إبراهيم ناصف الورداني

(تم التحويل من ابراهيم ناصف الورداني)
إبراهيم الورداني

ابراهيم ناصف الورداني (1886 - 28 يونيو 1910) صيدلي مصري شاب عائد حديثا من انجلترا قام بإغتيال بطرس غالي في 20 فبراير 1910 لعمله على اقرار مشروع مد امتياز قناة السويس للأربعين عاما إضافية. وكان ابراهيم من أتباع الحزب الوطني وأحد أعضاء الجمعية السرية، جمعية اليد السوداء، التي شكلت للإنتقام من الخونة. حكم عليه بالإعدام وقبض على كثير من أعضاء الجمعية.

تمديد امتياز قناة السويس

لعب بطرس غالي دورا مشبوها في مشروع مد امتياز قناة السويس الذي كان يهدف لمدها أربعين عاما أخرى، وذلك مقابل مبلغ من المال تدفعه الشركة صاحبة الامتياز إلى الحكومة المصرية إلى جانب نسبة معينة من الأرباح تبدأ من سنة (1338هـ = 1921م) حتى (1387هـ = 1968م).

وكان بطرس يجتهد لإخفاء مشروع القانون عن الصحافة والحركة الوطنية حتى يقوم بتمريره دون أي ضجة من الرأي العام المصري، ولذا ظل هذا المشروع محل تكتم مدة عام كامل، وقد اقترب بطرس من تحقيق غرضه لولا أن الزعيم الوطني محمد فريد استطاع الحصول على نسخة من مشروع القانون وقام بنشرها في جريدة اللواء في (رمضان1327هـ = أكتوبر 1909م) وبدأت حملة من الحركة الوطنية وعلى رأسها الحزب الوطني في تعبئة المصريين ضد هذا القانون، خاصة أن إعطاء الامتياز كان يعني أن تترك الشركة القناة للمصريين سنة (1428هـ = 2008م).

وكان من ذكاء الحركة الوطنية أنها طالبت بعرض مشروع هذا القانون الخطير على الجمعية العمومية لأخذ رأيها فيه، وكان معنى ذلك هو حشد الأمة المصرية ضد هذا القانون، وقد وافق الخديوي عباس حلمي على ذلك، وتم تحديد يوم (1 صفر 1328 هـ=10 فبراير 1910م) لانعقاد الجمعية العمومية لمناقشة المشروع.

الاغتيال

اغتيال رئيس النظار، بطرس غالي. رسم تصويري من صحيفة السياسة المصورة، 1910.

وفي تلك الجلسة حضر "إبراهيم ناصف الورداني" وكان من أعضاء الحزب الوطني، وتأثر بما دار من مناقشات في تلك الجلسة وخرج منها عازما على وضع حد ونهاية لمشروع هذا القانون يتلخص في اغتيال بطرس غالي.

وقد قام إبراهيم الورداني باغتيال بطرس غالي أمام وزارة الحقانية في الساعة الواحدة ظهرا يوم (11 صفر 1328 هـ = 20 فبراير 1910، حيث أطلق عليه الورداني ست رصاصات أصابت اثنتان منها رقبته.

تفاصيل الحادث: فقد خرج بطرس غالي باشا من غرفته في ديوان الخارجية بصحبة حسين باشا رشدي ناظر الحقانية، وفتحي باشا زغلول، وعبد الخالق ثروت النائب العمومي وقد سار هؤلاء الثلاثة معه إلى سلم النظارة الخارجي الموصل إلى الحديقة حيث كانت تنتظره سيارته الخاصة وودعه رفاقه وكان حسين باشا رشدي يسير في مقدمتهم ويليه عبد الخالق باشا ثروت، ثم فتحي باشا زغلول، وعندما وصلوا إلى باب نظارة الحقانية سمعوا صوت إطلاق الرصاص فالتفتوا لاستطلاع الخبر فإذا بصوت يقول (الباشا) ثم رأوا سيارة رئيس النظار لم تتحرك من مكانها وأسرعوا تجاه الحادث ووجدوا بطرس باشا غالي مُلقى على ظهره وإحدى رجليه على درجة السيارة والسائق يحاول إنهاضه، ومقبوض على الجاني (إبراهيم ناصف الورداني) الذي انقض على بطرس باشا غالي بمسدس وأطلق عليه ست رصاصات أصابه اثنان منهم في رقبته وواحدة في كتفه الأيسر وأخرى في جنبه الأيمن فسقط على الأرض والدم ينزف منه، وفي الحال تم استدعاء رجال الإسعاف ونقلوه إلى مستشفى الدكتور ملتون، وفور وصول بطرس غالي إلى المستشفى اجتمع حوله 15 طبيبًا من كبار الأطباء في مصر لإجراء عملية له، لكنه توفي في 21 فبراير عام 1910. وكانت آخر كلماته قبل رحيله: “يعلم الله أني ما أتيت أمرًا يضر ببلادي”.

نتائج الاغتيال

كان اغتيال بطرس غالي هو أول جريمة اغتيال في مصر الحديثة، وكان متزامنا مع نظر الجمعية العمومية لمشروع مد امتياز قناة السويس، وكان الورداني شجاعا للغاية؛ فقد اعترف بقيامه بقتل بطرس غالي؛ لأنه في نظره خائن بسبب ما قام به في اتفاق الحكم الثنائي للسودان ومشروع قانون مد امتياز قناة السويس، ورئاسته لمحكمة دنشواي، وقانون المطبوعات.

كان اغتيال بطرس غالي سببا في إنشاء المكتب السياسي الذي كان يهدف إلى تعقب السياسيين وذوي الاتجاهات الوطنية، وكان أول رئيس لهذا المكتب هو "فليبدس بك" وهو شخصية يونانية تمصرت، وعرف عنها الفساد، حتى إنه حبس بعد ذلك خمسةَ أعوام لجرائم تتعلق بالرشوة والفساد.

وتألفت عقب اغتيال بطرس غالي وزارة جديدة برئاسة "محمد سعيد باشا" وكان سعد زغلول فيها وزيرا للحقانية، فصودرت الحريات، ونفي محمد فريد إلى خارج مصر، كما تحالف الخديوي عباس حلمي الثاني مع الإنجليز وعادت سياسة الوفاق بينهما مرة أخرى.

الاغتيال سياسي

أما إبراهيم الورداني فقد كان وقت اغتياله بطرس غالي شابا في الرابعة والعشرين من عمره، ودرس في سويسرا الصيدلة، حيث عاش بها عامين بدءا من سنة (1324هـ/1906م)، ثم سافر إلى إنجلترا وقضى بها عاما حصل خلاله على شهادة في الكيمياء ثم عاد إلى مصر في (ذو الحجة 1326هـ= يناير 1909م) ليعمل صيدلانيا، وكان عضوا في الحزب الوطني، وكان له ارتباط بجمعية مصر الفتاة، وبعد عودته لمصر أسس جمعية أسماها "جمعية التضامن الأخوي" التي نص قانونها على أن من ينضم فيها يجب أن يكتب وصيته.

وقد مثل الورداني أمام المحكمة في (12 ربيع الآخر 1328 هـ/21 إبريل 1910م) وكان يرأسها الإنجليزي "دلبر وجلي"، وكان من المحامين الذين حضروا للدفاع عن الورداني "أحمد بك لطفي".

وعندما ألقي القبض عليه قال إنه قتل بطرس غالي "لأنه خائن للوطن"، وإنه غير نادم على فعلته، واعترف أنه فكر في قتل بطرس عندما حضر جلسة المجلس العمومي ورأى معاملة بطرس غالي الجافة لأعضاء المجلس، ومشاركته في محكمة دنشواي.

وقد كشف التحقيق مع الورداني وجود أكثر من خمسة وثمانين جمعية سرية لم يكن للحكومة أي علم بها أو عنها.

وقد وجهت للورداني تهمة القتل العمد مع سبق الإصرار، وهي جريمة عقوبتها الإعدام، وانشغل الرأي العام المصري بالحادث انشغالا كبيرا، حتى فشت في تلك الفترة خطابات التهديد التي كانت ترد إلى النظار (الوزراء) وكبار المسئولين في الدولة.

وقد قام عبد الخالق باشا ثروت الذي كان يشغل في ذلك الوقت منصب النائب العام بالتحقيق في القضية، وقد ذكر في مرافعته أن الجريمة المنظورة أمام المحكمة هي جريمة سياسية وليست من الجنايات العادية، وأنها "بدعة ابتدعها الورداني بعد أن كان القطر المصري طاهرا منها" ثم طالب بالإعدام للورادني، ثم أرسلت القضية إلى المفتي (الشيخ بكري الصدفي) لإبداء رأيه فيها، لكن المفتي أخذ بوجهة نظر الدفاع القائلة باختلال قوى المتهم العقلية وضرورة إحالته إلى لجنة طبية لمراقبته، إلا أن المحكمة لم تأخذ برأي المفتي، وكانت سابقة أن يعترض المفتي على حكم محكمة الجنايات برئاسة الإنجليزي "دولبر وجلي"، وفي يوم (9 جمادى الأولى 1328هـ=18 مايو 1910م) أصدرت محكمة الجنايات حكمها بالإعدام على الورداني، وفي صباح يوم (21 جمادى الآخرة 1328 هـ=28 يونيو 1910م) تم تنفيذ حكم الإعدام في الورداني.

وقد صدر قرار يُحرم على أي مصري الاحتفاظ بصورة الورداني وبقي هذا القرار ساريا حتى ثورة 23 يوليو 1952م.

الورداني في المخيال الشعبي

أهزوجة " قولوا لعين الشمس ما تحماشي .. لحسن غزال البر صابح ماشي " تم تأليفها خصيصا للورداني عندما تم الحكم عليه بالإعدام وحزن عليه المواطن البسيط، وهي ما صارت من التراث الشعبي بعدها بتنويعاتها المختلفة.

الهامش