مثلث الأزمة الاجتماعية في إيران
" الطلاق ، الإدمان ، البطالة
يمثل الصعود المتزايد لإحصاءات الطلاق في إيران ، خاصة في المدن الرئيسية مثل طهران
أزمة حقيقية قد تهد استقرار البلاد الاجتماعي في إيران ، وثمة أسئلة مهمة تطرح
نفسها بخصوص هذه الأزمة من أهمها : من المسؤول عن هذه الأزمة ، وما هي الأسباب
الحقيقية التي تقف وراء هذه الأزمة ؟ وهل لدى النظام الإيراني إستراتيجيات وطرق
محددة لمواجهة هذه الأزمة ؟ [1]
أزمة الطلاق في إيران تتوازى مع أزمات اجتماعية – شبابية أخرى تطول مجتمع يشكل فيه
الشباب الذين هم في سن الزواج 17.5 مليون نسمة تقريبا وهم الذين يقعون في الفئة
العمرية من ( 15 ) إلى ( 29 ) سنة [2] .
هذا بالطبع بافتراض أن جميع من هم فوق الـ ( 29 ) سنة هم من المتزوجين . من جملة
الأزمات الاجتماعية – الشبابية التي تطول أكثر من 25 % من سكان إيران نذكر أزمة
الزواج وأزمة البطالة وأزمة الإدمان .
ما سبق يعني أننا بصدد تناول أزمات اجتماعية أقر بها الإيرانيون وأخذوا يفكرون في
طرق حلها وذلك بعيدا عن فكرة التشهير التي تسيطر على المجتمع الإيراني أو النظام في
مواجهة من يفكر في الاقتراب من هذه الأزمات .
ثمة نقطة جوهرية نود التأكيد عليها أيضا وهي أنه ما من مجتمع إلا ويعاني الآن من
هذا المثلث : البطالة ، الإدمان ، الزواج والطلاق . فقط تختلف معدلات هذه الأزمات
ومدى انتشار بعضها في مجتمع دون الآخر .
تفيد الإحصاءات الرسمية لإدارة الأحوال المدنية التابعة لوزارة الداخلية الإيرانية
أن محافظة طهران هي أعلى محافظات إيران فيما يخص معدلات الطلاق ، إذ تبلغ نسبة
حالات الطلاق إلى إجمالي حالات الزواج فيها 17.18 % ، ثم تأتي محافظة قم في المرتبة
الثانية – على الرغم من انخفاض الكثافة السكانية فيها – وذلك بنسبة 12.8 % ثم
محافظة كردستان التي تبلغ نسبة الطلاق فيها 10.6 % إلى إجمالي حالات الزواج . ويوضح
الجدول التالي حالات الزواج وحالات الطلاق التي وقعت في إيران وفقا لما نشرته وزارة
الداخلية الإيرانية في هذا الصدد وهو يعد الإحصاء الرسمي عن حالات الزواج والطلاق
الصادر عن مصلحة الأحوال المدنية لعام 2001 – 2002
جدول رقم (1)
يبين حالات
الزواج والطلاق في كل محافظات إيران لعام 2001 -2002

المصدر : وزارة الداخلية الإيرانية – مصلحة
الأحوال المدنية
يتبين من الجدول أن هناك 644251 حالة زواج تقابلها 61013 حالة طلاق في عام واحد فقط
والسؤال هنا هل تعد هذه الحالة بمثابة أزمة فعلية ؟ يمكن الإجابة على هذا السؤال من
خلال تناول مسيرة الثنائية (الزواج والطلاق) في إيران وذلك من خلال الجدول التالي .
جدول رقم
(2)
معدلات
الزواج والطلاق في الفترة من عام 1996 وحتى عام 2002

المصدر : وزارة الداخلية – مصلحة الأحوال
المدنية
لو أننا نظرنا إلى نسبة الطلاق مقارنة بنسبة الزواج في عام 1996 – 1997 والتي تبلغ
7.9% وكيف أن هذه النسبة قد زادت بمعدل 1.5 % على مدار السنوات الست التي اشتمل
عليها الجدول رقم ( 2 ) ثم قمنا بتحويل هذه النسبة إلى أرقام صحيحة فسنجد أنها تمثل
23196 حالة طلاق . فإذا ما أخذنا في الاعتبار معدلات الزيادة السكانية في إيران
والتي تماثل نفس المعدلات المصرية تقريبا حيث تدور حول 1.9 في الألف و 2.1 في الألف
لاتضح لنا أننا بالفعل بصدد أزمة مجتمعية مركبة وخطيرة النتائج يمكن استعراض أهم
مظاهرها على النحو التالي :
أ- أن لدينا 287013 أسرة قد انهارت .
ب- أن لدينا ضعف هذا العدد تقريبا من
الأبناء الذين سيعانون من التداعيات الخطيرة لانهيار هذه الأسر ، وذلك بافتراض أن
متوسط الأبناء في كل أسرة وقع لها الطلاق " اثنان " فقط .
ج- أن لدينا 143506 امرأة فقدت الزوج
بوصفه عائلا لها .
د- أن لدينا 143506 عائلة صارت إحدى
بناتها مطلقة مع كل ما يعنيه هذا الوضع في مجتمع شرقي مسلم في المجتمع الإيراني .
هـ - أن لدينا فرصة كبيرة لحدوث زيادة
قوية في أعداد أطفال الشوارع التي بدأت تسود المدن الإيرانية وأعداد الأطفال
المقبلين على احتمالات تعرضهم للإدمان ، وأعداد الأطفال الذين يمكن أن يتسربوا من
التعليم نتيجة فقدان العائل وزيادة أعداد الأطفال الذين يدخلون في سوق العمل الحرفي
واليدوي دون أن يكونوا قد بلغوا بعد السن الصحيحة لمثل هذا التطور الحياتي .
الواقع أن تعاظم أزمة الطلاق في المجتمع الإيراني تفرض علينا أن نطرح عددا من
الأسئلة التي لا يمكن طرحها بالنسبة لأي دولة أخرى . فإيران كما نعلم جميعا دولة
لها خصوصياتها التي تميزها عن غيرها من الدول الأخرى وهي الخصوصية التي تنبع من
طبيعة نظام الحكم الإسلامي فيها ، هذه الخصوصية تخلق تصورا مثاليا في ذهنية وعقلية
أي متتبع لهذا النظام . مفاد هذا التصور أن إيران تعيش في مجتمع مثالي . ومن هنا
يبدو السؤال الذي ذكرناه في بداية هذا الحديث على قدر كبير من الأهمية وهو : من
المقصر ؟ هل النظام الإسلامي الإيراني بكل قيمه المستمدة – بكل تأكيد – من الشريعة
الإسلامية ؟ أم أن المقصر هو " الأسرة الإيرانية " ذاتها فلم تقم الأسرة باستثمار
ما هو قائم لديها من قيم اجتماعية – دينية للحيلولة دون تعاظم الأزمة ؟ أم يكون
الشباب الإيراني نفسه هو السبب الرئيسي الكامن وراء هذه الأزمة بما بات قائما أمامه
من قيم وتطلعات وسماوات مفتوحة وثورة معلوماتية حلت عليه في قوالب مدنية حديثة مثل
العولمة وحوار الحضارات ؟ أم أن هناك خللا قيميا هو الذي يفصل بين الرجل والمرأة في
إيران فتكون النتيجة أكثر من ربع مليون حالة طلاق في ست سنوات فقط ؟
المؤكد أننا لسنا بصدد تحليل علمي شامل ودقيق لكل هذه التساؤلات ، فهو أمر يخرج من
دائرة الهدف الذي تسعى إليه هذه الزاوية والمتمثل في إلقاء الضوء على القضايا
الاجتماعية فقط إلقاء الضوء ولكن في إطار وفي شكل علمي ومنهجي سليم حتى لا يظن
البعض أننا بصدد التشهير أو الإثارة .
الواقع أن أسباب الطلاق لا تكمن فقط في مؤسسة الأسرة ذاتها وإنما تكمن وتمتد أيضا
في البيئة الاجتماعية المحيطة وكذلك في الثقافة الاجتماعية التي باتت سائدة وقائمة
في داخل المجتمع الإيراني وكذلك في الأوضاع الاقتصادية . بل إن هذين العنصرين
الأخيرين : الثقافة والاقتصاد لا يؤثران في هذه الأزمة فحسب ، بل هما من الأسباب
المباشرة في تضخمها وتضاعف مستوياتها [3] .
من الأسباب الأخرى التي تساهم في مضاعفة هذه
الأزمة :
1- الفقر : الناتج عن البطالة وكذلك
اختلاف المستوى المالي بين الزوجين .
2- الإدمان : سواء كان مرتبطا بالزوجة
أو الزوج والأغلبية ترتبط بالزوج .
3- الزواج المفروض : وهو سبب يرتبط
بالمرأة أكثر من الرجل فيصبح هذا الأمر سببا لمطالبة المرأة بالطلاق بعد ذلك خاصة
إذا كانت قد تزوجت في سن صغيرة وهو ما يعرف اجتماعيا بظاهرة " عدم التفاهم " .
4- الخيانة والعلاقات السرية : ترتبط
بالرجل والمرأة على السواء ، أما الثانية فهي تخص الرجل بالدرجة الأولى من خلال
علاقاته السرية كالزواج المؤقت .
5- انتشار المفاهيم الخاطئة والتفاوت
السني الكبير بينهما على صعيد آخر ، يأتي عدم التوافق الأخلاقي بين الأزواج ونفور
الزوجة من الزوج في مقدمة الأسباب والعوامل التي تؤدي إلى زيادة حالات الطلاق في
طهران وحدها وهو ما يعكس التباين في القيم والمفاهيم والثقافات التي توجد لدى كل من
الرجل والمرأة الطهرانيين ، ثم يأتي بعد ذلك " عدم الإنفاق " من جانب الزوج
الطهراني والاختلافات الأسرية والعائلية كأسباب للطلاق . من ناحية أخرى يمكن القول
بأن الفساد الأخلاقي للزوج وإدمان المخدرات والإصابة بالإيدز هو في مقدمة العوامل
والأسباب التي تقع على عاتق الزوج والتي تؤدي إلى وقوع الطلاق [4] ألم نقل : إن
السؤال الذي تصدر حديثنا هنا هو سؤال واجب ومشروع . نعم من هو المقصر ؟
إن الفساد الأخلاقي للزوج – أي الرجل – وإدمان المخدرات والإصابة بالإيدز هي جميعها
عناصر إدانة لنظام حكم يعتمد الإسلام منهجا له ويقوم الرجل فيه بدور ضليع ، فهل بات
الأمر خارج نطاق السيطرة ؟
الحقيقة أنه لا يمكننا الجزم بإجابة محددة كما أنه لا يمكننا قصر المسؤولية
وإلقاؤها فقط على عاتق النظام السياسي بمفرده ، وهو أمر لا نقول به في شأن النظام
السياسي الإيراني فحسب بل نقوله في شأن جميع النظم السياسية فلا يوجد نظام سياسي
واحد في العالم يكون قادرا على تحجيم الممارسات الحياتية – الشخصية الخاطئة لأفراد
مجتمعية بنسبة 100% وإلا لكنا قد شاهدنا نهاية لكثير من الظواهر الاجتماعية السلبية
كالجريمة على سبيل المثال .
لكن ذلك لا يعني أن لا نطرح السؤال التالي : كيف سيحل النظام هذه الأزمة ؟ ما هي
الآليات التي اتبعها أو سوف يتبعها النظام في سبيل الهبوط بمعدلات الطلاق إلى النسب
الطبيعية أو المقبولة . هذا ما سوف نسعى للإجابة عليه في أعداد قادمة بإذن الله
تعالى .
---------------------------
[1] رسالت 23 – 8 - 2004 .
[2] د. مدحت أحمد حماد ، نتائج الانتخابات وتركيبة المجلس السابع ، في د . محمد
السعيد إدريس ( محرر ) الانتخابات التشريعية في إيران : مجلس الشورى السابع ومستقبل
المشروع الإصلاحي ، القاهرة ، مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام ،
2005 ، ص 2
[3] إطلاعات 2 – 9 – 2004 .
[4] المرجع السابق.