و الله ما دفعنا للكتابة هنا إلا الحمية لهذه الأمة و هذا الدين و لا نحمل ضغناً و لا حقداً لأحد، و لا تنقصنا و ظيفة أو راتب هنا أو هناك. كل ما يحز فى نفسى أن أجد أموالاً ضخمة ، بجد ضخمة، أوقفها أناس أغنياء لنهضة الأمة علمياً و لترجمة ما تحتاجه الأمة، و تولاها آخرون و وضعوها فى أيدى مستشارين أغراب لا يحملون لهذه الأمة إلا كل حقد و تعصب، أو سلموها لمديرين عرب فارغى الرؤوس قاصرى النظر، لا يعلمون ما هى مصيبة الأمة العربية المسلمة التى أوشك نجمها على الأفول. ألا و هى انتشار الجهل بالعلوم الحديثة و عدم توطنها فى أرض المسلمين و العرب، و لهذا أسباب كثيرة أهمها التنكر و الإزدراء للغة العلم العربية و محاربة تعريب العلوم، يقوم بذلك الصديق الجاهل و يساعده العدو الماكر و يلفقون الأقوال بقصور اللغة العربية عن مجاراة العلوم الحديثة: الحمقى يريدون إقناعنا أن اللغة التى وعت كلام الله عز و جل و سنة رسوله قاصرة عن استيعاب اسم ماكينة أو ظاهرة علمية.
نحتاج إلى حركة ترجمة ضخمة لا تتناول إلا كتب العلوم التجريبية و الطبيعية كالطب و الهندسة و الصيدلة و العلوم و الزراعة، و تقتصر على هذه العلوم و لا تتجاوزها أبداً، فالنقص و العجز فى هذه العلوم دون غيرها. ولكن انظر ماذا تترجم مشاريع الترجمة الحديثة لنا؟ لا هم لهذه المشاريع إلا الكتب الثقافية و إدارة الأعمال و الأدب و الروايات و علم النفس و كتب تبسيط العلوم الغير مفيدة على الإطلاق. الجزء الخاص بالترجمة فى مبادرة الشيخ محمد بن راشد لدعم البحث العلمي والترجمة و المشروع القومى للترجمة فى مصر و كذلك كتب المنظمة العربية للترجمة لا يتناول إلا الكتب الفارغة المضمون، فما هذه البرامج إلا استنزاف مدروس و مبرمج لأموال العرب و الأموال الموقوفة لنهضة الأمة. تجد فى باب العلوم و التكنولوجيا تجد معظم الكتب المترجمة تتحدث عن تاريخ الرياضيات و العلوم و الطب عند العرب !!! ولا يوجد كتاب واحد يتناول العلوم الحديثة الحقيقية. و أفضل من كل هذه المشاريع جميعا المركز العربي للتعريب والترجمة والتأليف والنشر بدمشق فهو بحق منارة للعلوم الحقيقية باللغة العربية إلا أنه قليل الموارد، شحيح التمويل، فلماذا لا تدعمه مبادرة الشيخ محمد بن راشد مثلاً و موقوف لها 10 مليارات دولار؟ لا أظنها و لا مستشاريها تدعم أبداً مثل هذا الجهد المخلص لتعريب العلوم، لأنه جهد حقيقى لنهضة الأمة.
لا أشك أبداً أن كل هذه المشاريع الدعائية يقودها بشكل أو بآخر أهل الغرب و يتحكمون فى كل مجالاتها. كما ظهر منذ فترة مشروع كلمة للترجمة فى أبو ظبى و قالوا إنه أضخم مشروع ترجمة عربى فى العصر الحديث، و عندما تصفحت موقع المشروع وجدت كل المستشارين و المديرين للمشروع أمريكان و إنجليز و عناوينهم و بريدهم ما زال فى أمريكا و أوروبا، فهل يسعى هؤلاء إلى ترجمة ما ينفع العرب و المسلمين؟ كلا و الله كلا، و العكس هو الصحيح و الدليل هو الكتب التى ترجموها ،فكلها كتب فاضية لا قيمة لها و لا مردود.
وهنا أجزم أن النكبة التى يعانيها العرب المسلمون فى هذا العصر- و هم لا يعلمون- هى اسبعاد اللغة العربية من العلوم الحديثة : الطب و الهندسة و العلوم و الزراعة، وا ستبدالها بالإنجليزية و الفرنسية. فبَعُد العلم عن الناس و شح، ففشا فينا الجهل و أصبحنا فى ذيل الأمم. و لو تدبرنا كل نكباتنا فى هذا العصرلوجدنا مصدرها هو نفس هذه العلة. و لكى أدلل على هذا القول أذكر قصة قصيرة حدثت منذ عامين (1427هـ).
كنت جالسا فى مكتبى فى أحد الجامعات المصرية، فدخل على رجل مسن و سألنى عن الأستاذ فلان – أستاذى الذى أشاركه فى الحجرة – و ألح فى السؤال، فسألته عن حاجته لعلى أستطيع مساعدته. فقال إنه يُدرس مقرراً فى أحد المعاهد التكنولوجية العليا أو الفوق-متوسطة ، لا أذكر بالتحديد، و المقرر الذى يدرسه للطلبة يتناول المعالجات الحرارية للصلب (الفولاذ) و السبائك الفلزية الأخرى، و هو يريد نسخة من كتاب قد ترجمه أستاذى فى السبعينيات من اللغة الروسية إلى اللغة العربية ليستعين به فى التدريس. فسألته و لكن هذا كتاب قديم مر عليه أكثر من ثلاثين عام، و المعلومات المذكورة فيه لابد قديمة أو على الأقل يوجد ما هو أفضل و أحدث منها الآن، فلماذا هذا الكتاب؟، فقال المهندس العجوز إنه لا يوجد كتب باللغة العربية فى هذا المجال التكنولوجى الهام إلا هذا الكتاب القديم. فأحسست بصدمة شديدة و رحت أراجع ذاكرتى عن هذا الموضوع و تذكرت أن كل المهندسين الذين رأيتهم فى المصانع و الشركات المهتمة بهذا المجال لا يستخدمون إلا نفس الكتاب كمصدر رئيسى للمعلومات حتى الآن. و أخذت أفكر أن فى مصر وحدها عشرات الأساتذه و مئات المهندسين المتخصصين فى هذا المجال تحديداً و فى بقية العرب مئات أخرى من المتخصصين عاشوا على مر هذه الثلاثين سنة الماضية، و لم يفكر واحد منهم على تألبف أو ترجمة كتاب فى هذا المجال الصناعى الهام، من منعهم؟ و كيف؟ و رحت أتقصى الحال فى بقية المجالات الهندسية و العلوم و الطب و وجدت نفس الحال. كيف يرتقى المجتمع و الحال كذلك بدون العلم الحديث؟ و رحت أدقق لماذا لا يقرأ هؤلاء الناس و المهندسون كتباً باللغة الإنجليزية مثلاً، فأتانى الجواب الأكيد أن هذا أمر صعب أو مستحيل فهناك عائق هام اسمه اللغة، من من المهندسين أو المتحصصين أو الفنيين البسطاء يجيد اللغة الإنجليزية حتى يقرأ بها كتب العلم؟ و إن وجد من يستطيع أن يقرأ بالإنجليزية، فأين الكتب الحديثة و المتخصصة، هذه الكتب لا تتوفر حتى فى مكتبات أكبر الجامعات العربية، فكيف يكون الحال فى مصنع أو ورشة أو معمل صغير. فمثلاُ لا يوجد فى موضوع " المعالجات الحرارية للصلب (الفولاذ)" السابق ذكره إلا كتاب إنجليزى واحد حديث (2000م) فى مكتبة كلية الهندسة جامعة القاهرة، و هذا الكتاب ممنوع استعارته خارج المكتبة، لأنه النسخة الوحيدة هناك !!! و لهذا شح العلم و لم يتوطن فى أرضنا و فشا الجهل فى مجتمعاتنا العربية. لقد أقمنا نحن العرب و على رأسهم مصر نظاماً حرم العلم على الناس و حصره فى قلة من المتخصصين و الأساتذة، ضنت هى بدورها و بخلت على الأمة بعلمها و لم تقم بواجبها فى نشر العلم و تعريبه كما ينبغى. يحمل أساتذتنا فى كل التخصصات العلمية، هم و من حملهم على هذا الجرم سواءاً بسواء هذه المسئولية أمام الله عز و جل و سنحمل نحن نفس الأمانة و نحاسب عليها. فهل نقوم بواجنا الآن فى تعريب العلوم؟
و سألت دكاترة مهندسين مسلمين من دول كبيرة أخرى مثل أندونسيا و تركيا فوصفوا لى نفس الأحوال و الظروف، فأيقنت أن الكارثة الحقيقية و النكبة الكبرى للعرب المسلمين الآن هى تعريب العلوم و كذلك لباقى شعوب المسلمين الذين تكاسلوا فى نقل العلوم إلى لغاتهم، فأصبحت أمة الإسلام كالبؤساء و الشحاذين على موائد اللئام فى مجالات العلم و التكنولوجيا.
تعريب العلوم و توطينها أمر يحتاج إلى جهود ضخمة - و لكنها لسيت بالمستحيلة - و أموال ضخمة يعز الحصول عليها فى أمة فقدت بوصلتها و أولوياتها. و عند توفر الأموال، كما فى مشاريع الترجمة السابق ذكرها، توضع تحت أيدي الجهال من العرب و الخبثاء من الغربيين أعداء الأمة، فيبددونها و يبعثرونها فى ما لا ينفع و لا يجدى. لهذا كتبنا تعليقاتنا هنا حتى يفيق العرب و يسندوا الأمر إلى أهله. لابد أن يدير هذه الأموال الموقوفة لنهضة الأمة و أن يقتصر إنفاقها على رأى و مشورة الأساتذة العرب الشرفاء المخلصين المهتمين بالتعريب، فى مجالات الهندسة و الطب و العلوم و الزراعة. و الله من وراء القصد. اللهم قد بلغت، اللهم فاشهد.
المصدر:
http://knol.google.com/k/-/-/3cvhr0hv4ebb3/6#