداخلية لولايات وشعوب المنطقة وانكسار الجيش الفرنسي في مصر برهن على أن اقتسام إرث الامبراطورية العثمانية لن يتم لدولة أوروبية واحدة ولا تستطيع فرنسا بمفردها, أو بريطانيا لوحدها من تحقيق ذلك دون التحالف مع بقية الدول الأوروبية.

لعل النتيجة الأكثر أهمية وعمقاً تبقى بعدما فشل نابليون على مشارف عكا وانكساره ورجوعه خاسراً لفرنسا, تمّ في الواقع القضاء على مطامع نابليون بونابرت الشخصية, بالسيطرة على الشرق والطريق التجارية للهند واحتلال أوروبا الشرقية, بعد أن يتم القضاء على السلطنة العثمانية في اسطنبول قبل ذلك, وتحقيق حلمه وطموحه بإقامة إمبراطوريته العظمى في أوروبا والشرق على غرار الاسكندر المقدوني العظيم.

أمام الانتصار البطولي وصمود أحمد باشا الجزار بمساعدة ومؤازرة الأسطول الإنجليزي بقيادة سيدني سميث, وفشل نابليون والجيش الفرنسي أمام أسوار عكا, تلاشت طموحات ومآرب نابليون بالاستيلاء على بلاد الشام والشرق قاطبة, ونجاح الجزار رفع من منزلته عند السلطان العثماني وفي أعين السكان المحليين, وبعد الحملة الفرنسية, أصبح الجزار الحاكم المطلق والأقوى ليس في عكا فقط, وإنما في الجليل وجزء كبير من بلاد الشام, لذا تراهُ يُرقى تقديراً لانتصاراته ومساعدته للسلطنة العثمانية, من قبل الباب العالي العثماني لباشا على دمشق, بالإضافة لحكمه على صيدا وطرابلس والجليل وأصبحت عاصمته الرسمية مدينة عكا ولعلها الفترة الذهبية لهذه المدينة في تاريخها. فبعد الحملة الفرنسية لم تعد فلسطين وعكا مجرد ولاية عثمانية نائية بل أصبحت محطاً للأنظار ومركزاً للصراعات الدولية في أوروبا ومن بؤر سباق التنافس والصراع الاستعماري بين الدول الأوروبية الكبرى - بريطانيا وفرنسا - للسيطرة والتأثير في الشرق الأوسط.

نتيجة لاعتداء نابليون على أملاك الامبراطورية العثمانية في مصر والشام, انضمت إلى تحالف "الحلف الثاني" سنة 1798 مع بريطانيا وروسيا والنمسا ضد فرنسا بعد أن كانت تركيا من أقوى أصدقاء فرنسا قبل الحملة. والأعمال البربرية والقتل والإعدام الجماعي للأسرى والجنود والمدنيين التي قام بها نابليون وجنوده في مصر وفلسطين فضحت نوايا فرنسا الاستعمارية, التي كانت تتستر عليها بستار مساعدة الأقليات والشعوب المضطهدة حسبما وردت في نتائج الثورة الفرنسية والتغييرات الاجتماعية والدستورية والسياسية التي حققتها حين اندلاعها.

عندما غزا نابليون مصر (1798) واستقر الفرنسيون في القاهرة والاسكندرية, أصبح تهديد نابليون للهند أعظم شغل شاغل للسياسة البريطانية. وبمغادرة نابليون لمصر سراً في آب عام 1799 وحتى مغادرة آخر جندي فرنسي مصر في آب 1801, زال عملياً تهديد نابليون للقضاء على الحكم البريطاني في الهند وانتهى أمره. بعدها أضعفت الحملة الفرنسية من قوة ونفوذ المماليك في مصر, من أهم نتائج الحملة الفرنسية بعد جلاء الفرنسيين بزوغ نجم محمد علي باشا وإقامته لولاية ودولة مستقلة في مصر – دولة محمد علي باشا - , الحاكم والوالي العثماني الطموح والذي يعتبر وبحق مؤسس مصر الحديثة (1805-1849).

خلال فترة مكوث الفرنسيين في مصر وبعدها تعتبر هذه الفترة نقطة تحول وملتقى حضاري ما بين الغرب والشرق (خاصة بمصر), وأدت إلى زيادة اهتمام الأوروبيين بمصر خاصة والشرق عامة. فنابليون يعتبر أول من أحضر أول مطبعة عربية إلى مصر (في بولاق) وقد جلبها من الفاتيكان. واهتم العلماء والخبراء الفرنسيون الذين رافقوا الحملة بدراسة وفحص وتحليل مختلف وجوه الحضارة المصرية, خاصة أعضاء "معهد مصر" (Institut d’Egypte) الذي أقيم وتأسس في القاهرة بعد الاحتلال مباشرة وضمّ نخبة العلماء والخبراء الفرنسيين. فقاموا بإجراء مسح جغرافي وميداني لمصر وراقبوا نهر النيل ورسموا خارطة جغرافية لمصر, وقاموا بدراسة آثار مصر. وفي عام 1799 عثر العلماء الفرنسيون على حجر رشيد الشهير وتمكن العالم الفرنسي شامبليون (Champolion) من فك وشرح الكلمات والرموز المكتوبة باللغة الهيروغليفية القديمة. وقد جمع العلماء الفرنسيون نتائج أبحاثهم ودراساتهم في مؤلف ضخم وقيم سُمي "وصف مصر" (Description de L’Egypte) الذي صدر في باريس عام 1809, هذا فضلاً عن نشوء وتطور مجال جديد في علم الآثار يهتم بالتجديد بالآثار المصرية (Egyptologie).

نتائج أخرى للحملة لا تقل أهمية عما ذُكر آنفاً, القضاء على الأسطول الفرنسي وخفض مكانة فرنسا كدولة بحرية في أعين الدول الأوروبية, وبالمقابل ارتفاع مكانة بريطانيا كدولة بحرية عظمى لنجاح أسطولها في القضاء على الأسطول الفرنسي. بما يتعلق بالسلطان العثماني والجيش العثماني فإذا دلت نتائج الحملة على شيء, فإنها تشير إلى مدى الضعف والتفكك الإداري والعسكري للسلطنة العثمانية في اسطنبول, في حين لم تستطع الدفاع عن أراضيها وممتلكاتها بقواها الذاتية, إلا بمساعدة دول أجنبية وإلى قيام وُلاة وحكام أقوياء فيما بعد, فاقت سلطتهم سيادة الدولة والسلطان العثماني والحديث عن محمد علي باشا في مصر, وأحمد باشا الجزار في فلسطين والشام.


هوامش وملاحظات:

(1) نابليون بونابرت (1799-1821), امبراطور فرنسا الشهير وأحد عظماء التاريخ البشري الخالدين. وُلد في مدينة "أجاكسيو" بجزيرة كورسيكا. تلقى تعليمه وتدريبه العسكري في فرنسا, تخرج وهو في السادسة عشرة من عمره (عام 1785) برتبة ملازم ثان في الجيش الفرنسي. في سنة 1796 أصبح قائداً للجيش الفرنسي في ايطاليا وبفضل انتصاراته في الجبهة الإيطالية بين الأعوام 1796/1797, عاد إلى فرنسا بطلاً وطنياً. في سنة 1798 قام بحملته الشهيرة على مصر ومن ثم على فلسطين, التي كانت نهايتها الفشل الذريع لنابليون وجيشه. بعد مغادرة نابليون مصر في أعقاب فشله باحتلال عكا (1799) عاد إلى فرنسا ليشارك في انقلاب عسكري مع آخرين كانت نتيجته قيام حكومة جديدة وتعيين نابليون القنصل الأول لفرنسا, وسرعان ما أصبح حاكماً دكتاتورياً بفرنسا.

أثناء حكمه لفرنسا أدخل إصلاحات جوهرية, خاصة في النظام الإداري والتشريعي, واهتم كذلك بإصلاح النظام المالي والقضائي, وأنشأ بنك فرنسا وجامعة فرنسا. ولعل أهم أعماله ما عُرف ب"دستور نابليون". عُرف عن نابليون قصر قامته, وعشقه للنساء وفشله بحياته الزوجية وذكائه النادر. احرز بفضل نبوغه وعبقريته انتصارات باهرة في ميادين القتال والمعارك. توفي بمرض السرطان سنة 1821, بمنفاه في جزيرة "سانت هيلانه" في المحيط الأطلسي.

(2) في 23 آب سنة 1516م اشتبك الجيشان العثماني والمملوكي في مرج دابق, قرب حلب وفي هذه المعركة (مرج دابق), هُزم الجيش المملوكي, وتوفي سلطان المماليك "قانصوه الغوري", ونتيجة لانتصار العثمانيين في المعركة بسبب قوتهم العسكرية استخدامهم بنادق الرصاص في المعركة, في حين اعتمد المماليك على سلاح الفرسان, ولانتصار العثمانيين فتحت أمامهم بلاد الشام. فبعد معركة مرج دابق احتل السلطان سليم الأول حلب وبعدها دمشق وبقية المدن والمناطق في الشام وفلسطين وحتى مصر.

(3) عبد الرحمن الجبرتي (1754-1822), ولد في القاهرة وكان ينتمي لأسرة من العلماء والمشايخ الأزهريين. عاصر حكم أواخر البكوات المماليك, وكان شاهد عيان للاحتلال الفرنسي لمصر (1798) وعاصر حكم محمد علي باشا.

عينه نابليون عضواً في ديوان الأعيان الذي أنشأه لمساعدته في تثبيت حكمه في مصر, لكن الجبرتي كان حر الرأي في شخصيته ومقاوماً للظلم والطغيان. وعندما اشتدت خلافاته مع الفرنسيين, استقال من عضوية الديوان. قُتل في القاهرة في رمضان عام 1822 بفترة محمد علي. كتابه "عجائب الآثار في التراجم والأخبار"، يعتبر من أهم وأعظم تواريخ مصر في القرنين الثاني والثالث عشر للهجرة. ألف وترجم الجبرتي عدة كتب أخرى قبل وفاته.

(4) تل نابليون (أو تل الفخار): تل وهضبة ترابية تبعد 1 كم إلى الشرق من أسوار مدينة عكا (بجانب ملعب كرة القدم البلدي). يعتقد أنه مكان عكا القديمة الكنعانية. استخدم التل جميع الفاتحين لضرب المدينة أمثال صلاح الدين الأيوبي وريكاردوس قلب الأسد, وكان آخرهم نابليون، حيث تركزت على التل مقر قيادته ومعسكر جيشه خلال فترة حصاره لعكا (1799).

أجريت في الموقع حفريات أثريه كثيرة، تم الكشف خلالها على آثار وقبور قديمة، بعضها يعود للفترة الرومانية.

(5) أحمد باشا الجزار (1775-1804): كان أحمد باشا الجزار مملوكاً بشناقي الأصل. ولد نصرانياً في البوسنة، ومعظم كتب ومراجع التاريخ تجهل سنة ولادته. اقترف وهو صبي جرماً أخلاقياً، فر على أثره إلى اسطنبول وهناك باع نفسه لنخاس يهودي، حيث باعه مع عدد من الصبيان في القاهرة، وكان من نصيب تاجر مصري أسلم على يديه وسمي (أحمد). خدم في مصر عدداً من الأشخاص والبكوات، من بينهم علي بك الكبير في القاهرة، الذي عينه جلاداً في قصره، وقد أظهر من المواهب والتفنن في انفاذ مهمته والرغبة بالقيام بها، مما أكسبه لقب "الجزار"، خاصةً بسبب بطشه الشديد ببدو إقليم البحيرة. في مصر نال الجزار رتبة الباكوية. انتقل بعد ذلك إلى الشام مع بعض مماليكه وكلف من قبل السلطات العثمانية بدمشق بحماية بيروت. وهناك تمرد على حاكمها الأمير يوسف الشهابي. وبعد القضاء على ظاهر العمر الزيداني عام 1775، حاكم عكا والجليل، عين السلطان العثماني أحمد باشا الجزار محافظاً لعكا. وفي عام 1776 عين والياً على صيداً من قبل السلطان ومنح رتبة وزير ولقب باشا.

اتخذ الجزار عكا مركزاً له مستعيناً بجيش من المماليك المرتزقة، ولجأ إلى أعمال السخرة في تحصين المدينة. بلغ الجزار أوج مجده سنة 1799 بسبب نجاحه في الوقوف والصمود لقوات الجيش الفرنسي وإيقافه لنابليون بعدم تمكينه من اختراق أسوار عكا ومواصلة زحفه لبقية مناطق الجليل والشام, وذلك بفضل بسالة الجزار ومساعدة الأسطول الإنجليزي له وتقديراً لنجاحه عينه الباب العالي منصب الولاية الرفيع وشملت ولايته معظم فلسطين والشام.

بعد جلاء القوات الفرنسية عن عكا عام 1799, اهتم الجزار بالبناء والعمران وتوطيد سلطانه وحكمه, فاهتم بتشييد الأسوار حول عكا وبناء الكثير من المباني العامة والتي ما زالت قائمة حتى يومنا هذا, لعل أهمها: جامع الأنوار (الجزار), خان العمدان, الأسوار, الحمام وغيرها.

توفي أحمد الجزار عام 1804, وكان موته طبيعياً مما يعتبر بمثابة ظاهرة شاذة في تاريخ الولاة العثمانيين في أيامه.

(6) لويس كافرلي: المهندس العسكري الرئيسي لجيش نابليون أثناء حصاره لأسوار عكا عام 1799, وهو الذي خطط للحصار. قتل بطلقة رصاص من بندقية صياد, أطلقت عليه عندما كان يتجول بجانب أسوار المدينة الخارجية. مكان قبره لم يعرف وبقي مجهولاً حتى اكتشف مصادفة عام 1969 ويقع بمنطقة المدرسة الزراعية (يد ناتان حاليًا) شمالي عكا, وكان يُظن قبل ذلك أنه مقام الغفاري (أو الكوفاني).

(7) الطاعون: مرض ووباء خطير, عُرف في العصور القديمة. والطاعون عبارة عن التهاب حاد يصيب الجرذان والقوارض في البداية, ثم ينتقل للإنسان, وثبت أن الفئران هي الناقلة لوباء الطاعون. كان يتفشى وباء الطاعون كثيراً في المدن الحصينة المسوّرة بسبب اكتظاظ واحتشاد السكان, وبسبب موت الكثيرين من الطاعون سُمي "بالموت الأسود" في القرون الوسطى. في القرن السابع عشر انتشرالطاعون في أوروبا وهلك فيه آلاف المرضى والمصابين.

تفشى الطاعون في بلاد الشام زمن الخليفة الأموي عبد الملك بين مروان, وفي شهر أيار عام 1799 وأثناء حصار نابليون على عكا تفشى الطاعون في المدينة وفي صفوف الجيش الفرنسي, حتى امتلأت مستشفيات حيفا ويافا وجبل الكرمل بالجنود الفرنسيين المصابين بالطاعون. كما هلك عدد كبير من أفراد الجيش, عدا الذين أصيبوا بالهذيان والجنون, وكان ذلك من العوامل والأسباب المهمة التي أدت إلى انسحاب نابليون وفك حصاره عن عكا.

(8) محمد علي باشا (1769-1849): ولد بمدينة "قوله" المقدونية وجاء إلى مصر مع قوة صغيرة من أهل قولة لمحاربة الفرنسيين, وكان آنذاك جندياً عثمانياً. بعد رحيل وجلاء الجيش الفرنسي من مصر (1801), استطاع محمد علي باشا بحنكته ودهائه أن يكسب ثقة وتأييد الأعيان ومشايخ الأزهر وعامة الشعب المصري, ويتولى زمام أمور السلطة في مصر, حتى نودي به والياً في مصر عام 1805.

(9) جان فرنسوا شامبيليون (1790-1832): أحد العلماء الشباب الذين رافقوا حملة نابليون على مصر. بعد العثور على حجر رشيد المنقوش باللغات: الهيروغليفية والديموطيقية واليونانية القديمة, نجح شامبليون بفك وكشف رموز ومعاني الكتابة المنقوشة على الحجر, واقترن اسمه بحجر رشيد واعتبر أشهر وأعظم العلماء الذين عرفوا رموز حجر رشيد. توفي وهو في الثانية والأربعين من عمره.


تواريخ الحملة الفرنسية

عام 1798م

-21 تموز (يوليو): معركة الأهرام (امبابة), بالقرب من القاهرة بين القوات الفرنسية وجيش الخيالة المملوكي, هُزم بها المماليك واحتل الفرنسيون القاهرة في 22 تموز.

-1 آب (أغسطس): معركة النيل (أبي قير البحرية). بعد أن عثر القائد الانجليزي نلسون على الأسطول الفرنسي في ميناء أبي قير, شرقي الاسكندرية, استطاع الأسطول الانجليزي دون صعوبة في أن يُحطّم ويدمر الأسطول الفرنسي, بسبب عجزه عن الحركة وتكدسه في المرسى, وهكذا أمكن نلسون أن يقطع الطريق البحرية بين نابليون وقواته وبين فرنسا.

عام 1799م - شباط (فبراير): حملة نابليون على فلسطين وسوريا. غزا نابليون فلسطين طريق العري وغزة, دخل يافا وفشل في الاستيلاء على عكا.

-19 آذار (مارس): وصول الجيش الفرنسي إلى مشارف مدينة عكا وفرض الحصار البري حول المدينة.

-20 أيار (مايو): فك الحصار عن عكا, بعد أن فشل نابليون وجنوده باقتحام أسوار المدينة ورجوعه إلى مصر.

-25 تموز (يوليو): معركة أبي قير (البرية) بين قوات نابليون وقوات العثمانيين, يساندهم الأسطول الانجليزي, لكن القوات الفرنسية استطاعت أن تتغلب عليهم وتلحق هزيمة ساحقة بالجيش التركي والانجليزي.

-24 آب (أغسطس): نابليون يترك مصر عائداً إلى فرنسا ويخلفه بقيادة الجيش الجنرال كليبر. -عام 1800م - كانون الثاني (يناير): اتفاق العريش بين قوات كليبر والأتراك الذي نص على جلاء القوات الفرنسية عن مصر.

-آذار (مارس): الانتصار الفرنسي في عين شمس, وبداية التمرد الثاني في القاهرة.

-حزيران (يونيو): الجنرال كليبر يُقتل ويخلفه في القيادة مينو. عام 1801م - 21 آذار (مارس): وصول القوات الانجليزية إلى أبي قير وانتصارهم على مينو والقوات الفرنسية بالقرب من الاسكندرية.

- أيلول (سبتمبر): جلاء القوات الفرنسية عن مصر وعودتها إلى فرنسا.



الحملة الفرنسية على مصر والشام (1798 - 1802) بدأت عام 1798 م عندما قرر نابليون بونابارت غزو مصر والشام واتخاذهما قاعدة لإقامة إمبراطورية فرنسية في الشرق وقطع طرق المواصلات بين بريطانيا ومستعمراتها في الهند.

في 3 مارس عام 1799 م نجح الفرنسيون بقيادة نابليون بونابارت في الاستيلاء على مدينة وميناء يافا في فلسطين في إطار الحملة التي قادها بونابارت انطلاقاً من مصر لفرض سيطرة فرنسا على الشام وتنفيذ مخططه لإقامة قاعدة لإمبراطورية فرنسية في الشرق. ولم تدم فرحة الفرنسيين بفتح يافا طويلاً حيث تحطمت الحملة الفرنسية في الشام على أسوار مدينة عكا التي قاد المقاومة فيها واليها التركي أحمد باشا الجزار في الوقت الذي ساعد فيه تفشي وباء الطاعون بين الجنود الفرنسيين في القضاء على هذه الحملة قضاء مبرماً. وكان الفشل الفرنسي في حملة الشام التي بدأت في السابع من فبراير عام 1799م مقدمة لفشل الخطة الفرنسية في الشرق على الإطلاق حيث خسرت القوات الفرنسية معركتها البحرية ضد الأسطول الإنجليزي في معركة أبو قير البحرية بمصر ليدرك بعدها نابليون بونابرات أن الحملة الفرنسية على مصر والشام محكوم عليها بالفشل فقرر بونابارت الرحيل إلى فرنسا خاصة مع بدء الصراع على الحكم في الجمهورية الفرنسية وتولية الجنرال كليبر قيادة الحملة خلفاً له.

ورغم السهولة النسبية التي استولى بها الفرنسيون على مصر التي كانت خاضعة لحكم المماليك في ذلك الوقت فإن الحملة على الشام اصطدمت بالعديد من الصعوبات في مقدمتها المقاومة من جانب بعض المدن وتباعد المسافة بين القوات المتجهة إلى الشام وقواعدها في مصر حيث أصبحت هذه القوات وطرق إمدادها فريسة سهلة لهجمات مسلحي قبائل البدو في سيناء بمصر وفي فلسطين. وقتل كليبر على يد طالب سوري حلبي في الأزهر الشريف بمصر هو سليمان الحلبي ليخلفه الجنرال مينو على قيادة الحملة الذي سلم بفشلها فعقد اتفاقاً مع بريطانيا على خروج القوات الفرنسية من مصر عام 1801م.

أنظر : الحملة الفرنسية على مصر