بين نقد العقل العربي ورفده ؛ الجابري بعد مرور ربع قرن على تشريح العقل العربي

بين نقد العقل العربي ورفده
الجابري، بعد مرور ربع قرن على تشريح العقل العربي

علاء الدين الأعرجي
محام/ كاتب عربي من العراق يقيم في نيويورك

"تعود الشهرة التي حازتها كتابات الجابري، في جزء منها، إلى توظيفه مفهوم "العقل"، بما هو كذلك. وبالفعل ، وعلى الرغم من المساجلات الواسعة النطاق نسبيا، التي أثارها في الساحة الثقافية العربية كتابه عن "الخطاب العربي المعاصر"، ومن قبله كتابه"نحن والتراث"،فقد كان لابد من انتظار صدور كتابه المعنون بـ" تكوين العقل العربي" ليتحول كاتبه، ابتداء من عام 1984، إلى "نجم"ثقافي، ولتتم مبايعته أستاذا للتفكير، لا بالنسبة إلى الجيل الصاعد من المثقفين العرب فحسب ، بل بالنسبة أيضا إلى شريحة واسعة من الجيل المخضرم منهم "
"إن الذهن بعد مطالعة تكوين العقل العربي لا يبقى كما كان قبلها.فنحن أمام أطروحة تغير وليس أمام أطروحة تثقف"
من كتاب ناقد "الجابري" الأعنف والأشهر، "جورج طرابيشي "، في " نقد نقد العقل العربي، نظرية العقل"

المفكر المعروف محمد عابد الجابري بدأ بطرح نظرياته المتقحمة في مسألة "نقد العقل العربي"، منذ مطلع الثمانينيات، حين أصدر كتابه "نحن والتراث"(1980)، الذي أعلن فيه بصراحة أن العقل العربي قام بـ"إلغاء الزمان والتطور" عن طريق رؤية الحاضر والمستقبل، من خلال الماضي، فهو فكر لاتاريخي ذو "زمان راكد" لا يتحرك ولا يتموج. " لذلك كانت قراءته للتراث قراءة سلفية تنزه الماضي وتقدسه وتستمد منه الحلول الجاهزة لمشاكل الحاضر والمستقبل"(ط 6، ص19). وأعقبه بـ"الخطاب العربي المعاصر"(1982)، الذي يعتبره كاتب هذه السطور، مدخلا ثانيا لـ"نقد العقل العربي"، إذ يشكك فيه بأن العرب تمكنوا من تحقيق شيء كثير من نهضتهم المأمولة. ويتساءل، في مقدمته، هل هم "يغالبون، بدون أمل، الخطى التي تنزلق بهم إلى الوراء".وهي حقيقة لاحظها هذا المفكر منذ زمن طويل. وقد تفاقمت على نحو متواصل حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم من كوارث يومية متزايدة. ثم يشير إلى مختلف الميادين التي بحثها المفكرون لتشخيص الداء، ويردف قائلا " ميدان واحد لم تتجه إليه أصابع الاتهام بعد، وبشكل جدي صارم، هو تلك القوة أو الملكة أو الأداة التي بها يقرأ العربي ويرى ويحلم ويفكر ويحاكم . . .إنه العقل العربي ذاته"(ط4،ص7-8). ثم شرع بإصدار مشروعه الجبار في "نقد العقل العربي"، أو بالأحرى تشريح هذا العقل، الذي بدأه بـ"تكوين العقل العربي"(1982)، فـ"بنية العقل العربي"(1986)، فـ"العقل السياسي العربي"(1990)، وصولا إلى " العقل الأخلاقي العربي"(2001) . وقبل هذه المجموعة المتميزة، وفيما بينها، صدرت له مؤلفات مهمة كثيرة بلغت قرابة الثلاثين عنوانا(أنظر صفحة الإنترنيت/www.aljabriabed.net / )، تتناول مختلف جوانب الفكر العربي الحديث، وترتبط مباشرة بالأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية والحضارية السائدة على الساحة العربية. ومما يذكر أن معظم مؤلفات الجابري صدرت عن "مركز دراسات الوحدة العربية".
لذلك تزايدت منذ مطلع التسعينات ، وحتى يومنا هذا، ردود الفعل الناقدة "الفاعلة أو المنفعلة"، و الإيجابية أو السلبية، بشأن نظريات الجابري وطروحاته الخطيرة . وهذه علامة بقايا صحة في الفكر العربي المعاصر.
ونذكر منها على سبيل المثال فقط، ما كتبه جورج طرابيشي، من نقد شديد بل هجوم عنيف، أحيانا، في أربعة مجلدات، تحت عنوان"نقد نقد العقل العربي" وهي: "نظرية العقل" و"إشكاليات العقل العربي"، و"وحدة العقل العربي"، و"العقل المستقيل في الإسلام"، كل ذلك فضلا عن كتابه الخامس عن " مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام". وقد تعتبر هذه المجموعة أوسع وأشمل نقد وتحليل لفكر الجابري. وعلى الرغم مما شاب الكتابين الأول والثاني("نظرية العقل" و"إشكاليات العقل العربي")، من هجوم عنيف، يتجاوز حدود النقد أحيانا، فإننا نعترف بقيمة المؤلفات الثلاثة التي اطلعنا عليها، وعمق كثير من المفاهيم والآراء التي وردت فيها، وأهمية المستندات التي دعمتها، ولكننا نحتفظ بحق التعقيب عليها قدر الإمكان في مناسبات أخرى.
كما نذكر، بين المؤلفات البارزة الأخرى التي تناولت نقد الجابري : "يحي محمد" في "نقد العقل العربي في الميزان"، و "هشام غصيب" في"هل هناك عقل عربي؟". هذا بالإضافة إلى ما كتبه علي حرب في كتابه "مداخلات"، و كمال عبد اللطيف في" نقد العقل أم عقل التوافق"، وما كتبه طه عبد الرحمن"تجديد المنهج في تقديم التراث" وإبراهيم محمود في "البنيوية وتجلياتها في الفكر العربي المعاصر" وحسام الألوسي وحسن حنفي، والطيب تيزيني وغيرهم الكثير. فضلا عن العديد من المقابلات والمناقشات والنقود، التي أجراها "مركز دراسات الوحدة العربية"في بيروت، ونشرت في مجلته الشهرية الثرّة "المستقبل العربي"، والذي اختتمها مؤخرا بإصدار كتاب"التراث والنهضة؛ قراءات في أعمال محمد عابد الجابري"، حيث كتب نخبة من المفكرين البارزين، الذين درسوا فكر الجابري بعمق، وقدموه بتقدير كبير، مع تعريضه للتحليل والنقد البناء، الجديرين بالتمعن والتعقيب.
دلائل هذه الانتقادات والمداخلات
إن تعرُّض كتابات الجابري لهذا القدر الكبير من المداخلات، التي ربما تتجاوز ما تعرض له أي مفكر عربي معاصر آخر، بصرف النظر الآن عن أحقيتها وقيمتها ، لا بد أن لها أسبابا ودلالات معينة كثيرة ، سنحاول استعراض بعض قليل منها :
1- تنبع أهمية وخطورة طروحات المفكر الجابري، في المقام الأول ، برأيي، من أنها تتعرض مباشرة، ربما لأول مرة، بهذه الصراحة والموضوعية والتاسيس النظري والتاريخي، إلى ما يمكن أن أطلق عليه "أزمة الإنسان العربي"، التي نسبها الجابري بحق إلى "أزمة العقل العربي"، باعتبارها السبب الأساس في فشل مشروع النهضة العربية، وبالتالي وصول العرب اليوم إلى ما هم فيه من ضعف وإذلال وتمزق وسيطرة أجنبية وتخلف حضاري واقتصادي وعلمي، على الرغم مما يزخر به الوطن العربي من ثروات طبيعية وبشرية.(تجاوز عدد الجامعات العربية اليوم 250جامعة، خرّجت قرابة 13مليونا من "المتعلمين"، وقليلا جدا من "المثقفين" )
ويعزو فشل مشروع النهضة العربية، الذي بدأ مطلع القرن التاسع عشر، إلى أن روادها قد استندوا في تطلعهم إلى النهوض، لـ"الآخر"، سواء تمثل هذا "الآخر" بالأحنبي(الاوروبي) الذي تحداهم عسكريا وفكريا، وبالتالي، حضاريا. أو تمثل بـ "الأنا"، الذي قضى نحبه منذ ستة قرون تقريبا، فأصبح "آخر" هو الآخر. أي أنهم انقسموا إلى فريقين: الأول أراد الأخذ بالنموذج الغربي، والثاني راح يتشبث بالنموذج العربي الإسلامي الذي شكل وما يزال، بالنسبة له ، السند الذي لابد منه في عملية تأكيد الذات لمواجهة ذلك التحدي. ("الخطاب العربي المعاصر"،ط4، ص22). ومهما تنوعت الآراء والاتجاهات فإن النتيجة النهائية هي الشعور" بأن "شيئا ما" لم يتحقق، أو لم يـُنجز في هذه النهضة العربية". ويرى الجابري أن البعض يعزو ذلك إلى العوامل الاقتصادية أو الاجتماعية أو التربوية وخاصة نشر المعرفة والعلم. والبعض يراه في الفشل في تحقيق الوحدة والتكامل. ولكنه يستدرك قائلا:" إن ميدانا واحدا لم تتجه إليه أصابع الاتهام بعد، وبشكل جدي وصارم، هو تلك القوة أو الملكة أو الأداة التي بها يقرأ العربي ويرى ويحلم ويفكر ويحاكم . . . إنه العقل العربي ذاته". (الخطاب العربي المعاصر، ص8)
ولا ينسى أن يشير إلى أن رواد النهضة لم يهملوا دور الفكر في رسم طريق النهضة وقيادتها"بل أن النهضة الفكرية كانت تطرح نفسها فعلا كأولى الأولويات في مشروع النهضة . . ." ويرى أن رواد النهضة قد نادوا جميعا بإعداد الفكر القادر على حمل رسالة النهضة وإنجازها، فألحوا "على نشر المعرفة وتعميم التعليم وحمل الناس على تحكيم العقل بدل الاستسلام للمكتوب أو الإذعان للخرافة". ولكنه يستدرك فيقول إلا أنهم " لم يدركوا أو يعوا أن سلاح النقد يجب أن يسبقه ويرافقه نقد السلاح. لقد أغفلوا نقد العقل فراحوا يتصورون ويخططون لها، بل يناضلون من أجلها، إما بعقول أعدت للماضي بحسب تعبير غرامشي، وإما بمفاهيم أنتجها حاضر غير حاضرهم".("الخطاب العربي، ص9) ويمكن القول أنه انطلاقا من هذه النقطة تولد مشروعه الكبير في نقد العقل العربي ابتداء من التكوين إلى البنية ثم السياسة فالأخلاق.
أن إثارة هذا التشخيص الناجح، لجذر الإشكالية التي يعاني منها العرب حتى اليوم، حفز أذهان الناقدين أو الناقمين، سواء السلبيين أو الإيجابيين. بل فتح بابا كبيرا للنقاش والحوار المثمر، فأشعل بذلك بارقة نور في نهاية النفق المظلم.
فهذا التشخيص الموفق قد أوحى إلى كاتب هذه السطور، مثلا، بشرح أنواع من السجون التي يتعرض لها العقل العربي منذ 14 قرنا، ومنها : سجن القهر السلطوي بما فيه السياسي والثقافي والاجتماعي. وينجم عن هذا القهر السلطوي المركب والمتشعب والمتوارَث، والطويل الأمد، نوع من التكيف أو التعود أو بالأحرى الألفة، أي يصبح القهر متجذرا في أعماق الذات بل جزءا منها، كالطير الذي وُلد في الأسر وعاش فيه، لو أطلق سراحه، لعاد إليه مذعورا خانعا. ونحن جميعا أسرى، ليس جسديا بالضرورة، بل نفسيا وعقليا واجتماعيا، أسرى سلطة قاهرة، أطلقتُ عليها تعبير" العقل المجتمعي"، الذي تتجاوز سلطته أية سلطة وضعية أخرى(قانونية أو شرعية). (ونحن هنا بصدد الحديث عن المجتمع العربي، مع أن سلطة العقل المجتمعي، بمفهومها العام، تسري على جميع المجتمعات في كل زمان ومكان). فقد اقتضت سلطة هذا العقل المجتمعي العربي، السائد في العراق مثلا، معاقبة الفتيات العراقيات اليافعات البريئات اللواتي عـُذبن بوحشية واغتصبن، في سجن "أبي غريب" من جانب وحوش بشرية أمريكية كاسرة تدعي التحضر، فخرجنَّ حوامل. فعوقبن، هن وأجنتهنَّ، بالموت صبرا، بأيادي أخوتهن أو آبائهن غسلا للعار. وإلا فسيكون عقاب الأهل أشد:العار والشنار والذل والمقاطعة التامة من جانب المجتمع . وهذا مثال واحد من مئات الأعراف والمسلمات القابعة في العقل المجتمعي، التي تنخر كيان المجتمع وتضاعف من تخلفه. ومنها ما يؤدي إلى الصراع المذهبي والطائفي والعقائدي، الذي تعود أصوله إلى الصراع على الخلافة قبل أكثر من 14 قرنا.
ومع ذلك فـ"العقل المجتمعي العربي" الذي أتحدث عنه يختلف عن "العقل العربي" الذي يطرحه الأستاذ الجابري، من عدة جوانب منها، بكل إيجاز:
أ- إن مفكرنا الفاضل، في تحديده لمفهوم "العقل العربي"، يخـْلـُص إلى أنه "الفكر بوصفه أداة للإنتاج النظري صنعتها ثقافة معينة لها خصوصيتها" "وليس بوصفه هذا الإنتاج نفسه"( تكوين العقل العربي، ط 5، ص13 و14)
أما "العقل المجتمعي العربي"، في نظري، فهو الفكر العربي، باعتباره "مضمونا أو حصيلة أو محتوى أو نتاجا"، صنعته ثقافة معينة، لها خصوصيتها، وليس أداة. أما الأداة فتتجلى في "العقل المنفعل" أو"العقل الفاعل".
ب‌- إنه يطابق تقريبا بين "الثقافة العربية والعقل العربي". ويحصر "الثقافة" التي تمثل العقل الذي يقصده، بتلك الثقافة التي تـتميز بها النخبة. فيقول إنه يقصد بالثقافة "الثقافة العالِـمة وحدها، فتركنا جانبا الثقافة الشعبية من أمثال وقصص وخرافات وأساطير وغيرها".( نفس المرجع، ص7)

أما نحن فأننا نرى، على العكس من ذلك تماما، أي أننا نعتقد أن "الثقافة الشعبية" تشكل أهم مكونات العقل المجتمعي البارزة،(ولا نقول جميعها) بما فيها من حكايات وأساطير أو خرافات وعادات ومواسم وجنازات ومزارات وأعراس وأعياد إلخ . أي جميع التقاليد والعادات والمعتقدات المرتبطة بالثقافة الشعبية لعامة الناس. تلك الأعراف التي تتحول تدريجيا، وبتعاقب الأجيال والقرون، وتفاعل الأحداث والظروف، إلى قيم راسخة أي مسلمات، تشكل "قوانين أو أوامر يفرضها "العقل المجتمعي". ويخضع معظم الناس لهذه الأوامر بـ" عقلهم المنفعل" الذي يخضع، بدوره، لـ"العقل المجتمعي السائد" بلا وعي، وبدون النظر إلى مصداقية تلك المسلمات أو فائدتها أو حتى شرعيتها. مثلا يمارس الملايين من الناس في معظم البلدان العربية شعائر زيارات مراقد الأئمة الصالحين، والتبرك بها وتقديم النذور والقرابين "للرالقدين" فيها، أو طلب الشفاعة منهم، ودفن الموتى إلى جانب تلك القبور. مع أن مثل هذه الشعائر مخالفة لعقيدة التوحيد عامة، والشريعة الإسلامية خاصة، لأنها تعتبر نوعا من الشِرك. وقد تعود إلى عقيدة "عبادة الأجداد". وهي عقيدة قديمة كان، وما يزال، بعض الشعوب البدائية يمارسها، بشكل أو آخر. لذلك نقول أن سلطة "العقل المجتمعي" تتجاوز بقية السلطات الوضعية أو الدينية، وترقى عليها.(وقد شرحت مفاهيمي للعقل المجتعي والعقل الفاعل والعقل المنفعل بتفصيل كاف، على ما اعتقد، في كتاب"أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي بين العقل الفاعل والعقل المنفعل"، فضلا عن مقالاتي البحثية، المنشورة في مجلة" صوت داهش" الفصلية، ابتداء من عدد صيف 2003 إلى عدد ربيع 2005، الذي احتوى على مقالة كان عنوانها"محددات العقل السياسي العربي: القبيلة، الغنيمة، العقيدة؛ نظرية الجابري في قراءة التاريخ السياسي العربي"، حيث شرحت بإسهاب أن هذه المحددات، هي جزء من تجليات العقل المجتمعي العربي ، التي ظلت ملازمة له، منذ عصر البداوة، ثم تلاه الصراع على الخلافة، حتى يومنا هذا. وهي تظهر اليوم، مثلا، في الصراع على السلطة وعلى تقاسم المناصب في العراق مثلا ).
وفي الوقت الذي يخضع فيه معظم أفراد المجتمع لـ"عقلهم المنفعل" الخاضع بدوره لـ "العقل المجتمعي"، قد تظهر في المجتمع نخبة محدودة من الأشخاص الذين يتفكرون في مسلمات "العقل المجتمعي" وسلطاته المباشرة وغير المباشرة ويبحثون في أصولها وفصولها، مستخدمين" عقلهم الفاعل". وأرى أن الجابري هو واحد من هذه النخبة المتميزة، لأنه استخدم "عقله الفاعل"، في نقد العقل العربي، بشمولية ودقة وأصالة، على الرغم مما يؤخذ عليه من أنه كان تفاضليا أحيانا، مضحيا بنهجه الإبستمولوجي الموضوعي، حينما انتصر للعقل السني على العقل الشيعي، وانتصر للعقل المغربي على العقل المشرقي.
* * *
وعودة إلى الجابري ونقده للعقل العربي، لابد أن نستدرك فنشير إلى أن موضوع "تجديد أو تحديث العقل العربي أو الإسلامي"، كان وما يزال مطروحا، بقدر أو آخر، وعلى نحو أو آخر، كما هو معروف، من خلال كثير من الأعمال الفكرية المعاصرة والمعتبرة من أمثال: زكي نجيب محمود في "تجديد الفكر العربي"، وفي مقاله" العقل العربي يتدهور"(روز اليوسف، 11/4/1977)، وناصيف نصار في "طريق الاستقلال الفلسفي"، وهشام شرابي في"النقد الحضاري في نهاية القرن العشرين " وفي اعماله الأخرى، وفي جميع الأعمال المهمة والعميقة لمحمد أركون التي تتناول نقد العقل الديني، وأعمال عبد الله العروي في "الإيديولوجية العربية المعاصرة"، و"مفهوم التاريخ" و"مفهوم العقل" وغيرهم من المفكرين العرب. وعلى الرغم من اعتبار أهمية جميع هذه الأعمال، ولكن يبدو أن الجابري قد استطاع أن يسترعي نظر المفكرين والكتاب الآخرين وعددا من المثقفين والقراء الجيدين، أكثر من غيره. لأسباب إضافية أخرى سآتي على ذكر بعضها في الفقرات التالية .
2- " لقد تمكن الجابري بفضل أساليبه في الإنتاج النظري أن يبني صرحا فكريا ، لا نجازف عندما نعتبر أنه يُعد واحدا من بين مجموعة قليلة من الصروح النظرية الفاعلة في قلب الحركة الفكرية العربية المعاصرة"(كمال عبد اللطيف، من مقدمة كتاب "التراث والنهضة، قراءات في أعمال محمد عابد الجابري "،ط1،ص9).
ويمكن أن نشير هنا فقط إلى عناوين بعض من "اللبـِنات" التي ساهمت، برأيي، في بناء هذا "الصرح الفكري"، كما سمّاه الأستاذ كمال عبدالطيف، أذكرها على سبيل المثال لا الحصر: النقد الإبيستمولوجي للعقل العربي(مع الأخذ بتحفظنا السابق)؛ الوعي العلمي العميق بأهمية نقد عقل الذات ونقد عقل الآخر؛ " نقد "الأنا" يتطلب نقد " الآخر"، ونقد الآخر لا يكون جذريا إلا إذا كان أولا وقبل كل شيء نقدا لصورته في "الأنا" الناقد"؛ امتلاك التراث وليس امتلاكنا من جانب التراث؛ تنطلق النهضة من التراث ليس بخضوعنا له، بل بخضوعه لنا؛ ينبغي تجاوز الفهم التراثي للتراث إلى فهم حداثي ورؤية عصرية؛ ولا يعني ذلك القطيعة مع الماضي بل الارتقاء بالتعامل مع التراث؛ الحداثة معناها حداثة المنهج والرؤية والهدف: أي تحرير تصورنا للتراث من البطانة الإيديولوجية والوجدانية التي تضفي عليه طابع العام والمطلق وتنزع عنه طابع النسبية والتاريخية؛ يمثل التراث بالنسبة للعقل العربي ليس فقط حاصل الممكنات التي تحققت بل يعني حاصل الممكنات التي لم تتحقق وكان يمكن أن تتحقق؛ التأكيد على أهمية إعادة كتابة التاريخ العربي الإسلامي؛ تدشين عصر تدوين جديد(مع تحفظنا على التسمية) إلخ
ونحن نذكر هذه العناوين لبعض اللبنات التي شيدت صرح الفكر الجابري، وربما ساهمت في تشييد الفكر العربي الحديث، ليس لأننا نعتبرها معطيات تدل على مفاهيم جاهزة ونهائية لتشخيص الداء وربما وصف الدواء، بقدر ما هي مواد أولية ثرّة جديرة بالمناقشة والتعقيب والنقد والتمحيص. وهذا جزء من الأسباب التي أدت إلى هذه الهبـّة الفكرية النقدية والتحليلية لفكر الجابري.

3- ونرى أن الجابري يتميز عن كثير من الكتاب الباحثين العرب في القضايا الفكرية والسوسيولوجية، بوضوح الرؤية، وما يتبعها من جلاء الشرح والتدرج المعنوي، والتناسق المنطقي بين المقدمات والنتائج. ومع أخذ دقة المعنى وعمق بعض الأفكار المطروحة، بعين الاعتبار، فإن محاولاته تقريب تلك المفاهيم المعقدة ، إلى ذهن القارئ المتمعن ، تبدو ناجحة إلى حد بعيد، وبوجه عام.
وفي هذا السياق بالذات، قد يكون من المناسب أن أطرح رأيي في نقطة تتعلق بعلاقة اللغة بالفكر، وتتصل مباشرة بأداء الجابري: فاللغة ذاتها(أية لغة)، طالما تفشل في التعبير عن كثير من المعاني الفكرية الدقيقة والعميقة، الكامنة في ذهن الكاتب، بسبب الفجوة "الحتمية" الموجودة بين فكر المفكر الواسع وغير المحدود، وبين مفردات اللغة أو وإمكاناتها المحدودة، من جهة؛ وبين تعبير الكاتب عن فكره المكتوب (أو المحكي) عن طريق اللغة، وذهن المتلقي، من جهة أخرى. أي هناك فجوتان: الأولى، بين فكر الكاتب غير المحدود واللغة المحدودة، والثانية، بين لغة الكاتب(الخطاب)، وذهن المتلقي. لاسيما إذا أخذنا بعين الاعتبار أن المتلقي يفهم النص بطريقته الخاصة التي قد تختلف عن طريقة فهم الكاتب. وقد بحث الجابري هذه النقطة ونقاط أخرى في "علاقة اللغة بالفكر"، في كتابه "تكوين العقل العربي"(فصل"الأعرابي صانع العالم العربي"). كما انتقده جورج طرابيشي، باحثا في نفس النقطة، في كتابه"إشكاليات العقل العربي"، حيث أشبعها تمحيصا في أكثر من مائتي صفحة. ولنا في كل ذلك ملاحظات وتعقيبات، تخرج عن إطار هذا الموضوع.
وعودة إلى رأيي المتواضع بشأن هذين الفجوتين القائمتين بين"فكر الكاتب وذهن القارئ"، الذي قد يتجاوز أو يختلف، بقدر ما ، عما قيل في بحوث الجابري وطرابيشي؛ أقول: قد يفشل بعض المفكرين في إيصال ما يريدون إلى القراء بسببهما. والجابري من النوع الذي يحاول أن يردم هاتين الفجوتين بكفاءة عالية. ولعل ذلك من جملة الأسباب التي ساعدت على انتشار أفكاره ووصولها إلى عدد كبير من المثقفين والقراء العاديين. وربما يتعارض رأيي السابق في العلاقة بين اللغة والفكر، من بعض الجوانب، مع رأي جمهور العلماء والمفكرين.
4- وقد تدل هذه الانتقادات الكثيرة على أن نظريات الجابري، لامست، كما يبدو، جُرحا حساسا بل مؤلما، ظل ينزف دما، وقيحا، منذ أول احتكاك مباشر مع "الآخر".هذا الجرح الذي بدأ في 1798، تاريخ حملة نابليون على مصر، وتفجر نزيفه بغزارة بعد هزيمة الـ67 ، وربما تحول إلى ورم خبيث أخذ يسري وينتشر في مختلف أجزاء الوطن العربي . فأصبح هذا الوطن يوصف بـ" الرجل المريض"، "تيمنا" بالوصف الذي أطلق على الدولة العثمانية في أيامها الأخيرة، كما يقول محمد حسنين هيكل.
ومع ذلك نولي اعتبارا معينا لتحليل الأستاذ جورج طرابيشي الذي يقول:"ومن منظور علم اجتماع المعرفة قد نستطيع أن نربط بين صعود نجم الجابري كمحلل ناقد للعقل العربي وبين عملية إعادة الاعتبار التي أحيط بها مفهوم العقل والعقلانية في الساحة الثقافية العربية بعد هزيمة الـ67 وانكشاف خواء الإيديولوجيا العربية من حيث هي بالتحديد إيديولوجيا، أي وعي غير واع". ثم يحاول أن يربط "رواج كتابات الجابري بظاهرة "العصاب الجماعي"، الذي انتاب "الانتلجنسيا العربية الناكصة إلى التراث"، بعد تلك الهزيمة( كما شرح ذلك في كتابه"المثقفون العرب والتراث: التحليل النفسي لعصاب جماعي").ويفسر رأيه هذا قائلا :" وذلك على وجه التحديد من حيث أن العقل العربي الذي يتصدى الجابري لتحليله ونقده هو حصرا العقل التراثي وامتداداته في "اللاعقل" العربي الحديث والمعاصر". ثم يستدرك قائلا:"ولكن لنقرّ حالا بأن ما صنع مجد الجابري من وجهة النظر المعرفية ليس من طبيعة سوسيولوجية او سيكولوجية، بل هو بالأحرى من طبيعة إبستمولوجية". ويضيف معترفا مرة أخرى بأن:" ما يميز الجابري عمن تقدمه من الذين كتبوا عن العقل العربي هو قوة تأسيسه النظري ، أو الإبستمولوجي، كما يؤثر(الجابري) أن يقول، لهذا العقل، ورفـْعـَه إياه من مستوى اللفظ أو المعنى، إلى مستوى المفهوم"(نظرية العقل، ص12)
ومع أننا نأخذ بعين الاعتبار، ما ورد بعد هذا النص من نقد مسهب ، نقرّ بأهميته من حيث مناقشته لنظرية" الفيلسوف لالاند"، فيما يتعلق بالعقل المكـوَّن( بالفتح) والعقل المكوِّن(بالكسر) ، بيد أننا نحصر اعتراضنا على الأستاذ طرابيشي، مما يفهم منه أنه حشر الجابري مع اللاجئين إلى "التراث" باعتباره "أبا حاميا". والواقع أننا نعتبر الجابري من أشد المعارضين لهذا الاتجاه بل أنه قد تجاوز كثيرا من الخطوط الحمراء، في العديد من كتبه، في هذا الصدد وخاصة في كتابه"الدين والدولة وتطبيق الشريعة"، مع اعتبار ما سيرد في الفقرة التالية.
5- ولعل الأهم من كل ذلك أن كتابات الجابري تتميز، على وجه العموم، بالجرأة التي تتجاوز عددا من الخطوط الحمراء التي يفرضها "العقل المجتمعي العربي"، بتعبيرنا، أو السلطات التي تحرسه وتغذيه، بما فيها الدينية والدنيوية. إذ يفرضها ذلك العقل على أفراد المجتمع، لا كشروط وحدود وقيود، وإنما كقيم ومعتقدات، قد لا يكون لها أي سند شرعي أو تاريخي معتبر، ولكنها تصبح، مع ذلك، وبمرور الزمن وتعاقب الأجيال، من المسلمات، التي يؤمن بها أعضاؤه دون مناقشة، بل يدافعون عنها بحماس وتفان باعتبارها جزءا من آرائهم الخاصة، وهويتهم المتميزة. ويؤكدون بإخلاص أن معتقدهم هو الصحيح فقط، أما المعتقدات الأخرى فهي خطأ محض ، ومنهم الجماعات السلفية التكفيرية. وقد شرحت ذلك في كتاباتي السابقة وخاصة في كتاب "أزمة التطور الحضاري. . ." المشار إليه اعلاه.