افتعال القضايا وصنع رموزها وتفعيل المستفيد

لكل مشروع سواء كان سياسيا أو فكريا أو اقتصاديا أو غير ذلك آلية أو آليات ينفذ بها..وللتغير الذي ينادي به البعض آليات عديدة يستخدمها دعاة التغيير والتجديد، سأعرض هنا بعضا منها ولعلها أهمها، ثم سأقوم بطرح مثال تطبيقي عام، وآخر خاص.

آليات التغيير:
ـ افتعالُ قضيةٍ لم تكن موجودة.
ـ إيجاد رموز للمطالبة بها.
ـ تفعيل كل المستفيدين من هذه القضية.
ـ نصرتهم بمحاولة ترجمة ذلك لواقع تحميه القوانين.

أولاً : افتعال القضايا:
في الساحة السعودية كان الهدوءاً تاماً ، فلم يكن هناك مخالف ظاهر للدولة (أولياء الأمور)، ولا للعلماء، ولا للطبيعة المحافظة الغالبة على لشعب، وجاء هؤلاء وافتعلوا قضايا، مثل (المذاهب الفقهية والخلاف الفقهي ) (الأقليات الدينية..صوفية وروافض)، (المرأة وحقوقها الضائعة) (حق المشاركة السياسية وغيرها من القضايا)
المرأة السعودية كانت تنعم بحياة كريمة لا ينغصها سوى بعض التصرفات الفردية الظالمة والتي لا تكاد يخلو منها قُطر.
وكانت راضية بما تتمتع به من حقوق كل الرضى ، إلا من أصوات بعض الكارهات لما أنزل الله وهن قلة لا يعتد برأيهن، ولا يُسمع لأصواتهن، بل ينظر لهن من الغالبية العظمى من الشعب بنظرة ازدراء واشمئزاز، ثم جاء هؤلاء وقالوا (مظلومة) وافتعلوا قضية ليحرضوها!!

وفي جانب التعايش والتسامح مع الآخر وحقوق الأقليات افتعلوا قضية أخرى، لم يكن لها وجود يذكر من قبل، فصرنا الآن نسمع عن أقليات (شيعة وصوفية وغيرهم) يزعمون أنهم مظلومين يبحثون عمن ينتصر لهم، والذي نعرفه ولا ينكره أحد أن الكل سعودي، والكل عند الدولة سواء في نواحي المعيشة والكرامة الإنسانية، فهؤلاء يتمتعون بكافة الحقوق الإنسانية المتعلقة بجانب المعيشة، وظائف وسكن ومعيشة مساوية لغيرهم من السعوديين السنيين، ولم نسمع أن شيعيا أو صوفيا اضطهدته الدولة أو سلبت ماله، لم نسمع أن الدولة أخذت بيت شيعي أو دكانه عنوة ووهبته لسني، لم نسمع أن الدولة قامت بجلد شيعي أو صوفي بلا سبب!!

ثانياً : صنع وإيجاد الرموز المطالبة بهذه القضايا:
نلاحظ خروج رموز في الساحة السعودية تطالب بهذه القضايا ، رموز من كل التوجهات المرفوضة، وهذه الرموز تأتي غالباً من خلف الصفوف لتحمد النعمة لمن أبرزها وأشهرها، فيرفعون من شأنهم كمِنَّة يمتنون بها عليهم، أو يأتون بالمنخلعين من التوجه الإسلامي وخاصة الحماسيين ممن لهم جمهور بين الناس، يصدرونهم ليسوِّقوا قضاياهم من خلالهم.
المهم أن ثمة ( رموز ) قُدِّمت لنا على منابر هؤلاء تتبنى هذه القضايا المفتعلة التي إما أنها غير موجودة أصلا، أو أنه تم تضخيمها والنفخ فيها.

ثالثاً : تفعيل كل المستفيدين من القضية:
وهذا واضح جلي لمن يتابع الساحة الفكرية، فقد فعلوا المستفيدين من أصحاب هذه المعتقدات الفاسدة (تصوف) (تحرر) (ترفض)، فظهر على الساحة من كنا لا نعرفه، أصبح من الطبيعي الآن أن تسمع بالصوفية، وبالشيعة، وترى دعاة التحرر في القنوات التي تتبني نهجاً إسلامياً كقناة دليل على سبيل المثال، وخرج صغار يبحثون عن أشياء رخيصة في هذه الموجة، كنشر كتاب، أو الظهور من خلال نشر كتاب، أو حوار في التلفاز ، أو استضافة في فضائية..ونحو ذلك .

رابعاً : نصرتهم بسن القوانين التي تحميهم:
وهذه خطوة متقدمة يسعون إليها، وسيأتي مثال من كلام عبد العزيز قاسم . ونسأل الله العظيم أن يحبط كيدهم .

عبد العزيز قاسم وتقريب الشيعة نموذجاً :
بداية أؤكد على أنني لست هنا لاستهداف شخص الدكتور عبد العزيز قاسم، وإنما أستهدف شرح ما يحدث على الساحة الفكرية، وما قاسم إلا نموذجا حاضراً، والبقية تأتي.
الدكتور عبد العزيز قاسم كان مدرساً للرياضيات لا يسمع به أحد ، ثم حصل على الماجستير والدكتوراه في عامين أو ثلاث من الجامعة الأمريكية المفتوحة بلندن، وكان يومها قد تجاوز الأربعين من عمره (مواليد 1384هـ)، وكأن (نبوغه) الإعلامي ظهر بين عشية وضحاها بعد أن تجاوز الأربعين من عمره؛ فهناك يد جاءت به من الخلف ليروج لبعض القضايا تحت وصف إسلامي معتدل. معادي للتشدد. مجتهد في فك مداميك الأفكار الصدئة التي يحملها علماء هذه البلاد!

عبد العزيز قاسم يفتعل القضايا، ويفعل رموزها والمستفيدين منها:
كان أول ظهور ـ حقيقي ـ له في إثارة البلبلة في ملحق المدينة، ثم في ملحق عكاظ الديني، ثم الآن في قناة دليل وضمن فاعليات "سلمان العودة" وبتشجيع وتأييد منه، إضافة لعمود صحفي في الوطن هبة ليست لوجه الله من "الخاشقجي" ، وقاسم على علاقة قوية جداً بخاشقجي، علاقة أسرية يتناثر بعضها في المجموعة البريدية، ويقوم بدور المحامي عنه في مجموعته البريدية !

بظهور عبد العزيز قاسم للساحة السعودية ظهرت قضايا لم يكن أحد يجرؤ على التحدث فيها في ملحق المدينة ثم في عكاظ، والآن في الوطن ودليل..ظهرت بمظهر المأساوية..طلبا لإثارة تعاطف الرأي العام السعودي.

وساهم قاسم في تقديم بعض (الرموز) الفاسدة المفسدة المخالفة لأهل السنة والجماعة: قدَّم "الصفار" الرمز الشيعي المدان بسب الصحابة وإهانة أمهات المؤمنين على أنه من المعتدلين، ونادى بالتقارب بين السنة والروافض وغيرهم من الطوائف المخالفة! وسوَّق لاعتدال الصفار -الذي لا حقيقة له إلا مع السيستاني ومرجعيات الشيعة فحسب-.

وزار الروافض في القطيف عدة مرات، وفي أحد لقاءاته بأهله[1] الشيعة في القطيف أبدا سرورا بالغا وحفاواة بفتوى بائدة لشيخ الأزهر ـ لاحظ شيخ الأزهر ـ "شلتوت" يجوِّز فيها التعبد بالمذهب الجعفري[2]!

والحقيقة أن الشعب السعودي كله متصالح السني يكف شره عن الشيعي، والشيعي كذلك –ولو في الظاهر- لكنهم يريدون أبعد من ذلك.

المطالبة بقانون رسمي يجرم الطرفين:
والآن وبعد قضية العريفي والتشنيع الذي تولى كبره الروافض وشاركهم بعض المعتدلين[3] شاهدنا قاسماً –وهو للحق ليس أكثر المعتدلين سوءً في هذه القضية- يطالب في البيان التالي بتجريم الطرفين!

يقول هو وضيفه ومداخليه لا بد من تجريم كل من يمس الرموز من الطرفين!
وانظروا كيف يساوي بين التطاول على رمز شيعي تُفَسَّقه وتزنْدِقه فتاواه قبل أن يفسَّقه ويزنْدِقه أحدٌ من العالمين، وبين التطاول على الشيخين "أبي بكر وعمر" وسائر الصحابة!
وفي مقاله الأخير في صحيفة "الوطن" يستبشع التطاول على خادم الحرمين -وهو بشع بكل المقاييس- ولكنه لا يذكر الجرم الأكبر للشيعة والمتمثل في سب الصحابة وإهانة أمهات المؤمنين وتكفير أهل السنة قاطبة!

ويعود في تلك المقالة لبعث فكرة التقريب مع الرافضة! هو ومن شاكله في الفكر يطيقون أن يتقاربوا ويقربوا الرافضة ويدنوهم منهم! فيظن أهل السنة يطيقون ذلك!
ثم يأتي بأم البواقع ويجدد التسويق والترويج لوثيقة الصفار!
يقول: ((لا حل لمعضلة الطائفية إلا بما طرحه الصفار (ويمشيخه)، بضرورة إقرار وثيقة للتعايش الطائفي ، وسنّ قانون يجرّم المساس بالرموز الطائفية[4]))
هكذا وبكل بساطة يريد قاسم أن يجعل الصفار مرجعا وحلا رسميا لمعضلة الطائفية التي افتعلها! العبارة سهلة ويسيرة لمن لم يتفكر فيها ويتأملها! لكن كل من سبرها ونظر فيها وما تحمله عرف خطأ قاسم وشناعة ما يقول! قاسم يا كرام يلغي علماء كبار سلفيين ويهمشهم ويصدر الصفار الشيعي!
ويهدف لتفعيل الرمز الشيعي (الصفار) وإظهاره بمظهر المعتدل الحريص على مصالح الأمة ووحدة الوطن.
وهو يعلم تماما أن العلماء الكبار الذين رضعوا العقيدة السلفية مع ألبان أمهاتهم لن يبادروا إلى مثل هذه الوثيقة..ولن يرضوا بالتقريب مع الشيعة. العلماء لا يحرمون التعايش السلمي بالمفهوم الشرعي الذي يعني كف الأذى والإحسان للمخالف.
لكنهم ومن منطلق عقدي واضح مرتكز على عقيدة الولاء والبراء يرفضون التقريب مع الروافض،ومن هنا ستأتي الشناعة على السلفيين الكبار –الذين يريد قاسم فك مداميك أفكارهم- وسيتهمون من قبل العصرانيين والليبراليين والمخالفين بجميع طوائفهم بالإقصائيين!

ويتم رفع الصفار ومن شايعه إلى أعلى، ويوسم بالمعتدل المسالم المتقبل للآخر! ثم حتما سيبحثون عمن يتقبل الصفار ممن يجأرون بالمطالبة بحقوق الأقليات الطائفية..سيتم تصدير الصداعين بالباطل –بحسب تفكير قاسم- ثم يكون التقارب!
وتفرض الوثيقة الممهورة بتوقيع الصفار فرضا على أهل السنة وبقرار رسمي!

وكل من قرأ التأريخ عرف صنيع الشيعة وخياناتهم المتكررة ومكرهم بأهل السنة على مدى العصور..فكم من دولة سنية قوضت بسبب تقريب الروافض ورفع شأنهم. (حفظ الله بلادنا وولاة أمرنا ومكن لهم بإقامة شريعة الله وكبت وكبد عدونا وعدوهم..آمين)

خاتمة:
وهكذا ترون أن عبد العزيز قاسم، استُعمل في إيجاد القضايا، وتفعيل الرموز، وتفعيل المستفيدين، ثم يحيط نفسه بعددٍ من الغافلين ممن يستفيدون من الفتات الذي في يديه، ليبدو بمظهر السلفي أو الوهابي! ويكون له القبول من عوام الناس الذين لا يدركون أبعاد هذه القضايا، ويكون لمشاريعه وغيره من العصرانيين ممن يدعمونه القبول والترحيب على المستوى الرسمي والشعبي ولكن هيهات..هيهات.

http://alsheaa.com/vb/showthread.php?69&p=85