إأشكالية التراث والعقل المجتمعي، نتيجة مستخلصة من الفصل السابع" خصائصُ العقلِ المجتمعيّ: قراءةُ التراثِ في النصِّ الدينيّ

إطلالةٌ تذكيريَّـة
1- هناك أوجهٌ مُتعدِّدة للعلاقةِ الوثيقة بين العقلِ المجتمَعيِّ والتراث. فقد لاحظنا أنَّ العقلَ المجتمعيَّ هو الذي يُملي على العامَّةِ والخاصَّة نظرتَهم إلى التراث. والعقلُ المجتمعيّ، من جهةٍ أُخرى، يُشكِّلُ جزءًا من التراث، لأنَّه هو ذاتُه واحدٌ من مُنتَجاتِ التراث. وهكذا فإنَّ العلاقةَ جدليَّة، مُتبادَلة ومُتفاعِلة، كما أسلفنا. فما دام هذا العقلُ يحملُ تاريخَ هذه الأُمَّة، فإنَّه يحملُ تُراثَها، ولكنْ ليس تراثَها الحضاريَّ بالضرورة، بل بالأحرى تراثَها المتخلِّف الذي كان سائدًا في الجاهليَّة والفترةِ المظلمة، على الأكثر؛ أي تُراثَ الاتِّباع، اتِّباعِ السَّلَف أو اتِّباعِ "الآخَر" (الخواجة)، على السواء، لا تُراث الإبداع. وإن حَمَـلَ، أو انطبعت لديه، نُتَفٌ ناقصة و/أو غامضة عن تراث العصر الذهبيّ لتلك الحضارة أحيانًا، فإنَّه يُعبِّرُ عنه، من خلال الأفراد والمنظَّمات، بأسلوبٍ رومَنسيّ، تمجيديّ وخطابيّ، لا بأسلوبٍ تحليليّ نقديّ إبداعيّ. لذلك نحن نُحاولُ رَفعَ العقلِ المجتمعيّ من هذا المستوى المُتردِّي إلى مُستوياتٍ عُليا.
2- نظرًا لأنَّ عقلَنا المجتمعيَّ غارقٌ بانطباعاتنا السطحيَّة، لا العميقة، عن التراث، فإنَّ نظرتَنا إلى التراثِ ظلّت لاتاريخيَّة. لذلك لم نتمكَّن من أن نُعطيَه وزنَه الكافي وحجمَه الصحيح وقيمتَه الحقيقيَّة وأبعادَه الواقعيَّة، تَبعًا لزمانِه ومكانِه وظروفِه، الأمرُ الذي أدَّى إلى خضوعنا له، لا إلى خضوعِه لنا. وهكذا ينبغي استخدامُ "العقل الفاعل" بدل "العقل المنفعِل"، لتصحيحِ هذه المعادَلة، وإعادةِ كتابة التاريخ العربيِّ الإسلاميّ، الذي لم يُكتَب بعد،10 بغيةَ تحرير عقلِنا المجتمعيِّ من سلطةِ التراثِ المفتعَلة، لنُصبحَ "كائناتٍ لها تُراث"، تُدركُ مكانتَه وأبعادَه، وتعرفُ كيف تستثمرُه؛ بدلاً من أن نبقى "كائناتٍ تُراثيَّة"، قد يعترفُ بها العالَمُ يومًا باعتبارها جديرةً بـ"الفرجة" وجَلبِ السيَّاح إلى متاحف الآثار ومواطن هذه الكائنات التي ما تزال تعيشُ في عصورٍ تاريخيَّة بائدة، أو التفرُّج عليها، "على الطبيعة"، في مُخيَّمات، كما يحدثُ فعلاً اليوم في أمريكا بالنسبة لمخيَّمات أو مُستوطَنات الهنود الحُمرIndian Reservations ، وما يحصلُ أيضًا، بشكلٍ ما، بالنسبة لمخيَّمات الفلسطينيِّـين، التي كان يزورُها السيَّاحُ الأجانب بغرضِ المتعة، أو "الفرجة"، أو المقارنة بين الشعب اليهودي الذي يعيش فيه الفرد كـ"إنسان متحضر"، والمجتمع الفلسطيني الذي يعيش فيه الفرد "المتخلف" في القرون الوسطى، حسب شرح الدلليل السياحي لمجاميع السياح . فلنتأمَّل!...