الثروة واقتصاد المعرفة (كتاب)

الثروة واقتصاد المعرفة
Revolutionary Wealth.jpg
المؤلفآلفين توفلر و هايدي توفلر
المترجممحمد زياد يحيى كبة
اللغةمترجم من الإنجليزية للعربية
الموضوعتاريخ
الناشرجامعة الملك سعود
الإصدار1429هـ – 2008م
عدد الصفحات455

يستمد كتاب الثروة واقتصاد المعرفة "Revolutionary Wealth" أهميته كونه يعبيرا عن روح العصر – أو ما بات يعرف "بالموجة الثالثة"– التي أعلنت بزوغ فجر المعرفة التقنية، وأفول نجم العصر الصناعي الذي ساد أوروبا وأمريكا الشمالية على مدى مائتي عام. إنه كتاب فريد بمحتواه، غريب في أسلوبه، غني بأفكاره؛ فهو يحمل سمات القرن الحادي والعشرين بكل تناقضاته وسلبياته وإيجابياته، ويتميز عن غيره من الكتب في كونه أشبه بمقالة صحفية ضخمة، ملئت بالشواهد المادية، ومقولات الخبراء والعلماء. ولكتاب "الثروة واقتصاد المعرفة"، الذي استغرق وضعه اثني عشر عاما، دور مهم أيضا في إثراء المكتبة العربية لما يحويه من أفكار جديدة تمس عالمنا العربي سواء من الناحية الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية؛ فهو يخاطب القارئ العادي ويشرح ما يدور حوله اليوم بأسلوب واقعي جذاب. و حسب تعبير المترجم أن في عبارة "الثروة الثورية" – وهي الترجمة الحرفية للعنوان - عسرا في النطق، وثقلا على السمع؛ فآثر العنوان الحالي "الثروة واقتصاد المعرفة" الذي استقاه من مضمون الكتاب.

مفردات الكتاب

الكتاب الأصل يزخر بكلمات إنجليزية جديدة لا وجود لها حتى في المعاجم الاختصاصية، مثل كلمة Prosumer و Fabbing و de-territorialized وغيرها. و لما تبحث عن كلمة Prosumer مثلا تجد أنها نحتت من كلمتي Producer و Consumer وحين أعياني العثور على ما يقابلها في العربية، فقام المترجم بنحت كلمة "عربية" جديدة وهي "منتهلك" و المقصد منها (من يستهلك منتجاته) لتقابل Prosumer الإنجليزية، ومنها اشتق الفعل "أنتهلك" (أي أنتج واستهلك ما أنتج)، و"الإنتهلاك" (أي استهلاك الفرد لما ينتجه) وهكذا.

الأسلوب و الشكل

أسلوب المؤلفَين ينم عن ولع شديد بالتهكم، والسخرية، والتورية، والتشبيه، والاستعارة، والجناس اللفظي، والمحسنات البلاغية الأخرى إن جاز لنا التعبير، على نحو يلفت النظر. فمن العسير على قارئ النص الأصل أن يدرك المقصود بعنوان أي فصل من الفصول تقريبا – رئيسا كان أم فرعا – قبل قراءة الفصل بأكمله قراءة متأنية. فدلالة الألفاظ متوارية، غامضة.

محتوى الكتاب

الكتاب يطرح موضوعات بالغة الأهمية والحساسية لا تقتصر على بلد بعينه، بل تطال العالم بأسره، لاسيما دول الشرق الأوسط بوجه عام والمملكة العربية السعودية بوجه خاص. صحيح أنه يتحدث بإسهاب عن الولايات المتحدة، لكنه يضع معالجته لما يجري في تلك القوة العظمى في إطار عالمي على اعتبار أن الولايات المتحدة اليوم تقود العالم بلا منازع.

يركز الكتاب على الزمان والمكان والمعرفة، ويصفها بأنها الأسس الثلاثة العميقة التي تتحكم بالثروة الثورية، ثم يتناول كلا منها بالشرح والتفصيل مبينا تطورها في التاريخ بدءا بالعصر الزراعي (الموجة الأولى)، والعصر الصناعي (الموجة الثانية) وانتهاء باقتصاد المعرفة (الموجة الثالثة). ويعزو الكتاب الكثير من المشكلات الاقتصادية اليوم إلى فقدان التزامن بين مختلف عناصر صنع الثروة الثورية التي تشكل محوره الأساس، ويقول إن عصر خط الإنتاج وارتداء الزي الموحد قد ولى، وإن عصر الإنتاج بحسب الطلب هو السائد الآن.

ومن القضايا المهمة على الصعيد العالمي التي يتناولها الكتاب بالدراسة والتحليل العولمة، والطاقة، والبطالة، والتعليم، والجريمة، والفقر، والبيروقراطية، والتطرف، والمنظمات غير الحكومية وحركاتها. ويربط الكتاب جميع هذه القضايا بموضوعه الرئيس وهو صنع الثروة في القرن الحادي والعشرين بناء على الأسس العميقة: الزمان، والمكان، والمعرفة. ويبين المؤلفان في غير موضع أن صنع الثروة الثورية في عصرنا الحاضر يعتمد بالدرجة الأولى على اقتصاد المعرفة بعد أن غابت شمس العصر الصناعي. فعصرنا الحاضر هو بكل تأكيد عصر قوة العقل ومرونة العمل، على النقيض من العصر الصناعي الذي كان عصر القوة العضلية والتشدد في ساعات العمل. ويضرب المؤلفان أمثلة عدة من الصين، والهند، ودول شرق آسيا التي فطنت إلى هذه الحقيقة الحيوية، على عكس الدول العربية التي لم تسلك سبيل اقتصاد المعرفة بعد، وما زالت تسعى وراء الموجة الثانية، أي بناء الاقتصاد الصناعي والمداخن العالية.

ويقارن الكتاب الأوضاع الاقتصادية في أمريكا وأوروبا، ويسهب في عرض ما يجري في الصين، والهند، واليابان موضحا النواحي السلبية والإيجابية في اقتصاديات كل من هذه البلدان، ويقول صراحة إن الصين وضعت قدمها على الطريق الصحيح في القرن الحادي والعشرين حين قررت الانضمام إلى اقتصاد السوق وتبنّت سياسة الانفتاح، وإن الهند تمارس الآن اقتصاد المعرفة بامتياز بعد أن بدأت في إنتاج البرمجيات وتصديرها إلى الولايات المتحدة.

من القضايا المهمة الأخرى التي يطرحها الكتاب قضية "تصدير التصنيع"، أي إنتاج السلع الأمريكية واليابانية خارج الولايات المتحدة واليابان، لاسيما في الصين، والهند، والمكسيك، ودول شرق آسيا مثل تايلاند، وماليزيا، وسنغافورة.

يورد الكتاب في معرض مناقشته لقضية الفقر في العالم إحصاءات دقيقة من الأمم المتحدة، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، موضحا أن العالم اليوم أفضل حالا من ذي قبل، بالرغم من أن نسبة كبيرة من سكان الأرض لا تزال تعيش تحت خط الفقر، أي بأقل من دولارين في اليوم، وما زالت محرومة حتى من مياه الشرب النقية.

يتطرق الكتاب إلى مشكلة الطاقة، فيلقي بظلال قاتمة على مستقبل النفط في العالم، ويقول إن النفط سلعة قابلة للنضوب، لكن في العالم اليوم من العلماء والمهندسين والمفكرين ما يضمن العثور على البدائل المناسبة، وفي الوقت المناسب. ويعزو الكتاب مشكلة ارتفاع أسعار الطاقة إلى دخول الصين والهند عصر الإنتاج بسرعة لم تكن متوقعة، وإلى زيادة الطلب على النفط في العالم لاسيما في هذين البلدين. ومن القضايا المهمة الأخرى التي يناقشها ألفين وهايدي توفلر قضية الإرهاب الدولي؛ فانتشار الإرهاب مرده في رأيهما إلى عوامل اقتصادية صرف، ويقولان إن من الممكن الحد من هذه الظاهرة وانتشارها من خلال الاستثمار الحكيم للثروة في توجيه الشباب وإيجاد فرص العمل المناسبة، ويخلصان إلى نتيجة مفادها أن مشكلات العالم اليوم متشابهة، وأن حلها يتطلب التعاون بين الحكومات، والمنظمات، والأفراد. ويوضح الكتاب أنه برغم كل ما يطبع وما ينشر على الإنترنت وفي التلفاز وعلى هواتفنا المحمولة حول التجارة والاقتصاد فإن أهم قصة على الإطلاق، وهي التحول التاريخي في الثروة، ضاعت ودفنت تحت ركام من الحقائق التافهة. ويقول مؤلفا الكتاب إن مهمتهما هي سرد هذه القصة المفقودة. فكما أن الثورة لا تندلع فقط من الحقول والمصانع والمكاتب والآلات، فإن الثروة الثورية لا يمكن أن تنحصر في المال فحسب. لقد بات في قدرة الجميع إدراك أن الولايات المتحدة، وبلدانا كثيرة أخرى، تتحول إلى اقتصاديات المعرفة التي يحركها العقل، فإذا لم يظهر الأثر الكامل لهذا التحول حتى الآن، سواء في الأفراد أو الدول والقارات، فلأن نصف القرن الماضي لم يكن سوى توطئة لما هو آت.

ويرى المؤلفان أن أهمية المعرفة في تكوين الثروة زادت بشكل لا يقبل الجدل، وهي الآن على وشك أن تقفز إلى مستوى أعلى، وأن تجتاز حدودا إضافية على اعتبار أن هناك عددا متزايدا من بلاد العالم في تواصل مع مصرف عالمي للمعرفة دائم النمو والتغير، يسهل الوصول إليه أكثر من ذي قبل. ونتيجة لهذا، كما يرى مؤلفا الكتاب، أننا جميعا، أغنياء كنا أم فقراء، سنعيش ونعمل مع الثروة الثورية أو نتائجها.

لقد أصبحت الثورة، كما جاء في الكتاب، كلمة يتقاذفها الناس بلا اكتراث هذه الأيام، حتى اقترنت بنظم الحمية الغذائية الجديدة، والانتفاضات السياسية على حد سواء مما أفقدها الكثير من معناها. لكن الكتاب الذي بين أيدينا يستعمل الكلمة بمعناها الواسع. فبالمقارنة مع حجم الثورة التي نواجهها الآن فإن هذا المصطلح لا ينطبق على انهيار البورصة، ولا على تغير نظام الحكم في بلد ما، أو ظهور تقنيات جديدة، أو الحروب وانقسام الأمم. فالتغير الثوري الذي يشكل محور اهتمام هذه الصفحات هو انتفاضة تشبه الثورة الصناعية، بل هي أبعد منها أثرا، حين اجتمعت آلاف التغيرات لتشكل نظاما اقتصاديا جديدا رافقه أسلوب حياة جديد وحضارة جديدة تسمى الحداثة.

ولكي تكون الثروة ثورية حقا يجب ألا يقتصر تحولها على الكم فحسب، بل يجب أن يكون أيضا في طريقة إيجادها، وتوزيعها، وتداولها، وإنفاقها، وادخارها، واستثمارها. ويؤكد الكتاب أن الثروة لا يمكن أن تكون ثورية عن حق بدون هذه التغيرات، وأن هذا كله يحدث بالفعل بسرعة هائلة، وعلى نطاق عالمي.

يذكر الكتاب أن الثروة لا تتعلق بالمال فحسب. فبالرغم من أننا جميعا نعيش في اقتصاد المال، لكن هناك اقتصادا موازيا ومثيرا وغامضا نحقق فيه كثيرا من حاجاتنا دون مقابل مالي. فاقتصاد المال واقتصاد اللامال هما ما يدعوه الكتاب "بنظام الثروة"، ويمضي الكتاب قائلا: إنه إذا حدثت ثورة متزامنة في هذين النوعين المتفاعلين من الاقتصاد، تشكل نظام ثروة متين لا مثيل له في التاريخ.

لكي نعرف معنى هذا، يقول ألفين وهايدي توفلر إن علينا أن ندرك أنه ما من نظام ثروة ينشأ في الفراغ. فنظام الثروة، على عظم قوته، ما هو إلا أحد مكونات نظام أكبر وأشمل يتغذى بما تقدمه إليه مكوناته الأخرى الاجتماعية، والثقافية، والدينية، والسياسية، وما تقدمه هذه المكونات بعضها إلى بعض. وتشكل هذه المكونات مجتمعة حضارة أو أسلوب حياة متوافقا مع نظام الثروة. لذلك فإننا حين نتحدث عن الثروة الثورية فإننا نفكر دائما بكل هذه الأنظمة الفرعية الأخرى.

كتاب "الثروة واقتصاد المعرفة" يفتح الأعين على حقائق طالما غابت عن الأذهان، ويبين للقارئ أهمية المعطيات، والمعلومات، والمعرفة في اقتصاديات اليوم، كما يسهم بشكل إيجابي في التقارب بين الشعوب ونشر السلام في العالم من خلال تبني سياسة اقتصادية واحدة تعتمد على المعرفة.

وصلات خارجية